مختصر سيرة الرسول محمد ﷺ
مختصر سيرة الرسول محمد ﷺ
مُخْتَصَرُ سِيرَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ
إعداد
اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
المقدمة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، أما بعد:
فهذه سيرةٌ موجزة لسيد الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين؛ فهو ﷺ القدوة الكاملة، والأسوة الحسنة، الذي لم تشهد الدنيا عظيمًا يضاهيه، فقد كان خلقه القرآن، فلما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ قالتْ: «ألَسْتَ تَقرَأُ القُرآنَ؟» قُلْتُ: بَلَى. قََالتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ كَانَ القُرْآنَ» [رواه مسلم]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ4﴾ [القلم: 4].
وإنما نقرأ سيرته العطرة لنستلهم منها العظة والعبرة؛ فهو إمامنا الذي نقتدي به في الإيمان، والأعمال، والأقوال؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [سورة الأحزاب: ٢١].
وقد كتبنا هذه السيرة بأسلوبٍ سهلٍ ميسر، يناسب الكبار، ويصلح لتعليم الصغار، بأسلوبٍ سرديٍّ يجمع بين أحداث السيرة وذكر فوائدها، وجعلناها في هيئة دروسٍ مرتبة لِيَسْهُلَ فهمها واستيعابها.
وقد ركزنا فيها على أصول السيرة وأهم أحداثها، دون استقصاءٍ لكل تفاصيلها، وهي تبدأ من مولده ﷺ حتى وفاته عليه الصلاة والسلام.
نسأل الله العظيم أن ينفع بها، وأن يكتب لها القبول، وأن يغفر لنا ولكم.
(1) مقاصد الرسالات
جميع الرسالات الإلهية تشترك في مقاصد عظيمة؛ ويمكن تلخصيها بما يلي:
الأول: دعوة الخلق إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [سورة الأنبياء: 25].
الثاني: إخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [سورة البقرة: 257]، وقال تعالى: ﴿يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 16﴾ [سورة المائدة:16].
الثالث: ألا يتخذ الخلق بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ 64﴾ [سورة آل عمران: 64]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ 80﴾ [سورة آل عمران:80].
الرابع: الكفر بالطاغوت قال تعالى: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة:256]، فلابد أن يعتقد المسلم أن كل ما عبد من دون الله فهو معبود بالباطل.
الخامس: البراءة من الشرك وأهله، قال تعالى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ...﴾ [سورة الممتحنة:4].
فكل الأنبياء عليهم السلام دعوا أقوامهم إلى هذه الأصول العظمى.
السادس: أن يكون الدين كله لله، قال تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ39﴾ [سورة الأنفال:39]، وقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا28﴾ [سورة الفتح:28]، فلا يتعبد الخلق إلا بالإسلام؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [سورة آل عمران:85].
السابع: العمل بشريعة الله في جميع شؤون الحياة الدينية والدنيوية، وألا يتبع الناس شرعًا غير شرع الله، قال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ21﴾ [سورة الشورى:21].
(2) مدخل إلى السيرة النبوية
أولًا: تعريف السيرة النبوية:
هي العلم الذي يتناول جميع ما ورد إلينا عن سيرة الرسول ﷺ وسنته وخلْقه وخُلقه وغزواته وسراياه، من مولده حتى التحاقه بالرفيق الأعلى.
ثانيًا: ثمرات دراسة السيرة وأهميتها:
1- تحقيق شهادة الرسالة: إذ بمعرفة سيرة الرسول ﷺ والوقوف على أحواله، واتباع منهجه، يزاد العبد إيمانًا وتصديقًا وتحقيقًا لشهادة "أن محمدًا رسول الله".
2- القدوة والأسوة: ليكون النبي ﷺ هو المنار الذي نهتدي به، والمثال الذي نحذو حذوه في شؤون حياتنا كافة، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [سورة الأحزاب: ٢١].
3- فهم القرآن الكريم: فالسيرة هي التطبيق العملي لآيات الكتاب العزيز؛ إذ كان خلقه ﷺ القرآن، وبه يُعرف سياق النزول ومقاصد الوحي.
4- فهم السنة النبوية: فمن خلال مواقفه وأفعاله ﷺ، تتضح لنا معاني أحاديثه وتطبيقاتها الواقعية.
5- غرس محبته ﷺ: فالمحبَّة تأتي بالمعرفة، ولا سبيل لمعرفة فضله وعظيم قدره إلا بالوقوف على تفاصيل حياته وتضحياته.
6- الاعتبار والاستبصار: لاستخلاص الدروس والعِبر من حياته ﷺ؛ فهو القدوة في الصبر عند البلاء، والشكر عند النعماء، والثبات في كل حال.
٧- نيل سعادة الدارين: فلا فلاح في الدنيا ولا فوز في الآخرة إلا بالسير على خطاه والتأسي بهداه ﷺ.
ثالثًا: من هدي السلف في تعلم السيرة:
لقد أدرك السلف الصالح قيمة هذا العلم، فكانوا يتعاهدونه كما يتعاهدون القرآن الكريم:
قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم: «كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَرَايَاهُ، كَمَا نُعَلَّمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ».
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم: «كانَ أبِي يُعَلِّمُنَا مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَقُولُ: يَا بَنِيَّ هَذِهِ مَآثِرُ آبَائِكُمْ، فَلَا تُضَيِّعُوا ذِكْرَهَا» [انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨].
(3) نسب النبي ﷺ الشريف
أولًا: نسبه من جهة أبيه:
هو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة: أبو القاسم محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان.
وهذا النسب الشريف ينتهي إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
ثانيًا: نسبه من جهة أمه:
هي: آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب بن مرة، ويلتقي نسب أمه ﷺ بنسب أبيه في الجد "كلاب بن مرة"، مما يدل على أن أصله من أكرم بيوت قريش وأطهرها من الجهتين.
الدروس المستفادة:
1- يتصل نسبه ﷺ بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، مما يؤكد امتداد النبوة في هذه الشجرة المباركة.
2- نسبه ﷺ هو أشرف الأنساب على الإطلاق، وأزكاها حسبًا، وأطيبها، وقد اختاره الله من خير القبائل وأكرم البيوت. من ذلك قوله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» [رواه مسلم].
(4) ولادته ﷺ ونشأته
وفاة والده: مات أبوه ﷺ وهو جنينٌ في بطن أمه.
مولده: وُلد النبي ﷺ في مكة عام الفيل، في يوم الاثنين، واختلف في تحديد تاريخ هذا اليوم وشهره، فقيل: في اليوم الثاني من ربيع الأول، وقيل في الثالث منه، وقيل في التاسع، وقيل في العاشر، وقيل في الثاني عشر، وقيل ولد في صفر، وقيل في ربيع الآخر.
مرضعاته: أرضعته حليمة السعدية، وثويبة أَمَةُ عمه أبي لهب، وهي أول من أرضعه بعد أمه، وحضنته أم أيمن بركة الحبشية مولاة أبيه.
حادثة شق الصدر: كانت وهو ﷺ صغير في بادية بني سعد؛ أيام رضاعته عند حليمة السعدية، جاءه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الصبيان وكان عمره قريبًا من أربع سنين، فشق صدره واستخرج منه علقة وقال: «هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ»، ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم. [رواه مسلم].
وفاة أمه وجده: تُوفيت أمه آمنة بالأبواء وهي راجعة به ﷺ إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وهو يومئذ ابن ست سنين، فكفله جده عبد المطلب، ثم تُوفي جده وله من العمر ثماني سنين، فكفله بعده عمه أبو طالب.
الدروس المستفادة:
١- وُلد النبي ﷺ يتيمًا، وماتت أمه وهو صغير، وفي هذا تسلية لمن فقد أباه أو أمه في صغره، ومن باب أولى لمن فقدهما وهو كبير.
٢- عناية الله بنبيه منذ صغره؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ6﴾ [الضحى: ٦]. أي: وجدك، وقد مات والداك وأنت لا تملك لنفسك تدبيرًا، فآواك الله وحفظك، وسخر لك جدك عبد المطلب، ثم لما مات جدك؛ كفلك عمك أبو طالب.
٣- علينا أن نعلم أن الله هو الحافظ والراعي الحقيقي للعبد؛ فهذا النبي ﷺ نشأ يتيمًا، وسخر الله له من يكفله، ثم بعثه للناس وجعله خير بني آدم أجمعين وقدوة للعالمين.
٤- طهارة قلب النبي ﷺ وعصمته من نزغات الشيطان منذ صباه، فالله تعالى قد هيأه للنبوة بتطهير قلبه جسدًا ومعنى.
5- فائدة: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم تخصيص ليلة مولده ولا يومه باحتفال أو عبادة معينة؛ لذا فإن الخير كل الخير في اتباع هديهم وترك ما لم يفعلوه.
(5) حياة النبي ﷺ قبل البعثة وهي المرحلة التي سبقت نزول الوحي، ولم يكن فيها نبيًا ولا رسولًا
حفظ الله لنبيه: نشأ النبي ﷺ بعيدًا عن عادات الجاهلية وشركهم؛ فلم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرًا، ولم يأتِ فاحشة أبدًا، كان أحسن الناس خُلقًا، وأصدقهم حديثًا، حتى عُرف بـ "الصادق الأمين"؛ كان يصل الرحم، ويكرم الضيف، ويعين الفقير.
رحلة الشام الأولى: سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام وكان عمره اثنتي عشرة سنة.
حرب الفِجارِ: شهدها النبي ﷺ وهو في سن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، وكانت بين قريش وكنانة ضد قيس عيلان، وكان دور النبي ﷺ فيها "ينبل" على أعمامه، أي يناولهم السهام ليرموا بها.
حلف الفضول: شهد هذا الحلف الذي تعاهدت فيه قبائل مكة على نصرة أي مظلوم حتى تُرد إليه مظلمته.
العمل والرزق: كان يرعى الغنم لأهل مكة مقابل أجر، ثم سافر ثانية في شبابه إلى الشام تاجرًا بمال خديجة رضي الله عنها.
زواجه: لما رأت خديجة رضي الله عنها أمانته والبركة التي حلّت بتجارته، رغبت في الزواج منه، فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة.
خلوته وتعبده: كان يحب الخلوة ويتعبد لله في غار حراء، حيث كان يتزود بالطعام والشراب ثم يعتكف هناك لليالٍ، حتى جاءه الوحي.
إعادة بناء الكعبة: لما بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، أعادت قريش بناء الكعبة واختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه، حتى كادوا يقتتلون، فاتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم، فكان هو النبي ﷺ. فلما رأوه قالوا: "هذا الأمين، رضينا به". فوضعه في ثوب وأمر رؤساء القبائل أن يمسكوا بأطرافه، ثم رفعه بيده الشريفة ووضعه في مكانه.
الدروس المستفادة:
١- حفظ الله نبيه ﷺ من الشرك والآثام قبل البعثة، وهذا من مقدمات النبوة ودلائلها.
٢- كان يُعرف عليه الصلاة والسلام بالصادق الأمين، وهذه الصفات كانت أقوى حجة على صدقه؛ فمن تنزه عن الكذب على الناس، لا يمكن أن يكذب على الله.
٣- فضل الصدق والأمانة: هما أعظم صفات المؤمن، وبهما يكتسب الإنسان ثقة الناس ومحبتهم.
٤- حرص النبي ﷺ على الرزق الحلال والعمل بيده، فرعى الغنم وتاجر بالمال، وهذا يعلمنا السعي والأخذ بالأسباب.
٥- التواضع: لم يخجل النبي ﷺ من ذكر عمله في رعي الغنم بعد أن أصبح نبيًا، ليعلمنا أن العمل شرف؛ قال ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» قَالَ لَهُ أصْحَابُهُ: وَأنْتَ يَا رَسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَأَنا كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالقَرَارِيط» [رواه البخاري].
٦- رجاحة العقل: أثبت موقفه في وضع الحجر الأسود ذكاءً فذًا وحكمة في حقن الدماء وإرضاء الجميع، وهو رأي غاب عن كبار سادات قبائل قريش.
(6) بدء الوحي ونزوله على النبي ﷺ
بداية الوحي: بدأت تباشير الوحي والنبوة حين بلغ النبي ﷺ الأربعين من عمره.
الرؤيا الصالحة: كانت أولى مقدمات الوحي هي "الرؤيا الصالحة"؛ فكان ﷺ لا يرى رؤيا في منامه إلا وتحققت في الواقع كوضوح الصبح، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ...» [متفق عليه].
في غار حراء: بينما كان ﷺ يخلو بنفسه للتعبد في غار حراء، جاءه الملك جبريل عليه السلام بالوحي من الله تعالى.
مجيء الملك جبريل عليه السلام فقال له: "اقرأ"، فقال النبي: "ما أنا بقارئ"، وتكرر ذلك ثلاث مرات، وفي الثالثة قرأ عليه جبريل صدر سورة العلق: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ 2 ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ3 ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ 4 عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ 5﴾ [العلق: ١-٥]. فكانت هذه أولى آيات القرآن نزولًا [متفق عليه].
تأييد خديجة رضي الله عنها للنبي ﷺ: رجع النبي ﷺ إلى زوجته خديجة وهو يرتجف من شدة الموقف، وأخبرها بما حدث، فثبّتته قائلة: «كَلَّا وَاللَّهِ، لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ (تساعد الضعيف)، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ (تعطي الفقير)، وَتَقْرِي الضَّيْفَ (تكرمه)، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (ما ينزل بالناس من المهمات)».
بشارة ورقة بن نوفل: بعد ذلك ذهبت خديجةُ رضي الله عنها بالنبي ﷺ إلى ابن عمها ورقةَ بنِ نوفل، وكان من علماء النصارى، وممن بقي على ملة إبراهيم عليه السلام، وكان يكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، فلما سمع من النبي ﷺ ما وقع له في حراء، قال: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ وَرَقَةُ: «نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً، حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. [متفق عليه].
انقطاع الوحي ثم عودته: انقطع الوحي فترة قصيرة، ثم نزل بعد ذلك بصدر سورة المدثر: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ1 قُمۡ فَأَنذِرۡ2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ4 وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ5﴾ [المدثر: ١-٥].
الدروس المستفادة:
١- سنّ الأربعين: اختار الله هذا السن لنزول الوحي لأنه يمثل كمال العقل وقوة الفهم، كما قال تعالى: ﴿...حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ...﴾ [الأحقاف: ١٥].
٢- لبث النبي ﷺ في قومه أربعين سنة قبل النبوة، فكانت سيرته العطرة بينهم أكبر دليل على صدق نبوته ودعوته.
٣- هيأ الله نبيه لمهمة الوحي العظيمة بالرؤيا الصادقة وحبب إليه الخلوة.
٤- أهمية أن يخصص المسلم وقتًا يخلو فيه بربه لذكر الله والتفكر في ملكوته.
٥- أثر الزوجة الصالحة: يظهر جليًا في موقف خديجة رضي الله عنها ومواساتها لزوجها، وهي قدوة في الدعم والمساندة وقت الشدائد.
6- استدلال خديجة رضي الله عنها بأخلاق النبي ﷺ على أن الله سيحفظه؛ فمكارم الأخلاق سبب للنجاة من الشرور.
7- أول ما أُمر به النبي في سورة المدثر هو الدعوة إلى توحيد الله والتحذير من الشرك؛ فالتوحيد هو أساس الدين وأهم الواجبات.
قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "وقوله: ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ2﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره". [تفسير الطبري (23/ 9)].
(7) دعوة النبي ﷺ في مكة
الدعوة سرًا: بدأت الدعوة في مكة مستترة نحو ثلاث سنين؛ فكان أول من أسلم من النساء زوجته خديجة بنت خويلد، ومن الرجال أبو بكر الصديق، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الأرقاء بلال الحبشي رضي الله عنهم أجمعين.
وآمن بدعوة أبي بكر نخبة من الصحابة منهم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح.
دار الأرقم: كان المسلمون الأوائل يجتمعون مع رسول الله ﷺ في دار "الأرقم بن أبي الأرقم" ليتعلموا أمور دينهم ويعبدوا الله بعيدًا عن أعين المشركين.
الجهر بالدعوة: ثم أمر الله نبيه بالصدع بالحق، فقال تعالى: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ94﴾ [الحجر: ٩٤]. ثم أمره عز وجل بدعوة أهله وعشيرته فقال تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ214﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فنادى النبي ﷺ في الناس داعيًا إياهم لتوحيد الله، ومبشرًا بالجنة لمن آمن، ومحذرًا من النار لمن كفر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤]، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ» ـ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ـ «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» [متفق عليه].
أذى المشركين والهجرة الأولى: لما جهر المسلمون بدينهم، اشتد أذى المشركين لهم بالسخرية والتعذيب؛ فأذن النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة فرارًا بدينهم.
حماية الله لنبيه: أراد المشركون قتل النبي ﷺ، فحماه الله بعمه أبي طالب؛ إذ كان يدافع عن النبي ﷺ، رغم بقائه على دين قومه.
إسلام حمزة وعمر: قويت شوكة المسلمين بإسلام عم النبي ﷺ حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ» [البخاري].
المقاطعة والحصار: اتفقت قريش على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب؛ فلا يبيعونهم ولا يشترون منهم، ولا يناكحونهم ولا يجالسونهم. واستمر هذا الحصار المرير في "شعب أبي طالب" ثلاث سنوات، حتى قام نفر من عقلاء قريش بنقض هذه الصحيفة الظالمة وفك الحصار، ووجدوا أن الْأَرَضَةَ قد أكلت الصحيفة إلا "باسمك اللهم"، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله.
عرض الدعوة: استمر النبي ﷺ في عرض دعوته على القبائل في مواسم الحج، حتى التقى بالأنصار من أهل المدينة، فآمنوا به وعاهدوه على النصرة.
الدروس المستفادة:
١- بدأت الدعوة سرًا تدرجًا في التغيير، وحماية للمسلمين الأوائل، وجمعًا للأنصار والأعوان.
٢- لخديجة وأبي بكر والرعيل الأول مزية عظيمة؛ فقد بذلوا أنفسهم وأموالهم وصبروا على الأذى في وقت الشدة.
٣- بدأ النبي ﷺ بدعوة أهله وزوجته، فعلى الداعية ألا يهمل أهل بيته من الدعوة إلى الله وتعليمهم ونصحهم، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ...﴾ [التحريم: 6].
٤- المسارعة للخير: نأخذ من سيرتهم أهمية المبادرة للدخول في الحق والعمل به دون تردد.
٥- طريق الدعوة يحتاج إلى نَفَس طويل؛ فقد صبر النبي ﷺ سنوات طوال ولم يؤمن معه في البداية إلا القليل.
٦- إسلام عمر بن الخطاب وحمزة رضي الله عنهما كان فتحًا وعزًا للمسلمين، مما يوضح أن الدعوة تحتاج إلى قوة تحميه.
٧- كان اجتماع الصحابة في دار الأرقم دليلًا على أهمية الترابط والتواصل والتعاون على البر والتقوى، وأهمية الصحبة الصالحة، وفيه الأخذ بالأسباب المتاحة وبذل الجهد في الحفاظ على الدعوة وعدم التواكل.
٨- أهمية التوحيد: وهو أول الواجبات؛ لذا كانت "لا إله إلا الله" هي أول ما جهر به النبي ﷺ في دعوته.
٩- على المسلم ألا يستحي من دينه، بل يجهر به بوضوح وحكمة طلبًا لرضا الله وحده.
١٠- التعذيب والسخرية والتضييق أساليب قديمة واجهها الأنبياء وأتباعهم، والقدوة لنا في ثبات النبي ﷺ وأصحابه.
١١- مشروعية الهجرة: ترك الأوطان والأموال في سبيل العقيدة مشروع لمن عجز عن إقامة دينه، فالدين أغلى ما يملكه الإنسان.
١٢ –الرابطة الإيمانية هي الأساس في الدين وليست رابطة العرق أو النسب، فكما جهر النبي ﷺ بدعوته ودعا الناس لعبادة الله الواحد كذلك أمره الله تعالى بأن يدعو أهله وعشيرته ليكون ذلك دليلًا واضحًا أمام الناس على الغاية والهدف من الرسالة من أول لحظة.
١٣- الدعوة إلى الله مسؤولية كل مسلم: فهذا الصحابي الجليل الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه والذي اتخذ النبي ﷺ من داره مركزًا للدعوة في بداية الأمر، كان فَتًى يافعًا أسلم في نحو السادسة عشر من عمره وشهد المشاهد مع النبي ﷺ فيما بعد ولم يمنعه صِغَرُ سنِّه آنذاك من المشاركة في الدعوة إلى الله بما يستطيع.
(8) وفاة خديجة وأبي طالب، ودعوة أهل الطائف
عام الحزن: في العام العاشر من البعثة، تُوفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وتُوفي أبو طالب عم النبي ﷺ، الذي كان يحوطه ويدافع عنه، وقد مات على الكفر. وبوفاتهما اشتد أذى قريش على النبي ﷺ عما كان عليه من قبل.
دعوة أهل الطائف: خرج النبي ﷺ إلى الطائف راجيًا أن يجد فيهم نصرة لدينه، فقابلوا دعوته بالرفض والسخرية، بل وحرضوا عليه سفهاءهم فرجموه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان.
موقف الرحمة: غادر النبي ﷺ الطائف وهو مهموم، وفي طريق عودته أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يخيره إن شاء أن يطبق على أهل مكة الجبلين (الأخشبين) لإهلاكهم.
جوابه الشريف: أجاب النبي ﷺ ملك الجبال برحمة الصابر قائلًا: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [رواه البخاري ومسلم].
الدروس المستفادة:
١- ثبات النبي ﷺ: تجلّى صبره في تحمّل فقدان أكبر داعميه (زوجته خديجة وعمه أبو طالب) في عام واحد، ومع ذلك لم يثنه هذا المصاب عن مواصلة دعوته.
٢- لم ينفع أبا طالب دفاعه عن النبي ﷺ في النجاة من النار لأنه مات على الشرك؛ فالعمل لا ينفع صاحبه في الآخرة إلا إذا قام على أساس الإيمان بالله والإخلاص له.
٣- ما أصاب النبي ﷺ في الطائف من أذى حسي ونفسي هو درس للمسلم في التضحية والتحمل من أجل إعلاء كلمة الله.
٤- كمال العفو عند المقدرة: رفض النبي ﷺ إهلاك من آذوه، مفضلًا الصبر عليهم لعل الله أن يهدي ذرياتهم.
٥- كان ﷺ رحيمًا بالناس، يرجو لهم الهداية لا الهلاك، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ107﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
٦- القيام بالواجبات والأخذ بالأسباب: على المسلم أن يسعى دائمًا نحو تحقيق هدفه المشروع متوكلًا على الله عز وجل، وعليه أن يأخذ بكل الأسباب المتاحة؛ لتحقيق هذا الهدف، ولا يعجزه أن فقد أحد هذه الأسباب أو قل الداعمون له.
(9) الإسراء والمعراج ومعجزة انشقاق القمر
رحلة الإسراء والمعراج:
بعد عام الحزن، وبعد رحلة الطائف التي لقي فيها النبي ﷺ ما لقي من الأذى، جاءت هذه الرحلة المباركة والمعجزة العظيمة من رب العالمين تكريمًا لنبيه ﷺ، وتثبيتًا له، ونصرةً له على ما لاقاه من معاناة وأذى من قريش آنذاك.
حدثت هذه المعجزة العظيمة بعد سن الخمسين من عمره ﷺ.
شق صدر النبي ﷺ: كان أبو ذر رضي الله عنه، يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ» [رواه البخاري ومسلم].
الإسراء: هو رحلته ﷺ ليلًا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس.
المعراج: هو صعوده من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى، وصولًا إلى "سدرة المنتهى"، وهي شجرة عظيمة جدًا في السماء السابعة.
قال تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ1﴾ [الإسراء: ١].
مشاهد الرحمة والقدرة: رأى النبي ﷺ في هذه الليلة آيات ربه الكبرى؛ فرأى الجنة والنار، والتقى بالأنبياء عليهم السلام وصلى بهم في المسجد الأقصى، وكلمه الله تعالى من وراء حجاب بغير واسطة، وفرض عليه الصلوات الخمس.
موقف الناس: لما أصبح النبي ﷺ في مكة وأخبر الناس بما حدث، ازداد المؤمنون إيمانًا وتصديقًا، بينما اشتدَّ عناد الكافرين وتكذيبهم.
انشقاق القمر: طلب المشركون من النبي ﷺ آية ملموسة تدل على صدقه، فشق الله له القمر نصفين حتى رآه الناس عيانًا، ومع ذلك أعرض كفار قريش وقالوا هذا سحر.
قال تعالى: ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ1 وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ2﴾ [القمر: ١-٢].
الدروس المستفادة:
١- الله سبحانه على كل شيء قدير، وما معجزتا الإسراء والمعراج وانشقاق القمر إلا دليل من الأدلة على كمال قدرته سبحانه.
٢- كانت هذه الرحلة بعد عام الحزن، كأنها تكريمٌ عظيمٌ للنبي ﷺ، وتثبيتٌ لقلبه ومواساة له بعد سنوات طوال من التعب والأذى في سبيل الدعوة.
٣- الصلاة هي العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء ومن الله إلى رسوله مباشرة بغير واسطة الملك جبريل عليه السلام، مما يدل على عظم شأنها وأهميتها في حياة المسلم.
٤- جعل الله هذه المعجزات حجة ظاهرة على صدق النبوة، ولكن من أغلق قلبه عن الحق لا تنفعه الآيات مهما كانت عظيمة.
٥- فائدة: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم تخصيص ليلة الإسراء والمعراج باحتفال أو عبادة معينة؛ لذا فإن الخير كل الخير في اتباع هديهم وترك ما لم يفعلوه.
٦- رحلة الإسراء والمعراج كانت بالروح والجسد معًا والنبي ﷺ في حالة يقظة، وهذا ما يدل على عظمة المعجزة وكمال قدرة الله تعالى.
٧- إنَّ مع العسر يسرًا: على المسلمِ أن يمضيَ قُدُمًا في طريقه، وألّا يُباليَ بالصعوبات التي سيجدها، وأن يثق بالله عزَّ وجلَّ، ويعلم أنَّ النصر مع الصبرِ، وأنَّ الفرجَ مع الكرب، وأنَّ مع العسر يُسرًا.
(10) الأنصار وبيعة العقبة الأولى والثانية
لقاء الأنصار: في العام الحادي عشر من البعثة، التقى رسول الله ﷺ بنفر من الأنصار (أهل المدينة) عند العقبة بمنى قرب مكة، فجلس معهم ودعاهم إلى الإسلام، فاستجابوا له وصدقوه، ولما عادوا إلى المدينة، نقلوا خبره ودعوته إلى قومهم، حتى انتشر الإسلام بينهم، ولم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله ﷺ.
بيعة العقبة الأولى: في العام الثاني عشر من البعثة، قدم وفد من الأوس والخزرج (الأنصار)، وبايعوا النبي ﷺ "بيعة العقبة الأولى" فعلَّمهم الإسلام ودعاهم لمبايعته، فبايعوه على: أن لا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوا النبي ﷺ في معروف.
ثم بيّن لهم الجزاء فقال: «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». [رواه البخاري ومسلم].
أول سفير في الإسلام: وبعد أن تمَّتِ البيعةُ وانتهى موسمُ الحج، بعثَ النبيُّ ﷺ مع هؤلاء المبايعين أوَّلَ سفيرٍ في الإسلام؛ ليُعلِّمَ المسلمينَ الجددَ في المدينةِ شرائعَ الإسلامِ، ويُفقِّهَهم في الدينِ، واختارَ لهذه المهمةِ شابًّا من شبابِ الإسلامِ من السابقين الأوَّلين، وهو مصعبُ بنُ عميرٍ رضي الله عنه.
بيعة العقبة الثانية: وفي العام الثالث عشر من البعثة، خرج وفد أكبر لملاقاة النبي ﷺ وبايعوه "بيعة العقبة الثانية" على حمايته ونصرته إذا هاجر إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم.
الربح العظيم: سأل الأنصار رسول الله ﷺ: «مَا لَنَا إِنْ وَفَيْنَا بِهَذِهِ الْبَيْعَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟»، فأجابهم ﷺ بكلمة واحدة: «لَكُمُ الْجَنَّةُ»، فبايعوه بكل صدق وفرح.
الدروس المستفادة:
١- استمرار النبي ﷺ في عرض الإسلام على الجميع بلا كلل ولا ملل هو قدوة عظيمة للدعاة؛ فالثبات واليقين هما مفتاح النجاح.
٢- فضل الأنصار: تبرز مكانة أهل المدينة في سرعة استجابتهم للحق، وحرصهم على نشر الإسلام بين أقاربهم وجيرانهم حتى عمّ الخير ديارهم.
٣- كانت بيعتا العقبة حجر الأساس في قيام دولة الإسلام؛ حيث تضمنتا العهد على الطاعة وحماية النبي ﷺ ونصرة دينه.
٤- لم يعد النبي ﷺ الأنصار بمناصب ولا أموال مقابل نصرته، بل وعدهم بالجنة؛ ليعلمنا أن الربح الحقيقي للمؤمن هو رضا الله ونعيمه المقيم.
٥- بايع الأنصار رضي الله عنهم النبي ﷺ على بذل أرواحهم وأموالهم حبًا في الله ورسوله، فاستحقوا أن يكون جزاؤهم الجنة.
٦- اقتضت حكمة الله أن يكون أنصار الإسلام الأوائل من غير بيئته وقومه، حتى لا يظن أحدٌ أن دعوة الرسول ﷺ كانت دعوةً قوميةً أو بحثًا عن منصب أو مُلك، بل هي دعوة ربانية للناس أجمعين.
7- فائدة: العقبة هي منطقة في "مِنى" قرب مكة، اختارها النبي ﷺ للقاء الأنصار سرًا؛ لأنها كانت مكانًا مستورًا بين الجبال بعيدًا عن أنظار قريش.
(11) الهجرة النبوية إلى المدينة
وهي الرحلة التاريخية الفاصلة التي غيرت مجرى التاريخ، وبدأت بها مرحلة بناء الدولة الإسلامية:
الإذن بالهجرة وبداية الرحيل: لما تمت بيعة العقبة الثانية واستوثق رسول الله ﷺ من نصرة أهل المدينة، أذن لأصحابه بالهجرة ليكونوا في أمن وأمان؛ فخرج الصحابة رغبةً فيما عند الله، فارقوا ديارهم وأموالهم وأهليهم، وانطلقوا جماعات متفرقة، متخفين عن أعين قريش، منهم المشاة ومنهم الركبان، وبقي النبي ﷺ في مكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج، ومعه صاحبه أبو بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
مؤامرة دار الندوة وعصمة الله لنبيه: حين رأت قريش أن أصحاب النبي ﷺ قد صاروا في منعةٍ وقوةٍ بالمدينة، خافت من انتشار دينه، فاجتمع كبار كفارها في «دار الندوة» للتشاور، واتفقوا على قتل النبي ﷺ بضربة رجلٍ واحدٍ من كل قبيلة؛ ليضيع دمه بين القبائل؛ لكن الله تعالى أطلع نبيه على مكرهم، وأذن له بالهجرة، فأمر النبي ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه؛ ليوهم الكفار أنه لا يزال في البيت، وليؤدي الأمانات إلى أهلها، وخرج ﷺ من بينهم وهم لا يبصرونه، وقد أعمى الله أبصارهم عنه.
في غار ثور والمعية الإلهية: انطلق النبي ﷺ مع رفيقه أبي بكر الصديق وتوجها إلى "غار ثور" للاختباء فيه، ومكثا فيه ثلاثة أيام، وفي هذه الأثناء، بذلت قريش كل جهدها للبحث عنهما ورصدت جائزة كبرى (مئة ناقة) لمن يقتلهما أو يأتي بهما. وحين وقف المشركون على باب الغار، خاف أبو بكر على حياة النبي ﷺ وقال: «لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا»، فطمأنه النبي ﷺ بيقين عظيم قائلًا: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟» [البخاري ومسلم]، فصرف الله المشركين عنهم رغم قربهم الشديد.
بناء مسجد قباء ودخول المدينة: بعد الخروج من الغار، سلك النبي ﷺ طريقًا بعيدًا عن أعين الكفار حتى وصل إلى منطقة "قُباء"، وهناك بنى أول مسجد في الإسلام وهو "مسجد قباء"، ثم توجه بعد أيام إلى المدينة، فاستقبله أهلها بفرح وسرور لا يوصف، واهتزت البيوت بأصوات التكبير والتحميد فرحًا بقدومه الشريف.
تأسيس الدولة وتشريع الجهاد: بمجرد استقراره ﷺ في المدينة، بدأ ببناء "المسجد النبوي" ليكون مقرًا للدولة، وآخى بين المهاجرين والأنصار ليصبحوا يدًا واحدة، ولما استقر الحال وصار للمسلمين قوة ومنعة، أذن الله لهم بالجهاد في سبيله لدفع الظلم، فأنزل الله قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ39﴾ [الحج: ٣٩].
الدروس المستفادة:
١- عظمة التضحية: هجرة النبي ﷺ وأصحابه وتركهم للأوطان والأموال كانت خالصة لله تعالى، وهذا يعلمنا أن الدين أغلى من كل شيء.
٢- فضل أبي بكر الصديق: حيث نال شرف صحبة النبي ﷺ في أعظم رحلة، وثبوت مكانته العالية كأقرب الناس لرسول الله ﷺ.
٣- أن الله تعالى تكفل بحماية نبيه ﷺ وصرف مكر الكفار عنه، فمن كان الله معه فلا غالب له.
٤- تجلت ثقة النبي ﷺ بربه في أصعب اللحظات داخل الغار، مما يعلمنا أن الفرج يأتي مع الصبر واليقين بالمعية الإلهية.
٥- فضل الأنصار: حيث ظهر حب أهل المدينة للنبي ﷺ وفرحهم به؛ والذي أظهر معدنهم الطيب، وكيف أنهم نصروا الله ورسوله بصدق.
٦- شُرع الجهاد في الوقت المناسب بعد قيام الدولة والقدرة عليه، وهذا من رحمة الله وحكمته في رعاية أحوال المسلمين.
٧- أهمية المسجد في حياة المسلمين: نظرًا لمكانة وأهمية المسجد في حياة المسلمين كان أول ما قام به النبي ﷺ وهو في طريقه إلى المدينة هو بناء مسجد قباء ثم بعد ذلك لما دخل المدينة قام ببناء المسجد النبوي في مكانه المعروف الآن.
8- أهمية التخطيط الجيد قبل الشروع في أي عمل؛ فقد كان النبي ﷺ يعلم أن قريشًا ستتجه في البحث أول الأمر إلى الطريق المؤدي إلى المدينة شمالًا، ولذلك سلك الطريق المضاد له، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن. كذلك استأجر النبي ﷺ وأبو بكرٍ عبدَ اللهِ بنَ أُرَيْقِطٍ لِيَكونَ لهُمْ مُرشِدًا إلى المدينةِ، وكان ماهرًا عارفًا بالطرق ومضايقها.
(12) بداية الجهاد في سبيل الله تعالى، وغزوة بدر الكبرى
بداية الغزوات والسرايا:
غزى رسول الله ﷺ إحدى وعشرين غزوة، وقيل أكثر من ذلك، أولها غزوة الأبواء (وَدَّانَ) في السنة الثانية من الهجرة، وآخرها غزوة تبوك (العُسْرة) في رجب سنة تسعٍ من الهجرة، وكان يبعث السرايا.
والغزوة: هي ما خرج فيها النبي ﷺ، وقاد المسلمين بنفسه، سواء حدث فيها قتال أو لم يحدث.
والسرية: ما لم يخرج فيها النبي ﷺ، وقد يحدث فيها قتال، وقد لا يحدث، والغالب أن عدد السرية يكون قليلًا.
غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة:
سبب هذه الغزوة أنه بلغ النبي ﷺ قدوم قافلة كبيرة من الشام لقريش فيها أموال كثيرة، فندب الناس لاعتراضها، وخرج في ثلاثمائة رجل وبضعة عشر، عقوبة لقريش حيث أخرجوا المهاجرين من بلدهم، واستولوا على بيوتهم وممتلكاتهم وسلبوا أموالهم. وبلغ الخبر قريشًا فحشدوا ألفًا وثلاثمائة مقاتل أو يزيدون، واستشار النبي ﷺ أصحابه، وعزموا على المواجهة، وكانت الحرب في شهر رمضان، والتقى فيها جيش الإسلام وجيش الكفر واشتد القتال، فنصر الله فيها نبيه نصرًا عظيمًا مؤزرًا، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، وقُتل من الكفار سبعون وأُسر سبعون، وكان معظمهم من كبار كفار قريش وساداتهم، فأعز الله الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، والحمد لله رب العالمين.
الدروس المستفادة:
١- مشروعية الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الله، ونشر الإسلام وإقامة العدل، والقضاء على البغي والجور.
٢- النبي ﷺ هو القائد القدوة والشجاع الأسوة: الذي يخرج بنفسه لقتال الكفار.
٣- مشروعية الاستيلاء على أموال الكفار المحاربين، وقطع طريق قريش التجاري وإضعافها اقتصاديًا؛ وكان هذا هو السبب الرئيس لغزوة بدر الكبرى.
٤- مشاورة النبي ﷺ أصحابه في الخروج والمواجهة: وفي ذلك مشروعية الشورى في جميع الأمور وخاصة المهمة منها.
٥- الله ينصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكبيرة: كما نصر النبي ﷺ وأصحابه على كفار قريش، وكان عددهم أضعاف عدد المسلمين، كما أخبرنا تعالى: ﴿...قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
٦- شجاعة النبي ﷺ وأصحابه: فقد واجهوا أضعاف عددهم وعدتهم.
٧- الله هو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء: فقد أعز أهل الإسلام في بدر وأذل أهل الشرك.
٨- بعض الحكم من مشروعية الجهاد في سبيل الله:
أ- دعوة الناس إلى الإسلام وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ قال تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ193﴾ [البقرة: ١٩٣].
ب- ردُّ الاعتداء على المسلمين؛ قال تعالى: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ190﴾ [البقرة: ١٩٠].
(13) غزوة أحد وما بعدها
وهي الغزوة التي تجلت فيها الدروس العظيمة في الطاعة، وظهر فيها صدق حب الصحابة لنبيهم ﷺ وتضحيتهم بأرواحهم.
أسباب الغزوة والاستعداد لها: كان لغزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة أسباب؛ أهمها: إرادة المشركين أخذ الثأر لقتلاهم وهزيمتهم يوم بدر؛ فتجمع فيها لقريش ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة أبي سفيان، وفي المقابل، خرج النبي ﷺ في ألف من أصحابه لملاقاتهم، وبينما الجيش في طريقه، رجع رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، ولم يشاركوا في القتال.
أحداث المعركة وشؤمُ المعصية: التقى الجيشان في أحد، ودارت معركة ضارية هُزم في أولها المشركون، ثم نزل رماة من المسلمين من الجبل، وقد كان أمر النبي ﷺ لهم بعدم النزول مهما كانت الظروف، وبسبب معصية الرماة لهذا الأمر، التف جيش الكفار على المسلمين، وقُتل عددٌ كبيرٌ من المسلمين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ152﴾ [سورة آل عمران:152].
شدة البلاء وتضحيات الصحابة: كانت غزوة أحد من أصعب الغزوات التي مرت على النبي ﷺ؛ حيث كسرت رباعيته من أسنانه، ودخلت حلقتا المغفر -وهو شيء يحمي الرأس- في وجهه الشريف، واشتد الأمر عليه لكن الله تعالى حفظه، وسقط في المعركة سبعون شهيدًا من الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وقد ظهر فيها الحب الحقيقي من الصحابة لنبيهم ﷺ، فبذلوا أرواحهم في سبيل حمايته، وبعد انتهاء المعركة ودفن الشهداء، رجع النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
ومن المواقف أن النبي ﷺ أشرف على شهداء أُحُدٍ فبكاهم، وقال: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ» [البخاري]، وأمر بدفنهم بدمائهم وثيابهم دون غسل، وكان يجمع الرجلين في القبر فيقدّم أكثرهم حفظًا للقرآن إعلاءً لشأنهم. ثم تفقد الأحياء يمسح جراحهم ويشد من أزرهم، وأثنى على بسالة أم عمارة وأهلها ودعا لهم برفقته في الجنة لما رأى من عظيم ثباتهم ودفاعهم عنه، ولما فرغوا من الدفن صَفَّ أصحابه جميعًا خلفه، فحمدوا الله وأثنوا عليه، مستسلمين لأمره، شاكرين له على نعمة الصبر والجهاد.
غزوة حمراء الأسد: وقعت هذه الغزوة بعد أحد بيوم واحد فقط، وكان سببها ما بلغ رسول الله ﷺ عن أبي سفيان بن حرب أنه يريد الرجوع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا من بقي من أصحاب النبي ﷺ، فأمر النبي ﷺ الناس بالخروج، واشترط ألا يخرج معه إلا من شهد القتال يوم أحد؛ فخرجوا على ما بهم من الجراح، فلما سمع بهم أبو سفيان خاف ورجع بمن معه إلى مكة.
الدروس المستفادة:
١- سوء عاقبة الذنوب والمعاصي: فإن ما وقع من الرماة من معصية الرسول ﷺ ترتب عليه الضرر الكبير والعظيم على المسلمين.
٢- منزلة النبي ﷺ وشجاعته: فقد قاتل بنفسه وأصيب في سبيل الله، عليه الصلاة والسلام.
٣- فضل الصحابة رضي الله عنهم: وتضحيتهم بأنفسهم في سبيل الله وحمايتهم لرسوله ﷺ.
٤- تمييز المؤمن من المنافق: فقد رجع أهل النفاق ولم يشاركوا بغزوة أحد، وعلى رأسهم ابن سلول كبير المنافقين.
٥- أثر تضحيات الصحابة: فلولا الله ثم تضحياتهم رضي الله عنهم ما وصل الإسلام إلى أحد، فقد جعلهم الله السبب؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
أولئكَ أتباعُ النبيِّ وحِزْبُهُ.. ولوْلاهُمُ ما كان في الأرضِ مُسْلِمُ.
٦- خروج الصحابة في "حمراء الأسد" بجراحهم النازفة بعد يوم واحد من معركة "أُحد"، فكانت استجابتهم للنبي ﷺ أعظم دليل على قوة الإيمان وعلو الهمة التي لا تغلبها الآلام.
7- شهيد القتال في سبيل الله لا يٌغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه كما فعل النبي ﷺ مع شهداء أُحد حيث أمر بدفنهم بدمائهم وثيابهم دون غسل.
(14) غزوة الخندق (الأحزاب) في السنة الخامسة من الهجرة
بدأت أحداث هذه الغزوة حين نقض اليهود العهد الذي عاهدوا فيه الرسول ﷺ وحرضوا قبائل العرب المختلفة وجمعوهم لغزو المدينة، بهدف القضاء على المسلمين ودولتهم الناشئة، فاجتمع من قبائل الشرك جيش عرمرم بلغ عشرة آلاف مقاتل بقيادة أبي سفيان بن حرب، في حين كان عدد جيش النبي ﷺ ثلاثة آلاف مقاتل فقط.
وعندما علم النبي ﷺ بقدومهم، استشار أصحابه، فأشار عليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر "خندق" حول المدينة ليكون سدًا منيعًا يحميها من دخول الأعداء، فأعجب النبي ﷺ برأيه وأمر بتنفيذه، ولم يكتفِ النبي ﷺ بالتوجيه، بل ضرب أروع أمثلة التواضع والقدوة بمشاركته الفعلية للصحابة في حفر الخندق ومعاناته معهم.
توافدت الأحزاب على المدينة وحاصروا المدينة حتى اشتد الكرب على المسلمين بسبب طول الحصار، واجتمع عليهم الخوف مع الجوع الشديد، وصور القرآن هذا الموقف العصيب بقوله تعالى: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ 10 هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا 11﴾ [الأحزاب: ١٠-١١].
وفي وسط هذه الأزمة، ظهرت معجزات النبي ﷺ، فبارك الله في الطعام القليل حتى أشبع الجيش كله، وبشر أصحابه بفتح بلاد فارس والروم رغم ضيق الحال، ليرفع من عزائمهم، ولما اشتد الأمر، توجه النبي ﷺ إلى ربه بالدعاء الصادق أن يفرّج عن المسلمين، فاستجاب الله له وأرسل على جيوش الأحزاب ريحًا شديدة اقتلعت خيامهم، وأنزل الملائكة تقذف الرعب في قلوبهم، فتفرق شملهم ورحلوا خائبين، وعاد الأمن للمدينة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا9﴾ [الأحزاب: ٩].
وقال سبحانه: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا25﴾ [الأحزاب: ٢٥].
الدروس المستفادة:
١- أن أعداء الإسلام قد يجتمعون على اختلاف عقائدهم لمحاربة المسلمين، وهذا من سنن الله في خلقه بدوام الصراع بين الحق والباطل، مما يستوجب الحذر الدائم والإعداد الجيد.
٢- تبرز الغزوة فضل سلمان الفارسي رضي الله عنه وأهمية المشورة في الإسلام.
٣- مشاركة النبي ﷺ لأصحابه في التعب تؤكد أن القائد الناجح هو من يبادر بالعمل ويكون متواضعًا مع رعيته، وقدوة حسنة لهم.
٤- حفر الخندق يعلمنا ضرورة بذل كل الجهد الممكن وتوظيف الوسائل المشروعة المتاحة والأخذ بالأسباب، مع التعاون على البر والتقوى.
٥- أهمية اليقين والصبر فقد أظهر الصحابة ثباتًا عظيمًا رغم الحصار، فكان النصر حليف الصابرين الموقنين بوعد الله، قال تعالى: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا23﴾ [سورة الأحزاب:23].
٦- لطف الله بعباده حيث بشر النبي ﷺ أصحابه في أصعب الأوقات بالبشارة بالفتوحات القادمة.
٧- الدعاء هو مفتاح النصر، فقد تغيرت موازين المعركة بصدق لجوء النبي ﷺ إلى ربه، وفي هذا أهمية الدعاء.
٨- النصر من عند الله: مهما بلغت قوة الأعداء وكثرة عددهم، فإن الله هو القوي العزيز الذي ينصر عباده.
(15) صلح الحديبية وغزوة خيبر وعمرة القضاء (الفتح المبين)
رأى النبي ﷺ في منامه أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، ورؤيا الأنبياء وحي، فأخبر أصحابه فاستبشروا خيرًا.
خرج ﷺ في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة في نحو ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار، يسوقون الهدي تعظيمًا للبيت، ولا يحملون إلا سلاح المسافر (السيوف في القرب) ليؤكدوا لقريش أنهم عُمّار لا غُزاة.
الصد وبيعـة الرضوان: لما علمت قريش بمسيرهم، قرروا صدهم بالقوة وعسكروا بـ "ذي طوى"، فغير النبي ﷺ طريقه حتى نزل بالحديبية، وجرت هناك مراسلات طويلة، أرسل خلالها النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه ليفاوضهم، فشاع خبر مقتله، هنا دعا النبي ﷺ أصحابه للبيعة على ألا يفروا من القتال، فبايعوه تحت شجرة السَّمُرة، وهي "بيعة الرضوان" التي أنزل الله فيها: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ...﴾ [الفتح: ١٨].
بنود الصلح: جاء سهيل بن عمرو مندوبًا عن قريش، وتم الاتفاق على صلح تضمن بنودًا صعبة في ظاهرها، منها: وقف الحرب عشر سنين، وأن يرجع المسلمون في عامهم هذا دون عمرة، على أن يعودوا في العام القابل فيقضوا عمرتهم ويقيموا بمكة ثلاثة أيام فقط، وأن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده إليهم. ورغم ضيق بعض الصحابة من هذه الشروط، إلا أن النبي ﷺ أمضاها امتثالًا لأمر ربه، ونحر هديه وتحلل، فتبعه المسلمون، وأنزل الله على إثرها وهم في طريق العودة إلى المدينة قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا 1 لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا 2 وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا3﴾ [سورة الفتح:1-3]
غزوة خيبر (ثمرة الصلح العاجلة): كان من أعظم ثمار الصلح استقرار الجبهة الجنوبية مع قريش، وتأمين ظهر المدينة، فتوجه النبي ﷺ في المحرم من السنة السابعة للهجرة نحو الجبهة الشمالية؛ وهي معقل يهود خيبر الذين حرضوا الأحزاب وصنعوا المؤامرات ضد المسلمين، ولم يسمح النبي ﷺ بالخروج معه إلا لمن شهد الحديبية (أهل بيعة الرضوان) مكافأة لهم، حاصر المسلمون حصون خيبر المنيعة واحدًا تلو الآخر، وفتح الله عليهم الحصون وقذف الرعب في قلوب اليهود، فطلبوا الصلح على حقن دمائهم مقابل ترك أموالهم وأراضيهم للمسلمين، على أن يزرعوها ولهم نصف الثمر، فتحققت بشارة الله في الفتح بالـ "مغانم الكثيرة" المعجلة.
عمرة القضاء (تحقق الرؤيا): وفي العام التالي (ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة)، خرج النبي ﷺ مع أصحابه الذين شهدوا الحديبية لقضاء عمرتهم التي صُدوا عنها. دخل النبي ﷺ مكة وهو يلبي، والمسلمون حوله يهللون ويكبرون، وقضوا مناسكهم في أمن وطمأنينة، وخرجت قريش إلى الجبال تنظر إليهم بهيبة وإعجاب، فكانت هذه العمرة تصديقًا لرؤيا النبي ﷺ، وعُرفت بـ "عمرة القضاء" أو "عمرة القضية".
الدروس المستفادة:
١- لقد مكن هذا الصلح المسلمين من نشر دعوتهم في أمن، فدخل الناس في دين الله أضعاف ما كان قبله، ولذلك فإن الفتح لم يكن بالسيف دائمًا.
٢- أثبتت الغزوة أن الفلاح في اتباع أمر الله ورسوله ﷺ، حتى لو لم تظهر الحكمة للعقول في البداية (كما حدث في شروط الصلح).
٣- منزلة أهل البيعة: نال الصحابة شرفًا عظيمًا حيث رضي الله عنهم وسميت هذه البيعة بــــ "بيعة الرضوان"، وهي شهادة ربانية من فوق سبع سماوات بصدق إيمانهم.
٤- مشروعية المعاهدات فيجوز للمسلمين عقد صلح مع العدو إذا كان فيه مصلحة، وهو من باب الحكمة والسياسة الشرعية.
٥- رجوع النبي ﷺ في "عمرة القضاء" بالعام التالي أثبت صدق رؤياه، وكسر كبرياء قريش، وأظهر عزة الإسلام في قلب مكة.
٦- ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في الالتزام بالعهود والمواثيق والوفاء بها، وهو ما حبب الناس في أخلاق الإسلام ودينه.
٧-بركةُ امتثالِ أوامرِ النبيِّ ﷺ: فكما ذكرنا في غزوةِ أُحُدٍ أنَّ للمعصيةِ شُؤمًا قد يُنزل الهزيمةَ بالمسلمين عند مواجهةِ أعدائهم، فإنَّ لطاعةِ النبيِّ ﷺ وامتثالِ أوامره بركةً تعود بالنصر على المسلمين، قال تعالى: ﴿...وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ...﴾ [النور: ٥٤].
(16) مكاتبة النبي ﷺ للملوك والأمراء بعد صلح الحديبية
لما استقر أمر صلح الحديبية ووضعت الحرب أوزارها، أمن النبي ﷺ من جانب قريش، وتوجه إلى إتمام عالمية الدعوة وبثها في أرجاء الأرض؛ فقرر العزم على مكاتبة ملوك الأرض وأمراء العرب والعجم ودعوتهم إلى الإسلام. ومن شفقته بأمته وحسن تدبيره، اتخذ ﷺ خاتمًا من فضة نقشه «محمد رسول الله» لتُختم به الرسائل، إذ كان ديدن الملوك وشرطهم ألا يقرؤوا كتابًا إلا إذا كان مختومًا [البخاري ومسلم]، ثم اختار من خيرة أصحابه رضي الله عنهم رسلًا يجمعون بين فصاحة اللسان، وقوة الجنان، ورجاحة العقل، لتأدية هذه الأمانة العظمى.
فبعث ﷺ دِحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه إلى هِرَقْل عظيم الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كِسْرى ملك فارس، وعمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي ملك الحبشة، وحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس عظيم القبط بمصر، كما كاتب أمراء الشام واليمامة كالحارث بن أبي شمر الغساني وهَوذة بن علي الحنفي، فسار هؤلاء الرسل الميامين بكتب الهداية يحملون بين ثناياها دعوة الإسلام الصافية، والخطاب الحكيم الذي يخاطب العقول والقلوب، ويدعوهم إلى كلمة سواء ألا يعبدوا إلا الله، وينذرهم بتبعات صد شعوبهم عن نور الحق والهدى.
وقد تباينت مواقف الملوك من هذه الرسائل والكتابات الشريفة؛ فمنهم من لان قلبه، وحسن جوابه؛ كالمقوقس والنجاشي وهِرقْل الذي استعلم عن صفات النبي من أبي سفيان فأيقن بصدق نبوته وإن منعه ملكه من اتباع الحق، ومنهم من طغى واستكبر وبدد كتابه ككسرى، فدعا عليه النبي ﷺ أن يُمزق ملكه كل ممزق، فاستجاب الله دعوته وزال ملكه سريعًا، وبهذه المكاتبات، وصلت دعوة الإسلام إلى ملوك الأرض ورؤسائها، وعرفت الممالك الكبرى عن الدين الحق، وقد كانت هذه الخطوة بداية للمرحلة العالمية في نشر الإسلام، وخروجه من حدود الجزيرة العربية إلى بقية دول العالم.
الدروس المستفادة:
1- دلالة قطعية على أن الرسالة المحمدية رسالة عامة شاملة للعرب والعجم، وليست مقصورة على أهل الجزيرة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ...﴾ [سبأ: 28].
2-إعمال السياسة الشرعية: ويظهر ذلك في حسن استغلال أوقات السلم والهدنة لنشر الدين والدعوة؛ إذ استثمر النبي ﷺ صلح الحديبية وأمنه الداخلي ليتفرغ لمخاطبة ودعوة ملوك الأرض وزعمائها.
3- جواز مراعاة أعراف الدول في المكاتبات والاتصالات ما لم تخالف الشرع، بدليل اتخاذه ﷺ الخاتم لما قيل له إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، تيسيرًا لبلوغ الحجة ونفاذ الدعوة.
(17) غزوة فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة
الفتح الأعظم: هذا هو الفتح الأكبر والمبارك، فتح مكة؛ اليوم الذي أعز الله فيه دينه ونصر رسوله، وطهر بلده الحرام وبيته العتيق من الشرك.
تجهيز الجيش: استعد النبي ﷺ للغزو وأمر أصحابه بالتجهز، وسار النبي ﷺ ومعه أصحابه رضي الله عنهم في عشرة آلاف مقاتل، حتى وصلوا إلى نواحي مكة؛ وعندما رأى أبو سفيان قوة جيش المسلمين وعِداده الذي وصل إلى عشرة آلاف مقاتل، أدرك تمامًا أنه لا قدرة لأهل مكة على المواجهة، فوافق على الاستسلام، ثم مَنَّ الله عليه بالإسلام فأسلم.
دخول مكة: دخل النبي ﷺ مكة من أعلاها في مشهد مهيب، وكان مطأطئ الرأس تواضعًا وخشوعًا لله وشكرًا له، يحيط به المهاجرون والأنصار يملؤون الأفق.
تطهير الكعبة: بادر النبي ﷺ بالأمر بكسر الأصنام وإزالة الصور التي كانت داخل الكعبة وحولها؛ ليكون التوحيد خالصًا لله.
مبايعة الناس يوم الفتح: بعد أن أَمَّنَ النبي ﷺ أهل مكة، جاء الكثير منهم طوعًا عند جبل الصفا وبايعوه على الإسلام والطاعة، بينما تخلَّف آخرون وهربوا خوفًا ثم أَمنهم النبي ﷺ فأسلموا لاحقًا؛ فلم يكن دخولهم في الدين إكراهًا، بل بعد عفوٍ نبوي كريم تبدلت به قلوبهم.
أثر الفتح: كان لهذا النصر أثر عظيم؛ فبعد أن انتصر النبي ﷺ على قريش (وهي رأس العرب) وما حصل بعدها من نصر، تيقن الجميع من صدق نبوته، فبدأت الوفود تأتي من كل مكان للدخول في دين الله جماعات وأفواجًا.
الدروس المستفادة:
١-لقد يسّر الله فتح مكة للنبي ﷺ وأصحابه دون الحاجة إلى القتال، وهذا محض فضل من الله أن حقن دماءهم ومنحهم النصر بأمان.
٢-خُلق التواضع عند النصر: دخل النبي ﷺ مكة وهو في غاية الذل والخضوع لله، ليعلمنا أن الفضل لله وحده، فهو الناصر المعين، وأن المؤمن مهما بلغت قوته يزداد تواضعًا لربه.
٣- أهمية التوحيد: أول عمل قام به النبي ﷺ هو تحطيم الأصنام، وهذا يؤكد أن أساس هذا الدين وقوته في "التوحيد" وتصفية القلوب والبيوت من كل ما يُعبد من دون الله.
٤- كانت قبائل العرب تترقب نتيجة الصراع، فلما رأت نصر الله لنبيه على قومه، تتابعت الوفود تعلن إسلامها، فكان فتح مكة هو المفتاح الذي فتح قلوب الجزيرة العربية كلها للإيمان.
٥- البشارة القرآنية: خلّد الله هذا الحدث العظيم في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ1 وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا2 فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا3﴾ [النصر ١-٣].
(18) غزوة حُنين
سبب الغزوة: بعد فتح مكة، وصلت الأخبار للنبي ﷺ أن قبائل "هوازن" (أهل الطائف) يجمعون جيشًا كبيرًا جدًا لقتاله، فقرر النبي ﷺ أن يخرج إليهم في مكانهم قبل أن يأتوا هم إلى مكة.
قوة الجيشين: اجتمع من قبيلة هوازن نحو عشرين ألف مقاتل، وخرجوا ومعهم أموالهم ونساؤهم وأطفالهم (ليشجعوا أنفسهم على عدم الهرب)، أما المسلمون فخرجوا في جيش عظيم عدده اثنا عشر ألف مقاتل؛ منهم ألفان من أهل مكة الذين أسلموا حديثًا.
درس الكثرة: حين رأى بعض المسلمين كثرة عددهم، قالوا: "لن نُهزم اليوم بسبب قلة العدد"، فكان هذا الإعجاب بالنفس بداية الاختبار الصعب.
يقول ربنا تبارك وتعالى عن هذا الموقف: ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ25﴾ [التوبة: 25].
ثم بعد ذلك أنزل الله سكينته على المؤمنين وعذّب الذين كفروا ﴿ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة: 26].
المفاجأة الصعبة: عندما بدأ المسلمون يدخلون وادي "حُنين"، كان مقاتلو هوازن قد نصبوا لهم كمائن مخفية، وفجأة هجموا على جيش المسلمين هجمة رجل واحد وأمطروهم بالسهام، مما أدى إلى تراجع وفرار الكثير من الجيش بسبب المفاجأة.
ثبات القائد: في تلك اللحظة العصيبة، ثبت النبي ﷺ في مكانه بشجاعة نادرة، ومعه عدد قليل من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم.
الشجاعة النبوية: اندفع النبي ﷺ ببغلته نحو جيش المشركين وهو ينادي بأعلى صوته ليعيد الثقة لقلوب أصحابه: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» [البخاري ومسلم]، واشتد القتال من جديد.
نصر الله والملائكة: عندما عاد الصحابة والتفوا حول نبيهم واشتد الصدام، أيد الله المؤمنين بنزول الملائكة التي ألقت الرعب في قلوب الكفار وزلزلت أقدامهم.
النهاية والغنائم: انهزم الكفار وفروا هاربين، وطاردهم المسلمون، وترك الكفار وراءهم غنائم وأموالًا عظيمة أصبحت ملكًا للمسلمين بفضل الله، ومن تألف النبي ﷺ لهوازن أنه لم يقسم الغنائم إلا بعد فترة لعلهم يرجعون ويسلمون ويأتون إليه يطلبون منه أن يعيد إليهم الغنائم، لكن لما تأخروا قسمها ﷺ.
الدروس المستفادة:
١- الاعتماد على الله لا على العدد فقد تعلّم المسلمون في حنين أن النصر يأتي من عند الله وحده، وأن كثرة العدد لا تنفع إذا دخل الغرور إلى القلوب.
٢- في غزوة بدر تعلَّم المسلمون أن "القلة" لا تضر مع الصبر والتقوى، وفي حنين تعلَّموا أن "الكثرة" لا تنفع إذا غاب الصبر والاعتماد على الله.
٣- ثبت النبي ﷺ ومن معه بفضل إيمانهم القوي، وهذا يعلمنا أن الله يثبت القلوب الصادقة في أصعب المواقف.
٤- أظهر النبي ﷺ في هذه الغزوة شجاعة عظيمة، فبرغم تراجع الجيش، اندفع هو لمواجهة العدو بنفسه وهو ينادي باسمه بكل عزة ويقين.
٥- نصر الله رسوله والمؤمنين بجنود من الملائكة لم يروها، وهذا يؤكد أن الله مع أوليائه دائمًا.
٦- بعد الصعوبة والشدة، أنعم الله على المسلمين بالنصر وبالغنائم الكثيرة جزاءً لصبرهم وثباتهم.
٧- الآيات الكريمة التي خلدت الذكرى: قال تعالى: ﴿ لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ25 ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ26 ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ27﴾ [التوبة ٢٥-٢٧].
٨- الجزاء من جنس العمل: لما ثبتَ النبيُّ ﷺ في المعركةِ مع قلَّةٍ من أصحابه الكرام، جاءه النصرُ كما وعدَ اللهُ عزَّ وجلَّ، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ7﴾ [محمد: ٧]، وهذا عامٌّ؛ فالمسلمُ وعدَه اللهُ عزَّ وجلَّ بالنصرِ والتأييدِ إن قام بنصرةِ دينِ اللهِ والدعوةِ إليه والجهادِ في سبيله يبتغي بذلك مرضاةَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
(19) استقبال الوفود وحجة الوداع
بعد فتح مكة وانتصار المسلمين، أقبلت قبائل العرب من كل النواحي نحو المدينة ليعلنوا إسلامهم، وعُرف العام التاسع للهجرة بـ "عام الوفود". فاستقبل النبي ﷺ وفودًا كثيرة، من أهمها وفد بني تميم، ووفد نجران، ووفد طيء (وفيهم عدي بن حاتم). وكان لهذه الوفود أثر عظيم في توحيد شبه الجزيرة العربية تحت راية الإسلام، حيث تعلموا أركان الدين وعادوا لدعوة قومهم، مما مهد الطريق لانتشار الإسلام.
وفي السنة العاشرة للهجرة، أُعلن بين الناس أن النبي ﷺ ينوي الحج في ذلك العام، فجاء إلى المدينة عدد هائل من الناس من كل مكان، كلهم يرغبون في مرافقة النبي ﷺ ليتعلموا منه ويقتدوا به في مناسك الحج.
سبب التسمية: سُميت بـ "حجة الوداع"؛ لأن النبي ﷺ ودَّع الناس فيها بكلماته، ولأنه ﷺ لم يحج بعدها أبدًا.
جموع الحجيج: خرج مع النبي ﷺ في هذه الرحلة المباركة أكثر من مئة ألف حاج، وصحب معه زوجاته التسع رضي الله عنهن، وابنته فاطمة رضي الله عنها.
تمام النعمة: بينما كان النبي ﷺ يؤدي مناسك الحج، نزل عليه في يوم عرفة قول الله تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚۚ...﴾ [المائدة: ٣]، فكانت هذه الآية إعلانًا بتمام الرسالة.
الوصية العظيمة: خطب النبي ﷺ في الناس خطبا عظيمة في يوم عرفة وفي يوم النحر، أكد فيها المبادئ الأساسية للمسلم والتوحيد واتباع السنة، ومخالفة المشركين، وبيان حقوق المسلمين وحقوق الزوجين، ومما قال فيها: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» [البخاري ومسلم]؛ ليؤكد على قدسية حياة المسلم وماله وسمعته.
وأوصى بالوصية العاصمة من الضلال قائلًا: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ» [رواه مسلم].
العودة: وبعدما أتم النبي ﷺ مناسك الحج وعلم الناس دينهم، عاد إلى المدينة.
الدروس المستفادة:
١-استقبال الوفود يعلمنا أن قوة الإسلام تكون في الاجتماع والوحدة على الحق ونشر العلم، وأن القائد الناجح هو من يبني جسور التواصل لنشر الخير.
٢-وصية النبي ﷺ بالتمسك بـ الكتاب والسنة هي طوق النجاة للمسلم، ففيهما الهداية والعصمة من الزيغ والضلال في كل زمان ومكان.
٣- خرج النبي ﷺ بنفسه ليؤدي مناسك الحج وليعلمه للناس "بالفعل" لا بالقول فقط، ليكون قدوة حية يراها الجميع ويتبعونها، قال ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [رواه البيهقي وأبو داود والنسائي]، وفي رواية في صحيح مسلم: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
٤- أخبرنا الله أنه أكمل لنا الدين وأتم النعمة؛ لذا فلا يجوز لأحد أن يزيد في الدين "بدعًا" من عنده أو ينقص منه، فدين الإسلام فيه كل ما يصلح حياة الناس في الدنيا والآخرة، وقد اكتملت الشرعية بوفاة النبي ﷺ وانقطاع الوحي.
٥- حرمة المسلم: شدد النبي ﷺ على حرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأنه لا يجوز الاعتداء عليها بغير حق.
(20) وفاة النبي ﷺ
في ضحى يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول في السنة الحادية عشرة للهجرة، اشتد المرض على النبي ﷺ وهو في بيت زوجته عائشة رضي الله عنها.
سكرات الموت: عانى النبي ﷺ من آلام الموت وسكراته، فكان يمسح وجهه بالماء ويقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ» [رواه البخاري].
الوفاة: فاضت روحه الشريفة ﷺ وهو مستند إلى صدر عائشة رضي الله عنها، وكان عمره آنذاك ثلاثًا وستين سنة.
الدفن: دُفن النبي ﷺ في المكان الذي قبض فيه، وهو بيت عائشة رضي الله عنها.
الأمانة الكاملة: مات النبي ﷺ بعد أن أدى الأمانة كاملة، وترك أمته على طريق واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه.
الدروس المستفادة:
١- يظهر لنا هذا الموقف فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومنزلتها العالية عند النبي ﷺ، حيث اختار أن يقضي أيامه الأخيرة في بيتها، ومات في حجرها.
٢- الموت سنة الله في خلقه، فلو كان أحدٌ سيخلد في الدنيا لخلد فيها رسول الله ﷺ، وكما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ30﴾ [الزمر: ٣٠].
٣- إن موت النبي ﷺ هو أعظم مصيبة مرت على المسلمين، ومن تذكر مصيبته بفقد النبي ﷺ هانت عليه كل مصيبة أخرى، وكما قال شاعر الرسول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وما فقدَ الماضُون مثل مُحَمَّدٍ.. ولا مثلُه حتى القيامـةِ يُـفـقـدُ.
٤- رسالة للدعاة: على كل من يحمل عِلْمَ الدين أن يبذل قصارى جهده في نشره وتعليمه للناس، حتى يلقى الله وهو قد أدى ما عليه كما فعل النبي ﷺ.
٥- لقد تركنا النبي ﷺ على الحق الواضح والمنهج السليم، ولا ينحرف عن هذا الطريق إلا من فُتن ببدعة أو شهوة، فالسعادة كل السعادة في اتباع هدي النبي ﷺ، كما قال ﷺ: «…فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [سنن أبي داود].
(21) أزواج النبي ﷺ
أزواجه عليه الصلاة والسلام:
١. خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
٢. سودة بنت زمعة رضي الله عنها.
٣. عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها.
٤. حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها.
٥. زينب بنت خزيمة رضي الله عنها.
٦. أم سلمة (هند بنت أبي أمية) رضي الله عنها.
٧. أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) رضي الله عنها.
٨. جويرية بنت الحارث رضي الله عنها.
٩. ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها.
١٠. صفية بنت حيي رضي الله عنها.
١١. زينب بنت جحش رضي الله عنها.
الدروس المستفادة:
١. أمهات المؤمنين: أزواج النبي ﷺ هن "أمهات المؤمنين" بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡ...﴾ [الأحزاب: ٦]، والنبي ﷺ بمنزلة الوالد للمؤمنين في التربية والشفقة، فصارت زوجاته كالأمهات لنا في وجوب الاحترام والتقدير وتحريم الزواج بهن، لكنهن لسن كالأمهات في "المحرمية" التي تبيح الخلوة بهن أو كشف الحجاب.
٢. كرامة مقام النبي ﷺ: من خصائص زوجات النبي ﷺ أنه لا يجوز لأحد أن يتزوجهن بعد وفاته أبدًا، قال تعالى: ﴿... وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهذا حفظ لمقام النبي ﷺ وتعظيم له، ولأن العلاقة الزوجية بينه وبينهن باقية ومستمرة في الجنة بإذن الله.
٣. عظم المسؤولية ومضاعفة الأجر: عندما خيَّر النبي ﷺ زوجاته بين زينة الدنيا وبين البقاء معه والصبر على ضيق العيش، اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولأن مكانتهن رفيعة، جعل الله أجرهن على العمل الصالح مضاعفًا مرتين، كما جعل الحساب على أي خطأ يقع منهن أشد من غيرهن، ليبقى حذرهن وشكرهن لله دائمًا في أعلى الدرجات.
٤. هن من أهل بيت النبي ﷺ: زوجات النبي ﷺ داخلات في "أهل البيت" الذين أخبر الله بتطهيرهم، قال تعالى في سياق الحديث عنهن: ﴿...إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فمحبتهن والترضي عنهن والدفاع عن أعرضهن واجب على كل مسلم، فهن القدوات الطاهرات.
٥. تنزل الوحي في بيوتهن: من أعظم فضائلهن أن القرآن الكريم كان ينزل والنبي ﷺ في بيوتهن، قال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِ...﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وبسبب قربهن منه ﷺ، نقلن لنا أدق تفاصيل سنته وهديه داخل بيته، فخدمت كل واحدة منهن الدين بتبليغ هذا العلم للأمة.
(22) أولاد النبي ﷺ
رزق النبي ﷺ بسبعة من الأولاد، وهم:
أولًا: الأبناء (ثلاثة): القاسم: وبه كان يُكنى النبي ﷺ فيقال له "أبو القاسم"، عبد الله، إبراهيم.
ثانيًا: البنات (أربع): زينب، رقية، أم كلثوم، فاطمة.
وكل أولاده من زوجته خديجة رضي الله عنها، إلا إبراهيم فهو من أمته مارية القبطية، وقد توفوا جميعًا في حياة النبي ﷺ، إلا فاطمة فقد عاشت بعده ستة أشهر ثم لَحقت به.
الدروس المستفادة:
١- نتعلم من النبي ﷺ الصبر والاحتساب عند فقد الأبناء، فقد ذاق مرارة الفقد في حياته بموت ستة من أولاده، ومع ذلك صمد وشكر ربه.
٢- فضل فاطمة رضي الله عنها: خصّها الله بأن تكون الوحيدة التي بقيت بعده، فكانت صابرة محتسبة حتى لَحقت بأبيها ﷺ.
٣- ابن النبي ﷺ "إبراهيم" الذي مات صغيرًا، كانت أمه مارية القبطية، وهي من إماء النبي ﷺ وليست من زوجاته أمهات المؤمنين.
(23) بعض صفات النبي ﷺ الخَلْقية والخُلُقية
كان النبي ﷺ أحسن الناس خَلْقًا، ومن صفاته:
الطول: كان وسطًا بين الرجال، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، بل كان معتدلًا.
اللون: كان أبيض بياضًا ممتزجًا بحمرة خفيفة تُعطيه جمالًا ونضارة.
الوجه: واسع العينين، واسع الفم وجميله، كثيف اللحية، وشعره شديد السواد، ولما كبر ظهرت شعرات بيضاء يسيرة لا تصل إلى عشرين شعرة، في لحيته وصدغيه..
الجسم: عريض ما بين المنكبين، طيب الرائحة دائمًا وإن لم يمس طيبًا.
وأما صفاته الخُلُقية (الأخلاقية):
كان النبي ﷺ أكمل الناس أدبًا، وقد جمع الله له مجامع الأخلاق، ومنها:
الصدق والأمانة: كان أصدق الناس لهجة وأوفاهم ذمة، حتى لُقب قبل البعثة بـ "الصادق الأمين".
الكرم والجود: كان ﷺ أجود الناس، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وما سُئل شيئًا قط فقال "لا".
الحلم والعفو: كان أبعد الناس غضبًا وأسرعهم رضًا، يعفو عمن ظلمه ويصل من قطعه، ولا يزيده جهل الجاهل عليه إلا حلمًا.
التواضع والرحمة: كان ﷺ يخفض جناحه للمؤمنين، يخدم نفسه ويخصف نعله، ويكون في مهنة أهله، ويكرم ضيفه، ويبتسم لمن لقيه، وكان أرحم الناس بالضعفاء والأطفال وحتى البهائم.
الشجاعة: كان ﷺ أشجع الناس قلبًا، يفر إليه أصحابه إذا اشتد البأس فيكون أقربهم إلى العدو.
وكان بحق كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: في كلمة جامعة «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» [أحمد والنسائي].
الدروس المستفادة:
١- من فوائد معرفة صفاته الخلقية، أن يكرمك الله برؤيته في المنام، فمن رآه بصفاته المعروفة فقد رآه حقًا؛ لأن الشيطان لا يتمثل بصورته، كما قال ﷺ: «مَنْ رَآنِي فِي المَنامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» [رواه البخاري ومسلم].
٢- المحب الصادق يشتاق لمعرفة كل تفاصيل حبيبه، ومن أعظم ذلك معرفة هيئة سيد الخلق وسيرته ﷺ.
٣- ندرك مدى حب الصحابة وتعلُّقهم بالنبي ﷺ، حيث نقلوا لنا أدق التفاصيل في حياته، وحفظت الأمة من بعدهم هذا الإرث العظيم.
٤- القدوة الشاملة الكاملة فدراسة هذه الصفات تدفع المسلم للاقتداء بنبيه ﷺ في مظهره بالنظافة والطيب، وفي مخبره بالصدق والحلم والتواضع وغير ذلك.
الخاتمة
وختامًا، فإن كتب السنة الصحيحة والسيرة النبوية كثيرة، فينبغي للمسلم الرجوع إليها للاطلاع على سيرة النبي ﷺ وأخلاقه وشمائله، ومن ذلك:
1- السيرة النبوية للحافظ ابن كثير رحمه الله.
2- زاد المعاد لابن القيم رحمه الله.
3- كتاب الشمائل للترمذي رحمه الله.
ونسأل الله العظيم أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرزقنا وإياكم حُسن الاتباع لنبيه الكريم ﷺ، وأن ينفع بهذا الجهد عموم المسلمين ويجعله لنا ذخرًا يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
Related books
All books
Warug jëfe sunnas Yonnent bi ak kéefarug képp ku ko weddi.23 languagesWarug jëfe sunnas Yonnent bi ak kéefarug képp ku ko weddi.
Aji-taalif ji Abdul Asiis Ibn baas -yal na ko Yàlla yërëm- Ci turu Yàlla miy Aji-Yërëm kepp ku nekk ci kaw suuf jagleel ko jullit ñi ca allaaxira ci laay tàmbalee. Laytaay ji Cant ñeel na Boroom mbidéef yi, Ag mujj ñeel na ñi ragal Yàlla, jàmm ak xéewal yal na nekk ci sunu Yonnent Muhammat, moog waa këram ak i àndandoom ñoom ñi gàddu téere Yàlla bi ak Sunnas seen Yonnent -yal na ko Yàlla dolli xéewël ak mucc- jottali ko ña ñëw ci seen ginnaaw, ci koolute gu mat sëkk ak ug xereñte, ak ug wattu gu mat sëkk ñeel ay maanaam ak i baatam, -yal na leen Yàlla dollee gërëm te boole nu ci ñi leen di…
Lislaam mooy diiney Yonnente Yàlla yi85 languagesLislaam mooy diiney Yonnente Yàlla yi
Lislaam mooy jébbalul Yàlla mi bind àdduna bi di ko doxal, wommatul ko ngir bëgg ko ak màggal ko, cosaanu lislaam mooy gëm Yàlla, ak ne moom mooy Aji-Bind ji, te lépp lu dul moom mbindeef la, ak ne moom moo yayoo jaamu moom rekk amul bokkaale, amul lenn lu ñuy jaamu ci dëgg ku dul moom,ay tur yu rafet ñeel na ko ak ay melo yu kawe, mooy ki mat sëkk, jurul kenn te kenn juru ko te amul benn nawle du caagine niroowaale, du wàcc te du jël jëmmi lenn ci mbindeefam yi. Lislaam mooy diiney Yàlla mi nga xam ne du nangu ci nit jenn diine ju dul moom, te mooy diine ji yonnente yépp indi yal na leen…
الإسلام دين رب العالمين
Melow jullig Yonnente bi -yal na ko Yàlla dolli xéewal ak mucc-79 languagesMelow jullig Yonnente bi -yal na ko Yàlla dolli xéewal ak mucc-
Téereb «Ni Yonnente bi ﷺ daan jullee», Seex Abdul Asiis Ibn Baas -yal na ko Yàlla yërëm- dafa caa tënk melokaanu jullig Yonnente bi ﷺ, ci anam gu yomb te wóor, mu wéeru ci mbind yu wér, ngir mu doon ag gidee ñeel jullit bi ci ag julleem. Leeral na ci ponki julli yi, ak i sunnaam, ak i melokaam, dale ca jàppu ma ba ca sëlmël ga, di boole firnde ak leeral, tey woote ci roy gu mat ci Yonnente bi yal na ko Yàlla dolli xéewal ak mucc ci jaamu Yàlla gi gën a màgg.