الأحناف ينشرون التوحيد
فهد بن ناصر إبراهيم الجديد
الرياض ، 1442هـ
المقدمة :
عاش المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة بعقيدة صحيحة موافقة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولم يستدع الأمر أن يدونوا تعريفات لتلك العقيدة. قال رسول صلى الله عليه وسلم : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) [رواه البخاري].
وبعد القرون الثلاثة المفضلة جاء أهل الباطل وبدأوا يحرفون في عقيدة الأمة الإسلامية عن مسارها الصحيح، وسول لهم الشيطان أعمال بدعية فظنوا أنها أعمال حسنة، وبنوا قبب على قبور موتاهم الصالحين، ثم جاء من بعدهم أقوام وبدأوا يدعون الله قريب من قبور هؤلاء الصالحين، ثم استمر الحال في انحراف المسلمين حتى جاء أقوام آخرون وزعموا أن أصحاب تلك القبور أولياء يجب دعاؤهم في الملمات والمصائب عندها دخل الشرك في الأمة الإسلامية. كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام، ففي الحديث الذي رواه ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وإنَّ ممَّا أتَخوَّفُ على أُمَّتي أئمَّةً مضلِّينَ وستَعبدُ قبائلُ مِن أُمَّتي الأَوثانَ وستَلحَقُ قبائلُ من أُمَّتي بالمشركينِ). صحيح ابن ماجه.
وبالرغم من وجود هؤلاء الأئمة المضلين الذي نشروا الشرك في الأمة الإسلامية فإن هناك أئمة صالحون قاموا بتصحيح أحكام الدين مما علق بها من شوائب الشرك، ونشروا التوحيد الخالص لله تعالى. ومن بين هؤلاء الأئمة المصلحين علماء الحنفية الذي قاموا بجهود كثيرة وأعمال موفقة فنشروا التوحيد بين الناس، وحذروا من الشرك، وسدوا الطرق المؤدية إليه. وقد قام فضيلة الشيخ الدكتور شمس الدين السلفي الأفغاني –رحمه الله- بإعداد رسالة دكتوراه وجمع جهود هؤلاء العلماء وسماها جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية.
وقد يسر الله لكاتب هذه السطور أن يقدم تعريفاً مفصلاً عن هذه الرسالة القيمة ليطلع القارئ الكريم على جهود علماء الأمة من الحنفية في نشر العقيدة الصحيحة والتحذير من الشرك والبدع.
1442/04/01هـ
الفصل الأول : تعريفات أساسية : التوحيد والعبادة والشرك
التوحيد والعبادة مصطلحان مترادفان يقصد بهما عبادة الله وحده، فيجب على المسلم معرفتهما والإيمان بهما. والشرك مضاد لهما ويجب على المسلم أيضاً معرفة الشرك كي يتجنب الوقوع فيه. وفي هذا الفصل سوف يتم تعريف التوحيد والعبادة والشرك عند القبوريين ثم الرد عليهم والتصحيح عند علماء الحنفية كما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من عند الله.
المبحث الأول : التوحيد
عرف علماء اللغة التوحيد بانه : الحكم على الشيء بأنه واحد[1].
[1] انظر جهود علماء الحنفية : 84.
تعريف القبورية للتوحيد :
حاول دعاة القبورية وضع تعريف للتوحيد وحصروه في أفعال الله فقط ولم يضيفوا إليه أفعال العباد. ومن تعريفات هؤلاء القبوريين :
التوحيد : اعتقاد انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير وأنه لا فاعل إلا الله[2].
[2] انظر جهود علماء الحنفية : 95. انظر : إحياء المقبور لأحمد الغماري : 29.
التوحيد : أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له[3].
[3] انظر جهود علماء الحنفية : 95. انظر : براءة الأشعريين لابن مرزوق : 164. التوسل : 95.
التوحيد : إن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، وخالق لمصنوعاته[4].
[4] انظر جهود علماء الحنفية : 95. انظر : ضوء المعالي للقارئ : 13. شرح البابرتي : 29. والنعيمي : 47 للطحاوية.
التوحيد : هو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه مرجع كل كون، ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم[5].
[5] انظر جهود علماء الحنفية : 95. انظر : رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده : 43.
تعريف التوحيد عند علماء الحنفية :
وأما علماء الحنفية فقد اجتهدوا ودونوا تعريف شامل للتوحيد يشمل أفعال الله من الخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة والنفع والضر، وأفعال العباد من الدعاء والسجود والركوع والاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر. أي إفراد الله في أفعاله فلا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، ولا يحي ويميت إلا الله. وكذلك إفراد الله في أفعال العباد، فلا يدعى إلا الله، ولا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا لله، ولا يستعان ولا يستغاث إلا بالله فيما لا يقدر عليه أحد من خلقه. ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله. ومن هؤلاء العلماء :
قال الإمام الطحاوي (ت 321هـ-933م) في بيان عقيدة الأئمة الثلاثة للحنفية : أبي حنيفة (ت 150هـ-767م)، وأبي يوسف (182هـ-798م)، ومحمد بن الحسن الشيباني (189هـ-805م) رحمهم الله – تعالى – معرفاً التوحيد : (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله : أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره)[6].
[6] جهود علماء الحنفية : 88. انظر الطحاوية : 17، النور اللامح شرح الناصري : 18. شرح البابرتي : 28. شرح الغنيمي : 47. شرح محمد طيب : 30. شرح خالص : 3.
وقال الإمام ولي الله الدهلوي (1176هـ-1762م)، وتبعه الفتني (1327هـ-1909م): (التوحيد : اعتقاد حصر وجوب الوجود، وقصر خلق السماوات والأرض وسائر الجواهر لله سبحانه وتعالى، واعتقاد حصر تدبير السماوات والأرض وما بينهما له تعالى، فلا يكون غيره سبحانه واجداً ولا خالقاً ولا مدبراً، وأنه لا يستحق العبادة غيره جل وعلا) [7].
[7] جهود علماء الحنفية : 89. انظر : حجة الله البالغة : 1/59. وفيض الرحمن : 15.
وذكر الناصري (ت 652هـ-1254م)، وابن العز (ت 792هـ-1390م)، والقاري (1014هـ-1605م) : (أن التوحيد يتضمن ثلاثة أمور : ربوبية الله، وصفاته، وعبوديته) [8].
[8] جهود علماء الحنفية :90. انظر :النور اللامع : 18،23،وشرح الطحاوية: 74. ومنح الأزهر: 14. وضوء المعاني: 10.
وقال الأستاذ أبو الأعلى المودودي[9] (ت 1399هـ-1979م) : (معنى لا إله إلا الله: أنه ليس .. أحد جديراً بأن يعبده الناس ويسجدوا له بالطاعة والعبادة إلا الله. فما لهذا الكون من مالك ولا حاكم إلا هو وحده، وكل شيء مفتقر إليه، مضطر إلى استعانته) [10].
[9] هو أبو الأعلى بن أحمد الهندي مؤسس الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية. كان حنفياً، ولكنه كان عدواً للحنفية لتعصبهم وتقليدهم المذموم، وكان صارماً على الصوفية. ويميل بحكم البيئة في المسائل إلى الماتريدية.
[10] جهود علماء الحنفية : 91. انظر : مبادئ الإسلام : 80.
المبحث الثاني : العبادة
العبادة عند علماء اللغة لها خمسة معان : الخضوع، الذلة، الطاعة، المملوكية، التنسك[11].
[11] جهود علماء الحنفية : 311.
تعريف العبادة عند القبوريين :
قال القضاعي (ت 1336هـ-1918م) : (إن مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء من التوسل والاستغاثة وغيرهما، بل لا يشتبه بالعبادة أصلاً، فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم، أو صفة من صفاتها الخاصة بها)[12].
[12] جهود علماء الحنفية : 290. انظر : البراهين الساطعة : 381. الفرقان : 111. والرد على بعض المتبتدعة للفاسي : 10، بهامش كتاب إظهار العقوق. وبراءة الأشعريين لابن مرزوق : 89. التوسل للفقي : 16. وكشف النقاب للنقوي : 45. وجواز التوسل لدحلان : 52. وقوة الدفاع : 53.
وقال الفقي[13]: (وإنما كفر المشركون وخرجوا عن الحنفية بسجودهم لأصنامهم وأوثانهم، لاعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، واستقلالهم بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة مع الله - تعالى -. فالتكريم والخضوع لأولياء الله الصالحين مجرداً عن الاعتقاد المذكور لا يعتبر عبادة شرعاً..)[14].
[13] هو محمد الفقي من علماء الأزهر الشريف، وكتابه هذا من أخبث كتب القبورية. انظر جهود علماء الحنفية : 1547.
[14] جهود علماء الحنفية : 294. انظر : التوسل والزيارة للفقي : 16.
وقال النقوي[15] (1289هـ-1872م) : (إن المسلمين الذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويعظمونها ويقبلونها ويطوفون حولها ويتمسحون بها لا يخطر ببال أحد منهم أن هؤلاء الأنبياء والصالحين أو قبورهم آلهة يجب عبادتهم، أو شركاء لله سبحانه، أو أرباب من دون الله، بل يجدون من نفوسهم يقيناً لا مزيد عليه أنهم عباد مكرمون أطاعوا أحكامه وامتثلوا أوامره وبذلوا في سبيله وإعلاء كلمته نفوسهم وأموالهم، فأكرمهم بجنته وأعزهم بجوار قدسه فلذلك هم مستحقون منا التعظيم ومستأهلون للخضوع لهم والاستكانة..بل لما علمنا أن لهم جاهاً ومنزلة عند الله عز وجل بسبب طاعتهم وعبادتهم له واتباع سننه والجهاد في سبيله، فنسألهم أن يدعو الله لنا فيقضي الله حاجتنا بواسطة دعائهم لنا.. وليس في ذلك من الكفر والشرك شيء)[16].
[15] هو علي النقي بن إبراهيم النقوي العراقي النجفي الرافضي الوثني صاحب كتاب البيت المعمور في عمارة القبور. [انظر : جهود علماء الحنفية : 1818].
[16] جهود علماء الحنفية : 293.انظر : كشف النقاب : 44.
تعريف العبادة عند علماء الحنفية :
ذكر علماء الحنفية مجموعة من مصطلحات لتعريف العبادة، نذكر منها:
العبادة : الاعتقاد والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب، يقدر بها على النفع والضر، فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد: فهو عبادة[17].
[17] جهود علماء الحنفية : 318. انظر : إمداد المفتين للتهانوي : 6/88.
والعبادة : ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلوب عظمة المعبود) [18].
[18] جهود علماء الحنفية : 312. انظر : مفتاح الجنة للخجندي : 65.
العبادة : فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ابتغاء وجه الله والآخرة[19].
[19] جهود علماء الحنفية : 319. انظر : فتح المنان ك 442.
العبادة : عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع والخوف، والرجاء، والطاعة) [20].
[20] جهود علماء الحنفية : 321. انظر : البصائر : 78. وسمط الدرر : 20.
العبادة : غاية حب العابد للمعبود، مع ذل العابد لمعبوده[21].
[21] جهود علماء الحنفية : 312. انظر : التبيان للرستمي : 81.
من خلال هذه المصطلحات المذكورة يؤكد علماء الحنفية أن العبادة ترتكز على ثلاثة أركان أساسية، هي : الحب والرجاء والخوف. وأن القبورية في دعائهم للأموات والاستغاثة بهم، مثل قولهم : ياعلي، ياحسين، ياغوث، ياشيخ، كل ذلك من أنواع العبادات التي لا يحق صرفها إلا لله الواحد الصمد، ومن دعا غيره من الأنبياء والصالحين فقد أشرك مع الله إلهاً آخر.
المبحث الثالث : الشرك
عرف علماء اللغة الشرك، فقالوا : كون أحد الشيئين فأكثر خليطاً مع آخر في أمر ما حسياً كان أو معنوياً.
تعريف الشرك عند القبورية :
انحرفت القبورية في تعريف الشرك كما انحرفت في تعريف التوحيد، وزعم دعاتها أن الشرك محصور في الربوبية. وقالوا : الشرك : أن يجعل العبد مع الله أحداً شريكاً في الخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، واعتقاد الاستقلال فيه بالنفع والضر.
فكل معاملة مع غير الله إذا لم تكن مقرونة بهذا الاعتقاد فليس من العبادة، ولا من الشرك حتى لو كان سجوداً، واستغاثة، ونذراً، وذبحاً، وغيرها. وهذا خلاصة عقيدة القبورية في تعريف الشرك[22].
[22] جهود علماء الحنفية : 360. انظر مؤلفات القبورية : كشف الارتياب للعاملي : 105. وكشف النقاب للنقوي : 44. كشف الأسرار للخميني ك 27. ومنهج الرشاد للنجفي : 29. البراهين الجلية للطباطبائي : 32. البراهين الساطعة للقضاعي : 375. التوسل لابن مرزوق : 20. مقالات الدجوي : 1/162. حقيقة التوسل لموسى : 141. المفاهيم للمالكي : 49. الإفهام والإفحام لمحمد زكي : 33. الرد المحكم للرفاعي : 90.
تعريف الشرك عند علماء الحنفية :
وقد عرف علماء الحنفية الشرك. فقالوا :
الإمام ابن أبي العز الحنفي (ت 792هـ-1390م) – رحمه الله - : (هو الاعتقاد في الصالحين أنهم شفعاء عند الله، واتخاذهم وسيلة إلى الله عز وجل، وعبادتهم على هذا الأساس وهذا أصل شرك العرب، فإنهم لم يعتقدوا في الأصنام أنها مشاركة لله في الخلق والتدبير فإنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية لله عز وجل[23].
[23] جهود علماء الحنفية : 361. انظر شرح الطحاوية : 20.
وقال الإمام ولي الله الدهلوي (ت 1176هـ 1763) - رحمه الله – (حقيقة الشرك : أن يعتقد إنسان في بعض المعظمين من الناس أن الآثار العجيبة – أي الكرامات وكثرة العبادة ونحوها – الصادرة منه إنما صدرت لكونه متصفاً بصفة من صفات الكمال : مما لم يعهد في جنس الإنسان، بل يختص بالواجب جل مجده، لا يوجد في غيره – إلا أن يخلع هو خلعة الألوهية على غيره، ونحو ذلك مما يظنه هذا المعتقد من أنواع الخرافات، كما ورد أن المشركين كانوا يلبون بهذه التلبية : "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك"، فيتذلل عنده أقصى التذلل، ويعامل معه معاملة العبادة مع الله تعالى)[24].
[24] جهود علماء الحنفية : 362. انظر : حجة الله : 1/61.
وقال الإمام الشاه عبدالقادر الدهلوي (ت 1230هـ-1815م) : (الشرك هو : أن يعتقد في غير الله صفة من صفات الله – تعالى -، كالعلم بكل شيء، أو فعل كل شيء، أو أن بيد فلان خيراً وشراً، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا لله – تعالى – كالسجدة وطلب الحاجة، أو اعتقاد أن فلاناً له الاختيار أي التصرف[25].
[25] جهود علماء الحنفية : 364. انظر : موضع القرآن : 1/105.
وقال الإمام محمد بن إسماعيل الدهلوي (1246هـ1830م)، وتبعه أبو الحسن الندوي مترجما له : (اعلم أن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحداً بالله ويساوي بينهما بلا فرق، بل حقيقة الشرك : أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله بذاته العلية وجعلها شعاراً للعبودية – لأحد من الناس، كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة، واعتقاد أنه حاضر وناظرفي كل مكان، إثبات التصرف – في الكون – له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركاً) [26].
[26] جهود علماء الحنفية : 365. انظر : رسالة التوحيد للندوي : 32.
وينبغي التنبيه إلى أن علماء أهل السنة والجماعة ومن بينهم علماء الحنفية لا يحكمون بكفر أحد من الناس إذا ارتكب ناقض من نواقض الإسلام إلا بعد إقامة الحجة عليه.
قال العلامة محمود شكري الألوسي (ت 1342هـ- 1924م) : (أن المسلم، بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، فيجب تنبيهه وتعليمه ليتوب، ولا يحكم بكفره لأجل جهله، وذلك إتماماً للحجة، وإيضاحاً للمحجة[27].
[27] جهود علماء الحنفية : 535. انظر : غاية الأماني : 1/298.
وقال أيضاً : (أن أهل التوحيد لا يكفرون إلا من حكم الله - تعالى – ورسوله صلى الله عليه وسلم بكفره) [28].
[28] جهود علماء الحنفية : 536. انظر : فتح المنان : 494.
المبحث الرابع : القبورية المعاصرة أشد شركاً من الوثنية الأولى
قال الإمام محمود الألوسي (ت 1170هـ-1757م)، مفتي الحنفية ببغداد، في تفسير قوله – تعالى - : (.. دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ..) [يونس : 22] : (الآية داله على أن المشركين [السابقين كانوا] لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال [من الشدة]، وأنت خبير بأن الناس [القبورية] اليوم – إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر – دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر، واليأس، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحداً يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال، أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك : قل لي أي الفريقين [القبورية والوثنية] من هذه الحيثية [في الاستعانة عند الشدائد] أهدى سبيلاً؟؟؟، وأي الداعيين [المشرك المستغيث بالله في الشدة، أو القبوري المستغيث بالميت في الشدة] أقوم قيلاً؟؟؟. وإلى الله المشتكى من [أهل] زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت [فيه عليهم] أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف)[29].
[29] جهود علماء الحنفية : 1172. انظر : روح المعاني : 11/98.
وقال العلامة السهسواني[30] (ت 1326هـ-1908م) - رحمه الله - : (فإذا عرفت هذه فاعرف أن المشركين الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف شركاً من عباد مشركي زماننا، لأن أولئك كانوا يخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء يدعون مشائخهم في الشدة والرخاء، والله المستعان)[31].
[30] هو محمد بشير بن بدر الدين بن صدر الدين العمري الهندي، كان إماماً في المعقول والمنقول، وكان محدثاً وفقيهاً، وكان من كبار علماء الحنفية.
[31] جهود علماء الحنفية : 1179. انظر : صيانة الإنسان : 419.
وقال العلامة محمد سلطان المعصومي الخجندي (ت 1379هـ-1959م) - رحمه الله - : (إن هؤلاء القبوريين قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات، لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم، وهو أن [أهل] الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده، كما حكاه الله تعالى عنهم في [عدة] آيات، بخلاف المعتقدين في الأموات، فإنهم إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأموات، ونذروا لهم النذور، وقل من يستغيث بالله سبحانه وحده في تلك الحال) [32].
[32] جهود علماء الحنفية : 1186. انظر : حكم الله الواحد الصمد : 23.
الفصل الثاني : الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية :
يجب على المسلم أن يعرف الفرق بين توحيد الربوبية (أفعال الله) وبين توحيد الألوهية (أفعال العباد) كي يؤدي عبادة الله على الوجه المشروع.
المبحث الأول : أهمية توحيد الألوهية عند علماء الحنفية :
قال الإمام ابن أبي العز (ت 792هـ-1390م) : اعلم أن التوحيد [توحيد العبادة] :
أول دعوة الرسل.
وأول منازل الطريق.
وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل.
قال تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف : 59].
وقال هود عليه السلام لقومه : (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف : 65].
وقال صالح عليه السلام لقومه : (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف : 73].
وقال شعيب عليه السلام لقومه : (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف : 85].
وقال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل : 36].
وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء : 25].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) [البخاري:1/17. مسلم:1/53] [33].
[33] جهود علماء الحنفية : 122. انظر شرح الطحاوية : 15-17.
وقال الإمام أبو السعود العمادي[34] (ت 982هـ-1574م) : ( (وَمَا أُمِرُوا) أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابيهم، (إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً) عظيم الشأن وهو الله سبحانه وتعالى، ويطيعوا أمره، ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه، فإن ذلك مخل بعبادته تعالى، فإن جميع الكتب السماوية متفقة على ذلك قاطبة) [35].
[34] هو محمد بن محمد من كبار علماء الأتراك، ومن عظماء الحنفية في الدولة العثمانية، صاحب مناصب ووجاهة عند الدولة، منطقي فلسفي ماتريدي.
[35] جهود علماء الحنفية : 126. انظر إرشاد العقل السليم : 4/60.
وقال الشيخ الغلام[36] (ت 1400هـ- 1980م) : (إن اليهود والنصارى قد اتخذوا مشايخهم وأئمتهم أرباباً، فعبدوهم من دون الله تعالى، مع أنهم قد أمروا في التوراة والإنجيل بأن لا يعبدوا إلا الله سبحانه، لأنه لا متصرف في العالم ولا قاضي للحاجات، ولا مستحق للاستغاثة والنداء لدفع الكربات وطلب المنافع غيره عز وجل)[37].
[36] هو شيخ القرآن غلام الله خان روالبندي من كبار مشاهير الديوبندية وعظمائهم، كان حرباً شعواء على القبورية ولكن فيه بقايا خرافات مشايخه الصوفية النقشبندية.
[37] جهود علماء الحنفية : 126. انظر جواهر القرآن : 1/435-436.
وقال الشاه أنور الكشميري[38] (ت 1352ه-1933م) : (واعلم أن كلمة الإخلاص لاستئصال الإشراك في العبادة دون الإشراك في الذات، وعليه [أي على توحيد العبادة] تنبنى دعوة الأنبياء عليهم السلام، لأن منكري الربوبية، أي المشركين في الذات، كانوا أقل قليل، فلم يريدوا بتلك الكلمة [يعني لا إله إلا الله] إلا الرد على الذين كانوا يشركون في العبادة، [دون الربوبية]، كما حكى الله عنهم : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر : 3]، يعني : أن الله واحد، وهؤلاء مقربون إليه، والعياذ بالله، وقال تعالى : (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [العنكبوت : 65]، وقال تعالى : (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافات : 35]، ولم يقل : "يجحدون"، فعلم أنهم لم يكونوا منكرين لتلك الكلمة رأساً، لأن الاستكبار بعد العلم، وقد مر أن أول من بعث لدحض الكفر هو نوح عليه الصلاة والسلام، وقبله لم يكن إلا الإيمان فقط، ثم جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقابل قوم نمروذ، وكانوا مشركين في العبادة، فرد عليهم بأبلغ وجه وأتم تفصيل، وعلى هذا بالملة الإبراهيمية هي استئصال الإِشراك في العبادة[39].
[38] هو العلامة المحدث الفقيه محمد أنور شاه بن معظم شاه الملقب عند الديوبندية بإمام العصر، وأما عند أهل السنة والجماعة فهو حنفي ماتريدي نقشبندي.
[39] جهود علماء الحنفية : 134. انظر فيض الباري : 1/104.
المبحث الثاني : اعتقاد القبوريون باتحاد الربوبية والألوهية في آن واحد
زعم دعاة القبورية أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية واحد، ولا فرق بينهما. وهذا جهل صريح بحقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من عند الله ألا وهو توحيد الألوهية.
ومن أقوال القبوريين: أن الرب والإله معناهما واحد.وإن الإله هو الرب.
ومن بين دعاة القبورية الذي جاءوا بهذه الشبهة[40] :
[40] انظر جهود علماء الحنفية : 177.
قال ابن جرجيس[41] (ت 1299هـ-1882م) : (الرب والإله معناهما ومفادهما واحد). وقال : (إن الإله والرب واحد). و (إن الإله هو الرب) [42].
[41] هو داود بن سليمان الحنفي، أحد أئمة القبوريين في العراق، تجرد للدعوة إلى الوثنية والإشراك الله وعبادة القبور.
[42] انظر جهود علماء الحنفية : 180. انظر : صلح الأخوان : 124،127. وسعادة الدارين : 2/23.
وقال دحلان[43] (ت 1304هـ - 1887م) في تهجمه على علماء التوحيد : (وأما جعلهم التوحيد نوعين : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فباطل، فإن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية).
[43] هو أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة، ومن أعظم دعاة القبوريين، وكان كذاباً ساقطاً للعدالة.
وقال أيضاً : (وقالوا : إن التوحيد نوعان : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتوصلوا بذلك إلى تكفير المسلمين ..) [44].
[44] انظر جهود علماء الحنفية : 181. انظر : الدرر السنية : 40، 41.
وقال القضاعي[45] (ت 1336هـ-1918م) : (إن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان لا ينفك أحدهما عن الأخر في الوجود وفي الاعتقاد).
[45] هو سلامة العزامي أحد كبار أئمة القبورية، متجرد للدعوة السافرة إلى الوثنية.
وقال أيضاً : (فالناطق ب "لا إله إلا الله" معترف بالتوحيد لله في ألوهيته وربوبيته جميعاً) [46].
[46] جهود علماء الحنفية : 185. انظر : البراهين الساطعة : 375.
وقال الدجوي[47] (1365هـ- 1946م) : (توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية : ..، من ذا الذي فرق بينهما؟. إن صاحب هذا الرأي هو ابن تيمية ..) [48].
[47] هو يوسف بن أحمد المصري من أعضاء كبار العلماء بالأزهر، تجرد للدعوة إلى الوثنية، وناصب العداوة لنهضة التوحيد والسلفية.
[48] جهود علماء الحنفية : 182. انظر : مقالات الدجوي : 1/248. التوسل لابن مرزوق : 97.
المبحث الثالث : رد علماء الحنفية على من زعم باتحاد الربوبية والألوهية
وقد رد علماء الحنفية على هذه الجهالة، وبينوا الفرق الشاسع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية أو توحيد العبادة. ومن هؤلاء :
قال الإمام الطحاوي (ت 321هـ-933م) في بيان عقيدة الأئمة الثلاثة للحنفية : أبي حنيفة (ت 150هـ-767م)، وأبي يوسف (182هـ-798م)، ومحمد (189هـ-805م) رحمهم الله – تعالى - : (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله : أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره)[49].
[49] جهود علماء الحنفية : 219. انظر الطحاوية : 17، النور اللامح : 18. شرح ابن أبي العز : 15، 42، 52.
تدبر – رحمك الله – كلام هؤلاء الأئمة، قولهم : "إن الله واحد لا شريك له"، توحيد إجمالي ونفي الشرك. وقولهم : "ولا شيء مثله" : هو توحيد الأسماء والصفات. وقولهم : "ولا شيء يعجزه" هو توحيد الربوبية. وقولهم : "ولا إله غيره" هو توحيد الألوهية[50].
[50] جهود علماء الحنفية : 219.
قال الإمام ابن أبي العز (ت 792هـ-1390م) – رحمه الله – في شرح الجملة الأخير محققاً أن هذا توحيد العبادة : (وقوله: "ولا إله غيره" هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم) [51].
[51] جهود علماء الحنفية : 220. انظر الطحاوية : 55.
قال أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ-945م) في تفسير قوله – تعالى – : (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف : 59] : (أي مالكم من إله تثبت ألوهيته وربوبيته بالدلائل والحجج والبراهين غيره - تعالى -)[52] ونقله الناصري (ت 652هـ-1254م) [53] وأقره.
[52] جهود علماء الحنفية : 221. انظر : تأويلات الماتريدي تفسير سورة الأعراف آية 59.
[53] جهود علماء الحنفية : 221. انظر : النور اللامع : 19.
الشاهد : أن الماتريدي ثم الناصري – وهما من كبار الحنفيىة قد صرحا بذكر الألوهية والربوبية، وقد عطفا الثانية على الأولى، فدل على أن الربوبية غير الألوهية. وأنهما ليسا شيئاً واحداً [54].
[54] جهود علماء الحنفية : 221.
قال الشيخ محمود شكري الألوسي (ت 1342هـ- 192م) : (توحيد الربوبية هو الذي أقرت به الكفار جميعهم، ولم يخالف أحد منهم في هذا الأصل إلا الثنوية والمجوس. وأما غيرهما من سائر فرق الكفر والشرك فقد اتفقوا على أن خالق العالم ورازقهم، ومدبر أمرهم ونافعهم وضارهم، ومجيرهم واحد، لا رب ولا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا نافع ولا ضار ولا مجير غيره، كما قال سبحانه وتعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان : 25].
إذا علمت هذا تبين لك أن المعركة بين أهل التوحيد والمشركين في الألوهية فقط، وجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى توحيد الله وعبادته[55].
[55] جهود علماء الحنفية : 206. انظر : فتح المنان : 451.
المبحث الرابع : لا إله إلا الله الكلمة الفارقة بين الإسلام والكفر
قال العلامة الخجندي[56] (ت 1379هـ-1959م) رحمه الله : (اعلم أن "لا إله إلا الله" هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام، فمن قالها عالماً بمعناها، ومعتقداً إياها، فقد دخل في الإسلام وصار من أهل دار السلام "الجنة"، وأما من قال : لا خالق إلا الله، أو لا رازق إلا الله، أو لا رب إلا الله، أو لا موجود إلا الله، أو نحو ذلك. فلا يكون مسلماً ولا يكون من أهل دار السلام، وهذه الكلمات وإن كانت حقاً[57]، ولكن يشرك في القول بها سائر الناس: من المشركين، والمجوس، والنصارى، واليهود، وغيرهم، سوى الدهرية المادية، كما يشهد القرآن بذلك، فقد ثبت بهذا التحقيق : أن الذكر النافع المنجي من عذاب الله، إنما هو "لا إله إلا الله" .. ولا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص المنافية للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله[58].
[56] هو العلامة محمد سلطان بن أورونا المعصومي الخجندي، كان من كبار علماء الحنفية، علامة في الفنون النقلية والعقلية، ثم صار من الأثر، هاجر من بلاده ما وراء النهر مختلفاً من سلطات السوفييت فاراً بدينه إلى الحرمين. من مؤلفاته حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد.
[57] باستثناء "لا موجود إلا الله". فإنها من كفريات الحلول والاتحادية.
[58] جهود علماء الحنفية : 143. انظر : مفتاح الجنة : 40، 41، 62.
وقال العلامة القاري[59] (ت 1014هـ-1605م) - رحمه الله – محققاً أن كلمة الإسلام هي "لا إله إلا الله" دون غيرها: (وإنما جاء الأنبياء عليهم السلام لبيان التوحيد، وتبيان التفريد، ولذا أطبقت كلمتهم، وأجمعت حجتهم على كلمة "لا إله إلا الله"، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا : "الله موجود"، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود، رداً لما توهموا وتخيلوا، حيث قالوا: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس : 18]. و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر : 3] ..) [60].
[59] هو العلامة علي بن سلطان محمد أبو الحسن الهروي المكي، من كبار أئمة الحنفية الجامعين بين الحديث والفقه.
[60] جهود علماء الحنفية : 147. انظر : منح الأزهر : 7.
الفصل الثالث : انحراف القبورية في الاستغاثة بالأموات والرد عليهم
تزعم القبورية بأن الاستغاثة بالأموات ضروري لدفع الكربات وجلب المنافع والخيرات، وقد ألف مدعو العلم عندهم الكثير من الكتب في هذا المجال، ومن تلك الكتب :
مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام.
شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق.
أنوار الانتباه بحل النداء بيا رسول الله.
بركات الاستمداد.
تحريض الأغبياء في الاستغاثة بالأنبياء والأولياء.
نفحات القرب الاتصال بإثبات التصرف للأولياء بعد الانتقال.
ومن أمثلة القبورية في الاستغاثة بالأموات، نذكر منها :
المثال الأول : ما ذكره أحمد رضا خان الأفغاني (ت 1340هـ-1922م)، الملقب بعبدالمصطفى : (أن سيد الطائفة: الجنيد (ت 298هـ-911م) جاء إلى نهر دجلة ليعبره، فقال : يالله، ومشى عليه كما يمشي على الأرض! فرآه شخص، وأراد أن يعبره فلم يجد سفينة، فقال للجنيد: إني أريد أن أعبر هذا النهر، فكيف السبيل؟ فقال الجنيد: قل ياجنيد. ياجنيد، مرددا لهذا النداء، فتعبره. فقال الرجل : ياجنيد، ياجنيد، ومشى على النهر، فلما وصل إلى وسط النهر وسوس له الشيطان .. فجعل الرجل يقول : يا الله، يا الله. فغرق في الماء. فصرخ ونادى الجنيد، وقال : أيها الحضرة! قد غرقت. فقال له الجنيد : قل يا جنيد، يا جنيد. فجعل الرجل يقول : يا جنيد، يا جنيد. فنجا من الغرق، وعبر النهر. ثم قال الرجل للجنيد : أيها الحضرة ما السر في أنك كنت تقول : يا الله. فتعبر النهر؟ ولما أنا قلت : يا الله. غرقت. فقال له الجنيد : نعم، أيها الأحمق! إنك لم تصل بعد إلى منزلة الجنيد، وتطمع في الوصول إلى الله مباشرة. الله أكبر)[61].
[61] جهود علماء الحنفية : 1057، وانظر : الملفوظات : 1/131.
المثال الثاني : ما استدل به النبهاني (ت 1350هـ-1931م) قائلا : (إن سيدي محمد الحنفي[62] قدس الله سره فرش سجادته على البحر، وقال لمريده : قل يا حنفي، وأمش، فمشى المريد خلفه، فخطر له : لم تقول : يا حنفي؟ هلا قلت : يا الله. فلما قالها غرق. فأمسك الشيخ (الحنفي) بيده، وقال له : أنت الحنفي تعرفه، فكيف بالله؟. فإذا عرفت الله، فقل : يا الله. يشير إلى أن الوسائط لابد منهم)[63].
[62] هو : محمد الملقب بشمس الدين المعروف بالسلطان، حنفي الفروع، وثني الاعتقاد، توفي (847هـ-1443م)، جعلوه في منزلة الغوث والقطب.
[63] جهود علماء الحنفية : 1058. انظر : شواهد الحق : 447، عن لمع برق المقامات العوال في زيارة سيدي حسن الراعي وولده عبدالعال لمصطفى كمال الدين بن عمر البكري.
المثال الثالث : ما قاله الإمام الألوسي (ت 1270هـ-1854م) في تفسير قوله – تعالى - : (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) [النحل : 54] : (وفي الآية ما يدل على أن صنيع أكثر العوام اليوم : من اللجوء إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم، بل ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً – عند إصابة الضر لهم، وإعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية – سفه عظيم، وضلال جديد، لكنه أشد من الضلال القديم، ومما تقشعر منه الجلود، وتصعر له الخدود الكفرة أصحاب الأخدود فضلا عن المؤمنين باليوم الموعود، أن بعض المتمشيخين قال لي وأنا صغير : إياك ثم إياك أن تستغيث بالله تعالى – إذا خطب دهاك، فإن الله تعالى لا يعجل في إغاثتك، ولا يهمه سوء حالتك، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين، فإنهم يعجلون في تفريج كربك، ويهمهم سوء ما حل بك. فمج ذلك في سمعي، وهمي ودمعي، وسألت الله تعالى أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين) [64].
[64] جهود علماء الحنفية : 1059. انظر : روح المعاني : 14/166.
المثال الرابع : ما قاله واستدل به النابلسي الحنفي[65] (ت 1143هـ-1731م) : (أن معروف الكرخي[66] كان يقول لأصحابه : (إذا كان لكم إلى الله تعالى حاجة فأقسموا عليه بي، ولا تقسموا عليه به تعالى، فيقل له في ذلك : لم؟. فقال : هؤلاء لا يعرفون الله تعالى، فلم يجبهم، ولو أنهم عرفوه لأجابهم) [67].
[65] هو عبدالغني بن إسماعيل بن عبدالغني الفلسطيني، أحد كبار الصوفية القبورية، كان حنفياً في الفقهيات.
[66] هو أبو محفوظ معروف بين فيروز البغدادي، أحد شيوخ الصوفية، توفي سنة (200هـ816م).
[67] جهود علماء الحنفية : 1063. انظر : كشف النور : 20.
المبحث الأول : الرد على القبورية بالاستشهاد بالقرآن الكريم
وقد رد علماء الحنفية[68] على القبورية في الكثير من مما جاء في كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما جاء في كتب الله :
[68] انظر شرح الطحاوية للإمام أبي العز. وحجة الله البالغة للإمام ولي الله الدهلوي، وسيف الله للإمام صنع الله الحلبي، والبلاغ المبين للإمام محمود نعمان الألوسي. وغاية الأماني لشكري الألوسي، وحكم الله الواحد الصمد للخجندي، ومقدمة جواهر القرآن للشيخ غلام الله. وغيرهم من الحنفية.
قال الله – تعالى - : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة : 5].
قوله – تعالى - : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة : 186].
وقال – تعالى - : (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر : 60].
وقال – تعالى - : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) [المؤمنون : 117].
وقال – تعالى - : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) [المؤمنون : 117].
وقال – تعالى – لمن يدعو غيره : (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر : 14].
وقال – تعالى - : (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن : 18].
وقال – تعالى - : (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ) [الشعراء : 213].
وقال – تعالى - : (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ) [الرعد : 14].
المبحث الثاني : الرد على القبورية بالاستشهاد بالأحاديث الشريفة
وأما ما جاء في السنة المطهرة من الأحاديث الشريفة التي تؤكد إخلاص الدعاء لله وحده، فقد رد علماء الحنفية على القبورية في هذا الشأن، ومنها :
قوله صلى الله عليه وسلم : (الدعاء هو العبادة) [69].
[69] رواه أبو داود : 2\161. والترمذي : 5/211. وابن ماجة : 2/1258.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) [70].
[70] البخاري : 1/384، مسلم : 1/521.
عن عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه، قال : (قال رجلٌ: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندًّا وهو خلَقك")[71].
[71] البخاري : 6/2517، مسلم : 1/91.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (استعن بالله ولا تعجز) [72].
[72] مسلم : 4/2052.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : كنت خلف رسول الله صلى الله عليه سلم يوماً فقال : (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظك الله تجده تجاهك إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله..). استدل علماء الحنفية بهذا الحديث الشريف في إبطال عقيدة القبورية، ومن استغاثتهم بغير الله -تعالى -[73].
[73] جهود علماء الحنفية : 1107-1115، وانظر روح المعاني : 6/128، فتح المنان : 473. وغاية الأماني : 2/299، حكم الله الواحد الصمد : 28، مفتاح الجنة : 46، ومفتاح الجنة : 46، وتنشيط الأذهان : 43، والتبيان : 126.
وعن جابر بن سليم، قال : قلت : (وأنت رسول الله؟. قال : وأنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته ردها عليك) [74].
[74] رواه أبو داود : 4/344.
قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه : (إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) [75].
[75] رواه أبو داود : 2/156.
المبحث الثالث : رد علماء الحنفية على القبورية بالاستغاثة بالأموات
بالإضافة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد رد علماء الحنفية بأقوالهم على دعاة القبورية، ومن هؤلاء :
قال الإمام الأعظم أبي حنيفة (150هـ-767م) : (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به، وأكره أن يقول [المرء] : أسألك بمعقد العز من عرشك، وأكره أن يقول : وبحق أنبيائك، ورسلك، وبحق البيت الحرام)[76].
[76] جهود علماء الحنفية : 1123. انظر : جهود علماء الحنفية : 1123. انظر : زيارة القبور : 47. وجلاء العينين للعلامة نعمان الألوسي : 452. وغاية الأماني : 2/65. وفتح المنان : 410. وصيانة الأنسان للعلامة السهسواني : 211. والبصائر للفنجفيري : 117. والكواكب الدرية للرباطي : 126.
وقد رواها الإمام القدوري[77](ت428هـ-1037م) عن الإمام بشر بن الوليد(ت 238هـ-852م): أنه قال :سمعت أبا يوسف (ت 182هـ-798م)يقول: قال: أبو حنيفة:(لا ينبغي لأحد أن يدعو إلا به ..)، فذكرها بتمامها في كتابه الذي شرح به مختصر الإمام الكرخي(340هـ-951م)[78].
[77] هو : أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، صاحب "المختصر" المشهور في فقه الحنفية، وأحد كبار أئمة الحنفية.
[78] جهود علماء الحنفية : 1124. انظر : تاج التراجم : 39. وطبقات الفقهاء : 60. وكشف الظنون : 2/1634. أسماء الكتب لعبداللطيف : 267.
ونقلها عن شرح الإمام القدروي لمختصر الإمام الكرخي كثيراً من كبار علماء الحنفية، مستدلين بها على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بالأموات عند الكربات، فحققوا بها أن القبورية مخالفون لشرع الله، كما أنهم مخالفون لأئمة هذه الأمة في المعتقد، ولا سيما أئمة الحنفية، وبهذه المقالة قد اجتثوا جيمع شبهات القبورية في الاستغاثة بغير الله من أصلها، واستأصلوا جيمع مزاعمهم في التوسل الباطل من جذورها[79].
[79] جهود علماء الحنفية : 1124. انظر : زيارة القبور للإمام البركوي : 47.
وقد ذكر الإمام الحصكفي[80] (ت 1088هـ-1677م) لفظاً آخر لمقالة الإمام أبي حنيفة فيما رواه عنه الإمام أبو يوسف أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به: ما استفيد من قوله –تعالى-:(وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف : 180]. وكره قوله: بحق رسلك، وأنبيائك، وأوليائك، أو بحق البيت..) [81].
[80] هو علاء الدي محمد بن علي بن عبدالرحمن الدمشقي الحصني، من كبار أئمة الحنفية.
[81] جهود علماء الحنفية : 1125. انظر : الدر المختار للحكصفي شرح تنوير الأبصار للتمرتاشي : 5/254.
وقال الإمام ابن عابدين الشامي (1252هـ-1836م) في شرح كلام الإمام أبي حنيفة : (إلا به) : أي بذاته، وصفاته، وأسمائه[82].
[82] جهود علماء الحنفية : 1126. انظر : رد المحتار على الدر المختارت، حاشية ابن عابدين.
وتبعه العلامة الرستمي فنقل قوله وأقره، ثم قال في الرد على القبورية عامة والقبورية من الحنفية خاصة : (فعلم من هذا القول [أي قول أبي حنيفة] حصر التوسل الاسمي في الأدعية في أسماء الله تعالى وصفاته[83].
[83] جهود علماء الحنفية : 1126. انظر : التبيان : 172.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي : (والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر، وصار من أهل الحين) [84].
[84] جهود علماء الحنفية : 1130. انظر : العقيدة الطحاوي بشرح الألباني : 56.
وقال الأمام الألوسي محمود المفسر : (وتحقيق الكلام في هذا المقام : أن الاستغاثة بمخلوق، وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه – لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حياً، وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً أو غائباً – فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم – وهم أحرص الخلق على كل خير أنه طلب من ميت شيئاً) [85].
[85] جهود علماء الحنفية : 1134. انظر : روح المعاني : 6/125.
وقال الإمام الفتني (ت 986هـ-1578م)، وهو أحد الأئمة الحنفية الكبار في صدد الرد على القبورية : (ومنهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء : أن يصلي عند قبورهم، ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج، وهذا لا يجوز [لأن ذلك من العبادة] فإن العبادة، وطلب الحوائج، والاستعانة حق لله وحده)[86].
[86] جهود علماء الحنفية : 1136. مجمع بحار الأنوار : 2/244.
وقال الإمامان البركوي (ت 981هـ-1573م)، وأحمد الرومي (ت 1043هـ-1633م)، والعلامة الخجندي (ت 1397هـ-1977م)، كاشفين الأستار عن أسرار القبورية وإستغاثتهم الشركية، واللفظ للأول : (وأما الزيارة البدعية : فزيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد الأوثان يسالونها من أوثانهم – فليس شيئاً من ذلك مشروعاً باتفاق أئمة الدين، إذ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذة عن عباد الأصنام) [87].
[87] جهود علماء الحنفية : 1139. انظر : زيارة القبور : 28، مجالس الأبرار : 126، خزينة الأسرار، ونفائس الأزهار : 157-158، حكم الله الواحد الصمد : 25-26.
وقال الإمام المجاهد الشاه إسماعيل الدهلوي[88] (ت 1246هـ-1830م)، وتبعه الشيخ أبو الحسن الندوي[89] (ت 1420هـ-1999م)، مبينين أن الشرك بالاستغاثة بأهل القبور قد عم وطم، واللفظ للثاني : (استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس : اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح التوحيد غريباً ..،
[88] هو الإمام العلامة المجاهد إسماعيل بن عبدالغني بن ولي الله الدهلوي، من كبار علماء الهند من الحنفية، ثم تدريجياً صار من أهل الحديث. جاهد الكفار الهندوكية كما جاهد القبورية الوثنية. وقتل في معركة بالاكوت بأيدي الهندوكية.
[89] هو العلامة علي بن عبد الحي الحسيني الندوي، حارب القبورية، وأرغم أنوف الصنوف من أهل البدع، وأفاد وأجاد، غير أن تأثر بالماتريدية والنقشبندية والديوبندية.
مظاهر الشرك :
ومن المشاهد اليوم أن كثيراً من الناس يستغيثون بالمشايخ، والأنبياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والجنيات، عند الشدائد، فينادونها بأسمائها، ويصرخون بأسمائهم، ويسألون عنها قضاء الحاجات، وتحقيق المطالب)[90].
[90] جهود علماء الحنفية : 1147. انظر : تقوية الإيمان للشاه إسماعيل : 19. رسالة التوحيد للندوي : 25-26.
وقال العلامة محمود شكري الألوسي (ت 1342هـ- 1924م) – رحمه الله - : (فمن المستحيل شرعاً وفطرة، وعقلا : أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة ، وغيرها – بإباحة دعاء الموتى والغائبين [عند الكربات] والاستغاثة بهم من الملمات والمهمات، كقول النصراني : "يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله". أو : "ياعيسى، اعطني كذا"، أو "افعل بي كذا"، وكذلك قول القائل [القبوري] : ياعلي، أو ياحسين، أو ياعباس، أو ياعبدالقادر، أو ياعيدروس، أو يابدوي، أو يافلان، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي الشريعة، ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار، ومقت العزيز الغفار) [91].
[91] فتح المنان تتمة منهاج التأسيس : 445-449.
الفصل الرابع : غلو القبورية في الصالحين والأولياء والرد عليهم
الغلو في الدين من أعمال القبورية عبر القرون، فقد جاءوا بأقوال وأفعال منافية لما جاء في الكتاب الكريم والسنة المطهرة. وقد تعدد غلو القبورية في الصالحين والأولياء فانحرفوا بهم إلى الشرك الأكبر والخروج من ملة الإسلام. ومن أمثلة الغلو في الصالحين :
المبحث الأول : غلو القبورية في الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن أكثر أنواع الغلو انتشاراً الغلو في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالبعض يزعم أن هذه محبة للمصطفى عليه الصلاة والسلام، ونسوا أو تناسوا قوله – تعالى - : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران : 31]. فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في طاعته واتباع ما جاء به من الكتاب والسنة، وليس فيما يمليه عليهم الشيطان وحزبه. ومن أمثلة الغلو في نبينا صلى الله عليه وسلم :
النوع الأول : الغلو في علم الغيب للرسول صلى الله عليه وسلم
تزعم القبورية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ. وجميع ما خطه القلم. وأول من قال بهذه الخرافة هو البوصيري[92](ت 694هـ-1295م)، في قصيدة البردة المشهورة عند القبورية:
[92] هو محمد بن سعيد الدلاحي الصنهاجي الصوفي الخرافي. انظر : الوافي بالوفيات للصفدي : 3/105.
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم[93].
[93] جهود علماء الحنفية : 696. انظر : قصيدة البردة.
ومن دعاوي القبورية أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم محيط بجميع الكون. قال بعضهم : لم يحجب عن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، فهو المطلع على عرشه وعلوه وسفله ودنياه وآخرته وناره وجنته، فعلمه محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية[94].
[94] جهود علماء الحنفية : 697. انظر : الكلمة العليا لإعلاء علم المصطفى للمرادآبادي : 14. وجاء الحق لأحمد يار خان : 50. وروح البيان للبروسوي.
النوع الثاني : الغلو في تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في الكون.
يعتقد دعاة القبورية أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتصرف في الكون.
ومن أقوالهم : (إن مفاتيح الكون كلها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مالك الكل، وإنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة "كن"[95].
[95] جهود علماء الحنفية : 703. انظر : الاستمداد على أجيال الارتداد للبريلوي : 32.
النوع الثالث : الغلو في الحياة البرزخية للرسول صلى الله عليه وسلم
ومن مزاعم القبورية أنهم أنكروا الحياة البرزخية للرسول صلى الله عليه وسلم وزعموا أن حياته في القبر حياة دنيوية، وأنه يصلي في قبره.
قال النانوتوي (1297هـ-1880م) وغيره من كبار أئمة الديوبندية، أمثال الجنجوهي الملقب عندهم بالإمام الرباني (ت 1323هـ-1905م)، والكشميري الملقب عندهم بالإمام الرباني (1352هـ-1933م)، والتهانوي الملقب عندهم بحكيم الأمة (1362هـ-1943م)، والعثماني (1369هـ-1950م)، وحسين أحمد الملقب عندهم بشيخ الإسلام (1377هـ- 1958 م) : (إن النبي صلى الله عليه وسلم حي الآن في قبره، فهو كمن انعزل عن الناس واعتكف أربعين يوماً، فهو حي حياة دنيوية بجسده العنصري حياة مستمرة، وحياة حقيقية جسمانية لا روحانية بل هي حسية جسمانية ولذا لا تورث تركته ولا تنكح أزواجه، لأنه حي فلا معنى لتوريث الأحياء، وإنه يصلي في قبره بإذان وإقامة) [96].
[96] جهود علماء الحنفية : 713. انظر : آب حياة "ماء الحياة" : 2. والكوكب الدري : 1/423. وهداية الشيعة : 18. واللطائف القاسمية : 4. وجمال القاسمي : 13. والطهور : 149. والحياة النبوية : 2. ونقش الحياة : 1/113. وفيض الباري : 1/183. وتحية الإسلام : 36. وفتح الملهم : 1/329. وعقائد أهل السنة والجماعة (الديوبندية) للمفتي عبدالشكور : 159. وراجع الشهاب الثاقب : 45. وشفاء الصدور للسواتي المديني : 22.
المبحث الثاني : الغلو في الأولياء خاصة
غلت القبورية في بعض الأولياء حتى وصل الأمر أن أشركوهم مع الله في الربوبية، وزادوا على كفار قريش. فكفار قريش يوحدون الله في الربوبية ولكنهم يشركون به في الألوهية. وأما القبورية فيشرك بالله في الربوبية والألوهية. ومن هؤلاء الذين أشركوا بهم مع الله في الربوبية :
الشيخ عبدالقادر الجيلاني (ت 561هـ-1166م) إمام القادرية.
أحمد الرفاعي (ت 578هـ-1182م) إمام الرفاعية.
أحمد البدوي (675هـ-1276م) إمام البدوية.
الشاه نقشبند الحنفي (ت 791هـ-1389م) إمام النقشبندية.
الأول : الغلو في عبدالقادر الجيلاني[97] (ت 561هـ-1166م) إمام القادرية
[97] هو الشيخ عبدالقادر الجيلاني أحد علماء الحنابلة، وكان من العلماء الصالحين ولكن بعد وفاته اتخذ القبورية قبره في بغداد صنماً يعبد من دون الله.
يعتقد دعاة القبورية أن للجيلاني قدرات في الربوبية تعدل ربوية الله عز وجل. ومن دعواتهم الشركية، قولهم عن الجيلاني : (يا غوثي، أنت المحيي، وأنت المميت. وإن منزلة "كن" و "لا تكن" قد حصلت لرسول الله صلى الله عليه سلم، ثم منه للجيلاني. إن الجيلاني متصرف في العالم، ومأذون له، ومختار، ومدير للعالم) [98].
[98] جهود علماء الحنفية : 729. انظر : حدائق بخشش للبريلوي : 125، 2/7، 1/23. والبريلوية : 71.
الثاني : الغلو في أحمد الرفاعي[99] (ت 578هـ-1182م) إمام الرفاعية
[99] هو أحمد بن علي بن أحمد المغربي البطائحي الواسطي العراقي، إمام الصوفية الرفاعية الذين صاروا بعده وثنية صوفية شحرة مشغوذين مارقين زنادقة ملاحدة. قبره في قرية واسط بالعراق. ويقال : إن الرفاعي في نفسه كان رجلاً صالحاً ولكن الزندقة سرت في أتباعه.
غلت القبورية في الرفاعي، ونسبوا إليه أفعال هو برئ منها، ومن تلك الأقوال : (إنه كان قطب الأقطاب في الأرض ثم انتقل إلى قطبية السماوات ثم صارت السماوات السبع في رجله كالخالخال ..
وقالوا أيضاً : (كان يفقر ويغني، ويسعد ويشقى، ويميت ويحيي، والسماوات السبع في رجله كالخلخال) [100].
[100] جهود علماء الحنفية : 734. انطر : الرفاعية للدمشقي عن ترياق المحبين : 9. ولطائف المنن : 491. وقلادة الجواهر : 42. والتاريخ الأوحد : 107. وانظر ما قاله الشيخ رشيد رضا عن بعض كتب الرفاعية كما في تعليق على صيانة الإنسان : 448.
الثالث : الغلو في أحمد البدوي[101] (675هـ-1276م) إمام البدوية
[101] هو أبو العباس أحمد بن علي المغربي المصري الخرافي. قيل عنه شخصية وهمية غير حقيقية، ومع ذلك فالكثير من الصوفية يتخذون قبره رباً لهذا الكون.
تعد شخصية أحمد البدوي أشنع الخرافات وأخطر الافتراءات على الأمة الإسلامية حيث صيروه ربا متصرفاً في الكون. ومن أشنع من قدسه أحد الخرافيين ويدعى الشعراني[102] (ت 973هـ-1566م)، حيث قال عن حضور المولد البدوي : (وسبب حضوري مولده كل سنة : أن شيخي العارف بالله تعالى محمد الشناوي رضي الله عنه أحد أركان بيته رحمه الله قد أخذ علي العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد [البدوي] رضي الله عنه وسلمني إليه بيده فخرجت اليد الشريفة من الضريح وقبضت على يدي. وقال [الشناوي : يا] سيدي [البدوي] يكون في خاطرك عليه [أي الشعراني]، واجعله تحت نظرك. [قال الشعراني] فسمعت سيدي أحمد [البدوي] رضي الله عنه من القبر يقول : نعم). وقال أيضاً : (ثم إني رأيته [أي البدوي] بمصر مرة أخرى .. ثم رأيته بعد ذلك، وقد أوقفني على جسر قحافة تجاه طندتا [طنطا]، فوجدته سوراً محيطاً. وقال [لي]: قف هنا أدخل علي من شئت وامنع من شئت) [103].
[102] هو عبدالوهاب بن أحمد بن علي الشعراني، صوفي وثني ملحد هلك في القاهرة، ألف عدة كتب كفرية إلحادية.
[103] جهود علماء الحنفية : 743-752. انظر : الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار للشعراني :1/183.
الرابع : الغلو في الشاه نقشبند البخاري[104] (ت 791هـ-1389م) إمام النقشبندية
[104] هو خواجه بهاء الدين محمد بن محمد الأويسي إمام النقشبندية قاطبة. وقد غالت فيه القبورية إلى أن جعلوه ربأ متصرف في الكون.
يكثر انتشار النقشبندية في بلاد ما وراء النهر خراسان والترك والروم وأفغانستان والهند. ومن فروعها المجددة : الديوبندية والتبليغية والفنجفيرية وغيرهم. وقد غالت القبورية النقشبندية في هذا الرجل حتى وصلت به إلى مقام الربوبية.
ومن أشنع ما قيل عنه، أنهم قالوا : (إنه "الغوث الأعظم" و "غوث الخليفة" و "قطب الحقيقة" و "غوث السبحاني". كان يحيي ويميت. ولو شاء لجعل الجبل ذهباً. لو حرك كمه لجعل جميع أهل بخارى كبيرهم وصغيرهم والهين هائمين، ويتركون البيوت والدكاكين) [105].
[105] جهود علماء الحنفية : 754. انظر : المواهب السرمدية للكردي : 108. والحدائق الوردية للخاني : 125. والأنوار القدسية للسنهوتي :1126. والسبع الأسرار لمحمد معصوم العمري : 4. والبهجة السنية للخاني : 65. والقصيدة في السلسلة المجددية النقشبيندية للترهتي بهامش كشف الأستار لأبي تراب السندي : 98. جامع كرامات الأولياء للنبهاني : 1/251.
المبحث الثالث : الغلو في الأولياء عامة
ومن دعاوي القبوريين التي ما أنزل الله بها من سطان أن زعموا أن للأولياء خصائص الربوبية والألوهية. فزعموا أن القطب والغوث ينظران في اللوح المحفوظ، ويعلمان الأمور الخمسة التي ذكرها الله في كتبه الكريم؛ وقت الساعة، ووقت نزول الغيث، وما في الأرحام، وموت الأنفس، وأين تموت.
ومن أقوالهم : (الأولياء يرون اللوح المحفوظ.
إن الأولياء هم أطفال الله تعالى، فهم يعلمون الغيب والشهادة.
إن الأولياء تنكشف لهم العلوم الغيبية مما كان وما يكون وجميع علوم اللوح المحفوظ، وهم أحياء في قبورهم حياة أبديةوعلمهم وإدراكهم أقوى، وسمعهم وبصرهم أقوى مما كان في حياتهم في الدنيا) [106].
[106] جهود علماء الحنفية : 760. انظر : طبقات الشعراني : 1/160. وتقويم الدين لجماعة من العلماء في أفغانستان : 175. وبهار شريعت لأمجد علي : 55.
المبحث الرابع : جهود علماء الحنفية في إبطال الغلو والرد على القبورية
لقد قام علماء الحنفية في الرد على أباطيل القبورية وفندوا دعاويهم وأقاموا الحجة عليهم. فتارة يستشهدون بآيات من كتاب الله الكريم وتارة بأحاديث من السنة المطهرة ثم يستشهدون بأقوالهم المبينة على الكتاب والسنة. ومن هذه الردود :
الاستدلال بالقرآن الكريم.
قال الله – تعالى - : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) [النساء : 171].
وقال – تعالى - : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة : 77].
قال الزمخشري (ت 538هـ-1144م)، والنسفي (ت 710هـ-1310م)، والعمادي (ت 982هـ-1574م)، والألوسي (ت 1170هـ-1757م)، واللفظ للأخير : (لا تغلو في دينكم : أي لا تتجاوزوا الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عليه الصلاة والسلام عن رتبة الرسالة إلى ما تقولوا في حقه من العظمة، وكذا عن رفع أمه عن رتبة الصديقية إلى ما تنحلوه لها عليها السلام، وهى لليهود – على تقدير دخولهم في الخطاب – عن وصفهم له عليه السلام، وكذا لأمة عن المرتبة العلية إلى ما افتروه من الباطل والكلام الشنيع، وذكرهم بعنوان أهل الكتاب، للإيمان إلى أن في كتابهم ما ينهاهم عن الغلو في دينهم) [107].
[107] جهود علماء الحنفية : 817. انظر : الكشاف : 1/584. والمدارك : 1/381. وإرشاد العقل : 2/259. وروح المعاني : 6/210.
الاستدلال بالسنة المطهرة.
استدل علماء الحنفية بالأحاديث الشريفة في التحذير من الغلو في الدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) [108].
[108] النسائي : 5/268. وابن ماجه : 2/1008. وصحيح سنن النسائي : 2/640. وصحيح ابن ماجه : 2/177.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) [109].
[109] صحيح البخاري : 3/1271.
نصوص علماء الحنفية في إبطال الغلو في الدين.
تصدى علماء الحنفية للقبورية وأبطلوا الغلو في الدين بأقوال محكمة وردود شافية. نذكر منها :
قال الإمام محمود الألوسي (ت 1170هـ- 1754م)، وتبعه ابنه نعمان الألوسي (ت 1317هـ-1899م)، وحفيده شكري الألوسي (ت 1342هـ-1924م)، والشيخ غلام الله الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن، والعلامة الرباطي، والعلامة الرستمي : (وفي قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً) [الحج : 73]. إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، ورأيت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم، وإذا طولبوا بالدليل قالوا : ثبت ذلك بالكشف، قاتلهم الله. ما أجهلهم. وأكثر افتراءهم .. وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة : من اليهود والنصارى، كذا لأهل النحل الدهري، نسأل الله تعالى العفو والعافية) [110].
[110] جهود علماء الحنفية : 824. انظر : ورح المعاني : 17/212. وجلاء العينين : 490. وغاية الأماني : 2/312. وجواهر القرآن : 2/748. والكواكب الدرية : 59. وتنشيط الأذهان : 43.
وقال العلامة شكري الألوسي (ت 1342هـ-1924م) : (إن أريد بها [أي المبالغة في التعظيم] – المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً – حتى الحج إلى قبره، والسجود له، والطواف به، واعتقاد : أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وإنه يشفع فيمن شاء، ويدخل الجنة من يشاء – فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين) [111].
[111] جهود علماء الحنفية : 825. انظر : فتح المنان : 396. وأصل الكلام للإمام ابن عبدالهادي في الرد على السبكي إمام القبورية في عصره انظر الصارم المنكي : 464.
وقال العلامة الخجندي (ت 1379هـ-1959م) : (إن من أعظم مكائد الشيطان على بني آدم قديماً وحديثاً – إدخال الشرك فيهم في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم بتغيير اسمه بالتوسل، والتشفع، ونحوه، فالمشرك مشرك شاء أم أبى .. ومن الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، فلا أضل ممن دعا غير الله، وقد ثبت أن سبب كفر أكثر بني آدم وتركهم دينهم، هو الغلو في الصالحين، واتخاذهم شفعاء بدعائهم، وطلب رغبتهم والالتجاء إليهم، وهم أموات غافلون عنهم لا يقدرون ولا يسمعون لما طلبوه منهم وأرادوه) [112].
[112] جهود علماء الحنفية : 827. انظر : حكم الله الواحد الصمد : 26، 33.
نصوص علماء الحنفية في إبطال اعتقاد القبورية في حياة الأموات حياة دنيوية
لعلماء الحنفية جهود كبيرة في التصدي لأباطيل القبورية، ومن تلك الجهود إبطال اعتقاد القبورية في حياة الأموات حياة دنيوية. ومن هؤلاء العلماء :
قال الإمام النسفي (ت 710هـ-1310م) في تفسيره قوله ـ تعالى - : (بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) [البقرة : 154] : (لا تعلمون ذلك، لأن حياة الشهيد لا تعلم حساً) [113].
[113] جهود علماء الحنفية : 831. انظر : المدارك : 102.
وقال الإمام أبو السعود العمادي (ت 982هـ-1574م) : (ولكن لا تشعرون بحياتهم، وفيه رمز إلى أنها ليست مما يشعر به المشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية، وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل، بل بالوحي) [114].
[114] جهود علماء الحنفية : 832. انظر : إرشاد العقل السليم : 1/179.
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ-945م) : (إن أرواح الشهداء في الغيب) [115].
[115] جهود علماء الحنفية : 832. انظر : تأويلات أهل السنة : 1/287.
وقال الإمام الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (ت 1170هـ-1757م) : (أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر، لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها، ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي .. وأن الأرواح – وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها – مغايرة لما يحس به من البدن، لكن لا مانع من تعلقها ببدن برزخي مغاير لهذا البدن الكثيف) [116].
[116] جهود علماء الحنفية : 832. انظر : روح المعاني : 2/21،20.
نصوص علماء الحنفية في إبطال اعتقاد القبورية في سماع الموتى نداء المستغيثين بهم
ابطل علماء الحنفية دعاوي القبورية في سماع الموتى نداء المستغيثين بهم وقت النوازل، ومنهم:
قال الشيخ الجنجوهي (ت 1323هـ-1905م) : (استدل المنكرين [لسماع الموتي] ومنهم عائشة، وابن عباس، ومنهم الإمام [أبو حنيفة) بقوله تعالى : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، فإنه لما شبه الكفار بالأموات في عدم السماع – علم أن الأموات لا يسمعون، وإلا لم يصح التشبيه) [117].
[117] جهود علماء الحنفية : 847. انظر : الكوكب الدري : 319. والحجرية : 2/197.
قال الإمام النسفي (ت 710هـ-1310م) في تفسير هذه الآية، مبيناً فائدة تقييد "الصم" بتوليه الإدبار : (فإن قلت : الأصم لا يسمع مقبلاً أو مدبراً، فما فائد هذا التخصيص؟ قلت : هو [أي الأصم] إذا كان مقبلاً يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة) [118].
[118] جهود علماء الحنفية : 848. انظر : المدارك : 3/20.
قال الشيخ محمد حسين النيلوي، ومحمد أمير البنديالي – وهما من علماء الحنفية المعاصرة، واللفظ للأول، في تفسير قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ..) [البقرة : 259] : (قد علمت أن عزيراً لم يعلم في هذه المدة الطويلة شيئاً، ولم ير شمساً تطلع وتغرب، ولا قصراً، ولا نجماً، ولا سحاباً، ولم يحس مطراً، ولم يسمع صوت الرعد ونحوه من الأصوات الهائلة، ولم يشعر مرور النهار، وكر الليالي، ولم يحس الحر ولا الزمهرير. ولو قلنا بشعوره وإحساسه لزم الكذب) [119].
[119] جهود علماء الحنفية : 850. انظر : شفاء الصدور : 18.
الفصل الخامس : بدعة البناء على القبور والتصدي له
يُعد البناء على القبور أخطر بدعة صرفت الكثير من المسلمين عن التوحيد الخالص، وأعادتهم إلى الشرك الأكبر سواء علموا أم جهلوا. ولهذا قام علماء المسلمين للتصدي لهذا الخطر العظيم والتحذير منه. ومن بينهم علماء الحنفية على مر العصور. وفي هذا الفصل سوف يتم عرض عقيدة القبورية في البناء على القبور ثم جهود علماء الحنفية للتصدي لهم.
المبحث الأول : عرض عقيدة القبورية في البناء على القبور
يعتقد دعاة القبورية جواز البناء على القبور، وقد صنفوا الكتب والرسائل في جواز ذلك. ومن بين هؤلاء المضلين :
كتب السمنودي (بعد 1326هـ-1908م) عنواناً بلفظ : (مبحث البناء على القبور من المذاهب الأربعة من بيان الأدلة)[120].
[120] جهود علماء الحنفية : 1613. انظر كشف الارتياب 357-408.
أضاف الحسن العاملي العراقي (ت 1371هـ-1952م) فصلا تاسعاً قائلاً : (الفصل التاسع في بناء القبور والبناء عليها وتجصيصها، وعقد القباب فوقها وعمل الصندوق والخلعة لها[121].
[121] المصدر السابق.
الكوثري الحنفي القبوري (ت 1371هـ- 1952م)، كتب مقالة بعنوان : (بناء مساجد على القبور والصلاة إليها) [122].
[122] جهود علماء الحنفية : 1614. انظر مقالات الكوثري : 156-159.
وللبنوري الديوبندي الحنفي القبوري (ت 1397هـ-1977م)، مقدمة لمقالات الكوثري بالغ في مدح الكوثري، وتهجم على علماء المسلمين الذي نشروا التوحيد الخالص، فقد تهجم على كتاب التوحيد لابن خزيمة، والسنة لعبدالله بن الأمام أحمد، ورد الدارمي على بشر المريسي وعدها كتب وثنية، وكما قيل في المثل المشهور رمتني بدائها وأنسلت. أي يدعو إلى الوثنية ثم يتهم علماء المسلمين بالوثنية[123].
[123] جهود علماء الحنفية : 1614. انظر مقدمة البنوري لمقالات الكوثري.
وقال الكوثري ناقلاً كلام الأبي[124] مقرراً له جواز بناء المساجد والقباب على القبور : ( فأما من اتخذ مسجداً قرب رجل صالج، أو صلى في مقبرته قصداً للتبرك بآثاره، وإجابة دعائه هناك فلا حرج ..) [125].
[124] هو أبو عبدالله محمد بن خليفة الوشتاني المغربي الماليك القبوري (ت 828هـ- 1425م).
[125] جهود علماء الحنفية : 1615. انظر إكمال الإكمال : 2:234. ومقالات الكوثري : 157.
وقال الكوثري مستدلاً بكلام النابلسي الحنفي القبوري (ت 1143هـ- 1731م)، في جواز اتخاذ القبور مساجد، وجواز بناء المساجد عليها دعوة سافرة منهما إلى القبورية الوثنية : (وأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح، أو صلى في قبره وقصد به الاستظهار بوجه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا للتعظيم له[126]، والتوجه إليه فلا حرج ..) [127].
[126] انتبه أيها المسلم : فإن قوله : "لا للتعظيم له" معناه : لا لجعله رباً وخالقاً. [توحيد الربوبية]. وأما التعظيمات الشركية القبورية [الشرك في الألوهية] فالقبورية لا يمنعونها.
[127] جهود علماء الحنفية : 1615. انظر الحديقة الندية : 2/631. ومقالات الكوثري : 157.
وقال أحمد بن محمد الغُماري[128] (ت 1380هـ- 1960م)، الخرافي القبوري دعوة سافرة إلى الوثنية رسالة سماها (إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور) [129].
[128] هو أبو الفيض أحمد بن محمد الغُماري المغربي مشتغل بالفقه والحديث، ولكنه من أئمة القبورية.مفوض في الصفات، صارم على المؤولين وتأويلاتهم.
[129] جهود علماء الحنفية : 1618.
المبحث الثاني : استدلال علماء الحنفية بالأحاديث الصحيحة في التحذير من البناء على القبور ووجوب هدمها
وقد قيض الله – تعالى – علماء المسلمين في التصدي لهذه الخزعبلات وتضليل الناس، ومن بينهم علماء الحنفية، ومن جهودهم :
الحديث الأول
عن عائشة - رضي الله عنها - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في مرضه الذي توفي فيه : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، قالت : (ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا) [130].
[130] رواه البخاري : 1/168. 3/1273. 4/1615. 5/2190. ومسلم : 1/377.
وقد استدل علماء الحنفية على أن البناء على القبور، واتخاذ القبور مساجد من أعظم موجبات لعنة الله، وأنه سبب عظيم إلى الشرك بالله، وأن ذلك من أفعال اليهود والنصارى[131].
[131] جهود علماء الحنفية : 414،415،1622. انظر : شرح الطحاوية : 22. زيارة القبور للبركوي : 6-8. مجالس الأبرار : 123. عمدة القارئ : 8/135. الفكر واللمع في الحوادث والبدع للتركماني : 1/216. روح المعاني : 15/238. جلاء العينين : 522. غاية الأماني : 1/267. فتح المنان : 477.
الحديث الثاني
حديث عائشة - رضي الله عنها - : مرفوعاً : (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) [132].
[132] رواه البخاري : 1/167. 165. 450. 3/1406. ومسلم : 1/376.
الحديث الثالث
عن جندب بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - : قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس : (.. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) [133]. وقد استدل بهذا الحديث جمع من علماء الحنفية[134].
[133] رواه مسلم : 1/378.
[134] جهود علماء الحنفية : 416. انظر : شرح الطحاوية : 22. جلاء العينين : 522. زيارة القبور للبركوي : 5. مجالس الأبرار لأحمد الرومي : 123. غاية الأماني : 1/267 و 2/206.
الحديث الرابع
عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – أنه قال : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) [135]. وفي رواية : (وأن يكتب عليه) [136].
[135] رواه مسلم : 2/667. وأبو داود : 3/552. والترمذي : 3/359، قال : حسن صحيح. والنسائي : 4/86. وابن ماجه : 1/498. وأحمد : 3/295. وابن حبان : 5/65. وعبدالرزاق : 3/504. وابن أبي شيبة : 3/335. والطحاوي في معاني الآثار : 1/515. والحاكم : 1/370.
[136] راجع المراجع السابقة غير مسلم وأحمد وعبدالرزاق.
الحديث الخامس
قال أبو الهياج حيان بن حصين الأسدي الكوفي : قال لي علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أن لا تدع ثمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) [137].
[137] رواه مسلم : 2/666. وأبو داود : 3/548. والترمذي : 3/357. والنسائي : 4/88. وأحمد : 1/96 و 129. وعبدالرزاق : 3/503. والحاكم : 1/369.
وقد استدل بهذا الحديث الصحيح كثير من علماء الحنفية على تحريم بناء المساجد والقباب على القبور، وعلى وجوب المبادرة إلى هدم المساجد والقباب المبنية على القبور[138].
[138] جهود علماء الحنفية : 1633. وانظر : زيارة القبور للبركوي : 13. روح المعاني للألوسي : 15/238. جلاء العينين : 522. فتح المنان : 477. غاية الأماني : 1/269. فتح الملهم لشبير أحمد العثماني : 2/506. المشاهدات للعلامة الخجندي : 27. البصائر لابن آصف الفنجفيري : 451. المنهاج الواضح لصفدر : 185. عقد اللآلي والدرر للعلامة الرباطي : 104. البلاغ المبين للشاه ولي الله الدهلوي : 26. مصباح المؤمنين لمحمد المظفري : 25.
المبحث الثالث : جهود علماء الحنفية في التحذير من البناء على القبور ووجوب هدمها
قام علماء الحنفية بجهود عظيمة في التحذير من البناء على القبور، أو تجصيصها، أو اتخاذ السرج عليه وحثوا الأمراء والوجهاء بضرورة هدمها وإزالة جميع البدع المرتبطة بها لما لها من مخاظر على عقائد العامة من الناس. ومن هؤلاء العلماء :
قال الأمام البركوي (ت 981هـ-1573م)، والإمام أحمد الرومي (ت 1043هـ-1633م)، والإمام ولي الله الدهلوي (1176هـ-1763م)، والشيخ سبحان بخش الهندي، والشيخ إبراهيم السورتي، والشيخ محمد المظفري، والعلامة الرباطي:
(ومن أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه من الفتنة بالقبور، حتى عبدوها من دون الله، كما انهم عبدوا أربابها، وبنوا عليها الهياكل، وبهذا السبب بدأ داء الشرك في قوم نوح – عليه السلام -، فكان ذلك مبدأ لعبادة الأصنام، ولأجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وبناء المساجد والقبب عليها، ولعن فاعله وبين أنه من أفعال اليهود والنصارى الملعونين الأشرار، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أفعال اليهود والنصارى وعامة المشركين في مرضه الذي لم يقم منه، فعمل الصحابة – رضي الله عنهم – بوصيته صلى الله عليه وسلمن فلم يبرزوا قبره الشريف صلى الله عليه وسلم، خشية أن يتخذ مسجداً، ويجعل وثناً يعبد من دون الله، [وساقوا عدة أحاديث في ذلك ثم قالوا :] وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، والصلاة إليها، متابعة منهم للسنة الصريحة، ونص أحمد ومالك والشافعي على تحريم ذلك والذين قالوا بكراهته أرادو بالكراهية التحريم، لأنه لا يعقل أن يكون فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعن فاعله مكروهاً فحسب، ولم يكن محرماً!.
وقد صرح الفقهاء بتحريم ذلك، فلو كان اتخاذ السرج عليها مباحاً لم يلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله، مع أنه قد لعنه، لأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، ولأن فيه إفراطاً في تعظيم القبور، ولأن فيه تشبيهاً بعبدة الأوثان، ثم نَهىْ النبي صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور يشمل البناء عليه بالحجارة، ومايجري مجراها، كما يشمل ضرب الخبأ عليه فكلاهما من صنيع أهل الجاهلية ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد.
وهؤلاء المردة [أي القبورية] كانوا يزعمون أن الصلاة لقبورهم تعظيم لها، وهذا شرك جلي، ويزعمون أن التوجه إلى قبورهم حالة الصلاة أعظم موقعاً عند الله – تعالى -، وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بشجر أو بحجر، ولهذا نجد كثيراً من الناس عند القبور يتضرعون ويخشعون ويخضعون ويعبدون – بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في مساجد الله تعالى ولا في وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وكثير منهم يرجون من بركة الصلاة عندها ولديها ما لا يرجون في المساجد ..) [139].
[139] جهود علماء الحنفية : 1635. انظر : زيارة القبور للبركوي : 4-9. ومجالس الأبرار :123-126. وخزينة الأسرار : 125-126. ونفائس الأزهار : 154-157. وعقد اللآلي والدرر للرباطي : 110-112. والبلاغ المبين للشاه ولي الله : 26-28. ومصباح المؤمنين : 26-27.
وقد ذكر الإمام ابن أبي العز(ت 792هـ-1390م) – رحمه الله – عدة أحاديث لتحقيق تحريم بناء القبب والمساجد على القبور، وأن ذلك موجب اللعنة والطرد من رحمة الله، وأنه من أعمال الكفرة الأولى اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، وأنه من أسباب الإشراك بالله عز وجل، وأنه تجب المبادرة والمسارعة لهدم ما بنى على القبور[140].
[140] جهود علماء الحنفية : 1642. انظر : شرح الطحاوية : 21-22.
وقد ساق الإمام محمود الألوسي (ت 1270هـ-1854م)، مفتي الحنفية ببغداد عدة أحاديث في تحريم بناء المساجد والقبب على القبور ووجوب هدمها، وأن ذلك موجب للعنة من الله تعالى، وأنه من أفعال الكفار السابقين، وأن ذلك من أسباب الشرك بالله تعالى وأنه من الكبائر والموبقات المهلكات وأن الصلاة إليها وعليها والتبرك بها كل ذلك من المحرمات الكبائر.
ثم قال : قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين لم يأذن به الله عز وجل، للنهي عنها ثم إجماعاً، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك، وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج علي قبر، ولا يصح وقفه ولا نذره[141].
[141] جهود علماء الحنفية : 1643. انظر : روح المعاني : 15/237-238.
المبحث الرابع :إبطال علماء الحنفية لبعض شبه القبورية في البناء على القبور
حرص القبوريون على بناء المساجد والقباب على القبور وحاولوا تطويع الأدلة الشرعية كي توفق هواهم، وجمعوا الشبهات ليضللوا بها عامة الناس. ومن فضل الله – تعالى – أن هيأ للأمة علماء أجلاء تصدوا لتلك الشبهات وبينوا خطأ الأستدلال بتلك الأدلة. ومن بين هؤلاء العلماء علماء الحنفية الذين فندوا تلك الشبه واستدلوا بالأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة المطهرة.
الشبهة الأولى : زعم القبوريون أن التحريم في البناء فوق القبور
أن النهي الوارد في الأحاديث إنما هو عن بناء المساجد وإيقاد السرج على القبور أي فوق القبور. وأما بجوار القبر فلا حرج في ذلك.
الرد على الشبهة
أجاب علماء الحنفية بأن كلمة (على) الواردة تشمل فوق وتشمل بجوار كما في الأدلة من الكتاب والسنة، ومنها[142] :
[142] جهود علماء الحنفية : 1648.
قال الله – تعالى - : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا..) [البقرة : 259].
فليس معنى ذلك أن هذا الرجل مر فوق جدران القرية.
وقال – تعالى - : (وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) [التوبة : 84]. فهل معنى الأية نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام فوق قبور المنافقين، دون القيام بجوارها؟!.
وأما في السنة المطهرة فقد ورد في حديث الإسراء والمعراج : (فأتيت على آدم ..)، و (فأتيت على إبراهيم) و (فأتيت على موسى). فهل يعقل أن معاني هذه الجمل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتى ومر فوق رؤوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟!.
الحاصل : أن هذه الشبهة باطلة من أصلها. والنهي شامل لجميع تلك الصور، والأعمال بالنيات.
[الكهف : 21].
قالوا : معناه : (لنتخذن على باب الكهف مسجداً يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم)، وهذا يدل على الجواز.
الرد على الشبهة
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بأن هذه الآية لا تدل على أن هذا فعل المسلمين الموحدين أتباع سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. بل الظاهر أن هؤلاء كانوا من المشركين فبنوا ذلك على عادتهم الوثنية .. ولم يأت شرع نبي من الأنبياء على جواز بناء المساجد والقبب على القبور. ولو سلم على سبيل فرض المحال : أن هذا كان جائز في الشرائع السابقة، فالجواب : أن الشرائع السابقة غير حجة في شريعتنا هذه إلا إذا كانت شريعتنا مؤيدة لها مقرر لها. وصرحت شريعتنا بأن هذا من أعمال اليهود والنصارى الذين لعنهم الله - تعالى - بمثل هذه الأعمال التي هي أبواب إلى الوثنية والإشراك بالله عز وجل فلا حجة في ذلك أصلاً. [143]
[143] جهود علماء الحنفية : 1650-1651.
الشبهة الثالث : زعم القبورية أن بناء المساجد والقباب على قبور الأنبياء الأولياء عمل توارثته الأمة الإسلامية
خالفاً عن سالف في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا يعني إجماع الأمة على جواز ذلك.
الرد على الشبهة
أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بأن هذا ليس من باب إجماع الأمة، وإنما هو من البدع الشنيعة، والعادات القبيحة التي توارثها أهل البدع. وقد صرح جمع من الحنفية بأن هذا التوارث هو عمل منكر لا حجة فيه، إذ هو من أفعال العوام الجهلة. وقالوا : (فإن قلت : هو إجماع فعلي فهو حجة كما صرحوا به. قلت : ممنوع .. إذا لم يحفظ ذلك حتى عن العلماء الذين يرون منعه، ويفرض كونه إجماعاً فعلياً إنما هو عند صلاح الأمة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعطل ذلك منذ أزمنة) [144].
[144] جهود علماء الحنفية : 1656-1658.
الشبهة الرابعة : تشبث القبورية بالقبة التي بنيت على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه - رضي الله عنهما -
هكذا أوحاهم الشيطان هذا القياس المفارق مع الفارق.
الرد على الشبهة
أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة من وجهين :
الوجه الأول : أن البناء على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس من باب البناء على القبور. لأن أصل هذا البناء كان موجوداً قبل أن يقبر تحته النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان حجرة لعائشة – رضي الله عنها -، وكان من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، فاتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي في حجرة عائشة – رضي الله عنها – فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحجرة، بناء على الحديث الوارد في ذلك، فعن عائشة – رضي الله عنها - : (لما قبض رسول الله – صلى الله عليه اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر : سمعت من رسول اللله صلى الله عليه وسلم شيئاً ما نسيته، قال : (ماقبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)، ادفنوه في موضع فراشه)، فدفنوه في حجرة عائشة – رضي الله عنها -، فلم يكن هذا البناء على قبره صلى الله عليه وسلم بنيه البناء على القبر لأنه كان سابقاً عليه، وأما دفن أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما – فكان تبعاً لدفن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان.
الوجه الثاني : أن القبة على ضريح النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن موجودة على عهد الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين -. ولا عهد التابعين ولا عهد أتباع التابعين، ولا على عهد أئمة السنة، في خير القرون من قرون هذه الأمة.
قال العلامة الخجندي (ت 1379-1959م) مبيناً تاريخ بناء هذه القبة الخضراء على قبر النبي صلى الله عليه وسلم محققاً أنها بدعة : (ابتداء القبة الخضراء على القبر الشريف : اعلم أنه إلى عام (678هـ -1279م) لم تكن قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة، فعملت تلك القبة .. إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلدهم جهلاً منه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته .. اعلم أنه لا شك أن عمل قلاوون هذا مخالف قطعاً للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الجهل بلاء عظيم، والغلو في المحبة والتعظيم وباء جسيم، والتقليد للأجانب داء مهلك) [145].
[145] جهود علماء الحنفية : 1660-1662. انظر المشاهدات المعصومية للخجندي : 26، 34.
الخاتمة :
بفضل الله – تعالى – تم كتابة تعريف مفصل عن جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية من خلال رسالة الدكتوراه التي قدمها فضيلة الشيخ الدكتور شمس الدين السلفي الأفغاني –رحمه الله-. ويتضمن هذا التعريف الموضوعات الهامة :
تعريفات أساسية : التوحيد والعبادة والشرك.
الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
انحراف القبورية في الاستغاثة بالأموات والرد عليهم.
غلو القبورية في الصالحين والأولياء والرد عليهم.
بدعة البناء على القبور والتصدي لها.
Related books
All books
Усули сегона ва далелҳои он65 забонУсули сегона ва далелҳои он
Ин китоб усулҳои асосиеро баррасӣ мекунад, ки мусалмон бояд онҳоро таълим бигирад. Ин се асл аз инҳо иборат аст: шинохти Аллоҳ, шинохти дини Ислом ва шинохти паёмбар Муҳаммад (саллаллоҳу алайҳи ва саллам). Китоб бо истинод ба далелҳои қуръонӣ ва ҳадисӣ бар аҳамияти ин усулҳо дар бунёди имон ва амали солеҳ тамаркуз мекунад.
Шарҳи мухтасар дар ақидаи исломӣ47 забонШарҳи мухтасар дар ақидаи исломӣ
Ин китоб усули имонро, ки имон ба Аллоҳ, фариштагони Ӯ, китобҳои Ӯ, паёмбарони Ӯ, рӯзи қиёмат ва тақдирро дар бар мегирад, шарҳ дода, усулҳои асосиеро баён мекунад, ки мусалмон бояд ба онҳо эътиқод дошта бошад ва мувофиқи онҳо амал намояд. Ва инчунин бар аҳамияти таҳкими робита бо Аллоҳ тавассути дарки амиқи ақидаи исломӣ таъкид меварзад.
Ислом дини паёмбарони Аллоҳ аст85 забонИслом дини паёмбарони Аллоҳ аст
Ислом яъне таслим шудан дар баробари Худованди Офаридагор ва тадбиркунандаи коинот ва таслим дар баробари Ӯ Таъоло аз рӯйи муҳаббат ва бузургдоштӣ аст. Асоси дини Ислом имон овардан ба Аллоҳ Таъоло аст ва инки Ӯ Офаридгор аст ва тамоми ҳастӣ ҷуз Ӯ офаридаи Ӯ Таъоло ҳастанд. Ӯ Таъоло ягона ва танҳо шоистаи парастиш аст, ҷуз Ӯ маъбуди барҳақ нест, зеботарин ва волотарин ном ва сифатҳо азони Ӯст, соҳиби камоли мутлақ ва бидуни нуқс аст, на аз Ӯ фарзанд зоида мешавад ва на зода шудааст ва на ҳамто дорад, дар ҳеҷ як аз офариниши худ маҳлул ва таҷассум намеёбад. Ислом ҳамон дине аст, ки Аллоҳи…
الإسلام دين رب العالمين