سِرُّ القُرآن
سورة المناجاة
بين يدَي التفسير
الحمدُ لله ربِّ العالمين، الرحمنِ الرحيم، مالكِ يوم الدين،
والصَّلاة والسلام على نبيِّنا الأمين وعلى آله وصَحْبه أجمعين.. وبعدُ
فإنَّ سورة الفاتحة هي أعظمُ سورة خاطَبَ الله بها الخلق؛
وذلك أن القرآن هو أفضل الكتب السماوية، وسورة الفاتحة هي أفضل سورة فيه،
فكانت هذه السورة أعظَمَ وأفضَلَ سورة أنزلها الله تعالى؛
ولذلك شُرِعَت قراءتها في كلِّ صلاة، بل في كلِّ ركعة منها.
ويكفي في بيان فضلها ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى -رضي الله عنه- أن رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ له:
((لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ))
ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ "لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ"؟ قَالَ
((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ))([1] ).
(1) . [1] رواه البخاري كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، ح(4204)، وفي باب {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} ح(4426)، وفي كتاب فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب، ح(4720).
قال الحافظ ابن حجر:
"وَفِي هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى
[وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي]
هِيَ: الْفَاتِحَة( [2]).
(2) . [2] فتح الباري(8/9).
وروى مسلم وغيره من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
((بينما جبريل قاعد عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ سَمِع نقيضًا من فوق رأسه، فقال
((هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتح قطُّ إلا اليوم))،
فنزل منه ملك، فقال
((هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطُّ إلا اليوم))،
فسلَّم وقال
((أبشِر بنورين أوتيتَهما لم يؤتَهما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة؛ لن تقرأ بحرف منها إلا أُعْطِيتَه)) ([3] ).
(3) . [3] رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة، ح(806).
والأحاديث في فضل الفاتحة كثيرة جليلة.
ومما يدل على شَرَفها وعظم مكانتها ما ورد من أسماء متعددة وصفات جليلة لهذه السورة العظيمة؛
فإن كثرة الأسماء دالّةٌ على شرف المسمَّى،
فهي: (أم القرآن، وفاتحة الكتاب، والسبع المثاني، وسورة الحمد، والشافية، والكافية، وسورة الصلاة، وسورة الدعاء).
وتُسمَّى سورة الفاتحة: "سورة المناجاة"؛ إذ يقرؤها المسلم في كل ركعة من صلاته، يناجي ربَّه وينقطع عن الدنيا لمخاطبته ودعائه والتَّضَرُّع إليه،
وفي صحيح البخاري
((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه...)) ([4] )،
(4) . [4] رواه البخاري كتاب الصلاة، باب استقبال القبلة، ح(397).
ولعل هذا التفسير المختصر ينحصر في تحقيق هذا المقصد؛ ليستشعر المسلم وهو في صلاته أنه واقف بين يدَي ربه يناجيه بقراءة هذه السورة العظيمة.
وقد ورَدَ إطلاق اسم الصلاة على الفاتحة كما في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَل))( [5])،
(5) . [5] رواه مسلم كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، ح(395).
وهذا يُشعِر أن قراءة الفاتحة أهم ما يجب أن يعتني به المصلّي،
وإذا كانت الصلاة من شأنها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر -كما أخبر بذلك رب العالمين- في قوله
[وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ] ([6] )،
(6) . [6] سورة العنكبوت جزء من الآية [45].
وكثير من الناس لايجدون ذلك الأثر في حياتهم؛
فإن ذلك يعني عدم أدائهم لها على الوجه الذي يحقِّق مقصودها،
وأن قراءتهم الفاتحة تحتاج إلى وقفة مُتدبِّرٍ خاشعٍ.
وقد جاءت هذه السورة العظيمة مُبيِّنة لحق الخالق والمخلوق، تدعو العبد إلى تحقيق كمال العبودية لله تعالى؛
فيقف بين يدَيْ ربه في الصلاة بالحمد والثناء والتمجيد،
ثم يتوجَّه إليه بإخلاص العبودية له وحدَه، وسؤاله المعونة،
فإنه لا قدرة للعبد على القيام بشيء وإتمامه إلا بمعونة من الله وتوفيق،
ولما كانت العبادة لا تكون إلا بما شَرَعه الله ورضيه، لزم أن يتوجَّه العبد إلى ربه بسؤال الهداية إلى الصراط المستقيم؛
فهو سبيل النجاة والفلاح الدائم، وسؤاله أن يُجنِّبه طريقَ المغضوب عليهم والضالين، الذين خرجوا عن الصراط المستقيم باتّباع الجهل أو الهوى؛
فكان جزاؤهم غَضَبَ الله وعقابَه، فحق الله على عبده: إخلاص العبادة له وحده، وحق العبد على ربه إن هو فعل ذلك: أن يعينه ويهديه ويجنبه طريق الضلال.
مقاصد السورة
إنَّ المتأمل في أحوال الناس يرى أن سبب تعاستهم يكمُن في البعد عن الوسطية، إما بالإفراط والتشدُّد، وإما بالتفريط والتفلُّت؛
ولذا جاءت الفاتحة لترسم المنهج الوسط الذي تَسعد به البشرية ويُفلح به العبد في دنياه وآخرته.
وأُمِر المسلم أن يسأل ربه الهداية إلى الصراط المستقيم ويقرأ في كل ركعة [ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ]،
ثم وصفَ ذلك الصراط المستقيم وجَلَّاه بقوله:
[صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ]؛
فالمسلم لا يتبع منهج المغضوب عليهم، ولا منهج الضالين؛ فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء،
وإنما يسلك صراط المؤمنين الوسطي المستقيم.
ولما كانت سورة الفاتحة هي أم الكتاب، فقد اشتملت على أعظم مقاصده ومعانيه الجليلة،
فمقصود سورة الفاتحة وقُطب رحاها الذي تدور عليه هو:
تحقيق التوجُّه إلى الله تعالى بكمال العبودية له وحدَه وإثبات استحقاقه لها؛ لتفرُّده بالربوبية؛ والإقرار له بالإلاهية وسؤاله الهداية إلى طريق المنعَم عليهم، القائمين له بالعبودية التامة، والبراءة من طريق المغضوب عليهم والضالين.
وفي افتتاح الكتاب العزيز بسورة الفاتحة برهانُ فَضْلها ورِفْعةِ قَدْرها،
وفيه إشعار بيُسر هذا الدين وسهولته وقُربه من أفهام عامة الخلق؛
فاليسر والسهولة هما الطابَع العام لهذه السورة، على الرغم من وجازتها وقلِّة ألفاظها،
وهو يدل على أن ما بعدها من السُّوَر سيكون يسيرًا قريباً إلى فَهْم المكلَّفين؛
فعنوان هذا الكتاب العزيز ظاهرٌ في فاتِحته.
وهذا يدل على أنه ينبغي البدء بالأهم قبل المهم، وبالأصول قبل الفروع، وبجوامع العقائد والشرائع الظاهرة قبل تفصيلاتها،
وقد جاء التشريع في الصلاة موافقًا لهذا الترتيب، ففرَضَ افتتاح الصلاة بقراءة الفاتحة بعد تكبيرة الإحرام وقبل ما سواها من القرآن.
النصف الأول
(( حَقُّ الله تعالى ))
يفتتح المسلم قراءته في الصلاة بقراءة قوله تعالى:
[ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ]
والحمد: وَصْف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، و"الحمد" للاستغراق، أي: كل المحامد الكاملة وجميعها مستحَقَّة لله -سبحانه وتعالى-.
واللام في "للاستحقاق والاختصاص"؛ فالله تعالى مستحقٌّ للحمد الكامل من جميع الوجوه، ومختصٌّ به، فلا يُحمَد حمداً مطلقاً إلا الله تعالى؛
لأن المتفرِّد بصفات الجلال والكمال الدائمة الباقية،
فهو سبحانه يُحمد على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ويُحمد على خَلْقه ونعمته، وعلى وَحْيه وهدايته، وعلى قضائه وقَدَره؛
ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أصابه ما يسرُّه قال:
((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات))،
وإذا أصابه خلاف ذلك قال:
((الحمد لله على كل حال)) ([7] ).
(7) . [7] رواه ابن ماجه كتاب الأدب، باب فضل الحامدين، ح(3803)، قال الشيخ الألباني: حسن.
وقوله تعالى
[ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] مُتضمِّنٌ توحيدَ الله تعالى بجميع أنواع التوحيد؛
فالله تعالى مُختصٌّ بالحمد الكامل لتفرُّده بالربوبية، وربوبية الله للعالمين أعظم دليل على إلاهيته، وأنه وحدَه سبحانه الذي يستحق أن تصرف له العبادة. وفيها ردٌّ على الذين يؤمنون بالرب لكن يشركون معه في العبادة؛
فما دام ربهم جميعًا فلا يستحقُّ العبادة غيره. وفيها اثبات اسم الله الذي هو أعظم الأسماء،
ووصفه بأنه رب العالمين أي المالك لهم المتصرف فيهم ومربّيهم المُصلِح لشؤونهم.
وعلينا أن نُوقِن أن تربية الله لعباده لا تَعدِلها تربية أحدٍ من الخلق كائنًا من كان؛ فالله تعالى يُربِّي عباده بِنِعَمِه التي لا تحصى،
كما أنه سبحانه يُربِّيهم بما يُجري عليهم من الأقدار،
فإذا قبِلَ العبد تربية الله له ورضِيَ بها،
وعَلِمَ أن الله يسوق المصالح في الأقدار - خيرها وشرها - من حيث لا يحتسبه العبد ولا يشعر به؛
رضِيَ عن الله وأقداره، ورضي الله عنه، وأراه آثارَ رحمته به ولُطفَه.
ثم أتبَعَ ذلك سبحانه بـقوله:
[ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ]؛
لما فيهما من الترغيب والاطمئنان، وصرَّح بهما؛
لبيان أن مِن أهم مظاهر ربوبيته سبحانه وتعالى: رَحْمته بالخلق، وأن رَحْمته سبقت غَضَبه.
وأعظمُ ما يستدرُّ به العبدُ رحمةَ ربه: أن ينكسر بين يدَيْه، ويُظهر عبوديته له وذُلَّه وعَجْزَه وفقرَه لرحمته، مع كونه مُحسِن الظن بالله جلَّ جلاله،
ولذا خصّ تبارك وتعالى هذين الاسمين بالذكر دون ما سواهما في هذا المقام العظيم إطماعاً للخلق في رحمته الواسعة،
فالله سبحانه وتعالى (رحمن) الدنيا والآخرة، وهو (رحيم) بعباده المؤمنين.
وفي حديث أبي هريرة السابق:
((وإذا قال: {الرحمن الرحيم}، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي))
والثناء معناه: تَكرار الحمد وذِكْر صفات الله الحسنى.
((وإذا قال {مالك يوم الدين} قال الله تعالى: مجَّدني عبدي))،
والتمجيد هو: التعظيم.
ويوم الدين هو: يوم القيامة، وسُمِّي بذلك لأنه اليوم الذي يُدان الناس فيه ويُجازَون على أعمالهم خيرها وشرّها.
وفي الآية إثبات لليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والحساب والجزاء،
وفيها أيضًا بيان أن الله تعالى ربّ للعالمين في الدنيا والآخرة، وليس ربهم في الدنيا فقط،
وأن مِن مُقتضَى حَمْده ورَحْمته وعَدْله أن يُجازي العاملين على أعمالهم، ويُوَفِّي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.
والإيمان بيوم الدين يبعث في النفس الطمأنينة؛ فعملُ المؤمن الصالح لن يذهب سُدًى، وجهده لن يضيع هباءً.
وخصّ تعالى ملكه ليوم الدين بالذكر مع أنه سبحانه مالك للدنيا والآخرة؛ لأنه اليوم الذي لايكون فيه ملك لأحد من المخلوقين،
قال تعالى:
[يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ]([8] ) ،
(8) . [8] سورة غافر، الآية [16]
فإذا ذكر العبد ذلك اليوم العظيم لم يغترَّ بما في يده أو يد غيره من ملك زائل.
بَينَ اللهِ و بَينَ عَبدِه
(( سـِرُّ القرآن ))
[إياك نعبد وإياك نستعين]
هذه الآية العظيمة هي الآية الوسطى في الفاتحة - كما تقدم -،
وهي التي بين العبد وربه فإذا قرأها العبد في صلاته
((قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل))،
وقد سمَّاها بعض العلماء "سرّ القرآن"، فإليها يرجع فعل الإنسان من حق الخالق وهو التعبد، والمخلوق وهو الاستعانة؛
فالدين كله مرجعه إلى هذه الآية، ومدار التوحيد والعبودية قائم عليها؛ فإن حياة الإنسان نصفان: نصف عبادة،
وهي الغاية والمقصود من خَلْق الناس، ونصف توكُّل واستعانة؛
فحياة المخلوق ليست إلا عبادةً واستعانةً؛ فإن أراد السعادة في الدارين وقدّم حقَّ الله بالعبادة أعطاه الله حقَّك بالمعونة، ويُيسِّره لليسرى، وهداه إلى سواء السبيل،
فكُن على يقين بأنه كلما كنت لله مخلِصاً متعبِّداً كلما زادك الله عوناً وتوفيقاً وهداية.
وكُرِّر الضمير في قوله تعالى:
[إياك نعبد وإياك نستعين]
للدلالة على قوة الاقتضاء والتخصيص والاهتمام، وهذا يفيد وجوب إخلاص العبادة لله تعالى، والاستعانة به وحدَه.
ومعنى الاستعانة: طلبُ العَوْن من الله تعالى، ولكي تكون صادقا في الاستعانة بالله لابد أن تَجمع في قلبك أصلَيْن عظيمين: الثقة بالله، والاعتماد عليه؛
فمن علَّق قلبه بالله تعالى، واثقًا بقدرته ورَحْمته وتوكَّل عليه؛ أعانه وقضى حاجته.
أخي القارئ .. تيقّن أنه لا سبيل لك إلى تحصيل مَقصِدك ومُرادك إلا بالاستعانة بالله؛ فاجْعَل قلبك متعلقًا به،
مطمئنًا لقضائه في صغير الأمر وكبيره، وإياك أن يلتفت قلبك إلى غيره،
ولتكُنْ حالُك وأنت تأخذ بالأسباب المشروعة وكأنها لا شيء لذاتها([9] )،
(9) . [9] كمَن يربط حزام الأمان وهو في طائرة يقودها طيار ماهر، ولله المثل الأعلى: فالمسلِم مأمور بالعمل بالأسباب مع يَقينه بأنه لاشيء من تلك الأسباب المشروعة يجلب له نفعا أو يدفع عنه ضرا إلا بتقدير الله وإرادته.
فهذا رُكن الإيمان الصعب: أن تأخذ بالأسباب وأنت قاطعٌ الطمعَ فيها، متعلقٌ بمسبِّبها سبحانه.
وأسلوب الآية الذي جاءت به
]إياك نعبد وإياك نستعين[ يدل على الحصر، والمعنى: نخصُّك وحدَك بالطاعة والعبادة، ولا نصرف شيئًا منها لأحدٍ غيرك،
وهذا يفيد وجوب إخلاص العبادة لله، وأنها لا تصح إلا بهذا الشرط،
فَمَن فَهِمَ [إياك نعبد وإياك نستعين] لا يمكن أن يَصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
فعلى المسلم أن يستشعر في قراءته لقوله تعالى: ]إياك نعبد[ معالجة الرياء؛ لأن فيه تذكيرًا بمقام الإخلاص،
وفي قوله تعالى: [إياك نستعين] معالجة الكِبر؛
لأن فيه تذكيرًا بحاجة العبد لربه وافتقاره إليه.
وفي قوله سبحانه:
[إياك نعبد وإياك نستعين]
بصيغة الجمع؛ تذكيرٌ من الله تعالى بأن هذا الدين الإسلامي الحنيف رابطة وطيدة بين المسلمين؛
على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، وتباعُد أقطارهم وبلادهم،
وأن المسلم قويٌّ بوجوده بين إخوانه ومعهم في صفٍّ واحد.
أخي المسلم أختي المسلمة، إن العبادة تُزكِّي النَّفْس البشرية وتُطهِّرها مما قد يصيبها من دَرَن الدنيا،
وما لم يَحصُل ذلك فإن الهدف من العبادة لن يتحقَّق، فإذا زَكتِ النفس وسمَتْ وتطهَّرَت فاضَت بالخير والبذل والتضحية على مَن حَوْلها، وهذا هو الأثر الاجتماعي للعبادة،
وإذا لم يَحصُل ذلك فعلى المسلم أن يراجع نفسه ويبحث عن الخلل في عبادته.
وإن من أخطر ما ابتُلِيَت به الأمة المسلمة الفصل بين العقيدة والعبادة،
وكذلك الفصل بين العبادة وآثارها على الفرد والمجتمع؛ حيث تحوَّلَت العبادة عند كثيرين إلى مُجرَّد عادة، دون تحقيق مضامينها التربوية والاجتماعية.
النصف الثاني
(( حَقُّ الــعَـــبـــد ))
في هذا المقام يتوجه العبد بالدعاء إلى ربه الرحمن الرحيم فيقرأ قوله تعالى:
[اهدنا الصراط المستقيم]،
مستشعرا أن أعظمُ ما يطلبه العبد من ربه هو أن يهديه إلى الصراط المستقيم ويوفقه للسير على ذلك الصراط؛
فهذا هو الفلاح الدائم في الدنيا والآخرة، فالهداية أجلُّ ما يُطلب، ونَيْلها أشرفُ ما يُوهَب.
وفي قوله تعالى: [اهدنا] في فاتحة الكتاب دليلٌ على أن كتاب الله تعالى كتابُ هدايةٍ كما جاء في قوله عز وجل،
[إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ]،
فمَن طلب الهدى به هداه الله تعالى، ومن بحث عنها فعليه أن يتمسَّك بالقرآن.
والهداية هدايتان: هداية التوفيق والإلهام، وهداية الدلالة والإرشاد؛
ومن قرأ الفاتحة بصدقٍ فهو طالبٌ من الله -عز وجل- أن يهديه إلى الصراطَ المستقيم، ويُبيِّنَه له، ويُلهمه إياه، ويُعِينَه على لزومه والثبات عليه.
وفي قوله سبحانه: [اهدنا] بصيغة الجمع إشارة إلى حِرْص المؤمن على الدعوة، وإشعارٌ باهتمام المسلم بنفسه وإخوانه وأهله وقرابته والمسلمين فيشملهم بدعائه.
وثمرة الاهتداء للصراط المستقيم: أن يفعل العبد في كل وقت ما أُمر به من علمٍ وعملٍ، ويجتنب ما نُهِيَ عنه.
وفي فَرْض سؤال الهداية في اليوم والليلة سبع عشرة مرة دلالة على أهمية سؤال العبد ربَّه الهداية،
وأن يلتجئ إليه -سبحانه وتعالى- ويُمرِّغ وجهَهُ ساجدًا؛ لعله أن يَقبَله فيمن قَبِل، ويَهديَه فيمن هَدَى إلى الصراط المستقيم،
وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
"اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
وجاء لفظ [الصراط] في الآية بصيغة المفرد لأنه واحد مُعَيّن؛ بيَّنَه الله تعالى لأهل نِعمته، وجعلَه طريقًا إلى رضوانه وجنَّته،
وهو دينه الذي لا دينَ سِواه، أما طرق أهل الغضب والضلال فمتعددة،
كما في قوله:
[وأن هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله].
وفي قوله تعالى:
[صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين]
وصفٌ للصراط المستقيم، وتفصيلٌ بعد إجمال.
وفيها قسَّم الله سبحانه الناسَ ثلاثة أصناف: مُنعَم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالُّون.
وهذا التقسيم بُني على أساس العلم والعمل؛ فالمنعَم عليهم: هم من أُنْعِم عليهم بنعمة الإيمان والهداية، والتوفيق والاستقامة على الدين والعمل به،
فهم عَلِموا وعَمِلوا بما عَلِموا؛ فهؤلاء مُنْعَم عليهم بالعلم ومُنْعَم عليهم بالعمل.
وأما المغضوب عليهم فهُم مَن عَلِموا الحق ولم يعملوا به وجحدوه، فغضِبَ الله عليهم،
وهم اليهود ومَن سار على مناهجهم واتبع سبيلهم.
وأما الضالُّون فهم الذين لا عِلْم عندهم، ويعملون بلا عِلْم، فهُم يعبدون الله على جهل،
وهم النصارى ومَن سار على شاكلتهم.
وفي قوله تعالى: [أنعمتَ عليهم] إيمان بالقدر؛ لأن الإنسان يؤمن بأن النِعَمَ كلَّها من الله تعالى وهو المالك لها،
وأن الهداية والتوفيق بيد الله وحدَه.
وجاء في بيان الآية أن أسباب الخروجِ عن الصراط المستقيم، والوقوعِ في شِرْك الشهوات والشبهات هي: إما الجهل، وإما الكِبر والهوى؛
ولذلك كان من أهم الأمور التي يحتاج المؤمن أن ينقذه الله منها: الجهل والهوى؛
فقد تُوجَد عنده الرغبة في الخير لكنه يجهل الطريقة الشرعية لتحصيله، فيسلك طُرقًا غير مشروعة،
وقد يكون الإنسان عالمًا لكن ليس لديه العزيمة التي تجعله ينبعث للعمل بهذا العلم، ويغلبه الهوى فيترك الواجب، أو يرتكب المحرم عامدًا مع علمه بالحكم؛ لضعف إيمانه، وغلبة الشهوة وتعجيل المُتَع الدنيوية.
فكل الفَلَاح في معافاة الله للمسلم من الكِبر والجهل؛ ليكون من أهل الصراط المستقيم.
وقدَّمَ الغضب على الضلال في قوله تعالى:
[غير المغضوب عليهم ولا الضالين]
لتقدُّم زمن المغضوب عليهم وهم اليهود على الضالين وهم النصارى،
ولأن أمرهم أخطر وذنبهم أكبر؛ فإن الإنسان إذا كان ضلاله بسبب الجهل فإنه يرتفع بالعِلم،
وأما إذا كان ضلاله بسبب الهوى والكِبر فإنه لا يكاد يرجع عن ضلاله؛ ولهذا جاء الوعيد الشديد في شأن من لا يعمل بعِلْمه.
وفي الآية تحذير عُلماء المسلمين وعُبّادهم من التشبُّه باليهود والنصارى في اتّباع الهوى والجهل، حتى لا يُلاقوا جزاءهم،
قال سفيان بن عُيَيْنة:
"من فَسَد من علمائنا كان فيه شبهٌ من اليهود، ومن فَسَد من عُبّادنا كان فيه شبه من النصارى" ([10] ) .
(10) . [10] نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/68).
وفيها أن الإسلام هو دين الله الذي يهدي إلى الصراط المستقيم؛
فكل دين سوى الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو دين باطل لا يهدي مُعتنِقَه إلى الصراط المستقيم.
قول المصلي: (آمين)
يُشْرَع للمصلِّي في الفريضة والنافلة أن يقول: (آمين) بعد قول: [ولا الضالين] منفردًا كان أو إمامًا أو مأمومًا، رجلًا كان أو امرأةً،
ويُسَنُّ للرجال الجهر بها، أما النساء فيُسِرُّونها.
ومعنى (آمين) عند أكثر أهل العلم: اللهمَّ استجِبْ لنا.
ومِما جاء في فضلها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
((إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: "آمين"، فمن وافَقَ قولُه قولَ الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه))([11] ).
(11) . [11] رواه البخاري كتاب التفسير، باب {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، ح(4205).
وختامًا
نسألُ الله أن يجعلنا مِمَّن هُدِيَ إلى الصراط المستقيم، والعمل بشرعه القويم،
وأن يُثبِّتَنا على ذلك، ويُجنِّبَنا صراط المغضوب عليهم والضالين،
وأن يجعلنا من المتدبِّرين لكتابه، العالِمِين بِه، العاملين بأحكامه، المُتَّبعين سنةَ نبيِّنا صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحْبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
ثبت المصادر
ما كُتِبَ في هذه الورقات جمعته من كلام أهل العلم، والفضل فيه لله وحده ثم لأولئك الأعلام الذين أناروا الطريق بكتبهم ومؤلفاتهم، فجزاهم الله خيرا.
تدبر سورة الفاتحة / أد. ناصر العمر/ الطبعة الأولى ١٤٣٧هـ
تفسير سورة الفاتحة/ إعداد : القسم العلمي بمؤسَّسة الدُّرَر السَّنِيَّة/ إشراف الشيخ : عَلَوي بن عبد القادر السَّقَّاف/ مؤسسة الدرر السنية للنشر - الظهران - السعودية/ الطبعة الأولى 1437هـ
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ)/ الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني / المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270هـ)/ الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، 1415 هـ
الموسوعة الإلكترونية الشاملة للقرآن الكريم.
Related books
All books
Koristan sažetak za novog muslimana32 jezikaKoristan sažetak za novog muslimana
Priredio Muhammed Eš-Šehri 1441 - 2020 U ime Allaha Milostivog, Samilosnog. Uvod
Uvod u „Sažeti tefsir Plemenitog Kur'ana“ i tefsir posljednje četvrtine Kur'ana9 jezikaUvod u „Sažeti tefsir Plemenitog Kur'ana“ i tefsir posljednje četvrtine Kur'ana
Uvod u prijevod na bosanski jezik Hvala Allahu Koji je Svom robu objavio Knjigu, koju je od iskrivljenja i neistine sačuvao, i neka su mir i blagoslov na našeg vjerovjesnika Muhammeda, na njegove ashabe i sve one koji ih slijede u dobru do Sudnjeg dana. A zatim; Doista je najvažnije i najveličanstvenije čovjekovo putovanje u životu putovanje sa Allahovom govorom, Uzvišen je On... Plemeniti Kur'an je - Jedina nebeska knjiga za koju nema sumnje da je od Stvoritelja Uzvišenog, Koji je rekao:
Sažeta poslanica o islamu, utemeljena na kur'ansko-hadiskim tekstovima59 jezikaSažeta poslanica o islamu, utemeljena na kur'ansko-hadiskim tekstovima
U ime Allaha Milostivog, Samilosnog. Islam (Sažetak poslanice bez spominjanja argumenata)[1] [1] Ova poslanica ima i svoju dopunjenu verziju u kojoj se nalaze kur'ansko-sunnetski argumenti za svako spomenuto pitanje. Više o tome na sljedećem linku: https://islamhouse.com/ar/books/2830071 Važna poslanica koja sadrži kratku definiciju islama, pojašnjavajući njegove najznačajnije temelje i učenja, preuzeta iz Časnog Kur'ana i poslaničke prakse. Ova poslanica upućena je svim obveznicima, muslimanima i nemuslimanima, na njihovom jeziku, a važeća je za svako vrijeme i mjesto, u različitim…
Obaveza postupanja po sunnetu Allahovog poslanika, sallallahu alejhi ve sellem, i nevjerstvo onoga ko ga negira23 jezikaObaveza postupanja po sunnetu Allahovog poslanika, sallallahu alejhi ve sellem, i nevjerstvo onoga ko ga negira
Autor Uvaženi šejh Abdulaziz ibn Abdullah Ibn Baz - Allah mu se smilovao - U ime Allaha Milostivog, Samilosnog. Predgovor Zahvala pripada Allahu, Gospodaru svjetova, a lijepa konačnica bogobojaznima. Neka su salavat i selam na Allahovog roba i poslanika Muhammeda, onome koji je poslan kao milost svim svjetovima, na njegovu časnu porodicu, na njegove ashabe, koji su sa najvećom preciznošću i emanetom prenijeli knjigu svoga Gospodara i sunnet svoga Poslanika s.a.w.s. onim koji su došli poslije njih. Molim Uzvišenog da nas učini od onih koji ih slijede u dobru. Prijašnji i potonji učenjaci su…