مكارم الأخلاق
مكارم الأخلاق
This PDF is generated automatically from the book's text; its layout may differ from the printed edition.
مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ
لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ
مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ
بسم الله الرحمن الرحيم
بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، وَوَفَّقَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فَاسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ، وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ، وَخَذَلَ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَاسْتَكْبَرَ عَنْ طَاعَتِهِ، وَكَذَّبَ خَبَرَهُ، وَعَانَدَ أَمْرَهُ، فَبَاءَ بِالْخُسْرَانِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ. إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ يَطِيبُ لِي فِي هَذَا اللِّقَاءِ [1] أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ. [1] كان هذه اللقاء في المركز الصيفي بمعهد عنيزة العلمي.
وَالْخُلُقُ ـ كَمَا يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ ـ: هُوَ صُورَةُ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةُ؛ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ صُورَتَيْنِ:
صُورَةٌ ظَاهِرَةٌ: وَهِيَ شَكْلُ خِلْقَتِهِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ الْبَدَنَ عَلَيْهَا، وَكُلُّنَا نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ مِنْهَا مَا هُوَ جَمِيلٌ حَسَنٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيحٌ سَيِّئٌ، وَمِنْهَا مَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وكذلك تَنْقَسِمُ الصُّورَةُ الْبَاطِنَةُ إِلَى صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَإِلَى صُورَةٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْخُلُقِ، فَالْخُلُقُ إِذَنْ هُوَ الصُّورَةُ البَاطِنَةُ الَّتِي طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا.
وَهَلِ الْأَخْلَاقُ جِبِلَّةٌ أَمِ اكْتِسَابٌ؟
وَالجَوَابُ: أَنَّ الْأَخْلَاقَ مِنْهَا جِبِلَّةٌ، وَمِنْهَا اكْتِسَابٌ بِلَا شَكٍّ. فَكُلَّمَا يَكُونُ الْخُلُقُ طَبِيعَةً، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَسْبًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يَكُونُ مَطْبُوعًا عَلَى الخُلُقِ الحَسَنِ الجَمِيلِ، فَقَدْ يَحْصُلُ عَلَى الخُلُقِ عَنْ طَرِيقِ الكَسْبِ وَالتَّمْرِينِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: «بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا». قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ [2]. [2] أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، باب في قبيلة الرجل، رقم (5225)، من حديث زارع رضي الله عنه، وكان في وفد عبد القيس، والترمذي: أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الأناة والعجلة، رقم (2011)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَخْلَاقَ الحَمِيدَةَ الفَاضِلَةَ تَكُونُ طَبْعًا، وَتَكُونُ تَطَبُّعًا، وَلَكِنَّ الطَّبْعَ -بِلَا شَكٍّ- أَحْسَنُ مِنَ التَّطَبُّعِ؛ لِأَنَّ الخُلُقَ إِذَا كَانَ طَبْيعيًا صَارَ سَجِيَّةً لِلْإِنْسَانِ وَطَبِيعَةً لَهُ، لَا يَحْتَاجُ فِي مُمَارَسَتِهِ إِلَى تَكَلُّفٍ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي مُمَارَسَتِهِ إِلَى تَصَنُّعٍ، وَلَكِنْ هَذَا فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ حُرِمَ هَذَا -أَيْ: مَنْ حُرِمَ الخُلُقَ عَنْ سَبِيلِ الطَّبْعِ- فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنَالَهُ عَنْ سَبِيلِ التَّطَبُّعِ، وَذَلِكَ بِالتَّمْرِينِ وَالْمُمَارَسَةِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- فِيمَا بَعْدُ.
وَهُنَا مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: رَجُلٌ جُبِلَ عَلَى خُلُقٍ حَمِيدٍ، وَرَجُلٌ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ، فَأَيُّهُمَا أَعْلَى مَنْزِلَةً وَأَعْظَمُ أَجْرًا؟
وَنَقُولُ جَوَابًا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي جُبِلَ عَلَى الخُلُقِ أَكْمَلُ مِنْ حَيْثُ تَخَلُّقُهُ بِذَلِكَ، أَوْ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الخُلُقِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَنَاءٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَلَا يَفُوتُهُ فِي بَعْضِ المَوَاطِنِ وَالأَمَاكِنِ؛ إِذْ إِنَّ حُسْنَ الخُلُقِ فِيهِ سَجِيَّةٌ وَطَبْعٌ، فَهُوَ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَلْقَاهُ تَجِدُهُ حَسَنَ الْخُلُقِ، وَفِي أَيِّ مَكَانٍ تَلْقَاهُ تَجِدُهُ حَسَنَ الْخُلُقِ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ تَلْقَاهُ تَجِدُهُ حَسَنَ الْخُلُقِ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أَكْمَلُ بِلَا شَكٍّ.
وَأَمَّا الْخُلُقُ الَّذِي يَكُونُ بِالتَّطَبُّعِ وَبِالمُعَالَجَةِ وَالمُمَارَسَةِ أَوِ التَّمْرِينِ، فَالْإِنْسَانُ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَمَالُ الخُلُقِ أَنْقَصُ بِكَثِيرٍ مِنَ القِسْمِ الأَوَّلِ.
فَإِذَا رُزِقَ الْإِنْسَانُ الخُلُقَيْنِ جَمِيعًا، طَبْعًا وَتَطَبُّعًا، كَانَ ذَلِكَ أَكْمَلَ، وَالأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ:
1- مَنْ حُرِمَ حُسْنَ الخُلُقِ.
2- مَنْ جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الجِبِلَّةِ.
3- وَمَنْ جُبِلَ عَلَيْهِ وَزَادَ ذَلِكَ بِالتَّكَسُّبِ.
4- وَمَنْ لَمْ يُجْبَلْ لَكِنَّهُ أَخَذَهُ بِالتَّكَسُّبِ.
فَالْحَاصِلُ: بِالنِّسْبَةِ لِحُسْنِ الخُلُقِ أَنَّ مَنْ جُبِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَكْمَلُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ المُعَانَاةِ وَالمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِ حُسْنِ الخُلُقِ، فَإِنَّ مَنْ أَخَذَهُ عَنْ طَرِيقِ التَّكَسُّبِ فَلَهُ أَجْرُ المُجَاهَدَةِ.
وَهُنَا مَسْأَلَةٌ: هَلْ هُنَاكَ أَخْلَاقٌ لَيْسَتْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا السَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا؟
الجَوَابُ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ» [3]؛ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرَائِعَ السَّابِقَةَ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِلْعِبَادِ كُلَّهَا تَحُثُّ عَلَى الأَخْلَاقِ الفَاضِلَةِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الأَخْلَاقَ الفَاضِلَةَ مَا أَطْبَقَتِ الشَّرَائِعُ عَلَى طَلَبِهِ، وَلَكِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الكَامِلَةُ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا بِتَمَامِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. [3] أخرجه أحمد (2/381)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/233)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَلِنَضْرِبْ لِذَلِكَ مَثَلًا بِمَسْأَلَةِ القِصَاصِ، أَيْ: لَوْ أَنَّ أَحَدًا جَنَى عَلَى أَحَدٍ، فَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَمْ لَا؟ ذَكَرُوا أَنَّ القِصَاصَ فِي شَرِيعَةِ الْيَهُودِ حَتْمِيٌّ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا خِيَارَ لِلمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَنَّ فِي شَرِيعَةِ النَّصَارَى العَكْسَ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَفْوِ، لَكِنْ شَرِيعَتَنَا جَاءَتْ كَامِلَةً مِنَ الْوَجْهَيْنِ؛ فَفِيهَا القِصَاصُ وَفِيهَا العَفْوُ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِ الجَانِي بِجِنَايَتِهِ حَزْمًا وَكَفًّا لِلشَّرِّ، وَفِي العَفْوِ عَنْهُ إِحْسَانًا وَجَمِيلًا، وَبَذْلَ مَعْرُوفٍ فِيمَنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، فَجَاءَتْ شَرِيعَتُنَا -وَالحَمْدُ لِلَّهِ- مُكَمِّلَةً، خَيَّرَتْ مَنْ لَهُ الحَقُّ بَيْنَ العَفْوِ وَالأَخْذِ؛ لِأَجْلِ أَنْ يَعْفُوَ فِي مَقَامِ العَفْوِ، وَأَنْ يَأْخُذَ فِي مَقَامِ الْأَخْذِ.
*
مَجَالَاتُ حُسْنِ الخُلُقِ
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَذْهَبُ فَهْمُهُ إِلَى أَنَّ حُسْنَ الخُلُقِ خَاصٌّ بِمُعَامَلَةِ الخَلْقِ دُونَ مُعَامَلَةِ الخَالِقِ، وَلَكِنَّ هَذَا الفَهْمَ قَاصِرٌ، فَإِنَّ حُسْنَ الخُلُقِ كَمَا يَكُونُ فِي مُعَامَلَةِ الخَلْقِ، يَكُونُ أَيْضًا فِي مُعَامَلَةِ الخَالِقِ.
فَمَوْضُوعُ حُسْنِ الخُلُقِ إِذَنْ: مُعَامَلَةُ الخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا، وَمُعَامَلَةُ الخَلْقِ أَيْضًا، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْتَبَه لَهَا.
الْأَوَّلُ: حُسْنُ الخُلُقِ فِي مُعَامَلَةِ الخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا:
حُسْنُ الخُلُقِ فِي مُعَامَلَةِ الخَالِقِ يَجْمَعُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:
1- تَلَقِّي أَخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصْدِيقِ.
2- تَلَقِّي أَحْكَامِهِ بِالتَّنْفِيذِ وَالتَّطْبِيقِ.
3- تَلَقِّي أَقْدَارِهِ بِالصَّبْرِ وَالرِّضَا.
هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ عَلَيْهَا مَدَارُ حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
1- تَلَقِّي أَخْبَارِهِ بِالتَّصْدِيقِ، بِحَيْثُ لَا يَقَعُ عِنْدَ الإِنْسَانِ شَكٌّ أَوْ تَرَدُّدٌ فِي تَصْدِيقِ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَصْدَقُ القَائِلِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ: ﴿...وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا﴾ [النساء:87].
وَلَازِمُ تَصْدِيقِ أَخْبَارِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ وَاثِقًا بِهَا، مُدَافِعًا عَنْهَا، مُجَاهِدًا بِهَا، بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُهُ شَكٌّ أَوْ تَشْكِيكٌ فِي أَخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَخْبَارِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَإِذَا تَخَلَّقَ الْعَبْدُ بِهَذَا الْخُلُقِ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدْفَعَ كُلَّ شُبْهَةٍ يُورِدُهَا المُعْرِضُونَ عَلَى أَخْبَارِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ المُسلِمينَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، أَمْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ المُلْحِدِينَ، الَّذِينَ يُلْقُونَ الشُّبَهَ فِي قُلُوبِ المُسْلِمِينَ.
وَلْنَضْرِبْ لِذَلِكَ مَثَلًا: ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالأُخْرَى شِفَاءً» [4]. [4] أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داءً وفي الأخرى شفاء، رقم (٣٣٢٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فَهَذَا خَبَرٌ أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي أُمُورِ الْغَيْبِ، لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ بِمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ بَشَرٌ، وَالبَشَرُ لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ، بَلْ قَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ...﴾ [الأنعام:50].
فَهَذَا الْخَبَرُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَابِلَهُ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ نَحْوَ هَذَا الخَبَرِ أَنْ نَتَلَقَّاهُ بِالقَبُولِ، وَأَنْ نَجْزِمَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَنِ يَعْتَرِضُ، وَنَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ مَا خَالَفَ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿...فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [يونس:32].
وَمِثَالٌ آخَرُ: مِنْ أَخْبَارِ يَوْمِ القِيَامَةِ:
أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنَ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَدْرِ مِيلٍ» [5]، فَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا مِيلَ الْمُكْحُلَةِ، أَوْ كَانَ مِيلَ الْمَسَافَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَافَةَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَرُءُوسِ الخَلَائِقِ قَلِيلَةٌ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَحْتَرِقُونَ بِحَرِّهَا، مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ لَوْ تَدْنُو الآنَ فِي الدُّنْيَا مِقْدَارَ أُنْمُلَةٍ لَاحْتَرَقَتِ الدُّنْيَا. [5] أخرجه مسلم: كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة، رقم (2864)، من حديث المقداد ابن الأسود رضي الله عنه.
فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنْ رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ بِهَذِهِ المَسَافَةَ، ثُمَّ يَبْقَى النَّاسُ لَحْظَةً؟!
فَمَا حُسْنُ الخُلُقِ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ؟
حُسْنُ الخُلُقِ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ نَقْبَلَهُ، وَنُصَدِّقَ بِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي صُدُورِنَا حَرَجٌ مِنْهُ، وَلَا ضِيقٌ، وَلَا تَرَدُّدٌ، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا فَهُوَ حَقٌّ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نُقِيسَ أَحْوَالَ الْآخِرَةِ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا؛ لِوُجُودِ هَذَا الْفَارِقِ الْعَظِيمِ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ يَقِفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَلَى مِقْيَاسِ مَا فِي الدُّنْيَا، فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَقِفَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؟
الْجَوَابُ: لَا، إِذَنْ فَالْفَارِقُ عَظِيمٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ المُؤْمِنَ يَقْبَلُ مِثْلَ هَذَا الخَبَرِ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَيَتَّسِعُ فَهْمُهُ لَهُ، وَيَنْفَتِحُ قَلْبُهُ لَهُ.
2- تَلَقِّي أَحْكَامِ اللَّهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّنْفِيذِ وَالتَّطْبِيقِ: فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ، فَإِذَا رَدَّ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ فَهَذَا سُوءُ خُلُقٍ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَوَاءٌ رَدَّهَا مُنْكِرًا لِحُكْمِهَا، أَوْ رَدَّهَا مُسْتَكْبِرًا عَنِ العَمَلِ بِهَا، أَوْ رَدَّهَا مُتَهَاوِنًا بِالعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِحُسْنِ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلِنَضْرِبْ لِذَلِكَ مَثَلًا: مَا نَلْتَبِسُ بِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الشَّاقَّةِ، فَالصَّوْمُ لَا شَكَّ أَنَّهُ شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتْرُكُ فِيهِ الْمَأْلُوفَ مِنْ طَعَامٍ، وَشَرَابٍ، وَنِكَاحٍ، وَهَذَا أَمْرٌ شَاقٌّ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ حَسَنُ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقْبَلُ هَذَا التَّكْلِيفَ، أَوْ بِعِبَارَةٍ أَصَحَّ: يَقْبَلُ هَذَا التَّشْرِيفَ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُهَا بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَتَتَّسِعُ لَهَا نَفْسُهُ، فَتَجِدُهُ يَصُومُ الأَيَّامَ الحَارَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَهُوَ بِذَلِكَ رَاضٍِ مُنْشِرحِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ يُحْسِنُ الخُلُقَ مَعَ رَبِّهِ، لَكِنَّ سَيِّئَ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ يُقَابِلُ مِثْلَ هَذِهِ العِبَادَةِ بِالضَّجَرِ وَالكَرَاهِيَةِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يَخْشَى مِنْ أَمْرٍ لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ، لَكَانَ لَا يَلْتَزِمُ بِالصِّيَامِ.
وَمِثَالٌ آخَرُ: الصَّلَاةُ، فَهِيَ لَا شَكَّ أَنَّهَا ثَقِيلَةٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَهِيَ ثَقِيلَةٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجْرِ» [6]. [6] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب فضل العشاء في الجماعة، رقم (657)، ومسلم: كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، رقم (651)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
لَكِنِ الصَّلَاةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ 45 ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 46﴾ [البقرة:45-46]. فَهِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ غَيْرُ كَبِيرَةٍ، بَلْ إِنَّهَا سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» [7]. [7] أخرجه الإمام أحمد (3/128)، والنسائي: كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، رقم (3940)، من حديث أنس رضي الله عنه.
فَحُسْنُ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ أَنْ تُؤَدِّيَهَا وَقَلْبُكَ مُنْشَرِحٌ مُطْمَئِنٌّ، وَعَيْنُكَ قَرِيرَةٌ، تَفْرَحُ إِذَا كُنْتَ مُلْتَبِسًا بِهَا، وَتَنْتَظِرُهَا إِذَا أَقْبَلَ وَقْتُهَا، فَإِذَا صَلَّيْتَ الْفَجْرَ كُنْتَ فِي شَوْقٍ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ الظُّهْرَ كُنْتَ فِي شَوْقٍ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ العَصْرَ كُنْتَ فِي شَوْقٍ إِلَى صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ المَغْرِبَ كُنْتَ فِي شَوْقٍ إِلَى صَلَاةِ العِشَاءِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ العِشَاءَ كُنْتَ فِي شَوْقٍ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ، وَهَكَذَا دَائِمًا قَلْبُكَ مُعَلَّقٌ بِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ، فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
مِثَالٌ ثَالِثٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ: تَحْرِيمُ الرِّبَا، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا الرِّبَا تَحْرِيمًا صَرِيحًا فِي الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿...وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ...﴾ وقال فيه: ﴿...فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة:275]. فَتَوَعَّدَ مَنْ عَادَ إِلَى الرِّبَا بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُ المَوْعِظَةُ، وَعَلِمَ الحُكْمَ، تَوَعَّدَهُ بِالخُلُودِ فِي النَّارِ -وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ-.
فَالمُؤْمِنُ يَقْبَلُ هَذَا الْحُكْمَ بِانْشِرَاحٍ وَرِضًا وَتَسْلِيمٍ، وَأَمَّا غَيْرُ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ، وَيَضِيقُ صَدْرُهُ بِهِ، وَرُبَّمَا يَتَحَيَّلُ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الحِيَلِ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ فِي الرِّبَا كَسْبًا مُتَيَقَّنًا، وَلَيْسَ فِيهِ أَيُّ مُخَاطَرَةٍ، لَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ كَسْبٌ لِشَخْصٍ وَظُلْمٌ لِآخَرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿...وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة:279].
3- تَلَقِّي أَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى بِالرِّضَا وَالصَّبْرِ: وَهُوَ الأَمْرُ الثَّالِثُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ، وَكُلُّنَا يَعْلَمُ أَنَّ أَقْدَارَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي يُدَبِّرُهَا فِي خَلْقِهِ لَيْسَتْ كُلُّهَا مُلَائِمَةً لِلْخَلْقِ، فَهَلْ كُلُّ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ عَلَيْنَا مُلَائِمٌ لَنَا؟ بِمَعْنَى أَنْفُسُنَا تَمِيلُ إِلَيْهِ، وَتَتَلَاءَمُ مَعَهُ؟ نَفْسِيًّا؟ الْوَاقِعُ: لَا.
فَالْمَرَضُ مَثَلًا لَا يُلَائِمُ الإِنْسَانَ، فَالإِنْسَانُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا.
وَكَذَلِكَ الفَقْرُ لَا يُلَائِمُ الإِنْسَانَ، فَالإِنْسَانُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا، وَكَذَلِكَ الجَهْلُ لَا يُلَائِمُ الإِنْسَانَ، فَالإِنْسَانُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، لَكِنَّ أَقْدَارَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِحِكْمَتِهِ تَتَنَوَّعُ، مِنْهَا مَا يُلَائِمُ الإِنْسَانَ وَيَسْتَرِيحُ لَهُ بِمُقْتَضَى طَبِيعَتِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَمَا هُوَ حُسْنُ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَحْوَ أَقْدَارِهِ؟
حُسْنُ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ نَحْوَ أَقْدَارِهِ أَنْ تَرْضَى بِمَا قَدَّرَ اللَّهُ لَكَ، وَأَنْ تَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا قَدَّرَهُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ وَغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الحَمْدَ وَالشُّكْرَ.
وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّ حُسْنَ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ نَحْوَ أَقْدَارِهِ هُوَ أَنْ يَرْضَى الإِنْسَانُ وَيَسْتَسْلِمَ وَيَطْمَئِنَّ؛ وَلِهَذَا امْتَدَحَ اللَّهُ الصَّابِرِينَ فَقَالَ: ﴿...وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155 ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ156﴾ [البقرة:155-156].
الثَّانِي: حُسْنُ الخُلُقِ فِي مُعَامَلَةِ الخَلْقِ:
أَمَّا حُسْنُ الخُلُقِ مَعَ المَخْلُوقِ؛ فَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِأَنَّهُ: كَفُّ الْأَذَى، وَبَذْلُ النَّدَى، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ [8]. [8] إحياء علوم الدين (3/52-53).
أَوَّلًا: مَعْنَى كَفِّ الْأَذَى: أَنْ يَكُفَّ الإِنْسَانُ أَذَاهُ عَنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الأَذَى يَتَعَلَّقُ بِالمَالِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالعِرْضِ، فَمَنْ لَمْ يَكُفَّ أَذَاهُ عَنِ الخَلْقِ فَلَيْسَ بِحَسَنِ الخُلُقِ، بَلْ هُوَ سَيِّئُ الخُلُقِ.
وَقَدْ أَعْلَنَ الرَّسُولُ ﷺ حُرْمَةَ ذَلِكَ فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ اجْتَمَعَ فِيهِ بِأُمَّتِهِ، حَيْثُ قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [9]. [9] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، رقم (1741)، ومسلم: كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء، رقم (1679)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
إِذَا كَانَ رَجُلٌ يَعْتَدِي عَلَى النَّاسِ بِأَخْذِ المَالِ، أَوْ يَعْتَدِي عَلَى النَّاسِ بِالغِشِّ، أَوْ يَعْتَدِي عَلَى النَّاسِ بِالخِيَانَةِ، أَوْ يَعْتَدِي عَلَى النَّاسِ بِالضَّرْبِ وَالجِنَايَةِ، أَوْ يَعْتَدِي عَلَى النَّاسِ بِالسَّبِّ وَالغِيبَةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا حَسَنَ الخُلُقِ مَعَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُفَّ أَذَاهُ عَنْهُمْ، وَيَعْظُمُ إِِثْمُ ذَلِكَ كُلَّمَا كَانَ مُوَجَّهًا إِلَى مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْكَ أَكْبَرُ.
فَالْإِسَاءَةُ إِلَى الوَالِدَيْنِ مَثَلًا أَعْظَمُ مِنَ الإِسَاءَةِ إِلَى غَيْرِهِمَا، وَالإِسَاءَةُ إِلَى الأَقَارِبِ أَعْظَمُ مِنَ الْإِسَاءَةِ إِلَى الأَبَاعِدِ، وَالإِسَاءَةُ إِلَى الجِيرَانِ أَعْظَمُ مِنَ الإِسَاءَةِ إِلَى مَنْ لَيْسُوا جِيرَانًا لَكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ». قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [10]. [10] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، رقم (6016)، من حديث أبي شريح رضي الله عنه.
ثَانِيًا: مَعْنَى بَذْلِ النَّدَى: النَّدَى هُوَ الكَرَمُ وَالجُودُ، يَعْنِي أَنْ تَبْذُلَ الكَرَمَ وَالجُودَ، وَالكَرَمُ لَيْسَ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ هُوَ أَنْ تَبْذُلَ المَالَ، بَلِ الكَرَمُ يَكُونُ فِي بَذْلِ النَّفْسِ، وَفِي بَذْلِ الجَاهِ، وَفِي بَذْلِ المَالِ.
فَإِذَا رَأَيْنَا شَخْصًا يَقْضِي حَوَائِجَ النَّاسِ، وَيُسَاعِدُهُمْ، وَيَتَوَجَّهُ فِي شُؤُونِهِمْ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الوُصُولَ إِلَيْهِ، وَيَنْشُرُ عِلْمَهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَبْذُلُ مَالَهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّا نَصِفُهُ بِحُسْنِ الخُلُقِ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ النَّدَى، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [11]. [11] أخرجه الترمذي: أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، رقم (1987)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
وَمِنْ مُخَالَقَةِ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ: أَنَّكَ إِذَا ظُلِمْتَ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْكَ فَإِنَّكَ تَعْفُو وَتَصْفَحُ، وَقَدِ امْتَدَحَ اللَّهُ العَافِينَ عَنِ النَّاسِ، فَقَالَ فِي أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ134﴾ [آل عمران:134].
وقال تعالى: ﴿...وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ...﴾ [البقرة: 237].
وقال تعالى: ﴿...وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْ...﴾ [النور:22].
وقال تعالى: ﴿...فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ...﴾ [الشورى:40].
وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَتَّصِلُ بِالنَّاسِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مِنَ النَّاسِ شَيْئًا مِنَ الْإِسَاءَةِ، فَمَوْقِفُهُ مِنْ هَذِهِ الإِسَاءَةِ أَنْ يَعْفُوَ وَيَصْفَحَ، وَلْيَعْلَمْ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّهُ بِعَفْوِهِ وَصَفْحِهِ وَمُجَازَاتِهِ بِالحُسْنَى، سَوْفَ تَنْقَلِبُ العَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ إِلَى وَلَايَةٍ وَصَدَاقَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ34﴾ [فصلت:34].
وَتَأَمَّلوا أيُّها العَارِفوَن باللُّغةِ العَربيَّةِ كَيْفَ جَاءَتِ النَّتِيجَةُ بِـ(إِذَا) الفُجَائِيَّةِ؛ لِأَنَّ (إِذَا) الفُجَائِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى الحُدُوثِ الفَوْرِيِّ فِي نَتِيجَتِهَا ﴿...فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُوَفَّقُ لِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ35﴾ [فصلت:35].
وَهَلْ نَفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ العَفْوَ عَنِ الجَانِي مَحْمُودٌ مُطْلَقًا وَمَأْمُورٌ بِهِ؟ قَدْ يُفْهَمُ هَذَا مِنَ الآيَةِ، وَلَكِنْ لِيَكٌنْ مَعْلُومًا أَنَّ العَفْوَ إِنَّمَا يُحْمَدُ إِذَا كَانَ العَفْوُ أَحْمَدَ، فَإِنْ كَانَ الأَخْذُ أَحْمَدَ فَالأَخْذُ أَفْضَلُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿...فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ...﴾ [الشورى:40]، فَجَعَلَ العَفْوَ مَقْرُونًا بِالإِصْلَاحِ.
فَالْعَفْوُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ إِصْلَاحٍ، فَقَدْ يَكُونُ هَذَا الَّذِي جَنَى عَلَيْكَ واجْتَرَأَ عَليْكَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِالشَّرِّ وَالفَسَادِ، فَلَوْ عَفَوْتَ عَنْهُ لَتَمَادَى فِي شَرِّهِ وَفَسَادِهِ، فَالْأَفْضَلُ فِي هَذَا المَقَامِ أَنْ تَأْخُذَ بِالجَرِيمَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِصْلَاحًا، قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الإِصْلَاحُ وَاجِبٌ، وَالعَفْوُ مَنْدُوبٌ، فَإِذَا كَانَ العَفْوُ فَواتُ الإِصْلَاحَ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّنَا قَدَّمْنَا مَنْدُوبًا عَلَى وَاجِبٍ، وَهَذَا لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ»، وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَإِنَّني بِهَذِهِ المُنَاسَبَةِ أَوَدُّ أَنْ أُنَبِّهَ عَلَى مَسْأَلَةٍ يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِقَصْدِ الإِحْسَانِ، وَهِيَ أَنْ تَقَعَ حَادِثَةٌ مِنْ شَخْصٍ، فَيَهْلِكُ بِسَبَبِهَا شَخْصٌ آخَرُ، فَيَأْتِي أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ فَيُسْقِطُونَ الدِّيَةَ عَنْ هَذَا الْجَانِي الَّذِي فَعَلَ الحَادِثَ، فَهَلِ إِسْقَاطُهُمْ لِلدِّيَةِ مَحْمُودٌ وَيُعْتَبَرُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، أَمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ؟
فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: فَلَا بُدَّ أَنْ نَتَأَمَّلَ وَنُفَكِّرَ فِي حَالِ هَذَا الْجَانِي الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ الْحَادِثُ، هَلْ هُوَ مِنَ النَّاسِ المَعْرُوفِينَ بِالتَّهَوُّرِ وَعَدَمِ المُبَالَاةِ؟ هَلْ هُوَ مِنَ الطِّرَازِ الَّذِي لَا يُبَالِي -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- أَنْ يَصْدِمَ شَخْصًا لِأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ دَفْعَ دِيَتِهِ؟ أَمْ أَنَّهُ رَجُلٌ حَصَلَتْ مِنْهُ هَذِهِ الحَادِثَةُ مَعَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ وَكَمَالِ الِاتِّزَانِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرًا؟
فَإِنْ كَانَ مِنَ الطِّرَازِ الثَّانِي فَالْعَفْوُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى، وَلَكِنْ قَبْلَ العَفْوِ حَتَّى فِي الطِّرَازِ الثَّانِي يَجِبُ أَنْ نُلَاحِظَ: هَلْ عَلَى المَيِّتِ دَيْنٌ؟ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، وَلَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ إِلَّا مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْفُوَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى المِيرَاثِ، وَلَوْ عَفَوْنَا فَإِنَّ عَفْوَنَا لَا يُعْتَبَرُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ رُبَّمَا يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَنَحْنُ نَقُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَتَلَقَّوْنَ الِاسْتِحْقَاقَ لِهَذِهِ الدِّيَةِ مِنَ الْمَيِّتِ الَّذِي أُصِيبَ فِي الحَادِثِ، وَلَا يَرِدُ اسْتِحْقَاقُهُمْ إِلَّا بَعْدَ الدَّيْنِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ المِيرَاثَ قَالَ: ﴿...مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ...﴾ [النساء:11].
وَالحَاصِلُ أَنَّ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ: العَفْوَ عَنِ النَّاسِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ بَذْلِ النَّدَى؛ لِأَنَّ بَذْلَ النَّدَى إِمَّا إِعْطَاءٌ وَإِمَّا إِسْقَاطٌ، وَالعَفْوُ مِنَ الإِسْقَاطِ.
ثَالِثًا: طَلَاقَةُ الوَجْهِ: بِأَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ طَلِيقَ الْوَجْهِ، وَضِدُّ ذَلِكَ عُبُوسُ الوَجْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» [12]. [12] أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، رقم (٢٦٢٦)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
فَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ تُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى مَنْ قَابَلْتَ، وَعَلَى مَنْ اتّجهَ لَكَ، وَتُوجِبُ المَوَدَّةَ وَالمَحَبَّةَ، وَتُوجِبُ انْشِرَاحَ الصَّدْرِ مِنْكَ وَمِنْ يُقَابِلُكَ، وَجَرِّبْ تَجِدْ.
لَكِنْ إِذَا كُنْتَ عَبُوسًا، فَإِنَّ النَّاسَ يَنْفِرُونَ مِنْكَ، وَلَا يَنْشَرِحُونَ بِالجُلُوسِ إِلَيْكَ، وَلَا بِالتَّحَدُّثِ مَعَكَ، وَرُبَّمَا تُصَابُ بِالمَرَضِ الْخَطِيرِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالضَّغْطِ، فَإِنَّ انْشِرَاحَ الصَّدْرِ وَطَلَاقَةَ الوَجْهِ مِنْ أَنْجَحِ العَقَاقِيرِ المَانِعَةِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ؛ وَلِهَذَا يَنْصَحُ الأَطِبَّاءُ مَن ابْتُلِيَ بِهَذَا الدَّاءِ يِأَنْ يَبْتَعِدَ عَمَّا يُثِيرُهُ وَيُغْضِبُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ، فَطَلَاقَةُ الوَجْهِ تَقْضِي عَلَى هَذَا المَرَضِ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ بِذَلِكَ يَكُونُ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ مَحْبُوبًا إِلَى الخَلْقِ.
هَذِهِ هِيَ الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا حُسْنُ الخُلُقِ فِي مُعَامَلَةِ الخَلْقِ.
وَمِنْ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ: حُسْنُ المُعَاشَرَةِ مَعَ الأَصْدِقَاءِ وَالأَقَارِبِ وَالأَهْلِ، فَلَا يَضِيقُ بِهِمْ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ فِي حُدُودِ شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَهَذَا القَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُسَرُّ إِلَّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ -وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ-، فَهَذَا لَا نُوَافِقُهُ، لَكِنْ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى مَنْ يَتَّصِلُ بِكَ مِنْ أَهْلٍ وَأَصْدِقَاءَ وَأَقَارِبَ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» [13]. [13] أخرجه الترمذي: كتاب المناقب، باب في فضل أزواج النبي ﷺ، رقم (٣٨٩٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه ابن ماجه: كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء، رقم (١٩٧٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ -مَعَ الْأَسَفِ الشَّدِيدِ- يُحْسِنُ الخُلُقَ مَعَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الخُلُقَ مَعَ أَهْلِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ وَقَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ، فَكَيْفَ تُحْسِنُ الخُلُقَ مَعَ الْأَبَاعِدِ، وَتُسِيءُ الخُلُقَ مَعَ الأَقَارِبِ؟! قَدْ يَقُولُ: لِأَنِّي لَا أَجِدُ حَرَجًا فِي رَفْعِ الكَلَفَةِ وَالمُجَامَلَةِ بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَقَارِبِ، فَأَنَا أُسِيءُ الخُلُقَ مَعَهُمْ، فَنَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَالأَقَارِبُ أَحَقُّ النَّاسِ بِأَنْ تُحْسِنَ إِلَيْهِمُ الصُّحْبَةَ وَالعِشْرَةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبُوكَ» [14]. [14] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، رقم (5971)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، رقم (2548)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَالْأَمْرُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ بِالعَكْسِ، تَجِدُهُ يُسِيءُ العِشْرَةَ مَعَ أُمِّهِ، وَيُحْسِنُ العِشْرَةَ مَعَ زَوْجَتِهِ، فَيَكُونُ مُقَدِّمًا إِحْسَانَ العِشْرَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَلَى بِرِّ أُمِّهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ إِحْسَانَ العِشْرَةِ مَعَ الأَهْلِ وَالأَصْحَابِ وَالأَقَارِبِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ.
وَيَنْبَغِي لَنَا فِي هَذِهِ المَرَاكِزِ الصَّيْفِيَّةِ أَنْ نَسْتَغِلَّ وُجُودَ الشَّبَابِ بِحَيْثُ نُمَرِّنُهُمْ عَلَى إِحْسَانِ الخُلُقِ؛ لِيَكُونَ هَذَا المَرْكَزُ مَرْكَزَ تَعْلِيمٍ وَتَرْبِيَةٍ؛ لِأَنَّ العِلْمَ بِدُونِ تَرْبِيَةٍ قَدْ يَكُونُ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِ، لَكِنْ مَعَ التَّرْبِيَةِ يَكُونُ العِلْمُ مُؤَدِّيًا لِنَتِيجَتِهِ المَقْصُودَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ79﴾ [آل عمران:79].
هٰذِهِ فَائِدَةُ العِلْمِ، أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ رَبَّانِيًّا، بِمَعْنَى مُرَبِّيًا لِعِبَادِ اللَّهِ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ، فَهَذِهِ المَرَاكِزُ الَّتِي نَأْمَلُ مِنَ القَائِمِينَ عَلَيْهَا أَنْ يَجْعَلُوهَا مَيْدَانًا لِلتَّسَابُقِ فِي الأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَمِنْهَا إِحْسَانُ الْخُلُقِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلًا أَنَّ حُسْنَ الخُلُقِ يَكُونُ بِالطَّبْعِ وَيَكُونُ بِالتَّطَبُّعِ، وَأَنَّ حُسْنَ الخُلُقِ بِالطَّبْعِ أَكْمَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ بِالتَّطَبُّعِ، وَأَتَيْنَا عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لِلأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهَا» [15]. [15] أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، باب في قبيلة الرجل، رقم (5225)، من حديث زارع رضي الله عنه، وكان في وفد عبد القيس، والترمذي: أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الأناة والعجلة، رقم (2011)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وَلِأنَّ حُسْنَ الخُلُقِ بِالطَبْعِ لَا يَزُولُ عَنِ الإِنْسَانِ، لَكِنَّ حُسْنَ الخُلُقِ بِالتَّطُّبْعِ قَدْ يَفوتُ الإنْسانَ فِي مَواطِنَ كَثيرَةٍ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُمَارَسَةٍ وَإِلَى مُعَانَاةٍ، وَإِلى تَذَكُّرِ ذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ كُلِّ مَا يُثِيرُ الإِنْسَانَ؛ وَلِهَذَا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»[16]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[17]. [16] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم (6116)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [17] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم (6114)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، رقم (2609)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَالصُّرَعَةُ: هُوَ الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ، كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ، فَالْهُمْزَةُ الَّذِي يَهْمِزُ النَّاسَ، وَاللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُ النَّاسَ بِالعُيُوبِ، فَلَيْسَ الشَّدِيدُ هُوَ الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ وَيَغْلِبُهُمْ «إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [18]، فَالَّذِي يَصْرَعُ نَفْسَهُ وَيَمْلِكُهَا عِنْدَ الغَضَبِ هُوَ الشَّدِيدُ حَقِيقَةً، وَمَلْكُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ يُعْتَبَرُ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ. [18] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم (٦١١٤)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، رقم (٢٦٠٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فَإِذَا غَضِبْتَ فَلَا تُنَفِّذِ الغَضَبَ، وَلَكِنِ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَإِذَا كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلِسْ، وَإِذَا كُنْتَ جَالِسًا فَاضْطَجِعْ، وَإِذَا زَادَ بِكَ الغَضَبُ تَوَضَّأْ حَتَّى يَزُولَ عَنْكَ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ حُسْنَ الخُلُقِ بِالطَّبْعِ أَفْضَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ بِالتَّطَبُّعِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَجِيَّةً لِلْإِنْسَانِ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، لَكِنَّ التَّطَبُّعَ قَدْ يَفُوتُهُ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ حُسْنَ الخُلُقِ يَكُونُ بِالِاكْتِسَابِ، بِمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ يُمَرِّنُ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ الإِنْسَانُ حَسَنَ الخُلُقِ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أَوَّلًا: أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَفِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ: يَنْظُرُ النُّصوصَِ الدَّالَّةَ عَلَى مَدْحِ ذَلِكَ الخُلُقِ العَظِيمِ، وَالمُؤْمِنُ إِذَا رَأَى النُّصُوصَ تَمْدَحُ شَيْئًا مِنَ الأَخْلَاقِ أَوِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّهُ يَقُومُ بِهِ.
ثَانِيًا: أَنْ يُصَاحِبَ مَنْ عُرِفُوا بِحُسْنِ الأَخْلَاقِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» [19]. [19] أخرجه البخاري: كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، رقم (٥٥٣٤)، ومسلم: كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، رقم (٢٦٢٨)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
فَعَلَى جَمِيعِ الشَّبَابِ أَنْ يُصَاحِبُوا مَنْ عُرِفُوا بِحُسْنِ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَيْهِمُ البُعْدُ عَنْ مُسَاوِئِ الأَخْلَاقِ، وَسَفْسَافِ الأَعْمَالِ؛ حَتَّى يَأْخُذُوا مِنْ هَذِهِ الصُّحْبَةِ مَدْرَسَةً يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى حُسْنِ الخُلُقِ.
ثَالِثًا: أَنْ يَتَأَمَّلَ الإِنْسَانُ مَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى سُوءِ خُلُقِهِ؛ فَسَيِّئُ الخُلُقِ مَمْقوتٌ، وَسَيِّئُ الخُلُقِ مَهْجُورٌ، وَسَيِّئُ الخُلُقِ مَذْكُورٌ بِالوَصْفِ القَبِيحِ، فَإِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ أَنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْضِي بِهِ إِلَى هَذَا فَإِنَّهُ يَبْتَعِدُ عَنْهُ.
*
الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ ﷺ
وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَالرَّسُولُ ﷺ هُوَ أَحْسَنُ الخَلْقِ أَخْلَاقًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ4﴾ [القلم: 4]، فَالْحَوَادِثُ وَالْوَقَائِعُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ، بَلْ إِنَّهُ ﷺ كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ حَتَّى مَعَ الْأَطْفَالِ؛ فَكَانَ يُلَاطِفُهُمْ وَيُلَاعِبُهُمْ، وَكَانَ يَقُولُ لِأَحَدِ الْأَطْفَالِ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» [20]، وَأَبُو عُمَيْرٍ كُنْيَةُ لِطِفْلٍ صَغِيرٍ، وَكَانَ مَعَهُ (نُغَيْرٌ)، وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ مِثْلُ الْعُصْفُورِ، هَلَكَ هَذَا النُّغَيْرَ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ وَاغْتَمَّ، فَكَانَ ﷺ يُلَاطِفُهُ قَائِلًا: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». [20] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس، رقم (٦١٢٩)، ومسلم: كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، رقم (٢١٥٠)، من حديث أنس رضي الله عنه.
وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ وَنَهَرُوهُ بِشِدَّةٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُفْرِغَ عَلَى الْبَوْلِ، ثُمَّ دَعَا الْأَعْرَابِيَّ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الأَذَى أَوِ القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ» [21]. أَوْ كَمَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ. [21] أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول، رقم (٢٢١)، ومسلم: كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول، رقم (٢٨٥)، من حديث أنس رضي الله عنه.
وَوَجْهُ حُسْنِ الخُلُقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ظَاهِرٌ، فَهُوَ لَمْ يُوَبِّخْ هَذَا الأَعْرَابِيَّ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِضَرْبِهِ، بَلْ إِنَّهُ تَرَكَهُ حَتَّى قَضَى بَوْلَهُ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ أَنَّ المَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِمَا فَعَلَ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ.
وَأَتَى إِلَيْهِ رَجُلٌ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ!! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ الرَّجُلُ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ، فَلَمْ يُوَبِّخْهُ، وَلَمْ يَنْهَرْهُ، بَلْ قَالَ لَهُ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا. ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَقَالَ لَهُ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟! فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» [22]. [22] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفِّر، رقم (١٩٣٦)، ومسلم: كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، رقم (١١١١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَحُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْهَرْ هَذَا الرَّجُلَ، وَلَمْ يَشْتُمْهُ، وَلَمْ يُوَبِّخْهُ، وَذَلِكَ لِحِلْمِهِ ﷺ وَحِكْمَتِهِ، فَقَدْ رَأَى ﷺ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ جَاءَ نَادِمًا تَائِبًا خَائِفًا، فَرَأَى ﷺ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَبَّخَ، بَلْ يُبَيَّنَ لَهُ الحَقَّ، وَيُعَامَلَ بِالرِّفْقِ.
مَسْأَلَةٌ: يَرِدُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ أَهْلَ الغَرْبِ أَحْسَنُ أَخْلَاقًا فِي تَعَامُلِهِمْ وَبَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ، بَيْنَمَا تَجِدُ الغِشَّ وَالكَذِبَ وَإِنْفَاقَ السِّلْعَةَ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ بَيْنَ صُفُوفِنَا نَحْنُ المُسْلِمِينَ، فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لِحَضَارَتِهِمُ الصِّنَاعِيَّةِ كَبِيرُ أَثَرٍ فِي تَكْوِينِ أَخْلَاقِهِمْ؟
الجَوَابُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي» [23]، وَمَا كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الغَرْبَ عِنْدَهُمْ حُسْنُ خُلُقٍ فِي المُعَامَلَةِ، فَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ مِنْ سُوءِ المُعَامَلَةِ مَا يَعْرِفُهُ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ، وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ العَدْلِ وَالإِنْصَافِ، دُونَ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الإِجْلَالِ وَالإِكْبَارِ، فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ *** كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا [24]. [24] انظر: الحيوان للجاحظ (٣/٢٢٦)، وعيون الأخبار (٣/١٦)، والعقد الفريد (٢/١٩٤). [23] أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ...﴾ [آل عمران: ٧٧]، رقم (٤٥٥٢)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، رقم (١٧١١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وَلَقَدْ حَدَّثَنِي كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى الغَرْبِ عَنْ أَفْعَالٍ مِنْ أَسْوَإِ الأَخْلَاقِ، لَكِنَّهُمْ هُمْ إِذَا نَصَحُوا فِيمَا يَنْصَحُونَ فِيهِ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَلَيْسَ لِأَنَّهُمْ ذَوُو أَخْلَاقٍ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ عُبَّادُ مَادَّةٍ، وَالْإِنْسَانُ كُلَّمَا كَانَ أَنْصَحَ فِي مُعَامَلَتُهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ النَّاسُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ إِقْبَالًا، وَإِلَى شِرَاءِ سِلْعَتِهِ وَتَرْوِيجِهَا أَسْرَعَ.
فَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَامِلُو الْأَخْلَاقِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ مَادَّةٍ، وَيَرَوْنَ مِنْ أَكْبَرِ الدِّعَايَاتِ لِتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ أَنْ يُحْسِنُوا المُعَامَلَةَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأُمُورُ مَقْبُولَةً، وَإِلَّا فَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ6﴾ [البينة:6]، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا أَصْدَقَ وَصْفًا مِنْ وَصْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكَافِرِينَ؛ فَهُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، وَكَيْفَ يُرْجَى خَيْرٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ مِنْ قَوْمٍ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ؟ لَا أَعْتَقِدُ أَنْ ذَلِكَ يَكُونُ أَبَدًا، لَكِنْ مَا يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الصِّدْقِ وَالْبَيَانِ وَالنُّصْحِ فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الحُصُولُ عَلَى الذَّكْرِ وَالكَسْبِ، وَإِلَّا فَمَنْ رَأَى ظُلْمَهُمْ وَغُشْمَهم وَاسْتِطَالَتَهُمْ عَلَى الخَلْقِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، عَرَفَ مِصْدَاقَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿...أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ﴾.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَا وَقَعَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، مِنَ الغِشِّ وَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ فِي المُعَامَلَاتِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ المُسْلِمِينَ نَقَصَ مِنْ إِسْلَامِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِقَدْرِ مَا خَالَفُوا بِهِ الشَّرِيعَةَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ.
فَلَا يَعْنِي أَنَّ مُخَالَفَةَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ وَخُرُوجَهُمْ عَنْ إِطَارِ الشَّرِيعَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَعْنِي ذَلِكَ النَّقْصَ فِي الشَّرِيعَةِ، فَالشَّرِيعَةُ كَامِلَةٌ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَسَاءُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَى شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ إِلَى مَنْ يُعَامِلُونَهُ مِنْ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَسَاءُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَطْ، وَالعَاقِلُ لَا يَجْعَلُ إِسَاءَةَ العَامِلِ سُوءًا فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا هَذَا العَامِلُ.
وَلِذَلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو مِنْ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ أَنْ تَكُونَ لَدَيْهِمْ حَمْلَةٌ قَوِيَّةٌ فِي مُحَارَبَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُقِرُّهَا الإِسْلَامُ، مِنَ الكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالغِشِّ وَالخِدَاعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: رَجُلٌ نَاقِصُ الدِّينِ مَعَ حُسْنِ خُلُقِهِ، أَمْ رَجُلٌ قَارَبَ الكَمَالَ فِي الِالْتِزَامِ بِالشَّرْعِ مَعَ سُوءِ خُلُقِهِ؟ وَمَا عِلَاقَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [25]، وَفِي جَوَابِهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ؟ [25] أخرجه عبد بن حميد في مسنده (١٢١٠)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/٢٢٣)، من حديث أنس رضي الله عنه.
الْجَوَابُ: لَا شَكَّ أَنَّ مِنْ كَمَالِ الدِّينِ كَمَالَ الْخُلُقِ، كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» [26]. [26] أخرجه أبو داود: كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم (٤٦٨٢)، والترمذي: كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، رقم (١١٦٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَعَلَى هَذَا، فَكُلُّ مَنْ كَانَ نَاقِصَ الْخُلُقِ فَهُوَ نَاقِصُ الدِّينِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الدِّينِ بِكَمَالِ الْخُلُقِ، وَكَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يَتَمَثَّلُ فِي مُعَامَلَةِ الْخَالِقِ وَمُعَامَلَةِ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُ يَتَبيَّنُ أَنَّ كَمَالَ الخُلُقِ يَكُونُ بِكَمَالِ الدِّينِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ تَأْثِيرَ كَامِلِ الخُلُقِ عَلَى غَيْرِهِ فِي جَلْبِهِ إِلَى الإِسْلَامِ وَإِلَى الدِّينِ أَكْبَرُ مِنْ تَأْثِيرِ ذِي الدِّيَانَةِ السَّيِّئِ الْخُلُقِ، فَإِذَا وُفِّقَ مَنْ كَانَ قَوِيًّا فِي الْعِبَادَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْخُلُقِ كَانَ ذَلِكَ أَكْمَلَ، وَأَمَّا الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ قَوِيٍّ فِي عِبَادَتِهِ الْخَاصَّةِ لَكِنْ عِنْدَهُ سُوءُ خُلُقٍ؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَنْ يَتَوَفَّانَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَوَلَّانَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً؛ إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ.
*
Related books
All books
전체 공동체를 위한 중요한 과목들40 개 언어전체 공동체를 위한 중요한 과목들
셰이크 압둘 아지즈 빈 바즈(하나님께서 그에게 자비를 베푸시길)의 책, 전체 공동체를 위한 중요한 과목들 은 일반 무슬림들을 위한 지식의 양식이 되도록 이맘이 저술한 유익함이 큰 간결한 서한입니다. 그는 이 책에서 타우히드(하나님의 단일성), 믿음, 이슬람과 같은 종교의 근본과 기둥들부터 정결과 예배(솰라)의 규정, 이슬람의 예절, 그리고 하나님과 대등한 대상을 두는 것(쉬르크)과 여러 죄악들을 경계해야 함을 밝히는 내용까지 다루었습니다. 이는 모든 무슬림이 올바른 신조와 경배를 쉽게 이해할 수 있도록 책(꾸란)과 순나에 뿌리를 둔 쉽고 명확한 문체로 쓰였습니다.
선지자(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)의 예배법79 개 언어선지자(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)의 예배법
대학자 압둘 아지즈 빈 바즈(하나님께서 그에게 자비를 베푸시길)께서는 <선지자(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)의 예배법>이라는 책을 통해 선지자의 예배 방식을 요약하고 있습니다. 그는 이 책이 무슬림의 예배 길잡이가 될 수 있도록, 정확한 텍스트들에 근거하여 쉬운 문체와 정확한 방법론으로 예배법을 서술하셨습니다. 또한 이 책에서 그는 세정(우두)에서부터 예배의 마지막 동작 타슬림에 이르기까지 예배의 필수 요소와 권장 사항, 그리고 그 실천 방식들을 명확히 밝혔으며, 근거를 제시하고 설명을 추가하였습니다. 이를 통해 저자는 가장 위대한 경배 행위인 예배에 드림에 있어 선지자의 모범을 온전히 따를 것을 촉구하고 있습니다.
الشهادتين78 개 언어الشهادتين
이슬람에 들어오고자 한다면, 다음 신앙 증언을 들릴 수 있는 목소리로 말해야 합니다: 나는 하나님 외에는 경배받을 존재가 없음을 증언합니다. 아싀하두 안 라 일라하 일랄라후 그리고 나는 무함마드가 하나님의 사도임을 증언합니다.
세정(우두)법-간단한 시연77 개 언어세정(우두)법-간단한 시연
세정법- 소개 영상 세정법을 단계별로 시연합니다. 우두는 예배의 성립 조건이기에, 세정의식은 매우 중요합니다. 영상을 시청하고 올바르게 우두하는 법을 배우세요. 우두(세정의 방법