محمد ﷺ بين الجافي والغالي
محمد ﷺ بين الجافي والغالي
مُحَمَّدٌ ﷺ بَيْنَ الْجَافِي وَالْغَالِي
لسماحة الشيخ العلامة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رحمه الله
القسم الأول: الجافي في الرسول ﷺ:
بيان كفر وضلال من زعم أنه يجوز لأحد الخروج عن شريعة محمد ﷺ[1]
[1]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/196-201) من إعداد وترتيب الدكتور/ محمد بن سعد الشويعر طبعة الافتاء الثانية لعام 1423هـ.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
فقد اطَّلعتُ على المقال المنشور بجريدة (...) بعددها رقم (5824)، وتاريخ 5/6/1415هـ، كتبه من سمى نفسه: (...) تحت عنوان: (الفهم الخاطئ).
وملخص المقال: إنكاره لِمَا هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وبالنص والإجماع، وهو عموم رسالة محمد ﷺ إلى جميع الناس، وادعاؤه أنَّ مَن لم يتَّبع محمدًا ﷺ ولم يطعه؛ بل بقي يهوديًا أو نصرانيًا، فهو على دين حق، ثم تطاول على ربِّ العالمين سبحانه في حكمته في تعذيب الكُفَّار والعصاة، وجعل ذلك من العبث، وقد قام بتحريف النُّصوص الشرعية ووضعها في غير مواضعها، وفسَّرها بما يمليه هواه، وأعرض عن الأدلة الشرعية والنُّصوص الصريحة الدَّالة على عموم رسالة محمد ﷺ، وعلى كُفر من سمع به ولم يتبعه، وأنَّ اللّه لا يقبل غير الإسلام دينًا، إلى غير ذلك من النُّصوص الصريحة التي أعرض عنها، لينخدع بكلامه الجُهَّال.
وهذا الذي فَعَلَهُ كُفر صريح، وردَّة عن الإسلام، وتكذيب لله سبحانه ولرسوله ﷺ، كما يَعلَمُ ذلك مَن قرأ المقال من أهل العلم والإيمان، والواجب على ولي الأمر إحالته للمحكمة لاستتابته والحكم عليه بما يقتضيه الشرع المطهر.
واللّه سبحانه وتعالى قد بيَّن عموم رسالة محمد ﷺ، ووجوب اتِّباعه على جميع الثَّقلَين، وذلك أمر لا يجهله من له أدنى مسكة من عِلْمِ من المسلمين، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ١٥٨﴾ [الأعرَاف: 158]، وقال تعالى: ﴿...وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ...﴾ [الأنعَام: 19]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ...﴾ [آل عِمرَان: 31]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عِمرَان: 85]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا...﴾ [سَبَإ: 28]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ107﴾ [الأنبيَاء: 107]، وقال تعالى: ﴿...وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عِمرَان: 20] وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا1﴾ [الفُرقان: 1]
وروى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه أن النَّبِيّ ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» [2] وهذا بيان صريح لعموم وشمول رسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع البشر، وأنَّها نسخت جميع الشرائع المتقدمة، وأنَّ من لم يتَّبع محمد ﷺ ولم يطعه، فهو كافر عاص مستحق لعقاب الله، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُ...﴾ [هُود: 17] وقال تعالى: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: 63] وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ14﴾ [النِّسَاء: 14] وقال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البَقَرَة: 108] والآيات في هذا المعنى كثيرة. [2] أخرجه البخاري برقم (328) واللفظ له، ومسلم برقم (521).
واللّه سبحانه قد قرن طاعة الرسول ﷺ بطاعته، وبيَّن أن من اعتقد غير الإسلام، فهو خاسر لا يقبل منه صرف ولا عدل، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عِمرَان: 85] وقال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ...﴾ [النِّسَاء: 80] وقال تعالى: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْ...﴾ [النُّور: 54] وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ6﴾ [البَيّنَة: 6].
وروى مسلم في صحيحه أنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[3]، وقد بيَّن رسول اللّه ﷺ بفعله وقوله بطلان ديانة مَن لم يدخل في دين الإسلام، فقد حارَب اليهود والنصارى، كما حارَب غيرهم من الكُفَّار، وأخذ ممن أعطاه منهم الجزية حتى لا يمنعوا وصول الدعوة إلى بقيتهم، وحتى يدخل من شاء منهم في الإسلام دون خوف من قومه أن يصدُّوه، أو يمنعوه أو يقتلوه. [3]أخرجه مسلم برقم (153).
وقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ في الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ»، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ[4] فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ أُرِيدُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ...» الحديث[5]. [4]بيت المدراس، هي: موضع تدرس فيه كتبهم كتاب الله ومنه مدراس اليهود وهي مدرستهم، وقيل هي: الموضع الذي يجتمعون إليه في يوم عيدهم يصلون فيه، أو هو يوم يأكلون ويشربون فيه، كما جاء ذلك في معاجم اللغة في مادة [درس] أو في فصل الدال باب السين عند بعضهم. [5]أخرجه البخاري برقم (6545)، ومسلم برقم (1765).
والمقصود: أنه ﷺ ذهب إلى أهل الديانة من اليهود في بيت مدراسهم فدعاهم إلى الإسلام، وقال لهم: «أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» وكرَّرها عليهم، وكذلك بعث بكتابه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ويخبره أنه إن امتنع، فإنَّ عليه إثم الذين امتنعوا من الإسلام بسبب امتناعه منه.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ» [6][7] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ64﴾ [آل عِمرَان: 64] ثم لمَّا تولوا ورفضوا الدخول في الإسلام قاتلهم ﷺ هو وأصحابه رضي الله عنهم، وفَرَض عليهم الجزية. [6]الأَرِيسِيِّينَ: من أرس يأرس أرسًا، فهو أريس يؤرس تأريسًا، وهم الخدم والخَول، يعني: لصدِّه إيَّاهم عن الدين كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ [الأحزَاب: 67] أي: عليك مثل إثمهم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير باب الهمزة مع الراء مادة: [أرس] وقيل الأريس: هو الأكَّار من كلام أهل الشام وكان أهل السواد وما طابقها أهل الروم وإثارة للأراضين وهم رعية كسرى، وكان أهل الروم أهل أثاث وصنعة، ويقولون للمجوسي أريسي، ينسب إلى الأريس، وهو الأكّار، وكانت العرب تسميهم الفلاحين، فأعلمهم النبي ﷺ إنهم وإن كانوا أهل كتاب فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا بما أنزل عليه إثم المجوس والفلاحين من الذين لا كتاب لهم والله أعلم. ينظر: معاجم اللغة مادة درس. [7]أخرجه البخاري برقم (5905).
ولتأكيد ضلالهم وأنَّهم على دين باطل بعد نسخه بدين محمد ﷺ أمر الله المسلم أنْ يسأل الله في كل يوم، وفي كل صلاة وفي كل ركعة أنْ يهديه الصراط المستقيم الصحيح المتقبل، وهو: الإسلام، وأنْ يجنبه طريق المغضوب عليهم، وهم: اليهود وأشباههم الذين يعلمون أنَّهم على باطل ويصرون عليه، ويجنبه طريق الضالين الذين يتعبدون بغير علم ويزعمون أنَّهم على طريق هدى، وهم على طريق ضلالة، وهم: النصارى، ومَن شابههم من الأمم الأخرى التي تتعبَّد على ضلال وجهل، وكل ذلك؛ ليعلم المسلم علم اليقين أن كل ديانة غير الإسلام فهي باطلة، وأنَّ كل من يتعبد لله على غير الإسلام فهو ضال، ومَن لم يعتقد ذلك فليس من المسلمين، والأدلة في هذا الباب كثيرة من الكتاب والسنَّة.
فالواجب على صاحب المقال (...) أن يبادر بالتوبة النصوح، وأن يكتب مقالًا يُعلن فيه توبته، ومن تاب إلى اللّه توبة صادقة تاب اللّه عليه؛ لقول الله سبحانه: ﴿...وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النُّور: 31]، وقوله سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا69﴾ ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفُرقان: 68-70]، ولقول النبي ﷺ: «الإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»[8]، وقوله ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»[9] والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. [8]أخرجه مسلم برقم (121). [9]أخرجه ابن ماجه برقم (1851)، والبيهقي في سننه برقم (21070).
وأسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يرينا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتِّباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه، وأنْ يَمُنَّ علينا وعلى الكاتب (...) وعلى جميع المسلمين بالتّوبة النصوح، وأن يُعِيذنا جميعًا من مضلاتِ الفِتَنِ، وطاعة الهوى والشيطان، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وجوب العمل بسنَّة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها[10]
[10]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحته (1/211-221).
الحمد للّه ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد المرسل رحمةً للعالمين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، وعلى آله وأصحابه الذين حملوا كتاب ربهم سبحانه، وسنَّة نبيِّهم ﷺ إلى من بعدهم، بغاية الأمانة والإتقان، والحفظ التام للمعاني والألفاظ رضي الله عنهم وأرضاهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان. أمَّا بعد:
فقد أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على أنَّ الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام في كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثُمَّ سنَّة رسول اللّه عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلَّا وحي يوحى، ثم إجماع علماء الأمة، واختلف العلماء في أصول أخرى أهمها القياس، وجمهور أهل العلم على أنَّه حُجَّة إذا استوفى شروطه المعتبرة، والأدلة على هذه الأصول أكثر من أن تحصر وأشهر مِن أنْ تذكر:
أمَّا الأصل الأول: فهو كتاب الله العزيز، وقد دلَّ كلام ربنا عز وجل في مواضع من كتابه على وجوب اتِّباع هذا الكتاب والتمسك به، والوقوف عند حدوده، قال تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ3﴾ [الأعرَاف: 3]، قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ155﴾ [الأنعَام: 155]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ15 يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ16﴾ [المَائدة: 15-16]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ41 لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ42﴾ [فصلت: 41-42]، وقال تعالى: ﴿...وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ...﴾ [الأنعَام: 19]، وقال تعالى: ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ...﴾ [إبراهيم: 52]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد جاءت الأحاديث الصّحاح عن رسول الله ﷺ آمرة بالتمسك بالقرآن والاعتصام به، دالة على أنَّ مَن تمسك به كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلال، ومن ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنَّه قال في خطبته في حجة الوداع: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللّه» رواه مسلم في صحيحه[11]. [11]أخرجه مسلم برقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه الطويل في وصف حجة النبي ﷺ ولفظه: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ الله».
وفي صحيح مسلم أيضًا عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللّه فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللّه وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللّه وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللّه فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللّه فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللّه فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، وفي لفظ قال: في القرآن: «هُوَ حَبْلُ اللَّهِ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ»[12]. [12]أخرجه مسلم برقم (2408).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي إجماع أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم على وجوب التمسك بكتاب الله والحكم به والتحاكم إليه، مع سنَّة رسول الله ﷺ، ما يكفي ويشفي عن الإطالة في ذكر الأدلة الواردة في هذا الشأن.
أما الأصل الثاني: من الأصول الثلاثة المجمع عليها: فهو ما صح عن رسول اللّه ﷺ وأصحاب النّبي ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، يؤمنون بهذا الأصل الأصيل، ويحتجون به ويعلمونه الأمة، وقد ألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، وأوضحوا ذلك في كتب أصول الفقه والمصطلح، والأدلة على ذلك لا تحصى كثرة، فمن ذلك ما جاء في كتاب اللّه العزيز من الأمر باتباعه وطاعته، وذلك موجه إلى أهل عصره ومن بعدهم؛ لأنه رسول اللّه إلى الجميع، ولأنهم مأمورون باتباعه وطاعته، حتى تقوم الساعة، ولأنه عليه الصَّلاة والسَّلام هو المفسر لكتاب اللّه، والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنَّة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها وما يجب فيها، ولم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام والزكاة، والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات، وما أوجب اللّه بها من حدود وعقوبات.
ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ132﴾ [آل عِمرَان: 132]، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النِّسَاء: 59]، وقال تعالى في سورة النساء أيضًا: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا80﴾ [النِّسَاء: 80].
وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه النَّاس إلى كتاب اللّه وسنَّة رسوله، إذا كانت سنته لا يحتج بها، أو كانت كلها غير محفوظة، وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل، ومن أعظم الكفر باللّه وسوء الظن به، وقال عز وجل في سورة النحل: ﴿...وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النّحل: 44]، وقال فيها أيضًا: ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ64﴾ [النّحل: 64]، فكيف يكل اللّه سبحانه إلى رسوله ﷺ تبيين المنزل إليهم، وسنته لا وجود لها أو لا حجة فيها، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة النور: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ54﴾ [النُّور: 54]، وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ56﴾ [النُّور: 56]، وقال في سورة الأعراف: ﴿ققُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ158﴾ [الأعرَاف: 158].
وفي هذه الآيات الدلالة الواضحة على أنَّ الهداية والرحمة في اتِّباعه عليه الصَّلاة والسَّلام، وكيف يمكن ذلك مع عدم العمل بسنته، أو القول بأنه لا صحة لها، أو لا يعتمد عليها، وقال عز وجل في سورة النور: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: 63] وقال في سورة الحشر: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ...﴾ [الحَشر: 7]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على وجوب طاعته عليه الصَّلاة والسَّلام، واتباع ما جاء به، كما سبقت الأدلة على وجوب اتباع كتاب اللّه، والتمسك به وطاعة أوامره ونواهيه، وهما أصلان متلازمان، من جحد واحدًا منهما، فقد جحد الآخر وكذب به، وذلك كفر وضلال، وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان، وقد تواترت الأحاديث عن رسول اللّه ﷺ في وجوب طاعته، واتباع ما جاء به، وتحريم معصيته، وذلك في حق من كان في عصره، وفي حق من يأتي بعده إلى يوم القيامة.
ومن ذلك ما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله»[13]، وفي صحيح البخاري عنه رضي الله عنه أنَّ النَّبي ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ أَبَى»[14]. [13]أخرجه البخاري برقم (2957)، ومسلم برقم (1835). [14]أخرجه البخاري برقم (6751).
وخرج أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَاب وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حِلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ»[15]. [15]أخرجه أبو داود برقم (4604)، والإمام أحمد (4/216).
وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»[16]. [16]أخرجه أبو داود برقم (4605).
وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه يقول: حرم رسول اللّه ﷺ يوم خيبر أشياء ثم قال: «يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ، يُحَدِّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حِلٍ اسْتَحْلْلناهُ، وَمَا وَجَدْنا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَمْناهُ، أَلَا إِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ»[17] أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح. [17]رواه الإمام أحمد عن المقدام بن معدي كرب (4/132).
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته، أن يبلغ شاهدهم غائبهم، ويقول لهم: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»[18]، ومن ذلك ما في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مَنْ يُبَلِّغُهُ أَوْعَىٰ لَهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ»[19]. [18]أخرجه البخاري برقم (67). [19]أخرجه البخاري برقم (1654).
فلولا أن سنته حجة على من سمعها وعلى من بلغته، ولولا أنها باقية إلى يوم القيامة، لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة بالسنة قائمة على من سمعها من فيه عليه الصلاة والسلام وعلى من نقلت إليه بالأسانيد الصحيحة.
وقد حفظ أصحاب رسول اللّه ﷺ سنته عليه الصلاة والسلام القولية والفعلية، وبلغوها من بعدهم من التابعين، ثم بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلاً بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم، وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط معلومة بينهم، يعلم بها صحيح السنة من ضعيفها، وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما، وحفظوها حفظًا تامًا، كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين، وإلحاد الملحدين، وتحريف المبطلين، تحقيقًا لما دل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ9﴾ [الحِجر: 9].
ولا شك أن سنة رسول اللّه ﷺ وحي منزل، فقد حفظها الله كما حفظ كتابه، وقيض اللّه لها علماء نقادًا، ينفون عنها تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون؛ لأن الله سبحانه جعلها تفسيرًا لكتابه الكريم، وبيانًا لما أجمل فيه من الأحكام، وضمنها أحكامًا أخرى، لم ينص عليها الكتاب العزيز، كتفصيل أحكام الرضاع، وبعض أحكام المواريث، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، إلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنة الصحيحة ولم تذكر في كتاب اللّه العزيز.
ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها.. في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول اللّه ﷺ وارتد من ارتد من العرب، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فقال له عمر رضي الله عنه كيف تقاتلهم وقد قال النّبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِن قَالُوها عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا»[20]؟ فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها واللّه لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر رضي الله عنه: فما هو إلا أن عرفت أن اللّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. [20]أخرجه البخاري برقم (6855).
وقد تابعه الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إلى الإسلام، وقتلوا من أصر على ردته، وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنة، ووجوب العمل بها.
وجاءت الجدة إلى الصديق رضي الله عنه تسأله عن ميراثها، فقال لها: ليس لك في كتاب اللّه شيء، ولا أعلم أن رسول اللّه ﷺ قضى لك بشيء، وسأسأل النَّاس، ثم سأل رضي الله عنه الصحابة: فشهد عنده بعضهم بأن النّبي ﷺ أعطى الجدة السدس، فقضى لها بذلك.
وكان عمر رضي الله عنه يوصي عماله أن يقضوا بين النَّاس بكتاب اللّه، فإن لم يجدوا القضية في كتاب اللّه، فبسنة رسول اللّه ﷺ، ولما أشكل عليه حكم إملاص المرأة، وهو إسقاطها جنينًا ميتًا، بسبب تعدي أحد عليها، سأل الصحابة رضي الله عنهم عن ذلك، فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما: بأن النّبي ﷺ قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة، فقضى بذلك رضي الله عنه[21]. [21]القصة متفق عليها أخرجها البخاري برقم (6905)، ومسلم برقم (1683).
ولما أشكل على عثمان رضي الله عنه حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد رضي الله عنهما: أن النَّبِيّ ﷺ أمرها بعد وفاة زوجها: أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله، قضى بذلك رضي الله عنه[22]، وهكذا قضى بالسنة في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة؛ ولما بلغ عليًا رضي الله عنه أن عثمان رضي الله عنه ينهى عن متعة الحج أهلَّ علي رضي الله عنه بالحج والعمرة جميعًا، وقال: لا أدع سنة رسول اللّه ﷺ لقول أحد من النَّاس[23]. [22]القصة أخرجها أصحاب السنن أبو داود برقم (2300)، الترمذي برقم (1204)، والنسائي برقم (3532)، وابن ماجه برقم (2031). [23]أخرجه البخاري بمعناه برقم (1488).
ولما احتج بعض الناس على ابن عباس رضي الله عنهما في متعة الحج، بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في تحبيذ إفراد الحج، قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء!! أقول: قال رسول اللّه ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر، فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه العقوبة فكيف بحال من خالفهما لقول من دونهما، أو لمجرد رأيه واجتهاده!.
ولما نازع بعض الناس عبداللّه بن عمر رضي الله عنهما في بعض السنة، قال له عبد اللّه: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو باتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين رضي الله عنهما: حدثنا عن كتاب اللّه، وهو يحدثهم عن السنة، غضب رضي الله عنه وقال: إن السنة هي تفسير كتاب اللّه، ولولا السنَّة لم نعرف أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث، والفجر ركعتان، ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة إلى غير ذلك، مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًا.
ومن ذلك أيضًا أن عبداللّه بن عمر رضي الله عنهما لما حدث بقوله ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» [24] قال بعض أبنائه: واللّه لنمنعهن، فغضب عليه عبداللّه وسبه سبًا شديدًا، وقال: أقول قال رسول اللّه وتقول: واللّه لنمنعهن. [24]أخرجه البخاري برقم (858).
ولما رأى عبداللّه بن المغفل المزني رضي الله عنه، وهو من أصحاب رسول اللّه ﷺ بعض أقاربه يخذف، نهاه عن ذلك وقال له: إن النبي ﷺ نهى عن الخذف، وقال: «إِنَّهُ لَا يَصِيدُ صَيْدًا وَلَا يَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ»[25] ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال: واللّه لا كلمتك أبدًا، أخبرك أن رسول اللّه ﷺ ينهى عن الخذف ثم تعود. [25]أخرجه أبو داود برقم (5270).
وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل، أنه قال: «إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال».
وقال الأوزاعي رحمه الله: «السنَّة قاضية على الكتاب»، أي تقيد ما أطلقه، أو بأحكام لم تذكر في الكتاب، كما في قول الله سبحانه: ﴿...وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النّحل: 44] وسبق قوله ﷺ: «أَلَا إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[26] وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي رحمه الله أنه قال لبعض النَّاس: «إنما هلكتم في حين تركتم الآثار» يعني بذلك: الأحاديث الصحيحة. [26]سبق تخريجه في صفحة (24).
وأخرج البيهقي أيضًا عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال لبعض أصحابه: "إذا بلغك عن رسول اللّه حديث، فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول اللّه ﷺ كان مبلغًا عن اللّه تعالى".
وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله أنه قال: «إنما العلم كله، العلم بالآثار»، وقال مالك رحمه الله: «ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر» وأشار إلى قبر رسول اللّه ﷺ، وقال أبو حنيفة رحمه الله: «إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين»، وقال الشافعي رحمه الله: «متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثًا صحيحًا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب»؛ وقال أيضًا رحمه الله: «إذا قلت قولًا وجاء الحديث عن رسول اللّه ﷺ بخلافه، فاضربوا بقولي الحائط»، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لبعض أصحابه: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذنا»، وقال أيضًا رحمه الله: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله ﷺ، يذهبون إلى رأي سفيان، واللّه سبحانه يقول: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: 63]، ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله عليه الصلاة والسلام، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك».
وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه: ﴿...فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ...﴾ [النِّسَاء: 59] قال: «الرد إلى اللّه الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى السنة».
وأخرج البيهقي عن الزهري رحمه الله أنه قال: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة»، وقال موفق الدين ابن قدامة رحمه الله في كتابه روضة الناظر، في بيان أصول الأحكام، ما نصه: «والأصل الثاني من الأدلة سنَّة رسول اللَّه ﷺ، وقول رسول اللَّه ﷺ حجة، لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر اللَّه بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره» انتهى المقصود.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: 63] أي: عن أمر رسول اللّه ﷺ، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته، وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدٌّ»[27] أي: فليخش وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا: ﴿أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. [27]أخرجه البخاري رقم (28550).
كما روى الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي يَقَعْنَ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، قَالَ فَذَٰلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونَنِي وَتَقْتَحِمُونَ فِيهَا»[28] أخرجاه من حديث عبدالرزاق. [28]أخرجه البخاري بمعناه برقم (6118) ولفظه: «إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى تَقَعُ فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا».
وقال السيوطي رحمه الله في رسالته المسماة: (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) ما نصه: «اعلموا رحمكم اللّه أن من أنكر أن كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء اللّه من فرق الكفرة» انتهى المقصود.
والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًا، وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق.
ونسأل اللّه لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، وأن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم إنّه سميع قريب.
وصلى اللّه وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
حكم من استهزأ بالرسول العظيم عليه الصلاة والسلام أو سبه أو تنقصه أو استحل شيئًا مما حرمه[29]
[29]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (6/326-340).
بسم اللّه والصلاة والسلام على رسول اللّه.
لقد اطَّلعت على ما نشرته صحيفة (صوت الإسلام) بالقاهرة نقلًا عن صحيفة (...) الصادرة في 29 يناير الماضي من الجرأة على الجناب الرفيع والمقام العظيم مقام سيِّدنا وإمامنا: محمد بن عبداللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا بتمثيله بحيوان من أدنى الحيوانات، وهو الديك، لا يشك مسلم أن هذا التمثيل كفر بواح، وإلحاد سافر واستهزاء صريح بمقام سيِّد الأولين والآخرين ورسول ربِّ العالمين، وقائد الغرّ المحجلين، إنَّها لجرأة تحزن كل مسلم، وتدمي قلب كل مؤمن، وتوجب اللعنة والعار والخلود في النَّار، وغضب العزيز الجبار، والخروج من دائرة الإسلام والإيمان إلى حيز الشرك والنفاق والكفران لمن قالها أو رضي بها، ولقد نطق كتاب اللّه الكريم بكفر من استهزأ بالرسول العظيم، أو بشيء من كتاب اللّه المبين، وشرعه الحكيم، قال اللّه عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ65 لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ66﴾ [التّوبَة: 65-66]، فهذه الآية الكريمة نص ظاهر وبرهان قاطع على كفر من استهزأ باللّه العظيم أو رسوله الكريم أو كتابه المبين، وقد أجمع علماء الإسلام في جميع الأعصار والأمصار على كفر من استهزأ باللّه أو رسوله أو كتابه أو شيء من الدين، وأجمعوا على أن من استهزأ بشيء من ذلك وهو مسلم أنه يكون بذلك كافرًا مرتدًّا عن الإسلام يجب قتله؛ لقول الرسول ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[30]. [30]أخرجه البخاري برقم (6524).
ومن الأدلة القاطعة على كفر من استهزأ باللّه أو رسوله أو كتابه أن الاستهزاء تنقص واحتقار للمستهزأ به، واللّه سبحانه له صفة الكمال، فكتابه من كلامه، وكلامه من صفات كماله عز وجل، ورسوله محمد ﷺ هو أكمل الخلق وسيدهم وخاتم المرسلين وخليل ربِّ العالمين، فمن استهزأ بالله أو رسوله أو كتابه أو شيء من دينه فقد تنقصه واحتقره، واحتقار شيء من ذلك وتنقصه كفر ظاهر، ونفاق سافر، وعداء لرب العالمين، وكفر برسوله الأمين.
وقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء على كفر من سب الرسول الكريم ﷺ أو تنقصه، وعلى وجوب قتله، قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: «أجمع عوام أهل العلم على أن حدَّ من سبَّ النبي ﷺ القتل، وممن قاله مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي» انتهى.
وقوله: (عوام): جمع عامة، والعامة هنا بمعنى الجماعة، فمراده رحمه الله أن جماعات العلماء أجمعوا على وجوب قتل من سب النبي ﷺ، ولا شك أن السب يتنوع أنواعًا كثيرة، ولا ريب أن الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام وتنقصه وتمثيله بحيوان حقير من أقبح السب وأعظم التنقص، فيكون فاعل ذلك كافرًا حلال الدم والمال.
وقال القاضي عياض رحمه الله: «أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه» انتهى[31]. [31]في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ (ص233).
وقال محمد بن سحنون من أئمة المالكية: «أجمع العلماء على أن شاتم النَّبِيّ ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر»[32] انتهى. [32]نفس المرجع السابق.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله بعدما نقل أقوال العلماء في شاتم الرسول ﷺ ومتنقصه في كتابه: «الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ» ما نصه: وتحرير القول فيه: «أنَّ السَّاب إن كان مسلمًا أنه يكفر ويقتل بغير خلاف[33]، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: «من شتم الرسول ﷺ أو انتقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب» انتهى. [33]إن نفي الخلاف بصيغة لفظ الجزم صيغة من صيغ نقل الإجماع، إن كانت صادرة من عالم متبحر بمدلولات ألفاظ نقل الإجماع كشيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله، هذا ما قرره علماء الأصول عند حديثهم على دليل الإجماع وألفاظ نقله الدالة عليه، ينظر: البحر المحيط: (6/488) ونزهة الخاطر العاطر (1/319).
وكلام العلماء في هذا الباب كثير[34]، وفيما نقلنا عنهم كفاية لطالب الحقِّ، ولقد وفقت صحيفة صوت الإسلام القاهرية في ردها على الجريدة (...) فيما اقترفته من المحاربة للإسلام ومن الجرم الفظيع والمنكر الشنيع في حق المصطفى ﷺ وشريعته بقلم رئيس التحرير الشيخ محمد عطية خميس، ولقد أحسن فضيلته إحسانًا عظيمًا حيث أنكر ما فعلته هذه الصحيفة من الكفر الصريح والاستهزاء السافر بسيد عباد اللّه وأفضل رسول، واحتج على حكام مصر وأطالبهم بوضع حد لهذه الفتنة، وإلى القراء بعض كلمته، قال: وفقه اللّه بعد كلام سبق في رد مقالات شنيعة كتبتها بعض الصحف المأجورة ما نصه: «فلا عجب بعد كل هذا أن يجترئ صحفي من صحفيي جريدة (..) ليعرض برسول الله ﷺ في صورة كاريكاتورية في عددها الصادر في 29 يناير الماضي فيرسم شخصًا له جسم الديك ويقول تحت هذه الصورة (أهو ده يا سيدي محمد أفندي اللي متجوز تسع) بمثل هذا الخبث تنشر مثل هذه الصورة التي تعرض برسول الله ﷺ وبشريعة الإسلام. [34]وقد ذكر سماحة الشيخ رحمه الله بعضًا منهم في فتاواه عند الكلام عن القرآن وحكم من طعن فيه، كأبي بكر الفاسي من أصحاب الشافعي، والخطابي، وإسحاق بن راهوية، ينظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (1/91-94).
من الذي تزوج تسعًا غير رسول اللّه ﷺ؟ أيصل الأمر إلى أن ينشر مثل هذا الرسم في جريدة يومية يشرف عليها الاتحاد القومي، وتصل السخرية والتريقة على شخص رسول اللّه ﷺ وأن يقال عنه: (محمد أفندي) ويرمز إليه بمثل هذا الرمز، لماذا اختار المحرر أو الرسام محمد أفندي بالذات، ولم يختر علي أفندي أو سعيد أفندي أو أي اسم آخر؟ ولماذا حدد العدد بتسع بالذات؟ ولم يحدد بسبع أو عشر أو اثني عشر؟ إن خبث الرسام ظاهر واضح ولا يحتاج إلى تأويل والتماس عذر له، إن مثل هذا الرسم لو نشر في أية صحيفة إنجليزية أو أمريكية أو فرنسية أو حتى إسرائيلية لقامت الدنيا وقعدت، ولاتخذت سلاحًا بتارًا للدعاية والتشهير، أما أن ينشر في جريدة من جرائد هذه الأمة فتغمض عنها الأعين وتمر بها مرورًا عابرًا، ومن المؤسف المؤلم أن يحدث هذا في صحافتنا في الوقت الذي يعمل فيه الأعداء أكثر من حساب لمشاعرنا نحن المسلمين، فأمريكا وإيطاليا يريدان إنتاج فيلم عن رسول اللّه ﷺ فإذا بهم يلجؤون إلى مشيخة الأزهر والجامعة العربية ليأخذوا رأيها وموافقتها في كل ما يتعلق بهذا الفيلم من حوار وسيناريو وخلافه، وكان باستطاعة هاتين الدولتين أن تخرجا الفيلم كما تشاءان وعلى النحو الذي يتفق مع روحهما العدائية لنا، هذا ما يحدث من أعدائنا، وهذا ما يحدث من أبناء أمتنا.
إلى متى يسكت المسؤولون عن هذه الصحافة؟ وإلى متى نسكت نحن أبناء هذه الأمة؟ هل ننتظر إلى أن يلجأ هؤلاء الخونة والمفسدون إلى التصريح بدلًا من التلميح؟ أننتظر إلى أن يسخر من إسلامنا في الشوارع والطرقات؟ والله إنها لفتنة سوداء يوقدها هؤلاء الجهلاء المأجورون تنذر بالخطر الفادح إن لم يوضع لها حد، فإننا لن نستطيع أن نسكت بعد هذا على هذا التمادي في محاربة الإسلام والأخلاق وفي التعريض برسول الله ﷺ وشريعته، فالأمة لا تزال معتزة بدينها غيورة على رسولها، فإن أرادت هذه الصحافة الماجنة أن تعلنها حربًا فلتعلنها كما تريد؛ ولكن لن نقف مكتوفي الأيدي.. وكفى! فإسلامنا هو وطننا ولا وطن لنا غيره، وإسلامنا هو روحنا ولا حياة لنا بسواه، وإسلامنا هو رزقنا ولا قيمة للطعام والشراب عندنا بدونه، وإسلامنا هو كل شيء في الوجود بالنسبة لنا، وأقول هذا باسم أكثر من عشرين مليون مسلم من أبناء هذا الشعب العزيز، ونحن في انتظار بيان رسمي من الاتحاد القومي وما صنعه مع الجريدة (...) ورسامها والمسؤولين عنها، ومع صحافتنا على العموم حتى نطمئن إلى مستقبل ديننا، واللّه أكبر والعزة للّه ولرسوله وللمؤمنين» انتهى كلام الشيخ محمد عطية خميس.
ولقد أجاد وأفاد، وصدع بالحق، فجزاه اللّه عن ذلك خيرًا وزاده من الهدى والتوفيق وكثَّر في المسلمين من أمثاله من الصَّادعين بالحقِّ بين الظلمة اللئام، والحمد للّه الذي أوجد في مصر من ينطق بالحقِّ، ويصدع بالرد على من حاد عنه، وإن دلَّ ذلك على شيء، فإنَّما يدل على أنَّ بالزوايا خبايا، وأن في الرجال بقايا، ولا شك أن ذلك من حفظ اللّه لدينه وحمايته لخاتم أنبيائه وسيِّد أصفيائه محمد ﷺ، ولقد أخبر الله سبحانه في كتابه المجيد عن أعدائه من الكفار والمنافقين أنَّهم يسخرون بالمرسلين والمؤمنين، ويضحكون منهم، فلا غرابة أنْ سلك القائمون على صحيفة (...) مسلك أئمتهم من المشركين والمنافقين وساروا على منهاجهم الوخيم وطريقهم الذميم: ﴿أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ53﴾ [الذّاريَات: 53] قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ29 وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ 30﴾ [المطفّفِين: 29-30]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ109 فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ110ِ إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ111﴾ [المؤمنون: 109-111]، وقال جلَّ وعلا عن رسوله نوح وقومه: ﴿وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ38 فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ39﴾ [هُود: 38-39] وقال تعالى ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ79﴾ [التّوبَة: 79].
ففي هذه الآيات المحكمات والبراهين البينات دلالة ظاهرة وحجج قاهرة على أنَّ الاستهزاء بالمرسلين والمؤمنين من صفات الكفار والمنافقين والمشركين، ومن عدائهم السافر وكفرهم الظاهر.
ولقد تخلق بعض القائمين على الصحف (...) في هذا العصر بأخلاقهم وساروا سيرتهم ونهجوا نهجهم فلهم حكمهم في الدنيا والآخرة، وقد ثبت عن المصطفى ﷺ أنَّه قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[35]، فليس من شك عند كل من له أدنى مسكة من علم وهدى أنَّ من شبَّه الرسول ﷺ بشيء من الحيوانات الحقيرة فقد تنقصه واحتقره، ومن فعل ذلك أو رضيه من حاكم أو صحفي أو غيرهما فهو كافر ملحد حلال الدم والمال. [35]أخرجه أبو داود برقم (4031)، والإمام أحمد (2/50).
وهنا أمر عظيم ينبغي التنبيه له، وهو أن يقال: ما السر في تشبيه الصحيفة (...) للرسول ﷺ! بالديك دون بقية الحيوانات، إنَّه ظاهر لمن تأمله، أنه ما له تفسير إلَّا الجحود لنبوته والإنكار لرسالته، ورميه بأنَّه ثائر شهواني ليس له هَمٌ إلَّا إشباع نهمته من النساء، وهذا إمعان في الكفر، وإيغال في الاستهزاء والاحتقار للجناب العظيم والمقام الرفيع، لعن اللّه من تنقصه أو رماه بما هو براء منه، وقاتل اللّه الصحيفة (...) والقائمين عليها الراضين بهذا الاستهزاء، فما أعظم ما اجترؤوا عليه من الباطل، وما أقبح ما وقعوا فيه من الإسفاف والاستهزاء، ولقد صان اللّه رسوله ﷺ وحماه مما قاله المبطلون ورماه به المفترون، فقد كان أعف النَّاس وأنصحهم للّه، ولعباده وأرفعهم قدرًا وأشرفهم نفسًا، وأشدهم صبرًا وأقومهم بحق اللّه وتبليغ رسالته، وأخشاهم للّه وأتقاهم له، وأزهدهم في كل ما يلوث مقامه العظيم أو يعوقه عن مهمته في الجهاد والنصح والتبليغ، وإنَّما تزوج النساء كسنة من قبله من المرسلين، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ...﴾ [الرّعد: 38].
وفي تزوجه ﷺ بتسع من النساء حكم كثيرة وأسرار بديعة ومصالح عظيمة، منها: إعفافهنّ والإحسان إليهنّ، ومنها: أن يتعلمن منه ﷺ أصول الشريعة وأحكامها ويعلمنها النَّاس بعده، كما قد وقع، فقد كان بيت كل واحدة منهن مدرسة للمسلمين والمسلمات، يردونها للتعلم ويشربون من معينها الصافي عللًا بعد نهل، ويسألون أمهات المؤمنين عن حياته ﷺ وشمائله وأخلاقه وأعماله داخل بيوته وخارجها، ومن ذلك ما في تعددهن من مصلحة التأليف والتعاون على البر والتقوى، وتبليغ القرآن والسنَّة بواسطة أصهاره ومن يتصل بهم؛ لأن أزواجه كن من قبائل شتى وذلك أبلغ في مقام الدعوة والتأليف، وأنفع للأمة وأكمل من جهة التبليغ والتعليم، ومن ذلك ما في تعددهن من راحته ﷺ وأنسه، فإنَّ الله سبحانه قد حبب إليه النساء والطيب، وجعل قرة عينه في الصلاة[36]. [36]وردت هذه الخصال الثالثة في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَة» الذي أخرجه الإمام أحمد (3/128) والنسائي برقم (3937) وصححه الحاكم في المستدرك برقم (2676)، ووافقه الذهبي (2/174).
وقد صح عنه أنه ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الزَّوْجَةُ الصَّالِحَة»[37]، وقد جبل الله الرجال على حب النساء والميل إليهن، وجعلهن سكنًا للرجال، كما قال عز وجل: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ21﴾ [الرُّوم: 21] وأعطى نبيه ﷺ في ذلك من كمال الرجولة والقوة على القيام بأمر الزوجات وحقوقهن ما لم يعطه الكثير ممن قبله، وليس هذا بمستنكر في الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، فإنهم أكمل الرجال رجولة وأعفهم فرجًا، وأقومهم بحقِّ اللّه وحقّ عباده. [37]أخرجه مسلم برقم (1467) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما ولفظه: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَة».
وقد كان لنبي اللّه داود زوجات كثيرة، ولابنه نبي اللّه سليمان بن داود كذلك، وقد قواهما اللّه على الطواف عليهن والقيام بحقهن، فكيف يستغرب على من هو أفضل منهما وأرفع عند اللّه منزلة، وهو محمد ﷺ، أن يبيح اللّه له تسعًا من النساء مع ما في ذلك من المصالح الكثيرة التي تقدم بعضها، وكلها تعود على الأمة بالخير والإحسان والنفع العام.
وقد خص اللّه نبيه ﷺ بخصائص عظيمة وحباه بصفات كريمة، فبعثه إلى الناس عامة، وجعله رحمة للعالمين، واتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ورفع منزلته في أعلى الجنة وهي الوسيلة، وجعله سيد أولاد آدم كلهم، وأعطاه المقام المحمود والشفاعة العظمى يوم القيامة، ونصره بالرعب مسيرة شهر، وشرح له صدره، وغفر له ذنبه ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا يذكر سبحانه إلَّا ذكر معه، كما في الخطب والتشهد والإقامة والتأذين، وخصائصه وشمائله ﷺ كثيرة جدًا، فكيف بعد هذا كله تجرأ الصحيفة (...) والقائمون عليها على الاستهزاء به والحط من قدره وتمثيله بحيوان من أحقر الحيوانات وأدناها، إمعانا في الاحتقار ومبالغة في الاستهزاء، سبحان اللّه ما أعظم شأنه.
واللّه أكبر ما أوسع حلمه: ﴿كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ59﴾ [الرُّوم: 59] وليس هذا الكفر الظاهر والنفاق السافر والاستهزاء الصريح بأشرف عباد الله ومن أخرج اللّه به العباد من الظلمات إلى النور بغريب من صحف الخلاعة والمجون، وأبواق الكفر والإلحاد، ومنابر الظلم والعدوان، ومحاربة الفضائل والدعوة إلى الرذائل، ليس ذلك بغريب على بعض القائمين على الصحف (...) الذين باعوا أنفسهم للشيطان، وأعرضوا عما جاءت به الرسل، ونزل به القرآن، واهتموا بالفراعنة والملاحدة، وعُبَّاد الصلبان، وجندوا بعض صحفهم لمحاربة الإسلام، وطمس شعائره العظام، والتضليل والتلبيس على خفافيش الأبصار وسفهاء الأحلام ...
واللّه المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، وأن يمنحهم الفقه في دينه، وأن يهدي زعماءهم وقادتهم لصراطه المستقيم، وأن يقيم عَلَم الجهاد ويكبت أهل الشرك والكفر والإلحاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى اللّه وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
استنكار إخراج فيلم محمد رسول الله ﷺ[38]
[38]مجموع فتاوى ومقالات متنوع (1/413-417).
الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:
فقد اطَّلعت على ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية في عددها 162 الصادر بتاريخ 9/7/1393هـ تحت عنوان (فيلم محمد رسول الله) وقد تضمن الخبر المذكور أنه خلال الأيام الماضية تم التوقيع على عقد تأسيس الشركة العربية للإنتاج السينمائي العالمي، وتولى التوقيع ممثلو حكومات (...) وأنَّ الشركة المذكورة تعاقدت مع المخرج (...) لإنتاج فيلم عن النَّبِيّ ﷺ حياته وتعاليمه (بالسينما سكوب) والألوان، يستمر عرضه ثلاث ساعات ويخرج بعشرين لغة عالمية بما فيها العربية.
وذلك بالاستناد إلى قصة أقرها (...) واشترك في صياغتها (...) انتهى الخبر المذكور، ولكون ذلك فيما نعتقد أمرًا منكرًا، وحدثًا خطيرًا يترتب عليه مفاسد كبرى، وأضرار عظيمة واستهانة بالمصطفى ﷺ وتعريض لذاته الشريفة إلى التلاعب بها والاستهزاء والتنقص رأيت المساهمة في إنكار هذا المنكر، والإهابة بالدول الأربع الموافقة على إخراجه بالرجوع عن ذلك تعظيمًا للنبي ﷺ، واحترامًا له، واحترازًا عن تعريض ذاته الشريفة للتنقص والاستهانة والسخرية.
ومعلوم أنَّ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقد عرض هذا الموضوع على المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فقرر: تحريم إخراج فيلم عن النبي ﷺ، وتحريم تمثيل الصحابة رضي الله عنهم، وذلك في المادة السادسة من قراره المتخذ في دورته الثالثة عشرة المنعقدة خلال المدة من 1/شعبان/1391هـ إلى 13/شعبان/1391هـ، وهذا نص المادة المذكورة:
1- يقرر المجلس التأسيسي بالإجماع تحريم إخراج فيلم محمد رسول الله ﷺ لما فيه من تمثيله ﷺ بآلة التصوير الكاميرا مشيرة إليه وإلى موضعه وحركاته وسائر شؤونه بالتحديد، وتمثيل بعض الصحابة رضي الله عنهم في مواقف عديدة ومشاهد مختلفة وهو محرم بالإجماع.
2- يوصي المجلس الأمانة العامة للرابطة بإبلاغ هذا القرار لجميع الدول الإسلامية، والمنظمات الإسلامية، والجمعيات الدينية في البلاد العربية والإسلامية ووزارات الإعلام، ومشيخة الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، والصحف، والإذاعات في البلاد الإسلامية كافة.
3- يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، بإخطار مخرج هذا الفيلم بهذا القرار جوابًا على طلبه الأخير بإخراج الفيلم وإنذاره بأن الأمانة العامة للرابطة ستتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من يحاول الاعتداء على قدسية وحرمة صاحب الرسالة العظمى ﷺ، وحرمة أصحابه الأكرمين في أية جهة من العالم.
4- يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بوضع رسالة في حرمة إخراج فيلم عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان اللّه عليهم أجمعين تضم ما أجرته الأمانة العامة للرابطة بشأنه في جميع مراحله، وما صدر فيه من قرارات في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والمنظمات الإسلامية الأخرى، وما صدر بشأنه من القرارات والفتاوى في البلاد الإسلامية عامة، ونشر ذلك في البلاد الإسلامية تبصرة وتنويرًا وإرشادًا وتحذيرًا.
5- يشكر المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي على ما قامت به من جهود موفقة في هذا الموضوع الخطير) انتهى.
كما قررت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منع تمثيل الصحابة رضي الله عنهم: والنبي ﷺ من باب أولى وذلك بقرارها رقم (13) وتاريخ 16/4/1393هـ الآتي نصه:
(الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1/4/1393و 17/4/1393هـ قد اطلعت على خطاب المقام السامي رقم 44/93 وتاريخ 1/1/1393هـ الموجه إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والذي جاء فيه ما نصه:
نبعث إليكم مع الرسالة الواردة إلينا من (...) مدير عام شركة (...) بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول اللّه ﷺ نرغب إليكم بعد الاطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء لإبداء رأيهم فيه وإخبارنا بالنتيجة، وبعد اطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي، وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي قررت ما يلي:
1- إن اللّه سبحانه أثنى على الصحابة، وبين منزلتهم العالية ومكانتهم الرفيعة، وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى اللّه عليهم به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها اللّه لهم وأكرمهم بها.
2- إن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعًا للسخرية والاستهزاء، ويتولاه أناس غالبًا ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة والأخلاق الإسلامية مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي، وأنه مهما حصل من التحفظ فسيشتمل على الكذب والغيبة كما يضع تمثيل الصحابة رضوان اللّه عليهم في أنفس الناس وضعًا مزريًا فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول ﷺ، وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم والجدل والمناقشة في أصحاب محمد ﷺ، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول ﷺ ما جاء به الإسلام ولا شك أن هذا منكر، كما يتخذ هدفًا لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﷺ.
3- ما يقال من وجود مصلحة وهي إظهار مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة وضبط السيرة وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ، فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين ورواد التمثيل وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.
4- من القواعد المقررة في الشريعة أن ما كان مفسدة محضة أو راجحة فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه، فمفسدته راجحة، فرعاية للمصلحة وسدًا للذريعة وحفاظًا على كرامة أصحاب محمد ﷺ منع ذلك، وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلامين من أنَّ محمدًا ﷺ وخلفاءه الراشدين هم أرفع من أن يظهروا صورة أو صوتًا في هذا الفيلم، لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير بلال وأمثاله من الصحابة إنَّما كان لضعف مكانتهم، ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم فهذا غير صحيح؛ لأن لكل صحابي فضلًا يخصه، وهم مشتركون جميعًا في فضل الصحبة، وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند اللّه جلَّ وعلا، هذا القدر المشترك بينهم، وهو فضل الصحبة يمنع من الاستهانة بهم.
وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. انتهى.
ولكل ما تقدم وما سوف يفضي إليه الإقدام على هذا الأمر من الاستهانة بالنبي ﷺ وبأصحابه رضي الله عنهم وتعريض سيرته وأعماله وسيرة أصحابه وأعمالهم للتلاعب والامتهان من قبل الممثلين وتجار السينما يتصرفون فيها كيف شاءوا، ويبرزونها على الصفة التي تلائمهم بغية التكسب والاتجار من وراء ذلك، ولما في هذا العمل الخطير من تعريض النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم للاستهانة والسخرية، وجرح مشاعر المسلمين، فإني أكرر استنكاري بشدة لإخراج الفيلم المذكور.
وأطلب من جميع المسلمين في كافة الأقطار استنكارهم لذلك، كما أرجو من جميع الحكومات والمسئولين بذل جهودهم لوقف إخراجه، وفي إبراز سيرته ﷺ وسيرة أصحابه رضي الله عنهم بالطرق التي درج عليها المسلمون من عهده ﷺ إلى يومنا هذا ما يكفي ويشفي ويغني عن إخراج هذا الفيلم.
وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين جميعًا وحكوماتهم لكل ما فيه صلاح المسلمين في العاجل والآجل، ولكل ما فيه تعظيم نبيهم ﷺ التعظيم الشرعي اللائق به وبأصحابه الكرام، والحذر من كل ما يفضي إلى التنقص لهم أو السخرية منهم أو يعرضهم لذلك، إنه جواد كريم.
وصلى اللّه وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
مشروعية الصلاة على النّبي ﷺ بصفة كاملة، وكراهية الإِشارة إليها عند الكتابة بحرف أو أكثر[39]
[39]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (2/396-399).
الحمد للّه، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، أما بعد:
فقد أرسل اللّه رسوله محمدًا ﷺ إلى جميع الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللّه بإذنه وسراجًا منيرًا، أرسله بالهدى والرحمة ودين الحق، وسعادة الدنيا والآخرة لمن آمن به وأحبه واتبع سبيله ﷺ، ولقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في اللّه حق جهاده، فجزاه اللّه عن ذلك خير الجزاء وأحسنه وأكمله.
وطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه من أهم فرائض الإسلام وهي المقصود من رسالته. والشهادة له بالرسالة تقتضي محبته وإتباعه والصلاة عليه في كل مناسبة وعند ذكره. لأن في ذلك أداء لبعض حقه ﷺ وشكرًا لله على نعمته عليه بإرساله ﷺ.
وفي الصلاة عليه ﷺ فوائد كثيرة منها: امتثال أمر اللّه سبحانه وتعالى، والموافقة له في الصلاة عليه ﷺ، والموافقة لملائكته أيضًا في ذلك، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزَاب: 56].
ومنها أيضًا مضاعفة أجر المصلي عليه ورجاء إجابة دعائه وسبب لحصول البركة ودوام محبته ﷺ وزيادتها وتضاعفها وسبب هداية العبد وحياة قلبه، فكلما أكثر الصلاة عليه وذكره استولت محبته على قلبه حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره ولا شك في شيء مما جاء به.
كما أنه صلوات اللّه وسلامه عليه رغب في الصلاة عليه بأحاديث ثبتت عنه، منها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللّه ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا»[40]، وعنه رضي الله عنه أيضًا أن رسول اللّه ﷺ قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِى حَيْثُ كُنْتُمْ»[41] وقال ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَىَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ»[42]. [40]رواه مسلم برقم (408). [41]أخرجه أبو داود برقم (2042)، والإمام أحمد (2/ 316). [42]أخرجه الترمذي برقم (3545) وقال عنه : حديث حسن غريب.
وبما أن الصلاة على النّبيّ ﷺ مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره وفي مواضع أخرى، فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك لما تقدم من الأدلة.
والمشروع أن تكتب كاملة تحقيقًا لما أمرنا اللّه تعالى به، وليتذكرها القارئ عند مروره عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة ﷺ أو (صلعم) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين، لما في ذلك من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿...صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزَاب: 56] مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة (ﷺ) كاملة. وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علما بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه.
فقد قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من كتابه: (الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده) قال ما نصه:
التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك فقد حرم حظًا عظيمًا. وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية. ولا يقتصر فيه على ما في الأصل.
وهكذا الأمر في الثناء على اللّه سبحانه عند ذكر اسمه نحو عز وجل وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك. إلى أن قال: ثم ليتجنب في إثباتها نقصين:
أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة رامزًا إليها بحرفين أو نحو ذلك.
والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى بألاّ يكتب (وسلم).
وروي عن حمزة الكناني رحمه الله أنه كان يقول: كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النّبي ﷺ ولا أكتب (وسلم) فرأيت النَّبِيّ ﷺ في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك صلى اللّه عليه إلا كتبت (وسلم)... إلى أن قال ابن الصلاح: قلت ويكره أيضًا الاقتصار على قوله: (عليه السَّلام) والله أعلم. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله ملخصًا.
وقال العلامة السخاوي رحمه الله في كتابه (فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي) ما نصه: "واجتنب أيها الكاتب (الرمز لها) أي: الصَّلاة والسَّلام على رسول اللّه ﷺ في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة ـ صورة ـ كما يفعله (الكتاني) والجهلة من أبناء العجم غالبًا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلًا من ﷺ أو (صم) أو (صلعم) فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى".
وقال السيوطي رحمه الله في كتابه (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي): "ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره لقوله تعالى: ﴿...صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزَاب: 56] إلى أن قال: ويكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب (صلعم) بل يكتبهما بكمالها" انتهى المقصود من كلامه رحمه الله ملخصًا.
هذا ووصيتي لكل مسلم وقارئ وكاتب أن يلتمس الأفضل ويبحث عما فيه زيادة أجره وثوابه ويبتعد عما يبطله أو ينقصه.
نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لما فيه رضاه، إنه جواد كريم.
وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
القسم الثاني: الغالي في الرسول ﷺ
في حكم الاستغاثة بالنَّبِيّ ﷺ [43]
[43]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (1/151-157).
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد فقد نشرت صحيفة (...) في عددها (15) الصادر 19/4/1390هـ أبياتا تحت عنوان (في ذكرى المولد النبوي الشريف) تتضمن الاستغاثة بالنَّبِيّ ﷺ والاستنصار به لإدراك الأمة ونصرها وتخليصها مما وقعت فيه من التفرق والاختلاف، بإمضاء من سمت نفسها (آمنة)، وهذا نص من الأبيات المشار إليها:
يا رسول اللّه أدرك عالمًا *** يشعل الحرب ويصلى من لظاها
يا رسول الله أدرك أمة *** يشعل الحرب ويصلى من لظاها
يا رسول اللّه أدرك عالمًا *** في ظلام الشك قد طال سراها
يا رسول الله أدرك أمة *** في متاهات الأسى ضاعت رؤاها
يا رسول الله أدرك عالمًا *** في ظلام الشك قد طال سراها
عجل النصر كما عجلته *** يوم بدر حين ناديت الإله
فاستحال الذل نصرًا رائعًا *** إن لله جنودًا لا تراها
إلى أن قالت:
(اللّه أكبر هكذا توجه هذه الكاتبة نداءها واستغاثتها إلى الرسول ﷺ طالبة منه إدراك الأمة بتعجيل النصر، ناسية أو جاهلة أن النّصر بيد اللّه وحده، ليس ذلك بيد النّبيّ ﷺ ولا غيره من المخلوقات، كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿...وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [آل عِمرَان: 126] وقال عز وجل: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِ...﴾ [آل عِمرَان: 160].
وقد علم بالنص والإجماع أن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه، وأرسل الرسل وأنزل الكتب، لبيان تلك العبادة، والدعوة إليها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذّاريَات: 56] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النّحل: 36] وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبيَاء: 25] وقال عز وجل: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ2﴾ [هُود: 1-2].
فأوضح سبحانه في هذه الآيات المحكمات أنه لم يخلق الثقلين إلا ليعبدوه وحده، لا شريك له، وبين أنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للأمر بهذه العبادة والنهي عن ضدها، وأخبر عز وجل أنه أحكم آيات كتابه وفصلها لئلا يعبد غيره سبحانه، والعبادة هي توحيده وطاعته، بامتثال أوامر وترك نواهيه، وقد أمر الله بذلك في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ...﴾ [البَيّنَة: 5] وقوله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ...﴾ [الإسرَاء: 23].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2﴾ ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزُّمَر: 2-3] والآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة للّه وحده وترك عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم، ولا ريب أن الدعاء من أهم أنواع العبادة وأجمعها فوجب إخلاصه لله وحده كما قال عز وجل: ﴿فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ14﴾ [غَافر: 14] وقال عز وجل: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجنّ: 18] وهذا يعم جميع المخلوقات من الأنبياء وغيرهم؛ لأن (أحدًا) نكرة في سياق النهي، فتعم كل من سوى اللّه سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ...﴾ [يُونس: 106] وهذا خطاب للنبي ﷺ، ومعلوم أنَّ الله سبحانه قد عصمه من الشرك، وإنما المراد من ذلك تحذير غيره، ثم قال عز وجل: ﴿...فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [يُونس: 106] فإذا كان سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام لو دعا غير الله يكون من الظالمين، فكيف بغيره، والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر، كما قال سبحانه: ﴿...وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البَقَرَة: 254] وقال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمَان: 13].
فعلم بهذه الآيات وغيرها أن دعاء غير الله من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها، شرك بالله عز وجل ينافي العبادة التي خلق اللّه الثقلين من أجلها، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها، والدعوة إليها وهذا معنى: (لا إله إلا اللّه) فإن معناها: لا معبود بحق إلا اللّه فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها للّه وحده، كما قال اللّه سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ...﴾ [الحَجّ: 62] وهذا هو أصل الدين وأساس الملة، ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ65﴾ [الزُّمَر: 65] وقال سبحانه: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعَام: 88] ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين:
أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده.
الثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه ورسوله ﷺ، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه، فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم، أو دعا الأصنام أو الأشجار، أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات، أو استغاث بهم، أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور، أو صلى لهم، أو سجد لهم، فقد اتخذهم أربابا من دون اللّه، وجعلهم أندادا له سبحانه، وهذا يناقض هذا الأصل، وينافي معنى لا إله إلا اللّه، كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، وقد قال اللّه عز وجل: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا23﴾ [الفُرقان: 23].
وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك باللَّه عز وجل، وهكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله، فإنها تكون يوم القيامة هباء منثورًا، لكونها لم توافق شرعه المطهر، كما قال النّبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق على صحته[44]، وهذه الكاتبة قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول ﷺ، وأعرضت عن رب العالمين، الذي بيده النصر والضر والنفع، وليس بيد غيره شيء من ذلك، ولا شك أن هذا ظلم عظيم وخيم، وقد أمر الله عز وجل بدعائه سبحانه، ووعد من يدعوه بالاستجابة، وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم، كما قال عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ60﴾ [غَافر: 60] أي صاغرين ذليلين، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة، وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن دعاء الله، فكيف تكون حال من دعا غيره، وأعرض عنه، وهو سبحانه القريب المالك لكل شيء والقادر على كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ186﴾ [البَقَرَة: 186] وقد أخبر الرسول ﷺ في الحديث الصحيح أن: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»[45]، وقال لابن عمه عبداللّه بن عباس رضي الله عنهما: «يَا غُلَامُ إِنِّى أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»[46] أخرجه الترمذي وغيره. [44]أخرجه البخاري برقم (2550)، ومسلم برقم (1718). [45]أخرجه أبو داود برقم (1479). [46]أخرجه الترمذي برقم (2516).
وقال ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ»[47] رواه البخاري، وفي الصحيحين عن النَّبِيّ ﷺ أنه سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ»[48] والند: هو النظير والمثيل فكل من دعا غير الله، أو استغاث به أو نذر له، أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة سوى ما تقدم، فقد اتخذه ندًا، سواء كان نبيًا أو وليًا، أو ملكًا أو جنيًّا، أو صنمًا أو غير ذلك من المخلوقات. [47]أخرجه البخاري برقم (4227). [48]أخرجه البخاري برقم (7082)، ومسلم برقم (86).
أمَّا سؤال الحي الحاضر بما يقدر عليه، والاستعانة به في الأمور الحسية، التي يقدر عليها فليس ذلك من الشرك، بل من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿...فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِ...﴾ [القَصَص: 15] وكما قال تعالى في قصة موسى أيضًا: ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ...﴾ [القَصَص: 21] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب، وغيرها من الأمور التي تعرض للناس، ويحتاجون فيها إلى بعضهم ببعض.
وقد أمر اللّه نبيه ﷺ أن يخبر أمته أنه لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا، فقال في سورة الجن: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا20 قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا21﴾ [الجنّ: 20-21] وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ9 وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ10﴾ [الأنفَال: 9-10] فذكّرهم سبحانه في هذه الآيات استغاثتهم، وأخبر أنه استجاب لهم بإمدادهم بالملائكة، ثم بين سبحانه أن النصر ليس من الملائكة، إنما أمدهم بهم، للتبشير بالنصر، والطمأنينة.
وبين أن النصر من عنده فقال: ﴿...وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ...﴾ [آل عِمرَان: 126] وقال عز وجل في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ123﴾ [آل عِمرَان: 123] فبين في هذه الآية: أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر، فعلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة، وما أمدهم به من الملائكة، كل ذلك من أسباب النصر، والتبشير والطمأنينة، وليس النصر منها، بل هو من عند اللّه وحده، فكيف يجوز لهذه الكاتبة أو غيرها أن توجه استغاثتها وطلبها النصر إلى النبي ﷺ وتعرض عن ربِّ العالمين، المالك لكل شيء والقادر على كل شيء؟!
لا شك أن هذا من أقبح الجهل؛ بل من أعظم الشرك فالواجب على الكاتبة أن تتوب إلى اللّه سبحانه توبة نصوحًا، وذلك بالندم على ما وقع منها، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، تعظيمًا للّه وإخلاصًا له، وامتثالًا لأمره وحذرًا مما نهى عنه، هذه هي التوبة النصوح، وإذا كانت من حق المخلوقين وجب في التوبة أمر رابع، وهو رد الحق إلى مستحقه، أو تحلله منه، وقد أمر اللّه عباده بالتوبة، ووعدهم قبولها كما قال تعالى: ﴿...وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النُّور: 31]، وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ74﴾ [المَائدة: 74] وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا70﴾ [الفُرقان: 68-70] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ25﴾ [الشّورى: 25].
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا»[49] ولعظم خطر الشرك، وكونه أعظم الذنوب، وخشية الاغترار بما صدر من هذه الكاتبة، ولوجوب النصح لله ولعباده، حررت هذه الكلمة الموجزة. [49]أخرجه مسلم برقم (1763).
وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعًا، وأن يمنّ علينا جميعًا بالفقه في الدين، والثبات عليه، وأن يعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الخشوع لا يصرف للرسول عليه الصلاة والسلام [50]
[50]رواه مسلم بمعناه برقم (121) ولفظه: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».
الحمد للّه وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فقد نشرت صحيفة المدينة في ملحقها الأسبوعي العدد 11869 في10/5/1416هـ ص (22) قصيدة بعنوان ـ أتيت أزف أشعاري ـ لمن سمى نفسه (...) نسأل الله لنا وله الهداية. وقد قال في هذه القصيدة:
حبيبي رسول اللّه جئتك خاشعًا *** خفيفًا بأشواقي ثقيلًا بأوزاري
حبيبي رسول اللّه هل من شفاعة *** وهل يا حبيب الله تقبل أعذاري
ولا يخفى على كل ذي بصيرة ما في قوله: "جئتك خاشعًا": من صرف الخشوع إلى رسول اللّه ﷺ.
وفي قوله: "ثقيلًا بأوزاري": ما يدل على طلبه تخفيف الأوزار من رسول اللّه ﷺ.
وفي قوله: "حبيبي رسول اللّه هل من شفاعة": طلب الشفاعة من رسول اللّه ﷺ بعد وفاته.
وفي قوله: "وهل يا حبيب الله تقبل أعذاري": الطلب من الرسول ﷺ أن يقبل أعذاره.
ومن تأمل هذين البيتين من أهل العلم والبصيرة علم أن نشرهما وأمثالهما غير جائز لما اشتملا عليه من الشرك، ومخالفة العقيدة الإسلامية من صرف الخشوع للرسول ﷺ وطلب تخفيف الأوزار منه وطلب الشفاعة منه بعد موته، وقبول الأعذار، وذلك كله مما يجب طلبه من اللّه سبحانه.
كما أنَّ الواجب الخشوع له سبحانه، كما قال عز وجل عن الرسل وأتباعهم: ﴿...إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبيَاء: 90]، وقال سبحانه: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ...﴾ [الزُّمَر: 44]، وقال سبحانه: ﴿...فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجنّ: 18] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على كل من ينوبه حاجة أو ضائقة أن يرفع شكواه إلى الله عز وجل لا إلى الأنبياء ولا غيرهم من سائر المخلوقات من الأموات والأصنام والكواكب والجن وغيرهم من سائر الخلق لأن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع وكشف الكروب وإجابة المضطر.
ولا مانع من استعانة المخلوق بالمخلوق الحي الحاضر القادر فيما يستطيع مشافهة أو مكالمة أو مكاتبة أو نحو ذلك كما قال اللّه سبحانه في قصة موسى: ﴿...فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِ...﴾ [القَصَص: 15] الآية من سورة القصص.
أمَّا الأموات من الأنبياء وغيرهم، وهكذا الجمادات من الأصنام والأشجار وغيرها وهكذا الغائبون من الملائكة والجن وغيرهم، فلا تجوز الاستعانة بهم ولا الشكوى إليهم لأن الميت انقطع عمله إلا من ثلاث كما جاء بذلك الحديث عن نبيّنا محمد عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه قال: «إِذَا مَاتَ الإِْنْسَان اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَة جَارِيَة، أَوْ عِلْم يُنْتَفَع بِهِ، أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ»[51] رواه مسلم. [51]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة رقم (9/164-167).
ومعلوم أن نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أفضل الخلق وأشرفهم أحياء وأمواتًا، ومع ذلك فلا يجوز عبادته لا في حياته ولا بعد وفاته لأن العبادة تختص بالله وحده دون غيره، كما أمر اللّه تعالى بذلك في كثير من آيات القرآن الكريم.
ومنها قوله تعالى: ﴿...فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزُّمَر: 2] ونهى عن دعاء غيره كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجنّ: 18] وقال عز وجل: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ...﴾ [البَيّنَة: 5]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»[52] وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول اللّه أي الذنب أعظم قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ»[53] الحديث، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. [52]رواه مسلم برقم (1631)، الترمذي برقم (1376). [53]رواه البخاري برقم (2701)، ومسلم برقم (30).
فالواجب على الكاتب أن يتوب إلى اللّه سبحانه مما صدر منه وأن يحذر الشرك دقيقه وجليله، كما أن الواجب على جميع المسلمين الحذر من الشرك باللّه عز وجل ووسائله والتواصي بتركه مع بيانه للناس والتحذير منه.
كما أنه يجب على جميع القائمين على الصحف والمسؤولين عن الإعلام من أهل الإسلام ألا ينشروا ما يخالف شرع اللّه عز وجل، وأن يتحروا فيما ينشرونه ما ينفع الأمة ولا يضرهم في دينهم ولا دنياهم وأعظم ذلك خطرًا ما يوقع في الشرك وأنواع الكفر، أصلح اللّه أحوال المسلمين ووفقهم وجميع القائمين على وسائل الإعلام للفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح العباد ونجاتهم وسلامة أمر دينهم ودنياهم إنه جواد كريم.
وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان
مسألة في التحذير من الغلو[54]
[54]سبق تخريجه في صفحة (74).
سؤال: ما رأيكم في الغلو في النَّبِيّ ﷺ حيث يقول بعضهم: إنه الأول والآخر والظاهر والباطن، فما رأيكم في مثل هذا الاعتقاد فيه ﷺ؟
الجواب: الأول والآخر والظاهر والباطن هو اللّه عز وجل، يقول سبحانه في سورة الحديد: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ3﴾ [الحَديد: 3].
وقال النبي ﷺ في دعائه: «اللَّهُمَّ أَنتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَاغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ»[55]. [55]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (28/323-324).
فمن قال: إن النَّبِيّ ﷺ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، فهو كافر؛ لكونه وصف النبي ﷺ بأسماء أربعة مختصة باللّه عز وجل لا يستحقها غيره.
وهذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول، الأول والظاهر هو اللّه وحده سبحانه، وهو الذي قبل كل شيء وبعد كل شيء سبحانه وتعالى.
وهو الظاهر فوق جميع خلقه، والباقي بعدهم، والذي يعلم أحوالهم، والرسول ﷺ لا يعلم إلا ما علمه اللّه، وقد توفي عليه الصَّلاة والسَّلام، ووجد بعد أن كان معدومًا، وجد في مكة بين أمّه آمنة وأبيه عبداللّه، وكان عدما قبل ذلك، ثم وجد من ماء مهين، كغيره من البشر كذلك، فالذي يقول: أنه الأول والآخر والظاهر والباطن، فهو ضال ومرتد إن كان مسلمًا.
حياة الرسول ﷺ في قبره[56]
[56]أخرجه مسلم برقم (2713).
سؤال: هل الرسول ﷺ حي في قبره أم لا؟ وهل يعلم في قبره بأمور الدنيا؟ وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟
الجواب: قد صرح الكثيرون من أهل السنة بأنّ النَّبِيّ ﷺ حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا اللّه سبحانه، وليست من جنس حياة أهل الدنيا بل هي نوع آخر يحصل بها له ﷺ الإحساس بالنعيم ويسمع بها سلام المسلم عليه عندما يرد اللّه عليه روحه ذلك الوقت.
كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبِيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[57]. [57]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (2/386-388).
وخرج البزار بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِى عَنْ أُمَّتِى السَّلَامَ»[58] وأخرج أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: «لَا تَجعَلُوا قَبْري عِيدًا، ولَا بُيُوتكُمْ قُبُورًا، وَصَلُوا عَلَي فَإنَّ صَلاتَكُمْ تَبلُغُني حَيْثُ كُنْتُم»[59]، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. [58]رواه أبو داود برقم (2041). [59]النسائي برقم (1282).
وهذه الحياة البرزخية أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله عنها سبحانه بقوله: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ169﴾ [آل عِمرَان: 169] وفي قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ154﴾ [البَقَرَة: 154]، فروحه عليه الصَّلاة والسَّلام في أعلى عليين عند ربه عز وجل، وهو أفضل من الشهداء فيكون له من الحياة البرزخية أكمل من الذي لهم، ولكن لا يلزم من هذه الحياة أنه يعلم الغيب أو يعلم أمور أهل الدنيا بل ذلك قد انقطع بالموت لقوله ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدمَ انْقَطَعَ عَمَلُه إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيةٍ أَو عِلْمٍ ينتَفَعُ بِهِ أوْ وِلدٍ صَالحٍ يَدْعُو لَهُ»[60] أخرجه مسلم في صحيحه. [60]رواه أبو داود برقم (2042) ولفظه: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيدًا وَصَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِى حَيْثُ كُنْتُمْ».
وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «يُذَادُ رِجَالٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ حَوْضِي»[61]، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿...وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المَائدة: 117] متفق على صحته، والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهو ﷺ لا يعلم الغيب في حياته، فكيف يعلمه بعد مماته. [61]سبق تخريجه في صفحة (83).
وقد قال اللّه سبحانه: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ65﴾ [النَّمل: 65] وقال عز وجل آمرًا نبيه أن يبلغ الناس: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ50﴾ [الأنعَام: 50] وقال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ188﴾ [الأعرَاف: 188]، والآيات الدالة على أنّه ﷺ لا يعلم الغيب كثيرة وهكذا غيره من النّاس من باب أولى، ومن ادعى أنه يعلم الغيب فقد أعظم على اللّه الفرية.
كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولما قذف بعض النّاس زوجته عائشة رضي الله عنها في بعض غزواته وأشاع ذلك بعض المنافقين ومن قلدهم لم يعلم النبي براءتها حتى نزل القرآن بذلك، ولو كان يعلم الغيب لقال لها وللنَّاس أنها بريئة ولم ينتظر نزول الوحي في ذلك، وهكذا لما ضاع عقدها في بعض أسفاره بعث أصحابه يلتمسونه فلم يجدوه ولم يعلم النّبِيّ ﷺ مكانه حتى أقاموا البعير الذي كانت تحمل عليه فلما أقاموه وجدوه تحته.
والأحاديث في ذلك كثيرة وفيما ذكرت إن شاء الله كفاية.
حكم طلب المدد من الرسول ﷺ[62]
[62]رواه البخاري برقم (2238)، ومسلم برقم (249).
سؤال: نسمع أقوامًا ينادون مدد يا رسول اللّه، أو مدد يا نبي، فما الحكم في ذلك؟
الجواب: هذا الكلام من الشرك الأكبر، ومعناه طلب الغوث من النَّبِيّ ﷺ وقد أجمع العلماء من أصحاب النبي ﷺ رضي الله عنهم وأتباعهم من علماء السنَّة على أن الاستغاثة بالأموات من الأنبياء وغيرهم، أو الغائبين من الملائكة أو الجن وغيرهم، أو بالأصنام والأحجار والأشجار أو بالكواكب ونحوها من الشرك الأكبر.
لقول اللَّه عز وجل: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجنّ: 18]، وقوله سبحانه: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ13 إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ14﴾ [فَاطِر: 13-14]، وقول اللَّه عز وجل: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ117﴾ [المؤمنون: 117]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهذا العمل هو دين المشركين الأولين من كفار قريش وغيرهم، وقد بعث اللّه الرسل جميعًا عليهم الصَّلاة والسَّلام وأنزل الكتب بإنكاره والتحذير منه، كما قال اللّه سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النّحل: 36]، وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبيَاء: 25]، وقال عز وجل: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ2﴾ [هُود: 1-2] وقال سبحانه: ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ1 إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2 أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزُّمَر: 1-3].
فأوضح سبحانه في هذه الآيات أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له بأنواع العبادة من الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء والصلاة والصوم والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة، وأخبر أن المشركين من قريش وغيرهم يقولون للرسل ولغيرهم من دعاة الحق ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ﴾ يعنون الأولياء ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ والمعنى أنهم عبدوهم ليقربوهم إلى اللّه زلفى ويشفعوا لهم، لا لأنهم يخلقون ويرزقون ويتصرفون في الكون، فأكذبهم الله وكفرهم بذلك.
فقال سبحانه: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزُّمَر: 3] فبيّن سبحانه أنهم كذبة في قولهم إن الأولياء المعبودين من دون الله يقربونهم إلى اللّه زلفى، وحكم عليهم أنهم كفار بذلك، فقال سبحانه: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ وبيّن سبحانه في آية أخرى من سورة يونس أنهم يقولون في معبوديهم من دون اللّه إنهم شفعاء عند اللّه.
وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ18﴾ [يُونس: 18]، فأكذبهم سبحانه فقال: ﴿...قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [يُونس: 18].
وبين عز وجل في سورة الذاريات أنه خلق الثقلين الجن والإنس ليعبدوه وحده دون كل ما سواه، فقال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذّاريَات: 56].
فالواجب على جميع الجن والإنس أن يعبدوا اللّه وحده وأن يخلصوا له العبادة، وأن يحذروا عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم، لا بطلب المدد ولا بغير ذلك من أنواع العبادة، عملًا بالآيات المذكورات وما جاء في معناها، وعملًا بما ثبت عنه ﷺ وعن غيره من الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام أنهم دعوا النَّاس إلى توحيد اللّه وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه، ونهوهم عن الشرك به وعبادة غيره، وهذا هو أصل دين الإسلام الذي بعث اللّه به الرسل وأنزل به الكتب وخلق من أجله الثقلين، فمن استغاث بالأنبياء أو غيرهم، أو طلب منهم المدد أو تقرب إليهم بشيء من العبادة، فقد أشرك بالله وعبد معه سواه، ودخل في قوله تعالى: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعَام: 88]، وفي قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ65﴾ [الزُّمَر: 65] وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ...﴾ [النِّسَاء: 48]، وقوله سبحانه: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [المَائدة: 72]، ولا يستثنى من هذه الأدلة إلا من لم تبلغه الدعوة ممّن كان بعيدًا عن بلاد المسلمين، فلم يبلغه القرآن ولا السنة، فهذا أمره إلى اللّه سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم في شأنه أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع الأمر دخل الجنة، وإن عصى دخل النّار، وهكذا أولاد المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ، فإن الصحيح فيهم قولان:
أحدهما: أنهم يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، لقول النَّبِيّ ﷺ لما سئل عنهم: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»[63] متفق على صحته. فإذا امتحنوا يوم القيامة ظهر علم الله فيهم. [63]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (7/420-424).
والقول الثاني: أنهم من أهل الجنَّة؛ لأنهم ماتوا على الفطرة قبل التكليف، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»[64] وفي رواية: «عَلَى الْمِلَّةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمجسانِهِ»[65]، وثبت عنه ﷺ أنه رأى إبراهيم الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام في روضة من رياض الجنَّة وعنده أطفال المسلمين وأطفال المشركين. [64]رواه البخاري برقم (1318)، ومسلم برقم (2658). [65]رواه البخاري برقم (1292).
وهذا القول هو أصح الأقوال في أطفال المشركين للأدلة المذكورة، ولقوله سبحانه: ﴿...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا﴾ [الإسرَاء: 15] ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في [الفتح] (ج3 ص347) في شرح باب: ما قيل في أولاد المشركين من كتاب الجنائز: إن هذا القول هو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، انتهى المقصود.
ويستثنى من ذلك أيضًا دعاء الحي الحاضر، فيما يقدر عليه، فإن ذلك ليس من الشرك لقول اللّه عز وجل في قصة موسى مع القبطي: ﴿...فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِ...﴾ [القَصَص: 15] ولأن كل إنسان يحتاج إلى إعانة إخوانه فيما يحتاج إليه في الجهاد وفي غيره مما يقدرون عليه، فليس ذلك من الشرك، بل ذلك من الأمور المباحة، وقد يكون ذلك التعاون مسنونًا، وقد يكون واجبًا على حسب الأدلة الشرعية.
والله ولي التوفيق.
حكم التوسل بذات النَّبِيّ ﷺ[66]
[66]مسند الإمام أحمد (2/253).
سؤال: نحن مجموعة من المغتربين في الخارج ويصلي بنا صلاة التراويح أحيانًا أحد الإخوة، وعند دعاء القنوت يذكر بعض الألفاظ والجمل مثل: (إننا نتوسل بصاحب الوسيلة والشفاعة سيدنا محمد ﷺ)، فما حكم هذا العمل؟ جزاكم اللّه خيرًا.
الجواب: لا يجوز التوسل بذات النَّبِيّ ﷺ ولا غيره من الأنبياء والصالحين، ولا يجوز أيضًا التوسل بجاهه ولا بغيره لأن ذلك بدعة لم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم.
وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[67] متفق على صحته، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدٌّ»[68] أخرجه مسلم في صحيحه. [67]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (9/331 ـ 333). [68]رواه البخاري برقم (2550)، ومسلم برقم (1718) واللفظ متفق عليه.
وإنما المشروع للمسلمين التوسل بمحبته ﷺ والإيمان به واتباع شريعته في حياته وبعد وفاته ﷺ لقول اللّه عز وجل: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ...﴾ [آل عِمرَان: 31] وقوله جلَّ وعلا: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّا...﴾ [آل عِمرَان: 193].
ولما ثبت في الصحيحين عن النَّبِيّ ﷺ في قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين توسل أحدهم: إلى اللّه ببر والديه، والثاني: بالعفة عن الزنا بعد القدرة عليه، والثالث: بأداء الأمانة.
فأجاب اللّه دعاءهم، وفرج كربتهم، وهكذا التوسل بدعائه ﷺ في حياته ويوم القيامة وذلك بأن يطلب منه المسلم أن يدعو له كما ثبت في الحديث الصحيح عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر يوم الاستسقاء: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»[69] فيسقون وهذا توسل من الصحابة بدعاء النَّبِيّ لهم في حياته، فلما توفي عليه الصَّلاة والسَّلام تركوا ذلك لعلمهم بأنه لا يجوز واستسقوا بدعاء العباس لأنه حيّ حاضر يدعو لهم ويؤمنون على دعائه. [69]رواه مسلم برقم (1718).
وهكذا يوم القيامة يفزع المؤمنون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى، فكلهم يعتذرون، فيقول لهم عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام: اذهبوا إلى محمد عبد قد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونه عليه الصَّلاة والسَّلام فيسألونه أن يشفع لهم إلى اللّه حتى يريحهم من كرب الموقف، فيتقدم عليه الصَّلاة والسَّلام إلى ربه، ويسجد بين يديه، فيقول الله سبحانه له: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ»[70] فيرفع رأسه ويشفع عليه الصَّلاة والسَّلام. [70]رواه البخاري برقم (964).
والأحاديث في هذا المعنى ثابتة ومتواترة وهكذا يشرع التوسل بأسماء اللّه تعالى وصفاته، لقول اللّه عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ...﴾ [الأعرَاف: 180].
واللّه ولي التوفيق.
لم يمد الرسول ﷺ يده لأحد من قبره[71]
[71]رواه البخاري برقم (7072) واللفظ له، ورواه مسلم برقم (193).
سؤال: ما القول الحق فيما يروى عن أحد أئمة الصوفية المعروفين وهو (السيد أحمد الرفاعي). من أنه زار مسجد المصطفى ﷺ بالمدينة ودعا عند القبر فمد الرسول يده الشريفة له وقبلها، وهذا مستفيض عند أتباع طريقته وفي حكم الجزم عندهم مع أنه عاش في القرن السادس الهجري فما مدى صحة ذلك؟
الجواب: هذا أمر باطل ولا أساس له من الصحة، لأنه ﷺ قد توفي الموتة التي كتبها اللّه عليه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ30﴾ [الزُّمَر: 30]، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام في الحديث الصحيح: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِى الأَرْضِ يُبَلِّغُونِى مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»[72]، وقال ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[73]، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِنَّ خِيْر أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ»[74] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَعْرِضُ عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمَتْ؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ»[75] والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. [72]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (9/310-311). [73]سبق تخريجه في صفحة (88). [74]رواه أبو داود برقم (2041)، ومسند الإمام أحمد (2/527). [75]رواه أبو داود برقم (1085).
ولم يقل في شيء منها أنه يصافح أحدًا، فدل ذلك على بطلان هذه الحكاية، ولو فرضنا صحة ذلك فإن ذلك يحمل على أنه شيطان صافحه ليلبس عليه أمره، ويفتنه ومن بعد.
فالواجب على جميع المسلمين أن يتقوا اللّه وأن يتمسكوا بشرعه الذي دل عليه كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين، وأن يحذروا ما يخالف ذلك أصلح الله أحوال المسلمين ومنحهم الفقه في دينه والتمسك بشريعته إنه جواد كريم.
هل يحل للمسلمين أن يحتفلوا بالمولد النبوي[76]؟
[76]وأبو داود برقم (1047).
سؤال: هل يحل للمسلمين أن يحتفلوا في المسجد ليتذكروا السيرة النبوية الشريفة في ليلة 12 ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي الشريف بدون أن يعطلوا نهاره كالعيد؟ واختلفنا فيه، قيل بدعة حسنة، وقيل بدعة غير حسنة؟
الجواب: ليس للمسلمين أن يقيموا احتفالًا بمولد النبي ﷺ في ليلة 12 ربيع الأول ولا في غيرها، كما أنه ليس لهم أن يقيموا أيّ احتفال بمولد غيره عليه الصلاة والسلام. لأن الاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين؛ لأنّ النّبي ﷺ لم يحتفل بمولده في حياته ﷺ وهو المبلغ للدين والمشرع للشرائع عن ربه سبحانه ولا أمر بذلك ولم يفعله خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه جميعًا ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة.
فعلم أنه بدعة وقد قال ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[77] متفق على صحته، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري جازمًا بها: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدٌّ»[78]، والاحتفال بالموالد ليس عليه أمر النَّبِيّ ﷺ بل هو مما أحدثه النَّاس في دينه في القرون المتأخرة فيكون مردودًا. [77]مجموع فتاوى مقالات متنوعة رقم (4/289). [78]سبق تخريجه في صفحة (73).
وكان عليه الصَّلاة والسَّلام يقول في خطبته يوم الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[79] رواه مسلم في صحيحه وأخرجه النسائي بإسناد جيد وزاد: «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِى النَّارِ»[80]، ويغني عن الاحتفال بمولده تدريس الأخبار المتعلقة بالمولد ضمن الدروس التي تتعلق بسيرته عليه الصَّلاة والسَّلام وتاريخ حياته في الجاهلية والإسلام في المدارس والمساجد وغير ذلك، من غير حاجة إلى إحداث احتفال لم يشرعه اللّه ولا رسوله ﷺ ولم يقم عليه دليل شرعي. [79]سبق تخريجه في صفحة (34). [80]رواه مسلم برقم (867).
واللّه المستعان، ونسأل اللّه لجميع المسلمين الهداية والتوفيق للاكتفاء بالسنة والحذر من البدعة.
Related books
All books
Mesagerul Islamului - Mohammed (Pacea și binecuvântarea lui Allah fie asupra sa)74 limbiMesagerul Islamului - Mohammed (Pacea și binecuvântarea lui Allah fie asupra sa)
Cartea „Mesagerul Islamului - Mohammed (Pacea și binecuvântarea lui Allah fie asupra sa)” prezintă viața Profetului Mohammed (Pacea și binecuvântarea lui Allah fie asupra sa), de la descendența și copilăria sa, până la căsătoria sa binecuvântată și începutul Revelației și al misiunii sale finale. În ea sunt prezentate semnele misiunii sale profetice și dovezile veridicității ei, este explicată Legea Divină pe care a adus-o și rolul acesteia în protejarea drepturilor și demnității umane. De asemenea, ea evidențiază atitudinile inamicilor săi și mărturiile acestora în favoarea Profetului…
Scurt ghid pentru noul musulman32 limbiScurt ghid pentru noul musulman
Autor Mohammed Aș-Șahri Mohammed Aș-Șahri În Numele lui Allah, Cel Milostiv, Îndurător Introducere
Pomeniri de dimineață și seară57 limbiPomeniri de dimineață și seară
În Numele lui Allah Cel Milostiv, Îndurător Allah! Nu există altă divinitate în afară de El, Al-Hayy [Cel Viu], Al-Qayum [Veșnicul]! Nici aţipirea, nici somnul nu-L cuprind! Ale Lui sunt cele din Ceruri şi de pe Pământ! Cine este acela care ar putea mijloci la El fără de îngăduinţa Lui? El le ştie pe cele de dinaintea lor şi pe cele după ei . Şi ei nu pricep nimic din ştiinţa Sa în afară de ceea ce El voieşte. Scaunul Lui se întinde peste Ceruri şi peste Pământ şi păzirea lor nu-I este grea. El este Al-Aliy [Preaînaltul], Al-Azim [Mărețul]! Versetul Al Kursi, Coran 2:255 Mesagerul a crezut în…
Islamul: Religia tuturor Profeților85 limbiIslamul: Religia tuturor Profeților
Islamul este supunerea față de Allah, Creatorul și Orânduitorul Universului, și ascultarea Sa prin iubire și preamărire. Baza Islamului este credința în Allah ca fiind Creatorul și că orice altceva în afara Lui este creația Sa, fiind creat de El. Allah este Unicul demn de a fi adorat, fără a Îi face niciun asociat în adorarea Sa; și nimeni nu este adorat întru dreptate în afară de El. Ale Lui sunt cele mai frumoase Nume și cele mai înalte Atribute, și Lui îi aparține Perfecțiunea absolută, fără niciun deficit. El nu naște, și nu este născut, și nu are pe nimeni egal sau asemenea Lui. El nu…