اليقين بوجود الخالق
تناول الكتب البراهين والأدلة القطعية على وجود الله سبحانه وتعالى، والابتعاد عن الشكوك وما يُنقص اليقين، وذكر أهم الأيات والأحاديث الدالة على ذلك مصحوبا بأقوال أهل العلم من السلف.
اليَقِينُ بِوُجُودِ اللَّهِ
() أُلقيت يوم الجمعة، الحادي عشر من شهر ذي القَعدة، سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة وألف من الهجرة، في المسجد النَّبويِّ. إنَّ الحمدَ للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسوله، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فاتَّقوا اللَّه - عبادَ اللَّه - حقَّ التَّقوى، وراقبوه في السرِّ والنَّجوى.
أيُّها المسلمون:
العلم باللَّه منزلة عظيمة، وأعلى درجات الإيمان: تحقيق اليقين باللَّه ورسوله ودينه، وذلك بِرُسوخ العلم في جَذْر القلب حتى لا تُضْعِفَه شبهةٌ ولا تُؤثِّرَ فيه فتنة، ومنزلة اليقين من الإيمان كمنزلة الروحِ من الجسد، قال ابن مسعود رضي اللَّه عنه: «اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ».
وأوَّل اليقين: اليقين بالرَّبِّ، كما قالت الرسل لقومهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أنتم تعلمون وتقرُّون أنَّه ليس في وجود اللَّه ووحدانيَّته شَكٌّ قطُّ.
وأرفع النَّاس منزلةً أهلُ اليقين، ولَمَّا أراد اللَّه أن يزيد خليلَه إبراهيمَ عليه السلام إيماناً مع قوة إيمانه؛ أراه مَلَكُوت السموات والأرض، لِيَصِلَ إلى تلك المنزلة الرفيعة، قال جلَّ شأنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ﴾ قال ابن كثير رحمه اللَّه: «أَيْ: نُبَيِّنُ لَهُ وَجَهَ الدَّلَالِةِ فِي نَظَرِهِ إِلَى خَلْقِهِمَا عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُلْكِهِ وَخَلْقِهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ».
والعبادة مع اليقين - ولو قلَّت - تَرفع العبدَ درجات، قال بكر بن عبد اللَّه المزني رحمه اللَّه: «مَا سَبَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ - أَيْ: سَكَنَ وَثَبَتَ - فِي قَلْبِهِ».
وخَصَّ اللَّهُ أهلَ اليقين بالهُدى والفلاح مِن بَين العالَمين، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ وهم المُنْتَفِعُون بالنظر في الآيات والبراهين قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ﴾.
ومَن باشر اليقينُ قلبَه اكتملتْ فيه عباداتُ القلب التي يُحِبُّها اللَّه على أكمل وجه - من الخوف والرجاء والتَّوكُّل وغيرها -، قال ابن القيم رحمه اللَّه: «الإِيْمَانُ قَلْبُ الإِسْلَامِ وَلُبُّهُ، وَاليَقِينُ قَلْبُ الإِيْمَانِ وَلُبُّهُ».
واللَّهُ فَطَر العباد على معرفته والإقرارِ به، وربوبيَّتُه تستلزم أُلُوهيَّتَه، وكلُّ مخلوقٍ يَجِد في نفسه ضرورةً إلى توحيده والإقرار بوجوده والتَّأَلُّهِ له، قال سبحانه: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾.
وحَثَّ اللَّه على النَّظَر في الآيات الدَّالة عليه: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، وطُرُق معرفة اللَّه والاستدلالِ على وجوده واستحقاقِه العبادةَ لا حَصْر لها، فله في كلِّ شيء آية، وكلُّ ما في الكون يدلُّ عليه، قال تعالى: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.
ومن أعظم الأدلَّة على وجوده: مخلوقاتُه، فلا شيء في الكون إلَّا واللَّهُ خالِقه؛ إذْ استقرَّ في العقول والفِطَر كلِّها أن المخلوق لا يَخلُق نفسَه ولا يُوجَد من غير مُوجِد، وأنَّ المُسَبَّب مُرتبِط بسببه، ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ * أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ والبعوضةُ مع صِغَرها والسمواتُ على كِبَرها دلَّت على عظمته، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَا﴾.
ومخلوقاتُه الكثيرة آياتٌ باهِرة تستلزم الدَّلالة على وجوده، وتدلُّ على كمال صفاته وأفعاله.
أنشأ الخَلْق من عَدَم، وخَلَق الأعيان وصفاتِها، ونقَّلها في أطوارها وصرَّفها في أحوالها ﴿وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ وجَعَل تَغيُّرَ صفاتِها مشاهَدةً بالأبصار ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾.
خَلَق أرضاً مبسوطة مهيَّأة للسَّيْر والضرب فيها، مثبَّتةً بالجبال الرواسي لِئَلَّا تَمِيد بمَن عليها، وبَثَّ فيها من كل دابَّة، وأنزل من السماء ماء فأَنْبَتَ فيها من كلِّ زوج كريم - من حَبٍّ وأعنابٍ، وزيتونٍ ورُمَّانٍ، وحدائقَ وفواكه -، تُسقَى بماء واحد، وولونها وطَعْمها مختلف.
والأنعام أنواع عجيبة وأصناف غريبة، تُشبِعُ آكلَها وتَحملُ راكبَها وتُغني مالِكَها ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ﴾ وتُبهِجُ الناظر إليها ﴿وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ﴾ وتَحمل الأثقال، وتَنقُل بين البلدان، جلودُها لِباس وأصوافها دِفْء وأشعارها زينة، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.
والبحار فيها العُجَاب؛ مليئة بالأرزاق والكنوز واللَّآلِي والجواهر، وتجري على ظهورها فُلْك مشحونة بأنواع الحاجات؛ تَلطِمها الأمواج من كل جانب وهي كالجبال الشامخات، الناظر إليها يُوَحِّد اللَّه ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وسماءٌ مرفوعةٌ مزيَّنةٌ بالكواكب والنجوم، جعلها اللَّهُ علاماتٍ على الاتجاهات والأوقات، تهدي الحائرين في ظلمات البَرِّ والبحر؛ وشمس عظيمة ينتفع الخلق بحرِّها، وقمر مُنِير يُضيء الليل ويَسُرُّ الناظر، ويُرشِد الحائر.
وفي نفس الإنسان أعظم الدليل على خالِقه، خَلَقه بعد العَدَم من ماء مَهِين لا قيمة له، فصيَّره لحماً وعِظاماً، وأنشأه خَلْقاً آخر، يَسمع ويُبْصِر، ويَنْطِق ويَسكت، ويأخذ ويُعْطِي، ويَذهب ويَجيء، علَّمه بعد الجهل، وأغناه بعد الفقر، وجمَّله بالعقل، وهداه إلى مصالحه، وأحسن خَلْقه، ورفع شأنه، وسخَّر له كلَّ شيء مِن حوله، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
ومع خَلْقِه الخَلْقَ أَتقنَ صُنْعه وأَحْكَمه وجمَّله، وراعى مصالحَ العباد فيما خَلَق، وعِنايتُه بخَلْقه ظاهرة في تَناسُب أجزائها وتَكامُل أنواعها، ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
ومِن شَواهد وجودِه: انتظامُ الكون الذي أَبْدَعه، وجريانُه على سُنَن لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لا عَبَثَ ولا فَوْضَى، ولا اختلالَ ولا فساد، ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾.
فلا نظامَ في الكون أدقُّ ممَّا وَضَع لخلقه وشاء لعباده؛ خَلَق المتضادَّات ليَكمُل النفع، وجمع المُتَقَابِلات لتظهر الحكمة، ليلٌ ونهار، وحَرٌّ وبَرْد، وظلمةٌ وضِياء، ومع ذلك فكلُّ شيء بقَدَر، ويَجْرِي على وَزْن دقيق، فلا تفاوتَ ولا تعارض ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾.
واللَّه قسَّم الأرزاق، وأعطى الحواس والقُوَى، ووَهَب العقول والعلوم، وهَدَى كلَّ شيء إلى ما به قِوامُ أمرِه واستقامةُ عَيشه، ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ والطيور كل يوم تغدو خِماصاً جائعة وتروح بِطاناً قد شَبِعت، والحوت في قَاع البحر لا يَضِلُّ عن رزقه، والنحل تأكل من كلِّ الثمرات وتتَّخذ من رؤوس الجبال البيوت، والنمل في جُحورها تختزن أنفعَ القُوت، ورزقه واصل إلى الأجنَّة في بطون الأمَّهات، وإلى الوحش في أطراف الفَلَوات.
وأفعاله سبحانه لا يَقْدِر عليها غيرُه، ولا يُشَارِكه فيها سِواه؛ يُحْيِي ويُميت، ويُخرِج الحيَّ من الميت ويُخرِج الميتَ من الحيِّ، وهو فالِق الإصباح وجاعِل الليلِ سَكَناً، تحدَّى مَن كفر به أن يُنازِعوه في خَلْقه أو يُعارِضوه في فِعْله؛ ليُظهِر عجزَهم ويُبيِّن ضَعْفَهم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ وتحدَّاهم أن يأتوا بمثل كلامِه أو بشيء من مثله؛ فلم يُمْكِنهم ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾.
وكلُّ ما في الكون - من متحرِّكٍ وساكنٍ، وظاهرٍ وخفيٍّ، وكبيرٍ وصغيرٍ - فهو دليل على وجود خالِقه، وعلى كَمال عِلمه وقُدرته ودِقَّةِ صُنعه وخِبرته وعمومِ حِكمته وسَعَةِ رحمته.
وآثارُ صفات جَلاله وجَماله تُنادي بوجوده وكماله في كلِّ ذرَّة من ذرَّات خَلِيقته، وتتجلَّى ربوبيَّتُه لمخلوقاته في افتقارها إليه، وكلُّ موجود سِواه فهو مُوجِدُه، وكلُّ حادث في الكون فهو مُحدِثُه.
وممَّا يُورِث اليقين باللَّه: التأمُّلُ في شريعته التي أحكَمَها غاية الإحكام، المشتملةِ على أصدق الأخبار وأعدل الأحكام.
وسِيَرُ الأنبياء تزيد في اليقين بوجود اللَّه، فهم متَّفِقون على الأمر بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، وكلُّ ما جاؤوا به موافق للعقول السليمة والفِطَر المستقيمة، والمصالح التي أَتَوا بتحصيلها يَعْجز عن إدراكها البشر، وليس في الدنيا خيرٌ ولا بِرٌّ إلَّا وهو من آثار ما أَتَوا به من عند ربِّهم.
وكلُّ نبيٍّ أيَّدَه اللَّهُ بآية باهرة تَخْضَع لها الأعناق، فهي براهينُ تَهدي إلى خالِقهم ودلائل تستلزم صدقَهم، وطلبُ اليقين وتثبيته شأن الأنبياء، ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ﴾ قال البَغَوِيُّ رحمه اللَّه: «أَيْ: لِيَسْكُنَ قَلْبِي إِلَى المُعَايَنَةِ وَالمُشَاهَدَةِ، أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ لَهُ عِلْمُ اليَقِينِ وَعَيْنُ اليَقِينِ، لِأَنَّ الخَبَرَ لَيْسَ كَالمُعَايَنَةِ».
وموسى عليه السلام ناظَر فرعونَ لَمَّا جَحَد ربوبية اللَّه وادَّعاها لنفسه، فقَطَع حُجَّتَه، ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾.
وأكرمُ الرسلِ وأعمُّهم رسالةً وأقواهم بُرهاناً: نبيُّنا محمدٌ ﷺ، مَن طالَع سيرته وعرَف شمائِلَه وصفاتِه أيقن أنه نبيٌّ مُؤَيَّد من خالقه، والقرآن الذي جاء به متضَمِّن لأعظم البراهين، وآياتُه أعظم مادة من مواد اليقين ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾، قال ابن القيم رحمه اللَّه: «لَوْ أَرَدْنَا نَسْتَوْعِبُ مَا فِي آيَاتِ اللَّهِ المَشْهُورَةِ مِنَ العَجَائِبِ وَالدَّلَالَاتِ الشَّاهِدَةِ لِلَّهِ بِأَنَّ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَأَنَّهُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ وَلَا أَكْمَلَ مِنْهُ وَلَا أَبَرَّ وَلَا أَلْطَفَ لَعَجَزْنَا نَحْنُ وَالأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ أَدْنَى عُشْرِ مِعْشَارِ ذَلِكَ».
والعبد عُرْضة للفِتَن، والشيطان يسعى لقدح زِناد الشَّكِّ في القلوب وزَعْزَعَة اليقين فيها، قال الذهبي رحمه اللَّه: «وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى هَذَا التَّحْذِيرِ؛ يَرَوْنَ أَنَّ القُلُوبَ ضَعِيفَةٌ وَالشُّبَهَ خَطَّافَةٌ».
واللَّهُ جعل الفرحَ والسرور في اليقين والرضا، وجعل الهَّمَّ والحُزن في الشَّكِّ والسخط.
ومَن شَكَّ في وجود ربِّه الذي خلقه أو كابَر ما في فِطرته من اليقين بربوبيَّته؛ كان صَدْره ضَيِّقاً حَرَجاً كأنَّما يَصَّعَدُ في السماء، ومَن أنكر ربوبيَّة اللَّهِ له فإنما يَجْحَد ما استيقنَتْهُ نفسُه، قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾.
والعبدُ مسؤولٌ عن دينه، وعليه أن يصونَه بالإعراضِ عن الخائضين فيه، قال جلَّ شأنه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
ومن وسائل الثبات على اليقين باللَّه: لزومُ طاعتِه وكثرةُ عبادته، ومجالسةُ الصالحين، وتَرْكُ المعاصي، والاستغفارُ من الذنوب، وتَعَلُّمُ العلمِ النافع، والتأمُّل في أسماء اللَّه وصفاتِه وملاحظةُ آثارِها في النفس والكون، وجِماعُ ذلك: الإكثارُ من تلاوة القرآن العظيم والعملُ بما فيه، ودوامُ الافتقارِ إلى اللَّه تعالى.
ومَن لَقِيَ اللَّهَ موقِناً بوحدانيَّته دخل الجنة، قال النبيُّ ﷺ لأبي هريرة رضي اللَّه عنه: «مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ؛ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» (رواه مسلم).
وبعدُ، أيُّها المسلمون:
فالرَّبُّ هو الحقُّ الذي لا مِرْيَة فيه؛ اسمه الحقُّ، والحقُّ صِفتُه، ووجودُه أعظم الحقائق ثبوتاً؛ قال جلَّ شأنه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾.
واليقين بأصل الإيمان شرط من شروط لا إله إلا اللَّه، ولا إيمان مع الشَّكِّ أو التَّرَدُّد.
والنَّاس في اليقين متفاوتون؛ والحاجة إلى زيادةِ اليقين وتثبيتِه مُلِحَّةٌ في كلِّ حين، وتزداد الحاجة إلى زيادة اليقين عند توارد الشُّبهات.
والمؤمنُ حَسِيب نفسِه، يتفقَّدها عند ورود الشُّكوك والرِّيَب، فإذا أحسَّ بِضَعف اليقين فَزِع إلى ما يُقَوِّيه وأَسْرعَ إلى ما يُثَبِّته.
والعِلم واليقين يَجِدُه الإنسانُ من نفسه كما يَجِد سائر إدراكاته وحركاته، ومَن رُزِق اليقينُ لم يَرْجِع عن دينه سَخْطَةً له، وتَرَقَّى في مدارج العبودية حتى يبلغَ الدرجات العُلَى.
أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم
﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ * فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ﴾.
بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم …
الخطبة الثانية
الحمد للَّهِ على إحسانه، والشُّكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسوله، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّمَ تسليماً مزيداً.
أيُّها المسلمون:
أصل الإيمان لا يَثبُتُ ولا يُثمِر إلَّا إذا تعاهده صاحبُه بالإصلاح، والعبدُ لا يَبلُغُ حقيقةَ الإيمان حتى يَنْتَفِيَ عنه الرَّيب، ويجزمَ بصِدْق الرِّسالات، ويُوقِنَ بكمال الرَّبِّ، ويَعْبُدَه وَحْدَه دون سواه، ويُوقِنَ بالبَعث بعد الموت، وعلى هذه الأصولِ مدار الرِّسالات كلِّها.
ثمَّ اعلموا أنَّ اللَّه أمركم بالصلاة والسلام على نبيِّه …
Related books
All books
¿Quién me creó?, ¿y con qué propósito?75 idiomas¿Quién me creó?, ¿y con qué propósito?
La existencia de un Creador se evidencia en todo lo que nos rodea. ¿Quién creó los cielos y la tierra y todas las criaturas magníficas que en ellos habitan, cuya complejidad desafía nuestra comprensión? ¿Quién concibió este sistema tan meticuloso y perfectamente orquestado tanto en el cielo como en la tierra? ¿Quién dio origen al ser humano, dotándolo de oído, vista, intelecto, y la capacidad de acumular conocimiento y discernir las verdades? ¿Cómo se puede explicar la ingeniería precisa de los órganos de tu cuerpo y de los seres vivos?, ¿y quién es el artífice de tal maravilla? ¿Cómo logra…
Breve resumen de la religión del Islam de acuerdo al Noble Corán y la tradición profética.71 idiomasBreve resumen de la religión del Islam de acuerdo al Noble Corán y la tradición profética.
El Islam. Un tratado importante que incluye una definición breve del Islam mostrando sus fundamentos más importantes, sus enseñanzas y sus virtudes, sacados de sus dos fuentes legales que son el Noble Corán y la Sunnah (tradición profética), este tratado es dirigido a todo el mundo sean musulmanes o no musulmanes con sus propias lenguas en todo tiempo y lugar en distintas circunstancias y estados. (Esta copia incluye pruebas del Noble Corán y de la tradición profética (la sunnah)) 1. El islam es un mensaje de Dios para toda la humanidad; es un mensaje divino perpetuo. El Islam es el Mensaje…
La doctrina de ahlu as-sunnah wal yama'ah (la gente de la Sunna y el conceso)8 idiomasLa doctrina de ahlu as-sunnah wal yama'ah (la gente de la Sunna y el conceso)
Escrito por el Sheij Muhámmad ibn Salih al-Uzaimin Que Al-láh le perdone, a sus padres y a todos los musulmanes. * En el nombre de Al-láh, el Clemente, el Misericordioso.
El islam es la religión de los mensajeros de Dios85 idiomasEl islam es la religión de los mensajeros de Dios
El islam se fundamenta en la entrega y devoción total hacia Dios, el Creador y Administrador del universo, bajo un manto de amor y profundo respeto. Su esencia radica en la fe inequívoca en Dios, reconociéndolo como el único creador, merecedor exclusivo de adoración, sin compañeros en su divinidad. Él es el único digno de veneración, dotado de los atributos más nobles y una perfección inigualable, sin principio ni fin, sin paralelo ni semejanza en su creación, inmune a la encarnación o representación física en el mundo que ha forjado. El islam representa la fe prescrita por Dios el Altísimo,…