العشرة المبشرون بالجنة
العشرة المبشرون بالجنة
الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ
الإهداء
إلى أولئك الذين أحببتهم ولم أر كثيرًا منهم
إلى من أتوسم فيهم قول الله تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ...﴾
إليكم أبنائي في برنامج نقش وإلى أبناء المسلمين في كل مكان
شكر
الحمد لله الكريم، الذي أعان ويسر إصدار هذا الكتاب، ثم شكر لمن ساهم في إعداده وإخراجه، على رأسهم: أ. إيمان الخطيب، وأ. عبد الله البسام، وأ. فاطمة الحنايا، وأ. محمد صوانة، فقد كان لهم دور كبير في جمع وتحرير وتصميم مادة هذا الكتاب، وشكرًا لك أيها المربي الكريم على انتفاع أبنائك بهذا الكتاب.
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته الكرام، من آمنوا وصدَّقوا وسارعوا، وإلى الجنة سبقوا؛ فكُتبت سِيَرهم بكل فخر، وشُيِّدت مآثرهم فكانت مدرسة عظيمة نتعلم منها الإيمان والثبات.
وقد تقدمهم بالفضل عشرةٌ بُشِّروا بالجنة على لسان نبينا محمد ﷺ، حين قال: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
ولتقريب سِيَر هؤلاء القدوات لأبنائنا، رأيت عرض ما تيسر من أخبارهم بأسلوب قصصي مختصر وسهل العبارة، وتجنبت إثقال الكتيب بالحواشي، وحرصت أن تتناسب المادة مع المرحلة العمرية للأطفال في المرحلة الابتدائية العليا وبداية المتوسطة، ويمكن أن يستفيد منه الأصغر منهم بمساعدة والديهم.
ويأتي دوركَ أيها المربي في بث الروح لهذه القصص، بصوتك وأسلوبك المدهش، وبحوارك وأسئلتك الذكية، وإنصاتك وإجابتك التربوية، ومناقشة الدروس والفوائد منها وإثرائها، ليستوعب صغيرنا المعاني المطروحة، وليربط تاريخه بحاضره.
هذا، وإن أصبت فبتوفيق الله وإعانته، وإن أخطأت فأرجو من الله العفو، ومنكم العذر، فهو جهدٌ بشري لا يخلو من خلل أو تقصير، أسأل الله أن ينفع به وأن يرزقنا وأبناءنا حبه وحب نبيه ﷺ، وصحابته رضي الله عنهم وأن يجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة.
مدخل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف حالكم يا أبنائي؟
وكيف حال أصحابكم وأصدقائكم؟
هل تحبون أصحابكم؟
هل تستمتعون باللعب معهم؟
وهل هم أوفياء ومتعاونون؟
وهل تعلمون أن الصاحب يا أبنائي مثل واحد من الأهل، بل هو مثل الأخ إن كان صالحًا تقيًّا خلوقًا متعاونًا.
ربما أنكم تحبون أصحابكم كثيرًا، وترجون أن تقضوا معهم أجمل أوقاتكم.
أليس كذلك؟
فكل واحد منا يرى أن وقته الذي يقضيه مع صاحبه الوفيّ، يعد من أسعد الأوقات.
وأن أصحابه هم أفضل الأصحاب.
لكن، هل تعلمون حقيقة من هم أفضل أصحاب على مر التاريخ؟
ومن هو الذي كان يملك أعظم أصحاب على وجه الأرض؟
إنهم أصحاب النبي محمد ﷺ، فهم خيرُ القرون، وخير الناس بعد الأنبياء.
إذ آمنوا برسول الله، ورافقوه في رحلة الدعوة، وتحمّلوا معه الأمانة التي كلفه الله بها.
فقد كانوا أقوياء، مؤمنين، مطيعين.
يضحون لأجله، وينصرونه، ويكرمونه، ويتسابقون لخدمته.
وحموه من الأعداء، ودافعوا عنه في كل المعارك والغزوات بأنفسهم وأموالهم، وفدوه بأهلهم.
صاحَبوه، وجلسوا معه، وسمعوا منه، ونقلوا لنا أحاديثه النبوية، وسيرة حياته، والمواقف والأحداث التي حدثت معه.
وأخذوا عنه منهج الإسلام الصحيح، ونشروه في ربوع الأرض.
هل تعرفون ماذا نسمّي كل من آمن بالنبي ﷺ ورآه بعينيه خلال حياته؟
الصحابة، مصطلح يطلق على المسلمين من الرجال والنساء الذين عاصروا النبي ﷺ، فآمنوا به، وشاهدوه بأعينهم على أرض الواقع، وعندما نذكر أسماءهم نقول (رضي الله عنهم)، ونوقرهم ونحبهم وندافع عنهم، ونقتدي بهم.
وسنعرض في هذه السلسلة سيرة عشرة منهم، لكن لماذا اخترنا هؤلاء العشرة فقط؟!
لأنهم بُشِّروا بالجنة وأسميناهم العشرة المبشرين بالجنة، فتعالوا نتعرف عليهم سويًّا.
من هم العشرة المبشرون بالجنة؟
تعرفون يا أحبابي أن كل مسلم يرجو أن يُدخله الله الجنة، فيجتهد في عمل الصالحات لينال رضا الله، ويدعو الله دائمًا أن يكون من أهلها، لينعم برؤية رسول الله ﷺ هناك وصحابته رضوان الله عليهم.
لكن لا بد من العمل بطاعة الله ومحبته والاجتهاد في بر الوالدين والتخلق بالأخلاق الفاضلة حتى يبلغنا الله الجنة.
وهؤلاء العشرة الذين بشرهم رسول الله ﷺ بالجنة؛ كانوا أسبق إسلامًا من غيرهم، وكانت تضحياتهم أكثر وجهادهم أعظم فأحبهم رسول الله أكثر من غيرهم فاستحقوا بذلك أن يبشروا بهذه البشارة العظيمة.
فمن هم؟ وكيف كانت سيرة حياتهم؟
فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
تعالوا لنتعرف عليهم سويًّا، ونتعرف على سيرة حياتهم، وكيف حققوا رضوان الله عز وجل، حتى استحقوا أن يبشرهم النبي ﷺ بالجنة وهم أحياء، لعلنا نقتدي بهم في الخير، ونسير على خطاهم وندعو الله أن يجمعنا بهم في الجنة.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
نشأته:
هو عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي، ولقبه الصديق، أول من آمن من الرجال.
من وجهاء قريش، وأحد أشرافهم، فتى ليس كبقية الفتيان في صفاء النفس، ورجاحة العقل وسداد الرأي، وكان وقورًا ذا عزة، عظيم الحياء، كثير الحلم، رقيق الطبع لا يغلبه الهوى، لقّب بالصِّدِّيق لحادثة سيأتي الحديث عنها لاحقًا.
ولد في مكة، بعد عام الفيل بسنتين ونشأ فيها، وكانت مكة حينئذ يسودها الجهل وكان أهلها يعبدون الأصنام وتنتشر بينهم عادة شرب الخمر، وبعض الممارسات التي لا يرضاها من كان له عقل لبيب، وكان أبو بكر يترفع عن ذلك، ولا ينشغل كبقية فتيان قريش بالتوافه من تلك العادات، ولم يكن يميل إلى اللهو.
عمل أبو بكر في التجارة، وكان يبيع الثياب وحقق نجاحًا في تجارته وتكونت لديه ثروة.
إسلامه:
كان صاحب رسول الله ﷺ في مكة قبل أن يبعث نبيًّا، واستمرت صحبته له وصدق محبته حتى بعد أن صار محمد ﷺ نبيًّا.
كان يسكن قريبًا من الحي الذي يسكن فيه محمد بن عبد الله، وكان رفيقًا له، يجالسه، ويتحدث إليه في كثير من شؤونه، وتعلمون وتذكرون يا أحبابي أن النبي محمد ﷺ كان يلقب بالصادق الأمين في مكة قبل أن يصبح رسولًا، وكان محل ثقة الجميع، ولا يختلف اثنان على ذلك.
وعندما بعث النبي محمد ﷺ بالنبوة، كان أبو بكر أول من أسلم من الرجال، ولم يتردد لحظة واحدة عندما عرض عليه النبي ﷺ الإسلام، فقد كان يعرف صدقه وصفاء سريرته وعلو أخلاقه وأمانته في كل شؤونه، فعندما حدثه عن النبوة وأن الوحي قد جاءه، صدقه وآمن به. فسماه النبي بالصديق.
أتعرفون لماذا سمي الصِّدِّيق؟
لأنه كان يؤمن بالنبي، ويصدق بالوحي دون شك، وكل أمرٍ يخبر به الرسول ﷺ يصدقه ويؤمن به ويدعو إليه؛ فعندما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى، عاد يحدث الناس بما رأى فلم يصدقه الكفار، أما أبو بكر فقد صدقه بما روى فسماه الصديق.
هل تعتقدون يا أحبابي أنه اكتفى بإسلامه وجلس في بيته؟
لا، بل حمل همَّ الدعوة وصار رفيقًا للنبي محمد ﷺ يعينه على الدعوة للإسلام.
فصار يدعو أصحابه إلى الإسلام ويوضّح لهم عقيدة التوحيد الصحيحة، وأن عبادة الأصنام شرك وكفر؛ ودعا من يثق بهم ويلتمس فيهم رجاحة العقل، فأسلم على يديه كل من: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص. وكان يدافع عن النبي ﷺ، ويقول لقريش: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟!
سبقه في عمل الخير:
بلغت أمواله من التجارة نحو أربعين ألفًا، كان ينفقها صدقة في سبيل الله، على المحتاجين من المسلمين، فكان يبحث عن المؤمنين الضعفاء الذين يُعذَّبون لإيمانهم، ويعرض على سادتهم شراءهم بمال وفير، ثم يعتقهم، فأنقذهم من ضرب السياط، ومن حر الشمس الشديد، ومن الجوع والعطش، ومن الذين أنقذهم الصديق رضي الله عنه الصحابي بلال بن رباح الذي أصبح فيما بعد مؤذن رسول الله ﷺ، وكان الصديقُ لا ينتظر مقابل هذه المساعدة شيئًا، ولا يحب أن يمدحه الناس على ذلك، بل يحتسبها في سبيل الله.
وكان أسبق الصحابة للخير، فلم يتمكنوا من سبقه رغم حرصهم على ذلك، فقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا. فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» فَقُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ. يَقُولُ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا». [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
ومرة قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». [رواه مسلم].
شرف الهجرة مع الرسول:
عندما اشتد أذى المشركين للمؤمنين أمر النبي ﷺ صحابته أن يهاجروا إلى المدينة، وطلب من أبي بكر رضي الله عنه الانتظار، فلما أراد النبي ﷺ الهجرة اختار صاحبه أبا بكر رضي الله عنه ليكون رفيقًا له في رحلته، ففرح أبو بكر بذلك، وخرجا من مكة مستخفيين، فلما أحس المشركون بخروجهم، بدؤوا البحث عنهما ووضعوا جوائز ثمينة لمن يقتلهما أو يأسرهما.
وخرج النبي ﷺ، وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار ثور ليختبئا فيه، وقبل أن يدخلاه قال أبو بكر رضي الله عنه: «وَاللهِ لَا تَدْخُلُهُ حَتَّى أَدْخُلَهُ قَبْلَكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ أَصَابَنِي دُونَكَ»، أي أصابني أنا ولم يصبك أنت، فلما دخل الغار تفقده فوجد فيه جحورًا وخشي أن يكون فيها هوام مؤذية، فسدَّ بعضها ببعض ملابسه، وبقيت فجوة لم يجد ما يسدها به فسدها برجله، وقال للنبي ﷺ: ادخل، فدخل رسول الله ﷺ، ووضع رأسه في حجر أبي بكر رضي الله عنه ونام، فلُدغ أبو بكر رضي الله عنه في رجله من ذاك الجحر، ولم يتحرك مخافة أن يزعج رسول الله ﷺ،
حتى سقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ من الألم، قال: «مَا بَالُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟!» فقال رضي الله عنه: «لُدِغْتُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، فدعا له رسول الله ﷺ، ونفث على المكان الذي يؤلمه فذهب ما بأبي بكر من ألم ولم يتأثر باللدغة.
وفي يوم اقترب المشركون من الغار فخاف أبو بكر!! أتظنونه خاف على نفسه؟! كلا، بل كان خوفه على النبي ﷺ يخشى أن يصيبه الكفار بأذى، أرأيتم أعظم من هذا الصاحب؟! كان مستعدًا أن يفدي النبي بنفسه. هنا طمأنه النبي ﷺ، وأخبره أنهما اثنان، لكن الله ثالثهما بحفظه وحمايته، فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا»، وهذا ما حدث حيث حفظ الله نبيه وصاحبه، ورد الكفار خائبين.
زواج النبي ﷺ من ابنته عائشة:
أحبَّ النبي ﷺ أبا بكر كثيرًا، وخطب منه ابنته عائشة، فتهلل وجه أبي بكر، وسعد بذلك، وفرحت عائشة بأنها ستكون أم المؤمنين، وتزوجها النبي ﷺ بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة.
وقد سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه يومًا: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟» قَالَ: «عَائِشَةُ». فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا». [رواه البخاري].
وقد كان في زواج النبي ﷺ من عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الخير الكثير للأمة كلها؛ فقد روت عن النبي ﷺ كثيرًا من الأحاديث النبوية الشريفة، التي تعلم المسلمون منها أحكام دينهم، حتى تجاوز عدد الأحاديث التي روتها الألفي حديث.
جهاده:
شهد أبو بكر رضي الله عنه كل الغزوات والمعارك مع النبي ﷺ، وكان عدد هذه الغزوات تسع عشرة غزوة، لم يتخلف عن واحدة منها، يقاتل أعداء الإسلام ويدافع عن نبيه وعن المؤمنين.
وعندما مرض النبي ﷺ، ولم يستطع أن يخرج من بيته ليصلي بالناس قال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فصلى بهم رضي الله عنه وأرضاه.
وعندما توفي رسول الله ﷺ، حزن أبو بكر رضي الله عنه حزنًا شديدًا لكنه صبر واحتسب وثبّت المسلمين وذكّرهم أن هذا قضاء الله وحكمه، وأن النبي ﷺ بشر يموت كغيره من البشر، فاطمأن الناس وسكنوا.
خلافته:
كان المسلمون بحاجة لقائد وخليفة يتولى شؤونهم ويدير أمورهم بالحق والعدل بعد وفاة النبي ﷺ، فاجتمع كبار الصحابة في سقيفة بني ساعدة وتشاوروا فيمن يختارون ليكون خليفة رسول الله ﷺ، فعلى من تتوقعون وقع الاختيار؟! نعم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لم يجدوا أفضل منه لهذه المهمة، فاتفقوا على ذلك وبايعوه بالخلافة وأصبح هو خليفة المسلمين بعد وفاة نبينا محمد ﷺ، وانظروا كيف كان رضي الله عنه سباقًا لكل شيء حتى إنه أول خليفة بعد رسول الله يتولى أمر المؤمنين.
ماذا فعل عندما تولى الخلافة؟ وكيف كانت أخلاقه مع الناس؟ هل جعلته الرئاسة يتعالى ويتكبر؟ لا، بل ازداد خشية لله ورحمة بالناس، وقد كان قبل الخلافة يعين جيرانه ويحلب لهم أغنامهم، فلما أصبح خليفة قالت إحدى بنات الجيران: اليوم لا يحلب لنا أغنامنا، فلما سمع أبو بكر رضي الله عنه كلامها قال: «بَلَى، لَأَحْلُبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ خُلُقٍ كُنْتُ عَلَيْهِ»، واستمر رضي الله عنه في مساعدته لهم رغم مسؤولياته ومشاغله.
وكان قويًّا في الحق والدعوة إلى دين الله، أقام العدل وأرسل الجيوش لفتح البلدان والدعوة إلى دين الإسلام؛ فبعد وفاة النبي ﷺ، ارتدت بعض القبائل عن الإسلام واتبعت كذابين ادّعوا النبوة، فأرسل لهم الصديق رضي الله عنه الجيوش التي ردتهم للحق، وقضت على الكذب، كما أدب من امتنع عن أداء فريضة الزكاة، وقال قولته المشهورة «أَيَنْقُصُ الدِّينُ وَأَنَا حَيٌّ؟»، ولم يزل يجاهد وينصح ويعلم حتى عادت الجزيرة العربية كلها للإسلام، وهنا انتقل لجهاد الفرس في العراق والروم في الشام.
جمع القرآن:
من أهم الأعمال التي تولاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أثناء خلافته، جمع القرآن الكريم، لكن، كيف جمعه وهل كان متفرقًا؟
نعم، فقد توفي رسول الله ﷺ، والقرآن الكريم لم يُجمع في مصحف واحد مكتوب، وإنما كان متفرقًا يحفظه الصحابة في صدورهم وكُتب بعضه في ألواح متفرقة.
وفي إحدى المعارك التي حارب فيها المسلمون من ارتد عن الإسلام، قُتل عدد من الصحابة الذين كانوا يحفظون القرآن الكريم، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان حزينًا وخائفًا وقال لأبي بكر: إن الكثير من القراء وحفظة القرآن قد استشهدوا، وأخاف أن يذهب ما بقي منهم ويذهب كثير من القرآن. فما رأيك أن نجمعه؟
أعجب أبو بكر رضي الله عنه بهذا الرأي الحكيم، ووقع اختياره على زيد بن ثابت رضي الله عنه ليقوم بهذه المهمة، لأن زيدًا كان كاتب النبي ﷺ، فبدأ زيد بجمع القرآن من الرقاع (القطعة من الجلد أو القماش)، واللخاف (الحجارة الرقيقة)، والعظام والجلود وصدور الرجال، وأشرف عليه وعاونه في ذلك أبو بكر وعمر وكبار الصحابة رضي الله عنهم، حتى جمعوه في مصحف واحد.
وفاته:
توفي رضي الله عنه بعد سنتين من توليه الخلافة، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة، ودُفن إلى جانب رسول الله ﷺ، وحزن المسلمون لوفاته، فهو صاحب رسول الله ﷺ، وخليفته. ولقي ربه راضيًا مرضيًّا، كيف لا، وقد ذكره الله عز وجل في القرآن الكريم، بأنه كان صاحب رسول الله في غار ثور عندما هاجر معه من مكة إلى المدينة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ40﴾ [التوبة: 40].
استخلافه لعمر بن الخطاب:
بقي أن نعرف أنه عندما مرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وشعر باقتراب أجله، أحس أنه لا بد أن يستخلف رجلًا من بعده يجتمع عليه المسلمون، خليفة من بعده، يكمل الإصلاح ونشر الدعوة ويحكم الناس بالعدل.
فكان صاحب رأي سديد، في اختيار صحابيٍّ جليلٍ شجاعٍ قويٍّ في الحق، هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليكون الخليفة الثاني للمسلمين، من بعده، وسنتعرف على سيرة الخليفة الثاني وهو ثاني العشرة المبشرين بالجنة، في الصفحات الآتية.
دروس وفوائد:
أن الفوز الحقيقي يكون باتباع القرآن الكريم وسنة نبينا محمد ﷺ، كما رأينا كيف أن أبا بكر أصبح أفضل رجل بعد النبي ﷺ باتباعه له وفاز بالجنة.
يجب علينا تصديق النبي ﷺ بكل ما أخبر وطاعته بكل ما أمر حتى نكون من الصادقين الصدّيقين كأبي بكر رضي الله عنه، ومن الذين قال الله فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ19﴾ [الحديد:19].
المؤمن المحبّ لله ولرسوله يحمل هم الدعوة إلى الله، وينصح أصدقاءه وأهله ويرشدهم إلى الفعل الصحيح بأسلوب لطيف.
أهمية الصديق الصالح، فاحرصوا يا أحبابي على اختيار الأتقياء منهم، أصحاب الخُلُق الحسن، الذين تنتفعون بهم في الدنيا والآخرة، كما كان أبو بكر للنبي ﷺ.
التوكل على الله وعدم خشية الناس، وخاصة إذا كان الإنسان على الحق، كما حصل لرسول الله ﷺ، وأبي بكر في الغار.
الحرص على العبادات والطاعات؛ فهي سبب لدخول الجنة، كما نالها أبو بكر عندما سأل النبي ﷺ أصحابه: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا...».
عظم شأن أركان الإسلام الخمسة؛ فهي أساس الدين ويجب القيام بها جميعها ومن أنكر شيئًا منها فهو في خطر عظيم، وقد قاتل أبو بكر الذين منعوا أداء الزكاة لأنها الركن الثالث من أركان الإسلام.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ذكرنا أن أبا بكر رضي الله عنه اختار صحابيًّا جليلًا يخلف المسلمين من بعده، أتذكرونه؟ إنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تعالوا لنتعرف سويًّا على سيرته.
نشأته:
ولد عمر بن الخطاب في مكة، ونشأ فيها وتعلم القراءة والكتابة وأحب الفروسية وركوب الخيل وتعلم الرماية والمصارعة، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، كان يمتاز بالقوة وصلابة الجأش وسداد الرأي، فهو من رجال مكة الأشداء، وكان متحدثًا فصيحًا جريئًا.
لما بُعث النبي ﷺ، وشاع في مكة أنه يدعو إلى دين الوحدانية بالله، وأنه جاء بالإسلام، كان عمر بن الخطاب في البداية مثل رجال قريش، غير مؤمن بما يدعو إليه محمد بن عبد الله، وصار عمر يهدد كل من يسلم بالقتل.
فكيف كان موقف النبي ﷺ أمام هذا الرجل القوي؟ لم ييأس النبي ﷺ من رحمة الله، بل كان يدعو الله أن يسلم عمر لما فيه من خصال حميدة، ورجاحة عقل، وصلابة في الحق؛ فكان يقول: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ» (أبو جهل)، فهل تحبون معرفة كيف استجاب الله دعاء النبي ﷺ؟
قصة إسلامه:
في يوم من الأيام أخبر رجل عمر بن الخطاب أن أخته فاطمة، وزوجها سعيد بن زيد، قد أسلما واتبعا النبي ﷺ وتركا عبادة الأصنام؛ فغضب عمر غضبًا شديدًا، وذهب مسرعًا إلى بيت أخته ليتأكد من الخبر، فلما اقترب عمر من الدار سمع تلاوةً عجيبة من خلف الباب فازداد غضبه وطرق الباب بشدة؛ فأخفت أخته الصحيفة التي كان يتلى منها القرآن، ولما فتحت له الباب دخل مغضبًا ولطمها لطمة شديدة آلمتها، هنا شعر عمر بخطئه وندم على تسرُّعِه في ضرب شقيقته! فرقّ قلبُه لها ورحمها، وقال: أعطيني ما كنتم تقرؤون منه قبل قليل، فقد سمعت قراءتكم قبل أن تفتحوا لي الباب، فلما سمع قوله تعالى: ﴿طه1 مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ2﴾ [طه: 1- 2]
أحس بقشعريرة في داخله، واهتز كيانه، وذهب ما كان به من غضب؛ وانشرح صدره لمّا سمع من الآيات، وقال: «مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ»، دلوني على مكان محمد، لأعلن إيماني به، وأسلم على يديه. ففرحت أخته فاطمة، لقد استجاب الله دعوة نبيه ﷺ، وشرح صدر عمر رضي الله عنه للإسلام.
انطلق عمر إلى دار تسمى "دار الأرقم"، كان يجتمع فيها المسلمون سرًّا مع النبي ﷺ يتعلمون دينهم، ويختبئون فيها عن أعين كفار قريش، فطرق عليهم الباب فنظر أحدهم ناحية الباب، وقال بخوف: إنه عمر! فقال أحد الصحابة: لنأذن له فإن يرد الله به خيرًا يسلم، وإن كان قدومه لشر، اجتمعنا عليه وقاتلناه، فأذن له النبي ﷺ بالدخول، فما هي إلا لحظات وينطق بعدها عمر الشهادتين: «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، فكبَّر النبي ﷺ، فرحًا بإسلامه، وكبَّر الصحابة رضي الله عنهم فرحين مستبشرين بإسلامه.
الدعوة الجهرية للإسلام:
بعد أن أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال للنبي ﷺ: ألسنا على الحق؟ قال ﷺ: بلى، فقال عمر رضي الله عنه: فلماذا يكون إسلامنا سرًّا؟ ليكن جهرًا ولا نخشى أحدًا. هيا نخرج على أهل مكة، ونعلن إسلامنا جميعًا على الملأ.
خرج المسلمون من دار الأرقم في صفين؛ أحدهما فيه عمر بن الخطاب، والآخر فيه حمزة عم النبي ﷺ، وكان قد أسلم قبل عمر بثلاثة أيام، حتى دخلوا المسجد الحرام، أمام أعين قريش، يحكي لنا عمر هذا الموقف فيقول: فنظرت قريش إليَّ وإلى حمزة بن عبد المطلب، فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها.
في هذا الموقف الجليل اختار النبي ﷺ لعمر لقبًا جميلًا ظل مشتهرًا به حتى يومنا هذا، ما هذا اللقب؟ إنه (الفاروق)، لِمَ سماه الفاروق؟
لأن الله فرَّق بإسلامه بين الحق والباطل، فقوي الحق وضعف الباطل، وكان إسلامه عزًّا ونصرًا للمسلمين، وبشره النبي ﷺ بالجنة.
شجاعته وقوة إيمانه:
ومن مواقفه التي تجلت فيها شجاعته رضي الله عنه أنه حين أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يخرجون من بيوتهم مهاجرين سرًّا، بعيدًا عن أعين قريش، خشية أذى كفار قريش، أما عمر فكانت هجرته مختلفة!
فحينما عزم على الهجرة تقلد سيفه، وجاء إلى الكعبة، فطاف بها سبعة أشواط، ثم صلى في مقام إبراهيم بكل جرأة وإقدام، ثم نظر إلى كفار قريش وهو يهز سيفه أمامهم قائلًا: «مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكَلَهُ أُمُّهُ أَوْ يَيْتَمَ وَلَدُهُ، فَلْيَلْحَقْ بِي عَلَى بَطْنِ هَذَا الْوَادِي»! أي أنه سيقتل من يحاول منعه من الهجرة، فخاف المشركون من تهديده ولم يلحقه أحد.
استقر عمر رضي الله عنه في المدينة، ولازم النبي ﷺ، وأحبه كثيرًا، وتزوج النبي ﷺ ابنته حفصة رضي الله عنها، ففرح عمر بهذا الزواج كثيرًا إذ سيكون أقرب للنبي ﷺ.
شهد عمر بن الخطاب مع النبي ﷺ كل غزواته، وكان قريبًا منه؛ يعينه ويدافع عنه، وكان أعداء الدين يخافونه، وبلغ من ذلك أن الشيطان يخاف من عمر لشدته في الحق، فقد قال له رسول الله ﷺ يومًا: «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا آخَرَ غَيْرَهُ».
سداد رأيه:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذا رأي سديد وفطرة نقية فكان القرآن يا أحبابي في بعض المواقف ينزل موافقًا لرأي عمر رضي الله عنه؛ ففي ذات مرة كان مع رسول الله ﷺ عند الكعبة فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى»، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ125﴾ [البقرة:125].
وفي موقف آخر قال: «لَوِ احْتَجَبَتْ نِسَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللهِ»، فأنزل الله آية الحجاب.
وتذكرون من أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بجمع القرآن؟ ألم يكن عمر رضي الله عنه؟
الخليفة الثاني للمسلمين:
في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان عمر رضي الله عنه يعاونه، وولاه الصديق القضاء بين الناس، وكان ناصحًا لأبي بكر رضي الله عنه، وعندما شعر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بدنو أجله، رأى أن يختار للمسلمين خليفة يجتمعون عليه، ويمتاز بقوة إيمانه وصلاحه وسداد رأيه، فلم يجد أفضل من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففاتح كبار الصحابة بهذا الرأي ووافقوه عليه، فلما توفي الصديق رضي الله عنه ولي عمر أمر المسلمين من بعده، ولقب بخليفة خليفة رسول الله ﷺ، ولما رأوا أن هذا اللقب طويلٌ سموه (أمير المؤمنين)، وهو أول خليفة يحمل هذا اللقب.
وقد اجتمعت في عمر صفات الخليفة الناجح، ما هذه الصفات يا أحبابي؟
إنها الشجاعة، والقوة، والرحمة والعطف، والعدل، والزهد.
الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب:
بارك الله لعمر رضي الله عنه في خلافته، واتسعت دولة الإسلام في عهده؛ فقد جهز جيوشًا عظيمة بإيمانها، انطلقت للدعوة إلى الإسلام ففتح الله لها بلاد الشام والعراق ومصر، وأنقذ الله أهلها من الخرافات وعبادة غير الله إلى دين الإسلام، وأنعم الله على المسلمين في عهده بانتصارهم على الروم في معركة اليرموك في السنة الخامسة عشرة للهجرة، والتي تلاها فتح بيت المقدس، وتسلم عمر رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس بنفسه، وكان لهذه الحادثة قصة استمعوا لها يا أحبابي:
حاصر جيش المسلمين القدس، ورغب أهلها بالاستسلام إلا أنهم اشترطوا أن يكون استسلامهم لأمير المؤمنين شخصيًّا، فأرسل عمرو بن العاص رضي الله عنه، الذي كان قائد جيش المسلمين لعمر بن الخطاب يخبره بذلك، فوافق عمر رضي الله عنه على القدوم لما في ذلك من حقن للدماء، وانطلق من المدينة النبوية ليس معه إلا خادمه، وناقة واحدة يتناوبان عليها، يركبها عمر مرة، وخادمه مرة.
فلما أقبل عمر على بيت المقدس كان دور الخادم في الركوب، فدهش غير المسلمين من تواضع عمر رضي الله عنه، فقد توقعوا أن يأتيهم في موكب عظيم يحفه الخدم والأعوان والحراس، لكن زهده وتواضعه أكد لهم أنه ومن معه من المؤمنين لم يأتوا طلبًا للدنيا، وإنما كانت غايتهم أعلى وأنفس، تسلم عمر رضي الله عنه بعد قدومه مفاتيح القدس، وأعطى أهلها الأمان على أنفسهم وأموالهم، وأسس فيها المكان الذي يصلي فيه المسلمون حتى هذا اليوم.
تفقد الرعيّة وقصته مع المرأة وأطفالها الجياع:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمتاز بعطفه ورحمته، وحرصه على المسلمين، وكان يتفقد أحوال رعيته باستمرار، ليطمئن عليهم؛ ومن ذلك هذا الموقف الجميل:
خرج رضي الله عنه ذات ليلة، ومعه خادمه. وسار في شوارع المدينة. فرأى نارًا بعيدة عن أطراف المدينة، فقال رضي الله عنه: أرى ناسًا يقاسون البرد، فهيا بنا إليهم لنعرف حالهم.
أسرع عمر وخادمه واقتربا من المكان، فوجدا امرأة لها صبية صغار، وقد تحلق الأولاد حول نار يعلوها قِدر أسود من طول لبثه على النار، وكان الأولاد يبكون!
وقف عمر رضي الله عنه قريبًا منهم، وقال: السلام عليكم، فقالت المرأة: وعليك السلام. فقال عمر: هل أقترب؟ أجابت المرأة: اقترب ومعك الخير، أو اتركنا واذهب، فقال عمر: ما عندكم؟ فقالت المرأة: نزل علينا الليل والبرد، وليس لدينا طعام! فسألها عمر رضي الله عنه: لماذا يبكي الأولاد؟ فقالت: من الجوع والبرد، فسأل رضي الله عنه: وأي شيء في هذه القدر؟ فقالت: وضعت فيه ماء وحجارة، وهم يظنونه طعامًا، فأظل أحركه وأسلّيهم حتى يناموا!
فقال لها عمر رضي الله عنه: ولماذا أنت هكذا؟ فقالت له: أنا وحيدة، ليس لي أخ ولا أب ولا زوج ولا قرابة. فقال لها: لم لا تعرضين أمرك على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فيجعل لك شيئًا من بيت المال؟ فقالت له: لا حيّا الله عمر ونكّس أعلامه، والله إنه ظلمني! فسألها: ولم ظلمك عمر؟ قالت: لم يجعل لنا من بيت المال، ما يكفيني وأطفالي، فقال لها: اهتمي بالأولاد وسأعود إليك بالطعام، تألم عمر من كلام المرأة وحال هذه الأسرة من جراء عدم وجود الطعام، فأسرع هو وخادمه نحو مخزن بيت المال، وأخرج عمر كيسًا كبيرًا من الدقيق، وجرة من السمن، وقال لخادمه: احمله عليّ. فقال الخادم: أنا أحمله عنك. فقال عمر رضي الله عنه: أأنت تحمل عني ذنبي يوم القيامة؟!
وضع الخادم كيس الدقيق فوق ظهر عمر، فأسرع عمر رضي الله عنه وهو يحمل الكيس الثقيل إلى مكان المرأة، ثم أنزل كيس الدقيق على الأرض وفتحه، وأخذ منه بعض الدقيق، وجلس قريبًا من النار، ووضع الدقيق وبعض السمن في القدر، وجعل ينفخ في النار حتى ينضج الطعام. والدخان يتسرب من بين شعر لحيته! فلما نضج الطعام أنزل عمر رضي الله عنه القدر على الأرض، ثم وضع الطعام في طبق كبير، وقال للمرأة: نادي أولادك، فاجتمع الأولاد حول الطبق يأكلون، فقالت المرأة: جزاك الله خيرًا.
وانتظر عمر وخادمه قريبًا منهم ينظر إلى الأولاد حتى أكلوا وشبعوا، ثم رأى الأولاد يلعبون ويضحكون. وبعد قليل نام الأولاد، فقال عمر لخادمه: الحمد لله، الآن نستطيع أن نعود، فقد شبع الأولاد وناموا.
وقال للمرأة: أنا من قرابة أمير المؤمنين عمر، وسأذكر له حالك، فتعالي غدًا إلى دار الإمارة، فستجدينني هناك، ليكتب لك أمير المؤمنين من بيت المال ما يكفيك وأطفالك، وصارت المرأة تدعو الله له، أن يجزيه خير الجزاء، وهي لا تعرف أنه أمير المؤمنين.
وفاته:
كان عمر رضي الله عنه، يدعو الله أن يرزقه الشهادة في سبيله، وأن يقبض في مدينة رسوله ﷺ، وفي يوم من الأيام، وأثناء إمامته للمسلمين بالمسجد في صلاة الفجر، اندفع من إحدى زوايا المسجد رجل كافر يدعى (أبو لؤلؤة المجوسي) يحمل خنجرًا مسمومًا، فطعن عمر رضي الله عنه عدة طعنات، فصار الدم ينزف منه غزيرًا؛ فلم يستطع رضي الله عنه أن يكمل الصلاة، فأكمل الصلاة بالناس الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، توفي عمر رضي الله عنه متأثرًا بجراحه، ودفن بجوار صاحبيه رسول الله ﷺ، وأبي بكر رضي الله عنهم جميعًا.
اختياره للخليفة من بعده:
قبل أن يتوفى عمر رضي الله عنه عيَّن ستة من الصحابة لكي يتشاوروا فيما بينهم، ويختاروا أميرًا منهم لخلافة المسلمين من بعده، وجعل معهم ابنه عبد الله بن عمر، على أن يشاركهم في المشورة، ولكن لا تكون الإمارة إليه.
والستة هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام - رضي الله عنهم أجمعين - فوقع اختيارهم على صحابي جليل مبشر بالجنة أيضًا، سنتعرف عليه في الصفحات القادمة.
دروس وفوائد:
لا ييأس الإنسان من هداية أحد، بل يدعو الناس كلهم وينصحهم، فهذا عمر رغم شدة بأسه أسلم.
أهمية الاستماع للقرآن وأنه سبب للهداية والصلاح، وكثير من الكفار آمنوا بعد سماعهم لآيات منه.
الدعاء أمره عظيم، وربنا كريم، فقد دعا النبي ﷺ الله لعمر بالإسلام، فأسلم رغم أنه كان شديد البأس صلبًا، يهابه الناس.
الصبر والثبات عند التعرض للأذى في سبيل الله، كما حصل لفاطمة أخت عمر وزوجها سعيد رضي الله عنهما، ولغيرهم من المسلمين، فجازاهم الله بسبب صبرهم بالنصر في الدنيا وبالجنة في الآخرة.
على المؤمن أن يتفقد أقاربه وجيرانه ومن حوله ويحسن إليهم، فيطعم المحتاج ويساعد الضعيف ويخدم الكبير؛ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا،
فهذا عمر لم تشغله الخلافة والإمارة عن تفقد الناس.
عثمان بن عفان ذو النورين رضي الله عنه
وقع اختيار الصحابة للخلافة بعد عمر رضي الله عنه - كما ذكرنا - على صحابي جليل مبشّر بالجنة أيضًا، هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، الملقب بذي النورين؛ فأصبح عثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، تعالوا لنتعرف على سيرته ولماذا لقِّب بذي النورين؟!
نشأته:
ولد عثمان رضي الله عنه بمكة بعد عام الفيل بست سنوات، أي أنه أصغر من النبي ﷺ بست سنوات، وكان تاجرًا، أنعم الله عليه بمال وفير، فكان جوادًا كريمًا أمينًا، فأحبه الناس كثيرًا، وكان من عقلاء قريش وحكمائهم، لم يشرب خمرًا ولم يعبد صنمًا في حياته قط، ولم يكن يشارك رجال قريش في أي شيء من ذلك، لأنه كان يملك عقلًا يميز فيه الخبيث من الطيب.
وكان صديقًا لأبي بكر رضي الله عنهما، ولاحظوا أنه يشبهه بعدة أمور، هل تذكرون ما هي؟ نعم يا أحبابي، كلاهما كان تاجرًا وكلاهما لم يشرب خمرًا أو يعبد صنمًا، وهل تذكرون أن أبا بكر رضي الله عنه أسلم على يديه الكثير من الصحابة؟ لقد كان منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، فتعالوا نستمع إلى قصة إسلامه.
إسلام عثمان:
في أحد الأيام التقى عثمان بأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، فقال له عثمان: لقد سمعتُ أن هناك رجلًا ظهر في مكة ويقول إنه نبي مرسل من الله، يدعو إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: لقد صدقت فلقد أرسل الله رسوله المنتظر، وقد آمنتُ به، قال عثمان: ومن هو؟ قال أبو بكر: إنه محمد بن عبد الله، وأنت يا عثمان رجل عاقل حازم لا يخفى عليك الحق من الباطل، فهل يعجبك ما يقوم به قومك من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ويفعلون من الأعمال ما لا يرضاه العاقل ولا يقبله اللبيب، من شرب للخمر، ولعب للقمار، وأكل لحقوق الضعفاء؟ فقال عثمان: نعم إن القوم في ضلال كبير، قال أبو بكر: تعال معي يا عثمان إلى رسول الله لتسمع منه، وتعرف الحق، وتلحق بركب المؤمنين.
ذهب الاثنان إلى النبي محمد ﷺ، فأقبل بوجهه على عثمان ودعاه إلى الإسلام، وترك ما يعبده المشركون من الأصنام، واستمع عثمان إلى آيات كريمات من القرآن، يقول عثمان رضي الله عنه: «فَوَاللهِ مَا تَمَالَكْتُ نَفْسِي حِينَ سَمِعْتُ قَوْلَهُ، وَأَسْلَمْتُ وَنَطَقْتُ الشَّهَادَتَيْنِ»: «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ».
تحمّله لأذى قريش:
هل تعتقدون يا أحبابي أن كفار قريش تركوا عثمان بن عفان رضي الله عنه وشأنه، بعد إسلامه؟ لا، لم يتركوه؛ بل كانت قريش تؤذي وتعذب كل من يؤمن بالنبي ﷺ، فأوذي عثمان رضي الله عنه كما أوذي غيره من الصحابة، لكنه تمسك بدينه وثبت وصبر.
وزوّجه النبي ﷺ بابنته رقية رضي الله عنها، فازدادت كراهية قريش له بعد زواجه من بنت رسول الله ﷺ.
الهجرة إلى الحبشة:
لما ازداد أذى قريش للمسلمين في مكة المكرمة، وكانوا لا يستطيعون دفع الأذى عن أنفسهم، لقلة عددهم، وضعف حالهم، وتجبر قريش على المسلمين الجدد الضعفاء، وحاربوا عثمان بن عفان رضي الله عنه في دينه وتجارته، أذن رسول الله ﷺ لبعض المسلمين بالهجرة، وكان منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وزوجته رقية ابنة رسول الله ﷺ.
هاجر المؤمنون لبلاد تسمى الحبشة وتقع غرب البحر الأحمر، واختاروها لأن فيها ملكًا عادلًا لا يظلم أحدًا، هاجروا حتى يعبدوا الله بأمان وطمأنينة، فعاشوا بجوار ملكها آمنين مطمئنين.
انظروا يا أحبابي كيف أصبح أكبر همهم عبادة الله ورضاه، ففارقوا أوطانهم وبلادهم وأهلهم، ليعبدوا الله براحة وطمأنينة، ومكث عثمان في الحبشة مدة من الزمن ثم عاد إلى مكة.
الهجرة إلى المدينة المنورة:
كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل التي تأتي إلى مكة، يطلب منهم نصرته في دعوته، وكانت القبائل تعتذر عن نصرته، إيثارًا للسلامة، وخوفًا من معاداة قريش، حتى لقي في يوم من الأيام مجموعة من أهل المدينة المنورة، وعرض عليهم الإسلام فآمنوا، وأرسل معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه يعلمهم الدين، ووعدوا النبي ﷺ بالنصرة، وعندما انتشر الإسلام في المدينة رأى النبي ﷺ أن يستأذن ربه في الهجرة إليها، حتى يتخلص المسلمون من أذى قريش، ويعبدوا الله باطمئنان وأمان، فأذن الله لهم بالهجرة، فبدأ المسلمون بالهجرة، فهاجر عثمان بن عفان رضي الله عنه معهم، وصار صاحب هجرتين في سبيل الله، إحداهما إلى الحبشة والأخرى إلى المدينة.
ذو النورين:
حفظ عثمان رضي الله عنه القرآن الكريم كاملًا، وكان كثير التلاوة والصلاة والعبادة، وشهد الغزوات كلها مع النبي ﷺ عدا (بدر) التي هي أول معركة للمسلمين مع الكفار، فلماذا لم يشهدها عثمان رضي الله عنه؟ رغم أنه كان مستعدًا لها! كان سبب غيابه أن زوجته رقية رضي الله عنها مرضت فأمره النبي ﷺ بالبقاء معها لرعايتها، وماتت قبل عودة النبي ﷺ من المعركة.
حزن عثمان كثيرًا بعد وفاتها، وكان نعم الزوج؛ فزوّجه النبي ﷺ من أختها أم كلثوم رضي الله عنها، ولهذا لقب بــ...؟ هل تذكرون لقبه الذي ذكرناه في بداية قصتنا؟ نعم إنه ذو النورين، لأنه تزوج ابنتين من بنات النبي ﷺ.
تجهيز جيش العسرة:
أنفق عثمان رضي الله عنه ماله في سبيل الله، ولم يبخل به يومًا، ومن أعظم ما فعله رضي الله عنه، ما حصل أثناء استعداد المسلمين لغزوة تبوك، وقد سمي (جيش العسرة) والعسرة يا أحبابي هي الصعوبة، وذلك لأن هذه المعركة وقعت في حر شديد، وكان المسلمون يعانون من قلة المال وبعد المسافة إلى تبوك وخطورة العدو.
صعد النبي ﷺ المنبر قبيل الغزوة، وأخذ يحث المسلمين على العطاء فماذا فعل عثمان رضي الله عنه؟ لنستمع لهذه القصة التي يرويها لنا أحد الصحابة رضي الله عنه:
يقول عبد الرحمن بن خباب رضي الله عنه: كان رسول الله ﷺ يدعو الصحابة إلى تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان وقال: يا رسول الله! عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، (يقصد ما يوضع على ظهر البعير من كساء ليركب عليه)، ثم حث رسول الله ﷺ على تجهيز الجيش فقام عثمان للمرة الثانية وقال: يا رسول الله! عليَّ مئتي بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حث رسول الله ﷺ على تجهيز الجيش فقام عثمان للمرة الثالثة فقال: يا رسول الله! عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل النبي ﷺ من على المنبر وهو يقول: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ! مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ!».
استمرار عثمان في البذل والعطاء:
ومن مظاهر جود عثمان رضي الله عنه وكرمه، وإنفاقه في سبيل الله، قصته مع بئر تسمى (رومة)، فما قصة هذه البئر؟ عندما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كان الماء العذب قليلًا ولا يُشرب من بئر رومة إلا بثمن، فدعا أصحابه وحثّهم على شرائها بقوله: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ»، فاشتراها عثمان رضي الله عنه، ووهبها للمسلمين.
لم يكن إنفاقه فقط في عهد رسول الله ﷺ، بل جاد بماله حتى في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، واسمعوا كذلك لهذه القصة العجيبة الجميلة التي حدثت له رضي الله عنه، في خلافة عمر الفاروق رضوان الله عليه، أصابت النَّاس سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ لم تمطر، فجفّت الزروع وجاع الناس، فدخلوا ذات صباح على عُمَر رضي الله عنه وقالوا: يا خليفة رسول الله، إن السماء لم تُمْطِر، وإن الأرض لم تُنْبِت، وكدنا نهلك، فما نصنع؟ فنظر إليهم عمر بوجه متألم، وقال: اصبروا، واحتسبوا، فإنِّي أرجو ألاَّ يأتي المساء إلا وقد رزقنا الله.
فَلَمَّا كان آخر النَّهار؛ جاءت الأخبار بأن قافلة لِعُثمان بن عفان جاءت من الشَّام، وأنَّها ستصل المدينة عند الصَّباح، فما إن قُضِيَتْ صلاة الفجر حتى هبَّ النَّاس يسْتَقبلون القافلة جماعات، وانطلق التُّجَّارُ يتلقَّوْنها؛ فإذا هي ألْفُ بعيرٍ حمل عليها بُرّ وزيْت وزبيب، توقفت القافلة بباب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبدأ الغِلمانُ يُنْزِلُون عنها أحمالها، فدخل التُّجَّار على عثمان وقالوا: بِعْنَا ما وصل إليك يا أبا عمرو، فقال: حُبًّا وكرامة، ولكن كم تُرْبِحُونَنِي على شِرائي؟ فقالوا: نُعطيك بالدِّرهم درهمين، فقال: أُعطيتُ أكثر من هذا، فزادوا له، الدرهم بثلاثة، ثم بأربعة، فقال: أُعطيت أكثر ممَّا زِدْتموه! فزادوا له الدرهم بخمسة، فقال: أُعطيتُ أكثر من هذا! فقالوا: يا أبا عَمْرو، ليس في المدينة تجَّارٌ غيرنا. وما سَبَقَنا إليك أحد؛ فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟!
فقال: إنَّ الله أعطاني بكلِّ درهم عَشَرَةً، فهل عندكم زيادة؟ قالوا: لا، فقال: إنِّي أُشْهِدُ الله تعالى أنِّي جَعَلْتُ ما حمَلَتْ هذه العِيرُ صدقةً على فُقَرَاءِ المسلمين، لا أبتغي من أَحَدٍ دِرْهَمًا ولا دينارًا، وإنَّما أبتغي ثواب الله ورضاه.
حياءُ عثمان:
تميز عثمان رضي الله عنه بصفات كثيرة، من أبرزها الحياء، تقول عائشة رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ، كَاشِفًا عَنْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟». [رواه مسلم].
كتابة المصحف:
توسعت رقعة الدولة الإسلامية، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ودخل في الإسلام الكثير من الأعاجم (غير العرب) وكثر اللحن في اللغة العربية، فرأى عثمان بن عفان رضي الله عنه بثاقب فكره - بعد أن عرض الأمر على أعلام الصحابة - أن يكون للمسلمين مصاحف يرجعون إليها، تضبط آيات القرآن، وتحمي الناس من الخطأ والاختلاف.
وعهد عثمان رضي الله عنه في نسخ المصاحف إلى أربعة من خيرة صحابة رسول الله وكبار الثقات وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم، وكان زيد على رأس الذين اختارهم عثمان لنسخ القرآن، لأنه هو الذي نقل القرآن من الصحف في عهد أبي بكر الصديق، وهو من كتّاب الوحي للنبي ﷺ وأكثرهم إتقانًا.
وأشرف عثمان رضي الله عنه على نسخ المصاحف بنفسه، وكان معه أعلام الصحابة من المهاجرين والأنصار، ونسخ الصحابة ستة مصاحف أرسل منها خمسة إلى كبار المدن الإسلامية في ذلك العهد وهي: (الكوفة، والبصرة، والشام، ومكة المكرمة، والمدينة)، أما المصحف السادس فأبقاه عثمان لنفسه وهو المدني ويسمى (مصحف الإمام)، وما تزال حتى الآن المصاحف التي معنا تعرف باسمه، فتسمى (المصحف العثماني) نسبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وفاته:
أفنى عثمان بن عفان رضي الله عنه، حياته في العبادة والجهاد وخدمة الإسلام والمسلمين، وقتل شهيدًا كصاحبه عمر رضي الله عنهما على يد مجرم حاقد، وكان صائمًا والمصحف بين يديه يقرأ القرآن، رضي الله عنه وأرضاه، فمن تولى الخلافة بعده؟ ومن هو رابع الخلفاء الراشدين ورابع المبشرين بالجنة؟ سنتعرف عليه في قصتنا القادمة.
دروس وفوائد:
أشرفُ الناس هم آل بيت النبي ﷺ، ويجب علينا محبتهم، وقد شرف عثمان بلقب ذي النورين لأنه تزوج ابنتين من بيت النبي ﷺ (رقيّة وأم كلثوم).
أن المؤمن إذا أغناه الله بمال كثير، فإن خير ما يصنع بهذا المال أن ينفقه على نصرة الإسلام والمسلمين، وسيبارك الله له ويعوضه خيرًا من هذا المال، كما قال النبي ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ».
الحياء من الأخلاق الحميدة كما قال عليه الصلاة والسلام: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ».
استشعروا يا أحبابي عند تلاوة هذا المصحف الذي بين أيدينا كيف بذل الصحابة لجمعه بأمر من عثمان، بعد أن كان مكتوبًا في رقاع (صحائف) متفرقة موزعة بين كتّاب الوحي من الصحابة، ثم كتبوه في مصحف واحد ما يزال يسمى المصحف العثماني أو مصحف عثمان رضي الله عنه، ليصل إلينا كما نزل به الوحي على رسولنا الكريم ﷺ دون تغيير أو اختلاف.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أصبح علي خليفة للمسلمين بعد عثمان رضي الله عنهما، وصار رابع الخلفاء الراشدين بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعًا، تعالوا لنتعرف سويًّا على هذا الصحابي الشجاع، ونقرأ شيئًا من سيرته العظيمة.
نشأته:
هو ابن عم النبي ﷺ، ووالده أبو طالب عم النبي ﷺ. نشأ في مكة ببيت والده وكان والده أبو طالب كثير العيال، قليل المال، فأراد النبي ﷺ أن يعاونه ويخفف عنه، فأخذ عليًّا رضي الله عنه منه وكفله عنده، فتربى علي رضي الله عنه على يدي النبي ﷺ، وفي بيته، ويا له من شرف، وآمن به لما بُعث وكان عمره عشر سنوات، وهو أول من دخل في الإسلام من الصبيان، وناصر علي رضي الله عنه النبي ﷺ، ولازمه يتعلم منه ويخدمه ويحميه من أعدائه.
مبيته في فراش النبي ليلة الهجرة:
لعلي بن أبي طالب قصة مشهورة، وهي من أعظم قصص الشجاعة في التاريخ، ففي يوم من الأيام اجتمع كفار قريش في دار الندوة - وهي دار يجتمعون فيها ليناقشوا شؤونهم - وكانوا يريدون حلًّا ينهون به الإسلام الذي انتشر بقوة وسرعة، فقرروا قتل النبي محمد ﷺ قبل أن يعظم أمره.
ونزل الوحي على رسول الله ﷺ يأمره بالهجرة في اليوم التالي، وطلب من أبي بكر رضي الله عنه مرافقته في الهجرة، واتفقا على الخروج وقت الفجر، والناس نيام حتى لا يراهم أحد، وتوقع النبي ﷺ أن قريشًا تراقبه، فطلب من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة، حتى لا يفطن المشركون لخروجه، فوافق علي رضي الله عنه على ذلك دون تردد، رغم خطورة هذا الأمر؛ فكان بهذا أول فدائي عرفته الأمة الإسلامية.
وخرج رسول الله ﷺ من داره ليلًا، دون أن يراه المشركون فقد أعماهم الله عن رؤيته، وكانوا ينظرون من شقوق الباب فيظنون أنه ما يزال نائمًا في فراشه، وعندما أصبح النهار، تفاجؤوا بأن الذي ينام في الفراش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسألوه بغضب: أين محمد؟! فقال علي رضي الله عنه ساخرًا منهم: وما يدريني أين هو؟
فخرج الكفار وهم مصدومون من الموقف وكانوا يتعجبون كيف خرج محمد من بينهم وهم يترصدونه عند الباب؟ فهل تعجبون من حفظ الله لنبيه ﷺ؟ أم من شجاعة علي رضي الله عنه في نصرة دينه رغم صغر سنه؟
جهاده:
شهد الغزوات كلها، وكان يبارز كبار المشركين وينتصر عليهم في مبارزته لهم، وقد قتل عددًا منهم، ودافع عن رسول الله ﷺ في المعارك حتى أصابت وجهه ست عشرة ضربة، لكنه لم يهتم لذلك، وكان حريصًا على نجاة رسول الله ﷺ أكثر من نفسه.
زواجه من فاطمة بنت النبي:
أحبه النبي ﷺ، وقربه منه، وزوَّجه بابنته فاطمة الزهراء أصغر بناته، وأنجبت له الحسن والحسين، وأحبهما النبي ﷺ كثيرًا، وأخبرنا أنهما سيّدا شباب أهل الجنة لإيمانهما وحسن أخلاقهما وتربيتهما في بيت النبوة في حضن جدهما النبي محمد ﷺ، وعندما توفي النبي ﷺ، حزن عليٌ رضي الله عنه حزنًا شديدًا عليه، وقام بتغسيله ودفنه.
ذكاؤه وزهده وتوليه القضاء:
اختاره عمر رضي الله عنه في خلافته للقضاء بين الناس، هل تعرفون لماذا اختاره؟ لشدة ذكائه وكمال عدله وفقهه في الدين، وكان عثمان رضي الله عنه يستشيره كثيرًا ويأخذ برأيه لحكمته ورجاحة عقله، وكان من زهده أنه لا يدخر طعامًا في بيته؛ بل يتصدق بكل ما يزيد عن حاجته؛ مبتغيًا الأجر من الله، ومرة جاع هو وأهله ولم يكن لديه شيء، فحمل سيفه إلى السوق وقال بفخر: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا السَّيْفَ؟ فَوَاللهِ لَقَدْ دَافَعْتُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، أراد بيعه ليشتري لأهله طعامًا.
وفاته:
قتل شهيدًا كصاحبيه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، قتله مجرم، وهو خارج إلى المسجد لصلاة الفجر، كان وهو يصارع الموت يأمر من حوله أن يذهبوا لصلاة الفجر حتى لا تفوتهم، وفقدت الأمة بموته بطلًا من أبطالها الشجعان، رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.
دروس وفوائد:
الشجاع هو من يبذل لدين الله ويدافع عن المسلمين ويضحي لأجلهم كما فعل عليٌّ رضي الله عنه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» [رواه مسلم].
سارعوا يا أحبابي للطاعات والعبادات واتباع شرع الله، فهذا علي رضي الله عنه أسلم وهو ابن عشر سنين ولم يقلل من شأن نفسه أو يرى أنه صغيرٌ.
إحسان نبينا عليه الصلاة والسلام إلى عمه ووفائه له لأنه كفله بعد جده وحماه من الأعداء، فعاونه على أبنائه إذ كان فقيرًا وأبناؤه كُثُر؛ وكفل عليًّا رضي الله عنه ليخفف عنه.
طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
تذكرون يا أحبابي حديثنا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنه أسلم على يديه العديد من الصحابة، سنعرض في هذه الصفحات سيرة أحد الصحابة المبشرين بالجنة الذي أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إنه طلحة بن عبيد الله.
نشأته:
نشأ طلحة في مكة المكرمة، وكان فارسًا من أشجع فرسان قريش ومن أشرافها، وتاجرًا من خيرة التجار، يسافر إلى الشام ليبيع ويشتري. وكان أمينًا في تجارته، باذلًا ماله لمن يحتاج جوادًا كريمًا خلوقًا.
إسلامه:
وقصة إسلامه جميلة جدًّا، تعالوا لنتعرف عليها: عاش طلحة في مكة ونشأ فيها، وفي يوم من الأيام كان مسافرًا بتجارته إلى مدينة (بُصرى) في الشام كعادته، وبينما كان يتجول في السوق والناس مجتمعون من كل مكان يتبادلون البضائع ويبيعون ويشترون، سمع طلحة برجل ينادي ويقول: يا معشر التجار هل فيكم أحد من أهل مكة؟ يقول طلحة: وكنت قريبًا منه فسمعته وقلت له: نعم أنا من مكة، فقال: هل ظهر فيكم أحمد؟ يا ترى من هو أحمد الذي يقصده الرجل يا أحبابي؟ لنستمع إلى طلحة رضي الله عنه وهو يكمل القصة حتى نعرف من هو؟
يقول طلحة: قلت: ومن أحمد؟ فقال الرجل: هو آخر الأنبياء يخرج من أرضكم من الحرم، قال طلحة: فتعجبت من كلامه وتشوقت لمعرفة هذا الرجل الذي يدعى (أحمد)، فأنهيت تجارتي بسرعة وعدت إلى مكة، وسألت أهلي ما الذي حدث بعد أن غادرنا مكة؟ قالوا: إن محمد بن عبد الله يزعم أنه نبي، وقد تبعه أبو بكر، يقول طلحة: فكنت أعرف أبا بكر، فقد كان رجلًا محببًا عاقلًا ذا خُلُق وكنت أحب مجالسته، فمضيت إليه وقلت: أحقًا ما يقال من أن محمدًا أظهر النبوة وأنك تبعته؟ قال أبو بكر: نعم، وأخذ يقص عليَّ من خبره ويدعوني لاتباعه وإلى دخول الإسلام، فذهبت معه إلى محمد ﷺ، وعرض علي الإسلام، وقرأ عليَّ شيئًا من القرآن، فأعلنت إسلامي ونطقت الشهادتين: «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، فكنت رابع من أسلم على يدي أبي بكر رضي الله عنه.
لكن، ماذا كان موقف أهله وبقية قريش من إسلامه؟ هل سكتوا عنه وتركوه وشأنه؟ لا، بل حاولوا إقناعه بالتراجع وترك دين محمد ﷺ، لكنه كان ثابتًا صامدًا كالجبل العظيم الذي لا يهتز، ورفض ذلك حتى يئسوا منه وتركوه.
جوده وكرمه:
ولو حدثتكم يا أحبابي عن جوده وبذله في سبيل الله لتعجبتم من شدة كرمه وكثرة عطائه، حتى إن النبي ﷺ لقبه بعدة ألقاب لِما رأى منه من كرم وعطاء ومن هذه الألقاب: (طلحة الجود، وطلحة الفياض، وطلحة الخير)، فقد تصدق يومًا بمئة ألف، وباع أرضًا له فقسَّم ثمنها على المحتاجين في شوارع المدينة، وكان لا يترك أحدًا من أقاربه محتاجًا إلى المال إلا أعطاه وأعطى أهله معه حتى يغنيه.
الشهيد الحيّ:
وسأحدثكم عن شجاعته وبطولته في الحرب، فقد سمي الشهيد الحي، أتدرون لماذا؟
لكن بدايةً أتدرون من الشهيد؟ هو الذي يُقتل مجاهدًا في سبيل الله، لكن لماذا سمي (الشهيد) ولم يكن قتل بعد؟! لنستمع لهذه القصة التي تبين لنا سبب هذه التسمية:
في غزوة أحد انهزم المشركون، وبقي مع النبي ﷺ قلة من الصحابة، فاجتمع المشركون على النبي ﷺ يريدون قتله، وكادوا أن يصلوا إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ يَرُدُّ عَنَّا هَؤُلَاءِ وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟»، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا، الْزَمْ مَكَانَكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «نَعَمْ أَنْتَ»، فَقَاتَلَ الْأَنْصَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَصَدَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: «أَلَا رَجُلٌ لِهَؤُلَاءِ؟» أَيْ يَرُدُّهُمْ عَنِّي، فَقَالَ طَلْحَةُ مَرَّةً أُخْرَى: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَذِنَ لِآخَرَ، حَتَّى اسْتُشْهِدُوا جَمِيعًا وَلَمْ يَبْقَ قَرِيبًا مِنْهُ إِلَّا طَلْحَةُ، فَلَمَّا هَجَمَ الْمُشْرِكُونَ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ لِطَلْحَةَ: «الْآنَ تَعَالَ يَا طَلْحَةَ»، فَأَخَذَ طَلْحَةُ يَهْجُمُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُبْعِدَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى النَّبِيِّ لِيَحْمِيَهُ، ثُمَّ يَهْجُمُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَرَّةً أُخْرَى، وَظَلَّ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ حَتَّى عَرَفَ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ مَكَانَ النَّبِيِّ ﷺ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ.
قال أبو بكر رضي الله عنه: كنت في ذلك الوقت أنا وأبو عبيدة بعيدين عن رسول الله منشغلين بقتال الكفار، فلما أقبلنا عليه نريد إسعافه قال: اتركاني وانصرفا إلى صاحبكما، يقصد طلحة لأنه أصيب وجُرح.
فذهبنا إليه فإذا هو تنزف دماؤه وفيه بضع وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وإذا هو قد قطعت كفه لأنه كان يصد كل سهم يرمى على رسول الله ﷺ بها، حتى سقط مغشيًّا عليه.
فكان رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ».
دروس وفوائد:
حرص الصحابة على الدفاع عن النبي ﷺ، فكانوا يحمونه بأجسادهم كما فعل طلحة رضي الله عنه، ونحن الآن نستطيع أن ندافع عن النبي وننصره باتباع سنته وتعلّم سيرته ونشر هديه.
لِنسارع يا أحبابي لكل أمر فيه خير وطاعة لله، فقد حرص الصحابة على اتباع الحق، فهذا طلحة عاد من الشام مسرعًا إلى مكة ليسأل عن ظهور النبي ﷺ، وظهور الحق معه.
طلحة الخير وطلحة الفياض ما أجملها من ألقاب أطلقها النبي ﷺ على طلحة لجوده وكرمه، فكن أنت خيّرًا محبًا للخير، وأنفق من مالك على المحتاجين وأكرم إخوتك وأصدقاءك.
الزبيرُ بن العوّام رضي الله عنه
حديثنا اليوم يا أحبابي عن صحابي من العشرة المبشرين بالجنة ممن أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه له صلة قرابة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيا ترى من هو؟ وما صلة قرابته بالنبي ﷺ؟ تعالوا لنتذكر جميعًا حياة النبي ﷺ في صغره. فقد عاش يتيمًا، بعد أن توفي والده وهو في بطن أمه؛ فكفله جده عبد المطلب، ولهذا الجد ابنة عُرفت بـ (صفية بنت عبد المطلب) أي أنها عمة للنبي ﷺ، وهي أم بطل قصتنا الزبير بن العوام رضي الله عنه؛ أي أنه ابن عمة النبي ﷺ، وما أكرمها من صلة قرابة! وأي قرابة أعظم من الصلة بالنبي ﷺ؟
ليس هذا فحسب، بل له صلة قرابة أخرى مع نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، فلو سألتكم يا أحبابي ما اسم أول زوجة تزوجها النبي ﷺ؟ وناصرته ودثرته وزملته حين نزل عليه جبريل أول مرة في غار حراء ورجع إليها خائفًا يرتعد؟ إنها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهي عمة بطلنا الزبير بن العوام رضي الله عنه، الذي حاز شرفًا في النسب والقرابة وشرفًا في البشرى بالجنة.
إسلامه:
تعالوا لنتعرف أكثر عليه وعلى سيرته وبطولته ولِمَ بُشِّر بالجنة؟ أسلم الزبير رضي الله عنه وهو شاب صغير، فعُذِّب وأوذي لكنه صبر وثبت، وكان أشد من يعذبه هو عمه وكان يقول له: اكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا، وأحب رسول الله ﷺ كثيرًا، وأحبه الرسول ﷺ أيضًا ودعا له.
أول من سلَّ سيفًا في سبيل الله:
كان يخشى على النبي ﷺ أكثر من نفسه وأهله من أذى الكفار في مكة، الذين كانوا يهددون بقتل النبي ﷺ، ولهذا السبب قيل إنه أول من سلَّ سيفًا في سبيل الله، لماذا؟ لنستمع لهذه القصة:
ذات يوم في مكة، سمع الزبير قائلًا يقول إن النبي ﷺ قُتل، وانتشرت هذه الشائعة بين الناس وفُجع لها الصحابة، حتى خرج الزبير وهو حاملٌ سيفَه وقد سلَّه أي أخرجه من غمده واستعد للقتل من شدة جزعه من هذا الخبر، فما الذي حصل؟
هل قُتل النبي حقًا؟ لا، حصلت المفاجأة للزبير بأن لقيه النبي ﷺ، وهو على تلك الحال، فقال له: «كُفَّهُ كُفَّهُ (أي كف سيفك وأدخله)، مَا شَأْنُكَ؟» قال: سمعتُ أنك قُتلت، فقال النبي ﷺ: «فَمَاذَا كُنْتَ سَتَصْنَعُ؟» فقال: أردت أن أبحث عن قاتلك فأقتله، فدعا له النبي بالخير ولسيفه بالغلب.
صاحب هجرتين في الإسلام:
عندما اشتد أذى المشركين في مكة هاجر الزبير إلى الحبشة مع عثمان بن عفان وبقية الصحابة رضي الله عنهم، وعاد إلى مكة بعد مدة، وتزوج امرأة يقال لها أسماء، هي ابنة صحابي عرف بالصديق، وصاحَب النبي ﷺ في هجرته إلى المدينة وأول خليفة للمسلمين بعد رسول الله ﷺ من هو يا ترى؟! إنه أبو بكر وأسماء زوجة الزبير هي ابنة أبي بكر رضي الله عنهما جميعًا.
ثم هاجر معها إلى المدينة، فكان صاحب هجرتين مثل عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعًا، ورُزقا هناك بولد اختار النبي ﷺ اسمه؛ فسماه عبد الله.
جهاده:
كان الزبير رضي الله عنه فارسًا شجاعًا شهد مع النبي ﷺ جميع الغزوات، ففي غزوة أحد كان يقاتل بسيفين ويقود فرسه برجله، وفي غزوة الأحزاب حين رأى النبي ﷺ شجاعته قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» والحواريُّ هو من ينصر النبي ويصدقه.
وفي عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعثه بجيش إضافي وهو المدد إلى عمرو بن العاص في فتح مصر، فلما وصل وجد عمرًا محاصرًا حصن الكفار، وقد طالت فترة الحصار على المسلمين، فطاف الزبير حول الحصن يبحث عن نقطة ضعف، فحذره بعض الناس: إن بها الطاعون (وهو مرض خطير)، فقال: «إِنَّمَا جِئْنَا لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ»، فاعتلى الزبير السور، وكبَّر، فخاف أهل الحصن وظنوا أن المسلمين اقتحموه، فهربوا تاركين مواقعهم، فنزل الزبير وفتح باب الحصن للمسلمين فدخلوه.
إنفاقه المال في سبيل الله:
لم يكن الزبير شجاعًا فقط وإنما كان تاجرًا كريمًا جوادًا منفقًا في سبيل الله يقسم ماله بين الفقراء، ويسهم به في جهاد الأعداء.
وفاته:
توفي رضي الله عنه في خلافة علي بن أبي طالب؛ قتله رجلٌ وهو نائم تحت الشجرة، فقال عليّ رضي الله عنه عندما علم بمقتله: «بَشِّرُوا قَاتِلَ الزُّبَيْرِ بِالنَّارِ»، رضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به في جنته.
دروس وفوائد:
شدة محبة الزبير للنبي ﷺ، فقد كان يخشى عليه؛ حتى إنه خرج حاملًا سيفه في مكة، عندما سمع أنه قُتل، فكان أول من سلّ سيفًا في سبيل الله دفاعًا عن نبيه.
نصرته للنبي ﷺ رفعت من قدره في الدنيا فسمّي حواريَّ النبي، ورفعت من قدره في الآخرة فصار مبشرًا بالجنة، ونسأل الله نحن أن يرفع منزلتنا في الجنة بمحبتنا للنبي ﷺ، وصحابته رضي الله عنهم.
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
قصتنا اليوم عن رابع صحابي جليل أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، اسمه من أحب الأسماء إلى الله، إذ يقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ». [رواه مسلم]. إنه الصحابي الجليل المبشر بالجنة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
نشأته:
ولد بعد عام الفيل بعشر سنوات، أي أنه أصغر من النبي ﷺ بعشر سنوات، وكان اسمه قبل أن يسلم (عبد عمرو، وقيل عبد الحارث، وقيل عبد الكعبة)، وعندما أسلم سماه النبي ﷺ (عبد الرحمن)، لماذا؟ لأن الإنسان لا يكون إلا عبدًا لله، فلا يعبد رجلًا ولا كعبة ولا صنمًا.
هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهو صاحب هجرتين في سبيل الله مثل صحابيين جليلين ذكرناهما سابقًا، من هما يا أحبابي؟ إنهما عثمان بن عفان والزبير بن العوام رضي الله عنهم جميعًا.
عمله بالتجارة:
هاجر رضي الله عنه إلى المدينة فقيرًا لا يملك شيئًا بعد أن صادرت قريش أمواله كبقية المسلمين الضعفاء الذين هاجروا إلى المدينة، فأراد بعض الصحابة مساعدته بمالهم، فرفض وقال: «دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ!» فبدأ يبيع ويشتري بكل صدق وأمانة ففتح الله عليه وبارك الله له في ماله وأصبح من أغنى أغنياء المدينة.
إنفاقه وجوده:
كان عبد الرحمن بن عوف يساعد فقراء المسلمين، ويقضي ديونهم، ويُقرض من احتاج منهم، وفي غزوة تبوك تصدق بنصف ماله لتجهيز جيشها (جيش العسرة).
وكان من صدق محبته للنبي ﷺ يصل أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ بعد وفاته ويتفقد أحوالهن، ويخرج بهن إلى الحج ويهتم بجميع شؤونهن، ويرسل لهن النفقات والأموال والهدايا، قالت عائشة رضي الله عنها: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «لَا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ، سَقَى اللهُ ابْنَ عَوْفٍ سَلْسَبِيلَ الْجَنَّةِ». [حديث حسن]
جهاده في سبيل الله:
لم تشغله تجارته عن الجهاد في سبيل الله، بل بذل نفسه وماله لذلك، وشهد كل الغزوات مع النبي ﷺ، ولمَّا اجتمع المشركون على النبي ﷺ في غزوة أحد يريدون قتله، دافع عنه وقاتل قتالًا شديدًا، فجُرح أكثر من عشرين جرحًا، وسقطت أسنانه الأمامية، وأصابه عرج من ضربة أصابته في رجله.
وفاته:
توفي رضي الله عنه وأرضاه في الشام وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه وفقده الفقراء والمحتاجون، وفقدته زوجات النبي ﷺ، رضي الله عنه وجمعنا بهم في جنة الفردوس.
دروس وفوائد:
أهمية اختيار الاسم الذي يدل على معنى حسنٍ، والابتعاد عن الأسماء التي فيها معانٍ غير محمودة، أو مدلولات سيئة.
أن الإنسان عبدٌ لله وحده، ولهذا غيّر النبي ﷺ اسم الصحابي إلى عبد الرحمن الذي هو من أحب الأسماء لله.
المؤمن الذي يسعى ويعمل ويغني نفسه خيرٌ وأحبُّ إلى الله من الكسول الذي يسأل الناس، فها هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يرفض أخذ المال من أصحابه، ويفضل العمل بنفسه حتى أصبح تاجرًا.
ما أجمل أن يسارع المسلم إلى الخير ويسابق فيه فها هو عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضي الله عنهما يسابق كل منهما لتجهيز جيش العسرة.
الإحسان عظيم عند الله فكيف إذا كان لزوجات النبي وآل بيته، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فقد كان عبد الرحمن يحسن إلى زوجات النبي ﷺ، فكانت عائشة تدعو له وتترحم عليه.
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
نواصل التعرف على العشرة المبشرين بالجنة، وبطلنا اليوم صحابي جليل نشأ بمكة كان بارًا بوالديه شديد الحب لأمه، إنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان عاقلًا منذ نعومة أظفاره؛ فلم تعجبه عادة قومه في اللهو وعبادة الأصنام، فكان يقضي وقته في تعلم الفروسية والرماية والقتال، فكان بطلًا منذ صغره.
إسلامه:
حين سمع عن دعوة النبي ﷺ، سارع باتباعه وبالإيمان به؛ فكان ثالث من أسلم من الرجال وكان عمره سبعة عشر عامًا، وصدَّق بالنبي، وأحبه ولزمه ليتعلم منه ويدافع عنه، ولم يكن إسلام سعد رضي الله عنه سهلًا هيّنًا، وإنما واجه أمرًا صعبًا جدًّا لكنه ثبت وصبر فلنستمع إليه يقص علينا قصة إسلامه:
يقول رضي الله عنه: رأيت في المنام كأني غارق في ظلمات كثيرة، وبينما أحاول الخروج منها إذ أضاء لي قمر فاتبعته، ولما استيقظت ذهبت إلى النبي ﷺ، حتى لقيته فأسلمت ونطقتُ الشهادتين، وعلمت أن هذا هو الحق الذي يجب أن أتبعه.
قصته مع أمه:
يقول: ما إن سمعت أمي بخبر إسلامي حتى غضبت غضبًا شديدًا، وكنتُ أحبها حبًّا شديدًا ولا أتأخر في برها، فقالت: يا سعد والله لا آكل ولا أشرب حتى تدع دينك أو أموت، فتحزن عليَّ وتندم على ما فعلت.
فقلتُ: يا أمي لا تفعلي ذلك، فوالله لن أدع ديني لأي شيء، لكنها أصرت فتركت الطعام والشراب أيامًا حتى مرضت وغشي عليها، وضعف جسدها، وقد خشيتُ عليها فكنتُ آتيها وأتوسل إليها بأن تأكل شيئًا يسيرًا، فتُقسم بأنها لن تفعل حتى أكفر بمحمد.
فقلت لها: يا أمي والله إني أحبك حبًّا شديدًا لكني أحب الله ورسوله حبًّا أشد وأعظم، ووالله لو كان لك ألف نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركتُ ديني، فلما قلتُ لها ذلك يئست فأكلت وشربت وهي كارهة.
جهاده في سبيل الله:
فرح النبي ﷺ بإسلام سعد كثيرًا لأنه كان يملك من الشجاعة والرجولة والذكاء ما يتميز به عن غيره، وشارك في جميع الغزوات، هل تذكرون قصة الصحابيين اللذين دافعا عن رسول الله ﷺ في غزوة أحد حين اجتمع عليه المشركون يريدون قتله؟ من هم يا أحبابي؟
نعم، هما طلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم جميعًا، وكان بطل قصتنا سعد رضي الله عنه من الذين دافعوا عن رسول الله ﷺ أيضًا في هذه الغزوة، فكان النبي يقول له: «ارْدُدْهُمْ يَا سَعْدُ».
وأخرج له رسول الله ﷺ سهمًا من عنده وأعطاه إياه وقال: «ارْمِ»، فقَتَل سعد أحد المشركين، فما زال يرمي المشركين ويَقتُل منهم، ورسول الله ﷺ يقول له: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، ولم يكن هذا الدعاء إلا لسعد، فكان دائمًا يفاخر بهذه الدعوة، ودعا له النبي بقوله: «اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ»، فصار سعد رضي الله عنه ذا رمية مسددة ودعوة مستجابة.
شجاعته:
تروي لنا عائشة رضي الله عنها موقفًا من بطولات سعد فتقول: في يوم من أيام عودة النبي ﷺ إلى المدينة بعد إحدى الغزوات، أراد أن يستريح في الطريق، فقال: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ»، تَقُولُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «فَسَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ هَذَا؟» فَقَالَ: سَعْدٌ، جِئْتُ أَحْرُسُكَ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُطْمَئِنًّا.
وذكرنا يا أحبابي في بداية القصة أن سعدًا كان قبل إسلامه يتعلم الرماية والقتال، ولهذا عندما أسلم حاز على فضيلة عظيمة وهي أنه: (أول من رمى سهمًا في سبيل الله)، متى وكيف ذلك؟ كان خارجًا مع أصحابه في مهمة أمرهم بها رسول الله ﷺ، فهجم عليهم جماعة يريدون بهم شرًّا، فرماهم سعد بسهم فأصاب أحدهم، فكان أول من رمى سهمًا في سبيل الله دفاعًا عن المسلمين، وكان النبي ﷺ يفخر بسعد لشجاعته وقوته فكان يقول «هَذَا خَالِي (أي من قوم أمي)، فَلْيُرِنِي كُلُّ امْرِئٍ خَالَهُ» لأن سعدًا كان من بني زهرة أخوال النبي ﷺ.
هل تعتقدون أن شجاعته فقط في عهد النبي ﷺ؟
لا، بل كان باذلًا قوته للإسلام والمسلمين في كل وقت، ففي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أراد عمر أن يفتح بلاد فارس وهي (العراق) حاليًّا، فلم يجد أفضل من سعد ليقود هذه المعركة الحاسمة التي سميت بمعركة القادسية، فانتصر المسلمون وسقطت المدائن عاصمة فارس وارتفعت راية الإسلام في تلك البلاد على يد القائد الشجاع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
وفاته:
توفي رضي الله عنه بعدما مرض مرضًا شديدًا ودفن بالبقيع بجوار صحابة رسول الله ﷺ، وصلَّت عليه أمهاتُ المؤمنين وحزنَّ عليه حزنًا شديدًا، رضي الله عنه وأرضاه وجمعنا بالصحابة جميعًا في جنته.
دروس وفوائد:
هجرُ الباطل والمعاصي أمر واجب يؤجر عليه صاحبه، فها هو سعد رضي الله عنه كره عبادة قومه للأصنام ولهوهم، وهجرهم وانشغل بتعلم الفروسية؛ فجازاه الله بذلك أن سبق إلى الإسلام وبُشر بالجنة.
أنه لا يطاع أي مخلوق في معصية الله إذا أمرك بذلك؛ حتى لو كانا والديك، فهذا سعد رغم محبته الشديدة لأمه لم يطاوعها في طلبها بالتراجع عن الدين الإسلامي، فاحرصوا يا أحبائي على رفض أي دعوة من أصدقائكم ومن حولكم لمعصية الله.
عندما دافع سعد رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ، جازاه على ذلك بدعوة استجيبت له وهي: «اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» فكان سعد مجاب الدعوة ولا يخطئ عندما يضرب بسيفه في سبيل الله.
سعيد بن زيد رضي الله عنه
هل تذكرون قصة إسلام عمر رضي الله عنه؟
وكيف أنه سمع بإسلام أخته وزوجها فذهب إليهم وهو غاضب جدًّا، لكنه أسلم لمَّا قرأ ما معهم من قرآن، بطل قصتنا اليوم هو سعيد بن زيد، ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وزوج أخته فاطمة بنت الخطاب.
نشأته:
لنستمع لهذه القصة المؤثرة:
كان الكفار قبل بعثة النبي ﷺ يحيطون الكعبة بالأصنام والتماثيل التي تُعبد من دون الله، وكانوا يعيشون في جهالة وسفه، إلا قلة منهم كان فيهم من العقل والفطرة الطيبة ما يُبصِّرهم بالحق، وكان منهم رجل يكره عبادة الأصنام، ويعلم أن الله واحد، لكنه لم يكن يعرف كيف يعبد الله وكان يبحث عن ذلك كثيرًا، من هو هذا الرجل يا ترى؟!
إنه والد سعيد بطل قصتنا، اسمه (زيد بن عمرو)، وكان يومًا مسافرًا إلى الشام، فسمع من رجالها هناك أن نبيًّا سيخرج في مكة قريبًا، فأسرع زيد بالعودة إلى مكة ليدرك هذا النبي ويؤمن به، هل وصل إلى مكة؟ وهل التقى بنبينا ﷺ؟
لم يحصل له هذا، فقد خرج عليه بعض اللصوص وقتلوه قبل أن يصل إلى مكة، ولكنه قبل أن يموت دعا الله دعاء صادقًا ألا يحرم ابنه سعيد من اتباع النبي المنتظر؛ وقال: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ حَرَمْتَنِي مِنْ هَذَا الْخَيْرِ فَلَا تَحْرِمْ مِنْهُ ابْنِي سَعِيدًا»، فأكرمه الله بإجابة دعوته فكان ابنه (سعيد بطل قصتنا) من السابقين إلى الإسلام ومن العشرة المبشرين بالجنة، وأكرم الله زيدًا والد سعيد بشهادة النبي ﷺ له بالجنة لأنه كان موحدًا لم يشرك بالله.
إسلامه:
أسلم سعيد بن زيد وعمره عشرون سنة وأسلمت معه زوجته فاطمة بنت الخطاب، وصبر على أذى قومه له، ولما علم عمر بإسلامه أراد قتله وضربه لكنه صبر وثبت، وكان ذلك من أسباب إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهاجر سعيد بن زيد مع زوجته إلى المدينة واستقر بها مع غيره من المسلمين.
جهاده في سبيل الله:
كان حريصًا على نصرة النبي ﷺ، ولازمه في جميع أحواله ينصره ويدافع عن دينه، وأرسله النبي ﷺ مع طلحة بن عبيد الله في مهمة له فلم يشاركا في غزوة بدر التي هي أول معركة للمسلمين، فلما عادا إذ المعركة قد انتهت فحزنا كثيرًا، فبشرهما النبي ﷺ أن لهما مثل أجر المجاهدين، وأعطاهما من غنائمها كأنهما شهداها.
شهد بعدها جميع الغزوات مع رسول الله ﷺ، وأبلى بلاءً حسنًا وكان بطلًا شجاعًا يقاتل ببسالة ومهارة، وشارك في عهد عمر رضي الله عنه في فتح بلاد فارس والقضاء على المجوس الذين يعبدون النار، ونشر دين الله في نواحي البلاد.
وشارك في معركة اليرموك لفتح بلاد الشام، وكان جيش الكفار كثير العدد عظيم العدة، فلما لقيهم المسلمون وقع الخوف في قلوب بعضهم، أما سعيد فقد انتزع الله كل ما في قلبه من خوف فوثب عليهم وقاتلهم، فتشجع المسلمون لفعله وأقدموا حتى انتصروا عليهم.
قصة عجيبة:
وقد حدثت له قصة عجيبة مع امرأة اتهمته بسرقة جزءٍ من أرضها وضمها إلى أرضه، وأشاعت ذلك بين الناس، فصعب الأمر على سعيد رضي الله عنه وكان صحابيًّا تقيًّا لا يفعل ذلك أبدًا، وقال: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ يحذر من السرقة وإني مطيع له متبع لأمره.
ثم دعا فقال: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا»، فاستجاب الله دعوته فعميت وسقطت في بئر لها فانكشف أمرها وعلم الناس أنها كاذبة وأن الصحابي الجليل سعيد رضي الله عنه صادق تقي.
وفاته:
توفي رضي الله عنه، ودفنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم جميعًا.
دروس وفوائد:
تعظيم توحيد الله وترك الشرك، فهذا زيد والد سعيد دخل الجنة وهو لم يشاهد النبي ﷺ، ولم يتعلم أحكام الإسلام، وإنما كان صادقًا في نيته فأجاب الله دعوته وشهد له النبي ﷺ بالجنة.
ثبات سعيد بن زيد وتحمله للأذى حتى صار بصبره وثباته وعبادته من العشرة المبشرين بالجنة.
أن المؤمن يحرص على الخير ويحزن لفواته، ويحاول تعويض ما فاته، فهذا بطلنا سعيد رضي الله عنه حزن على فوات غزوة بدر فعوَّضه الله عن ذلك بأن شهد جميع الغزوات وأبلى فيها بلاءً حسنًا.
تولي الله لعباده ونصرته لهم كما حصل في معركة اليرموك، فقد انتصر المسلمون رغم كثرة جيش الكفار وعظمته، وشجاعة المؤمن يا أحبابي ليست بالكثرة، بل بالقوة والتوكل على الله والصبر والثبات.
أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه
نصل هنا يا أحبابي إلى آخر قصة معنا من قصص العشرة المبشرين بالجنة وممن أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الصحابي الجليل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، من أوائل من أسلم من الصحابة.
إسلامه وهجرته:
لقي الأذى من المشركين في مكة كغيره ممن آمن، فصبر واحتسب، وكان صاحب هجرتين في سبيل الله، كغيره من الصحابة الذين أوذوا لأنهم أسلموا؛ فهاجر إلى الحبشة ومكث فيها مدة من الزمن وعاد إلى مكة، ثم هاجر مرة أخرى إلى المدينة مع المسلمين بأمر من النبي ﷺ، وصحب النبي ﷺ في الدعوة، وبدأ بحفظ القرآن الكريم منذ أن أسلم.
أمين الأمة:
أحبه النبي ﷺ كثيرًا وكان يثق به ويفخر به وسمي (أمين الأمة)، لماذا سمي بهذا الاسم ومن الذي سماه؟ لنعرف ذلك يا أحبابي من هذه القصة:
في يوم من الأيام أتى جماعة إلى النبي ﷺ من خارج مكة فقالوا له: أرسل معنا رجلًا من أصحابك ترضاه يحكم بيننا إذا اختلفنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «تَعَالَوْا إِلَيَّ غَدًا أُرْسِلْ مَعَكُمُ الْقَوِيَّ الْأَمِينَ»، فتساءل الناس يا ترى من هو هذا الذي يمدحه النبي ﷺ، ويسميه القوي الأمين؟!
وأصبح كل واحد من الصحابة يتمنى أن يكون هو ذلك القوي الأمين، فلما سلَّم النبي ﷺ من صلاته تلفتَ يمنة ويسرة، ويقلب بصره... حتى وقعت عينُه على...؟! من تتوقعون؟ ومن هو صاحب هذا الشرف العظيم؟!! نعم إنه أبو عبيدة رضي الله عنه، لما رآه النبي ﷺ دعاه فقال: «اخْرُجْ مَعَهُمْ»، وأرسله حكمًا أمينًا بينهم، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».
جهاده:
شارك مع رسول الله ﷺ في جميع الغزوات، وكان له موقف شجاع يرويه لنا أبو بكر رضي الله عنه قائلًا: لما كان يوم أحد، رُميَ رسولُ الله ﷺ من قِبل المشركين حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، (وهو الحديد الذي يلبس على الرأس ليحميه، دخلت أطرافه الحديدية في خدَّي النبي ﷺ)، يقول أبو بكر: «أَقْبَلْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَإِنْسَانٌ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَطِيرُ طَيَرَانًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ طَاعَةً، حَتَّى إِذَا وَصَلْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ قَدْ سَبَقَنِي، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِاللهِ يَا أَبَا بَكْرٍ أَنْ تَتْرُكَنِي فَأَنْزِعَهَا مِنْ وَجْهِ الرَّسُولِ، فَتَرَكْتُهُ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَسْنَانِهِ إِحْدَى حَلْقَتَيِ الْمِغْفَرِ، فَنَزَعَهَا، وَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَسَقَطَتْ سِنُّهُ الْأَمَامِيَّةُ مَعَهَا، ثُمَّ أَخَذَ الْحَلْقَةَ الْأُخْرَى بِسِنِّهِ الْآخَرِ فَسَقَطَتْ وَسَقَطَ سِنُّهُ مَعَهَا، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي النَّاسِ أَثْرَمَ».
انظروا إلى محبته للنبي ﷺ، ودفاعه عنه، فقد عضَّ الحديد بأسنانه بقوة حتى أخرجه من وجه النبي ﷺ وسقطت أسنانه، ولما سُئل رضي الله عنه لماذا لم تخرجها بيدك، قال: «خَشِيتُ أَنْ يَتَأَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ».
قيادة المسلمين في معركة اليرموك:
في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى أبو عبيدة رضي الله عنه قيادة جيش اليرموك لفتح الشام وبيت المقدس، ثم أصبح أميرًا على الشام، فكان في إمرته كثير العبادة يعيش حياة القناعة والزهد، ولم تشغله الدنيا، وقد دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا وهو أمير، فلم يجد في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، وذلك لأنه كان يقسم ماله كله على الضعفاء والمحتاجين.
قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا: ماذا تتمنى؟ قال: «أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ».
وفاته:
وفاته كانت شهادة في سبيل الله، فقد مات في طاعون عمواس في غور الأردن، وهو مرض مُعدٍ انتشر في ذلك الوقت في أرض الشام زمن عمر الفاروق رضي الله عنه الذي خاف على أبي عبيدة الموت، فأرسل له رسالة يأمره بأن يأتيه حالًا.
فَهِم أبو عبيدة رضي الله عنه قصد عمر وأنه خائف عليه، فرد على رسالته بقوله: «سَأَمْكُثُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ»، فبكى عمر عند قراءة رسالته، فقال له من حوله: ما الذي يبكيك؟ هل مات أبو عبيدة؟ فقال عمر: لا، ولكني أخشى عليه.
وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من كانت وفاته بسبب هذا الداء فإنه شهيد، فعنه ﷺ أنه قال: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ» [رواه مسلم]، رحم الله أبا عبيدة وجمعنا به في جنته.
دروس وفوائد:
أن الأمانة فخر وشرف لصاحبها، وهي من صفات المؤمنين، فقد اتصف بها أبو عبيدة رضي الله عنه حتى حاز لقب أمين الأمة.
الفخر كل الفخر في البذل لله ورسوله، فكان أبو عبيدة رضي الله عنه يفاخر بسقوط أسنانه الأمامية ولم يخجل منها، لأن ذلك كان في الدفاع عن النبي ﷺ، وحمايته ونصرته.
المؤمن لا يهاب الموت لأنه يعلم أنه يقدم على رب كريم لا يضيع أجر من اجتهد في طلب مرضاته، ويكرمه بنعيم فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
الخاتمة
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ ﷺ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟» قَالَ: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ: فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ لِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أَعْمَلُ بِعَمَلِهِمْ. [رواه مسلم].
وإنا في الختام نسأل الله أن تكون هذه القصص القصيرة أسهمت في زيادة حبنا للنبي ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، وأن يكون حبنا لهم سببًا في دخولنا وأحبابنا الصغار الجنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
Related books
All books
Ислъамыр Алыхьым и лIыкIуэхэм я динщ85 languagesИслъамыр Алыхьым и лIыкIуэхэм я динщ
Ислъамыр дунейуэ хъуар къэзыгъэщIауэ ар зезыгъакIуэ Алыхьым ухуэжыIэщIэныращ, Абы и унафэм ущIэтыныращ бгъэлъапIэу икIи фIыуэ плъагъуу. Ислъамым и тегъэщIапIэр Алыхьыр уи фIэщ хъуныращ, Ар и закъуэу КъэзыгъэщIщ, адрейуэ хъуар къэгъэщIащ. А зыращ хуэпщылIыныр зыхуэфащэр, гъусэ иIэкъым Абы. НэгъуэщI зыми хуэпщылIыныр хуэфащэкъым Абы фIэкIа. Абы иIэщ цIэ дахащэхэмрэ сыфэт лъапIэхэмрэ. Ар сытым хуэдэ лъэныкъуэкIи нэгъэсауэ фIыщэщ, зы ныкъусаныгъи иIэкъым. Ар зыми къилъхуакъым, Езыми зыри къилъхуакъым, щыIэкъым Абы хуэди, Абы ещхьи. Ар къигъэхъуахэм щыщу зыми хыхьэкъым, абыхэми яхэту щыткъым.…
الإسلام دين رب العالمين
Хэт сыкъэзыгъэщIар? Сыт сыкъыщIагъэщIар?75 languagesХэт сыкъэзыгъэщIар? Сыт сыкъыщIагъэщIар?
Сытми къегъэлъагъуэр КъэзыгъэщIыр зэрыщыIэр! Хэт уафэхэмрэ щIылъэмрэ ятет псэущхьэ къызэрымыкIуэ къыпхуэмылъытэн псори къэзыгъэщIар? Хэт зегъэкIуэныгъэ нэгъэсауэ зыми хуэмыдэу уафэхэми щIылъэми щыIэр къэзыгъэщIар? Хэт цIыхур къэзыгъэщIар? Хэт абы зэхихыу, илъагъуу зыщIар? Акъыли хэт езытар? Хэт абы зыгуэр къищIэфу икIи къыгурыIуэу зыщIар? Дауэрэ къыдгурыбгъэIуэфыну уи Iэпкълъэпкъми нэгъуэщI къэгъэщIауэ хъуам я Iэпкълъэпкъми хэт зэтегъэпсыхьыныгъэхэр зэрылажьэр нэгъэсауэ? Хэт ахэр къэзыгъэщIахэр? Дауэрэ зэтеувэрэ икIи зиIыгърэ мы дунеишхуэм и унафэ зэрызэхэзекIуэу хъуар, ахэр зезыгъакIуэр…