مختصر صفة الصلاة
مختصر صفة الصلاة
مختصر صفة الصلاة
تأليف
أ.د. أحمد بن محمد الخليل
أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم
* * *
(مناسب للقراءة في المساجد)
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين
أما بعد:
فقد كنت صنَّفت كتابًا في (صفة الصلاة) ذكرتُ فيه أقوال الفقهاء وأدلتهم، والمناقشات الواردة عليها، ثم ختمت كل مسألة بترجيح أقوى الأقوال وأقربها للنصوص حسب ما ظهر لي.
وقد اقترح عليَّ جماعةٌ من الفضلاء أن استخلص صفة الصلاة من هذا الكتاب، بحيث تُسرد فيه صفة الصلاة سردًا متتابعًا ميسرًا، لا تُذكر فيه أقوال الفقهاء، بل يقتصر فيه على الراجح الذي تدل عليه الأحاديث،
وقد رأيت أنه اقتراح مناسب مفيدٌ إن شاء الله؛ وبناءً عليه كتبت هذه الخلاصة، وعُنيت بصياغتها صياغة تُسهِّل فَهْمها.
راجيًا من الله تعالى أن ينفع به، وأن يتقبله عنده، إنه جواد كريم.
كتبه/ أحمد بن محمد الخليل
23/صفر/1440ﻫ
* * *
أهمية العناية بصفة الصلاة
عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا دخَل المسجدَ، ورسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جالِسٌ في ناحِيةِ المسجدِ، فصلَّى ثم جاء فسلَّم عليه، فقال له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:
«وعلَيكَ السلامُ، ارجِعْ فصلِّ فإنَّك لم تُصَلِّ».
فرجَع فصلَّى ثم جاء فسلَّم، فقال:
«وعلَيكَ السلامُ، فارجِعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصَلِّ».
فقال في الثانيةِ، أو في التي بعدَها: علِّمْني يا رسولَ اللهِ، فقال:
«إذا قُمْتَ إلى الصلاةِ فأسبِغِ الوُضوءَ، ثم استقبِلِ القِبلةَ فكبِّرْ، ثم اقرَأْ بما تيسَّر معَك منَ القرآنِ، ثم اركَعْ حتى تَطمَئِنَّ راكِعًا، ثم ارفَعْ حتى تستوِيَ قائِمًا، ثم اسجُدْ حتى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثم ارفَعْ حتى تَطمَئِنَّ جالِسًا، ثم اسجُدْ حتى تَطْمَئِنَّ ساجِدًا، ثم ارفَعْ حتى تَطمَئِنَّ جالِسًا، ثم افعَلْ ذلك في صلاتِكَ كلِّها»
متفق عليه[1].
[1] أخرجه البخاري: (٦٢٥١)، ومسلم: (٣٩٧).
الاستعداد للصلاة
الوضوء:
* إذا أراد المسلم أن يصلي فإنه يتوضأ للصلاة وجوبًا -إذا لم يكن على طهارة- لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[المائدة:6].
* ويُستحب تجديد الوضوء لكل صلاة، باتفاق المذاهب الأربعة.
و«تجديد الوضوء» معناه: أن يكون على وضوء ثم يتوضأ من غير أن يُحْدِث؛ لأنه صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يتوضأ عند كل صلاة.
رواه البخاري[2].
[2] أخرجه البخاري: (214).
واختلف الفقهاء في شرط استحباب تجديد الوضوء على أقوال ثلاثة أصحها: أنه يستحب لمن صلى به صلاة.
المشي إلى الصلاة:
* ثم يخرج إلى المسجد إذا أراد أن يصلي الفريضة وعليه السكينة والوقار.
* ثم يصلي تحية المسجد؛ لحديث أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«إذا دخَل أحدُكمُ المسجدَ، فلا يَجلِسْ حتى يصلِّيَ ركعتينِ»
متفق عليه[3].
[3] مجموع الفتاوى (22/494).
* ثم يجلس ينتظر إقامة الصلاة، وينشغل بالذِّكر، أو بقراءة القرآن، وهو في صلاة مادام ينتظر الصلاة، كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«الملائكة تُصلي على أحدِكُم ما دام في مصلاه ما لم يحدث، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة»
رواه البخاري[4].
[4] أخرجه البخاري: (659).
* ثم إذا أقام المؤذنُ الصلاةَ والإمامُ لا يُرَى في المسجد -أي: ليس موجودًا في المسجد-؛ ففي هذه الحال لا يقوم المصلي إلا إذا رأى الإمامَ.
* أما إذا كان الإمام موجودًا وأقام المؤذن الصلاة، فليس للمصلي حينها حدٌّ محدودٌ شرعًا في قيامه للصلاة، وإنما يختلف ذلك حسب المصلِّي، فإن كان ضعيفًا شُرِعَ له أن يَقُومَ مُبَكِّرًا؛ ليَتَمَكَّنَ من تحصيل تكبيرة الإحرام، وإن كان قويًّا فلا بأسَ بتأخُّرِه؛ لأنه يستطيع أن يقوم ويُدْرِكَ تكبيرة الإحرام.
* ويجب على الإمام تسوية الصفوف، وتحصل التسوية باعتدال الصف على سَمْتٍ واحد، وتراصُّها بحيث لا تبقى فيها فرجة.
النية للصلاة:
* ويشترط لصحة الصلاة المكتوبة أن ينوي بها المكتوبة، وهو أمر حاصل بداهة لكل مصلٍّ؛ لأن المصليَ من حين خرج للصلاة وهو ينوي المكتوبة.
قال ابن قدامة:
«ولا نعلم خلافًا بين الأمة في وجوب النية للصلاة، وأن الصلاة لا تنعقد إلا بها»[5].
[5] سنن أبى داود (899).
الدخول في الصلاة
تكبيرة الإحرام
* تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، لا تسقط لا سهوًا ولا جهلًا، ولا عمدًا؛ لقوله تعالى:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾
[المدثر:3]،
ولقوله -صلى الله عليه وسلم- للمسيئ صلاتَه:
«إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ».
* ولا تنعقد الصلاة إلا بقول: (الله أكبر)، ولا يجزئ غير هذه الكلمة.
* ومعنى: (الله أكبر) أي: أكبر وأعظم من كل شيء، وأكبر مِنْ أن يُذْكَرَ بغير التحميد والتمجيد والتعظيم.
* والتكبيرُ لا ينعقد في الفريضة إلا إذا استتم قائمًا.
* ويُسَنُّ لمن أرادَ أنْ يُكَبِّر تكبيرة الإحرام أن يَرْفَع يدَيْه، ورفع اليدين لتكبيرة الإحرام سُنة ثابتة بإجماع الفقهاء.
* ويُسَنُّ أن يَقْتَرِن التكبير برَفْعِ اليدين، أي أن يَرْفَعَ يديه مع التكبير في وقتٍ واحد، لا قبلُ ولا بعدُ.
* وصفة الأصابع -عند رَفْع اليدين لتكبيرة الإحرام- ضمُّها مع مدِّها؛ لأنه أقربُ للخشوع من النَّشْر أو الطَّوْي.
* والمصلي مُخَيَّرٌ إذا رفع يديه للتكبير؛ فأحيانًا يَرْفَعُ إلى المَنْكِبَيْنِ، وأحيانًا إلى الأُذُنَيْنِ، لكنَّ رفعَه إلى المنكبين يكون أكثر من رفعه إلى الأُذُنَيْنِ.
* والمرأة ترفع يديها في الصلاة كما يرفع الرجل يديه، وبعض العلماء يرى أنها لا ترفع كما يرفع الرجل، بل دون ذلك.
* ورَفْعُ الإمام صَوْتَه بالتكبير واجبٌ؛ لأنه لا يَحْصُلُ الاقتداء والائتمام به -على الوجه المطلوب- إلا بالجهر بالتكبير وإسماع المُصَلِّين.
القيام والقراءة
القيام:
* القيامُ رُكْنٌ في صلاة الفريضة لا تصحُّ إلا به؛ دلَّ على ذلك النصُّ والإجماعُ.
* وأمَّا في صلاة النافلة فيجوز للمصلي أن يجلس ولو كان مستطيعًا للقيام، ما لم يكن خلف إمام قائم، كما في صلاة التراويح –مثلًا- فيجب أن يقوم متابعة للإمام.
* وإذا كان المصلي لا يَقوَى على القيام في الفريضة؛ فإن هذا الركن يَسْقُطُ عنه لعَجْزِه؛ لِقَوْلِه تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
[التغابن: 16]،
وقوله -صلى الله عليه وسلم-:
«إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[6].
[6] أخرجه البخاري: (7288)، ومسلم: (1337)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
* وفي المسألة نصٌّ خاصٌّ وهو قولُه -صلى الله عليه وسلم-:
«صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[7]،
فنصَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على أن القيامَ يَسْقُطُ عند العَجْزِ.
[7] تقدم تخريجه.
* وضابط عدم الاستطاعة: أنه إذا كان القيام يُذْهِبُ خشوعَ المصلي؛ بسبب المرض أو نحوه -بحيث لا يستطيع أن يَخْشَعَ كما ينبغي-؛ جاز له حينئذٍ أن يُصَلِّيَ جالسًا.
* ويشترط الاستقلال في القيام أثناء الصلاة للقادر عليه في الفرائض، فمَن اتكأ على عصاهُ أو على حائطٍ ونحوه بدون عذر -بحيث يسقط لو زال- لم تصح صلاته.
موضع اليدين في القيام:
* والسُّنة للمصلي أثناء القيام أن يَقْبِضَ يديه، فإن أَرْسَلَ يدَيْه فقد خَالَفَ السُّنةَ؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال:
«كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يَضَعَ الرجل يده اليُمْنَى على ذراعه اليُسْرَى في الصلاة»[8]،
وكذلك جاء في حديث وائل بن حُجْرٍ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَضَعُ يدَه اليُمنى على اليُسرى في الصلاة[9].
[8] أخرجه البخاري: (740).
[9] أخرجه مسلم: (401).
* ودلَّت السُّنة على أن يقبض بيده اليمنى على رُسغ يده اليُسرى، ولو بسط اليمنى على اليسرى أحيانا فلا بأس.
* ويضع المصلي يديه حيث شاء -فوق السُّرة أو تحتها- فهو مخير في ذلك؛ لأنه لم يصح عنه -صلى الله عليه وسلم- حدٌ في ذلك؛ ولهذا قال ابن المنذر:
«لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك شيء، وهو مخير بينهما».
وقال الترمذي في (جامعه): «رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته؛ كل ذلك واسع عندهم».
* وقد يكون وضع اليدين تحت الصدر في المنطقة التي بين الصدر والبطن أقرب للخشوع.
* أما وضع اليدين على الصدر فقد كرهه الإمام أحمد؛ لأنه لم يرد؛ ولأن فيه نوعًا من التنطُّع.
موضع النظر في الصلاة:
* ويَنْظُر المصلي إلى مكان سجوده أثناء القيام في الصلاة، فإن رَفَعَ بَصَرَه عن مكان السجود فقد خَالَفَ السُّنةَ، أما إنْ رَفَعَ بَصَرَه إلى السماء فقد ارتكب مُحَرَّمًا.
* أما في الجلوس بين السجدتين أو للتشهُّد:
- فبعض الفقهاء يرى أنَّ المصلي يَنْظُرُ في جميع أجزاء الصلاة إلى موضع السجود.
- ومنهم من يرى أنه ينظر إلى إِصْبعه أثناء التشهد.
ولعل الأمرَ واسعٌ في هذا؛ لأنه لم يصح حديث في هذه المسألة.
دعاء الاستفتاح:
* ثم يدعو المصلي دعاء الاستفتاح، وهو مستحب مسنون.
* وقد وردت في السُّنة عدة أنواع من الاستفتاحات، وكلها جائزة، والأفضل أن يُنَوِّعَ المصلي بينها، مع تغليب الاستفتاح المروي عن عمر -رضي الله عنه- -سيأتي ذكره-، كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره من الأئمة.
قال ابن تيمية: «أكثر السَّلف يستفتحون به»[10].
وهذه أنواعٌ من الاستفتاحات:
1- جاء في صحيح مسلم: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول:
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ».
وهذا وإن كان موقوفًا على عمر إلا أن له حُكمَ الرَّفع.
2- في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: كان الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- يسكُتُ بينَ التكبيرِ وبينَ القراءةِ إسكاتَةً –قال: أحسبُهُ قال: هُنَيَّةً- فقلتُ: بأبي وأمي يا رسولَ اللهِ، إسكاتُكَ بينَ التكبيرِ والقراءةِ، ما تقولُ؟ قال: أقولُ:
«اللهمَّ بَاعِدْ بيني وبينَ خطايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمغرِبِ، اللهمَّ نَقِّنِي مِنَ الخطايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ».
3- جاء في صحيح مسلم: عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال:
«وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ؛ إِنَّ صَلاَتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
* والمشروعُ في الاستفتاح الإسرار إجماعًا، وإنما جَهَرَ به عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليُعَلِّمَه للناس؛ قال ابن قُدَامَة -رحمه الله-:
«قال أحمد: ولا يَجْهَرُ الإمام بالافتتاح. وعليه عامَّة أهل العلم؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَجْهَرْ به، وإنما جَهَرَ به عمرُ، ليُعَلِّمَ الناسَ»[11].
[11] ينظر: المغني لابن قدامة: (2/145).
الاستعاذة قبل القراءة:
* الاستعاذة سُنة؛ لقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
* ويُشرع للمصلي أن يَسْتَعِيذَ في كل ركعة، وليس في الركعة الأولى فقط.
* وهناك عدة صيغ للاستعاذة:
1- منها أن يقول: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم».
2- ومنها أن يقول: «أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم».
3- ومنها أن يقول: «أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم، من هَمْزِه، ونَفْخِه، ونَفْثِه».
* والأَقْرَب -إن شاء الله-: أنَّ الإنسان إذا استعاذَ من الشيطان بأيِّ صِيغَة أَجْزَأَ.
لكن المستحب: أن يكون الأكثر في استعاذته: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» لموافقته لنَصِّ الآية.
* والمشروع للمصلي أن يُسِرَّ بالاستعاذة، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية.
البسملة:
* يشرع للمصلي -بعدَ أن يَسْتَعِيذَ وقبلَ أن يَبْدَأَ بالفاتحة- أن يُبَسْمِلَ فيقول: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ»؛
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أَنَّهُ -رضي الله عنه- صَلَّى وَقَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-»[12].
[12] أخرجه النسائي: (905)، بلفظ: عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة -رضي الله عنه- فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قَرَأَ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: «آمين». فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: «الله أكبر»، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: «الله أكبر»، وإذا سلم قال: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله -صلى الله عليه وسلم-». والحديث أصله في الصحيحين بدون لفظ البسملة.
* ولا يشرع أن يجهر بها؛ لأنه لم يُنقل عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يجهر بها، إلا إذا كان هناك مصلحة في الجهر، كتعليم الناس ونشر السُّنة، أو إذا كان هذا من أسباب تأليف القلوب فلا بأس حينئذٍ بالجهر بها؛ لتحقيق هذه المصلحة، وقد نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره من الأئمة.
* والبسملة آية من كتاب الله في سورة النمل[13]، في قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾
[النمل: 30].
[13] ينظر: تفسير ابن كثير: (1/116).
* وليستْ البسملةُ آيةً من كتاب الله فيما بين سورة الأنفال والتوبة، أمَّا فيما عدا هذين الموضعين فالبسملة آية في كتاب الله، لكن ليستْ من السُّوَر، بل أُتي بها للفَصْل بين السُّوَر وللتَّبَرُّك.
قراءة الفاتحة
* الفاتحة رُكْنٌ من أركان الصلاة بالنسبة للإمام والمنفرد في كل ركعة.
* وهذا مذهبُ الجماهير مِنَ الصَّحابة والتَّابعين ومَنْ بعدَهم: أنها رُكْنٌ، لا تَصِحُّ الصلاةُ إلَّا بها، فإنْ تَرَكَها عَمْدًا أو سَهْوًا بَطَلَتِ الصلاةُ؛ لحديثِ عُبادة -رضي الله عنه-:
«لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»[14]، ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:
«مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ»[15].
[14] أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).
[15] أخرجه مسلم (٣٩٥).
* وإذا كان المُسْلِمُ لا يُحْسِنُ الفاتحةَ فَقَدِ اتَّفَقَ العلماء على وجوب تَعَلُّمِ الفاتحة إذا كان يَسْتَطِيع؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.
* فإن لم يَتَمَكَّنْ مِنْ تَعَلُّمِ الفاتحة، كأن يكون كبيرَ السِّنِّ، أو لأي سَبَبٍ:
- فيَجِبُ عليه أن يَقْرَأَ بمِقْدَارِ الفاتحة مِنَ القرآن، يعني (سَبْعَ آياتٍ).
- فإن لم يَتَمَكَّنِ فعليه أن يَذْكُرَ اللهَ بهذه الأذكارِ الخمسةِ: (سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، ولا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله العَلِيِّ العَظِيم).
الإسرار والجهر:
* ويُشرَع للإمام أن يجهر -أي أن يُسْمِعَ المأمومين القراءةَ- في صلاة العشاء والمغرب والفجر، والجَهْرُ بالقراءة في هذه الصلوات واجب؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- واظَبَ على الجَهر فيما يُجهَر به، والمُخافَتة فيما يُخافَت به، وهذا يدلُّ على الوجوب، وعمل الأُمَّة على هذا.
* ولا تصح القراءة -ولا الذكر الواجب- حتى ينطق بها، أي: يحرك لسانه بها، ولا يكفي أن يقرأ في نفسه.
* وأما كونه يَجهر أو يُسِر بالقراءة فهذا أمر آخر يختلف حُكمه بحسب كونه إمامًا أو منفردا أو مأمومًا.
* قال ابن تيمية -رحمه الله-: «يجب تحريك لسانه بالذِّكْرِ الواجب في الصلاة من القراءة وغيرها مع القُدرة»[16].
[16] ينظر: مختصر الفتاوى المصرية (ص: 43).
* والأصلُ في الظهر والعصر أن تكون القراءة فيهما سِرًّا، لكن يُسْتَحَبُّ الجَهْرُ بالقراءةِ في السِّرِّيَّة أحيانًا؛ بحيث يُسْمِعُ الإمامُ المأمومين بعضَ آيةٍ، أو آيةً، أو أكثرَ بقليل، ولعلَّ الغرضَ مِن هذا تنبيهُ مَنْ كان غافلًا مِنَ المأمومينَ، وقد تكونُ هناكَ حكمةٌ أُخْرَى.
* والدليل على ذلك: حديثُ أَبِي قَتَادَةَ -رضي الله عنه- قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ -فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ- بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»[17].
[17] تقدم تخريجه.
* وليس للمأموم أن يقرأ في الصلاة الجهرية، إذا كان يسمع الإمام، لا بالفاتحة ولا بغيرها، بل يستمع للإمام، وذلك في كل صلاة جهرية، سواء من الفرائض -كصلاة الفجر والعشاء والمغرب-، أو من النوافل -كصلاة التراويح-، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن: «المقصود بالجهر استماع المأمومين» كما قال ابن تيمية[18]؛ وإذا قرأ فإنه سينشغل بالقراءة عن الاستماع.
[18] انظر: مجموع الفتاوى (23/ 287).
التأمين بعد قراءة الفاتحة:
* اتفق العلماء على أنه يُسن للمنفرد والمأموم أن يقول: آمين، فالمنفرد يؤمِّن بعد قراءته للفاتحة، والمأمومُ يؤمِّن بعد قراءة الإمام.
* وكذلك يُشرع للإمام أن يقول: آمين، بعد قراءة الفاتحة.
* ويجهر بها الإمام والمأموم، والمشروع أن يُؤَمِّنَ المأمومُ مع الإمام في وقت واحد، فإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، قال الإمام والمأموم: آمين.
* ودليل ما سبق حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[19].
[19] أخرجه البخاري: (780)، ومسلم: (410).
* وقال الإمام البخاري -رحمه الله-:
«بَابُ جَهْرِ المَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ»،
ثم أورد قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
«إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ».
* قال ابن تيمية:
«فهذه كلها نصوص في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجهر بالتأمين، وقد أمَر المأمومين أن يُؤمِّنوا مع تأمين الإمام، وظاهره أنهم يؤمِّنون مثل تأمينه؛ لأنَّ التأمين في حقهم أَوْكد؛ لكونهم أُمروا به فإذا كان هو يجهر به فالمأموم أولى، وقد تقدم التصريح بذلك، ولذلك فهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا الأمر بالجهر به، وأجمعوا على ذلك، فروى إسحاق بن راهوَيْهِ عن عطاء قال: أدركت مائتين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذا قال الإمام: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ سمعت لهم ضجة بآمين، وعن عكرمة قال: أدركت الناس في هذا المسجد ولهم ضجة بآمين، قال إسحاق: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يرفعون أصواتهم بآمين، حتى يسمعوا للمسجد رجة»[20].
[20] شرح العمدة لابن تيمية (1/757).
القراءة بعد الفاتحة:
* ويُسَنُّ بعد قراءة الفاتحة أن يَقْرَأ الإنسان سُورَةً في الركعتين الأولَيَيْنِ فقط.
* والدليلُ على قراءة هذه السُّورة: السُّنة المُسْتَفِيضَةُ المشهورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يفعل ذلك، أي يَقْرَأُ سُورة بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية فقط؛ لحديث أبي قتادة -رضي الله عنه-:
«كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ -فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ- بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»[21].
[21] تقدم تخريجه.
* قال ابن قدامة:
«لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنه يُسنُّ قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة، ويَجهر بها فيما يُجهَر فيه بالفاتحة، ويُسِرُّ فيما يُسَرُّ بها فيه»[22].
[22] المغني لابن قدامة (2/ 164).
* أما قراءة سُورَة بعد الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة من الرباعية، والثالثة من المغرب؛ فالأصل أنه لا يُشرع أن يقرأ فيهما سورة بعد الفاتحة، لكن لو قرأ أحيانًا على قِلَّةٍ -ويكون الغالبُ عليه عَدَمُ القراءة- فلا بأسَ.
* ويستحب للإمام أن يقرأ في فجر الجمعة سورتي السجدة والإنسان، وأن يُدِيمَ ذلك؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
«كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿ الم تَنزِيلُ ﴾ السَّجْدَةَ، و﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ﴾.
متفقٌ عليه.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-: «يُدِيمُ ذَلِكَ».
* والحكمة من قراءة هاتين السُّورَتَيْنِ: ما جاء فيهما من ذِكْرِ خَلْقِ آدم، وأحداثِ القيامة، وخَلْقُ آدمَ وَقَعَ يوم الجُمُعة، وأحداثُ القيامة سَتَقَعُ في يوم الجمعة، وليس لأجل السَّجدة، بلِ السَّجدةُ جاءتِ اتفاقًا.
* قال ابن القيم:
«لا يُستحب أن يتعمَّد قراءة آية سجدة من هذه السورة ولا من غيرها في فجر الجمعة، وإنما المقصود قراءة هاتين السورتين ﴿ تَنزِيلُ ﴾، و﴿ هَلْ أَتَى ﴾؛ وذلك لما فيهما من بَدْء خَلْق الإنسان، وذِكر القيامة فإنها في يوم الجمعة، فإن آدمَ خُلق يوم الجمعة، وفي يوم الجمعة تقوم الساعة؛ فاستُحب قراءة هاتين السورتين في هذا اليوم؛ تذكيرًا للأُمة بما كان فيه ويكون، والسَّجدة جاءت تَبَعًا غيرَ مقصودٍ، فلا يُستحب لمن لم يقرأ سورة ﴿ تَنزِيلُ ﴾ أن يتعمد قراءة آية سجدة من غيرها»[23].
[23] بدائع الفوائد (4/ 63).
التطويل في القراءة:
* والسُّنة أن يَقْرَأَ المصلي سُورَةً كاملةً فهذا هو المنقول عنه -صلى الله عليه وسلم-.
* أو يقرأ بعضَ سورةٍ مِن أوَّلها، فهذا لا خلاف أنه لا يكره:
فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ من سورة المؤمنين إلى ذِكْر موسى وهارون، ثم أخذته سعْلة، فركع.
وقرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب[24]، ومن المعلوم أنه قَرَأَ بعضَها في الركعة الأولى، وبعضَها في الركعة الثانية، فقَرَأَ في ركعةٍ بعضَ سُورَةٍ.
[24] أخرجه النسائي: (991)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي حديث جُبير بن مُطعِم -رضي الله عنه-:
سَمِعْتَ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: «يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ»[25]
مُتَّفَقٌ عليه.
[25] أخرجه البخاري: (765)، ومسلم: (463).
* ويجوز أيضًا أن يقرأ بعض سورة من آخرها، ولكن يكره المداومة على ذلك؛ لما فيه من المداومة على خلاف سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-،
قال ابن قدامة:
«المنقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قراءة السورة أو بعض سورة من أولها».
* والسُّنة أن يَقْرَأَ في المغرب بقِصار المُفَصَّل، وفي الفجر بطِوَالِه، وفي الباقي -وهي العشاء والظهر والعصر- بأوساط المُفَصَّل.
والدليل على هذا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال:
«مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ رَجُلٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- مِنْ فُلَانٍ، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الفَجْرِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَفِي العِشَاءِ بِأَوْسَاطِ المُفَصَّلِ»[26].
[26] أخرجه النسائي: (982)، وابن ماجه: (827)، وأحمد: (7991). قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيحٌ.
ويَدُلُّ على ذلك أيضًا: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كَتَبَ إلى أبي موسى -رضي الله عنه- كتابًا وقال فيه:
«واقْرَأْ في الظهر من أوساطِ المُفَصَّلِ»[27].
[27] أخرجه الترمذي: (307).
* وإذا أراد الإمام أن يقرأ سورة طويلة فالذي نراه أنه لا يُشرع إخبار المأمومين بذلك قبل أن يَدْخُل في الصلاة، كما يَفْعَلُ بعض الناس اليوم، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُخْبِرْهُم،
فجميع الأحاديث التي حَكَتْ قراءةَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة ليس فيها أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُخْبِرُ الناسَ بهذا الأمر، مع أن بعض الذين دَخَلُوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت تَعْرِضُ له الحاجة كما في الأحاديث الأخرى، ومع ذلك لم يَكُنْ يُخْبِرُهُمْ.
* لكن في مُقابِل هذا: يَجِبُ أن نُعَلِّمَ الناس الأحكامَ والسُّنةَ، وهي: أنه إذا عَرَضَ للإنسان عارِضٌ في الصلاة، فله أن يَنْفَرِدَ عنِ الإمام، وأن يُكْمِلَ إذا كان لدَيْهِ عُذْرٌ، ولا حَرَجَ في هذا، كما صَنَعَ مَن صَلَّى خَلْفَ معاذ -رضي الله عنه-، فإنَّه لما رَأَى أنه سَيَقْرَأُ البقرةَ انْصَرَفَ، فيَجِبُ أن نَنْشُرَ السُّنة.
* والذي يظهر لي أن تَحَرِّي قراءة سورتي الطُّور والأعراف بالذات، واعتقاد أن قراءتهما قُرْبَة ليس مشروعًا؛ لأن الظاهر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يَكُنْ يَقْصِدُ أن يَقْرَأَ في صلاة المغرب الأعرافَ بذاتها، وإنما كان يَقْصِدُ أن يَقْرَأَ سُورَةً طويلةً، بمعنى أنه لا يَظْهَرُ من الأحاديث أن قراءةَ هاتين السُّورتين بالذات -الأعراف والطور- مقصودةٌ كقراءة بعضِ السُّوَر في فَجْرِ الجُمُعة، وفي صلاة الجمعة، وفي صلاة العيد.
* ويُشْرَع للإمام تَطْوِيلُ في الركعة الأُولَى لانتظارِ الداخِل لِيُدْرِكَ الركعةَ؛ لقوله في حديث أبي قتادة: «ويُطَوِّلُ الركعةَ الأُولَى»، ويَشْهَدُ لهذا المعنى عِدَّةُ أمورٍ:
- منها: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سَمِعَ بكاء الصبي تَجَوَّزَ في الصلاة[28].
[28] أخرجه البخاري: (709)، ومسلم: (470)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
- ومنها: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- «كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا؛ إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ»[29].
[29] أخرجه البخاري: (560)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-
فهذه النصوص تَدُلُّ -بشكل عام- على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُرَاعِي حالَ المأمُومِينَ.
* ويُسنُّ للمصلي أن يسكت سَكْتةً يسيرة بين القراءة والركوع؛ وذلك لِمَا ثَبَتَ في السُّنة أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يَسْكُتُ قليلًا قبل أن يَرْكَعَ[30]، وليس في السُّنة تحديدٌ لِمِقْدَارِ هذه السكتة، وذهب ابن القيم[31] إلى أنها بقَدْر ما يَرْجِعُ النَّفَسُ للقارئ.
[30] أخرجه أحمد (5/11)، وأبو داود (780)، والترمذي (251)، وابن ماجه (844).
[31] ينظر: زاد المعاد لابن القيم: (1/201).
ومن هنا نعلم أن ما يفعله بعضُ الأئمة من أنهم يَصِلُونَ القراءة بالتكبير للركوع مباشرةً خِلافُ السُّنة؛ ولهذا كان الإمام أحمد يكره أن يَصِلَ المصلي القراءةَ بالتكبير[32].
[32] ينظر: المبدع في شرح المقنع: (1/390)، قال ابن مفلح: «ظاهر كلام أحمد أن السكتة إذا فَرَغَ من القراءة كلها؛ لئلا يَصِلَ القراءةَ بتكبيرة الركوع، ولا يُسَنُّ السكوت ليقرأ المأموم».
تكبيرات الانتقال
* تكبيرات الانتقال واجبةٌ؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَبَّرَ، وأَمَرَ بالتكبير، ودَاوَمَ عليه وقال:
«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[33]،
ومن أحاديث الأَمْرِ قولُه -صلى الله عليه وسلم-:
«فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا»[34]،
فأَمَرَ بالتكبير -صلى الله عليه وسلم-.
[33] تقدم تخريجه.
[34] تقدم تخريجه.
* وتكبيرات الانتقال وإن كانت واجبة إلا أنها تسقط بالسهو وتجبر بالسجود له.
* والأفضل أن يَبْدَأَ التكبير مع بداية الانتقال، وينتهي من التكبير مع انتهاء الانتقال، ويجوز أن يَبْدَأَ بالتكبير قبل أن يَبْدَأَ بالانحناء، وأن يُتِمَّ بعضَ التكبير بعد انتهاء الركوع لمشقة مراعاة ذلك.
* * *
الركوع
* الركوع رُكْنٌ من أركان الصلاة باتِّفاقِ الفقهاء، فإن تَرَكَهُ جاهلًا أو ناسيًا بَطَلَتْ صلاتُه.
* والدليل على رُكْنِيَّتِه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمسيئ:
«ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا»[35]،
والله -سبحانه وتعالى- يقول:
﴿ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾
[الحج: 77].
[35] تقدم تخريجه.
* والسُّنة لمن أراد أن يَرْكَعَ أن يَرْفَعَ يَدَيْهِ إذا كَبَّرَ؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال:
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ»[36]؛
ولحديث الساعديِّ -رضي الله عنه-: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- «كَانَ يَرْفَعُ في هَذِهِ المَوَاضِعِ»[37]؛
وقال البخاري: «يُروَى عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع»، ثم ذكرهم.
[36] أخرجه البخاري: (736)، ومسلم: (390).
[37] تقدم تخريجه.
* والقَدْرُ المُجْزِئُ من الركوع هو: أن يَنْحَنِيَ بحيثُ تَصِلُ يدَاه إلى ركبتَيْهِ، فإن لم يَصِلْ إلى هذا الحَدِّ فإنَّ الركوع باطل؛ لأنه لم يَأْتِ بالقَدْرِ الواجب من الركوع.
* والمشروع تمكين اليَدِ من الرُّكْبَةِ، وتمكين اليد من الرُّكْبَةِ يكون بأمرين:
الأول: القَبْض،
وقد جاء في حديثٍ بإسنادٍ صحيح -إن شاء الله- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: «كَانَ يَقْبِضُ عَلَى رُكْبَتِهِ»[38].
[38] أخرج أبو داود: (734)، والترمذي: (260)، والدارمي: (1346)، بلفظ: عن عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حُميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال أبو حُميد: «أنا أعلمكم بصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركع، فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه، فنحاهما عن جنبيه». ولفظ أبي داود: «ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما». وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا ولكن بلفظ: «فقال أبو حُميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أَمْكَن يديه من ركبتيه، ثم هَصَر ظَهْره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته». وأخرجه أبو داود (731) بلفظ: «فقال أبو حُميد: فذكر بعض هذا الحديث، وقال: «فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه، ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح بخده».
الثاني: تَفْرِيجُ الأصابع، وقد جاء أيضًا في حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ركع فَرَّجَ بين أصابعه[39]،
وهذا الحديث فيه ضعف، لكن له شاهد يقوِّيه،
وهو حديث وائل بن حُجْرٍ -رضي الله عنه: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ»[40].
[39] أخرجه أحمد: (17081)، والدارمي: (1343)، من حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- «ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه حتى استقر كل شيء منه». وأخرجه أبو داود: (863) بلفظ: «فلما ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه...» الحديث.
[40] أخرجه ابن حبان (1920)، والبيهقي في الكبرى (2526).
ومجموع هذه الأحاديث يدل على أن التمكين والقبض التام لا يكون إلا مع التفريج.
* ويُسْتَحَبُّ الاعتدالُ في الركوعِ، ويَدُلُّ عليه حديث أنس-رضي الله عنه-: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
«اعْتَدِلُوا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»[41]،
ويَدُلُّ عليه حديثُ عائشة -رضي الله عنها-: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ -صلى الله عليه وسلم-»[42]،
يعني: لم يَخْفِضْه ولم يَرْفَعْه.
[41] أخرجه النسائي: (1028)، والدارمي: (1361)، بلفظ: «اعتدلوا في الركوع والسجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب». وأخرجه البخاري: (532)، ومسلم: (493)، بلفظ: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
[42] أخرجه مسلم: (498).
* فتَحَصَّلَ من هذا أن السُّنة في الركوع: أن يَنْحَنِيَ الراكعُ ويَبْسُطَ ظَهْرَه من غير تقويسٍ، ويجعل رأسَه موازيًا لظَهْرِه، من غير خَفْضٍ ولا رَفْع، ويقبض بيديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع،
فإذا اجتمعت هذه الصفات في الركوع فهو الركوع الموافق للسُّنة.
* ولا خلافَ أنه يُشرع للمصلي أن يقول في ركوعه: «سبحان رَبِّيَ العظيمِ»، والأقرب أنه واجبٌ من واجبات الصلاة؛
لحديث حذيفةَ -رضي الله عنه- قال: وكان إذا رَكَعَ -أي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-- يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»[43]، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[44]،
ولحديث عُقْبَةَ -رضي الله عنه- أنه لما نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: 74]، قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»[45].
وفي إسناد هذا الحديث ضَعْفٌ.
[43] أخرجه مسلم: (772).
[44] تقدم تخريجه.
[45] أخرجه أبو داود: (869)، وابن ماجه: (887)، وأحمد: (17414)، والدارمي: (1344).
* ويُستحب أن يقول ما في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في رُكوعه وسُجوده:
«سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»[46].
[46] أخرجه مسلم (487).
* ويستحب أيضًا أن يقول ما في السُّنن أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول:
«سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ»[47].
[47] أخرجه أحمد (24480)، وأبو داود (873)، والنسائي (1049).
* أما القدر الواجب من التسبيح فهو أن يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» مرةً واحدةً، وأَدْنَى الكَمالِ ثلاثُ مراتٍ، وأقصاه عَشْرٌ.
قال الإمام أحمد:
جاء عن الحسن: التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث.
وقيل: لا حَدَّ لأَكْثَرِه.
وقيل: إن الأمر في عَدَد التسبيح واسعٌ، ويَخْتَلِفُ باختلاف الأحوال والأشخاص، وليس في السُّنة ما يُحَدِّدُ الكمالَ، ولا أدنى الكمالِ، وهذا القول الأخير هو الصواب.
الاعتدال من الركوع:
* الاعتدال مِنَ الركوع هو القيام مع الطمأنينة بعد الرفع من الركوع، وهو رُكْنٌ من أركان الصلاة؛ لِقَوْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسيئ صلاته:
«ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»[48].
[48] تقدم تخريجه.
* وأما الرَّفْعُ من الركوع فهو داخِلٌ في الاعتدال؛ لأنه لا يُمْكِنُ أن يَعْتَدِلَ إلا بعد أن يَرْفَعَ.
* وصفة الاعتدال بعد الرفع من الركوع: أن يَعُودَ كلُّ فِقَارٍ إلى مكانه -والفِقَار هي: عبارة عن فِقْرَات عظامِ الظَّهْرِ التي تُسَمَّى: خَرَزَاتِ الظَّهْرِ-، مع القيام بقَدْرِ الذِّكْرِ؛ يعني: أَدْنَى الذِّكْرِ.
ولهذا جاء في الحديث: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رَفَعَ من الركوع قام حتَّى يَعْتَدِلَ.
ومعنى (قام) في الحديث، أي: بَقِيَ قائمًا حتَّى يَعْتَدِلَ، فمن سجد بعد استِتْمَام الرَّفع من الرُّكوع مباشرةً لم يُعْتَبَرْ مُعتدِلًا بعد رُكُوعِه، وتَرَكَ رُكْنَ الطُّمأنينةِ فيهِ.
قال أبو حُميد -رضي الله عنه- في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ»[49].
[49] أخرجه البخاري (828).
وقالت عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا»
رواهُ مسلمٌ[50].
[50] أخرجه مسلم (498).
* والمشروع للمصلي إذا رَفَعَ من الركوع أن يَرْفَعَ يدَيْه مع التكبير، والدليل على سُنِّيَّةِ الرَّفْع في هذا الموضع حديث ابن عمر السابق.
* ويَرْفَعُ يدَيْه مع التكبير:
لحديث أبي حُميد الساعدي -رضي الله عنه- وفيه:
«ثُم قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ورَفَعَ يَدَيْهِ»[51].
[51] أخرجه الترمذي (304)، وابن ماجه (862)، وابن حبان (1865)، وابن خزيمة (587)، وأصله في البخاري (828).
ولحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-:
«ثم رَفَعَ رَأْسَه ورَفَعَ يدَيْه كذلك».
وفي لفظٍ للبخاري:
رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» فعل مثله، وقال: «رَبَّنَا، وَلَكَ الحَمْدُ» ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع من السجود[52].
[52] أخرجه البخاري: (738).
ففي قوله: «حِينَ يُكَبِّرُ»... وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» فعَل مِثلَه» دليلٌ أنَّه يرفع حين يبدأ بالتكبير.
* والمشروع للمصلي إذا رَفَعَ رأسَه أن يقول: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثم يقول:
«اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»[53]،
كما جاء في مجموع الأحاديث الصحيحة.
[53] ينظر: المغني: (1/366)، ومختصر الخرقي: (ص 22)، وشرح منتهى الإرادات (1/196).
وقد اختلفت الأحاديث في صيغة التحميد، ومُلَخَّصُ هذه الأحاديث: أنه على أَرْبَعِ صِيَغٍ:
الصيغة الأولى: أن يقول: «رَبَّنَا لكَ الحمدُ».
الصيغة الثانية: أن يقول: «رَبَّنَا ولكَ الحمدُ» بزيادة الواو.
الصيغة الثالثة: أن يقول: «اللهم رَبَّنا لكَ الحمدُ».
الصيغة الرابعة: أن يقول: «اللهم ربنا ولك الحمد» بزيادة الواو.
والأَوْلَى للمُصلي أن يُنَوِّعَ بين الأربعِ فكلُّها جائزةٌ، لكن يُكْثِرَ مِنَ: «اللهُمَّ ربَّنا لكَ الحَمْدُ»، أو: «رَبَّنَا ولكَ الحمدُ» لأنهما أصحُّ.
* والأحسن أن المصلي يَقْبِض يديه بعد الرفع من الركوع ولا يُرْسِلهما، وإن أرسَل فلا حرجَ، والأمر في هذه المسألة فيه سِعَة؛ لعدم وجود نصٍّ صريح فيها، وهو منصوص الإمام أحمد.
السجود
* السُّنة أن يَخِرَّ الإنسانُ للسُّجود مُكَبِّرًا بلا رَفْعٍ لليَدَيْنِ، أي: أن السُّنةَ ألَّا يَرْفَعَ يدَيْه إذا أراد أن يَسْجُدَ؛ لحديثِ ابنِ عمر -رضي الله عنهما- بلفظ:
«كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ»[54].
[54] أخرجه البخاري: (735)، ومسلم: (390)، أبو داود: (722).
* ويَجِبُ على المصلي أنْ يَسْجُدَ على سَبْعَةِ أعضاءٍ؛ لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «أُمِرْنَا بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ وَالجَبْهَةِ وأشارَ إلى أَنْفِه»[55]، فهذه سبعةٌ.
[55] أخرجه البخاري: (809)، ومسلم: (490).
* فإن أخَلَّ بالسجود على أَحَدِ هذه الأعضاء السبعة بحيث لم يمس الأرض مطلقًا بَطَلَ سُجُودُه؛ لأنه أَخَلَّ برُكْنٍ من أركان الصلاة.
* ويَجِبُ أن يَسْجُدَ على الجبهَةِ والأنف معًا، فإن لم يسجد إلا على الجبهة فقط لم يَتِمَّ سجودُه.
* وكذلك لو وَضْعِ الأنف دون الجبهة، فهذا حُكَي الإجماعُ عنِ الصحابة[56] أنه لا يُجْزِئُ، وهذا ظاهِرٌ؛ لأن الجبهةَ هي الأصل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-:
«عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ».
[56] ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: (12/196)، والإحكام شرح أصول الأحكام: (1/226).
* ويجوز للمصلي إذا خرَّ ساجدًا أن يقدم ركبتَيْه قبل يدَيْه، وإن شاء وَضَعَ يدَيْه ثم ركبتيه؛ وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء، ولكن تنازعوا في الأفضل، والأقرب أن الأفضل أن يُقَدِّمَ رُكْبَتَيْهِ قبل يدَيْه. وهو مَرْوِيٌّ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو -رضي الله عنه- له سُنة مُتَّبَعَة، فضلًا عن أنه قد يكون أَخَذَه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس في هذه المسألة حديث مرفوع صحيح؛ قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه[57].
[57] سنن الترمذي (2/ 56).
* والمجافاة في أثناءِ السجودِ بين يدَيْه وجَنْبَيْهِ سنة مستحبة، وقيل بوجوبها. والمقصود بـ«المجافاة»: المباعدةُ.
والأدلة على سُنية المجافاة:
- حديثُ عبد الله بن بُحَيْنَةَ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كان إذا صَلَّى فَرَّجَ بين يدَيْه، حتى يَبْدُو بياضُ إِبْطَيْهِ»[58]،
وهذا في الصحيحين. وبَيَاضُ الإبطين إنما يُرَى مع شِدَّة المجافاة؛ لأنه لو كان يجافي مجافاةً يسيرةً لم يَرَ الصحابةُ بياضَ إبطيِ النبي -صلى الله عليه وسلم-.
[58] أخرجه البخاري: (390)، ومسلم: (495).
- وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ»[59].
[59] أخرجه البخاري (822)، ومسلم (493).
- وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ»[60].
[60] أخرجه مسلم (498).
- وعن أبي حُميد -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضَهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ»[61].
[61] أخرجه البخاري (828).
- وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الكَلْبِ»[62].
[62] أخرجه أحمد (14018)، وأبو داود (897)، والترمذي (275)، وابن ماجه (891).
- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أتيت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مِن خلفه، فرأيت بياض إبطيه وهو مُجَخٍّ قد فرَّج بين يديه[63].
ومعنى (مُجَخٍّ) أي فتح عضديه وجافاهما عن جنبيه ورفع بطنه عن الأرض.
* والمصلي مُخَيَّرٌ أثناء السجود: إن شاء وضع يدَيْه بحِذَاءِ مَنْكِبَيْهِ، وإن شاء وضع يدَيْه حَذْوَ أُذُنَيْهِ؛ لأن السُّنة صحَّت بهذا وهذا.
* والسُّنة أن يُباعد المصلي بين فَخِذَيْهِ وبَطْنِه؛ لِمَا ثَبَتَ في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-،
وكذلك في حديثِ أبي حُمَيْدٍ الساعدي -رضي الله عنه-: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- إذا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ، غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَه عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ»[64]، فهذان الحديثان يدلَّان على أنه يُباعِدُ بين فخذَيْه، ولا يحمل بطنَه على شيء من الفَخِذَيْنِ؛ بل يباعد بين الفخذين والبطن. وأيضًا يباعد بين الفخذين.
[64] أخرجه أبو داود: (735)، وهذا اللفظ ضعيف، والعمدة في المسألة على حديث ابن عباس، وإنما ذكرته لأنه يبين الكيفية.
* والسُّنة في هيئة القدمين: أن يجعل الأصابع في أثناء السجود مُتَّجِهَةً إلى القِبْلَة.
وهل يُلْصِقُ القدمين في أثناء السجود، أو يُباعِدُ بين القَدَمَيْنِ؟ فيه خلاف، والأمر فيه سعة، ولعل الأقرب أنه يُلْصِقُ القدمين.
* وحديث وائل بن حُجْرٍ -رضي الله عنه-، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ»[65]؛ يدلُّ على مشروعية ضَمّ الأصابع حالَ السجود، وإسناده حَسَنٌ، ويقويه الأحاديث التي فيها تَوْجِيهُ الأصابع إلى القِبْلَة؛ لأنَّ توجيهَ الأصابع إلى القِبْلَة يقتضي في الغالب ضَمَّ الأصابع.
[65] أخرجه ابن حبان (1920)، والبيهقي في الكبرى (2526).
* وخلاصة السُّجود الموافق للسُّنة: أنه السُّجود الذي اجتمعت فيه هذه الصفات السِّت:
الصفة الأولى: عدم افتراش الذراعين.
الصفة الثانية: المباعدة بين اليدين والجَنْبين، بحيث يُرى بياض إِبْطِه.
الصفة الثالثة: إذا سجد يضع يديه بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، أو بحذاء مَنْكِبَيْهِ
الصفة الرابعة: أن يَنْصِبَ القدمين ويُوَجِّهَ الأصابع إلى القِبْلَة.
الصفة الخامسة: رَفْع البطن عن الفَخِذَيْن.
الصفة السادسة: وَضْعُ أصابع اليدين باتجاه القبلة.
فإذا اتَّصَفَ السجود بهذه الصفات الستِّ فهو الموافق للسُّنة، وما نقص منها فهو نَقْصٌ في اتباع السُّنة، مع أنَّ السُّجود مجزئ وصحيح لأنها صفات مستحبة.
* ويجوز أن يَسْجُدَ الإنسانُ بأعضائه السبعةِ على الأرض، ولو وُجِدَ حائل بينهن وبين الأرض، إلا الجبهةَ فيكره أن يسجد على شيء متصل بالمصلي، مثل طرف ثوبه إذا كان من غير حاجة، أما مع الحاجة فيجوز بلا كراهة.
* والمشروع في السُّجود أن يقول: «سُبحان ربيَ الأعلى»؛
لِمَا ثبت في الصحيح: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سَجَدَ قال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»[66]،
ولِمَا جاء في حديث عُقْبَةَ -رضي الله عنه- أنه لما نَزَلَ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1] قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»[67].
[66] أخرجه مسلم: (772)، من حديث حذيفة -رضي الله عنه-.
[67] أخرجه أبو داود: (869)، وابن ماجه: (887)، وأحمد: (17414)، والدارمي: (1344).
* وتقدمت بعض الأذكار الأخرى التي يُستحب أن تُقال في السجود أثناء الكلام عن أذكار الركوع.
الاعتدال عن السجود:
* والاعتدال عن السجود رُكْنٌ من أركان الصلاة؛ لِقَوْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا»[68]،
والرَّفْعَ من السجود رُكْنٌ، والاعتدالَ بين السجدتين رُكْنٌ آخَرُ.
[68] تقدم تخريجه.
* والسُّنة: أنه إذا رَفَعَ من السَّجدة الأولى لِيَجْلِسَ الجِلسة بين السَّجدتين أنْ يُكَبِّرَ؛ لِمَا صَحَّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في كل خَفْضٍ ورَفْعٍ[69].
[69] تقدم تخريجه.
* والجلوس بين السَّجدتين رُكْنٌ من أركان الصلاة؛ لِقَوْلِه في حديث المسيئ:
«ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا»[70]؛
ولحديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستويَ جالسًا[71].
[70] تقدم تخريجه.
[71] أخرجه مسلم: (498).
* وصفة الجلوس: أن يَفْتَرِش المصلي قدَمَه اليُسْرَى، ويَنْصِب اليُمْنَى،
فقد ثَبَتَ هذا في حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جَلَسَ افْتَرَشَ اليُسْرَى، ونَصَبَ اليُمْنَى[72]،
وهو في الصحيح،
وفي حديث أبي حُمَيْدٍ -رضي الله عنه- أيضًا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك[73].
وهذا عَمَلُ المسلمين خَلَفًا عن سَلَفٍ.
[72] أخرجه مسلم: (498).
[73] تقدم تخريجه.
* والسُّنة أن يبسط الإنسان يدَه اليُسرى، ويضَع يدَه اليمنى على فخذه كما يَصْنَعُ في التشهد.
* ويُستحب توجيه أصابع قدمه اليُمنى باتجاه القبلة في الجلسة بين السَّجدتين؛ لأن السُّنة نَصْب القَدَم، وإذا نَصَبَها فلا بُدَّ أن تَتَوَجَّهَ الأصابعُ إلى القبلة.
* والذِّكْر بين السَّجْدتين واجب، ويقول الإنسان بين السجدتين: «رَبِّ اغفرْ لي» ثلاثًا، أو يَزِيدُ،
وقد ثَبَتَ في الحديث الصحيح من حديث حذيفة -رضي الله عنه-: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقول بين السجدتين: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي»[74]،
وحمل العلماء هذا الحديث على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يكررها لأن جلوسه بين السجدتين كان نحوا من سجوده.
[74] أخرجه أبو داود: (874)، والنسائي: (1145)، وابن ماجه: (897)، وأحمد: (23375)، والدارمي: (1363).
ورُوِيَ عنِ ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذِكْرًا آخَرَ وهو:
«اللهمَّ اغفِر لي، وارحَمني، وعافِني، واهدِني، وارزُقني»[75]؛
لكِنْ هذا الحديثُ أشار بعضُ الحُفَّاظ إلى ضَعْفِه.
[75] أخرجه أبو داود: (850)، والترمذي: (284)، وابن ماجه: (898)، وأحمد: (2895).
واستحب الإمامُ أحمدُ ما في حديث حذيفة، فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس. ويجوز أن يأتي بما في حديث ابن عباس أيضًا ولا حرج.
* وإذا أراد المصلي أن يقومَ وقد جَلَسَ للاستراحة -عند من يقول بمشروعيتها- قام مُعْتَمِدًا على يدَيْهِ. وإن لم يَجْلِسْ جِلْسَةَ الاستراحةِ وقام مباشرةً -وهو الذي نرجحه، أي: أن جلسة الاستراحة لا تستحب- فإنه يَنْهَضُ على صدور قدَمَيْهِ، معتمدًا في أثناء ذلك على ركبتَيْه.
الركعة الثانية
* تُصَلَّى الركعةُ الثانية مثلَ الركعة الأولى؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمسيئ:
«ثُمَّ افْعَلْ هَذَا فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»[76].
[76] تقدم تخريجه.
ويُسْتَثْنَى من ذلك أمورٌ:
الأول: تكبيرةُ التحريم: فلا يُكَبِّرُ في الثانية تكبيرة الإحرام؛ لأنها شُرِعَتْ لافتتاح الصلاة، ولذلك فهي لا تكون إلا في الركعة الأولى، ولا يُشْرَع في الركعة الثانية وما بعدها.
الثاني: دعاء الاستفتاح: فلا يُشْرَعُ للمصلي أن يقول دعاءَ الاستفتاح إلا في الركعة الأولى، ولو نَسِيَه في الركعة الأولى أو تَرَكَهُ عَمْدًا، فلا يقوله بعد ذلك؛ لأن هذه السُّنة محلُّها في الركعة الأولى.
الثالث: تجديد النية: فلا يُشْرَع للإنسان أن يُجَدِّدَ نيتَه في الركعة الثانية اكتفاءً باستصحاب النية.
التشهد الأول
* وَضْع اليدين في التشهد الأول له صفتان:
الصفة الأولى: أن يَضَع يدَيْه على فَخِذَيْه.
لحديث عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جَلَسَ وَضَعَ يَدَهُ اليمنى على فَخِذِه الأيمن، ويدَه اليسرى على فَخِذِه الأيسرِ، وأَلْقَمَ يده اليُسرى رُكْبَتَهُ».
وهذا اللفظ ثابتٌ في صحيح مسلم[77].
[77] أخرجه مسلم: (579).
الصفة الثانية: أن يَضَعَ المصلي يدَيْه على رُكْبَتَيْهِ.
لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جَلَسَ وَضَعَ يدَيْه على رُكْبَتَيْهِ[78].
وهذا أيضًا ثابتٌ في صحيح مسلم.
[78] أخرجه مسلم: (580).
ويُسَنُّ أن يُلْقِمَ يدَه اليُسْرى لركبته اليسرى أحيانًا كما جاء في حديث عبدالله بن الزبير -رضي الله عنهما-.
وقد يقال: إن هذه السُّنة الأنسبُ أن تُفْعَلَ في أثناء التورُّكِ، لأنه في التلقيم صعوبة في غير التورك.
ووَضْع اليدِ في أثناء التشهد له ثلاث صفات:
الصفة الأولى: أن يَقْبِضَ الخِنْصِر -وهو الإصبع الصغير- والبِنْصِر -وهو الذي يليه- ويُحَلِّقَ بالوُسْطَى -كحَلْقَة الحديدة- مع الإبهام، ويُشِيرَ بالسبَّابَةِ.
وهذه الصفة جاءت في حديث وائل بن حُجْر -رضي الله عنه- [79]، وهي صحيحة.
[79] تقدم تخريجه.
الصفة الثانية:
جاءت في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في صحيح مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَبَضَ على يده ثلاثة وخمسين[80].
وصُورَتُها: أنْ يَقْبِضَ الخِنْصِر والبِنْصِر والوُسْطَى، ويَجْعَلَ الإبهامَ عند أَصْلِ السبَّابة، ويُشِيرَ بالسبَّابة.
[80] أخرجه مسلم: (580/115).
الصفة الثالثة: أن يَقْبِضَ الخِنْصِر والبِنْصِر والوُسْطَى والإبهامَ، يعني يَقْبِض جميع الأصابع إلَّا السبابةَ، ويُشِيرُ بها كما سيأتينا،
وهذه الصفة أيضًا في صحيح مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَبَضَ أصابِعَه كُلَّها وأشار بالسبَّابةِ[81].
[81] أخرجه مسلم: (580/116).
فاجتمعَ لنا بهذا صفاتٌ ثلاثٌ، فيُشْرَع للإنسان أن يُنَوِّع فيأتي أحيانًا بالصفة الأولى، وأحيانًا بالثانية، وأحيانًا بالثالثة.
* وهذه الهيئات، من القبض، والإشارة، إنما هي في الجلوس في التشهد فقط؛ لقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إذا قَعَدَ للتشهُّد»، فلا يشرع أن يشير بالسبابة إذا جلس بين السجدتين بل يبسط أصابعه.
* ولا يُشْرَع إذا أشار الإنسان بالسبابة أن يَحْنِيَه شيئًا ما؛ لأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على ذلك.
* والسنة أن يُشِيرَ بإصبَعِه من غير تحريكٍ، يعني إذا جلس في التشهد، لأنه لا يوجد دليل صحيح على التحريك، بل يشير بها فقط –يرفعها- بلا تحريك؛ لأنه ليس في الأحاديث الصحيحة تحريكٌ، بل رفع فقط، والأصل في العبادات التوقيف.
ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال: «كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ اليُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ اليُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ»[82].
[82] أخرجه مسلم (579).
وجاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ»[83].
[83] أخرجه مسلم (580).
وفي مسند أحمد عن وائل بن حُجْر -رضي الله عنه- قال:
«رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ كَبَّرَ، رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ حِينَ رَكَعَ، ثُمَّ حِينَ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَأَيْتُهُ مُمْسِكًا يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَلَسَ حَلَّقَ بِالوُسْطَى وَالإِبْهَامِ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى»[84].
[84] أخرجه أحمد (19076).
فهذه الأحاديث الصحيحة كلها ذكرت الإشارة دون التحريك.
* والتشهُّدَ الأول واجب من واجبات الصلاة، فإذا تركه نسيانًا يجبره بسجود السهو.
ويدل على وجوبه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يداوم عليه، وقال:
«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[85]،
وإنما تركه نسيانًا، وجبره بسجود السهو.
[85] تقدم تخريجه.
وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-:
«قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله»[86].
[86] أخرجه البخاري: (835)، ومسلم: (402).
وكذلك يدل على وجوبه عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- به، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
«كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، فَيَقُولُ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطِّيِّبَاتُ لله، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحَمْةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهَ»[87].
[87] أخرجه مسلم (403).
* ويُشْرَعُ أن يُقال في التشهد الأول: «التَّحِيَّاتُ لله، والصَّلَوَاتُ والطِّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحَمْةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ».
وهذا التشهد مَرْوِيٌّ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- في الصحيحين[88]. واختاره من الأئمة الإمام أحمد. وقال أبو عيسى الترمذي:
«حديث ابن مسعود قد روي عن غير وجه، وهو أصح حديث روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم من التابعين»[89].
[88] تقدم تخريجه.
[89] قاله بعد الحديث (289) في سننه.
* ورُوِيَ في التشهد أحاديثُ أخرى، فروي فيه:
1- حديثُ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، واختاره من الأئمة الإمام مالك ابن أنس[90]:
«التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات الطيبات لله»[91].
وباقيه كحديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
[90] ينظر: المدونة: (1/226)، والتاج والإكليل: (2/250).
[91] أخرجه مالك في الموطأ: (53).
2- وحديث ابن عباس -رضي الله عنه-، واختاره من الأئمة الإمامُ الشافعي[92]،
ولفظه: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله»[93].
ثم باقيه كحديث ابن مسعود.
[92] ينظر: الأم: (1/140)، وأسنى المطالب: (1/164).
[93] أخرجه مسلم: (403).
وبذلك صارت أنواع التشهدات المذكورة ثلاثة.
وهذه التشهدات كلها جائزة، وتصح الصلاة بأي تشهد منها، والأفضل أن المصلي يُنَوِّعُ بين هذه التشهدات؛ لِيَأْتِيَ بالسُّنة على أَوْجُهِها المختلفةِ.
ويكون الأغلب تشهد ابن مسعود لأسباب ذكرتها في الأصل.
* وفي التشهد الأول لا تُشْرَع الصلاةُ على النبي صلى الله عليه وسلم، بل ذلك خاص بالتشهد الأخير.
قال ابن القيم:
«التشهد الأول تخفيفه مشروع، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا جلس فيه كأنه على الرضف، ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه -أي الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول-، ولا علمه للأمة، ولا يعرف أن أحدًا من الصحابة استحبه»[94].
[94] جلاء الأفهام (ص: 360).
النهوض من التشهد الأول
* وإذا نهض من التشهد الأول فإنه يُشرع له رفع اليدين أثناء القيام:
لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-[95]،
وبوب عليه البخاري: «باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين».
[95] أخرجه البخاري برقم (739).
وكذلك جاء حديث أبي حُميد الساعدي -رضي الله عنه-: أنه كان في عَشْرة من أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم أبو قتادة،
فقال أبو حُميد: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-»، إلى أنْ قال: «ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّر، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحاذِيَ بِهِمَا مِنْكَبَيْهِ، كَمَا كَبَّر عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ»[96].
[96] أخرجه أحمد (23997)، وأبو داود (730)، والترمذي (304)، وابن ماجه (862).
باقي الصلاة
* ويصلي باقي صلاته -أي: الركعة الثالثة والرابعة- كما صلى الثانية والأولى تمامًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث المسيئ:
«ثُمَّ افْعَلْ هَذَا فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»[97].
[97] تقدم تخريجه.
التشهد الأخير
* والتشهد الأخير رُكْنٌ من أركان الصَّلاة؛ لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كنَّا نقول قبل أن يُفْرَض التشهدُ: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله»[98]،
ولأنه ثَبَتَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دَاوَمَ عليه ولم يُخِلَّ به، وقال:
«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[99].
[98] تقدم تخريجه.
[99] تقدم تخريجه.
* والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأخير سنة متأكدة، وقيل بوجوبه.
ويدل على مشروعيته وتأكده:
- حديث فَضالة بن عُبيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي لم يحمد الله ولم يُمجِّدْه ولم يصلِّ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عَجلَ هَذَا»،
ثم دعاهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقال:
«إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَلْيَدْعُ مَا شَاءَ»[100].
[100] أخرجه أحمد (24434)، وأبو داود (1481)، والترمذي (3477).
- وكذلك حديث كَعب بن عُجرة -رضي الله عنه-، قال: خرج علينا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلي عليك؟ قال:
«قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
متفق عليه[101]. وفي لفظ:
«كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»[102].
[101] تقدم تخريجه.
[102] أخرجه البخاري: (3370).
وحديث كعب بن عجرة -رضي الله عنه- -السابق- اشتمل على صيغة الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-.
* ويُسَنُّ للمصلي أن يستعيذ في آخر التشهد الثاني بالدعاء الوارد في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ مِنْ تَشَهُّدِهِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَفِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»[103].
[103] أخرجه البخاري: (1377)، ومسلم: (588).
* ويُسَنُّ للمصلي بعد أن يُنْهِيَ التشهدَ والاستعاذةَ من أربعٍ -كما تقدم- أن يَدْعُوَ بما أحب؛ لِمَا ثَبَتَ في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَّا ذَكَرَ له التشهد قال:
«ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو»[104]،
فالسُّنة أن يَتَخَيَّرَ من الدعاء ما يُرِيدُ، ويَحْرِصَ على الأدعية الواردة في السُّنة.
[104] أخرجه البخاري: (835)، ومسلم: (402).
التسليم
* ثم يُسلِّم، وهو ركن في الصلاة، فيقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله».
* والسُّنة في السلام: أن يُسَلِّمَ عن يمينه، وأن يُسَلِّمَ عن شماله، وأن يَلْتَفِتَ بحيثُ يُرَى بياضُ خَدِّه؛ لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:
«ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى رُؤِيَ بَيَاضُ خَدِّهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله»[105].
[105] أخرجه أبو داود: (996)، والنسائي: (1142)، وابن ماجه: (914)، وأحمد: (3699)، وإسناده صحيح.
* والسُّنة في السَّلام أيضًا: ألَّا يُمَدَّ، وألَّا يُطَوَّلَ، وأنْ تَسْكُنَ الهاءُ فيه، والدليل على ذلك ما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ»[106]،
وفَسَّرَ الإمام أحمدُ[107] والإمام ابنُ المبارك[108] حَذْفَ السلام بهذا.
[106] أخرجه أبو داود: (1004)، والترمذي: (297)، وأحمد: (10885)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
[107] ينظر: الشرح الكبير: (1/593)، وكشاف القناع: (1/362).
[108] ينظر: سنن الترمذي: (1/386)، تحت تخريج الحديث. وكشاف القناع: (1/362).
* والسُّنة في الجلوس للتشهد الأخير أن يَتَوَرَّكَ، والتَّوَرُّكُ: هو أن يَنْصِبَ رِجْلَه اليُمْنَى، ويُفْضِي بمَقْعدته إلى الأرض، ويُخرج اليُسْرَى من الجهة المقابلة، وهُو مشروع في التشهد الثاني، في الصلاة الثلاثية، أو الرباعية فقط؛ بعبارة أعم: في كل صلاة فيها تشَهُّدان، دون الصلاة التي فيها تشهد واحد.
الطُّمَأْنينة والخشوع
* والطُّمَأْنينة رُكن من أركان الصَّلاة، وهي: أن يَسْكُنَ بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب، وهذا أقل قَدْر يتحقق به الواجب.
* ويدل على رُكنية الطمأنينة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول للمسيئِ صلاتَه: «ثُم اركَعْ حتى تَطمَئِنَّ راكِعًا» وهكذا قال له في باقي الأركان، وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- أنه رأى رجلًا يصلي ولا يطمئنُّ في صلاته، فقال له-رضي الله عنه- :
«إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، وَلَوْ مُتَّ لَمِتَّ عَلَى غَيْر الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم-»[109]
[109] أخرجه البخاري: (791).
* والخشوع في الصلاة مُسْتَحَبٌّ ومسنون، وقد عرَّفه الإمام ابن القيم -رحمه الله- بقوله:
«الخُشوع: قِيام القَلبِ بين يَدَي الرَّبِّ بالخُضُوع والذُّلِّ وَالجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ»[110].
[110] المصدر السابق.
* وقد تواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وكبارِ أصحابه العناية الفائقة بالخشوع،
ولذلك قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ[111].
[111] أخرجه البخاري: (1147)، ومسلم: (738).
* والحركة الكثيرة في الصلاة تُبطلها إذا كانت مُتوالية.
وضابط الحركة الكثيرة عند بعض الفقهاء: أنه إذا رُؤِيَ الرجل ظُنَّ أنه ليس في صلاة.
السترة أمام المصلي
* اتخاذ السُّتْرة سُنة مُؤكَّدة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّخِذْ سُتْرَةً، وَلْيَدْنُ إِلَيْهَا»[112].
[112] أخرجه أبو داود: (698)، والحديث أصله في الصحيحين.
* والسُترة ينبغي أن تكون منصوبةً قائمةً، ولا تكون موضوعةً على الأرض.
* وأما مقدار السُّترة فإنها تكون كآخِرَةِ الرَّحْلِ؛ لما أخرجه مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ في غزوة تَبُوكَ عن السُّترة فقال -صلى الله عليه وسلم-:
«كَآخِرَةِ الرَّحْلِ»،
ولفظ مسلم:
«كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ»[113].
وهذا يَقْرُبُ من الذِّرَاع، فحَدُّ طُول السُّترة إذًا: ذراع أو نحوٌ من الذراع.
[113] أخرجه مسلم: (500).
وأما عَرْض السُّترة فقال الفقهاء: إنه لا حَدَّ لمقدار السُّترة، فيجوز أن يكون كالسَّهم، ويجوز أن يكون جدارًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ الحَرْبَةَ سُترةً[114]، وصلى إلى البعير[115]، وإلى الجدار[116].
[114] أخرجه البخاري: (494)، ومسلم: (501)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
[115] أخرجه البخاري: (430)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
[116] أخرجه البخاري: (496)، ومسلم: (508)، من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-. وأخرجه أبو داود: (708)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
* والمرور بين يَدَيِ المصلي مُحَرَّمٌ، والدليل على هذه قَوْلُه -صلى الله عليه وسلم-:
«لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»[117].
وفي لفظ
«لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ»[118].
[117] أخرجه البخاري: (510)، ومسلم: (507) من حديث أبي جهيم -رضي الله عنه-.
[118] الإلمام بأحاديث الأحكام (ص: 65).
* وإذا أراد أحدٌ المرور بين يدي المصلي، فله مَنْعُه بلا خلافٍ بين الفقهاء؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح عن أبي سعيد -رضي الله عنه-:
«إِذَا اتَّخَذَ أَحَدُكُمْ مَا يَسْتُرُهُ فِي صَلَاتِهِ فَإِذَا أَحَدٌ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ فَلْيَرُدَّهُ، فَإِنْ أَبَي فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ»[119]،
فهذا الحديث صريح في سُنِّية ردِّ المارِّ.
[119] أخرجه البخاري: (509)، ومسلم: (505).
وقد ذَكَرَ النوويُّ[120] والشوكانيُّ[121]، وغيرُهما استنباطًا من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- أن ردَّ المارِّ والمقاتلة إنما تجوزُ لمن اتَّخَذ سُتْرَةً واحتاط لصلاته، أما من لم يَتَّخِذْ سُترة، ولم يَحْتَطْ لصلاته؛ فإنه لا يجوز له أن يُقاتِلَ ولا أن يَرُدَّ ردًّا شديدًا.
[120] ينظر: المجموع: (3/249).
[121] ينظر: نيل الأوطار: (3/7).
واستنبطوا هذا الحكم من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في صدر الحديث: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى مَا يَسْتُرُهُ»، فـ(إذا) في الحديث شرطية، فكأنه أجاز المقاتلةَ إذا احتاطَ الإنسانُ لصلاته، واتخذَ سُترة تمنع مرورَ الناس بينه وبين مُصَلَّاهُ.
وكلامُ النووي والشوكاني وجيهٌ جدًّا، وهو متوافق مع لفظ الحديث، كما أنَّ مَن لم يُصَلِّ إلى سُترة يُنْسَبُ إلى التفريط، فلا يناسِبُ أن يُفَرِّطَ ثم يقاتِلُ الناسَ على المرورِ بينه وبين مكان سجودِه.
* وإذا لم يَتَّخِذِ المصلي سُترةً فيجوز المرور من أمامه، إذا كان المار بعيدًا من المصلي، ويَحْرُمُ إذا كان قريبًا من المصلي.
وحدُّ القَريب هو مَوضع السُّجود، والبَعيد ما عدا ذلك. أي لا يجوز المرور بين مَوقف المصلي ومَوضع سُجوده.
* والمرور بين يدي المصلي -وإن كان محرمًا- إلا أنه لا يقطع الصلاة، إلا إذا كان المار امرأة أو كلبًا أسود أو حمارًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يَسْتُرُه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَضَعْ مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ».
قال رجل لأبي ذر -رضي الله عنه- -وهو راوي الحديث-: ما بالُ الكلبِ الأسودِ من الكلبِ الأحمرِ من الكلبِ الأصفر؟ فقال أبو ذر: سألتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:
«الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[122].
[122] أخرجه مسلم: (510)، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
صلاة المرأة
* المرأة كالرجل في جميع ما سَبَقَ مِن: أذكار، وقراءة قرآن، وصفات للصلاة، وهيئات، فكل ما تَقَدَّمَ تَسْتَوِي فيه المرأةُ مع الرجل تمامًا، في السُّنن والواجبات والأركان؛ لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»[123].
[123] أخرجه أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣).
* ويستثنى من ذلك مسألة واحدة، وهي عدم التجافي:
فالسُّنة بالنسبة للمرأة أن تنضامَّ، أي تَضُم بعضَها إلى بعضٍ في كل ما يَتَجَافَى فيه الرجلُ، فكل مَوْضِعٍ نقولُ للرَّجُلِ: السُّنة أن يجافِيَ، فالسُّنة للمرأة ألَّا تُجَافِيَ، وإنما تَضُمُّ بَعْضَها إلى بعض.
قال ابن رجب: «فأما المرأة فلا تتجافى بل تتضام، وعلى هذا أهل العلم»[124].
[124] فتح الباري لابن رجب (7/ 246).
* * *
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
-تم بحمد الله-
Related books
All books
صفة الوضوء والصلاة (مرئي)
উমরার বিবরণ25 ভাষাউমরার বিবরণ
শাইখ আবদুল আযীয ইবনু বায রহিমাহুল্লাহ-এর «صفة العمرة» বা "উমরার বিবরণ" একটি ছোট পুস্তিকা, যাতে উমরার নিয়মাবলি স্পষ্ট ও সহজ ভাষায় ব্যাখ্যা করা হয়েছে। এটি এমন একটি বাস্তবভিত্তিক নির্দেশিকা, যা একজন মুসলিমকে বিনয় ও সহজতার সঙ্গে তার উমরাহ সংক্রান্ত ইবাদত পালনে সহায়তা করে। পুস্তিকাটিতে উমরার প্রতিটি ধাপে কুরআন ও হাদীসে বর্ণিত দু‘আ ও যিকরসমূহ সংযুক্ত করা হয়েছে।
হজের সংক্ষিপ্ত বর্ণনা45 ভাষাহজের সংক্ষিপ্ত বর্ণনা
সমস্ত প্রশংসা আল্লাহর জন্য, সালাত ও সালাম বর্ষিত হোক আমাদের নবী মুহাম্মাদ, তার পরিবারবর্গ ও সকল সাহাবীগণের ওপর। অতঃপর: এটি হজের পদ্ধতি সম্পর্কে একটি সংক্ষিপ্ত পুস্তিকা, আমরা হাজিদের জন্য প্রয়োজনীয় প্রধান বিষয়গুলো এখানে তুলে ধরার চেষ্টা করেছি। আল্লাহর কাছে আমরা প্রার্থনা করি, তিনি যেন এটিকে তাঁর সন্তুষ্টির জন্য খালিস করে দেন এবং এর মাধ্যমে সমগ্র মুসলমানদের উপকৃত করেন। ভূমিকা
অযুর পদ্ধতি (ব্যবহারিক ও সংক্ষিপ্ত ব্যাখ্যা)77 ভাষাঅযুর পদ্ধতি (ব্যবহারিক ও সংক্ষিপ্ত ব্যাখ্যা)
অযুর পদ্ধতি( ভিডিও ক্লিপ) বাস্তব প্রয়োগে ধাপে ধাপে অযুর পদ্ধতি বর্ণনা, এটি অত্যন্ত গুরুত্বপূর্ণ, কারণ অযু সালাত শুদ্ধ হওয়ার শর্ত। ভিডিও ক্লিপটি দেখুন এবং অযুর সঠিক পদ্ধতি জানুন। অযুর পদ্ধতি