عقيدة التوحيد
عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ وَبَيَانُ مَا يُضَادُّهَا أَوْ يَنْقُصُهَا مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ وَالتَّعْطِيلِ وَالبِدَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
These files are generated automatically from the book's text; their layout may differ from the printed edition.
عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ وَبَيَانُ مَا يُضَادُّهَا أَوْ يَنْقُصُهَا مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ وَالتَّعْطِيلِ وَالبِدَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
تَأْلِيفُ مَعَالِي الشَّيْخِ
صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد:
فهذا كتاب في علم التوحيد، وقد راعيت فيه الاختصار مع سهولة العبارة، وقد اقتبسته من مصادر كثيرة من كتب أئمتنا الأعلام، ولا سيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب العلامة ابن القيم، وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه من أئمة هذه الدعوة المباركة، ومما لا شك فيه أن علم العقيدة الإسلامية هو العلم الأساسي الذي تجدر العناية به تعلمًا وتعليمًا وعملًا بموجبه؛ لتكون الأعمال صحيحة مقبولة عند الله نافعة للعاملين، وخصوصًا وأننا في زمان كثرت فيه التيارات المنحرفة؛ تيار الإلحاد، وتيار التصوف والرهبنة، وتيار القبورية الوثنية، وتيار البدع المخالفة للهدي النبوي، وكلها تيارات خطيرة ما لم يكن المسلم مسلحًا بسلاح العقيدة الصحيحة المرتكزة على الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، فإنه حري أن تجرفه تلك التيارات المضلة؛ وهذا مما يستدعي العناية التامة بتعليم العقيدة الصحيحة لأبناء المسلمين من مصادرها الأصيلة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الباب الأول: مدخل لدراسة العقيدة
ويتكون من الفصول التالية:
الفصل الأوَّلُ: معنى العقيدة، وبيان أهميتها؛ باعتبارها أساسًا يقوم عليه بناء الدين.
الفصل الثَّاني: مصادر العقيدة الصحيحة، ومنهج السَّلف في تلقيها.
الفصل الثالثُ: الانحرافُ عن العقيدة، وسُبلُ التّوقِّي منه.
الفصل الأول: في بيان العقيدة وبيان أهميتها باعتبارها أساسًا يقوم عليه بناء الدين
العقيدة لغة:
مأخوذة من العقد وهو ربط الشيء، واعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير. والعقيدة: ما يدين به الإنسان، يقال: له عقيدة حسنة، أي: سالمةٌ من الشك. والعقيدةُ عمل قلبي، وهي إيمانُ القلب بالشيء وتصديقه به.
والعقيدةُ شرعًا:
هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وتُسمَّى هذه أركانُ الإيمان.
والشريعة تنقسم إلى قسمين: اعتقاديات وعمليات:
فالاعتقاديات: هي التي لا تتعلق بكيفية العمل، مثل اعتقاد ربوبية الله ووجوب عبادته، واعتقاد بقية أركان الإيمان المذكورة، وتُسمَّى أصلية.
والعمليات: هي ما يتعلق بكيفية العمل مثل الصلاة والزكاة والصوم وسائر الأحكام العملية، وتسمى فرعية؛ لأنها تبنى على تلك صحة وفسادًا[1]. [1] شرح العقيدة السفارينية (1/4).
فالعقيدةُ الصحيحةُ هي الأساسُ الذي يقوم عليه الدين وتَصحُّ معه الأعمال، كما قال تعالى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ65﴾ [الزمر: 65].
وقال تعالى: ﴿...فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2 أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ...﴾ [الزمر: 2-3].
فدلّت هذه الآيات الكريمة، وما جاء بمعناها، وهو كثير، على أن الأعمال لا تُقبلُ إلا إذا كانت خالصة من الشرك، ومن ثَمَّ كان اهتمام الرسل -صلواتُ الله وسلامه عليهم- بإصلاح العقيدة أولًا، فأول ما يدعون أقوامهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النحل: 36].
وكلُّ رسول يقول أول ما يخاطب قومه: ﴿...ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ...﴾ [الأعراف: 59، 65، 73، 85]. قالها نوح وهود وصالح وشعيب، وسائر الأنبياء لقومهم.
وقد بقي النبي ﷺ في مكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى التوحيد، وإصلاح العقيدة؛ لأنها الأساسُ الذي يقوم عليه بناءُ الدين. وقد احتذى الدعاة والمصلحون في كل زمان حذو الأنبياء والمرسلين، فكانوا يبدءون بالدعوة إلى التوحيد، وإصلاح العقيدة، ثم يتجهون بعد ذلك إلى الأمر ببقية أوامر الدين.
الفصل الثاني: في بيان مصادر العقيدة ومنهج السلف في تلقيها
العقيدة توقيفية؛ فلا تثبت إلا بدليل من الشارع، ولا مسرح فيها للرأي والاجتهاد، ومن ثَمَّ فإن مصادرها مقصورة على ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأنه لا أحد أعلمُ بالله وما يجب له وما ينزه عنه من الله، ولا أحد بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله ﷺ، ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقِّي العقيدة مقصورًا على الكتاب والسنة.
فما دلّ عليه الكتاب والسنة في حق الله تعالى آمنوا به، واعتقدوه وعملوا به. وما لم يدل عليه كتاب الله ولا سنة رسوله نفَوْهُ عن الله تعالى ورفضوه؛ ولهذا لم يحصل بينهم اختلاف في الاعتقاد، بل كانت عقيدتهم واحدة، وكانت جماعتهم واحدة؛ لأن الله تكفّل لمن تمسك بكتابه وسنة رسوله باجتماع الكلمة، والصواب في المعتقد واتحاد المنهج، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ...﴾ [آل عمران: 103].
وقال تعالى: ﴿...فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ [طه: 123].
ولذلك سُمُّوا بالفرقة الناجية؛ لأن النبي ﷺ شهد لهم بالنجاة حين أخبر بافتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ولما سئل عن هذه الواحدة قال: «هِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصْحَابِي»[2]. [2] أخرجه الترمذي في جامعه (5/26): 38 ـ كتاب الإيمان، 18 ـ باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، (رقم: 2646)؛ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، بلفظ: (ما أنا عليه وأصحابي)، وقال: «هذا حديث مفسَّر، حسنٌ غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه».
وقد وقع مصداق ما أخبر به ﷺ، فعندما بنى بعض الناس عقيدتهم على غير الكتاب والسنة، من علم الكلام، وقواعد المنطق الموروثَيْن عن فلاسفة اليونان؛ حصل الانحرافُ والتفرق في الاعتقاد مما نتج عنه اختلافُ الكلمة، وتفرُّقُ الجماعة، وتصدع بناء المجتمع الإسلامي.
الفصل الثالث: في بيان الانحرافِ عن العقيدة وسبل التوقي منه
الانحراف عن العقيدة الصحيحة مهلكة وضياع؛ لأن العقيدة الصحيحة هي الدافع القوي إلى العمل النافع، والفرد بلا عقيدة صحيحة، يكون فريسة للأوهام والشكوك التي ربما تتراكم عليه، فتحجب عنه الرؤية الصحيحة لدروب الحياة السعيدة؛ حتى تضيق عليه حياته ثم يحاول التخلص من هذا الضيق بإنهاء حياته ولو بالانتحار، كما هو الواقع من كثير من الأفراد الذين فقدوا هداية العقيدة الصحيحة. والمجتمع الذي لا تسوده عقيدة صحيحة هو مجتمع بهيمي يفقد كل مقومات الحياة السعيدة؛ وإن كان يملك الكثير من مقومات الحياة المادية التي كثيرًا ما تقوده إلى الدمار، كما هو مشاهد في المجتمعات الكافرة؛ لأن هذه المقومات المادية تحتاج إلى توجيه وترشيد؛ للاستفادة من خصائصها ومنافعها، ولا موجه لها سوى العقيدة الصحيحة؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ51﴾ [المؤمنون: 51].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ10 أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ11 وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ12 يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ13﴾ [سبأ: 10-13].
فقوة العقيدة يجب ألا تنفك عن القوة المادية؛ فإن انفكت عنها بالانحراف إلى العقائد الباطلة، صارت القوة المادية وسيلة دمار وانحدار؛ كما هو المشاهد اليومَ في الدول الكافرة التي تملكُ مادة، ولا تملك عقيدة صحيحة.
والانحراف عن العقيدة الصحيحة له أسباب تجب معرفتها، من أهمها:
1ـ الجهل بالعقيدة الصحيحة؛ بسبب الإعراض عن تعلمها وتعليمها، أو قلة الاهتمام والعناية بها؛ حتى ينشأ جيلٌ لا يعرفُ تلك العقيدة، ولا يعرف ما يخالفها ويضادها؛ فيعتقد الحق باطلًا، والباطل حقًّا، كما قالَ عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إِذَا نَشَأَ فِي الإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الجَاهِلِيَّةَ".
2ـ التّعصُّبُ لما عليه الآباء والأجداد، والتمسك به وإن كان باطلًا، وترك ما خالفه وإن كان حقًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ170﴾ [البقرة: 170].
3ـ التقليدُ الأعمى بأخذ أقوال الناس في العقيدة من غير معرفة دليلها، ومعرفة مدى صحتها، كما هو الواقعُ من الفرقِ المخالفة من جهمية ومعتزلة، وأشاعرة وصوفية، وغيرهم، حيثُ قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال؛ فضلوا وانحرفوا عن الاعتقاد الصحيح.
4ـ الغُلُوُّ في الأولياء والصالحين، ورفعهم فوق منزلتهم؛ بحيث يُعتقد فيهم ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع، ودفع الضر، واتخاذهم وسائط بين الله وبين خلقه في قضاء الحوائج وإجابة الدعاء؛ حتى يؤول الأمر إلى عبادتهم من دون الله، والتقرب إلى أضرحتهم بالذبائح والنذور، والدعاء والاستغاثة وطلب المدد، كما حصل من قوم نوح في حق الصالحين حين قالوا: ﴿...لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا﴾ [نوح: 23].
وكما هُوَ الحاصلُ من عبَّاد القُبور اليومَ في كثير من الأمصار.
5ـ الغفلة عن تدبر آيات الله الكونية، وآيات الله القرآنية، والانبهار بمعطيات الحضارة المادية؛ حتى ظنوا أنها من مقدور البشر وحده؛ فصاروا يُعظِّمون البشر، ويضيفون هذه المعطيات إلى مجهوده واختراعه وحده، كما قال قارون من قبلُ: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ...﴾ [القصص: 78] وكما يقول الإنسان: ﴿...هَٰذَا لِي...﴾ [فصلت: 50]، ﴿...إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ...﴾ [الزمر: 49].
ولم يتفكروا وينظروا في عظمة من أوجد هذه الكائنات، وأودعها هذه الخصائص الباهرة، وأوجد البشر وأعطاهُ المقدرةَ على استخراج هذه الخصائص، والانتفاع بها ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ96﴾ [الصافات: 96].
﴿أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ...﴾ [الأعراف: 185].
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ32 وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ33 وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ...﴾ [إبراهيم: 32-34].
6ـ أصبح البيتُ في الغالب خاليًا من التوجيه السليم؛ وقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[3]. فالأبوان لهما دور كبير في تقويم اتجاه الطفل. [3] متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (3/312): 23 ـ كتاب الجنائز، 92 ـ باب: ما قيل في أولاد المشركين، (رقم: 1385). ومسلم (8/423): 46 ـ كتاب القدر، 6 ـ باب: معنى (كل مولود يولد على الفطرة)، (رقم: 6697).
7ـ إحجامُ وسائل التعليم والإعلام في غالب العالم الإسلامي عن أداء مهمتهما، فقد أصبحت مناهج التعليم في الغالب لا تولي جانب الدين اهتمامًا كبيرًا، أو لا تهتم به أصلًا، وأصبحت وسائلُ الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في الغالب أداة تدمير وانحراف، أو تعنى بأشياء مادية وترفيهية، ولا تهتم بما يُقَوِّمُ الأخلاق، ويزرع العقيدة الصحيحة، ويقاوم التيارات المنحرفة؛ حتى ينشأ جيلٌ أعزلُ أمام جيوش الإلحاد لا يدان له بمقاومتها.
وسبل توقي هذا الانحراف تتلخص فيما يلي:
1ـ الرجوع إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ، وإلى سنة رسوله ﷺ لتلقِّي الاعتقاد الصحيح منهما، كما كان السلف الصالح يستمدون عقيدتهم منهما، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، مع الاطلاع على عقائد الفرق المنحرفة، ومعرفة شُبههم للرد عليها والتحذير منها؛ لأن من لا يعرف الشر يوشك أن يقع فيه.
2ـ العناية بتدريس العقيدة الصحيحة -عقيدة السلف الصالح- في مختلف المراحل الدراسية، وإعطاؤها الحصص الكافية من المنهج، والاهتمام البالغ في تدقيق الامتحانات في هذه المادة.
3ـ أن تُقرر دراسةُ الكُتبِ السَّلفية الصافية، ويبتعد عن كتب الفرق المنحرفة، كالصوفية والمبتدعة، والجهمية والمعتزلة، والأشاعرة والماتريدية، وغيرهم إلا من باب معرفتها لرد ما فيها من الباطل والتحذير منها.
4ـ قيام دعاة مصلحين يجددون للناس عقيدة السلف، ويردون ضلالات المنحرفين عنها.
الباب الثاني: في بيان معنى التوحيد وأنواعه
التوحيدُ: هو اعتقاد تفرد الله بالخلق والتدبير، وإخلاصُ العبادة له، وترك عبادة ما سواه، وإثبات ما لَهُ من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وتنزيهه عن النقص والعيب؛ فهو بهذا التعريف يشملُ أنواع التوحيد الثلاثة، وبيانها كالتالي:
1 ـ توحيد الربوبية
ويتضمن الفصول التالية:
الفصل الأول: في بيان معنى توحيد الربوبية، وفطريته وإقرار المشركين به.
الفصل الثاني: في بيان مفهوم كلمة الرب في القرآن والسنة، وتصورات الأمم الضّالَّة في باب الربوبية، والرد عليها.
الفصل الثالث: في بيان خضوع الكون في الانقياد والطاعة لله.
الفصل الرابع: في بيان منهج القرآن في إثبات وحدانية الله في الخلق والرزق وغير ذلك.
الفصل الخامس: في بيان استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية.
الفصل الأول: في بيان معنى توحيد الربوبية وإقرار المشركين به
التوحيد: بمعناه العام هو اعتقادُ تفرُّدِ الله تعالى بالربوبية، وإخلاص العبادة له، وإثبات ما له من الأسماء والصفات، فهو ثلاثة أنواع:
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكل نوع له معنى لا بد من بيانه؛ ليتحدد الفرق بين هذه الأنواع:
1 ـ فتوحيد الربوبية
هو إفرادُ الله تعالى بأفعاله؛ بأن يُعتقَدَ أنه وحده الخالق لجميع المخلوقات: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ...﴾ [الزمر: 62].
وأنه الرازق لجميع الدواب والآدميين وغيرهم: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا...﴾ [هود: 6].
وأنه مالكُ الملك، والمدبّرُ لشؤون العالم كله؛ يُولِّي ويعزل، ويُعزُّ ويُذل، القادر على كل شيء، يُصَرِّفُ الليل والنهار، ويُحيي ويُميت: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ26 تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ27﴾ [آل عمران: 26-27].
وقد نفى الله سبحانه أن يكون له شريكٌ في الملك أو معين، كما نفى سُبحانه أن يكونَ له شريكٌ في الخلق والرِّزق، قال تعالى: ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ...﴾ [لقمان: 11].
وقال تعالى: ﴿أمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥ...﴾ [الملك: 21].
كما أعلن انفراده بالربوبية على جميع خلقه فقال: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ2﴾ [الفاتحة: 2]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ54﴾ [الأعراف: 54].
وقد فَطَرَ الله جميعَ الخلق على الإقرار بربوبيته؛ حتى إن المشركين الذين جعلوا له شريكًا في العبادة؛ يقرون بتفرده بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ87 قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ89﴾ [المؤمنون: 86-89].
فهذا التوحيدُ لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم؛ بل القلوب مفطورة على الإقرار به؛ أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات؛ كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ...﴾ [إبراهيم: 10].
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الرب فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن كما قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ...﴾ [الإسراء: 102].
وقال عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ...﴾ [النمل: 14].
وكذلك من يُنكرُ الربَّ اليومَ من الشيوعيين؛ إنما ينكرونه في الظاهر مكابرة؛ وإلا فهم في الباطن لا بد أن يعترفوا أنه ما من موجود إلا وله موجد، وما من مخلوق إلا وله خالق وما من أثر إلا وله مؤثر، قال تعالى: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ35 أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ36﴾ [الطور: 35-36].
تأمل العالم كله، علويه وسفليه، بجميع أجزائه؛ تجده شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه. فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر؛ بمنزلة إنكار العلم وجحده، لا فرق بينهما، وما تتبجح به الشيوعية اليوم من إنكار وجود الرب؛ إنما هو من باب المكابرة، ومصادرة نتائج العقول والأفكار الصحيحة، ومن كان بهذه المثابة، فقد ألغى عقله ودعا الناس للسخرية منه.
قال الشاعر:
فواعجبًا كيف يُعصَى الإلهُ ** أم كيف يجحدُهُ الجاحدُ
وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه واحد
الفصل الثاني: مفهومُ كلمةِ الربِّ في القرآن والسُّنَّة وتصوُّرات الأمم الضّالَّة
1 ـ مفهوم كلمة الرّبِّ في الكتاب والسنة
الرّبُّ في الأصل: مصدرُ ربَّ يَرُبُّ، بمعنى: نشَّأ الشيءَ من حال إلى حال إلى حال التمام، يُقالُ: ربَّه وربَّاه وربَّبَهُ، فلفظ (رب) مصدر مستعار للفاعل، ولا يُقالُ: (الرَّبُّ) بالإطلاق؛ إلا لله تعالى المتكفل بما يصلح الموجودات، نحو قوله: ﴿...رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، ﴿...رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 26].
ولا يقال لغيره إلا مضافًا محدودًا، كما يقال: رب الدار؛ وربُّ الفرس. يعني صاحبَها، ومنه قولُه تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ﴿...ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِ...﴾ [يوسف: 42] على قول في تفسير الآية[4]. [4] تفسير ابن كثير (2/480).
وقوله تعالى: ﴿...قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ...﴾ [يوسف: 50].
وقوله تعالى: ﴿...أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ...﴾ [يوسف: 41].
وقال ﷺ في ضالة الإبل: «حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»[5]. [5] متفق عليه، من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5/103): 45 ـ كتاب اللقطة، 3 ـ باب: ضالة الغنم، (رقم: 2428). ومسلم (6/251): 31 ـ كتاب اللقطة، باب: معرفة العفاص والوكاء وحكم ضالة الغنم والإبل، (رقم: 4477).
فتبين بهذا: أن الرب يطلق على الله معرفًا ومضافًا، فيقال: الرب، أو رب العالمين، أو رب الناس، ولا تُطلق كلمة الرّبِّ على غير الله إلا مضافة، مثل: رب الدار، ورب المنزل، ورب الإبل.
ومعنى (رب العالمين) أي: خالقهم ومالكهم، ومصلحهم ومربِّيهم بنعمه، وبإرسال رسله، وإنزال كتبه، ومجازيهم على أعمالهم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "فإنَّ الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم، وجزاء مُحسنهم بإحسانه، ومُسيئهم بإساءته"[6]؛ هذه حقيقة الربوبية. [6] مدارج السالكين (1/68).
2 ـ مفهوم كلمة الرب في تصورات الأمم الضالة
خلق الله الخلق مفطورين على التوحيد، ومعرفة الرب الخالق سبحانه، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ...﴾ [الروم: 30].
وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ...﴾ [الأعراف: 172].
فالإقرارُ بربوبية الله والتوجه إليه أمر فطري، والشرك حادث طارئ، وقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[7]، فلو خُلِّيَ العبد وفطرته لاتجه إلى التوحيد وقَبِل ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودلّت عليه الآيات الكونية، ولكن التربية المنحرفة والبيئة الملحدة هما اللتان تغيران اتجاه المولود، ومن ثَمَّ يقلد الأولاد آباءهم في الضلالة والانحراف. [7] متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم تخريجه.
يقولُ الله تعالى في الحديث القدسي: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ»[8]، أي: صَرَفَتْهُم إلى عبادة الأصنام، واتخاذها أربابًا من دون الله؛ فوقعوا في الضلال والضياع، والتفرق والاختلاف؛ كل يتخذ له ربًّا يعبده غير رب الآخر؛ لأنهم لما تركوا الرب الحق، ابتُلُوا باتخاذ الأرباب الباطلة، كما قال تعالى: ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ...﴾ [يونس: 32] والضلال ليس له حدّ ونهاية، وهو لازم لكل من أعرضَ عن ربه الحق، قال الله تعالى: ﴿...ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ39 مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ...﴾ [يوسف: 39-40]. [8] رواه مسلم (4/2197): في كتاب الجنة، باب: الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، (رقم: 2865)؛ من حديث عياض المجاشعي رضي الله عنه.
والشّركُ في الربوبية باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال ممتنع، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن معبوداتهم تملك بعض التصرفات في الكون، وقد تلاعب بهم الشيطان في عبادة هذه المعبودات، فتلاعَبَ بكل قوم على قدر عقولهم، فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى؛ الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كقوم نوح، وطائفةٌ اتخذت الأصنام على صورة الكواكب؛ التي زعموا أنها تؤثر على العالم، فجعلوا لها بيوتًا وسدنة.
واختلفوا في عبادتهم لهذه الكواكب: فمنهم من عبد الشمس، ومنهم من عبد القمر، ومنهم من يعبدُ غيرهما من الكواكب الأخرى؛ حتى بنوا لها هياكل، لكل كوكب منها هيكل يخصه، ومنهم من يعبدُ النار، وهم المجوس، ومنهم من يعبد البقر، كما في الهند، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبدُ القبور والأضرحة، وكل هذا بسبب أن هؤلاء تصوروا في هذه الأشياء شيئًا من خصائص الربوبية.
فمنهم من يزعم أن هذه الأصنام تمثل أشياء غائبة، قال ابن القيم: "وضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيئته وصورته؛ ليكون نائبًا منابه، وقائمًا مقامه. وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة أو حجرًا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده..."[9]. انتهى. [9] إغاثة اللهفان (2/224).
ويزعم عُبَّاد القبورِ قديمًا وحديثًا أن هؤلاء الأموات يشفعون لهم، ويتوسطون لهم عند الله في قضاء حوائجهم ويقولون: ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزمر: 3]، ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ...﴾ [يونس: 18].
وبعض مشركي العرب والنصارى تصوروا في معبوداتهم أنها ولد الله، فمشركو العرب عبدوا الملائكة على أنها بنات الله، والنصارى عبدوا المسيح -عليه السلام- على أنه ابن الله.
3 ـ الرد على هذه التصورات الباطلة
قد رد الله على هذه التصورات الباطلة جميعًا بما يأتي:
أ ـ ردّ على عبدة الأصنام بقوله: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ19 وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ20﴾ [النجم: 19-20].
ومعنى الآية كما قال القرطبي: أفرأيتم هذه الآلهة! أنفعت أو ضرت؛ حتى تكون شركاء لله تعالى؟ وهل دفعت عن نفسها حينما حطمها رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم وهدموها؟[10]. [10] انظر: تفسير القرطبي (20/37).
وقال تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ69 إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ70 قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ71 قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ72 أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ73 قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ74﴾ [الشعراء: 69-74].
فقد وافقوا على أنَّ هذه الأصنامَ لا تسمعُ الدعاءَ ولا تنفعُ ولا تضر، وإنَّما عبدوها تقليدًا لآبائهم، والتقليد حجة باطلة.
ب ـ وَرَدَّ على من عبد الكواكب والشمس والقمر بقوله: ﴿...وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦ...﴾ [الأعراف: 54]، وبقوله: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ37﴾ [فصلت: 37].
جـ ـ وَرَدَّ على من عبد الملائكة والمسيح -عليهم السلام- على أنهم ولد الله بقوله تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ...﴾ [المؤمنون: 91]، وبقوله: ﴿...أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ...﴾ [الأنعام: 101]، وبقوله: ﴿لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ3 وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ4﴾ [الإخلاص: 3-4].
الفصل الثالث: الكونُ وفطرتُهُ في الخُضُوعِ والطَّاعةِ لله
إنَّ جميع الكون بسمائه وأرضه وأفلاكه وكواكبه، ودوابه وشجره ومدره وبَرِّه وبحره، وملائكته وجِنِّه وإنسه؛ كله خاضع لله، مطيع لأمره الكوني، قال تعالى: ﴿...وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا...﴾ [آل عمران: 83]، وقال تعالى: ﴿...بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ﴾ [البقرة: 116]، ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ49﴾ [النحل: 49]، ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ...﴾ [الحج: 18]، ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩15﴾ [الرعد: 15].
فكُلُّ هذه الكائنات والعوالم؛ مُنقادة لله خاضعة لسلطانه؛ تجري وفق إرادته وطوع أمره، لا يستعصي عليه منها شيء؛ تقوم بوظائفها، وتؤدي نتائجها بنظام دقيق، وتنزه خالقها عن النقص والعجز والعيب، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ...﴾ [الإسراء: 44].
فهذه المخلوقات صامتها وناطقها، وحيها وميتها، كلها مُطيعةٌ لله مُنقادة لأمره الكوني، وكُلُّها تنزه الله عن النقائص والعيوب بلسان الحال، ولسان المقال. فكلما تدبّر العاقل هذه المخلوقات؛ علم أنها خُلقت بالحق وللحق، وأنها مسخرات ليس لها تدبير ولا استعصاء عن أمر مدبرها؛ فالجميع مُقِرُّون بالخالق بفطرتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وهم خاضعون مُستسلمون، قانتون مضطرون، من وجوه:
منها: علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه.
ومنها: خضوعُهُم واستسلامهم لما يجري عليهم من أقداره ومشيئته.
ومنها: دعاؤهم إياهُ عندَ الاضطرار.
والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعًا؛ وكذلك لما يقدره عليه من المصائب، فإنه يفعلُ عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعًا؛ فهو مسلم لله طوعًا، خاضع له طوعًا[11]. والكافرُ يخضع لأمر ربه الكوني، وسجود الكائنات المقصود به الخضوعُ، وسجود كل شيء بحَسَبِه، سُجودٌ يناسبه ويتضمَّنُ الخضوع للرب، وتسبيح كل شيء بحسبه حقيقةً لا مجازًا". [11] مجموع الفتاوى (1/45) بتصرف.
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على قوله تعالى: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ83﴾ [آل عمران: 83].
قال: "فذكر سبحانه إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد التام؛ سواء أقر المقر بذلك أو أنكره؛ وهم مَدينون له مُدَبَّرون؛ فهمُ مسلمون له طوعًا وكرهًا، وليس لأحد من المخلوقات خروج عمَّا شاءه وقدَّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكُهُم، يصرفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم، وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع، مفطور فقير محتاج مُعبَّدٌ مقهور؛ وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصور"[12]. [12] مجموع الفتاوى (10/200).
الفصل الرابع: في بيانِ منهج القرآن في إثبات وُجُودِ الخالقِ ووحدانيَّته
منهجُ القرآن في إثبات وجود الخالق ووحدانيته؛ هو المنهج الذي يتمشّى مع الفطر المستقيمة، والعقول السليمة، وذلك بإقامة البراهين الصحيحة، التي تقتنع بها العقول، وتسلم بها الخصوم، ومن ذلك:
1 ـ من المعلوم بالضرورة أن الحادث لا بد له من محدث
هذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة؛ حتى للصبيان؛ فإنَّ الصَّبيَّ لو ضربَهُ ضاربٌ، وهو غافلٌ لا يُبصره، لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربكَ أحدٌ؛ لم يقبل عقلُهُ أن تكونَ الضَّربةُ حدثت من غير محدث؛ فإذا قيل: فلان ضربَكَ، بكى حتى يُضرَبَ ضاربُهُ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ35﴾ [الطور: 35].
وهذا تقسيم حاصر، ذكره الله بصيغة استفهام إنكاري؛ ليبيّن أنَّ هذه المقدمات معلومة بالضرورة، لا يمكن جحدها، يقول: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ...﴾ أي: من غير خالق خلقهم، أم هم خَلَقوا أنفسهم؟ وكلا الأمرين باطلٌ؛ فتعين أن لهم خالقًا خلقهم، وهو الله سبحانه، ليسَ هُناك خالق غيره، قال تعالى: ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ...﴾ [لقمان: 11].
﴿...أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ...﴾ [الأحقاف: 4].
﴿...أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ﴾ [الرعد: 16].
﴿...إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُ...﴾ [الحج: 73].
﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ20﴾ [النحل: 20].
﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ17﴾ [النحل: 17].
ومع هذا التحدي المتكرِّر لم يدَّع أحدٌ أنه خلقَ شيئًا، ولا مجرد دعوى -فضلًا عن إثبات ذلك-، فتعيَّنَ أن الله سُبحانه هو الخالقُ وحدَهُ لا شريك له.
2 ـ انتظام أمر العالم كله وإحكامه
هذا أدلُّ دليل على أنَّ مدبره إلهٌ واحد، وربٌّ واحدٌ لا شريك له ولا مُنازع.
قال تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ...﴾ [المؤمنون: 91].
فالإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا، فلو كان معه سبحانه إله آخر، يُشاركه في مُلكه -تعالى الله عن ذلك- لكان له خلق وفعل، وحينئذٍ فلا يرضى شِركَةَ الإله الآخر معه؛ بل إن قدر على قهر شريكه وتفرَّد بالملك والإلهية دونَهُ؛ فعل. وإن لم يقدر على ذلك، انفرد بنصيبه في الملك والخلق؛ كما ينفرد ملوكُ الدنيا بعضهم عن بعض بملكه، فيحصل الانقسام. فلا بُدَّ من أحد ثلاثة أمور:
أ ـ إما أن يقهر أحدهما الآخر وينفردَ بالملك دونه.
ب ـ وإما أن ينفردَ كُلُّ واحد منهما عن الآخر بملكه وخلقه؛ فيحصل الانقسام.
جـ ـ وإما أن يكونا تحت مَلِكٍ واحدٍ يتصرّفُ فيهما كيف يشاء؛ فيكون هو الإله الحق وهم عَبيدُه.
وهذا هو الواقعُ، فإنه لم يحصل في العالم انقسام ولا خلل؛ مما يَدُلُّ على أنَّ مدبره واحدٌ، لا منازع له، وأن مالكه واحد لا شريك له.
3 ـ تسخيرُ المخلوقاتِ لأداء وظائفها، والقيام بخصائصها
فليسَ هُناك مخلوق يستعصي ويمتنع عن أداء مهمته في هذا الكون، وهذا ما استدل به موسى -عليه السلام- حين سأله فرعون: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ49﴾ أجاب موسى بجواب شافٍ كافٍ فقال: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ50﴾ [طه: 49-50] أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به؛ من كبر الجسم وصغره وتوسطه وجميع صفاته، ثم هدى كل مخلوق إلى ما خلقه له، وهذه الهدايةُ هي هداية الدلالة والإلهام وهي الهدايةُ الكاملةُ المشاهدَةُ في جميع المخلوقات، فكلُّ مخلوق تجده يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضَارِّ عنه، حتى إنَّ الله أعطى الحيوان البهيم من الإدراك؛ ما يتمكن به من فعل ما ينفعه، ودفع ما يضره، وما به يؤدي مهمته في الحياة، وهذا كقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُ...﴾ [السجدة: 7].
فالذي خلق جميعَ المخلوقات، وأعطاها خلقَها الحسنَ -الذي لا تقترح العقول فوق حسنه- وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكارُهُ إنكارٌ لأعظم الأشياء وجودًا، وهو مكابرة ومُجاهرة بالكذب، فالله أعطَى الخلق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به، ولا شك أنه أعطى كل صنف شكلَه وصورتَهُ المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشّكلَ المناسبَ له من جنسه، في المناكحة والألفة والاجتماع، وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به، وفي هذا براهين قاطعة على أنه جل وعلا رَبُّ كُلِّ شيء، وهو المستحقُّ للعبادةِ دون سواه...
وفي كُلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ ** تَدلُّ على أنّه الواحدُ
ومما لا شك فيه أنَّ المقصودَ من إثبات ربوبيته -سبحانه- لخلقه وانفراده بذلك: هو الاستدلال به على وجوب عبادته وحده لا شريك له؛ الذي هو توحيد الألوهية، فلو أن الإنسان أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية أو لم يَقُمْ به على الوجه الصحيح؛ لم يكن مسلمًا، ولا موحدًا؛ بل يكون كافرًا جاحدًا، وهذا ما سنتحدَّث عنه في الفصل التالي -إن شاء الله تعالى-.
الفصل الخامس: بيانُ استلزامِ توحيدِ الرُّبوبيَّةِ لتوحيد الأُلوهيَّة
ومعنى ذلك أنَّ من أقرَّ بتوحيد الربوبية لله، فاعترف بأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبِّر للكون إلا الله -عز وجل- لزمه أن يُقرَّ بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله سبحانه، وهذا هو توحيد الألوهية، فإنَّ الألوهية هي العبادة؛ فالإله معناه: المعبود، فلا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاثُ إلا به، ولا يُتوَكَّلُ إلا عليه، ولا تذبح القرابين وتُنذر النذورُ ولا تُصرفُ جميعُ أنواع العبادة إلا له؛ فتوحيدُ الربوبية دليلٌ لوجوب توحيد الألوهية؛ ولهذا كثيرًا ما يحتجُّ الله -سُبحانه- على المنكرين لتوحيد الألوهية بما أقروا به من توحيد الربوبية، مثل قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ21 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ22﴾ [البقرة: 21-22].
فأمرهم بتوحيد الألوهية، وهو عبادتهُ، واحتجَّ عليهم بتوحيد الرُّبوبية الذي هو خلقُ الناس الأولين والآخرين، وخلقُ السماءِ والأرضِ وما فيهما، وتسخير الرياح وإنزالُ المطر، وإنباتُ النبات، وإخراج الثمرات التي هي رزق العباد، فلا يليق بهم أن يُشركوا معه غيره؛ ممَّنْ يعلمون أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا من غيره، فالطريق الفطري لإثبات توحيد الألوهية: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية؛ فإن الإنسان يتعلق أولًا بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضره؛ ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقرّبه إليه، وترضيه عنه، وتوثق الصلة بينه وبينه، فتوحيد الربوبية بابٌ لتوحيد الألوهية؛ من أجل ذلك احتجَّ الله على المشركين بهذه الطريقة، وأمر رسوله أن يحتجَّ بها عليهم، فقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ85 قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ87 قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ89﴾ [المؤمنون: 84-89].
وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ...﴾ [الأنعام: 102].
فقد احتج بتفرُّدِه بالربوبية على استحقاقه للعبادة، وتوحيد الألوهية: هو الذي خلق الخلق من أجله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56].
ومعنى (يعبدون): يُفردوني بالعبادة، ولا يكون العبدُ موحدًا بمجرد اعترافه بتوحيد الربوبية؛ حتى يُقرَّ بتوحيد الألوهية، ويقومَ به، وإلا فإنَّ المشركين كانوا مُقرِّينَ بتوحيدِ الربوبية، ولم يُدخلهم في الإسلام، وقاتلهم رسولُ الله ﷺ، وهم يُقرُّون بأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ...﴾ [الزخرف: 87]، ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ9﴾ [الزخرف: 9]، ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ...﴾ [يونس: 31].
وهذا كثيرٌ في القرآن، فمن زعمَ أنَّ التوحيدَ هو الإقرارُ بوجود الله، أو الإقرار بأن الله هو الخالق المتصرف في الكون، واقتصر على هذا النوع؛ لم يكن عارفًا لحقيقة التوحيد الذي دعَتْ إليه الرسل؛ لأنه وقفَ عندَ الملزوم وترك اللازم، أو وقف عند الدليل وترك المدلول عليه.
ومن خصائص الألوهية: الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه؛ الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل والاستغاثة، وغاية الذّلِّ مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لغيره.
2 ـ توحيد الألوهية
ويتضمن الفصول التالية:
الفصل الأول: في معنى توحيد الألوهية وأنه موضوعُ دعوةِ الرُّسُل.
الفصل الثاني: الشهادتان: معناهما - أركانهما - شروطهما - مقتضاهما - نواقضهما.
الفصل الثالث: في التشريع: التحليل - التحريم - حق الله.
الفصل الرابع: في العبادة: معناها - أنواعها - شمولها.
الفصل الخامس: في بيان مفاهيم خاطئةٍ في تحديد العبادة (وذلك كالتقصير في مدلول العبادة أو الغلو فيها).
الفصل السادس: في بيان ركائز العبودية الصحيحة: الحب - الخوف - الخضوع - الرجاء.
الفصل الأول: في بيانِ معنى توحيدِ الألوهيَّةِ وأنه موضوعُ دعوةِ الرُّسل
توحيدُ الألوهية: الألوهية هي العبادة.
وتوحيدُ الألوهية هو: إفرادُ الله تعالى بأفعال العباد التي يفعلونها على وجه التقرب المشروع، كالدعاء والنذر والنحر، والرجاء والخوف، والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة، وهذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبياء: 25].
وكلُّ رسول يبدأ دعوته لقومه بالأمر بتوحيد الألوهية، كما قال نوح وهود وصالح وشعيب: ﴿...يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ...﴾ [الأعراف: 59، 65، 73، 85]، ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ...﴾ [العنكبوت: 16].
وأنزل على محمد ﷺ: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ11﴾ [الزمر: 11].
وقال ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»[13]. [13] متفق عليه، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أخرجه البخاري (1/102): 2 ـ كتاب الإيمان، باب: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡ﴾ (رقم: 25). وأخرجه مسلم (1/150): 1 ـ كتاب الإيمان، 8 ـ باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، (رقم: 124).
وأول واجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله والعمل بها، قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ...﴾ [محمد: 19].
وأول ما يؤمر به مَنْ يريد الدخول في الإسلام: النطقُ بالشهادتين، فتبين من هذا: أن توحيد الألوهية هو مقصودُ دعوة الرُّسل، وسُمِّي بذلك؛ لأن الألوهية وصف الله تعالى الدال عليه اسمه تعالى (الله)، فالله: ذو الألوهية، أي المعبود.
ويقال له: توحيد العبادة؛ باعتبار أن العبودية وصفُ العبد، حيثُ إنه يجبُ عليه أن يعبد الله مخلصًا في ذلك؛ لحاجته إلى ربه وفقره إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
"واعلم أن فقر العبد إلى الله: أن يعبده لا يُشرك به شيئًا، ليس له نظير فيُقاسُ به؛ لكن يُشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاحَ لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره. ولو حَصَلَ للعبد لذّات وسرور بغير الله، فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوعٍ إلى نوعٍ، ومن شخص إلى شخص، وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال، وكل وقت وأينما كان فهو معه"[14]. [14] مجموع الفتاوى (1/24 ـ 25).
وكان هذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل؛ لأنه الأساسُ الذي تُبنى عليه جميع الأعمال، وبدون تحققه لا تصحُّ جميعُ الأعمال: فإنه إذا لم يتحقق؛ حصل ضده، وهو الشركُ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِ...﴾ [النساء: 48، 116]، وقال تعالى: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]، وقال تعالى: ﴿...لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الزمر: 65].
ولأن هذا النوع من التوحيد؛ هو أول الحقوق الواجبة على العبد، كما قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا...﴾ [النساء: 36] الآية، وقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ...﴾ [الإسراء: 23] الآية، وقال تعالى: ﴿قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ...﴾ [الأنعام: 151-153] الآيات.
الفصل الثاني: في بيان معنى الشَّهادتين وما وقعَ فيهما من الخطأ
وأركانهما وشروطهما ومقتضاهما ونواقضهما
أولًا: معنى الشَّهادتين
1 ـ معنى شهادة أن لا إله إلا الله: الاعتقاد والإقرار، أنه لا يستحقُّ العبادةَ إلا الله، والتزام ذلك والعمل به، (فلا إله) نفي لاستحقاق من سوى الله للعبادة كائنًا من كان (إلا الله) إثباتٌ لاستحقاق الله وحده للعبادة، ومعنى هذه الكلمة إجمالًا: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله. وخبر (لا) يجب تقديره: (بحقٍّ) ولا يجوزُ تقديره بموجود؛ لأنّ هذا خلافُ الواقع، فالمعبوداتُ غيرُ الله موجودة بكثرة؛ فيلزم منه أن عبادة هذه الأشياء عبادة لله، وهذا من أبطل الباطل وهو مذهب أهل وحدة الوجود الذين هم أكفر أهل الأرض. وقد فُسّرتْ هذه الكلمةُ بتفسيرات باطلة منها:
(أ) أن معناه: لا معبودَ إلا الله. وهذا باطلٌ؛ لأن معناه: أن كل معبود بحقّ أو باطل هو الله، كما سبق بيانه قريبًا.
(ب) أن معناها: لا خالقَ إلا الله. وهذا جزء من معنى هذه الكلمة؛ ولكن ليس هو المقصود؛ لأنه لا يثبت إلا توحيد الربوبية، وهو لا يكفي وهو توحيد المشركين.
(جـ) أن معناها: لا حاكميّةَ إلا لله، وهذا أيضًا جزء من معناها، وليس هو المقصود؛ لأنه لا يكفي، لأنه لو أفرد الله بالحاكمية فقط ودعا غير الله أو صرف له شيئًا من العبادة لم يكن موحدًا، وكل هذه تفاسير باطلة أو ناقصة؛ وإنما نبهنا عليها لأنها توجد في بعض الكتب المتداولة.
والتفسيرُ الصحيح لهذه الكلمة عند السلف والمحققين:
أن يُقالَ: (لا معبود بحق إلا الله) كما سبق.
2 ـ ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: هو الاعتراف باطنًا وظاهرًا أنه عبد الله ورسوله إلى الناس كافة، والعمل بمقتضى ذلك من طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبدَ الله إلا بما شرع.
ثانيًا: أركان الشهادتين
أ ـ لا إله إلا الله: لها ركنان هما: النفي والإثبات:
فالركن الأول: النفي: لا إله: يُبطل الشرك بجميع أنواعه، ويُوجب الكُفرَ بكل ما يعبد من دون الله.
والركن الثاني: الإثباتُ: إلا الله: يثبت أنه لا يستحق العبادة إلا الله، ويُوجب العمل بذلك. وقد جاء معنى هذين الركنين في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ...﴾ [البقرة: 256].
فقوله: (من يكفر بالطاغوت) هو معنى الركن الأول (لا إله) وقوله: (ويؤمن بالله) هو معنى الركن الثاني (إلا الله).
وكذلك قولُهُ عن إبراهيمَ عليه السلام: ﴿...إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ26 إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي...﴾ [الزخرف: 26-27].
فقوله: (إنني براء) هو معنى النفي في الركن الأول، وقوله: (إلا الذي فطرني) هو معنى الإثبات في الركن الثاني.
أركان شهادة أن محمدًا رسول الله: لها ركنان هما قولنا: عبدُه ورسوله، وهما ينفيان الإفراطَ والتفريط في حقه ﷺ فهو عبده ورسوله، وهو أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، ومعنى العبد هنا: المملوك العابد، أي: أنه بشرٌ مخلوق مما خلق منه البشر؛ يجري عليه ما يجري عليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ...﴾ [الكهف: 110]، وقد وَفَّى ﷺ العبوديّة حقَّها، ومدحه الله بذلك، قال تعالى: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُ...﴾ [الزمر: 36]، ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ...﴾ [الكهف: 1]، ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ...﴾ [الإسراء: 1].
ومعنى الرسول: المبعوث إلى الناس كافة بالدعوة إلى الله بشيرًا ونذيرًا.
وفي الشهادة له بهاتين الصفتين: نفي للإفراط والتفريط في حقه ﷺ، فإن كثيرًا ممن يدعي أنه من أمته أفرط في حقه، وغلا فيه؛ حتى رفعه فوق مرتبة العبودية إلى مرتبة العبادة له من دون الله؛ فاستغاث به من دون الله، وطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله؛ من قضاء الحاجات وتفريج الكربات. والبعض الآخر جحد رسالته أو فرط في متابعته، واعتمد على الآراء والأقوال المخالفة لما جاء به؛ وتعسَّفَ في تأويل أخباره وأحكامه.
ثالثًا: شروط الشهادتين
أ ـ شروط لا إله إلا الله
لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط، لا تنفع قائلها إلا باجتماعها؛ وهي على سبيل الإجمال:
الأول: العلم المنافي للجهل.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: القبول المنافي للرد.
الرابع: الانقيادُ المنافي للترك.
الخامس: الصدق المنافي للكذب.
السادس: الإخلاص المنافي للشرك.
السابع: المحبة المنافية لضدها وهو البغضاء.
وأما تفصيلها فكما يلي:
الشرط الأول: العِلم
أي العلم بمعناها المراد منها وما تنفيه وما تُثبته، المنافي للجهل بذلك، قال تعالى: ﴿...إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86].
أي: (شهد) بلا إله إلا الله، (وهُم يعلمون) بقلوبهم ما شهدت به ألسنتهم، فلو نطَقَ بها وهو لا يعلم معناها، لم تنفعهُ؛ لأنه لم يعتقدْ ما تدل عليه.
الشرط الثاني: اليقين
بأن يكون قائلها مستيقنًا بما تدلّ عليه؛ فإن كان شاكًّا بما تدل عليه لم تنفعه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ...﴾ [الحجرات: 15].
فإن كان مرتابًا كان منافقًا، وقال النبي ﷺ: «مَنْ لَقِيتَ وَرَاءَ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ»[15]، فمن لم يستيقن بها قلبه، لم يستحق دخولَ الجنَّة. [15] أخرجه مسلم (1/180): 1 ـ كتاب الإيمان، 11 ـ باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، (رقم: 146)؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الشرط الثالث: القَبول
لما اقتضته هذه الكلمة من عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه؛ فمن قالها ولم يقبل ذلك ولم يلتزم به؛ كان من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ35 وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ36﴾ [الصافات: 35-36].
وهذا كحال عباد القبور اليوم؛ فإنهم يقولون: (لا إله إلا الله)، ولا يتركون عبادة القبور؛ فلا يكونون قابلين لمعنى لا إله إلا الله.
الشرط الرابع: الانقياد
لما دلت عليه، قال تعالى: ﴿وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ...﴾ [لقمان: 22].
والعروة الوثقى: لا إله إلا الله؛ ومعنى يسلم وجهه: أي ينقاد لله بالإخلاص له.
الشرط الخامس: الصدق
وهو أن يقولَ هذه الكلمة مصدقًا بها قلبُه، فإن قالَها بلسانه ولم يصدق بها قلبُه؛ كان منافقًا كاذبًا، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ8 يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...﴾ إلى قوله: ﴿...وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ [البقرة: 8-10].
الشرط السادس: الإخلاصُ
وهو تصفيةُ العمل من جميع شوائب الشرك؛ بأن لا يقصد بقولها طمعًا من مطامع الدنيا، ولا رياء ولا سمعة؛ لما في الحديث الصحيح من حديث عتبان قال: «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»[16]. [16] متفق عليه، من حديث عتبان رضي الله عنه: أخرجه البخاري (1/164): في أبواب المساجد، باب: المساجد في البيوت، (رقم: 415). وأخرجه مسلم (1/455): كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، (رقم: 33).
الشرط السابع: المحبة
لهذه الكلمة، ولما تدل عليه، ولأهلها العاملين بمقتضاها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ...﴾ [البقرة: 165].
فأهل (لا إله إلا الله) يحبون الله حبًّا خالصًا، وأهل الشرك يحبونه ويحبون معه غيره، وهذا ينافي مقتضى لا إله إلا الله.
ب ـ وشروطُ شهادة أنَّ محمدًا رسولُ الله هي:
1- الاعتراف برسالته، واعتقادها باطنًا في القلب.
2- النطق بذلك، والاعتراف به ظاهرًا باللسان.
3- المتابعة له؛ بأن يعمل بما جاء به من الحق، ويترك ما نهى عنه من الباطل.
4- تصديقه فيما أخبر به من الغيوب الماضية والمستقبلة.
5- محبته أشد من محبة النفس والمال والولد والوالد والناس أجمعين.
6- تقديم قوله على قول كل أحد، والعمل بسنته.
رابعًا: مقتضى الشهادتين
أ ـ مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله
هو ترك عبادة ما سوى الله من جميع المعبودات، المدلول عليه بالنفي وهو قولنا: (لا إله). وعبادةُ الله وحده لا شريك له، المدلول عليه بالإثبات، وهو قولنا: (إلا الله)، فكثير ممن يقولها يُخالف مقتضاها؛ فيثبت الإلهية المنفية للمخلوقين والقبور والمشاهد والطواغيت والأشجار والأحجار.
ب ـ ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله
طاعتهُ وتصديقُهُ، وترك ما نهى عنه، والاقتصار على العمل بسنته، وترك ما عداها من البدع والمحدثات، وتقديم قوله على قول كل أحد.
خامسًا: نواقض الشهادتين
هي نواقض الإسلام؛ لأن الشهادتين هنا هما اللتان يدخل المرء بالنطق بهما في الإسلام، والنطق بهما اعتراف بمدلولهما، والتزام بالقيام بما تقتضيانه؛ من أداء شعائر الإسلام، فإذا أخل بهذا الالتزام فقد نقض التعهد الذي تعهد به حين نطق بالشهادتين. ونواقض الإسلام كثيرةٌ قد عقد لها الفقهاء في كتب الفقه بابًا خاصًّا سموه (باب الردة)، وأهمها عشرة نواقض ذكرها شيخ الإسلام محمدُ بنُ عبد الوهاب رحمه الله في قوله:
1 ـ الشرك في عبادة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ...﴾ [النساء: 48، 116]، وقال تعالى: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [المائدة: 72]. ومنه الذبحُ لغيرِ الله؛ كالذبح للأضرحة أو الذبح للجن.
2 ـ من جعل بينَهُ وبينَ الله وسائط؛ يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم؛ فإنه يكفر إجماعًا.
3 ـ من لم يكفر المشركين، ومن يشكّ في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ كفر.
4 ـ من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكم الرسول ﷺ، ويفضلون حكم القوانين على حكم الإسلام.
5 ـ من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ -ولو عمل به-؛ كفر.
6 ـ من استهزأ بشيء من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه؛ كفر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿...قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ65 لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ...﴾ [التوبة: 65-66].
7 ـ السحرُ، ومنهُ الصرفُ والعطفُ (لعله يقصد عمل ما يصرفُ الرجلَ عن حب زوجته، أو عمل ما يحببها إليه) فمن فعله، أو رضي به؛ كفرَ، والدليل قوله تعالى: ﴿...وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ...﴾ [البقرة: 102].
8 ـ مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿...وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
9 ـ من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، عليه السلام؛ فهو كافر. قلت: وكما يعتقده غلاة الصوفية أنهم يصلون إلى درجةٍ لا يحتاجون معها إلى متابعة الرسول ﷺ.
10 ـ الإعراض عن دين الله، لا يتعلمُهُ، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ﴾ [الأحقاف: 3]، ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ22﴾ [السجدة: 22].
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "لا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذَرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذُ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه"[17]. [17] مجموعة التوحيد النجدية (ص37 ـ 39).
الفصل الثالث: في التشريع
التشريع حق لله تعالى
والمراد بالتشريع: ما ينزِّلُه الله لعباده من المنهج الذي يسيرون عليه في العقائد والمعاملات وغيرها؛ ومن ذلك التحليل والتحريم، فليس لأحد أن يحل إلا ما أحله الله، ولا يحرم إلا ما حرم الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ...﴾ [النحل: 116]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ59﴾ [يونس: 59].
فقد نهى الله عن التحليل والتحريم؛ بدون دليل من الكتاب والسنة، وأخبر أن ذلك من الكذب على الله، كما أخبر سبحانه أنَّ من أوجَبَ شيئًا أو حرَّمَ شيئًا من غير دليل؛ فقد جعل نفسه شريكًا لله فيما هو من خصائصه، وهو التشريع، قال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ...﴾ [الشورى: 21].
ومن أطاع هذا المشرِّع من دون الله وهو يعلم بذلك ووافقه على فعله، فقد أشركه مع الله، قال تعالى: ﴿...وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
يعني: الذين يُحلّون ما حرَّم الله من الميتات، مَن أطاعهم في ذلك فهو مشرك، كما أخبر سبحانه أن من أطاع الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحله الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ31﴾ [التوبة: 31].
ولما سمع عديّ بنُ حاتم رضي الله عنه هذه الآية، قال: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال له النبي ﷺ: «أَلَيْسُوا يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[18]. [18] أخرجه ـ بنحوه ـ الترمذي (5/278): 44 ـ كتاب تفسير القرآن، 9 ـ باب: ومن سورة التوبة، (رقم: 3104)؛ من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وقال: «هذا حديث غريب؛ لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث».
قال الشيخُ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "وفي الحديث دليل على أنَّ طاعةَ الأحبار والرهبان في معصية الله؛ عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿...وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ121﴾ [الأنعام: 121].
وهذا وقع فيه كثيرٌ من النَّاس مع من قلدوهم؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المُقلَّد؛ وهو من هذا الشرك"[19] انتهى. [19] فتح المجيد (ص390).
فالتزام شرع الله، وترك شرع ما سواه، هو من مقتضى لا إله إلا الله، والله المستعان.
الفصل الرابع: العبادةُ: معناها، شُمولها
1ـ معنى العبادة
أصل العبادة التذلل والخضوع.
وفي الشرع: لها تعاريف كثيرة، ومعناها واحد.
منها: أنَّ العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمرَ الله به على ألسنة رسله.
ومنها: أن العبادة، معناها: التذلُّل لله سبحانه فهي: غايةُ الذّلِّ لله تعالى مع غاية حُبّه، والتعريف الجامع لها هو أن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وهي مُنقسمة على القلب واللسان والجوارح، فالخوف والرجاء، والمحبة والتوكل، والرغبة والرهبة: عبادة قلبية، والتسبيح والتهليل والتكبير، والحمد والشكر باللسان والقلب: عبادة لسانية قلبية.
والصلاة والزكاة والحج والجهاد: عبادة بدنية قلبية، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي تجري على القلب واللسان والجوارح، وهي كثيرة.
والعبادةُ: هي التي خلق الله الخلق من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ58﴾ [الذاريات: 56-58].
فأخبر سبحانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس: هي قيامهم بعبادة الله، والله غنيٌّ عن عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إليها لفقرهم إلى الله تعالى، فيعبدونه على وفق شريعته، فمن أبى أن يعبد الله؛ فهو مستكبر. ومن عبده وعبد معه غيره؛ فهو مشرك. ومن عبده وحده بغير ما شرع؛ فهو مبتدع. ومن عبده وحده بما شرع فهو المؤمن الموحِّد.
2 ـ أنواع العبادة وشمولها
العبادة لها أنواع كثيرة؛ فهي تشمل كل أنواع الطاعات الظاهرة على اللسان والجوارح، والصادرة عن القلب؛ كالذكر والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن، والصلاة والزكاة والصيام، والحج، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، فهي شاملة لكل تصرفات المؤمن؛ إذا نوى بها القربة أو ما يعين عليها. حتى العادات، إذا قصد بها التقوِّي على الطاعات، كالنوم والأكل والشرب، والبيع والشراء وطلب الرزق والنكاح، فإن هذه العادات مع النية الصالحة تصيرُ عبادات؛ يثاب عليها، وليست العبادة قاصرة على الشعائر المعروفة.
الفصل الخامس: في بيانِ مفاهيمَ خاطئةٍ في تحديد العبادة
العبادات توقيفية
بمعنى: أنه لا يشرع شيء منها إلا بدليل من الكتاب والسنة، وما لم يشرع يعتبر بدعة مردودة، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[20]، أي مردود عليه عمله، لا يقبل منه، بل يأثم عليه؛ لأنه معصية وليس طاعة، ثم إن المنهج السليم في أداء العبادات المشروعة هو: الاعتدال بين التساهل والتكاسل؛ وبين التشدد والغلو، قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ...﴾ [هود: 112]. [20] أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلم (6/242): 30 ـ كتاب الأقضية، 8 ـ باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، (رقم: 4468)؛ من حديث عائشة رضي الله عنها. وذكره البخاري تعليقًا (13/387): 96 ـ كتاب الاعتصام، 20 ـ باب (بلا عنوان). وهو متفق عليه عنها بلفظ: (من أحدث): أخرجه البخاري (5/370): (رقم: 2697)، ومسلم (6/242): (رقم: 4467).
فهذه الآية الكريمة فيها رسم لخطة المنهج السليم في فعل العبادات، وذلك بالاستقامة في فعلها على الطريق المعتدل؛ الذي ليس فيه إفراط ولا تفريط؛ حسب الشرع (كما أمرت) ثم أكد ذلك بقوله: (ولا تطغوا) والطغيان: مجاوزة الحد بالتشدد والتنطع، وهو الغلو. ولما علم ﷺ بأن ثلاثة من أصحابه تقالوا في أعمالهم، حيث قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أصلي ولا أرقد، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، قال ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[21]. [21] متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (9/131): 67 ـ كتاب النكاح، 1 ـ باب: الترغيب في النكاح، (رقم: 5063). وأخرجه مسلم ـ بنحوه ـ (5/178): 16 ـ كتاب النكاح، 1 ـ باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه...، (رقم: 3389).
وهناك الآن فئتان من الناس على طرفي نقيض في أمر العبادة.
الفئة الأولى: قصَّرت في مفهوم العبادة وتساهلت في أدائها حتى عطلت كثيرًا من أنواعها، وقصرتها على أعمال محدودة، وشعائر قليلة تؤدى في المسجد فقط، ولا مجال للعبادة في البيت، ولا في المكتب، ولا في المتجر، ولا في الشارع، ولا في المعاملات، ولا في السياسة، ولا الحكم في المنازعات، ولا غير ذلك من شؤون الحياة.
نعم للمسجد فضلٌ، ويجب أن تؤدى فيه الصلوات الخمس، ولكن العبادة تشمل كل حياة المسلم؛ داخل المسجد وخارجه.
والفئة الثانية: تشددت في تطبيق العبادات إلى حد التطرف، فرفعت المستحبات إلى مرتبة الواجبات، وحرَّمت بعض المباحات، وحكمت بالتضليل أو التخطئة على من خالف منهجها، وخطَّأ مفاهيمها. وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها.
الفصل السادس: في بيان ركائز العبودية الصحيحة
إن العبادة ترتكز على ثلاث ركائز هي: الحبُّ والخوفُ والرجاء.
فالحب مع الذّل، والخوف مع الرجاء، لا بد في العبادة من اجتماع هذه الأمور، قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿...يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ...﴾ [المائدة: 54]، وقال تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ...﴾ [البقرة: 165].
وقال في وصف رُسُله وأنبيائه: ﴿...إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
وقال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري[22]، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن مُوحِّد. ذكر هذا شيخُ الإسلام في رسالة (العبودية) وقال أيضًا: "فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها: الذل. يقال: طريقٌ مُعبَّدٌ، إذا كان مُذللًا قد وطئته الأقدام. لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى، بغاية الحب له، ومن خضَعَ لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحبّ شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما يُحبُّ الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله..."[23]. انتهى. [22] أي: من الخوارج. [23] مجموع فتاوى شيخ الإسلام (10/152).
هذه ركائز العبودية التي تدور عليها، قال العلامة ابن القيم في النونية:
وعبادةُ الرحمن غايةُ حُبِّه ** مع ذُلِّ عابده هُما قطبان
وعليهما فَلكُ العبادة دائرٌ ** ما دار حتى قامتِ القُطبان
ومَدارهُ بالأمر أمرِ رَسوله ** لا بالهوى والنفسِ والشيطانِ
شبَّه -رحمَهُ الله- دورانَ العبادة على المحبة والذل للمحبوب، وهو الله جلَّ وعلا؛ بدوران الفلك على قطبيه، وذكر أن دوران فلك العبادة بأمر الرسول ﷺ وما شرعه، لا بالهوى، وما تأمر به النفس والشيطان، فليس ذلك من العبادة. فما شرعه الرسول ﷺ هو الذي يدير فلك العبادة، ولا تُديره البدع والخرافات والأهواء وتقليد الآباء.
3 ـ توحيد الأسماء والصفات
ويتضمن ما يلي:
أولًا: الأدلَّةُ من الكتاب والسنة والعقل على ثبوت الأسماء والصفات.
ثانيًا: منهج أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله وصفاته.
ثالثًا: الردُّ على من أنكر الأسماء والصفات، أو أنكر شيئًا منها.
أولًا: الأدلة من الكتاب والسنة والعقل على ثبوت الأسماء والصفات
أ ـ الأدلة من الكتاب والسنة
سبق أن ذكرنا أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيدُ الرُّبوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وذكرنا جملة من الأدلة على النوعين الأولين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية. والآن نذكر الأدلة على النوع الثالث: وهو توحيد الأسماء والصفات.
فإليك شيئًا من أدلة الكتاب والسنة: فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ180﴾ [الأعراف: 180].
أثبت الله سبحانه في هذه الآية لنفسه الأسماء، وأخبر أنها حُسنى. وأمر بدعائه؛ بأن يُقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا رب العالمين. وتوعّد الذين يُلحدون في أسمائه؛ بمعنى أنهم يميلون بها عن الحق؛ إما بنفيها عن الله، أو تأويلها بغير معناها الصحيح، أو غير ذلك من أنواع الإلحاد. توعدهم بأنه سيُجازيهم بعملهم السيئ.
وقال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ8﴾ [طه: 8]، ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ22 هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ23 هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ24﴾ [الحشر: 22-24].
فدلّت هذه الآيات على إثبات الأسماء لله.
ومن الأدلة على ثبوت أسماء الله من سنة الرسول ﷺ: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»[24]. وليست أسماءُ الله منحصرة في هذا العدد، بدليل ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي» الحديث[25]. [24] متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5/434): 54 ـ كتاب الشروط، 18 ـ باب: ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، (رقم: 2736). ومسلم (8/9): 48 ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة، 2 ـ باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، (رقم: 6751). [25] أخرجه أحمد (2/47): (رقم: 3712)؛ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وكل اسم من أسماء الله، فإنه يتضمن صفة من صفاته؛ فالعليمُ يدل على العلم، والحكيم يدل على الحكمة، والسَّميعُ البصير يدلان على السمع والبصر، وهكذا كلُّ اسم يدل على صفة من صفات الله تعالى، وقال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ1 ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ2 لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ3 وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ4﴾ [الإخلاص: 1-4].
عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ رجلٌ من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به؛ افتتح بـ(قل هو الله أحد)، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنعُ ذلك في كل ركعة، فكلَّمهُ أصحابهُ فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى؟! فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلتُ، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر. فقال: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا حَمَلَكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟» قَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، قَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ»[26]. [26] أخرجه البخاري (2/330): 10 ـ كتاب الأذان، 106 ـ باب: الجمع بين السورتين في الركعة، (رقم: 774).
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ بعثَ رجلًا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختمُ بـ(قل هو الله أحد)، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سَلُوهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: «لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ»[27]. يعني أنها اشتملت على صفاتِ الرَّحمن. [27] أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره «جامع البيان» (16/446): في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ﴾ (رقم: 20396).
وقد أخبر سبحانه أنَّ له وجهًا، فقال: ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ27﴾ [الرحمن: 27].
وأن له يدين، فقال: ﴿...لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ...﴾ [ص: 75]، ﴿...بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ...﴾ [المائدة: 64].
وأنه يرضى ويحب ويغضب ويسخط، إلى غير ذلك مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ.
ب ـ وأما الدليل العقلي
على ثبوت الأسماء والصفات التي دلَّ عليها الشرع فهو أن يُقال:
1- هذه المخلوقات العظيمة على تنوعها، واختلافها، وانتظامها في أداء مصالحها، وسيرها في خططها المرسومة لها، تدل على عظمة الله وقُدرته، وعلمه وحكمته، وإرادته ومشيئته.
2- الإنعام والإحسان، وكشف الضر، وتفريج الكربات؛ هذه الأشياء تدلّ على الرحمة والكرم والجود.
3- والعقاب والانتقام من العصاة؛ يدلان على غضب الله عليهم وكراهيته لهم.
4- وإكرامُ الطائعين وإثابتهم؛ يدلان على رضا الله عنهم ومحبته لهم.
ثانيًا: منهجُ أهل السّنَّة والجماعة في أسماء الله وصفاته
منهج أهل السُّنَّةِ والجماعة؛ من السلف الصالح وأتباعهم: إثباتُ أسماءِ الله وصفاته، كما وردت في الكتاب والسنة، وينبني منهجهم على القواعد التالية:
1- أنهم يُثبتون أسماء الله وصفاته؛ كما وردت في الكتاب والسنة على ظاهرها، وما تدل عليه ألفاظها من المعاني، ولا يؤولونها عن ظاهرها، ولا يُحرفون ألفاظها ودلالتها عن مواضعها.
2- يَنفونَ عنها مشابهة صفات المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
3- لا يتجاوزون ما ورد في الكتاب والسنة؛ في إثبات أسماء الله وصفاته، فما أثبته الله ورسوله من ذلك أثبتوه، وما نفاهُ الله ورسولُه نفوه، وما سَكتَ عنه الله ورسوله سكَتُوا عنه.
4- يعتقدون أنَّ نصوصَ الأسماءِ والصفات من المحكم الذي يُفهم معناه ويُفسَّر، وليست من المتشابه؛ فلا يُفَوِّضون معناها، كما يَنسبُ ذلك إليهم مَن كَذَبَ عليهم، أو لم يعرف منهجهم من بعض المؤلفين والكتاب المعاصرين.
5- يُفوّضونَ كيفية الصفات إلى الله تعالى، ولا يبحثون عنها.
ثالثًا: الرّدُّ على من أنكَرَ الأسماءَ والصّفاتِ، أو أنكر بعضها
الذين يُنكرون الأسماءَ والصفاتِ ثلاثة أصناف:
1- الجهمية: وهم أتباع الجهمِ بن صفوان، وهؤلاء يُنكرون الأسماء والصفات جميعًا.
2- المعتزلة: وهم أتباعُ واصل بن عطاء؛ الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، وهؤلاء يُثبتون الأسماءَ على أنها ألفاظ مُجرَّدة عن المعاني، وينفون الصفات كلها.
3- الأشاعرة والماتريدية ومن تبعهم، وهؤلاء يثبتون الأسماءَ وبعضَ الصِّفات، وينفون بعضها، والشُّبهة التي بنوا عليها جميعًا مذاهبهم: هي الفرارُ من تشبيه الله بخلقه بزعمهم؛ لأن المخلوقين يُسَمَّون ببعضِ تلك الأسماء، ويوصفون بتلك الصفات، فيلزمُ من الاشتراك في لفظ الاسم والصفة ومعناهما: الاشتراك في حقيقتهما، وهذا يَلزمُ منه تشبيه المخلوق بالخالق في نظرهم، والتزموا حيال ذلك أحد أمرين:
أ ـ إما تأويلُ نصوص الأسماء والصفات عن ظاهرها، كتأويل الوجه بالذات، واليد بالنعمة.
ب ـ وإما تفويض معاني هذه النصوص إلى الله، فيقولون: الله أعلم بمراده منها؛ مع اعتقادهم أنها ليست على ظاهرها.
وأول من عُرفَ عنه إنكار الأسماء والصفات: بعضُ مشركي العرب، الذين أنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ...﴾ [الرعد: 30].
وسببُ نزول هذه الآية: أنَّ قريشًا لما سمعت رسولَ الله ﷺ يذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿...وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ...﴾. وذكر ابن جرير أن ذلك كان في صلح الحديبية؛ حين كتب الكاتبُ في قضية الصلح الذي جرى بينهم وبين رسول الله ﷺ: "بسم الله الرحمن الرحيم" فقالت قريش: أما الرحمن فلا نَعرفهُ.
وروى ابنُ جرير أيضًا عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يدعو ساجدًا يقول: "يا رحمن يا رحيم" فقال المشركون: هذا يَزعمُ أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنى. فأنزل الله: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ...﴾ [الإسراء: 110][28]. [28] أخرجه ابن جرير الطبري (8/165): في تفسير الآية المذكورة (رقم: 22801).
وقال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ...﴾ [الفرقان: 60].
فهؤلاء المشركون هُم سلف الجهمية، والمعتزلة والأشاعرة، وكل من نفى عن الله ما أثبتَهُ لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته. وبئسَ السلف لبئس الخلف.
والرد عليهم من وجوه:
الوجه الأول:
أن الله سبحانه وتعالى أثبتَ لنفسه الأسماءَ والصفاتِ، وأثبتها له رسوله ﷺ، فنفيُها عن الله أو نفي بعضِها: نفيٌ لما أثبته الله ورسوله، وهذا محادة لله ورسوله.
الوجه الثاني:
أنه لا يلزم من وجود هذه الصفات في المخلوقين، أو من تسمِّي بعض المخلوقين بشيء من تلك الأسماء المشابهة بين الله وخلقه، فإن لله سبحانه أسماءً وصفات تخصه، وللمخلوقين أسماء وصفات تخصهم، فكما أن لله سبحانه وتعالى ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، فله أسماء وصفات لا تشبه أسماءَ المخلوقين وصفاتهم، والاشتراك في الاسم والمعنى العام لا يوجب الاشتراك في الحقيقة، فقد سمَّى الله نفسَهُ عليمًا، حليمًا، وسمَّى بعض عباده عليمًا، فقال: ﴿...وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ﴾ [الذاريات: 28] يعني إسحاق، وسمى آخر حليمًا، فقال: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ101﴾ [الصافات: 101] يعني إسماعيل، وليسَ العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، وسمَّى نفسه فقال: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58] وسمَّى بعض عباده سميعًا بصيرًا، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا2﴾ [الإنسان: 2]، وليس السميعُ كالسَّميع ولا البصيرُ كالبصير.
وسمَّى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحج: 65]، وسمَّى بعضَ عباده رؤوفًا رحيمًا، فقال: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ128﴾ [التوبة: 128]، وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيمُ كالرَّحيم.
وكذلك وصف نفسَهُ بصفاتٍ، ووصَفَ عباده بنظير ذلك، مثل قوله: ﴿...وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ...﴾ [البقرة: 255] فوصف نفسَهُ بالعلم، ووصف عباده بالعلم، فقال: ﴿...وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 85]، وقال: ﴿...وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 76]، وقال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ...﴾ [القصص: 80]، ووصف نفسه بالقوة فقال: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ58﴾ [الذاريات: 58]، ووصف عبادهُ بالقوة فقال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ...﴾ [الروم: 54]، إلى غير ذلك.
ومعلومٌ أن أسماء الله وصفاته تخصه وتليق به، وأسماء المخلوقين تخصهم وتليق بهم، ولا يلزمُ من الاشتراك في الاسم والمعنى الاشتراك في الحقيقة؛ وذلك لعدم التماثل بين المُسَمَّيين والموصوفين، وهذا ظاهر، والحمد لله.
الوجه الثالث:
أنَّ الذي ليس له صفات كمال، لا يصلح أن يكون إلهًا؛ ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿...لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ...﴾ [مريم: 42].
وقال تعالى في الرد على الذين عبدوا العجل: ﴿...أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ...﴾ [الأعراف: 148].
الوجه الرابع:
أنَّ إثباتَ الصفات كمالٌ، ونفيها نقص، فالذي ليس له صفات، إما معدومٌ وإما ناقص، والله تعالى مُنزّه عن ذلك.
الوجه الخامس:
أنَّ تأويلَ الصّفاتِ عن ظاهرها لا دليلَ عليه، فهو باطلٌ، وتفويض معناها يلزم منه أن الله خاطبنا في القرآن بما لا نفهم معناه، مع أنه أمرنا أن ندعوه بأسمائه، فكيف ندعوه بما لا نفهم معناه؟! وأمرنا بتدبر القرآن كله، فكيفَ يأمرنا بتدبر ما لا يُفهم معناه؟
فتبين من هذا أنه لا بد من إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله، مع نفي مشابهة المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فنفى عن نفسه مُماثلة الأشياء، وأثبت له السمع والبصر، فدل على أن إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه، وعلى وجوب إثبات الصفات مع نفي المشابهة، وهذا معنى قول أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات في الأسماء والصفات: إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
الباب الثالث: في بيان الشرك والانحراف في حياة البشرية
ولمحة تاريخية عن الكفر والإلحاد والشرك والنِّفاق
ويتضمّن الفصول التالية:
الفصل الأول: الانحراف في حياة البشرية.
الفصل الثاني: الشرك - تعريفه وأنواعه.
الفصل الثالث: الكفر - تعريفه وأنواعه.
الفصل الرابع: النفاق - تعريفه وأنواعه.
الفصل الخامس: بيان حقيقة كل من: الجاهلية - الفسق - الضلال - الردة: أقسامها، وأحكامها.
الفصل الأول: الانحراف في حياة البشرية
خلق الله الخلق لعبادته، وهيأ لهم ما يعينهم عليها من رزقه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ58﴾ [الذاريات: 56-58].
والنفسُ بفطرتها إذا تركت؛ كانت مقرة لله بالإلهية، مُحبَّةً لله، تعبدُه لا تُشرك به شيئًا، ولكن يفسدها وينحرف بها عن ذلك ما يُزيِّنُ لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فالتوحيد مركوز في الفطرة، والشرك طارئ ودخيل عليها، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ...﴾ [الروم: 30].
وقال ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[29]. فالأصلُ في بني آدم: التوحيد. [29] في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. تقدم تخريجه.
والدينُ الحق هو الإسلام، وكان عليه آدم عليه السلام، ومن جاءَ بعدَهُ من ذُرّيته قُرونًا طويلة، قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...﴾ [البقرة: 213].
وأوَّلُ ما حدثَ الشركُ والانحراف عن العقيدة الصحيحة في قوم نوح، فكانَ عليه السلام أول رسول إلى البشرية بعد حدوث الشرك فيها: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِ...﴾ [النساء: 163].
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرةُ قرون؛ كلهم على الإسلام[30]. [30] أخرجه ابن جرير في تفسيره (4048) بلفظ: «كلهم على شريعة من الحق».
قال ابن القيِّم: "وهذا القولُ هو الصواب قطعًا؛ فإنَّ قراءة أُبيّ بنِ كعبٍ -يعني: في آية البقرة-: (فاختلفوا فبعث الله النبيين)"[31]. [31] كما في تفسير الطبري (3/623).
ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ...﴾ [يونس: 19][32]. [32] إغاثة اللهفان (2/102).
يريد -رَحمهُ الله- أنَّ بعثةَ النبيين سببُها الاختلاف عما كانوا عليه من الدين الصحيح، كما كانت العربُ بعد ذلك على دين إبراهيمَ عليه السلام؛ حتى جاء عمرو بن لحي الخزاعي فغيّر دينَ إبراهيم، وجلبَ الأصنام إلى أرض العرب، وإلى أرض الحجاز بصفة خاصة، فعُبدت من دون الله، وانتشر الشركُ في هذه البلاد المقدسة، وما جاورها؛ إلى أن بعثَ الله نبيه محمدًا خاتم النبيين ﷺ فدعا الناس إلى التوحيد، واتّباع ملَّة إبراهيم، وجاهد في الله حق جهاده؛ حتى عادت عقيدة التوحيد وملة إبراهيم، وكسَّر الأصنام وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على العالمين، وسارت على نهجه القرون المفضَّلَة من صدر هذه الأمة؛ إلى أن فشا الجهل في القرون المتأخرة، ودخلها الدخيلُ من الديانات الأخرى، فعاد الشرك إلى كثير من هذه الأمة؛ بسبب دعاة الضلالة، وبسبب البناء على القبور، متمثلًا بتعظيم الأولياء والصالحين، وادعاء المحبة لهم؛ حتى بنيت الأضرحة على قبورهم، واتخذت أوثانًا تُعبدُ من دون الله، بأنواع القُربات من دعاء واستغاثة، وذبح ونذر لمقامهم. وسَموا هذا الشرك: توسُّلًا بالصالحين، وإظهارًا لمحبتهم، وليس عبادة لهم، بزعمهم، ونسوا أن هذا هو قول المشركين الأولين حين يقولون: ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزمر: 3].
ومع هذا الشرك الذي وقع في البشرية قديمًا وحديثًا، فالأكثرية منهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، وإنما يُشركون في العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ106﴾ [يوسف: 106].
ولم يجحد وجودَ الرب إلا نزرٌ يسير من البشر، كفرعون والملاحدة الدهريين، والشيوعيين في هذا الزمان، وجحودهم به من باب المكابرة؛ وإلا فهم مضطرون إلى الإقرار به في باطنهم وقرارة نفوسهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ...﴾ [النمل: 14].
وعقولهم تعرف أن كل مخلوق لا بد له من خالق، وكل موجود لا بد له من موجد، وأن نظام هذا الكون المنضبط الدقيق لا بد له من مدبر حكيم، قدير عليم، من أنكره فهو إما فاقد لعقله، أو مكابر قد ألغى عقله وسفه نفسه، وهذا لا عِبرةَ به.
الفصل الثاني: الشرك: تعريفه، أنواعه
أ ـ تعريفه
الشرك هو: جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته.
والغالب الإشراك في الألوهية؛ بأن يدعو مع الله غيره، أو يَصرفَ له شيئًا من أنواع العبادة، كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة. والشركُ أعظمُ الذنوب؛ وذلك لأمور:
1 ـ لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فمن أشرك مع الله أحدًا فقد شبهه به، وهذا أعظم الظلم، قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13].
والظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد غير الله؛ فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وذلك أعظم الظلم.
2 ـ أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ...﴾ [النساء: 48].
3 ـ أن الله أخبر أنه حرَّم الجنة على المشرك، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، قال تعالى: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [المائدة: 72].
4 ـ أنَّ الشركَ يُحبطُ جميعَ الأعمال، قال تعالى: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ65﴾ [الزمر: 65].
5 ـ أنَّ المشرك حلالُ الدم والمال، قال تعالى: ﴿...فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ...﴾ [التوبة: 5].
وقال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا»[33]. [33] متفق عليه، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقد تقدم تخريجه.
6 ـ أنَّ الشركَ أكبرُ الكبائر، قال ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ...» الحديث[34]. [34] متفق عليه، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (22/87): 81 ـ كتاب الأدب، 6 ـ باب: عقوق الوالدين من الكبائر، (رقم: 5976). ومسلم (1/91): 1 ـ كتاب الإيمان، 38 ـ باب: بيان الكبائر وأكبرها، (رقم: 87).
قال العلامة ابن القيم[35]: "أخبر سُبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يُعرفَ بأسمائه وصفاته، ويُعبدَ وحده لا يُشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ...﴾ [الحديد: 25]. [35] الجواب الكافي (ص109).
فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزلَ كُتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط: التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه؛ وإن الشرك ظلم كما قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13].
فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل؛ فما كان أشد منافاةً لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر".
إلى أن قال: "فلما كان الشرك منافيًا بالذات لهذا المقصود؛ كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدًا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل لمشرك عملًا، أو يقبلَ فيه شفاعة، أو يَستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل له فيها رجاء؛ فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندًّا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربَّه، وإنَّما ظلَمَ نفسه" انتهى.
7 ـ أنَّ الشركَ تنقص وعيب نزه الرب سبحانه نفسه عنهما، فمن أشرك بالله فقد أثبت لله ما نزه نفسه عنه، وهذا غاية المحادَّةِ لله تعالى، وغاية المعاندة والمشاقَّة لله.
ب ـ أنواع الشرك
الشرك نوعان:
النوع الأول: شرك أكبر يُخرج من الملة، ويخلَّدُ صاحبُهُ في النار، إذا مات ولم يتب منه، وهو صرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء غير الله، والتقرب بالذبائح والنذور لغير الله من القبور والجن والشياطين، والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه أو يُمرضوه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكُربات، مما يُمارسُ الآن حولَ الأضرحة المبنية على قبور الأولياء والصالحين، قال تعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ18﴾ [يونس: 18].
والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة؛ لكنه ينقص التوحيد، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو قسمان:
القسم الأول: شرك ظاهر على اللسان والجوارح وهو: ألفاظ وأفعال، فالألفاظ كالحلف بغير الله، قال ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»[36]. وَقَوْلُ: «مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ»، قَالَ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ رَجُلٌ: «مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ»، فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[37]. وقول: لولا الله وفلان، والصوابُ أن يُقالَ: ما شاءَ الله ثُمَّ شاء فلان؛ ولولا الله ثمَّ فلان، لأن (ثم) تفيدُ الترتيب مع التراخي، وتجعلُ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ29﴾ [التكوير: 29]. [36] أخرجه أحمد (2/125): (رقم: 6072)، وأبو داود (3/371): 16 ـ كتاب الأيمان والنذور، 5 ـ باب: في كراهية الحلف بالآباء، (رقم: 3251)، والترمذي (4/110): 18 ـ كتاب النذور والأيمان، 9 ـ باب (تابع): ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، (رقم: 1539)؛ جميعهم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن». [37] أخرجه أحمد (1/571): (رقم: 1839).
وأما الواو: فهي لمطلق الجمع والاشتراك، لا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا؛ ومثلُه قول: «ما لي إلا الله وأنت»، وقوله: «هذا من بركات الله وبركاتك».
وأما الأفعال: فمثل لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، ومثل تعليق التمائم خوفًا من العين وغيرها؛ إذا اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاء أو دفعه، فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه أسبابًا، أما إن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها؛ فهذا شرك أكبر لأنه تَعلَّق بغير الله.
القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإرادات والنيات، كالرياء والسمعة، كأن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله؛ يريد به ثناء الناس عليه، كأن يُحسن صلاته، أو يتصدق؛ لأجل أن يُمدح ويُثنى عليه، أو يتلفظ بالذكر ويحسن صوته بالتلاوة لأجل أن يسمعه الناس، فيُثنوا عليه ويمدحوه. والرياء إذا خالط العمل أبطله، قال الله تعالى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
وقال النبي ﷺ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ»[38]. [38] أخرجه أحمد (5/429): (رقم: 23686).
ومنه: العملُ لأجل الطمع الدنيوي، كمن يحج أو يؤذن أو يؤم الناس لأجل المال، أو يتعلم العلم الشرعي، أو يجاهد لأجل المال. قال النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[39]. [39] أخرجه البخاري (6/100): 56 ـ كتاب الجهاد والسير، 70 ـ باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله، (رقم: 2887).
قال الإمام ابنُ القيم رحمه الله: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه؛ فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يُخلصَ لله في أفعاله وأقواله، وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يُقبلُ من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران: 85].
وهي ملَّةُ إبراهيمَ -عليه السلام- التي من رغب عنها فهو من أسفَهِ السُّفهاء"[40] انتهى. [40] الجواب الكافي (ص115).
يتلخَّصُ مما مرّ أن هناك فروقًا بين الشرك الأكبر والأصغر، وهي:
1- الشرك الأكبر: يُخرج من الملة، والشرك الأصغر لا يُخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد.
2- الشرك الأكبرُ يخلَّدُ صاحبه في النار، والشرك الأصغر لا يُخلَّد صاحبُه فيها إن دَخَلها.
3- الشركُ الأكبرُ يحبطُ جميعَ الأعمال، والشركُ الأصغرُ لا يُحبِطُ جميع الأعمال، وإنما يُحبِطُ الرياءُ والعملُ لأجل الدنيا العملَ الذي خالطاه فقط.
4- الشرك الأكبر يبيح الدم والمال، والشرك الأصغر لا يبيحهما.
الفصل الثالث: الكفر: تعريفه - أنواعه
أ ـ تعريفه
الكفر في اللغة: التغطية والستر، والكفر شرعًا: ضد الإيمان، فإنَّ الكُفرَ: عدم الإيمان بالله ورسله، سواءً كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب، بل مجرد شك وريب أو إعراض أو حسد، أو كبر أو اتباع لبعض الأهواء الصادة عن اتباع الرسالة. وإن كان المكذب أعظم كفرًا، وكذلك الجاحدُ والمكذِّب حسدًا؛ مع استيقان صدق الرسل[41]. [41] مجموع الفتاوى (12/335).
ب ـ أنواعه
الكفر نوعان: النوع الأول: كفر أكبر يخرج من الملة، وهو خمسة أقسام:
القسم الأول: كُفرُ التَّكذيب، والدَّليلُ: قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ68﴾ [العنكبوت: 68].
القسم الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ34﴾ [البقرة: 34].
القسم الثالث: كفرُ الشّكِّ، وهو كفر الظّنّ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا35 وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا36 قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا37 لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا38﴾ [الكهف: 35-38].
القسم الرابع: كفرُ الإعراضِ، والدليلُ قولُه تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ﴾ [الأحقاف: 3].
القسم الخامس: كفرُ النّفاقِ، والدليلُ قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ3﴾ [المنافقون: 3].
النوع الثاني: كفرٌ أصغرُ لا يُخرجُ من الملة، وهو الكفرُ العملي، وهو الذنوب التي وردت تسميتها في الكتاب والسنة كُفرًا، وهي لا تصلُ إلى حدِّ الكفر الأكبر، مثل كفر النعمة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ...﴾ [النحل: 112].
ومثلُ قتال المسلم المذكور في قوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[42]. [42] متفق عليه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أخرجه البخاري (1/27): 2 ـ كتاب الإيمان، 36 ـ باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، (رقم: 147). ومسلم (1/214): 1 ـ كتاب الإيمان، 28 ـ باب: بيان قول النبي ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، (رقم: 218).
وفي قوله ﷺ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»[43]. [43] متفق عليه، من حديث جرير رضي الله عنه: أخرجه البخاري (2/186): 3 ـ كتاب العلم، 43 ـ باب: الإنصات للعلماء، (رقم: 121)، واللفظ له. ومسلم (1/243): 1 ـ كتاب الإيمان، 29 ـ باب: بيان معنى قول النبي ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا)، (رقم: 220).
ومثل الحلف بغير الله، قال ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»[44]. [44] تقدم تخريجه.
فقد جعل الله مُرتكِبَ الكبيرة مُؤمنًا، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ...﴾
فلم يُخرج القاتلَ من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص فقال: ﴿...فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ...﴾ [البقرة: 178].
والمرادُ: أخوة الدين، بلا ريب.
وقال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ...﴾ [الحجرات: 9].
إلى قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ...﴾ [الحجرات: 10].
انتهى من شرح الطحاوية[45] باختصار. [45] شرح الطحاوية، ط. المكتب الإسلامي، (ص361).
وملخص الفروق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر:
1- أنَّ الكفر الأكبر يُخرجُ من الملة، ويحبط الأعمال، والكُفر الأصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال، لكن ينقصُها بحسبه، ويعرِّضُ صاحبَها للوعيد.
2- أنَّ الكفرَ الأكبرَ يُخلد صاحبه في النار، والكفر الأصغر إذا دخل صاحبه النار، فإنه لا يخلد فيها؛ وقد يتوب الله على صاحبه، فلا يدخله النار أصلًا.
3- أنَّ الكفرَ الأكبرَ يُبيح الدم والمال، والكفر الأصغر لا يُبيحُ الدم والمال.
4- أن الكفر الأكبر يُوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب، وأما الكفر الأصغر فإنهُ لا يمنع الموالاة مطلقًا، بل صاحبه يُحَبُّ ويُوالى بقدر ما فيه من الإيمان، ويُبغَض ويُعادى بقدر ما فيه من العصيان.
الفصل الرابع: النفاق: تعريفه، أنواعه
أ ـ تعريفه
النفاق لغة: مصدر نافق، يُقال: نافق يُنافق نفاقًا ومنافقة، وهو مأخوذ من النافقاء: أحد مخارج اليربوع من جحره؛ فإنه إذا طلب من مخرج هرب إلى الآخر، وخرج منه، وقيل: هو من النفق وهو: السَّرَب الذي يستتر فيه[46]. [46] النهاية لابن الأثير (5/98).
وأما النفاق في الشرع فمعناه: إظهارُ الإسلام والخير، وإبطانُ الكفر والشر؛ سمي بذلك لأنه يدخل في الشرع من باب، ويخرج منه من باب آخر، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: ﴿...إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [التوبة: 67].
أي: الخارجون من الشرع.
وجعل الله المنافقين شرًّا من الكافرين فقال: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ...﴾ [النساء: 145].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ...﴾ [النساء: 142]، ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ10﴾ [البقرة: 9-10].
ب ـ أنواع النفاق
النفاق نوعان: النوع الأول: النفاقُ الاعتقادي: وهو النفاق الأكبر الذي يُظهر صاحبه الإسلام، ويُبطن الكفر، وهذا النوع مخرج من الدين بالكلية، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، وقد وصَفَ الله أهله بصفات الشر كلها: من الكفر وعدم الإيمان، والاستهزاء بالدين وأهله، والسخرية منهم، والميل بالكلية إلى أعداء الدين؛ لمشاركتهم لهم في عداوة الإسلام. وهؤلاء مَوجودون في كل زمان، ولا سيما عندما تظهر قوة الإسلام ولا يستطيعون مقاومته في الظاهر، فإنهم يظهرون الدخول فيه؛ لأجل الكيد له ولأهله في الباطن؛ ولأجل أن يعيشوا مع المسلمين ويأمنوا على دمائهم وأموالهم؛ فيظهر المنافق إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولًا للناس يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه، وقد هتك الله أستار هؤلاء المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن الكريم، وجلى لعباده أمورهم؛ ليكونوا منها ومن أهلها على حذر. وذكرَ طوائف العالم الثلاثة في أول البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة؛ يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
وهذا النفاق ستة أنواع[47]: [47] مجموعة التوحيد النجدية (ص9).
1- تكذيب الرسول ﷺ.
2- تكذيبُ بعض ما جاءَ به الرسول ﷺ.
3- بُغضُ الرسول ﷺ.
4- بغضُ بعض ما جاء به الرسول ﷺ.
5- المسرَّة بانخفاض دين الرسول ﷺ.
6- الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ.
النوع الثاني: النفاق العملي: وهو عمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء الإيمان في القلب، وهذا لا يُخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى ذلك، وصاحبه يكونُ فيه إيمان ونفاق، وإذا كثر؛ صارَ بسببه منافقًا خالصًا، والدليل عليه قوله ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا؛ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»[48]. [48] متفق عليه، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أخرجه البخاري (1/121): 2 ـ كتاب الإيمان، 24 ـ باب: باب علامة المنافق، (رقم: 34). ومسلم (1/234): 1 ـ كتاب الإيمان، 25 ـ باب: بيان خصال المنافق، (رقم: 207).
فمن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع، فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، ومَن كانت فيه واحدة منها صار فيه خصلة من النفاق، فإنه قد يجتمع في العبد خصال خير، وخصال شر، وخصال إيمان، وخصال كفر ونفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك.
ومنه: التكاسل عن الصلاة مع الجماعة في المسجد؛ فإنه من صفات المنافقين، فالنفاق شر، وخطير جدًّا، وكان الصحابة يتخوفون من الوقوع فيه، قال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كُلُّهم يخاف النفاق على نفسه"[49]. [49] ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (1/146): 2 ـ كتاب الإيمان، 36 ـ باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر
1- إن النفاقَ الأكبرَ يُخرجُ من الملَّة، والنفاقَ الأصغر لا يُخرجُ من الملَّة.
2- إن النفاق الأكبر: اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد، والنفاق الأصغر: اختلاف السر والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد.
3- إن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.
4- إن النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه، ولو تاب فقد اختلف في قبول توبته عند الحاكم. بخلاف النفاق الأصغر؛ فإن صاحبه قد يتوب إلى الله، فيتوب الله عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثيرًا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوبُ الله عليه، وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق، ويدفعه الله عنه، والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان، وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قال الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخرّ من السماء إلى الأرض، أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: «ذلك صريح الإيمان»[50]. وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به، قال: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الوَسْوَسَةِ»[51]، أي حصول هذا الوسواس، مع هذه الكراهة العظيمة، ودفعه عن القلب، هو من صريح الإيمان"[52]. انتهى. [50] أخرجه مسلم (1/332): 1 ـ كتاب الإيمان، 60 ـ باب: بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، (رقم: 338). [51] أخرجه أحمد (1/235): (رقم: 2097)، وأبو داود (5/211): 35 ـ كتاب الأدب، 118 ـ باب: في رد الوسوسة، (رقم: 5112)؛ كلاهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [52] كتاب الإيمان (ص238).
وأما أهل النفاق الأكبر، فقال الله فيهم: ﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ18﴾ [البقرة: 18]. أي: إلى الإسلام في الباطن، وقال تعالى فيهم: ﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ126﴾ [التوبة: 126].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اختلف العلماءُ في قبول توبتهم في الظاهر؛ لكون ذلك لا يُعلم، إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام"[53]. [53] مجموع الفتاوى (28/434 ـ 435).
الفصل الخامس: بيان حقيقة كل من الجاهلية - الفسق - الضلال - الردة: أقسامها، أحكامها
1 ـ الجاهلية
هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام؛ من الجهل بالله ورسله، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر، وغير ذلك[54]، نِسبةً إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: "فإنَّ من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلًا مركبًا، فإن قال خلاف الحق عالمًا بالحق، أو غير عالم، فهو جاهل أيضًا، فإذا تبيّن ذلك فالناس قبل بعث الرسول ﷺ كانوا في جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال، إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون، من يهودية ونصرانية، فهو جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة. [54] النهاية لابن الأثير (1/323).
فأما بعد بعث الرسول ﷺ فقد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكونُ في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلمَ فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام، فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة، والجاهلية المقيدة قد توجد في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال ﷺ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ...»[55]، وقال لأبي ذر: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»[56]، ونحو ذلك"[57]. انتهى. [55] أخرجه مسلم (3/475): 11 ـ كتاب الجنائز، 10 ـ باب: التشديد في النياحة، (رقم: 2157). [56] متفق عليه، من حديث أبي ذر رضي الله عنه: أخرجه البخاري (1/115): 2 ـ كتاب الإيمان، 22 ـ باب: المعاصي من أمر الجاهلية، (رقم: 30). وأخرجه مسلم (6/134): 27 ـ كتاب الأيمان والنذور، 10 ـ باب: إطعام المملوك مما يأكل، (رقم: 4289). [57] اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق الدكتور ناصر العقل (1/225 ـ 227).
وملخص ذلك: أن الجاهلية: نسبة إلى الجهل، وهو عدم العلم، وأنها تنقسم إلى قسمين:
1 ـ الجاهلية العامة: وهي ما كان قبل مبعث الرسول محمد ﷺ وقد انتهت ببعثته.
2 ـ جاهلية خاصة ببعض الدول، وبعض البلدان، وبعض الأشخاص، وهذه لا تزال باقية، وبهذا يتضح خطأ من يُعمّمونَ الجاهلية في هذا الزمان فيقولون: جاهلية هذا القرن أو جاهلية القرن العشرين، وما شابه ذلك، والصواب أن يُقالَ: جاهلية بعض أهل هذا القرن، أو غالب أهل هذا القرن؛ وأما التعميم فلا يصحُّ ولا يجوزُ؛ لأنه ببعثة النبي ﷺ زالت الجاهلية العامة.
2 ـ الفسق
الفسق لغة: الخروج، والمراد به شرعًا: الخروج عن طاعة الله، وهو يشمل الخروج الكلي؛ فيقالُ للكافر: فاسق، والخروج الجزئي؛ فيقال للمؤمن المرتكب لكبيرة من كبار الذنوب: فاسق.
فالفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وهو الكفر، فيسمَّى الكافرُ فاسقًا، فقد ذكر الله إبليسَ فقال: ﴿...فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦ...﴾ [الكهف: 50]، وكان ذلك الفسق منه كُفرًا.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ...﴾ يريد الكفار، دلَّ على ذلك قوله: ﴿...كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 20].
ويُسمَّى مرتكب الكبيرة من المسلمين: فاسقًا، ولم يُخرجهُ فسقُهُ من الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ4﴾ [النور: 4].
وقال تعالى: ﴿...فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ...﴾ [البقرة: 197].
وقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هو المعاصي[58]. [58] كتاب الإيمان، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص378).
3 ـ الضلال
الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، وهو ضد الهداية، قال تعالى: ﴿...فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ...﴾ [الإسراء: 15].
والضلالُ يطلق على عدة معان:
1- فتارةً يُطلقُ على الكفر، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
2- وتارة يُطلقُ على الشرك، قال تعالى: ﴿...وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].
3- وتارة يُطلقُ على المخالفة التي هي دون الكفر، كما يقال: الفرق الضالة: أي المخالفة.
4- وتارة يُطلق على الخطأ، ومنه قولُ موسى عليه السلام: ﴿قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ20﴾ [الشعراء: 20].
5- وتارةً يُطلقُ على النسيان، ومنه قوله تعالى: ﴿...أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ...﴾ [البقرة: 282].
6- ويُطلقُ الضلالُ على الضياع والغيبة، ومنه: ضالة الإبل[59]. [59] انظر: المفردات، للراغب الأصفهاني، (ص297 ـ 298).
4 ـ الردة وأقسامها وأحكامها
الردة لغة: الرجوع، قال تعالى: ﴿...وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ...﴾ [المائدة: 21].
أي: لا ترجعوا، والردة في الاصطلاح الشرعي هي: الكفرُ بعد الإسلام، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 217].
أقسامها: الردة تحصل بارتكاب ناقضٍ من نواقضِ الإسلام، ونواقضُ الإسلام كثيرة ترجع إلى خمسة أقسام، هي:
1- الردة بالقول: كسبِّ الله تعالى، أو رسوله ﷺ، أو ملائكته، أو أحد من رسله. أو ادّعاء علم الغيب، أو ادّعاء النبوة، أو تصديق من يدعيها. أو دعاء غير الله، أو الاستعانة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستعاذة به في ذلك.
2- الردة بالفعل: كالسجود للصنم والشجر، والحجر والقبور، والذبح لها. وإلقاء المصحف في المواطن القذرة، وعمل السحر، وتعلمه وتعليمه، والحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا حله.
3- الردة بالاعتقاد، كاعتقاد الشريك لله، أو أن الزنا والخمر والربا حلال، أو أن الخبز حرام، وأن الصلاة غير واجبة، ونحو ذلك مما أُجمع على حله، أو حرمته أو وجوبه، إجماعًا قطعيًّا، ومثله لا يجهله.
4- الردة بالشك في شيء مما سبق، كمن شكَّ في تحريم الشرك، أو تحريم الزنا والخمر، أو في حل الخبز، أو شك في رسالة النبي ﷺ أو رسالة غيره من الأنبياء، أو في صدقه، أو في دين الإسلام، أو في صلاحيته لهذا الزمان.
5- الردة بالترك، كمن ترك الصلاة متعمدًا؛ لقول النبي ﷺ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»[60]، وغيره من الأدلة على كفر تارك الصلاة. [60] أخرجه مسلم (1/259): 1 ـ كتاب الإيمان، 36 ـ باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، (رقم: 242).
وأحكامها التي تترتب عليها بعد ثبوتها هي:
1- استتابة المرتد، فإن تاب ورجعَ إلى الإسلام في خلال ثلاثة أيام؛ قبل منه ذلك وترك.
2- إذا أبى أن يتوبَ؛ وجب قتله؛ لقوله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[61]. [61] أخرجه البخاري (6/180): 56 ـ كتاب الجهاد والسير، 149 ـ باب: لا يعذب بعذاب الله، (رقم: 3017).
3- يُمنع من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له؛ وإلا صار فيئًا لبيت المال، من حين قتله، أو موته على الردة. وقيل: من حين ارتداده يصرف في مصالح المسلمين.
4- انقطاع التوارث بينه وبين أقاربه؛ فلا يرثهم ولا يرثونه.
5- إذا ماتَ أو قُتلَ على ردته فإنه لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ في مقابر المسلمين، وإنما يُدفَنُ في مقابر الكفّار، أو يُوارى في التراب في أي مكان غير مقابر المسلمين.
الباب الرابع: أقوال وأفعال تُنافي التوحيد أو تُنقِصُه
وفيه فصول:
الفصل الأول: ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان، والتنجيم... إلخ.
الفصل الثاني: السحر والكهانة والعرافة.
الفصل الثالث: تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها.
الفصل الرابع: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية.
الفصل الخامس: الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته.
الفصل السادس: الحكم بغير ما أنزل الله.
الفصل السابع: ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم.
الفصل الثامن: الانتماء إلى المذاهب الإلحادية، والأحزاب الجاهلية.
الفصل التاسع: النظرة المادية للحياة.
الفصل العاشر: التمائم والرقى.
الفصل الحادي عشر: الحلف بغير الله، والتوسل والاستعانة بالمخلوق دون الله.
الفصل الأول: ادِّعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما
المراد بالغيب:
ما غاب عن الناس من الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه، وقد اختص الله تعالى بعلمه، وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ...﴾ [النمل: 65].
فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، وحده، وقد يُطلع رسله على ما شاء من غيبه لحكمة ومصلحة، قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا26 إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ...﴾ [الجن: 26-27].
أي: لا يطلع على شيء من الغيب إلا من اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من الغيب؛ لأنه يُستدل على نبوته بالمعجزات؛ التي منها الإخبار عن الغيب؛ الذي يطلعه الله عليه، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري، ولا يطلع غيرهما لدليل الحصر. فمن ادّعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه الله من رسله، فهو كاذب كافر؛ سواء ادّعى ذلك بواسطة قراءة الكف أو الفنجان، أو الكهانة أو السحر أو التنجيم، أو غير ذلك، وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين؛ من الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة والأشياء الغائبة، وعن أسباب بعض الأمراض، فيقولون: فلان عَمِلَ لكَ كذا وكذا فمرضتَ بسببه، وإنما هذا لاستخدام الجن والشياطين، ويظهرون للناس أن هذا يحصل لهم؛ عن طريق عمل هذه الأشياء من باب الخداع والتلبيس، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية[62]: "والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يَخلطون الصِّدقَ بالكذب" إلى أن قال: "ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة، فواكه وحلوى، وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما" انتهى. [62] انظر: مجموعة التوحيد (ص797، 801).
وقد يكون إخبارهم عن ذلك عن طريق التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كأوقات هُبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها. ويقولون: من تزوج بنجم كذا وكذا، حصل له كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا، ومن وُلد بنجم كذا وكذا حصل له كذا؛ من السعود أو النحوس، كما يعلن في بعض المجلات الساقطة من الخزعبلات حول البروج؛ وما يجري فيها من الحظوظ.
وقد يذهب بعضُ الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين، فيسألهم عن مستقبل حياته، وما يجري عليه فيه، وعن زواجه وغير ذلك.
ومن ادَّعى علم الغيب أو صدَّق من يدَّعيه، فهو مشركٌ كافر؛ لأنه يدَّعي مشاركة الله فيما هو من خصائصه، والنجوم مسخَّرة مخلوقة، ليس لها من الأمر شيء، ولا تدل على نحوس، ولا سعود، ولا موت، ولا حياة، وإنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع.
الفصل الثاني: السحرُ والكهانةُ والعِرافة
كل هذه الأمور أعمال شيطانية مُحرَّمة تخل بالعقيدة أو تناقضها؛ لأنها لا تحصل إلا بأمور شركية.
1 ـ فالسحرُ عبارةٌ عما خفي ولَطُفَ سببُهُ
سُمِّي سِحْرًا؛ لأنه يحصل بأمور خفية، لا تدرك بالأبصار، وهو: عزائم ورقى، وكلام يتكلم به، وأدوية وتدخينات، وله حقيقة. ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيُمرض ويقتُل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القَدَريّ، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بما تحب، والتوصل إلى استخدامها بالإشراك بها؛ ولهذا قرنهُ الشارع بالشرك، حيث يقول النبي ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ...»[63] الحديث. فهو داخل في الشرك من ناحيتين: [63] متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5/481): 55 ـ كتاب الوصايا، 23 ـ باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا﴾ (رقم: 2766). وأخرجه مسلم (1/273): 1 ـ كتاب الإيمان، 38 ـ باب: بيان الكبائر وأكبرها، (رقم: 258).
الناحية الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين، والتعلق بهم والتقرب إليهم بما يحبونه؛ ليقوموا بخدمة الساحر، فالسِّحرُ من تعليم الشياطين، قال تعالى: ﴿...وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ...﴾ [البقرة: 102].
الناحية الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال، قال تعالى: ﴿...وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ...﴾ [البقرة: 102]، أي: نصيبٌ.
وإذا كان كذلك فلا شكَّ أنه كفر وشرك؛ يناقض العقيدة، ويجبُ قتل متعاطيه، كما قتله جماعة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، وقد تساهل الناس في شأن الساحر والسِّحر، ورُبما عدوا ذلك فنًّا من الفنون؛ التي يفتخرون بها، ويمنحون أصحابها الجوائز والتشجيع، ويُقيمون النوادي والحفلات والمسابقات للسحرة، ويحضرها آلاف المتفرجين والمشجعين، أو يسمونه بالسيرك، وهذا من الجهل بالدين والتهاون بشأن العقيدة، وتمكين للعابثين.
2 ـ الكهانة والعرافة
وهما ادعاء علم الغيب، ومعرفة الأمور الغائبة، كالإخبار بما سيقع في الأرض، وما سيحصل، وأين مكان الشيء المفقود؛ وذلك عن طريق استخدام الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، كما قال تعالى: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ221 تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ222 يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ223﴾ [الشعراء: 221-223].
وذلك أن الشيطان يسترق الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، ويكذب الكاهن مع هذه الكلمة مائة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة، التي سُمعت من السماء، والله عز وجل هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك، بكهانة أو غيرها، أو صدق من يدعي ذلك؛ فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه. والكهانة لا تخلو من الشرك؛ لأنها تَقَرُّبٌ إلى الشياطين بما يحبون؛ فهي شرك في الربوبية من حيث ادعاء مشاركة الله في علمه، وشرك في الألوهية من حيث التقرب إلى غير الله بشيء من العبادة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»[64]. [64] أخرجه أحمد (2/476): (رقم: 10170)، وأبو داود (4/145): 22 ـ كتاب الطب، 21 ـ باب: في الكاهن، (رقم: 3904)، والترمذي (1/242): 1 ـ كتاب الطهارة، 102 ـ باب: ما جاء في كراهية إتيان الحائض، (رقم: 135)، وابن ماجه (1/354): 1 ـ كتاب الطهارة، 122 ـ باب: النهي عن إتيان الحائض، (رقم: 639)؛ جميعهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ومما يجب التنبيه عليه والتنبه له: أن السحرة والكهان والعرافين، يعبثون بعقائد الناس بحيث يظهرون بمظهر الأطباء، فيأمرون المرضى بالذبح لغير الله؛ بأن يذبحوا خروفًا صفته كذا وكذا، أو دجاجة، أو يكتبون لهم الطلاسم الشركية، والتعاويذ الشيطانية بصفة حروز يعلقونها في رقابهم، أو يضعونها في صناديقهم، أو في بيوتهم.
والبعض الآخر يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات، وأماكن الأشياء المفقودة؛ بحيث يأتيه الجهال فيسألونه عن الأشياء الضائعة، فيخبرهم بها أو يحضرها لهم، بواسطة عملائه من الشياطين. وبعضهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات أو بمظهر الفنان، كدخول النار ولا تؤثر فيه، وضرب نفسه بالسلاح، أو وضع نفسه تحت عجلات السيارة ولا تؤثر فيه، أو غير ذلك من الشعوذات التي هي في حقيقتها سحر من عمل الشيطان، يجري على أيدي هؤلاء للفتنة. أو هي أمور تخيلية لا حقيقة لها؛ بل هي حيل خفية يتعاطونها أمام الأنظار، كعمل سحرة فرعون بالحبال والعصي.
قال شيخ الإسلام في مناظرته للسحرة البطائحية الأحمدية الرفاعية: "قال (يعني: شيخ البطائحية) ورفع صوته: نحن لنا أحوال كذا وكذا، وادَّعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها". قال شيخ الإسلام: "فقلتُ ورفعتُ صوتي وغضبت: أنا أُخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها: أي شيء فعلوه في النار؟! فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؛ فقلت: لأن لهم حيلًا في الاتصال بالنار، يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق، فضج الناس بذلك؛ فأخذ يظهر القدرة على ذلك، فقال: أنا وأنت نُلَفُّ في بارية بعد أن تُطلى جسومُنا بالكبريت. فقلت: فقُم، وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك، فمدَّ يده يظهر خلع القميص، فقُلتُ: لا، حتى تغتسل بالماء الحار والخل؛ فأظهر الوهم على عادتهم فقال: من كان يحبُّ الأمير فليحضر خشبًا -أو قال: حزمة حطب- فقلتُ: هذا تطويلٌ وتفريقٌ للجمع ولا يَحصلُ به مقصود؛ بل قنديل يوقد وأُدخل أصبعي وأصبعك فيه بعد الغسل، ومن احترقت أصبعه فعليه لعنة الله، أو قلت: فهو مغلوب، فلمَّا قلتُ ذلك تغير وذل"[65]. انتهى. [65] مجموع الفتاوى (11/464 ـ 466).
والمقصود منه بيان أن هؤلاء الدجالين يكذبون على الناس بمثل هذه الحيل الخفية، كجرِّه السيارة بشعره، وإلقائه نفسه تحت عجلاتها، وإدخاله أسياخ الحديد في عينيه، إلى غير ذلك من الشعوذات الشيطانية.
الفصل الثالث: تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها
لقد سدّ النبي ﷺ كل الطرق المفضية إلى الشرك، وحذّر منها غاية التحذير، ومن ذلك: مسألة القبور، قد وضع الضوابط الواقية من عبادتها، والغلو في أصحابها، ومن ذلك:
1ـ أنه قد حذّر ﷺ من الغلو في الأولياء والصالحين؛ لأن ذلك يؤدِّي إلى عبادتهم، فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ»[66]، وقال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[67]. [66] أخرجه أحمد (1/347): (رقم: 3248)، وابن ماجه (3/476): 25 ـ كتاب الحج، 63 ـ باب: قدر حصى الرمي، (رقم: 3029)؛ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [67] أخرجه البخاري (6/583): 60 ـ كتاب أحاديث الأنبياء، 48 ـ باب: قول الله: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا﴾ (رقم: 3445).
2ـ وحذر ﷺ من البناء على القبور، كما روى أبو الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ»[68]. [68] أخرجه مسلم (4/40): 11 ـ كتاب الجنائز، 31 ـ باب: الأمر بتسوية القبر، (رقم: 2240).
3ـ ونهى ﷺ عن تجصيصها والبناء عليها؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِنَاءٌ»[69]. [69] أخرجه مسلم (4/40): 11 ـ كتاب الجنائز، 32 ـ باب: النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، (رقم: 2242).
4ـ وحذَّر ﷺ من الصلاة عند القبور، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذرُ ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتَّخذَ مسجدًا"[70]. [70] أخرجه البخاري (6/604): 60 ـ كتاب أحاديث الأنبياء، 50 ـ باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، (رقم: 3453 ـ 3454)؛ من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
وقال ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»[71]. [71] أخرجه مسلم (3/17): 5 ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، 3 ـ باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، (رقم: 1188).
واتخاذُها مساجد معناهُ: الصلاة عندها وإن لم يبن مسجد عليها؛ فكلُّ موضع قصد للصلاة فيه فقد اتُّخذَ مسجدًا، كما قال ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»[72]، فإذا بني عليها مسجد فالأمر أشد. [72] متفق عليه، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أخرجه البخاري (1/689): 8 ـ كتاب الصلاة، 56 ـ باب: قول النبي ﷺ: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، (رقم: 438). وأخرجه مسلم (2/6): 5 ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، (رقم: 1163).
وقد خالف أكثر الناس هذه النواهي، وارتكبوا ما حذر منه النبي ﷺ، فوقعوا بسبب ذلك في الشرك الأكبر؛ فبنوا على القبور مساجد وأضرحة ومقامات، وجعلوها مزارات تمارس عندها كل أنواع الشرك الأكبر، من الذبح لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وصرف النذور لهم، وغير ذلك.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدُهما مضادًا للآخر مناقضًا له؛ بحيث لا يجتمعان أبدًا؛ فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد؛ مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السُّرُج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تُتَّخذَ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بنُ أبي طالب رضي الله عنه: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْ لَا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ»[73]، وفي صحيحه أيضًا عن ثُمامَة بن شُفيّ قال: «كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودَسَ فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا»[74]، [73] تقدم تخريجه. [74] أخرجه مسلم (2/662). في كتاب الجنائز، باب: الأمر بتسوية القبور، (رقم: 968).
وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب".
إلى أن قال: "فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه؟! ولا ريبَ أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره".
ثم أخذ يذكر تلك المفاسد، إلى أن قال: "ومنها: أن الذي شرعه النبي ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه والاستغفار، وسؤال العافية له؛ فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة: الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤال حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك؛ فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له"[75] انتهى. [75] إغاثة اللهفان (1/214، 215، 217).
وبهذا يتضح أن تقديم النذور والقرابين للمزارات شرك أكبر؛ سببه مخالفة هَدْي النبي ﷺ في الحالة التي يجب أن تكون عليها القبور؛ من عدم البناء عليها وإقامة المساجد عليها؛ لأنها لما بنيت عليها القباب، وأقيمت حولها المساجد والمزارات، ظن الجهال أن المدفونين فيها ينفعون أو يضرون، وأنهم يُغيثون من استغاث بهم، ويقضون حوائج من التجأ إليهم، فقدموا لهم النذور والقرابين؛ حتى صارت أوثانًا تُعبدُ من دون الله، وقد قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»[76]، وما دعا بهذا الدعاء إلا لأنه سيحصل شيء من ذلك، وقد حصل عند القبور في كثير من بلاد الإسلام، أما قبره فقد حماه الله ببركة دعائه ﷺ، وإن كان قد يحصل في مسجده شيء من المخالفات، من بعض الجهال أو الخرافيين، لكنهم لا يقدرون على الوصول إلى قبره؛ لأن قبره في بيته وليس في المسجد، وهو محوط بالجدران، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله في نونيته: [76] أخرجه مالك في الموطأ (1/243): 1 ـ كتاب الصلاة، جامع الصلاة، (رقم: 475)؛ من حديث عطاء بن يسار.
فأجاب ربُّ العالمين دعاءه ** وأحاطه بثلاثة الجدران
الفصل الرابع: في بيان حكم تعظيم التماثيل والنصب التذكارية
التماثيلُ جمع تمثال، وهو الصورة المجسمة على شكل إنسان أو حيوان، أو غيرهما مما فيه روح، والنصب في الأصل: العَلَمُ، وأحجار كان المشركون يذبحون عندها. والنُّصُبُ التذكارية: تماثيلُ يُقيمونها في الميادين ونحوها؛ لإحياء ذكرى زعيم أو مُعظَّمٍ.
ولقد حذّر النبي ﷺ من تصوير ذوات الأرواح، ولا سيما تصوير المعظَّمين من البشر كالعلماء والملوك والعُبَّاد والقادة والرؤساء، سواء كان هذا التصوير عن طريق رسم الصورة على لوحة أو ورقة، أو جدار أو ثوب، أو عن طريق الالتقاط بالآلة الضوئية المعروفة في هذا الزمان، أو عن طريق النحت، وبناء الصورة على هيئة التمثال، ونهى ﷺ عن تعليق الصور على الجدران ونحوها، وعن نصب التماثيل، ومنها: النصب التذكارية؛ لأن ذلك وسيلة إلى الشرك؛ فإن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور، «وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي قَوْمِ نُوحٍ رِجَالٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا مَاتُوا حَزِنَ عَلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ، فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ: أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ؛ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِيَ الْعِلْمُ؛ عُبِدَتْ»[77]. ولما بعثَ الله نبيه نُوحًا عليه السلام ينهى عن هذا الشرك الذي حصل بسبب تلك الصور التي نصبت، امتنع قومه من قبول دعوته، وأصروا على عبادة تلك الصور المنصوبة التي تحوّلت إلى أوثان: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا23﴾ [نوح: 23]. [77] ذكر الخطابي هذا الأثر في الغنية عن الكلام وأهله (ص22)، وأصل الحديث في صحيح البخاري: (رقم: 4636).
وهذه أسماء الرجال الذين صورت لهم تلك الصور على أشكالهم؛ إحياء لذكرياتهم، وتعظيمًا لهم.
فانظر ما آل إليه الأمر بسبب هذه الأنصاب التذكارية من الشرك بالله، ومعاندة رسله؟! مما سبب إهلاكهم بالطوفان، ومقتهم عند الله وعند خلقه، مما يدلك على خطورة التصوير ونصب الصور، ولهذا لعن النبي ﷺ المصورين، وأخبر أنهم أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة، وأمر بطمس الصور، وأخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، كل ذلك من أجل مفاسدها، وشدة مخاطرها على الأمة في عقيدتها، فإنَّ أول شرك حدث في الأرض كان بسبب نصب الصُّور، وسواء كان هذا النصب للصور والتماثيل في المجالس، أو الميادين أو الحدائق؛ فإنه محرم شرعًا؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، وفساد العقيدة. وإذا كان الكفار اليومَ يعملون هذا العمل؛ لأنهم ليس لهم عقيدة يحافظون عليها؛ فإنه لا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بهم ويشاركوهم في هذا العمل؛ حفاظًا على عقيدتهم التي هي مصدر قوتهم وسعادتهم. ولا يقال: إن الناس تجاوزوا هذه المرحلة وعرفوا التوحيد والشرك؛ لأن الشيطان ينظر للجيل المستقبل حينما يظهر فيهم الجهل، كما عمل مع قوم نوح لما مات علماؤهم وفشا فيهم الجهل، ولأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿...وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. فخاف على نفسه الفتنة، قال بعض السلف: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟"[78]. [78] الدر المنثور (5/46).
الفصل الخامس: في بيان حكم الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته
الاستهزاء بالدين ردة عن الإسلام، وخروج عن الدين بالكلية، قال الله تعالى: ﴿...قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ65 لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ...﴾ [التوبة: 65-66].
هذه الآية: تدل على أن الاستهزاء بالله كفر، وأن الاستهزاء بالرسول كفر، وأن الاستهزاء بآيات الله كفر، فمن استهزأ بواحد من هذه الأمور فهو مستهزئ بجميعها. والذي حصل من هؤلاء المنافقين: أنهم استهزءوا بالرسول وصحابته؛ فنزلت الآية.
فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم، فالذين يستخِفُّون بتوحيد الله تعالى، ويعظمون دعاءَ غيره من الأموات؛ وإذا أمروا بالتوحيد ونُهوا عن الشرك استخفُّوا بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا41 إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ...﴾ [الفرقان: 41-42].
فاستهزءوا بالرسول ﷺ لما نهاهم عن الشرك، وما زال المشركون يعيبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون، إذا دعوهم إلى التوحيد؛ لما في أنفسهم من تعظيم الشرك. وهكذا تجد من فيه شبه منهم؛ إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك؛ لما عنده من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ...﴾ [البقرة: 165].
فمن أحبَّ مخلوقًا مثل ما يُحبّ الله فهو مشرك. ويجبُ الفرق بين الحب في الله، والحب مع الله، فهؤلاء الذين اتخذوا القبورَ أوثانًا؛ تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله وعبادته، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء، ويَحلِفُ أحدُهم بالله اليمين الغموس كاذبًا، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذبًا، وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ -إما عند قبره أو غير قبره- أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السَّحَر! ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد، وكثير منهم يخربون المساجد، ويعمرون المشاهد، فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته ورسوله، وتعظيمهم للشرك؟[79] وهذا كثير وقوعه في القبوريين اليوم. [79] مجموع الفتاوى (15/48 ـ 49).
والاستهزاء على نوعين:
أحدهما: الاستهزاء الصريح، كالذي نزلت الآية فيه، وهو قولهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسُنًا، ولا أجبن عند اللقاء. أو نحو ذلك من أقوال المستهزئين، كقول بعضهم: دينكم هذا دينٌ خامس، وقول الآخر: دينكم أخرق، وقول الآخر إذا رأى الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر: جاءكم أهل الدِّين، من باب السُّخرية بهم، وما أشبه ذلك مما لا يُحصى إلا بكلفة؛ مما هو أعظم من قول الذين نزلت فيهم الآية.
النوع الثاني: غير الصريح، وهو البحر الذي لا ساحل له، مثل: الرمز بالعين، وإخراج اللسان، ومدّ الشَّفَة، والغمز باليد عند تلاوة كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ، أو عند الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر[80]. ومثل هذا ما يقوله بعضهم: إنَّ الإسلام لا يَصلُحُ للقرن العشرين؛ وإنما يصلح للقُرون الوسطى، وأنه تأخُّرٌ ورجعيةٌ، وأن فيه قسوة ووحشية؛ في عقوبات الحدود والتعازير، وأنه ظَلَم المرأة حقوقها؛ حيث أباح الطلاق، وتعدد الزوجات. وقولهم: الحكمُ بالقوانين الوضعية أحسنُ للناس من الحكم بالإسلام. ويقولون في الذي يدعو إلى التوحيد، ويُنكر عبادة القبور والأضرحة: هذا متطرف، أو يُريد أن يفرق جماعة المسلمين، أو: هذا وهَّابي، أو مذهب خامس، وما أشبه هذه الأقوال التي كلها سب للدين وأهله، واستهزاء بالعقيدة الصحيحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن ذلك: استهزاؤهم بمن تمسَّكَ بسنة من سنن الرسول ﷺ فيقولون: الدين ليس في الشَّعرِ؛ استهزاءً بإعفاء اللحية، وما أشبه هذه الألفاظ الوقحة. [80] مجموعة التوحيد النجدية (ص409).
الفصل السادس: الحكم بغير ما أنزل الله
من مقتضى الإيمان بالله تعالى وعبادته: الخضوع لحكمه والرضا بشرعه، والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله عند الاختلاف في الأقوال، وفي العقائد وفي الخصومات، وفي الدماء والأموال، وسائر الحقوق، فإنَّ الله هو الحكَمُ وإليه الحُكمُ، فيجبُ على الحكام أن يحكموا بما أنزل الله، ويجب على الرَّعيَّة أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله في كتابه، وسنة رسوله، قال تعالى في حق الولاة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ...﴾ [النساء: 58].
وقال في حق الرعية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النساء: 59].
ثم بيّن أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا60﴾ [النساء: 60]، إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا65﴾ [النساء: 65].
فنفى سُبحانه -نفيًا مؤكَّدًا بالقسم- الإيمانَ عمن لم يتحاكم إلى الرسول ﷺ ويرضى بحكمه ويسلم له، كما أنه حكم بكُفر الولاة الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وبظلمهم وفسقهم، قال تعالى: ﴿...وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿...وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿...وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47].
ولا بُدَّ من الحكم بما أنزل الله، والتحاكُم إليه في جميع مواردِ النّزاع في الأقوال الاجتهادية بين العلماء، فلا يقبل منها إلا ما دلّ عليه الكتاب والسنة؛ من غير تعصب لمذهب، ولا تحيّز لإمام، وفي المرافعات والخصومات في سائر الحقوق؛ لا في الأحوال الشخصية فقط، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام؛ فإنَّ الإسلام كُلٌّ لا يتجزَّأ، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ...﴾ [البقرة: 208].
وقال تعالى: ﴿...أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ...﴾ [البقرة: 85].
وكذلك يجب على أتباع المذاهب والمناهج المعاصرة أن يردوا أقوال أئمتهم إلى الكتاب والسنة، فما وافقهما أخذوا به، وما خالفهما ردوه دون تعصب أو تحيّز؛ ولا سيما في أمور العقيدة، فإن الأئمة -رحمهم الله- يوصون بذلك، وهذا مذهبهم جميعًا، فمن خالف ذلك فليس متبعًا لهم، وإن انتسب إليهم، وهو ممن قال الله فيهم: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ...﴾ [التوبة: 31].
فليست الآية خاصة بالنصارى، بل تتناول كل من فعل مثل فعلهم، فمن خالف ما أمر الله به ورسوله ﷺ؛ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعًا لما يهواه ويريده؛ فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زَعمَ أنه مؤمن؛ فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان؛ فقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا60﴾ [النساء: 60]، لما في ضمن قوله: (يزعمون) من نفي إيمانهم، فإنَّ (يزعمون) إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، لمخالفته لموجبها، وعمله بما ينافيها؛ يحقق هذا قوله: ﴿...وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ...﴾؛ لأن الكُفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة[81]، فإذا لم يَحصُلْ هذا الركن؛ لم يكن مُوحِّدًا، والتوحيدُ هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال، وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بيِّنٌ في قوله: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ...﴾ [البقرة: 256]. وذلك أنَّ التَّحاكُمَ إلى الطَّاغوتِ إيمانٌ به[82]. [81] يعني قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ﴾ [البقرة: 256]. [82] فتح المجيد (ص467 ـ 468).
ونَفيُ الإيمان عمن لم يحكم بما أنزل الله، يدلُّ على أن تحكيم شرع الله إيمان وعقيدة، وعبادة لله يجب أن يدين بها المسلم، فلا يُحكَّمُ شرعُ الله من أجل أن تحكيمه أصلح للناس وأضبط للأمن فقط، فإنَّ بعضَ الناس يركز على هذا الجانب، وينسى الجانب الأول، والله سبحانه قد عاب على من يُحكِّمُ شرع الله لأجل مصلحة نفسه، من دُون تعبُّدٍ لله تعالى بذلك، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ48 وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ49﴾ [النور: 48-49].
فهم لا يهتمون إلا بما يهوون، وما خالف هواهم أعرضوا عنه؛ لأنهم لا يتعبدون لله بالتحاكم إلى رسوله ﷺ.
حكم من حكم بغير ما أنزل الله
قال الله تعالى: ﴿...وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
في هذه الآية الكريمة: أنَّ الحكم بغير ما أنزل الله كفر، وهذا الكفر تارةً يكون كفرًا أكبر ينقل عن الملة، وتارة يكون كفرًا أصغر لا يُخرج من الملة، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أنَّ الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، أو استهان بحكم الله، واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه أو مساوٍ له، أو أنه لا يصلح لهذا الزمان، أو أراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاءَ الكفار والمنافقين، فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوبَ الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويُسمَّى كافرًا كفرًا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم، وأخطأه، فهذا مُخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور[83]. وهذا في الحكم في القضية الخاصة. [83] شرح الطحاوية (ص363 ـ 364).
وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنَّ الحاكم إذا كان ديِّنًا؛ لكنَّهُ حكم بغير علم؛ كان من أهل النار، وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه؛ كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم أولى أن يكون من أهل النار. وهذا إذا حكم في قضية لشخص.
وأما إذا حكم حُكمًا عامًّا في دين المسلمين؛ فجعل الحق باطلًا، والباطل حقًّا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا لون آخر يَحكُم فيه رب العالمين، وإله المرسلين، مالك يوم الدين؛ الذي له الحمد في الأولى والآخرة: ﴿...لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [القصص: 88].
﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا28﴾ [الفتح: 28]"[84]. [84] مجموع الفتاوى (35/388).
وقال أيضًا: "لا ريبَ أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله؛ فهو كافر، فإنّهُ ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام؛ يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسواليف البادية (أي عادات من سلفهم)، وكانوا الأمراءَ المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا؛ ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية؛ التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استَحَلّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار"[85]. انتهى. [85] منهاج السنة النبوية (5/130).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "وأما الذي قيل فيه إنه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاصٍ، وأنَّ حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها. أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع، فهو كُفرٌ، وإن قالوا: أخطأنا وحكمُ الشرع أعدل؛ فهذا كفر ناقل عن الملة"[86]. [86] انظر: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (12/280).
ففرَّقَ رحمه الله بينَ الحكم الجزئي الذي لا يتكرر، وبين الحكم العام الذي هو المرجع في جميع الأحكام، أو غالبها، وقرر أن هذا الكفر ناقل عن الملة مطلقًا؛ وذلك لأن من نحى الشريعة الإسلامية، وجعل القانون الوضعي بديلًا منها؛ فهذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن وأصلح من الشريعة، وهذا لا شك أنه كفر أكبر يُخرجُ من الملَّة ويُناقضُ التوحيد.
الفصل السابع: ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم
تشريع الأحكام التي يسير عليها العباد في عباداتهم ومعاملاتهم وسائر شؤونهم، والتي تفصل النزاع بينهم وتُنهي الخصومات، حق لله تعالى رب الناس، وخالق الخلق: ﴿...أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
وهو الذي يعلم ما يصلح عباده، فيشرعه لهم، فبحكم ربوبيته لهم يشرِّعُ لهم، وبحكم عبوديتهم له يتقبلون أحكامه، والمصلحةُ في ذلك عائدة إليهم، قال تعالى: ﴿...فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي...﴾ [الشورى: 10].
واستنكر سبحانه أن يتخذَ العباد مُشرِّعًا غيره فقال: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ...﴾ [الشورى: 21].
فمن قبل تشريعًا غير تشريع الله؛ فقد أشرك بالله تعالى، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات؛ فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، قال ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[87]، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[88]، وما لم يشرعه الله ولا رسوله في السياسة والحكم بين الناس، فهو حكم الطاغوت، وحكم الجاهلية: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ50﴾ [المائدة: 50]. [87] متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري (2/959): 57 ـ كتاب الصلح، 5 ـ باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، (رقم: 2550). ومسلم (3/1343): 30 ـ كتاب الأقضية، 8 ـ باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، (رقم: 1718). [88] سبق تخريجه.
وكذلك التحليل والتحريم، حق لله تعالى، لا يجوز لأحدٍ أن يُشاركه فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ121﴾ [الأنعام: 121].
فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرّم الله: شركًا به سبحانه، وكذلك من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله؛ لقول الله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ31﴾ [التوبة: 31].
وفي الحديث أن النبي ﷺ تلا هذه الآية على عَديّ بن حاتم الطائي -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، لسنا نعبُدُهم، قال ﷺ: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟!» قَالَ: بَلَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[89]. [89] سبق تخريجه.
فصارت طاعتُهم في التحليل والتحريم من دون الله عبادة لهم وشركًا، وهو شركٌ أكبرُ يُنافي التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله[90]، فإنّ مِنْ مدلولها: أنَّ التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى، وإذا كان هذا فيمن أطاع العلماء والعُبَّاد في التحليل والتحريم الذي يخالف شرع الله وهو يعلم هذه المخالفة، مع أنهم أقرب إلى العلم والدين، وقد يكونُ خطؤهم عن اجتهاد لم يصيبوا فيه الحق، وهم مأجورون عليه، فكيفَ بمن يُطيعُ أحكام القوانين الوضعية التي هي من صنع الكفار والملحدين، يجلبها إلى بلاد المسلمين، ويحكم بها بينهم؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله. [90] فتح المجيد (ص107).
إنَّ هذا قد اتخذ الكفار أربابًا من دون الله، يُشرِّعونَ له الأحكام، ويبيحونَ له الحرام، ويحكمون بين الأنام.
الفصل الثامن: حكم الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية
1ـ الانتماء إلى المذاهب الإلحادية كالشيوعية، والعلمانية، والرأسمالية، وغيرها من مذاهب الكفر، ردّة عن دين الإسلام، فإنْ كانَ المنتمي إلى تلك المذاهب يدّعي الإسلام، فهذا من النفاق الأكبر، فإن المنافقين ينتمون إلى الإسلام في الظاهر، وهم مع الكفار في الباطن، كما قال تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ14﴾ [البقرة: 14].
فهؤلاء المنافقون المخادعون؛ لكل منهم وجهان: وجهٌ يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين، وله لسانان: أحدُهما يقبله بظاهره المسلمون، والآخر يُترجم عن سِرّه المكنون: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ14﴾ [البقرة: 14].
قد أعرضوا عن الكتاب والسنة؛ استهزاءً بأهلهما واستحقارًا، وأبوَا أن ينقادوا لحكم الوحيين، فرحًا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا أشرًا واستكبارًا، فتراهم أبدًا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون: ﴿ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ15﴾ [البقرة: 15][91]. [91] صفات المنافقين لابن القيم (ص19).
وقد أمرَ الله بالانتماء إلى المؤمنين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ119﴾ [التوبة: 119].
وهذه المذاهب الإلحادية مذاهبُ متناحرة؛ لأنها مؤسسة على الباطل، فالشيوعية تنكر وجود الخالق -سبحانه وتعالى- وتحارب الأديان السماوية، ومن يرضى لعقله أن يعيش بلا عقيدة، وينكر البدهيات العقلية اليقينية؛ فيكون مُلغيًا لعقله؟ والعلمانية تنكر الأديان، وتعتمدُ على المادية التي لا موجِّه لها، ولا غاية لها في هذه الحياة إلا الحياة البهيمية. والرأسماليةُ همها جمع المال من أي وجه ولا تتقيد بحلال ولا حرام، ولا عطف ولا شفقة على الفقراء والمساكين، وقوام اقتصادها على الرِّبا الذي هو محاربة لله ولرسوله؛ والذي هو دمارُ الدول والأفراد، وامتصاصُ دماء الشعوب الفقيرة، وأي عاقل -فضلًا عمن فيه ذرة من إيمان- يرضى أن يعيش على هذه المذاهب، بلا عقل ولا دين، ولا غاية صحيحة من حياته يهدف إليها، ويُناضل من أجلها؟! وإنما غزت هذه المذاهبُ بلاد المسلمين؛ لمَّا غاب عن أكثريتها الدين الصحيح، وتربت على الضياع وعاشت على التبعية.
2ـ والانتماء للأحزاب الجاهلية، والقوميات العنصرية، هو الآخر كُفرٌ وردَّة عن دين الإسلام؛ لأنَّ الإسلام يرفُضُ العصبيات، والنعرات الجاهلية، يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ...﴾ [الحجرات: 13].
ويقول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ غَضِبَ لِعَصَبِيَّةٍ»[92]. [92] أخرجه أبو داود (5/215): 35 ـ كتاب الأدب، 121 ـ باب: في العصبية، (رقم: 5121)؛ من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، وَلَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»[93]. [93] أخرجه أحمد (2/361): (رقم: 8721)، وأبو داود (5/213): 35 ـ كتاب الأدب، 120 ـ باب: التفاخر بالأحساب، (رقم: 5116)، والترمذي (5/734): 46 ـ كتاب المناقب، 74 ـ باب: في فضل الشام واليمن، (رقم: 3964)؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وهذه الحزبيات تفرق المسلمين، والله قد أمر بالاجتماع والتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التفرق والاختلاف، وقال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا...﴾ [آل عمران: 103].
إن الله سبحانه يريد منا أن نكون مع حزب واحد، هُم حزبُ الله المفلحون؛ ولكن العالم الإسلامي أصبح بعدما غزته أوروبا سياسيًّا، وثقافيًّا، يخضع لهذه العصبيات الدموية، والجنسية والوطنية، ويؤمن بها كقضية علمية وحقيقية مقررة، وواقع لا مفرَّ منه، وأصبحت شعوبه تندفع اندفاعًا غريبًا إلى إحياء هذه العصبيات التي أماتها الإسلام، والتغني بها وإحياء شعائرها، والافتخار بعهدها الذي تقدم على الإسلام، وهو الذي يُلحُّ الإسلام على تسميته بالجاهلية، وقد مَنَّ الله على المسلمين بالخروج عنها، وحثهم على شكر هذه النعمة.
والطبيعي من المؤمن ألا يذكر جاهليةً تقادمَ عهدُها أو قارب؛ إلا بمقت وكراهية وامتعاض واقشعرار، وهل يذكر السجين المعذب الذي يطلق سراحه أيام اعتقاله وتعذيبه وامتهانه؛ إلا وَعرتهُ قشعريرة؟ وهل يذكُرُ البريء من عِلَّة شديدة طويلة أشرَفَ منها على الموت أيامَ سُقمه، إلا وانكسف بالُهُ وانتقع لونه؟ والواجبُ أن يُعلمَ أنَّ هذه الحزبيات عذاب؛ بعثه الله على من أعرض عن شرعه، وتنكر لدينه، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ...﴾ [الأنعام: 65].
وقال ﷺ: «وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»[94]. [94] أخرجه ابن ماجه (4/367): 36 ـ كتاب الفتن، 22 ـ باب: العقوبات، (رقم: 4019)؛ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
إنَّ التعصب للحزبيات، يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين، كحال اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ...﴾ [البقرة: 91].
وكحال أهل الجاهلية، الذين رفضوا الحق الذي جاءهم به الرسول ﷺ تعصبًا لما عليه آباؤهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ...﴾ [البقرة: 170].
ويريد أصحاب هذه الحزبيات أن يجعلوها بديلة عن الإسلام الذي مَنَّ الله به على البشرية.
الفصل التاسع: النظرة المادية للحياة ومفاسد هذه النظرة
هناك نظرتان للحياة، نظرة مادّيّة للحياة، ونظرة صحيحة، ولكل من النظرتين آثارها:
أ ـ فالنظرة الماديّة للحياة معناها
أن يكون تفكير الإنسان مقصورًا على تحصيل ملذاته العاجلة، ويكون عمله محصورًا في نطاق ذلك، فلا يتجاوز تفكيره ما وراء ذلك من العواقب، ولا يعمل له، ولا يهتم بشأنه، ولا يعلم أن الله جعل هذه الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، فجعل الدُّنيا دارَ عمل، وجعل الآخرة دار جزاء، فمن استغل دنياه بالعمل الصالح ربحَ الدارين، ومن ضيّع دنياه ضاعت آخرته: ﴿...خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الحج: 11].
فالله لم يخلق هذه الدنيا عبثًا بل خلقها لحكمة عظيمة، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ...﴾ [الملك: 2].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا7﴾ [الكهف: 7].
أوجد سبحانه في هذه الحياة من المتع العاجلة، والزينة الظاهرة من الأموال والأولاد، والجاه والسلطان، وسائر المستلذات، ما لا يعلمه إلا الله.
فمن الناس -وهم الأكثر- من قَصَر نظرهُ على ظاهرها ومفاتنها، ومتَّع نفسَهُ بها، ولم يتأمل في سرها، فانشغل بتحصيلها وجمعها والتمتع بها عن العمل لما بعدها؛ بل ربما أنكر أن يكون هناك حياة غيرها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ29﴾ [الأنعام: 29].
وقد توعد الله تعالى مَنْ هذه نظرتُهُ للحياة؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ7 أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ8﴾ [يونس: 7-8].
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ15 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ16﴾ [هود: 15-16].
وهذا الوعيد يشمل أصحابَ هذه النظرة؛ سواء كانوا من الذين يعملون عمل الآخرة؛ يريدون به الحياة الدنيا، كالمنافقين والمرائين بأعمالهم، أو كانوا من الكُفَّارِ الذين لا يؤمنون ببعث ولا حساب، كحال أهل الجاهلية والمذاهب الهدامة من رأسمالية وشيوعية، وعلمانية إلحادية، وأولئك لم يعرفوا قدرَ الحياة، ولا تعدو نظرتهم لها أن تكون كنظرة البهائم، بل هم أضل سبيلًا؛ لأنهم ألغَوا عقولهم، وسخروا طاقاتهم، وضيعوا أوقاتهم فيما لا يبقى لهم، ولا يبقون له، ولم يعملوا لمصيرهم الذي ينتظرهم ولا بُدَّ لهم منه.
والبهائم ليس لها مصيرٌ ينتظرها، وليس لها عقول تفكر بها، بخلاف أولئك، ولهذا يقول تعالى فيها: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا44﴾ [الفرقان: 44].
وقد وصف الله أهل هذه النظرة بعدم العلم، قال تعالى: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ6 يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ7﴾ [الروم: 6-7].
فهم وإن كانوا أهل خبرة في المخترعات والصناعات؛ فهم جُهَّالٌ لا يستحقون أن يُوصَفوا بالعلم؛ لأن علمهم لم يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا، وهذا علم ناقص لا يستحق أصحابه أن يطلق عليهم هذا الوصف الشريف، فيقال: العلماء، وإنما يطلق هذا على أهل معرفة الله وخشيته، كما قال تعالى: ﴿...إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ...﴾ [فاطر: 28].
ومن النظرة المادية للحياة الدنيا: ما ذكره الله في قصة قارون، وما آتاه الله من الكنوز: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ79﴾ [القصص: 79].
فتمنَّوا مثله وغبطوه، ووصفوه بالحظ العظيم؛ بناءً على نظرتهم المادية، وهذا كما هو الحال الآن في الدول الكافرة، وما عندها من تقدّم صناعي واقتصادي، فإنَّ ضعافَ الإيمان من المسلمين ينظرون إليهم نظرة إعجاب دون نظر إلى ما هم عليه من الكفر، وما ينتظرهم من سوء المصير، فتبعثهم هذه النظرة الخاطئة إلى تعظيم الكفار واحترامهم في نفوسهم، والتشبه بهم في أخلاقهم وعاداتهم السيئة، ولم يقلدوهم في الجد وإعداد القوة والشيء النافع من المخترعات والصناعات، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ...﴾ [الأنفال: 60].
ب ـ النظرة الثانية للحياة: النظرة الصحيحة
وهي: أن يعتبر الإنسان ما في هذه الحياة من مال وسلطان وقوى مادية: وسيلةً يُستعان بها لعمل الآخرة.
فالدنيا في الحقيقة لا تُذمُّ لذاتها، وإنما يتوجه المدح والذّمّ إلى فعل العبد فيها، فهي قنطرة ومعبر للآخرة، ومنها زادُ الجنة، وخيرُ عيش ينالُه أهل الجنة إنَّما حصل لهم بما زرعوه في الدنيا.
فهي دار الجهاد، والصلاة والصيام، والإنفاق في سبيل الله، ومضمار التسابق إلى الخيرات.
يقول الله تعالى لأهل الجنة: ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ24﴾ [الحاقة: 24] يعني: الدنيا.
الفصل العاشر: في الرقى والتمائم
أ ـ الرقى
جمع رُقية، وهي: العُوذَةُ التي يُرقى بها صاحبُ الآفة كالحمَّى والصَّرع، وغير ذلك من الآفات، ويُسمونها العزائم، وهي على نوعين:
النوع الأول: ما كان خاليًا من الشِّرك، بأن يُقرأ على المريض شيء من القرآن، أو يُعَوَّذ بأسماء الله وصفاته؛ فهذا مُباح؛ لأن النبي ﷺ قد رَقى وأمر بالرُّقية وأجازها، فعن عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا»[95]. [95] أخرجه مسلم (7/408): 39 ـ كتاب السلام، 22 ـ باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك، (رقم: 5696)؛ من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.
قال السيوطي: وقد أجمعَ العلماء على جواز الرقى، عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله، أو بأسماء الله وصفاته، وأن تكون باللسان العربي، وما يُعرفُ معناه، وأن يُعتقَدَ أن الرقية لا تؤثر بذاتها؛ بل بتقدير الله تعالى[96]، وكيفيتها: أن يُقرأ وينفثَ على المريض، أو يقرأ في ماءٍ ويُسقاهُ المريض، كما جاء في حديث ثابت بن قيس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بُطْحَانَ، فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَصَبَّهُ عَلَيْهِ»[97]. [96] فتح المجيد (ص135). [97] أخرجه أبو داود (4/138): 22 ـ كتاب الطب، 18 ـ باب: ما جاء في الرقى، (رقم: 3885)؛ من حديث ثابت بن قيس رضي الله عنه.
النوع الثاني: ما لم يخلُ من الشّرك: وهي الرقى التي يُستعانُ فيها بغير الله، من دعاء غير الله والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الجن، أو بأسماء الملائكة والأنبياء والصالحين؛ فهذا دعاء لغير الله، وهُوَ شركٌ أكبر. أو يكون بغير اللسان العربي، أو بما لا يُعرف معناه؛ لأنه يُخشى أن يدخلها كفر أو شرك ولا يُعلمُ عنه؛ فهذا النوع من الرقية ممنوع.
ب ـ التمائم
وهي جمع تميمة، وهي: ما يعلق بأعناق الصبيان؛ لدفع العين، وقد يعلق على الكبار من الرجال والنساء، وهو على نوعين:
النوع الأول من التمائم
ما كان من القرآن؛ بأن يكتب آيات من القرآن، أو من أسماء الله وصفاته، ويعلقها للاستشفاء بها؛ فهذا النوع قد اختلف فيه العلماءُ في حكم تعليقه على قولين:
القول الأول: الجوازُ: وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهرُ ما رُوي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وحملوا الحديث الوارد في المنع من تعليق التمائم، على التمائم التي فيها شرك.
القول الثاني: المنع من ذلك، وهو قول ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر، وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين، منهم: أصحابُ ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بما رواهُ ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»[98]. [98] أخرجه أحمد (1/381): (رقم: 3615)، وأبو داود (4/137): 22 ـ كتاب الطب، 17 ـ باب: في تعليق التمائم، (رقم: 3883)، وابن ماجه (4/128): 31 ـ كتاب الطب، 39 ـ باب: في تعليق التمائم، (رقم: 3530)؛ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
والتولة: شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وهذا هو الصحيح؛ لوجوه ثلاثة:
الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سدّ الذريعة فإنَّها تفضي إلى تعليق ما ليس مباحًا.
الثالث: أنه إذا علق شيئًا من القرآن، فقد يمتهنه المعلِّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك[99]. [99] فتح المجيد (ص136).
النوع الثاني من التمائم
التي تعلق على الأشخاص ما كان من غير القرآن، كالخرز والعظام والودع والخيوط والنعال والمسامير، وأسماء الشياطين والجن والطلاسم، فهذا محرّم قطعًا، وهو من الشرك؛ لأنه تعلق على غير الله سبحانه وأسمائه وصفاته وآياته، وفي الحديث: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ»[100]؛ أي: وكّله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلَّقه، فمن تعلّق بالله، والتجأ إليه، وفوّض أمره إليه؛ كفاه، وقرّب إليه كل بعيد، ويسّر له كلّ عسير. ومن تعلّق بغيره من المخلوقين والتمائم والأدوية والقبور؛ وكله الله إلى ذلك الذي لا يغني عنه شيئًا، ولا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، فخسر عقيدته وانقطعت صلته بربه وخذله الله. [100] أخرجه أحمد (4/310): (رقم: 18803)، والترمذي (4/403): 26 ـ كتاب الطب، 24 ـ باب: ما جاء في كراهية التعليق، (رقم: 2077)؛ من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه.
والواجب على المسلم: المحافظة على عقيدته مما يُفسدها أو يُخلّ بها، فلا يتعاطى ما لا يجوز من الأدوية، ولا يذهب إلى المخرفين والمشعوذين ليتعالج عندهم من الأمراض؛ لأنهم يُمرضون قلبه وعقيدته، ومن توكّل على الله كفاه.
وبعض الناس يعلّق هذه الأشياء على نفسه، وهو ليس فيه مرض حسّي، وإنما فيه مرض وهمي، وهو الخوف من العين والحسد، أو يعلقها على سيارته أو دابّته أو باب بيته أو دكانه. وهذا كله من ضعف العقيدة، وضعف توكله على الله، وإنَّ ضعف العقيدة هو المرض الحقيقي الذي يَجبُ علاجه بمعرفة التوحيد والعقيدة الصحيحة.
الفصل الحادي عشر: في بيان حكم الحلف بغير الله والتوسل والاستغاثة والاستعانة بالمخلوق
أ ـ الحلف بغير الله
الحلف: هو اليمين، وهي: توكيد الحكم بذكر مُعَظَّم على وجه الخصوص. والتعظيم: حق لله تعالى، فلا يجوز الحلف بغيره، فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله، أو بأسمائه وصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره[101]، والحلف بغير الله شرك؛ لما روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»[102]، وهو شرك أصغر، إلا إذا كان المحلوف به معظَّمًا عند الحالف إلى درجة عبادته له فهذا شرك أكبر، كما هو الحال اليومَ عند عُبَّاد القبور، فإنَّهم يخافون مَنْ يعظمون من أصحاب القبور، أكثر من خوفهم من الله وتعظيمه، بحيث إذا طُلب من أحدهم أن يحلف بالولي الذي يعظمه؛ لم يحلف به إلا إذا كان صادقًا، وإذا طلب منه أن يحلف بالله؛ حلف به وإن كان كاذبًا. [101] الحاشية لابن قاسم على كتاب التوحيد (ص303). [102] حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد تقدم تخريجه.
فالحلف تعظيم للمحلوف به لا يليق إلا بالله، ويجب توقير اليمين؛ فلا يكثر منها، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ10﴾ [القلم: 10].
وقال تعالى: ﴿...وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ...﴾ [المائدة: 89].
أي: لا تحلفوا إلا عند الحاجة، وفي حالة الصدق والبر؛ لأن كثرة الحلف أو الكذب فيها يدلان على الاستخفاف بالله، وعدم التعظيم له، وهذا ينافي كمال التوحيد، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وَجَاءَ فِيهِ: «وَرَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَتَهُ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ»[103]. فقد شدَّد الوعيد على كثرة الحلف، مما يدلّ على تحريمه احترامًا لاسم الله تعالى، وتعظيمًا له سبحانه. [103] أخرجه الطبراني في الكبير (6/246): (رقم: 6111)؛ من حديث سلمان رضي الله عنه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/78): «ورجاله رجال الصحيح».
وكذلك يحرم الحلفُ بالله كاذبًا وهي: اليمين الغَموسُ، وقد وصفَ الله المنافقين بأنهم يحلفون على الكذب وهم يعلمون.
فتلخص من ذلك:
1- تحريم الحلف بغير الله تعالى، كالحلف بالأمانة أو الكعبة أو النبي ﷺ وأن ذلك شرك.
2- تحريم الحلف بالله كاذبًا متعمّدًا، وهي الغموس.
3- تحريم كثرة الحلف بالله -ولو كان صادقًا- إذا لم تدعُ إليه حاجة؛ لأنَّ هذا استخفاف بالله سبحانه.
4- جواز الحلفِ بالله إذا كان صادقًا، وعند الحاجة.
ب ـ التوسل بالمخلوق إلى الله تعالى
التّوسّل: هو التقرب إلى الشيء والتوصل إليه، والوسيلة: القربة، قال الله تعالى: ﴿...وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ...﴾ [المائدة: 35].
أي القربة إليه سبحانه بطاعته، واتباع مرضاته.
والتوسل قسمان:
القسم الأول: توسل مشروع، وهو أنواع
1ـ النوع الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته
كما أمرَ الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ180﴾ [الأعراف: 180].
2ـ النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة
التي قام بها المتوسل، كما قال تعالى عن أهل الإيمان: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ193﴾ [آل عمران: 193].
وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فسدت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم؛ ففرج الله عنهم[104] فخرجوا يمشون. [104] هذا مضمون الحديث، وهو متفق عليه، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أخرجه البخاري (2/771): 39 ـ كتاب البيوع، 98 ـ باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي، (رقم: 2102). ومسلم (4/2099): 48 ـ كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، 7 ـ باب: قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، (رقم: 2743).
3ـ النوع الثالث: التوسل إلى الله تعالى بتوحيده
كما توسل يونس عليه السلام: ﴿...فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
4ـ النوع الرابع: التّوسُّلُ إلى الله تعالى بإظهار الضَّعف
والحاجة والافتقار إلى الله، كما قال أيوب عليه السلام: ﴿...أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
5ـ النوع الخامس: التوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء
كما كان الصحابة إذا أجدبوا طلبوا من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، ولما تُوفي صاروا يطلبون من عمه العباس -رضي الله عنه- فيدعو لهم[105]. [105] انظر: مجموع الفتاوى (1/224)، والرد على البكري (ص268).
6ـ النوع السادس: التّوسُّلُ إلى الله بالاعتراف بالذنب
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُ...﴾ [القصص: 16].
القسم الثاني: توسل غير مشروع
وهو التوسل بما عدا الأنواع المذكورة في التوسل المشروع، كالتوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات، والتوسل بجاه النبي ﷺ، والتوسل بذات المخلوقين أو حقهم، وتفصيل ذلك كما يلي:
1ـ طلب الدعاء من الأموات لا يجوز
لأن الميت لا يقدر على الدعاء، كما كان يقدر عليه في الحياة، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز؛ لأن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لمَّا أجدبوا استسقوا وتوسَّلوا واستشفعوا بمن كان حيًّا، كالعباس وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا عند غيره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، وقد قال عمر: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، فجعلوا هذا بدلًا من ذلك، لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به[106]، يعني: لو كان جائزًا. فتركُهم لذلك دليلٌ على عدم جواز التوسل بالأموات، لا لطلب الدعاء والشفاعة منهم وهم أموات، فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حيًّا وميّتًا سواءً؛ لم يعدلوا عنه إلى غيره ممن هو دونه. [106] مجموع الفتاوى (1/318 ـ 319).
2ـ والتوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره لا يجوز
والحديث الذي فيه: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم) حديث مكذوب، ليس في شيء من كتب المسلمين التي يُعتمد عليها، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث[107]، وما دامَ لا يصح فيه دليل، فهو لا يجوزُ؛ لأن العبادات لا تثبت إلا بدليل صريح. [107] مجموع الفتاوى (1/319).
3ـ والتوسل بذوات المخلوقين لا يجوز
لأنه إن كانت الباء للقسم، فهو إقسام به على الله تعالى، وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، وهو شرك كما في الحديث؛ فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جل وعلا؟!
وإن كانت الباء للسببية فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سببًا للإجابة، ولم يشرعه لعباده.
4ـ والتوسل بحق المخلوق لا يجوز لأمرين
الأول: أن الله سبحانه لا يجب عليه حقّ لأحد، وإنَّما هو الذي يتفضّل سبحانه على المخلوق بذلك، كما قال تعالى: ﴿...وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الروم: 47].
فكون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق فضل وإنعام، وليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق.
الثاني: أن هذا الحق الذي تفضل الله به على عبده هو حقٌّ خاص به، لا علاقة لغيره به، فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلًا بأمر أجنبي، لا علاقة له به، وهذا لا يجديه شيئًا.
وأما الحديث الذي فيه: "أسألك بحق السائلين" فهو حديث لم يثبت؛ لأن في إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف مجمع على ضعفه، كما قال بعض المحدثين، وما كان كذلك، فإنه لا يُحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة، ثم إنه ليس فيه توسل بحقّ شخص معيّن، وإنما فيه التوسل بحق السائلين عمومًا، وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله بذلك.
وهو حق أوجبه على نفسه لهم، لم يوجبه عليه أحد، فهو توسل إليه بوعده الصادق لا بحق المخلوق.
جـ ـ حكم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق
الاستعانة: طلب العون والمؤازرة في الأمر.
والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.
فالاستغاثة والاستعانة بالمخلوق على نوعين:
النوع الأول: الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه
وهذا جائز، قال تعالى: ﴿...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ...﴾ [المائدة: 2].
وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿...فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِ...﴾ [القصص: 15].
وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها، مما يقدر عليه المخلوق.
النوع الثاني: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق
فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالاستغاثة والاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء، والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى، وتفريج الكُرُبات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقالَ بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ»[108]، كره ﷺ أن يُستعمل هذا اللفظ في حقّه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته؛ حمايةً لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك، وأدبًا وتواضعًا لربه، وتحذيرًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته، فكيف يُستغاثُ به بعد مماته، ويُطلبُ منه أمور لا يقدر عليها إلا الله[109]، وإذا كان هذا لا يجوز في حقّه ﷺ فغيره من باب أولى. [108] أخرجه أحمد (5/371): (رقم: 22758)؛ من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، بلفظ: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: (لا يقام لي، إنما يقام لله تبارك وتعالى). ونسبه الهيثمي للطبراني، وقال في مجمع الزوائد (11/26): «ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث». [109] فتح المجيد (ص196 ـ 197).
الباب الخامس: في بيان ما يجب اعتقاده في الرسول ﷺ وأهل بيته وصحابته
وذلك في فصول:
الفصل الأول: في وجوب محبة الرسول وتعظيمه، والنهي عن الغلو والإطراء في مدحه، وبيان منزلته ﷺ.
الفصل الثاني: في وجوب طاعته والاقتداء به.
الفصل الثالث: في مشروعية الصلاة والسلام عليه.
الفصل الرابع: في فضل أهل البيت، وما يجب لهم من غير جفاء ولا غلو.
الفصل الخامس: في فضل الصحابة وما يجب اعتقاده فيهم، ومذهب أهل السنة والجماعة فيما حدث بينهم.
الفصل السادس: في النهي عن سب الصحابة وأئمة الهدى.
الفصل الأول: في وجوب محبة الرسول وتعظيمه، والنهي عن الغلو والإطراء في مدحه وبيان منزلته ﷺ
1 ـ وجوب محبته وتعظيمه ﷺ
يجبُ على العبدِ أولًا: محبّةُ الله عز وجل، وهي من أعظم أنواع العبادة، قال تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ...﴾ [البقرة: 165].
لأنه هو الرّبُّ المتفضّل على عباده بجميع النّعم ظاهِرها وباطنها، ثم بعد محبة الله تعالى، تجب محبة رسوله محمد ﷺ؛ لأنه هو الذي دعا إلى الله، وعرَّف به، وبلَّغ شريعته، وبيَّن أحكامه، فما حصل للمؤمنين من خير في الدنيا والآخرة، فعلى يد هذا الرسول، ولا يدخلُ أحدٌ الجنة إلا بطاعته واتباعه ﷺ، وفي الحديث: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»[110]. [110] متفق عليه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أخرجه البخاري (1/99): 2 ـ كتاب الإيمان، 14 ـ باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، (رقم: 21). ومسلم (1/204): 1 ـ كتاب الإيمان، 15 ـ باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، (رقم: 163).
فمحبة الرسول تابعة لمحبة الله تعالى، لازمة لها، وتليها في المرتبة، وقد جاء بخصوص محبته ﷺ ووجوب تقديمها على محبة كل محبوب سوى الله تعالى، قوله ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[111]. [111] متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (1/81): 2 ـ كتاب الإيمان، 8 ـ باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان، (رقم: 14). ومسلم (1/206): 1 ـ كتاب الإيمان، 16 ـ باب: وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والناس أجمعين، (رقم: 167).
بل ورد أنه يجب على المؤمن أن يكون الرسولُ ﷺ أحبَّ إليه من نفسه، كما في الحديث: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّكَ الْآنَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: «الْآنَ يَا عُمَرُ»[112]. [112] أخرجه البخاري (11/637): 83 ـ كتاب الأيمان والنذور، 14 ـ باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، (رقم: 6632)؛ من حديث عمر رضي الله عنه.
ففي هذا أن محبة الرسول واجبةٌ ومقدّمةٌ على محبّة كل شيء سوى محبة الله، فإنها تابعة لها لازمة لها؛ لأنها محبة في الله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن، وتنقص بنقصها، وكل من كان محبًّا لله؛ فإنما يحب في الله ولأجله.
ومحبّته ﷺ تقتضي تعظيمه وتوقيره واتباعه، وتقديم قوله على قول كل أحد من الخلق، وتعظيم سنته.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "وكلُّ محبة وتعظيم للبشر؛ فإنما تجوز تبعًا لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه، فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له، فهي محبة لله من موجبات محبة الله.
والمقصودُ: أن النبي ﷺ ألقى الله عليه من المهابة والمحبة... ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر، ولا أهيب وأجلّ في صدره، من رسول الله ﷺ في صدور أصحابه -رضي الله عنهم- قال عمرو بن العاص بعد إسلامه: إنه لم يكن شخص أبغضَ إليَّ منه. فلما أسلمت، لم يكن شخص أحب إليَّ منه، ولا أجلَّ في عيني منه، قال: ولو سُئِلت أن أصفه لكم لما أطقتُ، لأني لم أكن أملأ عينيَّ منه؛ إجلالًا له.
وقال عروة بن مسعود لقريش: يا قوم، والله لقد وفدت إلى كسرى وقيصر والملوك، فما رأيتُ ملكًا يعظمه أصحابه؛ ما يعظم أصحابُ محمد محمدًا ﷺ، والله ما يحدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وما تنخَّم نُخامةً إلا وقعت في كَفِّ رجل منهم، فيدلك بها وجهَهُ وصدره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه"[113]. انتهى. [113] جلاء الأفهام (ص120 ـ 121).
2 ـ النهي عن الغُلوّ والإطراء في مدحه
الغلو
تجاوز الحد، يُقالُ: غَلا غُلُوًّا، إذا تجاوز الحد في القدر، قال تعالى: ﴿...لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ...﴾ [النساء: 171] أي: لا تجاوزوا الحد.
والإطراءُ
مجاوزة الحدِّ في المدح، والكذب فيه، والمرادُ بالغُلوِّ في حق النبي ﷺ: مجاوزة الحد في قدره؛ بأن يُرفع فوق مرتبة العبودية والرسالة، ويُجعلَ له شيء من خصائص الإلهية؛ بأن يُدعى ويُستغاثَ به من دون الله، ويُحلفَ به.
والمراد بالإطراء في حقه ﷺ: أن يُزادَ في مدحه، فقد نهى ﷺ عن ذلك بقوله: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[114]، أي: لا تمدحوني بالباطل، ولا تجاوزوا الحدَّ في مدحي، كما غلت النَّصارى في عيسى -عليه السلام- فادَّعوا فيه الألوهية، وَصِفُوني بما وَصَفَني به ربّي، فقولوا: عبدُ الله ورسوله. وَلَمَّا قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى». وَلَمَّا قَالُوا: أَفْضَلُنَا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ»[115]. [114] تقدم تخريجه. [115] أخرجه أحمد (4/24): (رقم: 16350)، وأبو داود (5/100): 35 ـ كتاب الأدب، 10 ـ باب: في كراهية التمادح، (رقم: 4806) ـ واللفظ له ـ من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه.
وقال له ناس: يا رسولَ الله، يا خيرَنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»[116]. [116] أخرجه أحمد (3/241): (رقم: 13553)؛ من حديث أنس رضي الله عنه.
كره ﷺ أن يمدحوه بهذه الألفاظ: أنت سيدنا - أنت خيرُنا - أنت أفضلُنا - أنت أعظمُنا، مع أنه أفضلُ الخلق وأشرفُهم على الإطلاق؛ لكنه نهاهم عن ذلك، ابتعادًا بهم عن الغُلُوِّ والإطراء في حقه، وحمايةً للتوحيد، وأرشدهم أن يصفوه بصفتين؛ هما أعلى مراتب العبد، وليس فيهما غلو ولا خطر على العقيدة، وهما: عبد الله ورسوله، ولم يُحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله عز وجل من المنزلة التي رضيها له، وقد خالف نهيَه ﷺ كثيرٌ من الناس فصاروا يدعونه، ويستغيثون به، ويحلفونَ به، ويطلبون منه ما لا يُطلب إلا من الله، كما يُفعلُ في الموالد والقصائد والأناشيد، ولا يُميزون بين حق الله وحق الرسول.
يقول العلامةُ ابن القيم في النونية:
لله حق لا يكون لغيره ** ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقًّا واحدًا ** من غير تمييز ولا فرقان
3 ـ بيان منزلته ﷺ
لا بأس ببيان منزلته بمدحه ﷺ بما مدحه الله به، وذكر منزلته التي فضله الله بها واعتقاد ذلك، فله ﷺ المنزلة العالية التي أنزله الله فيها، فهو عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، وأفضل الخلق على الإطلاق، وهو رسول الله إلى الناس كافة، وإلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهو أفضل الرسل، وخاتم النبيين، لا نبيَّ بعده، قد شرح الله له صدره، ورفع له ذكره، وجعل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمره، وهو صاحب المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿...عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا﴾ [الإسراء: 79].
أي: المقام الذي يُقيمه الله فيه للشفاعة للناس يوم القيامة؛ ليريحهم ربهم من شدة الموقف، وهو مقام خاص به ﷺ دونَ غيره من النبيين.
وهو أخشى الخلق لله، وأتقاهم له، وقد نهى الله عن رفع الصوت بحضرته ﷺ، وأثنى على الذين يَغُضّونَ أصواتهم عنده، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ2 إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ3 إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ4 وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ5﴾ [الحجرات: 2-5].
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "هذه آيات أدّب الله فيها عباده المؤمنين فيما يعاملون به النبي ﷺ من التوقير والاحترام، والتبجيل والإعظام... أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته"[117]. [117] تفسير ابن كثير (4/206).
ونهى سبحانه وتعالى أن يُدعى الرسول باسمه كما يُدعى سائرُ الناس، فيقال: يا محمد، وإنما يُدعى بالرسالة والنبوة فيقال: يا رسول الله، يا نبي الله، قال تعالى: ﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ...﴾ [النور: 63].
كما أن الله سبحانه يناديه بـ(يا أيها النبي)، (يا أيها الرسول). وقد صلى الله وملائكته عليه، وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
لكن لا يُخصص لمدحه ﷺ وقتٌ ولا كيفية معينة إلا بدليلٍ صحيح من الكتاب والسُّنَّة، فما يفعله أصحابُ الموالد من تخصيص اليوم الذي يزعمون أنه يوم مولده لمدحه: بدعة منكرة.
ومن تعظيمه ﷺ: تعظيم سنته، واعتقاد وجوب العمل بها، وأنها في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم في وجوب التعظيم والعمل؛ لأنها وحي من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ3 إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ4﴾ [النجم: 3-4].
فلا يجوز التشكيك فيها، والتقليل من شأنها، أو الكلام فيها بتصحيح أو تضعيف لطرقها وأسانيدها أو شرح لمعانيها إلا بعلم وتحفُّظ، وقد كثر في هذا الزمان تطاول الجهَّالِ على سُنّة الرسول ﷺ خصوصًا من بعض الشباب الناشئين؛ الذين لا يزالون في المراحل الأولى من التعليم، صاروا يصحِّحون ويُضعّفون في الأحاديث، ويجرحون في الرواة بغير علم سوى قراءة الكتب، وهذا خطرٌ عظيم عليهم وعلى الأمة، فيجب عليهم أن يتقوا الله، ويقفوا عند حدهم.
الفصل الثاني: في وجوب طاعته ﷺ والاقتداء به
تجب طاعة النبي ﷺ بفعل ما أمره به، وترك ما نهى عنه، وهذا من مقتضى شهادة أنه رسول الله، وقد أمر الله تعالى بطاعته في آيات كثيرة، تارة مقرونة مع طاعة الله، كما في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ...﴾ [النساء: 59] وأمثالها من الآيات، وتارة يأمر بها منفردة، كما في قوله: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ...﴾ [النساء: 80]، ﴿...وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النور: 56].
وتارة يتوعد من عصى رسوله ﷺ، كما في قوله تعالى: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
أي: تصيبهم فتنة في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة، أو عذاب أليم في الدنيا؛ بقتل أو حَدٍّ أو حبس، أو غير ذلك من العقوبات العاجلة.
وقد جعل الله طاعته واتباعه سببًا لنيل محبة الله للعبد ومغفرة ذنوبه، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ...﴾ [آل عمران: 31].
وجعل طاعته هداية، ومعصيته ضلالًا، قال تعالى: ﴿...وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ...﴾ [النور: 54].
وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ50﴾ [القصص: 50].
وأخبرَ سبحانه وتعالى أنَّ فيه القدوة الحسنة لأمته، فقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21].
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته، ومرابطته ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه -عز وجل- صلوات الله وسلامه عليه دائمًا، إلى يوم الدين"[118]. [118] تفسير ابن كثير (3/475).
وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو أربعين موضعًا من القرآن، فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب، فإنَّ الطعام والشراب إذا فات الحصول عليهما؛ حصل الموت في الدنيا، وطاعة الرسول واتباعه إذا فاتا؛ حصل العذاب والشقاء الدائم، وقد أمر ﷺ بالاقتداء به في أداء العبادات، وأن تؤدى على الكيفية التي كان يؤديها بها، فقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ...﴾ [الأحزاب: 21]، وقال النبي ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[119]، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[120]، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[121]، وقال: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[122]... إلى غير ذلك من النصوص؛ التي فيها الأمر بالاقتداء به، والنهي عن مخالفته. [119] أخرجه البخاري (2/146): 10 ـ كتاب الأذان، 18 ـ باب: الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، (رقم: 631)؛ من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه. [120] أخرجه أبو داود (2/340): 5 ـ كتاب المناسك، 78 ـ باب: في رمي الجمار، (رقم: 1970)، والنسائي (3/298): 24 ـ كتاب المناسك، 220 ـ باب: الركوب إلى الجمار، (رقم: 3062). وهو في مسلم (5/49): 15 ـ كتاب الحج، 51 ـ باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، (رقم: 3124)، بلفظ: (لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه). [121] تقدم تخريجه. [122] متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5/1949): 70 ـ كتاب النكاح، 1 ـ باب: الترغيب في النكاح، (رقم: 4776). ومسلم (2/1020): كتاب النكاح، باب: استحباب النكاح، (رقم: 1401).
الفصل الثالث: في مشروعية الصلاة والسلام على الرسول ﷺ
من حقه الذي شرع الله له على أمته أن يُصَلُّوا ويسلّموا عليه، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
وقد ورد أن معنى صلاة الله تعالى: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء، وصلاة الآدميين: الاستغفار[123]، وقد أخبر الله سبحانه في هذه الآية عن منزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى؛ بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه؛ ليجتمع الثناء عليه من أهل العالم العُلوي والسُّفلي. [123] أخرجه البخاري عن أبي العالية، تعليقًا، انظر: صحيح البخاري، (رقم: 4797).
ومعنى: ﴿...وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ أي: حيُّوه بتحية الإسلام؛ فإذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم؛ فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: (صلى الله عليه) فقط، ولا يقول: (عليه السلام) فقط؛ لأن الله تعالى أمر بهما جميعًا.
وتشرع الصلاة عليه ﷺ في مواطنَ يتأكد طلبها فيها، إما وجوبًا وإما استحبابًا مؤكدًا، وذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه: (جلاء الأفهام) واحدًا وأربعين موطنًا؛ بدأها بقوله: "الموطن الأول: -وهو أهمها وآكدها- في الصلاة في آخر التشهد، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته، واختلفوا في وجوبه فيها"[124]، ثم ذكر من المواطن: آخر القنوت، وفي الخُطَب كخُطبة الجمعة، والعيدين والاستسقاء، وبعد إجابة المؤذن، وعند الدعاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند ذكره ﷺ، ثم ذكر -رحمه الله- الثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي ﷺ، فذكر فيها أربعين فائدة، منها[125]: [124] جلاء الأفهام (ص222 ـ 223). [125] جلاء الأفهام (ص302).
امتثال أمر الله سبحانه بذلك.
ومنها: حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة.
ومنها: رجاء إجابة الدعاء إذا قدَّمها أمامه.
ومنها: أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له ﷺ.
ومنها: أنها سبب لغُفران الذنوب.
ومنها: أنها سبب لرد النبي ﷺ على المُصَلِّي والمُسَلِّم عليه.
فصلواتُ الله وسلامه على هذا النبي الكريم.
الفصل الرابع: في فضل أهل البيت وما يجب لهم من غير جفاء ولا غُلُوّ
أهل البيت هم آل النبي ﷺ الذين حَرُمتْ عليهم الصدقة، وهم آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب، وأزواج النبي ﷺ وبناته؛ لقوله تعالى: ﴿...إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: 33].
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "ثُمَّ الذي لا يشك فيه من تدبّر القرآن، أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿...إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: 33].
فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ...﴾ [الأحزاب: 34].
أي: واعملن بما ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله ﷺ في بيوتكن، من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد.
واذكرن هذه النعمة التي خُصِصْتُنَّ بها من بين الناس: أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق -رضي الله عنها- أولاهُنَّ بهذه النعمة، وأخصُّهُنَّ من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نصَّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وقال بعض العلماء: لأنه لم يتزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ؛ فناسب أن تُخصَّصَ بهذه المزية، وأن تُفردَ بهذه المرتبة العليَّة، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية" انتهى من تفسير ابن كثير[126]. [126] تفسير ابن كثير (3/487).
فأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ، حيث قال يوم غدير خُم[127]: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»[128]. [127] غدير خم: اسم موضع. [128] أخرجه مسلم (8/174): 44 ـ كتاب فضائل الصحابة، 4 ـ باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، (رقم: 6175)؛ من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.
فأهل السنة يحبونهم ويكرمونهم؛ لأن ذلك من محبة النبي ﷺ وإكرامه، وذلك بشرط: أن يكونوا متبعين للسُّنَّة مستقيمين على الملة، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعليٍّ وبنيه، أما من خالف السنة، ولم يستقم على الدين، فإنه لا تجوز موالاته ولو كان من أهل البيت.
فموقف أهل السنة والجماعة من أهل البيت موقف الاعتدال والإنصاف، يتولون أهل الدين والاستقامة منهم، ويتبرءون ممن خالف السنة وانحرف عن الدين، ولو كان من أهل البيت، فإن كونه من أهل البيت ومن قرابة الرسول، لا ينفعه شيئًا حتى يستقيمَ على دين الله، فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ214﴾ [الشعراء: 214].
فقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»[129]. [129] متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5/468): 55 ـ كتاب الوصايا، 11 ـ باب: هل يدخل النساء والولد في الأقارب، (رقم: 2753). ومسلم (2/76): 1 ـ كتاب الإيمان، 89 ـ باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾، (رقم: 503).
والحديث: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»[130]. [130] أخرجه مسلم (9/23): 48 ـ كتاب الذكر والدعاء، 11 ـ باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، (رقم: 6793)؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ويتبرأ أهل السُّنَّة والجماعة من طريق الروافض؛ الذين يَغْلون في بعض أهل البيت، ويَدَّعون لهم العصمة، ومن طريقة النواصب؛ الذين ينصبون العداوة لأهل البيت المستقيمين، ويطعنون فيهم، ومن طريقة المبتدعة والخرافيين الذين يتوسلون بأهل البيت، ويتخذونهم أربابًا من دون الله.
فأهل السنة في هذا الباب وغيره على المنهج المعتدل، والصراط المستقيم الذي لا إفراطَ فيه ولا تفريط، ولا جفاء ولا غلو في حق أهل البيت وغيرهم، وأهل البيت المستقيمون يُنكرون الغلو فيهم، ويتبرؤون من الغُلاة، فقد حرق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الغلاة الذين غَلَوا فيه بالنار، وأقرّه ابنُ عباس -رضي الله عنه- على قتلهم، لكن يرى قتلهم بالسيف بدلًا من التحريق، وطلب علي -رضي الله عنه- عبد الله بن سبأ رأس الغُلاة ليقتله؛ لكنه هرب واختفى.
الفصل الخامس: في فضل الصحابة وما يجب اعتقاده فيهم
ومذهب أهل السنة والجماعة فيما حدث بينهم
ما المراد بالصحابة، وما الذي يجب اعتقاده فيهم؟
الصحابة جمع صحابي: وهو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، والذي يجب اعتقاده فيهم أنهم أفضل الأمة، وخير القرون؛ لسبقهم واختصاصهم بصحبة النبي ﷺ والجهاد معه، وتحمل الشريعة عنه، وتبليغها لمن بعدهم، وقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ100﴾ [التوبة: 100].
وقال تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ8 وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ9﴾ [الحشر: 8-9].
ففي هذه الآيات أن الله سبحانه أثنى على المهاجرين والأنصار، ووصفهم بالسبق إلى الخيرات، وأخبر أنه قد رضي الله عنهم، وأعدّ لهم الجنات، ووصفهم بالتراحم فيما بينهم، والشّدّة على الكُفَّارِ، ووصفهم بكثرة الركوع والسجود، وصلاح القلوب، وأنهم يعرفون بسيما الطاعة والإيمان، وأن الله اختارهم لصحبة نبيه ليغيظ بهم أعداءه الكفار، كما وصف المهاجرين بترك أوطانهم وأموالهم من أجل الله ونصرة دينه، وابتغاء فضله ورضوانه، وأنهم صادقون في ذلك، ووصف الأنصار بأنهم أهل دار الهجرة والنُّصرة، والإيمان الصادق، ووصفهم بمحبة إخوانهم المهاجرين، وإيثارهم على أنفسهم، ومُواساتهم لهم، وسلامتهم من الشح، وبذلك حازوا على الفلاح. هذه بعض فضائلهم العامة، وهناك فضائل خاصة ومراتب يفضل بها بعضهم بعضًا، رضي الله عنهم، وذلك بحسب سبقهم إلى الإسلام والجهاد والهجرة.
فأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة
أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم هؤلاء الأربعة وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، ويَفْضُلُ المهاجرون على الأنصار، وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، ويَفْضُل من أسلم قبل الفتح وقاتل؛ على من أسلم بعد الفتح.
مذهب أهل السنة والجماعة فيما حدث بين الصحابة من القتال والفتنة
سبب الفتنة
تآمَرَ اليهودُ على الإسلام وأهله، فدسوا ماكرًا خبيثًا تظاهر بالإسلام كذبًا وزورًا هو: عبد الله بن سبأ، من يهود اليمن، فأخذ هذا اليهودي ينفث حقده وسمومه ضد الخليفة الثالث من الخلفاء الراشدين: عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- ويختلق التهم ضده، فالتف حوله من انخدع به من قاصري النظر وضعاف الإيمان ومحبي الفتنة، وانتهت المؤامرة بقتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلومًا، وعلى أثر مقتله حصل الاختلاف بين المسلمين، وشبَّت الفتنةُ بتحريضٍ من هذا اليهودي وأتباعه، وحصل القتال بين الصحابة عن اجتهادٍ منهم.
قال شارح الطحاوية: "إن أصل الرفض إنما أحدثه منافق زنديق، قصدُهُ إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول ﷺ كما ذكر ذلك العلماء، فإن عبد الله بن سبأ؛ لما أظهر الإسلام، أراد أن يُفسد دين الإسلام بمكره وخبثه -كما فعل بولس بدين النصرانية- فأظهر التنسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم لما قَدِمَ على الكوفة أظهر الغُلوَّ في علي، والنصر له؛ ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك عليًّا فطلب قتله؛ فهرب منه إلى قرقيس، وخبره معروف في التاريخ"[131]. [131] شرح العقيدة الطحاوية (ص554).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فلما قُتل عثمان رضي الله عنه، تفرقت القلوب وعظُمَت الكروب، وظهرت الأشرار وذَلَّ الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزًا عنها، وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته، فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ، وأفضل من بقي، لكن كانت القلوب متفرقة، ونار الفتنة متوقدة، فلم تتفق الكلمة، ولم تنتظم الجماعة، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من الخير، ودخل في الفرقة والفتنة أقوام، وكان ما كان"[132]. [132] مجموع الفتاوى (25/304 ـ 305).
وقال أيضًا مبيّنًا عذر المتقاتلين من الصحابة؛ في قتال علي ومعاوية: "ومعاوية لم يَدَّعِ الخلافة، ولم يُبايَع له بها حين قاتل عليًّا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، وكان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يَرونَ أن يبتدئوا عليًّا وأصحابه بالقتال؛ بل لما رأى علي -رضي الله عنه- وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته؛ يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة، رأى أن يُقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة. وهم (أي: معاوية ومن معه) قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين، قالوا: لأن عثمان قُتِلَ مظلومًا باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة، فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا، وعلي لا يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان، وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن يُنصفنا ويبذل لنا الإنصاف"[133]. [133] المرجع السابق (35/72 ـ 73).
ومذهب أهل السنة والجماعة في الاختلاف الذي حصل
والفتنة التي وقعت من جرائها الحروب بين الصحابة، يتلخص في أمرين:
الأمر الأول: أنهم يمسكون عن الكلام فيما حصل بين الصحابة
ويكفون عن البحث فيه؛ لأن طريق السلامة هو السكوت عن مثل هذا، ويقولون: ﴿...رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
الأمر الثاني: الإجابة عن الآثار المروية في مساويهم
وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الآثار منها ما هو كذب؛ قد افتراه أعداؤهم ليشوهوا سمعتهم.
الوجه الثاني: أن هذه الآثار منها ما قد زيد ونقص فيه، وغُيِّرَ عن وجهه الصحيح، ودخله الكذب، فهو محرف لا يلتفت إليه.
الوجه الثالث: أن ما صح من هذه الآثار -وهو القليل- هم فيه معذورون؛ لأنهم إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، فهو من موارد الاجتهاد الذي إن أصاب المجتهد فيه فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، والخطأ مغفور؛ لما في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ»[134]. [134] متفق عليه، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: أخرجه البخاري (13/389): 96 ـ كتاب الاعتصام، 21 ـ باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، (رقم: 7352). ومسلم (6/239): 30 ـ كتاب الأقضية، 6 ـ باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، (رقم: 4462).
الوجه الرابع: أنهم بشر يجوز على أفرادهم الخطأ، فهم ليسوا معصومين من الذنوب بالنسبة للأفراد؛ لكن ما يقع منهم فله مكفرات عديدة منها:
1ـ أن يكون قد تاب منه، والتوبة تمحو السيئة مهما كانت، كما جاءت به الأدلة.
2ـ أن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم، إن صدر، قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ...﴾ [هود: 114].
ولهم من الصُّحبة والجهاد مع رسول الله ﷺ ما يغمر الخطأ الجزئي.
3ـ أنهم تُضاعفُ لهم الحسنات أكثر من غيرهم، ولا يساويهم أحد في الفضل، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المُدَّ من أحدهم إذا تصدق به؛ أفضل من جبل أُحد ذهبًا إذا تصدق به غيرهم[135] -رضي الله عنهم- وأرضاهم. [135] سيأتي تخريجه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة، ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم، بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفرُ لهم بالتوبة، ويرفع لهم درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، أو بغير ذلك من الأسباب، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ33 لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ34 لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ35﴾ [الزمر: 33-35].
وقال تعالى: ﴿...حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ15 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ...﴾ [الأحقاف: 15-16] " انتهى[136]. [136] انظر: مجموع الفتاوى (35/69).
وقد اتخذ أعداء الله ما وقع بين الصحابة وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سببًا للوقيعة بهم، والنيل من كرامتهم، وقد جرى على هذا المخطط الخبيث بعض الكتّاب المعاصرين؛ الذين يهرفون بما لا يعرفون، فجعلوا أنفسهم حكمًا بين أصحاب رسول الله ﷺ؛ يصوّبون بعضَهم، ويخطئون بعضَهم، بلا دليل، بل بالجهل واتباع الهوى، وترديد ما يقوله المغرضون والحاقدون من المستشرقين وأذنابهم؛ حتى شككوا بعض ناشئة المسلمين -ممن ثقافتهم ضحلة- بتاريخ أمتهم المجيد، وسلفهم الصالح الذين هم خير القرون؛ لينفذوا بالتالي إلى الطعن في الإسلام، وتفريق كلمة المسلمين، وإلقاء البُغض في قلوب آخر هذه الأمة لأولها، بدلًا من الاقتداء بالسلف الصالح، والعمل بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ10﴾ [الحشر: 10].
الفصل السادس: في النهي عن سب الصحابة وأئمة الهدى
1ـ النهي عن سب الصحابة
من أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ10﴾ [الحشر: 10].
وطاعة لرسول الله ﷺ في قوله: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[137]. [137] متفق عليه، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أخرجه البخاري (7/27): 62 ـ كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، 5 ـ باب: قول النبي ﷺ: (لو كنت متخذًا خليلًا)، (رقم: 3673). ومسلم (8/308): 44 ـ كتاب فضائل الصحابة، 54 ـ باب: تحريم سب الصحابة، (رقم: 6434).
ويتبرءون من طريقة الرافضة والخوارج الذين يسبون الصحابة -رضي الله عنهم- ويبغضونَهم، ويجحدونَ فضائلهم، ويكفرون أكثرهم.
وأهل السنة يقبلون ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم، ويعتقدون أنهم خير القرون، كما قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي...» الحديث[138]. [138] متفق عليه، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: أخرجه البخاري (5/319): 52 ـ كتاب الشهادات، 9 ـ باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، (رقم: 2651). ومسلم (8/304): 44 ـ كتاب فضائل الصحابة، 52 ـ باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، (رقم: 6422).
ولما ذكر ﷺ افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأنها في النار إلا واحدة، وسألوه عن تلك الواحدة، قال: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي»[139]. [139] أخرجه ـ بنحوه ـ الترمذي (5/26): (رقم: 2646)؛ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
قال أبو زرعة -وهو أجلّ شيوخ الإمام مسلم-: إذا رأيت الرجل يتنقص امرأً من الصحابة؛ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة؛ فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسُّنَّة؛ فيكون الجرح به أليق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق[140]. [140] الصواعق المحرقة (2/608).
قال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: من سَبَّ أحدًا من الصحابة مُستحلًا؛ كفر، وإن لم يستحلّ فسق، وعنه: يكفر مطلقًا، ومن فَسَّقهم، أو طعن في دينهم، أو كفَّرهم؛ كفر[141]. [141] شرح عقيدة السفاريني (2/388 ـ 389).
2 ـ النهي عن سب أئمة الهدى من علماء هذه الأمة
يلي الصحابة في الفضيلة والكرامة والمنزلة: أئمة الهدى من التابعين وأتباعهم من القرون المفضلة، ومن جاء من بعدهم ممن تبع الصحابة بإحسان، كما قال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ...﴾ [التوبة: 100] الآية.
فلا يجوزُ تنقّصهم وسبّهم؛ لأنهم أعلام هدى، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا115﴾ [النساء: 115].
قال شارح الطحاوية: "فيجبُ على كل مسلم بعد مُوالاة الله ورسوله: موالاة المؤمنين، كما أطلق القرآن، خصوصًا الذين هُم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمعَ المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
فإنهم خُلفاء الرسول ﷺ في أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقًا يقينًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ، ولكن: إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر"[142]. [142] شرح العقيدة الطحاوية (ص555).
وجماع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
الثالث: اعتقاده أن الحكم منسوخ.
فلهم الفضل علينا والمنة؛ بالسبق وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم ﴿...رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
والحطّ من قدر العلماء؛ بسبب وقوع الخطأ الاجتهادي من بعضهم، هو من طريقة المبتدعة، ومن مُخططات أعداء الأمة؛ للتشكيك في دين الإسلام، ولإيقاع العداوة بين المسلمين، ولأجل فصل خلف الأمة عن سلفها، وبثّ الفرقة بين الشباب والعلماء، كما هو الواقع الآن، فليتنبه لذلك بعض الطلبة المبتدئين؛ الذين يحطون من قدر الفقهاء؛ ومن قدر الفقه الإسلامي، ويزهدون في دراسته، والانتفاع بما فيه من حق وصواب، فليعتزوا بفقههم، وليحترموا علماءهم؛ ولا ينخدعوا بالدعايات المضللة والمغرضة. والله الموفق.
الباب السادس: البدع
ويتضمن الفصول التالية:
الفصل الأول: تعريف البدعة - أنواعها - أحكامها.
الفصل الثاني: ظهور البدع في حياة المسلمين، والأسباب التي أدَّت إليها.
الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة، ومنهج أهل السنة والجماعة في الرَّدِّ عليهم.
الفصل الرابع: في الكلام على نماذج من البدع المعاصِرة وهي:
1- الاحتفال بالمولد النبوي.
2- التّبرّك بالأماكن والآثار والأموات، ونحو ذلك.
3- البدع في مجال العبادات والتّقرّب إلى الله.
الفصل الأول: تعريف البدعة، أنواعها وأحكامها
1 ـ تعريفها: البدعة في اللغة
مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ...﴾ [البقرة: 117].
أي مخترعها على غير مثال سابق، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ...﴾ [الأحقاف: 9].
أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل.
ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.
والابتداع على قسمين:
ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات: الإباحة.
وابتداع في الدين، وهذا مُحرَّم؛ لأن الأصل فيه التوقيف، قال ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[143]، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[144]. [143] متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد تقدم تخريجه. [144] أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم تخريجه.
2 ـ أنواع البدع
البدعة في الدين نوعان:
النوع الأول: بدعة قوليّة اعتقاديّة
كمقالات الجهميّة والمعتزلة والرّافضة، وسائر الفرق الضّالّة، واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات
كالتّعبّد لله بعبادة لم يشرعها، وهي أقسام:
القسم الأول: ما يكون في أصل العبادة: بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صيامًا غير مشروع أصلًا، أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
القسم الثاني: ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.
القسم الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مُطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ.
القسم الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة؛ لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
3 ـ حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها
كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله ﷺ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[145]، وقوله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[146]، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[147]. فدل الحديثان على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف بالقبور تقرّبًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك، كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها، ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية، ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع[148]. [145] أخرجه أحمد (4/126): (رقم: 17184)، وأبو داود (5/12): 34 ـ كتاب السنة، 6 ـ باب: في لزوم السنة، (رقم: 4607) ـ واللفظ له ـ والترمذي (5/44): 39 ـ كتاب العلم، 16 ـ باب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، (رقم: 2681). وابن ماجه (1/30): 1 ـ كتاب السنة، 6 ـ باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، (رقم: 42)؛ من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. [146] متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد تقدم تخريجه. [147] أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد تقدم تخريجه. [148] انظر: الاعتصام، للشاطبي (2/37).
تنبيه
من قَسَّمَ البدعة إلى بدعة حسنة، وبدعة سيئة؛ فهو مخطئ ومخالف لقوله ﷺ: «فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، لأن الرسول ﷺ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة؛ بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظُ ابنُ رجب في شرح الأربعين: "فقوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم؛ لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئًا ونسبَهُ إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة"[149]. انتهى. [149] جامع العلوم والحكم (ص233).
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة، إلا قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ»[150]. [150] صحيح البخاري (رقم 2010).
وقالوا أيضًا: إنه أُحدثت أشياء لم يستنكرها السلف، مثل جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع، فليست مُحدثة، وقول عمر: (نعمت البدعة) يريدُ البدعة اللغوية لا الشرعيّة، فما كان له أصل في الشرع يُرجَعُ إليه، إذا قيل: إنه بدعة، فهو بدعةٌ لغةً لا شرعًا؛ لأن البدعة شرعًا: ما ليس له أصل في الشرع. وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبًا متفرقًا، فجمعه الصحابة رضي الله عنهم في مصحف واحد حفظًا له.
والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي، وتخلَّفَ عنهم في الأخير خشية أن تفرض عليهم، واستمرّ الصحابةُ رضي الله عنهم يصلونها أوزاعًا[151] متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إمام واحد كما كانوا خلف النبي ﷺ، وليس هذا بدعة في الدين. [151] أوزاعًا: أي: متفرقين.
وكتابةُ الحديث أيضًا لها أصل في الشرع، فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه؛ لما طلب منه ذلك، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يكتب الحديث في عهد النبي ﷺ، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده: خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما تُوفّي ﷺ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل، وضبط قبل وفاته ﷺ، فدوَّنَ المسلمون الحديثَ بعد ذلك حفظًا له من الضياع، فجزاهُمُ الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ من الضياع وعبث العابثين.
الفصل الثاني: ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إليها
1 ـ ظهور البدع في حياة المسلمين، وتحته مسألتان
المسألة الأولى: وقت ظهور البدع
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[152]: "واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر عهد الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: «مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ»[153]، وأول بدعة ظهرت: بدعةُ القدر، وبدعة الإرجاء، وبدعة التشيع والخوارج، ولما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، ثم في أواخر عصر الصحابة، حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة -رضي الله عنهم- وحدثت المرجئة قريبًا من ذلك، وأما الجهمية فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز، وقد روي أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخُراسان في خلافة هشام بن عبد الملك". [152] مجموع الفتاوى (10/354). [153] تقدم تخريجه.
هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابةُ موجودون، وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف، وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت.
المسألة الثانية: مكان ظهور البدع
تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ، وخرج منها العلمُ والإيمان خمسة: الحرمان، والعراقان، والشام، منها خرج القرآن والحديث، والفقه والعبادة، وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخَرجَ من هذه الأمصار بدع أصولية، غير المدينة النبوية، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، وأما التجهم فإنما ظهر في ناحية خراسان، وهو شر البدع.
وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية، فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانًا مذمومًا، إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين، بخلاف التشيع والإرجاء في الكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام، فإنه كان ظاهرًا، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن الدّجَّالَ لا يدخلها، ولم يزل العلم والإيمان ظاهرًا إلى زمن أصحاب مالك، وهم من أهل القرن الرابع"[154]. [154] مجموع الفتاوى (20/300 ـ 303).
فأما العصور الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة، كما خرج من سائر الأمصار.
2 ـ الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع
مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ...﴾ [الأنعام: 153].
وقد وضح ذلك النبي ﷺ فيما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: "وَهَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ"، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ153﴾ [الأنعام: 153][155]. [155] أخرجه أحمد (9/252): (رقم: 4225)؛ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
فمن أعرضَ عن الكتاب والسنة؛ تنازعته الطرق المضللة، والبدع المحدَثَة.
فالأسباب التي أدَّت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية: الجهلُ بأحكام الدين، اتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل:
أ ـ الجهل بأحكام الدين
كلما امتد الزمن، وبَعُدَ الناس عن آثار الرسالة؛ قَلَّ العلمُ وفشا الجهل، كما أخبرَ بذلك النبي ﷺ بقوله: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»[156]، وقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»[157]. [156] تقدم تخريجه. [157] متفق عليه، من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما: أخرجه البخاري (1/256): 3 ـ كتاب العلم، 34 ـ باب: كيف يقبض العلم، (رقم: 100). ومسلم (8/440): 47 ـ كتاب العلم، 5 ـ باب: رفع العلم وقبضه، (رقم: 6737).
فلا يُقاومُ البدعَ إلا العلم والعلماء، فإذا فُقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر، ولأهلها أن ينشطوا.
ب ـ اتباع الهوى
من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ...﴾ [القصص: 50].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ...﴾ [الجاثية: 23].
والبدع إنَّما هي نسيجُ الهوى المتَّبع.
جـ ـ التعصب للآراء والرجال
التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتّباع الدليل، ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ...﴾ [البقرة: 170].
وهذا هو الشأن في المتعصبين اليوم، من بعض أتباع المذاهب الصوفية والقبوريين، إذا دُعوا إلى اتباع الكتاب والسنة، ونبذ ما هُم عليه مما يُخالفهما؛ احتجوا بمذاهبهم، ومشائخهم وآبائهم وأجدادهم.
د ـ التشبه بالكفار
وهو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سِدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذاتُ أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسولَ الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ! قُلْتُمْ - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿...ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[158]. [158] أخرجه أحمد (5/218): (رقم: 21947) ـ واللفظ له ـ والترمذي (4/475): 31 ـ كتاب الفتن، 18 ـ باب: 31 ـ باب فضل صلاة الفجر في جماعة، (رقم: 2185)؛ من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه.
ففي هذا الحديث: أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها، وهو الذي حمل بعض أصحاب محمد ﷺ أن يسألوه أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها من دون الله، وهذا نفس الواقع اليوم، فإنَّ غالب الناس من المسلمين؛ قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات، وإقامة التماثيل، والنصب التذكارية، وإقامة المآتم، وبدع الجنائز، والبناء على القبور، وغير ذلك.
الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة، ومنهج أهل السنة والجماعة في الرّدّ عليهم
1 ـ موقف أهل السُّنَّة والجماعة من المبتدعة
ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، ويُنكرون عليهم بدعهم، ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك:
(أ) عن أم الدرداء قالت: "دخل عليَّ أبو الدرداء مُغضَبًا، فقُلتُ له: ما لكَ؟ فقال: والله ما أعرفُ فيهم شيئًا من أمر محمدٍ إلا أنهم يصلون جميعًا"[159]. [159] أخرجه البخاري (2/178): 10 ـ كتاب الصلاة، 31 ـ باب: فضل صلاة الفجر في جماعة، (رقم: 650).
(ب) عن عمر بن يحيى قال: "سمعتُ أبي يُحَدِّثُ عن أبيه قال: كنا نجلسُ على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرجَ عليكُم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خَرجَ، فلما خرجَ قُمنا إليه جميعًا، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرتُهُ، ولم أرَ -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: وما هو؟ قال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقولُ: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبّحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ فقال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتَهُم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟
ثم مضى ومضينا معه؛ حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملةٍ هي أهدى من ملة محمد، أو مُفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير، قال: وكم مريد للخير لن يُصيبه! إنّ رسول الله ﷺ حدثنا أن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايمُ الله لا أدري لعل أكثرهم مِنكُم. ثم تولَّى عنهم. فقالَ عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يومَ النهروان مع الخوارج"[160]. [160] أخرجه الدارمي في سننه (1/72): 1 ـ المقدمة، 23 ـ باب: في كراهية أخذ الرأي، (رقم: 208).
(جـ) جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- فقال: من أين أُحْرِمُ؟ فقال: من الميقات الذي وَقَّتَ رسول الله ﷺ وأحرم منه، فقال الرجل: فإن أحرمتُ من أبعد منه، فقال مالك: لا أرى ذلك، فقالَ: ما تكرهُ من ذلك، قال: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقالَ مالك: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
وأي فتنة أعظم من أنك خُصِّصْتَ بفضل لم يُختَصّ به رسولُ الله ﷺ؟![161]. [161] ذكره أبو شامة في كتاب «الباعث، على إنكار البدع والحوادث» (ص14)؛ نقلًا عن أبي بكر الخلال.
هذا نموذج، ولا زال العلماءُ يُنكرونَ على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله.
2 ـ منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع
منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم، حيث يردّون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن، والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألَّفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردُّوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبًا خاصّة في ذلك، كما ألَّفَ الإمام أحمد كتاب الرد على الجهمية، وألَّف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن سعيد الدارمي، وكما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم، من الرد على تلك الفرق، وعلى القبورية والصوفية، وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع، فهي كثيرة، منها على سبيل المثال من الكتب القديمة:
1- كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي.
2- كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءًا كبيرًا منه.
3- كتاب إنكار الحوادث والبدع لابن وضَّاح.
4- كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي.
5- كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة.
ومن الكتب العصرية:
1- كتاب الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ.
2- كتاب السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي.
3- رسالة التحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز.
ولا يزالُ علماء المسلمين -والحمد لله- يُنكرون البدعَ ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخطب الجُمع والندوات والمحاضرات، مما له كبير الأثر في توعية المسلمين، والقضاء على البدع، وقمع المبتدعين.
الفصل الرابع: في بيان نماذج من البدع المعاصرة
البدع المعاصرة كثيرة؛ بحكم تأخر الزمن، وقلة العلم، وكثرة الدعاة إلى البدع والمخالفات، وسريان التشبه بالكفار في عاداتهم وطقوسهم؛ مصداقًا لقوله ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[162]. [162] متفق عليه، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أخرجه البخاري (6/605): 60 ـ كتاب أحاديث الأنبياء، 50 ـ باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، (رقم: 3456). ومسلم (8/436): 47 ـ كتاب العلم، 3 ـ باب: اتباع سنن اليهود والنصارى، (رقم: 6723).
ومن هذه البدع:
1- الاحتفال بالمولد النبوي. 2- التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك. 3- البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.
1 ـ الاحتفال بمناسبة المولد النبوي
وهو تشبه بالنصارى في عمل ما يسمَّى بالاحتفال بمولد المسيح، فيحتفل جهلةُ المسلمين، أو العلماء المضلون في ربيع الأول أو في غيره من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد ﷺ. فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت، أو الأمكنة المعدة لذلك، ويَحضُرُ جموعٌ كثيرة من دهماء الناس وعوامهم، يعملون ذلك تشبهًا بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح، عليه السلام، والغالبُ أن هذا الاحتفال علاوة على كونه بدعة، وتشبهًا بالنصارى، لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات، كإنشاد القصائد التي فيها الغلو في حق الرسول ﷺ إلى درجة دعائه من دون الله، والاستغاثة به، وقد نهى النبي ﷺ عن الغُلوِّ في مدحه فقال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[163]. وقد يصحب هذا الاحتفال اختلاط بين الرجال والنساء وفساد الأخلاق وظهور المسكرات وغير ذلك. [163] تقدم تخريجه.
الإطراءُ معناه: الغُلُوّ في المدح، وربما يعتقدون أن الرسول ﷺ يحضُرُ احتفالاتهم، ومن المنكرات التي تصاحب هذه الاحتفالات: الأناشيد الجماعية المنغمة وضربُ الطبول، وغيرُ ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيه اختلاط بين الرجال والنساء، مما يُسبّب الفتنة، ويجرّ إلى الوقوع في الفواحش، وحتى لو خلا هذا الاحتفال من هذه المحاذير، واقتصر على الاجتماع وتناول الطعام، وإظهار الفرح -كما يقولون-؛ فإنه بدعة محدثة «وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وأيضًا هو وسيلة إلى أن يتطور، ويحصل فيه ما يحصل في الاحتفالات الأخرى من المنكرات.
وقلنا: إنه بدعة؛ لأنه لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرًا بعد القرن الرابع الهجري، أحدثه الفاطميون الشيعة، قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني -رحمه الله-: "أمَّا بعدُ: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد، هل له أصل في الدين، وقصدوا الجواب عن ذلك مبيّنًا، والإيضاح عنه معينًا، فقلت -وبالله التوفيق-:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا يُنقلُ عملُه عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكَّالون"[164]. [164] رسالة المورد، في عمل المولد (ص20 ـ 21).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا... من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإنَّ هذا لم يفعله السلف، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا؛ لكان السلفُ -رضي الله عنهم- أحقَّ به منَّا، فإنهم كانوا أشد محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كانت محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته، واتباع أمره وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعثَ به، والجهادُ على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان"[165]. انتهى ببعض اختصار. [165] اقتضاء الصراط المستقيم بتحقيق الدكتور ناصر العقل (2/615).
وقد أُلِّفَ في إنكار هذه البدعة كتب ورسائل قديمة وحديثة، وهو علاوة على كونه بدعة وتشبهًا، فإنه يجرُّ إلى إقامة موالد أخرى كموالد الأولياء والمشائخ والزعماء؛ فيفتح أبواب شرٍّ كثيرة.
2 ـ التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا
من البدع المحدثة: التبرك بالمخلوقين، وهو لونٌ من ألوان الوثنية، وشبكة يصطاد بها المرتزقة أموال السذج من الناس، والتبرك: طلب البركة وهي: ثبوت الخير في الشيء وزيادته، وطلبُ ثبوت الخير وزيادته إنما يكونُ ممن يَملك ذلك ويقدر عليه، وهو الله سبحانه، فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص -أحياء وأمواتًا- لا يجوز؛ لأنه إما شرك، إن اعتقد أنَّ ذلك الشيء يمنحُ البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به، سبب لحصولها من الله.
وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي ﷺ وريقه وما انفصل من جسمه ﷺ، خاصة كما تقدَّم[166]؛ فذلك خاص به ﷺ ولم يكن الصحابة يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلَّى فيها وجلس فيها؛ ليتبركوا بها، وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين، كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة، لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كَلَّم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يُقالُ إنَّ فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء. [166] في الفصل الأول من الباب الخامس.
وأيضًا فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائمًا لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يُقبّلُه، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه ﷺ بقدميه الكريمتين، ويُصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ فتقبيل شيء من ذلك والتمسّح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام: أن هذا ليس من شريعته ﷺ[167]. [167] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، بتحقيق الدكتور ناصر العقل (2/795 ـ 802).
3 ـ البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله
البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرعُ شيء منها إلا بدليل، وما لم يدل عليه دليلٌ فهو بدعة؛ لقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[168]. [168] أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها. تقدم تخريجه.
والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا، منها:
الجهر بالنية للصلاة: بأن يقول: نويت أن أصلي لله كذا وكذا، وهذه بدعة؛ لأنه ليس من سنة النبي ﷺ، ولأن الله تعالى يقول: ﴿...أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات: 16].
والنية محلها القلب، فهي عمل قلبي لا عمل لساني.
ومنها: الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردًا.
ومنها: طلب قراءة الفاتحة في المناسبات، وبعد الدعاء، وللأموات.
ومنها: إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة واستئجار المقرئين، يزعمون أن ذلك من باب العزاء، أو أن ذلك ينفع الميت، وكل ذلك بدع لا أصل لها، وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان.
ومنها: الاحتفال بالمناسبات الدينية، كمناسبة الإسراء والمعراج، ومناسبة الهجرة النبوية، وهذا الاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له في الشرع.
ومن ذلك: ما يفعل في شهر رجب، وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به، كالتطوع بالصلاة والصيام فيه خاصة، فإنه لا ميزة له على غيره من الشهور، لا في الصيام والصلاة والذبح للنسك فيه، ولا غير ذلك.
ومن ذلك: الأذكار الصُّوفية بأنواعها، كلها بدع ومحدثات؛ لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها.
ومن ذلك: تخصيصُ ليلة النصف من شعبان بقيام، ويوم النصف من شعبان بصيام، فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء خاص به.
ومن ذلك: البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها، والتوسل بالموتى، وغير ذلك من الأغراض الشركية، وزيارة النساء لها؛ مع أن الرسول ﷺ لعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.
وختامًا نقول: إنَّ البدعَ بريد الكفر، وهي زيادة دين لم يشرعه الله ولا رسوله، والبدعة شر من المعصية الكبيرة، والشيطانُ يفرحُ بها أكثر مما يفرح بالمعاصي الكبيرة؛ لأنَّ العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها، والمبتدع يفعل البدعة يعتقدها دينًا يتقرب به إلى الله، فلا يتوب منها، والبدع تقضي على السُّنن، وتُكَرِّه إلى أصحابها فعل السنن وأهلَ السنة.
والبدعة تباعد عن الله، وتُوجبُ غضبه وعقابه، وتسبب زيغ القلوب وفسادها.
ما يعامل به المبتدعة
تحرُمُ زيارة المبتدع ومجالسته إلا على وجه النصيحة له والإنكار عليه؛ لأن مخالطته تؤثر على مخالطه شرًا، وتنشر عداوته إلى غيره، ويجب التحذير منهم، ومن شرهم، إذا لم يُمكن الأخذ على أيديهم، ومنعهم من مزاولة البدع، وإلا فإنه يجب على علماء المسلمين وولاة أمورهم منع البدع، والأخذ على أيدي المبتدعة، وردعهم عن شرهم؛ لأن خطرهم على الإسلام شديد، ثم إنَّهُ يجب أن يُعلمَ أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم، وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق؛ لأن في ذلك القضاء على الإسلام، وتشويه صورته.
نسأل الله عز وجل أن ينصر دينه، ويُعلي كلمته، ويخذل أعداءه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
Related books
All books
Chisilamu ni chipopelo cha achimitume wa Mlungu.85 languagesChisilamu ni chipopelo cha achimitume wa Mlungu.
Chisilamu kwalakweko ni kulipeleka mwa Mlungu,nkugumba chilambo nambo soni nkujendesya jwa chilambocho, nambo soni kunkuya jwalakwejo mwa chinonyelo ni uchimbichimbi. Mchiga wa ndanda wa chisilamu; nikulupilila mwa Mlungu, nikuti Mlungujo ni nkugumbaو nikuti ine yosope yankaniyiwa jwelejo, iwele yagumbidwa. Nikuti Mlungujo ni jwawele jwakuwajilana kupopeledwa jikape, jwali jwangali jwakupwatikana najo. Pangali wakuwajilana kupopeledwa niyikaweje jwalakwejo. Mlungu akwete mena gambone ni mbili sya penani, jwalakwejo nijwali jwankwanile kusyesyene pangali kupunguka,nganaweleka mwanache nambo…
الإسلام دين رب العالمين
Matala gakuwichisya umi wautendele.62 languagesMatala gakuwichisya umi wautendele.
Chitabu cha “Matala gakukamuchisya ga umi wautendele” cha sheikh Abdur-Rahman bin Nasser As-Sa'di chikusalichisya yayikusatendekasya utendele usyesyene pakujigalila chikulupi chakusokoka, pakunnongolela nkusooma ku kutulala kwa ntima kupitila mu chikulupi ni masengo gambone, kunkumbuchila Allah, kwikutila, kuganichisya ya ukoto, kutenda yambone, kwegamila kwa Allah, kupilila, nambo soni kupima chenene ichindu, mu litala lyakusalala, chikuwika pameso penu chongoko cha umi wakutulala, wakulingana, nambo soni wautendele, atamose pakutindana kwa kawe ka umi.
Utenga wa myasi jachipago ja achakongwe36 languagesUtenga wa myasi jachipago ja achakongwe
Chitabu chakolanjikwa Risala mu Ngani ja Myasi Jachipago ja Achakongwe chakulembedwa ni Sheikh jwamkulungwa pa ilimu Muhammad bin Salih Al-Uthaymeen (Allah antendele chanasa), chili utenga wachimanyililo wakulimba wawukusala pakuwungunya nikusimichisya ngani ja myasi jachipago ja achakongwe mpela myasi ja kuwesi, ja Mpitapiita, ni ja uchembele, chijegamile m'Chitabu chakuchimbichika ni m'Sunna syakuona pamo ni kupikanichisya kwakusokoka kwa maloŵe ga achinamatetule mu ngani syelesi. Mwelemu mwaŵichidwe malamusi ga myasiji, nikulondesya mwakusalichisya mbali syakulekanganalekangana pa ndawi…