الإسلام دين كامل
الإسلام دين كامل
These files are generated automatically from the book's text; their layout may differ from the printed edition.
الإِسْلَامُ دِينٌ كَامِلٌ
لِلشَّيْخِ العَلَّامَةِ
مُحمَّدِ الأَمِين بْن محمَّد المخْتار الجكني الشِّنْقِيطِيِّ
(1325 هـ - 1393 هـ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد؛ فهذه محاضرة ألقيتها في المسجد النبوي فطلب مني بعض إخواني تقييدها لنشرها، فلبيتُ طلبه راجيًا من الله أن ينفع بها. قال الله تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة: 3]، ذلك اليوم يوم عرفة، وهو يوم الجمعة في حجة الوداع، نزلت هذه الآية الكريمة والنبي ﷺ واقف بعرفات عشية ذلك اليوم، وعاش ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة، وقد صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أكمل لنا ديننا فلا ينقصه أبدًا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدًا، ولذلك ختم الأنبياء بنبينا، عليهم صلوات الله وسلامه جميعًا، وصرَّح فيها أيضًا بأنه رضي لنا الإسلام دينًا فلا يَسْخَطُه أبدًا، ولذا صرَّح بأنه لا يقبل غَيره من أحد، قال: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥﴾ [آل عمران: 85].
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ...﴾ [آل عمران: 19]، وفي إكمال الدين وبيان جميع أحكامهِ كلُّ نِعَم الدارين، ولذا قال: ﴿...وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي...﴾. وهذه الآية الكريمة نصٌّ صريح في أن دينَ الإسلام لم يترك شيئًا يحتاج إليه الخلق في الدنيا ولا في الآخرة إلا أوضحه وبيَّنه كائنًا ما كان، وسنضرب لذلك المثل ببيان عشر مسائل عظام عليها مدار الدنيا من المسائل التي تهم العالم في الدارين، وفي البعض تنبيه لطيف على الكل.
الأولى: التوحيد، الثانية: الوعظ، الثالثة: الفرق بين العمل الصالح وغيره، الرابعة: تحكيم غير الشرع الكريم، الخامسة: أحوال الاجتماع بين المجتمع، السادسة: الاقتصاد، السابعة: السياسة، الثامنة: مشكلة تسليط الكفار على المسلمين، التاسعة: مشكلة ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار في العَدَدِ والعُدَدِ، العاشرة: مشكلة اختلاف القلوب بين المجتمع. ونوضح علاج تلك المشاكل من القرآن، وهذه إشارة خاطفة إلى بيان جميع ذلك بالقرآن تنبيهًا به على غيره.
المسألة الأولى: وهي التوحيد
فقد عُلِم باستقراء القرآن أنه منقسم إلى ثلاثة أقسام:
النوع الأول: توحيده جل وعلا في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جُبلَتْ عليه فطرُ العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ...﴾ [الزخرف: 87]، الآية، وقال: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١﴾ [يونس: 31]، والآيات بنَحْوِ ذلك كثيرة. وإنكار فرعون لهذا النوع في قوله: ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣﴾ [الشعراء: 23] مكابرةٌ وتجاهل، بدليل قوله: ﴿قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ...﴾ [الإسراء: 102]، الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ...﴾ [النمل: 14]، ولهذا كان القرآن ينزل بتقرير هذا النوع من التوحيد بصيغة استفهام التقرير، كقوله: ﴿...أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ...﴾ [إبراهيم: 10]، وقوله: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ...﴾ [الأنعام: 164]، وقوله: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ...﴾ [الرعد: 16]، ونحو ذلك لأنهم يقرون به، وهذا النوع من التوحيد لم ينفع الكفار لأنهم لم يوحدوه جل وعلا في عبادته، كما قال: ﴿...وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦﴾ [يوسف: 106]، ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزمر: 3]، ﴿وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ...﴾ [يونس: 18]، الآية.
النوع الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته، وهو الذي وَقَعت فيه جميع المعاركِ بين الرسلِ والأمم، وهو الذي أُرْسلَت الرسل لتحقيقه، وحاصلُه هو معنى لا إله إلا الله، فهو مبنيٌّ على أصلين: هما النَّفيُ والإثبات من: (لا إله إلا الله) فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادة كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها: هو إفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادة على الوجه الذي شرع أن يُعبدَ به، وجُلُّ القرآن في هذا النوع: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النحل: 36]، ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥﴾ [الأنبياء: 25]، ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ...﴾ [البقرة: 256]، الآية، ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥﴾ [الزخرف: 45]، ﴿قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨﴾ [الأنبياء: 108]، والآيات في هذا كثيرة جدًّا.
النوع الثالث: هو توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين كما بينه جل وعلا. الأول: هو تنزيهه تعالى عن مشابهة صفات الحوادث.
الثاني: هو الإيمان بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ حقيقة لا مجازًا، على الوجه اللائق بكماله وجلاله، ومعلومٌ أنه لا يصفُ اللَّهَ أعلمُ بالله من الله ولا يصفُ اللهَ أعلمُ بالله من رسولِ الله، والله يقول عن نفسه: ﴿...قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ...﴾ [البقرة: 140]. ويقول عن رسوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤﴾ [النجم: 3 - 4]، فقد بين تعالى نفي المماثلة عنه بقوله: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ...﴾ [الشورى: 11]، وبيَّن إثبات الصِّفات له على الحقيقة بقوله: ﴿...وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١﴾ فأول الآية يقضي بعدم التعطيل، فيتضح من الآية أن الواجب إثبات الصفات حقيقة من غير تمثيل، ونفي المماثلة من غير تعطيل. وبَيَّنَ عجز الخلق عن الإحاطة به جل وعلا قال: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠﴾ [طه: 110].
المسألة الثانية: التي هي الوعظ
فقد أجمع العلماء على أن الله تعالى لم يُنْزِلْ من السماء إلى الأرض واعظًا أكبَر ولا زاجرًا أعظم من موعظة المراقبة والعلم، وهي أن يُلاحظ الإنسان أن ربه جل وعلا رقيب عليه، عالم بكل ما يُخفي وما يُعْلِن. وضربَ العلماءُ لهذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم مثلًا يصيرُ به المعقول كالمحسوس، قالوا: لو فرضنا ملكًا سفَّاكًا للدماء، قتَّالًا للرجال، شديدَ البطش والنكال، وسيَّافُه قائم على رأسه، والنطع مبسوط، والسيف يقطر دمًا، وحول ذلك الملك بناته وأزواجه، أيخطر في البال أن يهمَّ أحد من الحاضرين بريبة أو نيل حرام من بنات ذلك الملك وأزواجه وهو عالم به ناظر إليه؟ لا، وكلا، ولله المثل الأعلى، بل كل الحاضرين يكونون خائفين، خاضِعةً قلوبُهم، خاشعة عيونُهم، ساكنةً جوارحهم، غايةُ أمانيهم السلامةُ، ولا شك -ولله المثل الأعلى- أن الله جل وعلا أعظمُ اطلاعًا وأوسعُ علمًا من ذلك الملك، ولا شك أنه أعظمُ نكالًا وأشدُّ بطشًا وأفظعُ عذابًا، وحِماهُ في أرضه محارمُه، ولو علم أهلُ بلدٍ أن أميرَ البلد يُصبحُ عالمًا بكل ما فعلوه بالليل لباتوا خائفين وتركوا جميع المناكرِ خوفًا منه.
وقد بيَّن تعالى أن الحكمةَ التي خُلق الخلق من أجلها هي أن يَبْتَلِيَهُم أي: يختبرهم ﴿...أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧﴾ [الكهف: 7]، قال في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ...﴾ [هود: 7]، ولم يقل: أيكم أكثر عملًا، وقال في الملك: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢﴾ [الملك: 2]، وهاتان الآيتان تبينان المراد من قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: 56]، ولما كانت الحكمة في خلق الخلائق الاختبار المذكور، أراد جبريل أن يُبيِّن للناس طريق النجاح في ذلك الاختبار، فقال للنبي ﷺ: أخبرني عن الإحسان، أي وهو الذي خُلِق الخلْقُ لِأجل الاختبار فيه، فبين ﷺ أن طريق الإحسان هيَ هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم المذكور فقال: «هُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [1]. [1] متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان (50)(1/19).
ولهذا لا تَقْلب ورقةً من المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الواعظ الأعظم: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦﴾ [ق: 16]، ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨﴾ [ق: 18]، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧﴾ [الأعراف: 7]، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١﴾ [يونس: 61]. ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥﴾ [هود: 5]، ونحو هذا في كل موضع من القرآن.
المسألة الثالثة: التي هي الفرق بين العمل الصالح وغيره
فقد بين القرآن العظيم أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور، ومتى اختلَّ واحد منها فلا نفع فيه لصاحبه يوم القيامة.
الأول: أن يكون مطابقًا لما جاء به النبي ﷺ؛ لأن الله يقول: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ...﴾ [الحشر: 7]، ويقول: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ...﴾ [النساء: 80]، ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي...﴾ [آل عمران: 31]، الآية، ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ...﴾ [الشورى: 21]، ﴿...ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩﴾ [يونس: 59].
الثاني: أن يكون خالصًا لوجهه تعالى؛ لأنه يقول: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...﴾ [البينة: 5]، الآية، ويقول: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١ وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢ قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣ قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤ فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ...﴾ [الزمر: 11 - 15].
الثالث: أن يكون مبنيًّا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ...﴾ [النساء: 124]، فقيَّد ذلك بقوله: ﴿...وَهُوَ مُؤۡمِنٞ...﴾، وقال في غير المؤمن: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣﴾ [الفرقان: 23]. وقال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦﴾ [هود: 16]، إلى غير ذلك من الآيات.
المسألة الرابعة: التي هي تحكيم غير الشرع الكريم
فقد بين القرآن أنها كفر بواح وشرك بالله تعالى، ولما أوْحَى الشيطان إلى كفار مكة أن يسألوا نبينا ﷺ عن الشاة تُصْبِحُ ميتة من قتلها؟ فقال: "الله قتلها"، فأوحى إليهم أن يقولوا له: ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة حرام، فأنتم إذن أحسن من الله! أنزل الله: ﴿...وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١﴾ [الأنعام: 121].
وعدم دخول الفاء على جملة: ﴿...إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ قرينة ظاهرة على تقدير لام توطئة القسم، فهو قَسَم من الله أقسم به جل وعلا في هذه الآية الكريمة على أن من أطاع الشيطان في تشريعه تحليلَ الميتة أنه مشرك، وهو شرك أكبر مخرج عن الملة الإسلامية بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله يوم القيامة مُرْتَكِبه بقوله: ﴿أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١﴾ [يس: 60 - 61]، وقال تعالى عن خليله: ﴿يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ...﴾ [مريم: 44]، أي باتباعه في تشريع الكفر والمعاصي، وقال: ﴿إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧﴾ [النساء: 117]، أي ما يعبدون إلا شيطانًا وذلك باتباعهم تشريعه، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ...﴾ [الأنعام: 137] الآية. فسماهم: شركاء؛ لطاعتهم لهم في معصية الله بقتل الأولاد.
ولما سأل عَدِيُّ بن حاتم رضي الله عنه النبي ﷺ عن قوله: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا...﴾ [التوبة: 31]، أجابه النبي ﷺ بأن معنى اتخاذِهم أربابًا: هو اتباعهم لهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه، وهذا أمر لا نزاع فيه: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠﴾ [النساء: 60]، ﴿...وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤﴾ [المائدة: 44]، ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤﴾ [الأنعام: 114].
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥﴾ [الأنعام: 115]، وقوله: ﴿...صِدۡقٗا...﴾ أي في الإخبار، ﴿...وَعَدۡلٗاۚ...﴾ أي في الأحكام. ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠﴾ [المائدة: 50].
المسألة الخامسة: التي هي أحوال الاجتماع
فقد شفى فيها القرآن الغليل، وأنارَ فيها السبيل، فانظر إلى ما يأمر الرئيس الكبير أن يفعله مع مجتمعه: ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥﴾ [الشعراء: 215]. ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ...﴾ [آل عمران: 159].
وانظر إلى ما يأمر المجتمع العام أن يفعله مع رؤسائه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ...﴾ [النساء: 59].
وانظر إلى ما يأمُرُ الإنسان أن يفعله مع مجتمعه الخاص كأولاده وزوجته: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦﴾ [التحريم: 6].
وانظر كيف ينبِّهه على الحذَرِ والحزْمِ من مجتمعه الخاص ويأمره إن عثر على ما لا ينبغي أن يعفو ويصفَحَ، فيأمره أولًا بالحزم والحذر، وثانيًا بالعفو والصفح: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤﴾ [التغابن: 14].
وانظر إلى ما يأمر أفراد المجتمع العام أن يتعاملوا به فيما بينهم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠﴾ [النحل: 90].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ...﴾ [الحجرات: 12]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١﴾ [الحجرات: 11]، وقال تعالى: ﴿...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ...﴾ [المائدة: 2]، ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ...﴾ [الحجرات: 10]، ﴿...وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ...﴾ [الشورى: 38]، إلى غير ذلك.
ولما كان المجتمعُ لا يَسْلَمُ فردٌ من أفراده كائنًا من كان مِنْ مُناوِئٍ يُناوئُه ومُعادٍ يُعاديه مِنْ مجتمعه الإنسيِّ والجنِّيِّ، ليس يخلو المرءُ من ضدّ ولو ... حاول العزلة في رأس الجبل وكان كل فرد محتاجًا إلى علاج هذا الداء الذي عمت به البلوى، أوضحَ تعالى علاجه في ثلاثة مواضع من كتابه، بين فيها أن علاج مُناوأةِ الإنسيِّ هو الإعراض عن إساءته ومُقابلتها بالإحسان، وأنَّ شيطان الجن لا علاج لدائه إلا الاستعاذة بالله من شره.
الموضع الأول: قولُه تعالى في أخريات الأعراف في الإنس: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩﴾ [الأعراف: 199]، وفي نظيره من شياطين الجن: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠﴾ [الأعراف: 200].
الموضع الثاني: في سورة المؤمنون قال تعالى في الآية: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦﴾ [المؤمنون: 96]، وفي نظيره الآخر: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨﴾ [المؤمنون: 97 - 98].
الموضع الثالث: في فُصِّلَت، وقد زاد فيه تعالى التصريح بأن ذلك العلاج السماوي يقطع ذلك الداء الشيطاني، وزاد فيه أيضًا أن ذلك العلاج السماوي لا يُعْطَى لكل الناس، بل لا يُعطَاهُ إلا صاحبُ النَّصيب الأوفر والحظِّ الأكبرِ، قال فيه في الآية: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥﴾ [فصلت: 34 - 35]. وقال في نظيره الآخر: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦﴾ [فصلت: 36].
وبين في مواضع أخرى أن ذلك الرفق واللين لخصوص المسلمين دون الكافرين، قال: ﴿...فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ...﴾ [المائدة: 54]. وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ...﴾ [الفتح: 29]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣﴾ [التوبة: 73]، فالشدةُ في محلِّ اللين حُمقٌ وخَرَقٌ، واللينُ في محل الشدة ضعْفٌ وخَوَرٌ: إذا قيل حِلْمٌ قُلْ فللحلم موضعٌ ... وحِلْمُ الفتى في غير موضعه جهلُ
المسألة السادسة: التي هي مسألة الاقتصاد
فقد أوضح القرآن أصولها التي يَرجعُ إليها جميع الفروع، وذلك أن مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين:
الأول: حسن النظر في اكتساب المال.
الثاني: حسن النظر في صرفه في مصارفه.
فانظر كيف فتح الله في كتابه الطرق إلى اكتساب المال بالأسباب المناسبة للمروءة والدين، وأنار السبيل في ذلك قال: ﴿...فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ...﴾ [الجمعة: 10]، وقال: ﴿...وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ...﴾ [المزمل: 20]، وقال: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ...﴾ [البقرة: 198]، وقال: ﴿...إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ...﴾ [النساء: 29]، وقال: ﴿...وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ...﴾ [البقرة: 275]، وقال: ﴿...فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ...﴾ [الأنفال: 69]، إلى غير ذلك، وانظر كيف يأمر بالاقتصاد في الصرف: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩﴾ [الإسراء: 29]، ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧﴾ [الفرقان: 67]، ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ...﴾ [البقرة: 219] الآية. وانظر كيف يَنْهَى عن الصَّرفِ فيما لا يحل الصرف فيه: ﴿...فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ...﴾ [الأنفال: 36].
المسألة السابعة: التي هي السياسة
فقد بين القرآن أصولها وأنارَ معالمها وأوضح طُرُقَها، وذلك أن السياسة التي هي مصدر "ساس يسوس" إذا دبَّر الأمور وأدار الشؤون تنقسم إلى قسمين: خارجية وداخلية.
أما الخارجية فمدارها على أصلين:
أحدهما: إعدادُ القوَّةِ الكافية لقمع العدو والقضاء عليه، وقد قال تعالى في هذا الأصل: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ...﴾ [الأنفال: 60].
الثاني: الوحدة الصحيحة الشاملة حول تلك القوة، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ...﴾ [آل عمران: 103]، وقال: ﴿...وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ...﴾ [الأنفال: 46].
وقد أوضح القرآن ما يَتْبعُ ذلك من الصلح والهُدنة ونبذِ العهود إذا اقتضى الأمر ذلك، قال: ﴿...فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ...﴾ [التوبة: 4]، وقال: ﴿...فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ...﴾ [التوبة: 7]، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ...﴾ [الأنفال: 58] الآية. وقال: ﴿وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ...﴾ [التوبة: 3].
وأمرَ بالحذر والتحرّزِ مِنْ مكائدهم وانتهازهم الفُرَصَ فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ...﴾ [النساء: 71]، الآية، وقال: ﴿...وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ...﴾ [النساء: 102]، الآية، ونحو ذلك من الآيات.
وأما السياسة الداخلية فمسائلها راجعة إلى نشر الأمن والطمأنينة داخل المجتمع، وكفِّ المظالم، وردِّ الحقوق إلى أهلها.
والجواهر العظام التي عليها مدار السياسة الداخلية ستة:
الأول: الدين، وقد جاء الشرع بالمحافظة عليه، ولذا قال ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» [2]، وفي ذلك ردع بالغ عن تبديل الدين وإضاعته. [2] رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، ح(3017)، (4/61).
الثاني: الأنفس، وقد شَرَع الله في القرآن القِصاص محافظة عليها: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩﴾ [البقرة: 179]، ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ...﴾ [البقرة: 178] الآية، ﴿...وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا...﴾ [الإسراء: 33] الآية.
الثالث: العقول، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠﴾ [المائدة: 90]، وفي الحديث: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»» [3]، ولأجل المحافظة على العقول وجبَ الحدُّ على شارب الخمر. [3] رواه ابن ماجه في سننه، كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام، ح(3392)، (2/124)، وقال الألباني: صحيح.
الرابع: الأنساب، وللمحافظة عليها شرع الله حد الزنا: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ...﴾ [النور: 2] الآية.
الخامس: الأعراض، ولأجل المحافظة عليها شرع الله جلد القاذف ثمانين: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ...﴾ [النور: 4] الآية.
السادس: الأموال، ولأجل المحافظة عليها شرع الله قطع يد السارق: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ...﴾ [المائدة: 38] الآية. فتبين أنه من الواضح أن اتّباعَ القرآن كفيل للمجتمع بجميع مصالحه الداخلية والخارجية.
المسألة الثامنة: التي هي تسليط الكفار على المسلمين
فقد استَشْكَلَها أصحابُ رسول الله ﷺ وهو موجود بين أظهرهم، وأفتى الله جل وعلا فيها بنفسه في كتابه فَتْوى سماويَّةً أزال بها ذلك الإشكال، وذلك أنه لما وقع بالمسلمين ما وقع يوم أحد استشكلوا ذلك، فقالوا: كيف يُدال منا المشركون ويُسَلَّطون علينا ونحن على الحق وهم على الباطل؟! فأفتاهم الله في ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ...﴾ [آل عمران: 165]، وقوله:
﴿...قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ...﴾ أوضحه على التحقيق بقوله: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ...﴾ [آل عمران: 152]، فبين في هذه الفتوى السماوية أن سبب تسليط الكفار عليهم جاءهم من قِبَل أنفسهم وأنه هو فشلُهُم وتنازُعُهم في الأمر وعصيان بعضهم الرسول ورغبتهم في الدنيا، وذلك أنّ الرُّماة الذين كانوا بسَفْحِ الجبل يمنعون الكفار أن يأتوا المسلمين من جهة ظهورهم طمعوا في الغنيمة عند هزيمة المشركين في أوَّل الأمر، فتركوا أمر الرسول ﷺ لأجْلِ رغبتهم في عَرَضٍ من الدنيا يَنالونه.
المسألة التاسعة: التي هي مسألة ضَعفِ المسلمين
وقِلَّة عددهم وعُددهم بالنسبة إلى الكفار، فقد أوضح الله جل وعلا علاجها في كتابه، فبيَّن أنه إن علم من قلوب عباده الإخلاص كما ينبغي كان من نتائج ذلك الإخلاص أن يقْهَرُوا ويغْلِبوا مَنْ هو أقوى منهم، ولِذا لمَّا علم جل وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص كما ينبغي ونوَّه بإخلاصهم في قوله: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ...﴾ [الفتح: 18]، بيَّن أنَّ من نتائج ذلك الإخلاص أنه تعالى يجعلهم قادرين على ما لم يقدروا عليه، قال: ﴿وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ...﴾ [الفتح: 21]، فصرَّح بأنهم غير قادرين عليها، وأنه أحاط بها، فأقْدَرَهُم عليها وجعلها غنيمة
لهم لِمَا عَلِمَ من إخلاصهم، ولذلك لما ضرب الكُفَّارُ على المسلمين في غزوة الأحزاب ذلك الحصارَ العسكريَّ العظيمَ المذكور في قوله تعالى: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١﴾ [الأحزاب: 10 - 11]، كان علاج هذا الضعف والحصار العسكري الإخلاص لله وقوَّة الإيمان به، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢﴾ [الأحزاب: 22]، فكان من نتائج ذلك الإخلاص ما ذكره الله بقوله: ﴿...وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦ وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧﴾ [الأحزاب: 25 - 27].
وهذا الذي نصرهم الله به ما كانوا يظنونه، وهو الملائكة والريح: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ...﴾ [الأحزاب: 9] الآية.
ولأجل هذا كان من الأدلة على صحة دين الإسلام أن الطائفة القليلة الضعيفة المتمسكة به تغلبُ الكثيرة القويَّة الكافرة: ﴿...كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩﴾ [البقرة: 249]، ولذلك سمى تعالى يوم بدر: آيةً، وبيِّنةً، وفُرْقانًا؛ لدلالته على صحة دين الإسلام، وقال: ﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ...﴾ [آل عمران: 13]، الآية. وذلك يوم بدر. وقال تعالى: ﴿...إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ...﴾ [الأنفال: 41] الآية. وذلك يوم بدر، وقال: ﴿...لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ...﴾ [الأنفال: 42] الآية. وذلك يوم بدر على ما حققه بعضهم، ولا شكَّ أن غلبة الفئة القليلة الضعيفة المؤمنة للكثيرة القوية الكافرة دليلٌ على أنها على الحق، وأنَّ الله هو الذي نصرها، كما قال في وقعة بدر: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ...﴾ [آل عمران: 123]، وقال: ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ...﴾ [الأنفال: 12] الآية. الآية.
والمؤمنون الذين وعدهم الله بالنصر بيَّن الله تعالى صفاتهم وميزهم بها عن غيرهم، قال: ﴿...وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠﴾ [الحج: 40]، ثم ميزهم عن غيرهم بصفاتهم في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١﴾ [الحج: 41].
وهذا العلاج الذي أشرنا إليه أنه علاج للحصار العسكري، أشار تعالى في سورة المنافقين إلى أنه -أيضًا- علاجٌ للحصار الاقتصادي، وذلك في قوله: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ...﴾ [المنافقون: 7]. وهذا الذي أراد المنافقون أن يفعلوه بالمسلمين هو عين الحصار الاقتصادي، وقد أشار تعالى إلى أن علاجه قوةُ الإيمان به، وصدْقُ التوجُّهِ إليه جل وعلا بقوله: ﴿...وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧﴾ [المنافقون: 7]،
أن من بيده خزائن السماوات والأرض لا يُضيع مُلْتجئًا إليه مطيعًا له: ﴿...وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ...﴾ [الطلاق: 2 - 3]، وبين ذلك -أيضًا- بقوله: ﴿...وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ...﴾ [التوبة: 28].
المسألة العاشرة: التي هي مشكلة اختلاف القلوب
فقد بيَّن تعالى في سورة الحشر أن سببها عدم العقل بقوله: ﴿...تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ...﴾ [الحشر: 14]، ثم بين السبب بقوله: ﴿...ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤﴾ [الحشر: 14]، ودواء ضعف العقل هو إنارته باتباع نور الوحي؛ لأن الوحي يُرْشدُ إلى المصالح التي تقصُرُ عنها العقول، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ...﴾ [الأنعام: 122]، فبين في هذه الآية أن نور الإيمان يحيا به من كان ميتًا، ويضيء له الطريق التي يمشي فيها، وقال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ...﴾ [البقرة: 257]، وقال: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢﴾ [الملك: 22]. إلى غير ذلك من الآيات.
وبالجملة فالمصالح البشرية التي بها نظام الدنيا راجعة إلى ثلاثة أنواع.
الأول: دَرْءُ المفاسد، المعروف عند أهل الأصول بالضروريات، وحاصله دفع الضرر عن الستة التي ذكرنا قبل، أعني: الدين والنفس، والعقل، والنسب، والعِرْضَ والمال.
الثاني: جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيَّات، ومن فروعه: البيوع على القول بذلك، والإجارات، وعامَّة المصالح المتبَادَلة بين أفراد المجتمع على الوجه الشرعي.
الثالث: التحلي بمكارم الأخلاق والجري على محاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينات والتتميمات، ومن فروعه خصال الفطْرةِ كإعفاء اللحية وقص الشارب إلخ، ومن فروعه أيضًا: تحريم المستقذرات ووجوب الإنفاق على الأقارب الفقراء، وكل هذه المصالح لا يمكن شيءٌ أشد محافظة عليها بالطرق الحكيمة السليمة من دين الإسلام: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١﴾ [هود: 1].
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
Related books
All books
이슬람2 개 언어이슬람
가장 자비로우시고 가장 자애로우신 하나님의 이름으로 스스로에게 질문해 본 적이 있습니까? 누가 하늘들과 땅, 그리고 그 안에 있는 위대한 피조물들을 창조하였습니까? 그리고 누가 그 안에 이토록 정밀하고 완벽한 질서를 만들었습니까?
이슬람의 사도 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)74 개 언어이슬람의 사도 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)
도서 "이슬람의 사도 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)"는 선지자 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)의 혈통과 성장 과정에서부터 그의 축복받은 결혼, 계시의 시작, 그리고 사도직의 개시에 이르기까지의 생애를 다루고 있습니다. 이 책은 그의 선지자직에 대한 예증들과 진실됨의 징표들을 명백히 밝히며, 그가 가져온 샤리아(이슬람법)와 인권 및 인간의 존엄성을 보존하는 데 있어 샤리아의 역할을 설명합니다. 또한 그에 대한 적대자들의 태도와 증언들을 부각시키는 한편, 그의 고결한 성품을 조명합니다. 그의 품성은 사람들의 모범이자, 창조주의 유일성(타우히드)으로 그들을 이끄는 강한 원인이었습니다.
꾸란과 선지자의 순나(언행)에 근거한 이슬람에 대한 간략한 개요71 개 언어꾸란과 선지자의 순나(언행)에 근거한 이슬람에 대한 간략한 개요
이슬람 본서는 이슬람에 대한 간략한 정의를 담고 있는 중요한 책으로, 그 근본 원천인 꾸란과 선지자의 순나를 바탕으로 이슬람의 가장 중요한 원리, 가르침, 그리고 장점들을 명확히 밝히고 있습니다. 이 책은 시대와 장소를 불문하고, 서로 다른 상황과 여건 속에 살아가는 모든 무슬림과 비무슬림 여러분을 위해 쓰였습니다. (꾸란과 선지자의 순나에서 발췌한 근거 자료들을 포함하는 판본입니다) 1- 이슬람은 모든 사람들에게 보내는 하나님의 메시지이며, 주님께서 내리신 마지막 메시지입니다: 이슬람은 모든 사람들에게 보내는 하나님의 메시지입니다. 지고하신 하나님께서 말씀하셨습니다: "그리고 내(하나님)가 그대(무함마드)를 사도로 보낸 것은 오직 모든 인류를 위함이며, 그대는 기쁜 소식의 전달자이며 경고자라. 그러나 대부분의 사람들은 알지 못하더라" [사바: 28]. 지고하신 하나님께서 말씀하셨습니다: "그대(무함마드)는 이르라. '사람들이여! 실로 나는 그대들 모두를 위한 하나님의 사도로서...'" [알-아으라프: 158]. 지고하신 하나님께서 말씀하셨습니다: "사람들이여! 그대들 주님으로부터의 진리를 가진 사도가 실로 그대들에게 도래하였노라. 그러니 그대들은 믿으라,…
이슬람 신앙에 대한 간략한 개요47 개 언어이슬람 신앙에 대한 간략한 개요
이 책은 하나님과 그분의 천사들과 그분의 성서들과 그분의 사도들과 최후의 날과 정명(운명)에 대한 믿음을 포함하는 신앙의 근본 원리들을 설명합니다. 또한 무슬림이 반드시 믿고 그에 따라 실천해야 할 기본 원칙들을 제시하며, 이슬람 신앙을 깊이 이해함으로써 하나님과의 관계를 굳건히 하는 것의 중요성을 강조하고 있습니다.