رياض الصالحين
كتاب (رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين) تصنيف العلَّامة الزاهد أبي زكريا يحيىٰ بن شرف النووي (631 ــ 676هـ) ــ رحمه الله تعالىٰ ــ جمع فيه مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً علىٰ ما يكون زاداً لصاحبه إلىٰ الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين؛ من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من المقاصد. وقد عظمت وصية العلماء بالكتاب، واعتنوا به شرحاً وتدريساً لعموم المسلمين. وهذا دالٌّ علىٰ إخلاص مؤلفه، وعلىٰ حاجة ا لناس لمثل هذا الكتاب النافع الجامع.
كتاب رَوْحٌ وَرَيَاحِينُ شَرْح رِيَاضِ الصَّالحِينَ
بسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الحمد لله المحمود علىٰ ما لَهُ من الأسماء الحسنىٰ، والصفات الكاملة العظيمة العليا، وعلىٰ آثارها الشاملة للأولىٰ والأخرى، ونُصليِّ ونُسلِّم علىٰ سيد المرسلين؛ أجمع الخلق لكل وصف حميد، وخُلق رشيد، وقول سديد، وعلىٰ آله وأصحابه وأتباعه من جميع العبيد.
أما بعد:
فليس بعد كلام الله تعالىٰ أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسوله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ هو أعلم الخلق، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم نصحاً وإرشاداً، وأبلغهم بياناً، وأحسنهم تعليماً، وقد أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً.
ومن هنا نعلم اضطرارَ العباد إلىٰ معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهىٰ عنه وزجر، وألا يُعبد الله تعالىٰ إلا بما شرع؛ فإنه لاسبيل إلىٰ السعادة والفلاح لهذه الأمة المرحومة إلا باتباع نبيِّها صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، إذ لا طريق إلىٰ الله والجنة إلا بهدي الكتاب والسُّنَّة.
ولذلك يجب علىٰ من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه المبارك ما يخرجه عن الجاهلين به، ويُدخله في عداد أتباعه وأهل سنته. والناس في هذا بين محروم ومستقلّ ومستكثر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وإن مما يعين علىٰ معرفة ذلك العناية بالكتب الجامعة، النافعة، المختصرة، في معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسُنَنه، ومنها:
كتاب (رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين) تصنيف العلَّامة الزاهد أبي زكريا يحيىٰ بن شرف النووي (631 ــ 676هـ) ــ رحمه الله تعالىٰ ــ جمع فيه مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً علىٰ ما يكون زاداً لصاحبه إلىٰ الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين؛ من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من المقاصد.
وقد عظمت وصية العلماء بالكتاب، واعتنوا به شرحاً وتدريساً لعموم المسلمين. وهذا دالٌّ علىٰ إخلاص مؤلفه، وعلىٰ حاجة ا لناس لمثل هذا الكتاب النافع الجامع.
واقتداءً بطريقة علمائنا وجرياً علىٰ صالح فعالهم، كانت هذه المشاركة في تيسير كتاب (رياض الصالحين) لعموم الراغبين، قصدنا من ورائها:
1) أن تكون نصيحة للمؤمنين في امتثال هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فإنه خير الهدي.
2) أن نتأسّىٰ بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسارعتهم إلىٰ تعظيم أمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالصحابة هم الجيل الأمثل الذي صدق في اتِّباع هدي النَّبِّي المُرسَل صلى الله عليه وسلم .
3) أن يعلم العباد عظمة هذه الشريعة الحنيفيّة السَّمحة التي أغاث الله بها العَالَمَ، فَعَمَّ خيرها البشرية كلَّها، وخصَّ الأُمة المحمدية ببركات ورحمات وتيسيرات تنالها الأمة ببركة اقتدائها بهدي الكتاب والسُّنَّة.
وقد تلَّخص سعينا في خمس نقاط:
1 ــ توضيح الكلمات التي لا يفهمها القارئ من الحديث، مما تركه المؤلف ولم يُبيَّن معناه، وهو ما يسمى: (غريب الحديث).
2 ــ استخراجُ هدايةٍ من الأبواب وأدلة الكتاب، نرجو منها أن تكون رسائل نصح وإرشاد في امتثال هدي سيد العباد عليه الصلاة والسلام. وحرصنا أن تكون وقفات الهداية بما يناسب أدلة كل باب، وقد أفردنا فوائد مهمات، وتنبيهات نافعات، لبعض الأدلة، وجاءت بلفظ «فائدة» أو «تنبيه» لتتميز عن كلام المصنف.
3 ــ عند تكرار الأحاديث في الأبواب أعدنا شرح غريبها واستخراج هدايتها بما يتناسب مع الباب، جرياً علىٰ هدي القرآن الكريم {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ} [الزمر: 23] أي تُثنَّىٰ فيه الأخبار والقصص والأحكام وجميع المواضيع النافعة لحِكمٍ عظيمة، منها: تثبيت هذه المعاني في قلوب العباد بتكرارها، لأن الشيء إذا تكرر تقرر، فأعدنا معاني الأحاديث المكررة لتثبت في الأفئدة. علماً أن في كتاب (رياض الصالحين) مئة وثماني وستين (168) حديثاً مكرراً.
4 ــ نبَّهنا القارئ الكريم علىٰ جملة الأحاديث التي ضعّفها أهل العلم في هذا الكتاب المبارك، وهي قليلة بالنسبة لمجموع أحاديثه، حيث يرىٰ الناظر الإشارة إلىٰ ضعف الحديث، في حاشية الكتاب، وقد اعتمدنا في ذلك على مطبوعة محققة مُجوَّدة للكتاب اعتنى بها الشيخ عصام هادي، وصدرت عن مؤسسة الريَّان، ومن رغب في بيان سبب الضعف فلينظر كتب التخريج المختصة بذلك.
ومعلومٌ أخي ــ هدانا الله وإياك ــ أن الواجب علىٰ عموم المسلمين التعبد لله ربِّ العالمين بما صح من أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ففي الصحيح ما يغني عن الضعيف، وما يذكره بعض الأئمة في كتبهم من الحديث الضعيف ــ اليسير ضعفه ــ ؛ فلأن لهذه الأحاديث أصولاً صحيحة من الكتاب والسنة، فهي صحيحة المعاني وإن كانت ضعيفة الإسناد.
ولذلك جعلنا جملة الأحاديث الضعيفة مع عموم أحاديث الكتاب في شرح غريبها، واستخراج هدايتها، لأن لها ما يقوي معانيها، إلا النادر اليسير مما يكون معناه منكراً فنُعرض عنه، (والنادر لا حكم له).
5 ــ ألحقنا الكتاب بثلاثة فهارس معينة للقارئ، وهي:
أولاً: فهرس الأحاديث والآثار، وفيه:
ذكر أطراف الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة؛ ليَسْهُل علىٰ الناظر الوصول إلىٰ أي حديث أو أثر في الكتاب.
ثانياً: فهرس الأحاديث المكررة، وفيه:
الإشارة إلىٰ موضع تكرار الحديث في الكتاب، والغاية منه أن يقف القارئ علىٰ حسن صنيع المؤلف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في جعل الحديث الواحد لأبواب كثيرة، وبذلك يُعلم معنىٰ جوامع الكلم الذي اختُصّ به نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، حيث يتكلم بالكلام القليل لفظُه، الكثير معناه، فيصلح الحديث الواحد لمناسبات عدَّة.
ثالثاً: فهرس موضوعات الكتاب، وفيه:
حصر موضوعات الكتاب مرتبة علىٰ أبواب بلغت (372) باباً، يحوي كل باب جملةً من الأدلة الشرعية، ويندرج في أغلب الأبواب آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، بلغ مجموع الأحاديث في تلكم الأبواب (1896) حديثاً علىٰ المشهور من طبعات الكتاب.
هذا، وقد اعتمدنا في إخراج كتاب (رياض الصالحين) علىٰ المطبوعة التي اعتنىٰ بها الشيخ المحقق شعيب الأرناؤوط، وصدرت عن مؤسسة الرسالة، مع تصحيح أخطاء يسيرة وقعت فيها، بالرجوع إلىٰ الكتب الأصول.
وقد قدمنا بين يدي الكتاب ترجمة مختصرة للنووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ، ونبذة يسيرة من كلام العلماء في منزلة كتاب (رياض الصالحين)، ووصيتهم به.
وختاماً: فهذا نصحنا أسميناه: (رَوْحٌ وَرَيَاحِينُ شَرْح رِيَاضِ الصَّالحِينَ).
نهديه لكل مؤمن راغب في امتثال هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وسبيل السابقين الأولين، رضي الله عنهم أجمعين. ونسأل الله سبحانه أن ينفع به ويبارك، كما نفع بأصله وبارك. وما كان فيه من صواب فمن الله تعالىٰ وتوفيقه، وما كان من خطأ فهو من تقصيرنا وجهلنا وذنوبنا، التي حالت بيننا وبين كرامات ربِّنا.
فنسأل الله تعالىٰ العظيم، رب العرش الكريم، ألا يحرمنا خير ما عنده، بشرِّ ما عندنا إنه جواد كريم.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلىٰ الله علىٰ نبيِّنا محمد، وعلىٰ آله وصحبه وسلم.
الشام المُبارك
دمشق
الطبعة الثالثة/رجب/ 1434هجرية[1] [1]() صدر كتاب (روح ورياحين شرح رياض الصالحين) أول مرة عام 1426هـ، ثم أعدنا طبعه مصححاً مزيداً في محرم عام 1427هـ ، وهذه الطبعة الثالثة بإضافات نافعة، يفرح بها كل محبٍّ للتوحيد والسنَّة، والله المسؤول أن يبارك عليها، ويهدي بها، إنه سميع الدعاء.
ترجمة مؤلف كتاب (رياض الصالحين) العلامة يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى (631 ــ 676 هـ)
نسبه:
هو العلامة الفقيه الزاهد أبو زكريا محيي الدين يحيىٰ بن شرف بن مُرِي بن حسن ابن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، النووي نسبة إلىٰ نوىٰ ــ وهي قرية من قرىٰ حوران في سورية ــ ، ثم الدمشقي، الشافعي، شيخ المذهب، وكبير الفقهاء في زمانه.
مَولدهُ ونشأته:
ولد النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في المحرم من 631هـ في قرية نوىٰ من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه علىٰ بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مر بتلك القرية الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي، فرأىٰ الصبيان يُكرهونه علىٰ اللعب وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن، فذهب إلىٰ والده ونصحه أن يفرغه لطلب العلم، فاستجاب له. وفي سنة 649هـ قدم مع أبيه إلىٰ دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكن المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق، وفي عام 651هـ حَجَّ مع أبيه ثم رجع إلىٰ دمشق.
حَيَاته العلميّة:
في سنة 665هـ تولىٰ مشيخة دار الحديث والتدريس بها حتىٰ تُوفي، وكان عمره 45 سنة. وقد تميزت حياة النووي العلمية بعد وصوله إلىٰ دمشق بثلاثة أمور:
الأول: الجد في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه، وقد أخذ العلم منه كل مأخذ، وأصبح يجد فيه لذة لا تعدلها لذة، وقد كان جاداً في القراءة والحفظ؛ فقد حفظ (التنبيه) في أربعة أشهر ونصف، وحفظ (ربع العبادات من المهذب) في باقي السنة، واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحب أستاذه أبي إبراهيم إسحق بن أحمد المغربي، فجعله معيد الدرس في حلقته.
الثاني: سعة علمه وثقافته، فقد جمع إلىٰ جانب الجد في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدث تلميذه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً علىٰ المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في الوسيط، وثالثاً في المهذب، ودرساً في الجمع بين الصحيحين ، وخامساً في صـحيح مسلم، ودرساً في اللمع لابن جني في النحو، ودرساً في إصلاح المنطق لابن السِّكِّيت في اللغة، ودرساً في الصرف، ودرساً في أصول الفقه، وتارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، وكان يكتب جميع ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.
الثالث: غزارة إنتاجه، اعتنىٰ بالتأليف وبدأه عام 660هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك الله له في وقته وأعانه، فأذاب عصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمس فيها سهولة العبارة، وسطوع الدليل، ووضوح الأفكار، والإنصاف في عرض آراء الفقهاء، ومازالت مؤلفاته حتىٰ الآن تحظىٰ باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها في سائر البلاد.
ومن أهم كتبه: شرح صحيح مسلم، والمجموع شرح المهذب، ورياض الصالحين ، والأذكار، وتهذيب الأسماء واللغات، والأربعون النووية، والمنهاج في الفقه.
أخلاقهُ وَصفاته:
أجمع أصحاب كتب التراجم أن النووي كان رأساً في الزهد، وقدوة في الورع، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطيب لنا في هذه العجالة عن حياة النووي أن نتوقف قليلاً مع هذه الصفات المهمة في حياته:
الزهد: وجد النووي في لذة العلم عِوضاً عن اللذائذ الفانية، فتغرغر بحلاوة العلم والإيمان. والذي يلفت النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلىٰ دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان في سن الشباب حيث قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ في التقشف وشظف العيش.
الورع: في حياته أمثلة كثيرة تدل علىٰ ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ذلك قال: إنها كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرف في ذلك إلا علىٰ وجه الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها علىٰ وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء، ومن جوّزها قال بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا علىٰ جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟ واختار النزول في المدرسة الرواحية علىٰ غيرها من المدارس، لأنها كانت من بناء بعض التجار.
وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلساً، بل كان يجمعها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حقّ سَنَة اشترىٰ به ملكاً ووقفه علىٰ دار الحديث، أو اشترىٰ كتباً فوقفها علىٰ خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هدية ولا عطية إلا إذا كانت به حاجة إلىٰ شيء وجاءه ممن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أمه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يرسل إليه ما يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ذلك شيئاً.
مُناصحَتُه الحُكام: لقد توفرت في النووي صفات العالم الناصح الذي يجاهد في سبيل الله بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مخلص في مناصحته، وليس له أي غرض خاص أو مصلحة شخصية، وشجاع لا يخشىٰ في الله لومه لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه.
وكان الناس يرجعون إليه في الملمات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعىٰ لحل مشكلاتهم، كما في قضية الحوطة علىٰ بساتين الشام:
لما ورد دمشق من مصر السلطان الملك الظاهر بيبرس بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها [أي بحجزها]، وتكليف واضعي اليد علىٰ شيء منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلىٰ الشيخ في دار الحديث ، فكتب إلىٰ الملك كتاباً جاء فيه: «ولقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة علىٰ أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف إثباته»، فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب. ولما رأىٰ الشيخ أن الكتاب لم يفد، مشىٰ بنفسه إليه وقابله وكلّمه كلاماً شديداً، وأراد السلطان أن يبطش به، فصرف الله قلبه عن ذلك وحمىٰ الشيخ منه، وأبطل السلطان أمر الحوطة، وخلص الله الناس من شرها.
وَفَاته:
في سنة 676هـ رجع إلىٰ نوىٰ بعد أن رد الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكىٰ، وزار أصحابه الأحياء وودعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلىٰ نوىٰ فمرض بها وتوفي في 24 رجب. ولما بلغ نعيه إلىٰ دمشق ارتجت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وتوجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلىٰ نوىٰ للصلاة عليه في قبره، ورثاه جماعة. وهكذا انطوت صفحات عَلَمِ من أعلام المسلمين، بعد جهاد في طلب العلم، ترك للمسلمين كنوزاً من العلم، لا يزال العالم الإسلامي يذكره بخير، ويرجو له من الله تعالىٰ أن تناله رحماته ورضوانه.
رحم الله النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً[2]. [2]() هذه الترجمة منقولة عن مقدمة كتاب (نزهة المتقين شرح رياض الصالحين) بتصرف يسير. ومن رغب في التوسع، فلينظر: ــ البداية والنهاية لابن كثير (13/278). ــ تذكرة الحفاظ للذهبي (4/1470 ــ 1474). ــ طبقات الشافعية للسبكي (5/165 ــ 168). ــ شذرات الذهب لابن العماد (5/354 ــ 356).
منزلة (رياض الصالحين) عند أهل العلم
ــ كتاب (رياض الصالحين) كتاب جليل، عظمت وصية العلماء به، فانتشر في البلاد، وعم النفع به بين العباد. وذلك راجع إلىٰ عدة أمور، أهمها أمران:
الأول: ما عُلم من إخلاص جامعه الشيخ النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ فكان من ثمرة إخلاصه أن بارك الله في كتابه ونفع، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إنما يدرك الرجل علىٰ قدر نيَّـتـه».
الثاني: الحاجة الملحة لعموم الأمة إلىٰ كتاب في الأخلاق والآداب والترغيب والترهيب، مثل: (رياض الصالحين)، ذلك لأن الكلام في هذه الأبواب مما تأنس به الفِطر السليمة، ويتلقاه الناس بالقبول. فوقع الكتاب موقعاً عظيماً، فكان كالعافية للبدن، وكالشمس للدنيا، ما عنهما من عوض. ويؤكد هذا المعنىٰ ما قاله مصنفه:
«وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقاً للمعتني به إلىٰ الخيرات، حاجزاً له عن أنواع القبائح والمهلكات».
* وقال الحافظ الذهبي (ت 748هـ):
«نسأل الله علماً نافعاً، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً؛ ولم يأت نهي عنه، قال u: «مَن رغب عن سنتي فليس مني». فعليكَ يا أخي بتدبّر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين وسنن النسائي ورياض النواوي وأذكاره تفلح وتنجح». (سيرة أعلام النبلاء: 19/340)
* وقال العلامة ابن الوزير اليماني (ت 840 هـ):
«القسم الثاني من العلم: ما يحتاج إليه في الدين، وهو قسمان: قسم لم يختلف في حسنه مثل النصوص في الحديث، والإجماع من تفسير الإسلام، والإيمان الواجب، وعلم الزهد. ومن أنفس كتبه رياض الصالحين للنووي، لاقتصاره علىٰ الحديث القوي، وهو من الكتب الخالية من البدع». (إيثار الحق علىٰ الخلق ص33) * وقال الحافظ السخاوي (ت 902هـ):
«رياض الصالحين كتاب جليل لا يُستغنىٰ عنه». (ترجمة النووي ص12)
* وقال الشيخ ابن عِلَّان الصدِّيقي (ت 1057هـ):
«قد جمع ما يحتاج إليه السالك في سائر الأحوال، واشتمل علىٰ ما ينبغي التخلق به من الأخلاق، والتمسك به من الأقوال، والأفعال، مغترفاً له من عُباب الكتاب والسنة النبوية، ناقلاً لتلك الجواهر من تلك المعادن السَّنية». (مقدمة دليل الفالحين: 1/4)
وعامة العلماء المعاصرين متفقون علىٰ الوصية بكتاب رياض الصالحين.
فمن ذلك:
* ما وصَّىٰ به الشيخ فيصل بن مبارك النجدي ( ت 1376هـ)، قال موصياً طالب العلم:
«ويقرأ كتاب (رياض الصالحين) ويحفظ آخره من كتاب الفضائل إلىٰ آخره؛ فإنه جامع للمأمورات والمنهيات ، ومؤدب لقاريه ومرغِّب له في الطاعات».
(وصية جامعة ص76)
* وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط ــ حفظه الله تعالىٰ ــ:
«ومن أجود ما ألف في هذا الباب كتاب (رياض الصالحين)؛ فإنه أوسع كتب الحديث انتشاراً، وأكثرها تداولاً، فقد طبقت شهرته الآفاق، واحتل منزلة سامقة في نفوس العلماء والكُتَّاب والخطباء والعامة». (مقدمة تحقيق رياض الصالحين ص6)
وبالجملة: فكل من اعتنىٰ بالكتاب في تحقيقه وإخراجه من أهل العلم وطلابه مجمعون علىٰ علو منزلة الكتاب وعظيم فائدته.
نسأل الله العلي العظيم أن يُعلي منزلة جامعه في درجات النعيم، وأن يُعظم له الجزاء الأوفى، ويختم لنا وللمسلمين بالحسنى، علىٰ إخلاص التوحيد واتِّباع السُّنَّة.
والحمد لله رب العالمين.
مقدمة المصنف النووي ــ رحمه الله تعالى ــ
بسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَيْلِ عَلَىٰ النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لأُولِي الْقُلُوبِ وَالأَبْصَارِ، وَتَبْصِرَةً لِذَوِي الألبَابِ وَالاعْتِبَارِ، الَّذِي أَيْقَظَ مِنْ خَلْقِهِ مَنِ اصْطَفَاهُ فَزَهَّدَهُمْ فِي هذِهِ الدَارِ، وَشَغَلَهُمْ بِمُرَاقَبَتِهِ وإِدَامَةِ الأَفْكَارِ، وَمُلاَزَمَةِ الاتِّعَاظِ وَالادِّكَارِ، وَوَفَّقَهُمْ لِلدَّأبِ فِي طَاعَتِهِ، وَالتَأَهُّبِ لِدَارِ الْقَرَارِ، وَالْحَذَرِ مِمَا يُسْخِطُهُ وَيُوجِبُ دَارَ الْبَوَارِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَىٰ ذلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ وَالأَطْوَارِ. أحْمَدهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَزْكَاهُ، وَأَشْمَلَه وَأَنْمَاه. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَه إِلَّا الله الْبَرُّ الْكَرِيمُ، الرَؤُوفُ الرَّحِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، الْهَادِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالدَّاعِي إِلَىٰ دِينٍ قَوِيمٍ. صَلَوَاتُ الله وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَىٰ سَائِرِ النَّبِيّينَ، وَآلِ كُلٍّ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ.
أمَا بَعْدُ: فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56 ــ 57] وَهذَا تَصْرِيح بأَنَّهُمْ خُلِقُوا للعِبَادَةِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ، وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لاَ مَحَلُّ إِخْلادٍ، ومَرْكَبُ عُبُورٍ لا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفِصَامٍ لا مَوْطنُ دَوَامٍ. فَلِهذَا كَانَ الأَيْقَاظُ مِنْ أَهْلِهَا هُمُ الْعُبَّادَ، وَأَعْقَلُ النَاسِ فِيهَا هُمُ الزُهَّادَ. قَال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24] والآياتُ في هذا المعنىٰ كَثِيرةٌ. ولَقدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
طَلَّقُوا الدُنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا إنَّ لله عِبَاداً فُطَنَـا أنَّهَا لَيْسَتْ لِحيٍّ وَطَنَـا نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيها سُفُنـَا جَعَلُوهَا لُجَّةً واتَّخَذُوا
فإِذا كَان حالُها ما وصفْتُهُ، وحالُنا ومَا خُلِقْنـَا لَهُ مَا قَدَّمتُهُ فَحَقّ عَلَىٰ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَذْهَب بِنَفْسِهِ مَذْهَبَ الأخْيَارِ، ويَسْلُكَ مَسْلَكَ أُولِي النُّهَىٰ وَالأَبْصَارِ، وَيَتَأَهَّب لِما أَشَرتُ إِلَيهِ، وَيَهْتَمَّ بِمَا نبَّهْتُ عَلَيْهِ. وَأَصْوَبُ طَرِيقٍ لهُ فِي ذلِكَ، وَأَرْشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ الْمَسَالِكِ: التأَدُّبُ بِمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيَدِ الأَوَّلِينَ وَالآخرِينَ، وَأَكْرَمِ السَّابِقِينَ وَاللاَحقِينَ صَلَوَاتُ الله وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلىٰ سَائِرِ النَبِيّينَ. وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2] وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قَالَ: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهُ»، وَأنَّهُ قَالَ: «مَنْ دَلَّ عَلَىٰ خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، وَأَنّهُ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَىٰ هُدىٰ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئَاً» وَأنَهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: «فَوالله لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ».
فَرَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَراً مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مُشْتَمِلاً عَلَىٰ مَا يكَوِّنُ طَرِيقاً لِصَاحِبِهِ إِلَىٰ الآخِرَةِ، وَمُحَصِّلاً لآدَابِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، جَامِعاً لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ آدَابِ السَّالِكِينَ: مِنْ أَحَادِيثَ الزُهْدِ، وَرِيَاضَاتِ النُفُوسِ، وَتَهْذِيبِ الأَخْلاَقِ، وَطَهَارَاتِ الْقُلُوبِ وَعِلاَجِهَا، وَصِيَانَةِ ا لْجَوَارِحِ وَإزَالَةِ اعْوِجَاجِهَا، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعَارِفِينَ.
وَأَلْتَزِمُ فِيهِ أَنْ لاَ أَذكُرَ إِلا حَدِيثاً صَحِيحاً مِنَ الْوَاضِحَاتِ، مُضَافاً إِلَىٰ الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَاتِ، وَأُصَدِّرَ الأَبْوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِآياتٍ كَرِيمَاتٍ، وَأُوَشِّحَ مَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ ضَبْطٍ أَوْ شَرْحِ مَعْنىٰ خَفِيّ بِنَفَائِسَ مِنَ التَنْبِيهَاتِ. وَإِذَا قُلْتُ فِي آخِرِ حَدِيثٍ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَمَعْنَاهُ: رَوَاهُ البُخارِيّ وَمُسْلِم.
وأَرْجُو إِنْ تَمَّ هذَا الْكِتَابُ أَنْ يَكُونَ سَائِقاً لِلْمُعْتَنِي بِهِ إِلَىٰ الْخَيْرَاتِ، حَاجِزاً لَهُ عَنْ أَنْوَاعِ الْقَبَائحِ وَالْمُهْلِكَاتِ. وَأَنَا سَائِلٌ أَخاً انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ أنْ يَدْعُوَ لِي، وَلِوَالِدَيَّ، وَمَشَايِخِي، وَسَائِرِ أَحْبَابِنَا، وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَعَلىٰ الله الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإلَيْهِ تَفْوِيضي وَاسْتِنَادِي، وَحَسْبِيَ الله ونِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَةَ إِلَّا بِالله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 ــــ باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5 ]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ} [الحج: 37] وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران: 29].
هداية الآيات:
1) النية: هي القصد، ومحلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال؛ لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم ــ وهو قدوتنا وأسوتنا ــ كَانَ يتوضَّأ ويصلِّي ويصوم ويتصدق ويحج، ولم يكن ينطق بالنية.
2) علىٰ العبد أن يستحضر النية في جميع العبادات؛ فينوي نية العبادة، ونية أن تكون لله، ونية أنه قام بها امتثالاً لأمر الله تعالىٰ. وهذا أكمل ما يكون، فينوي مثلاً: الوضوء، وأنه توضأ لله، وأنه توضأ امتثالاً لأمر الله تعالىٰ.
1/1ــ وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبدِ الْعُزَّىٰ بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُرْطِ بْنِ رزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَي بنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّـيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجرَتُهُ إِلَىٰ الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرتُهُ إلَىٰ الله وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَىٰ مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». مُتفَقٌ عَلَىٰ صِحَّتِهِ. رَوَاهُ إِمَاما الْمُحَدِّثِينَ: أَبُو عَبْدِ الله مُحَمدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُغِيرَةِ ابْنِ بَرْدِزْبَةَ الْجُعْفيُّ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ رضي الله عنهما فِي كِتَابيهِما اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ.
غريب الحديث:
الهجرة: الانتقال من بلد الكفر إلىٰ بلد الإسلام.
ينكحها: يتزوجها.
هداية الحديث:
1) الحديث ميزان يزن العبد به كل أعماله الباطنة، هل هو مخلص فيها لله تعالىٰ أم لا؟.
2) تفاوت الناس بالأعمال بحسب تفاوتهم في النيات؛ فمِن الناس مَن نيته قد بلغت غاية في الإخلاص والمتابعة من أعمال الخير والصلاح، ومِنهم مَن نيته دون ذلك.
3) الانتقال من بلاد الكفر إلىٰ بلاد الإسلام واجبة علىٰ كل قادر، كما هو حال المؤمنين الأوائل من الصحابة الكرام، الذين هاجروا من مكة إلىٰ المدينة قبل أن تصبح مكة دار إسلام وإيمان.
فائدة:
الهجرة تكون للعمل، وللعامل، وللمكان.
الأول: هجرة العمل، أن يهجر العبد ما نهاه الله عَنْهُ ورسوله من أنواع المعاصي، كما في الحديث: «المهاجر من هجر ما نهىٰ الله عَنْهُ» رواه البخاري.
الثاني: هجرة العامل، مثل هجر الرجل المجاهر والمعلن بالمعاصي، فإن كَانَ في هجرته مصلحة ومنفعة: كأن يترك ما نهىٰ الله عَنْهُ، فإنه يُهْجَر.
الثالث: هجرة المكان، بأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي والفسوق إلىٰ بلد لا توجد فيه، أو توجد بقلَّة؛ لأن العبد يتأثر بالمكان المحيط به، إما خيراً أو شراً.
فائدة:
ما حكم سفر المسلم إلىٰ بلاد الكفار؟
سفر المسلم إلىٰ بلاد الكفار غير جائز؛ وهو حرام إلَّا إذا توفرت شروط خاصة فيجوز، وهي:
1) أن يكون عند المسلم علم راسخ يدفع به الشبهات عن نفسه؛ لأن الكفار قد يوردون عليه إشكالات ومسائل صعبة في أمر الدين، والكتاب، والرسول، ونحو ذلك، ولا يعرف لها جواباً.
2) أن يكون عنده دين وتقوىٰ تحميه من الشهوات المحرمة المنتشرة، كالخمر والزنىٰ والسهر المحرم ونحو ذلك.
3) أن يكون محتاجاً إلىٰ ذلك السفر. أما مجرد الذهاب للسياحة فلا يجوز. ومثال الحاجة: أن يكون مسافراً لطلب علاج، أو طلب علم، لا يوجد في بلاد المسلمين، أو تجارة، فيها منفعة له ولعامة المؤمنين.
ومن السفر المستحب أو الواجب: ما يكون في حق الدعاة وأهل العلم إذا سافروا لدعوة الناس إلىٰ دين الله تعالىٰ.
2/2 ــ وَعَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْد الله عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ». قَالَتْ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ الله ، كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيسَ مِنْهُمْ!؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأوَلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَىٰ نِيَّاتِهِمْ»،. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، هذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
غريب الحديث:
بيداء: أرض واسعة.
يخسف: يُقال خسفت بهم الأرض: إذا ذهبوا وغابوا فيها.
أسواقهم: الذين جاؤوا للبيع والشراء.
هداية الحديث:
1) من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان فهو معهم في العقوبة؛ لأن العقوبة تعمُّ.
2) هذا الحديث مما يوافق ويُوضِّح حديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فكلٌ يُجَازَىٰ بحسب نيته.
3) العقوبة إذا وقعت تعمُّ الصالح والفاسد، ثُمَّ يوم القيامة يبعثون علىٰ نياتهم. فعلىٰ أهل الإيمان أن يتواصوا فيما بينهم بالحق؛ لئلا تنزل بهم العقوبات، فإن الطاعات سبب لرفع البلاء والعقوبات، والمعاصي سبب لحلول النكبات والمصيبات.
3/3 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». مُـتَّـفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَاهُ: لا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ، لأنَهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلاَمٍ.
غريب الحديث:
استنفرتم: طُلب منكم النفير، وهو الخروج للجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) بشرىٰ للمؤمنين أن مكة المكرمة لن تعود بلاد كفر، بل ستبقىٰ بلاد إسلام إلىٰ أن تقوم الساعة.
2) المسلم يدافع عن دين الله، ويجاهد أعداء الله، لتكون كلمة الله هي العليا، فيدافع عن وطنه؛ لأنه بلد إسلامي، فدفاعه عنه؛ حمايةً للإسلام، ودفاعاً عن حرمات المسلمين.
فائـدة:
ــ المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : «لا هجرة بعد الفتح» لمن لم يكن قد هاجر قِبَلَه صلى الله عليه وسلم ، أما الهجرة من بلاد الكفر فباقية إلىٰ قيام الساعة، لأن المسلم يهاجر إلىٰ البلد الذي يستطيع فيه إقامة شعائر الله، والمحافظة علىٰ دينه، قال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].
ــ متىٰ يكون الجهاد فرض عين؟
في حالات:
1) إذا استنفر ولي الأمر الناس للجهاد في سبيل الله .
2) إذا حصر العدو بلدة صار الجهاد فرض عين، ووجب علىٰ كل أحد قادرٍ من أهلها أن يقاتل؛ لأن هذا القتال دفاع عن الحرمات.
3) إذا التقىٰ الصفان ـ صفُّ الكفار وصفُّ المسلمين ـ فلا يجوز لأحد أن ينصرف ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ﴾ [الأنفال: 15]. وقد جعل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «التولي يوم الزحف من السبع الموبقات». متفق عليه.
4) إذا كَانَ الإنسان محتاجاً إليه في الجهاد، بحيث لا يكون غيره قائماً بالواجب، فإنه يتعين عليه أن يجاهد، كحال رجل مُحتاجٌ إليه في معرفة سلاح معين، فإنه يتعين عليه أن يجاهد.
4/4 ــ وعَنْ أَبِي عَبْدِ الله جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأنصَارِيِّ رضي الله عنهما قَالَ: كُـنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً إِلاَ كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «إلاَ شَرَكُوكُمْ فِي الأجْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إنَّ أَقْوَاماً خَلْفَنَا بِالمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً وَلاَ وَادِياً إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
هداية الحديث:
1) من خرج في سبيل الله في الغزو والجهاد فإن له أجر ممشاه ، وهذا من فضل الله أن يكون لوسائل العمل مثل أجر العمل، فالوسائل لها أحكام المقاصد.
2) إذا نوىٰ الإنسان العمل الصالح، ثُمَّ حُبِسَ عَنْهُ، فإنه يُكتبَ له أجر ما نوى.
5/5 ــ وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَخْنَسِ رضي الله عنهم، وَهُوَ وأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابيِّونَ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُه إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
هداية الحديث:
1) الأعمال بالنيات؛ فالإنسان يكتب له أجر ما نوى، وإن وقع الأمر علىٰ خلاف ما نوى.
2) جواز أن يتصدق الرجل علانية، إذا كان في إظهار الصدقة مصلحة.
3) يجوز للأب أن يعطي ولده من الزكاة إن كان الابن من مستحقي الزكاة، بشرط ألا يقصد الأب بهذا العطاء إسقاط أمر النفقة الواجبة عليه نحو ابنه.
6/6 ــ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ مَالِكِ بْنِ أُهَيْب بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بن زَهْرَةَ بْنِ كِلاَبِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِب الْقُرَشِيِّ الزُهْرِيّ رضي الله عنه، أَحَدِ الْعَشَرَةَ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّة، رضي الله عنهم، قَالَ: «جَاءني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَاَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: لا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ــ أَوْ كَبِيرٌ ــ، إِنَّكَ إنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكَفَّفُونَ النَاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إلَّا أُجرْتَ بِهَا، حَتَّىٰ مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِك. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله إِلا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَىٰ يَنْتَفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. اللهم أَمْضِ لأَصْحَابِي هجْرَتَهُم، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِهِمْ، لكِن الْبَائسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ» ـ يَرْثي لَهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ــ مُتفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
يتكففون: أي يسألون بأكفهم عطاءَ الناس.
عالة: فقراء، جمع عائل.
أُخَلّف بعد أصحابي؟: هل أتأخر عنهم؟.
تُخلّف: تُعَمَّر في الدنيا.
يرثي له: يحزن لحاله.
هداية الحديث:
1) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أصحابه؛ يزورهم، ويتفقد أحوالهم، ويدعو لهم.
2) مشروعية عيادة المريض واستحبابه، لما في ذلك من الهداية للزائر والمريض.
3) يُستحب للعبد مشاورة أهل العلم، لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه استشار النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يتصرف بشيء من ماله، وهذه من طرق توثيق الصلة بين العامَّة وعلماء الأُمة.
4) ما من إنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله إلا ازداد به رفعة ودرجة، حتىٰ النفقة علىٰ أهله وزوجته ونفسه. فعلىٰ العبد أن يستحضر نية التقرب إلىٰ الله في كل ما ينفق حتىٰ يكون له تمام الأجر.
7/7 ــــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَحْمن بْنِ صَخْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلَىٰ أَجْسَامِكُمْ، وَلاَ إِلىٰ صُوَرِكُمْ، وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَىٰ قُلُوبِكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) العِبرة في الحب والرضا علىٰ الأعمال الصالحة، والنيات الصادقة، فهما ميزان قَبول العبد عند ربه، فرُبّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية.
2) من دلائل توفيق الله للعبد: سعيه في إصلاح نيته، وتطهير قلبه بصالح الأعمال.
8/8 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ الأَشْعَريِّ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله». مُتـَفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
حمية: عصبية لقومه أو بلده.
هداية الحديث:
1) بيان تفاوت الناس في النيات عند القتال، فأصلحهم نية من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
2) سبيل الله واحد، وسبل الشيطان كثيرة، والمهتدي من هداه الله تعالىٰ لسلوك سبيله. كما قال سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ} [الأنعام: 153].
9/9ــ وَعَنْ أَبِي بكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ الثَقَفِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا الْتَقَىٰ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ، هذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ّ قَالَ: «إِنَهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَىٰ قَتْلِ صَاحِبِهِ». مُتَّفَق عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) التنبيه علىٰ القاعدة العظيمة: «الأعمال بالنيات»؛ فإن هذا لمّا نوىٰ قتل صاحبه، وعمل السبب الموصل إليه، وحال دون ذلك تفوُّقُ الآخر عليه، صار كالفاعل للقتل.
2) التنبية علىٰ الفرق بين من قاتل دفاعاً ليصد المعتدي الصائل، وبين من قاتل ينوي قتل صاحبه.
3) الترهيب من عظم القتل، فهو من أسباب دخول النار.
4) طريقة الصحابة رضي الله عنهم في طلب العلم، أنهم كانوا يوردون الإشكال علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجيبهم عنه. وليس في الكتاب أو السنة شيء مشتبه إلا وُجد حلّه ابتداءً، أو جواباً علىٰ سؤال.
10/10ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم : «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَماعَةٍ تَزِيدُ عَلَىٰ صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ وَذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ أتَىٰ الْمَسْجِدَ لا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَلاَةُ، لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَىٰ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد كَانَ فِي الصَّلاَةِ مَا كَانَتِ الصَّلاَةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلاَئِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَىٰ أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذي صَلَّىٰ فِيهِ يَقُولُونَ: اللهم ارْحَمْهُ، اللهم اغْفِرْ لَهُ، اللهم تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِم.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : «يَنْهَزُه» هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَبالزَّايِ: أيْ يُخْرِجُهُ وَيُنْهِضُهُ.
غريب الحديث:
بضعاً: البِضع بكسر الباء من الثلاثة إلىٰ العشرة.
هداية الحديث:
1) فضيلة شهود الجماعة في المسجد .
2) استحباب وضوء الرجل في بيته لشهود الجماعة ليعظم الأجر.
3) اعتبار النية في حصول هذا الأجر العظيم؛ فمن لم يستحضر النية الخالصة نقص أجره.
4) العبد في خير ما انتظر الخير.
فائدة:
اعلم أخي المسلم ــ وفقك الله ــ أن صلاة الجماعة فرض عين علىٰ كل مسلم سمع النداء وليس له عذر، وأدلة وجوبها كثيرة، فمن ذلك: قوله تعالىٰ: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: 102] فأوجب الله الجماعة في حال القتال مَعَ وجود الخوف، ففي حال الأمن والسلم من باب أولىٰ وأحرى.
وفي السنة ورد وجوب الجماعة علىٰ الرجل الأعمىٰ الضرير، فكيف تكون علىٰ البصير؟
11/11 ــ وَعَنْ أبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّـيِّـئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَىٰ سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ إِلَىٰ أَضْعَافٍ كَثِيرَةِ، وَإنْ هَمَّ بِسيِّئةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَها كَتبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». مُـتَفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إن النية الصالحة توصل صاحبها إلىٰ الخير.
2) تفاوت الحسنات مبني علىٰ الإخلاص والمتابعة؛ فكلما كَانَ العبد أخلص لله، وأحرص علىٰ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل، وثوابه أكثر.
3) من ترك فعل المعصية خوفاً من الله أُثيب علىٰ ذلك، كما جاء مفسَّراً في حديث: «إنما تركها من جرَّائي». رواه مسلم عن أبي هريرة.
4) من رحمة الله تعالىٰ أن يجازي العاصي بعدله، والطائع بفضله وكرمه.
12/12 ــ وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمن عبد الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّىٰ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلىٰ غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهمُ الْغَارَ. فَقَالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللهم كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهما أَهْلاً وَلا مالاً ، فَنَأَىٰ بِي طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْماً فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّىٰ نَامَا، فَحَلَبْت لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقظَهُمَا وَأنْ أغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاَ، فَلَبِثْتُ ـ وَالْقَدَحُ عَلَىٰ يَدِي ـ أنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَىٰ بَرَقَ الْفَجْرُ، والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي، فاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللهم إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئاً لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ. قَالَ الآخرُ: اللهم إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَفِي رِوَاية: كُنْتُ أُحبُّهَا كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَأَرَدْتُهَا عَلَىٰ نَفْسَها فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّىٰ أَلَمَّتْ بِها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمَائةَ دِينَارٍ عَلَىٰ أَنْ تخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ، حَتَّىٰ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَاوَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللهم إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَخْرَةُ غَيْرَ أَّنهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج مِنْهَا. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللهم اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُل وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّىٰ كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعْدَ حِين فَقَالَ: يَا عَبْدَ الله أَدِّ إِلَيَّ أجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَىٰ مِنْ أَجْرِكَ؛ مِنَ الإبِلِ وَالْبقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الله لا تَسْتَهْزِئْ بِي! فَقُلْتُ لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شيْئاً، اللهم إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ». مُتَفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
نفر: الجماعة من الرجال.
المبيت: المكان الذي يبيت فيه الإنسان.
أغبق: الغبوق: ما يشرب مساءً.
نأىٰ: أبعد.
أرح: أرجع.
يتضاغون: يصيحون من شدة الجوع.
سَنَة: جدب وقحط.
لا تفض الخاتم: التحذير من ارتكاب الزنىٰ.
هداية الحديث:
1) الإخلاص من أسباب تفريج الكربات؛ لأن كل واحد منهم يقول: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه».
2) الأعمال الصالحات سبب لتفريج الكربات.
3) فضيلة بر الوالدين، والعفة عن الزنىٰ، وفضل الأمانة وإصلاح العمل للغير.
4) إن الله سميع الدعاء، لا يخيب دعاء من صدق في دعواه، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ إخلاص الدعاء لله .
5) إن من أنواع التوسل المشروع: التوسل إلىٰ الله بالأعمال الصالحة الخالصة.
فائـدة:
قال الإمام الزاهد مُطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير ــ رحمه الله تعالىٰ ــ :
«صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية».
ذكره الحافظ ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم).
2 ــ باب التوبة
قالَ العُلَماءُ: التَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الله تَعَالَىٰ ــ لا تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيّ ــ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقْلعَ عَنْ المَعْصِيَةِ.
والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَىٰ فِعْلِهَا.
والثالث: أَنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاَثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ.
وإِنْ كَانَتِ المَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بآدَمِي فَشُرُوطُهَا أَرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاَثَةُ، وَأَنْ يَبْرَأَ مِنْ حَقِّ صَاحِبِها، فَإنْ كَانَتْ مَالاً أَو نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وَإِنْ كَانَتْ حَدَّ قَذْفٍ وَنَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وَإنْ كَانَتْ غِيبَةً اسْتَحَلَّهُ مِنْهَا. وَيجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، فإنْ تَابَ مِنْ بَعْضِهَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ، وَبقِي عَلَيْهِ البَاقي. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وإجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلىٰ وُجُوبِ التَّوْبَةِ:
قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [النور: 31 ] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ} [هود: 3] ، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا} [التحريم: 8 ].
فائدة:
يُضاف إلىٰ شروط التوبة الثلاثة التي ذكرها المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
أن تكون التوبة في زمن تُقبل فيه، وذلك نوعان:
النوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه، فلابد أن تكون قبل حلول الموت.
النوع الثاني: باعتبار عموم الناس، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لا تنقطعُ الهجرةُ حتىٰ تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتىٰ تَطلعَ الشَّمسُ من مَغربِهَا» رواه أحمد. فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع التوبة.
هداية الآيات:
1) وجوب التوبة من المعاصي، وبيان فضلها وأجرها، فالله يحب التوّابين.
2) التوبة سبب للفلاح، والموفْق من عباد الله من سعىٰ إلىٰ باب من أبواب الفلاح فلزمه.
1/13ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «واللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
2/14 ــ وَعَنْ الأَغَرِّ بْنِ يَسَارٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يا أيّها النَّاسُ تُوبُوا إِلَىٰ الله واستغفروه، فَإنِّي أتُوبُ إليه فِي الْيَوْمِ مائَةَ مَرَّةٍ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الأحاديث:
1) وجوب التوبة؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بها، فَقَالَ: «يا أيها الناس توبوا إلىٰ الله »، وكان يبادر إلىٰ التوبة دوماً، وهذا فيه امتثال أمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به.
2) بيان عظم تعبد الرسول صلى الله عليه وسلم لربِّه، وإخلاصه التوبة له.
3) من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعلم الناس بلسان مقاله، ولسان حاله.
4) من آداب الداعي إذا أمر الناس بأمر أن يكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهاهم عن شيء فليكن أول من ينتهي عَنْهُ.
3/15ــ وعَنْ أَبي حَمْزةَ أَنسِ بن مَالكٍ الأنصَارِيِّ ــ خَادِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لَلهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَىٰ بَعِيرِهِ وقد أضَلَّهُ في أَرضٍ فَلاةٍ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمُسْلمٍ: « للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، حِينَ يَتُوبُ إلَيهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كان علىٰ رَاحِلَتهِ بأَرْضٍ فَلاةٍ، فَانفَلَتَتْ مِنْهُ وعَلَيْهَا طَعَامُهُ وشَرَابُهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَىٰ شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، وقد أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلكَ إذا هُوَ بِها قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللهم أنتَ عَبدِي وأَنا رَبُّكَ، أَخطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ».
غريب الحديث:
فلاة : الصحراء الواسعة لا ماء فيها.
الخطام: الحبل الذي يُقاد به البعير.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ التوبة؛ لأن الله يحبها من عبده ويرضاها.
2) محبة الله تعالىٰ لتوبة عبده من مصلحة العبد، فإنه سبحانه يحب أن يعفو ويغفر، والعفو أحب إليه من العقوبة، ولهذا يفرح بتوبة عبده.
3) إثبات الفرح لله سبحانه وتعالىٰ ــ فهو سبحانه يفرح ويغضب ويحب ويكره ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ــ فهو فرح يليق بعظمته وجلاله، لا يماثل فرح المخلوقين.
فائـدة:
لا يؤاخذ الإنسان بالقول الذي هو كفر إذا صدر منه عن خطأ أو سبق لسان، ولم يقصد معناه، بخلاف القاصد أو المستهزئ إذا قال كلمة الكفر، وهذا من رحمة الله سبحانه بعباده، كحال الرجل الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك».
4/16 ــ وعَن أبي مُوسىٰ عَبدِ الله بنِ قَيس الأشعَرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالىٰ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُط يَدَهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَيْلِ، حَتَىٰ تَطْلُع الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الله تعالىٰ يقبل التوبة من العبد وإن تأخرت، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بعبده المذنب.
2) محبة الله تعالىٰ للتوبة، ولهذا قبلها من العبد، وبسط يده لها.
3) إن المبادرة إلىٰ التوبة والتعجيل بها من أسباب رضا الله عن عبده.
5/17ــ وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيْهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من شروط التوبة أن تقع في وقتها الشرعي العام؛ لحديث: «لا تنقطع التوبة حتىٰ تطلع الشمس من مغربها». رواه أحمد.
2) طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى، وبعدها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.
3) الإيمان النافع هو الإيمان الاختياري، أما الإيمان الصادر بعد مجيء الآيات المنذرة فإنه لا ينفع؛ لأنه إيمان اضطراري، كما قال تعالىٰ عن فرعون: {ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [يونس: 90].
6/18 ــ وعَنْ أَبي عَبْدِ الرحمْن عَبْدِ الله بن عُمَرَ بن الخَطَّاب رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ يقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». رواه الترمذي وقَال: حديثٌ حسن.
غريب الحديث:
يغرغر: تبلغ روحه الحلقوم.
هداية الحديث:
1) حضور الموت هو الوقت الذي لا تنفع التوبة معه، ولهذا لابد أن تقع التوبة في وقتها الشرعي الخاص بالعبد قبل حضور الأجل.
2) الإيمان الاضطراري عند حضور الموت لا ينفع العبد، لأنه شاهد الموت أمامه. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ اغتنام حياته قبل أن يفجأه الموت.
7/19ــ وَعَنْ زِرِّ بْن حُبـَيْشٍ قَالَ: أَتيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ رضي الله عنه أَسْأَلُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَىٰ الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتغَاء الْعِلْمِ، فقالَ: إنَّ الْمَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضىٰ بمَا يَطْلُبُ، فَقُلْتُ: إنَّه قَدْ حَكَّ في صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَىٰ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَءاً مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَجِئْتُ أَسْألُكَ: هَلْ سَمعتَهُ يَذْكُرُ في ذلِكَ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأمُرنَا إذَا كُنَّا سَفْراً ـ أَوْ مُسَافِرِينَ ـ أنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ إلَّا مِنْ جَنابَةٍ، لكِنْ مِنْ غَائطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُر في الْهَوَىٰ شَيْئاً؟ قالَ: نَعَمْ، كُنَّا مَعَ رسول الله في سَفَرٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إذْ نَادَاهُ أعْرَابيّ بصَوْت لَهُ جَهْوَريٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأَجَابَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نَحْواً مِنْ صَوْتِهِ: (هَاؤُمُ)، فَقُلتُ لَهُ: وَيْحَكَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإنَّكَ عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذا، فقالَ: وَالله لا أغْضُضُ، قَالَ الأَعْرَابيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَمَا زَالَ يُحَدِّثنا حَتَّىٰ ذَكَرَ بَاباً مِنَ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةُ عَرْضِه أَوْ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ عَاماً. قَالَ سُفْيَانُ أحَدُ الرُّوَاةِ: قِبَلَ الشَّامِ، خَلَقَهُ الله تَعَالَىٰ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَات وَالأَرْضَ مَفْتُوحاً لِلتَّوْبَةِ ، لا يُغْلَقُ حَتَىٰ تَطْلُعَ الشَمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
هاؤم: بمعنىٰ خذ، والمراد: الإجابة لمن ناداه.
هداية الحديث:
1) فضيلة العلم وطلبه، والعلم النافع: هو علم ما جاء في الكتاب والسنة النبوية، وطلبه من الجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
2) «وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضىٰ بما يصنع»: نؤمن به علىٰ ظاهره؛ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه علىٰ الرأس والعين، نؤمن به، ونصدّق دون تردد أو شك، وكثيراً ما تأتي السنن ووجوه الحق، علىٰ خلاف الآراء والأهواء.
3) المسح علىٰ الخفين من شعار أهل السنة، وهو ثابت بالسنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
4) المؤمن إذا أحب قوماً من أهل الإيمان صار معهم، وإن قصّر به عمله.
5) الترغيب في الوصية العظيمة: «المرء مَعَ من أحب»، فواجبٌ محبة أهل العلم والإيمان، وبغض أهل الكفر والعدوان.
6) من بركة أرض الشام أن باب التوبة خلقه الله تعالىٰ قِبَل الشام.
8/20 ــ وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مالكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عن نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَم أهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَىٰ رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وتسْعِينَ نَفْساً، فهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مَائَةً. ثُمَّ سَألَ عَنْ أَعْلَم أهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ عَلَىٰ رَجُلٍ عَالِمٍ فقالَ: إنَّهُ قَتَلَ مَائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ ؟ فقالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَة؟ انْطَلِقْ إِلَىٰ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإنَّ بهَا أناساً يَعْبُدُونَ الله تعالىٰ فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَىٰ أَرْضِكَ فَإنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّىٰ إذَا نَصَفَ الطَّريقُ أتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فيهِ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائكَةُ الْعَذَابِ، فقالَتْ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إلَىٰ الله تعالىٰ، وقالَتْ مَلائكَةُ الْعَذَابِ: إنَهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَـأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آدَمِيِّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فقالَ: قيسُوا ما بَيْن الأَرْضَيْنِ فَإلَىٰ أَيَّتِهمَا كَانَ أَدْنَىٰ فَهْو لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَىٰ إلىٰ الأرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائكَةُ الرَّحْمَة». متفق عليه.
وفي روايةٍ في الصحيح: «فَكَانَ إلَىٰ الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا» وفي رِواية في الصحيح: «فَأَوْحَىٰ اللهُ تَعَالَىٰ إلَىٰ هذِهِ أنْ تَبَاعَدِي، وإلَىٰ هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَوَجَدُوهُ إلَىٰ هذِه أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ». وفي روايةٍ: «فَنَأىٰ بِصدْرِهِ نَحْوهَا».
هداية الحديث:
1) فضيلة العلم وأهله، فالعالِم يرشد الناس؛ ولا يقنّطهم من رحمة الله تعالىٰ، بخلاف العابد الراهب الذي لا علم عنده.
2) أثر المكان علىٰ الإنسان صلاحاً وفساداً، فأرض الطاعة تحضّ المؤمن علىٰ الخير، وأرض السوء تضعف المؤمن أو تُقْعِده عن فعل الخير.
3) النية الصادقة تكمل عمل المؤمن، وإن لم يباشره.
4) سعة رحمة الله بعباده؛ فقد فتح للمسرفين باب التوبة، وقَـبِل توبتهم.
5) من فعل ذنباً ثُمَّ ندم علىٰ ارتكابه، فندمه دليل علىٰ صحة توبته، لقوله صلى الله عليه وسلم : «الندم توبة» رواه أحمد.
فائـدة:
إذا قَتَل القاتلُ تعلق به ثلاثة حقوق:
الحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.
أما حق الله، فالله يغفره بالتوبة.
أما حق المقتول، فإن توبة القاتل لا تنفعه؛ لأنه لا يمكن الوصول إلىٰ استحلاله، فهذا الحق يبقىٰ القاتلُ مُطالَباً به، والله يفصل بينهم يوم القيامة.
وأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل حتىٰ يسلّم نفسه إلىٰ أولياء المقتول، فإما أن يعفوا عَنْهُ أو يطلبوا القصاص أو الدية.
9/21 ــ وعَنْ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالكٍ، وكَانَ قائِدَ كَعْبٍ رضي الله عنه مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالكٍ رضي الله عنه يُحَدِّثُ بحَدِيثِهِ حِينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّف عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ، إنَّمَا خَرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمُسْلمُونَ يُريدُونَ عِيْرَ قرَيْشٍ حَتَّىٰ جَمَعَ الله تَعَالَىٰ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوّهِمْ عَلَىٰ غَيْرِ ميعَادٍ. ولَقَدْ شَهدْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَىٰ الإسْلامِ، ومَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكَانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ أنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أقْوىٰ وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّىٰ جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ غَزْوَةً إلَّا ورَّىٰ بِغَيْرِهَا، حَتَّىٰ كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاسْتَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّىٰ للْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذي يُريدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رسولِ الله كثِيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدِّيوَانَ). قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أَنَّ ذلِكَ سَيَخْفَىٰ بِهِ مَا لَمْ يَنْزِل فيهِ وَحْيٌ مِنَ الله ، وَغَزَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَت الثَمَارُ والظِّلالُ، فَأنَا إِلَيْهَا أصْعَرُ. فَتَجَهَّزَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّز مَعَهُ، فأَرْجعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ في نَفْسي: أنَا قَادِرٌ عَلَىٰ ذلكَ إذَا أرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَىٰ بي حَتَّىٰ اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأَصْبَحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غَادِياً وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَىٰ بي حَتّىٰ أسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَالَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْزُنُنِي أَنِّي لا أرَىٰ لِي أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْه في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تعالَىٰ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّىٰ بَلَغَ تَبُوكَ، فقالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالكٍ؟» فقالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رسولَ الله حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ، فقالَ لَهُ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: بِئْسَ ما قُلْتَ! وَاللهِ يا رسولَ الله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلَّا خَيْراً، فَسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . فَبَيْنَا هُوَ عَلَىٰ ذلِكَ رَأىٰ رجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بهِ السَّرَابُ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كُنْ أبَا خَيْثَمَةَ»، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزهُ المنَافِقُونَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَني بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأقُولُ: بِمَ أَخرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَداً؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَىٰ ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أَظَلَّ قادِماً زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّىٰ عَـرَفْتُ أنِّي لَم أَنْجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَادِماً، وكَانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُون يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَاً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَىٰ الله تَعَالَىٰ حَتَّىٰ جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّىٰ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ!» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله إنِّي واللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْركَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ منْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ ؟ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلكِنَّنِي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثُ كَذبٍ تَرْضَىٰ بِه عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ يُسْخِطُكَ عَلَيَّ، وَإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَىٰ الله _عز وجل_، وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَىٰ وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.
قالَ: فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أَمَّا هذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّىٰ يَقْضيَ اللهُ فيكَ» وَسَارَ رجالٌ مِنْ بَنِي سَلِمةَ فاتَّبَعُوني، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ في أَنْ لا تَكُونَ اعتَذَرْتَ إلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَا اعْتَذَرَ إليهِ الْمُخَلَّفُونَ فقَدْ كانَ كَافيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَكَ. قَالَ: فَواللهِ ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّىٰ أرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إلَىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلاَنِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، قَالَ قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ ربيعَة الْعُمْرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قالَ: فَذَكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قالَ: فَمَضَيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي. وَنَهَىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ كَلامِنَا ـ أَيُّها الثَّلاثَةُ ـ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قالَ: فاجْتَنبَنَا النَّاسُ ـ أوْ قالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا ـ حَتَّىٰ تَنكّرَتْ لي في نَفْسِيَ الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ، فَلَبثْنَا عَلَىٰ ذَلِكَ خَمْسين لَيْلَةً. فَأمَّا صَاحبَايَ فَاسْتكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ، وَأَمَّا أنا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ الْمُسْلِمينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه بَرَدِّ السَّلامِ أَمْ لا ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذَا أقْبَلْتُ عَلَىٰ صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإذَا الْتَفتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّىٰ إذَا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمينَ مَشَيْت حَتَّىٰ تَسَوَّرْت جدَارَ حَائط أبي قَتَادةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلت لَه: يَا أَبَا قَتَادَةَ أنْشُدكَ بالله هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ اللهَ وَرسُولَه صلى الله عليه وسلم ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْتُه فَسَكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّىٰ تَسَوَّرتُ الْجدَارَ، فَبَيْنَما أَنَا أَمْشِي في سُوقِ الْمَدِينَة إذَا نَبَطيٌّ منْ نَبَطِ أهْل الشَّام مِمَّن قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بالْمَدِينَةِ يقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَىٰ كَعْبِ ابنِ مالكٍ ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشيرُونَ لَهُ إلَيَّ، حَتَّىٰ جَاءني فَدَفَعَ إلَيَّ كتَاباً منْ مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنْتُ كَاتِباً فَقَرَأْتُهُ فَإذَا فيهِ: أمَّا بَعْدُ فَإنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأتُهَا: وَهذِهِ أيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّـنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّىٰ إذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إذَا رسولُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي، فَقَالَ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَن تَعْتزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذَا أفْعَلُ ؟ قَالَ: لا، بَل اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا، وَأرْسَلَ إلَىٰ صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَىٰ يَقْضِيَ اللهُ في هذَا الأَمْرِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ لَهُ:يا رسولَ الله إنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ»، فَقَالَتْ: إنَّهُ وَاللهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إلَىٰ شَيْءٍ، وَوَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إلَىٰ يَوْمِهِ هذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أذنَ لاِمْرَأَةِ هِلالِ بْن أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ ؟ فَقُلْتُ: لا أَسْتَأذِنُ فِيهَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وَمَا يُدْريني مَاذَا يَقُولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأنَا رَجُلٌ شَابٌ ! فَلَبِثْتُ بِذلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً منْ حينَ نَهَىٰ عَنْ كَلامَنا.
ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسينَ لَيْلَةً عَلَىٰ ظَهْرِ بَيتٍ منْ بُيُوتنَا، فَبَيْنَما أنَا جَالسٌ عَلَىٰ الْحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَىٰ منَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوْفَىٰ علىٰ سَلْعٍ يَقُولُ بأَعْلَىٰ صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْت أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، فآذَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ بِتَوْبـَةِ الله _عز وجل_ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّىٰ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إلَيَّ فَرَساً، وَسَعَىٰ سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي وَأَوْفَىٰ عَلَىٰ الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ ببشارَتهِ، وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّـئُونني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حَتَّىٰ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله رضي الله عنه يُهَرْوِلُ حَتَّىٰ صَافَحَنِي وَهَنَّأنِي، واللهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَىٰ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُرُور: أَبْشِرْ بخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَقُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يا رسولَ الله أَمْ مِنْ عِنْدِ الله؟ قَالَ: لا، بَلْ مِنْ عِنْد الله _عز وجل_، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّىٰ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أَنْخَلعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَىٰ الله وَإلَىٰ رَسُولِهِ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمْسِك عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فقلتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذي بخَيْبَرَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّ الله تَعَالَىٰ إنَّمَا أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتي أَنْ لا أُحَدِّثَ إلَّا صدْقاً مَا بَقِيتُ. فَوَالله مَا عَلِمْتُ أحَداً مِنَ الْمُسلِمِينَ أبْلاهُ اللهُ تعالىٰ في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِي اللهُ تعالىٰ، وَاللهِ ما تَعَمَّدْتُ كِذْبةً منذُ قلتُ ذلِكَ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَىٰ يَوْمِي هذَا، وإنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللهُ تعالىٰ فيمَا بَقِيَ، قال: فأَنْزَلَ الله تعالىٰ: {لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ} حَتَّىٰ بَلَغَ: ﴿إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ * وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ﴾ حَتَّىٰ بَلَغَ: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [التوبة: 117ــ 119] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أَنْعَمَ اللهُ عَليَّ مِن نِعمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدانِي اللهُ للإسْلام أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هلكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ اللهَ تعالىٰ قال لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْي شَرَّ مَا قالَ لأَحَدٍ، فقالَ الله تعالىٰ: {سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ * يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [التوبة:95 ــ 96].
قالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا ــ أَيُّهَا الثَّلاثَةُ ــ عَنْ أَمْرِ أُولئِكَ الَّذينَ قَبِلَ منْهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهم، وأَرجَأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمْرَنَا حَتَّىٰ قضَىٰ اللهُ تعالَىٰ فيه بذلِكَ قال الله تعالىٰ: {وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} وَلَيْسَ الَّذي ذكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تخَلُّفَنَا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيَّانَا، وإرْجاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقبِلَ مِنْهُ. متفق عَليه.
وفي روايةٍ «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخمِيسِ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخمِيسِ» وفي رواية: «وكانَ لا يقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلَّا نَهَاراً في الضحَى، فإذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمسْجِد فصَلَّىٰ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَس فِيهِ».
غريب الحديث:
عِيْر: الإبل المحمّلَة. ورَّى: أوضح أنه يريد غيرها.
مفازاً: الأرض الطويلة البعيدة. أهبة: ما يتزود به المسافر.
أصعر: أميل. تفارط: فات وسبق.
مغموصاً: مطعوناً فيه.
حبسه برداه والنظر في عطفيه: التفاخر بالثياب والتباهي بها.
مبيضاً: لابساً البياض. بثي: الحزن الشديد.
ابتعت: اشتريت. حائط: بستان.
نبطي: فلاح. فطفق: أصبح.
فسجرتها: أوقدتها بالنار. استلبث: تباطأ.
سلع: اسم جبل بالمدينة. أتأمم: أقصد.
أنخلع: أخرج. أرجأ: أخَّرَ.
هداية الحديث:
1) جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وما آل إليه أمره، وفي ذلك التحذير والنصيحة، وبيان طرق الخير ليسلكها، وطرق الشر ليحذرها.
2) الرجل إذا حضرت له فرصة الطاعة، فالحزم كل الحزم في اغتنامها والمبادرة إليها، لأن الله سبحانه قد يعاقب مَنْ فُتح له باب الخير فلم يدخله ألا يوفِّقه لغيره، بل قد يبتلىٰ بالاشتغال بما يضره.
3) مشروعية ترك السلام علىٰ من أحدث حدثاً؛ تأديباً له، بحسب المصلحة. وجواز معاتبة الرجل أصحابه بقصد تأديبهم.
4) المعاصي سبب للتنكر والوحشة في قلب العبد، ولكن بحسب مادة الحياة في قلب المؤمن يكون الإحساس بذلك.
5) إتلاف ما يُخشىٰ منه المضرة في الدين، فالنصيحة للمؤمن أن يخرج ما عنده من المنكرات في بيته، لئلا تضعف نفسه فيواقعها.
6) خير أيام العبد علىٰ الإطلاق وأفضلها يوم توبة الله عليه، وقبول توبته.
7) من ندم علىٰ الذنب وفقه الله للتوبة وأعانه عليها.
10/22ــ وَعَنْ أبي نُجَيْدٍ ـ بضَمِّ النُّونِ وفتْحِ الجِيم ـ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلَىٰ مِنَ الزِّنى، فقالَتْ: يا رسولَ الله أصَبْتُ حَدّاً فأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وَليَّها، فقالَ: «أحْسِنْ إلَيْهَا، فإذَا وَضَعَتْ فَأْتِـنِي» فَفَعَلَ. فأمَرَ بهَا نَـبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّىٰ عَلَيْهَا، فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يا رسول الله وقَدْ زَنَتْ؟ قالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المدينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضلَ مِن أن جَادَتْ بنَفْسِهَا لله _عز وجل_؟!». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أصبت حدّاً: أي أصبت شيئاً يوجب الحدّ.
شُدّت: لُفت ثيابها وربطت.
هداية الحديث:
1) الزاني إذا زنىٰ وهو مُحصن متزوّج، فإنه يُرجم وجوباً. وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَجم الخلفاء الراشدون من بعده ، وهذا الحد رحمة من الله تعالىٰ بعبده ليطهره من الذنب.
2) الجزاء من جنس العمل، لأن الزاني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.
3) جواز إقرار الإنسان علىٰ نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد، لا من أجل فضح نفسه والمجاهرة بالمعاصي.
11/23 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَىٰ مَنْ تَابَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) طبيعة الإنسان أنه يحب التكاثر بالمال؛ إلا من زكّىٰ نفسه وذكّرها لقاء الله تعالىٰ.
2) التوبة إلىٰ الله تعالىٰ سبب للانكفاف عن المحرمات، والرضا بما قسم الله للعبد من الرزق.
3) التوبة يمحو الله بها السيئات، ولو كانت متعلقة بالحقوق المالية، بشرط أن يؤديها إلىٰ أهلها.
12/24ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَضْحَكُ الُله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ إلَىٰ رَجُـلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هذَا في سَبِيلِ الله فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ عَلَىٰ الْقَاتِلِ، فَيُسْلِم فَيُسْتَشْهَدُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد، حتىٰ إن القاتل والمقتول كليهما يدخلان الجنة، من غير غل ولا حقد، وهذا هو وجه الضحك من هذين الرجلين.
2) «الإسلام يهدم ما قبله»، و«التوبة تجبُّ ما قبلها»، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تجديد توبته دوماً.
3 ــ باب الصبر
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: 200]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]، وقال تعالىٰ: ﴿ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31]. والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.
فائدة:
الصبر لغةً: الحبس، وشرعاً: حبس النفس علىٰ ثلاثة أمور، الأول: علىٰ طاعة الله، الثاني: عن محارم الله، الثالث: علىٰ أقدار الله المؤلمة.
هداية الآيات:
1) أمر الله سبحانه المؤمنين بالثبات علىٰ طاعته، وترك المعاصي، والرضىٰ بقضائه وقدره.
2) لا يزال البلاء بالمؤمنين اختباراً لهم، ولمجازاتهم علىٰ صبرهم، كلٌّ بحسب ما عنده من الإيمان والصبر.
3) الصبر من مكارم الأخلاق والأفعال الحميدة والأمور المشكورة، التي لا يقدر عليها إلا فحول الرجال.
1/25 ــ وَعَن أبي مَالكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان، وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله تَمْلآنِ ــ أوْ تَمْلأُ ــ مَا بَيْنَ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أوْ مُوبِقُهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يغدو: يروح ويسعى.
معتقها: يخلّص نفسه من العذاب.
موبقها: يوقع نفسه في الهلاك.
هداية الحديث:
1) فضل الطهارة في الإسلام، حتىٰ كانت نصف الإيمان.
2) بيان فضل ذكر الله _عز وجل_ وعظمة أجره.
3) الصلاة تضيء لصاحبها طريقَ الحق في الدنيا، والصِّراطَ في الآخرة.
4) بيان فضل الصبر؛ فهو أمر محمود يضيء للعبد عندما تشتد به الكربات. وقد وُصف بالضياء، لأن فيه إحراقاً وإشراقاً، لمشقته وصعوبته.
5) الاهتمام والعناية بكتاب الله _عز وجل_ ؛ تلاوةً، وفهماً، وعملاً، ودعوةً، واستغناءً بالوحي عما سواه، فهذا حظ المؤمن الذي يحرص علىٰ كتاب الله تعالىٰ.
2/26ــ وَعَنْ أبي سَعيد سَعْد بْنِ مَالكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْريِّ رضي الله عنهما أنَّ نَاساً منَ الأنْصَارِ سَألُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّىٰ نَفِدَ مَا عِنْدَه، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِن خَيْرٍ فَلَن أدَّخِرَهُ عَنكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إذا استعف العبد عن الحرام أعفّه الله _عز وجل_، وحماه وحمىٰ أهله من هذه المحرمات وفتنتها.
2) إذا استغنىٰ العبد بما عند الله عما في أيدي الناس أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال.
3) من أفضل النعم علىٰ العبد أن يكون صابراً في كل أموره.
3/27 ــ وَعَنْ أبِي يَحْيَىٰ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «عَجَباً لأمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذلِكَ لأحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِن: إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَـكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ». رواه مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الشكر عند السراء، فهو من أسباب زيادة النعم.
2) المؤمن الذي كَمُل إيمانه، وخلص يقينه، يشكر الله في السراء، ويصبر علىٰ الضراء.
3) فضيلة الصبر؛ فهو من أخص صفات المؤمنين.
4/28 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاه الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: وَاكَرْبَ أبَتاه، فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَىٰ أبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أبَتَاه أجَابَ رَبّاً دَعَاه، يَا أبَتاه جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أبَتَاه إِلىٰ جِبْريلَ نَنْعَاه، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: أطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ؟ رَوَاهُ البُخَارِيّ.
غريب الحديث:
يتغشاه الكرب: تنزل به الشدة من سكرات الموت.
ننعاه: من النعي، وهو الإخبار بالوفاة.
هداية الحديث:
1) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر؛ يُمرض ويجوع ويعطش، فلا يجوز الاستغاثة أو الاستنجاد به، كما يفعل ذلك بعض الجاهلين هداهم الله إلىٰ تحقيق التوحيد والإخلاص لرب العالمين.
2) لا بأس بالندب اليسير، إذا لم يكن سببه التسخط علىٰ الله _عز وجل_، وإنما سببه الحزن الشديد.
3) الحث علىٰ لزوم الصبر عند المصائب وعدم التسخط.
5/29 ــ وَعَنْ أبي زَيْدٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَحِبِّهِ وَابْنِ حِبِّهِ رضي الله عنهما قَالَ: أرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأرْسَلَ يُقْرِئ السَّلامَ وَيَقُول: «إِنَّ لله مَا أخَذَ، وَلَهُ مَا أعْطَى، وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِأجَلٍ مُسَمَّىً، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا. فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبـَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ رضي الله عنهم، فَرُفِعَ إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رسولَ الله مَا هذا؟ فَقَالَ: «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَىٰ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ» وفي رِواية: «في قُلُوبِ مَن شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَىٰ (تَقَعْقَعُ): تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ.
هداية الحديث:
1) وجوب الصبر عند المصائب وعدم الجزع.
2) تواضع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، واهتمامه بأمور الصحابة رضي الله عنهم، فكان يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم.
3) جواز البكاء رحمةً بالمصاب، لكن من غير نياحة؛ وذلك بأن تجتمع النساء، ثم يبالغن في البكاء، ورفع الصوت علىٰ الميت، فإن هذا محرم.
4) الراحمون الذين يتراحمون فيما بينهم في الدنيا يرحمهم الله تعالىٰ في الدنيا والآخرة، لأن من أسباب رحمةِ الله _عز وجل_ رحمةَ الخلقِ بعضِهم بعضاً.
6/30 ــ وَعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبرَ قَالَ للْمَلِكِ: إِنّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلاماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاماً يُعَلِّمُهُ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمَهُ فَأعْجَبَهُ، وَكَانَ إِذَا أتَىٰ السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أتَىٰ السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَىٰ الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَىٰ ذلِكَ إِذْ أتَىٰ عَلَىٰ دَابَّةِ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أعْلَمُ السَّاحِرُ أفْضَلُ أمِ الرَّاهِبُ أفْضَلُ ؟ فَأخَذَ حَجَراً، فَقَالَ: اللهم إِنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَابَّةَ حَتَّىٰ يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها وَمَضَىٰ النَّاسُ، فَأتَىٰ الرَّاهِبَ فَأخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أيْ بُنَيً أنْتَ الْيَوْمَ أفْضلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِكَ مَا أرَى، وَإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَيَّ . وَكَانَ الْغُلاَمُ يُبْرىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأدْوَاءِ. فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأتَاه بِهَدَايَا كثِيرةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أجْمَعُ إِنْ أنْتَ شَفَيْتنِي، فَقَالَ: إنِّي لا أشْفِي أحَداً، إنَّمَا يَشْفِي اللهُ تَعَالَى، فَإِنْ آمَنْتَ بِالله تَعَالَىٰ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ، فآمَنَ بِالله تَعَالَىٰ فَشَفَاهُ الله تَعَالَى، فَأتَىٰ الْمَلِكَ فَجَلَسَ إلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟! قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ ، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذّبُهُ حَتَّىٰ دَلَّ عَلَىٰ الْغُلامِ، فَجِيءَ بِالْغُلامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَداً، إنَّمَا يَشْفِي اللهُ تَعَالَى، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَىٰ دَلَّ عَلَىٰ الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَعَا بالمِنْشَارِ، فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّىٰ وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلكِ، فقيلَ لَهُ: ارْجعْ عَنْ دِينِكَ فَأبَى، فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقّهُ بِهِ حَتَّىٰ وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالْغُلاَمِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَفَعَهُ إِلَىٰ نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَىٰ جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فاصعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلَّا فاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللهم اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَىٰ الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فُعِلَ بأصْحَابِكَ ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ تعالىٰ، فَدَفَعَهُ إلىٰ نَفَرٍ مِنْ أصْحَابه، فقالَ: اذْهَبُوا به فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وَتَوَسَّطُوا به الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلَّا فاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا به، فقالَ: اللهم اكْفِنِيهِمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأتْ بهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلَىٰ الْمَلِكِ. فقالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فُعِلَ بأصْحَابِكَ ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ تعالىٰ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَىٰ تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيد وَاحِدٍ، وَتَصْلِبُني عَلَىٰ جَذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ الله رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَىٰ جِذْعٍ، ثُمَّ أخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ : بِسْـمِ الله رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فَمَاتَ. فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَالله نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأمَرَ بالأُخْدُودِ بِأفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأُضْرِمَ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينِهِ فَأقْحِمُوهُ فِيها ـ أوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ ـ، فَفَعَلُوا. حَتَّىٰ جَاءَت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّاهُ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَىٰ الْحَقِّ». رَوَاهُ مُسْلِم.
(ذِرْوَةُ الْجَبَلِ): أعْلاَهُ، وَهِيَ بِكَسْرِ الذَّالِ الـمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا. وَ(الْقُرْقُورُ) بِضَمِّ الْقَافَيْن: نَوْعٌ مِنَ السُفُنِ. وَ(الصَّعِيدُ) هُـنَا: الأَرْضُ الْبَارِزَةُ. و(الأُخْدُودُ): الشُّقُوقُ في الأَرْضِ، كَالنَّهْرِ الصَغِيرِ. (وَأُضْرِمَ): أُوِقِدَ. (وَانْكَفَأَتْ) أي: انْقَلَبَتْ. (وَتَقَاعَسَتْ): تَوَقَّفَتْ وَجَبُـنَتْ.
غريب الحديث:
الأكمه: الذي وُلِد أعمى. الأبرص: من في جلده بياض يظهر في ظاهر البدن.
الأدواء: الأمراض والأسقام.
في كبد القوس: في وسطه، وهو مقبضها عند الرمي.
صُدْغه: بضم الصاد وسكون الدال، وهو ما بين العين إلىٰ شحمة الأذن.
بأفواه السكك: بأبواب الطرق.
خدت: شُقَّت. فأقحموه: ألقوه.
هداية الحديث:
1) استحباب التعلُّم في الصغر، فإنه كالنقش في الحجر.
2) {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} هم أولياء الله تعالىٰ، ولهم كرامات من الله تعالىٰ لفضلهم عنده.
3) من رحمة الله _عز وجل_؛ أنه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه.
4) الحث علىٰ التضحية في سبيل الدعوة إلىٰ الله _عز وجل_ وإظهار الحق.
5) إن الصبر علىٰ أذىٰ أهل الكفر والبدع والمعاصي باب من أبواب الجهاد في سبيل الله _عز وجل_، وهو من أعظم الأعمال الصالحة وقت الفتن.
6) توحيد الله _عز وجل_ وإخلاص العمل له من أعظم حقوق الله تعالىٰ علىٰ العباد جميعاً، وهو ميزان القرب والبعد من الله _عز وجل_؛ فالعبد كلما قوي إيمانه، وعظم شأن التوحيد في قلبه فإنه يزداد قرباً وكرامة عند الله _عز وجل_، وكلما ضعف ذلك الإيمان والتوحيد فإنه يزداد بعداً وذلةً.
7) أعظم ما يدعو العالمُ الناسَ إليه هو توحيد الله _عز وجل_، والنهي عن الشرك بجميع أشكاله وأنواعه. فهل عرفنا أول ما ندعو الناس إليه؟!
7/31 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بامْرأةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللهَ وَاصْبِري» فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي ؟ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصيبَتي! وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَأتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايةٍ لِمُسْلِمٍ: «تَبْكِي عَلَىٰ صَبِيٍّ لَهَا».
هداية الحديث:
1) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في دعوته إلىٰ الحق، ورحمته بالخلق.
2) الصبر الذي يُحمد فاعله؛ هو الصبر عند الصدمة الأولى.
8/32 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ «يَقُولُ اللهُ تَعَالى: مَا لِعَبْدِي الـمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلَّا الجنَّةُ». رَوَاهُ البُخَارِي.
غريب الحديث:
الصَّفي: الحبيب، وما يختاره من ولد أو أم أو أب أو أخ أو عم أو صديق.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصبر علىٰ قبض الصَّفي من الدنيا؛ فالعبد إذا احتسب أجره علىٰ الله فله الجنة.
2) إظهار فضل الله _عز وجل_ وكرمه علىٰ عباده؛ فإنه يعوّضهم عظيم الأجر علىٰ الصبر ، فليهنأ الصابرون.
9/33 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنّهَا سَألَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن الطَّاعُونِ، فَأخْبَرَهَا «أنَّهُ كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَىٰ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعَالَىٰ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ فِي الطَّاعُون، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أنّهُ لا يُصِيبُهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشَّهِيدِ». رَوَاهُ ا لبُخَارِيّ.
10/34 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ اللهَ _عز وجل_ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِي بحَبِيبَتيهِ، فَصَبَرَ، عَوَّضْتُّهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يُريدُ عَيْنَيْه، رَوَاهُ البُخَارِيّ.
هداية الأحاديث:
1) فضل الصبر والاحتساب، فهما متلازمان، وإذا أراد العبدُ نيل الأجر علىٰ الصبر فلابد أن يكون صبره لله _عز وجل_ لا لمصالح دنيوية.
2) ينبغي علىٰ من نزلت به مصيبة الطاعون أن يلزم بلده ويصبر ويحتسب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» رواه البخاري.
3) من أحبه الله تعالىٰ ابتلاه؛ ليدفع عَنْهُ مكروهاً، أو يكفّر عنه ذنباً، أو يرفع له درجةً في الدنيا والآخرة.
4) الجنة أعظم العوض؛ لأن نعيمها باقٍ ببقائها، فكلما أصاب العبدَ مكروهٌ فَلْيطلبِ الجنة عوضاً.
11/35 ــ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ألا أُرِيكَ امْرَأةً مِن أهْلِ الجَنَّة ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هذِهِ المَرْأةُ السَّوْدَاءُ أتَتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أتكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالىٰ لِي. قَالَ: «إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ تَعَالىٰ أنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أصْبِرُ، فَقَالَت: إِنِّي أتكَشَّفُ، فَادعُ اللهَ أنْ لا أتكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصبر؛ فهو سبب لدخول الجنة.
2) إمكانية الشهادة بالجنة لمن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها.
3) شدة حياء الصحابيات رضي الله عنهن، فعلىٰ نساء المسلمين اليوم التمثل بهن، والالتزام بالحجاب الساتر لعوراتهن، فإن الله قد مَنَّ عليهن بذلك.
12/36 ــ وَعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبيّـاً مِنَ الأنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ الله وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأدْمَوْه،ُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: «اللهم اغْفِرْ لِقَوْمي فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
يحكي نبياً: يماثله، ويفعل مثل فعل النَّبيِّ السابق؛ الذي جرىٰ له مثل ما جرىٰ لنبيِّنا يوم أُحدٍ صلوات الله وسلامه عليهم.
هداية الحديث:
1) الاقتداء بصبر الأنبياء وتحمّلهم الأذىٰ في سبيل تبليغ الدعوة للناس.
2) عدم معاملة الجاهلين بمثل أعمالهم، بل حال المؤمن الصفح الجميل عن أذىٰ الجاهلين.
3) عدم استعجال العذاب بالمخالفين وأعداء الدين.
13/37 ــ وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَب وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَنٍ وَلاَ أذىٰ وَلا غَمٍّ، حَتَّىٰ الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
(وَالْوَصَبُ): الْمَرَضُ.
14/38 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قَالَ: «أجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ»، قُلْتُ: ذلِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قَالَ: «أجَلْ ذَلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذىً، شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
و(الوَعْكُ): مَغْثُ الْحُمَّى، وَقِيلَ: الْحُمَّى.
غريب الحديث:
نصب: تعب.
هداية الأحاديث:
1) من رحمة الله بعبده المؤمن، أنه يكفر عَنْهُ بما يصيبه من الهم والغم، والتعب والمرض، وغير ذلك.
2) كلما اشتد المرض والأذىٰ بالعبد المؤمن فصبر، ضاعف الله له الأجر وكفر عَنْهُ الخطايا.
3) علىٰ الإنسان ألاّ يجمع علىٰ نفسه بين الأذىٰ وتفويت الثواب، فالواجب عند المصيبة لزوم الصبر وعدم التسخط.
15/39 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ» رَوَاه البُخَارِيّ.
وَضَبَطُوا (يُصِبْ): بفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا.
غريب الحديث:
يُصب منه: أي أن الله يُقدّر عليه المصائب.
هداية الحديث:
1) إن مقابلة الابتلاء بالصبر والاحتساب، يرفع الله به الدرجات، ويكفر الخطيئات.
2) المصائب التي تنزل بالمؤمن دليل علىٰ أن الله يحبه، ويريد به الخير.
16/40 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أحَدكُمُ الْمَوْتَ لضُرٍّ أصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ فَاعِلاً فَلْيقُل: اللهم أحْيِني مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّني إذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) النهي عن تمني الموت عند الفتن والمصائب؛ لأن هذا يخالف واجب الصبر، ويدل علىٰ جزع صاحبها.
2) العبد المؤمن يفوض جميع أموره إلىٰ الله، مَعَ حب لقاء الله _عز وجل_. وخيرُ الناس من طال عمره وحسن عمله.
17/41 ــ وَعَنْ أبِي عَبْدِ الله خَبَّابِ بْنِ الأرَتِّ رضي الله عنه قَالَ: شَكَوْنَا إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: ألاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ ألاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها، ثُمَّ يُؤْتَىٰ بالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَىٰ رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأمْرَ حَتَّىٰ يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَىٰ حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَىٰ غَنَمِهِ، وَلكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»،. رَوَاهُ البُخَارِيّ.
وَفِي رِوايَة: «وَهُوَ مُتَوَسِّد بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً».
غريب الحديث:
متوسد بردة: جعلها تحت رأسه كالوسادة.
هداية الحديث:
1) وجوب الصبر علىٰ أذية أعداء المسلمين، مَعَ الأخذ بأسباب النصر والفرج.
2) من دلائل النبوة: صدق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ؛ حيث كَانَ عاقبة الصبر ما بَشَّر به من إتمام أمر الدين.
18/42 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَاساً في الْقِسْمَةِ، فَأعْطَىٰ الأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مائَةً مِنَ الإبِلِ، وَأعْطَىٰ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذلِكَ، وَأعْطَىٰ نَاساً مِن أشْرَافِ الْعَرَب، وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إنَ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ الله ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَأتَيْتُهُ فَأخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغيَّرَ وَجْهُهُ حَتَىٰ كَانَ كَالصِّرفِ. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ»؟ ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوْذِي بِأكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ». فَقُلْتُ: لا جَرَمَ لا أرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (كَالصِّرْفِ) هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أحْمَر.
غريب الحديث:
لا جرم: حقّاً، بمعنىٰ تحقق الشيء.
هداية الحديث:
1) جواز أن يعطي ولي الأمر من يَرىٰ في إعطائه المصلحة، كَأنْ يكون في ذلك تأليفاً للقلوب.
2) علىٰ العبد أن يقتدي بالأنبياء في الصبر علىٰ الأذى، وأن يحتسب الأجر عند الله تعالىٰ، فإن أوذي فإنه يسلي نفسه بما أصاب الأنبياء قَبْلنا صلوات الله وسلامه عليهم.
19/43 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا أرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيْراً عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّىٰ يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاء، وَإنَّ اللهَ تَعَالَىٰ إِذَا أحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُم، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». رَوَاهُ التّرمذي وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ.
هداية الحديث:
1) العقوبات تكفّر السيئات.
2) علىٰ العبد أن يصبر علىٰ المصائب، حتىٰ يكتب له الرضىٰ من الله _عز وجل_.
3) إن إمهال الله _عز وجل_ للعاصين هو استدراج لهم، فالعقوبة تؤخر لحكمةٍ وموعدٍ قدّره الله تعالىٰ. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾.
فائدة:
في هذه الأحاديث دلالة صريحة علىٰ أن المؤمن كلما كان أقوىٰ إيماناً، ازداد ابتلاءً وامتحاناً، وكلما ضعف إيمانه، خف ابتلاؤه وامتحانه، ففي هذا ردٌّ علىٰ ضعفاء العقول والأحلام الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء فإنه غير مرضي عند ربه، وهو ظن باطل ومقاييس فاسدة، لربط الرضىٰ في الآخرة، بالسعة والرخاء في الدنيا. ﴿أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ﴾.
20/44 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ رضي الله عنه يَشْتكِي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أبُو طَلْحَةَ قَال: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ الصَبيِّ: هُوَ أسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أصْبَحَ أبُو طَلْحَةَ أتىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أعَرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: نَعَم، قَالَ: «اللهم بَارِكْ لَهُمَا؟» فَوَلَدَتْ غُلاماً، فَقَالَ لِي أبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّىٰ تَأْتِي بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَقَالَ: «أمَعَهُ شَيْءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأخَذَها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الله. مُتَّفَق عَليْه.
وَفِي رِوَايَةٍ للْبُخَارِيِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: فَرَأيْتُ تِسْعَةَ أوْلادٍ كُلَّهُمْ قَدْ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ، يَعْنِي مِنْ أوْلادِ عَبْدِ الله الْمَوْلُودِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَاتَ ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حَتَّىٰ أكُونَ أنا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أنْ رَأتْ أنّهُ قَدْ شَبِعَ وَأصَابَ مِنْهَا قَالَتْ: يَا أبَا طَلْحَةَ، أرَأيْتَ لَوْ أنَّ قَوْماً أعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُم أنْ يَمْنَعُوهُمْ ؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِني حَتَّىٰ إذَا تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أخْبَرْتِني بابْني! فَانْطَلَقَ حَتَّىٰ أتَىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «بَارَكَ اللهُ في لَيْلَتِكُما» قَال: فَحَمَلَتْ، قَال: وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أتىٰ الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقاً فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: يَقُولُ أبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أنّهُ يُعْجِبُنِي أنْ أخْرُجَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ، وَأدْخُلَ مَعَهُ إذَا دَخَلَ، وَقَد احْتبَسْتُ بِمَا تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أبَا طَلْحَةَ مَا أجِدُ الذي كُنْتُ أجِدُ، انْطَلِقْ، فانطَلَقْنَا، وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلاماً. فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أنَسُ لا يُرْضِعُهُ أحَدٌ حَتَّىٰ تَغْدُوَ بِهِ عَلَىٰ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا أصْبَحَ احْتَمَلْتُه فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
غريب الحديث:
أعَرّستم الليلة؟: أعرس الرجل: دخل بامرأته عند بنائه بها.
تلطخت: كناية عن التلوث بالجماع.
لا يطرقها طروقاً: لا يأتيها ليلاً.
هداية الحديث:
1) علىٰ النساء اليوم اتخاذ القدوات من الصحابيات رضي الله عنهنّ في صبرهن؛ كأم سليم رضي الله عنها.
2) من فقه العبد أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء.
3) من صبر واحتسب عند المصيبة أبدله الله _عز وجل_ خيراً مما أصابه في نفسه وأهله.
21/45 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الشدِيدُ بالصُّرَعةِ، إنَّمَا الشَّديدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
«وَالصُّرَعَةُ» بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَأصْلُهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيراً.
22/46 ــ وَعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَد رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَرَجُلان يَسْتَبَّانِ، وَأحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنِّي لأعْلَمُ كَلمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ». فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب.
2) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، مما يعين العبد علىٰ الصبر ورد هوىٰ النفس؛ لأن الشيطان أصل كل شر، ولا يزال ينفخ في نفس الغضبان، حتىٰ يقول المنكر، ويفعل ما يخالف رضا الرحمن.
3) إن الغضب لغير الله تعالىٰ من نزغ الشيطان، وأما الغضب لانتهاك حرمات الله فهو علامة صحة الإيمان.
23/47 ــ وَعَنْ مُعَاذ بْنِ أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَىٰ أن يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَلَىٰ رُؤُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّىٰ يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ العِينِ مَا شَاءَ». رَواهُ أبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذيُّ وَقَالَ: حَديثٌ حَسنٌ.
24/48 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رَجُلاً قَالَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : أوْصِني، قَالَ: «لا تَغْضبْ» فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: «لا تَغْضبْ». رَوَاهُ البُخُاريّ.
25/49 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بالْمُؤمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِه وَمَالِهِ، حَتَّىٰ يَلْقَىٰ الله تَعَالىٰ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حسنٌ صحِيحٌ.
غريب الحديث:
كظم غيظاً: احتمل سببه وصبر عليه.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة الصبر؛ فهو من أعظم ما يُتقرب به إلىٰ الله _عز وجل_، ومن أهم ما يُوصىٰ به العبد.
2) إذا صبر العبد واحتسب الأجر عند الله تعالىٰ كفّر الله عَنْهُ سيئاته.
3) من رحمة الله _عز وجل_ بعباده المؤمنين؛ أن يكفِّر عنهم ذنوبهم بما يبتليهم من مصائب الدنيا وآفاتها.
26/50 ــ وَعَنْ ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَنَزَلَ عَلَىٰ ابْنِ أخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهمْ عُمَرُ رضي الله عنه، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ رضي الله عنه ومُشَاوَرَتِهِ كُهُولاً كَانُوا أوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخِيهِ: يَا ابْنَ أخِي لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاستَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَالله مَا تُعْطِينَا الْجَزْل، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ رضي الله عنه حَتَّىٰ هَمَّ أنْ يُوقِعَ به، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنينَ إِنَّ الله تَعَالىٰ قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وَإِنَّ هذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاهَا، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ الله تَعَالى. رَوَاهُ ا لبُخَارِيّ.
غريب الحديث:
هِيْ: كلمة تهديد.
ما تعطينا الجزل: أي ما تعطينا العطاء الكثير.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان إذا أصابه الغضب أو الغيظ أن يتذكر كلام الله _عز وجل_، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفعل الصحابة رضي الله عنهم وصبرهم، ليكون وقّافاً عند حدود الله تعالىٰ.
2) عظيم فضل الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد كَانَ وقّافاً عند حدود الله _عز وجل_. فعلىٰ المسلمين اليوم اتخاذ القدوات من أمثال الصحابة، رضي الله عنهم ويجانب أمثال أهل الكفر والفسوق والغفلة.
3) الواجب علىٰ ولي الأمر أن يختار جُلساء من أهل العلم والإيمان.
27/51 ــ وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا ! قَالُوا: يَا رسُولَ الله فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قال: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ، وَتَسْألُونَ اللهَ الذي لَكُمْ». متفقٌ عليه.
«والأثَرَة»: الانْفرادُ بالشَّيْءِ عَمَّنْ لَهُ فيهِ حَقّ.
28/52 ــ وَعَن أبي يَحْيَىٰ أُسَيْدِ بْن حُضَيْرٍ رضي الله عنه أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قال: يا رسولَ الله، ألا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً؟ فَقَالَ: «إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثرَةً، فاصْبِرُوا حتَّىٰ تَلْقَوني عَلَىٰ الْحَوْضِ». متفقٌ عليه
«وَأُسَيْدٌ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ. «وَحُضَيْرٌ»: بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَضَادٍ مُعجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَالله أعْلَم.
هداية الأحاديث:
1) حثّ العباد علىٰ الصبر علىٰ ظلم ولاة الأمور في حقوق الرعية، وأداء ما عليهم من السمع والطاعة بالمعروف.
2) إن سؤال الله _عز وجل_ من فضله من أعظم الأسباب لحصول المطلوب ودفع المرهوب.
3) من جزاء الصابرين يوم القيامة الشرب من حوض النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . والمؤمن إن فاته شيء من حظوظ الدنيا فَلْيتذكّرْ ما في الآخرة من الثواب العظيم.
29/53 ــ وَعَنْ أبي إبْرَهيمَ عَبْدِ الله بْن أبي أوْفَىٰ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أيَّامِهِ الَتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَىٰ إذَا مَالتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهمْ، فَقَال: «يَا أيُّها النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْألُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «اللهم مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». متفقٌ عَليه. وبالله التَّوْفيقُ.
هداية الحديث:
1) نهي العبد أن يتمنىٰ لقاء العدو، وإذا لقيه فالواجب أن يصبر، ويسأل الله _عز وجل_ أن يعينه علىٰ هذه الوظيفة.
2) استحباب الدعاء علىٰ الأعداء بالهزيمة، فحال المجاهد هو اللجوء إلىٰ الله تعالىٰ أن ينصره علىٰ أعدائه.
فائدة:
إن النهي عن تمني لقاء العدو لا يعني كراهية الجهاد، وعدم تحديث النفس بالغزو أو تمني الشهادة في سبيل الله، فإن ذلك كله مما رغّب الشرع به، وجعله من صفات المتقين ومنازل الصِّدِّيقين.
4 ــ باب الصدق
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119] ، وقال تعالىٰ: {وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ} [الأحزاب: 35] ، وقال تعالىٰ: {فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ} [محمد: 21].
هداية الآيات:
1) يأمر الله سبحانه وتعالىٰ عبادَه المؤمنين أن يصدقوا، وأن يَلزموا الصدق ليكونوا من أهله.
2) الصدق خصلة محمودة مطلوبة من المؤمنين عامة، رجالاً ونساءً.
3) الصدق خيرٌ ومنجاة، وهو الذي يعطي الأقوال، والأعمال، والأحوال، قيمتها.
وأما الأحاديث:
1/54 ــ فَالأوَّلُ: عَن ابْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الصَدْقَ يَهْدِي إلَىٰ الْبِرِّ ، وَإنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَىٰ الجنَّةِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّىٰ يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقاً، وَإنَ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَىٰ الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَىٰ النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّىٰ يُـكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّاباً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
البِرّ: اسم جامع لكل الخيرات.
الفجور: الأعمال السيئة.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الصدق وتحريه؛ لأنه سبب كل خير. والتحذير من الكذب والتساهل فيه؛ لأنه سبب كل شر.
2) الكذب حرام، ولا يجوز للإنسان أن يكذب مطلقاً، ولو من أجل الضحك أو المزاح. وما يسمىٰ عند العامة (الكذبة البيضاء) فحرام؛ إذ الكذب كله أسود، وشر علىٰ الناس وعلىٰ صاحبه، إلَّا ما استثناه الشارع من الكذب المباح.
فائـدة:
ورد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أشياء أبيح فيها الكذب للمصلحة، وهي الكذب:
1) في الحرب.
2) وفي الإصلاح بين الناس.
3) وفي حديث المرأة زوجها وحديثه إياها.
كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة قالت: «رخّص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الكذبِ في ثلاثٍ: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وقول الرجل لامرأته». وفي رواية: «وحديثِ الرجلِ امرأتَهُ، وحديثِ المرأةِ زوجَهَا». رواه أحمد.
2/55 ــ الثَّاني: عَنْ أبي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْن أبي طَالِبٍ رضي الله عنهما، قال: حَفِظْتُ، مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «دَعْ مَا يَريبُكَ إلَىٰ مَا لا يَريبُكَ، فَإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنينَةٌ، وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ». رواه التِّرْمذي وقال: حديثٌ صحيحٌ.
قَوْلُهُ: «يَرِيبُكَ» هُوَ بفتحِ الياءِ وضمّها، وَمَعْنَاهُ: اتْرُكْ ما تَشُكُّ في حِلِّه، واعْدِلْ إلَىٰ مَا لا تَشُكُّ فيه.
غريب الحديث:
يريبك: يوقعك في الريب وهو الشك.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ الإنسان أن يدع الكذب إلىٰ الصدق؛ لأن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة.
2) من مقام الورع وقوف العبد عند الشبهات والمشتبهات وتركها.
3/56 ــ الثَّالِثُ: عَنْ أبي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ رضي الله عنه في حديثه الطَّويلِ في قِصةِ هِرَقْلَ، قالَ هِرَقْلُ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ ـ يَعْني النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ قالَ أبُو سُفْيَان: قُلْتُ: يقولُ: «اعْبُدُوا الله وَحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آباؤُكم، وَيَأْمُرنَا بالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، والْعَفَافِ، والصِّلَةِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) رأس هذا الدين توحيد الله تعالىٰ؛ لأنه منبع الفضائل. فعلىٰ جميع المسلمين إعطاء التوحيد كبير الاهتمام؛ لأنه لا تُصلَح الأعمال إلا به، ولا تُدخَل الجنات إلا به، فهو مفتاح دار السلام.
2) التحذير من التقليد الأعمىٰ للآباء أو السادة والكبراء، وبخاصة في أمور الدين؛ فإن الشرع يُؤخذ من نبعه الأصيل، وهو الكتاب والسنة، ويُفهم بهدي سلف الأمة. وأما ما اعتاده الناس ــ مما يخالف الدِّين المُنزَّل ــ فلا يُجعَل شرعاً متبعاً.
3) الصدق من أهم الأخلاق التي يجب التحلي بها، وهو من صفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
4/57 ــ الرَّابع: عَنْ أبي ثَابِتٍ، وَقِيلَ: أبي سَعيدٍ، وَقيلَ: أبي الْوَليدِ، سَهْلِ بنِ حُنـَيْفٍ ــ وَهُوَ بَدْرِي ــ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَألَ اللهَ تعالىٰ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وإنْ مَاتَ عَلَىٰ فِرَاشِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) صدق القلوب سبب لبلوغ المطلوب، ومن نوىٰ شيئاً من أعمال البر أُثيب عليه، وإن لم يقدر عليه أو عجز عن إتمامه.
2) استحباب طلب الشهادة، والإخلاص في ذلك.
5/58 ــ الخامِسُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ صَلَواتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لقَوْمِهِ: لا يَتبعَنِّي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنيَ بهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلا أحَدٌ بَنَىٰ بُيُوتاً لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلا أحَدٌ اشْتَرَىٰ غَنَماً أوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أوْلادَهَا. فَغَزَا، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلاةَ الْعَصْرِ أوْ قَريباً مِنْ ذلكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأنَا مَأْمُورٌ، اللهم احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَت حَتَّىٰ فَتَحَ الله عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِم، فَجَاءَتْ ــ يَعْنِي النَّارَ ــ لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ: إنَّ فِيكُمْ غُلُولاً، فَلْيُبَايِعْنِي منْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أوْ ثَلاَثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ. فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا، فَجَاءَت النَّارُ فَأكَلَتْهَا، فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أحَلَّ اللهُ لنَا الْغَنَائِمَ لَمَّا رَأىٰ ضعفَنَا وَعَجْزَنَا فَأحَلَّهَا لَنَا». متفقٌ عليه.
«الْخَلِفَاتُ» بفتح الخاء المعجمةِ وكسرِ اللامِ: جَمْعُ خَلِفَةٍ، وَهِيَ النَّاقَةُ الحامِلُ.
غريب الحديث:
بُضع: يطلق علىٰ الفرج والنكاح والجماع.
الغلول: الخيانة في الغنائم؛ بأن تُؤخذ قبل قسمتها.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان إذا أراد طاعة أن يُفرّغ قلبه وبدنه لها، حتىٰ يأتيها وهو مشتاق إليها، ويؤديها علىٰ مهل وطمأنينة وانشراح صدر.
2) نعمة الله _عز وجل_ علىٰ هذه الأمة؛ فقد أحل لها الغنائم، في حين حُرِّمت علىٰ من سبقنا من الأمم، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة المرحومة.
3) بيان عاقبة الكذب الوخيمة، وأهمية الصدق وعاقبته الحميدة.
فائدة:
النَّبي المذكور في الحديث هو (يوشع بن نون)، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الشمس لم تُحبس علىٰ بشر، إلا لِيُوشَعَ لياليَ سارَ إلىٰ بَيْتِ المَقْدِسِ». رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
6/59 ــ السادِسُ: عن أبي خالدٍ حكيم بن حزَامٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «الْبَيِّعَان بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورِك لَهُما في بيعهِمَا، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَتْ بركَةُ بَيْعِهِما». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
البَيِّعَان: البائع والمشتري.
بالخيار: كلٌ منهما يختار ما يريد.
محقت: ذهبت وزالت.
هداية الحديث:
1) وجوب إظهار العيب في السلعة وحرمة إخفائها. فأين أهل السوق من هدي هذا الحديث؟
2) الصدق في التجارة مطلب عالٍ لا يصبر عليه إلا ذو حظ عظيم.
3) الصدق في البيع والشراء مصدر البركة والنماء.
5 ــ باب الـمراقبة
قال الله تعالىٰ: ﴿ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218 ـ 219]، وقال تعالىٰ: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ} [الحديد: 4] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ [آل عمران: 5] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 14] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] ، والآيات في الباب كثيرةٌ معلومة.
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يراقب ربَّه، وأن يعلم أن الله رقيب عليه.
2) المعية التي أضافها الله إلىٰ نفسه في القرآن الكريم تنقسم إلىٰ أنواع:
أولاً ــ تكون بمعنىٰ الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً، كقوله: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ}.
ثانياً ــ يكون المراد بها التهديد والإنذار، كما في قوله: ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
ثالثاً ــ يُراد بها النصر والتأييد والتثبيت، كقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. ومن مقتضيات هذه المعية: أنك تراقب الله وتخافه، فتقوم بطاعته، وتترك مناهيه، وتصدق أخباره.
وَأمَّا الأحاديثُ:
1/60 ــ فَالأوَّلُ: عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ذَاتَ يَوْمٍ إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيَابِ، شديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَىٰ عَلَيْهِ أَثرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منَّا أحَدٌ، حَتَّىٰ جَلَسَ إلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَىٰ رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيـْهِ عَلَىٰ فَخِذَيْهِ ، وقالَ: يَا مُحَمَّدُ أخْبِرْني عَن الإسْلامِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ ، وَأنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، وَتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبيلاً، قالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْألُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قالَ: فَأخْبِرْني عَن الإيمَانِ، قالَ: أنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، والْيَوْمٍِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: فَأخْبِرْني عَنِ الإحْسَانِ، قالَ: أنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ ، فإنْ لَمْ تكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ. قالَ: فأخْبِرْني عَنِ السَّاعَةِ. قالَ: مَا المسْؤولُ عنهَا بأعْلَم مِن السَّائِلِ، قالَ: فأخْبرْني عَنْ أمَارَاتِهَا، قالَ: أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا، وَأنْ تَرَىٰ الحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في الْبُنْيَانِ. ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبَثْتُ مَلِيّاً، ثُمَّ قال: يا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ السَّائلُ ؟ قلتُ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّه جِبْرِيلُ أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أمْرَ دِينِكُمْ». رواه مسلم.
وَمَعْنَى: «تَلِدُ الأمَةُ رَبَّتَهَا» أيْ: سَيِّدَتَهَا، ومعناهُ أنْ تكثُرَ السَّرَارِي حَتَىٰ تَلدَ الأمَةُ السرِيَّةُ بِنْتاً لِسَيِّدِهَا، وَبنْتُ السَّيِّدِ في مَعْنَىٰ السيِّدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذلك. وَ«الْعَالَةُ»: الْفُقَرَاءُ. وقولُهُ: «مَلِياً» أيْ: زَمَناً طويلاً، وَكَانَ ذلك ثَلاثاً.
غريب الحديث:
رعاء الشاء: رعاة الغنم.
هداية الحديث:
1) شهادة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هي أعظم ركن في الإسلام، بل عليها يقوم إسلام العبد.
2) علىٰ طالب العلم إذا جلس مَعَ عالِمٍ في مجلس، أن يسأل مسائل تهم الحاضرين، وإن كَانَ يعلم حكمها، من أجل أن ينفع الحاضرين، ويكون معلِّماً لهم.
3) استحضار العبد قرب الله _عز وجل_ منه، وأنه مراقب له، يعلم ما يخفي وما يعلن، إن ذلك يوجب الخشيةَ، والخوف، والهيبة، والتعظيم، في قلبه لله تعالىٰ، ويوجب النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وكمالها.
4) حُسن أدب الصحابة مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ بِردّ العلم إلىٰ الله تعالىٰ، وإلىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته.
5) السنة النبوية وحي منزَّل، فلا يجوز أن نقلل من منزلتها في التشريع، فإننا مأمورون باتباع الوحيين؛ الكتاب والسنة.
2/61 ــ الثاني: عَنْ أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ وَأبي عَبْدِ الرَّحْمنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَل رضي الله عنهما عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأتْبعِ السَّيئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه التِّرْمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) لزوم تقوىٰ الله _عز وجل_، وهي من ثمرات مراقبة الله _عز وجل_ في جميع الأقوال والأفعال في السر والعلانية.
2) الحسنات يذهبن السيئات، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بعباده.
3) عظيم قدر الأخلاق الحسنة؛ فهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. فَلْيجتهدِ المؤمن في تحسين خلقه.
3/62 ــ الثالث: عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْماً، فَقَالَ: «يَا غُلامُ إنّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احَفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذَا سَألْتَ فَاسْألِ اللهَ، وَإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَمْ: أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَىٰ أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ ينْفَعُوكَ إلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتبَهُ اللهُ لَكَ، وَإنِ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ؟ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بشَيْءٍ قَد كَتبَهُ الله عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواهُ التِّرْمذيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي روايةِ غيرِ التِّرْمذيِّ: «احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلىٰ الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أنَّ مَا أخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْراً».
غريب الحديث:
احفظ الله: احفظ دينه بملازمة تقواه؛ وبحفظ حدوده وحقوقه وحفظ حقوق العباد.
رُفعتِ الأقلام، وجفّتِ الصحف: تُركت الكتابة بها لفراغ الأمر، فقد تقدّمت كتابة المقادير كلها.
هداية الحديث:
1) تحريم سؤال غير الله تعالىٰ مما لا يقدر عليه إلا هو، كالرزق والشفاء والمغفرة والنصر وغيرها. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تصحيح توحيده لله تعالىٰ، بألا يدعو غيره _عز وجل_.
2) العلمُ بعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إلىٰ الله تعالىٰ. يدفعُ العبد أن يتعلق بالله وحده لا شريك له، ويقطع العلائق عن الخلائق.
3) لا يستطيع العبد أن يجلب لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً إلا بإذن الله تعالىٰ، وهذا يستلزم من العبد أن يكون لله موحِّداً، به مستعيناً، ولا يعلق قلبه بأحد من المخلوقين، مهما علت مرتبته أو كبر جاهه؛ لأنه ضعيف مثله، مفتقر إلىٰ الله تعالىٰ .
4) مراقبة الله _عز وجل_ وحفظ حدوده في السر والعلانية، يورث صاحبه حفظ الله ورعايته. فالجزاء من جنس العمل.
4/63 ــ الرابع: عَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمَالاً هيَ أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَىٰ عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُوبِقَاتِ». رواه البخاري، وقال: «الْمُوبِقَاتُ» الْمُهْلِكَاتُ.
5/64 ــ الخامس: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ الله تَعَالَىٰ أنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ». متفق عَلَيْه.
و«الْغَيْرَةُ»: بفتحِ الغين، وَأصْلُهَا الأنفَةُ.
هداية الأحاديث:
1) الاستخفاف بالذنب يدل علىٰ قلة خشية العبد من الله تعالىٰ، وعلىٰ العكس؛ فاستعظام الذنب يدل علىٰ كمال الخشية، وعظيم المراقبة لله تعالىٰ.
2) يجب علىٰ العبد أن يبتعد عن المعاصي؛ لأنها تسبب غضب الله سبحانه وتعالىٰ.
3) إن مراقبة العبد ربَّه تعالىٰ، والحذر أن يعصيه، هذا من كمال الإيمان.
تنبيـه:
في حديث أنس دليل علىٰ تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لحرمات الله، وخوفهم من الذنوب وهذا يدل علىٰ أنهم أعلم الناس بالله تعالىٰ، وأكملهم ورعاً، وأشدهم خشية بعد الأنبياء. فالواجب علىٰ العبد أن يقتدي بهم، وأن يعلم أن فهمهم لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعتبر؛ لأنه سبيل المؤمنين، فمن سار علىٰ نهجهم نجا، ومن حاد عن سبيلهم هلك وأهلك.
6/65 ــ السادس: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنهُ سَمعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ ثَلاثَةً مِنْ بَنِي إسْرَائيلَ: أبْرَصَ، وَأقْرَعَ، وَأعْمَى، أرَادَ اللهُ أنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأتَىٰ الأبْرَصَ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حسنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذي قَدْ قَذرَنِي النَّاسُ، فَمَسَحَه، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، قَالَ: فَأيُّ الْمَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإبلُ ــ أوْ قَالَ الْبَقَرُ ــ شَكَّ الرَّاوِي ـ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.فَأتَىٰ الأقْرَعَ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قال: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذَا الذي قَذرنِي النَّاسُ، فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْراً حَسَناً، قال: فَأيُّ الْمَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، وقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.
فَأتَىٰ الأعْمَىٰ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قال: أنْ يَرُدَّ الله إلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ الله إلَيْهِ بَصَرَهُ، قال: فَأيُّ الْمَالِ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قال: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِداً. فَأنْتَجَ هذَانِ، وَوَلَّدَ هذَا، فَكَانَ لهذَا وَادٍ مِنَ الإبِلِ، وَلهذَا وَادٍ مِنَ الْبقَرِ، وَلِهذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.
ثُمَ إنَّهُ أتَىٰ الأبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إلَّا بِالله ثُمَّ بِكَ، أسْألُكَ بِالَّذي أعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيراً أتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَرِي، فقالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ. فقالَ: كأنِّي أعْرِفُكَ، ألمْ تكُنْ أبْرَصَ يقْذرُك النَّاسُ، فَقيراً فَأعْطَاكَ اللهُ!؟ فقالَ: إنَّمَا وَرِثْتُ هذَا المال كَابِراً عَنْ كابِر، فقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَىٰ ما كُنْتَ.
وَأتَىٰ الأقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فقالَ لَهُ مِثْلَ ما قَالَ لِهذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا ردَ هذَا، فقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِباَ فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَىٰ مَا كُنْتَ.
وَأتَىٰ الأعْمَىٰ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إلَّا بالله ثُمَّ بِكَ، أسْألُكَ بالَّذي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أتبَلَّغُ بِهَا في سَفَري؟ فقالَ: قَدْ كُنْتُ أعْمَىٰ فَرَدَّ اللهُ إلَيَّ بَصَري، فَخُذْ ما شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللهِ ما أجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أخَذْتَهُ لله _عز وجل_، فقالَ: أمْسِكْ مالَكَ فإنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رضِي اللهُ عنك، وَسَخِطَ عَلَىٰ صَاحِبَيْكَ». متفقّ عليه.
«وَالنَّاقَةُ الْعُشَرَاءُ» بِضم العينِ وفتحِ الشينِ وبالمدّ: هِيَ الحامِلُ. قولُهُ: «أنْتَجَ». وفي روايةٍ: «فَنَتَجَ» مَعْنَاهُ: تَوَلَّىٰ نِتَاجَهَا، والنَّاتجُ لِلنَّاقَةِ كالْقَابلَةِ لِلْمَرْأةِ. وقولُهُ «ولَّدَ هذا» هُوَ بِتَشْدِيدِ اللامِ: أيْ: تَوَلَّىٰ ولادَتَهَا، وهُوَ بمَعْنَىٰ نتَجَ في النَّاقَةِ. فالمُوَلِّدُ، والناتجُ، والقَابِلَةُ بمَعْنىً؛ لكِنْ هذَا لِلْحَيَوانِ وذاكَ لِغَيْرِهِ. وقولُهُ: «انْقَطَعَتْ بي الحِبالُ» هُوَ بالحاءِ المهملةِ والباءِ الموحدةِ: أي الأسْبَابُ: وقولُهُ: «لا أجْهَدُكَ» معنَاهُ: لا أشقُّ عليْكَ في رَدِّ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ أوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي. وفي روايةِ البخاري: «لا أحْمَدُكَ» بالحاءِ المهملةِ والميمِ، ومعناهُ: لا أحْمَدُكَ بِتَرْكِ شَيْءٍ تَحتاجُ إلَيْهِ، كما قالُوا: لَيْسَ علىٰ طُولِ الحياةِ نَدَمٌ، أيْ عَلَىٰ فَوَاتِ طُولِهَا.
هداية الحديث:
1) إن شكر نعم الله علىٰ العبد من أسباب بقائها، وزيادتها.
2) فضل الصدقة، والحث علىٰ الرفق بالضعفاء، وإكرامهم، وتبليغهم حاجاتهم.
3) البركة إذا حلت في الشيء جعلت القليل كثيراً، وإذا فُقدت من الشيء جعلت الكثير قليلاً.
4) تذكر العبد عظيم نِعَم الله عليه في حواسه وقضاء حوائجه، مما يدفعه إلىٰ تسخير هذه النعم في طاعة الله والتقرب إليه؛ فلا يصرفها لأحد سوىٰ الله تعالىٰ، ولا يعمل بها سوىٰ ما يرضي الله _عز وجل_؛ لأنه المتفضِّل عليه في الدنيا والآخرة.
5) من توفيق الله _عز وجل_ للعبد أن ييسر له العمل الصالح، ويعينه علىٰ فعله ليثيبه عليه، فالعبد محتاج إلىٰ عون الله تعالىٰ قبل الطاعة، وفي حال الطاعة، وبعد أدائها.
7/66ــ السابع: عَنْ أبي يَعْلَىٰ شَدَّادِ بْن أوْسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّىٰ عَلَىٰ الله». رواه التِّرْمِذيُّ وقال: حديث حَسَن[3]. [3](1) الحديث إسناده ضعيف.
قال التِّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَىٰ «دَانَ نَفْسَه»: حَاسَبَهَا.
غريب الحديث:
الكَيِّس: العاقل الحازم.
دانَ: حاسب.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ اغتنام الفرص فيما يرضي الله _عز وجل_.
2) وجوب الاستعداد لما بعد الموت بالعمل الصالح.
3) الكسل والتهاون والتمني من أسباب ضياع الأعمال في الدنيا والآخرة.
8/67 ــ الثامن: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ الْمَرءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ». حديثٌ حسنٌ رواه التّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ.
9/68 ــ التاسع: عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يُسْألُ الرَّجُلُ فيمَ ضرَبَ امرَأتـَهُ». رواه أبو داود وغيره[4]. [4](2) الحديث إسناده ضعيف.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد أن يشتغل بما فيه صلاحه ومنفعته في أمور الدنيا والآخرة، ويعرض عما عدا ذلك مما لا يحتاجه بل يضره ويؤذيه، فهذا من حسن إسلام المرء.
2) علىٰ المؤمن مراقبة نفسه في تصرفاته وأقواله وأعماله، ويستشعر بأن الله رقيب عليه، مطلع علىٰ سرائره. فَيحرص ألا يراه الله إلا فيما يرضيه.
فائدة:
ذكر الشيخ المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ الحديث الأخير بعد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من باب ضرب المثال في الأمر الذي لا يعني المرء، فمن حُسن إسلام العبد ألا يتدخل بين الرجل وامرأته، فإن ذلك مما لا يعنيه.
6 ــ باب التقوى
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ [آل عمران: 102] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16] وهذه الآية الآية مبيّنة للمراد من الأولى، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا﴾ [الأحزاب: 70]، والآيات في الأمر بالتقوىٰ كثيرة معلومة. وقال تعالىٰ: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا * وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2 ـ 3] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29] ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
غريب الآيات:
التقوى: أن يتخذ العبد ما يقيه من عذاب الله _عز وجل_؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
هداية الآيات:
1) الإنسان يسعىٰ بأعماله إلىٰ كمال التقوىٰ بقدر ما عنده من الاستطاعة، فإن الله لا يكلف نفساً إلَّا وسعها.
2) من ثمرات التقوى: تفريج الكرب، وتوسيع الرزق، وتكفير الذنوب ومغفرتها.
3) التقوىٰ نور يفرّق به المؤمن بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وبين السنة والبدعة.
وَأمَّا الأحَادِيثُ:
1/69 ــ فَالأوَّلُ: عَنْ أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قال: قِيلَ: يا رسولَ الله مَنْ أكْرَمُ النَّاسِ؟ قال: «أتْقَاهُمْ»، فقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نَسْألُكَ، قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبيُّ الله بنُ نَبيِّ الله بْنِ نَبيِّ الله بْنِ خَليلِ الله» قَالُوا: ليْسَ عَنْ هذَا نَسْألُكَ، قال: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَب تَسْألُونِي ؟ خِيَارُهُمْ في الجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إذَا فَقُهُوا». متفقٌ عليه.
و«فَقُهُوا» بِضَمِّ الْقَافِ عَلَىٰ الْمَشْهُورِ، وَحُـكِيَ كَسْرُهَا، أيْ: عَلِمُوا أحْكَامَ الشَّرْعِ.
هداية الحديث:
1) كرامةُ الإنسان وشرفه إنما تحصل بتقواه مولاه _عز وجل_.
2) بيان فضيلة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام؛ فقد جمع مكارم الأخلاق، مع شرف النبوة والنسب والعلم.
3) بيان فضل العلم؛ وأنه أفضل من النسب والحسب والجاه والمال.
2/70 ــ الثَّانِي: عَن أبي سَعيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاء، فَإنَّ أوَّلَ فِتنَةِ بَنِي إسْرَائيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
مستخلفكم: جاعلكم خلفاء.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الزهد في الدنيا وعدم اللهث وراء حطامها، وإنما يتخذها العبد زاداً إلىٰ الآخرة، فيأخذ نصيبه منها مع ابتغاء الدار الآخرة.
2) الحذر من الافتتان بالدنيا عامة، وبالنساء خاصة؛ لأنهن من أعظم فتن الدنيا وأشدها.
3/71 ــ الثَّالِثُ: عَن ابْنِ مَسْعُودِ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللهم إنِّي أسْألُكَ الْهُدىٰ وَالتُّـقَىٰ وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) سؤال العبد ربه _عز وجل_ إصلاح أحواله الدينية والدنيوية من علامات التوفيق.
2) بيان فضل هذه الدعوات المباركات الجامعات، ولذلك كانت دعوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها، فسؤالُ الهدايةِ والاستقامةُ علىٰ التقوى، مع الرضىٰ بما قَسَمَ اللهُ تعالىٰ، والعفاف عمّا في أيدي الناس؛ من أعظم الدعاء.
تنبـيـه:
إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربَّه الهدىٰ والتقىٰ والعفاف والغنى، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وإنما الذي يملك ذلك هُوَ الله سبحانه، وفي هذا: إبطال للعقيدة الفاسدة، لمن تعلقوا بالأولياء والصالحين، في جلب المنافع أو دفع المضار، لأن هؤلاء المدعوين ــ أنفسهم ــ لا يملكون شيئاً، فلا يجوز للعبد أن يعلّق قلبه بغير الله سبحانه وتعالىٰ.
4/72 ــ الرَّابعُ: عَنْ أبي طَرِيفٍ عَدِيِّ بْن حَاتمٍ الطَّائِيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَىٰ يَمِينٍ ثُمَّ رَأىٰ أتْقَىٰ لله مِنْهَا فَلْيَأْتِ التَّقْوَى». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إذَا حلف العبد بالله تعالىٰ عَلىٰ شيء، وخالف ما حلف عليه وجبت عليه الكفارة، إلَّا أن يقرن يمينه بمشيئة الله، فنقول: لأفعلنَّ كذا إن شاء الله ، فهذا لا كفارة عليه ولو خالف.
2) الموفَّقُ من عباد الله؛ مَنْ يختار لنفسه أتقىٰ الأعمال، التي ترفع درجته يوم القيامة، فيعمل بها.
5/73 ــ الْخَامِسُ: عَنْ أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قال: سَمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ ، وَصَلَّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأدُّوا زَكَاةَ أمْوَالِكُمْ، وَأطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ». رواه التِّرْمذي في آخر كتابِ الصَلاةِ، وَقال: حديثٌ حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) وجوب التزام أركان الإسلام، فهي مع التقوىٰ طريق للجنة.
2) وجوب طاعة الولاة والحكّام المسلمين ــ فطاعتهم من التقوىٰ ــ إلَّا أن يأمروا بمعصية الله _عز وجل_، فلا طاعة لهم بالمعصية، وإنما الطاعة في المعروف.
7 ــ باب اليقيــن والتوكــل
قال الله تعالىٰ: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22]، وقال تعالىٰ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173 ـ 174]، وقال تعالىٰ: {وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [إبراهيم: 11] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 159 ] . والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة. وقال تعالىٰ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة.
غريب الآيات:
اليقين: هُوَ قوة الإيمان وثبات القلب، حَتَّىٰ كأن المؤمن يرىٰ بعينه ما أخبر الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لكمال يقينه.
التوكل: هو: اعتماد العبد عَلىٰ ربِّه _عز وجل_، في ظاهره وباطنه، لجلب المنافع، ودفع المضار. والتوكل من ثمرات اليقين.
هداية الآيات:
1) حسن الظن بما عند الله تعالىٰ من علامات صدق الإيمان.
2) التوكل الصادق عَلىٰ الله تعالىٰ من صفات المؤمنين.
3) من توكل عَلىٰ الله كفاه؛ فإنه سبحانه لا يخيِّب مَن رجاه {أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُ}.
وأما الأحاديث:
1/74 ــ فَالأوَّلُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ؛ فَرَأيْت النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيط، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُل وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ. إذْ رُفعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْت أنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هذَا مُوسَىٰ وَقَوْمُه، وَلكِن انْظُرْ إِلَىٰ الأفقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَىٰ الأفقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب وَلاَ عَذَابٍ» ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ في أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَاب، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذينَ صَحِبُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وَقَالَ بَعْضَهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإسْلامِ، فَلَمْ يُشْرِكُوا بالله شَيْئاً ـ وَذَكَرُوا أشْيَاءَ ـ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضونَ فِيهِ؟» فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصِنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
«الرُّهَيطُ» بِضَمِّ الرَّاءِ: تَصْغِيرُ رَهط، وَهُمْ دُونَ عَشَرَةِ أنْفُسٍ. «وَالأفقُ»: النَّاحِيَةُ والجانبُ. «وَعُكَّاشَةُ» بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْديد الْكَافِ وَبِتَخْفِيفها، وَالتَّشْديدُ أفْصَحُ.
غريب الحديث:
سواد عظيم: أشخاص كثيرون.
خاض: تكلم.
لا يرقون: لا يقرؤون شيئاً يتعوذون به من شرّ ما وقع أو يتوقع.
وهذه اللفظة «لايرقون» قَالَ علماء الحديث: إنها شاذة؛ انفرد بها مسلم، ثُمَّ هي مخالفة لما ثبت في الهدي النبوي من استحباب الرقية، بأن يرقي الإنسان نفسه، أو يرقي غيره لوجه الله تعالىٰ أو بالأجرة.
يسترقون: يطلبون الرقية من غيرهم .
لا يتطيرون: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.
هداية الحديث:
1) فضل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنزلته؛ فإنه عُرضَت عليه الأمم ورآها، فأُمَّته أكثر الأُمم يوم القيامة.
2) فضل التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ، والاعتماد عليه، ومن ذلك يتبين ضلال وضياع من يتوكل علىٰ المخلوقين، ويعتمد عليهم، فيما لا يقدر عليه إلَّا الله تعالىٰ من جلب المنافع ودفع المضار.
3) اغتنام الفرصة لقطف ثمرة الخير، كما فعل الصحابي الجليل عُكّاشة بن محصن رضي الله عنه.
4) بيان فضيلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فمن سار عَلىٰ نهجهم واقتفىٰ أثرهم اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم ضل عَنْ الهدىٰ وغوىٰ.
2/75 ــ الثَّانِي: عَن ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما أيْضاً أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللهم لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللهم إِنِّي أعُوذُ بِعزَّتك لا إلهَ إلَّا أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي، أنْتَ الْحَيُّ الَّذي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإنْسُ يَمُوتُونَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهذَا لَفْظُ مُسْلِم، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ.
غريب الحديث:
إليك أنَبْتَ: رجعت إلىٰ عبادتك والإقبال عَلىٰ ما يقرب منك.
بك خاصمت: حاججت أعداء الله مستعيناً بك، قاصداً وجهك.
هداية الحديث:
1) وجوب التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ وحده؛ لأنه المتصف بصفات الكمال، فهو وحده الَّذي يعتمد عليه، ولا يعتمد عَلىٰ المخلوقين الفقراء من أيِّ وجه ؛ فإنّا جميعاً مفتقرون إلىٰ الله، بحاجة إلىٰ معونته سبحانه.
2) التأسي بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمات الجامعة، في الدعاء والنصح والدعوة؛ لأن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
3/76ــ الثَّالِثُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أيْضاً قَالَ: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَها مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾. رَوَاهُ البُخَارِيّ.
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُلْقِيَ فِي النّارِ: حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».
هداية الحديث:
1) التوكل عَلىٰ الله منهج لجميع الأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ فليُتأسَّ بهم في الدعاء والتوكل عَلىٰ الله؛ لأنهم أشد الناس بلاءً.
2) فضل التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ في الأمور الصعبة والنوائب.
تنبيـه:
بعض الجاهلين الذين علقوا قلوبهم بغير الله تعالىٰ ــ في شدة المصائب والنوازل ــ يذهبون للاستنجاد بالمخلوقين، ودعاء غير الله _عز وجل_ في كشف هذه الأمور. وهذا ــ والله ــ هُوَ غاية الخذلان، وعندها ينطفئ الإيمان. فالحريص عَلىٰ بقاء الإيمان مضيئاً في قلبه، عليه أن يعلّق رجاءه بالله تعالىٰ، ويقطع رجاءه من الخلق.
4/77 ــ الرَّابعُ: عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْر». رَوَاهُ مُسْلِم .
قِيلَ: مَعْنَاهُ مُتَوَكِّلونَ، وَقِيلَ: قُلُوبُهُمْ رَقِيقَةٌ .
هداية الحديث:
1) التوكل عَلىٰ الله، ورِقَّة القلب، من أسباب دخول الجنة، والفوز بنعيمها.
2) بيان صفة أهل الجنة؛ كل صاحب قلب رقيق شفيق.
5/78 ــ الْخَامِسُ: عَنْ جَابِـرٍ رضي الله عنه أنّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُمْ، فَأدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَه، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: «إنَّ هذَا اخْتَرَط عَلَيَّ سَيْفِي وَأنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ. ثَلاثاً» وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أتَيْنَا عَلَىٰ شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ، وَسَيْفُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُعَلَّقٌ بالشَّجَرَةِ، فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ: تخَافُنِي؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ.
وَفِي رِوَايَةِ أبِي بكْرٍ الإسمَاعيليّ في صحيحهِ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم السَّيْفَ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ: تَشْهَدُ أنْ لا إله إِلَّا الله ، وَأنِّي رَسُولُ الله ؟ قَالَ: لا، وَلكِنِّي أُعَاهِدُكَ أنْ لا أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّىٰ سَبِيلَهُ، فَأتَىٰ أصْحَابَهُ، فَقَالَ: جِئْتكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: «قَفَلَ» أيْ: رَجَعَ. وَ«الْعِضَاهُ»: الشَّجَرُ الَّذي لَهُ شَوْكٌ. وَ «السَّمُرَةُ» بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الميم: الشجرة من الطلح، وهي العظام من شجر العضاه. واخترط السيف:أي سلَّهُ. وهو في يده «صَلْتاً» أيْ: مَسْلُولاً، وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا.
غريب الحديث:
القائلة: وقت نوم الظهيرة.
هداية الحديث:
1) أثر التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ في الخلاص من الشدائد وتفريج الكرب.
2) إظهارعفو النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وكرمِ خُلُقه وعدمِ انتقامه لنفسه، وبُعدِ نظره في الأمور، وحسنِ معالجته النفوسَ لجلبها إلىٰ الحق.فعلينا الاقتداء بسنته، والاهتداء بهديه، لأن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ}.
6/79 ــ السَادِسُ: عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «لَوْ أنَّكُمْ تتَوَكَّلُونَ عَلَىٰ الله حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً». رَوَاهُ التّرمَذيّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَن.
مَعْنَاهُ: تَذْهَبُ أوَّلَ النَّهَارِ خِمَاصاً: أيْ: ضَامِرَةَ الْبُطُونِ مِنَ الْجُوعِ، وَتَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ بِطَاناً: أيْ: مُمْتَلِئَةَ الْبُطُونِ.
هداية الحديث:
1) الأخذ بالأسباب والمشي في طلب الرزق، من صدق التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ.
2) حقيقة التوكل معناه: اعتماد القلب، وتفويض الأمر بصدق ويقين، إليه سبحانه.
7/80 ــ السَّابع: عَنْ أبِي عُمَارَةَ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَا فُلاَن إِذَا أوَيْتَ إلَىٰ فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللهم أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَألْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلاَ مَنْجَىٰ مِنْكَ إِلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ. فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَىٰ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أصْبَحْتَ أصَبْتَ خَيْراً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ البَرَاءِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَىٰ شِقِّكَ الأيْمَنِ، وَقُلْ: وَذَكَرَ نَحْوَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ».
هداية الحديث:
1) صفة أهل الإيمان أنهم يلجؤون إلىٰ الله تعالىٰ في جميع أحوالهم.
2) تجديد العهد مع الله _عز وجل_ كل ليلة، وتوثيق معاني الإيمان قولاً وعملاً.
3) استحباب المبيت علىٰ طهارة، وأن تكون هذه الكلمات آخر ما يقوله الذاكر.
8/81 ــ الثَّامِنُ: عَنْ أبِي بكْرٍ الصِّدِّيق عَبدِ الله بْنِ عُثْمَان بْنِ عَامِرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَعْب ابْنِ تَيْم بنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ رضي الله عنه ــ وَهُوَ وَأبُوهُ وَأُمُّهُ صَحَابَةٌ رضي الله عنهم ــ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَىٰ أقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ ونَحْنُ فِي الْغَارِ وَهُمْ عَلىٰ رُؤُوسِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسولَ الله لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنَا، فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أبا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) كمال توكل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه بالله _عز وجل_.
2) علىٰ العبد أن يربي نفسه عَلىٰ تمام التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ، فهذا يورثه اليقين، الَّذي إِذَا خالط القلوب أصبحت لا تخاف ولا تخشىٰ إلَّا الله _عز وجل_، وتقول وتفعل الحق ولا تخشىٰ في الله لومة لائم.
3) بيان فضيلة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ فهو أفضل الصحابة بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، حيث اختاره الله _عز وجل_ لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، وأثنىٰ عليه بآيات تُتلىٰ إلىٰ يوم القيامة.
9/82 ــ التَّاسِعُ: عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ الْمَخْزُومِيَّةُ رضي الله عنها، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «بِسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَىٰ الله ، اللهم إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أضِلَّ أوْ أُضَلَّ، أوْ أزِلَّ أوْ أُزَلَّ، أوْ أظْلِمَ أوْ أُظْلَمَ، أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ». حَديث صَحِيحٌ رَوَاهُ أبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذيُّ وَغَيْرهُمَا بِأسانِيدَ صَحِيحَة. قَالَ التِّرْمِذيّ: حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهَذَا لَفْظُ أبِي دَاوُد.
10/83 ــ الْعَاشِرُ: عَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَالَ ــ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ ــ: بِسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَىٰ الله ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِالله، يقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنحَّىٰ عَنْهُ الشَّيْطَانُ». رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالتّرمِذيّ والنّسائي وغَيْرهم. وَقَالَ التِّرْمِذي: حديث حَسنٌ، زاد أبُو دَاوُدَ: «فَيَقُول: ــ يَعْنِي الشَّيْطَانَ لِشَيْطَانٍ آخَرَ ــ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟».
غريب الحديث:
أَضِل: أكون سبباً في انحراف غيري عن الصراط المستقيم.
أضَل: أنحرف عَنِ الطريق المستقيم.
أَزِل: الزلل هو الخطأ.
أجهل: آتي بالسفه.
يُجهل علي: يسفه علي أحدٌ.
وقيت: حُفظت.
هداية الأحاديث:
1) دوام التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ، والاعتصام به، ودعائه جلب المنافع، ودفع المضار.
2) عَلىٰ العبد أن يحصِّن نفسه بالأذكار الشرعية، التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتجنّب الأذكار التي أحدثها الناس، ففي اتباع المأثور الخير والبركة.
تنبيــه:
لا يمكن للعبد أن يوظف الأذكار النبوية إلا إذا علمها. فالعلم قبل القول والعمل، فعلينا أن نتعلم ما أَنزل إلينا ربُّنَا من الشرع المنزل، ونفرح ونستغني به، ونهجر ما وَرِثْناه من الأذكار المُحدَثة وهي الشرع المبدل.
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
11/84 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أخَوَانِ عَلَىٰ عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ أحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، والآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أخَاهُ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَ: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذيّ بإسْنَادٍ صحِيح علىٰ شرطِ مُسْلِمٍ.
«يَحْتَرِفُ»: يَكْتَسِبُ وَيَتَسَبَّبُ.
هداية الحديث:
1) الترغيب في مساعدة أهل العلم وطلابه.
2) الإنفاق عَلىٰ طلبة العلم من مفاتيح الرزق.
3) الحث عَلىٰ إعانة طائفة في المجتمع لطلب العلم والتفقه في الدين.
8 ــ باب الاستقامة
قال الله تعالىٰ: {فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ} [هود: 112] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ * نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ﴾ [فصلت: 30 ــ 32] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 13ــ 14].
هداية الآيات:
1) الاستقامة عَلىٰ دين الله لابد فيها من الاعتدال في كل شيء؛ فلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.
2) البشرىٰ العظيمة لأهل الاستقامة في الدنيا والآخرة.
1/85 ــ وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبي عَمْرةَ، سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الإسْلاَمِ قَوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) الإيمان لا يكفي فيه نطق اللسان، ولكن يجب أن يصدقه القيام بالأعمال الصالحة.
2) الاستقامة لا تكون إلَّا بعد الإيمان باطناً وظاهراً.
2/86 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنكُمْ بِعَمَلِهِ»، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ: «وَلاَ أَنا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ». رَوَاه مُسْلِم.
وَ«الْمُقَارَبَةُ»: الْقَصْدُ الَّذِي لا غْلُوَّ فِيهِ وَلاَ تَقْصِيرَ، وَ«السَّدَادُ»:الاسْتِقَامَةُ وَالإصَابَةُ، و«يَتَغَمَّدَني» يُلْبسُني وَيَسْتُرني.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَىٰ الاسْتِقَامَةِ: لُزوم طَاعَةِ الله تَعَالَى، وقَالُوا: وَهِيَ مِنْ جَوَامعِ الْكَلِمِ، وَهِيَ نِظَامُ الأمُورِ، وَبالله التَّوْفِيق.
هداية الحديث:
1) الاستقامة عَلىٰ حسب الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلَّا وسعها.
2) إن العبد مهما بلغ من المرتبة والولاية، فإن عمله وحده لن ينجيه، ولكن هذا العمل يكون سبباً في تغمد الله له برحمته، ونجاته من النار.
3) علىٰ العبد أن لا يعجب بنفسه وعمله، وعليه الخضوع لله _عز وجل_ رب العالمين.
4) فضل الصحابة رضي الله عنهم؛ فهم أحرص الناس عَلىٰ العلم، كانوا لا يتركون شيئاً يحتاجون إليه في أمور دينهم إلَّا سألوا عَنْهُ وامتثلوه. فوجب علينا إتباع سننهم، واقتفاء آثارهم، والنظر في أحوالهم، ومتابعتهم بها.
9 ــ باب التفكير في عظيم مخلوقات الله تعالى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها عَلى الاستقامة
قال الله تعالىٰ: {إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ} [سبأ: 46] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ الآيات [آل عمران: 190ــ 191] ، وقال تعالىٰ: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ * وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ * وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ * وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ * فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ} [الغاشية: 17ــ 21] ، وقال تعالىٰ: {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ} [محمد: 10] ، والآيات في الباب كثيرة.
ومن الأحاديث الحديث السابق: «الكيِّس مَن دانَ نفسه».
فائدة:
التفكّر: هُوَ أن يُعمل الإنسان عقله في الأمر حَتَّىٰ يصل إلىٰ نتيجة، فالتفكر يثمر التذكر والخشية.
هداية الآيات:
1) الحث عَلىٰ التفكر في الأعمال والطاعات التي يقوم بها العبد، ليعلم مدىٰ انتفاعه بها، ومدىٰ تحصيله لثوابها وقبولها عند الله _عز وجل_.
2) الترغيب في التفكر في عظيم مخلوقات الله _عز وجل_؛ لأنه يورث الخشية لله تعالىٰ، ويورث ذكر الله _عز وجل_ وزيادة اليقين بوعده ووعيده، ويورث العمل مع إخلاص النية لله وحده.
3) التأمل من صفات عباد الله المخلصين، الذاكرين لَهُ، المتفكِّرين في مخلوقاته.
4) الحثُّ علىٰ الاهتمام بالأعمال النافعة في الدنيا والآخرة، وذمُّ الهوىٰ، وشهواتِ النفس المحرَّمة، وشغلِها بالأماني دون العمل.
وما أكثر الذين يُتبعون أنفسهم هواها، ولا يبالون بمخالفة شرع الله تعالىٰ من أجل مصالحهم الدنيوية! فالحذرَ الحذرَ أن نكون منهم.
10 ــ باب المبادرة إلى الخيرات
وحثّ من توجه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
قال الله تعالىٰ: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ [البقرة: 148]، وقال تعالىٰ: ﴿۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
هداية الآيات:
1) المسابقة إلىٰ فعل الخيرات، وعدم تأجيل الأعمال الصالحة فإنها تفوت.
2) إنّ من صفات المتقين المسارعةَ إلىٰ الدارِ الآخرةِ، ونيلِ رضوان الله _عز وجل_ ، بالاستغفار ولزوم الطاعات.
وأما الأحاديث:
1/87 ــ فَالأَوَّل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ يُصْبِحُ الرَّجُل مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصبح كَافِراً، يَبيعُ دِينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». رَوَاه مُسْلِم.
غريب الحديث:
بادروا بالأعمال: أسرعوا إليها. بعَرَض: متاع.
هداية الحديث:
1) وجوب التمسك بالدين ، والمبادرة إلىٰ العمل الصالح قبل أن تحول الموانع والعوائق دونه.
2) التحذير من الوقوع في الفتن؛ لأنها تورث العبد شكاً في الدين، وضعفاً في الإيمان.
3) الحث عَلىٰ التزام العلم والعمل؛ لأن بهما العصمة في زمن الفتن.
2/88 ــ الثَّاني: عَنْ أَبِي سرْوَعَةَ ــ بكسر السينِ المهملةِ وفتحها ــ عُقْبةَ بْنِ الْحَارِثِ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعا،ً فَتَخَطَّىٰ رِقَابَ النَّاسِ إِلَىٰ بَعْضِ حجَر نِسائِهِ، فَفَزِعَ النَّاس مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأىٰ أَنَّهُمْ قَدْ عَجبُوا مِنْ سُرْعَته، قَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئاً مِن تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقسْمَته». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «كُنْتُ خَلّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْراً مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكرِهْتُ أَنْ أُبيِّتَه».
«التِّبْر» قَطَع ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ.
هداية الحديث:
1) المبادرة إلىٰ فعل الخيرات وأداء الحقوق لأصحابها، وعدم التهاون في ذلك.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلىٰ فعل الخيرات، والمسارعة إلىٰ أداء الأمانات لأهلها، فالزم هدىٰ نبيِّك صلى الله عليه وسلم ، وتمسّكْ بسُنّته؛ فإن الخير كل الخير في هداه، والشَّرَّ كل الشَّرِّ فيمن اتبع هواه.
3) اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بتتبع أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من فضائلهم.
3/89 ــ الثَّالث: عَنْ جَابِر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رجُلٌ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتلْتُ فَأَيْن أَنا؟ قَالَ: «في الْجَنَّةِ». فَأَلْقَىٰ تَمَراتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّىٰ قُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم ومبادرتهم إلىٰ الأعمال الصالحة، واهتمامهم بأمور دينهم وآخرتهم.
2) البشرىٰ لمَنْ قُتل في سبيل الله أنه موعود بالجنة.
3) أهمُّ ما يهتمّ به المسلم هُوَ مصيره يوم القيامة إلىٰ الجنة أو إلىٰ النار؟ فاحرصْ علىٰ ما يقرّبك من الجنة ويبعدك عَنِ النار.
4/90 ــ الرَّابع: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أجْراً؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحيحٌ تَخْشَىٰ الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغنَى، وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَت الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
«الْحُلْقُوم»: مَجْرَىٰ النَّفَسِ. وَ«الْمَرِيءُ»: مَجْرَىٰ الطعَامِ وَالشَّرَابِ.
غريب الحديث:
الشّحّ: البخل مع شدة الحرص.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت.
2) الصدقة في حال الصحة أفضل من الصدقة في حال المرض.
5/91 ــ الخامس: عن أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُد،ٍ فَقَالَ: «مَنْ يَأْخُذُ منِّي هذَا؟» فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إنْسَانٍ منْهُمْ يَقُول: أنَا أنا. قَالَ: «فَمَنْ يَأْخُذُهُ بحَقِّه؟» فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ أبُو دجَانَةَ رضي الله عنه: أنَا آخُذُهُ بحَقِّهِ، فَأَخَذَهُ، فَفَلَقَ بهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ. رواه مسلم.
اسمُ أَبي دُجَانَةَ: سِمَاكُ بْنُ خَرشَةَ. قَوْلُهُ:«أَحْجَمَ الْقَوْمُ»: أي: تَوَقَّفُوا . وَ«فَلَقَ بهِ»: أَيْ شَقَّ. «هَامَ الْمُشْرِكينَ»: أَيْ رؤوسَهُمْ.
هداية الحديث:
1) حسن رعاية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لصحابته؛، فلم يخصّ بالسيف أحداً منهم، ولكنه جعل الأمر تنافساً لعموم الصحابة، حتىٰ يجد الرجل المناسب للمكان المناسب.
2) بيان شجاعة أبي دجانة رضي الله عنه وتضحيته وصدقه في الجهاد.
3) عَلىٰ العبد ألا يكسل ولا يستعظم العبادة، بل عليه أن يستعين بالله، ويتوكل عليه، ويبادر إلىٰ فعل الخيرات دون تردد أو شك.
تنـبـيــه:
موقف الصحابة رضي الله عنهم لا يدل عَلىٰ خوف أو جبن، وإنما هم أحجموا عَنْ أخذ السيف؛ ورعاً منهم ألاّ يستطيعوا الوفاء بعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إن دل عَلىٰ شيء فإنه يدل عَلىٰ مدىٰ ورعهم واحترامهم عهودَ وحقوق نبيِّهم عليه الصلاة والسلام.
6/92 ــ السَّادس: عن الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ قال: أَتَيْنَا أَنَسَ بنَ مَالك رضي الله عنه، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَىٰ منَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبُروا؛ فَإنَّه لا يَأْتي عليكم زَمَانٌ إلَّا وَالَّذي بعْدَه شَرٌّ منْه، حَتَّىٰ تَلْقَوْا رَبِّكُم» سَمعْتُه منْ نَبيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) وجوب الصبر عَلىٰ ولاة الأمور، وإن ظلموا وجاروا.
2) لزوم الطاعات زمن الفتن؛ فإنها العاصمة من هذه الفتن.
تنبيه:
إن توجيه الناس في زمن الفتن هُوَ بأيدي العلماء الربّانيّين العاملين، فعلىٰ أهل الإيمان الرجوع إلىٰ العلماء فيما يقررونه في مسائل الفتن والنوازل؛ لأنهم أعلم الناس بالشرع وبالواقع وبأحوال الناس، قال الله تعالىٰ: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [النساء: 83].
7/93ــ السَّابع: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادِرُوا بالأعْمَالِ سَبْعاً؛ هَلْ تَنْتَظرونَ إلَّا فَقْراً مُنْسياً، أوْ غنىٰ مُطْغِياً، أوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أوْ هَرَماً مُفْنِداً أوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائبٍ يُنْتَظَر، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ!». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ[5]. [5](1) الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
مطغياً: يحمل صاحبه عَلىٰ مجاوزة الحد في المعاصي.
مفنداً: موقعاً في الفند، وهو الكلام المنحرف عَنِ الصحة.
مجهزاً: مميتاً بسرعة. أدهى: أعظم بلية.
هداية الحديث:
1) التمثيل بأهم الشواغل التي تصرف العبد عن الخير والطاعة، حتىٰ يحذرها ويقبل على ما ينفعه.
2) اغتنامُ أوقاتِ الصحة والفراغِ، وقلةِ الفتن والشواغل، في تكثير الطاعات وأعمال الخير.
3) الدجّال أعظم فتنة حذّر منها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
8/94 ــ الثامن: عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يومَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ الله وَرَسُولَه، يَفْتَح اللهُ عَلَىٰ يَدَيْهِ». قَالَ عُمَر رضي الله عنه: مَا أَحْبَبْتُ الإمَارَةَ إلا يَومَئذٍ، فَتَساوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَىٰ لَهَا، فَدَعَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أَبي طَالب رضي الله عنه، فَأَعْطَاه إيَّاهَا، وَقَالَ: «امْشِ وَلا تَلْتَفتْ حَتَّىٰ يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ»، فَسَارَ عَليٌّ شَيْئاً، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفتْ ؟ فَصَرَخ: يَا رسولَ الله ، علىٰ ماذَا أُقاتلُ النَّاسَ؟ قالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّىٰ يَشْهَدوا أَنْ لا إلهَ إلَّا الله ، وَأَنَ مُحَمَّداً رسولُ الله ، فَإذَا فَعَلُوا ذلكَ فَقَدْ مَنَعُوا منْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَىٰ الله ». رواه مسلم.
«فَتَسَاوَرْت» هُوَ بالسِّين المهملة: أيْ وَثَبْت مُتَطَلِّعاً.
هداية الحديث:
1) الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكرهون الإمارة لما فيها من المسؤولية.
2) المبادرة إلىٰ امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا من المسارعة إلىٰ الخيرات والطاعات.
3) التزام الصحابة رضي الله عنهم بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمسارعة إلىٰ تنفيذها دون كثرة سؤال ومراجعة. فعلينا أن نتبع الرسول صلى الله عليه وسلم مستسلمين لله _عز وجل_ في ذلك، طائعين لَهُ، وأن نتلمس سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، ونتبع آثارهم وأحوالهم مع الكتاب والسنة؛ فهذا عنوان فلاح الأمة، ولن يصلح أمر آخر الأمة إلا بما صلح به أولها.
11 ــ باب المجاهدة
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر: 99] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا﴾ [المزمل: 8] أي: انقطع إليه، وقال تعالىٰ: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7] ، وقال تعالىٰ: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ} [المزمل: 20] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]. والآيات في الباب كثيرة معلومة.
فائـدة:
المجاهدة: بذلُ الجهد في إصلاحِ العبدِ نفسَه، وإصلاحِ غيره.
ــ أمّا إصلاح العبد نفسه؛ فيكون بفعل المأمورات، وترك المنهيات. وسبيل ذلك العلم النافع، والعمل الصالح.
ــ وأمّا إصلاح العبد غيره؛ فيكون بالدعوة والبيان، مع الصبر على الأذىٰ.
وأمّا المعاندون والخارجون عَنِ الشريعة؛ فتكون مجاهدتهم بالسلاح والسنان لكفِّ شرهم، وزجر أمثالهم.
هداية الآيات:
1) الحثّ عَلىٰ سلوك طريق المجاهدة؛ لأن الهداية مع أهل المجاهدة {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ} [العنكبوت: 69].
2) من يعمل خيراً يلقه وإن قَلَّ، فلا يحقرنَّ العبدُ من المعروف شيئاً.
وأما الأحاديث:
1/95 ــ فالأول: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله تعالىٰ قال: مَن عَادَىٰ لي وَليّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالْحَرْب. وَما تَقرَبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْت عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّىٰ أُحِبَّه، فَإذَا أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ به، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بهَا، وَإنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ». رواه البخاري.
«آذَنْتُهُ»: أَعْلَمْتُه بِأَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ. «اسْتَعَاذَنِي» رُوي بالنونِ وبالباءِ.
غريب الحديث:
وليّاً: الوليّ هُوَ كل مؤمن تقيّ ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ * ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62 ــ 63].
استعاذني: من الاستعاذة، وهي طلب اللجوء والاعتصام بالله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) الوليّ: هو الذي يتقرَّب إلىٰ الله تعالىٰ بالفرائض ــ وأعظمها تحقيق توحيد الله ــ ثم يُكثر من النوافل.
2) إثبات ولاية أهل الإيمان؛ فالله يحفظهم، ويسدّد أقوالهم، وأعمالهم، ويدافع عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ} [الحج: 38].
3) الفرائض أحب ما تقرب بها العبد إلىٰ الله تعالىٰ.
4) فعل النوافل مع القيام بالواجبات، موجب لمحبة الله تعالىٰ للعبد.
فائـدة:
قوله في الحديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الَّذي يسمع به ، وبصره الَّذي يبصر به...» إلىٰ آخره. جاء تفسيره في رواية: «فبي يسمع وبي يبصر».
معناه: أن العبد يكون في جميع أحواله من أقوال وأفعال فيما يرضي الله تعالىٰ؛ فلا يسمع إلَّا ما يحبه الله ويرضاه، ولا يرىٰ إلَّا ما أذن لَهُ في النظر إليه، ولا يفعل بيده ورجله إلَّا ما هُوَ مباح ومشروع، عندئذٍ يكون هذا العبد من أولياء الله المقربين.
2/96 ــ الثاني: عن أنسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ _عز وجل_ قال: «إذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإذَا تَقَرَّبَ إليَّ ذراعَاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَإذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتـَيْـتُهُ هَرْوَلَةً». رواه البخاري.
غريب الحديث:
فيما يرويه عَنْ ربه: هذه الصيغة تكون في الأحاديث القدسية (الإلهية).
باعاً: هُوَ مقدار مَدّ اليدين وما بينهما من البدن.
هرولة: نوع من الجري فيه مسارعة للخطى.
هداية الحديث:
1) إكرام الله تعالىٰ لأهل طاعته؛ بأن يجازيهم عَلىٰ ثواب أعمالهم بالمضاعفة.
2) من صَدَق الله تعالىٰ في الطاعة، وفقه سبحانه للمزيد من العبادة.
3/97 ــ الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
مغبون فيهما: مغلوب فيهما، من الغُبن، وهو الشراء بأضعاف الثمن، أو البيع دون الثمن.
هداية الحديث:
1) عَلىٰ العبد أن يغتنم فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله _عز وجل_ بقدر ما يستطيع.
2) نِعَمُ الله تتفاوت، ومن أكبر نِعَم الله عَلىٰ العبد ـ بَعد الإيمان ـ نعمتا العافية والفراغ من المشاغل.
3) مقابلة نِعَم الله _عز وجل_ بالطاعات والشكر سبب لحفظها ودوامها؛ فإنه بالشكر تزيد النِّعَم.
4/98 ــ الرابع: عن عائشةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّىٰ تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هذَا يَا رَسُولَ الله ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً؟». متفقٌ عليه. هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية الـمُغيرة بن شُعْبَةَ.
غريب الحديث:
تتفطر قدماه: تتشقق.
هداية الحديث:
1) الشكر هُوَ القيام بطاعة الله تعالىٰ، ومنه الشكر الفعلي بالتعبد لله تعالىٰ.
2) من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد غفر لَهُ ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
3) فضيلة صلاة الليل، مع طول القيام؛ فهما من أحب القربات إلىٰ الله.
5/99 ــ الخامس: عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أحيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ». متفق عليه.
والمراد: الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ من شهر رمضانَ. «وَالْمِئْزَرُ»: الإزَارُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عن اعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَقيلَ: المُرَادُ تَشْمِيرُهُ للْعِبَادَةِ، يُقَالُ: شَدَدْتُ لِهذَا الأَمْرِ مِئْزَرِي، أيْ: تَشَمَّرْتُ، وَتَفَرَّغْتُ لَهُ.
هداية الحديث:
1) فضيلة العشر الأخير من رمضان؛ لاهتمام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها، وإحياء لياليها، ووجود ليلة القدر فيها.
2) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه لم يقم ليلة بتمامها إلَّا في العشر الأواخر من رمضان.
3) اعتزال المعتكف أهله حال اعتكافه.
4) يجب عَلىٰ العبد أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة، حَتَّىٰ يستوعبها في طاعة الله تعالىٰ؛ فإنها فُرَصٌ للتجارة الرابحة والفلاح، في الدنيا والآخرة.
6/100 ــ السادس: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلىٰ الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلىٰ مَا يَنْفَعُكَ، وَاستَعِنْ بِالله وَلاَ تَعْجِزْ. وَإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ، ومَا شاءَ فَعَلَ؛ فَإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
المؤمن القوي: يعني في إيمانه وكثرة طاعاته.
المؤمن الضعيف: يعني في إيمانه وقلة طاعاته.
لا تعجز: العجز معناه عدم القدرة على فعل الخير.
هداية الحديث:
1) حرص المؤمن عَلىٰ تقوية إيمانه بفعل الطاعات، وترك المحرمات.
2) الإنسان العاقل ــ الَّذي قَبِل وصية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ــ يحرص عَلىٰ ما ينفعه في دينه ودنياه، ويترك كل ما لا نفع فيه.
3) الحثُّ علىٰ الاستعانة بالله في كل الأمور، ولو علىٰ الشيء اليسير، وبالاستعانة يُنفىٰ العجز.
4) من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتم المرء عمله ولا يكسل، وأن يبدأ بالأهم فالأهم.
5) إثبات القدر مع وجوب الرضا فيه؛ فكل شيء بقضاء وقدر.
فائدة:
قوله صلى الله عليه وسلم : «احرص عَلىٰ ما ينفعك» دليل عَلىٰ تقديم المنفعة العليا عَلىٰ المنفعة التي دونها، ومن ذلك إِذَا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فإنها تقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إِذَا صلح صلحت معه الدنيا، أما الدنيا فإنها لا تصلح مع فساد الدين.
7/101 ــ السابع: عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشهَواتِ، وحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: «حُفَّت» بَدلَ «حُجِبَتْ» وهُوَ بمَعْنَاهُ أَيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَهَا هذَا الحِجَابُ، فَإذا فَعَلَهُ دَخَلَهَا.
هداية الحديث:
1) الشهوات المحرمة باب من أبواب دخول النار؛ وهي إتباعُ النَّفْسِ هواها، فيما يخالف الشرع.
2) المكاره سبب لنيل المكارم، ودخول الجنة.
3) إن العبد إِذَا جاهد نفسه عَلىٰ طاعة الله أحبت نفسه هذه الطاعة وألفتها.
8/102 ــ الثامن: عن أبي عبد الله حُذَيْفَةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنهما قال: صَلَّيْتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْت: يَرْكَع عِنْدَ المائَةِ، ثمَّ مَضَىٰ فَقُلْت: يُصَلِّي بهَا في رَكْعَةٍ، فَمَضَىٰ فَقُلْت يَرْكَعُ بهَا، ثمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرانَ فَقَرَأهَا، يَقْرَأُ مُـتَرَسِّلاً؛ إذَا مَرَّ بآيَةٍ فِيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَألَ، وإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» فكَانَ ركُوعُه نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثَم قالَ: «سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْد»، ثمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثَم سَجَدَ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سُجُوده قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
مترسلاً: غير مستعجل، مرتلاً بحيث تَبين الحروف وتُعطىٰ حقها.
هداية الحديث:
1) إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يعمل عمل المجاهد، الَّذي يجاهد نفسه عَلىٰ الطاعة.
2) جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل أحياناً ، من غير قصد ومداومة،، أمّا في رمضان فإن السُّنَّة أن يقوم الناس في جماعة.
3) ينبغي للمصلي في صلاة الليل أن يجمع بين الذكر والدعاء والتفكر؛ فيسأل في آية الرحمة، ويستعيذ في آية الوعيد، ويسبح في آية التسبيح.
4) فضيلة طول القيام في صلاة الليل؛ فهذا نوع من جهاد النفس في سبيل الله تعالىٰ.
9/103 ــ التاسع: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صَلَّيْت مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً، فَأطَالَ الْقِيَامَ حَتَّىٰ هَمَمْتُ بِأمْرِ سُوءٍ! قيل: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قالَ: هَمَمْتُ أنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
هَمَمْت: من الهَمّ بالشيء، وهو العزم عليه.
هداية الحديث:
1) من السُّنَّة أن يقوم العبد في الليل ويطيل القيام.
2) القيام الطويل للعبادة في الليل من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فإذا أراد العبد مجاهدة نفسه عَلىٰ القيام فَلْيقتدِ برسول الله صلى الله عليه وسلم .
10/104 ــ العاشر: عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَتْبعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُه وَعَمَلُه، فَيَرْجِع اثْنَانِ وَيَبْقَىٰ وَاحِدٌ: يَرْجِع أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَىٰ عَمَلُهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) عَلىٰ العبد أن يحرص عَلىٰ العمل الصالح؛ فهو الذخر الباقي.
2) الترغيب في اجتهاد المؤمن من الطاعات؛ حَتَّىٰ يكون لَهُ عمل صالح يؤنسه في قبره.
فائدة:
مناسبة هذا الحديث لباب (المجاهدة) أن كثرة العمل الصالح توجب مجاهدة النفس. فلا يزال العبد يدأب علىٰ الطاعة، حتىٰ تصير له عادة، وتُرقِّيه إلى رتب السيادة.
11/105ــ الحادي عشر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إلىٰ أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلِكَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
شِرَاكِ نعله: هُوَ السير الَّذي عَلىٰ ظهر القدم، ويُضرب به المثل في القرب.
هداية الحديث:
1) إن العبد قد يتكلم الكلمة، أو يفعل الفعل من رضوان الله ــ لا يظنّ أنها تبلغ ما بلغت ــ فإذا هي توصله إلىٰ جنة النعيم.
وقد يتكلم الكلمة، أو يفعل الفعل من سخط الله ــ لا يظن أنها تبلغ ما بلغت ــ فإذا هي تهوي به في نار الجحيم.
2) ضرب المثال عند التعليم أرسخ في النفس، وأقرب إلىٰ الفهم.
12/106 ــ الثاني عشر: عن أبي فِراسٍ رَبِيعَةَ بنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ خَادِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَمِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآتِيهِ بِوَضوئه وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: «سَلْني»، فَقُلْت: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذلكَ ؟» قلْت: هُوَ ذَاكَ، قال: «فَأَعِنِّي عَلىٰ نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ــ أهل الصُّفَّة: هم أضياف الإسلام، ممن هاجر إلىٰ المدينة، وليس لهم مأوىٰ، فأسكنهم النَّبيُّ عليه الصّلاة والسّلام في مؤخرة المسجد النَّبويِّ، وكانوا أحياناً يبلغوا الثمانين، وأحياناً دون ذلك، وكان الصحابة رضي الله عنهم يأتونهم بالطعام واللبن وغيره مما يتصدقون به عليهم.
ــ الوَضوء: بالفتح، الماء الَّذي يتوضأ به، والوُضوء بضم الواو: فعل الوضوء.
ــ حاجته: كل ما يحتاجه من لباس وغيره.
هداية الحديث:
1) فضل هذا الصحابي الجليل وعُلوّ همته؛ حيث سأل عَنْ شيء من أمور الآخرة.
2) فضل السجود عَلىٰ باقي هيئات الصلاة؛ «فإن أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد».
3) إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لايملك أن يُدخِل أحداً الجنة؛ ولهذا لم يضمن الجنة لهذا الرجل وهو خادمه ولصيق به. فَلْيحذرِ المؤمن من الاتكال عَلىٰ مجرد الأنساب والمقامات والجاهات؛ فإن ذلك كله لا ينفع، إِذَا لم يصاحبه إيمان صادق، وعمل صالح.
13/107 ــ الثالث عشر: عن أبي عبد الله وَيُقَال: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ـ ثَوْبَانَ مَوْلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لله سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللهُ بهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بهَا خَطِيئَةً». رواه مسلم.
غريب الحديث:
عَلَيْكَ: الزم.
هداية الحديث:
1) السجود في الصلاة والإكثار منه؛ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نوع من المجاهدة.
2) يَحصُل للعبد بالسجود فائدتان عظيمتان؛ الأولى: يرفعه الله به درجة، الثانية: يحط عَنْهُ به خطيئة.
14/108 ــ الرابع عشر: عن أبي صَفْوَانَ عبد الله بن بُسْرٍ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «خَيْر النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُره وَحَسُنَ عَمَلُه». رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن. «بُسْر»: بضم الباء وبالسين المهملة .
هداية الحديث:
1) عَلىٰ العبد سؤال الله أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله.
2) إن مجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلَّا إِذَا حسن عمله.
فائـدة:
كره بعض العلماء أن يُدعىٰ للإنسان بطول البقاء دون تقييد، بل يُقال: أطال الله بقاءك عَلىٰ طاعته. وقد قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «قد سألتِ الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يُعجل شيئاً قبل حلِّه، أو يُؤخر شيئاً عن حلّه، ولو كنتِ سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر، كان خيراً أو أفضل». رواه مسلم.
15/109 ــ الخامس عشر: عن أنس رضي الله عنه قال: غَابَ عَمِّي أنَسُ بنُ النَّضْرِ رضي الله عنه عن قِتالِ بَدْرٍ، فقال: يا رسولَ الله غِبْتُ عَن أوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَني قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيُرِيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللهم أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ ـ يَعْني أصْحَابه ـ، وَأبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاَءِ ـ يَعْني المُشْرِكِينَ ـ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مَعَاذٍ الجَنَّةُ وَرَبِّ النَّضْرِ، إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قال سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يا رَسولَ الله مَا صَنَعَ ! قال أنسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعاً وَثمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قال أنس: كُـنَّا نَرَىٰ أوْ نَظُنُّ أنَّ هذِهِ الآيَة نَزَلَتْ فيهِ وَفي أَشْبَاهِهِ: {مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ} [الأحزاب: 23] إلىٰ آخرها. متفقٌ عليه.
قوله: «لَيُرِيَنَّ الله» رُوي بضم الياء وكسر الراء أيْ: لَيُظْهِرنَّ الله ذلِكَ للناسِ، وَرُوِيَ بفتحهما، ومعناه ظاهر، والله أعلم.
غريب الحديث:
ببنانه: بأطراف أصابعه.
هداية الحديث:
1) عزمُ الإنسان عَلىٰ فعل الطاعات والخيرات، والأخذُ بالأسباب المعينة عَلىٰ ذلك.
2) التبرُّؤ من فعل أهل الكفر والمعاصي دليلٌ عَلىٰ صدق إيمان العبد.
3) فضيلة الصحابي أنس بن النضر رضي الله عنه؛ لشجاعته في المعركة، وإقدامه في قتال الكفار .
4) الحث علىٰ الثبات في أرض الجهاد، وإن تخلّف الأصحاب.
6/110 ــ السادس عشر: عن أبي مسعود عُقْبةَ بنِ عمرٍو الأنصاريّ البدريّ رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلىٰ ظُهُورِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالوا: مُراءٍ، وجاءَ رَجُل آخَرُ فَتَصَدَّقَ بصَاع، فقالُوا: إنَّ الله لَغَنيٌّ عَنْ صاعِ هذَا! فَنَزَلَتْ: {ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ} الآية [التوبة: 79]. متفقٌ عليه.
«ونُحَامِلُ» بضم النون، وبالحاءِ المهملة أيْ: يَحْمِلُ أَحَدُنَا علىٰ ظَهْرِهِ بالأُجْرَةِ، ويَـتَصَدَّقُ بها.
غريب الحديث:
ــ مُراءٍ: من المراءاة؛ وهي العمل ليراه الناس، فيكتسب منهم غرضاً دنيوياً.
ــ صاع: أربعة أمداد نبوية؛ والمد: ملء اليدين لا مبسوطتين ولا مقبوضتين.
ــ يلمزون: يعيبون .
المُطّوعين: بتشديد الطاء، أي المتنفلين.
جهدهم: طاقتهم.
هداية الحديث:
1) الواجب علىٰ المؤمن إِذَا بلغه عَنِ الله _عز وجل_ ورسوله صلى الله عليه وسلم شيء أن يبادر لما يجب عليه، من امتثال الأمر، أو اجتناب النهي، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثلوا أمر الصدقة بما يقدرون عليه.
2) حرص الصحابة عَلىٰ استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسَهم عَلىٰ ذلك، وهذا من فضائلهم رضي الله عنهم.
3) إن الله _عز وجل_ يدافع عَنِ المؤمنين، وهذا من ثمرات الإيمان.
17/111 ــ السابعَ عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن رَبيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاَني، عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَروِي عَنِ الله تبارك وتعالىٰ أنه قال: «يا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلىٰ نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنكُمْ مُحَرَّماً، فَلا تَظَالموا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدوني أهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُوني أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتكْسُوني أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ـ وَأنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ـ، فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلىٰ أَتْقَىٰ قَلْب رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ في مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلىٰ أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيد وَاحِدٍ، فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذلِكَ ممّا عندي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البحرَ، يَا عِبَادِي إنَّما هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ». قَال سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ جَثَا عَلىٰ رُكبتيه. رواه مسلم.
ورُوِّينا عن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالىٰ ــ قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
غريب الحديث:
صعيد: أرض واحدة ومقام واحد.
المِخْيَط: بكسر فسكون ففتح، الإبرة.
هداية الحديث:
1) افتقار العباد إلىٰ ربهم في جميع حوائجهم الدينية والدنيوية، فالهداية القلبية والنِّعَم الدنيوية من مأكل ومشرب وحاجة، كلها من الله تعالىٰ تفضلاً عَلىٰ عباده.
2) خزائن الله تعالىٰ ملأىٰ لا تنقصها نفقة، فَلْيجتهدِ العبد في الدعاء، وهو موقن بالخير من عند الله تعالىٰ، فإن حسن الظن بالله تعالىٰ خير للعبد.
3) إن الله سبحانه يحرّم عَلىٰ نفسه، ويوجب عَلىٰ نفسه بحكمته وكمال علمه.
4) العلم النافع والعمل الصالح غذاء للقلب، كما أن الطعام والشراب أغذية للبدن.
5) الإنسان يُجزىٰ بعمله؛ إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.
6) عَلىٰ العبد أن يجاهد نفسه عَلىٰ عمل الخير، ليجد ثواب ذلك في الدنيا والآخرة.
12ــ باب الحث عَلى الازدياد من الخير في أواخر العُمر
قال الله تعالىٰ: {أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ} [فاطر: 37].
قال ابن عباس رضي الله عنهما والمحققون: معناه: أولم نعمركم ستين سنة؟ ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالىٰ، وقيل: معناه: ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين سنة، قاله الحسن والكلبي ومسروق، ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً. ونقلوا: أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة، وقيل: هو البلوغ.
وقوله تعالىٰ: {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ} قال ابن عباس رضي الله عنهما والجمهور: هو النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وقيل: الشيب، قاله عكرمة وابن عيينة وغيرهما. والله أعلم.
هداية الآيات:
1) العِبرة في الحياة عَلىٰ آخر العمر؛ فالأعمال بخواتيمها. وصحَّ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «من كَانَ آخر كلامه من الدنيا لا إله إلَّا الله دخل الجنة». رواه أحمد.
2) عَلىٰ الإنسان أن يكثر من الأعمال الصالحة؛ لأنه لا يدري متىٰ يموت.
3) كلما طال عُمرُ العبد كَانَ أولىٰ بالتذكر؛ لقرب إقباله عَلىٰ لقاء الله تعالىٰ.
وأما الأحاديث:
1/112 ــ فالأوَّل: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَعْذَرَ اللهُ إلىٰ امْرِىءٍ أَخَّرَ أَجَلَه حتىٰ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً». رواه البخاري.
قال العلماء: معناه: لَمْ يَتْركْ لَه عُذْراً إذْ أَمْهَلَهُ هذِهِ المُدَّةَ. يُقال: أَعْذَرَ الرَّجُل: إذا بَلَغَ الغَايةَ في الْعُذْرِ.
هداية الحديث:
1) إن الله سبحانه وتعالىٰ لَهُ الحجة التامة عَلىٰ عباده؛ فقد أعطاهم العقول والفهوم، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وحفظ الشرائع.
2) عَلىٰ العبد اغتنام الفرص في طاعة الله، واستثمار الأوقات فيما يرضي الله، والبعد عَنِ الذنوب والمعاصي، والاستعداد ليومٍ لا عذرَ للعبد فيه.
2/113ــ الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُدْخِلُني مَعَ أشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نَفْسِهِ، فقال: لِمَ يَدْخُلُ هذَا معنا وَلَنَا أبْنَاءٌ مِثْلُه؟ فقال عمر: إنَّه مَن حَيْث عَلِمْتُمْ! فَدَعاني ذاتَ يَوْمٍ، فَأَدْخَلَني مَعَهُمْ، فما رَأَيْت أَنّه دعاني يوْمَئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، قال: ما تقولون في قول الله تعالىٰ: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ﴾ [النصر: 1] ؟ فقال بعضهم: أُمِرْنَا أن نَحْمَد الله وَنَسْتَغْفِره إذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بعضُهُمْ فلم يَقُلْ شَيْئاً، فقال لي: أَكَذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هُو أَجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَه له، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ وذلك علامة أَجَلِك ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ [النصر: 3] ، فقال عمر رضي الله عنه: ما أَعْلَمُ منها إلا ما تَقُول. رواه البخاري.
3/114ــ الثالث: عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما صَلَّىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ إلا يقول فيها: «سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبحَمْدكَ، اللهم اغْفرْ لي». متفق عليه.
وفي رواية في (الصحيحين) عنها: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر أَنْ يَقُولَ في ركوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللهم رَبَّنَا وَبحَمدكَ، اللهم اغْفِرْ لي» يَتَأوَّل الْقُرآنَ.
معنىٰ (يَتَأَوَّل الْقُرآنَ) أيْ: يَعْمَل مَا أُمِرَ بِهِ في الْقُرآن في قولهِ تعالىٰ: {فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ}.
وفي رواية لمسلم: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ: «سُبْحَانَكَ اللهم وبِحَمدِكَ، أَسْتَغْفِركَ وَأتُوب إلَيْكَ». قالت عائشةُ: قلت: يا رسولَ الله ما هذِهِ الكَلِمَات الَّتي أَرَاكَ أحْدَثْتَها تَقولها؟ قال: «جُعِلَتْ لي علامةٌ في أُمَّتي إذَا رَأيْتُها قُلْتُها ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ إلىٰ آخر السورة».
وفي رواية له: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر مِنْ قَوْلِ: «سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، أسْتَغفِر الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». قالت: قلت: يا رسولَ الله! أَرَاكَ تكْثِر مِنْ قَولِ: سُبْحَانَ الله وَبحَمْده، أَسْتَغْفِر الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.
فقال: «أخبَرَني رَبِّي أنِّي سَأَرَىٰ عَلاَمَةً في أُمَّتي، فَإذا رَأَيْتُها أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْل: سُبْحَانَ الله وبحَمْدِهِ، أستَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْه، فَقَدْ رَأَيتُها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا * فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾».
غريب الحديث:
وجد في نفسه: قام في نفسه ما يغضبه.
هداية الأحاديث:
1) علو مكانة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بين أبناء الصحابة.
2) الحث عَلىٰ تدبر معاني القرآن.
3) لزوم الاستغفار والتوبة دائماً؛ لأن هذا من مفاتيح الخير والعلم.
4) يُستحب للمصلِّي أن يكثر من هذا الذكر في الركوع والسجود: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي».
4/115ــ الرابع : عن أَنس رضي الله عنه قال:إنَّ الله _عز وجل_ تَابعَ الْوَحْيَ عَلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاته، حَتَّىٰ تُوفِّيَ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
تابع الوحي: كثر إنزاله قرب وفاته.
هداية الحديث:
1) كثرة نزول الوحي في آخر حياة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دليل عَلىٰ قرب أجله.
2) إتمام النعمة عَلىٰ هذه الأمة؛ ببقاء الوحي المتلو فيها، وهو: القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإن انقطع نزوله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن بقي شرع الله تعالىٰ بين الناس محفوظاً ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
5/116 ــ الخامس: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلىٰ مَا مَات عَليْهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) العبرة بخواتيم الأعمال، فعلىٰ العبد إحسان العمل؛ حَتَّىٰ يُبعث عَلىٰ العمل الصالح الذي ختم له عليه.
2) الترغيب في الازدياد من الطاعات سائر الأوقات؛ لأن الموت يأتي فجأة.
13ــ باب بيان كثرة طرق الخير
قال الله تعالىٰ: ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 215] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: 197] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7] ، وقال تعالىٰ: { مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ } [الجاثية:15] . والآيات في الباب كثيرة.
هداية الآيات:
1) الحث عَلىٰ اغتنام أبواب الخيرات كل بحسب حاله، وأصول طرق الخير ثلاثة:
الجهد البدني، والمالي، والمشترك بينهما.
ــ أمَّا الجهد البدني: فهو أعمال البدن؛ مثل: الصلاة، والصيام، والجهاد.
ــ وأمَّا الجهد المالي: فمثل الزكوات، والصدقات، والنفقات.
ــ وأمّا المشترك: فمثل الجهاد في سبيل الله، فإنه يكون بالمال، ويكون بالنفس.
2) حكمة الشارع في تنويع طرق الخير؛ ليعظم الأجر، ولئلا تملَّ النفوس من عبادة معينة، فالمستحب للعبد أن يعمل بأنواع العبادات المشروعة، كلٌّ بما يستطيع وبما يفتح الله لَهُ من الخير.
وأما الأحاديث، فكثيرة جداً وهي غير منحصرة، فنذكر طرفاً منها:
1/117 ــ الأوَّل: عن أبي ذرٍّ جُنْدَبِ بن جُنادَةَ رضي الله عنه قال: قلت يا رسولَ الله، أيُّ الأعْمَالِ أَفضَلُ ؟ قال: «الإيمانُ بالله ، وَالجِهَادُ في سَبِيلِهِ»، قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أَفْضلُ؟ قال: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً»، قُلْتُ: فَإنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قال: «تُعينُ صَانِعَاً أوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ»، قُلْتُ: يا رَسولَ الله أَرَأَيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قال: «تكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإنها صَدقَةٌ مِنْكَ عَلىٰ نَفْسِكَ». متفقٌ عليه.
«الصَّانعُ» بالصَاد المهملة هذَا هو المشهور، وَرُوِيَ «ضَائعاً» بالمعجمة، أَيْ: ذَا ضَيَاعٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ ونحْو ذلكَ، «وَالأخْرَق»: الَّذي لا يُتقن مَا يُحَاولُ فِعْلَهُ.
غريب الحديث:
ــ الرِّقاب: المماليك.
ــ أنفَسِها: أحبها عند أهلها، فالنفيس هُوَ الغالي.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم عَلىٰ السؤال عَنْ أفضل الأعمال ليعملوا بها، وهذا هُوَ شأن الموفِّقين من عباد الله تعالىٰ، فالواجب عَلىٰ العبد أن يحرص عَلىٰ أفضل الأعمال المقربة إلىٰ الله _عز وجل_ ليعظم أجره.
2) صنائع المعروف للناس من أفضل القربات عند الله .
3) كفّ الأذىٰ عَنِ الناس من أخلاق المسلم، والواجب علىٰ الجميع التحلي بها.
4) يجب عَلىٰ العبد أن يتدرج في الطاعات والقربات بحسب طاقته وجهده، فيحرص علىٰ الأنفع، ولا يكسل، فإن أحب الأعمال إلىٰ الله _عز وجل_ أدومها وإن قلَّت.
2/118 ــ الثاني: عن أَبي ذرٍّ أيضاً رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُصْبِحُ عَلىٰ كُلِّ سُلاَمَىٰ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُ تَحْمِيدةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرَ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذلكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما مِنَ الضُّحَى». رواه مسلم.
«السُّلامَى» بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفْصلُ.
هداية الحديث:
1) صلاة الضحىٰ سنة مستحبة كل يوم، وهي تجزئ عَنِ الصدقة الواجبة عَلىٰ بدن العبد.
2) عظيم فضل الله _عز وجل_ عَلىٰ العباد؛ إذ فتح لهم أبواب الخير الكثيرة .
فائدة:
وقت صلاة الضحىٰ يبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني بعد تكامل طلوع قرص الشمس ببضع دقائق، إلىٰ قُبيل الزوال، وهو انتصاف النهار عندما تكون الشمس وسط السماء، فلا صلاة إلىٰ أن تميل الشمس ببضع دقائق.
3/119ــ الثَّالثُ: عَنهُ قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمَالُ أمَّتي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأذَىٰ يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ في مَسَاوِئ أعْمَالِهَا النَّخَاعَةُ تَكُونُ في المَسجِد لاَ تُدْفَنُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يماطُ: يزال.
النخاعة: النخامة.
هداية الحديث:
1) يُستحب للإنسان إِذَا رأىٰ ما يؤذي أن يزيله عَنِ الطريق، فهذا من شعب الإيمان.
2) عدم احتقار الأعمال ولو كانت صغيرة، فإن ثوابها عند الله عظيم.
3) الحث عَلىٰ إصلاح المساجد وطهارتها؛ لِما في ذلك من الأجر العظيم.
فائدة:
إزالة النخامة وما شابه ذلك من المؤذيات يكون بأي طريق يحصل به المقصود، كالغسل أو المسح بالمناديل أو غير ذلك من المنظفات.
4/120 ــ الرابع: عنه أنَّ ناساً قالوا: يا رسُولَ الله ، ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوَالِهِمْ، قال: «أوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ: إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تكبِيرَةٍ صدقةً، وكلِّ تَحْمِيدَةٍ صدقةً، وكلِّ تَهْلِيلَةٍ صدقةً، وَأَمْرٌ بالمعْرُوفِ صدقةٌ، ونَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صدقةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صدقةٌ» قالوا: يا رسُولَ الله، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فيها أَجْرٌ؟! قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا في حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فيها وِزْرٌ؟ فكذلكَ إذا وضَعَهَا في الحَلاَلِ كانَ لَهُ أَجْرٌ». رواه مسلم.
«الدُّثُورُ» بالثاء المثلثة: الأموالُ، واحِدُها: دَثْرٌ.
غريب الحديث:
فضول: الزائد عَنِ الحاجة والكفاية.
بُضع: بمعنىٰ الجماع.
هداية الحديث:
1) فضيلة ذكر الله تعالىٰ فهو من أعظم الصدقات.
2) الأمر بالمعروف والنهي عَنِ المنكر من أفضل الصدقات، وهو عز الأمة وسبيل خيريتها؛ ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾.
3) عَلىٰ الآمر بالمعروف والناهي عَنِ المنكر أن يَنويَ بعمله إصلاح الخلق، لا الانتصار عليهم.
4) إِذَا استغنىٰ الرجل بالحلال عَنِ الحرام كَانَ لَهُ بهذا الاستغناء أجرٌ.
5) رحمة الله تعالىٰ بعباده المؤمنين، فقد جعل لهم الأجر حَتَّىٰ في شهواتهم المباحة.
5/121 ــ الخامس: عنه قال: قال لي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، ولَوْ أَنْ تَلْقَىٰ أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
طليق: ضاحك مستبشر.
هداية الحديث:
1) الاستبشار في وجه المؤمن صدقة يؤجر عليها العبد.
2) المحافظة علىٰ فعل المعروف ولو كَانَ في نظر الناس قليلاً حقيراً، فَرُبَّ عملٍ قليل أورث عزاً وأجراً.
6/122 ــ السادس: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ سُلاَمَىٰ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ تَرْفَعُ لَهْ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صدقةٌ، والكلِمَة الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيها إلىٰ الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وتُميطُ الأَذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفق عليه.
ورواه مسلم أيضاً من رواية عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ بَني آدَمَ عَلىٰ سِتِّينَ وثَلاثِمائَةِ مفْصلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، واسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَرِيقِ الناسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْماً عَن طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ أَمَرَ بمَعْروفٍ أَوْ نهىٰ عَنْ مُنكَرِ، عَدَدَ الستِّينَ وَالثَّلاثمائَةِ، فَإنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ».
هداية الحديث:
1) المؤمن إِذَا نوىٰ الخير وفعله أُجِرَ عليه، ولو كَانَ خطوة واحدة يمشيها إلىٰ طاعة.
2) تنوّع العبادات والقربات في حياة المؤمنين، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بهم ليزدادوا أجراً، ورغبةً في الخير.
7/123 ــ السابع: عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَدَا إلىٰ المَسْجِدِ أوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ». متفق عليه.
«النُّزُلُ»: القُوتُ والرِّزْقُ وَمَا يُهَيَّأُ للضَّيْفِ.
غريب الحديث:
غدا: ذَهَبَ غدوة، أي: ذَهَبَ أول النهار.
راح: الرواح يطلق عَلىٰ ما بعد الزوال.
هداية الحديث:
1) فضل الصلاة في المسجد، وفضل كثرة الغدو والرواح إليه.
2) بيان فضل الله _عز وجل_ عَلىٰ العبد؛ حيث يعطيه عَلىٰ مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل.
8/124 ــ الثامن: عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ لاَ تحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». متفق عليه.
قال الجوهري: الفِرْسِنُ مِنَ الْبَعِيرِ: كالحافِرِ مِنَ الدَّابَةِ، قال: ورُبَّما اسْتُعِيرَ في الشَّاةِ.
هداية الحديث:
1) الحث عَلىٰ الهدية بين المسلمين.
2) عَلىٰ العبد أن يهتم بجيرانه، ويحُسن إليهم، فهو باب من طرق الخير.
3) وصية خاصة للنساء في حثهنَّ عَلىٰ أعمال الخير، وهذا من عناية الشريعة بأحكام النساء.
9/125ــ التاسع: عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً: فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إلهَ إلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ». متفقٌ عليه.
«البِضْعُ» من ثلاثة إلىٰ تسعة، بكسر الباء وقد تُفْتحُ. «وَالشُّعْبَةُ»: القطْعة.
غريب الحديث:
إماطة: إزالة.
الحياءُ: خلق يبعث عَلىٰ فعلِ الجميل وتركِ الرذيل.
هداية الحديث:
1) فضل كلمة التوحيد: (لا إله إلَّا الله)، فهي من أعلىٰ شعب الإيمان؛ فَلْيجتهدِ العبد في العمل بمضمونها.
2) من الأخلاق الحميدة أن يكون العبد حيِّياً، إلَّا في الحق فإنه لا يُستحيىٰ منه.
10/126 ــ العاشر: عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريق اشْتدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فيها فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذا كَلْبٌ يَلْهَث يَأْكُل الثَّرَىٰ مِنَ الْعَطَش، فقال الرَّجُل: لَقَدْ بَلَغَ هذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَش مِثْلُ الَّذي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أمْسَكَه بِفِيهِ، حَتَّىٰ رَقِيَ فَسَقَىٰ الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَه فَغَفَرَ لَه» قَالُوا: يا رسولَ الله إنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أجْراً؟ فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» متفقٌ عليه.
وفي رواية للبخاري: «فَشَكَرَ اللهُ لَه فَغَفَرَ لَه، فَأَدْخَلَه الْجَنَّةَ».
وفي روايةِ لَهُمَا: «بَيْنَما كَلْبٌ يُطيف بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُه الْعَطَش، إذْ رَأتْه بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
«الْمُوق»: الْخُفُّ. «وَيُطِيْفُ»: يدُورُ حَوْلَ «رَكِيةِ» وَهِيَ الْبِئْرُ.
غريب الحديث:
يلهث: يخرج لسانه من شدة العطش.
الثرى: التراب الرطب.
رقي: صعد.
كبد رطبة: كل حيّ.
هداية الحديث:
1) العمل اليسير إِذَا تقبّله الله _عز وجل_ كان سبباً لدخول الجنة.
2) إن الأعمال الصغيرة مع صلاح النية تصبح كبيرة، وإن الأعمال الكبيرة مع الغفلة تصبح صغيرة، فمدار الأعمال علىٰ ما يقوم في القلب من النيات.
3) العبرة من القصص النبوي أن نأخذ الذكرىٰ والموعظة.
فائدة:
قال بعض التابعين: مَن كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، فإذا غُفِرَتْ ذنوب الذي سقىٰ كلباً، فما ظنكم بمن سقىٰ مؤمناً موحّداً وأحياه بذلك!!
11/127 ــ الْحَادِي عَشَرَ: عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَقَد رَأيْتُ رَجُلاً يَتَقلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، في شَجَرةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّريقِ كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ». رواه مسلم.
وفي رواية: «مَرَّ رَجُل بِغُصْنِ شَجَرَةِ عَلَىٰ ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ: وَالله لأُنحِّيَنَّ هذَا عَنِ الْمُسْلِمِين لا يُؤْذِيهمْ، فأُدْخِلَ الْجَنَّةَ».
وفي رواية لَهما: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَىٰ الطَّريقِ، فأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَر لَهُ».
غريب الحديث:
يتقلبُ: يتنعم.
لأنحّينَّ: لأزيلنَّ.
هداية الحديث:
1) فضيلة إزالة الأذىٰ عَنِ الطريق، فهو سبب لدخول الجنة.
2) من أزال عَنِ المسلمين الأذىٰ في أمر حسي بما يؤذيهم في أبدانهم فله هذا الثواب العظيم، فكيف بمن يزيل عنهم الأذىٰ المعنوي الَّذي يضرُّ بأديانهم. كالأخلاق السيئة، والأفكار الرديئة، والعقائد الفاسدة، والبدع المضلة؟!
12/128 ــ الثَّاني عَشَرَ: عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَ أَتَىٰ الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لغا: ورد تفسير اللغو بمعنىٰ: أن تصيرَ الجمعة ظهراً، كما عند أبي داود وغيره.
هداية الحديث:
1) الحضور إلىٰ الجمعة، مع إحسان الوضوء والاستماع والإنصات، كفارة إلىٰ الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام.
2) فضيلة الاستماع إلىٰ الخطبة والإنصات ليأخذ الأجر كاملاً.
فائدة:
مس الحصىٰ والعبث به يشبهه اليوم اللعب بالجوال أو الساعة، أو ما أشبه ذلك. فليحذر المؤمن من العبث أثناء الخطبة، وليكن حضوره وجلوسه عبادة حَتَّىٰ يفرغ من الصلاة.
13/129 ــ الثَّالثَ عَشَرَ: عَنْهُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ ، أوِ الْمُؤمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْه كُلُّ خُطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْها يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ الْمَاءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّىٰ يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الوضوء من مكفرات الذنوب.
2) التطهير في الوضوء يكون حسياً ومعنوياً؛ حسياً: بنظافة هذه الأعضاء، ومعنوياً: بتطهيرها من الذنوب التي ارتكبتها.
3) رحمة الله تعالىٰ بهذه الأمة؛ حين شرع لها كفارات الذنوب وموجبات الرحمة.
14/130 ــ الرَّابعَ عَشَرَ: عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إلَىٰ الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إلَىٰ رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ـ مكفرات لما بينهن: أي تمحو الخطايا والذنوب.
ـ الكبائر: جمع كبيرة؛ وهي كل ذنب مُرتّبٌ عليه في الشريعة نفي الإيمان، أو لعن فاعله، أو أوجب حداً في الدنيا، أو وعيداً بعذاب في الآخرة.
هداية الحديث:
1) أعظم مكفرات الذنوب: الصلوات الخمس، وحضور الجُمع، وصيام رمضان.
2) الكبائر لابد لها من توبة خاصة. لعظيم خطرها علىٰ الإيمان.
15 /131 ــ الْخَامسَ عَشَرَ: عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «ألا أَدلُّكُمْ عَلَىٰ مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله، قال: «إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَىٰ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَىٰ الْمَساجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاة بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
إسباغ الوضوء عَلىٰ المكاره: إتمام الوضوء، وإعطاء كل عضو حقه، مع وجود المشقة غير المقصودة.
الرباط: المرابطة للجهاد في سبيل الله .
هداية الحديث:
1) من أسباب مكفرات الذنوب ورفع الدرجات: الوضوء، وكثرة الذهاب للمساجد، وحضور الصلوات فيها.
2) إن المواظبة عَلىٰ الطاعات نوع من الجهاد في سبيل الله _عز وجل_، بل هي مقدمة للجهاد بالسلاح ضد أعداء الله تعالىٰ، فما لم يجاهد العبد نفسه ويصلحها في ذات الله تعالىٰ لا يمكنه مجاهدة أعداء الله.
16/132 ــ السادسَ عَشَرَ: عن أَبي موسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَلَّىٰ الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». متفقٌ عليه.
«الْبَرْدَانِ»: الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ.
هداية الحديث:
1) فضيلة صلاتَي الفجر والعصر، فهاتان الصلاتان هما أفضل الصلوات.
2) إن المحافظة علىٰ هاتين الصلاتين، وإقامتهما من أسباب دخول الجنة.
17/133 ــ السابعَ عَشَرَ: عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) علىٰ المؤمن حال الصحة والفراغ أن يحرص عَلىٰ الأعمال الصالحة.
2) العمل بالطاعة وقت العافية والرخاء، يجبر للعبد النقص حال الانشغال، فَلْيحرصِ المؤمن عَلىٰ الاستزادة من الباقيات الصالحات، كلما هبت من الإيمان نفحات.
18/134 ــ الثَّامنَ عَشَرَ: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». رواه البخاري، ورواه مسلم مِن رواية حُذَيْفَةَ رضي الله عنه.
غريب الحديث:
المعروف: ما عُرف حسنهُ في الشرع، وعند الناس.
هداية الحديث:
1) الحرص عَلىٰ فعل المعروف، فإنه قربة إلىٰ الله تعالىٰ، ومكفر للذنوب والخطايا.
2) إن المعروف المرغب به أبوابه كثيرة؛ بالأقوال والأفعالِ، بل الأخلاق الحسنة من المعروف، فأين الدعاة الصامتون؟! الذين يدعون الناس إلىٰ الجنة بأفعالهم وحسن أخلاقهم.
19/135 ــ التَّاسعَ عَشَرَ: عَنْهُ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغرِسُ غَرْساً إلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْه لَه صَدَقَةً، ولا يَرْزَؤُهُ أحَدٌ إلَّا كَانَ لَه صَدَقَةً». رواه مسلم. وفي رواية له: «فَلا يَغْرِس المسْلِم غَرْساً، فَيَأْكُلَ مِنْه إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا طَيْرٌ إلَّا كَانَ لَه صَدَقَةً إلَىٰ يَوْم الْقيَامَة».
وفي رواية له: «لا يَغْرِس مُسْلِم غَرْساً، وَلا يَزْرَع زَرْعاً، فَيَأْكُلَ مِنْه إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا شَيءٌ إلَّا كَانَتْ لَه صَدَقَةً» وَرَوَيَاه جَميعاً مِنْ رواية أنَسٍ رضي الله عنه.
قولُهُ: «يَرْزَؤُهُ» أَيْ: يَنْقُصُهُ.
هداية الحديث:
1) الحث عَلىٰ الزرع والغرس؛ لما فيه من المصالح الدينية والدنيوية.
2) بيان كثرة طرق الخير وتنوعها.
3) المصالح والمنافع إِذَا انتفع الناس بها كانت خيراً لصاحبها التي تسبب بهاوإن لم ينوِها، فإن نوىٰ ازداد خيراً عَلىٰ خير. ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 114].
20/136 ــ العشْرُونَ: عَنْهُ قالَ: أرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أن يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذلكَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ لَهُمْ: «إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أنْ تَنْتَقلُوا قُرْبَ الْمَسْجدِ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رسولَ الله، قَدْ أَرَدْنَا ذلكَ، فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ، ديَارَكُمْ تُكْتبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تَكْتبْ آثَارُكُمْ». رواه مسلم. وفي روايةِ: «إنَّ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً». رواه مسلم. ورواه البخاري أيضاً بِمَعْنَاهُ مِنْ رواية أنَس رضي الله عنه.
و«بَنُو سَلِمَهَ» بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار رضي الله عنهم، و«آثَارُهُمْ» خُطَاهُمْ.
غريب الحديث:
ديارَكم تُكتب آثارُكم: الزموا منازلكم، ولو كانت بعيدة عَنِ المسجد، تكتب لكم خطواتكم كل خطوة بحسنة أو درجة.
هداية الحديث:
1) كثرة الخطىٰ إلىٰ المساجد من جملة مكفرات الذنوب ورفع الدرجات.
2) التثبت في الأخبار قبل الحكم، لسؤال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إياهم قبل أن يحكم.
21/137 ــ الْحَادي وَالعشْرُونَ: عَنْ أبي الْمُنْذِر أُبيِّ بنِ كَعبٍ رضي الله عنه قال: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، فَقِيلَ لَهُ، أوْ فَقُلْتُ لَهُ: لَو اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ في الظَّلْمَاءِ، وَفي الرَّمْضَاءِ، فَقَالَ: مَا يَسُرُّني أنَّ مَنْزِلي إلَىٰ جَنْب الْمَسْجِدِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إلَىٰ الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إذَا رَجَعْتُ إلَىٰ أهْلي، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قَدْ جَمَعَ الله لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ». رواه مسلم. وفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ».
«الرَّمْضَاءُ»: الأرْضُ التِي أَصَابَهَا الْحَرُّ الشَّديدُ.
غريب الحديث:
«لا تخطئه»: لا تفوته.
هداية الحديث:
1) إن للنية أثراً كبيراً في صحة الأعمال وثوابها، فكلما كَانَ الإنسان أصدق إخلاصاً لله، وأقوىٰ اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ أكثر أجراً، وأعظم مثوبة عند الله _عز وجل_.
2) من عمل خيراً ولو خطوة إلىٰ المسجد، فإن الله يجمع لَهُ أجر ذلك ولا يفوته شيء.
22/138 ــ الثَّاني وَالعشْرُونَ: عَنْ أَبي محمد عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاهَا مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَل بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ». رواه البخاري.
«الْمَنِيحَة»: أنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا لِيَأْكُلَ لَبَنَهَا، ثُمَّ يَردَّهَا إلَيْهِ.
غريب الحديث:
خصلة: نوعاً.
موعودها: ما ورد من الوعد.
هداية الحديث:
1) تنوع خصال الخير، وكثرة مفاتيح البر، فالموفَّق من وفّقه الله، والمحروم من حُرم.
2) مدار الأعمال عَلىٰ الصدق والإخلاص لله تعالىٰ، حَتَّىٰ ينال العامل أجره.
3) العمل الصالح سبب لدخول الجنة بعد رحمة الله تعالىٰ.
23/139 ــ الثَّالثُ وَالعشْرُونَ: عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبيَ صلى الله عليه وسلم يقول: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشقِّ تَمْرَةٍ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لهما عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُه رَبُّه لَيْس بَيْنَهُ وَبَيْنَه تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُر أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَىٰ إلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُر أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَىٰ إلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُر بَيْنَ يَدَيْه فَلا يَرَىٰ إلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
غريب الحديث:
ترجمان: المترجم: وهو الَّذي ينقل الكلام من لغة إلىٰ لغة أخرى.
أَشْأَم: جهة الشمال وهو عكس اليمين.
هداية الحديث:
1) سيقف العبد بين يدي الله تعالىٰ، محيطة به أعماله، والنار معروضة أمامه. فماذا قدم؟!
2) إثبات صفة الكلام لله _عز وجل_، وأنه سبحانه وتعالىٰ يتكلم يوم القيامة بكلام مسموع مفهوم، لا يحتاج إلىٰ ترجمة. هكذا أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .
3) الصدقة ـ وإن قلّت ـ فإنها تنجي من النار.
4) إن قراءة القرآن والذكر، وتعلم العلم وتعليمه؛ كل ذلك من أعظم الكلم الطيب.
24/140 ــ الرَّابع وَالعشْرونَ: عَن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ اللهَ لَيَرْضَىٰ عَنِ الْعَبْدِ أنْ يَاْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». رواه مسلم.
وَ«الأكْلَة بفتح الهمزة»: وَهيَ الْغَدْوَة أوِ الْعَشْوَة.
هداية الحديث:
1) رضا الله _عز وجل_ قد يُنال بأدنىٰ سبب.
2) للأكل والشرب آداب فعلية: كالأكل باليمين، وآداب قولية: كالتسمية في أوله، بقول: «بسم الله»، والحمد في آخره.
تنبيه:
قوله «أن يأكل الأكلة»: ليس المراد أنه كلما أكلتَ لقمة قلتَ: الحمد لله، ولكن المقصود: إِذَا انتهيت من الأكل حمدت الله _عز وجل_، فذلك هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأدبه.
25/141 ــ الْخَامس وَالعشْرُونَ: عن أبي موسىٰ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قالَ: أَرَأيْتَ إنْ لَمْ يَجدْ؟ قالَ: «يَعْمَلُ بيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَه وَيَتَصَدَّقُ»: قالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطعْ؟ قالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطعْ؟ قالَ: «يَأْمُرُ بِالمَعْروفِ أوِ الْخَيْرِ» قالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإنَّهَا صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الملهوف: من وقع في شدة وكربة، واحتاج من يساعده.
هداية الحديث:
1) كل نفع يعود عَلىٰ المرء أو غيره، فإنه من الخير المرغَّب فيه.
2) الإمساك عَنِ الشر صدقة، وهذا من تنوع مفاتيح الخير.
3) كلما عظم النفع، وصار عاماً للناس غير مقصورٍ علىٰ الأفراد، كَانَ أفضل أجراً، وأحسن أثراً.
14ـ باب الاقتصاد في الطاعة
قال الله تعالىٰ: ﴿طه * مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ﴾ [طه: 1ــ2]، وقال تعالىٰ: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: 185].
هداية الآيات:
1) الشريعة مبناها علىٰ اليسر، ورفع الحرج عن العباد.
2) الحث علىٰ الاقتصاد؛ وهو أن يكون الإنسان وسطاً بين الغلو والتفريط.
1/142 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أَن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قال: مَنْ هذِهِ؟ قالت: هذِهِ فُلانَة تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قالَ: «مهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَالله لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّىٰ تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إلَيْهِ ما دَاومَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ. متفق عليه.
«وَمَهْ» كَلِمَة نَهْي وَزَجْرٍ. وَمَعْنىٰ «لا يَملُّ الله» أي: لا يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، وَيُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمَالِّ حَتَّىٰ تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ ؛ لِيَدُومَ ثَوَابُهُ لَكُمْ وَفَضْلُه عَلَيْكُمْ.
هداية الحديث:
1) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المداومة علىٰ العمل الصالح، وإن قلَّ.
2) الوصية للعِبادِ بلزوم الوسطية وعدم التشديد؛ وذلك بأن يعمل العبادة علىٰ وجه مقتصد، حتىٰ يتمكن من الاستمرار، فإن أحب العمل إلىٰ الله أدومه وإن قلَّ.
2/143 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إلَىٰ بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَما أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ تَقَالّوهَا وَقالُوا: أيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَّرَ. قالَ أَحَدُهُمْ: أمَّا أَنَا فأُصَلِّي اللَّيْلَ أبداً، وَقالَ الآخَرُ: وَأنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ، وَقالَ الآخَرُ: وَأَنا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أتَزوَجُ أبَداً، فَجَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَيْهمْ، فقالَ: « أنْتُمُ الَّذينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟! أمَا واللهِ إنِّي لأَخْشَاكُمْ لله، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه.
غريب الحديث:
رَهْطٍ: الرهط من الرجال ما دون العشرة ، ولا تكون فيهم امرأة.
تقالّوها: من القلَّة ، أي: وجدها قليلة.
أرقد: أنام.
هداية الحديث:
1) الاقتصاد في العبادة من سنن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
2) وصية نبوية في مراعاة الحقوق؛ فلنفس العبد عليه حقٌّ، ولأهله عليه حقٌّ، ولزوجه عليه حق. والموفق من أعطىٰ كل ذي حقٍّ حقَّه.
3) إن خير الهدي هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . فالسعيد من هُدي إلىٰ اتباع سنته، فعاش ومات علىٰ الهدي النبوي، والشقيُّ المحروم من حُجب عن سنته لجهله، أو لهوىٰ في نفسه، فعاش وأمره فرطاً.
فائدة:
قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ : «إنما يكون القرب إليه سبحانه وتعالىٰ والخشية له علىٰ حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمالٍ لم يأمر بها».
(شرح صحيح مسلم).
3/144 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلاَثاً. رَوَاهُ مُسْلِم.
«الْمُتَنَطِّعُونَ»: الْمُتَعمَقُونَ الْمُتَشَدِّدُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشْدِيدِ.
هداية الحديث:
1) النهي عن التشديد في المسائل الشرعية؛ لما في ذلك من المفاسد والخسارة في الدنيا والآخرة .
2) الوصية بعدم البحث عن أشياء دقيقة ليس لها فائدة، ولزوم البحث عن النافع للعبد في الدنيا والآخرة.
4/145 ــ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينُ إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». رَوَاهُ البُخَاري.
وفِي رِوَايةٍ لَهُ: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُلْجَةِ، الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا».
قَولْهُ: «الدِّينُ» هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَىٰ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه. وَرُوِيَ مَنْصُوباً، وَرُوِيَ: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ».
وقولُهُ صلى الله عليه وسلم : «إِلَّا غَلَبَهُ»: أيْ: غَلَبَهُ الدِّينُ، وَعَجَزَ ذلِكَ الْمُشَادُّ عَنْ مُقَاوَمَةِ الدينِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. «وَالْغَدْوَةُ»: سَيْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ. «وَالرَّوْحَةُ»: آخِرُ النَّهَارِ. «وَالدُّلْجَةُ»: آخِرُ اللَّيْلِ. وَهذا اسْتِعَارَةٌ وَتَمْثِيلٌ، وَمَعْنَاهُ: اسْتَعِينُوا عَلَىٰ طَاعَةِ الله _عز وجل_ بالأعْمَالِ فِي وَقْتِ نَشَاطِكُمْ، وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ؛ بِحَيْثُ تَسْتَلِذُونَ الْعِبَادَةَ وَلا تَسْأَمُونَ، وَتَبْلُغُونَ مَقْصودَكُم، كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ الْحَاذِقَ يَسِيرُ فِي هذِهِ الأَوْقَاتِ ، وَيَسْتَرِيحُ هُوَ وَدَابَّتُهُ في غَيْرِهَا، فَيَصِلُ الْمَقْصُودَ بِغَيْرِ تَعَبٍ، وَالله أعْلم.
هداية الحديث:
1) إن الهدي الصحيح أن يباشر العبد العبادة علىٰ وجه السداد والإصابة، فإن لم يتيسَّر له ذلك فلْيقارب بعمله السداد والإصابة.
2) حث الشريعة علىٰ العمل، مع البشارة بالثواب الجزيل من الله _عز وجل_.
3) علىٰ العبد أن يدخل السرور علىٰ إخوانه بالبشارة والبشاشة ما استطاع.
4) الاقتصاد في الطاعات مع المداومة، هو الطريق الموصل للفلاح في الدنيا والآخرة.
5) استغلال ميل القلوب وفراغها في طاعة الله _عز وجل_ وعبادته.
5/146ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هذَا الْحَبْلُ؟» قَالُوا: هذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
فترت: تعبت.
هداية الحديث:
1) علىٰ المؤمن ألاّ يتعمق ويُكلف نفسه من العبادة ما لا تطيق.
2) استحباب القصد في العبادة، وأن يعمل العبد نشاطه؛ فإن أحب العمل إلىٰ الله تعالىٰ ما داوم عليه صاحبه.
6/147ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّىٰ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ، لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ». مُتَفَقٌ عَلَيْه
غريب الحديث:
ناعس: أصابه النعاس، وهو مقدمة النوم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الوسطية في العبادة، أما إذا ألزمَ العبد نفسه العبادة مع المشقة، فإنه يكون قد ظلم نفسه.
2) استحباب العبادة مع النشاط والتدبر، وإعطاء البدن حقه من الراحة.
7/148ــ وَعَنْ أَبِي عَبدِ الله جَابِر بْنِ سَمُرةَ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْداً، وخُطْبَتُهُ قَصداً». رَواهُ مُسْلِم.
قولُهُ: قَصداَ: أَيْ بَيْنَ الطُولِ وَالْقِصَرِ.
هداية الحديث:
1) التوسط في العبادات والقصد فيها من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
2) الحث علىٰ الاقتصاد في وعظ الناس وعدم إملالهم؛ لأن خُطبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كانت بين الطول والقصر.
8/149ــ وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: آخَىٰ النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَىٰ أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُـتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَه حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً، فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أنَا بآكِل حَتَّىٰ تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيْل،ِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا جَميعاً، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَأعْطِ كُلَّ ذِي حَق حَقَّه، فَأَتَىٰ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «صَدَقَ سَلْمَانُ». رَوَاهُ البُخَارِيّ .
غريب الحديث:
مُتَبذِّلةً: لابسةً ثيابَ المهنة، تاركةً ثيابَ الزينة.
هداية الحديث:
1) كراهة أن يكلف العبد نفسه بالصيام والقيام فوق طاقته.
2) استحباب زيارة المسلم لأخيه المسلم، والسؤال عن حاله، والطمأنينة عليه وعلىٰ أهل بيته.
3) وجوب أداء الحقوق لأهلها، فإن الموفَّق من أعطىٰ كل ذي حقٍّ حقَّه.
9/150 ــ وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: أُخْبِرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَقُول: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أنْتَ الَّذي تَقُول ذلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُه بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعَ ذلِكَ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالَها، وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيق أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأفْطِر يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، فَذلِكَ صِيَام دَاوُدَ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ أعْدَل الصِّيَامِ». وَفِي رِوَاية: «هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضلَ مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ». وَلأنْ أكُونَ قَبلْتُ الثَّلاثَةَ الأيَّامِ الَّتي قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَهْلي وَمَالِي. وَفِي رِوَايَةٍ: «ألمْ أُخْبَرْ أَنّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْل؟» قُلْتُ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله قَالَ: «فَلا تَفْعَل. صُمْ وَأَفْطِرْ،وَنَمْ وَقُمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنّ لزَوْجك عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنَّ لزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَ لَكَ بِكُلَ حَسَنَة عشْرَ أَمْثَالَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ صِيَامُ الدَّهْر» فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، قَالَ: «صُمْ صِيَامَ نَبيِّ الله دَاوُدَ وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ» قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ داوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ» فَكَانَ عَبْدُ الله يَقُول بَعْدَمَا كَبِر:يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم .
وَفِي رِوَايَة: «أَلمْ أُخْبَرْ أنّكَ تَصُومُ الدَهْر، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟» فَقُلْتُ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله، وَلَمْ أُرِدْ بِذلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ نَبيِّ الله دَاوُدَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأ الْقُرْآن في كُلِّ شَهْرٍ». قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَال: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ». قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله إِنِّي أطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذلِكَ ؟ قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله إِنِّي أُطِيق أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَىٰ ذلِكَ» فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، وَقَالَ لي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «إنَّكَ لاَ تَدرِي لَعَلَكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ» قَالَ: فَصِرْت إِلَىٰ الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أنِّي كُنْت قَبِلْت رخْصَةَ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم .
وفِي رِوَايَةٍ: «وَإنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً» وَفِي رِوَايَةٍ: «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبدَ» ثَلاثاً. وفِي رِوَايَةٍ: «أَحَبُّ الصيَامِ إِلَىٰ الله تَعَالَىٰ صِيَامُ دَاوُدَ، وأَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَىٰ الله تَعَالَىٰ صَلاَةُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاقَى».
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كنَّتَهُ ــ أَي: امْرأَةَ وَلَدِهِ ــ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِها، فَتَقُولُ لَهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُل لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشاً، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفاً مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَا طَالَ ذلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «ألْقني بِهِ» فَلَقَيْتُهُ بَعْد ذلِكَ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» قُلتُ: كُلَّ يَوم، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟» قُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحوَ مَا سَبَقَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَىٰ بَعْضِ أَهْلِهِ السبعَ الَذِي يَقرَؤُهُ، يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّىٰ أَفْطَرَ أَيَّاماً، وَأَحْصَىٰ وَصَامَ مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئاً فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم . كُلُّ هذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ، مُعْظَمُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَلِيلٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا.
غريب الحديث:
بأبي أنت وأمي: أنت مفدَّىٰ بأبي وأمي.
لزورك: لضيفك.
بعلها: زوجها.
لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً: عبّرت بذلك عن امتناعه عن الجماع، وأنه لم يقربها، ولم يطلع منها علىٰ ما جرت به عادة الرجل مع زوجته.
هداية الحديث:
1) سعة رحمة الله _عز وجل_؛ بأن جعل الحسنة بعشر أمثالها.
2) كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
3) قليل العبادة الدائم مع موافقة هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خير من كثيرها المخالف المنقطع.
4) الإسلام دين الوسطية، وشريعة اليسر ورفع الحرج والمشقة.
10/151ــ وَعَنْ أَبِي رِبْعِي حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الأُسَيدِيِّ الْكَاتِب أَحَد كُتَّابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بكْرٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: كَيْفَ أنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ الله مَا تَقُولُ؟! قُلْتُ: نكونُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بالْجَنَّةِ وَالنَّارِ كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ والضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً، قَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: فَوَالله إنَّا لَنَلْقَىٰ مِثْلَ هذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنا وَأبُو بكْرٍ حَتَّىٰ دَخَلْنَا عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «وَمَا ذَاكَ» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله نكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنـَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كأنَّا رَأْيَ العَيْنِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ والضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَىٰ مَا تكُونُونَ عِنْدِي وَفي الذِّكْرِ، لصَافَحَتكُمُ المَلائِكَةُ عَلَىٰ فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسلم.
قَوْلُهُ: «رِبْعِيّ» بِكَسْرِ الرَّاءِ. «وَالأُسَيِّدِي» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَبَعْدَها يَاءٌ مَكْسُورَةٌ مُشدَّدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: «عَافَسْنَا» هُوَ بِالْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، أَيْ: عَالَجْنَا وَلاَعَبْنَا. «وَالضَّيْعَاتُ»: المعايشُ.
غريب الحديث:
نافق: يعني شابه عَمَلَ المنافقين.
رأي عين: كأنا نرىٰ الجنة والنار بأعيننا من قوة اليقين.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ صحة إيمانهم، والخوف من النفاق.
2) فضيلة الذكر؛ فهو من أحب القربات إلىٰ الله _عز وجل_.
3) علىٰ العبد ألا يثقل علىٰ نفسه، بل يحفظ حقوق الله، وحقوق العباد، وأن يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه.
4) الترغيب في الجنة، والترهيب من النار، مما يقوي الإيمان في قلب العباد.
11/152ــ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلاَ يَقعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ وَلاَ يَتكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : « مُرُوهُ فَلْيَتكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». رَوَاهُ البُخَارِي.
هداية الحديث:
1) لا يقبل الله تعالىٰ عملاً لم يشرعه ولم يأذن به؛ فالعبادات مبناها علىٰ الشرع والاتباع، والنهي عن الابتداع.
2) لا طاعة في نذر المعصية، كأن ينذر أمراً محرماً أو مكروهاً أو لا يستطيع أن يفي به.
3) نذر الطاعة ينبغي أن يتمه الناذر ولا ينقضه (كنذر هذا الصحابي الصيام).
4) النهي عن تكلفة العبد نفسه ما لا تطيق من الأعمال.
15 ـ باب المحافظة على الأعمال
قال الله تعالىٰ: ﴿۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [الحديد: 16] ، وقال تعالىٰ: {وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ } [الحديد: 27] ، وقال تعالىٰ: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا} [النحل: 92]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
هداية الآيات:
1) المحافظة علىٰ الطاعة دليل علىٰ الرغبة فيها.
2) يُوصَىٰ العبد المحافظة علىٰ العمل، وعدم الفتور والكسل، حتىٰ يستمر علىٰ ما هو عليه؛ فقليل دائم، خير من كثير منقطع.
وأما الأحاديث:
فمنها حديث عائشة رضي الله عنها: «وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه». وقد سبق في الباب قبله.
1/153ــ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلَ، أوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
حزبه من الليل: صلاته من الليل، فالحزب هو الجزء من الشيء، ومنه أحزاب القرآن.
هداية الحديث:
1) استحباب المداومة علىٰ فعل الخير، ومن ذلك قيام الليل.
2) علىٰ العبد إذا اعتاد شيئاً من العبادة أن يحافظ عليها، ولو بعد فوات وقتها، إذا كانت مما يمكن قضاؤها.
2/154ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَا عَبْدَ الله لا تكُنْ مِثْلَ فُلان، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
3/155ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «إذَا فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أوْ غَيْرِهِ، صَلَّىٰ مِنَ النَّهَارِ ثنـتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الأحاديث:
1) الاستقامة علىٰ الطاعة ودوامها هو منهج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
2) التحذير من مباشرة العمل الصالح ثم تركه.
3) العبادة المؤقتة إذا فاتت العبد لعذر فإنها تُقضىٰ.
4) المشروع في قضاء الوتر نهاراً أن تُقضىٰ شفعاً؛ فمن كان يوتر بثلاث في الليل فَلْيُصلِّ في النهار أربعاً، وهكذا...
فائدة:
من الحكمة في النصيحة ألا نذكر اسم الشخص، وهذا فيه فائدتان؛ الأولى: الستر علىٰ الشخص، والثانية: أن هذا الشخص ربما تتغير حاله، فلا يستحق الحكم الذي حُكم عليه في الوقت الحاضر.
16ـ باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
قال الله تعالىٰ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7]، وقال تعالىٰ: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم: 3 ـ 4] ، وقال تعالىٰ: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالىٰ: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] قال العلماء: معناه إلىٰ الكتاب والسنة، وقال تعالىٰ: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ﴾ [النساء: 80] ، وقال تعالىٰ: {وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الشورى: 52] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] ، وقال تعالىٰ: {وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ} [الأحزاب: 34] . والآيات في الباب كثيرة.
فائـدة:
ــ السُّنَّة: يراد بها سُنّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وهي طريقته التي كان عليها، فتشمل أقواله صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله، وتقريراته، وتروكه. فالسُّنَّة هي الهدي النبوي المأثور عنه صلى الله عليه وسلم .
هداية الآيات:
1) لا يمكن أن يحافظ الإنسان علىٰ سنة الرَّسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن يعلمها، وهذا فيه حث علىٰ طلب العلم، ومعرفة ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من الهدي.
2) إننا مأمورون بأن نتأسَّىٰ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، بألا نزيد علىٰ ما شرع ولا ننقص عنه؛ لأن الزيادة أو النقص ضد الحسن.
3) أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حجة شرعية يحتج بها، إلا ما قام الدليل علىٰ أنه خاص به.
4) وجوب الرجوع إلىٰ الله تعالىٰ وإلىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم ، فذلك من مقتضيات الإيمان، وهو خير للأمة وأحسن عاقبة.
5) وجوب تحكيم شريعة الله ولزومها؛ فهذا علامة صحة الإيمان التي من شروطها:
ــ تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم .
ــ ألَّا يجد العبد حرجاً مما قضىٰ به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ــ أن يسلم تسليماً تاماً بالغاً.
6) ما ثبت في السنة هو كالذي ثبت في القرآن أو أكثر، ولا يجوز لأحد أنْ يفرّق بين الكتاب والسُّنَّةِ من حيث الاحتجاج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيحسَبُ أحدُكُمْ مُتَّكئاً علىٰ أريكَةٍ قد يَظنُّ أنَّ اللهَ لم يحرِّمْ شيئاً إلا ما في هذا القرآنِ، ألا وإنّي واللهِ! قد وعظْتُ وأمرْتُ ونهيْتُ عن أشياءَ إنَّها لَمِثلُ القرآنِ أو أكثرُ» رواه أبو داود.
وأما الأحاديث:
1/156ــ فالأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «دَعُوني مَا تَرَكْتكُمْ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ، واختِلافُهُمْ عَلَىٰ أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتكُمْ بِشيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) السؤال عن الشريعة والتفقه في الدين واجب علىٰ كل مؤمن، والمنهي عنه هو التعمق في المسائل التي تسبب الحرج على الأمة.
2) ما سكت عنه سبحانه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهو معفوٌّ عنه، لا يلزمنا فعله ولا تركه، وهذا من رحمة الله _عز وجل_ بعباده.
3) إن مخالفة هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سبب للاختلاف، والتنازع في الأمة.
2/157ــ الثَّاني: عَن أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيةَ رضي الله عنه قَالَ: وعَظَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُون، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله كأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقوَىٰ الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ فَسَيَرَىٰ اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ ومُحْدثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ». رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمذِيّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حسَنٌ صحيح.
«النَّواجِذُ» بالذالِ المعَجَمَةِ: الأَنْـيَابُ، وقيلَ: الأَضْرَاسُ.
غريب الحديث:
وجلت: خافت.
التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي.
هداية الحديث:
1) لزوم تقوىٰ الله _عز وجل_ في السر والعلانية.
2) لزوم طاعة ولاة الأمور؛ لأن فيها حفظاً للناس من الفتن، ولكنها طاعة في المعروف؛ أي فيما يقرّه الشرع، وأما ما ينكره الشرع فلا طاعة لأحد في المنكر.
3) التمسك التام بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
4) كل بدعة في دين الله ضلالة، وإن ظن صاحبها أنها خير، فكل خير في اتباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
3/158 ــ الثَّالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كل أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مِنْ أبَى»، قِيلَ: وَمَنْ يَأبَىٰ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
هداية الحديث:
1) الجنة مأوىٰ المطيعين لأمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
2) مخالفة الهدي النبوي سبب للحرمان من الجنة.
3) الحذر من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك علامة الخذلان والإعراض.
4/159ــ الرَّابعُ: عَنْ أَبي مُسْلِمٍ، وَقيلَ: أبي إيَاسٍ ، سَلَمَةَ بْنِ عَمْرو بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لا أسْتَطِيعُ، قَالَ: «لا اسْتَطَعْتَ». مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، فَمَا رَفَعَهَا إِلَىٰ فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
هداية الحديث:
1) مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لنزول العقوبة بالعبد.
2) الحث علىٰ الأكل باليد اليمنى، وتعويد الصغار علىٰ ذلك، حتىٰ ينشأ الجيل علىٰ السُّنَّة النبوية.
5/160ــ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي عَبْدِ الله النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّىٰ كأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاح، حَتَّىٰ إِذَا رَأَىٰ أَنّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ. ثُمَّ خَرَجَ يَوْماً، فَقَامَ حَتَّىٰ كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأىٰ رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ، فَقَالَ: «عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
غريب الحديث:
القداح: هي ريش السهم، وكانوا يُسَوونها تماماً، ويُضرب بها المثل في التسوية، لتمام استوائها واعتدالها.
عقلنا: فهمنا ما أراد.
هداية الحديث:
1) وجوب تسوية الصف في الصلاة، فلهذا أثرٌ في استقامة قلوب المؤمنين وعدم اختلافها.
2) علىٰ الأئمة تفقد الصفوف وتسويتها، وتنبيه المخالفين، فهذا من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
3) التلازم بين الظاهر والباطن؛ فانظر كيف كان للمخالفة في تسوية الصفوف أثرٌ في اختلاف قلوب المصلِّين؟!
6/161ــ السَادِسُ: عَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه قَالَ: احْتَرق بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَىٰ أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَأْنِهِمْ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) لا بد للإنسان أن يحتاط في الأمور التي يُخشىٰ ضررها (كالغاز والكهرباء).
2) إطفاء الأسرجة في الليل من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهي ما كانت توقد بالنار، أما المصابيح الكهربائية فلا يشملها الحكم، والله أعلم.
3) يجب الاحتراس من نار الآخرة أعظم مما نحترس من نار الدنيا.
فائدة:
هذا الحديث مثال يوضح كيف أن (المحافظة علىٰ السنة وآدابها) سبب عظيم في حفظ صحة العباد ووقايتهم من الأذية، فما أعظم السنة النبوية لو حكَّمناها في حياتنا وبيوتنا!!
7/162ــ السَّابعُ: عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْعِلْم كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً؛ فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَـيِّبـَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا. وَأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً. فَذلِكَ مَثَل مَنْ فَقهَ في دِينِ الله، وَنفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَىٰ الله الَّذي أُرْسِلْتُ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
«فَقُهَ» بِضم الْقَافِ عَلَىٰ الْمَشهُورِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِهَا، أيْ: صَارَ فَقِيهاً.
غريب الحديث:
الغيث: المطر .
الكلأ: ما ينبت في الأرض من الزروع والأعشاب.
طائفة: قطعة.
أجادب: جمع أجدب وهي الأرض التي لا تنبت.
قيعان: جمع قاع وهي الأرض التي لا نبات فيها، وقيل: المستوية.
لم يرفع بذلك رأساً: كناية عن عدم الانتفاع بعلمه، أو علم غيره، وعدم العمل به.
هداية الحديث:
1) حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك بضرب الأمثال؛ فإنها من أحسن طرق التعليم ووسائله.
2) الحث علىٰ تعلم العلم ونشره بين الناس، فهذا من إحياء السنة في حياة المسلمين.
3) من عَلِم، وعلَّم غيرَه، وعُمل بعلمه، فهو في أحسن الدرجات.
8/163ــ الثَّامِنُ: عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَثَلِي وَمَثَلُكُم كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فيهَا وَهُوَ يَذُبهُنَّ عَنْهَا، وَأَنا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفلَّتُونَ منْ يَدَي». رواه مسلِم.
«الْجَنَادبُ»: نَحوُ الجَرَاد وَالْفَرَاشِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذي يَقَعُ في النَّار. و«الْحُجَزُ»: جَمْعُ حُجْزَةٍ، وَهِيَ مَعْقِدُ الإزَار وَالسَّرَاويل.
غريب الحديث:
يذبهنَّ: يمنعهن.
هداية الحديث:
1) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ حماية أمته من النار.
2) علىٰ العبد أن ينقاد لسُنّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأن يكون لها طائعاً منقاداً، لأن الهداية لا تتحقق إلا بامتثال السنة.
3) عظم حق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ أمته، فكان لا يترك جهداً في منع الأمة عن كل ما يضرها في دينها أو دنياها. فجزاه الله خير ما جزىٰ نبيّاً عن أمته.
9/164ــ التَّاسعُ: عَنْهُ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إنَّكُم لا تَدْرُونَ فِي أَيِّهَا الْبَرَكَةُ». رواه مسلم.
وفي رواية لَهُ: «إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذىً، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمنْدِيلِ حَتَىٰ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي في أَيّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ».
وفي رواية له: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عنْدَ كُلِّ شَيْء مِنْ شَأْنِهِ حَتَّىٰ يَحْضُرَهُ عنْدَ طَعَامِهِ، فَإذَا سَقَطَتْ مِنْ أحَدِكُم اللقْمَةُ فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا منْ أَذىً، فَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ».
غريب الحديث:
الصّحفة: الوعاء.
فَلْيُمِطْ: فَلْيُزِلْ.
يلعق: يلحس.
هداية الحديث:
1) وجوب التزام الهدي النَّبويّ في كل شيء، سواءٌ عرفنا الحكمة في ذلك أم لم نعرف.
2) التزام آداب الأكل والشرب النبوي فيه هداية، منها: الامتثال لأمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، والتواضع، وحرمان الشيطان من المشاركة في أكلنا وشربنا.
3) إن ترك الطعام إذا سقط علىٰ الأرض، فيه نوع من التكبر، والمخالفة لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بل المستحب للآكل أن يمسح ما علق بها من الأذىٰ ويأكلها.
10/165ــ الْعَاشِرُ: عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: قَامَ فينَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَوْعِظَةٍ، فقال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلَىٰ الله تَعَالىٰ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً {كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ} [الأنبياء: 104] ، ألا وَإِنَّ أوَّلَ الْخَلائِقِ يُكْسىٰ يَوْمَ الْقِيَامةِ إبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم ، أَلا وَإنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ، فَأقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابي، فَيُقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُوُل كَما قَالَ الْعَبدُ الصَّالحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117، 118] ، فَيُقَالُ لي: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَىٰ أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ». متفقٌ عليه.
«غُرْلاً» أيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان من قاضٍ أو مفتٍ أو عالم أو داعية، أن يخطب بالناس ويعظهم فيما يحتاجون إليه من بيان الشرع، مما يعود عليهم بالخير والنفع، في الدنيا والآخرة.
2) قد يخصّ الله أحداً من الأنبياء أو غيرهم بخصيصة يتميز بها عن غيره، ولا يوجب ذلك الفضل المطلق، كما خُصّ إبراهيم –عليه السلام_ بأنه أول من يُكسىٰ يوم القيامة، فهذا لايدل علىٰ أنه أفضل الرسل، وإنما أفضل الرسل علىٰ الإطلاق هو نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم .
3) الحذر من مخالفة سُنة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك سببٌ لحرمان العبد من ورودِ حوض النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وللحرمان من شفاعته يوم القيامة.
تنبيــه:
قد تمسك أقوام من المبتدعة الضالين بظاهر هذا الحديث للطعن في الصحابة رضي الله عنهم، وهذا يَنُمُّ عن سوء قصدهم وشدة جهلهم بفضل أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . ثم إنَّ هذا كذب وبهتان عظيم؛ لأنّ عامة الصحابة رضي الله عنهم لم يرتدوا بإجماع المسلمين. إلا قوم من الأعراب لما مات النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام افتتنوا، وارتدوا علىٰ أدبارهم، وامتنعوا من أداء الزكاة، حتىٰ قاتلهم الخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه، وعاد أكثرهم إلىٰ الإسلام، والذين ماتوا علىٰ ردتهم هم المقصودون في الحديث.
فالطاعنون علىٰ الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ تضمن طعنهم أربعة محاذير عظيمة:
1) الطعن في الصحابة.
2) الطعن في الشريعة؛ لأن الصحابة هم الذين بلّغوا الشرع للأمة.
3) الطعن في النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ كيف يثني علىٰ صحابته، وهم أصحاب ردة علىٰ زعم هؤلاء؟!
4) الطعن في ربِّ العالمين تبارك وتعالىٰ، كيف يأمر الأمة بسلوك سبيل الصحابة، إذا كان هذا حالهم؟!.
11/166ــ الْحَادِي عَشَرَ: عَن أَبي سعيدٍ عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ رضي الله عنه قال: نَهَىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن الخَذْفِ، وقالَ: «إنَّهُ لا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ، وَيَكْسِر السِّنَّ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: أنَّ قَريباً لاِبْن مُغَفَّلٍ خَذَفَ، فَنَهَاهُ، وقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عن الخَذفِ، وَقالَ: «إنَّهَا لا تَصيدُ صَيْداً»، ثُمَّ عادَ. فقالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عَنْهُ، ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ ! لا أُكَلِّمُكَ أَبَداً.
غريب الحديث:
الخَذْف: معناه أن يضع الإنسان حصاة بين السبابة والإبهام، ويدفعها بالسبابة، أو يضعها علىٰ السبابة ويدفعها بالإبهام.
هداية الحديث:
1) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم أمر السُّنة والتزامهم بها.
2) علىٰ الإنسان إذا جاءه حكم الله تعالىٰ أو حكم رسولِه صلى الله عليه وسلم أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يجعل للشيطان مدخلاً عليه، بأن يقول: لا نعرف الحكمة من ذلك الدليل، فلا يلزمنا العمل به!!
3) تجنب كل الأسباب التي تجلب الأذىٰ للمسلمين .
4) جواز هجر المسلم لأخيه المسلم إذا خالف الشرع، وغلب علىٰ ظنِّه أن هذا الهجر ينفع المهجور، ويرده إلىٰ اتباع السنة والحق، وإلا فالأصل ألاّ يهجر المؤمن أخاه المؤمن فوق ثلاث. ومن ارتكب ذنباً ثم تاب منه تاب الله عليه.
12/167ــ وعن عابِسِ بنِ ربيعةَ قال: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه يُقَبِّلُ الْحَجَرَ ـ يَعْنِي الأَسْوَدَ ـ وَيَقُولُ: إنِّي أَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَلَوْلا أنِّي رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) شرع الله _عز وجل_ لعباده تقبيل الحجر الأسود؛ لكمال الذل والعبودية لله تعالىٰ في امتثال شرعه.
2) كمال التعبد لله تعالىٰ أن ينقاد العبد للأمر الشرعي، سواءٌ عرف السبب والحكمة في الأمر المشروع أم لم يعرف ذلك.
3) إن تقبيل الحجر الأسود من صور إتباع السُّنة النَّبوية، وأما الحجر نفسه فلا يضرّ ولا ينفع.
17ـ باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دُعي إلى ذلك وأُمر بمعروف أو نُهي عن منكر
قال الله تعالىٰ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 51].
وَفِيهِ مِنَ الأحَادِيثِ حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَة الْمَذْكُورُ في أَوَّلِ الْبَابِ قَبْلَهُ، وَغَيرُهُ مِنَ الأحَاديثِ فيه.
1/168ــ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ الآيَة [البقرة: 284]، اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَىٰ أصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَأَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَىٰ الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رسولَ الله كُلّفْنَا مِنَ الأعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ وَالْجِهَادَ وَالصّيَامَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا. قال رسولُ صلى الله عليه وسلم : «أَتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا و إليك المصير. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أنْزَلَ الله تَعَالَىٰ في إثْرِهَا: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ الله _عز وجل_: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ قَالَ: «نَعَمْ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
اقترأها: قرأها.
ذلّت: أي انقادت بالاستسلام.
إصراً: أي أمراً يثقل علينا حمله.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ المسلم إذا سمع أمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقابله بالامتثال.
2) فضيلة الصحابة في امتثال أمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ فكانوا لا يقدِّمون عليه آراءهم وأهواءهم.
3) ثناء الله _عز وجل_ علىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم وعلىٰ المؤمنين، لامتثالهم أوامره وتركهم نواهيه.
4) من رحمة الله تعالىٰ بعباده ألا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به، ولا يكلفهم إلا وسعهم.
5) الخواطر الرديئة في صدورنا إذا لم نركن إليها ولم نأخذ بها فإنها لا تضرّ.
فائــدة:
في الحديث صورة مشرقة لما كان عليه الأصحاب ــ رضي الله عنهم أجمعين ــ من التربية الإيمانية، والنفسية المستسلمة لله تعالىٰ، مع الانقياد للشرع المنزل، فالواجب عليناً إذا أردنا الفلاح والسعادة، والتمكين والسيادة، أن نعود لما كان عليه الرعيل الأول.
18ــ باب النهي عن البدع ومُحدثات الأمور
قال الله تعالىٰ: {فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} [يونس: 32] ، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: 38] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] أي: الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ} [الأنعام: 153] ، وقال تعالىٰ: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 31] . والآيَاتُ في الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
هداية الآيات:
التحذير من البدع ومحدثات الأمور، ولن يعلم العبد خطورة البدع إلا إذا علم مفاسدها، فمن مفاسد البدع:
1) إن في البدعة خروجاً عن اتباع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومناقضةً لمعنىٰ (شهادة أن محمداً رسول الله).
2) إن في البدعة طعناً في الإسلام؛ وكأن الدِّين لم يكتمل بعد!
3) إن في مضمون البدع الطعن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم ينقل لنا الدين كاملاً.
4) إن فيها طعناً في الصحابة ، لأنهم ــ وهم خير الأمة ــ لم يفعلوها، فكأنهم قصروا في العبودية.
5) إن البدعة إذا انتشرت في الأمة غابت السنة النبوية عن حياة المؤمنين.
6) إن المبتدع لا يُحَكّم الكتاب والسنة، بل يجعل هواه هو الحاكم.
وَأَمَّا الأحَاديثُ: فَكَثِيرَةٌ جِداً، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، فَنَقْتَصِرُ عَلَىٰ طَرَف مِنْهَا:
1/169ــ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنـَا فَهُوَ ردٌّ».
غريب الحديث:
ردّ: مردود علىٰ صاحبه غير مقبول منه.
هداية الحديث:
1) العبادة إذا لم نعلم أنها من دين الله فهي مردودة.
2) الأعمال المتوعَّد عليها في الحديث تشمل الأعمال الشرعية من عبادات ومعاملات. وأما الأمور الدنيوية فالإحداث فيها جائز، فيما هو نافع وغير مخالف لشرعنا الحنيف.
3) تجنب البدع في الدين؛ لأنها من محبطات الأعمال.
4) وجوب اتباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والتزام سُنّته.
2/170ــ وعن جابِرٍ رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّىٰ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» وَيَقُول: «بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَة كَهَاتَيْنِ» وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أنَا أَوْلَىٰ بُـكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالاً فلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضَيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ». رواه مسلم.
وعن الْعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه حَدِيثُهُ السَّابِقُ في بَابِ (الْمُحَافَظَةِ عَلَىٰ السُّنَّةِ).
غريب الحديث:
ضياعاً: أولاداً صغاراً يضيعون.
هداية الحديث:
1) إن احمرار عينيه صلى الله عليه وسلم ، وعلو صوته، واشتداد غضبه، دليل حرصه علىٰ أمته، ونذارته لها مما يكون من أمرها.
2) أجل الدنيا قريب، فليجتهد العبد في زاد الآخرة.
3) الخير كل الخير في اتباع كتاب الله تعالىٰ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والشّرّ كل الشّرّ في البدع والمحدثات في الدين.
4) خطورة الدَّين في ذمة الإنسان، فعلىٰ العبد ألا يستدين إلا إذا دعت الضرورة الملحة إلىٰ ذلك، مع حرصه علىٰ سرعة الأداء، وإبراء الذمة.
19ـ باب فيمن سن سُنّة حسنة أو سيئة
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] ، وقال تعالىٰ: {وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا} [الأنبياء: 73].
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يسارع ويسابق إلىٰ الخيرات والطاعات، وأن يكون إماماً يُقتدىٰ به في أبواب الخيرات. فهذا من أفضل نعم الله علىٰ عبده.
2) الإمامة في الدين لابد معها من الصبر علىٰ ما سيصيب العبد من التعب والأذىٰ والشهوات، ولابد له من اليقين وهو العلم الراسخ فلا تزعزعه الشبهات؛ فإنه (بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين).
1/171ــ عَنْ أبي عَمْروٍ جَرِيرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه قال: كُنَّا في صَدْر النَّهَارِ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَجَاءهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَو الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأىٰ بِهِمْ مِنَ الفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بلالاً فَأَذَّنَ وَأَقامَ، فَصَلَّىٰ ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: « ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ إلَىٰ آخِرِ الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ وَالآيَةُ الأُخْرَىٰ الّتِي في آخِر الْحَشْرِ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّىٰ قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَل قَدْ عَجَزَتْ، ثمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّىٰ رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّىٰ رَأَيْتُ وَجْهَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أوزارهم شَيْءٌ». رواه مسلم.
قَوْلُهُ: «مُجتَابي النِّمَارِ» هُوَ بالجِيمِ وبعد الألِفِ باءٌ مُوَحَّدَةٌ. والنِّمَارُ: جَمْعُ نَمِرَةٍ، وَهِيَ: كِسَاءٌ مِن صُوفٍ مُخَطَّطٌ، وَمَعْنَىٰ «مُجْتَابيها» أي: لابِسِيهَا قَدْ خَرَقُوهَا في رُؤُوسِهِم.
وَالْجَوبُ: الْقَطْعُ، وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ﴾ أَيْ: نَحَتُوهُ وقَطَعُوهُ. وَقَوْلُه «تَمَعَّرَ» هو بالعين المهملة، أَيْ: تَغَيَّرَ. وَقَوْلُهُ: «رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ» بفتحِ الكافِ وضمِّها أيْ: صُبْرَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: «كَأَنَّهُ مُذهَبَةٌ» هو بالذالِ المعجمةِ، وفتحِ الهاءِ والباءِ الموحدة. قَالَهُ الْقَاضي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: «مُدهُنـَةٌ» بِدَالٍ مهملةٍ وضم الهاءِ وبالنونِ، وَكَذَا ضبَطَهُ الْحُمَيْديُّ، وَالصَّحيحُ الْمَشْــهُورُ هُوَ الأُوَّلُ. وَالْمُراد بِهِ عَلَىٰ الْوجْهَيْنِ: الصَّفَاءُ والاسْتِنَارة.
غريب الحديث:
صدر النهار: أوله.
الفاقة: شدة الفقر.
هداية الحديث:
1) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشفقته علىٰ أمته، واهتمامه لحالهم.
2) علىٰ ولاة الأمور تفقّد أحوال رعيتهم والاهتمام بمصالحهم.
3) فضل الصدقات، فعلىٰ العبد أن يكثر منها؛ لأن فيها منفعةً له ولغيره.
4) الترغيب في فعل السنن التي تُركت وهُجرت؛ لأن في إحيائها إحياء للسنَّة.
5) التحذير من السنن السيئة، فمن سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من تابعه عليها.
تنبـيــه:
استدل بعض الناس الراغبين في الخير وفعل الحسنات بهذا الحديث علىٰ جواز فعل بعض البدع، وقالوا: إنها بدع حسنة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة..». وهذا غلط في الفهم؛ لأن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قد قال قولاً شاملاً: «كل بدعة ضلالة»، ولم يستثنِ من البدع شيئاً، فكلها ضلالة وسيئة وليس فيها حسنة.
لكن المراد من الحديث الحث علىٰ المسابقة إلىٰ الخيرات، والإسراع في فعلها، كما هو ظاهر في سبب ورود الحديث. فالسنة الحسنة لها أصل في التشريع، لكن قد تخفىٰ أو تغيب أحياناً، فيأتي من ينشرها بين الناس فيكون قد سن سنة حسنة. أما البدعة فليس لها دليل في الشرع أصلاً. وما أحسن كلمة قالها إمامنا الشافعي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «من استحسن فقد شرع». وأخرىٰ قالها إمام دار الهجرة مالك ابن أنس ــ رحمه الله تعالىٰ ــ : «وما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً».
2/172ــ وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليس مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً إلاّ كَانَ عَلَىٰ ابْنِ آدَم الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دِمِهَا؛ لأَنّهُ كَان أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ». متَّفَقٌ عليه.
غريب الحديث:
ابن آدم الأول: هو قابيل لما قتل أخاه هابيل.
كفل: نصيب.
هداية الحديث:
1) من سن سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر كل َمن عمل بمثل عمله إلىٰ يوم القيامة.
2) من عقوبة السيئة أن تجر السيئات علىٰ صاحبها إلا أن يتوب.
3) القتل بغير حق من الذنوب العظيمة التي عُصي الله تعالىٰ بها.
20ــ باب الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة
قال تعالىٰ: {وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ} [القصص: 87] ، وقال تعالىٰ: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ} [النحل: 125] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ﴾ [آل عمران: 104].
هداية الآيات:
1) العبد مأمور بالدعوة إلىٰ الخير، بقول أو فعل أو خلق حسن.
2) العلم مطلوب من الداعية؛ لأن الآمر الناهي لابد أن يكون عالماً بما يدعو إليه.
3) الحث علىٰ استخدام الحكمة والموعظة الحسنة في دعوة الناس.
4) وصية الله تعالىٰ لهذه الأمة أن تكون فيها الطائفة الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، فهذا من أمارات الفلاح.
1/173ــ وعن أَبي مسعود عُقْبَةَ بن عَمْروٍ الأنصَارِيِّ الْبَدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَىٰ خَيْر فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». رواه مسلم.
2/174ــ وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن دَعَا إلَىٰ هُدَىٰ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إلَىٰ ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِن آثَامِهِمْ شَيْئاً». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الدعوة إلىٰ الهدىٰ أو الدعوة إلىٰ الضلالة قد تكون بالقول أو بالفعل.
2) إن المتسبب بالشيء كالمباشر له، فلهذا كان من دعا إلى خير أو شر له مثل أجرأو وزر من فعله.
3) الاهتمام بالدعوة إلىٰ الخير والإصلاح، والنهي عن الشر والفساد.
3/175ــ وعن أَبي العباسِ سَهْلِ بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِينَّ هذه الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَىٰ يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أصْبَح النَّاسُ غَدَوْا عَلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فقال: «أَيْنَ عَليُّ بنُ أَبي طالبٍ؟» فَقيلَ: يا رسولَ الله هُوَ يَشْتكِي عَيْنَيْه، قال: «فَأَرْسِلُوا إلَيْهِ» فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّىٰ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأعْطَاهُ الرَّايَةَ، فقال عَليّ رضي الله عنه : يا رسولَ الله أُقَاتِلُهُمْ حَتَّىٰ يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَىٰ رِسْلِكَ حَتَّىٰ تَنْزِل بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلَىٰ الإسْلامِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَىٰ فِيهِ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم». متفق عليه.
قوله: «يَدُوكُونَ» أيْ يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ، قَوْلُهُ: «رِسْلِكَ» بكسر الراءِ وَبفَتْحِهَا لُغَتَانِ، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ.
هداية الحديث:
1) فضل الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فهو ممن يحبه الله ورسوله، وما أجلها من نعمة! ولذا جعل الله الفتح علىٰ يديه .
2) العبد قد يهبه الله تعالىٰ من الفضائل ما لم يخطر له علىٰ بال.
3) العبد قد يحرم الشيء مع حرصه عليه، وقد يُعطىٰ الشيء مع عدم حرصه عليه.
4) الترغيب في تحري الإنسان الخير والسبق إليه.
5) الدعوة إلىٰ الإسلام من أهم الواجبات؛ لعظم الأجر الذي يترتب علىٰ هداية الناس.
4/176ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ فَتىً مِنْ أسْلَمَ قال: يا رسُولَ الله إنِّي أُرِيد الْغَزْوَ ولَيْس مَعِي مَا أتجهَّز بِهِ ؟ قَالَ: «ائْتِ فُلاناً، فإنه قَدْ كانَ تجَهَّزَ، فَمَرِضَ» فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقْرِئكَ السَلام، ويقولُ: أَعْطِني الَّذِي تجَهَّزْتَ بِهِ، فقال: يَا فُلانَةُ أَعْطِيهِ الَّذي تجَهَّزْتُ بِهِ، ولا تحْبِسِي مِنْه شَيْئاً، فَواللهِ لا تحْبِسِين مِنْه شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِيه. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن العبد إذا دل أحداً علىٰ الخير فإنه يثاب علىٰ ذلك.
2) إذا أراد العبدُ عملاً صالحاً، فحبسه عنه حابس كمرض مثلاً، فعليه أن يدفع ما بذله للعمل إلىٰ من يقوم به؛ حتىٰ يُكتب له تمام الأجر ولا يفوت النفع.
21 ـ باب التعاون على البرّ والتقوى
قال الله تعالىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2] ، وقال تعالىٰ: ﴿ وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ} [العصر: 1 ـ 3].
قال الإمَام الشَّافِعِي ــ رَحِمَه الله ــ كَلَاماً مَعْنَاهُ: إنَّ النَّاسَ أوْ أَكْثَرَهُمْ في غَفْلَةٍ عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
هداية الآيات:
1) التعاون علىٰ البر والتقوىٰ خير ما اجتمع عليه أهل الإيمان وتواصوا به.
3) كل إنسان خاسر إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة: أن يكون مؤمناً بما يجب الإيمان به، وأن يكون عاملاً بمقتضىٰ إيمانه بالأعمال الصالحات، وأن يكون داعياً للحق، وأن يصبر علىٰ الأذىٰ في سبيل هذه الدعوة.
1/177ــ عَنْ أَبي عَبْدِ الرحمنِ زيدِ بنِ خالدٍ الْجُهَنيُّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَهَّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا». متفقٌ عليه.
2/178ــ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثاً إلىٰ بَني لِحْيانَ مِنْ هُذَيْلٍ، فقالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأجْرُ بَيْنَهُمَا». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) كل من أعان شخصاً في طاعة الله فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيئاً.
2) من تشاركا في خير كُتِب لهما الأجر جميعاً .
3) حث الناس علىٰ التعاون في فعل الخيرات.
فائــدة:
إعانة الغازي تكون علىٰ صورتين:
الأولى: أن يعينه في رحله، ومتاعه، وسلاحه، وكل ما يتجهز به للغزو.
الثانية: أن يعينه في كونه خَلَفاً صالحاً عنه في أهله.
3/179ــ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْباً بالرَّوحَاء،ِ فقال: «مَن الْقَوْمُ ؟» قَالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ ؟ قال: «رسولُ الله» فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الروحاء: مكان بين مكة والمدينة.
هداية الحديث:
1) لابد للمؤمن ــ الحريص علىٰ التفقه ــ أن يغتنم نعمة وجود العالم، من أجل أن يسأله عما يشكل عليه، وينفعه من أمر دينه.
2) يصحّ حجّ الصَّبيِّ الصغير ولو لم يكن مميزاً، وإذا حجَّ مع وليّه، فالأجر لهما.
4/180ــ وعَنْ أَبي موسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «الخَازِنُ المُسلِمُ الأمِينُ الَّذِي يُنـَفِّذُ ما أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كامِلاً مُوَفَّراً، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إلىٰ الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصدِّقِينَ». متفق عليه.
وفي رواية: «الَّذي يُعْطِي مَا أُمِر بِهِ» وضبَطوا (المُتَصدِّقَيْنِ) بفتح القاف مع كسر النون علىٰ التَّثْنِيَةِ، وَعَكْسُهُ عَلىٰ الجَمْعِ، وَكلاهُمَا صَحِيحٌ.
هداية الحديث:
1) الترغيب في حفظ الأمانة، وأداءِ ما وُكِّل به العبد من النفقات.
2) التعاون علىٰ البر والتقوى؛ إذ يُكتب لمن أعان عليه مثل ما يُكتب لمن فعله.
22 ـ باب النصيحة
قال تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ} [الحجرات: 10] ، وقال تعالىٰ إخباراً عن نوح صلى الله عليه وسلم: {وَأَنصَحُ لَكُمۡ} [الأعراف: 62] ، وعَنْ هُودٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68].
فائدة:
النصيحة هي: بذل الخير للغير، والنصح يلزم له أن يحب الناصح لأخيه الخير ويدعوه إليه، ويبينه له. وضد النصيحة: المكر، والغش، والخيانة، والخديعة.
هداية الآيات:
1) النصيحة من ثمرات الأخوة في الدين، بل من أهم مستلزمات هذه الأخوة.
2) علىٰ المرء أن يكون من الناصحين لإخوانه، مبدياً لهم الخير؛ حتىٰ تتحقق بذلك الأخوة الإيمانية.
وأما الأحاديث:
1/181ــ فَالأوَّل: عن أبي رُقَيَّةَ تَميمِ بنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من النصيحة لله _عز وجل_: تحقيق الإخلاص لله تعالىٰ، والتعبد له محبة وتعظيماً، وأن يغار علىٰ حرمات الله تعالىٰ، ويذبُّ عن دين الله تعالىٰ، ويدعو إليه.
2) من النصيحة لكتاب الله: أن يقيم العبد حروفه تلاوةً وتدبراً، وينشر معناه الصحيح بين المسلمين، ويقوم بامتثاله؛ بفعل واجباته، والانتهاء عن محرماته، وتصديق أخباره.
3) من النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان التام برسالته، وتصديق خبره، وصدق الاتباع له، والدفاع عن شريعته وحمايتها، ومحاربة البدع وأهلها، واحترام الصحابة رضي الله عنهم وتعظيمهم ومحبتهم والدفاع عنهم.
4) من النصيحة لأئمة المسلمين: احترام العلماء، والحرص علىٰ تلقي ما عندهم من العلم، وألَّا تُتبع زلاتهم وما يخطئون فيه؛ لأنهم غير معصومين، وأن يدافع عنهم. وأما أئمة المسلمين من الحكام فالنصح لهم: بأن يكف عن مساوئهم، ويناصحهم علىٰ قدر ما يستطيع.
5) ومن النصح لعامة المسلمين: أنْ تُحبَّ لهم ما تحب لنفسك، وأن ترشدهم إلىٰ الخير، وأن تهديهم إلىٰ الحق، وترحم الخلق.
2/182ــ الثَّاني: عَنْ جَرِير بْنِ عبد الله رضي الله عنه قال: بَايَعْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ إقَامِ الصَّلاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم. متفقٌ عليه.
3/183ــ الثَّالثُ: عَن أَنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) الترغيب في بذل النصح لكل مسلم قريب أو بعيد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى.
2) من النصح للمسلمين أن تحب لهم ما تحب لنفسك.
3) لا يكتمل الإيمان عند العبد حتىٰ يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
فائدة:
نفي إيمان العبد في الحديث «لايؤمن أحدكم» معناه: نفي كمال الإيمان، وليس نفي أصله. فالإيمان له أصل وفرع. وهو يزيد وينقص، والمؤمن المسدد يَسعىٰ في رعاية إيمانه وازدياده ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۢ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ} [إبراهيم: 24 ــ 25].
23 ـ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله تعالىٰ: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] ، وقال تعالىٰ: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، وقال تعالىٰ: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] ، وقال تعالىٰ: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ} [التوبة: 71]، وقال تعالىٰ: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [المائدة: 78 ــ 79] ، وقال تعالىٰ: {وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ} [الكهف: 29] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] ، وَالآياتُ في الباب كَثِيرَة مَعلومَةٌ.
فائدة:
ــ المعروف: ما عُرف حسنه شرعاً، وعقلاً، وعرفاً. والمراد بالعُرْف: عُرْف أهل الخير والصلاح، الذين هم أوساط الناس دون أهل التشديد أو التساهل.
ــ المنكر: ما عُرف قبحه شرعاً، وعقلاً، وعرفاً. وكل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي، كالكفر والبدع والفسوق.
هداية الآيات:
1) لا بد عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من استخدام الحكمة، ولا يكون ذلك إلا بالعلم والحلم والصبر.
2) وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصةً بالرجال فقط، بل تشمل النساء أيضاً.
3) وجوب التناهي عن المنكر؛ فترك النهي سبب اللعن والطرد عن رحمة الله تعالىٰ.
4) الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، سبب لنجاة الأمة وعصمتها، من النكبات والعقوبات.
وأما الأحاديث:
1/184 ــ فالأوَّلُ: عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَن رَأَىٰ مِنْكُم مُنكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإن لَمْ يَسْتَطِعْ فبِقَلْبِهِ، وَذلِكَ أَضْعَفُ الإيمانِ». رواه مسلم.
2/185ــ الثاني: عنِ ابنِ مسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ نَبيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أمَّةٍ قَـبْـلي إلَّا كـان لَـه مِـن أُمَّتِهِ حَوارِيُّون وَأصْحابٌ يَأَخُذُون بِسُنَّتِهِ ويَقْتَدُون بِأمْرِهِ، ثُمَّ إنها تخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُون مَا لا يُؤْمَرُون، فَمَنْ جَاهَدَهُم بِيدهِ فَهُو مُؤمِنٌ، ومَن جَاهَدهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، ومَنْ جَاهَدهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، وليس وراء ذلِكَ مِن الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدلٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
حواريون: خلصاء الأنبياء وأصفياؤهم وأنصارهم المجاهدون.
خلوف: جمع خَلْف بسكون اللام، وهو: الخالف بِشَرٍّ، وأما خَلَفَ بفتح اللام، فهو: الخالف بخير. والمعنى: تحدث خلوف بشِرّ.
خردل: حبٌّ صغير معروف.
هداية الأحاديث:
1) إنكار المنكر مراتب، بحسب الاستطاعة والقدرة، ورعاية المسؤولية.
2) من أراد النجاة فعليه باتباع منهج الأنبياء في الدعوة إلىٰ الله _عز وجل_.
3) الحث علىٰ مجاهدة المخالفين للشرع، كلٌّ بما يستطيع؛ لأن ترك ذلك بالكلية دليل علىٰ ذهاب الإيمان من قلب المرء.
4) خير الناس بعد الأنبياء هم أصحابهم.
5) الحذر من أن يقول العبد ما لا يعمل، أو يفعل مالا يُؤمَر.
3/186ــ الثالثُ: عن أبي الوليدِ عُبـَادَةَ بن الصَّامِتِ رضي الله عنه قال: « بَايَعْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمنشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلىٰ أثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَىٰ أَنْ لاَ نُنَازعَ الأمْرَ أهْلَهُ إلاَ أنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ الله تَعَالىٰ فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَىٰ أَنْ نَقُولَ بالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لاَ نَخافُ في الله لَوْمَةَ لائمٍ». متفق عليه.
«المَنْشَط والمَكْره» بِفَتْحِ مِيميهما: أَيْ: في السَّهْلِ والصَّعْبِ. «والأثَرةُ»: الاخْتِصاصُ بالمُشْتَركِ، وقَدْ سَبَقَ بَيَانُها. «بَوَاحاً» بفَتْحِ الْبَاءِ المُوَحَّدَة بَعْدَهَا وَاوٌ ثمَّ أَلِفٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: أَيْ ظَاهِراً لاَ يَحْتَمِلُ تَأوِيلاً.
هداية الحديث:
1) وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في المنشط والمكره، والعسر واليسر، إلا في معصية الله فلا طاعة لهم.
2) إن النصح لأَئمة المسلمين وهدايتهم بالتي هي أحسن هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
3) الحث علىٰ قول الحق وفعله، وألاّ تأخذك في الله لومة لائم، فأين أهل الإيمان اليوم؟!.
4/187ــ الرَّابع: عن النعْمانِ بنِ بَشير رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ القَائمِ في حُدودِ الله وَالْوَاقِع فيها كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلىٰ سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضهُمْ أعْلاهَا وَبَعضُهُمْ أسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ في أسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلىٰ مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعاً، وإنْ أخَذُوا عَلىٰ أيْدِيهِمْ نجَوْا ونجَوْا جَميعاً». رواهُ البخاري.
«القَائمُ في حُدُودِ الله تَعالى» مَعْنَاهُ: المُنْكِرُ لها، القَائمُ في دفْعِهَا وإزالتِهَا، والمُرادُ بِالحُدُودِ: ما نَهَىٰ الله عَنْهُ. «اسْتَهَمُوا»: اقْتَرعُوا.
غريب الحديث:
الواقع فيها: أي الفاعل للمحرم أو التارك للواجب.
استقوا: طلبوا السقيا (سقيا الماء).
خرقاً: ثقباً.
هداية الحديث:
1) إذا أخذ أهل العلم والدين علىٰ أيدي الجهال والسفهاء نجوا جميعاً، فإن لم يفعلوا هلكوا جميـعاً.
2) يستحب لمعلم الناس أن يضرب لهم الأمثال؛ ليقرب لهم المعقول بصورة المحسوس.
3) إثبات القرعة عند تزاحم الحقوق ولا مرجح في تعيينها، ومنه قوله تعالىٰ عن يونس –عليه السلام_: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ﴾ [الصافات: 141].
4) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سفينة النجاة في الأمة؛ مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق. وإن حالنا الأليم الذي نعانيه اليوم هو عقوبة ترك الهدي النبوي في الأمر والنهي، فهل من توبة وإنابة!!
5/188ــ الخامسُ: عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدٍ بنتِ أَبي أُمَيّةَ حُذيْفَةَ رضي الله عنها عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمن كَرِهَ فَقَدْ بَرِئ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ». قالوا: يَا رَسُولَ الله أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ». رواه مسلم.
مَعْنَاهُ: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَسْتَطعْ إنْكَاراً بِيَد وَلَا لِسَانٍ فَقَدْ بَرِئ مِنَ الإثمِ، وَأَدَّىٰ وَظِيفَتَهُ، وَمَنْ أَنْـكَرَ بحَسَبِ طَاقَتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وَمَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهِمْ وَتَابَعَهُمْ فَهُوَ العَاصي.
هداية الحديث:
1) الإنكار علىٰ ولاة الأمور بحسب الحال، مع مراعاة المصالح والمفاسد.
2) مشروعية قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة، شريطة انتفاء المفسدة، وحصول المصلحة.
3) تعظيم قدر الصلاة، فمن تركها فقد كفر.
4) إنكار المنكر سبيل السلامة والنجاة. فأين القائمون بهذه الشعيرة العظيمة؟!
6/189ــ السَّادِسُ: عَن أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ الْحَكَمِ زَيْنَبَ بنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ: «لا إلهَ إلَّا الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتحَ الْيَوْمَ مِن رَدْمِ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بأصْبُعَيْهِ الإبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رسول الله، أنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَم إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الردم: السد. تقول: ردمت إذا سددت.
الخبث: الفسوق والفجور وأنواع المعاصي.
هداية الحديث:
1) الترغيب في ذكر الله عند الفزع والخوف ، تثبيتاً للتوحيد وتطميناً للقلوب.
2) الإخبار عن فتنة يأجوج ومأجوج للحذر منها، فهي من شر الفتن.
3) إذا كثرت الأعمال الفاسدة في المجتمع دون إنكار، فإن ذلك سبب للهلاك ولو كان الصالحون موجودين؛ لأن العبرة بعمل المصلحين في الأمة. قال تعالىٰ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 117].
7/190ــ السَّابعُ: عَنْ أبي سَعيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ »، فَقَالُوا: يَا رَسولَ الله مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدّ، نتَحَدَّثُ فِيهَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « فَإذَا أبَيْتُم إلاَ الْمَجْلِسَ فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قالوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رسولَ الله؟ قال:« غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأمْرُ بالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَر». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) النهي عن الجلوس في الطرقات؛ لأنها تؤدي إلىٰ مفاسد واضحة.
2) غض البصر من العبادات الواجبة في حق من جلس في الطريق.
3) وجوب كف الأذىٰ عن الناس، سواء الأذىٰ القولي أو الفعلي.
4) إفشاء السلام بين المسلمين يورث المحبة في قلوبهم.
5) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مستلزمات الجلوس في الطرقات.
8/191ــ الثَّامنُ: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأىٰ خَاتماً مِنْ ذَهَبٍ في يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: « يَعْمِدُ أحَدُكُمْ إلَىٰ جَمْرَةٍ مِنْ نَارِ فَيَجْعَلُهَا في يَدهِ!» فَقِيلَ لِلرَجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: خُذْ خَاتَمَكَ، انْتَفعْ بِهِ، قَالَ: لا وَاللهِ لا آخُذُهُ أبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) تحريم لبس الذهب علىٰ الرجال؛ وأن ذلك موجب لعذاب النار.
2) من الحكمة: استعمال الشدة في تغيير المنكر إذا دعت الحاجة إلىٰ ذلك. فالحكمة وضع الشيء في موضعه المناسب.
3) تعظيم الصحابة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان صدق إيمانهم بسرعة امتثالهم. فأين المقتدون بهم؟
9/192ــ التَّاسعُ: عَنْ أبي سَعيدٍ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ عَائِذَ بن عَمْرٍو رضي الله عنه دَخَلَ عَلَىٰ عُـبَيْدِ الله بن زيَادٍ، فَقَالَ: أيْ بُنيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَة» فَإيَّاكَ أن تكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإنَّمَا أنتَ مِنْ نُخَالَةِ أصْحَاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فقالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ، إنَّمَا كَانتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفي غَيْرِهِمْ . رَواه مسلم.
غريب الحديث:
الرعاء: بكسر الراء والمد، جمع راع.
الحطمة: العنيف في رعيته، لا يرفق بها بل يحطمها.
نخالة: نخالة الدقيق هي قشوره، والمراد: التعبير عن الشيء الذي لا يعبأ به.
هداية الحديث:
1) التزام الصحابة الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم خوفهم من قول الحق.
2) الصحابة كلهم سادة وأفاضل ، وهم خير قرون الأمة.
3) خير الناس من كان هيِّناً ليِّناً، خاصة إذا كان من أهل المسؤولية.
10/193ــ الْعَاشرُ: عَن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفسي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْروفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنكَرِ، أوْ لَيُوْشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَ تَدعُونهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
هداية الحديث:
1) جواز القسم في الأمور ذات الأهمية.
2) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الواجبات.
3) الوعيد الشديد لترك الأمة الأمرَ بالمعروف، والنهي عن المنكر. فهل عرفنا لِمَ حَلَّت بنا النكبات؟!
4) ترك التواصي بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، سبب لرد الدعوات وعدم إجابتها.
11/194ــ الْحَادي عَشَرَ: عَنْ أبي سَعِيد الْخُدرِي رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أفضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عنْدَ سُلطَانٍ جَائرٍ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسنٌ.
12/195ــ الثَاني عَشَرَ: عَنْ أبي عبدِ الله طَارِقِ بن شِهَابٍ الْبَجَلِيِّ الأَحْمَسِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَه في الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جائِر». رواه النسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
«الْغَرْز» بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاء سَاكِنَةِ ثُمَّ زَايٍ، وَهُوَ رِكَابُ كَورِ الْجَمَلِ إذَا كَانَ مِنْ جِلدٍ أَوْ خَشَبٍ، وَقِيلَ: لَا يخْتَصُّ بِجِلْدٍ وَخَشَبٍ.
غريب الحديث:
جائر: ظالم.
هداية الأحاديث:
1) من أعظم الجهاد كلمة الحق عند السلطان الظالم، فإنها تردعه عن ظلمه.
2) وجوب مناصحة الحكام الظلمة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
فائـدة:
الإنكار علىٰ السلطان له أربع حالات:
1) كلمة حق عند سلطان عادل، وهذه سهلة.
2) كلمة باطل عند سلطان عادل، وهي خطيرة لفتنتها لهذا السلطان ولقائل الكلمة.
3) كلمة حق عند سلطان جائر، وهذه أفضل الجهاد.
4) كلمة باطل عند سلطان جائر، وهذه مضلة للأمة.
13/196ــ الثَّالِثَ عَشَرَ: عن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَىٰ بَنِي إسْرَائِيلَ أنَّه كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَىٰ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هذَا اتَّقِ اللهَ وَدعْ مَا تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ وهُو عَلَىٰ حَالِهِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ»
ثُمَّ قال: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ * تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ} ، إلىٰ قولِهِ: ﴿فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 78 ــ81] ثُمَّ قَالَ: «كَلاَّ، وَاللهِ لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأخُذُنَّ عَلَىٰ يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّه عَلَىٰ الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَىٰ الْحَقِّ قَصراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَىٰ بَعْض، ثُمَّ لَيَلْعَنَنّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن[1].
هَذا لفظ أَبي داود، وَلفظ الترمذي: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لـمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائيلَ في الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِم بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهمْ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَىٰ ابنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» فَجَلَسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ مُتكِئاً، فَقَالَ: «لا وَالَّذي نَفْسي بِيَده حَتَّىٰ تَأْطِرُوهُمْ عَلَىٰ الحَقِّ أطْراً». قَوْلُهُ: «تَأْطِرُوهم» أيْ تَعْطِفُوهُمْ. «ولْتَقْصُرُنَّهُ» أيْ: لَتَحْبِسُنَّهُ. [1] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) الحذر من خصال اليهود، الذين جمعوا بين فعل المنكر والجهر به وعدم التناهي عنه.
2) السكوت عن فعل المعاصي هو تحريض علىٰ فعلها، وسبب لانتشارها. وما انتشرت المنكرات في الأمة إلا بسبب السكوت عنها.
3) حرمة الجلوس مع من باشر المنكر، إلا لأجل الإنكار عليه.
4) الأخذ علىٰ يد الظالمين والعاصين موجب للفلاح واجتماع كلمة الأمة، وترك ذلك موجب للعن الله _عز وجل_ وللفرقة والشتات.
5) إنكارُ القلبِ المنكرَ يقتضي البعد عن أهله.
14/197ــ الرَّابعَ عَشَرَ: عن أَبي بكْرٍ الصّدِّيق رضي الله عنه قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ لَتَقْرَؤُونَ هذِهِ الآيَةَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 105]، وإني سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ إذَا رَأوُا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَىٰ يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». رواه أَبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحةٍ.
هداية الحديث:
1) وجوب العناية بفهم كتاب الله _عز وجل_، وفهم سُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم. ففيهما معدن العلم.
2) حرمة القول في القرآن بالرأي، فكثير من الجهال يستدلون بآيات علىٰ غير وجهها الصحيح.
3) عقاب الله يشمل الظالم لظلمه، وغير الظالم لإقراره عليه.
4) علىٰ الأمة أن تتعاون فيما بينها علىٰ البر والتقوىٰ، وتتواصىٰ بالحق وبالصبر.
24ـ باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قولُه فعلَه
قال الله تعالىٰ: ﴿۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ * كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} [الصف: 2 ــ 3]، وقال تعالىٰ إخْبَاراً عَنْ شُعَيْبٍ –عليه السلام_: {وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ} [هود: 88].
هداية الآيات:
1) الوعيد من الله، والبغض الشديد، لمن يأمر بمعروف، أو ينهىٰ عن منكر، ثم يخالف فعـلُه قولَه.
2) من يفعل ذلك فهو مخالف لطريقة المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
1/198ــ وعن أبي زيدٍ أسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حَارثَةَ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ: «يُؤْتَىٰ بالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيُلْقَىٰ في النَّار، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ في الرَّحَا، فَيَجْتَمعُ إلَيْهِ أهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ مَا لَكَ؟ ألمْ تَكُ تَأْمُرُ بالمَعْروفِ وَتَنْهَىٰ عَنِ المُنْكَر؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بالمَعْرُوفِ وَلا آتِيْه، وَأَنْهَىٰ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ». متفق عليه.
قولُهُ: «تَنْدَلِقُ» هُوَ بالدَّالِ المهملةِ، وَمَعْنَاهُ تَخْرُجُ. وَ«الأَقْتَابُ»: الأَمْعَاءُ، وَاحِدُهَا قِتْبٌ.
غريب الحديث:
الرّحا: حجر الطاحون.
هداية الحديث:
1) الإعلام والترهيب بعقوبة من يخالف فعلُه قولَه.
2) من المغيبات التي أخبر عنها النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصف النار وأهلها، فيجب الإيمان بالأخبار النبوية وتصديقها.
3) فعل المعروف وترك المنكر يمنعان من دخول النار.
4) الوصية النبوية أن يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه قولاً وعملاً.
25 ـ باب الأمر بأداء الأمانة
قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72].
هداية الآيات:
ــ الأمانة نوعان:
1) أمانة في حقوق الله، مثل: (عبادات الله _عز وجل_ وأجلها: التوحيد والصلاة...).
2) أمانة في حقوق البشر، مثل: (بر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء...).
1/199ــ عن أَبي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «آيَةُ الـمُنـَافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: «وَإنْ صَامَ وَصَلَّىٰ وَزَعَمَ أنهُ مُسْلِمٌ».
غريب الحديث:
آية: علامة.
أخَلَفَ: لم يفِ بالوعد.
هداية الحديث:
1) خبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث تضمن أمرين: معرفة المنافقين وصفاتهم، والحذر من الوقوع في هذه الصفات، فهو خبر وإرشاد.
2) الصدق في الحديث، والوفاء بالوعد، وأداء الأمانة، من صفات أهل الإيمان. وهي من الأمور الواجبة.
3) المسلم يطابق فعلُه قولَه ﴿كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف: 3].
2/200 ــ وعن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأنا أنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا أنَّ الأمَانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَال، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، فَقَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلّ أثرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهْ عَلَىٰ رِجْلِكَ فَنَفِط،َ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ» ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهُ عَلَىٰ رِجْلِهِ «فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتبَايَعُونَ، فَلا يَكَادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمَانَةَ حَتَّىٰ يُقَالَ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلاً أَمِيناً، حَتَّىٰ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ. وَلَقَدْ أتَىٰ عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً ليَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً أَوْ يَهُودِياً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايعُ مِنْكُمْ إلَّا فُلاناً وَفُلاناً». متفقٌ عليه.
قوله: «جَذْرُ» بفتحِ الجِيم وَإسْكَانِ الذَّالِ الْمُعَجَمَةِ: وَهُوَ أَصْلُ الْشيءِ. و«الْوَكْتُ» بالتَّاءِ الْمُثَـنَّـاة مِنْ فَـوْقُ: الأثرُ الْيَسِيرُ. «وَالْمَجْلُ» بفتحِ الميم وإسكانِ الجيم، وَهُوَ تَنَفُّطٌ في الْيَدِ وَنَحْوِها مِنْ أثَرِ عَمَلٍ وَغَيْرِه. قوله: «مُنْتَبِراً»: مُرْتَفِعاً. قوله: «سَاعِيهِ»: الْوَالي عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إن الأخلاق في الإسلام أعمق من مفهوم الإنسانية المعاصرة؛ لأنها تتجاوز المظاهر والمرئيات إلىٰ أعمال القلوب، وسرائر النفوس.
2) الأخلاق الإسلامية تنبع من الكتاب والسنة، ففيهما كمال الخلق والتربية.
3) إن الأخلاق قابلة للتغيير، وإلا لما نفعت التربية.
4) الأخلاق والإيمان قرينان، إذا رُفع أحدهما، رُفع الآخر.
5) من أشراط الساعة رفع الأمانة، حتىٰ يُخَوَّن الأمين، ويُؤتَمن الخائن.
3/201ــ وعن حُذَيْفَةَ وأَبي هريرةَ رضي الله عنهما قالا: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَجْمَعُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتحْ لَنَا الْجَنَّة، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ ! لَسْتُ بِصاحِبِ ذلِكَ، اذْهَبُوا إلَىٰ ابْنِي إبْراهِيمَ خَلِيلِ الله. قال: فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ إبْرَاهِيمُ: لستُ بصَاحِبِ ذلِكَ، إنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إلَىٰ مُوسَىٰ الَّذي كَلَّمَهُ الله تكْلِيماً. فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ ؟ اذْهَبُوا إلَىٰ عِيسَىٰ كَلِمَةِ الله وَرُوحِهِ. فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم ، فَيَقُومُ فَيؤْذَنُ لهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ والرَّحِمُ، فَيَقُومَانِ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كالْبَرْقِ، قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قال: ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُم كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وشدِّ الرِّجالِ، تَجْرِي بِهمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَىٰ الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّىٰ تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّىٰ يجيءَ الرَّجُلُ لا يَسْتَطِيعُ السَّيرَ إلَّا زَحْفاً، وَفي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدوشٌ نَاجٍ، ومُكَرْدَسٌ في النَّارِ» وَالذي نَفْسُ أَبي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إنَّ قَعْرَ جَهَنَّم لَسَبْعُون خَرِيْفاً. رواه مسلم.
قوله: «وَرَاءَ وَرَاءَ» هُو بالْفَتْحِ فِيهمَا. وَقيلَ: بِالضَّمِّ بِلا تَنْوينِ، وَمَعْنَاهُ: لَسْتُ بتِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَهِي كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عَلَىٰ سَبِيل التَّوَاضُعِ. وَقَدْ بَسَطْتُ مَعْنَاهَا في شَرْحِ صحيحِ مسلمٍ، والله أعلم.
غريب الحديث:
تُزْلَفَ: تقرَّب .
شد الرجال: الجري السريع.
تعجز أعمال العباد: أي تضعف أعمالهم الصالحة عن المرور بهم.
كلاليب: جمع كَلُّوب: خشبة في رأسها عقافةِ حديد.
مكردس: معناه كون الأشياء بعضها علىٰ بعض.
مخدوش: مجروح وممزق.
الخريف: السنة.
هداية الحديث:
1) الجنة لا تفتح إلا باستفتاحٍ من الشفيع عليه الصلاة والسلام.
2) تواضع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكلٌّ منهم يحيل الأمر إلىٰ الآخر.
3) تعظيم شأن الأمانة والرحم، فإنهما تقومان علىٰ جانبي الصراط.
4) مجاوزةُ العباد الصراط تكون بحسب الأعمال الصالحة. فلْيَسْعَ امرؤ في أعمال صالحة يمر بها علىٰ الصراط.
4/202ــ وعن أبي خُبَيْبٍ ـ بضم الخاءِ المعجمة ـ عبدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قال: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إلَىٰ جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَومَ إلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإنِّي لا أُرَانِي إلَّا سأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُوماً، وَإنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَىٰ دَيْنَنَا يُبْقي مِنْ مَالِنَا شَيْئاً ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ بعْ مَالَنَا وَاقْضِ دَيْنِي، وَأَوْصَىٰ بالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ، يَعْنِي لِبَنِي عَبْدِ الله بن الزُّبَيْر ثُلُثُ الثُّلُث. قَالَ: فَإنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِبَنِيكَ، قال هشامٌ: وكانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْد الله قَدْ وازَىٰ بَعْضَ بَني الزُّبَيْرِ خُبيبٍ وَعَبَّادٍ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنينَ وَتِسْعَ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الله: فَجَعَلَ يُوصِينِي بدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بمَوْلايَ. قَالَ: فَوَالله مَا دَرَيْتُ مَا أرَادَ حَتَىٰ قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: الله. قال: فوَالله مَا وَقَعْتُ في كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَىٰ الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: فَقُتِلَ الزُّبيْرُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَاراً وَلا دِرْهَماً إلَّا أرَضِينَ، مِنْهَا الْغَابَةُ وَإحْدَىٰ عَشَرَةَ دَاراً بالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بالْبَصْرَةِ، وَدَارَاً بالْكُوفَة، وَدَاراً بِمِصْرَ. قال: وَإنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذي كَانَ عَلَيْهِ أنَ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بالمالِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ إيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لا وَلكِنْ هُوَ سَلَفٌ إنِّي أخْشَىٰ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا ولِيَ إمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايَةً ولا خَراجاً وَلا شَيْئاً إلَّا أنْ يَكُونَ في غَزْوٍ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوْ مَعَ أبي بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم، قَالَ عَبْدُ الله: فَحَسَبْتُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ ألْفَي ألْفٍ وَمَائَتَي ألْفٍ . فَلَقِيَ حَكِيم بن حِزَامٍ عَبْدَ الله بْن الزُّبـَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أخِي كَمْ عَلَىٰ أخِي مِنَ الدَّيْنِ ؟ فَكَتَمْتُهُ وَقُلْتُ: مَائَةُ ألْفِ. فَقَالَ حَكيمٌ: وَالله مَا أرَىٰ أمْوَالَكُمْ تَسعُ هذِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الله: أرَأيْتَكَ إنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ ألْفٍ؟ قَالَ: مَا أرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذا، فَإنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدِ اشتَرَىٰ الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ ومَائَة أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ الله بِألْفِ ألْفٍ وَسِتِّمَائَةِ أَلْف، ثُمَّ قَامَ فقال: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَىٰ الزُّبـَيْرِ شَيْءٌ فَلْيُوافِنَا بِالْغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَىٰ الزُّبَيْرِ أرْبَعُمَائَةِ ألْفٍ، فَقَالَ لعَبْدِ الله: إنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ؟ قَالَ عَبْدُ الله: لا، قال: فَإنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُموهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إنْ أخَّرْتُمْ، فقال عَبْدُ الله: لا، قال: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، قال عَبْدُ الله: لَكَ مِنْ هاهُنا إلَىٰ هاهُنا. فَبَاعَ عَبْدُ الله مِنْهَا، فَقَضىٰ عَنْهُ دَيْنَه، وَأَوْفَاهُ وَبقِيَ مِنْهَا أرْبَعَةُ أسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَىٰ مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْن عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْن زَمْعَةَ، فقال لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَت الْغَابَةُ ؟ قال: كُلُّ سَهْمٍ بِمائَةِ ألْفٍ قال: كَمْ بَقِي مِنْهَا؟ قال: أرْبَعَةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ، فقال الْمُنْذرُ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ أخَذْتُ مِنْهَا سَهْماً بِمائَةِ ألْفٍ، قال عَمْرُو بْنُ عُثْمَان: قَدْ أخَذْتُ مِنْهَا سَهْماً بِمَائَةِ أَلْف. وقال ابْن زمْعَةَ: قَدْ أخَذْتُ سَهْماً بِمَائَةِ ألْف، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قال: سَهْمٌ ونصْفُ سَهْمٍ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ ومائَةِ ألْفٍ. قَالَ: وبَاعَ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتَّمَائَةِ أَلْفٍ. فَلَمَا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيراثَنَا. قَالَ: والله لا أَقْسِمُ بَيْنكُمْ حَتَّىٰ أنادِيَ بالْمَوسِمِ أَرْبَع سِنِين: أَلا مَنْ كَان لَهُ عَلَىٰ الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي في الْمَوسِمِ، فَلَمَّا مَضىٰ أَرْبَعُ سِنينَ قَسم بَيْنَهُمْ ودَفعَ الثلُث. وكَان للزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوةٍ، فَأَصاب كُلَّ امْرأة أَلْفُ أَلْفٍ ومَائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَاله خَمْسُونَ ألْف ألْفٍ ومَائَتَا أَلْف. رواه البخاري.
غريب الحديث:
يوم الجمل: وقعة مشهورة بين المسلمين، كان طرفاها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنهما.
الغابة: أرض شهيرة من عوالي المدينة النبوية.
الضيعة: الضياع والهلكة.
هداية الحديث:
1) الترغيب في المحافظة علىٰ أداء الأمانات.
2) شدة أمر الدَّين، والإسراع في أداء الديون قبل الممات.
3) من قرع أبواب السماء بالدعاء، والتجأ إلىٰ الله، وجعله مولاه كفاه وأغناه، فإنه سبحانه لا يخيب عبداً رجاه.
فائــدة:
ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من القتال له توجيه وتأويل صحيح. قال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في رسالة (العقيدة الواسطية):
«ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها: ما هو كذب، ومنها: ما زيد فيه ونقص، وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، ...ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم ــ إن صدر ــ حتىٰ إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم... ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتىٰ بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم... أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه... ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور، في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل، عَلِم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، ولا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها علىٰ الله». انتهىٰ ملخصاً.
26 ـ باب تحريم الظلم والأمر بردّ المظالم
قَالَ الله تَعَالَى: {مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ} [غافر: 18] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِير} [الحج: 71].
فائدة:
الظلم نوعان:
1ــ ظلم يتعلق بحقوق الله _عز وجل_: كالشرك، والبدع، والكبائر، والصغائر.
2 ــ ظلم يتعلق بحقوق العباد: في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم.
وأما الأحاديث:
فمنها حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه المتقدم في آخر باب المجاهدة.
1/203 ــ وَعَنْ جَابرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَىٰ أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلّوا مَحَارِمَهُمْ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
اتقوا الظلم: احذروه.
الشح: الحرص علىٰ المال مع البخل.
هداية الحديث:
1) الظلم والشح من كبائر الذنوب، التي تسبب الهلاك في الدنيا، والكربات الشديدة يوم القيامة.
2) البخل ليس صفةً لأهل الإيمان، فإن من صفات المؤمنين الكرم والجود.
2/204 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَىٰ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّىٰ يُقَادَ للشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
يُقاد: يُقتص.
الجلحاء: التي لاقرن لها.
القرناء: التي لها قرن.
هداية الحديث:
1) وجوب أداء الحقوق لأهلها.
2) حقوق العباد لا يتجاوز عنها، حتىٰ تؤدىٰ إلىٰ أصحابها.
3) كمال عدل الله _عز وجل_، حتىٰ في وفاء الحقوق بين البهائم. فَلْيَتَّقِ الله من يظلمِ الناس!
3/205 ــ وَعَنْ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلاَ نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، حَتَّىٰ حَمِدَ اللهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَأطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نُوح والنَّبيونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ يَخْرُجْ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَىٰ عَلَيْكُمْ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَةٌ، أَلا إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي بلدِكُم هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللهم اشْهَدْ ــ ثَلاثاً ــ وَيْلَكُمْ، أَوْ ويْحَكُمْ، انْظُرُوا: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَرَوَىٰ مُسْلِم بعْضه.
غريب الحديث:
أطنب: بالغ.
طافية: بارزة.
هداية الحديث:
1) خطر فتنة الدجال علىٰ الناس، وتحذير الأنبياء جميعاً منه.
2) تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، والاعتداء عليها من الظلم المحرم.
3) النهي عن الاقتتال، فذلك من أعمال الكفر، وهو من ظلم العباد بعضهم بعضاً.
4/206 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
قيد شبر: قدر شبر.
طوقه من سبع أرضين: أن يجعل له طوقاً في عنقه، يحمله أمام الناس، يُخزىٰ به يوم القيامة.
هداية الحديث:
1) غصب الأرض من الكبائر، وهو من الظلم المتوعد عليه بالعقوبة.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فمن ظلم عاقبه الله تعالىٰ من جنس ظلمه.
فائـدة:
من ملك أرضاً ملكاً صحيحاً ملك ما تحتها، فليس لأحدٍ أن يضع نفقاً تحت أرضه إلا بإذنه، وما وجده في باطن أرضه، فهو له.
5/207 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾» [هود: 102] مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
يملي: يمهل ويُؤخر.
هداية الحديث:
1) علىٰ الظالم ألَّا يغتر بنفسه، ولا بإمهال الله له.
2) يستدرج الله الظالمين ليزدادوا إثماً، فيضاعف لهم العذاب.
6/208 ــ وعَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فادْعُهُمْ إِلَىٰ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَىٰ فُقَرائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
كرائم: نفائس.
هداية الحديث:
1) إن أول ما يُدعىٰ إليه الناس هو: شهادة أن لا إله إلا الله. فالتوحيد أول واجب علىٰ العبيد.
3) تحريم الظلم؛ فلا يجوز للساعي علىٰ الزكاة أن يأخذ أكثر من الواجب.
4) دعوة المظلوم مستجابة، مسلماً كان أو كافراً، لأن الله حرَّم الظلم بين العباد.
7/209 ــ وَعَنْ أَبِي حُمَيْد عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مِنَ الأَزْد يقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَىٰ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هذَا لَكُمْ، وَهذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ الْمِنْبرِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَىٰ الْعَمَلِ مِمَّا ولاَّنِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هذَا لَكُمْ، وَهذَا هَديَةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُ هَدِيَتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقاً؟ وَاللهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى، يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلا أَعْرِفَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّىٰ رؤيَ عُفْرَةُ إِبْطَيْهِ فَقالَ: «اللهم هَلْ بَلَّغْت» ثلاثاً. مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
رغاء: صوت الإبل.
خوار: صوت البقرة.
تَيْعَر: تصيح، واليعار هو صوت الشاة.
عفرة إبطيه: بياضهما الذي ليس بالناصع.
هداية الحديث:
1) هدايا العمال غلول ورشوة، ولا يحق للعامل أن يستغل منصبه لمنفعة خاصة.
2) ما من ظالم إلا ويأتي بما ظلم به يوم القيامة، فالظلم مرتع مبتغيه وخيم.
3) الأسلوب النبوي في النصيحة والتذكير هو التعميم لا التشهير؛ لأن هذا أبلغ في عموم الفائدة، وعدم افتضاح الناس.
8/210 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلله مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلمَتِهِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيَئَّاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ العبد أن يتحلل من ظلم أخيه، مهما كان الظلم يسيراً.
2) أمر الظلم خطير، وحقوق الناس لابد أن تُعطَىٰ لهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة.
فائدة:
قال بعض العلماء في مسألة الطعن في العرض: إن كان المظلوم لم يبلغه الطعن فلا حاجة أن يعلمه، لئلا يترتب علىٰ الإخبار مفسدة. ولكنْ يستغفرُ الطاعنُ له، ويدعو له، ويثني عليه بالخير في المجالس التي كان يسبه فيها، وبذلك يتحلل منه.
9/211 ــ وَعَنْ عَبْد الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاص رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَىٰ اللهُ عَنْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) المسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ فلا يسبُّهم، ولا يلعنهم، ولا يغتابهم، ولا يعتدي عليهم بالضرب أو الأذية أو ما أشبه ذلك.
2) الظلم يكون باللسان والجوارح، وصاحبه علىٰ خطر عظيم.
10/212 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ عَلَىٰ ثَقَل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هُوَ فِي النَّارِ»، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. رَوَاهُ البُخَارِي.
غريب الحديث:
ثقل: ما يثقل حمله من الأمتعة والعيال.
الغلول: الخيانة، وهو الأخذ من الغنائم قبل قسمتها.
هداية الحديث:
1) تحريم قليل الغلول وكثيره، وهو ما أخذ من الأموال بغير حق.
2) خيانة أموال المسلمين العامة من كبائر الذنوب، سواءٌ كانت قليلة أم كثيرة.
11/213 ــ وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الحَارِثِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَة، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّم، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَىٰ وَشَعْبَانَ، أيُّ شَهْرٍ هذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّىٰ ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «ألَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ بَلَد هذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّىٰ ظَنَنَّا أَنّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَليْسَ الْبَلْدَةَ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّىٰ ظَنَنَّا أَنهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَ أَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي بَلَدِكُمْ هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعمَالِكُمْ، أَلا فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُه أَنْ يَكُونَ أَوْعَىٰ لَه مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَه» ثُمَّ قَالَ: «أَلا هَلْ بَلَّغْت؟ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَال: «اللهم اشْهَدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
استدار: فسرت الاستدارة بقوله: «السنة اثنا عشر شهراً».
رجب مضر: أضيف إلىٰ قبيلة مضر؛ لأنها كانت أكثر القبائل محافظة علىٰ حرمته.
هداية الحديث:
1) تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمته من قتال بعضهم بعضاً.
2) إشهار المشهد العظيم يوم حجة الوداع، وفيه: الوصية بأداء الحقوق، والكف عن الظلم. والموفَّق من حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) دم المسلم وماله وعرضه حرام علىٰ أخيه المسلم ، وانتهاك هذا الحق من الظلم الكبير.
12/214 ــ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبةَ الْحَارِثِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: «وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
أراك: شجر معروف يستاك بأعواده.
هداية الحديث:
1) حرمة اغتصاب حقوق العباد، والحرص علىٰ أدائها لأهلها، ولو كانت شيئاً يسيراً.
2) حقوق العباد تمنع مغتصبها من دخول الجنة، حتىٰ تؤدىٰ إلىٰ أصحابها.
13/215 ــ وَعَنْ عَدِي بْنِ عُمَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: «من اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَىٰ عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطاً فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الأَنْصَارِ، كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قال: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأنَا أَقُولُه الآنَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَىٰ عَمَلٍ فَلْيَجِىءْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
مخيطاً: الإبرة الغليظة.
اقبل عني عملك: أَعْفِني من العمل الذي ولّيتني عمله.
هداية الحديث:
1) من أؤتمن علىٰ أموال المسلمين، فعليه أن يحافظ عليها، ويوصلها إلىٰ مستحقيها.
2) الحرص علىٰ البعد عن الإمارة والوظائف العامة، فإنها مظنة التقصير.
14/216 ــ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شَهِيدٌ، حَتَّىٰ مَرُّوا عَلَىٰ رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، فَقال النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم: «كَلَّا ، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا ــ أوْ عَبَاءَةٍ ــ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
غلّها: كتمها.
هداية الحديث:
1) لا يجوز إطلاق لفظ الشهيد علىٰ شخص معين؛ لأن الشهيد عند الله تعالىٰ هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يطلع علىٰ ما في القلوب إلا الله _عز وجل_.
2) القتل في سبيل الله لا يكفر حقوق العباد.
15/217 ــ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُم أنَّ الْجِهَادَ فِي سَبيلِ الله وَالإيمَانَ بِالله أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، تكفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ الله، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل الله، أَيكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، وَأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) الشهيد هو من مات في سبيل الله صابراً، مخلصاً، مقبلاً غير مدبر، فهذا يُرجىٰ له تكفير خطاياه إلا الدَّين.
2) الاهتمام بحقوق العباد وأدائها، فإنَّ منْعَها يحول بين العبد وتكفير خطاياه.
16/218 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالوا: الْمُفْلِسُ فِيْنَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاع، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هذَا، وَقَذَفَ هذَا، وَأَكَلَ مَالَ هذَا، وسَفَكَ دَمَ هذَا، وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَىٰ هذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
قذف: رماه بالزنىٰ وما يقدح في عرضه.
هداية الحديث:
1) التحذير من العدوان علىٰ الخَلْقِ وظلمهم، ووجوب أداء هذه الحقوق قبل الممات.
2) معاملة الله للخلق قائمة علىٰ العدل مع المسيء، والفضل مع المحسن.
3) الوعيد الشديد بذهاب الحسنات بظلم العباد. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ حفظ حسناته ليوم مَعاده.
17/219 ــ وَعَنْ أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ؟ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُم تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيه فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه. «أَلْحَنَ» أَيْ: أَعْلَمَ.
غريب الحديث:
ــ ألحَنَ: من اللَّحْن، وهو الميل عن جهة الاستقامة، وأراد في الحديث: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره.
هداية الحديث:
1) الوعيد الشديد لمن يأكل حقوق العباد ظلماً وعدواناً.
2) الرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا يعلم الغيب؛ فلا يجوز لنا أن ندعوه أو نرجوه لكشف الضر أو لجلب الخير. فهذا ينافي شهادة التوحيد؛ لأن الله _عز وجل_ هو المتفرد بعلم الغيب، فلا نسأل إلا الله، ولا نرجو جلب الخير ودفع الضر إلا من عنده سبحانه.
3) إن حكم الحاكم لا يبيح الحرام، ولا يحرم الحلال.
4) يجب علىٰ القاضي أو الحاكم ألا يحكم قبل سماع الخصمين علىٰ السواء.
18/220 ــ وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً». رَوَاهُ البُخَارِي.
هداية الحديث:
1) إصابة الدم الحرام من كبائر الذنوب.
2) الاعتداء علىٰ دماء المسلمين من أعظم الظلم، وهو مستوجب لفساد دين العبد.
19/221 ــ وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ عَامِرٍ الأنصَارِيَّةِ، وَهِيَ امْرأَةُ حَمْزةَ رضي الله عنهما، قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوّضُونَ فِي مَالِ الله بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاه البُخَاري.
غريب الحديث:
يتخوضون: يتصرفون تصرفاً سفيهاً غير مبني علىٰ أصول شرعية.
هداية الحديث:
1) تحريم التصرف في الأموال العامة بغير أصول شرعية؛ لأنه من الظلم.
2) التحذير من بذل المال في غير ما ينفع والتخوّض فيه، فهذا مما يوجب الوعيد يوم القيامة.
27ـ باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ} [الحج: 30] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [الحج: 32] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} [الحجر: 88] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ [المائدة: 32].
هداية الآيات:
1) وجوب تعظيم حرمات المسلمين، وتنزيلهم منازلهم.
2) المؤمن مأمور بالتواضع لإخوانه، وأن يكون هيِّناً ليِّناً بالقول والفعل.
3) إن انتهاك حرمة شخص من المسلمين هو انتهاك لحرمة جميع المسلمين.
1/222 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بعضُهُ بَعْضاً» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) وجوب التعاون بين المؤمنين علىٰ البر والتقوىٰ.
2) المؤمن في حاجة إخوانه؛ لأنه بهم يقوىٰ، فأهل الإيمان يكمل بعضهم بعضاً.
2/223 ــ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا، أَوْ أَسْوَاقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ، أَوْلِيَقْبِضْ عَلَىٰ نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ». مُتـَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
نبلٌ: السهام التي يُرمىٰ بها.
النصال: حديدة الرمح والسهم والسكين.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يتجنب كل شيء يسبب أذية للمسلمين، سواءٌ أكان أذىٰ معنوياً أم أذىً حسياً، كأن يطعن في أعراضهم، أو يغشهم في أموالهم.
2) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه الرفق والرحمة بعموم المؤمنين.
3/224 ــ وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إذَا اشْتكىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالسهَرِ وَالحُمّى». مُتَّفَق عَلَيْه.
غريب الحديث:
تداعى: بمعنىٰ استجاب وأقبل.
هداية الحديث:
1) الدعوة إلىٰ تعظيم حقوق المسلمين، والحضّ علىٰ تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضاً، ونشر المحبة والتراحم بينهم.
2) المجتمع الذي يسوده التآلف والتعاون مجتمع قوي متماسك.
3) الحث علىٰ اهتمام المسلم بأحوال المسلمين وتفقد أخبارهم.
4/225 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما، وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسِ، فَقَالَ الأقْرعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) إن استعمال الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم، من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
2) إن من أسباب رحمة الله _عز وجل_ لعباده رحمتُهم لأنفسهم.
3) حسنُ تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهِهِ أمّتَه.
5/226 ــ وَعَنْ عَائشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَدِم نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: أتقَبِّلُونَ صِبْيَانكُمْ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالُوا: لكنَّا وَاللهِ مَا نُقَبّلُ! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْ قُلُوبِكُمُ الرَّحْمَةَ؟». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
6/227 ــ وَعَنْ جَرِير بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الأحاديث:
1) تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورحمة بهم، هو من سُنَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) إذا جعل الله تعالىٰ في قلب الإنسان الرحمة، فهذا من أسباب رحمته تعالىٰ بالعبد.
7/228 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا صَلَّىٰ أَحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّىٰ أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَفِي رِوَايةٍ: «وَذا الْحَاجَةِ».
غريب الحديث:
السقيم: المريض.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإمام مراعاة حال إخوانه المصلين، وأن يصلِّي بهم صلاة أضعفهم.
2) التخفيف نوعان: تخفيف دائم: وهو ما وافق هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتخفيف طارئ: يكون أخف من الأول، وهو مادعت إليه الحاجة(كبكاء صبيّ وأمه تصلِّي).
تنبيـه:
التخفيف ما وافق سُنـَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وليس المراد ما وافق أهواء الناس، فقد وردت الأحاديث في صفة قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كقراءة سورتي السجدة والإنسان في يوم الجمعة، وأمره معاذاً رضي الله عنه بأن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلىٰ والغاشية. فليست العِبرة في التخفيف بقلة القراءة وسرعة الحركات، بل هو تخفيف موافق للسنة النبوية.
8/229 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَق عَلَيْه.
9/230 ــ وَعَنْهَا رضي الله عنها قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّي وَيَسْقِيني». متَّفَق عَلَيْه.
مَعْنَاهُ يَجْعَلُ فيَّ قُوَّةَ مَنْ أَكَل وَشَرِبَ.
غريب الحديث:
الوصال: أن يصل الصائم يومين فأكثر في الصيام من غير فطر.
هداية الأحاديث:
1) رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشفقته علىٰ أمته.
2) علىٰ العبد أن يترك بعض الأمورالمستحبة، من أجل تحقيق مصالح أعلىٰ له وللمسلمين.
3) علىٰ المسلم أن يكون همُّه وانشغاله بأحوال المسلمين، فيفعل ما يكون خيراً لهم، ويتجنب ما يكون شرّاً عليهم.
10/231 ــ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأَقُومُ إِلَىٰ الصَّلاَةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزَ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَىٰ أُمِّهِ». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
غريب الحديث:
أتجوَّز: أخفف.
هداية الحديث:
1) جواز حضور النساء المساجد ــ أحياناً ــ ليصلين مع الجماعة، وجواز شهود الصبيان الجماعة.
2) يجوز للمصلي أن يغيّر نيّته، من تطويل إلىٰ تقصير أو بالعكس.
11/232 ــ وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّىٰ صَلاَةَ الصُّبْح فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الله، فَلا يَطْلُبـَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
ذمة الله: حفظ الله تعالىٰ ورعايته.
هداية الحديث:
1) بيان أهمية صلاة الصبح، وفضيلة شهودها مع الجماعة.
2) إن الحفاظ علىٰ حدود الله وحرماته سبب في حفظ الله لعبده وعونه.
3) من تخلىٰ الله تعالىٰ عن حفظه، فهو في ضياع وهلكة.
12/233 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمهُ، وَلا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لا يُسلمه: لا يتركه إلىٰ عدوه أو مبغضه، ينال منه في حضرته أو غيبته، ثم لا ينصره.
فرّج: أزال.
هداية الحديث:
1) إن السعي لقضاء حاجة المسلمين، وتفريج همومهم، هو قربة إلىٰ الله، وسبب في قضاء حاجة العبد، وتفريج همّه وكشف غمّه.
2) يجب علىٰ المسلم أن يدافع عن أخيه في عرضه، وبدنه، وماله.
3) الجزاء من جنس العمل.
13 /234 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لا يَخُونُه، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُه وَدَمُهُ، التَّقْوَىٰ هاهُنَا، بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المسلمَ». رواه الترمذيُّ وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
لا يكذبه: يخبره بالكذب.
بحسب امرئ من الشر: كافيه من الشر.
هداية الحديث:
1) إن احتقار المسلمين أمارة علىٰ الكِبْر، والكِبْر شرٌّ كله.
2) حرمة دم المسلم وعرضه وماله، إلا أن يكون هناك سببٌ شرعيٌّ يبيح ذلك.
3) تقوىٰ الله تمنع من الظلم والكِبْر والبطر، وما وقعت المظالم بين العباد إلا يوم ضعفت التقوىٰ.
تنبيه:
بعض الناس يغلط في فهم هذا الحديث؛ فإذا أمرته بالمعروف أو نهيته عن منكر قال: التقوىٰ ههنا، أو بعبارة عامِيّة (الضرب علىٰ النيّة)، والصحيح في معناه: أن القلب هو أساس التقوى، وإذا اتقىٰ القلب اتقت الجوارح، وإذا انغمس القلب في معصية الله تبعته الجوارح، فلابد أن يظهر أثر عمل القلب علىٰ الجوارح.
14/235 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَيْعِ بَعْض، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخو الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُه وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ. التَّقْوَىٰ هاهنَا ــ وَيُشِيرُ إلَىٰ صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ــ بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه». رواه مسلِم.
«النَّجَش»: أَنْ يَزِيدَ فِي ثَمن سِلْعَةٍ يُنَادىٰ عَلَيْهَا فِي السُّوقِ وَنَحْوِه، وَلا رَغْبَةَ لَه فِي شِرَائِهَا، بَلْ يقْصِد أَنْ يَغُرَّ غَيْرَهُ، وَهذَا حَرَامٌ. «وَالتَّدَابُرُ»: أَنْ يُعْرِضَ عَن الإنْسَانِ وَيَفجُرَهُ وَيَجْعَلَهُ كَالشَّيْءِ الَذِي وَرَاءَ الظهرِ وَالدُّبُرِ.
هداية الحديث:
1) تحريم بيع النجش؛ لأنه يقوم علىٰ الغش والخداع والضرر.
2) تحريم الهجر بين المسلمين لأجل حظ الدنيا فهو يؤدي إلىٰ التدابر والتقاطع.
3) أكرم الخلق عند الله أهل التقوى.
4) حرمة إيصال الأذىٰ إلىٰ المسلم بأيِّ وجه من الوجوه من قول أو فعل.
فائدة:
إن الحسد من أعظم الأدواء والآفات، وهو يثمر لصاحبه خمسة أشياء مذمومة:
1 ــ إفساد الطاعة لأن الحاسد يأتي يوم القيامة وهو مفلس، قد أوقد ناراً في قلبه وجعل حطبها صالحَ عمله.
2 ــ فعل المعاصي والشرور، لأن الحاسد له ثلاث علامات: يتملّق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة.
3 ــ التعب والهم من غير فائدة.
4 ــ عمىٰ القلب وسوء النية.
5 ــ الحرمان والخذلان لأن الحاسد لا يكاد يصيب مراده من زوال نعم الله عن المؤمنين.
وأما المحسود فإنه لا ضرر عليه في أمر دينه ودنياه.
15/236 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) من علامات صحة الإيمان أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه من الخير.
2) الإيمان الصحيح له أثر علىٰ عامة المؤمنين، وبحسب صدق الإيمان تظهر آثار المحبة.
16/237ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسول الله أنْصُرُهُ إذَا كَانَ مَظْلُوماً، أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ ــ أوْ تَمْنَعُهُ ــ مِنَ الظُّلْمِ فَإنَّ ذلِكَ نَصْرُهُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) وجوب نصرة المظلوم والظالم، علىٰ هذا الوجه الذي ذكره النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) القيام بحق الأخوة الإيمانية من لوازم الإيمان.
3) المجتمع المسلم هو الذي تظهر فيه معاني التناصر علىٰ البر والتقوى.
17/238 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتّبَاعُ الْجَنَائِزِ ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلمٍ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ ستٌّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيْهِ، وَإذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانصَحْ لَهُ، وَإذَا عَطَس، فَحَمِدَ الله، فَشَمِّتْهُ، وَإذَا مَرِضَ فَعُدهُ، وَإذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ».
غريب الحديث:
تشميت العاطس: الدعاء له بالرحمة؛ بأن نقول له: «يرحمك الله».
هداية الحديث:
1) من حقوق المسلم علىٰ أخيه: السلام ابتداءً وردّاً.
2) عيادة المريض من حق المسلم علىٰ المسلمين.
3) أداء حقوق المسلمين بعضهم لبعض يُورث المودة والألفة، ويُزيل ما في القلوب من الضغائن والأحقاد.
فائـدة:
إذا كان في حضور الدعوة منكر، فهل يجب علىٰ المدعو أن يحضر؟ الجواب: إن كان الإنسان قادراً علىٰ التغيير، وجبت عليه الإجابة من وجهين، الوجه الأول: إزالة المنكر، والثاني: إجابة دعوة أخيه.
وأمّا إذا كان المنكر لا يمكن تغييره، أو تخفيفه فإنه لا يجوز أن يجيب الدعوة.
18/239 ــ وعن أبي عُمَارَةَ الْبَرَاءِ بن عازبٍ رضي الله عنهما قال: أَمَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتّباعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْمُقسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمٍ أَوْ تَخَّتمٍ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ. متفق عليه.
وفي روايةٍ: وَإنشَادِ الضَّالَةِ فِي السَّبْعِ الأُوَل.
«المَياثِرِ» بيَاءٍ مُثَنَّاةٍ قَبْلَ الأَلِفِ، وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ بَعْدَهَا، وَهِيَ جَمْعُ مِيْثَرَةٍ، وَهِيَ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ حَرِيرٍ وَيُحْشَىٰ قُطْناً أَوْ غَيْرَهُ، وَيُجْعَلُ فِي السرْجِ وَكُورِ الْبَعِيرِ يَجْلِسُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ. «الْقَسِّيُّ» بفتحِ القاف وكسرِ السينِ المهملة المشدّدَةِ: وَهِيَ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ وَكَتَّان مُخْتَلِطَيْنِ. «وَإنْشَادُ الضَّالَّة»: تَعْرِيفُهَا.
غريب الحديث:
إبرار المقسم: تمكينه وإعانته علىٰ فعل ما حلف، ليصير بارّاً بهذا اليمين.
إفشاء السلام: نشره بين المسلمين، وبذله لمن تعرف ولمن لا تعرف.
الإستبرق والديباج: أنواع من الثياب الفاخرة.
هداية الحديث:
1) الشريعة تأمر بالمصالح، وتنهىٰ عن المفاسد؛ فما أمر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فكلُّه خير، وما نهىٰ عنه فكلُّه شرّ.
2) وجوب نصرة المظلوم علىٰ القادر؛ بردّ حقه إليه وزجر ظالمه عنه.
3) تحريم استعمال آنية الذهب والفضة.
4) تحريم الحرير والتختُّم بالذهب علىٰ الرجال.
5) إن النهي عن إنشاد الضالة مخصوص في المساجد دون غيرها.
28 ـ باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: 19].
فائـدة:
العورة نوعان: عورة حسيّة، وعورة معنوية.
ــ فالعورة الحسيّة: هي ما يحرم النظر إليه كالقُبل والدُّبر، وما أشبه ذلك.
ــ والعورة المعنوية: وهي العيب والسوء الخُلُقي أو العملي.
فالمطلوب من العبد؛ ستر عورات المسلمين عموماً.
وأما (محبة انتشار الفاحشة في الذين آمنوا) فتشمل:
ــ محبة انتشار الفاحشة في المجتمع المسلم.
ــ ومحبة أن تنتشر في شخص معيّن.
1/240 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً فِي الدُّنْيَا إلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الجزاء من جنس العمل؛ فمن ستر مسلماً جازاه الله تعالىٰ بالستر يوم القيامة.
2) الستر يتبع المصالح؛ فإن كانت المصلحة في الستر سترنا، أو كانت في الكشف كشفنا.
فائـدة:
الستر نوعان:
النوع الأول: ستر محمود؛ ويكون في حق الإنسان المستقيم، فهذا يجب أن يُستر عليه ويُنصح له.
والنوع الثاني: ستر شخص مستهتر في الحرمات معتد علىٰ عباد الله؛ فهذا لا يستر، بل يُكشف ويُفضح.
2/241ــ وعنه قال: سمعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ أمَّتِي معَافَىٰ إلَّا المُجَاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُل بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سَتْرَ الله عنه». متفق عليه.
غريب الحديث:
المجاهرين: المجاهرون؛ هم الذين يُظهرون دوماً معصية الله _عز وجل_ علانية.
هداية الحديث:
1) النفس أمانة عندك؛ يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، ولا تعرضها لسخط الله تعالىٰ.
2) يدخل في المجاهرة كلُّ مَنْ سنَّ سنة سيئة.
3/242ــ وعنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذَا زَنَتِ الأمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ » متفق عليه. «التَّثْرِيبُ»: التوْبِيخُ.
غريب الحديث:
الأمة: هي المملوكة التي تباع وتشترى.
هداية الحديث:
1) بيان حد المملوكة وأنها علىٰ النصف من حد الحرة.
2) النهي عن تعنيف المملوكة الزانية؛ لئلا تستهين بالمعصية لكثرة اللوم.
3) إرشاد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلىٰ الطريق الصحيح في العقاب علىٰ الذنب، وهذا فيه بيان سبق الهدي النبوي للطرق التربوية الحديثة؛ من ذم التعنيف وكثرة اللوم.
4/243 ــ وعنه قَال: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْراً، قال: «اضْرِبُوهُ»، قال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ، قال: «لا تَقُولُوا هكَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْه الشَّيْطَانَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
الخزي: العار والذل، فقوله: أخزاك الله بمعنىٰ: أذلّك الله.
هداية الحديث:
1) العبد إذا فعل ذنباً وعُوقب عليه في الدنيا فهو كفارته، فالواجب ألاّ ندعوَ عليه بالخزي والعار، بل نسأل الله له الهداية والمغفرة.
2) علىٰ العبد ألا يكون عوناً للشيطان علىٰ أخيه المسلم.
29 ـ باب قضاء حوائج المسلمين
قال الله تعالىٰ: {وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الحج: 77].
هداية الآيات:
1) إن قضاء حوائج المسلمين من الخير المأمور به.
2) فعل الخير من أعظم أسباب الفلاح.
1/244ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم لا يَظْلمه وَلا يُسْلِمُهُ. مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَترَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ». متفق عليه.
2/245 ــ وعن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَىٰ مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إلَىٰ الجَنَّةِ. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله تَعَالَى؛ يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرعْ بِه نَسَبُهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لا يُسْلِمُه: لا يوصله إلىٰ أعدائه.
كربة: هي الشدّة العظيمة.
هداية الأحاديث:
1) الحثّ علىٰ تفريج كربات المسلمين وقضاء حوائجهم، فمن فعل ذلك أثابه الله بمثل ذلك في الدنيا و يوم القيامة.
2) حضّ أهل الإيمان علىٰ التعاون فيما بينهم ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾.
3) المؤمنون يكّمل بعضهم بعضاً في قضاء حوائجهم.
30 ـ باب الشفاعة
قال الله تعالىٰ: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ﴾ [النساء: 85].
1/246ــ وعن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَىٰ جُلَسَائِهِ، فقال: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللهُ عَلَىٰ لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحبَّ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: «مَا شَاءَ».
2/247 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَزَوْجهَا قال: قال لَهَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ رَاجَعْتِهِ ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله تَأْمُرُني ؟ قال: «إنَّمَا أَشْفَعُ»، قَالَتْ: لا حَاجَةَ لي فِيهِ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
الشفاعة: هي التوسط للغير، لجلب منفعة، أو دفع مضرة، والمراد بالشفاعة في كلام المؤلف: الشفاعة في الدنيا.
هداية الأحاديث:
1) الشفاعة في المحرَّم تعاون علىٰ الإثم والعدوان، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ علىٰ الآخرين.
2) الشفاعة في أمر غير محرم من الإحسان إلىٰ الغير، وفيها أجر للشافع.
3) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانظر إلىٰ بريرة لمّا قال لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لو راجعته»؟ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان يأمرها، فسمعاً وطاعةً. وهذا هو شأن المؤمن؛ المسارعة إلىٰ فعل أمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
31 ـ باب الإصلاح بين الناس
قال الله تعالىٰ: ﴿لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ﴾ [النساء: 114]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ﴾ [النساء: 128]، وقال تعالىٰ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ} [الأنفال: 1] ، وقال تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ} [الحجرات:10].
فائدة:
النجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه.
المعروف: كل ما أمر به الشرع ورغّب فيه، وعُرفَ حسنه شرعاً و عقلاً وعرفاً.
هداية الآيات:
1) الخير حاصل لمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
2) علىٰ الساعي في الصلح أو الصدقة أو المعروف أن يبتغي بذلك ثواب الله تعالىٰ، لا رياءً ولا سمعة؛ حتىٰ يعظم أجره.
3) وصية الرحمن لأهل الإيمان في الإصلاح فيما بينهم.
1/248 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ سُلامَىٰ مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ. وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيَها إلَىٰ الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه.
ومعنىٰ «تَعْدِلُ بَيْنَهُمَا»: تُصْلحُ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ.
غريب الحديث:
السلامىٰ: هي العظام والمفاصل.
الصدقة: كل ما يقرّب إلىٰ الله فهو صدقة بالمعنىٰ العام.
الكلمة الطيبة: إما طيبة بذاتها، أو طيبة بغايتها؛ أمّا الطيبة بذاتها: فنحوالذِّكر، وأفضل الذكر قراءة القرآن. وأما الطيبة في غايتها: فهي الكلمة المباحة؛ كالتحدث مع الناس، إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم.
هداية الحديث:
1) الصدقة لا تختصّ بالمال؛ لأن كل ما يقرّب إلىٰ الله تعالىٰ يدلّ علىٰ صدق صاحبه في طلب رضوان الله _عز وجل_.
2) كل ما وافق الشرع فهو عدل، وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور، فالصلح بين الناس من العدل المأمور به.
3) لا بدَّ عند الصلح من المسامحة لا المشاحّة؛ فعلىٰ المُصْلح أن يبتعد في الصلح عن أهواء النفوس وأمراض القلوب.
2/249ــ وعن أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ عُقْبةَ بن أَبي مُعَيطٍ رضي الله عنها قالت: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَذِي يُصْلحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً». متفقٌ عليه.
وفي رواية مسلمٍ زيادة، قالت: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِما يَقُولُهُ النَّاسُ إلَّا في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، وَحَدِيثَ المَرأَةِ زَوْجَهَا.
غريب الحديث:
يَـنْمِي: يبلّغ خبراً وينقله.
هداية الحديث:
1) لا حرج علىٰ المصلح بين المسلمين أن يكذب إذا دعت الحاجة لذلك، ليزيل الشقاق ويوصل الأرحام، ويرد المظالم.
2) إن الكذب في الحرب جائز، لترخيص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، رفقاً بالمسلمين لحاجتهم إليه، ولإيقاع النكاية في الكفار وإغاظتهم.
3) الكذب في حديث الرجل زوجته، وحديث المرأة زوجها، جائز، إذا كان بقصد الإصلاح، ولا يكون فيه إفساد للغير أو غيبة ونميمة.
فائدة:
علىٰ المصلح ألا يتوسع في الكذب المأذون به عند الإصلاح، لئلا يجره التوسع إلىٰ ما لا يجوز من الكذب. فالرخصة لا تتعدىٰ مواضعها.
3/250ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا، وإذا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَىٰ الله لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ»، فقال: أَنَا يَا رسولَ الله، فَلَهُ أَيُّ ذلِكَ أَحَبَّ. متفقٌ عليه.
معنىٰ «يَسْتَوْضِعُهُ»: يَسْأَلُهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ دَيْنِهِ. «وَيَسْتَرْفِقُهُ»: يَسْأَلهُ الرِّفْقَ. «وَالْمُتَأَلِّي»: الحَالِفُ.
4/251 ــ وعن أبي العباس سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَلَغَهُ أنَّ بَني عَمْرِو بن عَوْف كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصْلحُ بَيْنَهُمْ في أناسٍ مَعَه، فَحُبِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إلَىٰ أبِي بكْرٍ رضي الله عنهما، فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ حُبِسَ، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قال: نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، وَتَقَدَّمَ أبُو بَكْرٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْشِي في الصُّفُوفِ حَتَّىٰ قَامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أبُو بكْرٍ رضي الله عنه لا يَلْتَفِتُ في صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَإذَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَشَارَ إلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَدَهُ فَحَمِدَ اللهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَىٰ وَرَاءَهُ حَتَّىٰ قَامَ في الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَصَلَّىٰ للنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَىٰ النَّاسِ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاةِ أَخَذْتُمْ في التَّصْفِيقِ؟! إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ الله، إلَّا الْتَفَتَ. يَا أبَا بَكْر: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاس حِينَ أَشَرْتُ إلَيْكَ ؟» فقال أبُو بكْرٍ: مَا كَان يَنْبَغِي لابْنِ أبي قُحافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بَينَ يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفقٌ عليه.
معنىٰ «حُبِسَ»: أَمْسَكُوهُ لِيُضِيفُوه.
هداية الأحاديث:
1) لا حرج علىٰ الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين، إذا لم يكن ذلك سرّاً بينهما.
2) مسارعة الصحابة رضي الله عنهم إلىٰ العودة إلىٰ ما يحبه الله ويرضاه، وترك التمادي في المنكر.
3) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الإصلاح بين المتنازعين، والحثّ علىٰ الصلح بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام.
4) توثيق الصلة بين الناس وعلماء الأمة، من خلال سعي أهل العلم لحل خصومات الناس، فهذا إمام العلماء رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعىٰ للصلح بين بني عمرو بن عوف!
5) الحث والترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب فسادها، لأن الإصلاح رحمة وعصمة ومنجاة. وفساد ذات البين هو حالقة الدِّين.
32 ــ باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين
قال الله تعالىٰ: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ} [الكهف: 28].
هداية الآية:
1) تسليةُ الضعيف في بدنه، أو عقله، أو ماله، أو غير ذلك مما يعدّه الناس ضعفاً؛ أن يكون قوياً بما عند الله _عز وجل_ من الأجر والثواب.
2) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ضَعَفَةِ المسلمين وفقرائهم؛ فهو معهم يجالسهم، ويقضي حوائجهم.
1/252 ــ عن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رضي الله عنه قال: سمعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيف مُتـَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىٰ الله لأبَرَّهُ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتكْبِرٍ». متفق عليه.
«الْعُتُلُّ» الْغَلِيظُ الجَافِي. «وَالجَوَّاظُ» بفتح الجيم وتشدِيدِ الواوِ وبِالظاءِ المعجمة: وَهُوَ الجَمُوعُ المَنُوعُ، وَقيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ في مِشْيَتِهِ، وَقيلَ: الْقَصِيرُ الْبَطِينُ.
غريب الحديث:
متضَعَّف: بفتح العين المشددة، أي: يستضعفه الناس ويحتقرونه ويفتخرون عليه.
لأبرّه: أي لو حلف طمعاً في كرم الله لحصل له ما أقسم عليه.
المستكبر: هو الذي جمع بين وصفَيْن ذميمين: غمط الناس: يعني احتقارهم، وبطر الحق: يعني ردّه.
هداية الحديث:
1) من علامات أهل الجنة والدار الآخرة أنهم لا يهتمون بما يفوتهم من حظ الدنيا، إن جاءهم نصيب الدنيا قبلوه، وإن فاتهم شيء تركوه.
2) من علامات أهل النار الاستكبار والتفاخر. فليحذر العبد أوصافَ المعذَّبين.
3) إنّ مِن عباد الله مَن لو أقسم علىٰ الله لأبره ثقةً ورجاءً لما عند الله _عز وجل_.
2/253 ــ وعن أبي العباس سهلِ بنِ سعدٍ الساعدِيِّ رضي الله عنه قال: مَرَّ رجُلٌ علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ في هذَا؟» فقال: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هذَا وَاللهِ حَريٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنكَحَ، وَإنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. فَسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا رَأْيُكَ في هذَا؟» فقال: يا رسولَ الله، هذا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هذَا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلِ هذَا». متفقٌ عليه.
قوله: «حَرِيٌّ » هو بفتحِ الحاءِ وكسر الراءِ وتشديد الياءِ: أيْ حَقِيقٌ. وقوله: «شَفَعَ» بفتح الفاءِ.
غريب الحديث:
يُنكح: يُزَوَّج.
هداية الحديث:
1) الرجل قد تكون له المنزلة العالية في الدنيا، ولكنه ليس له قدر عند الله تعالىٰ.
2) العبرة بحقائق الأعمال وبما في القلوب من الإيمان، وليس بصور الأجسام.
3/254ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «احْتَجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فِيَّ الجَبَّارُونَ وَالمُتكَبِّرُونَ، وَقَالَتِ الجنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَىٰ اللهُ بَيْنَهُمَا: إنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي، أُعَذِّب بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
احتجت الجنة والنار: تخاصمت الجنة والنار.
إنك الجنة رحمتي: يعني أنها الدار المخلوقة التي نشأت من رحمة الله، وأما رحمة الله تعالىٰ التي هي صفة من صفاته فليست مخلوقة.
هداية الحديث:
1) وجوب الإيمان بهذه الأمور الغيبية، وإن استبعدتها العقول، فإن المؤمن يسلّم لأمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
2) فضل الله سبحانه وتعالىٰ ورحمته أوسع من غضبه، فالله _عز وجل_ أوجب علىٰ نفسه أن يملأ الجنة والنار، لكن رحمته سبقت غضبه.
3) الفقراء والضعفاء هم أهل الجنة؛ لأنهم في الغالب هم الذين ينقادون للحق، والجبارون أهل النار؛ مُستكبرون عن الحق لا ينقادون له.
4/255 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ السَّمِينُ الْعَظِيمُ يَومَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ». متفق عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إثبات الوزن يوم القيامة، وهو وزن عدل ليس فيه ظلم.
2) التحذير من كون الإنسان لا يهتم إلا بتنعيم جسده، والواجب علىٰ العبد أن يهتم بتنعيم قلبه بالعلم والإيمان، وإذا نُعّم القلب نُعّم البدن.
تنبيه:
سببُ إدراج الحديث في باب (فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين) لأنَّ الغالب في السمنة أَنْ تأتي من البطنة، أي كثرة الأكل، وكثرة الأكل تدل أحياناً علىٰ كثرة المال والغنى، وحال البطر والأشر، وكفر النعمة، ونسيان ضعفة المسلمين.
فائـدة:
ما الذي يُوزَن في الميزان؟
ظاهر الحديث أن الذي يُوزَن هو (الإنسان)، وأنه يخف ويثقل بحسب أعماله، وقال بعض العلماء: بل الذي يُوزَن (صحائف الأعمال)، لحديث البطاقة: «فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فتُوضَع البطاقة في كفة»، وقال آخرون: بل الذي يُوزَن (العمل)، لقول الله تعالىٰ: {وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} الآية. وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كلمتان ثقيلتان في الميزان»، فجعل الوزن للعمل، ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ فيمكن أن يُوزَن الجميع، أي يُوزَن العمّال، وتُوزَن الصحائف، والأعمال. والله أعلم.
5/256 ــ وعنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَابّاً، فَفَقَدَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فقالوا: مَاتَ. قال: «أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُوني». فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَو أمْرَهُ، فقال: «دُلُّوني عَلَىٰ قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ فَصلَّىٰ عَلَيْهَا، ثُمَّ قال: «إنَّ هذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَىٰ أهْلِهَا، وَإنَّ اللهَ تعالىٰ يُنـَوِّرُهَا لهُمْ بصَلاتِي عَلَيْهِمْ». متفقٌ عليه.
قوله: «تَقُمُّ» هو بفتحِ التَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ: أَيْ تكْنُسُ. «وَالْقُمَامَةُ»: الْكُنَاسَةُ. «وآذَنْتُموني» بِمَد الهَمْزَةِ: أَيْ: أَعْلَمْتُمُونِي.
هداية الحديث:
1) تعظيم قدر المؤمنين بحسب أعمالهم؛ فكل من يعمل خيراً فهو علىٰ خير.
2) استحباب تنظيف المساجد وإزالة القمامة عنها، دون زخرفتها وتنقيشها، بما يشوّش المصلين ويشغلهم.
3) بيان أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ولهذا قال: «دُلُّوني علىٰ قبرها». فإذا كان لا يعلم الشيء المحسوس القريب منه، فالغائب من باب أولى!.
4) حُسن رعاية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فكان يتفقدهم ويسأل عنهم.
6/257 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بالأبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىٰ الله لأبَرّه». رواه مسلم.
7/258ــ وعن أسَامَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «قُمْتُ عَلَىٰ بَابِ الْجَنَّةِ، فَإذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إلَىٰ النَّارِ. وَقُمْتُ عَلَىٰ بَابِ النَّارِ فَإذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ». متفق عليه.
«وَالجَدُّ» بفتحِ الجيم: الحَظُّ وَالْغِنى. وقوله: «مَحْبُوسُونَ» أَيْ: لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بَعْدُ فِي دُخُول الجَنَّةِ.
غريب الحديث:
أشعث: يعني منفوش الشعر، ليس عنده ما يحسن به شعره.
أغبر: يعني متغير اللون، وذلك لشدة فقره.
هداية الأحاديث:
1) تقوىٰ الله هي الميزان؛ فمن كان لله أتقىٰ فهو عنده أكرم.
2) عامة أهل النار من النساء؛ لأنهن أصحاب فتنة، إلا من عصمها الله تعالىٰ بالتقوى.
3) علىٰ العبد أن يحترز من فتنة الغنى، فإن الغنىٰ قد يُطغي، وقد يؤدي بصاحبه إلىٰ الهلاك والفساد. فالصبر مطلوب من العبد عند الفقر وعند الغنى.
8/259ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَمْ يَتكَلَّمْ في المَهْدِ إلَّا ثَلاثَةٌ: عِيسىٰ ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِداً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَان فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: يَا رَبِّ أُمَّي وَصَلاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَىٰ صَلاتِهِ فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَىٰ صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ، وَهُوَ يُصلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي! فأَقْبَلَ عَلَىٰ صَلاتِهِ، فَقَالَت: اللَّهم لا تُمِتْهُ حَتَّىٰ يَنْظُرَ إلَىٰ وُجُوهِ المُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إسْرَائِيلِ جُرِيجاً وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِياً كَانَ يَأْوي إلَىٰ صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فقال: مَا شَأنُكُمْ ؟ قالوا: زَنَيْتَ بِهذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنكَ، قال: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فقال: دَعُوني حَتَّىٰ أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَىٰ الصَّبيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقالَ: يَا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قال: فُلانٌ الرَّاعِي، فَأَقْبَلُوا عَلَىٰ جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ، قال: لا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَما صَبِيّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُل رَاكِبٌ عَلَىٰ دابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فقالت أُمُّهُ: اللَّهم اجْعَلِ ابْنِي مثْلَ هذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إلَيْهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ، فقال: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَل عَلَىٰ ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ» ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَحكِي ارْتِضَاعَهُ بِأُصْبُعِه السَّبَّابَةِ في فِيهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قال: «وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِي تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فقالت أُمُّهُ: اللَّهم لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إلَيْهَا، فقال: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَالِكَ تَرَاجَعَا الحديثَ، فقالت: مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَة،ِ فَقُلْتُ: اللَّهم اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهم لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا؟! قالَ: إنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً، فَقُلْتُ: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإنَّ هذِهِ يَقُولُونَ لها: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا». متفقٌ عليه.
«وَالمومِسَاتُ» بضمِّ الميمِ الأُولَى، وإسكانِ الواوِ وكسرِ الميم الثانيةِ وبالسين المهملَة، وَهُنَّ الزَّوَانِي، وَالمُومِسَةُ: الزَّانِيَةُ. وقوله: «دَابَّةٌ فَارِهَةٌ» بِالْفَاءِ: أيْ حَاذِقَةٌ نَفِيسَةٌ. «وَالشَّارَةُ» بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ وَتَخْفيفِ الرَّاءِ: وَهِيَ الجَمَالُ الظَّاهِرُ في الهَيْئَةِ وَالمَلْبَسِ. وَمَعْنَىٰ «تَرَاجَعَا الحديث» أيْ: حَدَّثَتِ الصَّبِيَّ وَحَدَّثَهَا، والله أعلم.
غريب الحديث:
الصومعة: البناء المرتفع المحدد أعلاه، وهو مكان تعبد للرهبان.
بغي: زانية تتعاطىٰ الزنىٰ.
هداية الحديث:
1) صبر هذا العابد ـ جريج ـ حين لم ينتقم لنفسه، بل رضي بالقناعة، وأن يكون مع الضعفاء والفقراء.
2) العبد إذا تعرّف علىٰ الله تعالىٰ في الرّخاء عرفه في الشدة، فالصادق في إيمانه لا تضرّه الفتن، ومن رحمة الله أن يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك تهذيباً وزيادة لهم في الثواب.
3) حرص العبد أن يكون مع عامة الناس دون المتكبرين الجبارين.
4) الترغيب في إيثار إجابة الأم علىٰ صلاة التطوع.
5) من فقه العبد أن يفزع إلىٰ الصلاة عند زول الشدائد.
33 ــ باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم
قال الله تعالىٰ: {وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} [الحجر: 88] ، وقال تعالىٰ: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ} [الكهف: 28] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} [الضحى: 9 ـ 10] ، وقال تعالىٰ: {أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ} [الماعون: 1ــ3 ].
هداية الآيات:
1) الحضّ علىٰ الإحسان إلىٰ المنكسرة قلوبهم، ومن فقدوا المعيل، كالأيتام والأرامل وغيرهم.
2) إن العناية بالفقراء بمواساتهم، وإطعامهم، وقضاء حوائجهم، هي من خصال أهل الإيمان.
3) الحثّ علىٰ الصبر مع ضعفة المسلمين، وخفض الجناح لهم والتواضع معهم.
1/260ــ وعن سعد بن أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ نَفَرٍ، فقال المُشْركُونَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: اطْرُدْ هؤُلاء لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، وَكنْتُ أنا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نَفْسِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأَنْزَلَ الله تعالىٰ: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ﴾ [الأنعام: 52] رواه مسلم.
غريب الحديث:
لا يجترئون علينا: أي: لئلا يحصل منهم الجرأة علينا.
فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي من طرد أولئك عنه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يكون جلساؤه من أهل الخير والرغبة في الطاعة، وألَّا يجلس مع الأكابر والأشراف الذين وصْفُهم التكبر والتعالي.
2) الإخلاص لوجه الله تعالىٰ هو الميزان الذي يُقبَل به عمل العبد، أو يُرَدّ؛ فالله تعالىٰ ينظر إلىٰ إخلاص العبد وعمله، لا إلىٰ صورته وشكله.
2/261 ــ وعن أبي هُبـَيْرَةَ عَائِذِ بن عَمْرٍو الـمُزَنيّ، وَهُوَ مِنْ أهلِ بَيعَةِ الرِّضْوَانِ، رضي الله عنه، أَنَّ أبا سُفْيَانَ أَتَىٰ عَلَىٰ سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلالٍ في نَفَرٍ، فقالوا: مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ الله مِنْ عَدُوِّ الله مَأْخَذَهَا، فقال أبُو بكْرٍ رضي الله عنه : أَتَقُولُونَ هذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ ؟ فَأَتَىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخبَرَهُ، فقال: «يَا أبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْت أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضبْتَ رَبَّكَ»، فَأَتَاهُمْ فقال: يَا إخْوَتَاهُ، أغْضَبْتكُمْ ؟ قالوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخيَّ. رواه مسلم.
قولُهُ «مَأْخَذَهَا» أَيْ: لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا مِنْهُ. وقولُهُ: «يَا أُخيَّ» رُوِي بفتحِ الهمزةِ وكسر الخاءِ وتخفيفِ الياءِ، ورُوِي بضم الهمزة وفتحِ الخاء وتشديد الياءِ.
هداية الحديث:
1) لا يجوز للعبد أن يترفع علىٰ الفقراء والمساكين، ومن ليس لهم قيمة معتبرة في عرف الناس؛ لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله تعالىٰ.
2) إظهار ورع أبي بكر رضي الله عنه، وحرصه علىٰ إبراء ذمته. فالواجب علىٰ العبد إذا اعتدىٰ علىٰ أحد بقول أو فعل أو غير ذلك أن يستحله في الدنيا، قبل أن يُقتص منه في الآخرة.
فائدة:
مناسبة الحديث في هذا الباب، أن سلمان وصهيباً وبلالاً ــ رضي الله عنهم ــ كلهم من الموالي، فيجب الرفق بهم، والإحسان إليهم، ولذلك دافع عنهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم».
3/262 ــ وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا وَكَافلُ الْيَتِيمِ في الجَنَّةِ هكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبـَابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا، رواه البخاري.
وَ«كَافِلُ اليَتِيم»: الْقَائِمُ بِأُمُورِهِ.
4/263 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ». وَأشَارَ الرَّاوي وَهُوَ مَالِكُ بْن أنَسٍ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رواه مسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «الْيَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ» مَعْنَاهُ: قَرِيبُهُ، أَوْ الأَجْنَبيُّ مِنْهُ، فَالْقَرِيبُ مِثْلُ أَنْ تكْفُلَهُ أُمُّهُ أَوْ جَدُّهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرابَتِهِ، والله أعْلَمُ.
غريب الحديث:
السبابة: الأصبع التي بين الوسطىٰ والإبهام، وتُسمىٰ السبابة؛ لأن الإنسان يشير بها عند السبّ، وتُسمىٰ السبّاحة؛ لأن الإنسان يشير بها أيضاً عند التسبيح.
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ كفالة اليتيم، وكفالته تكون بالقيام بما يصلحه في دينه ودنياه.
2) بيان ثواب من قام بشؤون اليتيم وإصلاحه، فهو رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وكفىٰ بهذا رتبة عَلِيَّة.
3) علىٰ المسكين أن يصبر وينتظر الفرج من الله، وألاّ يتكفف الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وُكِل إليهم، وإذا وُكلت إلىٰ الخلق وُكلتَ إلىٰ ضياع.
5/264 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّه التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ». متفق عليه.
وفي رواية في (الصحيحين): «لَيْسَ المِسْكينُ الَّذي يطوفُ عَلَىٰ النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَان، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرتَانِ، وَلكِنَّ المِسْكِينَ الَّذي لا يَجِدُ غنىٰ يُغْنِيه، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ».
غريب الحديث:
يتعفف: يترك سؤال الناس مع فقره.
لا يفطن به: لا ينتبه له.
هداية الحديث:
1) بيان صفة المسكين المحتاج حقيقة، وهو من ينتظر فرج الله تعالىٰ دون مسألة.
2) الواجب علىٰ العبد الفقير الصبر حتىٰ يأتي رزق الله تعالىٰ؛ لأن العبد إذا علّق رجاءه بالخالق كفاه الله حاجته، وإذا علّق رجاءه بالمخلوقين لم يزدد إلا فقراً وحاجة.
6/265 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَىٰ الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالمُجَاهِدِ في سَبيلِ الله» وَأَحْسَبُهُ قال: «وَكَالْقَائِمِ الَّذي لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذي لا يُفْطِرُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لا يفتر: لا يدع القيام.
هداية الحديث:
1) أجر القيام علىٰ المنقطعين والمحتاجين يعادل أجر العبادات العظيمة في الإسلام، كالجهاد في سبيل الله.
2) حثّ أهل الإيمان علىٰ التعاون فيما بينهم، فالأغنياء والفقراء يكمّل بعضهم بعضاً.
7/266 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَليمَة؛ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَىٰ إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَىٰ اللهَ وَرَسُولَهُ». رواه مسلم.
وفي رواية في (الصحيحين) عن أبي هريرةَ من قوله: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَىٰ إلَيْهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ».
غريب الحديث:
الوليمة: المراد بها طعام العرس.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ دعوة الفقراء والمساكين إلىٰ الوليمة، فهم أولىٰ بها من أهل الغنىٰ والمال.
2) إجابة دعوة الوليمة واجبة؛ لأن المعصية لا تكون إلا بترك ما هو واجب، وذلك من قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصىٰ الله ورسوله».
فائـدة:
دعوة الوليمة: هي الطعام الذي يُدعىٰ الناس إليه بمناسبة الزواج حصراً.
أما شروط وجوب إجابة دعوة الوليمة:
فالشرط الأول: أن يكون الداعي مسلماً، فإن لم يكن مسلماً لم تجب الإجابة، ولكن تجوز إجابة دعوة الكافر، إذا كان في هذا مصلحة: كدعوته إلىٰ الإسلام، أو للدفاع عن الدين.
الشرط الثاني: أن يكون ماله حلالاً، فإن كان ماله حراماً فلا تجب إجابة دعوته.
الشرط الثالث: ألا يكون في الدعوة منكراً، فإن كان فيها منكراً فلا تجب الإجابة، إلا إذا كان المدعو قادراً علىٰ تغيير المنكر أو تخفيفه.
الشرط الرابع: أن يُعيِّن المدعو، أي أن يقول: يا فلان، أدعوك إلىٰ حضور وليمة العرس، فإن لم يعيِّن بأن دعا دعوة عامة، فإنه لا يجب الحضور بل يستحب.
8/267 ــ وعن أنس رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّىٰ تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ» وَضَمَّ أصَابِعَهُ. رواه مسلم.
(جَارِيَتَيْنِ) أيْ: بِنْتَيْنِ.
غريب الحديث:
عال: العول معناه القيام بما يُحتاج، يُقال: عالَ الرجلُ عيالَه يعولهم، إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرها، والعول يكون بالقيام بحاجة البدن، والقيام بحاجة الروح، فهو شامل لمؤونة البدن والروح (التربية الجسدية والقلبية).
حتىٰ تبلغا: حتىٰ تصلا سن البلوغ، بظهور علاماته المعهودة عند النساء.
هداية الحديث:
1) فضل رعاية الإنسان للبنات، وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة، والغالب أن أهلها لا يعتنون بها كالذكور.
2) علىٰ العبد أن يهتم بالأمور التي تقربه إلىٰ الله تعالىٰ، وخاصة في تربية الجيل المسلم وإعداده، وإن من أبرز أسباب ضعف الأمة الإسلامية غياب التربية الإيمانية للجيل!.
9/268ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دَخَلَتْ عَليَّ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئاً غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذِهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ، فَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْراً من النَّارِ». متفقٌ عليه.
10/269 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: جَاءتني مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لها، فَأَطْعَمْتُها ثَلاثَ تَمرَاتٍ، فَأعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إلىٰ فِيها تَمْرَةً لتَأكُـلَهَا، فَاسْتَطعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أَنْ تَأكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأعْجَبَني شَأنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذي صَنَعَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنَّ اللهَ قَدْ أوْجَبَ لهَا بِهَا الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
من ابتلي: الابتلاء هو الاختبار أي: اختُبر وامتُحن.
فاستطعمتها: طلبت الطعام.
هداية الأحاديث:
1) بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الإيثار؛ فإن عائشة رضي الله عنها ليس عندها إلا تمرات، ومع ذلك آثرت بها هذه المسكينة.
2) فضل من أحسن إلىٰ البنات بالمال والكسوة، وطيب الخاطر، لأنهن عاجزات قاصرات.
3) فضل العمل اليسير إذا صاحبَه صِدْقُ القلب، فالعمل القليل قد يوجب للعبد الأجر الكبير.
4) ملاطفة الصبيان والرحمة بهم من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار.
11/270ــ وعن أبي شُرَيْحِ خُوَيْلِدِ بْن عَمْرٍو الخُزَاعِيِّ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُـمَّ إنِّـي أُحَرِّجُ حَقَّ الضعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالمَرْأة». حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيدٍ.
ومعنى: (أُحَرِّجُ): أُلحِقُ الحَرَجَ، وَهُوَ الإثْمُ بِمن ضَيَّعَ حَقَّهُمَا، وَأُحَذِّرُ منْ ذلِكَ تَحْذِيراً بَلِيغاً، وَأَزْجُرُ عَنْهُ زَجْراً أكِيداً.
12/271ــ وعن مُصْعَبِ بنِ سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنهما قال: رَأَىٰ سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَىٰ مَنْ دُونَهُ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ». رواه البخاري هكَذَا مُرْسَلاً، فَإنَّ مُصْعَبَ بن سعدٍ تَابِعِيٌّ، ورواه الحافِظُ أبو بكر الْبَرْقَانِي في صحِيحِهِ مُتَّصِلاً عن مُصْعَب عن أبيه رضي الله عنه.
13/272 ــ وعن أبي الدَّرْدَاءِ عُوَيْمِرٍ رضي الله عنه قال: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ابْغُونِي الضُّعفَاءَ، فَإنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بضُعَفَائِكُمْ». رواه أبو داود بإسناد جيد.
غريب الحديث:
فضلاً: الفضل هو الزيادة، أي رأىٰ رفعة ومنزلة زائدة.
ابْغُوني: اطلبوا لي.
هداية الأحاديث:
1) الضعفاء من المؤمنين سبب لجلب النصر علىٰ الأعداء، وجلب الرزق علىٰ العباد.
2) الرحمة بالفقراء سبب لنيل رحمة الله تعالىٰ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ارْحمُوا مَن في الأرضِ يَرْحمْكُمْ مَن في السَّماءِ» رواه أحمد.
3) بيان شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمته بالمستضعفين. والواجب علىٰ الموفَّق من عباد الله تعالىٰ الاقتداء برسول الله عليه الصَّلاة والسلام في أبواب الخير.
34 ــ باب الوصية بالنساء
قال الله تعالىٰ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء: 19] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 129].
هداية الآيات:
1) حثّ الأزواج علىٰ الرفق بالنساء ومعاشرتهن بالتي هي أحسن، وذلك بألاّ يطلب الزوج حقه كاملاً، لأنه لا يمكن أن تأتي به المرأة علىٰ وجه الكمال، كما أنه لا يمكن أن يعطي الحق الواجب عليه علىٰ وجه الكمال.
2) المعاشرة الشرعية هي التي تكون بالمعروف، وهو ما تعارف عليه أوساط الناس في عرفهم.
1/273ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً؛ فَإنَ المَرأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإنَّ أَعْوَجَ مَا في الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَل أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ في (الصحيحينِ): «المَرأَةُ كَالضِّلَعِ؛ إنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ وَفِيهَا عوَجٌ».
وفي رواية لمسلمٍ: «إنَّ المَرأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَىٰ طَرِيقَةٍ، فَإنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْـتَـمْـتَعْتَ بِـهَا وَفِيهَـا عَـوَجٌ، وَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا».
قولُهُ: «عَوَجٌ» هو بفتحِ العينِ والواوِ.
غريب الحديث:
استوصوا بالنساء: اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها.
هداية الحديث:
1) توجيهٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ حسن معاشرة الرجل لأهله، فعلىٰ الزوج أن يأخذ منهن العفو وما تيسر.
2) إن كَرِهتَ من زوجتك خُلُقاً رضيتَ منها خلقاً آخر، فقابلْ هذا بهذا، مع الصبر والتوجيه، حتىٰ تستقيم الأمور.
3) سعي الشارع إلىٰ إبقاء المودة الزوجية وجلب كل ما يقويها، بالحث علىٰ العفو والصفح، ودوام النصح.
2/274ــ وعن عبد الله بن زَمْعَةَ رضي الله عنه أنه سَمعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَذِي عَقَرَهَا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشۡقَىٰهَا﴾ انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ، عَارِمٌ منيَعٌ في رَهطه» ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ، فَوَعَظَ فِيهِنَّ، فَقَالَ: «يَعْمِد أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا من آخِرِ يَوْمِهِ»، ثُمَّ وَعَظَهُمْ في ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وقال: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُـمْ مِمَّا يَفْعَـلُ؟». متفقٌ عليه.
«وَالْعَارِمُ» بالعين المهملةِ والراءِ: هُوَ الشِّرِّيرُ المُفْسِد، وقولُهُ: «انْبَعَثَ»، أَيْ: قَامَ بسُرعَةٍ.
غريب الحديث:
جلد العبد: يعني يجلدها كأنها عبد أسير.
يضاجعها: يجامعها.
هداية الحديث:
1) السعادة الأسرية بين الرجل وأهله مبنية علىٰ المحبة والألفة.
2) إن الشريعة وإن أباحت ضرب الرجل لزوجته، فإنما هو ضرب تأديب وموعظة، لا ضرب عقوبة ومهانة.
فائـدة:
خُطَبُ الرسول عليه الصلاة والسلام علىٰ نوعين: خطب دائمة، وخطب عارضة.
ــ فالخطب الدائمة: كخطب يوم الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف وما أشبه ذلك.
ــ والخطب العارضة: هي التي يكون لها سبب طارئ، فيقوم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فيخطب الناس ويعظهم ويبين لهم.
3/275 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ». رواه مسلم.
وقولُهُ: (يَفْرَك) هو بفتحِ الياءِ وإسكانِ الفاءِ وفتحِ الراءِ، معناه: يُبْغِضُ، يقالُ: فَرِكَتِ المَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَفَرِكَهَا زَوْجُهَا، بكسر الراءِ، يَفْرَكُهَا بفتحِها، أَيْ: أَبْغَضَهَا، والله أعلم.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يكون حاكماً بالعدل وبالقسط؛ فإن أساءت إليك زوجتك فلا تنظر إلىٰ الإساءة في الوقت الحاضر، ولكن انظر إلىٰ الماضي بما فيه من العشرة الطيبة، فهذا يحمل الزوج علىٰ الصفح والعفو.
2) إن الشريعة دعت إلىٰ العدل، والعدل في الحياة الزوجية أن يُوازَن بين السيئات والحسنات، وينظر أيُّهما أعظم وقعاً، فيُغَلّب ما كان أكثر وأشد تأثيراً.
3) ما ذكره النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المرأة يكون مع غيرها أيضاً، ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك.
4/276 ــ وعن عَمْرِو بن الأحْوَصِ الجُشَمِيِّ رضي الله عنه أنَّهُ سَمعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقولُ بَعْدَ أنْ حَمِد الله تعالىٰ وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قال: «أَلا وَاسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْراً، فَإنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذلِكَ إلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشةٍ مُبَيِّنَةٍ، فإن فَعَلْنَ فَاهجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فإنْ أَطَعْنكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً؟ أَلا إنَّ لَكُمْ عَلَىٰ نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً ؟ فَحَقُّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تكْرَهُونَ، أَلا وَحَقهُّنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحسِنُوا إلَيْهنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيحٌ.
قوله صلى الله عليه وسلم: «عَوَان» أَيْ: أسِيرَات، جَمْعُ عَانِيَةٍ، بِالْعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَهِيَ الأَسِيرَةُ، وَالْعَانِي: الأسِيرُ.
شَبَّهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المَرأَةَ في دُخُولها تَحْتَ حُكْم الزَّوْجِ بالأسِيرِ، «وَالضَّرْبُ المُبَرحُّ»: هُوَ الشَّاقُّ الشَّدِيدُ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً» أَيْ: لا تَطْلُبُوا طَريقاً تَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَتُؤْذُونَهُنَّ بِهِ، والله أعلم.
غريب الحديث:
الفاحشة: هنا عصيان الزوجة لزوجها، بدليل قوله تعالىٰ بعد ذلك: ﴿فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾.
ألا يوطئن فرشكم من تكرهون: ألاّ يُكرمْن أحداً تكرهونه.
هداية الحديث:
1) علىٰ المرأة ألا تدخل أحداً فراش النوم، وزوجها كاره لذلك، ولا تكرم أحداً يكرهه، ولا تأذن في بيتها لمن يكره، وهذا كله من حقّ الزوج علىٰ زوجته.
2) الزوج هو الذي ينفق علىٰ زوجته وإن كانت غنية؛ لأن للزوج حق القوامة بما ينفق مما رزقه الله تعالىٰ.
فائدة:
مراتب تأديب المرأة ذكرها الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ﴾ فهي ثلاث مراتب:
1) أن يعظها بالحسنى، فإن لم تتعظ انتقل إلىٰ المرتبة الثانية.
2) أن يهجرها في المضجع، ولا يغادره، ويكون الهجر فيه بأن يوليها ظهره أو لا يكلِّمها، ومن فهم أن يغادر مكان النوم فقط فقد غلط في فهم المعنىٰ، فإن لم ينفع هذا الأسلوب انتقل إلىٰ الثالث.
3) أن يضربها ضرباً غير مبرح إن هي استمرت علىٰ العصيان.
5/277 ــ وعن مُعَاويةَ بنِ حَيْدَةَ رضي الله عنه قال: قلت يا رسولَ الله ، ما حقُّ زَوْجَةِ أحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتكْسُوَهَا إذَا اكْتَسيْتَ، وَلا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إلَّا في الْبَيْتِ» حديثٌ حسنٌ رواه أبو داود وقال: معنىٰ «لا تُقَبِّحْ» أي: لا تَقُلْ: قَبَّحَكِ الله.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ الزوج أن ينفق علىٰ زوجته كما يُنفق علىٰ نفسه، فالنفقة علىٰ الزوجة حق واجب علىٰ الزوج.
2) الإذن بالضرب غير المبرح لايكون علىٰ الوجه؛ لأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وقد نهىٰ الشارع عن ضرب الوجه.
3) النهي عن التقبيح الحسي، والمعنوي، مثل أن يعيّرها بعيب خَلقي فيها، أو يقول: أنت من عائلة سيئة، أو غير ذلك.
4) الهجر لايكون إلا في البيت، أي لاتهجرها علناً وتُظهر أنك هجرتها، بل الحكمة أن تكون حال الزوجين مستورة، حتىٰ إذا اصطلحا رجع كل شيء إلىٰ مايُرام، دون أن يطلع عليه أحد من الناس، وهذا هو حال الأُسر المُؤْمِنة الموفّقة.
6/278 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِـنِسَائِهِمْ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
هداية الحديث:
1) الإيمان يتفاوت ويتفاضل، كما قال الله تعالىٰ: {وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا}، وكلما عظم خُلُق العبد دل علىٰ قوة إيمانه.
2) خير الناس هم خيارهم لأهلهم.
3) الأقربون هم أولىٰ بالمعروف؛ فإذا كان فيك خير فليكن أهلك هم أول المستفيدين من هذا النفع.
فائـدة:
حسن الخلق يكون مع الله، ومع عباده، فحسن الخلق مع الله _عز وجل_، بأن يرضىٰ العبدُ بشريعة الله، وينقاد إليها مسلماً راضياً مطمئناً بها، وأن يرضىٰ بقدر الله _عز وجل_، وحُسن الخلق مع الناس؛ بكفّ الأذىٰ، وبذل الندى، والصبر علىٰ الأذى.
7/279 ــ وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذُبابٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَضْرِبُوا إمَاء الله»، فَجَاء عُمَرُ رضي الله عنه إلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ في ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقَدْ أطَافَ بِآلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولئِكَ بخِيَارِكُمْ». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
قوله: «ذَئِرنَ» هُوَ بذَال مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكسُورَةٍ ثُمَّ رَاء سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ، أَيْ: اجْتَرَأنَ، قوله: «أَطَافَ» أَيْ: أحَاطَ.
غريب الحديث:
إماء الله: يريد بذلك النساء، فيُقال: أمة الله كما يُقال: عبد الله، ويُقال: إماء الله كما يُقال: عباد الله.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان ألا يتمادىٰ في ضرب أهله، فإن وُجد سببٌ يقتضي الضرب وإلا فلا يضرب، فيكون الضرب آخر العلاج.
2) من اعتاد ضرب أهل بيته دلّ علىٰ نقصان الخيرية فيه؛ لأن خيار الناس خيارهم لنسائهم.
8/280 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةُ الصّالِحَةُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
متاع: شيء يتمتع به، كما يتمتع المسافر بزاده.
هداية الحديث:
1) إذا وُفِّق العبد لامرأة صالحة في دينها وعقلها، فهذا خير متاع الدنيا.
2) المرأة الصالحة خير زاد يُبَلِّغ العبدَ إلىٰ آخرته.
فائـدة:
لما أراد الله تعالىٰ أن يمتنَّ علىٰ عبده زكريا عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ﴾ فمِن فقه العبد أن يسعىٰ في أسباب صلاح زوجته؛ لأن ذلك يصلح البيت كله. ويتحقق ذلك بأمور، منها:
1 ــ أن يستقيم هو علىٰ طاعة الله تعالىٰ، فصلاح الزوج سبب لصلاح الزوجة.
قال صلى الله عليه وسلم: «أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم». رواه الطبراني في (المعاجم الثلاثة) عن سمرة.
2 ــ أن يعلِّمها ويربيها في ظلال العبودية لله تعالىٰ. {مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ} [النحل: 97].
3 ــ أن يديم الدعاء بأن يصلح الله زوجه. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ} [الفرقان: 74].
4 ــ أن يصبر علىٰ سوء الخلق العارض من الزوجة ﴿فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 19].
5 ــ أن يطيب مكسبه، ويتحرىٰ الحلال، فهو سبب للبركة والصلاح، والتوفيق والفلاح. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ} [المؤمنون: 51].
35 ـ باب حق الزوج على المرأة
قال الله تعالىٰ: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ [النساء: 34].
هداية الآية:
1) الرجال هم القوّامون علىٰ النساء؛ لِمَا اختصّهم الله تعالىٰ به، ومن ذلك أن الرجل هو الذي يُنفق علىٰ المرأة.
2) كرامة المرأة في بيتها، فتحفظ سرَّ الرجل وغيبته بما حفظ الله تعالىٰ، وتديم عبادة ربها، وطاعة زوجها.
وأَمَّا الأحَادِيثُ:
فَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرو بن الأحْوَصِ السَّابق في الْبَاب قَبْلَهُ.
1/281 ــ وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَىٰ فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّىٰ تُصبِحَ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لهما: «إذا بَاتَتِ المَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّىٰ تُصبِحَ».
وفي رواية: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إلَىٰ فِرَاشِهِ ، فَتَأبَىٰ عَلَيْهِ ، إلا كانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطاً عَلَيْهَا حَتَّىٰ يَرْضَىٰ عَنْهَا».
غريب الحديث:
لعنتها الملائكة: تدعو علىٰ هذه المرأة باللعنة، واللعنة هي الطرد والإبعاد من رحمة الله.
تأبىٰ: تمتنع.
هداية الحديث:
1) دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله _عز وجل_ في السماء، مستوٍ علىٰ عرشه، وعرشه فوق سبع سموات، دلَّ علىٰ هذا نصوص الشرع والإجماع.
2) بيان عظم حق الزوج علىٰ زوجته، ويتأكد هذا في حق الزوج القائم بحق زوجته.
3) الترهيب من سخط الله تعالىٰ، ولعنة الملائكة علىٰ المرأة، التي تمتنع عن فراش زوجها، بقصد المخالفة والعصيان من غير سبب شرعي.
2/282 ــ وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه أيضاً أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بإذنهِ». متفقٌ عليه، وهذَا لفظ البخاري.
غريب الحديث:
شاهد: حاضر.
هداية الحديث:
1) الزوج إذا كان غائباً فللمرأة أن تصوم ماشاءت.
2) الزوج يحكم في أهله بالمعروف، فله أن يمنع من يخاف الضرر من وجودهم في بيته.
فائـدة:
هل حكم صلاة النفل مثل صيام النفل لابد فيها من الإذن؟
قال العلماء: إن صلاة التطوع ليست كالصوم، لأن وقت الصلاة قصير؛ بخلاف الصوم فإنه يستغرق كل النهار، فلها أن تصلِّي ولو كان زوجها حاضراً، إلا أن يمنعها، لكن علىٰ الزوج ألاّيحرم زوجته الخير، بل يحثها عليه.
فائـدة:
الإذن في إدخال البيت نوعان:
ــ الإذن العرفي: يُعنىٰ به عُرف أوساط الناس وعادتهم، مثل دخول امرأة الجيران والقريبات وما أشبه ذلك.
ــ الإذن اللفظي: يأن يقول لها: أدخلي مَن شئتِ إلا مَن رأيتِ فيه مضرّة، فلا تُدخليه، فيتقيد الأمر بإذنه.
3/283 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيتِهِ، وَالأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَىٰ بَيْتِ زَوْجِها وَوَلَـدِهِ، فَكُلُّـكُمْ رَاعٍ، وَكُـلُّكُمْ مَسـؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الراعي: هو الذي يقوم علىٰ الشيء، بأن يرعىٰ مصالحه فيُهيِّئها له، ويرعىٰ مفاسده فيجنّبه إياها.
هداية الحديث:
1) الخطاب للأمة جميعاً، يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مراتب المسؤولية الواجب أداؤها لتحقيق المصالح.
2) الرعاة تتنوع رعايتهم، ما بين مسؤولية كبيرة واسعة، ومسؤولية صغيرة ضيقة.
3) عظم حق الزوج علىٰ زوجته، فهو حق عظيم يجب عليها أن تقوم به.
4/284ــ وعن أَبِي عَليٍّ طلقِ بنِ عليٍّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإنْ كَانَتْ عَلَىٰ التَّنُّور». رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمِذِي: حديث حسن صحيح.
5/285ــ وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
لحاجته: موضع قضاء الرجل شهوته من زوجته، ويحتمل أن المراد حاجة الرجل مطلقاً.
التنور: الموضع الذي يخبز فيه.
هداية الأحاديث:
1) التأكيد العظيم علىٰ وجوب مبادرة المرأة لطاعة زوجها، ولو كانت في أصعب الظروف.
2) سد الشريعة باب فتنة الرجل بالمرأة؛ فأباحت له زوجته، ورغّبت الزوجة بوجوب طاعته.
3) تعظيم حق الزوج، وترغيب الزوجة في طاعة زوجها بالمعروف.
6/286 ــ وعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ، وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ ، دَخَلَتِ الجَنَّة». رواه الترمذي وقال حديث حسن[2].
هداية الحديث:
[2] الحديث إسناده ضعيف.
1) طاعة الزوج سبب لدخول الجنة.
2) تكريم الشريعة للمرأة؛ حين هيأت لها عملاً تدخل به الجنة، إنْ هي صبرت وأطاعت بالمعروف.
3) إذا مات الزوج وهو غير راضٍ عن زوجته، فإنها علىٰ خطر عظيم ومتوعدة بالعقوبة.
7/287 ــ وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا في الدُّنْيَا إلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ الْعِينِ: لا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ الله ! فَإنَّما هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أنْ يُفَارِقَكِ إلَيْنَا». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) الحور العين تقبّح المرأة التي تؤذي زوجها في الدنيا، وهذا دليل علىٰ خطورة العصيان.
2) حث الأزواج والزوجات علىٰ حسن الصحبة؛ لأن هذه الدنيا دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ.
8/288 ــ وعن أسامَةَ بن زيدٍ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَىٰ الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إخبار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذه الفتنة، إنما هو للتحذير من فتنة النساء.
2) سدّ كل طريق يوجب الفتنة بالمرأة، ومن ذلك تحريم الاختلاط بين الرجال والنساء.
فائدة:
ــ قال الله تعالىٰ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ﴾ [آل عمران: 14] ، فكلُّ هذه مما زُيِّن للناس في دنياهم، وصارت سبباً لفتنتهم، لكن أشدها فتنة النساء؛ ولهذا بدأ الله بها فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾.
ــ بعض الرجال يفهم هذه الأحاديث فهماً خاطئاً فيتسلط علىٰ زوجته ويؤذيها، وما عرف أن هذه الأحاديث لا تفتح له باباً للظلم والعدوان، بل عليه أن يكون عادلاً منصفاً لزوجته، ويقابلها بالإحسان، وأن يؤدي ما عليه من الحقوق ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ [البقرة: 228] فالزوج العاقل يبني علاقته مع أهله علىٰ المودة والرحمة، والصفح والنصح، حتىٰ ينال الفلاح والصلاح، ويكون قدوته في ذلك بيت النبوة وحاله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته وأهله، والله الموفق.
36 ـ باب النفقة على العيال
قال الله تعالىٰ: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: 233] ، وقال تعالىٰ: {لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ} [الطلاق: 7]، وقال تعالىٰ: {وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُ} [سبأ: 39].
فائــدة:
المولود له: هو الأب، ويشمل الأب الأدنىٰ، والأب الأعلى، كالجد ومن فوقه.
هداية الآيات:
1) الحث علىٰ النفقة علىٰ العيال بما يقدر عليه الرجل، من غير كُلفة زائدة تشقُّ عليه.
2) تَـكَفَّلَ الله تعالىٰ بالإخلاف علىٰ المُنفِق علىٰ عياله، ومن تكفَّل الله به فلا مُضيِّع له.
فائــدة:
شروط الإنفاق:
الشرط الأول: أن يكون المُنفِق قادراً علىٰ الإنفاق، فإن كان عاجزاً فإنه لايجب عليه الإنفاق إلا بما يستطيعه.
الشرط الثاني: أن يكون المُنفِق وارثاً للمُنْفَق عليه، فإن كان المُنفِق قريباً لايرث، فإنه لايجب عليه الإنفاق.
1/289 ــ وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سَبِيلِ الله، وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَىٰ مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَىٰ أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَىٰ أَهْلِكَ». رواه مسلم.
2/290 ــ وعن أَبي عبد الله وَيقَالُ له: أبو عبدِ الرَّحمنِ ـ ثَوْبَانَ بْن بُجْدُدَ مَوْلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىٰ عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىٰ دَابَّتِهِ في سَبيلِ الله، وَدِينَارٌ يُنفِقُهُ عَلَىٰ أصْحَابِهِ في سَبِيلِ الله». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة الإنفاق علىٰ الأهل؛ فهو أفضل النفقات الواجبة لما يترتب عليه من البر.
2) الإنفاق علىٰ الأهل فرض عين، والإنفاق علىٰ من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية عند أكثر أهل العلم.
3/291 ــ وعن أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قلتُ يا رسولَ الله، هَلْ لي أَجرٌ في بَني أبي سَلَمَةَ أَنْ أَنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهمْ هكَذَا وَهكَذَا، إنَّمَا هُمْ بَنيَ؟ فقال: «نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ». متفقٌ عليه.
4/292ــ وعن سعدِ بن أَبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه في حدِيثِهِ الطَّوِيلِ الذي قَدَّمْنَاهُ في أَوَّلِ الْكِتَابِ في (بَابِ النِّيَّةِ) أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له: «وَإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّىٰ مَا تَجْعَلُ في فيِّ امْرَأَتِكَ». متفقٌ عليه.
5/293ــ وعن أبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَىٰ أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا فَهيَ لَهُ صَدَقَـةٌ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لست بتاركتهم هكذا وهكذا: أي: يتفرقون في طلب القوت يميناً وشمالاً.
في فيِّ امرأتك: أي: في فمها.
يحتسبها: أي يقصد بها وجه الله تعالىٰ والتقرب إليه.
هداية الأحاديث:
1) من أبواب الطاعات المرغَّب فيها؛ النفقة علىٰ الأهل والعيال.
2) العادات تصبح عبادات بحسن نية العبد؛ فانظر إلىٰ النفقة المعتادة علىٰ أهل الرجل، كيف صارت صدقة لمّا احتسبها في سبيل الله. فَلْيحرصِ المنفقون علىٰ تصحيح النيات.
6/294 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَىٰ بِالمَرْءِ إثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». حديثٌ صحيحٌ رواه أبو داود وغيره.
ورواه مسلم في صحيحه بِمَعْنَاهُ قال: «كَفَىٰ بِالمَرْءِ إثْماً أَن يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ».
غريب الحديث:
يقوت: من ينفق عليه.
هداية الحديث:
1) التهديد والوعيد علىٰ مَن ضيّع من ينفق عليه، وهو شامل للإنسان وغيره مما تلزمه النفقة عليه.
2) وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليهم.
7/295 ــ وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبادُ فِيهِ إلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهم أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهم أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
خلفاً: عوضاً عما أنفقه.
تلفاً: هلاكاً عما حبسه ومنعه عن مستحقيه.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الدعاء للكريم بمزيد العوض، وأن يخلفه الله خيراً مما أنفق، والدعاء علىٰ البخيل بتلف ماله الذي منعه وكنزه.
2) استجابة الله دعاء العبد لأخيه بظهر الغيب.
3) دعاء الملائكة للمؤمنين الصالحين المنفقين بالخير والبركة، وفي هذا حث علىٰ الإنفاق.
4) الإنفاق في سبيل الله من شكر النعم، وهو سبب في المزيد: {لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ}.
8/296 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
اليد العليا: اليد المنفقة المعطية.
اليد السفلى: اليد الآخذة.
ظهر غنى: غير محتاج إليها، أي: بعد أن يستغني بقدر الكفاية لأهله وعياله.
يستعفف: يطلب من الله العفة، وهي: الكفُّ عن الحرام.
يستغن: يقنع بما قسم الله له.
هداية الحديث:
1) تفضيل الغنىٰ للرجل الصالح الذي يقوم بحق المال، فنِعْم المال الصالح للعبد الصالح.
2) كراهية السؤال والتنفير عنه، فلا يجوز إلا لضرورة أوحاجة أو سبب شرعي.
3) العفَّة والقناعة من صفات أهل الإيمان.
4) من استعان بالله علىٰ استكمال الأعمال الصالحة التي نواها في نفسه، أعانه الله وبلّغه مراده وكفاه.
37 ـ باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد
قال الله تعالىٰ: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾ [آل عمران: 92] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267].
هداية الآيات:
1) سُمِّيت الصدقة صدقة لدلالتها علىٰ صدق إيمان العبد.
2) الإشارة إلىٰ طبع العبد؛ فهو لايرضىٰ أن يأخذ الرديء بدلاً عن الطيب، فكيف يرضىٰ أن يعطي الرديء بدلاً عن الطيب؟!.
3) علىٰ العبد أن يكون ذا همة عالية في الخير، فيُنفق من أطيب ماله ومما يحب، فعندئذٍ تزكو نفسه وتطيب.
1/297ــ عن أنس رضي الله عنه قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ رضي الله عنه أَكْثَرَ الأنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرَحَاءُ، وَكَانَتْ مسْتَقْبلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هذه الآَيَةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾ قام أبُو طَلْحَةَ إلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ أَنْزَلَ عَلَيْكَ: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾ وَإنَّ أَحَبَّ مَالي إلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإنَّهَا صَدَقَةٌ لله تَعَالَىٰ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تعالىٰ، فَضَعْها يا رسولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ! ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإنِّي أَرَىٰ أَنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ» فقال أبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يا رسولَ الله، فَقَسَّمَهَا أبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَبَني عَمِّهِ. متفقٌ عليه.
قولُهُ صلى الله عليه وسلم: «مَالٌ رَابحٌ» رُوِيَ في الصحيحينِ: «رَابحٌ» و«رَايحٌ» بالباءِ الموحدةِ وبالياءِ المثناةِ، أَي: رَايحٌ عَلَيْكَ نَفْعُهُ، و«بَيْرَحَاءُ» حَدِيقَةُ نَخْلٍ، وروي بكسرِ الباءِ وَفتحِها.
غريب الحديث:
مستقبلة المسجد: في قبلة المسجد النبوي.
ذُخرها: أجرها.
بَخٍ: كلمة تقال لتفخيم الأمر والإعجاب به.
هداية الحديث:
1) مبادرة الصحابة رضي الله عنهم ومسارعتهم إلىٰ الخير، فقد عرفوا قدر الدنيا وقدر المال، وأنه لايقارَن بما عند الله تعالىٰ من الأجر الباقي.
2) مالُك الحقيقي هو ما تقدمه، أمّا ما تتمسك به فهو إمّا زائل عنك، وإمّا أنت زائل عنه. فَلْيحرصِ العبد علىٰ أن يكون له زاد يوصله إلىٰ الله والدار الآخرة.
38 ــ باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهيّ عنه
قال الله تعالىٰ: {وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ} [طه: 132] ، وقال تعالىٰ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا} [التحريم: 6].
هداية الآيات:
1) وجه المناسبة بين هذا الباب وما سبق قبله، أن المؤلف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ لما ذكر مايجب للأهل من غذاء الجسم، ذكر لهم ما يجب من غذاء الروح، فأول ما يؤمرون به إقامة التوحيد والصلاة.
2) إن أمر الأهل بطاعة الله تعالىٰ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم سبب للوقاية من عذاب الله في الدنيا والآخرة.
1/298 ــ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: أخذ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ!؟». متفق عليه.
وفي رواية: «إنّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» وقوله: (كِخْ كِخْ) يُقَالُ بإسْكَانِ الخَاءِ، وَيُقَالُ بِكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ، وهِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ للصَّبيِّ عَنِ المُسْتَقْذَرَاتِ، وَكانَ الحَسَنُ رضي الله عنه صبِيّاً.
هداية الحديث:
1) الصدقة لاتحلُّ لآل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنهم رضي الله عنهم أشرف الناس، والصدقات والزكوات هي أوساخ الناس، ولا يتناسب لأشراف الناس أن يأخذوا أوساخ الناس.
2) علىٰ المربي الناجح أن يؤدب أولاده وطلابه علىٰ ترك المحرمات، كما يجب عليه أن يؤدبهم علىٰ فعل الواجبات.
2/299 ــ وعن أبي حَفْصٍ عُمَرَ بن أبي سَلَمَةَ عبد الله بن عبدِ الأسدِ رَبيبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:كُنْتُ غُلاماً في حِجْرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا غُلامُ سَمِّ اللهَ تعالىٰ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَليكَ» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. متفقٌ عليه.
«وَتَطِيشُ»: تَدُورُ في نَوَاحِي الصَّحْفَةِ.
غريب الحديث:
ربيب رسول الله: ابن زوجته أم سلمة رضي الله عنها.
في حجر رسول الله: في كنفه وحمايته صلى الله عليه وسلم.
طِعْمتي: بكسر الطاء، أي صفة أكلي.
هداية الحديث:
1) علىٰ الولي أن يؤدِّب أولاده علىٰ كيفية الأكل والشرب، وغيرها من الآداب النبوية والأخلاق الشرعية.
2) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتعلميه، فلم يزجر الغلام حين أساء أدب الطعام، ولكن علَّمهُ برفق.
3) إن تعليم الصغارِ مِثلَ هذه الآداب من أحسن التعليم، فالطفل لاينسىٰ ما تعلمه وهو صغير.
فائــدة:
الآداب التي علّمها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الغلامَ في الحديث ثلاثة:
1) يجب عند ابتداء الأكل أن يقول: «بسم الله»، ولو ترك التسمية شاركه الشيطان في أكله، فإن نسي قال أثناء الطعام: «بسم الله أوله وآخره».
2) قوله: «وكُلْ بيمينك» أمر علىٰ سبيل الوجوب؛ فيجب علىٰ الإنسان أن يأكل ويشرب بيمينه،لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهىٰ أن يأكل أو يشرب الرجل بشماله، وقال: «إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».
3) قوله: «وكل مما يليك» يعني: لاتأكل من جانب غيرك، فإن اعتديت وتجاوزت إلىٰ حد حافة غيرك فهذا من سوء الأدب.
فائدة:
هل يجوز الأكل باليد اليسرى؟ أو أخذ الطعام من غير ما يلي الآكِل؟:
1) إذا كان هناك ضرورة للأكل باليد اليسرى، كعذر من مرض ونحوه فلا بأس بذلك.
2) إذا تنوّع الطعام وتعددت أطباقه، فلا بأس أن يأكل الجالس من غير ما يليه من الأطباق.
3/300 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الإمَامُ رَاعٍ، وَمَسْؤُول عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَة رَاعِيةٌ في بَيتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ في مَالِ سَيِّدِه وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) علىٰ كل شخصٍ في المجتمع الإسلامي مسؤولية يجب أن يؤديها علىٰ الوجه الذي يرضىٰ به الله تعالىٰ.
2) بتوزيع المسؤوليات والرعايات تكمل الأمور وتستقيم، فأهل الإيمان يكمّل بعضهم بعضاً.
فائــدة:
في هذا الحديث وصية عظيمة بالرجوع إلى أهل العلم، والصدور عنهم، والاهتداء بهديهم، ووجه ذلك ما قاله العلَّامة الطاهر بن عاشور (ت1393هـ) ــ رحمه الله تعالى ــ في فقه الحديث: «لم يجعل العلماء رعاة للأمة ولا مسؤولين عن الرعية لأنهم مَرجع يرجع إليه الراعون».
وقال أيضاً: «إن كوارث هذه الأمة ومصائبها ما طلع قرنها إلا حين أخذت عامتها تحيد عن هدي العلماء، وعن اللجوء في مشاكل الأمور إليهم، فلما تجرأت عامة المسلمين على الارتماء بأنفسهم في مضايق التدبير للأمور، دون هدي من علماء الشريعة؛ وصاروا أتباع الناعقين من دعاة الضلالة... حاق بالمسلمين الفشل وأصبح هاديهم السيف والأسل». ا هـ ملخصاً. (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام).
4/301 ــ وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جَدِّهِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «مُرُوا أَوْلادَكُمْ بالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المَضَاجِعِ». حديث حسنٌ. رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ.
5/302 ــ وعن أبي ثُرَيَّةَ سَبْرَةَ بن مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبْعِ سنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ». حديثٌ حسنٌ رواه أبو داود، والترمِذي وقال: حديث حسن.
وَلَفْظُ أبي دَاودَ: «مُرُوا الصَّبيَّ بِالصَّلاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ».
غريب الحديث:
واضربوهم: المراد بالضرب الذي يحصل به التأديب بلا ضرر.
هداية الأحاديث:
1) بيان حق الأولاد علىٰ آبائهم؛ أن يأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وأن يضربوهم علىٰ تركها إذا بلغوا عشراً.
2) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمر بضرب الأبناء لتأديبهم وتقويمهم ، لا لإيلامهم وتعذيبهم، فمقتضىٰ الرحمة أن يتعلم الولد طاعة الله تعالىٰ لينشأ علىٰ التقوى.
39 ـ باب حق الجار والوصية به
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ [النساء: 36].
هداية الآية:
1) القيام بحق الجار وصية الله تعالىٰ لعباده؛ فقد جمع بين القيام بالعبودية لله تعالىٰ والوصية بالجار.
2) حفظ حق الجار يكون بالإحسان القولي والفعلي، وكف الأذىٰ عنه.
1/303 ــ وعن ابنِ عُمرَ وعائشةَ رضي الله عنهما قالا: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « مَا زَالَ جِبريلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّىٰ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
سيورثه: سينزل الوحي بتوريثه لشدة العناية.
هداية الحديث:
1) للجار حق عظيم، فيجب حفظ جواره، ومراعاته بالإحسان إليه، ودفع الضرر عنه.
2) جواز التحدث بما يقع في النفس من أمور الخير.
2/304 ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أبَا ذرٍّ، إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ ماءَها، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ». رواه مسلم.
وفي رواية له عن أبي ذرٍّ قال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم أَوْصَاني: «إذا طَبَخْتَ مَرَقاً فَأَكْثِرْ مَاءَه، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ».
هداية الحديث:
1) استحباب التهادي بين الجيران؛ لأن ذلك يورث المحبة، ويزيد المودة.
2) عدم احتقار شيء من أفعال الخير وإن قلّت، فإنها كلها من المعروف.
3) كمال هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقد حثَّ علىٰ كل ما يقوي الصلة بين المؤمنين.
3/305 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «واللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ». قِيلَ: مَنْ يَا رسولَ الله؟ قالَ: «الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».
«الْبَوَائِق»: الْغَوائِل وَالشُّرُورُ.
غريب الحديث:
لا يؤمن: هذا نفيٌّ لكمال الإيمان.
هداية الحديث:
1) تحريم العدوان علىٰ الجار، سواء كان ذلك بالقول؛ بأن يسمع منه مايزعجه ويُحزنه، أو بالفعل بإلقاء مايؤذي عند بيته، ونحو ذلك.
2) إن كف الأذىٰ والعدوان عن الجيران من كمال الإيمان، والموفق من عباد الله تعالىٰ من سعىٰ في تكميل إيمانه.
4/306 ــ وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتهَا وَلَوْ فِرسِنَ شَاةٍ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
فِرسن: هو بمثابة الحافر للدابة، والقدم للإنسان.
هداية الحديث:
1) مهما قَلَّ المعروف وصغر فإنه عظيم عند الله تعالىٰ ، وهو علامةٌ علىٰ صحة إيمان العبد.
2) الحث علىٰ وعظ النساء وترغيبهن في الإحسان إلىٰ الجيران.
5/307 ــ وعنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ». ثُمَّ يقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضينَ! واللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِـكُمْ. متفق عليه.
رُوِي «خَشَبَهُ» بالإضَافَةِ والجَمْعِ، وَرُوِيَ «خَشَبَةً» بالتَّنْوِينِ عَلىٰ الإفْرَادِ. وقوله: ما لي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، يَعْني عَنْ هذِهِ السُّنَّةِ.
هداية الحديث:
1) لايحل للجار أن يمنع جاره من فعل ما يُصلح بيته، من غير ضررٍ يلحقه.
2) التعاون بين الجيران والتسامح بينهم من حقوق الجار.
3) الإنكار علىٰ من ترك أمراً شرعياً بما يناسب المقام، إذ تعليم الناس، والدعوة إلىٰ الخير، من أحسن الأعمال.
6/308 ــ وعنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يؤْمنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَسْكُتْ». متفق عليه.
7/309 ــ وعن أَبي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إلىٰ جَارِهِ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ». رواه مسلم بهذا اللفظ، وروىٰ البخاري بعضه.
هداية الأحاديث
1) إن إلحاق الضرر بالجار قولاً أو فعلاً مُنافٍ لكمال الإيمان، ومنافٍ لصفات عباد الرحمن.
2) القيام بحق الضيف من خصال المؤمنين.
3) علىٰ العبد مراقبة لسانه، فإما أن يقول خيراً فيغنم أو يسكت فيسلم، فالخير كله في إمساك اللسان عن اللغو. ومن الحكم المأثورة: «البلاء موكل بالقول».
8/310 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسولَ الله إنَّ لي جَارَيْنِ، فَإلىٰ أَيـِّهمَا أُهْدِي ؟ قال: «إلىٰ أَقْرَبهِمَا مِنْكِ بَاباً». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الوصية النبوية بمراعاة شعور الجار الأقرب.
2) كلما قرب الجار زاد حقه علىٰ جاره، والقرب المعتبر هو قرب الأبواب.
3) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ تعلم العلم قبل العمل، وهذا هو شأن الموفَّق : يَعْلَمُ ثم يعمل.
9/311 ــ وعن عبدِ الله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لصَاحِـبِهِ، وخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ الله تعالىٰ خَيْرُهُمْ لجَارِهِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تعظيم الصحبة الإيمانية؛ فإن خير الأصحاب أكثرهم نفعاً لصاحبه.
2) مَن قام بحفظ الجار والإحسان إليه، فهو من خير الجوار عند الله تعالىٰ.
3) اتباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه كل الخير والمحبة والألفة بين أهل الإيمان، قال تعالىٰ: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ}
40 ـ باب بر الوالدين وصلة الأرحام
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ [النساء: 36] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ﴾ [النساء: 1] ، وقال تعالىٰ: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ}الآية [الرعد: 21] وقال تعالىٰ: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ} [العنكبوت: 8]، وقال تعالىٰ: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء: 23 ـ 24] ، وقال تعالىٰ: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ} [لقمان: 14].
هداية الآيات:
1) تعظيم حق الوالدين فالأقربين؛ فقد جمع الله تعالىٰ بين حقه الخاص بالعبودية وحقهم، فدلّ علىٰ عظم مرتبتهم.
2) أحق الناس بصحبة العبد والداه، فحقهما بعد حق الله تعالىٰ في المنزلة. «فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق». (تفسير ابن كثير، عند قوله تعالىٰ: {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ})
1/312 ــ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سَأَلتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أحَبُّ إلىٰ الله تَعَالى؟ قال: «الصَّلاةُ عَلىٰ وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: «الجِهَادُ في سَبِيلِ الله». متفق عليه.
هداية الحديث:
2) فضل برِّ الوالدين، والبرُّ هو الإحسان إليهما بالقول والفعل.
3) التقصير في تقديم الإحسان القولي أو الفعلي للوالدين نوع من العقوق.
4) تنافس الصحابة علىٰ أبواب الخير، والمسابقة إلىٰ البر، وسؤالهم عن جوامع المسائل النافعة.
5) منزلة الجهاد في سبيل الله تعالىٰ؛ لما فيه من المصالح العظيمة كحماية ديار المسلمين، وظهور الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
2/313 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِداً إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً فَيَشْتَرِيَهُ، فيُعْتِقَهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لايَجزْي: لا يكافئ.
هداية الحديث:
1) عظم حق الوالدين في الإسلام، فحقهم بعد القيام بحق العبودية لله تعالىٰ.
2) لايجوز للولد أن يسترقّ أبويه أو أحدهما، فإذا حدث ذلك، فهو من أمارات الساعة المنذِرة بالشرور عند فساد الناس.
3) عتق الوالد الرقيق يكون بمجرد شراء ولده له، فالشراء سبب للعتق، ولايحتاج أن يقول الولد: أعتقته أو أعتقتها.
3/314 ــ وعنه أيضاً رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيومِ الآخر، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُل خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ». متَّفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) صلة الرحم ـ وهم من لهم قرابة علىٰ الشخص ـ من خصال الإيمان.
2) هدي الإسلام فيه تقوية لعلاقات القرابة وتوثيق لها، وتحذير من البعد عن كل ما يضعف هذه العلاقة أو يفسدها.
4/315 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّىٰ إذا فرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هذا مُقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قال: نَعَمْ أمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالت: بَلَى، قال: فَذلِكَ لَكِ، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ * أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ} [محمد: 22 ـ 23]». متفقٌ عليه.
وفي رواية للبخاري: «فقال اللهُ تعالىٰ: مَنْ وَصلِكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ».
غريب الحديث:
العائذ: الملتجئ إليك والمستعين بك.
هداية الحديث:
1) الترغيب في صلة الرحم، والتأكيد علىٰ حرمة قطيعة الرحم.
2) الاستعاذة تكون بالله وحده لاشريك له، فلا يجوز الاستعاذة بالمخلوقين، ولو كان لهذا المخلوق منزلة عند الله تعالىٰ.
3) صلة الرحم سبب في رحمة الله لعباده، وظهور الخير بين الناس، وقطيعة الرحم سبب في التولي، والفساد، والإفساد.
فائدة:
إن من أحسن ما يُفسَّر به القرآن الكريم وخير ما يُستشهد به لبيان معنىٰ كلام الله _عز وجل_ هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم والحديث النبوي وحي من الله تعالىٰ، قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ أي: أنزلنا إليك السنة لتبين للناس القرآن المنزل، والحديث المتقدم مثال علىٰ ذلك.
5/316 ــ وعنه رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بحسْنِ صَحَابَتِي ؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَنْ ؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَنْ ؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَنْ ؟ قال: «أَبُوكَ». متفق عليه.
وفي رواية: يا رسولَ الله، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ ؟ قال: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ».
«وَالصَّحَابَةُ» بمعنى: الصُّحْبَةِ. وقوله: «ثُمَّ أَبَاكَ» هكَذَا هو منصوب بفعلٍ محذوفٍ، أي: ثم بِرَّ أَباك. وفي رواية: « ثُمَّ أَبُوكَ » وهذا واضِح.
غريب الحديث:
أدناك أدناك: الأقرب فالأقرب.
هداية الحديث:
1) أحق الناس بحسن العشرة هي الأم؛ لضعفها وحاجتها، ولأن الأم حصل لها من العناء والمشقة ما لم يحصل لغيرها، ثم إنها ضعيفة عند أصل الخِلقة، فكيف عند تقدم العمر!.
2) الحث علىٰ أن يُحسن العبد صحبة أمه، وصحبة أبيه بقدر المستطاع؛ لأنهما السبب في إيجاده بعد الله تعالىٰ. فلهما حق الولادة، والرعاية، والإفادة.
3) إن ترتيب الحقوق ووضعها في مواضعها، هو العدل الذي دعت إليه الشريعة.
4) بيان حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ معرفة مراتب الخير ومعرفة الحقوق.
6/317 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أحَدَهُمَا أوْ كِلَيْهِما، فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
رغم أنف: أي ألصق بالرّغام ــ وهو تراب يختلط برمل ــ واستعمل في معنىٰ الذل والعجز والانقياد علىٰ كره.
هداية الحديث:
1) بر الوالدين سبب عظيم لدخول الجنة.
2) الوالدان عند الكبر أحوج مايكونان إلىٰ البِرِّ لضعفهما. وبرهما يكون بكل إحسان قولي أو فعلي.
3) عقوق الوالدين سبب لدخول النار. فليحذر العبد من إغلاقِ بابٍ فُتِحَ له إلىٰ الجنة، ومن فتحِ بابٍ يُوصِلُه إلىٰ النار.
7/318 ــ وعنه رضي الله عنه أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله إنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيؤُونَ إليَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فقال: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلا يَزالُ مَعَكَ مِنَ الله ظهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلىٰ ذَلِكَ». رواه مسلم.
«وَتُسِفّهُمْ» بضم التاء وكسر السين المهملةِ وتشديدِ الفاءِ. «وَالمَلُّ» بفتحِ الميمِ، وتشديد اللام، وهو الرَّمَادُ الحَارُّ، أَيْ: كَأَنِّمَا تُطْعِمُهُمُ الرَّمَادَ الحَارّ، وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقُهُم مِنَ الإثْمِ بِمَا يَلْحَقُ آكِلَ الرَّمَادِ الحَارِّ مِنَ الألَمِ، وَلا شَيْءَ عَلىٰ هَذَا المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، لَكِنْ يَنَالُهُمْ إثْمٌ عَظِيمٌ بِتَقْصِيرِهِمْ في حَقِّهِ، وإدْخَالِهِمُ الأَذَىٰ عَلَيْهِ. وَالله أعلم.
غريب الحديث:
ظهير: معين.
هداية الحديث:
1) صلة الرحم قائمة علىٰ المبادرة إلىٰ الصلة دون انتظار مقابلة.
2) الحظ العظيم للعبد هو الذي يدفع الإساءة بالإحسان، والقطيعة بالوصل، {ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ} ولكن: {وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ}.
3) امتثال أمر الله سبب لعون العبد، فالموفق من عباد الله من أحسن امتثال شرع الله تعالىٰ، ولم يلتفت إلىٰ تقصير الخلق، بل يحتسب العمل عند الله سبحانه.
4) ادّخار ثواب الصبر خير من تحصيل الحق في الدنيا، أحياناً، بحسب مصلحة العفو أو الأخذ بالحق. {فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ}.
8/319 ــ وعن أَنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ أَحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رحِمَهُ». متفق عليه.
ومَعْنىٰ «يُنْسَأَ لَهُ في أثَرِهِ»: أيْ: يُؤَخَّرَ له في أجَلهِ وعُمُرِهِ.
هداية الحديث:
1) صلة الأرحام سبب عظيم في زيادة الرزق وطول العمر.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فمن أحسن إلىٰ قرابته بالصلة أحسن الله إليه بالصلة في رزقه وعمره.
فائدة:
جعل الله سبحانه بحكمته صلة الرحم سبباً شرعياً لطول العمر وسعة الرزق، ولا ينافي هذا ما هو معلوم من أن ذلك مقدر مكتوب.
فكما أن الإيمان والهداية، والكفر والضلالة قد قدرت، ولكل ذلك أسباب، فكذلك العمر والرزق، يزيد وينقص، بالنظر إلىٰ أسبابه. ولذلك وردت الآثار بالدعاء بطول العمر وسعة الرزق، فيا مَن حرصت علىٰ طول العمر مع بسط الرزق، سارع إلىٰ تقوىٰ الله تعالىٰ وصلة الأرحام، فهذا خير سبيل إلىٰ ذلك.
9/320 ــ وعنه قال: كَانَ أبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بالمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وكَانَ أحَبُّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بيْرَحَاءَ، وكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا، ويَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾ [آل عمران: 92] قَامَ أبو طَلْحَةَ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالىٰ يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾ وَإنَّ أَحَبَّ مَالي إليَّ بَيْرَحَاءُ، وإنَّهَا صَدَقَةٌ لله تعالىٰ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تعالىٰ، فَضَعْهَا يا رسولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ الله، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ! ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ! وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وَإنِّي أَرَىٰ أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ»، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رسولَ الله، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَبَني عَمِّهِ. متفقٌ عليه.
وَسَبَقَ بَيَانُ أَلْفَاظِهِ في (بَابِ: الإنْفَاقِ مِمَّا يُحِب).
هداية الحديث:
1) أحق الناس بالإكرام والصلة هم القرابات.
2) النفقة في القرابة صلة وصدقة.
3) استحباب استشارة العالم في المهمات، فالعلماء هم ورثة الأنبياء.
10/321 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:أَقْبَلَ رَجُلٌ إلىٰ نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أُبَايِعُكَ عَلىٰ الهِجْرَةِ وَالجِهَادِ أبْتَغِي الأَجْرَ مَنَ الله تعالىٰ، قال: «فَهَلْ لَكَ مِن وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ ؟» قال: نَعَمْ، بَلْ كِلاهُمَا، قال: «فَتَبْتَغِي الأجْرَ مِنَ الله تَعالى؟» قال: نَعَمْ، قال: «فَارْجِعْ إلىٰ وَالِدَيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا». متفقٌ عليه. وهذا لَفْظُ مسلِم.
وفي روايةٍ لَهُمَا: جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ، فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قال: نعم،قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ».
هداية الحديث:
1) وجوب ترتيب الأولويات في حياة العبد؛ فيبدأ بمن تأكد حقه ثم من يليه، فهذا من فهم العبد، وحسن توفيق الله تعالىٰ له.
2) بر الوالدين من أوجب الواجبات، فهو آكد من الجهاد إذا كان فرض كفاية.
3) الجهاد مراتب وشعب؛ فكل من قام بطاعة يبتغي بها مرضاة الله تعالىٰ، كبرِّ الوالدين مثلاً، فإنه يُعدُّ من الجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
11/322 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بالمكافئِ، وَلكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا». رواه البخاري.
وَ«قَطَعَتْ» بِفَتْحِ القَافِ وَالطَّاءِ. وَ«رَحِمُهُ» مَرْفُوعٌ.
غريب الحديث:
المكافئ: الذي يصل رحمه مقابل صلتهم وإحسانهم.
هداية الحديث:
1) الواصل لرحمه هو الذي يبدأ في صلة أرحامه، ولو لم يقابلوا صنيعه بالإحسان والوصل.
2) وجوب إخلاص الأعمال لله تعالىٰ، فآثاره خير دائم للعبد في الدنيا والآخرة.
12/323 ــ وعن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ، وَمَن قَطَعَني قَطَعَهُ اللهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تعظيم شأن الرحم وصلتها، فهي لعظم مكانتها تحت العرش قريبة من الرحمن جل جلاله.
2) من وصل رحمه وصله الله تعالىٰ بالخير والرحمة، ومن قطع رحمه قطعه الله تعالىٰ.
13/324 ــ وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رضي الله عنها أَنّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً، وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ الله أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتي؟ قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَما إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
وليدة: أَمَة.
هداية الحديث:
1) الصدقة علىٰ ذوي القربىٰ أفضل وأعظم؛ لأنه صدقة وصلة.
2) من فقه العبد أن يستشير أهل العلم والذكر، حتىٰ يضع الأمور مواضعها.
14/325ــ وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدّيقِ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فاسْتَفَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلي أُمَّكِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَقَوْلُهَا: «رَاغِبَةٌ»، أَيْ: طَامِعَةٌ عِنْدِي تَسْأَلُني شَيْئاً، قِيلَ كَانَتْ أُمَّهَا مِنَ النَّسَبِ، وَقِيلَ: مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
غريب الحديث:
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيام معاهدته مع مشركي قريش في صلح الحديبية.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ العبد أن يصل أقاربه ولو كانوا كفاراً، لأن لهم حق القرابة.
2) صلة الرحم الكافرة ليست من موالاة الكفار المنهي عنها، بل هي نوع من البر والقسط غير المحرم.
3) كمال عدل الإسلام في إعطاء كل ذي حق حقه، دون ظلم أو إسراف، فالقريب الكافر ــ مع كفره ــ لا يُترَكُ حقُّ صلته؛ لأن له رحماً!
15/321 ــ وَعَنْ زَيْنَبَ الثَّقَفِيّةِ امْرَأَةِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إلَىٰ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ اليَدِ ، وإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ، فَاسْأَلْهُ، فَإِن كَانَ ذلِكَ يُجْزِىءُ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفتُهَا إِلَىٰ غَيْرِكُمْ. فَقَالَ عَبْدُ الله: بلِ ائتِهِ أَنْتِ، فانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَاجَتي حَاجَتُهَا، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أُلقِيَتْ عَلَيْهِ المَهابَةُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالبَابِ تَسْألانِكَ: أتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلىٰ أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلىٰ أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخْبِرْهُ مَنْ نحنُ، فَدَخَلَ بِلالٌ عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ، فِقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ هُمَا؟» قَالَ: امْرأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم «أَيُّ الزَّيَانِبِ هيَ؟» قَال: امْرَأَةُ عَبْد الله، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
خفيف ذات اليد: قليل المال.
في حجورهما: في ولايتهما.
هداية الحديث:
1) صلة الأقارب بالصدقة يحصل بها أجران؛ أجر الصدقة، وأجر الصلة.
2) جواز صدقة الزوجة علىٰ أهل بيتها.
3) جواز خروج المرأة من بيتها لحاجتها والسؤال عن أمر دينها، بشرط إذن الزوج.
4) إن طلب العلم والسؤال عن المسائل النافعة من أهم الأمور الواجبة.
16/327 ــ وَعنْ أَبِي سُفْيَانَ صَخْر بْنِ حَرْبٍ رضي الله عنه فِي حَدِيثِهِ الطَوِيل فِي قِصةِ هِرَقلَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لأبي سُفْيَان: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ ــ يَعْني النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ــ؟ قَالَ: قُلتُ: يقُولُ: «اعبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آباؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنا بِالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، والصِّلَةِ». متَّـفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) بعثة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قامت علىٰ الإحسان في عبادة الله، بإفراده بالتوحيد، وفي الإحسان إلىٰ الخلق بالصلة وأداء الحقوق.
2) الأمر بصلة الرحم من أوائل مانزل تشريعه في الدين الإسلامي، وهذا مما يَدلُّك علىٰ أهميته.
17/328 ــ وَعَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرضاً يُذكرُ فِيهَا القِيرَاطُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّىٰ فِيهَا القِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهلِهَا خَيْراً، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً».
وَفِي رِوَايَةٍ: «فإِذَا افْتَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَىٰ أَهْلِهَا، فَإِنَ لَهُمْ ذِمَّةٍ وَرَحِماً»، أَوْ قَال: «ذمَّةً وَصِهْراً». رَوَاه مُسْلِم.
قَالَ الْعُلماء: الرَّحِمُ الَّتي لَهُمْ كَوْنُ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ. «والصِّهْرُ»: كَوْنُ مَارِيَةَ أُمِّ إِبرَاهِيمَ بنِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنهُم.
غريب الحديث:
القيراط: اسم لنوع من النقود يتعامل بها.
ذمة: الحق والحرمة.
صهراً: أهل بيت المرأة يقال لهم أصهار.
هداية الحديث:
1) الرحم لها حق الصلة ولو كانت بعيدة، فمفهوم الرحم أوسع من القرابة القريبة.
2) صلة الرحم من جهة الأم كصلة الرحم من جهة الأب.
3) استحباب الإحسان لذوي القربىٰ والرحم والصهر ولوكانوا مشركين، مالم يحاربوا الله تعالىٰ ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتحصل منهم العداوة الظاهرة.
18/329 ــ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، وَقَال : « يَا بني عَبْدِ شَمْسِ، يَا بَني كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني مرَةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني عبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني هَاشِمٍ، أنْقِذُوا أَنْفُسَكُم مِنَ النَّارِ، يَا بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبُلُّهَا بِبِلالِهَا». رَوَاهُ مُسْلِم.
قَولُهُ «ببلاَلِهَا» هو بفتح الباءِ الثَّانِيَةِ وَكَسرِهَا، «وَالبِلالُ»: المَاءُ. ومَعْنىٰ الحديث: سَأَصِلُهَا، شبَّهَ قَطِيعَتَهَا بِالحَرَارَةِ تُطْفَأْ بِالمَاءِ، وَهذِهِ تُـبَرَّدُ بِالصِّلَةِ.
غريب الحديث:
عشيرتك الأقربين: قرابتك الأدنىٰ فالأدنى.
فعَمَّ وخَصَّ: دعاهم بما يَعُمُّهم جميعاً، ثم خَصَّصَ بعضهم لقرابتهم القويّة.
هداية الحديث:
1) وجوب صلة الأرحام والاعتناء بهم، ومداومة إصلاحهم، وتوجيههم إلىٰ الخير. فهذا من ثمرات صلة الرحم.
2) أول مايجب علىٰ الداعي إلىٰ الله إنذار أهله، ثم عشيرته؛ لأنهم أولىٰ بالخير من غيرهم، ثم الذين يلونهم، حتىٰ يعمَّ الخير الناس جميعاً.
3) الحرص علىٰ هداية الناس من علامات الداعية الموفق، فهو يظهر حبه للناس وحرصه علىٰ إيصال الخير لهم.
4) الترغيب في العمل الصالح، وعدم الاتكال علىٰ النسب أو التفاخر به.
19/330 ــ وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الله عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جِهَاراً غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: «إِنَّ آلَ بَني فُلانٍ لَيْسُوا بِأَوْلِيائي، إنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَ بُلُّهَا بِـبِلالِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْه. واللَّفْظُ للبُخَارِي.
غريب الحديث:
وليِّـي: ناصري الذي أتولاه في جميع الأمور.
هداية الحديث:
1) إنَّ من أهمّ خصال الإيمان: الحبّ في الله، والبغض في الله؛ فعلىٰ المؤمن أن يتبرأ من المودة الدينية للكافرين، إذ لا ولاية بين المسلم والكافر.
2) القريب الكافر له حق الصلة، لكن ليس له الولاية التي هي المحبة والنصرة.
3) أخوة الدين ورابطة الإسلام أعظم من روابط الدم والنسب والمصلحة.
فائدة:
الرحم التي توصل، عامة وخاصة:
ــ فالعامة: رحم الإيمان والعلم، فهذه تجب صلتها بالتواد والتناصح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة.
ــ وأما الرحم الخاصة: فهي للقرابة التي بينك وبينهم نسب، أو مصاهرة، أو رضاعة.
والمعنىٰ الجامع لصلتهم: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، بحسب الحال.
20/331 ــ وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ الأنصَارِيّ رضي الله عنه أَنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُباعِدُني مِنَ النَّارِ، فَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَعْبُدُ الله وَلا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ القيام بالواجبات الشرعية. ومن ذلك صلة الرحم، فهي من الأسباب الموجبة لدخول الجنة والبعد عن النار.
2) من فقه العبد أن يسعىٰ في الزحزحة عن النار، ودخول الجنة والفوز برضوان الله تعالىٰ.
21/332 ــ وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِر رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَىٰ تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْراً فَالمَاءُ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ» وَقَالَ: «الصَّدَقَةُ عَلَىٰ المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَىٰ ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ». رَوَاهُ التّرمِذِيّ وَقَالَ: حَديث حسن.
هداية الحديث:
1) بيان الشريعة لتفاضل الصدقات بحسب محلها، فكلما كان محل الصلة أقرب كانت الصدقة أحسن.
2) الصدقة علىٰ الفقير صدقة، وعلىٰ ذي القرابة اثنتان؛ صدقة وصلة.
تنبيـه:
هذا الحديث لا يصح من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم، مما رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُفطرِ قبل أن يصلِّيَ علىٰ رُطباتٍ، فإن لم تكن رُطباتٍ فتُميراتٍ، فإن لم يكن تُميراتٍ حسا حَسواتٍ من ماءٍ.
22/333 ــ وَعَنْ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتىٰ عُمَرُ رضي الله عنه النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكرً ذلِكَ لَهُ، فقَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «طَلِّقْهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والتّرْمِذيّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حسَنٌ صحِيح.
هداية الحديث:
1) وجوب طاعة الوالد، حتىٰ فيما تكرهه النفوس.
2) طاعة الوالدين تكون بالمعروف، فلو أمر أحدهما بما يفسد حال الولد في دينه، فلا طاعة له.
23/334 ــ وَعَنْ أَبِي الدَّردَاءِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ لي امْرَأَةً، وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلاقِهَا ؟ فَقَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: «الْوَالِدُ أوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذلِكَ الْبَابَ، أَوِ احْفَظْهُ». رَوَاهُ التّرمِذيّ وَقَالَ: حديثٌ حسَنٌ صحيح.
غريب الحديث:
أوسط أبواب الجنة: خير أبوابه.
هداية الحديث:
1) إرضاء الوالدين مقدم علىٰ إرضاء الزوجة.
2) بيان طريقة الصحابة عند الفتوى؛ بذكر أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يتكلّفوا آراءهم.
تنبيه مهمّ:
ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته، لكن ينظر إلىٰ حال الأب واستقامته، فإن كان من أهل الصلاح والرأي السديد، ويرىٰ من المصلحة ما لا يراه ابنه، فعندئذٍ يُطاع فيما أمر، أما إن كان فاسقاً غير ذي رأي رشيد، فلا يطاع بما فيه مفسدة لولده.
24/335 ــ وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَة الأُمِّ». رَوَاهُ التّرمِذيّ وَقَالَ: حَديثٌ حسَنٌ صحيح.
وفِي البَابِ أَحاديث كثِيرة في الصحيح مشهورة، مِنها حديث أصحابِ الغارِ، وحديث جُرَيْجٍ وَقَدْ سبَقَا، وأَحادِيثُ مشهورة في الصحيح حَذَفْتُهَا اخْتِصَاراً، وَمِنْ أَهَمّها حدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رضي الله عنه الطَّوِيلُ المُشْتَمِلُ عَلىٰ جُمَلٍ كَثِيرة مِنْ قَوَاعِدِ الإسْلاَمِ وَآدابِهِ، وَسَأَذْكُرُهُ بِتَمَامِهِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالىٰ في (بابِ الرَّجَاءِ)، قال فيه: دَخلْتُ عَلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، يَعْني فِي أَوَّلِ النُّبـُوَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: «نَبيّ»، فَقُلتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «أَرْسَلَني الله تَعَالى»، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَال: «أَرْسَلَني بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسرِ الأوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ» وَذَكَرَ تَمَامَ الحديث. والله أعلم.
غريب الحديث:
المنزلة: المرتبة والمقام.
هداية الحديث:
1) وجوب بر الخالة والإحسان إليها، كما يحسن العبد لأمه؛ لأن الأم والخالة بمنزلة واحدة. قال صلى الله عليه وسلم: «الخالة بمنزلة الأم». رواه البخاري.
2) الخالة مثل الأم في العطف علىٰ أبناء أختها، وهي كذلك في حضانتهم.
41 ــ باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ * أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ} [محمد: 22 ــ 23] ، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 25] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء: 23 ــ 24].
هداية الآيات:
1) قطيعة الرحم سبب للعذاب والعقوبة الإلهية العامة. فدلَّ ذلك علىٰ أنها من كبائر الذنوب.
2) النهي عن أدنىٰ أذية تلحق الوالدين، ولو بكلمة تأفف، فإنها نوع من العقوق.
1/336ــ وَعَنْ أَبِي بكْرَةَ نُفَيْعِ بن الحارِثِ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُنَـبِّـئُـكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ـ ثَلاثاً ـ قُلْنَا: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله: قَالَ: «الإشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّىٰ قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
2/337 ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ العَاص رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَموسُ». رَوَاهُ البُخَارِي.
«اليَمِينُ الْغَمُوسُ» الَّتي يَحْلِفُهَا كَاذِباً عَامِداً، سُمِّيَتْ غَمُوساً؛ لأَنـَّهَا تَغْمِسُ الحَالِفَ فِي الإثْمِ.
غريب الحديث:
قول الزور: يعني الكذب والباطل وجميع الكلام الفاحش، وشهادة الزور: الذي يشهد بالكذب. وشهادة الزور داخلة في قول الزور.
هداية الأحاديث:
1) عقوق الوالدين من أعظم كبائر الذنوب، لهذا قُرن مع الإشراك بالله تعالىٰ.
2) الترهيب من مفاسد شهادة الزور، فالذي يشهد الزور قد أساء إلىٰ نفسه؛ لأنه أتىٰ كبيرة من كبائر الذنوب، وأساء إلىٰ المشهود له؛ لأنه سلّطه علىٰ ما لا يستحقه فأكله بالباطل، وأساء إلىٰ المشهود عليه؛ فإنه ظلمه واعتدىٰ عليه. ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر.
3) الحذر من هذه الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وشهادة الزور؛ لما فيها من المفاسد العظيمة في الدنيا والآخرة.
4) بيان النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمته طرق الخير ليسلكوها، وطرق الشَّرِّ ليحذروها.
3/338 ــ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَال: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهَلْ يَشْتِم الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وفي رواية: «إنَّ مِنْ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ!» قِيلَ: يا رسولَ الله، كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قال:«يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ».
هداية الحديث:
1) التحذير من أن يكون العبد سبباً في شتم والديه، وتعريضهما للإهانة، وذلك بأن يبتدئ الناس بشتم قراباتهم.
2) المتسبب في فعل الشيء وحصوله، بمنزلة المباشر له، فهذا لما تسبب في شتم والديه كان كمن سبهما مباشرة.
4/339 ــ وعن أبي مُحمد جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ». قال سفيان في روايتِهِ: يَعْني: قَاطِع رَحِم. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الترهيب الشديد من قطع الأرحام؛ فهو سبب يحول بين المرء ودخول الجنة.
2) النفي الوارد عن دخول الجنة، هو من باب الوعيد لهذه العقوبة وليس معناه الخلود الدائم في النار وعدم دخول الجنة أبداً.
فائدة:
قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «هذا الحديث يُتأوّل تأويلين:
ــ أحدهما: حمله علىٰ من يستحل القطيعة بلا سبب ولا شبهة، مع علمه بتحريمها، فهذا كافر يخلّد في النار، ولا يدخل الجنة أبداً.
ــ والثاني: معناه: لا يدخلها في أول الأمر مع السابقين، بل يُعاقب بتأخّره القَدْر الذي يريده الله تعالىٰ». (شرح صحيح مسلم).
5/340 ــ وعن أَبي عِيسىٰ المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ حَرَّمَ علَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، ومَنْعاً وهاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وقَالَ، وكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإضَاعَةَ المَالِ». متفقٌ عليه.
قولُهُ: «مَنْعاً» مَعْنَاهُ: مَنْعُ مَا وَجبَ عَلَيْهِ وَ«هَاتِ»: طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ. وَ«وَأْدَ البَنَاتِ» مَعْنَاهُ: دَفْنُهُنَ في الحَيَاةِ، وَ«قيلَ وقَالَ» مَعْنَاهُ: بِكُلِّ مَا يَسْمَعُهُ، فَيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وَقَالَ فُلان كَذَا مِمَّا لا يَعْلَمُ صحَّتَهُ، وَلا يَظُنهَا، وكَفَىٰ بالمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. وَ«إضَاعَةُ المَال»: تَبْذِيرُهُ وَصَرْفُهُ في غَيْرِ الوجُوهِ المَأْذُونِ فِيهَا مِنْ مقَاصِدِ الآخرة والدُّنْيَا، وتَركُ حِفْظِهِ مَعَ إمْكَانِ الحِفْظِ. وَ«كَثْرَةُ السُّؤَالِ»: الإلحَاحُ فِيمَا لا حَاجَةَ إلَيْهِ.
وفي البابِ أَحَادِيثُ سَبَقَتْ في البَابِ قَبْلَهُ كَحَدِيثِ «وأَقْطَعُ مَنْ قَطَعَكِ» وحديث «مَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ الله».
هداية الحديث:
1) تحريم عقوق الأمهات وكذلك الآباء، وإنما خص الأمهات بالذكر لضعفهن وشدة حاجتهن.
2) المال أمانة عند العبد يجب أن يرعاه، فلا يضعه إلا فيما فيه مصلحة دينية أو دنيوية.
3) الذي يبذل المال في محرم، فإنه مرتكب لممنوعين: إضاعة المال، وارتكاب المحرم. فَلْيحذرِ العبد من ذلك.
4) حفظ الشريعة لكل ما يفسد الدين أو العقل أو المال، وهذا من كمال هذا الدين العظيم.
فائدة:
إن صلة الرحم والإحسان للغير مما يُرىٰ ثوابه في الدنيا قبل الآخرة، وإن قطيعة الرحم والبغي علىٰ حق الغير مما يُعجّل العقوبة لصاحبها في الدنيا قبل الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «ليسَ شيءٌ أُطيعَ اللهُ فيهِ أَعْجَلُ ثواباً من صلةِ الرحمِ، وليسَ شيءٌ أعجَلُ عِقاباً من البَغْيِ وقطيعةِ الرحمِ»، رواه البيهقي في (السنن الكبرىٰ) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
42 ــ باب بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه
1/341 ــ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن أَبَرَّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلَ ودَّ أَبِيهِ».
2/342ــ وعن عبدِ الله بن دينارٍ عن عبد الله بن عمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَجُلاً مِنَ الأعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ عَلىٰ حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلىٰ رَأْسِهِ، قال ابنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أصْلَحَكَ اللهُ، إنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وَهُمْ يَرْضوْنَ بِاليَسِيرِ، فقال عبدُ الله بْنُ عُمَرَ: إنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدّاً لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب رضي الله عنه، وإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أهْلَ ودِّ أَبِيهِ».
وفي رواية عن ابن دينارٍ عن ابن عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذَا خَرَجَ إلىٰ مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمارٌ، يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إذا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِها رَأْسَهُ، فَبَيْنَما هُوَ يَوْماً عَلىٰ ذلِكَ الحِمَارِ، إذ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فقال: أَلسْتَ ابنَ فُلانِ بنِ فُلانٍ؟ قال: بَلَىٰ فَأَعْطَاهُ الحِمَارَ، فقال: ارْكَبْ هَذَا، وأَعْطَاهُ العِمَامَةَ، وقال: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فقال لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ الله لَك،َ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابيَّ حِمَاراً كُنتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِها رَأْسَكَ ؟ فقال: إنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وِدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ» وإنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقاً لِعُمَرَ رضي الله عنه. روىٰ هَذِه الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا مسلم.
غريب الحديث:
أبرّ البر: أكمله وأبلغه.
ود: الحب والمودة والصداقة.
يتروَّح عليه: يستريح عليه.
هداية الأحاديث:
1) إن من عظيم بر الوالدين أن تُكرم من كان له معهما محبّة.
2) امتثال الصحابة رضي الله عنهم للسنة النبوية، ورغبتهم في الخير، ومسارعتهم إليه. وكثرة فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
3) من تمام البر والصلة الإنفاق علىٰ أصدقاء والدَيّ الرجل بأخص ماله ومايرضاه لنفسه.
3/343 ــ وعن أبي أُسَيْدٍ،ـ بضم الهمزة وفتح السين ـ مالِك بن رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قال: بَيْنَا نَحْنُ جلُوسٌ عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذ جَاءَه رَجُلٌ مِن بَني سَلِمَةَ، فقالَ: يا رسولَ الله، هَلْ بقيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا ؟ فقال: «نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتي لا تُوصَلُ إلَّا بِهِمَا، وَإكْرَامُ صَدِيقِهِما». رواه أبو داود[3].
غريب الحديث:
[3] الحديث إسناده ضعيف.
الصلاة عليهما: الدعاء لهما.
إنفاذ عهدهما: إنفاذ وصيتهما.
هداية الحديث:
1) إن من البر الذي يفعله الولد لوالديه بعد موتهما: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإكرام صديقهما، وإنفاذ وصيتهما، وصلة الرحم التي لاصلة لك إلا بهما.
2) الحرص علىٰ تربية الأولاد تربية صالحة، تعود بالنفع علىٰ الوالدين في الحياة ببرهما، وبعد الممات بالدعاء لهما.
3) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ الخير وعدم انقطاعه. والمؤمن المسدّد هو من يقتدي بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصال الخير.
4/344 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت مَا غِرْتُ علىٰ أحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرتُ عَلىٰ خديجةَ رضي الله عنها، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا إلَّا خَديجَةُ! فيقولُ: «إنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لي مِنْهَا وَلَدٌ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: وإنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاة، فَيُهْدِي في خَلائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ.
وفي روايةٍ: كَانَ إذَا ذَبَحَ الشَاةَ يَقُولُ: «أرْسِلُوا بِهَا إلىٰ أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ».
وفي روايةٍ: قالت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَة بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَديجَةَ عَلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَديجَةَ، فَارْتَاحَ لِذلِكَ، فقالَ: «اللهم هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».
قولُهَا: «فَارْتَاحَ» هو بِالحاءِ، وفي الجَمْعِ بين الصحيحين لِلْحُمَيْدِي: «فَارْتَاعَ» بِالعينِ، ومعناه: اهْتَمَ بِهِ.
غريب الحديث:
صدائق: جمع صديقة.
خلائلها: جمع خليلة، وهي الصديقة.
وكان لي منها ولد: كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم أربع بنات، وثلاثة أولاد، كلهم من خديجة رضي الله عنها، إلا ولده إبراهيم رضي الله عنه، فكان من مارية القبطية رضي الله عنها.
فعرف استئذان خديجة: تذكر عند استئذانها خديجة رضي الله عنها، لأن صوت هالة يشبه صوت خديجة رضي الله عنهما.
هداية الحديث:
1) إن إكرام صديق الإنسان بعد موته يعتبر إكراماً له وبرّاً به.
2) إظهار فضيلة ومنقبة لأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
3) حُسن وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجته الأولى، التي ناصرته وثبتت معه رضي الله عنها، وهذا فيه وصية عظيمة للأزواج في حفظ حق زوجاتهم بعد الموت، فكيف حال الحياة؟!.
5/345 ــ وعن أَنَس بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: خَرَجْتُ معَ جَريرِ بن عبدِ الله الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه في سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني، فَقلتُ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فقال: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، آليتُ عَلىٰ نَفْسي أَلا أَصْحَبَ أَحَداً مِنْهُمْ إلَّا خَدَمْتُهُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
آليت: حلفت.
هداية الحديث:
1) إكرام مَن يكرم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ فإكرام أصحابُ الرجلِ إكرامٌ للرجل، واحترامهم احترام له.
2) بيان تواضع الصحابة رضي الله عنهم، ومعرفة فضائل بعضهم. فهذا جرير خدم أنساً رضي الله عنهما؛ لأنه من الأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
43 ــ باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم
قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: 33] ، وقال تعالىٰ: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
هداية الآيات:
1) آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم هم قرابته المؤمنون، وزوجاته أمهات المؤمنين، كلهم آل بيته الذين لهم حق القربىٰ.
2) أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم لهم حقان: حق الإيمان، وحق القرابة، فنعظّمهم، ونحفظ لهم هذا الحق، دون غلو وعصبية كما يقع من بعض الطوائف المبتدعة، الذين غلوا في بعض الأئمة بما يخالف أصول الشريعة.
1/346 ــ وعن يَزِيدَ بنِ حَبَّانَ قال: انْطَلَقْتُ أَنا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وعَمْرُو بْن مُسْلِمٍ إلىٰ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنهم، فَلَمَّا جَلَسْنَا إلَيْهِ قال له حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثيراً، رَأَيْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: يَا بْنَ أَخِي، وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسيتُ بَعْضَ الَّذي كُنْتُ أَعِي مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَمَا حَدَّثْتكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لا فَلا تكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قال: قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً فِينَا خَطِيباً بِمَاءٍ يُدْعَىٰ خُمّاً بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنىٰ عَلَيْه، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ: أَلا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رسولُ رَبيِّ فَأُجِيبَ، وَأنا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ الله، فِيهِ الهُدىٰ وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ الله، وَاسْتَمْسِكُوا بِه». فَحَثَّ عَلىٰ كِتَابِ الله، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمْ اللهَ في أَهْلِ بَيْتي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ ؟ أَليْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلكِنْ أَهْلُ بَيتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلِ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هؤُلاءِ حُرِمَ الصدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه مسلم.
وفي روايةٍ: «أَلا وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْن: أَحَدُهُمَا كِتَابُ الله، وَهُوَ حَبْلُ الله، مَنِ اتَّبَعَه كَانَ عَلىٰ الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلىٰ ضَلاَلَةٍ».
2/347 ــ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه مَوْقُوفاً عَلَيْهِ أَنّهُ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم في أَهْلِ بَيْتِهِ. رواه البخاري.
مَعْنَى: «ارْقُبُوا» رَاعُوهُ وَاحْتَرِمُوهُ وَأَكْرِمُوهُ، والله أعلم.
غريب الحديث:
أعي: أحفظ.
ثقلين: كل شيء عظيم نفيس، وسمّاهما ثقلين: إعظاماً لحقها، وتفخيماً لشأنهما.
هداية الأحاديث:
1) وجوب التمسك بكتاب الله، ففيه الهدىٰ والنور، فالهداية التامة، والنور التام، متوقفان علىٰ العلم والعمل بكتاب الله تعالىٰ.
2) الوصية بآل بيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بأن نعرف لهم حقهم ونرعاه، فلهم حق زائد علىٰ حقوق غيرهم من سائر الأمة.
3) آل بيته صلى الله عليه وسلم لهم خصائص ليست لغيرهم، ولهم كرامة وشرف وسيادة، بما يناسب منزلتهم، فلا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة الواجبة؛ لأنها أوساخ الناس، فهم أشرف وأعلىٰ من أن تحل لهم الصدقة.
4) إن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ــ وهنَّ نساء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ــ من أهل بيته، ومن زعم غير ذلك فهو ضال منحرف عن طريق السُّنَّـة والجماعة.
44 ــ باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم
قال الله تعالىٰ: {قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [الزمر: 9].
هداية الآية:
1) المراد بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وتوقير العلماء سبب توقير الشريعة؛ لأنهم حاملوها، فإكرامهم إكرام للشريعة.
2) بيان الفرق بين العالم والجاهل؛ لأن العالم متصف بصفة مدح، والجاهل متصف بصفة ذم.
1/348 ــ وعن أبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عمرٍو البدرِيِّ الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإنْ كَانُوا في الْقِرَاءة سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا في السُّنـَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلا يَقعُدْ في بَيْتِهِ عَلىٰ تكْرِمَتِهِ إلَّا بِإذْنِهِ». رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: «فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً» بَدَل «سِنَّا»: أَوْ «إسْلاماً».
وفي روايةٍ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءة، فَإنْ كَانَتْ قِرَاءتُهُمْ سَوَاءً، فَيَؤُمُّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمُ سِنّاً».
وَالمُرَادُ «بِسُلْطَانِهِ» مَحَلُّ ولايَتِهِ، أَوِ المَوْضِعُ الَّذِي يَخْتَصُّ به. «وَتكْرِمَتُهُ» بفتحِ التاءِ وكسر الراءِ: وَهِيَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ فِرَاشٍ وَسريرٍ وَنَحْوِهِمَا.
غريب الحديث:
تكرمته: مكان الإكرام كصدر المجلس.
هداية الحديث:
1) صاحب العلم مقدَّمٌ علىٰ غيره في الوظائف الدينية كالإمامة في الصلاة، فيُقدم الأقرأ لكتاب الله، ثم الأعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) أعظم العلوم هو العلم بكتاب الله جل جلاله، والعلم بالسنة النبوية. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ العناية بالأصلين العظيمين: الكتاب والسنة، والاستغناء بهما عن ما سواهما.
2/349 ــ وعنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَح مَنَاكِبَنَا في الصَّلاَةِ ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِني مِنكُمْ أُولُو الأَحْلاَمِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثم الذين يَلُونَهُمْ». رواه مسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي»، هو بتخفيفِ النُّون وَلَيْس قَبْلها يَاءٌ، وَرُوِيَ بتشديد النُّونِ مَعَ يَاءٍ قَبْلَهَا، «وَالنُّهَى»: الْعُقُولُ: «وَأُولُو الأَحْلام» هُمُ الْبَالِغُونَ، وَقِيلَ: أَهْلُ الحِلْمِ وَالْفَضْلِ.
غريب الحديث:
لِيَلِني: لِيدنو مني في الصلاة، وَلْيكنْ من ورائي.
هداية الحديث:
1) وجوب تسوية الصفوف، وسَدّ الفُرَج، والتحاذي بالمناكب والأقدام في الصلاة.
2) علىٰ الإمام أن يحرص علىٰ تفقد الصفوف وتسويتها، بقوله وبفعله، اقتداء بعمل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3) الترغيب في أن يُقدم إلىٰ الإمام عند المصافَّة الكبارُ وأهل الفضل والحلم.
3/350 ــ وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنكُمْ أُولُو الأحلام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ثلاثاً «وَإيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
هيشات الأسواق: ما يكون فيها من اختلاط ومنازعة وخصومة وارتفاع الأصوات.
هداية الحديث:
1) للمساجد حقها المحفوظ، فلا يجوز للمصلين إحداث فتن في المساجد من الخصومات وارتفاع الأصوات؛ لأن ذلك يذهب بالخشوع.
2) الحث علىٰ وقوف الكبار العقلاء وراء الإمام، ثم يلونهم من هم دونهم.
فائـدة (1):
فهم بعض الناس من الحديث نهي الصبيان عن الوقوف وراء الإمام، وهذا خطأ وثَمَّ فرق بين أن تكون العبارة: «لايلني إلا أولو الأحلام»، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام». فالثانية: تحث الكبار العقلاء علىٰ التقدم، والأولىٰ معناها: أنه ينهىٰ أن يلي الإمام من ليس بالغاً، أوعاقلاً، ولكن الرواية النبوية هي الثانية. وبناء علىٰ ذلك فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف المتقدم إلا أن يحدث منهم أذية، لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم ينهَ عن وقوف الصغار وراء الإمام، وإنما حث الكبار علىٰ القرب من الإمام. فتدبر الفرق.
فائـدة (2):
الذين يزجرون الصبيان عن الصف المتقدم وقعوا في مفاسد، منها:
1) أخطؤوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم؛ فإن الصبي صاحب حق ولو كان صغيراً.
2) أنهم يُكرِّهون المساجد للصبية الصغار، وهذا يؤدي إلىٰ أن ينفرَ الصَّبيُّ عن المسجد، ويكره مَن طَرَدَه.
3) لو أننا طردنا الصبيان من أوائل الصفوف لحصل منهم عند تأخرهم من اللعب مايوجب اضطراب المسجد وأهله.
4/351 ــ وعن أبي يَحْيَى، وَقِيلَ: أبي مُحَمَّد، سَهْلِ بن أبي حَثْمَة ــ بفتح الحاءِ المهملة وإسكانِ الثاءِ المثلثةِ ــ الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: انْطَلَقَ عَبْدُ الله بن سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُود إلىٰ خَيبَرَ، وَهِي يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا ، فأتَىٰ مُحَيِّصَةُ إلىٰ عبدِ الله ابنِ سهلٍ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرحْمنِ ابن سهل وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصةُ ابْنَا مَسْعُود إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَحمنِ يَتكَلَّمُ، فقال: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتكَلَّمَا، فقال: «أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟»، وَذَكَرَ تَمامَ الحديث، متفقٌ عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «كَبِّرْ كَبِّرْ» مَعْنَاهُ: يَتكَلَّمُ الأَكْبَرُ.
غريب الحديث:
يتشحط: يتخبط في دمه.
أحدث القوم: أصغرهم سناً.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تقديم الأكبر سنّاً في الكلام، فهذا من الأدب النبوي الذي أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) إن تعلم الآداب النبوية من أهم المهمات في حياة العبد المؤمن.
5/352 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَىٰ أُحُدٍ يَعْنِي في القَبْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذاً لِلْقُرْآنِ ؟» فَإذَا أُشِيرَ لَهُ إلىٰ أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
اللحد: هو ميل في الجدار القبلي للقبر، يوضع فيه الميت.
هداية الحديث:
1) يجوز في القبور اللحد والشق؛ لوقوع العمل عليهما في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكن اللحد أفضل.
2) جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، عند الحاجة أو الضرورة.
3) تقديم أهل العلم والفضل يكون في حياتهم، وبعد مماتهم، وهذا لشرف العلم الذي حملوه في صدورهم.
6/353 ــ وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَاني في المَنَامِ أتسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَني رَجُلانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِن الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ، فقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إلىٰ الأَكْبَرِ مِنْهُمَا». رواه مسلم مُسْنَداً والبخاري تعلِيقاً.
هداية الحديث:
1) اعتبار كبر السن؛ فيقدم الأكبر في إعطاء الشيء إذا كان الحاضرون أمامك.
2) مراعاة البدء باليمين عند توزِّع الحاضرين يمنة ويسرة.
7/354 ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن إجْلالِ الله تعالىٰ إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالجَافي عَنْهُ، وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِطِ». حديثٌ حسَنٌ رواه أبو داود.
غريب الحديث:
إجلال الله: تعظيم الله.
الغالي: المتجاوز الحد في التشديد.
الجافي: التارك للعمل به والهاجر له.
المقسط: العادل.
هداية الحديث:
1) استحباب إكرام مَن له فضل، أو تقدم سنّ، وتوقيرهم في المجالس اعترافاً بفضلهم وسبقهم.
2) الغلو في الأمر مهلكة، والجفاء بُعدٌ وتقصير، والوسط هو أعدل الأمور.
3) دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وكل من لزم السنة النبوية، وهدي الصحابة، وسلف الأمة، في أقواله وأفعاله وأحواله، وُفِّق إلىٰ الوسطية.
8/355 ــ وعن عَمْرِو بن شُعَيْب عَن أبِيهِ عن جدِّه رضي الله عنهم قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ويَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا». حديثٌ صحيحٌ. رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسن صحيحٌ.
وفي رواية أبي داود: «حَقّ كَبِيرِنَا».
غريب الحديث:
ليس منا: ليس من سنتنا وهدينا وطريقتنا.
هداية الحديث:
1) استحباب توقير الكبار وإجلالهم، والرحمة بالصغار وبذلك تتم الأمور.
2) أهلُ الإيمان يكمل بعضهم بعضاً في المجتمع المسلم.
9/356 ــ وعن مَيْمُونِ بن أَبي شَبِيبٍ ــ رحمه الله ــ، أنّ عَائشَةَ رضي الله عنها مَرَّ بها سَائِلٌ، فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأَقْعَدَتْهُ، فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا في ذلِكَ؟ فقالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ». رواه أبو داود. لكِنْ قال: مَيْمُون لَمْ يُدْرِك عائِشَةَ[4].
وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في أَوَّلِ صَحِيحِهِ تَعْلِيقاً، فقال: وَذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: أَمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَذَكَرَهُ الحَاكِمُ أَبُو عَبدِ الله في كِتَابِهِ «مَعْرِفَة عُلُومِ الحديث» وقال: هو حديثٌ صحيح. [4] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
كسرة: قطعة خبز.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ مراعاة مراتب الناس ومكانتهم، من غير ظلم وجور، بل بمقتضىٰ العدل، فلا يُقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يُرفع متَّضِع القدر فوق منزلته.
2) تفاوت الناس سنة إلهية قدَّرها الله تعالىٰ في أصل الخلق، وأما الدعوة إلىٰ تساوي الناس في كل شيء، فهي دعوة جاهلية، خالية من العلم الرشيد، والفهم السديد.
10/357 ــ وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلىٰ ابْن أخِيهِ الحُرِّ بْن قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ رضي الله عنه ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ،كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً، فقال عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه ، فلما دَخَلَ قال: هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِّ! فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بِالعَدْلِ، فَغضب عُمَرُ رضي الله عنه حَتَّىٰ هَمَّ أَنْ يُوقعَ بِهِ، فقال لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إنَّ الله تعالىٰ قال لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ وإن هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ رضي الله عنه حِينَ تَلاَهَا عَلَيهِ، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ الله تعالىٰ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
يدنيهم: يقربهم.
هِيْ: كلمة تهديد ووعيد.
الجزل: الجود بالعطاء.
هداية الحديث:
1) مخاطبة كل إنسان بحسب حاله؛ فلا يُخاطَب الأمير أو المقدَّم في الناس كما يُخاطَب العامة.
2) فضيلة عُمرَ رضي الله عنه في تعظيمه لآيات الله، فعند سماعه آية العفو والإعراض عن الجاهلين امتثلها، فعفا عن الرجل. فأين المقتدون بالفاروق رضي الله عنه؟
11/358 ــ وعن أبي سَعيد سَمُرَةَ بن جُنْدبٍ رضي الله عنه قال: لَقَدْ كُنْتُ عَلىٰ عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم غُلاماً، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُني مِنَ القَوْلِ إلَّا أنَّ هَهُنا رِجَالاً هُمْ أَسَنُّ مِنِّي. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) كراهة التحديث بالشيء إذا كان في الحاضرين من هو أكثر علماً أو أكبر سنّاً.
2) إن توقير الكبار وإجلالهم مما يجب أن يُربىٰ الناشئة عليه؛ ليكبروا علىٰ الأدب.
3) معرفة صغار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفَ كبارهم، فهم يعلمون أنهم علىٰ خير ما دام العلم يأتيهم من قِبَل أكابرهم.
فائــدة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة مع أكابرهم» رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
هذا منهج نَبَويٌّ يجب أن يُسلَك في جميع نواحي الحياة العلمية والعملية، فالكبير في العلم والسن يجب أن يُقدَّم علىٰ الأصاغر. واليوم ما اضطربت أحوالنا إلا لمَّا فقدنا هذا المنهاج العظيم، فتصدَّر الأحداثُ القيادة دون الكبار، ورضي الله عن الفاروق عمر بن الخطاب يوم قال: «قد علمت متىٰ صلاح الناس، ومتىٰ فسادهم :إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصىٰ عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير، تابعه عليه الصغير، فاهتديا». رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله).
12/359 ــ عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ إلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّه». رواه الترمذي وقال: حديث غريب[5].
غريب الحديث:
[5] الحديث إسناده ضعيف.
قيَّض: قدَّر.
هداية الحديث:
1) استحباب إكرام شيوخ المسلمين لكبر سنهم، وتقدم إيمانهم، فإكرامهم يكون لهذين الوجهين.
2) الجزاء من جنس العمل، ولايذهب المعروف ولو قلَّ.
3) الحث علىٰ تعلم الآداب الشرعية النبوية، ومن ذلك إكرام كبار السِّنِّ.
45 ــ باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم
وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة
قال الله تعالىٰ: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾ إلىٰ قوله تعالىٰ: ﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا﴾ [الكهف: 60 ـ 66] ، وقال تعالىٰ: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥ} [الكهف: 28].
هداية الآيات:
1) الحث علىٰ صلة أهل الخير، وهم أهل العلم والإيمان والصلاح.
2) إن صبر النفوس علىٰ مصاحبة أهل الصلاح هي وصية الله تعالىٰ لنبيه صلى الله عليه وسلم.
1/360 ــ وعن أنَسٍ رضي الله عنه قال: قال أبو بَكْر لِعمرَ رضي الله عنهما بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : انْطَلِقْ بِنَا إلىٰ أُمِّ أَيْمَنَ رضي الله عنها نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا، فَلمَّا انْتَهَيَا إلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالاَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: إنِّي لا أَبْكِي أَنّي لأَعْلَمُ أَنَّ ما عِنْدَ الله تعالىٰ خَيْرٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلكِنْ أَبْكِي أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَىٰ البُكَاءِ، فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم.
غريب الحديث:
أم أيمن: مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته في طفولته أعتقها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين كبر.
فهيجتهما: أثارتهما علىٰ البكاء.
هداية الحديث:
1) تأسي الصحابة رضوان الله عليه بالرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمر، حتىٰ في تفقُّدِهِ وزيارته لذوي الحقوق.
2) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لشأن الوحي (القرآن والسنة)؛ فهم بكوا لأنه انقطع. فلماذا لا يبكي من أضاعه وهجره؟!
3) إن البكاء حزناً علىٰ فراق الصالحين وانقطاع الخير ليس من النياحة المحرمة.
4) الحث علىٰ زيارة أهل الخير، فهذا من حقوق الأخوة الإيمانية.
2/361 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أنَّ رَجُلاً زَارَ أَخاً لَهُ في قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ تعالىٰ عَلىٰ مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، فَلَمَّا أَتَىٰ عَلَيْهِ قال: أَيْنَ تُريدُ؟ قال: أُرِيدُ أَخاً لي في هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قال: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ ؟ قال: لا، غَيْرَ أنِّي أَحْبَبْتُهُ في الله تعالىٰ، قال: فَإنِّي رَسُولُ الله إلَيْكَ بأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ». رواه مسلم.
يقال: «أَرْصَدَه» لِكَذا: إذَا وَكَّلَهُ بِحِفْظِهِ، وَ«المَدْرَجَةُ» بفتحِ الميمِ والراءِ: الطَّريقُ، ومعنىٰ «تَرُبُّهَا» تَقُومُ بهَا، وَتَسْعَىٰ في صَلاحِهَا.
3/362 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ في الله، نَادَاه مُنَادٍ: بِأَنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ، وفي بعض النسخ غريبٌ.
هداية الأحاديث:
1) استحباب زيارة الإخوان في الله، فالأخوة الإيمانية فوق روابط الدم والنسب والمصالح.
2) فضيلة الحب في الله، والتزاور فيه، فمَن أحب في الله فقد صدق في محبة مولاه.
3) التزاور في الله سبب لدخول العبد الجنة، ونيل الثواب العظيم.
4) ترغيب الشريعة في كل مايجلب المودة بين الأخوة، كالتواصل والتزاور.
4/363 ــ وعن أبي موسىٰ الأشعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ المِسْكِ إمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً طَيّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ، إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً منتِنَةً». متفقٌ عليه.
«يُحْذِيكَ»: يُعْطِيكَ.
غريب الحديث:
الكير: ما ينفخ به الحداد النار.
تبتاع: تشتري.
هداية الحديث:
1) ضرب الأمثال في الأحاديث النبويةمن أساليب التعليم؛ لتقريب المعنىٰ للسامع.
2) النهي عن صحبة أهل السوء والشر؛ فإن مصاحبتهم تُسيءُ في الدين والدنيا.
3) الترغيب في اتخاذ الأصدقاء الصالحين، فمثلهم كبائع الروائح الطيبة لاتجد منهم إلا طيباً.
5/364 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». متفقٌ عليه.
ومعناه: أَنَّ النَاسَ يَقْصِدُونَ في الْعَادَةِ مِنَ المَرْأَةِ هَذِهِ الخِصَالَ الأَرْبَعَ، فَاحْرِصْ أَنْتَ عَلىٰ ذَاتِ الدِّينِ، وَاظْفَرْ بِها، وَاحْرِصْ عَلىٰ صُحْبَتِهَا.
غريب الحديث:
تربت يداك: هذه الكلمة تقال عند العرب للحث علىٰ الشيء، وهي بمعنىٰ الدعاء له.
هداية الحديث:
1) خير الأمور التي يقصدها الخاطب فيمن يتزوجها هو الدين؛ لأنها تعينه علىٰ دينه، وتحفظ أمانته، وترعىٰ أولاده.
2) أكثر النكاح بركة ماكان مبنياً علىٰ الدين.
6/365 ــ وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لِجِبْرِيلَ –عليه السلام_: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزَورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورَنا ؟» فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا﴾. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الترغيب في طلب زيارة أهل الخير إلىٰ بيتك، من أجل أن تنتفع بصحبتهم.
2) محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريلu؛ لأنه يحمل معه الوحي الذي فيه الهدىٰ والنور.
3) الملائكة لاتتصرف ولاتنزل إلا بأمر الله. وهكذا شأن العبد المؤمن؛ لايتصرف في الأمور الشرعية إلا بعد معرفة حكم الله تعالىٰ وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ليكون أمرُه تابعاً لأمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
7/366 ــ وعنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِناً، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلَّا تَقيٌّ ».
رواه أبو داود، والترمذي بإسْنَادٍ لا بأس بِهِ.
هداية الحديث:
1) النهي الشديد عن صحبة الكفار والفجار ومودتهم، والنهي عن إكرامهم حتىٰ بالأكل والشرب.
2) الأمر بملازمة الأتقياء من أهل الإيمان ومخالطتهم، فهذه وصية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التي يجب حفظها.
8/367 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّجُلُ عَلىٰ دينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».
رواه أبو داود، والترمذي بإسنادٍ صحيح، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
الخليل: الصديق والصاحب الخالص.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يصحب الأخيار؛ لأن للخلطة أثراً بيناً في سلوك العبد.
2) المرء يزداد إيمانه بصحبته المؤمنين، وينقص بصحبة الفاسقين، فالصاحب ساحب، إما إلىٰ الخير أو إلىٰ الشر، والمخالطة تورث المشاكلة.
9/368 ــ وعن أبي موسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». متفقٌ عليه.
في رواية قال: قِيلَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلـمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قال: «المَرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
هداية الحديث:
1) علىٰ المسلم أن يحب المتقين ليكون معهم؛ فإن المرء يحشر مع من أحب.
2) الحب في الله طاعة يدرك بها المرء مافاته، أو قَصُر عنه من الطاعات.
3) تفاوت أهل الإيمان في مقامات العبودية، لايمنع أن يلحق المقصر بالسابق؛ لاشتراكهم في أصل المحبة الإيمانية؛ وهي أجل أعمال القلوب .
4) فضل محبة الصالحين، من أهل العلم والدِّين، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم، والسلف السابقين، فبشرىٰ لمن والاهم وأحبهم، والويل لمن عاداهم وأبغضهم.
10/369 ــ وعن أنس رضي الله عنه أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مَتَىٰ السَّاعَةُ؟ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» قال: حُبُّ الله ورسولِهِ، قال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي روايةٍ لهما: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاةٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلكِنِّي أحِبُّ الله وَرسولَهُ.
11/370 ــ وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: جاءَ رَجُلٌ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله، كَيْفَ تَقُولُ في رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْماً وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) الشأن في العبد أن يسأل نفسه ويحاسبها: هل عملتِ؟ هل أنبتِ؟ هل تبتِ؟ فهذا هو المهم، لا أن ينتظر قدوم الموت دون عمل!
2) حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إجابة السائل؛ فقد دَلَّه علىٰ الذي يهمه وينجيه، وهو الاستعداد للآخرة بما ينفع.
3) أخفىٰ الله سبحانه علمَ الساعة عن العباد، ليبقىٰ المرء مستعداً متجهزاً للقاء الله ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ فإذا مات العبد قامت ساعته.
4) حبُّ الله وطاعته، وحبُّ رسوله صلى الله عليه وسلم وطاعته، من أفضل القربات، وأكمل الطاعات المنجية للعبد في الدنيا ويوم القيامة.
فائـدة:
في رواية عند البخاري ومسلم: «قال أنس: فإني أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحُبّي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (لاميته):
حب الصحابة كلهم لي مذهب ومــودة القربىٰ بهـا أتوسـل
ولكلـــهم قــدر عــلا وفضــائل لكنما الصديق منهم أفضل
12/371 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «النَّاسُ مَعَادِنٌ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ خِيَارُهُمْ في الجَاهلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلاَمِ إذَا فَقِهُوا، وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختَلَفَ». رواه مسلم.
وروىٰ البخاري قوله: «الأرْوَاحُ» إلخ من رواية عائشة رضي الله عنها.
غريب الحديث:
فقهوا: علموا وصاروا فاهمين عن الله تعالىٰ ورسوله صلى الله عليه وسلم.
هداية الحديث:
1) حث العباد علىٰ السعي في إصلاح النفوس وتكميل ما فيها من الخير.
2) العلم والفقه من أعظم ما يهذب نفوس الناس ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾.
3) تتعارف الأرواح بحسب الطباع التي جبلت عليها، ولكن يجب تهذيب النفس؛ لتحب وتألف المؤمنين الصالحين، وتنفر وتفرَّ عن الكافرين والفاسقين.
13/372 ــ وعن أُسَيْرِ بن عَمْرٍو، وَيُقَالُ: ابْنُ جابِر، وهو بضم الهمزةِ وفتحِ السين المهملة، قال: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه إذا أَتَىٰ عَلَيْهِ أمْدَادُ أَهْلِ الْيَمن سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّىٰ أتىٰ عَلىٰ أُوَيْسٍ رضي الله عنه ، فقال له: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِن قرنٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأْتَ مِنْهُ إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ؟ قال: نَعَمْ، قال: لَكَ وَالِدَةٌ ؟ قال: نَعَمْ، قال: سَمِعْت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلىٰ الله لأَبَرَّهُ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَك فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقال له عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: الْكُوفَةَ، قال: أَلاَ أَكْتُبُ لَكَ إلىٰ عَامِلِهَا؟ قال: أَكُونُ في غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيَّ، فلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ المُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَىٰ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، فقال: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَليل المَتَاعِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَأْتي عَلَيْكُمْ أوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرادٍ، ثُمَّ مِنْ قُرَنٍ،كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىٰ الله لأَبَرَّهُ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَأَتَىٰ أُوَيْساً، فقال: اسْتَغْفِرْ لي، قالَ: أَنتَ أحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرٍ صَالحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قال: لقِيتَ عُمَرَ؟ قال: نَعَمْ. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَىٰ وَجْهِهِ. رواه مسلم.
وفي روايةٍ لمسلمٍ أيْضاً عن أسَيْر بن جابر رضي الله عنه أنَّ أهلَ الكُوفَةِ وَفَدُوا عَلَىٰ عُمَرَ رضي الله عنه ، وَفِيهِم رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فقال عُمَرُ: هَلْ هاهُنَا أَحَدٌ مِنَ القَرَنِيِّينَ ؟ فَجَاءَ ذلِكَ الرَّجُلُ، فقالَ عُمَرُ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَد قَال: «إنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لا يَدَعُ بِاليَمَنِ غَيرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا الله تعالىٰ، فَأَذْهَبَهُ إلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».
وفي روايةٍ له عن عمر رضي الله عنه قال: إنِّي سَمِعْت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُروهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».
قوله: «غَبراء النَّاس» بِفَتْح الغَيْنَ المُعْجمَةِ وإسْكَان البَاء وبالمدِّ، وهَمْ فُقراؤهم وَصَعَاليكهم ومَن لا يُعْرَفُ عَيْنُه مِنْ أَخلاطِهِمْ، «وِالأَمدادُ » جَمْعُ مَدَدٍ، وهُمُ الأَعْوانُ، والناصرون الذين كانوا يمدُّون المسلمِين في الجهاد.
غريب الحديث:
موضع درهم: مقدار يسير بحجم الدرهم.
لأبرّه: لو حلف علىٰ الله بأمر من الأمور لأبرّ قسمه.
هداية الحديث:
1) فضل أويس بن عامر القرني ــ رحمه الله تعالىٰ ــ ، فهو خير التابعين، كما أن خير الصحابة الصدِّيق أبو بكر رضي الله عنه .
2) طلب الدعاء من الصالحين، وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه. واغتنام دعاء من تُرجىٰ إجابته لعلمه وصلاحه، فهذا من أنواع التوسل الشرعي.
3) برّ الرجل بوالديه سبب لاستجابة الدعاء وتوفيق الله له.
4) تواضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحرصه علىٰ الخير، وهو يومئذ خليفة المسلمين. فرحم الله ابن الخطاب ورضي عنه، لقد أتعب مَن جاء بعده!.
14/373 ــ وعن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قالَ: اسْتأْذَنْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في العُمْرَةِ، فأَذِنَ لِي، وَقَالَ: «لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فقال كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنيا.
وفي روايةٍ قال: «أَشْرِكْنَا يا أُخَيَّ في دُعَائِكَ». حديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح[6].
هداية الحديث:
[6] الحديث إسناده ضعيف.
1) دعاء المسافر مستجاب، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تحري أوقات إجابة الدعاء.
2) جواز طلب الدعاء من الصالحين إذا قصد الطالب نفع الداعي؛ بأن يكون له مثل دعائه، لما ورد في الحديث: أنّ مَن دعا لأخيه قال له الملك: «ولك مثله».
15/374 ــ وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِباً وَمَاشِياً، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. متفق عليه.
وفي روايةٍ: كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأتي مَسْجِدَ قُبَاءَ كُلّ سَبْتٍ رَاكِباً وَمَاشِياً، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
غريب الحديث:
قباء: هو مسجد قباء في حيٌّ من أحياء المدينة النبوية، يبعد حوالي ثلاثة كيلو متر عن المسجد النبوي، وفيه نزلت الآية: {لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ}.
هداية الحديث:
1) استحباب زيارة مسجد قباء اقتداءً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنهما علىٰ التأسي بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا هو شأن الموفَّق من المؤمنين؛ سعيه في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فائـدة:
ورد في فضيلة مسجد قباء أحاديث، منها ما رواه أبو أمامة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيتِهِ، ثم أتىٰ مَسجِدَ قباءَ فصلَّىٰ فيه، كان له كَأَجْرِ عُمْرةٍ». رواه أحمد بسند صحيح.
قال الحافظ ابن كثير ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (تفسيره):
«حث الله نبيَّه علىٰ الصلاة في مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم بنائه علىٰ التقوىٰ... ولهذا قال: {لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ} والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء... وقد صرّح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف... ولكن ورد في الحديث الصحيح: «أن مسجد رسول الله الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس علىٰ التقوىٰ»، وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أُسس علىٰ التقوىٰ من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأَوْلىٰ والأَحْرىٰ».
46 ــ باب فضل الحب في الله والحث عليه ، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه ، وماذا يقول له إذا أعلمه
قال الله تعالىٰ: {مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ} [الفتح: 29] إلىٰ آخِرِ السورة، وقال تعالىٰ: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ} [الحشر: 9].
هداية الآيات:
1) محبة المؤمنين بعضهم بعضاً علامة صدق الإيمان، ومن لوازم الأخوة في الله.
2) أكمل المؤمنين إيماناً أحبهم إلىٰ الخلق، وأنفعهم لعباد الله تعالىٰ.
1/375 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَ حَلاَوَةَ الإيمَان: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما، وَأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة ونابعة من محبة الله سبحانه وتعالىٰ، لقوله في الحديث: «الله ورسوله»، ولم يقل ثم رسوله.
2) حلاوة الإيمان تكون بالشعور بلذة الطاعة والرغبة فيها، وإيثارها علىٰ أهواء النفس.
2/376 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ الله _عز وجل_، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ، فقال: إنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّىٰ لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه.
غريب الحديث:
سبعة: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، ولكنهم سبعة أصناف، ومن كل صنف عددٌ لا يحصيهم إلا الله _عز وجل_.
الإمام: من ولي شيئاً من أمور المسلمين.
تفرقا عليه: بأجسادهما وأبدانهما لسفر أو موت.
هداية الحديث:
1) المتحابون في الله لايقطع محبتهم في الله شيء من أمور الدنيا، ولا يفرقهم إلا الموت.
2) المعنىٰ الصحيح للمحبة في الله، ألا تبنىٰ هذه المحبة علىٰ مصلحة دنيوية، بحيث إذا زالت أو نقصت هذه المصلحة فاتت المحبة.
3/377 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالىٰ يقولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاّ ظِلِّي». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضل الحب في الله، وحث أهل الإيمان علىٰ التحابب في الله تعالىٰ.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فمن آثر محبة الله تعالىٰ علىٰ الشهوات، وتَعبَ في الطاعة، آثره الله تعالىٰ بالظل يوم القيامة.
4/378 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّىٰ تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلىٰ شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَينكم». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) لا يكمل إيمان العبد حتىٰ يحب لأخيه مايحب لنفسه من الخير.
2) من أسباب المحبة أن يُظهر المسلم السلام بين إخوانه، يُسلم علىٰ مَن لقيه مِن المسلمين، سواء عرفه أو لم يعرفه.
3) علىٰ العبد أن يسعىٰ لكل سبب يوجب المودة والمحبة بين المسلمين.
4) السلام لا يُلقىٰ إلا علىٰ المسلمين، لقوله عليه الصلاة والسلام: «بينكم»، فلا يجوز البدء بإلقاء السلام علىٰ الكافرين.
5/379 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخاً لَهُ في قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلىٰ مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً» وذكر الحديث إلىٰ قوله: «إنَّ الله قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبتَهُ فِيهِ». رواه مسلم. وقد سبق بالباب قبله.
غريب الحديث:
مدرجته: طريقه.
هداية الحديث:
1) مَن أحبَّ أهل الإيمان أحبَّهُ الله تعالىٰ.
2) أعظم حظٍّ يناله العبد هو نيل محبة الله تعالىٰ له، فالحظ العظيم هو أن يحب اللهُ تعالىٰ عبدَه بالاتباع والاقتداء، وليس الشأن أن يحب العبدُ ربَّه بالادعاء ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾.
6/380 ــ وعن البَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأَنْصَارِ: «لا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهم أَبْغَضَهُ اللهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) حبّ الأنصار من الإيمان، وبغضهم من شعب النفاق والكفران، فهم الذين ناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين. رضي الله عنهم أجمعين.
2) حبّ أولياء الله سبحانه ونصرتهم سبب في حب الله عبدَه.
فائدة:
قال الإمام الطحاوي ــ رحمه الله ــ : «ونُحبُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم. ونبغض مَن يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان».
7/381 ــ وعن مُعَاذٍ رضي الله عنه قال: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قَالَ اللهُ _عز وجل_: المُتَحَابُّونَ في جَلاَلِي، لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشّهَدَاءُ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحّ.
غريب الحديث:
يغبطهم: يتمنون أن لهم مثلهم من المنزلة والشرف دون زوالها عنهم، وهو المسمّىٰ: حسد الغبطة.
هداية الحديث:
1) للمتحابين في جلال الله منزلة عظيمة ومقام كريم، فهم علىٰ نور في الدنيا ولهم منابر من نور يوم القيامة.
2) التنافس في الخيرات سبيل المؤمنين الصادقين.
8/382 ــ وعن أبي إدريسٍ الخَوْلانيِّ ــ رَحِمَهُ الله ــ قال: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ، فَإذَا فَتىٰ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، وَإذَا النَّاسُ مَعَهُ، فَإذَا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ أسْنَدُوهُ إلَيْهِ، وَصدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّىٰ قَضَىٰ صلاتَهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ لله، فَقَالَ: آلله؟ فَقُلْتُ: الله، فقال: آلله؟ فَقُلتُ: الله، فَأَخَذَنِي بِحَبْوَةِ رِدَائِي، فَجَبَذَني إلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِر، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «قال اللهُ تعالَى: وَجبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتحابِّينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِيْنَ فِيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالمُتبَاذِلِينَ فِيَّ». حديث صحيح رواه مالِك في المُوَطَّأ بإسنادِهِ الصَّحيحِ.
قَوْلُهُ: «هَجَّرْتُ» أَيْ بكَّرْتُ، وَهُوَ بتشديد الجيم. قوله: «آلله، فَقُلْتُ: الله» الأوَّلُ بهمزةٍ ممدودةٍ للاستفهامِ، والثاني بِلا مدّ.
غريب الحديث:
برّاق الثنايا: حسن الثغر، لايرىٰ إلا مبتسماً.
صدروا عن رأيه: رجعوا إليه وأخذوا به.
المتباذلين فيَّ: المتعاونين والمنفقين من أجلي.
هداية الحديث:
1) استحباب إخبار المحب لمن يحبه، فيقول له: إني أحبك في الله.
2) من الأدب لمن قصد إنساناً في حاجة أن يأتِيَه من تلقاء وجهه، حتىٰ لايفزع.
3) لابد للناس من عالم يأخذهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إليه يرجعون، وعن فتواه يصدرون.
4) بيان عظيم فضل المحبة في الله، التي من ثمارها التزاور والتباذل والتعاون، وكلها روابط تقوي عرىٰ المحبة في الله.
9/383 ــ عن أبي كَرِيمَةَ المِقْدَامِ بْن مَعْدِ يَكرِبَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أَحَبَّ الرَّجُلُ أخَاهُ فَلْيُخْبِرْه أنّهُ يُحِبُّهُ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) من أحب أخاه في الله فليخبره، فهذا من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) إعلام الرجل أخاه أنه يحبه في الله: سببٌ لتوثيق الأخوة، وزيادة الألفة، وتأكيد عرىٰ المودة.
10/384 ــ وعن مُعَاذٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ ، وقال: «يَا مُعَاذُ، واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لاَ تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهم أَعِنِّي عَلىٰ ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
دُبر كل صلاة: يعني في آخر كل صلاة مفروضة قبل السلام.
هداية الحديث:
1) من السنة إذا أحببت شخصاً أن تقول له: إني أحبك.
2) فضل معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خصّه بهذه الوصية الخالصة لمحبته صلى الله عليه وسلم له.
3) استحباب التزام هذا الدعاء قبل السلام من الصلاة.
فائـدة:
قال أهل العلم: ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: «دُبر كل صلاة» يُنظر في سياقه، فإن كان من باب الثناء والذكر، كالتسبيح والتحميد والتكبير، فمحله بعد الصلاة. وما كان من باب الدعاء، كحديث معاذ فمحله قبل الصلاة.
قال العلَّامة ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
«وبالجملة... فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها وعلمها الصدِّيق إنما هي في صلب الصلاة، وأما حديث معاذ بن جبل: لا تنسَ أن تقول دُبر كل صلاة... فدبر الصلاة يُراد به آخرها قبل السلام منها... ويراد به ما بعد السلام كقوله: تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة...».
وقال أيضاً: «ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده».
(زاد المعاد في هدي خير العباد)
11/385 ــ وعن أنس ٍرضي الله عنه أنَّ رَجُلاً كانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقال: يَا رسولَ الله إنِّي لأُحِبّ هذَا، فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَأَعلَمْتَهُ ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ» فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّكَ في الله، فقالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
هداية الحديث:
1) إعلام الشخص بمحبتك له مما يقوي الصلة ويزيد الألفة.
2) من أخبره أخوه أنه يحبه، فليخبره ويدعو له بقوله: أحبك الله الذي أحببتني له.
3) ما من خير إلا ودل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة عليه، ومن ذلك أنّه علّمهم كيف يحبون بعضهم، وكيف تزداد محبتهم. فأين بعض المسلمين اليوم من هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم؟
47 ــ باب عَلامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها والسعي في تحصيلها
قال الله تعالىٰ: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].
هداية الآيات:
1) الآية الأولىٰ : ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾. تسمىٰ آية المحنة، يُمتحن بها من ادعىٰ محبة الله، فينظر إن كان متابعاً رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا دليل علىٰ صدق دعواه.
2) إن الله تعالىٰ إذا أحب عبده نال بهذه المحبة سعادة الدنيا والآخرة.
3) من أعرض عن حب الله تعالىٰ، وتولىٰ عن قربه، استبدل الله به من هو أولىٰ بالمحبة منه.
1/386 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ قال: مَنْ عَادَىٰ لِي وَليَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّىٰ أُحِبَّهُ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بِهَا، وَإنْ سَألَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَلَئِن اسْتَعَاذَني لأُعِيذَنَّه». رواه البخاري.
معنىٰ «آذَنْتُهُ»:أَعْلَمْتُهُ بِأَنِّي مُحَارِبٌ له. وقوله: «اسْتَعَاذَني» روي بالباءِ وروي بالنون.
غريب الحديث:
ولياً: الولي، هو: المؤمن التقي.
هداية الحديث:
1) الفرائض أحب إلىٰ الله من النوافل، فكل ماكان في الشرع أوجب، فهو إلىٰ الله تعالىٰ أحب.
2) من أسباب نيل محبة الله أن تكثر من النوافل والتطوع.
3) السَّداد ثمرة الطاعة، فالتزام فرائض الله تعالىٰ، والمحافظة علىٰ النوافل، تُثمر للعبد السداد، في الأقوال والأفعال وسائر الأحوال.
2/387 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذَا أَحَبَّ الله تعالىٰ العَبْدَ نَادَىٰ جِبْرِيلَ: إنَّ اللهَ تعالىٰ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحْبِبْهُ، فَيُحبُّه جِبْريلُ، فَيُنَادي في أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوْضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تعالىٰ إذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ، فقال: إنِّي أُحِبُّ فُلاناً فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي في السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأَرْضِ. وإذا أبْغَضَ عَبْداً دَعا جِبْرِيلَ، فيقُولُ: إنِّي أُبْغِضُ فُلاناً، فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ الله يُبْغِضُ فُلاناً، فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضهُ أَهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضاَءُ في الأَرْضِ».
غريب الحديث:
أهل السماء: الملائكة.
هداية الحديث:
1) من علامات محبة الله أن يُوضع للعبد القَبول في الأرض، بأن يكون مقبولاً لدىٰ المؤمنين، محبوباً إليهم.
2) المعيار في محبة الإنسان وبغضه إنما هم أهل الفضل والخير، ولايضر في ذلك كراهية الفُسَّاق الرجلَ الصالح، وحبهم الفاسقين أمثالهم.
3/388ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلىٰ سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصحَابِهِ في صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذلِكَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «سَلُوهُ لأيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تعالىٰ يُحِبُّهُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
سريّة: القطعة من الجيش.
هداية الحديث:
1) كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون إلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستفتونه في كل ما جدّ لهم مما لم يعرفوا حكمه، وهذا من تمام ورعهم وفضلهم رضي الله عنهم.
2) فضل سورة الإخلاص؛ لأنها اشتملت علىٰ ما يجب لله سبحانه من التوحيد، فهذه السورة في ذكر صفات الرحمن سبحانه.
3) مَنْ تقرَّب إلىٰ الله بعمل يحبه مولاه أحبَّه الله تعالىٰ.
4) إنّ مِن أعظم ما يتقرب به العبد لينال محبة الله تعالىٰ، هو تحقيق التوحيد؛ ولذلك كانت هذه السورة في بيان التوحيد الواجب علىٰ العبيد.
48 ــ باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} [الضحى: 9 ــ 10].
هداية الآيات:
1) النهي عن أذية أهل الإيمان بالقول والفعل.
2) من آذىٰ المؤمنين بما اكتسبوا، كمثل إقامة الحد علىٰ المجرم والمعتدي، فإن هذا لا يدخل في الوعيد.
وأما الأحاديث:
فكثيرة، منها:حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب قبل هَذا: «مَنْ عَادَىٰ لِي وَلِيًّا فَقَدْ أَذَنْتهُ بِالْحَرْبِ».
ومنها حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه السابق في (باب ملاطفة اليَتيِم) وقوله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ».
1/389 ــ وعن جُنْدُبِ بنِ عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّىٰ صَلاةَ الصبْح فَهُوَ في ذِمَّةِ الله، فَلا يَطلُبَنَّكُمْ الله مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيء، فَإنَّهُ مَنْ يَطلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ذمة الله: حفظ الله ورعايته. يكبّه: يلقيه.
هداية الحديث:
1) إيذاء الصالحين نوع من أذية الله تعالىٰ وأذية رسوله صلى الله عليه وسلم ، فتكون سبباً في العقوبة.
2) مَنْ توعده الله بالعقوبة فلا مفرّ له منها إلا أن يشاء الله، فإنه سبحانه «يملي للظالم حتىٰ إذا أخذه لم يفلته ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾».
49 ــ باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى
قال الله تعالىٰ: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ} [التوبة: 5].
هداية الآيات:
العبرة في أحكام الدنيا بما في الظاهر، اللسان والجوارح، وفي الآخرة بما في سرائر القلوب ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾.
1/390 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّىٰ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلهَ إلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إلَّا بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلىٰ الله تعالىٰ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) قتال أهل الكفر قائم حتىٰ يدخلوا في الإسلام، ودليل دخولهم فيه نطقهم بالشهادتين، والإتيان بشروط كلمة التوحيد.
2) قبول الأعمال الظاهرة والحكم عليها في أحوال الدنيا.
فائدة:
كلمة الدخول في الإسلام: (لا إله إلا الله)، فهي مفتاح الإسلام. ولكل مفتاح أسنان؛ وأسنان كلمة التوحيد: هي الأعمال الصالحة، وأجلها: القيام بالواجبات الشرعية ومكملات الإيمان، وترك المنهيات.
2/391 ــ وعن أبي عبدِ الله طارِقِ بن أُشَيْـمٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَن قال لا إلهَ إلَّا الله، وكَفَرَ بِمَا يُعْـبَـدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلىٰ الله تعالىٰ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) شرط التوحيد البراءة من المعبودات الباطلة، التي تعبد من دون الله تعالىٰ.
2) المسلم معصوم الدم والمال والعرض، فلا يجوز التعدي عليه، ولا إلحاق الأذىٰ به.
3) اعتبار الحكم بالظاهر، والله يتولىٰ السرائر.
3/392 ــ وعن أبي مَعْبَد المِقْدَادِ بن الأسْوَدِ رضي الله عنه قال: قلت لِرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الكُفَّارِ، فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إحْدَىٰ يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقال: أَسْلَمْتُ لله، أَأَقْتُلُهُ يا رسولَ الله بَعْدَ أَنْ قَالها؟ فَقَالَ:«لا تَقْتُلْهُ»، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله قَطَعَ إحْدَىٰ يَدَيَّ، ثُمَّ قال ذلِكَ بَعْدَ ما قَطَعَهَا؟! فقال: «لا تَقْتُلْهُ، فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبلَ أَن تَقْتُلَهُ، وَإنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتي قال». متفق عليه.
ومعنىٰ «أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ» أَيْ: مَعْصُومُ الدَّمِ مَحكُومٌ بِإسْلامِهِ، ومعنىٰ «أَنـَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ» أَيْ: مُبَاحُ الدَّمِ بِالْقِصَاصِ لِوَرَثَتِهِ، لا أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ في الْكُفْرِ، والله أعلم.
غريب الحديث:
لاذ مني بشجرة: احتمىٰ والتجأ إليها.
هداية الحديث:
2) علىٰ المسلم أن يكون هواه تبعاً للشرع، وليس للعصبية والانتقام، فالشريعة لا نكاية فيها، ولا تزكو النفوس وتَطهُر حتىٰ تترك هواها طاعة لمولاها.
4/393 ــ وعن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قال: بَعثَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَة، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ علَىٰ مِياهِهمْ، وَلَحِقْتُ أنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قال: لا إلهَ إلا الله، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّىٰ قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، بَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لي: «يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إلهَ إلَّا الله؟»، قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذاً، فًقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إلهَ إلَّا الله؟!» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُها عَلَيَّ حَتَّىٰ تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْم. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَقَالَ: لا إلهَ إلَّا الله وقَتَلْتَهُ ؟!» قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّماَ قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلاحِ، قال: «أَفلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّىٰ تَعْلَم أَقَالَها أَمْ لا» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّىٰ تَمَنَّيْتُ أَني أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.
«الحُرَقَةُ» بضم الحاء المهملة وفتحِ الراءِ: بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ الْقَبِيلَةِ المَعْرُوفَةِ، وَقوله: «مُتعَوِّذاً» أَي: مُعْتَصِماً بِهَا مِنَ الْقَتْلِ، لا مُعْتَقِداً لها.
غريب الحديث:
غشيناه: اقتربنا منه.
متعوِّذاً: المتعوِّذ هو المحتمي بالشيء بسبب الخوف.
هداية الحديث:
1) وجوب حمل الناس في الدنيا علىٰ ظواهرهم، أمّا ما في القلوب فأمره إلىٰ الله تعالىٰ.
2) الإنكار الشديد علىٰ من تعدىٰ الحدودَ الشرعية، ولو كان مجتهداً فأخطأ.
5/394 ــ وعن جُنْدُبِ بنِ عَبد لله رضي الله عنه : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثاً مِنَ المُسلِمِين إلىٰ قَوْمِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَأَنّهُمْ الْتَقَوْا، فَكانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إلىٰ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وأَنَّ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ فَقَتَلَهُ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أنّهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْد، فَلَمَّا رَفَعَ عليْهِ السَّيْفَ، قال: لا إلهَ إلَّا الله، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إلىٰ رَسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَهُ، وَأَخْبَرَهُ، حَتَىٰ أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنعَ، فَدَعَاهُ، فَسَأَلَهُ، فقال: «لِمَ قَتَلْتَهُ؟» فقَالَ: يا رسولَ الله أَوْجَعَ في المُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلاناً وفُلاناً، وسَمَّىٰ له نَفراً، وَإنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَىٰ السَّيْفَ قال: لا إلهَ إلَّا الله، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَقَتَلْتَهُ؟» قالَ: نَعَمْ، قال: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إلهَ إلَّا الله، إذا جاءتْ يَوْمَ القِيامَةِ؟» قالَ: يا رسولَ الله اسْتَغْفِرْ لِي، قال: «وكيْفَ تَصْنَعُ بِلا إلهَ إلَّا الله إذا جَاءتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فَجَعَلَ لا يَزِيدُ عَلىٰ أنْ يَقُولَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إلهَ إلَّا الله إذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أوجع في المسلمين: أوقع بهم وآلمهم.
هداية الحديث:
1) الانتصار يجب أن يكون غيرة علىٰ دين الله تعالىٰ، فيقتل من هو متيقن الكفر، أمّا من لا نعلم سريرته فأمره إلىٰ الله تعالىٰ.
2) عِظم كلمة التوحيد إذا جاءت يوم القيامة، فالسعيد مَن وُفِّق لتحقيق التوحيد.
6/395 ــ وعن عبدِ الله بنِ عُتْبةَ بنِ مسعُودٍ قال: سَمعتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه يقولُ: إنَّ نَاساً كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإنَّما نَأْخُذُكُمْ الآنَ بِما ظَهَرَ لَنَا مِنْ أعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَر لَنَا خَيْراً أَمَّنَّاهُ وقَرَّبنَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءاً لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وإنْ قالَ: إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
إن ناساً كانوا يُؤخذون بالوحي: هم جماعة المنافقين، كان يفضحهم ما ينـزل من الوحي علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هداية الحديث:
1) الحكم علىٰ الباطن من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله _عز وجل_. والقائمون بأمر الشريعة يأخذون الرعية بالظاهر، والله يتولىٰ السرائر.
2) الحساب يوم الجزاء يكون علىٰ ما أخفىٰ العبد من سريرته؛ فإن كانت حسنة فحسن، وإن كانت شراً فجزاؤه من جنس عمله.
3) المحبوب المقرب من أهل الإيمان من حَسُن عمله وأظهر الخير.
50 ــ باب الخوف
قال الله تعالىٰ: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [البقرة: 40] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:12]، وقال تعالىٰ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ * وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ * يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ} [هود: 102ــ 106]، وقال تعالىٰ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ [آل عمران: 28] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ * وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ} [عبس: 34ــ37]، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ * يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} [الحج: 1ـ 2]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] الآيات، وقال تعالىٰ: ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ * فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} [الطور: 25 ــ 28]. والآيات في الباب كثيرة جداً معلومات، والغرض الإشارةُ إلىٰ بعضها وقد حَصلَ.
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يخاف ربَّه خوفاً يدفعه إلىٰ تعظيمه؛ بفعل ما أمر، واجتناب ما نهىٰ عنه وزجر.
2) الترهيب الشديد من أهوال يوم القيامة، فمن خاف ذاك اليوم أمَّنه الله تعالىٰ.
وأما الأحاديث:
فكثيرة جداً، فنذكرُ مِنها طَرَفاً، وبالله التوفيقُ.
1/396 ــ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: حدَّثَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصَّادِقُ المَصدوقُ:
«إنَّ أحَدَكُم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً نُطْفَةً، ثمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لا إلهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّىٰ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّىٰ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ ، فَيَدْخُلُهَا».
متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الصادق الصدوق: يعني الصادق فيما يقول؛ فلا يُخبر إلا بالصدق، والمصدوق فيما يُوحَىٰ إليه من الوحي؛ فلا يُنَبَّأُ إلا بالصدق.
يجمع خلقه: يُقدَّر ويمكث ويخلق منه. علقة: الدم الجامد.
المضغة: قطعة من اللحم.
الكتاب: كتاب العبد من كل ما قُدِّر عليه مدة حياته.
هداية الحديث:
1) الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرِّه من الله _عز وجل_.
2) علىٰ العبد أن يسأل الله دائماً الثبات وحسن الخاتمة، وأن يخاف من سوء الخاتمة، ومن الكتاب السابق الذي قُدَّر عليه.
3) الحرص علىٰ هداية الخلق.
4) الحث علىٰ المبادرة إلىٰ الأعمال الصالحة، والاستقامة والمداومة عليها، فإنها سبب عظيم لحسن الخاتمة.
2/397 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَىٰ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الزمام: ما يجعل في أنف البعير يُشدُّ به.
هداية الحديث:
1) بيان عظم نار جهنم، فهذا العدد الكبير الهائل من الملائكة الذين لا يعلم قوتهم إلا الله _عز وجل_ يجرونها. فكيف بحال هذه النار؟!
2) تخويف الله عباده ليتَّقوه ويعبدوه. فحريٌّ بعبد عَلِمَ هول جهنم أن يخاف ربَّه _عز وجل_.
3/398 ــ وعن النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قال: سمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَة لَرَجُلٌ يُوضعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جمرتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَىٰ أَنَّ أَحَداً أَشِدُّ مِنْهُ عَذَاباً، وَإنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
أخمص قدميه: باطن القدم.
هداية الحديث:
1) تحذير العبد من الوقوع في المعاصي، حتىٰ لا يكون من أهل النار المتوعدين بالعذاب.
2) عذاب النار دركات، وأهلها علىٰ تفاوتٍ في العذاب، أهونه يَظن أنه من أشد الناس عذاباً.
4/399 ــ وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه أنَّ نبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلىٰ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ إلىٰ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ إلَىٰ حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إلىٰ تَرْقُوَتِهِ». رواه مسلم.
«الحُجْزَةُ»: مَعْقِدُ الإزَارِ تحْتَ السُّرَةِ ، و«التَّرْقُوَةُ» بفتْحِ التاءِ وضم القاف: هِيَ العَظْمُ الَّذِي عِنْدَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ، وللإنسَانِ تَرْقُوَتَانِ في جَانِبَي النَّحْرِ.
هداية الحديث:
1) التخويف من النار، والوعيد لمن يعمل بعمل أهلها.
2) علىٰ قدر الذنوب يكون العذاب يوم القيامة. فليحرص المؤمن علىٰ القدوم إلىٰ ربِّه وهو مُطَهَّرٌ من الذنوب، لينجو من تطهير النار لذنوبه.
5/400 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالمِينَ، حَتَّىٰ يَغِيبَ أَحَدُهُمْ في رَشْحِهِ إلىٰ أَنْصَافِ أُذُنـَيْهِ». متفق عليه.
الرشح: العرق.
هداية الحديث:
1) هول الموقف يوم القيامة، حتىٰ يبلغ العرق بالناس هذا المبلغ العظيم.
2) العرق الذي يأخذ الناس يختلف باختلاف أعمالهم، فأعمالهم تؤثر علىٰ منازلهم في المحشر. فطوبىٰ لعبد قدَّم خيراً بين يديه، وكان ممن يظلهم الله في ظله.
6/401 ــ وعن أنس رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» فَغَطَّىٰ أصْحَابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وجُوهَهُمْ، وَلَهُمْ خَنينٌ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: بَلَغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ، فقال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الجنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ في الخَيْرِ والشرِّ، ولَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» فَمَا أَتَىٰ عَلىٰ أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، غَطَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ.
«الخَنِين» بِالخاءِ المعجمة: هُوَالبُكَاءُ مَعَ غُنَّةٍ ، وَانْتِشَاقِ الصَوْتِ مِنَ الأَنْفِ.
هداية الحديث:
1) الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما لا يعلم الناس بواسطة الوحي، يطلعهم الله سبحانه علىٰ ما شاء من الغيب، حتىٰ يكونوا أعظم خشية لربهم.
2) استحباب البكاء خوفاً من عقاب الله، وأما إكثار الضحك فيدل علىٰ الغفلة وقسوة القلب. قال صلى الله عليه وسلم: «ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». رواه أحمد.
3) تأثر الصحابة رضي الله عنهم بالموعظة؛ لأنهم أصدق الناس إيماناً. فمن سلك طريقهم فهو الموفق في الدنيا والآخرة.
7/402 ــ وعن المِقْدَادِ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «تُدْنَىٰ الشَّمْسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ، حَتَّىٰ تكُونَ مِنْهُمْ كَمِقدَارِ مِيل» قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ الرَّاوِي عَنْ المِقْدَادِ: فَوَالله مَا أَدْرِي ما يَعْنِي بِالمِيلِ، أَمَسَافَةَ الأَرْضِ أَمِ المِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ العَيْنُ؟ «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلىٰ قَدْرِ أَعْمَالِهم في العَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلىٰ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلىٰ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلىٰ حِقْوَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُه العَرَقُ إلجاماً» وَأَشَارَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إلىٰ فِيهِ. رواه مسلم.
8/403ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّىٰ يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَىٰ يَبْلُغَ آذَانَهُمْ». متفقٌ عليه.
ومعنىٰ «يَذْهَبُ في الأَرْضِ»: ينزِل ويغوص.
غريب الحديث:
حقويه: هما معقد الإزار، والمراد: ما يحاذي ذلك الموضع في جنبيه.
يلجمه: يصل إلىٰ فمه وأذنيه، فيكون له بمنزلة اللِّجام من الحيوان.
هداية الأحاديث:
1) بيان هول يوم القيامة وشدة المحشر؛ ليحذر العباد من مخالفة ربهم.
2) إن الترغيب في أعمال الخير والترهيب من أعمال الشر، هو منهج الأنبياء عليهم السلام في وعظ الناس وتعليمهم.
9/404 ــ وعنه قال: كُنَّا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذ سَمعَ وَجْبَةً، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ ما هذا؟» قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: «هذا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ في النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَريفاً، فَهُو يَهْوِي في النَّارِ الآنَ حَتَّىٰ انْتَهَىٰ إلىٰ قَعْرِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
وجبة: صوت سقطة.
خريفاً: عاماً.
هداية الحديث:
1) الترهيب من عمق جهنم وبُعدِ قعرها، وهذا العلم يوجب للمؤمن الخوف الشديد من نار جهنم.
2) من أساليب التعليم: إثارةُ المعلِّمِ الاهتمامَ والانتباهَ قبل البيان، فقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر بصيغة الاستفهام.
10/405 ــ وعن عدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إلاَ سيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْس بَيْنَهُ وبَينَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَىٰ إلَّا مَا قَدَّمَ، ويَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَىٰ إلَّا ما قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَرَىٰ إلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) دنو العبد من ربّه ليريه أعماله كلها، مما يُوجب للعبد الخوف الشديد من هذا الموقف.
2) الحث علىٰ النجاة من العذاب بتقديم صالح القول والعمل، ولو كان يسيراً.
11/406 ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ؟ وأَسْمَعُ ما لا تَسْمَعونَ، أَطَّتِ السَّماءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضعُ أَرْبَعِ أَصَابعَ إلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً لله تَعَالىٰ، والله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُم قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلىٰ الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إلىٰ الصُّعُداتِ تَجْأَرُونَ إلىٰ الله تَعَالىٰ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
و«أَطَّتْ» بفتح الهمزة وتشديد الطاءِ، وَ«تَئِطُّ» بفتح التاءِ وبعدها همزة مكسورة، والأَطِيطُ: صَوْتُ الرَّحْلِ وَالْقَتَبِ وَشِبْهِهِما، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ كَثْرَةَ مَنْ في السَّمَاءِ مِنَ المَلائِكَةِ الْعَابِدِينَ قَدْ أَثْقَلَتْهَا حَتَّىٰ أَطَّتْ. وَ«الصُّعُدَات» بضم الصاد والعين: الطُرُقَاتُ. ومعنىٰ «تَجْأَرُونَ»: تَسْتَغِيثُونَ.
هداية الحديث:
1) من صفات المؤمن الخوف والخشية من الله تعالىٰ، دون القنوط من رحمته؛ فهو يجمع بين الخوف والرجاء.
2) أهل السماء طائعون لله، ساجدون له، لا يغفلون عن ذكره، لأنهم أعلم بالله تعالىٰ. وكلما كان العبد بالله أعلم كان لله أخشىٰ.
3) الحث علىٰ التضرع والاستكانة إلىٰ الله تعالىٰ، فلا مفرَّ للعباد من الله إلا إليه.
12/407 ــ وعن أبي بَرْزَةَ ـ براءٍ ثم زايٍ ـ نَضْلَةَ بنِ عُـبَيْدٍ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتَّىٰ يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) العبد المؤمن يجعل نعم الله فيما يرضي ربّه، فهذا من شكر النعمة.
2) التذكير بمسؤولية العبد يوم القيامة، فهو مُحاسب عن عمره، وعلمه، وماله، وعمله.
13/408ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4] ، ثم قال: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟» قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: «فَإنَّ أَخبَارَهَا أنْ تَشْهَدَ عَلىٰ كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلىٰ ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذَا في يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فهذِهِ أَخْبَارُهَا». رواه التِّرْمِذِي وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) خير طريقة للتفسير أن نفسر كتاب الله بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَلْيحرصِ المؤمن قارئ التفسير أن يعتني بهذه الطريقة.
2) الحث علىٰ فعل الطاعة والبعد عن المعصية، فهذا من آثار عبودية الخوف.
3) بيان قدرة الله تعالىٰ علىٰ إنطاق ما شاء من خلقه، حتىٰ إنَّ الأرض تشهد بما حدث عليها.
14/409 ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِب الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ، مَتَىٰ يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ، فَيَنْفُخُ» فَكَأَنَّ ذلِكَ ثَقُلَ عَلىٰ أَصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال لَهُمْ: «قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن.
«الْقَرْنُ»: هُوَ الصُورُ الَّذِي قال الله تعالىٰ فيه: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}، كَذَا فَسَّرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
غريب الحديث:
كيف أنعم: كيف أطيب عيشاً وأفرح.
صاحب القرن: المَلَكُ الموكَّل بالنفخ في البوق، وهو إسرافيل –عليه السلام_.
التقم القرن: وضع فمه عليه.
هداية الحديث:
1) ترك التنعّم خوفاً من يوم القيامة هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) الحث علىٰ الاستعانة بالله تعالىٰ وحده، والمسارعة إلىٰ العمل الصالح.
3) إشفاق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ أمته، وخوفه أن تقوم الساعة عليهم، وقد علم أنها لا تقوم إلا علىٰ شرار الخلق.
4) من ثقل عليه شيء وقال: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ لم يمسسه سوء، فذِكرُ الله يُسَهِّل الصعاب علىٰ العباد.
15/410ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ. أَلا إنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ، أَلا إنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّةُ». رواه الترْمذي وقال: حديثٌ حسن.
وَ«أَدْلَجَ» بإسْكان الدَّال، ومعناه: سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَالمُرَادُ: التَّشْمِيرُ في الطَّاعَة. والله أعلم.
هداية الحديث:
1) الاهتمام بالطاعة، والمبادرة إلىٰ الخلاص من المعصية.
2) الجنة سلعة غالية، لا ينالها خُطَّابُها إلا بالمهر الغالي من الطاعات والقربات، فعالي الهمة هو الذي ينال الجنة برحمة الله تعالىٰ.
16/411ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» قُلْتُ: يا رسولَ الله الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعاً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلىٰ بَعْضٍ؟! قال: «يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذلِكَ».
وفي روايةٍ: «الأَمْرُ أَهَمّ مِن أَن يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلىٰ بَعْضِ». متفقٌ عليه.
«غُرلاً» بضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، أَي: غَيْرَ مختُونِينَ.
هداية الحديث:
1) الناس يخرجون من قبورهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، في أصل الخلقة.
2) بيان أهوال يوم القيامة، فالمرء يومئذ لا يشغله شيء عن حسابه وأعماله.
3) كمال حياء النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تفزع عندما تسمع أن الخلق يحشرون عراة رجالاً ونساءً، فتخشىٰ أن ينظر بعضهم إلىٰ بعض، ولذلك كان مجتمع الصحابة رضي الله عنهم مجتمع عفة وطهر وتقوىٰ ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾.
51 ــ باب الرجاء
قال الله تعالىٰ: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53] ، وقال تعالىٰ: {وَهَل نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلكَفُورَ} [سبأ: 17] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [طه: 48] وقال تعالىٰ: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: 156].
هداية الآيات:
1) الخوف والرجاء متلازمان؛ فمن خاف الله تعالىٰ واتّقاه، رجا ما عنده من الثواب.
2) المؤمن يجتمع في قلبه الخوف والرجاء، فهما له كالجناحين للطائر، إن غلَّب أحدهما تارة، فليغلب الآخر أخرىٰ، ليستوي أمرهما.
فائـدة:
ما الفرق بين الرجاء والتمني؟
ــ الرجاء: هو تأمل الخير وقرب وقوعه، مع فعل أسباب ذلك، فهو مصحوب بالعمل، ويحث علىٰ طاعة الله، إذ لولا الرجاء لما وقع عمل صالح.
ــ أما التمني: فإنه يُبنىٰ علىٰ العجز والكسل، فلا يسلك صاحبه طريق الجد والاجتهاد في طاعة رب العباد.
1/412 ــ وعن عُبادةَ بن الصامِت ِرضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلىٰ ما كانَ مِنَ العَمَلِ». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ».
غريب الحديث:
روح منه: من خلقه ومن عنده.
هداية الحديث:
1) لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، صدّقت الإيمان بالعمل الصالح.
2) أعلىٰ مقامات المؤمن أن يكون عبداً لله تعالىٰ حقاً وصدقاً، فيشهد شهادة صادقة تدفعه إلىٰ العمل الصالح.
2/413 ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يقول اللهُ _عز وجل_: مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، أَوْ أَزْيَدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيئَةِ فَجَزَاءُ سَيئةٍ سَيّئَةٌ مِثْلُهَا، أَوْ أَغْفِرُ. وَمَنْ تَقرَّبَ مَنِّي شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ منِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً، لاَ يُشْرِكُ بِي شَيْئا، لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً». رواه مسلم.
معنىٰ الحديث: «مَنْ تَقَرَّبَ» إلَيَّ بِطَاعَتي «تَقَرَّبْتُ» إلَيْهِ بِرَحْمَتِي، وَإنْ زادَ زِدْتُ، «فَإنْ أَتاني يَمْشي» وَأَسْرَعَ في طَاعَتي «أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أَيْ: صَبَبْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَسَبَقتُهُ بِها، ولَمْ أُحْوِجْهُ إلىٰ المَشْيِ الْكَثِيرِ في الوُصُولِ إلَىٰ المَقْصُودِ، «وَقُرَابُ الأرْضِ» بضمِّ القافِ ويُقَال بكسرها، والضمُّ أصحُّ وأشهر، ومعناه: ما يُقَارِبُ مِلأها. والله أعلم.
غريب الحديث:
الباع: طول يدي الإنسان إذا مدهما مع عرض صدره.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ رجاء عفو الله ورحمته، وعدم اليأس من مغفرته.
2) إذا سعىٰ العبد في طاعة الله تعالىٰ، أناله سبحانه أضعاف عمله، وهذه من بشارات أهل الإيمان.
فائدة:
قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «يقول الله _عز وجل_... تقربت منه ذراعاً... تقربت منه باعاً...».
هذا الحديث من أحاديث صفات ربِّ العالمين، نثبته كما ورد عن سيدِ المرسلين صلى الله عليه وسلم، ومذهبِ سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين، ولا نخوض فيه متكلفين، ولا معطلين. فرحم الله عبداً استمسك بالسُّنَّة والأثر.
3/414 ــ وعن جابر رضي الله عنه جاءَ أَعْرابِيٌّ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ الله، ما المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ». رواهُ مُسلم.
غريب الحديث:
الموجبتان: الخصلة التي توجب الجنة، والخصلة التي توجب النار.
هداية الحديث:
1) أصل التوحيد مانع للعبد من الخلود في النار، وهو سبب لدخول الجنة.
2) الشرك بالله تعالىٰ مانع من دخول الجنة، وهو أعظم سبب لدخول النار، والخلود فيها.
4/415 ــ وَعن أَنسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، ومُعاذٌ ردِيفُهُ علىٰ الرَّحْلِ ، قالَ: «يا مُعاذُ» قال: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، قالَ: «يا مُعَاذُ» قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، قالَ: يَا «مُعاذُ» قال: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ ثلاثاً، قالَ: «ما مِن عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ إلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَىٰ النَّارِ» قالَ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلا أُخْبِرُ بِها الناسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قال: «إذاً يَتَّكِلُوا» فَأَخْبَرَ بها مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّماً. متفقٌ عليه.
وقوله: «تَأَثماً» أيْ: خَوْفاً مِنَ الإثمِ في كَتْمِ هذا العِلْمِ.
غريب الحديث:
رديفه: راكباً علىٰ الدابة خلفه.
لبيك: إجابة بعد إجابة.
سعديك: مساعدة في طاعتك بعد مساعدة.
هداية الحديث:
1) فضل التوحيد وشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)؛ فمن أتىٰ بها عاملاً بمقتضاها حرمه الله علىٰ النار، وأدخله الجنة.
2) الحذر من كتم العلم، فعلىٰ مُعلِّم الناس الخير أنْ يبيِّن لهم ما ينفعهم من العلوم، ويوضِّحَ لهم الفهوم، حتىٰ لا يسيء بعضهم فهم الأدلة الشرعية بغير وجهها الصحيح.
5/416 ــ وعَنْ أبي هريرةَ ــ أَوْ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ــ رضي اللهَ عنهم شَكَّ الرَّاوِي، وَلا يَضُرُّ الشَّكُّ في عَينِ الصَّحابيِّ؛ لأنَّهُم كُلَّهُمْ عُدُولٌ، قال: لما كانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أصابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ الله لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنّا؟ فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «افْعَلُوا»، فَجَاءَ عُمَرُ رضي الله عنه، فقالَ: يا رَسُولَ الله، إنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْر، وَلكِنِ ادْعُهُمْ بفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ في ذلِكَ البَرَكَةَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» فَدَعَا بِنِطعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيجيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، ويجيءُ الآخَرُ بِكسرَةٍ ، حَتىٰ اجْتَمَعَ عَلىٰ النِّطَعِ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عليْهِ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا في أَوْعِيَتِكُمْ» فَأَخَذُوا في أَوْعِيَتِهِمْ حتَّىٰ ما تَرَكُوا في العَسْكَرِ وِعَاءً إلَّا مَلَؤوه، وَأَكَلُوا حَتَّىٰ شَبِعُوا وَفَضَلَ فَضْلَةٌ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا الله، وأنّي رَسُولُ الله، لاَ يَلْقَىٰ اللهَ بهما عَبْدٌ غَيْرَ شاكً فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
نواضحنا: جمع ناضحِ، وهو البعير الذي يستسقىٰ عليه الماء.
الظهر: الدواب التي يركب علىٰ ظهرها.
فضل أزوادهم: بقية طعامهم.
البركة: الزيادة والنماء وكثرة الخير.
نطع: بساط من جلد.
هداية الحديث:
1) أدب الصحابة رضي الله عنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكانوا يستأذنونه فيما يريدون فعله. وعلماء الأمة اليوم هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة السلام، فليحرص العباد علىٰ سؤال علمائهم العاملين بالكتاب والسنة، والمهتدين بهدي سلف الأمة.
2) الحث علىٰ التعاون بين المسلمين في جميع أمورهم، فأهل الإيمان يكمّل بعضهم بعضاً.
3) فضل كلمة التوحيد؛ فهي مفتاح الجنة لمن جاء بها، وعمل بموجبها من فعل المأمورات وترك المنهيات.
6/417ــ وَعَنْ عِتْبَانَ بنِ مالكٍ رضي الله عنه، وهو ممَّنْ شَهِدَ بَدْراً، قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إذَا جَاءتِ الأمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَليَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقُلتُ له: إنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإنَّ الوَادِيَ الَّذِي بَيْني وبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إذا جَاءتِ الأَمطَارُ، فَيَشُقّ عَلَيَّ اجْتِيازُهُ، فَوَدِدْتُ أنّكَ تَأتي، فتُصَلِّي في بَيْتي مَكاناً أَتَّخِذُه مُصَلّىٰ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَأَفْعَلُ»، فَغَدَا عليَّ رسُولُ الله وأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَ ما اشْتَدَّ النَّهارُ، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنْتُ لهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حتىٰ قالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ منْ بَيْتِكَ؟» فَأَشَرْتُ لَهُ إلىٰ المكانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ يَصلِّيَ فيه، فقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَراءَهُ، فَصَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلىٰ خَزيرةٍ تُصْنَعُ لَهُ، فَسمعَ أَهْلُ الدَّارِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في بَيتي، فثَابَ رِجالٌ مِنهمْ حَتَّىٰ كَثُرَ الرِّجالُ في البَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لاَ أَرَاهُ! فَقَالَ رَجُلٌ: ذلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَقُلْ ذلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قالَ: لاَ إلهَ إلَّا الله يَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ الله تَعالىٰ؟». فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمّا نَحْنُ فَوَالله مَا نَرَىٰ وُدَّهُ وَلاَ حَدِيثَهُ إلَّا إلىٰ المُنَافِقينَ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فَإنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ علىٰ النَّارِ مَنْ قَاَلَ: لا إلهَ إلَّا الله يَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ الله». متفقٌ عليه.
و«عِتْبَان» بكسر العين المهملة، وإسكان التاء المُثَنَّاةِ فَوْقُ وبَعْدَها باءٌ مُوَحَّدَةٌ. و«الخَزِيرَةُ» بالخاءِ المُعْجَمَةِ، وَالزاي: هي دَقِيقٌ يُطبَخُ بِشَحْمٍ. وقوله: «ثَابَ رِجَالٌ» بالثَّاءِ المُثَلَّثَةِ، أَيْ: جَاؤوا وَاجْتَمَعُوا.
غريب الحديث:
اجتيازه: عبوره.
هداية الحديث:
1) من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، فإنه يُحَرَّمُ علىٰ النار، وهذا يؤكد عظيم هذه الكلمة المباركة (كلمة التوحيد).
2) فتح باب الرجاء للمؤمن الموحِّد، الذي يأتي بالعمل الصالح ويجتهد فيه.
3) علىٰ المسلم تلبية دعوة أخيه المسلم، فهذا من حق المسلم علىٰ أخيه.
7/418 ــ وعن عمرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه قال: قَدِمَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، بِسَبْيٍ، فَإذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَىٰ، إذْ وَجَدتْ صَبيّاً في السَبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْزَقَتْهُ بِبَطْنِهَا، فَأَرْضَعَتْهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَتُرَوْنَ هذِهِ المَرْأَةَ طارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ؟». قُلْنَا: لا وَالله، فَقَالَ: «لَلَّـهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هذِهِ بِوَلَدِهَا». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إنّ الله سبحانه وتعالىٰ أرحم بعباده من الوالدة بولدها، ولهذا شرع لهم ما يدخلهم رحمته ويجنبهم عقابه.
2) الاستفادة من الحوادث، وربطها في التوجيه والتعليم بضرب الأمثال؛ ليحصل معرفة الشيء علىٰ وجهه الأكمل. فصلىٰ الله وسلم علىٰ معلّم الناس الخيرَ، ما أحسن تعليمه!!.
3) علىٰ المرء أن يكون تعلُّقه في جميع أحواله وأحيانه بالله وحده.
8/419 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كتَبَ في كِتاب، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبي».
وفي رواية: «غَلَبَتْ غَضَبي» وفي روايةٍ: «سَبَقَتْ غَضَبي». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إثبات علوّ الله علىٰ خلقه، وهو مستوٍ علىٰ عرشه سبحانه ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾.
2) إثبات صفتَي الرحمة والغضب لله سبحانه على الوجه اللائق دون تمثيل ولا تعطيل، ورحمة الله تعالىٰ أقرب إلىٰ العباد من غضبه.
9/420 ــ وعنه قال: سمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جزءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً واحِداً، فَمِنْ ذلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ، حَتَّىٰ ترْفَعَ الدَّابَةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيةَ أَنْ تُصِيبَهُ».
وفي روايةٍ: «إنَّ لله مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ وَالبَهائمِ وَالهَوامِّ، فَبهَا يَتَعاَطَفُونَ، وبهَا يَتَراحَمُونَ، وبهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلىٰ وَلَدِها، وَأَخَّرَ الله تِسْعاً وتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بها عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفقٌ عليه.
ورواهُ مسلم أيضاً من روايةِ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحمَةٌ بِها يَتَراحَمُ الخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ».
وفي رواية: «إنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مائةَ رَحْمَةٍ ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّماءِ إلىٰ الأرضِ، فَجَعَلَ مِنها في الأرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الوَالِدَةُ عَلىٰ وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيرُ بَعْضُها عَلىٰ بَعْضٍ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذِه الرَّحْمَةِ».
غريب الحديث:
حافرها: رجلها.
طباق: غشاء، والمراد يملأ ذلك ما بين السماء والأرض من كبره وعظمه.
هداية الحديث:
1) الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده هي جزء من الرحمة العامة.
2) بشارة المؤمنين بسعة رحمة رب العالمين، فإنه إذا كان يحصل لهم كل هذا التعاطف بينهم برحمة واحدة خلقها لهم، فكيف بمائة رحمة يوم القيامة؟!.
1/421 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا يَحكِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالىٰ، قال: «أَذنَبَ عَبْدٌ ذَنباً، فقالَ: اللهم اغْفِرْ لِي ذَنبي، فقالَ الله تَبَارَكَ وتعالىٰ: أَذنَبَ عبدي ذَنباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فقال: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لي ذَنبي، فقال تَبَارَكَ وتعالىٰ: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فقال: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنبي، فقال تَبَارَكَ وَتَعَالىٰ: أَذْنَبَ عَبدِي ذَنباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، قَد غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفعَلْ مَا شَاءَ». متفقٌ عليه.
وقوله تعالىٰ: «فَلْيَفْعَلْ مَا شاءَ» أَي: مَا دَامَ يَفْعَلُ هكَذَا، يُذْنِبُ وَيَتُوبُ أَغْفِرُ لَهُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ ما قَبْلَهَا.
هداية الحديث:
1) بيان فضل الله ورحمته بعباده، ما داموا يعتقدون أنه تعالىٰ هو المتصرف بأحوالهم، وهذا يدل علىٰ فضل التوحيد.
2) التوبة الصحيحة تُكَفِّر الذنب، فكلما أحدث العبد ذنباً فَلْيُحْدِثْ له توبة.
11/422 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بقَوم يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ تعالىٰ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ». رواه مسلم.
12/423 ــ وعن أبي أيُّوبَ خَالدِ بنِ زيد رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَوْلاَ أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَق الله خَلْقاً يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الترغيب في رحمة الله تعالىٰ بعباده؛ لِمَا فتح لهم من باب الرجاء بالاستغفار والتوبة من الذنوب.
2) إن تودد العبد إلىٰ ربه بدوام التوبة والاستغفار، والانكسار بين يدي الرحيم الغفار لَمِن الطاعات التي يحبها الله تعالىٰ. فطوبىٰ لعبد أدام قرع باب السماء بالتوبة والدعاء.
تنبيــه:
الحديث فيه تبشير بالمغفرة لمن أذنب فاستغفر، ولا يَتوهمنَّ متوهِّم أن في الحديث تحريضاً علىٰ فعل المعاصي.
13/424ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال:كُنَّا قُعُوداً مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، مَعَنَا أَبُو بكر وعُمَرُ رضي الله عنهم في نَفَرٍ، فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أنْ يُقْتَطَعَ دُوننا، فَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، حَتَّىٰ أَتَيْتُ حَائِطاً لِلأَنْصَارِ ـ وَذَكَرَ بطُولِه إلىٰ قوله: ـ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ فَمَنْ لَقِيتَ وَرَاءَ هذَا الحَائِط يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
نفر: الرجال من الثلاثة إلىٰ التسعة.
يقتطع دوننا: يؤخذ ويصيبه ضرر.
حائطاً: بستاناً.
هداية الحديث:
1) بيان عِظَمِ حبِّ الصحابة رضي الله عنهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وحرصهم علىٰ سلامته من كل مكروه في حال حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد وفاته عليه الصَّلاة والسَّلام فإن حرص أهل التوحيد والاتباع علىٰ سلامة سنته، والدفاع عنها، يعتبر من سلامته عليه الصلاة والسلام.
2) استحباب البشارة لأهل الإيمان وفتح باب الرجاء.
3) التوحيد مفتاح باب الجنة، فَلْيحرصِ العبد علىٰ صحة توحيده.
14/425 ــ وعن عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تَلا قوْلَ الله _عز وجل_ في إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ} [إبراهيم: 36] ، وَقَوْلَ عيسىٰ صلى الله عليه وسلم: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] ، فَرَفَعَ يَدَيْه وقال: « اللهم أُمَّتِي أُمَّتِي» وَبكَىٰ، فقال الله _عز وجل_: «يَا جِبريلُ اذْهَبْ إلىٰ مَحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟» فَأَتَاهُ جبرِيلُ، فَأَخْبَرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَا قالَ، وَهو أَعْلَمُ، فقالَ الله تعالىٰ: «يَا جِبريلُ، اذهَبْ إلىٰ مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إنَّا سَنُرضِيكَ في أُمَّتِكَ، وَلا نَسُوؤكَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) رأفةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأمته، واعتناؤه بمصالحهم، وهذا هو شأن المسلم؛ حريصٌ علىٰ العباد، ألا يشق عليهم، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) فتح باب الرجاء لهذه الأمة المرحومة، إذا هي استقامت، كرامةً لنبيِّها صلى الله عليه وسلم.
15/426 ــ وعن مُعَاذِ بنِ جَبَل رضي الله عنه قال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ حِمارٍ، فقال: «يَا مُعَاذ هَل تَدري مَا حَقُّ الله عَلَىٰ عِبادهِ، ومَا حَقُّ الْعِبادِ عَلىٰ الله؟». قلت: اللهُ وَرَسُولُه أَعْلَمُ. قال: «فَإنَّ حَقَّ الله عَلىٰ العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ العِبَادِ عَلىٰ الله أَلاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشرِكُ بهِ شَيْئاً» فقلتُ: يا رسولَ الله، أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قال: «لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتّكِلُوا». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) البشارة لأهل الإيمان برحمات الله تعالىٰ لمن صدق بالعمل وأحسن فيه، أما مع العجز والكسل، فإن ذلك هو الأماني.
2) إن نفي الشرك عن العبد يدل علىٰ الإخلاص والتوحيد، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ صحة توحيده.
16/427 ــ وعنِ البَرَاءِ بن عازبٍ رضي الله عنهم عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «المُسلِمُ إذَا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أن لاَ إلهَ إلَّا الله، وَأنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، فَذلِكَ قَولُه تعالىٰ: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلقَولِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَفِي ٱلأٓخِرَةِۖ} [إبراهيم: 27]. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) رحمة الله بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، فمن حقق التوحيد، وعاش في حياته عليه، أثابه الله بالثبات في حياته، وقبره، ويوم حشره.
2) خير ما نُفَسِّر به كتاب الله هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
17/428 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الكَافِرَ إذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدّنيَا، وَأَمّا المُؤمِنُ فَإنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِه في الآخِرَةِ، وَيعقِبُهُ رِزْقاً في الدُّنْيَا عَلىٰ طَاعَتِهِ».
وفي روايةٍ: «إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِناً حَسَنَةً، يُعْطَىٰ بِهَا في الدُّنْيَا، وَيُجْزَىٰ بِهَا في الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ لله تعالىٰ في الدّنْيَا، حَتَّىٰ إذَا أَفْضَىٰ إلىٰ الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَىٰ بِهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أفضىٰ: صار إلىٰ الآخرة.
هداية الحديث:
1) بيان عدل الله مع عباده؛ بأن يوفيهم أجورهم، حتىٰ مع الكفرة الفجرة ؛ فالعدل مما يحبه الله ويرضاه.
2) الكافر يُجزىٰ علىٰ عمله الحسن في الدنيا، وأَما المؤمن فإنه يُجزىٰ عليه في الدنيا والآخرة، وهذا من البشارة لأهل الإيمان والرجاء لهم.
18/429 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ كَمَثَلِ نَهَرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلىٰ بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ». رواه مسلم. «الْغَمْرُ»: الْكَثِيرُ.
هداية الحديث:
1) الصلاة تكفر الذنوب، وهذا من رحمة الله بالمؤمنين؛ إذ شرع لهم من العبادات ما يغسلون بها ذنوبهم.
2) إذا وفق الله العبدَ للمحافظة علىٰ الصلوات الخمس، فهي بشرىٰ خيرٍ له، بأنه ممن يُرجىٰ أنْ تُغفرَ ذنوبه.
19/430 ــ وعنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلىٰ جنَازَتِهِ أَربَعُونَ رَجُلاً، لا يُشْرِكُونَ بالله شَيْئاً، إلَّا شَفَّعَهُمُ الله فيهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) ثبوت الشفاعة للمؤمنين إذا كان الميت من أهل الشفاعة، فشفاعتهم له أن يغفر الله ذنبه.
2) الترغيب بتكثير المصلين الموحدين علىٰ الجنازة، رجاء حصول المغفرة للميت بفضل الله تعالىٰ.
3) فضل التوحيد وأهله، والبراءة من الشرك وأهله.
20/431 ــ وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله رضي الله عنه في قُبَّةٍ نَحواً مِنْ أَرْبَعِينَ رجلاً، فقال: «أَتَرضَونَ أَنْ تكُونُوا رُبـُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قال: «أَتَرضَوْنَ أنْ تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ؟» قلنا: نَعَمْ، قال: «وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّد بِيَدهِ إنِّي لأرجو أن تكُونُوا نصفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذلِكَ أَنَّ الجنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلَّا نَفْسٌ مَسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُم في أهْلِ الشِّرِكِ إلَّا كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسودِ، أَوْ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
قبّة: خيمة.
هداية الحديث:
1) المؤمنون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أكثر أهل الجنة، وهذا دليل علىٰ مكانة هذه الأمة المرحومة عند الله تعالىٰ.
2) قلة أهل الإيمان بالنسبة لأهل الكفر، فالمؤمن البصير لا يزن الشيء بكثرة أتباعه، ولكن يَعرف الحق بموافقته شرع رب العالمين، وهدي السابقين الأولين.
3) التدرج وتكرار البشائر مرة بعد مرة؛ ليكون أدعىٰ لتجديد الشكر مرة بعد مرة.
21/432 ــ وعن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ إلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ يَهوديّاً أوْ نَصْرانيّاً، فَيَقُولُ: هذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ».
وفي روايةٍ: عنهُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الجِبَالِ يَغْفِرُهَا اللهُ لَهُم». رواه مسلم.
قوله: «دَفَعَ إلىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ يَهوديّاً أوْ نَصْرانيّاً، فَيَقُولُ: هذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» مَعْنَاهُ مَا جَاءَ في حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «لِكُلِّ أَحَدٍ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ، ومَنزِلٌ في النَّارِ، فالمُؤْمِنُ إذَا دَخَلَ الجَنَّةَ خَلَفَهُ الكَافِرُ في النَّارِ، لأَنّهُ مُسْتَحِقّ لِذلِكَ بِكُفْرِهِ».
ومَعْنىٰ «فِكَاكُكَ»: أَنكَ كُنْتَ مُعَرَّضاً لِدُخُولِ النَّارِ، وهذَا فِكَاكُكَ لأَنَّ الله تعالىٰ قَدَّرَ لِلنّارِ عَدَداً يَمْلَؤُهَا، فَإذَا دَخَلَهَا الكُفَّارُ بِذُنُوبِهِمْ وَبكُفْرِهِمْ، صَارُوا في مَعنىٰ الفِكَاكِ لِلمُسلِمِينَ. والله أعلم.
هداية الحديث:
1) تشريف الله هذه الأمة؛ لإيمانها بالله، وشهادتها علىٰ الناس.
2) هوان اليهود والنصارىٰ الذي حرّفوا كلام الله تعالىٰ، وقتلوا رسله عليهم الصلاة والسلام، فهم قرابين يفتدي بهم المسلمون.
22/433 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهم قال: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُدْنَىٰ المُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن رَبِّهِ حَتَّىٰ يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيُقرِّرُهُ بِذُنـُوبِه، فيقولُ: أَتَعرفُ ذَنبَ كَذَا؟ أَتَعرفُ ذَنبَ كَذَا ؟ فيقول: رَبِّ أَعْرِفُ، قال: فَإِنِّي قَد سَتَرتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُها لَكَ اليومَ، فيُعطَىٰ صَحِيفَةَ حَسَنَاتِه». متفقٌ عليه.
«كَنَفُهُ»: ستْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
غريب الحديث:
يُدنىٰ: يقرب.
هداية الحديث:
1) رعاية الله وعنايته بأهل الإيمان، وستره لهم في الدنيا والآخرة.
2) العبد المؤمن لا يكذب، فالكذب من خصال أهل النفاق، والصدق من خصال أهل الإيمان.
تـنبيـه:
من أسماء الله الحسنى: (السِّتِّير) يحب الستر علىٰ المؤمنين، فرحم الله عبداً أعان علىٰ ستر أخيه المؤمن.
وقد شاع بين الناس اسم (عبد السَّتَّار) وهو خطأ؛ لأن (السِّتِّير) هو اسم لله تعالىٰ، أما (السَّتَّار) فليس من الأسماء الحسنىٰ، والواجب التقيُّد بما ورد في النصوص الشرعية؛ لأن أسماء الله تعالىٰ توقيفية. ﴿قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُ﴾؟
23/434 ــ وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَىٰ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخْبَره، فأنزل الله تعالىٰ: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفا مِّنَ ٱلَّيلِ إِنَّ ٱلحَسَنَٰتِ يُذهِبنَ ٱلسَّئَِّاتِ} [هود: 114] ، فقال الرجل: ألي هذَا يا رسولَ الله؟ قال: «لجَمِيعِ أُمَّتي كُلِّهِمْ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
طرفي النهار: غدوة وعشية.
زلفاً من الليل: ساعات منه قريبة من النهار.
هداية الحديث:
1) الصلاة هي أفضل أعمال أهل الإيمان، وخير ما تواصىٰ به المؤمنون.
2) فتح باب الرجاء لعموم أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فمن أحدث ذنباً فَلْيُحْدِث بعده صلاة تـكــفِّر ذنبه، قال صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحُها».
24/435 ــ وعن أنَسٍ رضي الله عنه قال: جاءَ رَجُلٌ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَضرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّىٰ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قضىٰ الصَّلاة قال: يا رسول الله إنِّي أَصَبْتُ حدّاً، فأَقِمْ فيَّ كِتَابَ الله، قال: «هَلْ حَضَرْتَ مَعَنَا الصَّلاةَ؟» قال: نَعم، قال: «قد غُفِرَ لَكَ». متفقٌ عليه.
وقوله: «أَصَبْتُ حَدّاً» معناه: مَعْصِيَةً تُوجِبُ التَّعْزير، ولَيْسَ المُرَادُ الحَدَّ الشَّرْعِيَّ الحَقيقِيَّ، كَحَدِّ الزِّنَا والخمر وغَيْرِهِمَا، فإنَّ هذِهِ الحُدودَ لا تَسْقُطُ بِالصلاةِ، ولا يجوزُ لِلإمامِ تَرْكُهَا.
هداية الحديث:
1) إذا أدىٰ العبد الصلاة علىٰ الوجه الشرعي الصحيح، متبعاً صفة صلاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، فإن هذه العبادة تكفِّر الذنوب، ولو عظمت.
2) رحمة الله بعباده؛ إذ فتح لهم أبواب مكفرات الذنوب، ومنها الصلوات.
25/436 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لَيَرْضَىٰ عن الْعبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَليها، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَليها». رواه مسلم.
«الأَكْلَةُ» بفتح الهمزة، وهي المرةُ الواحدةُ مِنَ الأَكْلِ كَالغَدوَةِ والعَشْوَةِ، والله أعلم.
هداية الحديث:
1) إن حمد الله تعالىٰ عند كل طعام وشراب، هو نوع من رجاء العبد ربَّه سبحانه.
2) المؤمن يبتغي وجه الله في مأكله ومشربه، ويستعين به علىٰ طاعة ربِّه.
26/437 ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ تعالىٰ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسيءُ اللَّيْلِ، حتىٰ تطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْرِبها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) التوبة باب مفتوح، ومن قرع الباب فُتح له.
2) رحمة الله بعباده في قبول توبة العاصين، وفي توفيقهم لها.
27/438 ــ وعن أبي نجَيحٍ عَمرو بن عَبَسَةَ، بفتحِ العين والباء، السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قال: كنتُ وَأنا في الجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أنَّ النَّاسَ عَلىٰ ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا علىٰ شيءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَاراً، فَقَعَدْتُ عَلىٰ راحِلَتي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِياً، جُرَآء عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّىٰ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بمَكَّة، فقلتُ له: ما أنْتَ ؟ قال: «أنا نَبِيٌّ» قلتُ: وما نبيّ؟ قال: «أَرْسَلَني الله»، قلت: وبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قال: «أَرْسَلَنِي بِصَلِةِ الأرْحَامِ، وكسْرِ الأوْثانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ الله لاَ يُشْركَ بِه شَيْءٌ» قلت له: فَمَنْ مَعَكَ عَلىٰ هذَا؟ قال: «حُرٌّ وعَبْدٌ» ومعهُ يَوْمَئِذٍ أبو بكرٍ وبِلالٌ رضي الله عنهم، فقلتُ: إنِّي مُتَّبِعُكَ، قال: «إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ذلِكَ يَوْمَكَ هذَا، أَلا تَرَىٰ حَالي وحالَ النَّاسِ؟ ولكِن ارْجِعْ إلىٰ أَهْلِكَ، فَإذَا سَمِعْتَ بي قد ظَهَرتُ فَأْتِني». قال: فَذَهَبْتُ إلىٰ أهلي، وَقَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وكنتُ في أَهْلِي، فجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ المدينَةَ، حَتَّىٰ قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ أهلِي المدينةِ، فقلتُ: مَا فَعَلَ هذَا الرَّجُلُ الذي قَدِمَ المدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إليهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَومُهُ قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ، فَقَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَدَخَلتُ عليهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله أتعْرِفُني ؟ قال: «نَعم، أنتَ الَّذي لَقيتَني بِمكةَ» قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، أَخْبِرْني عمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وَأَجْهَلُهُ، أخبِرْني عَنِ الصَّلاةِ ؟ قال: «صَلِّ صَلاةَ الصُّبحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّىٰ تَرْتَفعَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْح؛ فَإنَّهَا تَطلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ مَحْضورَةٌ حتىٰ يستَقِلَّ الظِّلُ بالرُّمْحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عنِ الصَّلاةِ؛ فإنه حينئذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ؟ فإذا أقبَلَ الفَيءُ فَصَلِّ؛ فإنَ الصَّلاةَ مَشهودةٌ مَحضورة حتىٰ تُصَلِّيَ العصرَ، ثم اقْصُرْ عنِ الصَّلاةِ حتىٰ تَغْرُبَ الشمسُ؛ فإنها تَغْرُبُ بين قَرنَيْ شيطانٍ، وحينئذٍ يسجدُ لها الكُفَّارُ» قال: فقلت: يا نَبِيَّ الله؟ فالوضوءُ، حدّثني عنه؟ فقال: «ما مِنكُمْ رَجُلٌ يقرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيتَمَضْمَضُ، ويسْتَنْشِقُ فيَنْتَثِرُ، إلَّا خَرَّتْ خطايَا وجهِه وفِيْهِ وخَياشِيمِهِ، ثم إذا غَسَلَ وجهَهُ كما أَمَرَهُ اللهُ، إلاَ خرَّت خطايا وجهِهِ مِنْ أطرافِ لِحْيَتِهِ مع الماءِ، ثم يغسِل يَدَيْهِ إلىٰ المِرفَقَينِ، إلَّا خرّت خطايا يديه من أنامِلِهِ مع الماءِ، ثم يَمسحُ رَأسَهُ، إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأسِهِ مِن أطرافِ شَعَرِهِ مع الماء، ثم يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلىٰ الكَعْبَيْنِ، إلَّا خَرَّتْ خطايا رِجْلَيه من أنامِلِهِ مع الماء، فإن هو قامَ فَصَلَّىٰ، فَحَمِدَ اللهَ تعالىٰ، وأَثْنَىٰ عليهِ، ومَجَّدَهُ بِالذي هو له أَهلٌ، وفَرَّغَ قلبه لله تعالىٰ، إلَّا انصَرَفَ من خَطيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يومَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ». فحدّثَ عَمرُو بن عَبَسَةَ بهذَا أَبَا أُمامَة صاحِبَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو أمَامَة: يا عَمْرُو بنَ عَبَسَةَ، انظُر ما تقولُ! في مقام واحِدٍ يُعْطىٰ هذَا الرَّجُلُ؟ فقال عَمْرٌو: يا أبا أمامَةَ لقَدْ كبرَتْ سنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، واقْتَرَبَ أَجَلي، ومَا بِيْ حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ علىٰ الله تعالىٰ، ولا علىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، لو لم أَسْمَعْهُ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَو ثلاثاً، حتَّىٰ عَدَّ سبعَ مَرَّاتِ، ما حَدَّثتُ أَبداً بِهِ، ولكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكثرَ من ذلِك. رواه مسلم.
قوله «جُرآءُ عليهِ قومُه»: هو بجيمٍ مضمومة وبالمد علىٰ وزنِ عُلماءَ، أَي: جاسِرونَ مُستطِيلُونَ غيرُ هائبينَ. هذِهِ الرواية المشهورةُ، ورواه الحُمَيْدِي وغيرُهُ: «حِرَاءٌ» بكسر الحاء المهملة، وقال: معناه: غِضابٌ ذَوُو غَمٍّ وهمٍّ، قد عِيْلَ صَبرُهُمْ به، حتّىٰ أَثّرَ في أجسامِهِمْ، من قوْلِهم: حَرَىٰ جِسمُهُ يَحْرَىٰ إذا نَقصَ مِنْ أَلمٍ أَوْ غمٍّ ونَحوِهِ، والصّحِيحُ أَنَّهُ بالجِيمِ. قوله صلى الله عليه وسلم: «بينَ قَرنَي شيطانٍ» أَيْ: ناحيتي رأسِهِ، والمرادُ التَّمثيلُ، معناهُ: أنَّه حينئذٍ يَتَحَرَّكُ الشّيطانُ وشِيعتُه، ويَتَسَلَّطُونَ. وقوله: «يُقَرِّبُ وَضَوءه» معناه: يُحْضِرُ الماءَ الذي يَتَوَضَّأُ به. وقوله: «إلَّا خَرّتْ خَطايا» هو بالخاء المعجمة، أَيْ: سقَطَت، ورواه بَعضُهُم «جرَتْ» بالجيم، والصحيح بالخاءِ، وهو روايةُ الجُمهور. وقوله: «فَيَنْتَثِرُ» أَيْ: يَسْتَخرجُ ما في أَنفِه مِنْ أَذىٰ، والنَّثرَةُ: طرَفُ الأنفِ.
غريب الحديث:
فتلطفت: فترفقت.
متبعك: مظهر للإسلام، ومقيم معك في مكة.
قيد رمح: بقدر بضع دقائق بعد طلوع الشمس.
تُسْجَر: تُهَيَّجُ بالوقود.
الفيء: ظل ما بعد الزوال.
فيه: فمه.
خياشيمه: أنفه.
هداية الحديث:
1) بدأ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم دعوته غريباً متخفياً، ثم أكرمه ربه سبحانه وأكرم صحابته رضوان الله عليهم بالتمكين في الأرض، بما صبروا علىٰ الأذىٰ، والابتلاء مع دوام الرجاء، وهذه وصية عظيمة لدعاة الأمة ألا يستعجلوا نصر الله تعالىٰ.
2) بيان لفضل أبي بكر الصدّيق وبلال، فهما من السابقين الأولين رضي الله عنهم.
3) تحريم التشبُّه بالكفار ولو لم يقصد المتشبه ذلك، فإن الذي يصلي حين تطلع الشمس، أو حين تغرب قد لا يقصد بذلك التشبه بالكفار، ومع ذلك فالصلاة حينئذٍ منهيٌّ عنها.
4) بيان فضلِ الوضوء؛ وأنه مكفر للذنوب والخطايا، وهذا من الرجاء للمؤمنين المتطهرين.
28/439 ــ وعن أبي موسىٰ الأشعَري رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إذا أرادَ اللهُ تعالىٰ رحمةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نبيَّهَا قبلَها، فجعَلَهُ لها فَرطاً وسَلَفاً بينَ يَدَيها، وإذا أراد هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبها ونبيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وهوَ حَيٌّ ينظُرُ، فأَقَرَّ عيْنَهُ بِهَلاكِها حين كذَّبُوهُ وعَصَوا أَمْرَهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
فرطاً: متقدماً وسابقاً.
بين يديها: أمامها.
فأقرّ عينه: حَصَل له السرور بهلاكها جزاء تكذيبهم وعصيانهم.
هداية الحديث:
1) لطف الله بهذه الأمة المحمدية المرحومة ــ زادها الله شرفاً ــ ؛ إذ قبض نبيَّها صلى الله عليه وسلم قبلها.
2) اهتمام الأنبياء عليهم السلام بأقوامهم، وحرصهم علىٰ رعايتهم، وإصلاح شؤونهم.
3) تعذيب الكفار وإهلاكهم، فيه نصرٌ لمنهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.
52 ــ باب فضل الرجاء
قال الله تعالىٰ إخباراً عن العبدِ الصّالحِ: {وَأُفَوِّضُ أَمرِيٓ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُ بِٱلعِبَادِ * فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَئَِّاتِ مَا مَكَرُواْۖ} [غافر: 44 ـ 45].
هداية الآيات:
1) تفويض الأمر إلىٰ الله تعالىٰ علامة صحة التوكل.
2) مَنْ فَوَّضَ أمره إلىٰ مولاه، كفاه الله حاجته وأغناه.
1/440 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «قال الله _عز وجل_: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدي بي، وأنا مَعَهُ حَيْثُ يَذكُرُني، وَاللهِ لَلهُ أَفْرَحُ بتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إلَيه ذراعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعاً تَقَرَّبْتُ إليه بَاعاً، وإذا أَقْبَلَ إلَيَّ يَمْشي أَقبَلتُ إلَيه أُهَرْوِلُ». متفق عليه، وهذا لفظ إحدىٰ رِوايات مسلم. وتقدَّم شرحُهُ في الباب قبله.
وروي في الصحيحين: «وأنا معه حينَ يَذْكُرُني» بالنون، وفي هذه الرواية «حَيْثُ» بالثاء، وكلاهما صحيح.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ حسن الظنَ بالله تعالىٰ، ورجاء رحمته، والمبادرة إلىٰ التوبة، والتقرب إليه بالطاعات.
2) إن حسن الظن بالله، معناه: أن ترجو ما عند الله ولو كان غائباً، وأن تقطع تَعَلُّقَك بما عندك وعند الخلق ولو كان موجوداً.
فائـدة:
متىٰ يكون العبد محسناً الظن بالله _عز وجل_؟
يكون ذلك إذا فعل مايوجب فضل الله ورحمته؛ فيعمل الصالحات، ويُحسن الظن بأن الله تعالىٰ يقبلها، أما أن تحسن الظن وأنت لا تعمل، أو تحسن الظن مع مبادرتك له بالعصيان، فهذا دأب العاجزين المفلسين البطَّالين.
2/441 ــ وعن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه أَنَّهُ سمعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَوْتِهِ بثلاثَةِ أَيَّامٍ يقولُ: «لاَ يمُوتَنَّ أحَدُكُم إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله _عز وجل_». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لا يموتن: أيْ: لِيَحْرِصْ ألاّ يأتيه الموت إلاّ وهو علىٰ هذه الحالة.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالىٰ، ولكن مع فعل الأسباب التي توجب ذلك؛ من صدق الاعتقاد، وتحسين العمل، ولزوم سُنَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ إرشاد أمته، وشدة رأفته بالمؤمنين في جميع أحواله، حتىٰ وهو في مرض موته ينصح لأمته.
3) الحث علىٰ الرجاء، ولاسيّما عند الموت؛ لأن الرجاء في هذه الحالة من أحسن حال العبد.
3/442 ــ وعن أنس ٍرضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالىٰ: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ مَا دَعَوْتَني وَرَجَوْتَني غَفَرْتُ لَكَ عَلىٰ مَا كَانَ مِنكَ وَلا أُبَالي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم اسْتَغْفَرْتَني غَفَرتُ لَكَ وَلا أُبالي، يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ لَوْ أَتَيْتَني بِقُرابِ الأرضِ خطايا، ثُمَّ لَقَيْتَني لا تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأتيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.
«عَنَانُ السَّماءِ» بفتح العين، قيل: هو ما عَنَّ لَك منها، أَي: ظَهَرَ إذَا رفعْتَ رَأْسَكَ، وقيلَ: هو السَّحَاب. «وقُرَاب الأرض» بضم القاف، وقيلَ بكسرِها، والضمّ أصح وأشهر، وهو: ما يُقارِبُ مِلأهَا، والله أعلم.
هداية الحديث:
1) سعة فضل الله _عز وجل_ وكرمه؛ فإن رحمته وسعت كل شيء، وما خلق الله الخلق إلا ليرحمهم بعبوديتهم إياه، لا ليعذبهم.
2) الحث علىٰ الاستغفار والدعاء والرجاء من الله سبحانه، فهذه من صفات المؤمنين.
3) فضل التوحيد، وبيان أنه من أعظم مكفرات الذنوب.
53 ــ باب الجمع بين الخوف والرجاء
اعْلَمْ أَنَّ المُخْتَارَ لِلْعَبْدِ في حَالِ صحَّتِه أَن يَكُونَ خَائِفاً راجياً، وَيكونَ خَوفُهُ ورجاؤُهُ سواءً، وفي حالِ المَرَضِ يُمَحِّضُ الرَجَاءَ. وقواعِدُ الشَّرْعِ مِن نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وغَيْرِ ذلك مُتظاهِرَةٌ علىٰ ذلك. قال الله تعالىٰ: {فَلَا يَأمَنُ مَكرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلقَومُ ٱلخَٰسِرُونَ} [الأعراف: 99] ، وقال تعالىٰ: {إِنَّهُۥ لَا يَاْئَسُ مِن رَّوحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلقَومُ ٱلكَٰفِرُونَ} [يوسف: 87] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ﴾ [آل عمران: 106] ، وقال تعالىٰ: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} [الأعراف: 167]، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ * وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ} [الانفطار: 13ــ 14] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ * فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ * وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ * فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ} [القارعة: 6ــ 9]، والآيات في هذَا المعنىٰ كثيرة. فَيَجْتمع الخَوْف والرجاءُ في آيَتَيْنِ مُقْتَرِنتيْنِ أو آيات أو آية.
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يكون طبيب نفسه؛ فإن رأىٰ من نفسه أنها أمنت مكر الله باستمرارها علىٰ المعاصي، فَلْيَعدلْ عن هذه الطريق، وَلْيَسْلُكْ طريق الخوف، وإن رأىٰ أن فيها وسوسةً، وأنه يخاف خوفاً شديداً، فَلْيَعدلْ عن هذا الطريق، وَلْيُغَلِّبْ جانب الرجاء حتىٰ يعتدل خوفه ورجاؤه.
2) طريقة القرآن الكريم الجمع بين الخوف والرجاء، فهو طريق المؤمن الصادق البصير، المهتدي بهدي الكتاب المبين.
1/443 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عندَ الله مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ ما عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كرامة المؤمن علىٰ الله تعالىٰ؛ حين طمّعه في جنَّته، ووفَّقه للعمل الصالح.
2) هوان الكافر علىٰ ربِّه؛ حين حجب عنه العمل بسبب إعراضه عن الله تعالىٰ، واغتراره بالأماني والشهوات.
2/444 ــ وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، واحتَمَلَهَا النَّاسُ أَوْ الرِّجالُ عَلىٰ أَعْنَاقِهِمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُوني قَدِّمُوني، وَإنْ كانتْ غَيرَ صالِحَةٍ قالَتْ: يا وَيْلَهَا! أَيْنَ تذْهَبُونَ بها؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الإنْسانُ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ ». رواهُ البخاري.
غريب الحديث:
وضعت: جعلت في سرير الموت.
هداية الحديث:
1) الجنازة الصالحة تطمع في رجاء الله تعالىٰ؛ لأنها تعلم مالها من الخير الذي ينتظرها.
2) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التعليم، حين جمعَ بين الخوف والرجاء.
فائدة:
قوله صلى الله عليه وسلم: «واحتملها النَّاسُ أو الرِّجالُ علىٰ أعناقهم»، يُستفاد من هذا الهدي النبوي ألا توضع الجنائز في السيارات، وذلك لأمور:
1) إنها من عادات الكفار، وقد حرمت الشريعة ونهت عن تقليدهم ومشابهتهم.
2) فيه مخالفة لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حمل الجنازة.
3) تفويت الغاية والثمرة من العِظة بحمل الجنازة ورؤية الناس لها.
وَلْتعلمْ أخي المؤمن أن الأمم الكافرة لما غاب تذكّر الموت عن قلوبهم، وانغمسوا في الشهوات والدنيا الفانية، صاروا يبتعدون عن كل مايُذكِّر بالموت، فوضعوا موتاهم في هذه الصناديق المغلقة داخل السيارات.
4) إنها سبب قوي لتقليل المشيِّعين لها والراغبين في الحصول علىٰ الأجر، فلايستطيع كل أحد أن يشارك في تشييع الجنازة بهذه الطريقة.
5) إن التشييع بالسيارات والمواكب لا يتفق مع ما عُرف عن سماحة الشريعة ويسرها في البعد عن الشكليات والرسميات في الموت.
لكن يستثنىٰ من ذلك النهي ما دعت الحاجة إليه، كبعد المقابر بعداً طويلاً، فيكون ذلك علىٰ قدر الحاجة، دون الدخول في الشكليات والرسميات.
3/445 ــ وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الجنَّةُ أَقْرَبُ إلىٰ أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلِكَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
شراك نعله: سوار النعل، يُضرب به المثل في القرب؛ لأن الإنسان لابسٌ نعله.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يسعىٰ في إصلاح النقصِ الحاصل له من مقام الخوف أو الرجاء.
2) العبد سائر في عمله وكدحه إمّا إلىٰ الجنَّة أو إلىٰ النَّار، فليحمد اللهَ عبدٌ وُفـِّقَ للباقيات الصالحات.
54 ـ باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقاً إليه
قال الله تعالىٰ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩﴾ [الإسراء: 109] ، وقال تعالىٰ: ﴿أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ * وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ} [النجم: 59 _60].
هداية الآيات:
1) بكاء العبد من خشية الله، سببُه إمّا الخوفُ منه؛ إذا كان بعد معصية أورثت بعداً وطرداً، أو الشوقُ إليه؛ إذا كان بعد طاعة وُفـِّق لها العبد أورثت قرباً وحبّاً.
2) الإنكار علىٰ القاسية قلوبهم، الذين جف دمع عيونهم من قسوة قلوبهم.
1/446 ــ وعَنْ ابن مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: قال لي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأ عليَّ القُرآنَ» قلتُ: يا رسُولَ الله، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟! قالَ: «إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْري» فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّسَاءِ، حتىٰ جِئْتُ إلىٰ هذِه الآية: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 41]، قال: «حَسبُكَ الآنَ» فَالْتَفَتُّ إلَيْهِ، فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. متّفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تدبر القرآن عند تلاوته أو سماعه، فإنه سبب في دمع العين، وخشية القلب، فإن (رِوىٰ القلب ذكر الله فاستسق مقبلاً ... ولا تعدُ روضَ الذاكرين فتُمحِلا).
2) من الأدب النبوي في قراءة القرآن حصول الخشية والدمعة، والله يقول: {لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٞ}.
2/447 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: خَطَبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خُطْبَةً، ما سَمعتُ مِثْلَها قَطُّ، فقالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كثيراً»، قال: فَغَطَّىٰ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَجُوهَهُمْ، ولَهُمْ خَنِينٌ. متفقٌ عليه، وسَبَقَ بَيَانُهُ في بابِ الخَوْفِ.
غريب الحديث:
خنين: البكاء مع صوت ضعيف يخرج من الأنف.
هداية الحديث:
1) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وعظ الناس، وحثهم علىٰ البكاء من خشية الله تعالىٰ.
2) جهلُ العبدِ وظلمُه سببٌ في عدم البكاء.
3) فضيلة الصحابة رضي الله عنهم في تأثرهم بالموعظة النبوية مباشرة. فأين حال مَن تُتلىٰ عليه الآيات البينات، والأحاديث الزاجرات، ثم لا يتأثر؟! ولربما خشع وبكىٰ من سماع الأناشيد والأبيات!!. فهل إلى إحياء منهج الصحابة في السماع من سبيل؟
فائدة:
في رواية للحديث: «وأوحىٰ الله _عز وجل_ إليه: يا محمد لم تقنط عبادي؟ فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا وسددوا، وقاربوا».
ففي هذا الحديث: الجمع بين الخوف والرجاء، لأن الخوف وحده يورث القنوط واليأس، والرجاء وحده يورث الكبر والعجب.
3/448 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَلجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَىٰ مِنْ خَشْيَةِ الله حَتَّىٰ يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ الله وَدُخانُ جَهَنَّمَ». رواهُ الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
يلج: يدخل.
هداية الحديث:
1) البكاء من خشية الله تعالىٰ يبعث علىٰ الاستقامة، فيكون وقاية من عذاب النار.
2) إن من علامة صدق الإيمان دمعُ العين من خشية الله تعالىٰ.
4/449 ــ وعنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ الله تَعالىٰ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّق في المَسَاجدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في الله؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفاها، حتَىٰ لاَ تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُه، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الباكي خشيةً من الله واحدُ سبعةٍ يظلهم الله في ظله.
2) يستحسن للعبد أن يذكر الله خالي القلب مما سوىٰ الله _عز وجل_، خالي الجسم ليس عنده أحد، فيكون بكاؤه خالصاً لله تعالىٰ.
5/450 ــ وعَن عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُصَلِّي، ولجوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكاءِ. حديث صحيح رواه أبو داود، والتِّرْمذي في الشّمائِلِ بإسنادٍ صحيحٍ.
غريب الحديث:
لجوفه: لصدره وداخله.
أزيز الرجل: صوت القدر وهو يغلي.
هداية الحديث:
1) بيان ماكان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من كمال الخوف، فصوت بكائه دليل علىٰ كمال الخشية لله تعالىٰ.
2) مَن ظهرت عليه أمارات الخشوع مِن غير تكلف فلا حرج عليه، فإن للحسنة نوراً ونضرة في وجوه الطائعين.
6/451 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبيِّ بن كَعْبِ رضي الله عنه: «إنَّ الله _عز وجل_ أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: {لَم يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}»، قَالَ: وسَمَّانِي؟ قالَ: «نَعَمْ» فَبَكىٰ أُبَيّ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: فَجَعَلَ أُبـَيٌّ يَبْكي.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصحابي أُبي بن كعب رضي الله عنه؛ فهو من الراسخين في حفظ القرآن وتلاوته، فقد سمّاه رب العزة تبارك وتعالىٰ.
2) جواز البكاء عند الفرح والسرور وحصول النعم.
3) فضيلة سورة البينة؛ لِـمَا اشتملت عليه من التوحيد، والرسالة، والمعاد، والصحف، والكتب المنزلة علىٰ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذكر الصلاة والزكاة، والإخلاص، وبيان حال أهل الجنة والنار، ففيها بيان خير الدنيا والآخرة.
7/452 ــ وعنهُ قالَ: قالَ أبو بَكْرٍ لعمرَ رضي الله عنهما بعدَ وفاةِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: انْطَلِقْ بِنا إلىٰ أُمِّ أَيْمَنَ رضي الله عنها نَزُورُها، كما كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَزُورُها، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَيْهَا بكَتْ، فَقالا لها: ما يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمينَ أَنَّ ما عِنْدَ الله تَعالىٰ خَيْرٌ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَتْ: إنّي لاَ أَبْكِي أَنـِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولكِنِّي أَبكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُما عَلَىٰ البُكاءِ، فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَها. رواهُ مسلم. وقد سبق في باب زيارَةِ أهل الخير.
هداية الحديث:
1) رقة قلوب الصحابة رضي الله عنهم، فأدنىٰ شيء من حديث الإيمان يحرك قلوبهم.
2) علىٰ العبد إذا تفقد إخوانه أن يذكر لهم مايحرك إيمانهم، ويكون سبباً في فيض دمعهم من خشية الله تعالىٰ.
8/453 ــ وعن ابنِ عمَر رضي الله عنهما قال: لمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ، قيلَ له في الصَّلاةِ، فقال: «مُرُوا أبَا بكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنّاسِ»، فقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: إنَّ أبَا بكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إذا قَرَأَ القُرآنَ غَلَبَهُ البُكاءُ، فقالَ: «مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ». وفي روايةٍ عن عائشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قلتُ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ إذا قامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمعِ النَّاسَ مِنَ البُكاءِ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) صفة أبي بكر رضي الله عنه، لِـمَـا كان عليه من خشية الله _عز وجل_.
2) استحباب رقة القلب والبكاء عند تلاوة القرآن من غير تكلّف.
9/454 ــ وعن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوْفٍ أَنَّ عبدَ الرَحمنِ بنَ عَوْفٍ رضي الله عنه أُتِيَ بطَعامٍ وكانَ صائماً، فقالَ: قُتِلَ مُصعبُ بنُ عُمَيرٍ رضي الله عنه، وَهُوَ خَيْرٌ منِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ ما يُكَفَّنُ فيهِ، إلَّا بُرْدَةٌ إنْ غُطِّيَ بها رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ، وإنْ غُطِّيَ بها رِجْلاهُ بَدَا رأسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا ما بُسِطَ، أَوْ قالَ: أُعْطِينا مِنَ الدُّنْيا مَا أعْطِينَا، وقَدْ خَشِينَا أنْ تكُونَ حَسَنَاتُنا عُجِّلَتْ لَنا، ثُمَّ جَعَلَ يبْكي حتَّىٰ تَرَكَ الطَّعامَ. رواهُ البخاري.
هداية الحديث:
1) استحباب تذكّر سير الصالحين، فهي زاد يوصل إلىٰ طريق الآخرة.
2) علىٰ المرء أن يذكر أصحابه وإخوانه بجميل فعالهم، وحسن مناقبهم، وأن يستغفر لهم، وأن يتجنب ذكر مايسوؤهم.
3) المؤمن ينظر في الطاعة إلىٰ مَنْ هو فوقه، وفي أمور الدنيا إلىٰ مَن هو دونه؛ ليبقىٰ حريصاً علىٰ الإكثار من الطاعة، شاكراً لأنعم الله.
10/455 ــ وعن أبي أُمامةَ صُدَيِّ بنِ عجلانَ الباهليِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ شيءٌ أَحَبَّ إلىٰ الله تعالىٰ من قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةُ دُمُوعٍ من خَشيَةِ الله، وَقَطرَةُ دَمٍ تُهرَاقُ في سَبِيلِ الله. وَأَمَّا الأثرَانِ: فَأَثَرٌ في سَبِيلِ الله تعالىٰ، وَأَثرٌ في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ الله تعالىٰ». رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.
غريب الحديث:
تُهراق: تسيل.
هداية الحديث:
1) البكاء خشيةً من الله تعالىٰ من أحب الأعمال الفاضلة .
2) فضل التقرُّب إلىٰ الله بما افترضه علىٰ عباده، من أجناس الطاعات.
وفي الباب أحاديث كثيرة منها:
11/456 ــ حديث العرْباضِ بنِ ساريةَ رضي الله عنه، قال: «وَعَظَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنها القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ». وقد سبق في باب النهي عن البدع.
هداية الحديث:
1) بيان صفة الموعظة؛ أن تكون بليغة مؤثرة، تجلب دمع العيون وخشية القلوب.
2) الكلام المؤثر هو ماخرج من مشكاة الشرع وهدي التنزيل، فدخل القلب.
55 ــ باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
قالَ الله تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا * ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا} [الكهف:45 _46] ، وقال تعالىٰ: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: 20] ، وقال تعالىٰ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ [فاطر: 5] ، وقال تعالىٰ: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ﴿1﴾ حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ﴿2﴾ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ﴿3﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ﴿4﴾ كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ﴿5﴾ لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ ﴿6﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ﴿7﴾ ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴿8﴾} [التكاثر: 1 ــ 5] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64] . والآيات في الباب كثيرة مشهورة.
هداية الآيات:
1) الدنيا بكل نعيمها متاع قليل زائل، فالبصير من يجعلها دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ.
2) رحمة الله بعباده؛ فقد حذرهم الاغترار بالدنيا، وفتح لهم أبواب الآخرة.
وأَمَّا الأحاديث:
فأكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، فَنُنَبِّهُ بِطَرَفٍ مِنها علىٰ ما سواه.
1/457 ــ عن عمروِ بنِ عوف الأنصاريِّ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أبا عبَيدَةَ بنَ الجرَّاحِ رضي الله عنه إلىٰ البَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنصَارُ بقُدومِ أبي عُبَيْدَة، فَوافَوْا صَلاةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا صَلَّىٰ رسولُ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتبَسَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قال: «أَظُنُّكُم سَمِعتُم أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فقالوا: أَجَل يا رسولَ الله، فقال: «أبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فوَاللهِ ما الفَقْرَ أَخْشَىٰ عَلَيْكُمْ، ولكِنِّي أَخْشَىٰ عَلَيْكُمْ أَن تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُم، كما بُسِطَتْ عَلىٰ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ». متفق عليه.
غريب الحديث:
بجزيتها: بجزية أهلها، وكان غالبهم مجوساً. والجزية: مال يدفعه كافرُ أهلِ الذمة صغاراً لأهل الإسلام، لقاء البقاء علىٰ كفره، ويأمن مقابل ذلك في أهله وماله ودينه.
فوافوا: اجتمعوا وحضروا.
هداية الحديث:
1) قد يكون الفقر خيراً للعبد؛ لأن المال في الغالب يُطغي الإنسان.
2) كمال هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في معالجة النفوس البشرية بما يصلحها؛ فقد عرف مايريد الأنصار، فبشَّرهم، وأمّلهم؛ لتطمئن قلوبهم ونفوسهم.
2/ 458 ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قالَ: جَلَسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ المِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَولَه، فقال: «إنَّ مِمّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيَا وزينَتِهَا». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إن التعلُّق بالدنيا الذي ينسي الآخرة، هو أخوف ما خافَه رسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ أمته.
2) شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم علىٰ أمته، وحرصه علىٰ نجاتهم، وخوفه عليهم أن يتعلَّقوا بالفاني ويغفلوا عن الباقي. وهكذا يجب أن يكون الدعاة إلىٰ الله تعالىٰ حريصين علىٰ هداية الخلق.
3) إخبارُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن حال أمته، وما سيفتح عليها من زينة الحياة الدنيا وفتنتها.
3/459 ــ وعنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإنَّ اللهَ تَعالىٰ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
مستخلفكم فيها: جاعلكم خلائف فيها، يخلف بعضكم بعضاً.
هداية الحديث:
1) لاحرج علىٰ العبد إذا تمتع بملذَّات الدنيا المباحة، فإنها حلوة خضرة.
2) وظيفة العبد في الدنيا أن يقيم عبودية الله تعالىٰ ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾.
4/460 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «اللهمَّ لا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) العيش الرغيد الذي يَسعىٰ إليه العبد المُوَفَّق ويَفرح به، هو عيش الدار الآخرة ، وأمّا عيش الدنيا، فهو ممزوج بأنواع المصيبات.
2) الحث علىٰ اهتمام المؤمن بما عند الله؛ لأنه هو الباقي الذي لاينقطع نعيمه.
5/461 ــ وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يَتْبَعُ الميْتَ ثَلاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ؛ فَيَرْجِعُ اثْنانِ، ويَبْقَىٰ مَعَهُ وَاحِدٌ؛ يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، ويَبْقَىٰ عَمَلُهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إن الذي ينفع الميت هو عمله الصالح، فطوبىٰ لعبد أتىٰ قبرَه بزادٍ صالحٍ.
2) الأهل والمال ودائع عند العبد، ثم كلٌّ مغادرٌ إلىٰ ربِّه ومفارق للوديعة.
6/462 ــ وعنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَىٰ بأَنْعَم أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْراً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ: لا والله يَارَبِّ. وَيُؤْتَىٰ بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً في الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فيقولُ: لا وَالله، مَا مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يصبغ في النار صبغة: يغمس فيها غمسة واحدة.
بؤساً: فقراً وشدة.
هداية الحديث:
1) نعيم الدنيا وشقاؤها لايقارنان بنعيم الجنة وعذاب النار، وهذا فيه حث علىٰ الرجاء والصبر.
2) إنعام الله علىٰ أهل الفساد في الدنيا ليس دليل محبتهم، وإنما هو تعجيل لحظ الدنيا، حتىٰ إذا لاقوا الله لم يكن لهم في الآخرة إلا العذاب.
7/463 ــ وعن المُسْتَوْرد بن شدادٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يرْجِعُ؟». رواه مسلم.
غريب الحديث:
اليم: البحر.
هداية الحديث:
1) الدنيا دَنِيَّة فانية، والعاقل هو من جعلها مركباً صالحاً إلىٰ الفوز بالآخرة.
2) جواز ضرب الأمثال لفهم المعاني.
8/464 ــ وعن جابِرٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فتَنَاوَلَهُ، فَأَخَذَ بأُذُنِهِ، ثُمَّ قال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يكُونَ هذَا لَهُ بِدِرهمٍ؟» فَقالوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصنَعُ بِهِ؟ ثم قال: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَـكُمْ؟» قَالُوا: واللهِ لَوْ كانَ حَيًّا كَانَ عَيْباً أنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وهو مَيِّتٌ! فقال: «فَوَاللهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَىٰ الله مِنْ هذَا عَلَيْكُمْ». رواه مسلم.
قوله: «كَنَفتَيْهِ» أَيْ: عن جانبيه. و«الأسكّ»: صغير الأُذُن.
هداية الحديث:
1) الدنيا ومافيها أذلُّ وأحقر عند الله من جيفة الحيوان المعيب، فيا عجباً كيف خدعت كثيراً من الناسِ وغرتهم؟!
2) علىٰ أهل العلم تذكير الناس بحقارة الدنيا، وحثهم علىٰ الزهد فيها، وتحذيرهم من الركون إليها، ولا يُلام من استمتع بما فيها من الطيبات المباحة، بشرط ألا ينسىٰ الآخرة.
9/465 ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: كُنْت أَمْشِي مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَرَّةٍ بالمدينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فقال: «يَا أبَا ذَرٍّ»، قلت: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله، فقال: «مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهباً، تمْضِي عَلَيَّ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنِ، إلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ في عِبَادِ الله هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» عن يَمِينِه، وعن شمالِه، وعن خلفه. ثم سار، فقال: «إنَّ الأَكثَرِينَ هُمُ الأقلُّونَ يَوْمَ القيامةِ، إلَّا مَنْ قَالَ بالمَالِ هكَذا وهكَذا وهكَذا» عن يمينِهِ، وعن شمالِهِ، ومِن خَلْفه، «وَقَلِيلٌ مَا هُم». ثم قال لي: «مَكَانَكَ لاَ تَبْرَحْ حَتَّىٰ آتِيَكَ». ثم انْطَلَقَ في سَوَادِ اللَّيْلِ حتىٰ تَوَارَىٰ، فَسَمِعْتُ صَوْتاً قَدِ ارْتفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قوله: «لا تَبْرَحَ حتَّىٰ آتِيَكَ»، فلم أَبْرَحْ حَتَّىٰ أتاني، فَقُلْتُ: لقد سَمِعْتُ صَوْتاً تَخَوَّفْتُ منه، فَذَكَرْتُ له، فقال: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ ؟» قلت: نَعَم، قال: «ذَاكَ جِبريلُ أَتاني، فقال: مَن مات مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشرِكُ بِالله شَيئاً دَخَلَ الجَنَّةَ»، قلتُ: وَإنْ زَنَىٰ وَإنْ سَرَقَ؟ قال: «وَإن زَنَىٰ وَإن سَرَقَ». متفقٌ عليه، وهذا لفظُ البخاري.
10/466 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان لي مِثلُ أُحُدٍ ذَهَباً، لَسَرَّني ألَّا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِندِي منه شَيْءٌ، إلَّا شَيْءٌ أُرْصِدهُ لِدَينٍ». متفق عليه.
غريب الحديث:
حرّة: أرض ذات حجارة سوداء.
أرصِده: أعده وأحفظه.
هداية الأحاديث:
1) بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وأن من حقق التوحيد دخل الجنة، بلا عذاب ولا حساب.
2) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، مع تمام الغنىٰ في قلبه صلوات الله وسلامه عليه.
3) الغالب علىٰ من كثر ماله في الدنيا أن يطغى ويتكبر ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ﴿6﴾ أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ﴿7﴾}.
4) حسن أدب أبي ذر رضي الله عنه مع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد عظَّم أمره، ولم يخالفه ولو كان لحاجة ومصلحة مظنونة. فكل الخير في اتباع المعصوم صلى الله عليه وسلم.
5) المال خير عون للعبد الصالح في إنفاقه في وجوه الخير، والعبد المُوَفَّق من رُزق علماً ومالاً، فهو ينفق ماله بما يعلم من وجوه الخير.
11/467 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «انْظُرُوا إلىٰ مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إلىٰ مَنْ هُوَ فَوقَكُم، فَهُوَ أَجْدَرُ ألا تَزْدَرُوا نِعمَةَ الله عَلَيْكُمْ». متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ.
وفي رواية البخاري: «إذا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلىٰ مَنْ فُضِّلَ عليهِ في المالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إلىٰ مَنْ هو أَسْفَلُ مِنْهُ».
غريب الحديث:
أجدر: أحق.
تزدروا: تستصغروا وتحتقروا.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ شكر نعم الله تعالىٰ، ولو كان العبد دون غيره في النعم.
2) الشريعة جاءت بإصلاح النفوس وتهذيب أحوال الناس.
12/468 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقَطِيفَةِ وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
تعس: هلك.
القطيفة: ثوب له خمل.
الخميصة: الكساء المخطط.
هداية الحديث:
1) لابد للإنسان من عبودية؛ فإما أن يكون عبداً لله، وإما أن يكون عبداً للشهوات.
2) المذموم من شَغَلَه المال عن الله تعالىٰ، فصار صاحبه يفرح إن أُعطي، ويحزن إن مُنع.
13/469 ــ وعنه رضي الله عنه قال: لَقَدْ رأَيْتُ سَبْعِينَ منْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عليه رداءٌ، إمَّا إزَارٌ، وَإمَا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا في أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدهِ كرَاهِيَةَ أَنْ تُرَىٰ عَوْرَتُهُ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
أهل الصفة: هم أضياف الإسلام، من فقراء الصحابة، كانوا يأوون إلىٰ مكان في آخر مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، عُرف بالصُّفَّة.
رداء: ما يستر عالي البدن فقط.
الإزار: ما يستر أسفل البدن فقط.
هداية الحديث:
1) التقلُّل في الدنيا هو حال سادات هذه الأمة، ومنهم أهل الصُّفَّة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) الفقر لايمنع العامل من الاجتهاد في الخير، فأولئك الزهاد علىٰ أيديهم فتحت البلاد وقلوب العباد. فيا أيها الفقير الصابر لا تحزن!.
14/470 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) هوان الدنيا علىٰ الله، حتىٰ جعلها أشبه بالسجن للمؤمن.
2) من استغرق دنياه بالنعيم الخالص ولم تصبه المصائب، فليفتش عن قلبه وعمله؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وصف حال المؤمن مع الدنيا بحال السجين!
15/471 ــ وعن ابن عُمرَ رضي الله عنهما قال: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَنكِبَيَّ، فقال: «كُنْ في الدُّنْيَا كأنَّكَ غَريبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبيلٍ».
وَكَانَ ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يقول: إذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.
قالوا في شرحِ هَذا: معناه: لا تَركَن إلىٰ الدُّنْيَا، وَلا تَتَّخِذْهَا وَطَناً، وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ البَقَاءِ فِيهَا، وَلا بالاعْتِناءِ بِهَا، وَلا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ في غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لا يَشْتَغِلُ بِهِ الْغَرِيبُ الَّذي يُريدُ الذَّهَابَ إلىٰ أَهْلِهِ. وَبالله التَّوْفِيقُ.
هداية الحديث:
1) إن أخذ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمنكبَيْ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما دليل علىٰ محبته له.
2) استحباب مسك المعلِّم كتف المتعلِّم عند التعليم والموعظة، وذلك للتأنيس والتنبيه.
3) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ إيصال الخير لأمته.
4) الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فالدنيا ليست دار مقرٍّ، بل هي دار ممرٍّ.
5) المؤمن في الدنيا غريب؛ لأن الجنة هي موطنه الأول ﴿يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ﴾ فعدوُّه الشيطان هو الذي أخرجه منها، وسباه، فهو الآن يعيش في سجن الأسر، يَحِنُّ أبداً إلىٰ وطنه!.
16/472 ــ وعن أبي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعديِّ رضي الله عنه قال: جاءَ رَجُلٌ إلىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: يا رسولَ الله، دُلَّنِي عَلىٰ عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فقال: «ازهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ». حديث حسنٌ رواه ابن مَاجَه وغيره بأسانيد حسنةٍ.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ السؤال عما ينفعهم، ويقربهم إلىٰ الله تعالىٰ.
2) مَن تقلَّل من الدنيا وتطلَّع إلىٰ ما عند الله أحبَّه مولاه.
3) الترغيب في عدم الطمع بما في أيدي الناس، ولذلك كان الرسل عليهم الصلاة والسَّلام جميعاً لايسألون الناس أجراً.
17/473 ــ وعن النُّعْمَانِ بنِ بشيرِ رضي الله عنهما قالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْن الخَطَّابِ رضي الله عنه مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنيَا، فقال: لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوي، مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ. رواه مسلم.
«الدَّقَلُ» بفتح الدال المهملة والقاف: رَدِيءُ التَّمْرِ.
هداية الحديث:
1) الدنيا ليست معياراً لحال العبد ومقامه عند ربه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق علىٰ الله تعالىٰ يبيت جائعاً.
2) زهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وصبره علىٰ الجوع، إيثاراً للآخرة علىٰ الدنيا.
18/474 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَمَا في بَيْتِي مِنْ شَيءْ يَأكُلُهُ ذُو كَبِد ، إلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لي، فَأكَلْتُ مِنْهُ حَتَّىٰ طَال علَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِي. متفقٌ عليه.
«شَطْر شَعيرٍ» أَيْ: شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ، كَذا فسَّرَهُ التِّرْمذيُّ.
غريب الحديث:
ذو كبد: أي ذو حياة.
هداية الحديث:
1) زهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وبيان صفة الحياة التي كان يعيشها بيت النبوة.
2) من رزقه الله شيئاً أو أكرمه بكرامة، فالواجب عليه ملاحظة شكر الله تعالىٰ.
19/475 ــ وعن عمروِ بنِ الحارثِ أخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارثِ أُمِّ المُؤمنينَ رضي الله عنهما قال: «مَا تَرَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْدَ مَوْتِهِ دِينَاراً، وَلا دِرْهَماً، وَلا عَبْداً، وَلا أَمَةً، ولاَ شَيْئاً، إلَّا بغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتي كَان يَرْكَبُهَا، وَسِلاحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا لابْنِ السَّبيلِ صَدقةً». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الأنبياء لا يُوَرِّثُون درهماً ولاديناراً، وماتركوه صدقة.
2) من أحب لقاء الله تعالىٰ فليخفف من أثقال الدنيا، إلا ما كان وسيلة إلىٰ الآخرة.
20/476 ــ وعن خَبَّاب بنِ الأرَتِّ رضي الله عنه قال: هَاجَرْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نَلْتَمِسُ وَجْهَ الله تعالىٰ، فَوَقَعَ أَجْرُنا عَلىٰ الله، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بن عُمَيْر رضي الله عنه، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاهُ، وَإذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَىٰ رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإِذْخِر، وَمنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُو يَهْدِبُهَا. متفقٌ عليه.
«النَمِرَةُ»: كسَاءٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صوفٍ. وقوله: «أَيْنَعَت» أَيْ: نَضِجَتْ وَأَدْرَكَت. وقوله: «يَهْدبُهَا» هو بفتح الياءِ وضم الدال وكسرها، لُغَتَان، أَيْ: يَقْطِفُهَا وَيَجْتَنِيهَا، وهذِهِ اسْتِعَارَةٌ لمَا فَتَحَ الله تعَالَىٰ عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا وَتَمَكَّنُوا فيهَا.
غريب الحديث:
الإذخر: نبات طيب الرائحة.
هداية الحديث:
1) وصف صبر الصحابة رضي الله عنهم علىٰ تحمُّل المشاق في سبيل نصر الدين، فهم هاجروا يطلبون أجرهم من الله تعالىٰ، فجدير بأهل الإيمان الاقتداء بطريقة السابقين الأولين.
2) إن الله سبحانه يعطي الدنيا لمن أحب ومن لم يحب، ولا يعطي الدِّين والآخرة إلا لمن أحب.
21/477 ــ وعن سَهْلِ بن سَعْد السَّاعديِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَىٰ كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) هوان الدنيا علىٰ الله سبحانه، فهي لاتساوي جناح بعوضة.
2) قيمة الدنيا بأن تجعلها طريقاً تعبرها، لا أن تعمرها كأنك خالد فيها، وتهجر الآخرة كأنك غافل عنها.
22/ 478 ــ وعَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلا إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فيها، إلَّا ذِكْرَ الله تَعَالىٰ وَمَا وَالاهُ، وَعالماً وَمُتَعَلِّماً». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
ملعونة: ساقطة مُبَغَّضة.
هداية الحديث:
1) كل مافي الدنيا لعب ولهو، إلا ذكر الله وما كان سبباً في ذلك، فالعاقل من عرف قيمة الدنيا ومافيها من الغرور.
2) شرف العلم وأهله، فهم المكرَّمون من الدنيا الفانية.
3) الناس في طلب العلم قسمان: عالم أو متعلم، وهما علىٰ سبيل نجاة، فكن واحداً منهما تنجُ وتربحْ.
23/479 ــ وعن عبْدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيَا». رواه الترْمِذي وقال: حديثٌ حسن.
غريب الحديث:
الضّيعة: العقار.
هداية الحديث:
1) النهي عن الاستكثار من الدنيا، مما يؤدي إلىٰ انصراف القلب إليها، والغفلة عن الآخرة.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ هداية الأمة لطرق الخير، وتجنيبها طرق الشّرّ.
24/480 ــ وعن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما قال: مرَّ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَنحنُ نعالجُ خُصّاً لَنَا، فقال: «مَا هذَا؟» فَقُلْنَا: قَدْ وهَىٰ، فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، فقال: «ما أَرَىٰ الأمْرَ إلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذلِكَ». رواه أبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
خُصّاً: هو بيت من خشب وقصب، ويصلح بالطين، وسُمِّي به لما فيه من الخصاص، وهي الفرج والأثقاب.
هداية الحديث:
1) إن معالجة البيت وإصلاحه إذا فسد وتعرض للسقوط، ليس من التعلق المذموم بالدنيا.
2) علىٰ العبد أن يضع الموت نصب عينيه، وأن يعتقد أنه أقرب شيء إليه.
3) المقصود من هذا التوجيه النبوي، هو قطع تعلُّق القلوب بالدنيا، وليس هجرها بالكلية {وَٱبتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنيَاۖ}.
25/481ــ وعن كَعْبِ بنِ عِيَاضٍ رضي الله عنه قالَ: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فِتْنـَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتي المَالُ». رواه الترمِذي وقَال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
هداية الحديث:
1) إن الابتلاء بالفتن سنة الله تعالىٰ في الأمم، و«إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، ولمن ابتلي فصبر».
2) الحرص علىٰ المال سببٌ في فساد العلاقات؛ لأنه يورث الشح، والشح يؤدي إلىٰ تقطع الأرحام ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ﴾.
3) علىٰ الإنسان أن يكون زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة. فَلْيجعلْ الدنيا في يده، لا في قلبه.
4) الفقيه من كان المال عنده بمنزلة بيت الخلاء؛ لا يُستغنىٰ عنه، ولا يُرْغَب فيه.
26/482 ــ وعن أبي عَمْرٍو، ويقالُ: أبو عبدِ الله، ويقال: أبُو لَيْلَىٰ، عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ لابْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوىٰ هذه الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُواري عَوْرَتَهُ، وجِلْفُ الخُبْزِ، وَالمَاءِ». رواه الترمِذي وقال: حديث صحيح[1].
[1] الحديث إسناده ضعيف. قال الترمِذي: سَمعتُ أَبَا داوُدَ سُلَيْمَانَ بنَ سَالمٍ البَلخيَّ يقولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ ابْنَ شُمَيْلٍ يقولُ: الجِلفُ: الخُبزُ لَيْسَ مَعَهُ إدَامٌ. وقَالَ غَيرُه: هُوَ غَلِيظُ الخُبزِ، وقَالَ الهَرَوِيُّ: المُرَادُ بِهِ هُنَا وِعَاءُ الخُبْزِ، كالجَوَالِقِ وَالخُرْجِ. والله أعلم.
تنبيـه:
هذا الحديث من الإسرائيليات ، وقال الإمام أحمد ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في حريث ابن السائب أحد رواة الحديث: «روىٰ حديثاً منكراً عن عثمان عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وليس هو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يعني هذا الحديث». وعن الدارقطني أنه سُئل عن الحديث، فقال:
«وهم فيه حريث، والصواب عن الحسن بن حمران عن بعض أهل الكتاب».
27/483 ــ وعنْ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ ــ بكسر الشينِ والخاءِ المشددةِ المعجمتَيْنِ ــ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ﴾ قال: «يَقُولُ ابنُ آدَمَ: مَالي مَالي، وَهَل لَكَ يَا ابنَ آدَمَ مِنْ مالِكَ إلَّا ما أَكَلتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»؟. رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) وازنت الشريعة بين الأمور، فرغّبت في الآخرة، فهي الوطن الذي يُرغب فيه أبداً، وحثت علىٰ أخذ النصيب من الدنيا دون مكاثرة.
2) المال النافع هو ما كان مركباً إلىٰ الآخرة، كمأكل أو ملبس أو مأوىٰ أو صدقة.
28/484 ــ وعن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ رضي الله عنه قال: قال رَجُلٌ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ الله، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ: «انْظُرْ ماذا تقُولُ؟» قال: وَالله إنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فقال: «إنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تِجفَافاً، فإنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إلىٰ مَن يُحِبُّني مِنَ السَّيْلِ إلىٰ مُنْتَهَاهُ». رواه الترمِذي وقال حديث حسن.
«التِّجْفَافُ» بكسرِ التاءِ المثناةِ فوقُ وإسكانِ الجِيم وبالفاءِ المكررة، وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُهُ الفَرَسُ، لِيُتَّقَىٰ بِهِ الأَذَىٰ، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإنْسَانُ.
هداية الحديث:
1) لا ارتباط بين الغنىٰ ومحبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فعلامة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون العبد أعظم اتِّباعاً له، وتمسكاً بسُنَّته، ومن كان للرسول صلى الله عليه وسلم َ أتبع، فهو له أحبُّ.
2) ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، فمدح المال الحلال إذا وقع في حقه.
3) مَن حَرص علىٰ متابعة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لزمه التقلُّل من ترف الدُّنيا، فلا يجتمع في قلب المؤمن الحبُّ الصادق للدارِ الآخرةِ، مع الانغماس في ملذاتِ الدنيا، والتثاقل إليها.
تنبيـه:
قد يَفهم بعضُ الناس من هذا الحديث: «أن الفقر ملازم لأهل التقوىٰ»، ولا ارتباط بينهما، بل قد يجتمع الغنىٰ وسعة المال، مع لزوم التقوىٰ ومحبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد بالحديث: الصبر علىٰ عموم البلاء، وأنه واقع علىٰ المؤمن قدراً رفعةً في درجاته، وتكفيراً لسيئاته.
ويدل لهذا المعنىٰ رواية للحديث في صحيح ابن حبان عن عبد الله بن مُغَفّل رضي الله عنه قال: أتىٰ رجلٌ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: والله يارسول الله إنِّي أُحبُّك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البلايا أسرع إلىٰ مَن يُحبُّني مِن السيل إلىٰ منتهاه».
29/485 ــ وعن كَعبِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَها مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَىٰ المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِه». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
هداية الحديث:
1) إنَّ الحرص علىٰ جمع المال بأي طريق، مما يفسد الدين؛ لأن الغنىٰ إذا لم يصاحبه تقوىٰ يُطغي العبد.
2) النفس طماعة، فعلىٰ المرء أن يُعلِّمها القناعة.
30/486 ــ وعن عبد الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: نَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علىٰ حَصِير، فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ. قُلْنَا: يا رَسُولَ الله لوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فقال: «مَالي وَلِلدُّنيَا؟ مَا أنَا في الدُّنْيَا إلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا».
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
غريب الحديث:
وطاءً: فراشاً تطؤه وتنام عليه.
هداية الحديث:
1) بيان زهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتَقلُّلِه من الدنيا، {لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٞ}.
2) ضرب المثل للدنيا باستراحة مسافرتحت ظل شجرة، فما أسرعَ انقضاءَها!
31/487 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَدْخُلُ الفُقَراءُ الجنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمَائَةِ عَامٍ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) الفقراء أسبق أهل الجنة دخولاً؛ لأن الفقراء الصابرين ليس عندهم مايشغلهم عن الآخرة.
2) المال في الغالب يَصُدُّ العبد ويؤخره عن العمل الصالح، فمن كان فقيراً فَلْيصبرْ، وَلْيحمدِ الله تعالىٰ، وَلْيهنأْ بهذه البشارة النبوية.
32/ 488 ــ وعن ابنِ عَبَّاسٍ وعمْرَانَ بنِ الحُصَيْن رضي الله عنهم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ في النَارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». متفقٌ عليه من رواية ابن عباسٍ.
ورواه البخاري أيْضاً من روايةِ عمْرانَ بن الحُصيْنِ رضي الله عنه.
33/489 ــ وعن أُسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « قُمْتُ عَلَىٰ بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَساكِينُ، وَأَصحَابُ الجَدِّ محبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصحَابَ النَّار قَد أُمِرَ بِهِم إلىٰ النَّارِ». متَّفقٌ عليه.
و(الجَدُّ) الحَظُّ وَالغِنَىٰ. وقد سبق بيان هذا في باب فضلِ الضَّعَفَة.
هداية الأحاديث:
1) الفقراء أكثر أهل الجنة، لكن لِيُعلم أن الفقير لم يدخلْه الجنة فقرُه! وإنما دخلها بعمله الصالح، وصبره علىٰ البلاء.
2) حض النساء علىٰ الأعمال الصالحة، ليحفظن أنفسهن من النار.
3) الجنة والنار مخلوقتان موجودتان.
34/490 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَصْدَقُ كلِمَةٍ قَالَها شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا الله بَاطِلُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لبيد: هو لبيد بن ربيعة أحد فحول الشعراء في الجاهلية، أدرك الإسلام، ووفد علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وترك الشعر بعد إسلامه.
ما خلا الله: ماعدا الله.
هداية الحديث:
1) استشهاد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالشعر الحسن، فكان يستشهد بشطر البيت أحياناً.
2) كل شيء سوىٰ الله تعالىٰ باطل ضائع لا ينفع، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير وجهه انقطع وانفصل.
3) الحقُّ يُقبل ممن جاء به، دون النظر إلىٰ قائله.
56 ــ باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفوس وترك الشهوات
قال الله تعالىٰ: ﴿۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا} [ مريم: 59_60]، وقال تعالىٰ: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ} [القصص: 79 ــ 80] ، وقال تعالىٰ: ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8] وقَالَ تعالىٰ: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا﴾ [الإسراء: 18]. والآيات في الباب كثيرةٌ مَعْلُومَةٌ.
هداية الآيات:
1) أهل الشهوات المحرمة هم المعرضون عن الله تعالىٰ، المُنَعَّمونَ في حظوظ أنفسهم.
2) أهل العلم يبصرون مواقع الفتن لما معهم من الصبر واليقين.
1/491 ــ وعن عائشَةَ رضي الله عنها قالت: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّىٰ قُبِضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعاً، حَتَّىٰ قُبِضَ.
غريب الحديث:
آل محمَّد: المراد بهم أزواجه، ومَن يَعُولهم مِن خَدَمه.
البُرُّ: القمح.
هداية الحديث:
1) إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم وأهله عن الدنيا، وزهدهم فيها، ولوشاء لأتته وهي راغمة.
2) من ضاقت عليه الدنيا وأمر المعاش، فَلْيقتدِ بزهده وصبره عليه الصلاة والسلام.
2/492 ــ وعن عُرْوَةَ عَنْ عَائشةَ رضي الله عنها أَنّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلىٰ الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثم الهِلالِ؛ ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ في أَبيَاتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نَارٌ.قُلْتُ: يَا خالَةُ، فَمَا كَانَ يُعيشُكُمْ؟ قالت: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إلا أَنَّهُ قَدْ كانَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم جِيرانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وكَانَتْ لَهُمْ مَنَائحُ، وكانُوا يُرْسِلُونَ إلىٰ رسولِ الله مِنْ أَلبَانِها، فَيَسْقِينَا. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
منائح: الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها غيره؛ ليشرب لبنها، ثم يردها بعد حين.
هداية الحديث:
1) جواز الإخبار عن حال الإنسان في قلة متاع بيته، إذا كان في ذلك مدعاةٌ للموعظة والاعتبار، ولايقصد المسألة والتسخّط.
2) وصف الزهد الذي عاشه بيت النبوة؛ فعيشهم التمر والماء!.
3/493 ــ وعن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّه مَرَّ بِقَوْمٍ بَينَ أَيدِيهِمْ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَىٰ أَن يَأْكُلَ، وقال: خَرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزٍ الشَّعِيرِ. رواه البخاري.
«مَصْلِيَّةٌ» بفتحِ الميم: أَيْ: مَشْوِيَّةٌ.
هداية الحديث:
1) استحباب دعوة أهل الصلاح والفضل للطعام.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتخفف من الشهوات ومتاع الدنيا.
3) بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خشونة العيش، والاقتصار علىٰ القليل من المأكول والمشروب.
4/494ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: «لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلىٰ خِوَانٍ حَتَّىٰ ماتَ، ومَا أَكَلَ خُبْزاً مُرَقَّقاً حَتَّىٰ مَاتَ». رواه البخاري.
وفي روايةٍ له: «وَلا رأىٰ شَاةً سَميطاً بِعَيْنِهِ قَطُّ».
غريب الحديث:
خِوان: ما يوضع عليه الطعام عند الأكل، فإذا وضع عليه طعام فهو مائدة.
شاة سميطاً: الشاة التي تُشوىٰ، وإنما يُفعل ذلك بالشاة صغيرة السِّنِّ.
هداية الحديث:
1) استحباب عدم التشبه بأهل الترف والإسراف في الأكل والشرب والملبس.
2) بيان زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وإعراضه عن ملاذِّها، ومشاركته الفقراء في مأكلهم ومشربهم تطييباً لقلوبهم.
5/495 ــ وعن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضي الله عنهم قال: «لَقَد رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَما يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ». رواه مسلم.
«الدَّقَلُ»: تَمْرٌ رَدِيءٌ.
هداية الحديث:
1) زهد عيش النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان لايجد كفاية، لانصرافه عن الانشغال بالملذات.
2) السعيد من رزقه الله صبراً علىٰ قلة ذات اليد، فعاش علىٰ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
6/496 ــ وعن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه قال: «ما رَأَىٰ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابتَعَثَهُ اللهُ تعالىٰ حتَّىٰ قَبَضَهُ الله، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ لَكُمْ في عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَناخِلُ؟ قالَ: ما رَأَىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ تعالىٰ حتَّىٰ قَبَضَهُ الله تعالىٰ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخولٍ؟ قالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنفُخُهُ، فَيَطِيرُ ما طارَ، وما بقِيَ ثَرَّيْناهُ». رواه البخاري.
قوله: «النَّقِيّ»:هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء،وهُوَ الخُبْزُ الحُوَّارَىٰ، وَهُوَ: الدَّرْمَكُ.
قوله: ثَرَّيْنَاهُ هُوَ بثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، ثُم راءٍ مُشَدَّدَةٍ، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تحت، ثمَّ نونٍ، أيْ: بَلَلْنَاهُ وعَجَنَّاهُ.
غريب الحديث:
النَّقِيّ: فسره المصنف بالخبز الحُوَّارىٰ: وهو الخبز الأبيض في عرفنا.
هداية الحديث:
1) بيان ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الزهد؛ فقد كانوا يأكلون ما تيسر لهم دون تكلُّف.
2) استحباب ترك طرق أهل الترف والنعيم الزائد في المأكل والمشرب والملبس، اقتداءً بسيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام رضي الله عنهم.
7/497 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يَوْمٍ أوْ لَيلَةٍ، فإذا هُوَ بأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما قال: «ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيُوتِكُما هذِهِ السَّاعَةَ؟» قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ الله. قالَ: «وَأَنا، والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لأَخْرَجَني الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُوما» فَقاما مَعَهُ، فَأَتَىٰ رَجُلاً مِنَ الأَنصَارِ، فَإذَا هُوَ لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ قالَتْ: مَرْحَباً وَأَهْلاً، فقال لها رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ فُلانٌ؟» قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الماءَ، إذْ جاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «الحَمْدُ لله، ما أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيافاً مِنِّي، فانْطَلق فَجاءَهمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ ورُطَبٌ، فقالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ المُديَةَ، فَقالَ لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكَ وَالحَلُوبَ» فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذلِكَ العِذْقِ، وشَرِبُوا. فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بَكْرٍ وعُمَر رضي الله عنهم : «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هذَا النَّعِيم يَوْمَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّىٰ أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيمُ». رواهُ مسلم.
«يَسْتَعْذِبُ»: أَيْ: يطلب الماء العذب، وهو الطيب. و«العِذْق»: بكسر العين وإسكان الذال المعجمة: وهو الكِباسة، وهي العصن. و«المُدية»: بضم الميم وكسرها، وهي السكين. و«الحَلوب»: ذات اللبن. والسؤال عن هذا النعيم سؤال تعديد النعم، لا سؤال توبيخ وتعذيب، والله أعلم.
وهذا الأنصاري الذي أتوه هو: أبو الهيثم ابن التيهان رضي الله عنه، كذا جاء مبيّناً في رواية الترمذي وغيره.
غريب الحديث:
بُسْر: البلح من ثمر النخل.
الرطب: ثمر النخل قبل أن يجف.
هداية الحديث:
1) خير رجال هذه الأمة قد أخرجهم الجوع من بيوتهم. فيا أيها الفقير لا تحزن!.
2) كل مايتمتع به الإنسان في الدنيا هو من النعيم الذي يُسأل عنه العباد.
3) إباحة التمتع بالطيبات، مع وجوب القيام بشكرها، وتحريم الإسراف.
8/498 ــ وعن خالدِ بن عُمَرَ العَدَوِيِّ قال: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزوَانَ، وكانَ أَمِيراً عَلىٰ البَصْرَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمّا بَعْدُ، فَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بصُرْمٍ، وَوَلتْ حَذَّاءَ، وَلمْ يَبْقَ مِنها إلا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإناءِ، يَتَصَابُّها صاحِبُها، وإنَّكُمْ مُنْتقِلُونَ مِنْها إلىٰ دارٍ لا زَوَالَ لَها، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ ما بحَضرَتكُمْ، فَإنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنا أَنَّ الحَجَرَ يُلْقَىٰ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ عاماً، لا يُدْرِكُ لَها قَعْراً، وَالله لَتُمْلأَنَّ. أَفَعَجِبْتُمْ؟ ولَقَدْ ذُكِرَ لَنا أَنَّ ما بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ عاماً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ، وهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سابع سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ما لَنا طَعامٌ إلا وَرَقُ الشَّجَرِ، حتىٰ قَرِحَتْ أَشْدَاقُنا، فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً، فَشَقَقْتُها بَيْني وبَيْنَ سَعْدِ بنِ مالك، فَاتَّزَرْتُ بِنصْفِها، واتَّزَر سَعْدٌ بِنِصْفِها، فَمَا أَصْبَحَ اليَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إلا أَصبَحَ أَمِيراً عَلىٰ مِصْر مِنَ الأمْصَارِ، وَإنِّي أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ في نَفْسي عَظيماً، وَعِنْدَ الله صَغِيراً. رواهُ مسلم.
قوله: «آذَنَتْ» هُوَ بمَدِّ الألفِ، أيْ: أَعْلَمت. وقوله: «بِصُرْمٍ»: هو بضم الصاد، أي: بانْقِطاعِها وفَنائِها. وقوله: «ووَلَّتْ حذَّاءَ» هو بحاءٍ مهملةٍ مفتوحَةٍ، ثمَّ ذَال مُعْجَمة مشدَّدة، ثمَّ أَلِف مَمْدُودَة، أيْ: سَرِيعَةً. وَ«الصُّبَابَةُ» بضم الصاد المهملة: وهي البَقيَّةُ اليَسِيرَةُ. وقولُهُ: «يَتَصَابُّها» هو بتشديد الباءِ قبل الهاءِ، أيْ: يجْمَعُها. و«الكَظِيظ»: الكَثيرُ المُمْتَلىٰءُ. وقوله: «قَرِحَتْ» هو بفتحِ القاف وكسر الراءِ، أي: صارَتْ فيها قُرُوح.
غريب الحديث:
شفير جهنم: حرفها الأعلىٰ.
مصراعين: المصراع: هو فتحة الباب، ولكل باب مصراعان.
أشداقنا: جمع شِدْق، وهو جانب الفم.
بردة: شملة يلتحف بها.
هداية الحديث:
1) الحثّ علىٰ نصيحة الإخوان، وترغيبهم بالخير، وتخويفهم من عذاب الآخرة.
2) تجليةُ الموعظة العظيمة للأمة: إن من يحمل هم الآخرة لاينبغي له المكاثرة من الدنيا، فمن رغب في الدنيا أضر بالآخرة، ومن رغب في الآخرة أضر بالدنيا.
3) بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة السابقين للإسلام رضي الله عنهم ، فما فُتحت الدنيا لأناس فتحوا قلوبهم علىٰ الشهوات، ولو كانت مباحة!.
9/499 ــ وعن أبي موسىٰ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قال: أَخْرَجَتْ لَنا عَائِشَةُ رضي الله عنها كِساءً وَإزاراً غَلِيظاً قالَتْ: قُبِضَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذينِ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) وصف لباس معلِّم الخير صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان خشناً غليظاً. فأين المُنعمون من أهل الدنيا..؟!
2) إظهار زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتواضعه، وقناعته، فقد كان يلبس ما اتفق، دون إسراف ولا مخيلة.
تنبيـه:
الصواب في راوي الحديث: عن أبي بردة عن أبي موسىٰ الأشعري، كما في البخاري ومسلم.
10/500 ــ وعنْ سَعد بن أبي وَقَّاص رضي الله عنه قال: «إنِّي لأَوَّلُ العَرَبِ رَمىٰ بِسَهْمٍ في سَبيلِ الله، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ما لَنَا طَعَامٌ إلا وَرَقُ الحُبْلَةِ، وَهذَا السَّمُرُ، حَتَّىٰ إنْ كانَ أَحَدُنا لَيَضَعُ كما تَضَعُ الشاةُ، مالَهُ خِلْطٌ» متفق عليه.
«الحُبْلَة» بضم الحاء المهملة وإسكان الباءِ الموحدةِ: وهيَ والسَّمُرُ، نَوْعَانِ مَعْرُوفانِ مِنْ شَجرِ البَادِيَةِ.
غريب الحديث:
ليضع: كناية عن الغائط.
ما لَه خِلط: لايختلط بعضه ببعض، لشدة جفافه.
هداية الحديث:
1) جواز التحدث بنعمة الله، وذكر عمل الطاعات إذا قصد منها موعظة الناس ونصحهم.
2) صبر الصحابة رضي الله عنهم علىٰ خشونة العيش من أجل رفع راية الإسلام. ومن أراد حمل الدين فقُدْوَتُهُ الصحابة رضي الله عنهم.
11/501 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ اجْعَل رِزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً». متفقٌ عليه
قال أَهْلُ اللّغَة والْغَرِيبِ مَعْنَىٰ «قُوتاً» أَيْ: مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.
هداية الحديث:
1) من علامة سعادة العبد القناعة بالقليل، الذي يَكْفيه ويَكفّه عن الحاجة والمسألة.
2) الطريقة النبوية المحمودة هي الوسط؛ كفاية حاجة الإنسان، من غير إسراف ولا تقتير.
8) إن سؤال الكفاية مع الاستعاذة من الفقر، هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
12/502ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: وَالله الذي لا إلهَ إلا هُوَ، إنْ كُنتُ لأَعْتَمِد بِكَبِدِي عَلىٰ الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَر عَلىٰ بَطْني مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْماً عَلىٰ طَرِيقِهِمُ الذي يَخْرُجُونَ مِنْه، فَمَرَّ بِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَبَسَّمَ حِينَ رآني، وَعَرَفَ مَا في وَجْهي وَمَا في نَفْسِي، ثُمَّ قَال: «أبا هِرّ» قلت: لبَّيْكَ يا رسولَ الله، قال: «إلْحَقْ» وَمَضَىٰ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لي: فَدَخَلْتُ، فَوَجَدَ لبناً في قَدَح، فقال: «مِنْ أَيْنَ هذَا اللَّبَنُ؟» قالوا: أَهْداهُ لَكَ فُلانٌ ـ أوْ فُلاَنةٌ ـ قال: «أبا هِرّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يارسولِ الله، قال: إلْحَقْ إلىٰ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لي قال: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإسْلاَمِ، لا يَأْوُونَ عَلَىٰ أَهْلٍ، وَلا مَالٍ، وَلا عَلىٰ أَحَد، وكَانَ إذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَ شَيئاً، وَإذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَني ذلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هذا اللَّبَنُ في أَهلِ الصُّفَّةِ! كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّىٰ بِهَا، فَإذا جَاؤُوا وأَمَرني، فَكُنْتُ أنا أُعْطِيهِم، وَمَا عَسَىٰ أَنْ يَبْلُغَني مِنْ هذا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ الله وَطَاعَةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم بُدٌّ، فأَتَيْتُهُمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، وَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْت، قال: «يَا أبا هِرٍّ»، قلتْ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله، قال: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ» قال: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّىٰ يَرْوَىٰ، ثُمَّ يَرُدُّ عَليَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّىٰ يَرْوَىٰ، ثمَّ يَرُدُّ عليَّ القَدَحَ، حَتىٰ انْتَهَيْتُ إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ، فَوَضَعَهُ عَلىٰ يَدِهِ، فَنَظَرَ إليَّ، فَتبَسَّمَ، فقال: «أبا هِرٍّ»، قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله، قال: «بقيتُ أنا وَأَنْتَ» قلتُ: صَدَقْتَ يا رسولَ الله، قال: «اقْعُدْ، فَاشْرَبْ»، فَقَعَدْتُ، فَشَرِبْتُ: «اشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّىٰ قُلْتُ: لا، وَالَّذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، ما أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً! قال: «فَأَرِنِي» فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ الله، وسَمَّىٰ، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
مسلكاً: مكاناً يسلك فيه.
هداية الحديث:
1) اهتمام الرسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل الحاجة من أصحابه رضي الله عنهم، وتفقد أحوالهم.
2) سادات الأمة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، كان أكثرهم الفقراء، فلا عيب في الفقر مع الإيمان، وقَبـَّح الله الغنىٰ مع الكفر.
13/503 ــ وعن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لَقَدْ رَأَيْتُني وَإنِّي لأخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، إلىٰ حُجْرَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَغْشِيّاً عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الجَائي، فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلىٰ عُنُقِي، وَيَرَىٰ أنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بي مِنْ جُنُونٍ، مَا بي إلا الجُوعُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
أَخِرُّ: أسقط.
مغشياً عليّ: مغمىٰ عليه.
هداية الحديث:
1) صبر الصحابة رضي الله عنهم علىٰ الفقر والجوع، وتعفُّفهم عن سؤال الناس.
2) لا يكون العزُّ والرفعة إلا بعد امتحان واختبار؛ فأبو هريرة رضي الله عنه صار أميرَ المؤمنين في الحديث، وحافظ السُّنَّة في الأمة، بعد صبره علىٰ الجوع والتعب؛ ولهذا قال إمامنا الشافعي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «لا يُمكَّن الرجل حتىٰ يُبتلىٰ».
14/504 ــ وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «تُوفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يهُودِيٍّ في ثَلاثِينَ صَاعاً مِنْ شَعير». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الدرع: ما يلبس في الحرب، وهو من الحديد.
مرهونة: محبوسة بسبب دَيْنٍ.
هداية الحديث:
1) بيان زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وعدم استكثاره من أموالها أو انشغاله بحُطامها، ولو شاء لأتته الدنيا وهي راغمة، ولسارت معه جبال الذهب، ولكنه كان صلى الله عليه وسلم عبداً رسولاً.
2) جواز التعامل مع الكافر بالبيع والشراء، ونحو ذلك من المعاملات المالية.
15/505 ــ وعن أنَسٍ رضي الله عنه قال: رَهَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِرعَهُ بِشَعِير، وَمَشَيْتُ إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ وَلا أَمْسَىٰ»، وَإنَّهُم لَتِسْعَةُ أبْيَاتٍ. رواه البخاري.
«الإهَالَةُ» بكسر الهمزة: الشَّحْم الذَائِبُ. وَ«السَّنِخَةُ» بِالنون والخاءِ المعجمة، وَهيَ: المُتَغَيِّرَة.
هداية الحديث:
1) صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته علىٰ ضيق العيش، وقناعتهم باليسير.
2) أكرمُ أهلِ بيتٍ علىٰ الله هم بيوت أمهات المؤمنين، يصبحون ويمسون وما في بيوتهن ما يأكلنه! فأين المؤمنون المعتبرون؟!
16/506 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، ما مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْه ردَاءٌ، إمَّا إزَارٌ وَإمّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا في أَعْنَاقِهِم، فمِنهَا ما يَبْلُغُ نِصفَ السَّاقَين، وَمِنهَا ما يَبْلُغُ الكَعبَينِ، فَيَجمَعُهُ بِيَدِهِ كَراهِيَةَ أَنْ تُرَىٰ عَوْرَتُهُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) النعيم لايُدرك إلا بترك النعيم؛ فأهل الصُّفة، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أدركوا نعيم الإيمان إلا بترك الترفه في نعيم الدنيا.
2) الفقر لا يمنع الرجل من الوصول إلىٰ القمم، ولا يحزن امرؤ علىٰ فقره، وإنما لِيَبْكِ علىٰ ضعف الهممّ.
17/507 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ فِرَاشُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أُدْمٍ، حَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
أدْم: جلد.
هداية الحديث:
1) تواضع الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعراضه عن متاع الدنيا، مع تمام الرضا والتسليم لقدر الله تعالىٰ.
2) إمام الزاهدين كان فراشه أدماً وليفاً، فأين المقتدون بزهد رسول الله صلى الله عليه وسلم!.
18/508 ــ وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، إذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدبَرَ الأَنْصَارِيُّ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَخَا الأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ؟» فقال: صَالحٌ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟» فَقَامَ، وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بضْعَةَ عَشَرَ، ما عَلَيْنَا نِعاَلٌ، وَلا خِفَافٌ، ولا قَلانِسُ، وَلا قُمُصٌ، نَمشِي في تلكَ السِّبَاخِ، حَتَّىٰ جِئْنَاهُ، فاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِن حَوْلهِ، حَتَّىٰ دَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
قلانس: ما يلبس علىٰ الرأس.
السباخ: جمع سبخة، وهي: الأرض التي لاتنبت.
هداية الحديث:
1) بيان زهد الصحابة رضي الله عنهم وتقللهم في الملبس، وصبرهم علىٰ شدة الفقر وخشونة العيش.
2) الزاد واللباس الحقيقي هو لباس التقوىٰ، فانظر إلىٰ هؤلاء الصحب الكرام رضوان الله عليهم كيف فقدوا لباس الدنيا، ولكن قلوبهم ملأىٰ بالإيمان والهدىٰ.
19/509 ــ وعن عِمْرانَ بنِ الحُصَينِ رضي الله عنهم عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خَيْرُكُمْ قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ــ قال عِمرَانُ: فَمَا أَدْرِي قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَرَّتَيْن أَو ثَلاثاً ــ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُون، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) بيان خيرية القرون الثلاثة علىٰ من بعدهم، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين رضي الله عنهم.
2) من علامات القرون المفضلة الأولىٰ: الاستمساك بخصال الإيمان الصادق، وترك الترفُّه في الدنيا، وعدم الإكثار من المـأكل والمشرب.
8) ظهور البدانة والسمن في القرون المتأخرة، دليل النقص الحاصل فيهم؛ لابتعادهم عن صفات المؤمنين الصادقين وركونهم إلىٰ ملذات الدنيا.
20/510 ــ وعن أبي أُمامةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا ابْنَ آدَمَ: إنَّكَ أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَن تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلامُ عَلىٰ كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
الفضل: الزائد عن الحاجة.
ولا تلام: لا يلحقك لوم ولاعتاب في الشرع.
من تعول: من تلزمك نفقتهم من زوجة وولد ونحوهم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الإنفاق في سبيل الله، فهو الباقي المدّخر.
2) خير الأمور أوسطها، وهو ما سَدَّ الحاجة دون مسألة ولا إسراف.
8) أفضل الصدقة علىٰ الأهل والأقربين، لأن فيها صلة وصدقة.
21/511 ــ وعن عُبَيد الله بنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ الخَطميِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ، مُعَافىًٰ في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَومِهِ، فكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا». رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.
«سِرْبِهِ» بكسر السين المهملة، أي: نَفْسِهِ، وَقِيْلَ: قَوْمِهِ.
غريب الحديث:
بحذافيرها: بجميع جوانبها.
هداية الحديث:
1) الأمان في البلاد، وتحصيل العافية، والرزق، خير مايكون من نعيم الدنيا الفانية.
2) حثُّ المؤمنين علىٰ جعل الدنيا ممراً لامقراً، وقد استخلفنا الله فيها لنعبُرها، لا لنعمُرها، ونخرب آخرتنا بها، وننسىٰ دار الوطن في الجنة.
22/512 ــ وعن عبدِ الله بن عمرو بنِ العاصِ رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتاهُ». رواه مسلم.
23/513 ــ وعن أبي مُحَمَّدٍ فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ الأَنصَارِيّ رضي الله عنه أنّهُ سَمعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «طُوبَىٰ لِمَنْ هُدِيَ إلىٰ الإسْلامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافاً، وَقَنعَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
طوبىٰ: أفلح. وقد ورد في الحديث أن: «طوبىٰ شجرة في الجنة مسيرة مائة عام». رواه أحمد.
هداية الأحاديث:
1) علامة التوفيق والفلاح: الرضا بما قسم الله للعبد من رزق.
2) أعظم النِّعَم نعمة الإيمان والهداية، ونعمة العافية.
8) الرزقُ الكفاف علامةٌ علىٰ فلاح العبد، وتوفيق الله تعالىٰ له، فيا مَنْ ابتلاه الله بالفقر: لاتحزن!.
24/514 ــ وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَبِيتُ اللَّيَاليَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً، وَأَهْلُهُ لا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ. رَواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
غريب الحديث:
طاوياً: خالي البطن لم يأكل.
هداية الحديث:
1) بيان زهده صلى الله عليه وسلم، وصبره علىٰ شدة الحال.
2) فضيلة أمهات المؤمنين رضي الله عنهم في الصبر علىٰ شدة العيش، لأنهنَّ كُنَّ في نعيم الإيمان.
25/515 ــ وعن فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا صَلَّىٰ بِالنَّاسِ، يَخِرّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاَةِ مِنَ الخَصَاصَةِ ــ وَهُمْ أَصحَابُ الصُّفَّةِ ــ حَتَّىٰ يَقُولَ الأَعْرَابُ: هؤُلاَءِ مَجَانِينُ، فَإذَا صلَّىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ الله تعالىٰ، لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً». رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
«الخَصَاصَةُ»: الْفَاقَةُ وَالجُوعُ الشَّدِيدُ.
هداية الحديث:
1) حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ تطييب قلوب أصحابه رضي الله عنهم، وهو المعلم القدوة عليه الصلاة والسلام.
2) إنما يضعف العبد عن العمل؛ لجهله بعظم الأجر والثواب، ولو عَلِم حقيقة ما طَلَب ما ضعف عن العمل «ومن يعرف المطلوب يحقر ما بذل».
26/516 ــ وعن أبي كَريمَةَ المِقْدَامِ بن مَعْدِ يَكَرِبَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّاً مِنْ بَطنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أَكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإنْ كًانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
«أُكُلاتٌ» أَيْ: لُقَمٌ.
هداية الحديث:
1) وصية نبوية عظيمة في حفظ الصحة، بالاقتصاد في المأكل والمشرب ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ وهذا ينجي العبد من مسببات الأمراض.
2) بيان الهدي النبوي في كيفية الأكل والشرب، وهذا من كمال هذه الشريعة المباركة؛ فقد علمت أتباعها كيف يأكلون؟!.
27/517 ــ وعن أَبي أُمَامَةَ إيَاسِ بن ثَعْلَبةَ الأنصَارِيِّ الحَارثيِّ رضي الله عنه قال: ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلا تَسْمَعُونَ؟ أَلا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ، إنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ» يَعْني: التَّقحُّلَ. رواه أبو داود.
«الْبَذَاذَةُ»: بِالْبَاءِ المُوحَّدَةِ وَالذّالَيْنِ المُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ رَثاثَةُ الهَيْئَةِ، وَتَرْكُ فَاخِرِ اللِّبَاسِ. وَأمَّا «التَّقحُّلُ» فَبِالْقَافِ وَالحَاءِ، قال أَهْلُ اللُّغَةِ: المُتَقَحِّلُ: هُوَ الرَّجُلُ الْيَابِسُ الجِلدِ مِنْ خُشُونَةِ الْعَيشِ، وَتركِ التَّرَفُّهِ.
هداية الحديث:
1) الحثّ علىٰ التواضع، والتقلل من الدنيا؛ لأن ذلك يبعث الهمة علىٰ العبادة والطاعة، وهذا هو شأن المؤمن الراغب في الآخرة.
2) ليس المقصود من هذا الهدي النبوي ترك النظافة والتجمل، فالإسلام دعا إلىٰ الطهارة والتزيّن، ولكن من غير مبالغة، وخير الأمور أوسطها.
28/518 ــ وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بَعَثَنَا رسولُ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ رضي الله عنه، نتَلَقَّىٰ عِيراً لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيرَهُ، فَكَانَ أَبـُو عُـبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِها؟ قال: نَمَصها كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا المَاءَ، فَتكْفِينَا يَوْمَنَا إلىٰ اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّ بِالمَاءِ فَنَأْكُلُهُ. قال: وَانْطَلَقْنَا عَلىٰ سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفعَ لَنَا عَلَىٰ سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَىٰ الْعَنبَرَ، فقال أَبـُو عُـبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَال: لا، بَلْ نحْنُ رُسُلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيلِ الله، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ، فَكُلُوا، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً، وَنَحْنُ ثَلاثُمائةٍ، حَتَّىٰ سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْب عَيْنِهِ بِالْقِلاَلِ الدُّهْنَ، وَنَقطَعُ مِنهُ الْفِدَرَ كالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِه،ِ وَأَخَذَ ضِلعاً مِنْ أَضْلاعِهِ، فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَتَيْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْنَا ذلِكَ له، فقال: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيء فَتُطْعِمُونَا؟ فَأَرْسَلْنَا إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُ، فَأَكَلَهُ». رواه مسلم.
«الجِرَابُ»: وِعَاء مِنْ جِلْدٍ مَعْرُوف، وَهُوَ بكَسر الجِيمِ وفتحِها، والكسرُ أَفْصحُ.
قوله: «نَمَصُّها» بفتحِ الميم. «والخَبَطُ»: وَرَقُ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ تَأْكُلُهُ الإبلُ. «وَالكَثِيبُ»: التَّلُّ مِنَ الرمْلِ. و«الوَقْبُ»: بفتحِ الواوِ وإسكان القافِ بعدها باءٌ موحدةٌ، وَهُوَ نُقْرَةُ العَيْنِ. و«القِلالُ»: الجِرَارُ. وَ«الفِدَرُ»: بكسرِ الفاءِ وفتحِ الدالِ: القِطَعُ. «رَحْلَ البَعِيرَ» بتخفيفِ الحاءِ: أَيْ جَعَلَ عَلَيْهِ الرَّحْلَ. «الوَشَائِقُ» بالشينِ المعجمةِ وَالقَاف: اللَّحْمُ الَّذي اقْتُطعَ لِيُقدَّدَ مِنْه، والله أعلم.
غريب الحديث:
عيراً: القافلة من الجمال التي تحمل الطعام.
العنبر: حوت عظيم.
هداية الحديث:
1) بيان زهد الصحابة رضي الله عنهم في الدنيا، وصبرهم علىٰ الجوع وخشونة العيش من أجل إبلاغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) إكرام الله سبحانه، ورعايته صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ ساق لهم رزقاً حسناً لمَّا علم صدقَ صبرهم في طاعة الله. وهذا هو موقف المؤمن، يصبر حتىٰ يأتي الله بفرجٍ من عنـده ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾.
29/519 ــ وعن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزيدَ رضي الله عنها قالت: «كان كُمُّ قَمِيصِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ الرُّصْغِ». رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن[2]. [2] الحديث إسناده ضعيف.
«الرُّصْغُ» بالصادِ وَالرَّسْغُ بالسينِ أيضاً: هوَ المَفْصِلُ بَيْنَ الكَفِّ والسَّاعِدِ.
هداية الحديث:
1) الحضّ علىٰ عدم تطويل الثياب؛ لأن هذا يؤدي إلىٰ الخيلاء.
2) من علامة الزاهدين عدم إطالة الثياب والتفاخر بها.
30/520 ــ وعن جابر رضي الله عنه قال: إنَّا كُنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ في الخَنْدَقِ، فقال: «أَنَا نَازِلٌ»، ثُمَّ قَامَ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقاً، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المِعْوَلَ، فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيباً أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ائْذنَ لي إلىٰ البَيْتِ، فقلتُ لامْرَأَتِي: رأيتُ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً ما في ذلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقالت: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ العَنَاق، وطَحَنَتْ الشَّعِيرَ حَتَّىٰ جَعَلْنَا اللَّحمَ في البُرْمَةِ، ثُم جئْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وَالعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، والبُرمَةُ بَيْنَ الأثافِيِّ قَد كَادَتْ تَنْضِجُ، فقلتُ: طُعَيِّمٌ لي، فَقُمْ أَنْتَ يا رسولَ الله وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قال: «كَمْ هُوَ؟» فَذَكَرْتُ له، فقال: «كَثِيرٌ طَيِّبٌ، قُل لَهَا لا تَنْزِعِ البُرْمَةَ، ولا الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَىٰ آتِي»، فقال: «قُومُوا»، فقام المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَدَخَلْتُ عَليها فقلت: وَيْحَكِ، جَاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَمَن مَعَهُم! قالت: هل سَأَلَكَ؟ قلتُ: نعم. قال: «ادْخُلُوا وَلا تَضاغَطُوا» فَجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ والتَّنُّورَ إذا أخَذَ مِنهُ، وَيُقَرِّبُ إلىٰ أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ وَيَغْرِفُ حَتَّىٰ شَبِعُوا، وَبقِيَ مِنْهُ، فقال: «كُلِي هذَا وَأَهدِي، فَإنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: قال جابر: لمَّا حُفِر الخَنْدَقُ رَأيتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَمَصاً، فَانكَفَأْتُ إلىٰ امْرَأَتي، فقلتُ: هل عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فإنِّي رأَيْتُ بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم خَمَصاً شَدِيداً، فَأَخْرَجَتْ إليَّ جِراباً فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ داجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحنَت الشَّعِير، فَفَرَغَتْ إلىٰ فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا في بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: لا تَفْضَحْني بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يا رسول الله، ذَبَحْنا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يَا أَهْلَ الخَنْدَق: إنَّ جابراً قَدْ صَنَعَ سُؤْراً، فَحَيَّهَلاً بِكُم»، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتكُمْ، وَلا تَخبِزُنَّ عَجِينكُمْ حَتَّىٰ أَجِيءَ» فَجئْتُ، وَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّىٰ جِئْتُ امْرَأَتِي، فقالَتْ: بِكَ وَبِكَ! فقلتُ: قَد فَعَلْتُ الَّذي قُلْت. فَأَخْرَجَتْ عَجِيناً، فَبَصقَ فِيه وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلىٰ بُرْمَتِنا فَبَسَقَ فِيها وَبَارَكَ، ثُمَّ قال: «ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُم وَلا تُنْزِلُوها» وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله لأَكَلُوا حَتَّىٰ تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَز كَمَا هُوَ.
قَوْلُهُ: «عَرَضت كُدْيَةٌ»: بضم الكاف وإسكان الدال وبالياءِ المثناة تحت؛ وَهِيَ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلبَةٌ مِنَ الأَرْضِ لا يَعْمَلُ فيهَا الْفَأْسُ. وَ«الكثِيبُ»: أَصْلُهُ تَلُّ الرَّمْلِ، وَالمُرَادُ هُنَا: صَارَتْ تُرَاباً نَاعِماً، وَهُوَ مَعْنَىٰ «أَهْيَلَ». و«الأثَافي»: الأحْجَارُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا القِدْرُ. و«تَضَاغَطُوا»: تَزَاحمُوا. و«المَجَاعَةُ»: الجُوعُ، وهو بفتحِ الميم. و«الخَمَصُ» بفتحِ الخاءِ المعجمة والميم: الجُوعُ. و«انْكَفَأْتُ»: انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ. و«الْبُهَيْمَة» بضم الباء: تَصغير بَهْمَة، وَهِيَ الْعَنَاقُ ، بفتحِ العين. و«الدَّاجِنُ»:هيَ التي أَلِفَتِ الْبَيْتَ. وَ«السُّؤْرُ»:الطَّعَام الَّذي يُدْعَىٰ النَّاسُ إلَيْه، وَهُوَ بالْفَارِسِيَّة، و«حَيَّهَلا» أَي: تَعَالَوا. وَقَوْلها: «بِكَ وبِكَ» أَي: خَاصَمَتْهُ وَسَبَّتْهُ، لأنَّهَا اعْتَقَدَتْ أنَّ الَّذي عندَهَا لا يَكْفيهم، فَاسْتَحْيَتْ، وَخَفِي عَلَيْهَا مَا أَكْرَمَ الله سُبْحَانَهُ وتعالىٰ بِهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ والآيَةِ الْبَاهِرَةِ. «بَسَقَ» أي: بَصَقَ، وَيُقَالُ أَيضاً: بَزَقَ ثَلاَثُ لُغَاتٍ. و«عَمَد» بفتحِ الميم: أي: قَصَدَ. و«اقْدَحي» أي: اغرِفي، و«المِقْدَحَةُ»: المِغْرَفَةُ. و«تَغِطُّ» أَي: لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ، والله أعلم.
غريب الحديث:
معصوب: مربوط بعصابة، وهي الرباط.
لا تذوق ذواقاً: طعاماً.
العناق: الأنثىٰ من المعز.
العجين قد انكسر: لَاْنَ ورطب وتمكن منه الخمير.
ويحك: كلمة ترحم وإشفاق.
يخمر البرمة والتنور: يغطي القِدر الكبير ومكان إعداد الخبز.
هداية الحديث:
1) حبّ الصحابة رضي الله عنهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وإيثارهم إياه ولو بالقليل.
2) المعجزة العظيمة بتكثير الطعام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كرامةٌ من الله، لنبيه صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين، لما علم صبرَهم، وصدق إيمانهم.
8) أهل الإيمان يكمل بعضهم بعضاً، وهم يد علىٰ من سواهم، فانظر إلىٰ دعوتهم واجتماعهم جميعاً علىٰ طعام واحد كيف تشدُّ صفوفهم؟!
31/521 ــ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو طَلحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: قَد سَمعت صَوتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ضَعِيفاً أَعرِفُ فِيه الجُوعَ، فهل عِندَكِ مِن شَيْءِ؟ فقالت: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصاً مِن شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَاراً لَها، فَلَفَّتِ الخُبزَ بِبَعضِه، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوبي وَرَدَّتْني بِبَعضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتني إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جَالِساً في المَسْجِد، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟» فقلت: نَعَمْ، فقال: «ألِطَعَام؟» فقلت: نَعَم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا»، فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيدِيهِم، حَتَّىٰ جِئتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخبَرْتهُ، فقال أبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ، قَد جَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنا ما نُطْعِمُهُم؟ فقالتْ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَانطَلَقَ أبُو طَلْحَةَ حَتَىٰ لَقِيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَعَه حَتَّىٰ دَخَلا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟» فَأَتَتْ بِذلِكَ الخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فأدَمَتْهُ، ثُم قَال فِيهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ، ثمَّ قال: «ائذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّىٰ شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثم قالَ: «ائذَنِ لِعَشَرَة» فَأَذِنَ لَهم، فَأَكَلُوا حَتَّىٰ شَبِعُوا، ثم خَرَجوا، ثمَّ قال: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لهُم، حتَّىٰ أَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُم وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلاً أَوْ ثَمَانُونَ. متفقٌ عليه.
وفي رواية: فما زال يَدخُلُ عَشَرَةٌ وَيَخْرُجُ عَشَرَةٌ، حتَّىٰ لم يَبْقَ مِنهم أَحَدٌ إلا دَخَلَ، فَأَكَلَ حتىٰ شَبعَ، ثمَّ هَيأَهَا فإذَا هِي مِثلُها حِين أَكَلُوا مِنها.
وفي رواية: فَأَكَلُوا عَشَرَةً عَشَرَةً، حتَّىٰ فَعَلَ ذلِكَ بِثَمانِينَ رَجُلاً، ثم أكَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدَ ذلِكَ وَأَهْلُ البَيت، وتَرَكُوا سُؤراً.
في روايةٍ: ثم أَفضَلُوا مَا بَلَغُوا جيرَانهُم.
وفي روايةٍ عن أنسٍ قال: جِئْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً، فَوَجَدْتُهُ جَالِساً معَ أَصحابِهِ، وقَد عَصبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فقلتُ لِبَعْضِ أَصحَابِهِ: لِمَ عَصبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَطْنَهُ؟ فقالوا: مِنَ الجُوعِ، فَذَهَبْت إلىٰ أبي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجِ أُمِّ سُلَيمٍ بنت مِلحَانَ، فقلت،: يَا أَبَتَاه، قد رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بعضَ أَصحَابِهِ، فَقالوا: مِنَ الجُوعِ. فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ علىٰ أُمِّي، فقال: هَلْ مِن شَيْءٍ؟ قالت: نعم، عِنْدِي كِسَرٌ مِن خُبزٍ وَتَمَراتٌ، فإنْ جَاءنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَحدَهُ أَشبَعنَاه، وَإن جَاءَ آخَرُ معه قَلَّ عَنهمْ، وَذَكَرَ تَمَامَ الحديث.
غريب الحديث:
خمار: غطاء الوجه للمرأة.
عُكَّة: وعاء من جلد مختص بالسمن والعسل.
فآدمته: جعلته إداماً.
سؤراً: بقية الطعام.
هداية الحديث:
1) فضيلة أم سليم ورجحان عقلها، رضي الله عنها؛ فقد عرفت أن رسول الله دعا الجمع الكثير عمداً، ليظهر الكرامة في تكثير الطعام، فقالت: الله ورسوله أعلم. فيظهر فضلها من التسليم لأمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
2) اعتناء الصحابة رضي الله عنهم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
8) بيان حال الزهد والفقر الذي عاشه مجتمع الصحابة رضي الله عنهم جميعاً.
فائدة:
قولنا: «الله ورسوله أعلم» جائز في الأمور الدينية الشرعية، أما الأمور الدنيوية، فيقال فيها: «الله أعلم»؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ مع أنه أفضل الخلق وأكرمهم عند الله تعالىٰ ـ لا يعلم الغيب. {وَلَو كُنتُ أَعلَمُ ٱلغَيبَ لَٱستَكثَرتُ مِنَ ٱلخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُ} فالشريعةالكاملة جاءت هاديةً لأقوال العباد وأفعالهم وأحوالهم. فعلىٰ كل مؤمن ــ محب لله تعالى ولرسوله ــ أن يعتني بضبط أقواله على منهج الشرع المنزل. ولا يغتر بما تساهل به كثير من الخلق واعتادوا عليه من الشرع المبدل.
57 ــ باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة
قال الله تعالىٰ: {وَمَا مِن دَآبَّة فِي ٱلأَرضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزقُهَا} [هود: 6] ، وقال تعالىٰ: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ﴾ [البقرة: 273] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفرقان: 67] ، وقال تعالىٰ: { وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزق وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ} [الذاريات: 56_ 57].
فائدة:
القناعة: هي الرضىٰ بما قسم الله، ومنها يتولَّد العفاف: وهو عدم تطلُّعِ النفس لما في أيدي الناس، وعدم شكوىٰ الحال لغير الكبير المتعال.
هداية الآيات:
1) التوكل علىٰ الله تعالىٰ في حصول الرزق هو طريقة عباده المؤمنين.
2) الاقتصاد في المعيشة هو وصف عباد الله الصالحين.
وأما الأحاديثُ:
فَتَقَدَّمَ مُعظَمها في البابَينِ السَّابقَينِ، ومِمَّا لم يَتَقَدَّم:
1/522 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيسَ الغِنَىٰ عَن كَثرَةِ العَرَضِ، وَلكِنَّ الغنَىٰ غِنَىٰ النَفْسِ». متفقٌ عليه.
«العَرَضُ»: بفتح العين والراءِ: هُوَ المَالُ.
غريب الحديث:
العَرض: متاع الدنيا.
هداية الحديث:
1) الغنىٰ النافع الممدوح هو غنىٰ النفس.
2) الشريعة تعلم المؤمن المعيار الصحيح في الحياة؛ فليس الغنىٰ بما يملكه الإنسان من مال ومتاع، وإنما بالقناعة والعفاف، وهو غنىٰ القلب.
2/523 ــ وعن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ الله بما آتاهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) سبيل الفلاح هو بحصول نعمة الإسلام، والقناعة باليسير من الرزق.
2) الوصية النبوية المباركة : «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنىٰ الناس». رواه أحمد
3/524 ــ وعن حَكيم بن حِزَامٍ رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَعطَانِي، ثمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعطَانِي، ثمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَاني، ثمَّ قالَ: «يا حَكِيمُ، إنَّ هذَا المَالَ خَضِرٌ حُلوٌ، فَمن أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفسٍ بُورِكَ لَهُ فِيه، وَمَن أَخَذَهُ بإشرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فيهِ، وَكَانَ كَالَّذِيَ يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، واليَدُ العليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَىٰ» قال حَكِيمٌ فقلتُ: يا رسولَ الله، والَّذي بَعَثَكَ بالحَق لا أَرزَأُ أَحَداً بَعدَكَ شَيئاً حَتَىٰ أفارِقَ الدُّنيَا. فَكَانَ أَبُو بكرٍ رضي الله عنه يَدْعُو حَكِيماً لِيُعطيَهُ العَطَاءَ، فَيَأْبَىٰ أَنْ يَقبَلَ مِنهُ شَيْئاً. ثُمَّ إنّ عُمَرَ رضي الله عنه دَعَاهُ لِيُعطيَهُ، فَأَبىٰ أن يَقْبَلَهُ، فقال: يا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ، أُشْهِدكم عَلىٰ حَكيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيه حَقَّهُ الَّذي قَسَمَهُ اللهُ لَهُ في هذا الفيءِ، فيأْبىٰ أَن يأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيم أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّىٰ تُوُفِّيَ. متفق عليه.
«يَرْزَأُ»: براءٍ ثم زايٍ ثم همزةٍ، أَي: لَم يأخُذْ مِن أَحَدٍ شيئاً، وَأَصلُ الرُّزْءِ: النُّقْصَانُ، أَي: لَمْ يَنْقُص أَحَداً شَيْئاً بالأخذِ مِنهُ. و«إشْرَافُ النَّفْسِ»: تَطَلُّعُهَا وطَمَعُهَا بالشَّيءِ. و«سَخَاوَةُ النَّفْسِ»: هيَ عدَمُ الإشرَافِ إلىٰ الشَّيءِ والطَّمَع فيه والمُبَالاةِ بِهِ والشَّرَهِ.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ التعفف عن سؤال الناس، لاسيما لغير الحاجة، ولْيعلم المؤمن أن عزّه استغناؤه عن سؤال الناس، ومُلازمة طلبه الخير والفضل من رب الناس.
2) فضيلة الصحابي حكيم بن حزام رضي الله عنه؛ إذ عاهد عهداً فأتمه ووفّاه، وهذا يؤكد صدق إيمان الجيل الأول، وتمام إخلاصهم رضي الله عنهم.
4/525 ــ وعن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسىٰ الأشعَريِّ رضي الله عنه قال: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ، ونحْن سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدامنا، ونَقَبَتْ قَدَمِي، وسقَطَتْ أَظْفاري، فَكُنَّا نَلُفّ عَلىٰ أَرْجُلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقاع؛ لما كُنَّا نَعْصبُ علىٰ أَرْجُلِنَا مِنَ الخِرَقِ». قالَ أَبُو بُردَةَ: فَحَدَّثَ أبو مُوسَىٰ بهذا، ثُمَّ كَرِهَ ذلك، وقالَ: ما كنتُ أَصْنَعُ بأنْ أذكُرَهُ قال: كأنَّهُ كَرِهَ أن يكونَ شيئاً مِنْ عَمَلِهِ أَفشَاهُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
نعتقبه: نتعاقبه في الركوب واحداً بعد واحد.
فنقبت: رقت جلود أقدامنا.
هداية الحديث:
1) بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من خشونة العيش، ومدىٰ صبرهم علىٰ ذلك، مع الرضا والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالىٰ.
2) بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.
8) كراهة أن يذكر الإنسان ما فعله من عمل الخير؛ لأن إخفاء العمل بين العبد وربه هو طريقة المؤمنين الصادقين.
5/526 ــ وعن عمرو بن تَغْلِبَ ــ بفتح التاءِ المثناةِ فوق، وإسكان الغينِ المعجمةِ، وكسرِ اللَّام ــ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بمَالٍ أَوْ سَبيٍ فَقَسَّمَهُ، فَأَعْطَىٰ رِجالاً، وتَرَكَ رِجالاً، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِد الله، ثُمَّ أَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعد؟ فَوَالله إنِّي لأعطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، والَّذِي أَدَع أَحّبُّ إليَّ مِنَ الَّذِي أعْطِي، وَلكِنِّي إنَّمَا أُعْطِي أَقْوَاماً لِما أرىٰ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَع والهَلَعِ، وَأكِلُ أَقْواماً إلىٰ ما جَعَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَىٰ والخَيْرِ، مِنهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ» قال عَمرو بنُ تَغْلِبَ: فَواللهِ مَا أُحِبُّ أنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النَّعَمِ. رواه البخاري.
«الهَلَعُ»: هُوَ أَشَدُّ الجَزَعِ، وقِيلَ الضَّجَرُ.
غريب الحديث:
حُمْر النعم: كرائمها، وهو مثل يضرب في كل نفيس من الأموال عند العرب.
هداية الحديث:
1) المال والمتاع ليسا مقياساً لمكانة العبد عند ربِّه. فكم من فقير بالمال، غنيّ بالإيمانُ والتقوىٰ!
2) حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأليف القلوب وإنقاذها من الهلاك.
8) فضيلة الصحابي عمرو بن تغلب رضي الله عنه؛ إذ شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل غنىٰ القلب والخير.
6/527 ــ وعنْ حَكِيمِ بنِ حزَامٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَىٰ، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظهْرِ غِنىًٰ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». متفقٌ عليه. وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم أخصر.
غريب الحديث:
بمن تعول: بمن يلزمك نفقته.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ العفة وعدم سؤال الناس.
2) توفيق الله تعالىٰ العبدَ الساعي في الخير، فمن سعىٰ في العفه وَفَّقَهُ الله تعالىٰ لنيلها، ومن استغنىٰ عن الخلق أغناه الله.
7/528 ــ وعن أبي سُفْيَانَ صَخْرِ بن حَرْبٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُلْحِفُوا في المسْأَلَةِ، فوَاللهِ لا يَسْأَلُني أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً، فَتُخرِجَ لَهُ مَسأَلَتهُ مِنِّي شَيْئاً، وَأَنا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لهُ فيما أَعْطَيْتُهُ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
تلحفوا: تكثروا في الطلب.
هداية الحديث:
1) النهي عن أخذ ما في أيدي الناس بكثرة الإلحاح، وحملهم علىٰ العطاء علىٰ وجه الحياء.
2) الوصية بأنه: لا يبارَك لمن أخذ شيئاً بالحياء وكثرة الطلب.
تنبيــه:
راوي الحديث في المشهور من طبعات (رياض الصالحين) هو أبو سفيان صخر بن حرب، والذي في صحيح مسلم «عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...». فالصواب في الرواية هكذا:
«وعن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...».
8/529 ــ وعن أبي عبدِ الرحمنِ عَوف بن مالك الأشْجَعِيِّ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا عِنْدَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تِسْعَةً أَوْ ثَمانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟» وكُنَّا حَديثي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلنَا: قَدْ بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ الله. ثم قال: «أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟»، فَبَسَطْنا أَيْدِينا، وَقُلْنا: قَدْ بايَعْنَاكَ يا رَسُولَ الله، فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ؟ قال: «علىٰ أن تَعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا بِه شَيْئاً، والصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَتُطِيعوا»، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً: «وَلا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئاً». فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَداً يُنَاوِلُهُ إيّاه. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن وصيةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم للأمة: «لاتسألوا الناس شيئاً» تعليمٌ وتربيةٌ علىٰ عزة النفس.
2) حِفظُ الصحابة رضي الله عنهم العهدَ الذي قطعوه علىٰ أنفسهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل علىٰ فضيلتهم.
9/530 ــ وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَزَالُ المَسْألَةُ بِأَحَدِكُم حَتَّىٰ يَلْقَىٰ الله تعالَىٰ، وَلَيْسَ في وَجْهِه مُزْعَةُ لَحْمٍ». متفقٌ عليه.
«المُزْعَةُ» بضم الميمِ وإسكانِ الزايِ وبالعينِ المهملة: القِطْعَة.
هداية الحديث:
1) الوعيد الشديد الوارد في الحديث يدل علىٰ تحريم السؤال.
2) حث المؤمنين علىٰ معاني العزة، فالواجب علىٰ العبد أن يكون عبداً خالصاً مخلصاً لله تعالىٰ، وألا يُـذلَّ نفسه للخلق.
10/531 ــ وعنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو علىٰ المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ والتَّعَفّفَ عَنِ المَسَأَلَةِ: «اليَد العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلىٰ. وَاليَد العُليَا هِيَ المُنْفِقَة، وَالسُّفْلَىٰ هِيَ السَّائِلَة». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) حث أهل الإيمان أن يكونوا اليد العليا المنفقة.
2) المؤمن صاحب همة عالية لايعرف الكسلُ إليه سبيلاً، فيسعىٰ دائماً أن يكون هو السبّاق إلىٰ الخيرات.
11/532 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تكثُّراً فَإنَّمَا يَسْأَلُ جَمْراً، فَلْيَسْتَقِلَّ، أوْ لِيَسْتكْثِرْ». رواه مسلم.
12/533 ــ وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدبٍ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المَسأَلَةَ كَدٌّ، يَكُدُّ بها الرَّجلُ وَجْهَهُ، إلَّا أَنْ يَسأَلَ الرَّجُلُ سُلْطاناً، أوْ في أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ». رواهُ الترمذيّ وقال: حديث حسن صحيح.
«الكَدُّ»: الخَدشُ وَنحوُهُ.
غريب الحديث:
تكثراً: ليكثر بها ماله.
سلطاناً: من ولاه الله أمر الناس.
هداية الأحاديث:
1) تحريم مسألة الناس؛ لأن ذل العبد لله وحده لاشريك له هو غاية العز، ولايجوز أن يذل نفسه للمسألة، إلا مَن ألجأته الضرورة لذلك.
2) إنَّ سؤال الحقوق من ولاة الأمور جائز في الشريعة؛ لأن الولي المسلم هو الراعي لعامة الأمة، فالطلب منه ليس فيه مذلّة.
13/534 ــ وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَها بالله فَيُوشِكُ الله لَهُ بِرِزْق عاجِلٍ أَوْ آجِلٍ». رواهُ أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
«يُوشِكُ» بكسر الشين: أي يُسرعُ.
غريب الحديث:
فاقة: فقر.
هداية الحديث:
1) من تعلّق شيئاً وُكل إليه، فمن عوَّد نفسه مسألة الناس عَسُر عيشه وتنكَّد.
2) الاستمساك بالوصية النبوية في الصبر علىٰ العيش الشديد، فمَن يشكو ربَّه للناس فإنما يشكو الرحيم إلىٰ الذي لايرحم!
14/535 ــ وعَنْ ثَوْبانَ رضي الله عنه قَال: قَال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يكفلُ لِي أَلَّا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وأَتكَفَّلُ له بالجَنَّةِ؟ فقلتُ: أنا. فَكانَ لا يَسْأَلُ أَحَداً شَيْئاً». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ عدم سؤال الناس، والاعتماد علىٰ النفس في قضاء الحوائج.
2) فضيلة ثوبان رضي الله عنه؛ إذ عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً فوفاه. وهذا من فضائل الصحابة رضوان الله عليهم.
15/536 ــ عن أبي بِشْرٍ قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي الله عنه قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فيها، فقال: «أَقِمْ حَتىٰ تَأْتِيَنَا الصَّدَقَة، فَنَأْمُرَ لكَ بها»، ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إنَّ المَسألَةَ لاَ تَحِلُّ إلَّا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَةً، وَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّىٰ يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّىٰ يُصيبَ قِوَاماً مِنْ عَيشً ــ أَوْ قَالَ: سِداداً مِنْ عَيْش ــ. وَرَجُلٌ أَصَابَتهُ فاقَةٌ، حَتَّىٰ يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَىٰ مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلاناً فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلَةُ حَتَىٰ يُصِيبَ قِواماً مِنْ عَيْشٍ ــ أَوْ قَالَ: سِداداً مِنْ عَيْشٍ ــ.فَمَا سِواهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتاً». رواه مسلم.
«الحَمَالَةُ» بفتح الحاءِ: أَنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنحوُهُ بَين فَرِيقَينِ، فَيُصْلحُ إنسانٌ بَيْنَهُم عَلىٰ مالٍ يَتَحَمَّلُهُ وَيَلْتزِمُهُ عَلىٰ نَفسه. و«الجَائِحَةُ»: الآفَةُ تُصِيبُ مالَ الإنسانِ. و«القِوَامُ» بكسر القاف وفتحها: هُوَ ما يقومُ بهِ أَمْرُ الإنْسَانِ مِنْ مَالٍ ونحوِهِ. و«السِّدادُ» بكسر السين: مَا يَسُدُّ حَاجَةَ المُعْوِزِ ويَكْفِيهِ. و«الفَاقَةُ»: الفَقْرُ. و«الحِجَىٰ»: العقلُ.
غريب الحديث:
السحت: الحرام.
هداية الحديث:
1) لا تجوز المسألة إلا في حالات أباحتها الشريعة، يجمعها وصف الاضطرار والحاجة.
2) تربية عموم المؤمنين علىٰ معاني عزة النفس، وعدم التطلع إلىٰ مافي أيدي الناس.
16/537 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلىٰ النّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقْمَة واللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرةُ وَالتَّمْرَتانِ، وَلكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) المسكين المستحق للإعطاء من استحيا بنفسه، ولم يتعرض لمسألة الناس.
2) حث أهل الإيمان علىٰ تفقد الأُسَر الفقيرة المستورة بستر الله تعالىٰ.
58 ــ باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلّع إليه
1/538 ــ عَنْ سالمِ بنِ عبدِ الله بن عُمَرَ، عَنْ أبِيهِ عبدِ الله بنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهم قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعْطِيني العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُو أَفقَرُ إليهِ مِنِّي، فقال: «خُذهُ، إذَا جاءكَ مِن هذا المَالِ شَيْءٌ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئتَ كُلْهُ، وإنَ شِئْتَ تَصَدَّقْ بهِ. وَمَا لا، فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» قال سَالمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يَسأَلُ أَحَداً شَيئاً، وَلا يَرُدُّ شَيئاً أُعْطِيَهُ. متفقٌ عليه.
«مُشرفٌ» بالشين المعجمة: أَيْ: مُـتَطَلِّعٌ إلَيْه.
غريب الحديث:
فتموله: اتخذه مالاً.
فلا تتبعه نفسك: لا تتعلق به.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد ألايذلَّ نفسه، فيستشرف للمال ويُعلِّق قلبه بطلبه.
2) إن جاءك شيءٌ من غير مسألةٍ وتعلقِ نفس فاقبله، وهذا الأخذ محمودٌ شرعاً؛ لأن رد العطية والهدية قد يحمل من أعطاك علىٰ كراهيتك.
59 ــ باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء
قال الله تعالىٰ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة 10].
هداية الآية:
1) ابتغاء الرزق بعد أداء العبادة، من المسائل المستحبة والمحمودة شرعاً.
2) راعت الشريعة حاجة الناس؛ فنهت عن المسألة، ورغبت في العمل والحركة.
1/539 ــ عن أبي عَبْدِ الله الزُّبَيْرِ بنِ العوَّامِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحبُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ عَلىٰ ظَهْرهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بها وَجْهَه، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أن يَسأَلَ النَّاسَ، أَعَطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». رواه البخاري.
2/540 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُم حُزمَةً عَلىٰ ظَهرِه، خَيْرٌ لَهُ من أَنْ يَسأَلَ أَحَداً، فَيُعْطِيَهُ أَو يَمْنَعَهُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
أحبُله: جمع حبل.
هداية الأحاديث:
1) العمل المباح عز وشرف للمؤمن، ولو كان حقيراً في نظر الناس.
2) الأخذ بالأسباب، والشروع في العمل، والمشي إلىٰ الرزق، من تمام التوكل علىٰ الله تعالىٰ.
3/541 ــ وعنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «كانَ دَاوُدُ –عليه السلام_ لا يَأْكُل إلَّا مِن عَمَلِ يَدِهِ». رواه البخاري.
4/542 ــ وعنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانَ زكَرِيَّا –عليه السلام_ نجَّاراً». رواه مسلم.
5/543 ــ وعن المِقْدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِن أن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وَإنَّ نَبيَّ الله دَاوُدَ –عليه السلام_ كان يَأكُل مِن عَمَلِ يَدِهِ». رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) حث المسلم علىٰ العمل، وأن يكون رزقه من كسب يده ، فما يباشره الشخص بنفسه مقدم علىٰ ما يباشره غيره.
2) الترغيب في هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فقد كانوا يكتسبون بأيديهم، وهم خير الخلق عند الله تعالىٰ، وقد قال سبحانه: {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقتَدِهۗ} [الأنعام: 90].
60ــ باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى
قال الله تعالىٰ: {وَمَآ أَنفَقتُم مِّن شَيء فَهُوَ يُخلِفُهُ} [سبأ: 39] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 272] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273].
فائدة:
الكرم: اسم جامع لأبواب الإحسان، وهو أنواع، منها:
كرم البذل، وكرم النفس عما في أيدي الناس، وكرم العفو عن إساءة الناس.
هداية الآيات:
1) حث أهل الإيمان علىٰ النفقة ابتغاء وجه الله تعالىٰ.
2) المؤمن يثق بما عند الله تعالىٰ بأنه يخلفه، ويعوضه خيراً مما أنفق.
1/544 ــ وعَنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ حَسَدَ إلاَ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلىٰ هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاه اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفقٌ عليه. معناه: يَنْبَغِي أَلاّ يُغبَطَ أَحَدٌ إلَّا علىٰ إحدَىٰ هَاتَينِ الخَصْلَتَيْنِ.
غريب الحديث:
هلكته في الحق: إنفاقه في وجوه الخير.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ التنافس في أعمال الخير، فما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخير إلا ليتنافس فيه المؤمنون.
2) النعم كلها من الله تعالىٰ، والواجب شكرها؛ وذلك بأن يضعها العبد حيث أمره صاحب النعمة سبحانه وتعالىٰ.
3) الإنفاق عام يشمل نفقة المال ونفقة العلم.
فائدة:
الناس في الحكمة والعلم ينقسمون أربعة أقسام.
القسم الأول: من لم يُؤتَ الحكمة إطلاقاً، فهو الجاهل.
القسم الثاني: من آتاه الله الحكمة، فبخل بها حتىٰ علىٰ نفسه فلم يعمل بها، فهو الغافل، رُزق العلم وحُرم العمل. لكن أرفع رتبة من الأول.
القسم الثالث: من آتاه الله الحكمة، فعمل بها في نفسه دون أن يعلمها غيره من الناس، فهو علىٰ خير قاصر.
القسم الرابع: من آتاه الله الحكمة، فعمل بها في نفسه، وعلمها غيره لينتفع الجميع بها، وهو الفاضل. فاحرص يا أخي أن تكون من هذا القسم الموفَّق.
2/545 ــ وعنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إليه مِن مَالِهِ؟» قالُوا: يا رسولَ الله، مَا مِنَّا أَحَدٌ إلَّا مَالُه أَحَبُّ إليه. قال: «فَإنَّ مَالَه ما قَدَّمَ، وَمَالَ وَارِثِهِ ما أخّرَ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تقديم المال في وجوه الخير، لينتفع به في الدنيا والآخرة.
2) إن تصحيح المفاهيم الخاطئة في حياة الناس، من مهمة العلماء وطلاب العلم.
3/546 ــ وعَن عديِّ بنِ حاتمٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمرَةٍ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إن أبواب الخير منوعة كثيرة، ولن يعدم المؤمن الخير، ولو تصدق بشق تمرة تنجيه من عذاب النار.
2) تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته طرق النجاة من العذاب.
4/547 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: ما سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيئاً قَط،ُّ فقالَ: لا. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) بيان كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه، فكان لايرد سائلاً، بل كان عطاؤه عطاء من لايخشىٰ الفقر.
2) الموفَّق من عباد الله مَنْ يسعىٰ لتحقيق القدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه المبارك، ومن ذلك هذا الخُلق الفاضل.
5/548 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَومٍ يُصبِحُ العِبَادُ فِيهِ إلَّا مَلَكَانِ يَنزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهم أَعطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهم أَعطِ مُمْسِكا تَلَفاً». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الدعاء للمنفقين بالعِوض المبارك، والدعاء علىٰ المُمسِكين بالتلف المُهلك.
2) الملائكة تدعو للمؤمنين الصالحين، وهذه بشرىٰ لأهل الإيمان.
فائـدة :
التلف نوعان:
1_ التلف الحسي: أن يَتلفَ المالُ بنفسه، وذلك بأن تأتيه آفة تفسده؛ كأن يُحرق، أو يُسرق، أو يغرق.
2_ التلف المعنوي: أن تنزع بركته، بحيث لا يكاد يستفيد صاحبه منه في حياته.
6/549ــ وعنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «قالَ الله تعالىٰ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الإنفاق في سبيل الله، لأنّه سبب لسعة الرزق.
2) إعطاء الله عبدَه علىٰ حسب إعطاء العبد الفقراءَ والمحتاجين.
7/550 ــ وعنْ عبد الله بن عَمْرو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإسلامِ خَيْرٌ ؟ قال: « تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلىٰ مَنْ عَرَفتَ وَمَن لَمْ تَعْرِفْ ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة علىٰ العلم بالخصال التي تنفع في الدنيا و الآخرة، وإتباع ذلك بالعمل.
2) الحث علىٰ البذل والعطاء بإطعام الطعام.
فائـدة:
هذا العموم في قوله: «وتقرأ السلام...» مخصوص بالمسلمين، فلا يُسلِّم ابتداءً علىٰ غير المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبدؤوا اليهود والنصارىٰ بالسلام ..»الحديث.
فائـدة:
الفرق بين الجواد والمسرف: أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه ، والمسرف: كثيراً ما لا يصادف عطاؤه موضعه.
فالجواد من يتوخىٰ بماله أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، حسب مقتضىٰ الشريعة، وباعثِ المروءة، من النفقة، وقرىٰ الضيف، ومكافأة المهدي، وما يقي به عرضه علىٰ وجه الكمال، طيبةً بذلك نفسُه، راضيةً، مُؤملةً للخلف في الدنيا والآخرة.
وأما المبذر فينفق لحكم هواه وشهوته، من غير مراعاة مصلحة خاصة ولا عامة، قد ضيع الحقوق الواجبة والمستحبة.
8/551 ــ وعنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعُونَ خَصلَةً أَعلاهَا مَنِيحَةُ العَنْز،ِ ما مِن عَامِلٍ يَعمَلُ بخَصلَةٍ منها، رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أَدْخَلَهُ الله تعالىٰ بهَا الجَنَّةَ». رواه البخاري. وقدْ سبق بيانُ هذا في باب بيان كَثرَةِ طُرق الخَيْرِ.
هداية الحديث:
1) تنوعُ أبواب الخير، وفتْحُها للعاملين. والمحروم من حُرم دخولها والعمل بها.
2) الإنفاق المستحب شرعاً، والذي يعظم أجراً، مشروط بالإخلاص لله تعالىٰ؛ ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 114].
9/552 ــ وعن أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا ابنَ آدَمَ، إنَّكَ أَن تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وأن تُمسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلامُ عَلىٰ كَفَافٍ، وَابْدأْ بِمَنْ تَعُولُ، واليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَىٰ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن بذل المعروف الزائد عن الحاجة خير للعبد؛ لأن في ذلك صلة لإخوانه المحتاجين، وتصديقاً بموعود ربِّ العالمين.
2) كل عبد مطلوب منه البذل بما يستطيع دون كلفة {وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُۥ فَليُنفِق مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ}.
10/553 ــ وعن أنس رضي الله عنه قال: ما سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ الإسْلامِ شَيْئاً إلَّا أَعْطاه، وَلَقَد جَاءه رجُلٌ، فَأَعطَاه غَنَماً بَينَ جَبَلَينِ، فَرَجَعَ إلىٰ قَومِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا؛ فَإنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لاَ يَخْشَىٰ الفَقْرَ، وإنْ كانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يَلبَثُ إلاَ يَسِيراً حَتَىٰ يَكُونَ الإسْلامُ أَحَبَّ إلَيه منَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن بذل المال، وحسن الخلق، سبب عظيم في تأليف قلوب العباد.
2) جواز إعطاء ضعفاء الإيمان من الزكاة تأليفاً لقلوبهم، فالإنسان قد يدخل الإسلام للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإيمان رغب فيه، وحسن إسلامه.
11/554ــ وعن عُمَرَ رضي الله عنه قال: قَسَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَسْماً، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله، لَغَيْرُ هؤُلاءِ كَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُم؟ قالَ: «إنَّهُمْ خَيَّرُوني أن يَسْأَلُوني بالْفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُوني، ولَسْتُ بِبَاخِلٍ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) بيان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق، والصبر، والحلم، والإعراض عن الجاهلين.
2) البخل ليس من شيم الأنبياء ولا الصالحين، فالمؤمن جواد كريم.
12/555 ــ وعن جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ رضي الله عنه أنه قال: بَيْنَما هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَقْفَلَهُ مِن حُنيْنٍ، فَعَلِقَهُ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّىٰ اضْطَرُّوهُ إلىٰ سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «أَعْطُوني رِدَائي، فَلَوْ كَانَ لي عَدَدُ هذِهِ العِضَاه نَعَماً لَقَسَمْتُهُ بَيْنكُمْ، ثم لا تَجِدُوني بَخِيلاً وَلا كَذَّاباً وَلا جَبَاناً». رواه البخاري.
«مَقْفَلَه» أَيْ: حَال رُجُوعِهِ. و«السَّمُرَةُ»: شَجَرَةٌ. وَ«العِضَاهُ»: شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.
هداية الحديث:
1) إمام المسلمين مُنزَّه أن تكون فيه خصلة مذمومة، وهذا هو شأن مَن يكون قدوة الناس؛ عليه أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) بيان ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من التعليم بالقدوة، فكان يتبع العلم بالعمل.
3) أثر الهدي الصالح، والخُلق الحسن، على قلوب الخَلق.
13/556 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَما زَادَ الله عَبْداً بِعَفْوٍ إلَّا عِزّاً، وَما تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ اللهُ _عز وجل_». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الصدقة لا تُنقص المال؛ لأن الله يبارك فيه، ويعوِّض ما ذهب منه.
2) حال المؤمن الثقة بموعود الله تعالىٰ؛ بأن يعوض بالخير والبركة.
14/557ــ وعن أبي كَبشَةَ عُمرَ بنِ سَعدٍ الأَنمَارِيِّ رضي الله عنه أنه سمعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: « ثَلاَثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُم حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبدٍ مِن صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلا زَادَهُ اللهُ عِزّاً، وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ بَابَ فَقْرٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، وَأُحَدِّثُكُم حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ قال: إنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ:
عَبْدٍ رَزَقَه اللهُ مَالاً وَعِلْماً، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لله فِيهِ حَقّاً، فَهذَا بِأَفضلِ المَنَازِل. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله عِلْماً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَل فُلانٍ، فَهُوَ بِنيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ.وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً، فَهُوَ يَخْبِطُ في مالِهِ بِغَيرِ عِلمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعلَمُ لله فِيهِ حَقّاً، فهذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ.وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُما سَوَاءٌ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
نفر: مابين الثلاثة إلىٰ العشرة.
هداية الحديث:
1) الخبر الصادق عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأن الصدقة لا تُنقص المال، بل تزيده وتنميه.
2) العلم ميزان الأمور كلها؛ فمَن رزقه الله علماً نافعاً عرف كيف يدير أموره، ومن حُرم العلم تخبَّط في أمره، فكان فرطاً، وفي هذا الحث علىٰ طلب العلم النافع.
15/558 ــ وعن عائشة رضي الله عنها أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا بقِيَ مِنْها؟» قالت: ما بقي مِنها إلَّا كَتِفُهَا، قال: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيرَ كَتِفِهَا». رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
ومعناه: تَصَدَّقُوا بها إلَّا كَتِفَهَا، فقال: بقيتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلَّا كَتِفَهَا.
هداية الحديث:
1) بيان كرم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رضي الله عنهم.
2) مال العبد الباقي هو ما يقدمه ويدّخر ثوابه عند الله تعالىٰ.
8) طريقة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تصحيح الاعتقادات، والمقاييس الخاطئة في حياة الناس.
16/559ــ وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهما قالت: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُوكِي فَيُوكَىٰ عَلَيكِ».
وفي روايةٍ: «أَنْفِقِي، أَو انْفَحِي، أَوِ انْضَحِي، وَلا تُحْصي فَيُحْصي الله عَلَيْك، وَلا تُوعِي فَيُوعِي الله عَلَيْكِ». متفقٌ عليه.
و«انْفَحِي» بالحاءِ المهملة: وهو بمعنىٰ: «أَنفِقِي» وكذلك: «انْضحِي».
غريب الحديث:
لا توكي: لا تمنعي وتَشُدِّي ما عندك.
ولا توعي: لا تمنعي مافضل عنك وتشحي به، فهما بمعنىٰ متقارب.
هداية الحديث:
1) النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، فذلك من سوء الظن بالله تعالىٰ.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فمن منع حق الله الواجب عُوقب بأن يضيق الله عليه.
17/560 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما جُنَّتَانِ مِن حَدِيدٍ مِن ثُدِيِّهِمَا إلىٰ تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ؛ فَلا يُنْفِقُ إلَّا سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ عَلىٰ جلدِهِ حتىٰ تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمّا البَخِيلُ؛ فَلا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيئاً إلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ». متفقٌ عليه.
و«الجُنَّةُ» الدِّرعُ وَمَعنَاهُ: أن المُنْفِقَ كُلَّمَا أَنْفَقَ سَبَغَتْ، وطَالَت حتىٰ تجُرَّ وَرَاءهُ، وتُخْفِي رِجْلَيْهِ وأَثرَ مَشيِهِ وخُطُوَاتِهِ.
غريب الحديث:
ثُديهما: مثنى ثُدي بالضم، وهو للرجل. وأما الثَدي: بالفتح، فهو للمرأة.
تراقيهما: جمع ترقوة، وهو: العظم الذي بين النحر والعاتق.
سبغت: امتدت وغطت.
بنانه: أصابعه.
تعفو أثره: تغطي أثره حتىٰ لاتظهر.
هداية الحديث:
1) الصدقة تستر الخطايا، كما يستر الثوب الذي يجر علىٰ الأرض أثر صاحبه إذا مشىٰ.
2) بذل المال والإنفاق، من أعظم أسباب انشراح الصدرِ، وطيب النفس.
18/561 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لصَاحِبِهَا، كما يُرَبِّي أحَدُكمْ فَلُوَّهُ حتَّىٰ تكونَ مثلَ الجبلِ». متفقٌ عليه.
«الفَلُوُّ» بفتحِ الفاء وضَمِّ اللام وتشديد الواو، ويقال أيضاً: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو: وهو المُهْر.
هداية الحديث:
1) إن الله طيب لايقبل إلا طيباً، فليحرص المتصدق علىٰ طيب صدقته.
2) بيان موعود الله تعالىٰ؛ بأن يضاعف الصدقة من الكسب الطيب، حتىٰ تصبح كالجبل. وهذا من ثمرة المال الحلال.
19/562 ــ وعنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِفَلاةٍ مِن الأَرْضِ، فَسَمعَ صَوتاً في سَحَابَةٍ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّىٰ ذلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ مِن تلكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوعَبَتْ ذلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحَاتِهِ، فقال له: يَا عَبْدَ الله، ما اسْمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسْمِ الَّذي سَمعَ في السَّحَابَةِ، فقال له: يا عَبْدَ الله، لِمَ تَسْألُني عَنِ اسْمِي؟ فَقَال: إنِّي سَمِعْتُ صَوتاً في السَّحَابِ الذِي هذَا مَاؤُهُ يقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاسمِكَ، فما تَصْنَعُ فِيها؟ فقال: أَمّا إذْ قُلْتَ هذَا، فإنِّي أَنْظُرُ إلىٰ ما يخْرُجُ مِنْها، فَأتَصَدَّقُ بثُلُثِه، وآكُلُ أَنا وعِيالي ثُلُثاً، وأَرُدُّ فيهَا ثُلثهُ». رواه مسلم.
(الحَرَّةُ) الأَرْضُ المُلْبَسَةُ حِجَارَةً سَودَاءَ. و(الشَّرجَةُ) بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم: هِي مَسِيلُ الماءِ.
هداية الحديث:
1) الإنفاق علىٰ العيال والمحتاجين من الأعمال التي يحبها الله تعالىٰ ويرضاها.
2) يختص الله تعالىٰ عبده المؤمن الصادق برحمة خاصة دون باقي الناس.
3) إثبات كرامات الأولياء في هذه الأمة، وفي الأمم الماضية، الذين وَصَفُهم الله تعالىٰ بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.
61 ـ باب النهي عن البخل والشح
قال الله تعالىٰ: { وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱستَغنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلحُسنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلعُسرَىٰ * وَمَا يُغنِي عَنهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ} [الليل: 8 ــ11]، وقَال تعالىٰ: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ} [التغابن: 16].
فائدة:
البخل: هو منع ما يجب أو يستحب بذله.
الشح: هو الطمع فيما ليس موجوداً، وهو أشد من البخل، وكلاهما خُلقان ذميمان.
هداية الآيات:
1) أصل الفلاح وعنوانه أن يتخلص العبد من الشح.
2) البخل والإعراض سبب في شقاء العبد وبعده عن الحسنىٰ.
وأمَّا الأحاديث:
فتقدمت جملة منها في الباب السابق.
1/563ــ وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، واتَقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُم علىٰ أن سَفَكُوا دِمَاءهم، واستَحَلُّوا مَحَارِمَهُم». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الظلم من كبائر الذنوب؛ لأن صاحبه مُتوَعد بالعذاب يوم القيامة.
2) الحذر من الشح؛ فهو سبب في هلاك من كان قبلنا، وقد نُهي المؤمنون عن التشبه بالقوم المعذبين.
فائدة:
الظلم ظلمان:
1) ظلم العبد نفسه، وهو نوعان:
أ ــ ظلم بالإشراك بالله _عز وجل_، وهو ظلم عظيم {إِنَّ ٱلشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٞ}.
ب ــ ظلم بارتكابه المعاصي والذنوب، وهو دون الشرك.
2) ظلم العبد غيره، وهو نوعان أيضاً:
أ ــ ظلمهم بترك الواجب لهم من أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، كترك وفاء الديون والوعود.
ب ــ ظلمهم بالعدوان عليهم بأخذ حقوقهم وانتهاك حرماتهم، كالغيبة والسرقة وغيرها.
62 ــ باب الإيثار والمواساة
قال الله تعالىٰ: {وَيُؤثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٞ} [الحشر: 9]، وقال تعالىٰ: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] إلىٰ آخِرِ الآيَاتِ.
فائـدة:
الإيثار: أن يقدم الإنسان غيره علىٰ نفسه.
المواساة: أن يواسي غيره بنفسه، والإيثار أفضل.
الإيثار ينقسم ثلاثة أقسام:
_ القسم الأول: الإيثار الممنوع، وهو: أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعاً، كالإيثار بالماء عند الحاجة للوضوء.
_ القسم الثاني: الإيثار المكروه، وهو: أن تؤثر غيرك في الأمور المستحبة، كأن تؤثر غيرك بالصف الأول في صلاة الجماعة الذي سبقتَ إليه.
ويرىٰ بعض أهل العلم: أن هذا الإيثار محمود، لأنه داخل في عموم التعاون على البر والتقوىٰ، وهذا الاختيار أحسن وسيأتي بيانه، والله أعلم.
_ القسم الثالث: الإيثار المباح، وهو: أن تؤثر غيرك في الأمور الدنيوية المباحة، كإيثاره بالطعام علىٰ نفسك الجائعة.
وهذا القسم يصبح إيثاراً محموداً، يُثابُ فاعله إذا وقع مع نية الإخلاص لله تعالىٰ.
1/564ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: «جَاءَ رَجُلٌ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرسَلَ إلىٰ بَعضِ نِسائِهِ، فقَالَت: والَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدِي إلَّا مَاءٌ، ثم أَرْسَلَ إلىٰ أُخْرَىٰ، فَقَالَتْ مِثْلَ ذلِكَ، حَتَىٰ قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذلِكَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدِي إلَّا مَاءٌ. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن يُضِيفُ هذَا اللَّيْلَةَ؟»، فقال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنا يَا رسُولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إلىٰ رَحْلِهِ، فَقَالَ لامرَأَتِهِ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم».
وفي روايةٍ «قال لاِمرَأَتِهِ: هل عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: لا، إلَّا قُوتَ صِبيَانِي. قال: عَلِّليْهم بِشَيءٍ، وإذا أَرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِم، وإذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا، فَأَطْفِئي السِّرَاجَ، وأرِيهِ أَنَّا نَأْكُل، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا عَلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقال: « لَقَد عَجِبَ الله مِن صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
مجهود: أصابني الجهد من الفقر والجوع والمشقة.
فعَلِّلِيهم بشيء: أشغليهم وألهيهم بشيء غير هذا الطعام.
هداية الحديث:
1) الإيثار العظيم من الصحابيّ الأنصاري رضي الله عنه لمّا بات هو وأهله من غير عشاء إكراماً لضيف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. فمن هذه المواقف المشرقة نأخذ القدوة الصالحة.
2) يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه علىٰ عائلته، وهذا في الأحوال العارضة؛ لأن الأَوْلىٰ تقديم الأقرب (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول).
فائـدة:
ــ هذه القصة هي سبب نزول قوله تعالىٰ: {وَيُؤثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٞ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ}.
ــ قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ : «أجمع العلماء علىٰ فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفوس، أما القُرُبات فالأفضل أن لا يؤثر بها لأن الحق فيها لله تعالىٰ» (شرح صحيح مسلم).
ويرىٰ بعض أهل العلم جواز الإيثار بالقرب، كما سنذكره عند حديث (761).
2/565ــ وعنه قَالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كافي الثَّلاثَةِ، وطَعَامُ الثَّلاثَةِ كافي الأربَعَةِ». متفق عليه.
وفي روايةٍ لمسلمٍ عن جابِرٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكفِي الاثْنَينِ، وطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفي الأَربَعَةَ، وطَعَامُ الأَربَعَةِ يكفي الثَّمَانِيَةَ».
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الإيثار والقناعة بالكفاية.
2) استحباب الاجتماع علىٰ الطعام، لأنه كلما ازداد الجمع ازدادت البركة، فالكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع.
3) الترغيب في إطعام الطعام وعدم إحتقار المرء ما عنده ولو قلَّ.
3/566ــ وعن أبي سَعِيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قال: «بينَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءَ رَجُلٌ عَلىٰ رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَليَعُدْ بِه عَلىٰ مَنْ لا ظَهْر لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضلٌ مِن زَادٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلىٰ مَن لا زَادَ لَهُ، فَذَكَرَ مِن أَصْنافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَىٰ رَأَينَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
فضل ظهر: مركوب زائد عن حاجته. فليعد به: فليتصدق به.
هداية الحديث:
1) التعاون علىٰ فعل الخيرات، وبذل المال الزائد، والإيثار والمواساة فيهما؛ من صفات المؤمنين.
2) سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثالهم له. والسعيد مَن كان علىٰ طريقتهم؛ في الإجابة والعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوامره دون معارضة وتردد، قال تعالىٰ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾.
4/567 ــ وعن سَهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً جَاءت إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِبُرْدَةٍ مَنْسوجةٍ، فقالت: نَسَجتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَها، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحتَاجاً إلَيهَا، فَخَرَجَ إلَيْنا وَإنَّهَا لإزَارُهُ، فقال فُلانٌ: اكسُنِيهَا، مَا أَحسَنَها! فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في المَجلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرسَلَ بِهَا إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: ما أَحسَنتَ! لَبِسَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إنِّي وَالله ما سَأَلْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتكُونَ كَفَنِي. قال سَهْلٌ: فَكانت كَفَنَهُ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
إزاره: الإزار ما يلبس أسفل البدن.
هداية الحديث:
1) بيان إيثار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غيره علىٰ نفسه، وكرمه وسعة جوده ، فقد كان لا يرد سائلاً.
2) مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهراً.
5/568 ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَرْمَلُوا في الْغَزْوِ، أَو قَلَّ طَعَام عِيَالِهم بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا ما كانَ عِندَهُم في ثَوبٍ وَاحِدٍ، ثمَّ اقتَسَمُوهُ بَيْنَهُم في إنَاءٍ وَاحِدٍ بالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي، وَأَنا مِنهُم». متفقٌ عليه.
«أَرْمَلُوا»: فَرَغَ زَادُهُم، أَو قَارَبَ الفَرَاغَ.
هداية الحديث:
1) إظهار فضل المواساة، وفضيلة خلط الطعام في السفر، وجعله في شيء واحد عند قلته.
2) جواز تحدث الرجل بمناقب قومه، إذا قصد حثَّ الناس علىٰ الاقتداء بهديهم الصالح.
فائدة:
قال بعض العلماء:
«ظاهر الحديث يدل علىٰ جواز الجمعيات المالية الشهرية، التي يفعلها بعض الناس، ليتساعدوا من خلالها علىٰ الخير فيما بينهم، وصورتها:
أن يدفع كلُّ مشتركٍ مبلغاً مالياً يتساوىٰ الجميع في مقداره، ثم يأخذ واحد من المشتركين المبلغ الماليَّ الحاصلَ، ثم في وقت لاحق تعود الكَرَّة ثانيةً، ليأخذ آخرُ من المشتركين الحصة، وهكذا... حتىٰ يأخذ الجميعُ حصصَهم بالتساوي والتتابع.
فهذه الجمعية المالية من الأعمال المشروعة، المأجورة مع حسن النية علىٰ التعاون فيما بينهم، ولأن ذلك ينجي الشخص من الدَّين، أو الأخذ من القروض الربوية، فهذا العمل فيه مصلحة، وليس فيه مفسدة»، والله أعلم.
63 ــ باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به
قال الله تعالىٰ: ﴿خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
هداية الآية:
1) إن الاجتهاد في العمل الصالح من الأمور المحمودة؛ لأنه يؤدي إلىٰ استباق الخيرات.
2) تعظيم شعائر الله، والاستكثار من أعمال البر.
1/569 ــ وعن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَن يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارهِ الأَشْيَاخُ، فقال لِلْغُلامِ: «أَتَأذَنُ لي أَن أُعْطِيَ هؤُلاَءِ؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا، وَالله يَا رَسُولَ الله لا أُوثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أَحَداً، فَتَلَّهُ رسولُ الله في يَدِهِ. متفقٌ عليه.
«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناةِ فوق، أَيْ: وَضَعَهُ. وهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.
هداية الحديث:
1) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تقديم الأيمن في كل مواطن الإكرام.
2) استحباب توقير الكبار وإنزال الناس منازلهم، ما لم يتعارض مع حكم شرعي.
3) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ ماينفعهم، حتىٰ الصغار منهم عَرفوا كيف يتنافسون في الخير، فأين وفيمَ تنافس أطفالنا اليوم؟!
2/570ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «بَيْنَما أَيُّوبُ –عليه السلام_ يَغْتَسِلُ عُريَاناً، فَخّرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِن ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثي في ثَوبِهِ، فَنَادَاهُ ربُّهُ _عز وجل_: يَا أَيُّوبُ، أَلم أَكُن أَغْنَيْتُـكَ عَمَّا تَرَىٰ؟! قال: بَلَىٰ وعِزَّتِكَ، وَلكِن لا غِنَىٰ بي عَن بَرَكَتِكَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
رِجْل جراد من ذهب: قِطعُ ذَهبٍ تشبه الجراد من حيث الشكل والكثرة.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ مايزداد به الإنسان بركة وفضلاً.
2) كل ما أضيف إلىٰ الله تعالىٰ فهو مبارك من الأمكنة، أو الأزمنة، أو الأشخاص.
64 ـ باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
قال الله تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ} [الليل:5 ــ7]، وقال تعالى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى * ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ * إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ * وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ} [الليل: 17_21] ، وقال تعالىٰ: إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} [البقرة: 271]، وقال تعالىٰ: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [آل عمران: 92] ، والآيات في فضلِ الإنفاقِ في الطاعات كثيرةٌ مَعْلُومَةٌ.
هداية الآيات:
1) ترغيب المؤمنين بالإنفاق في وجوه الخير ابتغاء وجه الله تعالىٰ.
2) فضل الغنيِّ التقي إذا أحسن بذل المال في وجوهه المُرَغَّب بها شرعاً.
1/571 ــ وعن عبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلىٰ هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله حِكْمَةً، فَهُو يَقضِي بِها ويُعَلِّمُهَا». متفقٌ عليه، وتقدم شَرحُه قريباً.
2/572 ــ وعن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رجُلٌ آتاهُ اللهُ القُرْآنَ، فهو يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله مالاً، فهوَ يُنْفِقهُ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهَارِ». متفقٌ عليه.
(الآناءُ): السَّاعَاتُ.
هداية الأحاديث:
1) الموفق من أتاه الله مالاً ينفقه في رضاه، فهذا من أحسن ما يتنافس فيه المتنافسون.
2) المال وديعة، ولابد يوماً أن تُسترجع الودائع والأمانات. فَلْيتقِ العبدُ ربَّه في المال من أين أخذه وفيمَ أنفقه؟.
3/573 ــ وعَنَ أبي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلَىٰ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» فقَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، ويَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ ولا نتصَدَّقُ، ويَعتِقُونَ ولا نَعتِقُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدرِكونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنكُمْ إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ؟» قالوا: بَلَىٰ يا رسولَ الله، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وتَحْمدونَ، وتكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثلاثاً وثَلاثينَ مَرَّةً» . فرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: سمعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَموَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ! فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ». متفق عليه، وهذا لفظ رواية مسلم.
«الدُّثُورُ»: الأَموالُ الكَثِيرَةُ، والله أعلم.
هداية الحديث:
1) فضل الصحابة رضي الله عنهم في تسابقهم إلىٰ الخير، وحرصهم علىٰ أبواب الطاعات.
2) علىٰ العبد إذا آتاه الله المال أن يبذله فيما يرضي به ربه، فهذا هو الذي يُحسد عليه.
3) وجوه الخير كثيرة، وطرق الأجر متعددة، ومن ذلك الإنفاق في سبيل الله تعالىٰ.
4) فضل الله واسع عظيم، يؤتيه من يشاء، ولايجوز الاعتراض علىٰ قَدَرِ الله فيما فاضل فيه بين العباد.
65 ــ باب ذكر الموت وقصر الأمل
قال الله تعالىٰ: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] ، وقال تعالىٰ: {وَمَا تَدرِي نَفسٞ مَّاذَا تَكسِبُ غَداۖ وَمَا تَدرِي نَفسُ بِأَيِّ أَرض تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُ} [لقمان: 34] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [النحل: 61] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ﴿9﴾ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿11﴾ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴿11﴾} [المنافقون: 9 ـ 11]، وقال تعالىٰ: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ﴿99﴾ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ﴿100﴾ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ﴿101﴾ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴿102﴾ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ﴿103﴾ تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ﴿104﴾ أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿105﴾} إِلَىٰ قَوْله تعالىٰ: {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ﴿115﴾} [ المؤمنون: 99 ـ 115]، وقَال تعالىٰ: ﴿۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ﴿16﴾﴾ [الحديد: 16].
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد كلما رأىٰ من نفسه طموحاً وإخلاداً إلىٰ الدنيا، أن يستحضر الموت، ويتذكر حال الآخرة.
2) ذكر جزاء الصابرين؛ بما صبروا علىٰ طاعة الله، وعن معصيته، وعلىٰ أقداره. فهؤلاء هم الفائزون. 3) علىٰ المؤمن أنْ يخشعَ قلبه لذكر الله ومانزل من الحق، ولايكونُ حاله كحال أهل الكتب السابقة. فهذا عتاب لأهل الإيمان لتصحيح قلوبهم.
1/574 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: أَخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَنكِبَيَّ، فَقَالَ: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ».
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهم يقول: إذا أَمسَيتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِك، ومِن حَياتِكَ لمَوتِكَ. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان إذا تكلم أخذ بالأسباب التي توجب انتباه المخاطب.
2) علىٰ العبد أن يجعل الدنيا ممرّاً لامقرّاً، فالوطن الأصلي الذي يُحَنُّ إليه دوماً هو الجنة دار المتقين.
2/575 ــ وعنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حَقُّ امرئٍ مُسلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». متفقٌ عليه، هذَا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلمِ «يَبِيتُ ثَلاثَ ليالٍ» قال ابن عمر: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال ذلِكَ إلَّا وَعِنْدِي وَصيَّتِي.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الوصية، وأن يعلم الموصي أحكام الوصية الشرعية، حتىٰ لايقع في المنهي عنه.
2) الاهتمام بأمر الوصية حتىٰ لايفجأه الموت، فيكون قد أضاع نفسه، وأضاع حق غيره.
3) سرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم أمرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو حال المؤمنين: «سمعنا وأطعنا».
فائدة:
في أنواع الوصية.
1ــ الوصية الواجبة: وهي أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة، كزكاة مال أو ديون أو ودائع وأمانات، مما لا يخالف هدي الشريعة.
2ــ الوصية المحرمة: وهي نوعان:
أ ــ أن يوصي لأحد من الورثة فوق مايستحقه من الميراث، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إن اللهَ أعطىٰ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ» رواه الترمذي.
ب ــ أن تكون فوق الثلث؛ علىٰ حساب حقوق الورثة، وقد نهىٰ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تزيد الوصية علىٰ ثلث التركة.
3 ــ الوصية المباحة: ما سوىٰ ذلك، ولاتزيد علىٰ الثلث، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الثلث، والثلث كثير». متفق عليه.
3/576 ــ وعن أنس رضي الله عنه قال: خَطَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خُطُوطاً، فقال: «هَذَا الإنسَانُ، وَهذَا أَجَلُهُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذلِكَ إِذ جَاءَ الخَطُّ الأقْرَبُ». رواه البخاري.
4/577ــ وعنِ ابنِ مسعُودٍ رضي الله عنه قال: خَطَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خَطّاً مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطّاً في الْوَسَطِ خَارجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطاً صِغَاراً إلىٰ هذَا الَّذي في الوَسَطِ مِنْ جَانبِهِ الَّذِي في الوَسَطِ، فَقَالَ: «هذَا الإنْسَانُ، وَهذَا أَجَلُهُ محُيطٌ بِهِ ــ أَو قَد أَحَاطَ بِه ــ، وهذَا الَّذي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإن أَخْطَأَهُ هذَا نَهَشَهُ هذَا، وإنْ أَخْطَأَهُ هذَا نَهَشَهُ هذَا». رواه البخاري.
وهذه صُورَتَهُ:
الأجل
الأمل
الأعراض
غريب الحديث:
الأعراض: ما يصيب الإنسان من النكبات والمصائب ونحو ذلك.
نهشه: أصابه فأهلكه.
هداية الأحاديث:
1) يهرم الإنسان وأمله شاب طموح، فطوبىٰ لمن كان أكبر أمله مرضاة ربِّه _عز وجل_!.
2) علىٰ العبد أن يسارع للتوبة (فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل).
3) الدنيا لاتنفكُّ عن البلوىٰ، فهي دار الابتلاء، والآخرة دار الجزاء.
5/578 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعاً؟ هَل تَنْتَظِرُونَ إلَّا فَقْراً مُنْسِياً، أَو غِنىً مُطغِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَو هَرَماً مُفَنِّداً، أَو مَوتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وأَمرُّ ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ[3]. [3] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
هرماً مفندّاً: يعني كِبَراً يُضعف قوته ونشاطه.
مجهزاً: سريعاً.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ المبادرة إلىٰ الأعمال الصالحة، مادام العبد في حياته بحال صحة ونشاط، وشبابٍ وفراغ، وكفايةٍ من العيش.
2) لاينفكُّ العبد عن مانع يمنع من الطاعات، والموفق من أعانه الله تعالىٰ علىٰ الخلوص من المعوِّقات، والمبادرة إلىٰ الصالحات الباقيات.
6/579 ــ وعنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَاتِ» يَعني المَوْتَ، رواهُ الترمذي وقال: حديثٌ حسن.
هداية الحديث:
1) يستحب لكل مسلم ذكر الموت بقلبه، ولسانه، وحاله، لأن ذلك أبعد عن المعصية، وأدعىٰ إلىٰ الطاعة.
2) ذكر الموت يكون باستحضار مراقبة الله تعالىٰ في حياة العبد، وليس معناه ترك العمل بالدنيا، بل يوصَىٰ العباد بتقوىٰ مولاهم، والبقاء علىٰ صالح دنياهم. فترك الدنيا فضيلة، وتقوىٰ الله فريضة.
7/580 ــ وعن أُبيِّ بنِ كعب رضي الله عنه: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ قام، فَقالَ: «يا أيُّها النَّاسُ اذْكُرُوا الله، جاءتِ الرَّاجفَةُ، تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بما فِيهِ، جاءَ المَوْتُ بما فِيهِ»: قلتُ: يا رَسُولَ الله إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لكَ مِن صَلاتِي؟ قال: «مَا شِئْتَ»، قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قال: «ما شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ»، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ ؟ قالَ: «مَا شِئْتَ، فإنْ زِدْتَ فهو خَيرٌ لكَ»، قُلْتُ: فالثُّلثَينِ؟ قالَ: «ما شِئْتَ فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ» قُلْتُ: أَجْعَلُ لكَ صلاتي كُلَّها؟ قال: «إذَاً تُـكفىٰ هَمَّكَ، ويُغْفَرُ لكَ ذَنْبُكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
الراجفة: النفخة الأولىٰ.
الرادفة: النفخة الثانية.
من صلاتي: من دعائي.
هداية الحديث:
1) أفضل القيام ماكان في ثلث الليل الآخر، فهل من مُشمِّر؟!
2) فضل الصلاة علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وهو من الذكر المشروع، الذي تطمئن به القلوب، وتذهب معه الهموم، وتُمحىٰ به الذنوب.
فائـدة:
قال العلاّمة ابن قيم الجوزية في كتابه الجامع (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام علىٰ خير الأنام):
«وسئل شيخنا أبو العباس عن تفسير هذا الحديث ــ حديث أُبيِّ بن كعب ــ، فقال: كان لأُبيِّ بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: هل يجعل له منه ربعه صلاةً عليه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «إن زدت فهو خير لك»، فقال له: النصف. فقال: «إن زدت فهو خير لك»، إلىٰ أن قال: أجعل لك صلاتي كلها، أي : أجعل دعائي كله صلاةً عليك. قال: «إذاً تكفىٰ همك ويغفر لك ذنبك»؛ لأن مَن صلَّىٰ علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صلاة صلَّىٰ الله عليه بها عشراً، ومَن صلَّىٰ الله عليه كفاه همه، وغفر له ذنبه. هذا معنىٰ كلامه رضي الله عنه».
66 ـ باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر
1/581 ــ عن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُنْتُ نَهَيْتكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الحكمة من منع زيارة القبور، خوفاً من افتنان الناس بالمقبور؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية، فالنهي جاء حمايةً لجناب التوحيد، ولئلا يقع الناس في أنواع من الشرك ــ ولمّا يتمكن الإيمان بعدُ من قلوبهم ــ كالاستغاثة بالأموات، وطلب قضاء الحوائج منهم، وغير ذلك مما هو محبط لعمل العبد، وموجب لدخول النار.
2) زيارة القبور شرعت لنفعها للزائر والمزور؛ فالحي ينتفع بالموعظة بتذكر الموت والآخرة، والميت ينتفع بالدعاء له، لا أن ندعوه ونطلب منه. فهل إلىٰ تصحيح التوحيد سبيل؟!
2/582 ــ وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: كان رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، كُلَّما كانَ لَيْلَتها منْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إلىٰ البَقِيعِ، فيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مؤمِنينَ، وأَتاكُمْ ما تُوعَدُونَ، غَداً مُؤَجَّلُونَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، اللهم اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ». رواه مسلم.
3/583 ــ وعن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلىٰ المَقابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: «السلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤمِـنِينَ والمُسْلِمينَ، وَإنّا إنْ شاءَ الله بِكُمْ لاَحِقُونَ، أَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمُ العافِيةَ». رواه مسلم.
4/584 ــ وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما قال: مَرَّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ المَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بوَجْهِهِ، فقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ الله لَنَا ولَكُم، أَنْتُم سَلَفُنا ونحنُ بالأثرِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن[4]. [4] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
بقيع الغرقد: هو مقبرة أهل المدينة إلىٰ جانب المسجد النبوي. وسمي بذلك لأنه كان فيه شجر الغرقد، ثم قطع. والغرقد: نوع من الشجر له شوك.
هداية الأحاديث:
1) يستحب للعبد أن يزور القبور الزيارة الشرعية، من غير تحديد أيام مخصوصة.
2) يُوصَىٰ العبد أن يدعو عند زيارته المقابرَ بما ورد في الأحاديث النبوية؛ ففيها البركة، فإن لم يحفظ دعاءً مأثوراً دعا بما تيسر.
3) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ تعليم أمته ماينفعهم، فالعلم قبل القول والعمل.
4) من حق عامة أهل الإيمان أن يُدعىٰ لهم بالمغفرة والرحمة، فهذا من حقوق الأخوة الباقية بعد الموت.
فائدة
زيارة القبور ترد على أحوال ثلاثة : شرعية، وبدعية، وشركية، وقد فصَّلها العلَّامة حافظ حكمي ــ رحمه الله تعالى ــ فقال في منظومته سلم الوصول في توحيد الله واتباع الرسول فقال
67 ـ باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولابأس به لخوف الفتنة في الدين
1/585 ــ عَنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ؛ إمّا مُحسِناً فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وَإمّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ». متفقٌ عليه، وَهذا لفظ البخاري.
وفي روايةٍ لمسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ؟ إنَّهُ إذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإنَّهُ لاَ يَزِيدُ المُؤْمِنَ عُمُرهُ إلَّا خيراً».
2/586 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الموتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلاً فَلْيَقُلْ: اللهم أَحْيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيْراً لي، وتَوَفَّني إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيراً لي». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) إن تَمَنِّي الموت فيه شيء من عدم الرضا بقضاء الله تعالىٰ علىٰ العبد.
2) حياة المؤمن له خير، إما يزداد من الطاعات، أو يتوب من السيئات.
3/587 ــ وعَنْ قَيسِ بنِ أبي حازمٍ قالَ: دَخَلْنا عَلىَٰ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ رضي الله عنه نَعُودُهُ وقَدِ اكْتَوىٰ سبْعَ كَيَّاتٍ، فقال: إنّ أَصْحابَنا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا، ولمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيا، وإنّا أَصَبْنَا ما لا نَجِدُ لَهُ مَوْضعاً إلاّ التراب، ولَوْلا أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهانَا أَنْ نَدْعُوَ بالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ. ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَىٰ وَهُوَ يَبْني حائِطاً لَهُ، فقال: إنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ في كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ، إلَّا في شَيْءٍ يَجْعَلُهُ في هذَا الترابِ. متفقٌ عليه، وهذا لفظ رواية البخاري.
غريب الحديث:
ما لا نجد له موضعاً إلا التراب: لأجل الحفظ خوفاً من السرقة.
يجعله في التراب: في البناء.
هداية الحديث:
1) «النهي عن تمني الموت»، هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، فليمتثلها المسلم بالصبر، وليعلِّمها أهلَ بيته علماً وسلوكاً.
2) فضل الصحابي خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه، وشدة اتهامه لنفسه، ومحاسبته لها حتىٰ في المباحات.
68 ــ باب الورع وترك الشبهات
قالَ الله تعالىٰ: {وَتَحسَبُونَهُۥ هَيِّنا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ} [النور: 15] ، وقالَ تعالىٰ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 14].
1/588 ــ وعن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «إنَّ الحَلاَلَ بيِّنٌ، وإنَّ الحَرَامَ بيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقىٰ الشُّبهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبهاتِ وَقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعِي يَرْعىٰ حَوْلَ الحِمَىٰ يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىٰ، أَلاَ وإنَّ حِمَىٰ الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ». متفقٌ عليه. وروَياهُ مِنْ طُرقٍ بألْفاظٍ مُتَقارِبةٍ.
غريب الحديث:
مشتبهات: مشكلات، لما فيها من شبه الحلال والحرام.
الحمىٰ: المكان الذي يحوطه أحاد من الناس، لئلا يقربه أحد.
مضغة: قطعة من اللحم صغيرة بقدر ما يمضغه الإنسان.
هداية الحديث:
1) مُحرَّمات الشريعة حُفظت بسياج محكم؛ لئلا يقع الناس في انتهاكها، فلكل مُحرَّم موانع تمنع من الوصول إليه.
2) من اشتبه عليه أمر ديني فليتركه؛ لأن ذلك أحوط لدينه.
3) الحث علىٰ العلم، والوصية به؛ فإنه نور يبصر به العبد حقائق الأشياء، التي لا تظهر لكثير من الناس. «والعلم أن تأتيك الرخصة من عالم، وأما التشديد فيحسنه كل الناس».
4) صلاح العبد وفساده متوقف علىٰ القلب، فعلىٰ المسلم أن يعتني بصلاح قلبه، وذلك بتقوىٰ الله؛ في دوام طاعته، واجتنباب معصيته.
2/589 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وَجَدَ تَمْرةً في الطَّرِيق، فقالَ: «لَوْلا أنَّي أَخَافُ أَنْ تكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) من خصائص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأهل بيته تحريم الصدقة عليهم، لأن الصدقة أوساخ الناس.
2) تغليب الورع لمن اشتبه عليه حكم شيء، فالمستحب في حقه تركه والابتعاد عنه.
3/590 ــ وعن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رضي الله عنه قالَ: عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم «البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإثمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». رواهُ مسلم.
«حَاكَ» بالحاءِ المهملةِ والكافِ، أَيْ: تَرَدَّدَ فيهِ.
هداية الحديث:
1) للإثم علامتان: أن يتردد في النفس ويتحرج منه، وأن يكره اطلاع الناس عليه.
2) ما أحدث في القلب شعوراً بالتردد، هل يُفعل أو لا؟ فالورع والتقوىٰ ترك ذلك.
4/591 ــ وعن وابصةَ بن معبدٍ رضي الله عنه قال: أتَيْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ؟» قلت: نعم، فقال: « اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ مَا اطْمَأَنـَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ». حديثٌ حسن، رواهُ أحمدُ، والدَّارمِيُّ في «مُسْنَدَيْهِمَا».
هداية الحديث:
1) استفت قلبك، هو: خطاب لصاحب القلب السليم، المعافىٰ من الشهوات المحرمة، والأفكار الرديئة.
2) فهم التعريف النبوي المبارك للبِرِّ والإثم. وهذا من أحسن التعاريف وأجمعها.
5/592 ــ وعن أبي سِرْوَعَةَ ـ بكسر السين المهملة وفتحِها ـ عُقْبة بن الحارِثِ رضي الله عنه أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأبي إهاب بنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فقالَتْ: إنِّي قَد أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتي قَدْ تَزَوَّجَ بها، فقالَ لَها عُقْبَةُ: ما أَعْلَمُ أَنَّك أَرْضَعْتِني، ولا أخْبَرْتِني. فَرَكِبَ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ؟!» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، ونكَحَتْ زَوْجاً غَيرَهُ. رواه البخاري.
«إهَابٌ» بكسرِ الهمزة، وَ«عَزِيزٌ» بفتح العين وبزاي مكرَّرة.
هداية الحديث:
1) شهادة المُرضِع علىٰ من أرضعته كافية في إثبات الرضاعة.
2) يُوصَىٰ من خفي عليه حكم أو اشتبه عليه أن يسأل أهل العلم.
3) علىٰ العبد أن يحتاط لحفظ دينه. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «خير دينكم الورع». رواه الحاكم في المستدرك.
فائـدة:
الرضاع المحرِّم هو ما اجتمع فيه شروط:
1) أن يكون اللَّبَن من آدمية، لقوله تعالىٰ: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ﴾.
2) أن يكون عدد الرضاع خمس رضعات مشبعات فأكثر.
3) أن يقع في زمن الرضاع المحرم، وهو ماقبل الفطام في الحولين.
وإذا ثبت التحريم فإنه ينتشر إلىٰ المرتضع وذريته فقط يعني: (فروعه)، أما (أصوله وحواشيه) كآبائه وإخوته وأخواته، فلا تأثير عليهم.
فمثلاً: أب الراضع وأخوه وأخته، لا يؤثر فيهم الرضاع.
6/593 ــ وعنِ الحَسنِ بن عليٍّ رضي الله عنهما، قَاَل: حَفظْتُ مِنُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يرِيبُكَ إلىٰ مَا لا يرِيبُكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
معناه: اترُكْ ما تشُكُّ فيه، وخُذْ مَا لاَ تَشُكُّ فيه.
هداية الحديث:
1) لاتأخذ إلا بما تيقَّنـْته أو غلب علىٰ ظنك، وأما الشك فإنه غير معمول به في الشرع.
2) يجب الوقوف عند المشتبهات واتقائها ليبني المؤمن أمر دينه علىٰ الأمر المعلوم.
7/594 ــ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كَانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وكانَ أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوماً بِشَيءٍ، فَأَكَلَ معْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هذا ؟ فَقَالَ أبو بكرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإنْسانٍ في الجاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكَهَانَةَ إلَّا أنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَني، فَأَعْطَاني بذلِكَ هذا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ في بَطْنِهِ. رواه البخاري.
«الخَراجُ»: شَيءٌ يَجْعَلُهُ السَّيِّدُ عَلىٰ عَبْدِهِ يُؤْدِّيهِ إلىٰ السَّيِّد كُلَّ يَوْم، وَبَاقي كَسبِهِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ.
غريب الحديث:
تكهنت: عملت له كهانة، وهي ادعاء شيء من علم الغيب.
هداية الحديث:
1) أجرة الكهانة حرام، سواءٌ أكان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أم لا؟ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم «نهىٰ عن حُلْوان الكاهن» والأجرة علىٰ فعل الحرام حرام.
2) تمام ورع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحرصه علىٰ عدم دخول شيء مشتبه في جوفه. فكيف حال من يأكل ــ هو وأهل بيته ــ الحرام المقطوع في حرمته، كأموال الربا؟!.
8/595 ــ وعن نافعٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه كانَ فَرَضَ للمهاجِرينَ الأوَّلينَ أربعةَ آلافٍ، وفرض لابنِهِ ثلاثة آلافٍ وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرينَ، فَلِمَ نَقَصَهُ؟ فقال: إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ. يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ. رواهُ البخاري.
هداية الحديث:
1) بيان ورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم تأخذه عاطفة الأبوة في ترك الحكم بالعدل.
2) علىٰ من تولىٰ شيئاً من أمور المسلمين أن يُنزل كلَّ أحدٍ منزلته، فهذا مقام الورع والعدل.
9/596 ــ وعن عَطيَّةَ بنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ الصَّحابيِّ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَبْلُغُ العَبْدُ أنْ يكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتىٰ يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَراً لِمَا بِهِ بأسٌ». رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن[5]. [5] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) من تمام اليقين والتقوىٰ أن تدع الحلال المشتبه المتردد فيه، خوفاً من الوقوع في الحرام.
2) إذا اشتبه مباح بمحرم وجب اجتناب الجميع؛ لأن اجتناب المحرم واجب، ولايمكن اجتنابه في هذه الصورة إلا بترك الجميع.
69 ــ باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين أو وقوع في حرام وشبهات ونحوها
قالَ الله تعالىٰ: ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الذاريات: 50].
فائدة:
المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر علىٰ أذاهم أفضل من المؤمن الذي لايخالط الناس، ولا يصبر علىٰ أذاهم، ولكن أحياناً تحدث أمور تكون العزلة فيها خيراً من الاختلاط بالناس، كأيام الفتن.
1/597ــ وعن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنيَّ الخَفِيَّ». رواه مسلم.
والمُرَاد بـ «الغَنِيِّ»: غَنِيُّ النَّفْسِ، كما سَبَقَ في الحديث الصحيح.
هداية الحديث:
1) فضل اعتزال الناس، مع لزوم طاعة الله، عند خوف الفتنة، وفساد الناس.
2) إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب عبده الطائع. فليجتهد العبد في فعل ما ينال به محبة الله تعالىٰ.
3) خير الأعمال ما كان خفياً لا يُظهره العبد خشية الرياء، إلا أن يكون في إظهار العمل مصلحة.
2/598 ــ وعن أبي سعيد الخُدرِيِّ رضي الله عنه قالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أفضَلُ يا رسُولَ الله؟ قال: « مُؤْمِنٌ مجَاهِدٌ بِنَفسِهِ ومَالِهِ في سبِيلِ الله» قال: ثم من؟ قال: «ثم رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ في شِعْبٍ مِن الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ».
وفي رواية: «يَتَّقِي الله، وَيَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّهِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
شِعب: طريق في الجبل، وما انفرج بين الجبلين، ومسيل الماء.
هداية الحديث:
1) إن اعتزال الناس عند وقوع الفتنة من أفضل أحوال العبد؛ لأنه يسلم من الأذىٰ لنفسه وغيره.
2) شرط الاعتزال الشرعي المحمود أن يكون في عبادة الله تعالىٰ، لا أن يكون العبد مستتراً في المعاصي معتزلاً عن أن يراه الناس.
3/599ــ وعنه قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مَال المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَواقعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». رواه البخاري.
و«شَعَفُ الجِبَالِ»: أعْلاهَا.
غريب الحديث:
مواقع القطر: مواضع العشب التي ينزل فيها المطر.
هداية الحديث:
1) الفرار من الفتن سبيل المؤمنين، لأنّ فيه صيانةً للدنيا، وسلامةً للدين.
2) العزلة راحة من خلطاء السوء.
3) عند كثرة الفتن تكون صحبة البهائم خيراً من صحبة أشرار الناس!
4/600 ــ وعَنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبيّاً إلَّا رَعَىٰ الْغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُه: وَأَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلىٰ قَرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
قراريط: جمع قيراط: وهو نوع من المال يومئذٍ.
هداية الحديث:
1) رعاية الغنم تعوِّد الراعي التوَّجهَ إلىٰ ما فيه الصلاح، كالمراعي الحسنة مثلاً. فكذلك علىٰ من يرعىٰ شؤون العباد الدينية أو الدنيوية، أن يرشدهم إلىٰ مافيه مصالحهم، وينهاهم عما يضرهم.
2) خُصَّ الأنبياء برعي الغنم؛ لأن صاحب الغنم متصف بالسكينة والهدوء والاطمئنان، والغنم أضعف من غيرها، وهي أسرع انقياداً. فهذه دروس مستفادة من هدي الأنبياء عليه الصلاة والسلام.
3) إن اشتغال الإنسان بالحِرَفِ المباحة والكسب الحلال، ولو برعي الغنم خيرٌ له من الوقوع في العمل الحرام.
5/601 ــ وعنه عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنـَّهُ قال: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ في سَبِيلِ الله، يَطِيرُ عَلىٰ مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ أَو المَوْتَ مَظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ في رَأْسِ شَعَفَةٍ مِن هذهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وادٍ مِن هذهِ الأَودِيَةِ، يُقِيم الصَّلاةَ، وَيُؤتِي الزَّكاةَ، ويَعْبُد رَبَّهُ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، ليسَ مِنَ النَّاسِ، إلَّا في خَيْرٍ». رواه مسلم.
«يَطِيرُ»: أي يُسْرع. «وَمَتْنُهُ»: ظَهْرُهُ. «والهَيْعَةُ»: الصوتُ للحربِ. «وَالفَزعَةُ»: نحوهُ. وَ«مَظَانُّ الشَّيءِ»: المواضع التي يُظَنُّ وجودُه فيها. «وَالغُنَيْمَةُ»، بضم الغين، تصغير الغنم. «وَالشَّعَفَةُ» بفتح الشين والعين: هي أَعْلىٰ الجَبَل.
غريب الحديث:
عِنان: سير اللجام الذي تُمسك به الدابة.
اليقين: الموت.
هداية الحديث:
1) العزلة خير، بشرط ألا تمنع العبد من القيام بالأحكام الشرعية علىٰ وجهها الصحيح.
2) علىٰ العبدِ أن يعتزل مَن مخالطتهم داءٌ للقلوب، كأصحاب الفسوق والمحدثات والبدع، أما مَن عشرتهم غذاء القلوب، كأهل العلم والسنة و الصلاح، فإنه يحرص علىٰ دوام صحبتهم، ومحبتهم.
70 ــ باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم ومشاهد الخير ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء وصبرَ على الأذى
اعْلم أن الاخْتِلاط بالنَّاسِ علىٰ الوَجْهِ الذي ذَكَرْتُهُ هو المختار الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائِرُ الأنبياءِ صلواتُ الله وسلامهُ عليهم، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدون، ومَنْ بعدَهُم مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، ومَنْ بَعدَهُم من عُلَمَاءِ المسلِمينَ وَأَخْيَارِهم، وهو مَذْهَبُ أَكْثَرِ التَّابعينَ وَمَنْ بعدَهُم، وَبِهِ قَالَ الشَّافعيُّ وأَحْمَدُ، وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ رضي الله عنهم أجمعين. قال الله تعالىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2]، والآيات في معنىٰ ما ذكرتُه كثيرة معلومة.
فائدة:
التفصيل الذي اختاره النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ هو الذي دلَّ عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيأتيَنَّ علىٰ الناس زمانٌ يكون أفضلُ الناس فيه، بمنزلة رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع بِهَيْعَةً استوىٰ علىٰ متنه، ثم طلب الموت مظانه، ورجل في شعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويدع الناس إلا من خير». رواه أحمد.
وقوله صلى الله عليه وسلم : «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر علىٰ أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر علىٰ أذاهم» رواه أحمد.
هداية الآية: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ :
1) أهل الإيمان متعاونون علىٰ البر والتقوىٰ، وهو شعارهم في حال اختلاطهم.
2) إن مصالح الناس في الخير لابد فيها من الاجتماع، لأن به يتحقق الانتفاع.
71 ــ باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54] ، وقال تعالَىٰ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقنَٰكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَىٰ وَجَعَلنَٰكُم شُعُوبا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ ٱللَّهِ أَتقَىٰكُم} [الحجرات: 13] ، وقال تعالىٰ: {فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۖ هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ} [النجم: 32] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ * أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ} [الأعراف: 48 ـ 49].
هداية الآيات:
1) التواضع وخفض الجناح للمؤمنين خاصة، أما الكافر فلا تواضع له، بل يُعلىٰ عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يعلو ولا يُعلىٰ». رواه الدارقطني.
2) إظهار وصف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فهم: أشداء علىٰ الكفار، رحماء فيما بينهم.
3) إثبات المحبة لله _عز وجل_، فهو يُحِبُّ ويُحَبُّ {فَسَوفَ يَأتِي ٱللَّهُ بِقَوم يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُۥٓ}.
4) بيان الحكمة من أن الله جعلنا شعوباً وقبائل؛ من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، لا من أجل أن يفخر بعضنا علىٰ بعض، فالفضل في الإسلام بالتقوىٰ والعمل الصالح.
1/602 ــ وعن عِيَاضِ بن حِمَارٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله أَوحَىٰ إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حتىٰ لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلىٰ أَحَدٍ، وَلا يَبغِيَ أَحَدٌ علىٰ أَحَدٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لا يبغي: لا يظلم ولا يعتدي.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يتصف بالتواضع لله _عز وجل_ ولإخوانه من المسلمين، فينظر لمن هو أكبر منه نظرة إكرامٍ وإجلالٍ، وإلىٰ من هو دونه نظرة رحمة وإشفاقٍ، وإلىٰ من هو مثله نظرة مساواة، فالتواضع لأهل الإيمان من أسباب انتشار العدل والإحسان.
2) السنّة النبوية وحيٌ من الله تعالىٰ، وهي تتنزل كما ينزل القرآن.
3) الكِبْر يولد التفاخر، والتفاخر يولد البغي والقطيعة. فليحذر العبد من خصال المتكبرين.
2/603 ــ وعَنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ من مالٍ، وما زادَ اللهُ عَبداً بِعَفْوٍ إلَّا عِزّاً، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لله إلاّ رَفَعَهُ الله». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ العفو، لكنه عفو مقيّد بما يترتب عليه إصلاح؛ لقول الله تعالىٰ: {فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ}.
2) مَن تواضع لله رفعه الله _عز وجل_ في الدنيا والآخرة، فالجزاء من جنس العمل.
3/604 ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّهُ مَرَّ عَلىٰ صِبيانٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، وقال: كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) استحباب السلام علىٰ الصغار؛ لتربيتهم علىٰ الآداب الشرعية، وتعويد النفوس علىٰ التواضع.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا حال كل مؤمن موفق، يبتغي في عمله الإخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
3) إن سلوك التواضع مع الصغار يشعر الصبيان بالرفعة والمنزلة العالية، وينمي في أنفسهم توقير الكبير واحترامه.
4/605 ــ وعنه قال: إنْ كانَتِ الأَمَةُ مِن إمَاءِ أَهْلِ المَدينَةِ لتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءتْ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
الأَمة: الجارية الصغيرة.
هداية الحديث:
1) كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم؛ بوقوفه مع الضعفاء وذوي الحاجة، وهو أشرف الخلق، عليه الصلاة والسلام.
2) إن من الهدي النَّبويِّ المرغب فيه بذل العون لكل محتاج، وقضاء حاجات الناس، قَرُب مكانها أو بَعُد.
5/606 ــ وعن الأسوَدِ بن يَزيدَ قال: سُئِلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: ما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَصنَعُ في بَيْتِهِ؟ قالت: كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أَهْلِهِ ـ يَعني: خِدمَةِ أَهلِهِ ـ فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، خَرَجَ إلىٰ الصلاةِ. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم وإحسانه بأهله، فمساعدة الأهل في مهنتهم فيه مصلحة منوعة، من دوام الألفة والمحبة، واتباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) الأعمال الدنيوية يجب ألا تلهي العبد عن الصلاة، فالواجبات الدينية مقدمة علىٰ الدنيوية.
3) العبودية التامّة هو أن يقوم العبد بكل طاعة في وقتها المخصوص.
6/607 ــ وعن أبي رِفَاعَةَ تَميمِ بن أُسَيدٍ رضي الله عنه قال: انْتَهَيْتُ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَخْطُبُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، رجُلٌ غَرِيبٌ جاءَ يَسْأَلُ عن دِينِهِ، لا يَدرِي مَا دِينُهُ؟ فَأقْبَلَ عَليً رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتىٰ انْتَهىٰ إليَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُني مِمَّا عَلَّمَه الله، ثم أَتَىٰ خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم ورفقه بالمسلمين، وبيان حكمته، حيث كان في تعليمه تأليفاً للقلوب علىٰ الإسلام.
2) إن العناية بالمهم الذي قد يفوت وقته من الحكمة المطلوبة، وهذا من رعاية (وظيفة الوقت) ولذلك قدّر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المصلحة في قطع الخطبة، وتعليم الرجل.
7/608 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكَلَ طَعَاماً لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثّلاثَ، قال: وقال: «إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْها الأذىٰ، ولْيَأْكُلْها، وَلا يَدَعْها للشّيْطَانِ». وَأَمَرَ أَنْ تُسْلَتَ القَصعةُ، قالَ: «فَإنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ في أَيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لعق أصابعه: لَحَسَهَا.
فلْيُمِط: فلْيُزِل.
تُسْلَت: أي تتبع ما علق فيها من طعام بأصابعك وتلعقها.
القصعة: إناء يأكل منه الجماعة.
هداية الحديث:
1) حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكان إذا ذكر الحُكمَ ذكر الحِكْمة منه، وهذا يفيد فائدتين عظيمتين:
الأولىٰ: بيان سموّ الشريعة، فهي مبنية علىٰ جانب المصالح، ودفع المفاسد، فما من شيء أُمرنا به إلا والمصلحة في وجوده، وما من شيء نُهينا عنه إلا والمصلحة في عدمه.
الثانية: زيادة اطمئنان النفس، فإذا ذُكرت الحكمة ازداد العبد إيماناً ويقيناً، ونشِط علىٰ فعل المأمور، أو ترك المحظور.
2) الشيطان قد يشارك العبد في طعامه وشرابه، إذا لم يحترز منه بالوسائل الشرعية.
3) إن المحافظة علىٰ الطعام الساقط فيه تعليمٌ علىٰ حفظ المال، مهما كان قليلاً.
فائـدة:
لعق الأصابع بعد الطعام فيه فائدتان:
ــ شرعية : وهي الاقتداء بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ــ وصحية طبية: ذكرها بعض الأطباء، وهي: أن الأنامل تفرز عند مباشرة الأكل بها شيئاً يعين علىٰ هضم الطعام، والله أعلم.
8/609 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما بَعَثَ اللهُ نبيّاً إلَّا رَعَىٰ الغَنَمَ»، قالَ أصحابُه: وَأَنْتَ؟ فقال: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلىٰ قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
قراريط: جمع قيراط، وهو مقدار من المال.
هداية الحديث:
1) رعي الغنم فيه تربية علىٰ التواضع ونبذ الكبر.
2) علىٰ الذي يتصدر لتعليم الناس وتربيتهم، أن يتأسىٰ بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام في تواضعهم وحُسن أخلاقهم.
9/610 ــ وعنهُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَو دُعِيْتُ إلىٰ كُرَاعٍ أو ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إليَّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لَقَبلْتُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
الكُراع: في البقر والغنم، مستدق الساق من الرِّجْل.
الذِراع: من رؤوس الأصابع إلىٰ المرفق في اليد.
هداية الحديث:
1) الترغيب في إجابة الدعوة ولو إلىٰ شيءٍ يسير من الطعام، وقبول الهدية مهما قلّت، لما في ذلك من التواضعِ وإيجاد الألفة بين المسلمين.
2) كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم وجبره قلوبَ الناس، وخاصة الضعفة من القوم.
10/611 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كانَتْ نَاقَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم العَضْبَاءُ لاَ تُسْبَقُ، أَوْلا تكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أعْرابِيٌّ عَلىٰ قَعُودٍ لَهُ، فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذلِكَ عَلىٰ المُسْلِمِين حَتَّىٰ عَرَفَهُ، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلىٰ الله أَلاَ يَرْتَفعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
قَعود: هو الفَتِيُّ من الإبل الذي استحق أن يُركب عليه.
هداية الحديث:
1) بيان هوان الدنيا علىٰ الله، والترغيب في ترك المباهاة والمفاخرة، والحث علىٰ التواضع وطرح رداء التكبر.
2) كل ارتفاع في الدنيا فإنه لا بد أن يؤول إلىٰ انخفاض.
3) ما ارتفع من أمور الآخرة فإن الله تعالىٰ لا يضعه ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾.
72 ــ باب تحريم الكِـبر والإعجاب
قالَ الله تعالىٰ: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83] ، وقال تعالىٰ: {وَلَا تَمشِ فِي ٱلأَرضِ مَرَحًاۖ} [الإسراء: 37] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ﴾ [لقمان: 18].
ومعنىٰ «تُصعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ» أيْ: تَمِيلُه وتعْرِضُ بِهِ عَنِ النَّاسِ تكَبُّراً عَلَيْهِمْ. «والمَرَح»: التَّبَخْتُر. وقال تعالىٰ: ﴿۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76] إلىٰ قوله تعالىٰ: {فَخَسَفنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلأَرضَ} الآيات.
فائدة:
الكِبر نوعان: كِبر علىٰ الحق، وكِبر علىٰ الخلق، وقد بيّنهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «الكِبرِ بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ النّاس».
والإعجاب: أن يرىٰ الإنسان عمل نفسه فيفخر به.
هداية الآيات:
1) الدار الآخرة قد اصطفاها الله للذين لا يريدون التعالي علىٰ الحق، ولا التعالي علىٰ الخلق.
2) إن الله تعالىٰ يحب المتواضع الخفيّ النقيّ، ولا يحب المختال في هيئته، والفخور بلسانه وحاله.
3) أعظم الفساد في الأرض إنما يكون بالمعاصي ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾.
1/612 ــ وعن عبدِ الله بن مسعُودٍ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، فقالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قال: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». رواه مسلم.
بَطَرُ الحَقِّ: دَفْعُهُ ورَدُّهُ علىٰ قائِلِهِ، وغَمْطُ النَّاسِ: احْتِقَارُهُمْ.
هداية الحديث:
1) هذا من أحاديث الوعيد، فالمتكبر لا يدخل الجنّة:
إما أن يكون كِبراً عن الحق وكراهة له، فهذا عمل مكفر، وصاحبه مخلَّد في النار ولا يدخل الجنّة، لقوله تعالىٰ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾.
أو أن يكون كِبراً علىٰ الخلق، ولكنه لا يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنّة دخولاً أولياً، بل أمره إلىٰ الله تعالىٰ، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه.
2) أمارة التواضع خضوع العبد للحق، والانقياد له، والدخول تحت طاعته، لأن من أوضح علامات الكبر دفع الحق إنكاراً، وترفّعاً، وتجبّراً.
2/613 ــ وعنْ سلمةَ بنِ الأكْوعِ رضي الله عنه أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِشِمَالِهِ، فقالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قالَ: لا أَسْتَطِيعُ، قال: «لا اسْتَطَعْتَ» مَا مَنَعَهُ إلاّ الكِبْرُ. قال: فمَا رَفَعَهَا إلىٰ فيهِ. رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
لا استطعت: دعاء عليه بأن الله تعالىٰ يصيبه بأمر لا يستطيع معه رفع يده إلىٰ فمه، لأن التكبر منعه من امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هداية الحديث:
1) وجوب الأكل والشرب باليمين، ومن أكل أو شرب بشماله عامداً فإنه يكون بذلك قد شابه الشيطان وأولياءه.
2) وجوب إنكار المنكر.
3) إظهار عقوبة من يتعمّد مخالفة السنّة النبوية، ويترك العمل بها تكبّراً.
3/614ــ وعنْ حَارِثَةَ بنِ وهْبٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «أَلا أخْبِرُكُم بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ». متفقٌ عليه. وتقَدَّمَ شرحُه في بابِ ضَعفَةِ المسلمين.
4/615ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «احْتَجَّتِ الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فيَّ الجَبَّارُونَ وَالمُتكَبِّرُونَ، وقالَتِ الجنَّةُ: فيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ ومَسَاكِينُهُمْ. فَقَضَىٰ الله بَيْنَهُمَا: إنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإنَّكِ النَّارُ عَذَابي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيكُما عَليَّ مِلْؤُهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
العُتُلّ: الشديد الغليظ، ومنه العَتَلة التي تُحفر بها الأرض، فإنها شديدةٌ غليظة.
الجَوَّاظ: سيئ الخُلُق جداً.
المستكبر: الذي عنده كِبر وغطرسة.
هداية الأحاديث:
1) أهل الجنّة هم الضعفاء المساكين المتواضعون.
2) وجوب مجانبة صفات أهل النار.
3) الجزاء من جنس العمل؛ فمن تواضع لله أسكنه رحمته، ومن تكبّر وتجبّر توعده عذابه.
5/616ــ وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَنْظُرُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ إلىٰ مَنْ جَرَّ إزارَهُ بَطَراً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
إزاره: هو ما يستر به النصف الأسفل من البدن.
بَطَراً: كِبراً.
هداية الحديث:
1) من جرّ ثوبه كِبراً استحق وعيد الله تعالىٰ بألا ينظر إليه يوم القيامة.
2) السنّة في حد طول اللباس: (الإزار أو القميص وهو المعروف بالجلَّابية) من منتصف الساق إلىٰ الكعب، لأن هذا الحد صفة لباس النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، وهو دالٌ على تواضع لابسه.
6/617 ــ وعنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستكْبِرٌ». رواه مسلم.
« العَائِلُ»: الفَقِير.
غريب الحديث:
ثلاثة: يعني ثلاثة أصناف، وليس المراد ثلاثة نفر، وهكذا حيث جاءت كلمة ثلاثة أو سبعة وما أشبه ذلك.
هداية الحديث:
1) إثبات صفة الكلام لله تعالىٰ.
2) الزنىٰ والكذب والكِبر من الذنوب الكبيرة، والموبقات العظيمة، وهي محرّمة مطلقاً، لكن وقوعها من هذه الأصناف أعظم وأشد.
فائـدة:
إذا وقعت المعصية ممن انتفت عنه دواعيها كانت أكبر وأعظم، فالشيخ ليس كالشاب؛ فقد برُدت شهوته، فيُستقبح منه الزنا، والملك لا يحتاج إلىٰ أن يكذب، فكلمته هي المسموعة بين الناس، والفقير المستكبر علىٰ الناس ليس عنده ما يوجب الكِبر، لأن الفقر يوجب للإنسان أن يتواضع، فلأي شيءٍ يستكبر؟!.
7/618 ــ وعنه قال: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله _عز وجل_: العِزُّ إزَارِي، والكِبْرِيَاءُ رِدَائي، فَمَن يُنازِعُني عَذَّبْتُه». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من صفات الله سبحانه العزّة والكبرياء.
2) من نازع الله في صفة من صفاته عذَّبه علىٰ ما صنع؛ لأنه نازع ربّه فيما يختصّ به.
3) الكِبر تجرّؤٌ علىٰ مقام الله، ومن عرف عظمة الله؛ فقبيح أن يتعالىٰ، ومن عرف ضعف نفسه؛ فقبيح أن يتمادىٰ.
8/619 ــ وعَنْه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ، يَخْتَال في مِشْيَتِهِ، إذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ». متفق عليه.
«مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ»، أي: مُمَشِّطُهُ. «يَتَجَلْجَلُ» بالجيمَيْن، أيْ: يَغُوصُ وَيَنْزِلُ.
غريب الحديث:
حُلّة: إزار ورداء.
هداية الحديث:
1) تحريم الكِبر وتحريم الإعجاب. فالواجب علىٰ العبد أن يعرف قدر نفسه، وينزلها منزلتها.
2) المبالغة في اللبس والتأنُّق، إذا اقترن مع الفخر والخيلاء، يُدخل في نفس العبد الاختيال والعجب، ويعرّضه لسخط الله تعالىٰ.
9/620 ــ وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّىٰ يُكْتَبَ في الجّبَّارِينَ، فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ». رواهُ الترمذي وقالَ: حديث حسن[6]. [6] الحديث إسناده ضعيف.
«يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ» أي: يَرْتَفعُ ويَتكَبَّرُ.
هداية الحديث:
1) من تشبّه بقوم حُشر معهم. قال تعالى: ﴿ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ﴾ أي: قرناءهم وأشباههم.
2) علىٰ العبد الناصح لنفسه أن يقطع مداخل الكبر عن قلبه، حتىٰ لا يسترسل مع التَّكبُّر.
73 ــ باب حُسن الخلق
قالَ الله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ الآية [آل عمران: 134].
فائدة:
حُسن الخُلق: يكون مع الله، و مع عباد الله.
ــ أمّا حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعاً وقدراً، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم الحرج.
ــ وأمّا حسن الخُلق مع الخَلْق: فمداره علىٰ أمرين: كفّ الأذىٰ، وبذل الندىٰ. ويكون كفّ الأذىٰ بألا يؤذي الناس بلسانه أو جوارحه، وأما بذل الندىٰ فمعناه: العطاء من مال، وعلم، وجاه، وطلاقة وجه، ونحو ذلك.
هداية الآيات:
1) الثناء علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنْ كان خلقه القرآن؛ يتأدب بآدابه، ويمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، ولذلك وصف الله حال نبيِّه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾.
2) إن كظم الغيظ والعفو عن الناس من صفات المحسنين في أخلاقهم.
1/621 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) ما من خُلق حسن كامل إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ وجهه الأمثل والأفضل.
2) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة، فعلىٰ أهل الإيمان التأسي به في حسن خلقه.
2/622 ــ وعنه قال: «مَا مسَسْتُ ديباجاً وَلا حَرِيراً أَلينَ مِنْ كفِّ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلاَ شَمَمْتُ رائحةً قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رَائحَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لي قَطُّ: أُفّ، وَلا قالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: ألا فعلت كَذا؟.». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) ألان الله يد نبيِّه صلى الله عليه وسلم وألان قلبه، لقوله تعالىٰ: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ﴾.
2) كمال خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع خادمه ومن يخالطهم بكثرة، وهذا هو شأن المؤمن الموفَّق.
3) تحرّي أنس رضي الله عنه موافقة مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد خدمه عشر سنين، فلم يعترض عليه، ولو فعل أنس رضي الله عنه ما يوجب التأديب لَـمَـا أخّر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فائدة:
يستفاد من هذا الحديث ترك العقاب علىٰ ما فات، لأن هذا يورث الشقاق والبغضاء، ولا يصلح ما فسد، وفي ذلك تنزيه اللسان عن الزجر والذم. ولأنه يحصل معه جبران خاطرِ الخادمِ بترك معاتبته، كل ذلك يكون في الأمور الدنيوية.
وأما الأمور الدينية فلا يُتسامح فيها، لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي حق الشرع، وليست حقاً شخصياً.
3/623 ــ وعن الصَّعب بن جَثَّامَةَ رضي الله عنه قال: أَهْدَيْتُ رسُولَ صلى الله عليه وسلم حِمَاراً وَحْشِيّاً، فَرَدَّهُ عَليَّ، فلمَّا رأىٰ مَا في وَجْهىٰ قالَ: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنّا حُرُمٌ». متفق عليه.
غريب الحديث:
حُرُم: مُحرِمون بالنسك (الحج أو العمرة).
هداية الحديث:
1) حسن خُلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم في تطييب قلوبهم.
2) علىٰ الإنسان أن يجبر خاطر أخيه إذا فعل معه ما لا يحب، ويبيّن له السبب، لتطيبَ نفسه، ويطمئن قلبه.
4/624 ــ وعن النَّواسِ بنِ سمعانَ رضي الله عنه قال: سألتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثمِ، فقالَ: «البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) البِرُّ كلّه في حسن الخلق مع الله تعالىٰ، ومع عباد الله.
2) كلّ ما أوقع الريب في القلب فهو من الإثم الواجب الابتعاد عنه.
5/625 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم قال: لم يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاحِشاً ولا مُـتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيارِكُم أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
فاحشاً: ناطقاً بالفحش، وهو الكلام السيئ.
مُتفحِّشاً: المتطبّعٌ بالفحشاء، المتكلّف والمبالغ للفحش.
هداية الحديث:
1) بيان صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان أبعد الناس عن الفُحش في مقاله وفِعاله صلى الله عليه وسلم. فعلىٰ المؤمن أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
2) الحث علىٰ حسن الخلق، فحُسن الخلق عليه مدار الدِّين وهو ميدان التنافس بين المؤمنين، فمن سبق إليه كان من خيار المؤمنين وأكملهم إيماناً.
6/626 ــ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «ما من شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيَامَةِ من حُسْنِ الخُلُقِ، وإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
«البَذِيُّ»: هو الَذي يَتكَلَّم بالفُحْشِ، وردِيءِ الكلامِ.
هداية الحديث:
1) إن حسن الخلق من أعظم الأعمال الصالحة، التي يجدها العبد في صحيفته يوم القيامة، ويراها في ميزان حسناته.
2) علىٰ المؤمن الابتعاد عما يبغضه الله ويكرهه، ومن ذلك الفحش وبذاءة اللسان.
7/627 ــ وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ قال: «تَقْوىٰ الله وَحُسْنُ الخُلُقِ». وَسُئِلَ عَن أَكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: «الْفَمُ وَالفَرْجُ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) الحضّ علىٰ تقوىٰ الله تعالىٰ، والتقوىٰ: كلمة جامعة لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهىٰ الله عنه.
2) إن حسن الخلق مع التقوىٰ مفتاحُ دخولِ الجنّة.
8/628ــ وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إيْمَاناً أَحْسَنُهُم خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) الإيمان شعب، والناس يتفاوتون فيه، والموفّق مِن المؤمنين مَن سعىٰ في زيادة إيمانه.
2) علىٰ العبد أن يكون مع أهله خير صاحب، وخير محبّ، وخير مربّي، لأن الأهل أحق بحُسن خلقك من غيرهم، فابدأ بالأقرب فالأقرب.
9/629ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ». رواه أبو داود.
هداية الحديث:
1) إن من أجل الدرجات: الصائم بالنهار القائم بالليل، فكيف يُغفَل عن عبادة تعدل ذلك؟!
2) حسن الخلق يضاعف الثواب والأجر، حتىٰ يبلغ العبد به درجة الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر.
10/630ــ وعن أبي أُمَامَةَ الباهليِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإن كَانَ مُحِقاً، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الكَذِبَ، وَإن كانَ مازِحاً، وَبِبَيتٍ في أَعْلىٰ الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ». حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح.
«الزعِيمُ»: الضامِنُ.
غريب الحديث:
رَبَض الجنّة: أدناها، وربض المدينة ما حولها.
المِراء: المجادلة والمنازعة في القول والعمل.
هداية الحديث:
1) الترغيب في ترك الجدال، لأنه يُفضي إلىٰ الاختلاف والشقاق.
2) حرمة الكذب بكل أشكاله، ولو كان في المزاح واللهو، وفي هذا إبطال لمن يقول: (هذا كذب أبيض).
3) أعلىٰ مراتب الأجر عند الله لمن حسُن خلقه؛ لأن حسن الخلق جامعٌ للفضائل كلّها.
6/631 ــ وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ مِنْ أَحَبَكُم إليَّ، وَأَقْرَبِكُم مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنكُم أَخلاقاً. وإنَّ أَبْغَضَكُم إليَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ» قالوا: يا رسولَ الله قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قال: «المُتكَبِّرُونَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
«الثَّرْثَارُ»: هُوَ كَثِيرُ الكَلامِ تَكلُّفاً. «وَالمُتَشَدِّقُ»: الْمُتَطَاوِلُ عَلىٰ النَّاسِ بِكَلاَمِهِ، وَيَتكَلَّمُ بِمَلءِ فيه تَفَاصُحاً وَتَعْظِيماً لِكَلامِهِ. «وَالمتَفَيْهِقُ»: أَصْلُهُ مِنَ الفَهْقِ، وَهُوَ الامْتِلاءُ، وَهُوَ الَّذي يَمْلأ فَمَهُ بِالْكَلاَمِ، وَيَتَوَسَّعُ فيه، وَيُغْرِبُ بِهِ تَكبُّراً وَارتِفَاعاً، وَإظْهَاراً للفَضِيلَةِ عَلىٰ غَيْرِهِ.
وروىٰ التِّرمذيُّ عن عبدِ الله بن المباركِ ــ رحِمه الله تعالىٰ ــ في تَفْسِيرِ حُسْنِ الخُلُقِ قال: هُوَ طَلاقَةُ الوَجه، وبَذْلُ المَعرُوف، وكَفُّ الأَذَىٰ.
هداية الحديث:
1) إن حسن خلق المسلم من أسباب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، والقرب منه، يوم القيامة.
2) التحذير من كثرة الكلام بإظهار الدعاوىٰ، والتفاخر. والتحذير من التوسع في الكلام لإظهار البلاغة والفصاحة، فهذه الصفات يبغضها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويبغض أصحابها، وهي سبب لبعد أهلها عنه يوم القيامة.
3) شفقة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ أمته؛ فقد بيّن لنا ما يحبه لنفعله، وما يبغضه لنحذره.
74 ــ باب الحلم والأناة والرفق
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، وقال تعالىٰ: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ * وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ} [فصلت: 34_35]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورىٰ: 43].
فائدة:
الحلم: أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب.
الأناة: التمهل في الأمور، وعدم العجلة.
الرفق: معاملة الناس بالسهولة واللين، لمن يستحق ذلك.
هداية الآيات:
1) الإنسان الذي هو أهل للعفو يُعفىٰ عنه، وأما الإنسان الشرير الذي لا يزداد بالعفو عنه إلا سوءاً فعقوبته أولىٰ من العفو عنه. فالعفو المطلوب ما ترتب عليه صلاح.
2) الأخذ بالعفو، معناه: ما عفا وسهل من أحوال الناس. والأمر بالعرف، أي: بما يتعارفه الناس، ويعرفه الشرع من أمور الخير. والإعراض عن الجاهلين: وهم السفهاء الذين يجهلون حقوق الغير، ويفرطون فيها.
فهذه ثلاثة أوامر من الله _عز وجل_ لو أننا سرنا عليها لكان لنا فيها خيرٌ عظيمٌ.
3) إن الصبر علىٰ الأذىٰ، والتجاوز عنه إذا وقع، من عزم الأمور التي تدلّ علىٰ حزم الرجل وتمام عقله.
1/632 ــ وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله: الحِلْمُ وَالأَناةُ». رَواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إثبات صفة الحب لله تعالىٰ بالمعنىٰ اللائق علىٰ مراد الله سبحانه.
2) تنوع الأخلاق؛ فمنها ما هو في أصل خلقة الإنسان، ومنها ما هو مكتسب.
3) الأخلاق قابلة للتغيير، ولو لم تكن كذلك لم يكن للمواعظ والوصايا معنىٰ.
4) الحضّ علىٰ التثبّت في الأمور، والنظر في عواقبها، فالتأني في الأمور المشكلة خير.
2/633 ــ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله رفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأَمْرِ كُلِّهِ». متفقٌ عليه.
3/634 ــ وعنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي عَلىٰ الرِّفْق ما لا يُعْطي عَلىٰ العُنفِ، وَمَا لا يُعْطي عَلىٰ ما سِواه». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ أن يكون الإنسان رفيقاً في جميع شؤونه، فالرفق محبوب إلىٰ الله _عز وجل_ وإلىٰ عباد الله.
2) علوّ منزلة الرفق بين مكارم الأخلاق، لما فيه من العاقبة الحسنة والثواب الجزيل.
4/635 ــ وعنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مَنْ شَيْءٍ إلاَ شَانَهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
زانه: حسّنه وجمّله.
شانه: عابه وقبّحه.
هداية الحديث:
1) ضرورة التحلّي بالرفق؛ فإنه يزيّن المرء، ويُجمِّله في أعين الناس ويرفع قدره عند الله تعالىٰ.
2) الوصية بالبعد عن العنف والشدّة؛ لأنها تعيب صاحبها، وتفسد صالح عمله.
5/636 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بَالَ أَعْرَابِيٌّ في المسجِدِ، فَقَامَ النَّاسُ إلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلىٰ بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوباً مِن مَاء، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِين». رواه البخاري.
«السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكانِ الجيم: وهِيَ الدَّلْو المُمْتَلِئَةُ مَاءً، وكَذلِكَ «الذَّنُوبُ».
غريب الحديث:
أريقوا: صبّوا.
هداية الحديث:
1) بيان العذر بالجهل، لمن تعذر عليه سبيل العلم، والأمر بتعليم الجاهل.
2) حسن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان هديه في تعليمه ورفقه، فالرفق يحصل به الخير، والعنف يحصل به الشر.
3) بيان خلاصة دعوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : (التيسير وترك التعسير) و(التبشير وترك التنفير).
فائـدة:
قاعدة الشرع أنه يأمر بدفع أعلىٰ المفسدتين بأدناهما، إذا لم يمكن دفعهما معاً.
والمفسدتان المذكورتان في الحديث، هما:
الأولىٰ: استمرار الأعرابي في بوله، وهي مفسدة صغرىٰ.
والثانية: منعه من بوله، وهذه مفسدة أكبر؛ لأنه يترتب عليها: الضرر علىٰ هذا الأعرابي، وتلوّث المسجد، ونجاسة ثوبه.
أما لو أتم بوله فالمفسدة أدنىٰ، فإذا اجتمعت المفاسد ولم يكن دفعها، تقدم الأسهل لدفع الأشد.
6/637 ــ وعن أَنس رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنفِّروا». متفقٌ عليه
هداية الحديث:
1) كلّ ما كان أيسر فهو أفضل، ما لم يكن إثماً، ولهذا كان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً.
2) استحباب لزوم البشارة؛ لأنها تدخل السرور علىٰ نفس المسلم، وعلىٰ غيره.
3) علىٰ الداعي إلىٰ الله تعالىٰ أن ينظر بحكمة إلىٰ كيفية تبليغ دعوة الإسلام؛ بأن يكون ميسِّراً لا معسِّراً، ومبشِّراً لا منفِّراً.
7/638 ــ وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخيْرَ كُلَّهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الأمر بالرفق والحث عليه، فالله يُعطي علىٰ الرفق ما لا يُعطي علىٰ غيره.
2) علىٰ من يسعىٰ لإصابة الخير أن يكون عالماً رفيقاً في طلبه حتىٰ ينال مبتغاه.
8/639 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلاً قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِني، قال: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَاراً، قال: «لا تَغْضَبْ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، فعلىٰ العبد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويفزع إلىٰ الوضوء، ليُذهبَ عنه وسواسَ الشيطان.
2) علىٰ الإنسان حال غضبه أن يتعاطىٰ أسباباً تدفع عنه الغضب وتسكنه، وأن يملك نفسه، ولا يسترسل مع الغضب.
9/640 ــ وعن أبي يَعلَىٰ شدَّاد بن أوس رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسَانَ عَلىٰ كُلِّ شَيءٍ؛ فإذا قَتَلتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُم شَفْرَتَه، وَلْيُرِحْ ذِبيحَتَهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
كتب: فرض وشرّع.
هداية الحديث:
1) وجوب إتقان كلّ الأعمال، والإحسان إلىٰ كلّ الخلق، والرفق بهم، والشفقة عليهم.
2) إراحة الذبيحة أمر زائد علىٰ مجرد شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع الأوداج بقوة.
فائدة:
من إراحة الذبيحة أن تضع الرِّجل علىٰ الرقبة، ثمّ تدع القوائم تتحرك؛ لأن ذلك أيسر لها، وأشد تفريغاً للدم.
10/641 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: مَا خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَينَ أَمرَينِ قَطُّ إلَّا أَخَذَ أَيسَرَهُمَا، مَا لَم يَكُن إثماً، فَإن كَانَ إثماً كَانَ أَبعَدَ النَّاس مِنْهُ، وَمَا انتَقَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيءٍ قَطُّ، إلَّا أَن تُنتَهكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ لله تعالىٰ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الإسلام دينٌ مداره علىٰ اليسر ورفع الحرج، والأخذ بالأيسر الموافق للشرع، في كافة الأمور الدينية والدنيوية.
2) البعد عن الآثام والمعاصي، وعدم جعل يُسر الشريعة سبباً لترك الواجبات، أو فعل المحرمات، أو التساهل في حرمات الشرع.
3) الحث علىٰ العفو والحلم واحتمال الأذىٰ، مع الانتصار لدين الله تعالىٰ عند انتهاك المحرمات. فهذه الغيرة يحبها الله تعالىٰ من عبده، تعظيماً لشعائر الله.
4) يستحب للأئمة والقضاة وسائر ولاة الأمور التخلُّق بهذا الخلق الكريم، فلا ينتقم لنفسه، ولا يُهمل حق الله تعالىٰ.
11/642 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلىٰ النَّارِ، أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَليْهِ النَّارُ؟ تَحْرُمُ عَلىٰ كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
كلّ قريب: قريب من الناس مُحبَّبٌ إليهم، لحسن عشرته.
هداية الحديث:
1) مكارم الأخلاق منجاة من عذاب الله تعالىٰ.
2) الوصية النبوية باللين والسهولة، ومخالطة الناس، والصبر علىٰ أذاهم.
75 ــ باب العفو والإعراض عن الجاهلين
قال الله تعالىٰ: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وقال تعالىٰ: {فَٱصفَحِ ٱلصَّفحَ ٱلجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وقال تعالىٰ: {وَليَعفُواْ وَليَصفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم} [النور: 22]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورىٰ: 43]، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
هداية الآيات:
1) الحثّ علىٰ الصفح الجميل، وهو العفو الذي لا عتاب معه.
2) الجزاء من جنس العمل، فكما تصفح يصفح الله عنك، وكما تعفو يعفو الله عنك.
3) إن الصبر والمسامحة من أخلاق أولي العزم.
1/643 ــ وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: هل أَتَىٰ عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قال: «لَقَدْ لَقِيْتُ مِنْ قَوْمِك، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلىٰ ابنِ عَبْدِ يَالِيلَ بنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلىٰ ما أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ عَلىٰ وَجْهي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلا وَأنا بِقَرنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذَا أنا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْني، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيها جِبرِيلُ –عليه السلام_، فَنَادَاني، فقال: إنَّ اللهَ تعالىٰ قَد سَمعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ وَما رَدُّوا عَلَيكَ، وَقَد بعَثَ الله إلَيكَ، مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِم، فَنَادَاني مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قال: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ الله قَدْ سَمعَ قَوْلَ قَومِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَني رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَني بِأَمْرِكَ، فَمَا شئتَ؟ إنْ شِئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيهِمُ الأَخْشبَيْن» فقال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِه شَيْئاً». متفقٌ عليه.
«الأخْشَبَان»: الجَبَلان المُحِيطَانِ بمكَّة، والأخْشَبُ: هو الجَبل الغليظ.
غريب الحديث:
عرضْت نفسي: قدمت له نفسي طالباً منه النصر والإعانة علىٰ إقامة الدين.
ابن عبد ياليل بن عبد كُلال: من أكابر أهل الطائف من ثقيف.
قرنِ الثّعالب: موضع علىٰ طريق القادم من الطائف إلىٰ مكّة، وهو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، ومشهور الآن بـ (ميقات السيل الكبير).
هداية الحديث:
1) بيان حلم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتأنِّيه في الأمر، وصفحه وعفوه، مع أنه كان يُؤذىٰ أشد الأذىٰ، حتىٰ بلَّغه الله مراده، وحصل له النصر المبين.
2) علىٰ العبد أن يصبر علىٰ الأذىٰ، لا سيما إذا أُوذي في الله، فلا ينتصر لنفسه.
3) يجب علىٰ الدعاة الصبر في تبليغ دين الله للناس، وليس من الحكمة في الدعوة استعجال نزول العذاب بالمخالفين، فالهدف من الدعوة إخراج الناس من عذاب النار «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار».
2/644 ــ وعنها قالت: ما ضَرَبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً، ولا خادِماً، إلا أن يُجَاهِدَ في سَبيلِ الله. وما نِيلَ مِنْهُ شَيءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِـبِهِ، إلَّا أنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ الله، فَيَنتَقِمُ لله تعالىٰ. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) بيان كرم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فكان لا يضرب أحداً علىٰ شيء من حقوقه الخاصة به.
2) إنَّ الغضب لله لا ينافي الحلم، والأناة، والرفق، والعفو، لأن هذا انتصارٌ لدين الله تعالىٰ.
3/645 ــ وعن أَنس رضي الله عنه قال: كُنتُ أَمْشِي مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وعليهِ بُردٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأَدرَكَهُ أَعرابِيٌّ، فَجَذَبهُ بِرِدَائِهِ جَذَبةً شَدِيدَةً، فَنَظَرْتُ إلىٰ صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَذْبتِهِ، ثُمَّ قال: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لي مِن مَالِ الله الَّذِي عِندَكَ، فَالتفتَ إلَيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
بُردٌ نجراني: كساء منسوب إلىٰ نجران، وهي بلدةٌ في اليمن.
غليظ الحاشية: خشن الجانب.
جذبه: بمعنىٰ شدّه.
صفحة: جانب.
هداية الحديث:
1) إظهار حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصبره علىٰ غلظة الأعراب وجلافتهم، واحتمال أذاهم، وعفوه عمن أساء إليه.
2) علىٰ العبد الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفق والحلم، وأن يقابل الإساءة بالإحسان.
3) تطييب قلب المخطىء، وعدم تعنيفه، فذلك أنفع في نصحه، وأرجىٰ لرجوعه إلىٰ الحق.
4/646 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأنِّي أَنظُرُ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَحكِي نَبِيّاً مِنَ الأنبياءِ، صَلَوَاتُ الله وسَلاَمُه عَلَيهم، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوهُ، وَهُوَ يَمسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجهِهِ، ويقول: «اللهم اغفِرْ لِقَومي فَإنَّهُم لا يَعْلَمُونَ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
يحكي: يشبه.
هداية الحديث:
1) كمال خلق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فهم أشد الناس بلاءً، ثمّ أتباعهم الأمثل فالأمثل.
2) استحباب الدعاء للكافرين بالهداية، مع جواز الدعاء عليهم بالعذاب، أحياناً.
3) وجوب الصبر وتحمّل الأذىٰ في سبيل الله.
5/647 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمِلكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
ليس الشديد بالصُّرعة: ليس القوي الذي يصرع الناس إذا صارعهم.
هداية الحديث:
1) القوي الشديد هو الذي يصرع غضبه ويغلبه.
2) تصحيح أخطاء الناس وتعليمهم، هو منهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فعلىٰ طلاب العلم العناية بتصحيح ما عند الناس من الأخطاء الشائعة، والعادت المخالفة للشريعة.
3) الذي يتصدر لدعوة الناس إلىٰ الحق والخير، قد يفوّت بغضبه فرصاً كثيرة لتحقيق دعوته، بل حال أكثر الناس هو التقرب لمن حَسُن خلقه، وطاب كلامه، دون النظر إلىٰ ما عنده من حق أو باطل. فلنحرص أن نكون دعاة إلىٰ الله تعالىٰ بمنهج نبوي سديد، وهدي وخلق رشيد.
فائــدة:
قال ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
«الدِّين كلّه خُلُق، فمن زادَ عليك في الخُلُقِ، فقد زاد عليك في الدين... وحُسن الخُلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها:
الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.
فالصبر: يحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكفِّ الأذى، والحلم والأناة والرفق ... والعفة: تحمله علىٰ اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله علىٰ الحياء وهو رأس كلّ خير، وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب...
والشجاعة : تحمله على عزَّة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلىٰ البذل والندىٰ... وتحمله علىٰ كظم الغيظ والحلم...
والعدل: يحمله علىٰ اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها، بين طرفي الإفراط والتفريط ...ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة...». (مدارج السالكين)
76 ــ باب احتمال الأذى
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، وَقال تعالىٰ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورىٰ: 43].
هداية الآيات:
1) الحثّ علىٰ الصبر والمغفرة، فهذا من شأن أولي العزم.
2) احتمال الأذىٰ والعفو عن المسيء في محلّه من الخصال التي يحبها الله تعالىٰ.
وفي الباب: الأحاديث السابقة في الباب قبله.
1/648 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسولَ الله، إنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُم وَيقْطَعوني، وَأُحْسِنُ إليهِم ويُسيؤونَ إليَّ، وأحلُمُ عَنهم ويَجهَلُونَ عَلَيَّ! فقال: « لَئِن كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ الله تعالىٰ ظَهيرٌ عَلَيهِم مَا دُمْتَ عَلىٰ ذلِكَ». رواه مسلم. وقد سَبَقَ شَرْحُه في (بَابِ صلة الأرحام).
غريب الحديث:
تُسِفُّهم: تلقمهم في أفواههم.
المَلّ: الرماد الحار.
ظهير: ناصر.
هداية الحديث:
1) ليس الواصلُ رحمَهُ مَنْ يُكافئ مَنْ وَصَلَهُ، ولكنّ الواصلَ حقيقةً هو الذي إذا قُطعت رحمه وَصَلَها.
2) علىٰ الإنسان أن يصبر علىٰ أذية أقاربه وجيرانه وغيرهم.
3) عون الله تعالىٰ يُنزله علىٰ عبده الصابر المحتسب.
77 ــ باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى
قال الله تعالىٰ: {وَمَن يُعَظِّم حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ} [الحج: 30]، وقال تعالىٰ: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدَامَكُم} [محمد: 7].
هداية الآيات:
1) الترغيب في تعظيم شعائر الله وحرماته، فعلىٰ العبد أن يغضب لذلك، وهذا هو الغضب المحمود.
2) نصر الله يكون بنصر دينه؛ بتبليغه، والعمل به، والذبِّ عنه، والغضب عند انتهاكه.
وفي الباب حديث عائشة السابق في (باب العفو).
1/649 ــ وعن أبي مسعودٍ عقبةَ بنِ عمروٍ البدريِّ رضي الله عنه قال: جاءَ رَجُلٌ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنِّي لأَتأخَّر عَن صَلاةِ الصُّبـْحِ مِن أجْلِ فلانٍ مِمَّا يُطِيل بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غضِبَ في مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَومئِذٍ، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ مِنْكُم مُنَفِّرِين، فَأَيُّكُم أَمَّ النَّاسَ فَليُوجِزْ، فإنَّ مِنْ ورائِهِ الكَبيرَ والصَّغِيرَ وَذا الحَاجَةِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) علىٰ الداعية أن يعرض للناس دين الله بطمأنينة ورضىٰ وبلاغ حسن.
2) بيان غضب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند الموعظة لانتهاك حرمات الله، فعلىٰ العبد أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار للدين.
3) لا يجوز للإمام أن يُثقل علىٰ الناس في الصلاة بأكثر مما جاءت به السنّة.
فائدة:
الأئمة في أداء الصلاة ينقسمون ثلاثةَ أقسام:
1ــ قسم مُفَرِّط: أي مضيِّع؛ يُسرع سرعةً تمنع المأمومين من فعل ما يُسَنُّ فعله في الصلاة، فهذا مخطئ وآثم، ولم يؤدِّ الأمانة التي عليه.
2 ــ وقسم مُفْرِط: أي زائد، يثقل بالناس وكأنه يصلِّي لنفسه، وهذا أيضاً مخطئ، ظالم لنفسه.
3 ــ وقسم وسط خيار: وهو من يصلِّي صلاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فهذا خير الأقسام، وهو الذي قام بالأمانة علىٰ الوجه الأكمل.
2/650 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قَدِمَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، وقَد سَترْتُ سَهوَةً لي بِقِرامٍ فيهِ تَمَاثِيلُ، فَلمَّا رَآهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هَتكَهُ، وتَلَوَّنَ وجهُهُ، وَقال: «يَا عَائِشَةُ! أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ الله». متفق عليه.
«السَّهْوَةُ»: كالصُّفَّة تَكُونُ بين يدي البيت. و«القِرام» بكسر القاف: سِتر رقيق. و«هتكه»: أفسد الصورة التي فيه.
غريب الحديث:
يُضاهون: يشبِّهون ما يصنعونه بصنع الله _عز وجل_.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الغضب إذا انتهكت حرمات الله _عز وجل_؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم غضب وهتك الستر الذي فيه تماثيل.
2) علىٰ الرجل المسلم أن يكون قوّاماً علىٰ أهل بيته، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويتفقد بيته؛ لكيلا يدخل فيه شيء مما حرّم الله تعالىٰ.
فائدة:
ــ الصور تنقسم في حكمها ثلاثة أقسام:
1ــ الصور المجسمة (كالتماثيل والمنحوتات).
فإن كانت الصور لذوات الأرواح (كالإنسان والحيوان) فهي محرمة ويدخل فاعلها في الوعيد الشديد.
وأما إن كانت لغير ذوات الأرواح (كالشجر والأواني) فهي جائزة.
2 ــ الصور غير المجسمة (المرسومة باليد): فهي كالصور المجسمة إن كانت لذوات الأرواح فهي محرمة، وإن كانت لغير ذوات الأرواح فهي جائزة.
3 ــ الصور غير المجسمة المصورة بالآلات الحديثة (الفوتوغرافية): فهي موضع خلاف بين أهل العلم، فيرىٰ بعضهم: أنها مباحة إن استخدمت في المباحات، ومحرمة إذا استخدمت في الحرام.
ولا ينطبق على فاعلها الوعيد الشديد المذكور، لأن المصور بهذه الآلة لا يضاهي بفعله خلق الله _عز وجل_ كما يفعله المصور باليد.
ــ ويرىٰ آخرون من أهل العلم: أن التصوير لذوات الأرواح بكافة أشكاله محرم ولا يجوز فعله، إلا ما كان لضرورة، أو حاجة، كصورة البطاقة الشخصية أو جواز السفر. والله أعلم.
3/651ــ وعنها أَنَّ قرَيشاً أَهَمَّهُم شَأْنُ المَرأَةِ المَخزُومِيَّةِ التي سَرَقَتْ، فقالوا: من يُكَلِّمُ فِيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: مَن يَجْتَرىٰءُ عَلَيْهِ إلا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَكَلَّمَهُ أسامةُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أتشفَعُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ الله؟» ثم قامَ فَاخْتَطَبَ، ثم قال: «إنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبلَكُم أَنَّهُم كانُوا إذَا سَرَقَ فيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فيهِمُ الضَّعِيْفُ أَقامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وَأيْمُ الله، لو أَنَّ فَاطِمَةَ بنتَ محمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعْتُ يَدَها». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
يجترئ عليه: يقوىٰ علىٰ الحديث معه.
حِبّ رسول الله: محبوبه، يعني أنه يحبه.
اخْتطب: خطب.
هداية الحديث:
1) الغضب لله _عز وجل_ محمود أبداً، وأما الغضب للانتقام وحظ النفس فإنه مذموم غالباً.
2) شرف الجاني لا يُسقط الحدّ عنه، فأحكام الشرع يستوي فيها الشريف والوضيع.
3) التفريق بين الناس في إقامة حدود الله ظلم، يجلب الهلاك للأمة.
4) التشديد في الإنكار علىٰ مَن تهاون في حدّ مِن حدود الله، أو رخّص في تركه، أو تعرّض للشفاعة فيمن وجب عليه.
5) بيان منزلة أسامة بن زيد رضي الله عنهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان معروفاً بأنه حِبُّ رسول الله، وكذلك أبوه زيد بن حارثة رضي الله عنه.
4/652 ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَىٰ نُخَامَةً في القِبلَةِ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيهِ حتَّىٰ رُئِيَ في وَجهِهِ، فَقَامَ، فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فقال: «إنَّ أَحَدَكم إذَا قَامَ في صَلاتِهِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّه، وإنّ رَبَّهُ بِيْنَهُ وَبَينَ القبْلَةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُم قِبَلَ القِبْلَةِ، ولكِنْ عَن يسَارِهِ، أَوْ تَحتَ قَدَمِهِ» ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فيهِ، ثَم رَدَّ بَعْضَهُ عَلىٰ بَعْضٍ، فقال: «أَوْيَفْعَلُ هكَذَا». متفقٌ عليه.
وَالأمرُ بالبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أو تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فِيما إذا كانَ في غَيْرِ المَسجِدِ، فَأَمَّا في المَسجِدِ فَلا يَبصُقُ إلَّا في ثَوبِهِ.
غريب الحديث:
فشقَّ عليه: فعظُم عليه وصعُب.
هداية الحديث:
1) إظهار الكراهية والغضب عند انتهاك حرمة المساجد.
2) علىٰ الداعية إذا ذكر للناس ما هو ممنوع، أن يذكر لهم ما هو جائز، حتىٰ لا يَسُدَّ أبواب الخير على الخلق، فإن النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك.
3) إظهار التعليم بالفعل، لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أو يقول هكذا»، وبصق في طرف ثوبه وحكّ بعضه في بعض.
78 ــ باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم، ونصيحتهم، والشفقة عليهم، والنهي عن غشِّهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]، وقال تعالىٰ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فائدة:
يجب علىٰ ولاة الأمور ــ القائمون بأمر الشرع ــ الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، ودفع الشر عنهم، وغير ذلك مما تقوم به مصالحهم، ويجب علىٰ الرعية السمع والطاعة لهم في غير المعصية، كما ويجب النصح لهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطيّ مساوئهم وبيان محاسنهم؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يزيد الأمر إلا شدّة، فتحمل صدور الناس الكراهية والبغضاء لهم، وهذا يؤدي إلىٰ تفرّق الأمة وتمزّقها.
هداية الآيات:
1) علىٰ ولي الأمر الشرعي أن يقيم العدل في رعيته، وأن يكون رحيماً شفوقاً بهم.
2) النهي عن كلّ ما يُستفحش من الذنوب شرعاً وعُرفاً، وعن كلّ ما يُنكر، وعن البغي، فالواجب علىٰ أهل الإيمان (العامة وولاة الأمور) رعاية هذه الحقوق.
1/653 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّكُم رَاعٍ، وكُلُّكُم مَسْؤُولٌ عَنْ رعِيَّتِهِ: الإمَامُ راعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوجِهَا وَمَسؤُولةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سَيِّده وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُم رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) بيان مسؤولية الإمام في رعيته؛ بأن يجلب لهم كلّ خير، ويدفع عنهم كلّ شرّ.
2) إن تضييع أمر المسلمين فيه تضييعٌ للوصيّة النبوية « كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته».
2/654ــ وعن أبي يَعْلىٰ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما مِنْ عَبْدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِه لَمْ يَجِدْ رَائحَةَ الجَنَّةِ».
وفي روايةٍ لمسلم: «ما مِن أَمِير يَلِي أُمورَ المُسلِمِينَ، ثُمَّ لا يَجْهَد لَهُم، ويَنْصَحُ لَهُم، إلَّا لَمْ يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ».
غريب الحديث:
يسترعيه: يفوّض إليه رعاية وسياسة رعيته.
لا يجهد لهم: يتعب من أجلهم.
هداية الحديث:
1) التحذير من غش الرعية، وخيانتهم وتضييع حقوقهم.
2) من النصيحة لمن ولَّاهم الله أمر الناس، أن يسلك بهم الطريق التي فيها صلاحهم في معادهم ومعاشهم، ويمنع عنهم كلّ ما يضرّهم في دينهم ودنياهم. فمثلاً: يمنع عنهم الأفكار السيِّئة، وأبواب الشيطان عبر وسائل الإعلام، فهل من متعظ؟!.
3/655ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بَيتي هذَا: «اللهمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمر أُمَّتي شَيْئاً، فَشَقَّ عَلَيهم، فَاشقُقْ عليه، وَمَن وَلِيَ مِنْ أمرِ أُمَّتي شَيْئاً، فَرَفَقَ بِهِم، فَارفُقْ بِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الجزاء من جنس العمل؛ فمَنْ شقّ علىٰ أمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شقّ الله عليه، ومن رفق بهم رفق الله به.
2) حرص الرسول صلى الله عليه وسلم علىٰ سلامة أمته من بعده، وإظهار شفقته عليهم.
3) الرفق: أن تسير بالناس حسب أمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن تسلك بهم أقرب الطرق وأيسرها، ولا تشقّ عليهم في إيجاب شيء ليس واجباً في الشريعة. أو منع أمر قد أذنت به الشريعة.
4/656ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَت بَنُو إسرائيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ. قالوا: يَا رسولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنا؟ قال: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، أَعْطُوهُم حَقَّهُم، وَاسأَلوا الله الَّذي لَكُم، فإنَّ اللهَ سَائِلُهُم عَمَّا استَرعاهُم». مُتَّفق عَلَيْه.
غريب الحديث:
تسوسهم الأنبياء: أي تُبعث فيهم، فيُصلحون أحوالهم ويرعون شؤونهم.
أوفوا ببيعة الأوّل: الزموا بيعته، وأدّوا حقّ طاعته.
هداية الحديث:
1) دين الله ــ وهو دين الإسلام الصالح لكلِّ مكان وزمان ــ فيه الشريعة المرضية، والسياسة الشرعية، فالإسلام شريعة وسياسة، ومن فرّق بين السياسة النافعة، والشريعة النبوية، لم يفقه نظام التشريع ومقاصده.
2) أولو الأمر في هذه الأمة هم العلماء والخلفاء، ولا بد للرعية من قائم يقوم بأمرها، ويحملها علىٰ الطريق المستقيم، ويكفيها شرّ الظالمين.
3) عظم مسؤولية الإمام، فإن الله سيسأله عمّا فعل في ولايته وعن رعيته، فَلْينظر أين يضع قدمه؟!.
5/657ــ وعن عائِذِ بنِ عمروٍ رضي الله عنه أنّه دَخَلَ عَلىٰ عُبَيْـدِ الله بن زِيَادٍ، فقال له: أَيْ بُنـَيَّ! إنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ»، فَإيَّاكَ أن تكُونَ مِنْهُم. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الرِّعاء: جمع راعٍ.
الحُطَمة: الذي يحطم الناس ويشقّ عليهم ويؤذيهم.
هداية الحديث:
1) الحذر من العنف لمن ولاه الله أمراً من أمور المسلمين.
2) وجوب رفق الوالي بالرعية، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط،فهو ليِّنٌ من غير ضعف، وحازمٌ من غير عنف.
3) خير الرعيّة الليّن السهل، الذي يصل إلىٰ مقصوده دون عنف.
6/658ــ وعن أَبي مَريمَ الأزدِيِّ رضي الله عنه أنه قال لِمُعَاوِيَة رضي الله عنه: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ وَلَّاه شَيْئاً مِن أمورِ المُسلِمِينَ، فَاحتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِم وخَلَّتِهِم وفَقرِهِم، احتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِه وخَلَّتِهِ وفَقرِهِ يَومَ القِيامَةِ » فَجَعَلَ مُعَاوِية رجُلاً علىٰ حَوَائجِ الناسِ. رواه أبو داود والترمذي.
غريب الحديث:
خَلَّتِهم: الحاجة والفقر.
هداية الحديث:
1) الجزاء من جنس العمل؛ فمن احتجب عن العبادِ، احتجب الله عنه يوم التناد.
2) سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم للالتزام بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمهم لها، ولنا فيهم أسوة حسنة، فَاحرصْ يا أخي علىٰ الالتزام بهدي النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام، وهدي صحابته رضي الله عنهم.
79 ــ باب الوالي العادل
قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: 90]، وقال تعالىٰ: {وَأَقسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُقسِطِينَ} [الحجرات: 9].
هداية الآيات:
1) العدل واجب، والإحسان فضل وزيادة، ومن العدل الواجب أن نُعطي كلّ ذي حقّ حقّه.
2) حثّ الولاة علىٰ القيام بالقسط، فبالعدل قامت السماوات والأرض.
1/659 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لاَ ظِلَّ إلَّا ظِلّه: إمَامٌ عَادِلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ الله تَعَالَىٰ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في الله، اجتَمَعا عليهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، ورجُلٌ دَعَتْهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وجَمَالٍ، فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا، حَتَّىٰ لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) أعظم العدل أن يحكم الإمام بشريعة الله تعالىٰ في الأرض.
2) عظم شأن الإمام العادل، ولذلك بُدِئ به في الحديث.
فائدة:
ظِلُّ الله: هو ظل عرشه لورود رواية للحديث: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه...» رواه أحمد، والروايات النبوية يفسر بعضها بعضاً، فما أُجمل في موضع بُيِّن في آخر.
2/660 ــ وعن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلىٰ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ: الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
وما وَلُوا: ما جُعل تحت سلطانهم وتصرُّفهم.
هداية الحديث:
1) بيان الأجر العظيم، للمقسطين في أحكامهم وأهليهم، وولايتهم الخاصة أو العامة.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فلما كان العدل نوراً في الدنيا، جازىٰ الله أهله بالنور يوم الدِّين.
3/661ــ وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونهم ويُبْغِضُونَكُمْ، وتَلْعَنُونَهُمْ ويَلْعَنُونكُمْ» قالَ: قُلْنَا يا رَسُولَ الله، أَفلا نُنَابِذُهُمْ؟ قالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ. لا، مَا أَقَامُوا فيكُمُ الصَّلاةَ». رواه مسلم.
قوله: «تُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ»: تَدْعُونَ لَهُمْ.
غريب الحديث:
ننابذهم: ننقض بيعتهم، ونخرج عليهم.
هداية الحديث:
1) الأئمة ينقسمون قسمين:
ــ قسمٌ وُفِّقوا وقاموا بما يجب عليهم، فأحبَّهم النَّاسُ، وأحبُّوا النَّاسَ، وصار كلّ واحد منهم يدعو للآخر، وهم خيار الأئمة.
ــ وقسمٌ هم شرار الأئمة، يبغضون النَّاسَ، والنَّاسُ يبغضونهم، ويسبّون النَّاسَ والنَّاسُ يسبّونهم.
2) حثّ ولاة الأمور علىٰ العدل في الرعيّة، وحثّ النَّاسِ علىٰ طاعة ولاة الأمر في غير معصية، لتقوم مصالحهم، وتتحقق الألفة بينهم.
4/662 ــ وعنْ عِيَاض بنِ حِمارٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «أَهْلُ الجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطانٍ مُقْسِطٌ مُوَفَّقٌ، ورَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَىٰ ومسلِمٍ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيالٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
مُقْسِطٌ مُوَفَّق: عادل مهتدٍ لما فيه التوفيق والصلاح.
هداية الحديث:
1) من أراد الله تعالىٰ به خيراً من الولاة وفَّقه للعدل بين الرعيّة، فالعدل من علامات التوفيق.
2) الحثّ علىٰ معاملة جميع الناس برفق ولطف.
3) إن العدل والإحسان والرحمة والعفَّة، من مكارم الأخلاق التي توجب الجنّة.
80 ـ باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية
قال الله تعالىٰ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59].
فائدة:
ولاة الأمور قسمان: العلماء والأمراء.
ــ أما العلماء؛ فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع، وتبليغه الأُمَّة.
ــ وأما الأمراء؛ فهم ولاة الأمور في إقامة الشريعة، وإلزام الناس بها، ولا قيام للأمراء إلا عن طريق العلماء، فإذا علموا الشرع أقاموه علىٰ الخلق، فتقوم مصالح الأفراد والأمة: بالكتاب الهادي، والسيف الناصر. {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيا وَنَصِيرا}.
هداية الآيات:
1) طاعة ولاة الأمور تابعة للشرع لا مستقلة، أما طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فهي مستقلة، ولهذا أعاد فيها الفعل، فقال: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾.
2) إن ولاة الأمور فوقهم حكم الله جلّ في عُلاه، فإذا أمروا بمخالفته فلا سمع لهم ولا طاعة.
1/663 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «عَلىٰ المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيما أَحَبَّ وكَرِهَ، إلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ». متفقٌ عليه.
2/664 ــ وعنْه قال: كُنَّا إذا بَايَعنا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ السَّمْعِ والطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا؟ «فِيما اسْتَطَعْتُمْ» متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ المرء المسلم أن يسمع ويطيع لولاة الأمور، فيما يحب وفيما يكره، إلا أن يُؤمر بمعصية الله فلا طاعة فيها.
2) بطلان مسلك من يقول: (لا نطيع ولاة الأمور إلا فيما أمرنا الله به)؛ لِـمَـا تقرر في الشرع من وجوب طاعتهم بالاستطاعة، ولما يترتب علىٰ عدم الطاعة من المفاسد العامة.
فائدة:
أوامر ولاة الأمور تنقسم ثلاثة أقسام:
الأول: أن يأمروا بما أمر الله به، فهنا تجب طاعتهم لوجهين:
الوجه الأول: لأنه مما أمر الله به، والثاني: لأنه مما أمروا به.
الثاني: أن يأمروا بمعصية الله، فهنا لا سمع ولا طاعة لهم في هذه المعصية، ولكن نطيعهم في غير ذلك.
الثالث: إذا أمروا بشيء ليس فيه أمر ولا نهي، فيجب طاعتهم، لما في الطاعة من الخير والاجتماع والرحمة.
3/665ــ وعنهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». رواه مسلم.
وفي رواية له: «وَمَنْ مَاتَ، وَهُوَ مُفَارِقٌ للْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ يموتُ مِيتَة جَاهِلـِيَّةً». «المِيتَة» بكسر الميم.
هداية الحديث:
1) وجوب التزام جماعة المسلمين ومبايعة إمامهم، وتحريم الخروج علىٰ وليّ الأمر الشرعي.
2) عظم شأن البيعة لما فيها من المصالح، والتحذير من نقضها لما فيه من المفاسد.
4/666ــ وعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اِسْمَعُوا وأَطِيعُوا، وَإنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ». رواه البخاري.
5/667 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ السَّمعُ وَالطَّاعَةُ في عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثرَةٍ عَلَيْكَ» رواه مسلم.
غريب الحديث:
كأن رأسَه زَبيبة: جعد الشعر.
أثرةٍ عليك: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا ومنع الحق الواجب.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد السمع والطاعة لولي الأمر دون النظر إلىٰ لونه أو جنسه.
2) الثبات علىٰ السمع والطاعة حتىٰ في حال منعَ وليُّ الأمرِ المسلمِ الحقوقَ، فليس استئثار وُلاة الأمور مانعاً من السمع والطاعة لهم.
6/668 ــ وعن عبدِ الله بنِ عمروٍ رضي الله عنهما قال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ، فَنَزَلْنا مَنْزِلاً، فَمِنَّا مَنْ يُصْلحُ خِبَاءَه، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِه، إذْ نَادَىٰ مُنَادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: الصَّلاةَ جامِعَةً. فَاجْتَمَعْنَا إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إلَّا كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلىٰ خَيرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ ما يَعْلَمُه لَهُمْ، وَإنَّ أُمَّتكُمْ هذِه جُعِلَ عَافِيَتُهَا في أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتَنٌ يُرقِّقُ بَعْضُها بَعْضاً، وَتجيءُ الفِتْنَةُ، فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: هذِهِ مُهْلِكَتي، ثُمَّ تَنكَشِفُ. وتَجِيءُ الفِتْنَةُ، فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: هذِهِ هذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلتَأتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إلىٰ النَّاسِ الَّذي يُحِبُّ أَنْ يُؤتىٰ إلَيهِ، وَمَنْ بَايَعَ إمَاماً فَأعطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إنِ اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَر». رواه مسلم.
قَوْله: «يَنْتَضِلُ» أي: يُسَابِقُ بالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ والنُّشَّابِ. «وَالجَشَرُ» بفتح الجيمِ والشين المعجمةِ وبالراء: وهيَ الدَّوابُّ التي تَرْعَىٰ وتَبِيتُ مَكانَها. وقوله: «يُرَقِّقُ بعضُهَا بَعْضاً» أي: يُصَيِّرُ بَعْضَهَا رَقِيقاً، أي: خَفِيفاً لِعِظَمِ ما بَعدَهُ، فالثَّاني يُرَقّقُ الأوَّلَ. وقيلَ: مَعنَاهُ: يُشَوِّقُ بَعْضُهَا إلىٰ بَعْضٍ بتحْسِينِها وتسويلها، وقِيلَ: يُشْبِهُ بَعضُها بَعْضاً.
غريب الحديث:
خِباءَه: ما يختبئ فيه، ويصنع من وبر أو شعر أو صوف.
فأعطاه صفقة يده: ضرب اليد علىٰ اليد، وكانت العرب تفعله إذا أوجبت البيع، ثمَّ استعملت في عقد المبايعة.
هداية الحديث:
1) بيان منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في حرصهم علىٰ دلالة الأمم علىٰ الخير، وبذل النصيحة لأقوامهم. وهكذا يجب علىٰ أهل العلم وطلبته أن يبيّنوا للناس الخير، ويحثّوهم عليه، ويبيّنوا لهم الشرّ، ويحذروهم منه.
2) علىٰ المؤمن أن يصبر ويحتسب ويلجأ إلىٰ اللهِ _عز وجل_، ويستعيذ به زمن الفتن.
3) وجوب طاعة ولي الأمر، وقتال الفئة التي تخرج علىٰ الإمام الشرعي، وتشقّ عصا الطاعة، وذلك للحفاظ علىٰ وحدة جماعة المسلمين، وعدم تفريق كلمتها.
7/669ــ وعن أبي هُنـَيْدَةَ وائِلِ بن حُجْرٍ رضي الله عنه قالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بنُ يَزيدَ الجُعْفيُّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ: يَا نَبيَّ الله، أَرأَيْتَ إنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَراءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ، ويمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عنه، ثمَّ سَأَلَهُ فقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؟ فَإنَّمَا عَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ». رَوَاهُ مُسلم.
8/670ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ، وَأمُورٌ تُنْكِرُونَهَا» قالوا: يا رسُولَ الله، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذلِكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) كلُّ شخصٍ مسؤول عن عمله ومؤاخذٌ بتقصيره، فالخطأ لا يعالج بخطأ مثله، فتقصير الحكام المسلمين في واجبهم، لا يسوِّغ تقصير الرعية في واجبهم!.
2) إخبار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بما سيُحدِثه الأمراءُ والحكام من الأمور المنكرة في شرع الله، فالواجب مناصحتهم، والصبر علىٰ أذيتهم.
3) إن المنكرَ الواقعَ من ولاة الأمر ليس إلَّا صورة أعمال الرعايا «كما تكونوا يُولَّ عليكم»، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾.
9/671 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَىٰ اللهَ، وَمَنْ يُطعِ الأمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَني، وَمَنْ يَعْصِ الأمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة الله _عز وجل_، فإذا أمر بشيء فهو شرع من الله سبحانه وتعالىٰ.
2) طاعة ولي الأمر المسلم من طاعة الشرع، فيجب طاعتهم إلا في معصية الله، فطاعتهم في المعروف قربة إلىٰ الله يثاب عليها العبد.
10/672 ــ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن كَرِهَ مِن أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ؛ فإنَّهُ مَن خَرَجَ مِنَ السُّلطَانِ شِبراً مَاتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) من خرج عن الجماعة يوشك أن يزيغ قلبه، حتىٰ تكون هذه المعصية سبباً لانتكاسته، فيموت ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية ليس لهم إمام ولا أمير يجمعهم علىٰ الطاعة.
2) لا يجوز منابذة ولاة الأمور، ولا يجوز أن نتكلم بين العامة فيما يثير الأحقاد والضغائن عليهم، فالشرّ لا يُدفع بالشرّ، بل ادفع الشرّ بالخير، والصبر عواقبه حميدة.
11/673 ــ وعن أبي بَكرةَ رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن أَهَانَ السُّلطان أَهَانَهُ اللهُ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح، وقد سبق بعضها في أبواب.
هداية الحديث:
1) الذي يُهين السلطان المسلم بنشر معايبه بين الناس، وذمّه والتشهير به، يكون عُرضة لأن يُهينه اللهُ _عز وجل_، فالجزاء من جنس العمل.
2) إن إهانة السلطان المسلم سببٌ لضعف هيبته، وسببٌ لضعف تعظيم الشرع، فإن العمل بالشرع إعزاز للمشروع.
81 ــ باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم يتعيَّنْ عليه أو تَدْعُ حاجة إليه
قال الله تعالىٰ: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
هداية الآيات:
1) النهي عن طلب الإمارة إذا قَصَدَ طالب الإمارة قصداً سيئاً، كأن يعلو علىٰ الناس، ويملك رقابهم، فيأمر وينهىٰ بالباطل.
2) المتقون هم الذين لهم العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
1/674 ــ وعن أبي سعيدٍ عبدِ الرحمن بن سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبدَ الرَّحمن بن سَمُرَةَ، لا تَسأَلِ الإمارَةَ؛ فَإنَّكَ إن أُعْطِيتَهَا عَن غَيْرِ مَسْأَلَةِ أُعِنتَ عَلَيْها، وإن أْعطِيتَها عَن مَسأَلَة وُكِلْتَ إلَيها، وإذَا حَلَفتَ عَلىٰ يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيرها خَيراً مِنهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفِّر عَن يَمينِكَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إنَّ من الورع والدِّين ألا يطلب الإنسان شيئاً من الوظائف والمناصب، لأن مَن طلبها يوكل إلىٰ نفسه، لا إلىٰ عون ربه.
2) من جاءه المنصب من غير مسألة، ولا استشراف نفس، أعانه الله علىٰ أداء المسؤولية.
2/675ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً، وَإنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفسي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلىٰ اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ». رواه مسلم.
3/676ــ وعنه قال: قلت: يا رسولَ الله، أَلا تَستَعمِلُني؟ فَضَرَبَ بِيَدهِ عَلىٰ مَنْكِبي ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إنَّكَ ضَعِيف، وَإنَّها أمانَةٌ، وإنَّها يَومَ القِيامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّها، وَأَدَّىٰ الذي عَلَيه فِيها». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) يُشترط للإمارة أن يكون القائم فيها قويّاً وأميناً، {إِنَّ خَيرَ مَنِ ٱستَٔجَرتَ ٱلقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} وإذا لم يتحقق كمال الأوصاف، فإنه يُولّىٰ الأمثل فالأمثل.
2) عظم مسؤولية الإمارة، فهي أمانة عظيمة ومسؤولية خطيرة، فعلىٰ من ولِيَها أن يرعاها حقّ رعايتها، ولا يخُونَ عهد الله فيها.
3) علىٰ المسلم أن ينصح أخاه إذا رأىٰ فيه نقصاً، أو ضعفاً عن المسؤولية، فانظر وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ رضي الله عنه ونصحه إياه بالابتعاد عن الإمارة؟!.
4/677 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّـكُم سَتَحرِصُونَ عَلىٰ الإمارَة، وَسَتكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) إن الحرص علىٰ الإمارة وحبّ الشرف والجاه يُفسد دين المرء.
2) العاقل من نظر إلىٰ عواقب الأمور في الدار الآخرة، فترك كل ما يضرّ بآخرته.
82 ــ باب حثّ السّلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذِ وزير صالح، وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
هداية الآيات:
1) كل ما كان لله تعالىٰ فإنه يدوم؛ وما كان لغيره فإنه يزول، فمن كانوا في الدنيا أصدقاءً وأحباباً علىٰ مصالح دنيوية، صاروا في الآخرة أعداءً.
2) بشرىٰ عظيمة لأهل الأخوّة الصادقة، فَلْيحرصِ المؤمن أن يكون منهم.
1/678ــ عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِن نَبِيٍّ، وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانتَانِ؛ بِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عليهِ، وبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عليهِ، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
بِطانة: فئة من الأعوان والأصفياء والأولياء.
هداية الحديث:
1) العبد إما أن يكون داعية إلىٰ الله يأمر بالمعروف ويحضّ عليه، وينهىٰ عن المنكر ويحذر منه، أو يكون داعية يدعو إلىٰ الشيطان وحزبه. فَلْينظرِ الموفَّق أهدىٰ الطريقين!!
2) من استضاء بنور العلم والإيمان، وطبّق شرع الله وفَّقه الله بفضله، وعصمه من شرِّ نفسه، ومن كيد الشيطان وحزبه.
فائـدة:
ورد في سبب الحديث أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما زاروا أبا الهيثمَ بن التِّيهانِ الأنصاريَّ، فأكلوا عنده وشربوا، فلما فرغوا قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «هل لك خادم؟»، قال: لا، قال: فإذا أتانا سبي، فأتنا، فأُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اختر منهما»، قال: يارسول الله! اختر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوصِ به خيراً»، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة، إلا وله بطانتان...» الحديث.
فلفظ الحديث جاء عامّاً في بطانة الأنبياء والخلفاء، ومناسبة وروده جاءت في شؤون الأسرة، وذلك لأنه بصلاح أمر الأسرة يَسْري الصلاح إلى المجموع، وبالتالي يصلح شأن الأمة، فعلىٰ الرجل أن يحسن اختيار الزوجة الصالحة، فهي البطانة التي تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، والله أعلم.
2/679ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَرَادَ الله بالأمِيرِ خَيراً جَعَل له وزِيرَ صِدقٍ، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ. وَإذَا أَرَادَ بِهِ غَيرَ ذلكَ جَعَلَ لَه وَزِيرَ سُوءٍ، إنْ نَسِيَ لم يُذَكِّرْه، وَإنْ ذَكَرَ لم يُعِنْهُ». رواه أبو داود بإسنادٍ جيد علىٰ شرط مسلم.
هداية الحديث:
1) مشروعية اتخاذ وزير صدق، فهو من علامات إرادة الخير بالحاكم.
2) تحذير الحكام من بِطانة الشرّ، فإنها سببٌ للإفساد والطغيان.
3) الحث علىٰ تقريب الأخيار والصالحين، وإبعاد الأشرار الخائنين، فإن الوالي لن تكون له بطانة صالحة إلا إذا قرّبهم.
83 ــ باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها أو حرص عليها فعرّض بها
1/680 ــ عن أبي موسىٰ الأشعَرِيِّ رضي الله عنه قال: دَخَلتُ علىٰ النَّبِيِّ أَنا وَرَجُلانِ مِن بَني عَمِّي، فقالَ أَحَدُهُمَا: يا رسولَ الله، أَمِّرْنَا عَلىٰ بَعضِ مَا وَلَّاكَ الله _عز وجل_، وقال الآخَرُ مِثلَ ذلكَ، فقال: «إنَّا، وَالله، لا نُوَلِّي هَذَا العَمَلَ أَحَداً سَأَلَه، أَو أَحَداً حَرَصَ عليهِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) لا يجوز لولي الأمر أن يُؤمّر أحداً منصباً طلبه أو حرص عليه، لأنه دليل علىٰ طلب الولاية للنفع الخاص.
2) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمر السياسة الشرعية، فالخير للأمة في شأن الراعي والرعيَّة متوقف علىٰ الاقتباس من أنوار النبوّة، والغنية بها عما سواها.
فائـدة:
كيف نجيب عن قول يوسف عليه الصلاة والسلام للعزيز: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 55]؟ فهو قد سأل الإمارة؟
أجاب العلماء بأوجه، أهمها:
الأول: إنَّ شرعَ مَنْ قبلنا إذا خالفه شرعُنا، فالعمدة علىٰ شرعنا، بناءً علىٰ القاعدة: (شرع مَن قبلنا ليس شرعاً لنا، إذا ورد شرعُنا بخلافه).
الثاني: وهو الوجه الأحسن، أن يُقال: إن يوسف عليه الصلاة والسلام رأىٰ أن المال ضائع، وأنه يُفرَّط فيه، فأراد أن يُنقذ البلاد والعباد من سوء التدبير، فالغرض من الطلب إزالة سوء التدبير في السياسة، وهذا غرض عظيم ومقصد نبيل. ومن ذلك: حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه لما قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: اجعلني إمام قومي، يعني في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت إمامهم»، فأجاب عليه الصَّلاة والسَّلام طِلبته لمّا علم أنه أهل للإمامة، فالواجب علىٰ ولي الأمر أن ينظر في سبب طلب الإمارة، ثمَّ يعمل بما يرىٰ فيه النفع العام، لأن (تصرف الحاكم بالرعية منوط بالمصلحة).
كتاب الأدب
84 ــ باب الحياء وفضله والحثِّ على التخلق به
فائـدة:
الأدب: هو مجموع الأخلاق التي يتحلىٰ بها الإنسان، فهو الحلية الباطنة للإنسان.
والحياء: صفةٌ في النفس تحمل الإنسان علىٰ فعل ما يجمِّل ويزيِّن، وترك ما يُدنّس ويشين، والحياء من الإيمان.
1/681 ــ عنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ الله مَرَّ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ فَإنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإيْمَانِ». متفق عليه.
غريب الحديث:
يَعِظُ أخاه في الحياء: ينهاه ويزجره عن كثرة الحياء.
هداية الحديث:
1) الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، فعلىٰ المسلم التخلّق بالحياء والأدب، مع الله تعالىٰ، ومع عباده.
2) وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم تأخير النصح عن وقته.
2/682ــ وعن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الحَياءُ لا يَأْتِي إلَّا بخَيْرٍ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: «الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّه» أوْ قَالَ: «الحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ».
هداية الحديث:
1) الحثّ علىٰ التخلُّق بخلق الحياء، فهو خير للفرد والمجتمع، لما يحمل عليه من فعل المليح، وترك القبيح.
2) إن الحياء الذي هو خير لا يمنع من قول الحقّ، والعمل به.
3/683 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله قال: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إلهَ إلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأَذَىٰ عَنِ الطّرِيقِ، وَالحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ». متفقٌ عليه.
«الْبِضْعُ»: بكسرِ الباءِ، ويجوز فتحها، وَهُوَ مِنَ الثَّلاثَةِ إلىٰ العَشَرَةِ. «وَالشُّعْبَةُ»: الْقِطْعَةُ وَالخَصلَةُ.
«وَالإماطَةُ»: الإزَالَةُ. «وَالأذَىٰ»: مَا يُؤْذِي كَحَجَرٍ وَشَوْكٍ وَطِينٍ وَرَمَادٍ وَقَذَرٍ وَنحْوِ ذلكَ.
هداية الحديث:
1) الإيمان شُعَبٌ كثيرة، بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم علىٰ وجه التفصيل؛ ليجتهد العبد في معرفتها، والعمل بها، وبقدر التحقق بهذه الشعب علماً وعملاً، يزداد إيمان العبد.
2) فضل كلمة التوحيد، فهي أعظم شُعَبِ الإيمان.
3) الحياء من شُعَبِ الإيمان، وهو مندرج في جملة الآداب، وهذا يدل علىٰ أن التحقق بالآداب من خصال الإيمان.
فائدة:
الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان:
ــ حياءٌ من الله، يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله، وأن ينتهي عمّا نهىٰ الله عنه.
ــ وحياءٌ من الناس، يوجب للعبد أن يستعمل المروءة، وأَنْ يفعلَ ما يُجمّلُه ويزيّنُه، ويتجنبَ ما يدنّسُه ويشينهُ.
4/684 ــ وعن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيّ رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فإذا رَأىٰ شَيْئاً يكرهُهُ عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ. متفقٌ عليه.
قال العلماءُ: حَقِيقَةُ الحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلىٰ تَرْكِ الْقَبِيحِ، ويَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فىٰ حَقِّ ذِي الحَقِّ.وَرَوَيْنَا عن أَبِي الْقَاسِمِ الجُنَيْدِ ــ رَحِمَهُ الله ــ قال: الحَيَاءُ رُؤيَةُ الآلاءِ ــ أَيْ: النِّعَمِ ــ وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّىٰ حَيَاءً.
غريب الحديث:
العذراء: هي البكر التي لم تتزوج.
خِدْرِها: ناحية في البيت يُترك عليها ستر، ويُضرب به المثل في السِّتر.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يتأسّىٰ برسول الله في الحياء، لأن الحياء خلقٌ كريم.
2) الحياء الذي يمنع من السؤال عمّا يجب السؤال عنه حياءٌ مذموم، ولا ينبغي أن نسمّيه حياء، بل هو جبن وضعف وتخذيل من الشيطان.
85 ــ باب حفظ السِّرّ
قال الله تعالىٰ: {وَأَوفُواْ بِٱلعَهدِ إِنَّ ٱلعَهدَ كَانَ مَسُٔولا} [الإسراء: 34].
فائدة:
السِّرّ: هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك، ولا يحل لك أن تُفشي هذا السِّرّ وتُبيّنه لأحد، سواءٌ أوصاك باللفظ، كأن يقول لك: لا تُخبر أحداً، أو عُلم بالقرينة الفعلية، كأن يحدّثك وهو يلتفت، يخشىٰ أن أحداً يسمع، لأن معنىٰ التفاته أنه لا يحب أن يطّلع عليه أحد، أو عُلم بالقرينة الحالية، كأن يكون هذا الذي حدّثك به من الأمور التي يُستحيا ويُخشىٰ من ذكرها، فلا يحلّ في كل هذه الأحوال أن تبيّن السِّرّ وتفشيه.
هداية الآيات:
1) الواجب الوفاء بجميع ما يشترطه الناسُ من العقود، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً.
2) إن حفظ السرّ من العهد الذي أُمر العبد بحفظه.
1/685 ــ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِندَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إلىٰ المَرْأَةِ وَتُفْضِي إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أشَرِّ: هذه لغة قليلة، لأن اللغة المشهورة حذف الهمزة، أي: (مِن شَرِّ).
يُفضي: كناية عن الجماع ومقدماته.
هداية الحديث:
1) الواجب حفظ أحوال البيوت والفرش، فالمجتمع المسلم طاهر عفيف.
2) إن من أصول المعاشرة الزوجية حفظ ما يكون بين الزوجين من العشرة.
2/686ــ وعن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما أَنَّ عمرَ رضي الله عنه حينَ تَأَيَّمَتْ بِنْتُهُ حَفْصَةُ قال: لَقِيت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان رضي الله عنه ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقلتُ: إنْ شِئْتَ أنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنتَ عُمَرَ؟ قال: سَأَنْظُرُ في أَمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَني، فقال: قَدْ بَدَا لي أَنْ لاَ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هذا. فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه، فقلت: إنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبو بَكْرٍ رضي الله عنه ، فَلَمْ يَرْجِعْ إليَّ شَيْئاً، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلىٰ عُثْمَانَ. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنْكَحْتُها إيَّاهُ. فَلَقِيَني أَبُو بَكْرٍ، فقالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجَعْ إلَيْكَ شَيْئاً؟ فقلت: نَعَمْ، قال: فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْني أَنْ أَرْجِعَ إلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إلَّا أنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وَلَوْ تَرَكها النَّبيُّ لقًبِلْتهُا. رواه البخاري.
قوله: «تَأَيَّمَتْ» أيْ: صَارَتْ بِلا زَوْجٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا تُوُفِّيَ رضي الله عنه . «وَجَدْتَ»: غَضِبتَ.
غريب الحديث:
تأيَّمت: قال النووي ــ رحمه الله ــ : «صارت بلا زوج»، وزوجها هو خُنيس بن حذافة السهمي أخو عبد الله بن حذافة رضي الله عنهما، وكان من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، تُوفّي بالمدينة من جراحة أصابته بأُحد.
هداية الحديث:
1) جواز عرض الإنسان زواج ابنته أو أخته علىٰ أهل الخير والصلاح، لما فيه النفع العائد علىٰ الجميع.
2) فضل كتمان السرّ والمبالغة في إخفائه، فإذا أظهره صاحبه ارتفع الحرج عمّن سمعه.
3) المعاتبة لا تُفسد المحبة، ويُستحب لمن أبدىٰ عذره أن يُقبل منه ذلك.
3/687ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كُنَّ أَزْواجُ النَّبيِّ عِنْدَهُ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها تَمْشِي، مَا تخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رسولِ الله شَيْئاً، فَلَمَّا رَآها رَحَّبَ بِهَا، وقال: «مَرْحَباً بِابْنِتي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيداً، فَلَمَّا رَأَىٰ جَزَعَهَا، سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ، فَقلتُ لَهَا: خَصَّكِ رسولُ الله مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟ فَلَمَّا قَامَ رسولُ الله سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لكِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: مَا كُنْتُ أَفْشِي عَلىٰ رسولِ الله سِرَّهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ الله قلتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ، لَمَّا حَدَّثْتِني ما قال لكِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّني في المَرَّةِ الأولىٰ فَأَخْبَرَني: «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مرَّتَيْنِ، وَأَنـَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإنِّي لا أُرَىٰ الأَجَلَ إلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي الله وَاصْبِري، فَإنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أنا لَكِ» فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ. فَلَمَّا رَأَىٰ جَزَعي سَارَّني الثّانِيَةَ، فقال: «يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تكوني سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هذِه الأُمَّةِ؟» فَضحِكتُ ضَحِكي الَّذِي رَأَيْتِ. متفقٌ عليه. وهذا لفظ مسلم.
غريب الحديث:
يُعارِضُه القرآن: يُدارسه القرآن.
هداية الحديث:
1) بيان فضيلة فاطمة رضي الله عنها؛ فهي سيدة نساء هذه الأمّة.
2) استحباب كتم السرّ وعدم إفشائه حتىٰ يزول المانع من ذلك، فهذه الطيّبة الطاهرة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظت سرَّه طيلة حياته رضي الله عنها.
3) جواز البكاء الخالي من الصراخ والعويل والنياحة ولطم الخدود، لأنه رحمة جعلها الله في قلب عبده المؤمن.
4) جواز قول الرجل: «مرحباً» ونحوها من عبارات التحية، وأولاها قول: «السلام عليكم».
4/688ــ وعن ثابتِ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أَتَىٰ عَلَيَّ رسولُ الله وَأَنا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَني في حاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلىٰ أُمِّي. فَلَمَّا جِئْتُ قالت؟ مَا حَبَسَكَ؟ فقلتُ: بَعَثَني رسولُ الله لحَاجَة، قالت: مَا حَاجَتُهُ؟ قلتُ: إنَّهَا سِرٌّ. قالتْ: لا تخبِرَنَّ بِسِرِّ رسولِ الله أَحَداً.
قال أَنسٌ: وَالله لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَداً لَحَدَّثْتُكَ بِهِ يَا ثَابِتُ. رواه مسلم، وروىٰ البخاري بَعْضَهُ مُخْتَصراً.
هداية الحديث:
1) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتواضعه، فهو مع مكانته عند الله، وعند خلقه، يتواضع حتىٰ إنه ليُسلّم علىٰ الصبيان وهم يلعبون!.
2) حسن تربية أم سُلَيم لابنها رضي الله عنهما؛ إذ أوصَتْه: «لا تُخبِرنَّ أحداً بسرِّ رسول الله»، تأييداً وتثبيتاً. فأين أمهات الأجيال اليوم؟!
3) لا يجوز للإنسان أن يُفشي سرّ شخص ما، حتىٰ لأمّه وأبيه وأقرب الناس إليه.
86 ــ باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد
قال الله تعالىٰ: {وَأَوفُواْ بِٱلعَهدِ إِنَّ ٱلعَهدَ كَانَ مَسُٔولا} [الإسراء: 34]، وقال تعالىٰ: {وَأَوفُواْ بِعَهدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّم} [النحل: 91]، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: 1]، وقال تعالىٰ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ * كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} [الصف: 2 ـ 3].
فائدة:
العهد: ما يعاهد الإنسان به غيره، وهو نوعان:
ــ عهد مع الله _عز وجل_: في تحقيق التوحيد الذي هو حق الله تعالىٰ علىٰ العبيد. فقد أخذ الله العهد علىٰ عباده جميعاً أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
ــ وعهد مع عباد الله: في أداء الحقوق، ومنه: العقود التي تقع بين الناس من بيوع وأنكحة، ورهن، ووديعة، ونحوها.
هداية الآيات:
1) الوفاء بالعهد من الأمانات المسؤول عنها العبدُ يومَ القيامة.
2) العبد إذا عاهد أخاه ولم يفِ له فقد قال ما لا يفعل، والله يبغض مَنْ هذه صفتُه، ويحب الموفين بالعهد إذا عاهدوا.
1/689 ــ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإذا اؤْتُمن خَانَ». متفقٌ عليه.
زَادَ في رواية لمسلم: «وَإنْ صَامَ وَصَلَّىٰ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسلِمٌ».
2/690ــ وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ الله قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّىٰ يَدَعَهَا: إذا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإذا خَاصَمَ فَجَر». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) الكذب، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، وعدم وفاء العهد، والفجور في الخصومة، كل ذلك من علامات المنافقين التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم خَبَرَ تحذيرٍ وتنفيرٍ.
2) علىٰ المؤمن أن يحدّدَ المواعيد ويضبطَها وَيفِيَ بها، لأن إخلاف الوعد من صفة المنافقين. فكم فرّط أناسٌ منا بوعودهم!! فضاعت مصالح، وانجرت مفاسد، وصار الأمر فرطاً.
3/691 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال لِي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قَدْ جاءَ مالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذا وَهَكَذا وهكَذَا» فَلَمْ يَجِىٰءْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّىٰ قُبِضَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بكرٍ رضي الله عنه، فَنَادَىٰ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ وَقُلتُ لَهُ: إنَّ النَّبيَّ قال لي كذا وَكَذَا، فَحَثَىٰ لي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا، فَإذا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فقال لي: خُذْ مِثْلَيْها. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
البحرين: منطقة الإحساء وما جاورها في جزيرة العرب، كانت تُسمّىٰ البحرين في ذلك العهد.
عِدَةٌ: وعد.
فحثىٰ لي حَثْية: غرف لي من المال بيديه.
هداية الحديث:
1) جواز تخصيص بعض المسلمين بشيء من بيت المال، بشرط ألا يكون ذلك لمجرد الهوىٰ، بل للمصلحة العامّة أو الخاصّة.
2) فضيلة الصِّدِّيق رضي الله عنه ، فقد أنفذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
87 ــ باب الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير
قال الله تعالىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۗ} [الرعد: 11] ، وقال تعالىٰ: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَت غَزلَهَا مِن بَعدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثا} [النحل: 92].
(وَالأنْكَاثُ): جَمْعُ نِكْثٍ، وَهُوَ الْغَزْلُ المَنْقُوضُ.
وقال تعالىٰ: {وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَٰبَ مِن قَبلُ فَطَالَ عَلَيهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَت قُلُوبُهُم} [الحديد: 16]، وقال تعالىٰ: {فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27].
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يحافظ علىٰ ما اعتاده من الخير، فهذا هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الخير عادة». رواه ابن ماجه.
2) مخالفة أهل الكتاب الذين كانوا يعملون العمل الصالح، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم وتركوا العمل.
1/692ــ وعن عبدِ الله بنِ عمروِ بنِ العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « يَا عَبْدَ الله، لا تكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قيَامَ اللَّيْلِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
فلان: يُكنىٰ به عن واحد من الناس، وهذه الكلمة يُحتمل أنها من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يذكر اسمه لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ستراً عليه، لأن المقصود هو القضية دون صاحبها، ويُحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم عيّنه لكنَّ عبدَ الله بن عمروٍ رضي الله عنهما أبهمه.
هداية الحديث:
1) إذا منّ الله تعالىٰ علىٰ عبده بباب خير فلا يتقاعس ويتأخر، فإن المداومة علىٰ الخير من هدي النَّبيِّ وإرشاده.
2) ترك العمل الصالح منقصة واضحة، يتباعد عنها أهل الهمم.
تنبيـه:
إن من أعظم ما يُوصىٰ به في أبواب الخير الاستمرار في طلب العلم، فلا يبدأ الإنسان بطلب العلم الشرعي، ثمّ إذا فتح الله عليه باب علمٍ تركه، فإن هذا كفر نعمة أنعمها الله عليه، فيا باغي الخير: إذا بدأت بطلب العلم فاستمر، إلا أن يشغلك عنه شيء علىٰ وجه الضرورة، ولفترة محدودة، وإلَّا فداومْ وأبشر، لأن طلب العلم فرض كفاية، ومن طلبه فإن الله تعالىٰ يثيبه علىٰ طلبه ثواب الفرض، وثواب الفرض أعظم من ثواب النافلة.
وما أجمل أبيات نظمها العلامة حافظ حكمي (ت 1377هـ) في الحثِّ على طلب العلم. قال ــ رحمه الله تعالى ــ في منظومته (الميمية في الوصايا والآداب العلمية):
قِوامُهُ وبدُونِ العِلْمِ لَمْ يَقُمِ
العِلمُ مِيزانُ شَرْعِ اللهِ حيثُ بهِ
أهلُ السّماوَاتِ والأرْضِينَ مِنْ لَمَمِ
العِلْمُ يا صَاحِ يَسْـتَـغْـفِـرْ لِصاحِبِهِ
فقَدْ ظَفِرْتَ ورَبِّ اللَّوْحِ والْقَلَمِ
يا طالِبَ العِـلمِ لا تَـبْـغِي بـهِ بَدلاً
فِي القَوْلِ والفِعْلِ والآدابَ فَالْتَزِمِ
وقَدِّسِ العِلمَ واعْرِفْ قَدْرَ حُرْمَتِهِ
لَوْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ قَدْرَ العِلْمِ لَمْ يَنَمِ
واجْهَدْ بِعَزْمٍ قَوِيٍّ لا انْثِنَاءَ لَــهُ
وَقَدِّمِ النَّصَّ والآرَاءَ فَاتَّهِمِ
وبِالْمُهِمِّ الْمُهِمِّ ابْدَأْ لِتُدْرِكَهُ
يَجْلو بِنُورِ هُداهُ كلُّ مُنْبَهِمِ
ما العِلْمُ إلا كِتابُ اللهِ أو أثَرٌ
اللهِ لاسِيَّما في حِنْدسِ الظُّلَمِ
وَبَالتَّدَبُّرِ والتّرتِيلِ فَاتْلُ كِتابَ
ـناجُونَ نَصّاً صَريحاً للرَّسولِ نُمِي
ارْوِ الْحَدِيثَ ولازِم أهْلَهُ فهُمُ الْـ
واعْزِلْ عن اللهِ سُوءَ الظنِّ والتُّهَمِ
فاعْمَلْ عَلى وَجَلٍ وادْأَبْ إلَى أجَلٍ
والرّواحِ وأَدْلِجْ قاصِداً ودُمِ
سَدِّدْ وقارِبْ وأبْشِرْ واسْتَعِنْ بِغُدوٍ
فَطَالَمَا حُرِمَ الْمُنْبَتُّ بالسَّأَمِ
فمِثْل ما خَانَتِ الكسْلانَ هِمَّـتُـهُ
88 ــ باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء
قال الله تعالىٰ: {وَٱخفِض جَنَاحَكَ لِلمُؤمِنِينَ} [الحجر: 88]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159].
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يلقىٰ أخاه بالبِشر وطلاقة الوجه وحسن الكلام، لينال الأجر، وتعمّ المحبة والألفة.
2) إن طِيب اللقاء من أسباب دوام الإخاء.
1/693ــ عَنْ عَدِيِّ بن حَاتـمٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». متفقٌ عليه.
2/694 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قال: «وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه، وهو بعض حديث تقدم بطوله.
هداية الأحاديث:
1) كلّ كلمة طيبة تدخل بها السرور علىٰ غيرك، فهي صدقة لك عند الله، مدّخرٌ أجرها وثوابها.
2) الحثّ علىٰ طيب الكلام، فهو من طرق الجنّة.
3/695 ــ وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَىٰ أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن طلاقة الوجه من المعروف، لأنه يدخل السرور علىٰ أخيك.
2) الوصية بالهدي النَّبويّ المبارك في تعليم المؤمنين آداب العشرة والصحبة.
89 ــ باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب
وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك
1/696ــ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا تكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَها ثَلاثاً حَتَّىٰ تُفهَمَ عَنْه، وَإذا أَتَىٰ عَلىٰ قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) من الهدي المستحب في الكلام أن يكون واضحاً بيّناً يفهمه المخاطب، وهو من مقتضىٰ بلاغة المتحدث.
2) يحسُن التكرار إذا لم يفهم السامع، أما إذا فهم دون تكرار فلاحاجة، لقوله: «حتىٰ تفهم عنه». فالمقصود فهم الكلام.
3) التكرار ثلاث مرّات غاية ما يقع معه البيان.
2/697ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ كَلاَمُ رسولِ الله كلاماً فَصْلاً، يَفْهَمُهُ كلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ». رواه أبو داود.
غريب الحديث:
فصلاً: بيّناً ظاهراً.
هداية الحديث:
1) إن من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إسماع الصوت قدر الاستطاعة، مع بذل الجهد ليصل الكلام إلىٰ كلّ من أحب سماعه.
2) علىٰ المسلم أن يستشعر في هذا الهدي النبوي أنه متّبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتىٰ يتحقق له الإتباع، ويحصل له بذلك الأجر والانتفاع.
90 ــ باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه
1/698ــ عن جَرير بن عبدِ الله رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، ثُمَّ قال: «لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
اسْتَـنْصِتِ الناس: سكِّتهم حتىٰ يستمعوا لما يقوله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
هداية الحديث:
1) من الآداب النبوية أن يكون الجليسُ حسنَ الإصغاء إلىٰ كلام محدِّثه، ما لم يكن يتكلم بلغو أو حرام، فيجب الإعراض عنه.
2) علىٰ العالِم والمربِّي أن يعلّم الناس حسن الإنصات.
فائدة:
حسن الإصغاء يكون:
ــ بالقول: بألا يتكلم إذا كان جليسه يتكلم، فيكون الكلام في المجلس واحداً، حتىٰ ينتفع الناس جميعاً بما يتكلم به بعضهم. {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمر جَامِع}.
ــ أو بالفعل: إذا كان أحدٌ يحدّثك، فعليك أن تُقبل إليه بوجهك، وألاّ تلتفت يميناً وشمالاً، حتىٰ يعرف أنك قد اعتنيت بكلامه.
91 ــ باب الوعظ والاقتصاد فيه
قال الله تعالىٰ: {ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ} [النحل: 125].
فائدة:
الوعظ: هو ذكر الأحكام الشرعية مقرونة بالترغيب والترهيب، وأعظم واعظ به الوحي المنزل من الكتاب والسنّة، لأنه جامعٌ للخير كلّه، لكن علىٰ الواعظ الاقتصاد في الموعظة، لعدم إدخال الملل و السآمة علىٰ الناس فيما يعظ به، لأن النفوس إذا ملَّت كلَّت وتعبت.
هداية الآية:
1) الدعوة إلىٰ دين الله بالحكمة، وذلك بأن تُنَزَّلَ الأمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والمكان المناسب.
2) اجعل دعوتك مقرونة بموعظة حسنة، من حيث الأسلوب والصياغة، ومن حيث الإقناع بأدلة الوحي المنزل، فخير القول ما كان فيه: «قال الله تعالىٰ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم».
1/699ــ عن أَبي وَائِلٍ شَقِيقِ بن سَلَمَةَ قال: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يُذَكِّرُنَا في كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فقال: أَما إنَّهُ يَمْنَعني مِنْ ذلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أَتخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رسولُ الله يَتَخَوَّلنَا بِها مَخَافَةَ السَّآمَةِ علينا. مُتَّفق عَليه.
«يَتَخَوَّلنا»: يَتَعَهَّدنا.
هداية الحديث:
1) استحباب التخفيف في الوعظ خشية الملل والسآمة، لأن أحب الأعمال إلىٰ الله أدومها وإن قل.
2) يوصىٰ الواعظ بعدم الاستجابة لكلّ ما يُطلب منه، بل يعظ بمقدار ما يصلح في كلّ أمر من الأمور، لأنه ينظر ببصيرة من علمه، والناس يتعاملون باندفاع عواطفهم، فيعطيهم ما يراه أصلح لهم من الهدىٰ، لا ما يطلبون من الهوىٰ.
2/700 ــ وعن أبي الْيَقْظَان عَمَّار بن يَاسر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسولَ الله يقول: «إنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ، وَأَقْصِرُوا الخُطْبَةَ». رواه مسلم.
«مَئِنَّةٌ»: بميم مفتوحة، ثم همزة مكسورة، ثم نون مشدّدة، أي: عَلامَةٌ دَالَّةٌ عَلىٰ فِقْهِهِ.
هداية الحديث:
1) علىٰ الداعي ألا يطيل علىٰ الناس، بل يعظ بما يُحصِّل المقصود، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
2) إن من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة أن تكون أطول من الخطبة.
3/701 ــ وعن مُعَاوِيةَ بن الحَكَم السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قال: «بَيْنما أَنا أُصَلِّي مَعَ رسولِ الله إذا عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَماني القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاه! مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فَجَعلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلىٰ أَفْخَاَدِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَني لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَه وَلا بَعدَهُ أحْسَنَ تَعْليماً مِنْهُ، فَوَاللهِ ما كَهَرَني وَلا ضَرَبَني ولا شَتَمَني، قال: «إنَّ هذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَو كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسولَ الله، إني حَدِيثُ عَهْد بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإسْلامِ، وإنَّ مِنَّا رِجالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟ قال: «فلا تَأْتهِمْ»، قلت: ومنا رجالٌ يتَطيّرونَ؟ قال: «ذَاكَ شيْءٌ يَجِدُونَه في صُدورِهِم، فَلا يَصُدَنَّهُمْ». رواه مسلم.
«الثُكْلُ» بضم الثاء المثلّثة: المصِيبَة الفجيعَةُ. «ماكَهَرَني» أي: ما نَهَرَني.
غريب الحديث:
يتطيرون: يتشاءمون.
هداية الحديث:
1) العمل اليسير في الصلاة لا يضرّ، لأن الصحابة جعلوا يضربون بأيديهم علىٰ أفخاذهم، ولم ينكر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك.
2) حسن تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فهو يعلِّم بالرِّفق واللِّين، فعلىٰ الإنسان أن يُنزِل الناس منازلهم.
3) علىٰ أهل الوعظ والتعليم أن يلتزموا الطريقةَ النبوية في موعظة الجاهلين.
تنبيـه:
شاع بين بعض المصلين أن (ثلاث حركات تبطل الصلاة)، وهذا القول باطل بهذا الإطلاق، بل لا بد أن يعلم المصلي تفصيل الحركات في الصلاة، وهي:
1) حركة مبطلة: وهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة، حتىٰ يظن الناظر أن المصلي خارج الصلاة، كإخراج محفظة النقود والتفتيش فيها وإعادتها!.
2) حركة مكروهة: وهي الحركة اليسيرة لغير حاجة، كتقليب الساعة مثلاً.
3) حركة مباحة: وهي اليسيرة لحاجة، كطرد ذباب وقع علىٰ وجه المصلِّي.
4) حركة مستحبة أو مأمور بها: كالتقدم والتأخر لمصلحة الصلاة، كتعديل صف مائل أو سد فُرجة في الصف المقدم، والله أعلم.
فائدة:
أحوال الذي يأتي الكاهنَ ثلاثة:
الحالة الأولىٰ: أن يأتيه ويسأله ولا يصدّقه، فمَن فعله، لم تُقبَل له صلاة أربعين يوماً. قال صلى الله عليه وسلم: «مَن أتىٰ عرّافاً فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلةً». رواه مسلم.
الحالة الثانية: أن يأتيه ويسأله و يصدّقه، فهذا العمل كفر لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن أتىٰ عرّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل علىٰ محمد». رواه أحمد.
الحالة الثالثة: أن يسأله لِيُكَذِّبَه، فيسأله اختباراً، ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس، فهذا لا بأس به، بل يكون محموداً مطلوباً لما في ذلك من إبطال الباطل.
4/702 ــ وعن العِرْباضِ بن سَاريةَ رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رسولُ الله مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْها القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْها العُيُونُ، وَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَقَدْ سَبَقَ بكَمَالِهِ في باب (الأمْر بالمُحَافَظَةِ عَلىٰ السُّنَّة)، وَذَكَرْنا أَنَّ التِّرْمِذيَّ قال: إنه حديث حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) بيان هدي النَّبيٍِّ صلى الله عليه وسلم في قصر الموعظة وبلاغتها.
2) وصف قلوب الصحابة رضي الله عنهم، وذوق حلاوة الإيمان في قلوبهم، إذ تأثّروا بالموعظة النبوية مباشرة.
92 ــ باب الوقار والسكينة
قال الله تعالىٰ : ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا﴾ [الفرقان: 63].
فائدة:
الوقار: هو هيئة يتصف بها العبد يكون ثابتاً معها.
والسكينة: هي حالة إيمانية يكون معها العبد ساكناً في قلبه، وفي جوارحه، وفي مقاله.
وهذان الوصفان من خير الخصال التي يمنّ الله بها علىٰ العبد.
هداية الآية:
1) الاتصاف بالحلم والسكينة من صفات عباد الرحمن.
2) من توفيق عباد الرحمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا قولاً يسلمون معه من الإثم والنقص.
1/703 ــ عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: مَا رَأَيْتُ رسولَ الله مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضَاحِكاً، حَتىٰ تُرىٰ مِنْه لَهَواتُه، إنَّمَا كَانَ يَتبَسَّمُ. متفقٌ عليه.
«اللهوَات» جَمْع لَهَاةِ: وَهِيَ اللَّحْمَة الَّتي في أَقْصَىٰ سَقْفِ الْفَمِ.
غريب الحديث:
مُسْتجمِعاً قطُّ ضاحكاً: يضحك ضحكاً فاحشاً بقهقهة، يفتح فمه فيه.
هداية الحديث:
1) بيان وقار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقد كان ضحكه التبسّم إذا رضي أو أُعجب بشيء. فعلىٰ الموفّق الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة ضحكه وسائر هديه.
2) كثرة الضحك، وارتفاع الصوت بالقهقهة، مخالف لصفات الصالحين، لأنها تميت القلب. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ولا تُكثرِ الضَّحِكَ؛ فإنَّ كثرةَ الضَّحِكِ تُميتُ القلبَ». رواه أحمد.
93 ــ باب الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار
قال الله تعالىٰ: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
هداية الآية:
1) تعظيم شعائر الله يكون في القلب والقول والجوارح.
2) كلّ ما أشعر الله بتعظيمه فهو من الشعائر الواجب احترامها، ومن ذلك الصلاة.
1/704 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاة فَلا تَأْتُوها تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تمْشُونَ، وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتكُمْ فَأَتِمُّوا». متفقٌ عليه.
زاد مسلم في روايةٍ له: «فَإنَّ أَحَدَكُمْ إذا كانَ يَعمِدُ إلىٰ الصَّلاةِ فَهُوَ في صَلاةٍ».
هداية الحديث:
1) تعظيم قدر الصلاة، ومن ذلك أن يأتي العبد إليها بأدب وخشوع وسكينة ووقار.
2) علىٰ المأموم أن يدخل مع الإمام علىٰ الحال التي يكون عليها، فما أدركه صلاّه، وما فاته أتمّه.
تنبيه:
من أدرك جزءاً من الصلاة حصَّل قدراً من فضيلة الجماعة، لقوله: «فما أدركتم فصلُّوا»، وبذلك نعرف الخطأ الذي يقع به بعض المصلين من بقائهم وقوفاً حتىٰ يرفع الإمام إلىٰ الركعة التالية.
2/705 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أَنّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَرَاءَه زَجْراً شَدِيداً وَضَرْباً وَصَوْتاً للإبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فإنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإيضَاعِ». رواه البخاري، وروىٰ مسلم بعضه.
«الْبِرُّ»: الطَّاعَةُ. «وَالإيضَاعُ» بِضادٍ معجمةٍ قبلها ياءٌ وهمزةٌ مكسورةٌ، وَهُوَ: الإسْراعُ.
هداية الحديث:
1) التحذير من الإسراع في السير إلىٰ أماكن العبادات، خشية فوات الوقار والسكينة، ولأنه يؤدي إلىٰ التزاحم والتدافع، وإيذاء المسلمين.
2) المقصود من العبادات أن تقع علىٰ أحسن صورها، ومن ذلك السكينة في فعلها وإتمامها.
94 ــ باب إكرام الضيف
قال الله تعالىٰ: ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ * إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ * فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ} [الذاريات: 24 ــ27]، وقال تعالىٰ: ﴿وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ﴾ [هود: 78].
هداية الآيات:
1) يُستحب لمن حُيِّيَ بتحية أن يردَّ بأحسن منها أو بمثلها، ويشمل ذلك الإحسان باللفظ وبالكيفية، فهذا من الإكرام المطلوب.
2) حسن معاملة الضيف وإكرامه من خصال الإيمان بالله واليوم الآخر.
3) من لطائف أدب الضيافة تقديم الطعام للضيف، لا أَنْ يُقدَّمَ الضيف للطعام، من قوله {فَقَرَّبَهُۥٓ إِليهم}.
1/706 ــ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤمِنُ بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) حثّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ الإكرام، ويشمل ذلك كل ما يعدّه أهل الصلاح إكراماً ويتعارفون عليه.
2) إكرام الضيف يكون بالقول، أو بالفعل، أو بهما معاً.
2/707 ــ وعن أبي شُرَيْح خُوَيلدِ بنِ عمروٍ الخُزاعِيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله يقول: «مَنْ كانَ يؤمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ جَائِزَتَهُ» قالوا: وما جَائِزَتُهُ يارسولَ الله؟ قال: «يَومُهُ ولَيْلَتُهُ. والضِّيَافَةُ ثَلاثةُ أَيَّامٍ، فما كان وَرَاءَ ذلكَ فهو صَدَقَةٌ عليه». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَن يُقِيمَ عِند أخِيهِ حتىٰ يُؤْثِمَهُ» قالوا: يا رسولَ الله، وكَيْفَ يُؤثِمُهُ؟ قال: «يقِيمُ عِنْدَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ».
هداية الحديث:
1) إكرام الضيف واجب؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ أمر به، وجعله علامة دالة علىٰ الإيمان بالله واليوم الآخر.
2) مدة الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة وتفضل وإحسان.
3) يستحب للضيف التخفيف، حتىٰ لا يُوقعَ المضيف في الحرج، إذا لم يجد ما يقدّمه لضيفه من واجب الضيافة.
4) دعوة الشريعة إلىٰ رعاية الآداب بين المؤمنين.
95 ــ باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير
قال الله تعالىٰ: { فَبَشِّر عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَستَمِعُونَ ٱلقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ} [الزمر: 17ــ 18]، وقال تعالىٰ: ﴿يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة: 21] ، وقال تعالىٰ: {وَأَبشِرُواْ بِٱلجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ﴾ [الصافات: 101]، وقال تعالىٰ: {وَلَقَد جَآءَت رُسُلُنَآ إِبرَٰهِيمَ بِٱلبُشرَىٰ} [هود: 69]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ﴾ [هود: 71]، وقال تعالىٰ: ﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ﴾ [آل عمران: 39]، وقال تعالىٰ: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ﴾ [آل عمران: 45] الآية، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
فائدة:
البِشارة: سُميت بذلك لأن الإنسان إذا بُشّر بما يسرّه ظهر أثر ذلك في وجهه وبَشَرته، والبِشارة تكون في الأمور التي تسرّ في الدنيا والآخرة.
هداية الآيات:
1) يستحب للعبد أن يكون متفائلاً مستبشراً بالخير، فلا يرىٰ الدنيا أمامه مظلمة، فيستحسر ويقنط ويدع العمل. فهذا يونس عليه الصَّلاة والسَّلام يسبّح ربّه تعالىٰ وهو في بطن الحوت!.
2) يستحب للمسلم إذا حصل لأخيه خير عاجل أن يهنِّئَه به، وإذا كان خيراً آجلاً فَلْيُبشّرْه، لِيُدخلَ السرور عليه، حتىٰ يفرح وينشط وينتظر الفرج.
وأما الأحاديث:
فكثيرة جداً، وهي مشهورة في الصحيح، منها:
1/708ــ عن أبي إبراهيمَ ــ ويُقَالُ: أبو محمد، ويقال: أبو مُعَاوِيَةَ ــ عَبدِ الله بن أبي أَوْفَىٰ رضي الله عنه «أَنَّ رسولَ الله بَشَّرَ خَدِيجَةَ رضي الله عنها بِبَيْت في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ». متفق عليه.
«الْقَصَبُ» هُنَا: اللُّؤلُؤُ المُجَوَّفُ. «وَالصَّخَبُ»: الصِّيَاحُ وَاللَّغَطُ. «وَالنَّصَبُ»: التَّعَبُ.
هداية الحديث:
1) بشارة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وبيان فضيلتها، فهي من السابقات للإسلام، وأعانت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء دعوته.
2) استحباب بشارة المؤمنين، فقد جاءت هذه البشارة مع أفضل مَلَك من الملائكة، وهو جبريل، علىٰ لسان أفضل رسول بشري، وهو محمد، عليهما الصلاة والسلام.
2/709 ــ وعن أبي موسىٰ الأشْعَرِيّ رضي الله عنه أنّهُ تَوَضَّأَ في بَيْتِهِ، ثُمَ خَرَجَ، فقال: لأَلزَمَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هذا، فَجَاءَ المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالُوا: وَجَّهَ هاهُنا، قال: فَخَرَجْتُ عَلىٰ أَثرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّىٰ دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ حَتَّىٰ قَضَىٰ رسولُ الله حَاجَتَهُ وتَوَضَّأ، فَقُمْتُ إلَيْهِ، فَإذا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلىٰ بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاّهُمَا في البِئْرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ البَابِ، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ الله اليَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بكْرٍ رضي الله عنه فَدَفَعَ البَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلىٰ رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، هذَا أبُو بكْرٍ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبـَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» فَأَقْبَلْتُ حَتَّىٰ قُلْتُ لأبِي بكر: ادْخُلْ ورَسُولُ الله يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ أَبـُو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ مَعَهُ في القُفِّ، وَدَلَّىٰ رِجْلَيْهِ في البِئْرِ كَما صَنَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَجَلَسْتُ. وقَد تَرَكْتُ أَخي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُني، فَقُلْتُ: إنْ يُرِدِ الله بِفُلانٍ ـ يُرِيدُ أَخَاهُ ـ خَيْراً يَأْتِ بِهِ، فَإذا إنْسَانٌ يُحَرِّكُ البَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقُلْتُ: عَلىٰ رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: هذَا عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ الله بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ الله في القُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّىٰ رِجْلَيْهِ في البِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إنْ يُرِدِ الله بِفُلانٍ خَيْراً ــ يَعْني أَخَاهُ ــ يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَحَرَّكَ البَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ: عَلىٰ رِسْلِكَ، وجِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَىٰ تُصِيبُهُ»، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَىٰ تُصِيبُكَ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ القُفَّ قَدْ مُلِىٰءَ، فَجَلَسَ وُجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ سَعِيدُ بنُ المَسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. متفقٌ عليه.
وزادَ في روايةٍ: وَأَمَرَني رسولُ الله بِحِفْظِ البَابِ. وَفِيها: أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ بَشَّرَهُ حَمِد الله تَعالىٰ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ المُسْتَعَانُ.
قوله: «وَجَّهَ» بفتحِ الواوِ وتشديدِ الجيِم، أَيْ: تَوَجَّهَ. وقوله: «بِئْرِ أَرِيسٍ»: هو بفتح الهمزةِ وكسرِ الراء، وبعْدَها يَاءٌ مثَنَّاةٌ مِن تحتُ ساكِنَةٌ، ثَمَّ سِينٌ مهملَةٌ، وهو مصروفٌ، ومنهمْ مَن مَنَعَ صَرْفَهُ. «والقُفُّ» بضم القافِ وتشديدِ الفاءِ: هُوَ المَبْنِيُّ حَوْلَ البِئْرِ. قوله: «عَلَىٰ رِسْلِكَ» بكسر الراءِ علىٰ المشهور، وقيل بفتحها، أَيْ: ارْفُقْ.
غريب الحديث:
بئر أريس: يقع في بستان بالمدينة النبوية قرب قباء، وفي هذا البئر سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
هداية الحديث:
1) استحباب التبشير بالخير، كما بشّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الثلاثة بالجنّة.
2) بيان فضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، فهم من أهل الجنة.
3) دخولهم علىٰ هذا الترتيب إلىٰ رسول الله أُوِّل بترتيبهم في الخلافة، وجلوسهم أُوِّل بقبورهم.
4) إخبار رسول الله عثمان رضي الله عنه بما سيصيبه، ووقوع ما أُخبر به؛ من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.
فائدة:
قول سعيد بن المسيب ــ رحمه الله ــ: «فأوّلتها قبورهم»، مراده: اجتماع الصَّاحبَيْنِ رضي الله عنهما مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدفن، وانفراد عثمان رضي الله عنه عنهم في البقيع.
3/710 ــ وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: كُـنَّا قُعُوداً حَوْلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَمَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رضي الله عنهما في نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ بينِ أظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينا أَنْ يُقْتَطَعَ دُوننَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، حَتَّىٰ أَتَيْتُ حَائِطاً للأنْصَارِ لِبَني النَجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً، فَلَمْ أَجِدْ، فَإذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ في جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ ــ وَالرّبِيعُ: الجَدْوَلُ الصَّغِيرُ ــ فَاحْتَفَزْتُ، فَدَخَلْتُ عَلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ،فَقال: «أَبُو هُرَيْرَةَ» فَقُلْتُ: نَعَم يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «مَا شَأَنُكَ؟» قلتُ: كُنْتَ بَينَ ظَهْريْنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَـنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هذَا الحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهؤلاءِ النَّاسُ وَرَائي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا الله مُسْتَيْقِناً بها قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ» وذكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، رواه مسلم.
«الرّبِيعُ»: النَّهْرُ الصَّغِيرُ، وهُوَ الجَدْوَلُ ـ بفتحِ الجيمِ ـ كَمَا فَسّرَهُ في الحَدِيثِ. وقولُه: «احْتَفَزْتُ» رُويَ بالرَّاءِ وبالزَّايِ، ومعناهُ بالزَّاي: تَضَامَمْتُ وتَصَاغَرْتُ حَتَّىٰ أَمْكَنَني الدُّخُولُ.
غريب الحديث:
من بين أظهرنا: من بيننا.
يُقتطع دوننا: يُصاب بمكروه من عدو.
هداية الحديث:
1) البِشارة بالجنّة لمن شهد أن لا إله إلا الله موقناً بها قلبه.
2) بيان حرص الصحابة علىٰ سلامة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإحاطتهم به، ودفاعهم عنه، وعن سنته. والموفَّق من المؤمنين من اقتدىٰ بسبيل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
3) أهل التوحيد هم أولىٰ الناس بالأنبياء والصالحين، وهم أحق بالبشرىٰ من غيرهم.
4/711 ــ وعَن ابنِ شُمَاسَةَ قالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العاصِ رضي الله عنه وَهُوَ في سِيَاقَةِ المَوْتِ، فَبَكَىٰ طَوِيلاً، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلىٰ الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله بِكَذَا؟ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رسُولُ الله، إنِّي قَدْ كُنْتُ عَلىٰ أَطْبَاقٍ ثَلاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُني وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنِّي، وَلا أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلىٰ تِلْكَ الحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَل الله الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبـَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدي، فقالَ: «مالك يا عَمرو؟» قلت: أَرَدْتُ أَن أَشْتَرِطَ، قالَ: «تَشْتَرِطَ بمَاذَا؟» قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لي، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإسْلاَمَ يَهْدِمُ ما كَانَ قَبلَهُ؟ وَأَنَّ الهِجرَةَ تَهدِمُ ما كان قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كَانَ قَبْلَهُ؟» وما كان أحَدٌ أَحَبَّ إليَّ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلا أَجَلَّ في عَيني مِنْهُ، ومَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَملأَ عَيني مِنه إجلالاً له؟ ولو سُئِلتُ أَنْ أَصفَهُ ما أَطَقتُ؟ لأني لَم أَكن أَملأُ عَيني مِنه، ولو مُتُّ علىٰ تِلكَ الحَال لَرَجَوتُ أَن أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثم وَلِينَا أَشيَاءَ ما أَدري ما حَالي فِيها؟ فإذا أَنا مُتُّ فلا تَصحَبَنِّي نَائحَةٌ ولا نَارٌ، فإذا دفَنتمُوني فَشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنّاً، ثمَّ أَقِيمُوا حَولَ قَبري قَدرَ ما تُنحَرُ جَزورٌ، ويُقْسَمُ لَحْمُها، حَتَّىٰ أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وأَنظُرَ ماذا اُرَاجِعُ بِهِ رسُلَ ربِّي. رواه مسلم.
قوله: «شُنُّوا» رُوِيَ بِالشينِ المعجمةِ وبالمهملةِ، أي: صبُّوهُ قلِيلاً قَلِيلاً. والله سبحانه أعلم.
غريب الحديث:
أطباق ثلاث: أحوال ثلاث.
هداية الحديث:
1) إن من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تبشير أصحابه بالخير، ومنهم عمرو بن العاص رضي الله عنه.
2) عظم شأن الإسلام والهجرة والحج، فكلّ واحد منها يهدم ما قبله من المعاصي.
3) شدّة توقير الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله وإجلالهم إياه، فعلىٰ المسلمين وطلاب العلم أن يلزموا الأدب مع علمائهم، لأنهم ورثة الأنبياء.
4) لا يجوز اتباع الجنائز بنائحة ولا نار ولا صوت، حتىٰ ولو كان صوت ذكر لله تعالى، كتهليل أو تكبير أو قراءة قرآن.
96 ــ باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه
قالَ الله تعالىٰ: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ * أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [البقرة: 132 ــ 133].
هداية الآيات:
1) أعظم الوصايا الوصية بالإسلام لله _عز وجل_، ظاهراً وباطناً، وباتِّباع سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) الاستسلام لله تعالىٰ بالتوحيد هي وصية الأنبياء عليهم السلام لأممهم.
3) السفر محل الشغل والتقصير، فالناس يحتاجون إلىٰ وصية وتثبيت وإعانة، لاسيما في أسفارهم.
وأما الأحاديث فمنها:
1/712 ــ حَديثُ زيدِ بنِ أرْقَمَ رضي الله عنه ــ الذي سبق في باب (إكرامِ أَهْلِ بَيْتِ رسولِ الله) ــ قال: قامَ رسولُ الله فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قال: «أَمَّا بَعدُ، أَلا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَليْنِ : أَوَّلُهُمَا : كِتَابُ الله، فِيهِ الهُدَىٰ وَالنُّورُ، فَخُذُوا بكِتَابِ الله، واسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلىٰ كِتَابِ الله، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قال: «وَأَهْلُ بَيْتي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتي». رواه مسلم. وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ.
غريب الحديث:
ثَقَلَيْن: الثَّقَل، كلّ شيء خطير نفيس، وسمّاهما ثَقَليْن إعظاماً لحقهما، وتفخيماً لشأنهما.
هداية الحديث:
1) الحثّ علىٰ التمسك بكتاب الله، لأنه حبل الله المتين، والصراط المستقيم.
2) الوصية بآل بيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، وطلب العناية بشأنهم.
فائدة:
قد حفظت الأمة الوسط: أهل السُّنَّة والجماعة ــ والحمد لله ــ وصيةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في آل البيت، فعظّموهم، وعرفوا لهم فضلهم ومراتبهم، ومَن نظرَ في التاريخ الصحيح بإنصاف أبصر ذلك، وأما مَن ملأ قلبه غلاً فلن تزده كثرة الكتب إلا حيرةً وضلالاً.
2/713 ــ وعن أبي سُلَيْمَانَ مَالكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه قال: أَتَيْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَنحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عشْرِينَ لَيْلَةً، وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَحِيماً رَفِيقاً، فَظَنَّ أنّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْناَهُ، فقال: «ارْجِعُوا إلىٰ أَهْلِيكم، فَأَقِيمُوا فِيهمْ، وَعَلِّمُوهُم وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا صَلاةَ كَذا في حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُم أَكبَرُكُم». متفقٌ عليه.
زاد البخاري في روايةٍ له: «وَصلُّوا كمَا رَأَيتُمُوني أُصَلِّي».
قوله: «رَحِيماً رَفِيقاً» رُوِيَ بفاءٍ وقافٍ، وروِيَ بقافينِ.
هداية الحديث:
1) كان النَّبيُّ قائماً بالرحمة والرِّفق، فهوَ أرحم الناس، وأرفق الناس.
2) يُؤمر الرجل أن يعلّم أهله ما يحتاجون إليه، مع ملازمة تأديبهم وتوجيههم.
3) تعظيم إبلاغ الشريعة، فهي وصية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للشباب عند سفرهم إلىٰ أهليهم.
3/714 ــ وعن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قال: اسْتَأْذَنْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ، وقال: «لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ». فقالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّني أَنَّ لي بهَا الدُّنْيا.
وفي رواية قال: «أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ في دُعَائِكَ» رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح[1].
هداية الحديث:
1) جواز طلب الدعاء من المسافر لما في ذلك من الخير للداعي، وللمدعوّ له. [1] الحديث إسناده ضعيف.
2) إظهار فضيلة لعمر رضي الله عنه في الدعاء.
4/715 ــ وعن سالم بنِ عَبْدِ الله بن عُمَرَ أَنَّ عبدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يقُولُ لِلرَّجُلِ إذَا أَرَادَ سَفَراً: ادْنُ مِنِّي حَتَّىٰ أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ رسُولُ الله يُوَدِّعُنا، فَيَقُولُ: «أَسْتَوْدعُ الله دِينَكَ، وَأَمَانتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
5/716 ــ وعن عبدِ الله بن يَزِيدَ الخَطْمِيِّ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَرَادَ أَنْ يُوَدّعَ الجَيْشَ قالَ: «أَسْتَوْدعُ الله دِينَكُمْ، وَأَمَانَتَكُم، وَخَوَاتِيمَ أَعمَالِكُمْ».
حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
أستودع الله: أستحفظه.
هداية الأحاديث:
1) حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ هدي نبيهم في أمورهم كلّها، فعلىٰ العبد أن يحرص علماً وعملاً علىٰ الهدي النبوي فإنه خير الهدىٰ.
2) أعظم ما يملك المرء في حياته ويخشىٰ ضياعه هو الدِّين، فالسعيد من سعىٰ في حفظ دينه وصيانته. (فكلُّ كسرِ الفتى فالدين جابره، وما لكسرِ قناة الدينِ جبران).
3) استحباب دعاء المسلم لأخيه المسلم في جميع أحواله، ومن ذلك خاتمة الخير.
4) استحباب توديع المسافر والدعاء له، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
6/717 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: جاءَ رجُلٌ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رَسُولَ الله، إنِّي أُرِيدُ سَفَراً، فَزَوِّدْني، فَقَالَ: «زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَىٰ» قال: زِدْنِي، قال: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ»، قال: زِدْني، قال: «وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُما كُنْتَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم أن يدعو لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرهم وإقامتهم.
2) أعظم ما يُوصي به العبدُ أخاه تقوىٰ الله، فهي زاد الروح، وبلاغ الدنيا والآخرة.
3) استحباب زيادة الخير بطلب الدعاء من أهل الصلاح.
فائدة:
طلب الدعاء من الغير أقسام:
القسم الأول: أن يطلب الدعاء لصالح المسلمين جميعاً، فهذا مستحب، لأن المصلحة عامة.
القسم الثاني: أن يطلب الدعاء من الرجل الصالح من أجل أن ينتفع الداعي بهذا الدعاء، لأنه من دعا لأخيه في ظهر الغيب، قال له المَلك الموكل: «ولك مثله»، كما صح بذلك الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهذا القسم مستحب أيضاً.
القسم الثالث: أن يطلب الدعاء لمصلحة نفسه فحسب، ولا يستشعر مصلحة الداعي، فهذا أجازه بعض العلماء، وقال بعضهم: لا يستحب، لأنه يدخل في المسألة المذمومة، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد بايع أصحابه «ألا يسألوا الناس شيئاً»، وهذا عموم يتناول كل مسألة، فالأَولىٰ ترك طلب الدعاء في هذه الحالة، والله أعلم.
97 ــ باب الاستخارة و المشاورة
قال الله تعالىٰ: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: 159]، وقال تعالىٰ: {وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم} [الشورىٰ: 38]. أي: يَتَشَاوَرُونَ بَيْنَهُمْ فِيهِ.
فائدة:
الاستخارة مع الله _عز وجل_، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح والأمانة، فإذا حدث أمر يُتردد فيه ويُشك في فعله أو تركه، يُندب إلىٰ الاستخارة والمشاورة.
هداية الآيات:
1) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ــ وهو أسدّ الناس رأياً وأكثرهم صواباً ــ يستشير أصحابه في بعض الأمور، وكذلك خلفاؤُه من بعده. وهذا تعليم للأمة.
2) يجب أن يكون المستشار من أهل الإيمان، صالحاً في دينه، ذا رأي وخبرة، وتأنٍّ في الأمور.
1/718 ــ عن جابِرٍ رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كُلِّهَا كالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: «إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثم لِيَقُلْ: اللهمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللهمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لي في دِيني ومَعَاشي وعَاقِبَةِ أَمْري» أَوْ قالَ: «عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فاقْدُرْهُ لي، ويَسِّرْهُ لي، ثمَّ بارِكْ لي فِيهِ، وَإن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شرٌّ لي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمري» أو قال: «عَاجِلِ أَمري وَآجِلِهِ، فاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْني عَنْهُ، وَاقْدُرْ ليَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثمَّ رْضِّنِي بِهِ» قال: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
الاستخارة: طلب التوفيق لخير الأمرين عند الحاجة إليه.
هداية الحديث:
1) استحباب الاستخارة في كلّ أمر مشكوك فيه، وإن حقُر في ظن صاحبه.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ تعليم أصحابه هذه الصلاة، لما فيها من المنفعة العاجلة والآجلة. فعلىٰ الداعية أن يحرص علىٰ تعليم الناس ما ينفعهم.
3) علىٰ العبد أنْ يردَّ الأمور كلّها إلىٰ الله، وأن يتبرأ من حوله وقوّته، لأنه لا حول ولا قوّة له إلا بالله، وهذا من علامات سعادة العبد وتوفيقه.
فائـدة:
ــ وقوله : «ثم ليقل». ثم : حرف يفيد الترتيب والتراخي، فالدعاء يكون بعد الصلاة. أي يصلي ركعتين ثم يدعو بتلك الكلمات. وقال بعض العلماء: بل الدعاء يكون قبل السلام، لأن آخر الصلاة هو موضع الدعاء والعبد مقبل على الله تعالىٰ.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (فتح الباري شرح صحيح البخاري):
«قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم ليقل» هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء، ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء، فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد، وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء: أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلىٰ قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه».
98 ــ باب استحباب الذهاب إلى العيد، وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر، لتكثير مواضع العبادة
1/719ــ عن جابرٍ رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رواه البخاري.
قَوله: «خَالَفَ الطَّرِيقَ» يعني: ذَهَبَ في طَرِيقٍ، وَرَجَعَ في طَرِيقٍ آخَرَ.
2/720ــ وعنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله كَان يخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وإذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيا. وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَىٰ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
طريق الشجرة: موضع معروف علىٰ طريق الذاهب إلىٰ مكّة من المدينة.
المُعَرَّس: مكان معروف لكنه أقرب من الشجرة.
الثنية: الطريق الضيقة بين جبلين، والثنية العليا بالحجون، والسفلىٰ بالشبيكة.
هداية الأحاديث:
1) استحباب مخالفة الطريق إذا رجع من المصلىٰ يوم العيد، للإمام والمأموم.
2) الحثّ علىٰ الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في هدي يوم العيد.
فائدة:
قال أهل العلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك لحِكَمٍ، منها:
1) أن يشهد له الطريقان، لأن الأرض يوم القيامة تشهد بما عُمل فيها من خير أو شرّ.
2) لإظهار شعائر أهل الإسلام في يوم عيدهم، حتىٰ تكتظ الأسواق هنا وهناك.
3) من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق، فيتصدق علىٰ هؤلاء وهؤلاء.
99 ــ باب استحباب تقديم اليمين في كلّ ما هو من باب التكريم
كالوضوء والغُسْلِ والتَّيَمُّمِ، ولُبْس الثَّوْبِ والنَّعْلِ والخُفِّ والسَّرَاويلِ، ودخولِ المسجدِ، والسِّواكِ، والاكْتحَالِ، وتقليمِ الأَظْفَارِ، وَقَصِّ الشَّاربِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وحلقِ الرَّأسِ، والسَّلام من الصَّلاة، والأكل والشربِ، والمُصَافَحَة، واسْتِلامِ الحَجَرِ الأسودِ، والخروجِ من الخَلاء، والأخذِ والعَطَاءِ، وغير ذلك مما هو في معناه.
ويُسْتَحَبُّ تقديم اليسار في ضِدِّ ذلكَ، كالامْتِخَاطِ والبُصَاقِ عن اليسارِ، ودُخولِ الخَلاءِ، والخروجِ مِن المسجِدِ، وخَلْعِ الخُفِّ والنَّعْلِ والسراويل والثوب، والاسْتِنْجاءِ وفِعلِ المُسْتَقْذَراتِ، وأشباه ذلك.
قال الله تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ﴾ الآيات [الحاقة: 19].
وقال تعالىٰ: ﴿فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ * وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ} [الواقعة: 8 ــ 9].
هداية الآيات:
1) أهل اليمين هم أهل الفضائل الدائمة في الدنيا وفي الآخرة.
2) من كان من أهل الطاعات والخير في الدنيا، وفّقه الله لأن يكون من أهل اليمين يوم القيامة.
1/721 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كَانَ رسولُ الله يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في شَأْنِه كُلِّه: في طُهَورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وتَنَعُّلِه». متفقٌ عليه.
2/722 ــ وعنها قالتْ: «كانَتْ يَدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم اليُمْنىٰ لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وكَانَتْ اليُسْرَىٰ لِخَلائِهِ وَما كَانَ مِنْ أَذىً». حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ.
غريب الحديث:
تَرَجُّلِهِ: الترجُّل: تسريح الشعر.
هداية الأحاديث:
1) يستحسن البداءة باليمين في كلّ شيء مستحسن، ومن ذلك ميامن أعضاء الجسد عند الوضوء أو الغسل، أو تصفيف الشعر أو حلقه، أو لبس النعال.
2) تستعمل اليد اليسرىٰ في ما لا تكريم فيه، كإزالة الأذىٰ.
فائدة:
اليمين محل الإكرام، فيستحب إبعادها عن كلّ شيءٍ مستقذر، فاليسرىٰ للأذىٰ واليمنىٰ لما سوىٰ، وهذا يدل علىٰ عناية الشريعة بتنظيم الأمور وترتيبها في حياة المؤمنين، وهذا من كمال الدين.
3/723 ــ وعن أُمِّ عَطِيّةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُنَّ في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رضي الله عنها: «إِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) المرأة لا يُغسِّلها إلا زوجها أو النساء، ولا يجوز للرجال تغسيلها.
2) السُّنّة في غسل الميت البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه، لشرفها علىٰ سائر الجسد.
4/724 ــ وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله قال: «إذا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ باليُمْنىٰ، وَإذا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ. لِتكُنِ اليُمْنَىٰ أَوَّلَهُما تُنْعَلُ، وآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». متفقٌ عليه.
5/725 ــ وعن حَفْصَةَ رضي الله عنها «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَىٰ ذلِكَ». رواه أبو داود والترمذي وغيره.
6/726 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لَبِسْتُمْ، وَإذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِأَيَامِنِكُمْ». حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
هداية الأحاديث:
1) استحباب بدء الانتعال باليمين، والنزع بالشمال، وهذا يدلّ علىٰ أن الكرامة تكون لليمين.
2) استحباب التيامن في الوضوء والطعام والشراب ولبس الثياب، واليد اليسرىٰ تستعمل لإزالة الأذىٰ وعند نزع الثياب والنعال.
7/727 ــ وعن أنس رضي الله عنه «أنَّ رسولَ الله أتىٰ مِنىً، فَأَتَىٰ الجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَىٰ مَنْزِلَهُ بِمِنىً، وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلحَلَّاقِ: «خُذ»، وَأَشَارَ إلىٰ جَانبِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ». متفقٌ عليه
وفي روايةٍ: «لمَّا رَمَىٰ الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، وَحَلَقَ، نَاوَلَ الحَلَّاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنصَارِيَّ رضي الله عنه، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، ثمَّ نَاوَلَهُ الشقَّ الأيْسَرَ، فقال: «احْلِقْ» فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أبَا طَلحةَ، فقال: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ».
غريب الحديث:
نُسُكَهُ: هديه الذي ساقه معه صلى الله عليه وسلم في حجته.
هداية الحديث:
1) من الهدي المستحب إذا أراد الإنسان أن يحلق أو يقصّر، أن يبدأ بالجانب الأيمن.
2) كان الصحابة رضي الله عنهم يتبرّكون بشعر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وثيابه وعرقه، ولكن غيره لا يُتَبَرَّكُ بشيءٍ من آثاره، ولو كان من الصالحين، فهذا مخصوص بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ولا يُقاس أحد عليه، لاختصاصه بمقام النبوة.
3) من الناس من يخصّه الله بفضيلة، فخُصّ أبو طلحة رضي الله عنه بالجانب الأيمن كلّه من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان في الصحابة من هو أفضل منه، ولكن فضل الله _عز وجل_ يؤتيه من يشاء.
4) مَن قصد اتّباع السُّنّة في البدء باليمين لما هو من التكريم، والبدء باليسار لما هو من الأذىٰ، أُثيب بالأجر العظيم، علىٰ قصد اتّباعه للسُّنّة النبوية، وإحيائها وتعظيمها.
كتاب أدب الطعام
100 ــ باب التسمية في أوله والحمد في آخره
فائدة:
الطعام: ما يَطْعمه الإنسان، أي ما يتذوق طعمه، فيكون شراباً ويكون أكلاً، فالعنوان يشمل آداب الأكل والشرب.
1/728 ــ عن عُمَرَ بنِ أبي سَلمَةَ رضي الله عنهما قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» متفق عليه .
2/729 ــ وعن عَائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله تعالىٰ، فإنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله تَعَالَىٰ في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الأحاديث:
1) إن تعليم أبنائنا آداب الأكل والشرب هو من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) التسمية علىٰ الأكل واجبة مع الذكر، فإذا تركها الإنسان عمداً فإنه يأثم ويشاركه الشيطان في أكله.
3) الأكل مما يلي غيرك من سوء الأدب، إلا أن يكون الطعام أنواعاً، فلا حرج.
3/730ــ وعن جابِرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إذا دخل الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وعِنْدَ طَعامِهِ، قال الشَّيْطَانُ لأصْحَابِهِ: لا مَبِيتَ لَكُم ولا عَشَاءَ، وإذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ تعالىٰ عِنْدَ دُخُولِهِ، قال الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وإذا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تعالىٰ عِنْدَ طَعَامِهِ قال: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من رحمة الشريعة أن رغبت العبد علىٰ فعل كل ما يحترِزُ به من الشيطان.
2) الشيطان يراقب ابن آدم في عمله وتصرفه، فإذا غفل نال مراده. فالموفّق من حفظ نفسه بلزوم السُّنّة النبوية.
4/731 ــ وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: «كُنَّا إذا حَضَرْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاماً، لَمْ نَضَعْ أيدِيَنَا حَتَّىٰ يَبْدَأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ يَدَه. وَإنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَاماً، فَجَاءَت جَارِيَةٌ كأنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهَا، ثم جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسمُ اللهِ تَعَالىٰ عليه، وإنَّهُ جَاءَ بهذهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بهذا الأعْرابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، والَّذِي نَفسي بِيَدِهِ، إنَّ يَدَه في يَدي مَعَ يَدَيْهِمَا». ثمَّ ذَكَرَ اسمَ الله وأكلَ. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) احترام الصحابة رضي الله عنهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وبيان أدبهم معه.
2) من آداب الطعام أن يُؤثر الكبير بالأكل أولاً، لأن التقدم بين يدي الكبير ينافي الأدب.
3) وجوب تغيير المنكر لمن كان عالماً به ، فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمسك بأيديهم وعلّمهم ما يجب أن يعملوه في آداب الطعام.
5/732 ــ وعن أمَيّةَ بنِ مخْشِيٍّ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه قال: «كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِساً، وَرَجُلٌ يَأْكُلُ، فَلَمْ يُسَمِّ اللهَ حَتَّىٰ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إلَّا لُقْمَةٌ، فلَمَّا رَفَعَهَا إلىٰ فِيهِ، قالَ: بِسمِ اللهِ أَوَّلَـهُ وآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: «مَا زَالَ الشَيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ الله اسْتَقَاءَ مَا في بَطْنِهِ». رواه أبو داود، والنسائي[2].
6/733 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ طَعَاماً في سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا إنَّهُ لَوْ سَمَّىٰ لَكَفَاكُمْ». رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الأحاديث:
[2] الحديث إسناده ضعيف.
1) ذكر اسم الله تعالىٰ يبارك كلّ شيء، فما ذكر العبد اسم ربِّه في شيء إلا حلَّت فيه البركة.
2) الشيطان قريب من الغافل، بعيد عن الذاكر لله تعالىٰ. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ دوام ذكر الله تعالىٰ.
3) استحباب الاجتماع علىٰ الطعام وإن كان قليلاً.
7/734 ــ وعن أبي أُمامةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قال: «الحَمْدُ لله حمداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيه، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلاَ مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ، رَبَّنا». رواه البخاري.
غريب الحديث:
غير مَكْفِيٍّ: غير محتاج لأحد من خلقه، فهو الغني الذي يُطْعِم ولا يُطْعَم.
ولا مُوَدَّع: غير متروك الطلب إليه، بمعنىٰ: أنه المقصود وحده سبحانه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد إذا أكل طعاماً أن يحمد الله سبحانه وتعالىٰ، فهو وحده المستحق للحمد دون غيره، فهو صاحب النعم.
2) العباد كلّهم محتاجون إلىٰ الله، وهو مستغنٍ عنهم، متفضّل عليهم، فالعباد مفتقرون إليه سبحانه في إيجادهم وإمدادهم.
8/735 ــ وعن مُعَاذِ بن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ طَعَاماً فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي أَطْعَمَنِي هذا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) بيان عظيم فضل الله علىٰ عباده، فأمور العباد كلّها من الله _عز وجل_، وليست بحولهم وقوتهم.
2) البشرىٰ لأهل الإيمان بمغفرة ذنوبهم وزيادة النعم، إذا شكروا ربَّهم علىٰ نعمه، ومنها: نعمة الطعام والشراب.
101 ــ باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه
1/736 ــ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «مَا عَابَ رسولُ الله طَعَاماً قَطُّ، إنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ». متفق عليه.
2/737 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدْمَ، فقالُوا: ما عِنْدَنا إلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيقولُ: «نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الأُدم: ما يُؤكل مع الخبز، أي شيء كان.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد أن يعرف قدر نعمة الله سبحانه، فلا يعيب طعاماً علىٰ وجه الكراهية.
2) عظم خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يَعب طعاماً مباحاً.
فائدة:
من أصول التربية الإيمانية منع النفس عمّا تشتهيه أحياناً، فليس كلّ ما اشتهاه المرء سعىٰ إليه، بل علىٰ المؤمن أن يربي نفسه علىٰ الاقتصاد في المعيشة، وعدم الانغماس في الملذات المباحة، بل يأخذ منها قدر حاجته، فالدنيا بكلّ طيّباتها أضيق من أن يتخذها المرء وطناً. ومن وصف عباد الرحمن الذين رغب القرآن بأوصافهم: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفرقان].
فلا نمنع النفسَ حظها من المباحات، ولا نستغرق معها في الملذات.
102 ــ باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر
1/738 ــ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ». رواه مسلم.
قال العُلَمَاءُ: مَعْنَىٰ: «فَلْيُصَلِّ»: فَلْيَدْعُ، ومعنىٰ «فَلْيَطْعَمْ»: فَلْيَأْكُلْ.
هداية الحديث:
1) وجوب تلبية الدعوة، سواء أكان صائماً أو غير صائم، وهي دعوة وليمة العرس.
2) الصوم لا يمنع صاحبه من حضور الوليمة، فيشتغل بالدعاء بالبركة والخير لأهل الدعوة.
فائدة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصّائمُ المتطوّعُ أميرُ نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر». رواه أحمد. فيُستفاد من الحديث:
جواز الفطر في التطوّع لمن دُعي إلىٰ وليمة عرس، خاصة إذا قصد بفطره إدخال السرور علىٰ صاحب الدعوة.
قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلىٰ الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلىٰ الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد ــ يعني مسجد المدينة ــ شهراً،.. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتىٰ أثبتها له، أثبت الله عز وجل قدمه علىٰ الصراط يوم تزل الأقدام». الحديث، رواه ابن أبي الدنيا في كتابه: (قضاء الحوائج) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
103 ــ باب ما يقوله من دُعي إلى طعام فتبعه غيره
1/739 ــ عن أبي مسعود البَدْرِيِّ رضي الله عنه قال: دَعا رَجُلٌ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لِطَعَام صَنَعَهُ لَهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ هذَا تَبِعَنَا، فَإنْ شئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإنْ شِئْتَ رَجَعَ» قال: لاَ، بل آذَنُ لَهُ يا رسولَ الله. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) يجوز للإنسان إذا دعا قوماً أن يحدد العدد، ولا حرج في ذلك.
2) لا حرج علىٰ صاحب البيت ألا يأذن للذي تَبعَ المدعوَّ، وإن أمره بالرجوع فليرجع، لأنه أدب القرآن الكريم: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرجِعُواْ فَٱرجِعُواْ}، لكن من مكارم الأخلاق أن يأذن للطارئ ولا يرجعه.
3) مشروعية الضيافة وتأكد استحبابها.
104 ــ باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يُسيءُ أكله
1/740 ــ عن عمر بن أبي سَلَمَةَ رضي الله عنهما قال: كُنْتُ غُلاماً في حِجْرِ رسولِ الله، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا غُلامُ، سَمِّ الله تَعَالَىٰ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». متفقٌ عليه.
قوله: «تَطِيشُ» بكسر الطاء وبعدها ياءٌ مثناة من تحت، معناه: تتحرّك وتمتدّ إلىٰ نواحي الصَّحْفَةِ.
2/741 ــ وعن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ رضي الله عنه أنَّ رجُلاً أكلَ عِنْدَ رسولِ الله بشِمالِه، فقال: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قال: لا أسْتَطيعُ، قالَ: «لا اسْتَطَعْتَ» ما مَنَعَهُ إلَّا الكِبْرُ! فَمَا رَفَعَهَا إلىٰ فِيهِ. رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) بيان الهدي النبوي في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابَه في كلّ مناسبة، وكذلك علىٰ طالب العلم أن ينتهز الفرص لنشر هدي السُّنّة بين الأُمّة.
2) المستحب للمسلم أن يأكل مما يليه، إلا أن يكون الطعام أطباقاً منوّعة.
3) إظهار عقوبة التارك للسُّنّة عمداً وتكبّراً.
105 ــ باب النهي عن القِرَان بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته
1/742ــ عن جَبَلَةَ بن سُحَيْم قال: أصَابَنا عامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَرُزِقْنَا تَمْراً، وَكَانَ عَبْدُ الله بنُ عُمرً رضي الله عنهما يَمُرُّ بنا ونَحْنُ نَأْكُلُ، فيقولُ: لا تُقَارِنُوا، فإن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم «نَهىٰ عنِ الإقرانِ، ثم يقولُ: إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الإقران: أن يجمع بين تمرتين في الأكل.
هداية الحديث:
1) النهي عن القِرَان في الطعام من غير إذن لمن يؤاكلهم، لما فيه من الظلم للآخرين.
2) شمول الشريعة حتىٰ لجزئيات الآداب، وهذا يدلّ علىٰ عظم قدر التشريع الإسلامي.
106 ــ باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
1/743 ــ عن وَحْشِيِّ بنِ حربٍ رضي الله عنه أَنَّ أَصحابَ رسولِ الله قالُوا : يا رسولَ الله، إنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ، قال: « فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ » قالُوا: نَعَمْ. قال: «فَاجْتَمِعُوا عَلىٰ طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ الله، يُـبَارِكْ لَكُمْ فيه». رواه أبو داود.
هداية الحديث:
1) يستحب للجماعة أن يكون طعامهم في طبق واحد ــ إن أمكن ــ ، فذلك من أسباب نزول البركة.
2) ذكر اسم الله عند الأكل مُحصِّلٌ للبركة، فما ذُكر اسم الله في قليلٍ إلا كثّره، ولا عسيرٍ إلا يسّره.
107 ــ باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها
فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «وَكُلْ مِمَا يلِيكَ». متفقٌ عليه كما سبق.
1/744 ــ وعنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ قال: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسْطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلا تَأْكُلُوا مِنْ وَسْطِهِ». رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
غريب الحديث:
حَافَتَيْهِ: ناحِيتيه.
هداية الحديث:
1) الأكل من وسط الطعام تنزع منه البركة، والأدب في الأكل أن يكون من حافة القصعة.
2) كمال هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تعليم الأمة آداب التناول من الطعام. فما أعظمه من هدي!.
2/745ــ وعن عبدِ الله بن بُسْرٍ رضي الله عنه قال: كان لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَصْعَةٌ يقَالُ لها: الْغَرَّاءُ، يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجال، فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَىٰ أُتِيَ بِـتِلْكَ الْقَصْعَةِ، يعني وقد ثُرِدَ فيها، فَالتَفُّوا عليها، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ أَعرابيٌّ: ما هذه الجَلْسَةُ؟ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَ الله جَعَلَني عَبْداً كَرِيماً، ولَمْ يَجْعَلْني جَبَّاراً عَنِيداً»، ثمَّ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا مِن حَوَالَيْهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فيه». رواه أبو داود بإسناد جيد.
ذِرْوَتَهَا: أَعْلاهَا، بكسر الذال وضمها.
غريب الحديث:
الغَرَّاء: سُميت بذلك لبياضها.
جَثَا: قعد علىٰ ركبتيه جالساً علىٰ ظهور قدميه.
هداية الحديث:
1) بيان كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنايته بأصحابه وجلسائه، وكمال تواضعه.
2) البركة تكون في وسط الطعام، وهي تؤثّر في الطعام كلّه.
فائدة:
شاع بين بعض الناس أن السُّنّة في الجلوس عند الطعام: أن يجثو كهيئة الجلوس للتشهد في الصلاة، وهذا الفعل ليس فيه سنّة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من باب المباحات، وهو جائز لمن فعله، ولا يُحمل الناس علىٰ قول أو فعل، ويُجعل ذلك هدياً متبعاً إلا إذا دلّت السُّنّة دلالة واضحة عليه.
وقاعدة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم: أن نفعل ما فعله، علىٰ الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله. وأن نترك ما تركه، علىٰ الوجه الذي تركه، لأجل أنه تركه.
108 ــ باب كراهية الأكل متّكئاً
1/746 ــ عن أبي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا آكُلُ مُتَّكِئاً». رواه البخاري.
قال الخَطَّابِيُّ: المُتَّكِىٰءُ هُنا: هو الجالِسُ مُعْتَمِداً علىٰ وِطاءٍ تحته، قال: وأَرَادَ أَنَّهُ لا يَقْعُدُ عَلىٰ الْوِطَاءِ وَالْوَسَائِدِ كَفِعْلِ مَنْ يُرِيدُ الإكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، بل يَقْعُدُ مُسْتَوْفِراً لا مُسْتَوْطِئاً، وَيَأْكُلُ بُلْغَةً. هذا كلامُ الخَطَّابي، وَأَشَارَ غَيْرُهُ إلىٰ أَنَّ المُتَّكِئَ هو المائلُ عَلىٰ جَنْبِه، والله أعلم.
هداية الحديث:
1) النهي عن الأكل متّكئاً.
2) الاتّكاء يدلّ علىٰ غطرسة وكبرياء، وهذا من حِكَم نهي الشارع عن هذه الهيئة، والاتّكاء يسبب ضرراً صحيّاً، حيث يكون مجرىٰ الطعام غير مستقيم، وهذا سبب حسي يتعلق بالبدن.
2/747 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رسولَ الله جالِساً مُقْعِياً يَأْكُلُ تَمْراً»، رواه مسلم.
«المُقْعِي»: هو الذي يُلْصِقُ أَليَتَيْهِ بالأرضِ، ويَنْصِبُ سَاقَيْهِ.
هداية الحديث:
1) جواز الأكل مُقْعِياً.
2) إن مما يعين على تقليل الأكل ألا يستقر الإنسان في جلسته، وألا يكون مطمئناً الطمأنينة الكاملة.
109 ــ باب استحباب الأكل بثلاث أصابع ، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، وجواز مسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرهما
1/748 ــ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً، فَلا يَمسَحْ أَصَابِعَهُ حَتَّىٰ يَلْعَقَهَا أَويُلْعِقَهَا». متفق عليه.
2/749 ــ وعن كعْبِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رسولَ الله يَأْكُلُ بِثلاثِ أصَابعَ، فإذا فَرَغَ لَعِقَها». رواه مسلم.
3/750ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله «أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابعِ وَالصَّحْفَةِ، وقال: إنَّكُم لاَ تَدْرُونَ في أَيِّ طَعَامِكم البَرَكَةُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الحثّ علىٰ مسح بقية الطعام في الأصابع، فذلك من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإن تُركَ هذا الأدب. والموفّق من عباد الله من فعل السُّنّة، وحمل الناس عليها بعلم وحلم.
2) كلّ خير في اتّباع الشريعة وآدابها، فيصيب العبد بذلك من البركات ما يفوق العدّ. قال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهتَدُواْ}.
4/751 ــ وعنه أنَّ رسولَ الله قال: «إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ ما كان بها مِن أَذىً، ولْيَأْكُلْهَا، ولا يَدَعْها للشَّيْطَانِ، ولا يَمسَحْ يَدَهُ بالمِنْدِيلِ حتَّىٰ يَلعقَ أَصَابِعَه، فإنه لا يَدرِي في أيِّ طعامِهِ البركةُ». رواه مسلم.
5/752 ــ وعنه أنَّ رسولَ الله قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحضرُ أَحدَكم عِندَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حتىٰ يَحْضُرَهُ عِندَ طَعَامِهِ؛ فَإذا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُم فَلْيَأْخذهَا، فَلْيَمُط ما كانَ بها مِن أَذىٰ، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، ولا يَدَعْهَا للشَّيْطَانِ، فإذا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فإنه لا يَدْري في أيِّ طَعامِهِ تكونُ البَرَكَةُ». رواه مسلم.
6/753 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَكَلَ طَعَاماً لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ، وقالَ: «إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُم فَلْيَأْخُذْهَا، وَليُمِطْ عنها الأذَىٰ، وليَأْكُلْهَا، ولا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ»، وَأمَرَنا أنْ نَسلُتَ القَصعَة، وقال: «إنَّكُم لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُم البَرَكَةُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
نَسْلُت: نمسح.
هداية الأحاديث:
1) تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمّتَه أدباً من آداب الطعام إذا وقع علىٰ الأرض، وهذا يبيّن أن الشريعة قد تأتي علىٰ خلاف الأهواء والآراء وما اعتاده الناس.
2) في هذا الأدب إغاظة للشيطان، في حرمانه من اللقمة الساقطة.
3) الترغيب في حفظ النعمة، مهما قلَّت قيمتها في نظر الناس.
7/754 ــ وعن سعيد بنِ الحارثِ أنَّه سأل جابراً رضي الله عنه عنِ الوضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فقال: «لا، قد كُـنَّا زَمَنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نجدُ مِثلَ ذلك مِنَ الطعامِ إلَّا قَلِيلاً، فإذا نَحنُ وجَدناهُ، لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إلَّا أكُفَّنَا وسَوَاعِدَنا وأقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نتَوَضَّأ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) زهد الصحابة رضي الله عنهم، وتقلُّلهم من الطعام الشهي المنضوج علىٰ النار.
2) لا بأس باستعمال المناديل بعد لعق الأصابع، وهذا لا ينافي ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم لعدم وفرة المناديل في زمنهم.
فائــدة:
المعلم المسدد هو من يرغب الناس في اتباع آداب السنة النبوية، دون أن يصادم الواقع النافع. فدين الله تعالىٰ شامل وصالح لكل زمان ومكان.
110 ــ باب تكثير الأيدي على الطعام
1/755 ــ عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «طَعَامُ الاثنَينِ كافي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كافي الأربعَةِ». متفقٌ عليه.
2/756 ــ وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: سمعتُ رسولَ الله يَقُولُ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثنَيْنِ، وطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأربَعَةَ، وطعامُ الأربَعَةِ يَكْفي الثَّمَانِيَةَ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) استحباب الاجتماع علىٰ الطعام، فالكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع.
2) دعوة الشريعة إلىٰ الاجتماع والائتلاف، والنهي عن الفرقة والاختلاف، حتىٰ في تكثير الأيدي عند الطعام.
111 ــ باب أدب الشرب، واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإناء، وكراهية التنفس في الإناء، واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ
1/757 ــ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله «كانَ يتنَفَّسُ في الشَّرَابِ ثَلاثاً». متفق عليه.
يعني: يَتَنَفَّسُ خَارِجَ الإناءِ.
2/758 ــ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَشْرَبُوا وَاحِداً كَشُربِ البَعِيرِ، ولكِنِ اشْرَبُوا مَثْنىٰ وَثُلاثَ، وَسَمَّوا إذا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إذا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن[3].
3/759 ــ وعن أبي قَتَادَةَ رضي الله عنه أن النبيَّ «نَهَىٰ أن يُتَنَفَّسَ في الإناءِ». متفقٌ عليه.
يعني: يُتَنَفَّسُ في نفْسِ الإناءِ. [3] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الأحاديث:
1) السُّنّة في الشرب أن يشرب ثلاثاً من الإناء، فإنه كما أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «هو أهنأ وأمرأُ وأبرأُ». رواه أبو داود.
2) دعوة الشريعة إلىٰ حفظ صحة الأبدان، فإذا جاء الماء دفعةً واحدة ربما يضرّ، أما إذا أرسله مراسلة علىٰ مرات، كان هذا أبرأ في إزالة العطش، وأبعد عن الأذىٰ.
4/760 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله أُتِيَ بِلبَنٍ قد شِيبَ بِمَاءٍ، وعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابيٌّ، وعَنْ يسَارِهِ أبو بكرٍ رضي الله عنه ، فشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطىٰ الأعْرَابِيَّ، وقال: «الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ». متفقٌ عليه. قوله: «شِيبَ» أي: خُلِطَ.
5/761 ــ وعن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله أُتِيَ بِشرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وعن يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فقال للغُلامِ: «أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَ هؤُلاَءِ؟» فقال الغلامُ: لا والله، لا أُوثِرُ بِنَصِيبي مِنكَ أَحَداً، فَتَلَّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في يدِه. متفق عليه.
قوله: «تَلَّهُ» أَيْ: وَضًعهُ، وهذا الغُلامُ هو ابْنُ عباس رضي الله عنهما.
هداية الأحاديث:
1) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ التيامن في كلّ أمره وشأنه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يعجبه التيامن في كلِّ شيء».
2) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قدَّم المفضول علىٰ الفاضل، لأن أبا بكر رضي الله عنه أفضل من الأعرابي بلا شك، لكن التيامن هو السُّنّة. والموفّق من عباد الله من يجعل السنّة النبوية حاكمة في حياته، وباعثةً علىٰ أقواله، وأفعاله، وأحواله.
فائـدة:
شاع بين أهل العلم قولهم: «لا إيثار في القربات»، كما سبق نقله عن النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ، لكن يرىٰ بعض المحققين من العلماء جواز الإيثار بها.
قال العلامة ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في كتابه الجامع النافع (زاد المعاد في هدي خير العباد) عند ذكره فوائد غزوة الطائف: «ومنها : كَمَالُ مَحَبّةِ الصِّدِّيقِ لَهُ.. وَلهذا نَاشَدَ الْمُغِيرَةَ أَنْ يَدَعَهُ هُوَ يُبَشّرُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِقُدُومِ وَفْدِ الطّائِفِ... وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يَسْأَلَ أَخَاهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِقُرْبَةٍ مِنْ القُرَبِ، وَأَنّهُ يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يُؤْثِرَ بِهَا أَخَاهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ، لَا يَصِحّ. وَقَدْ آثَرَتْ عَائِشَةُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ بِدَفْنِهِ فِي بَيْتِهَا جِوَارَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وَسَألَهَا عُمَرُ ذَلِكَ... فَإِذَا سَأَلَ الرّجُلُ غَيْرَهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِمَقَامِهِ فِي الصّفّ الْأَوّلِ لَمْ يُكْرَهُ لَهُ السّؤَالُ وَلَا لِذَلِكَ الْبَذْلُ... وَمَنْ تَأَمّلَ سِيرَةَ الصّحَابَةِ وَجَدَهُمْ غَيْرَ كَارِهِينَ لِذَلِكَ... وَهَلْ هَذَا إلّا كَرَمٌ وَسَخَاءٌ وَإِيثَارٌ عَلَى النّفْسِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مَحْبُوبَاتِهَا تَفْرِيحاً لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ... وَتَرْغِيباً لَهُ فِي الْخَيْرِ...» ا هـ. ملخصاً.
112 ــ باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم
1/762 ــ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: «نَهَىٰ رسولُ الله عنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ».
يعني: أَنْ تكْسَرَ أَفْوَاهُها، ويُشْرَبُ مِنْها. متفقٌ عليه.
2/763 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه فال: «نَهَىٰ رسولُ الله أَن يُشْرَبَ مِن فِيِّ السِّقاءِ أو القِرْبَةِ». متفقٌ عليه.
3/764 ــ وعن أُمِّ ثَابِتٍ كَبْشَةَ بِنْتِ ثَابِتٍ أُخْتِ حَسَّانَ بْن ثابتٍ رضي الله عنهما قالت: «دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَشَرِبَ مِن فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِماً، فَقُمْتُ إلىٰ فِيهَا فَقَطَعْتُهُ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وَإنَمَا قَطَعَتْهَا، لِتَحْفَظَ مَوْضِعَ فَمِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وَتتبرَّكَ بِهِ، وَتَصُونَهُ عَنِ الابْتِذَالِ. وَهذا الحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلىٰ بَيَانِ الجَوَازِ، والحديثان السابقان لبيان الأفضل والأكمل، والله أعلم.
غريب الحديث:
الأسقية: جمع سقاء، والمراد: المتخذ من الجلد صغيراً كان أو كبيراً.
من فِي: من فم.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن إمالة أفواه الأسقية والشرب منها، خشية وجود أشياء مؤذية في الماء داخل السقاء.
2) النهي خاص بمن باشر فمُه فمَ السقاء، لأن ذلك يُنتن الإناء، أما من صبّ ثمّ شرب، فلا بأس به.
3) جواز شرب الإنسان قائماً إذا دعت الحاجة لذلك، فيكون ارتكاب النهي لحاجة.
4) جواز التبرك بآثار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، وحرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ الاحتفاظ بآثاره ليتبركوا بها، أما غيره صلى الله عليه وسلم فلا يُتبرك بشيء من بدنه أو آثاره، فهذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما شرفه الله به من مقام النبوة.
113 ــ باب كراهة النفخ في الشراب
1/765 ــ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ نَهَىٰ عَنِ النَّفْخِ في الشَّرَابِ، فقال رَجُلٌ: القَذَاةُ أراها في الإناء؟ فقال: «أَهْرِقْهَا» قال: إنِّي لا أَرْوَىٰ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قال: «فَأَبِنِ القَدَحَ إذاً عَنْ فِيكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
2/766 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهىٰ أَنْ يُتَنَفَّسَ في الإنَاءِ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
القذاة: ما يسقط في الشراب، مثل العود الصغير أو ما أشبه ذلك.
أَبِن القدح: أبعده عن فمك.
هداية الأحاديث:
1) الشريعة الإسلامية كاملة من جميع الوجوه، حتىٰ في جزئيات آداب الشرب والطعام.
2) النهي عن النفخ في الإناء خشية خروج أشياء مؤذية وضارّة، وهذا فيه دفع للضرر، وسعيٌ لحفظ الصحة. فهل شرعٌ أجلُّ من دين الإسلام؟!
114 ــ باب جواز الشرب قائماً وبيان أنَّ الأكمل والأفضل الشرب قاعداً
فيه حديث كبشة السابق.
1/767 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سَقَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْ زَمزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. متفق عليه.
2/768 ــ وعن النزَّالِ بنِ سَبْرَةَ رضي الله عنه قالَ: أَتَىٰ عَلِيٌّ رضي الله عنه علىٰ بَابِ الرَّحْبَةِ، فَشَرِبَ قَائِماً، وقالَ: «وإنِّي رَأَيْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَما رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ». رواه البخاري.
3/769 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: كنَّا نَأْكُلُ عَلىٰ عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَمشي، ونَشْرَبُ ونَحْنُ قِيَامٌ. رواهُ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
4/770 ــ وعن عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جدِّه رضي الله عنه قال: رَأَيتُ رسُولَ الله يَشْرَبُ قَائِماً وَقَاعِداً. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
الرحبة: المكان المتسع، وهي هنا رحبة الكوفة.
هداية الأحاديث:
1) جواز الشرب قائماً للحاجة، كما في أماكن الزحام، أو أن يكون مورد الماء عالياً، كما في حديث كبشة بنت ثابت المتقدم (764).
2) علىٰ العالم إذا رأىٰ الناس قد اجتنبوا أمراً أو شيئاً، وهو يعلم جوازه، أن يوضّح لهم وجه الصواب فيه.
5/771 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ: «نَهَىٰ أنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِماً». قال قتادة: فَقُلْنَا لأنَس: فالأكلُ؟ قالَ: ذلك أشَرُّ ــ أَوْ أَخْبَثُ ــ رواه مسلم.
وفي رواية له: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم زَجَرَ عنِ الشُّرْبِ قَائماً.
6/772 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَشْرَبَنْ أَحَدٌ مِنكُمْ قَائِماً، فَمنَ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن الشرب قائماً يفيد الحرمة، لكن يُفعل الحرام أحياناً للحاجة.
2) إنَّ أمر النَّبيِّ الرجلَ أن يستقيء يؤكد النهي الشديد عن الشرب قائماً.
تنبيـه:
ما قاله المصنف رحمه الله تعالىٰ في التبويب: «جواز الشرب قائماً، وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعداً» لا يتفق مع ظاهر النصوص الواردة، لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما شرب قائماً عند حاجته لذلك، فيجوز الشرب قائماً مع وجود الحاجة، والأحاديث كثيرة في الوعيد علىٰ الشرب قائماً، منها:
ما أورده المصنف: «نهىٰ أن يشرب الرجل قائماً»، «زجر عن الشرب قائماً»، «لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسي فلستقئ»، ومنها أمره صلى الله عليه وسلم بالشرب قاعداً، كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه في قصة طويلة: «اقعد واشرب». فمن هذا النهي المُنَوَّع عن الشرب قائماً، والأمر المؤكد بالشرب قاعداً؛ يتبين أن الواجب المتعين هو الشرب قاعداً، إلا لأمرٍ عارضٍ كزحام أو عدم إمكان الجلوس مثلاً. والله أعلم. جاء في كتاب (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني:
بسنة صفوة خير الحجاز
إذا ما شربت فاقعد تفز
وإنما ذاك لبيان الجواز
وقد صححوا شربه قائماً
115 ــ باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً
1/773 ــ عن أبي قتادةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «سَاقِي الْقوْمِ آخِرُهُمْ شُرْباً». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يخدم إخوانه بسقيهم، وأن يكون آخرهم شرباً، من أجل أن يكون مُؤْثراً لهم علىٰ نفسه.
2) حثّ الشَّريعة أتباعها علىٰ تعويد النفس علىٰ الصبر، والتواضع للآخرين.
116 ــ باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة، وجواز الكرع ــ وهو الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد ــ وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
1/774 ــ عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قال: حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إلىٰ أَهْلِهِ، وَبقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَة، فَصَغُرَ المِخْضبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قَالُوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً. متفقٌ عليه. هذه رواية البخاري.
وفي روايةٍ له ولمسلم: «أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا بإنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحِ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيه. قَالَ أنس: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلىٰ الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السبعِينَ إلىٰ الثَّمَانِينَ».
2/775 ــ وعن عبدِ الله بنِ زيدٍ رضي الله عنه قال: «أَتَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً من توْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ». رواه البُخاري.
«الصُّفْر» بضم الصاد، ويجوز كسرها، وهو النحاس، و«التَّوْر»: كالقدح، وهو بالتاء المثناة من فوق.
غريب الحديث:
المِخْضَب: إناء من حجارة.
رَحْراح: واسع قريب القعر.
هداية الأحاديث:
1) جواز الوضوء والغسل في المِخْضب والقدح والخشب والحجارة والنحاس، فالأصل في جميع الأواني الحِلُّ والطهارة.
2) بيان آية من آيات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهي تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه.
3/776 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، ومَعَهُ صاحِبٌ لَهُ، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هذه اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلَّا كَرَعْنَا». رواهُ البخاري. «الشَّنُّ»: القِرْبَة.
غريب الحديث:
كَرَعْنا: تناولنا الإناء بالفم من غير إناء ولا كف.
هداية الحديث:
1) بيان يُسر الشريعة في صفة الشرب.
2) كلّ ما خلقه الله في الأرض فهو مباح، إلا ما قام الدليل علىٰ تحريمه.
4/777 ــ وعن حذيفةَ رضي الله عنه قالَ: إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا عَنِ الحَرِيرِ والدِّيبَاجِ والشُّرْبِ في آنِيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ: «هِيَ لَهُمْ في الدُّنْيَا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ». متفق عليه.
5/778 ــ وعن أُمِّ سلمةَ رضي الله عنها أنَّ رسُولَ الله قال: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ».
وفي روايةٍ له: «مَنْ شَرِبَ في إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ».
غريب الحديث:
يجرجر: الجرجرة: صوت الطعام والشراب وهو ينحدر في البلعوم.
هداية الأحاديث:
1) تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي عن استعمالها في الأكل، والعلّة في ذلك بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة».
2) تحريم لبس الحرير والديباج على الرجال لأن ذلك من سمات الكفّار ولباسهم الخاص، ولهذا دعت الشريعة إلىٰ حصول الفرقان بين زيّ عباد الرحمن وزيّ عباد الشيطان.
3) بشرىٰ لأهل الإيمان الذين يمتثلون أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لهم الجنّة.
كتاب اللباس
117 ــ باب استحباب الثوب الأبيض، وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود، وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير
قالَ الله تعالىٰ: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَد أَنزَلنَا عَلَيكُم لِبَاسا يُوَٰرِي سَوءَٰتِكُم وَرِيشا وَلِبَاسُ ٱلتَّقوَىٰ ذَٰلِكَ خَير} [ الأعراف: 26]، وقال تعالىٰ: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ﴾ [النحل: 81].
هداية الآيات:
1) من حكمة الله سبحانه وتعالىٰ أن جعل بني آدم محتاجين للّباس؛ لتغطية العورة الظاهرة، ومحتاجين للِباس التقوىٰ؛ للعورة الباطنة، وهي المعاصي. فذكرَ اللهُ تعالىٰ نوعين من اللباس: نوعاً ظاهراً حسياً، ونوعاً باطناً معنوياً.
2) اللباس الحسي قسمان: قسم ضروري توارَىٰ به العورة، وقسم كمالي ــ وهو الريش ــ لباس الزينة.
3) لباس التقوىٰ، وهو اللباس المعنوي، خير وأبقىٰ من اللباس الظاهر، فيجب علىٰ العبد أن يعتني بلباس التقوىٰ، ويزيّنه ويجمّله.
1/779 ــ وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ، فَإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ». رواهُ أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
2/780 ــ وعنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْبَسُوا البَيَاضَ، فإنَّهَا أَطهَرُ وأَطْيَبُ، وكَفِّنـُوا فِيها مَوْتَاكُمْ». رواه النسائي، والحاكم وقال: حديث صحيح.
هداية الأحاديث:
1) خير الثياب البيض، وهي أزكىٰ وأطيب، لأنها تدلّ علىٰ الوضاءة والنور، ونقاء الأمة بأفرادها، وصفاء عقيدتها، فإن للباس أثراً علىٰ لابسه.
2) يجب الاعتناء بهيئة كفن الميت، لأن للميت حرمةً.
3/781 ــ وعن البراءِ رضي الله عنه قال: «كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَرْبُوعاً، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْراءَ مَارَأَيْتُ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ». متَّفقٌ عليه.
4/782 ــ وعن أبي جُحَيْفَةَ وهْبِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ النبَّيَّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالأبْطَحِ في قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضوئه، فَمِنْ نَاضِحٍ ونَائِلٍ، فَخَرَجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وعَلَيْهِ حُلَّة حَمْراءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلىٰ بَيَاضِ سَاقَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلالٌ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هاهُنَا وهاهُنا، يقولُ يَمِيناً وشِمَالاً: حَيَّ عَلىٰ الصَّلاةِ، حَيَّ عَلىٰ الفَلاَحِ، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّىٰ يَمُر بَيْنَ يَدَيْهِ الكَلْبُ والحِمَارُ لاَ يُمْنَعُ. متَّفقٌ عليه.
«العَنَزَةُ» بفتحِ النونِ: نحْوُ العُكَّازَةِ.
غريب الحديث:
مَرْبُوعاً: لم يكن طويلاً ولا قصيراً، وكان إلىٰ الطول أقرب.
حُلَّة: ثوب له ظهارة وبطانة من جنس واحد.
الأبْطَح: مكان فسيح من أرض مكة المكرمة، بينه وبين منىٰ قدر ميل، وهو المشهور اليوم بحي المعابدة.
قُبَّة: خيمة.
أَدَم: جلد.
نَاضِح: يرش الماء.
نائِل: مصيب منه وآخذ.
رُكِزَتْ: غُرِزَتْ.
هداية الأحاديث:
1) جواز لباس الأحمر والصلاة فيه، بشرط ألا تكون حمرته خالصة.
2) جواز اتخاذ الأخبية من اللون الأحمر، لأن قُبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من جلد لونه أحمر.
فائـدة:
قال ابن قيّم الجوزية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم): «ولبسَ صلى الله عليه وسلم حلّة حمراء، والحلّة إزارٌ ورداء، ولا تكون حلّة إلا اسماً للثوبين معاً، وغلط من ظنّ أنها حمراء بحتاً لا يخالطها غيره، وإنما الحلّة الحمراء: منسوجة بخطوط حُمْرٍ مع سُوْدٍ، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدّ النهي، ففي صحيح البخاري «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهىٰ عن المياثر الحمر»، وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر، أما كراهته فشديدة جداً، فكيف يُظنّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه لبس الأحمر القاني؟».
5/783 ــ وعن أبي رِمْثَةَ رِفاعَةَ التَّيْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وعلَيْهِ ثوبانِ أَخْضَرانِ. رواهُ أبُو داود، والترمذي بإسْنَادٍ صحيحٍ.
6/784 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ اللهِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. رواهُ مسلم.
7/785 ــ وعن أبي سعيدٍ عمرِو بنِ حُرَيْثٍ رضي الله عنه قال: كأنِّي أنظرُ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْداءٌ، قَدْ أَرْخَىٰ طَرَفَيها بَيْنَ كَتفيْهِ. رواه مسلم.
وفي رواية له: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاءُ.
هداية الأحاديث:
1) جواز لبس الثياب الخضر والسود، وإن كان اللباس الأبيض أفضل منها.
2) جواز لبس العِمامة السوداء في الخطبة وفي غيرها، دون اتخاذها عادة، لأن المداومة علىٰ لبس السواد صار شعاراً لبعض الطوائف المخالفة للسُّنّة.
8/786 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كُفِّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثْوَابٍ بيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُف، لَيْسَ فيهَا قَمِيصٌ وَلاعِمَامَةٌ. متفقٌ عليه.
«السَحُولِيَّةُ» بفتحِ السين وضمها وضم الحاءِ المهملتين: ثيابٌ تُنْسَب إلىٰ سَحُولٍ: قَرْيَةٍ باليَمنِ. «وَالكُرْسُف»: القُطْن.
9/787 ــ وعنها قالت: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَد. رواه مسلم.
«المِرط» بكسر الميم: وهو كساءٌ، «والمُرحَّل» بالحاء المهملة: هُو الذي فيه صورةُ رِحال الإبلِ،وَهِيَ الأكْوَارُ.
10/788 ــ وعن المُغِيرةِ بنِ شُعْبةَ رضي الله عنه قال: كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلَةٍ في مسيرٍ، فقال لي: «أَمَعَكَ مَاءُ؟ » قلت: نَعَمْ، فَنَزَلَ عن راحِلَتِهِ ، فَمَشَىٰ حتىٰ تَوَارَىٰ في سَوادِ اللَّيْلِ، ثم جاءَ، فَأَفْرَغْتُ علَيْهِ مِنَ الإداوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَه وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فلم يَسْتَطعْ أنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ منها حتَّىٰ أخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِه، ثمّ أَهْوَيْتُ لأَنزَعَ خُفَيْهِ، فقالَ: «دَعْهُمَا فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، ومَسَحَ عَلَيْهِمَا. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: وعَلَيْهِ جُبَّةٌ شامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ.
وفي روايةٍ: أَنَّ هذِه الْقَضِيَّةَ كانت في غَزْوَةِ تَبُوكَ.
غريب الحديث:
الإداوة: المطهرة، وهي إناء صغير من جلد يُتخذ للماء.
هداية الأحاديث:
1) وصف كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) الأفضل أن يُكفن الأموات في الثياب البيض، إن تيسّر، ولا يُجعل في الكفن قميصٌ ولا عمامة.
3) جواز لبس الثوب الأسود، دون تخصيصٍ ملتزمٌ بوقت، أو مناسبة، كما يُفعل في المآتم، أو في مناسبات الاستقبال الرسمية.
4) الرخصة الشرعية لـمَن كان لابساً خفَّيْن أو جوربَيْن علىٰ طهارةِ وضوءٍ، أن يمسح عليهما، وهو أفضل من أن يخلعهما ويغسل قدميه.
5) جواز إعانة المتوضئ علىٰ وضوئه، وجواز الاستعانة بالآخرين عند الوضوء.
118 ــ باب استحباب القميص
1/789 ــ عن أُمِّ سَلمةَ رضي الله عنها قالت: كان أَحَبَّ الثِّيابِ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم القَميصُ. رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
القميص: هو الثوب المعروف في بعض البلاد بالجلابية أو الدشداشة.
هداية الحديث:
1) استحباب لبس القميص؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسه، وكان أحب الثياب إليه.
2) لبس ما هو أستر للعورة هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
119 ــ باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء
1/790 ــ عن أسماءَ بنتِ يزيدَ الأنصارِيّة رضي الله عنها قالت: «كان كُمُّ قمِيصِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ الرُّسُغِ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن[4].
هداية الحديث:
1) بيان الهدي النبوي في طول كم القميص؛ بأن يكون إلىٰ الرسغ، والرسغ عند مفصل الكف مما يلي أول الساعد. [4] الحديث إسناده ضعيف.
2) المؤمن السعيد هو من اقتدىٰ برسول الله صلى الله عليه وسلم في عامّة شؤونه، ومن ذلك هيئة اللباس ومقداره.
2/791 ــ وعن ابن عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ الله إليه يَوْمَ القِيَامَةِ»، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسولَ الله، إنَّ إزاري يَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيـَلاءَ». رواه البخاري، وروىٰ مسلم بعضه.
3/792 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلىٰ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً». متفق عليه.
4/793 ــ وعنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْن مِنَ الإزارِ ففِي النَّارِ». روَاه البخاريّ.
5/794 ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامةِ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهم، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَال: فَقَرأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مِرَارٍ. قال أبو ذرٍّ: خابُوا وخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسول الله؟ قال: «المُسْبِلُ، والمنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلفِ الكاذِبِ». رواه مسلم.
وفي روايةِ له: «المُسْبِلُ إزَارَه».
غريب الحديث:
المُسْبِل: المرخي ثوبه تحت الكعبين، والذي يجرّ ثوبه خيلاء.
المنَّان: الذي يمنّ بما أعطىٰ، ويذكر إحسانه ممتنّاً به علىٰ العباد.
هداية الأحاديث:
1) الناس في إسبال الثياب علىٰ وجهين:
الأول: أن يجرّ الثوب خيلاء، والثاني: أن يُنزل الثوب أسفل من الكعبين من غير خيلاء.
2) الذي يجرّ ثوبه خيلاء يُعاقب بأربع عقوبات: لا يكلمه اللهُ يوم القيامة، ولا ينظر إليه ـ يعني نظرة رحمة ـ، ولا يُزكِّيه، وله عذاب أليم.
3) الإسبال من غير خيلاء كبيرة من كبائر الذنوب، لأن فاعله متوعَّد بالنار.
6/795 ــ وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَال: «الإسْبَالُ في الإزارِ وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئاً خُيَلاءَ لَم يَنظُرِ اللهُ إِليهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أبو داود، والنسائي بإسنادٍ صحيح.
هداية الحديث:
1) ليس الإسبال في الإزار فقط، وإنما يتعدّىٰ إلىٰ القميص والعمامة، فينبغي أن يكون كم القميص للرسغ، وطوله دون مجاوزة حدِّ الكعبين، والعمامة دون إطالة زائدة لطرفيها وذؤابتها، لأن كل هذا من الخيلاء.
2) بيان الوعيد الشديد لمن جرّ ثوبه خيلاء.
7/796 ــ وعن أبي جُرَيٍّ جَابِرِ بنِ سُلَيمٍ رضي الله عنه قال: رَأيتُ رَجلاً يصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ، لا يَقُولُ شَيئاً إلَّا صَدَرُوا عنه؟ قلتُ: من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلتُ: عَليكَ السَّلامُ يا رسولَ الله ــ مَرَّتَيْنِ ــ قال: «لا تَقُل عَليكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ تحِيَّةُ المَوْتَىٰ، قُل: السَّلامُ عَلَيْكَ» قال: قلتُ: أنتَ رسول الله؟ قال: «أنَا رسول الله، الذي إذا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِذا أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أنبَتَها لكَ، وإذا كُنتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلاةٍ، فَضَلَّت رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَه رَدَّهَا عَلَيْكَ» قال: قلتُ: اعْهَدْ إليَّ. قَال: «لا تَسُبنَّ أَحَداً» قَال: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّاً، وَلاَ عَبداً، وَلاَ بَعِيراً، وَلا شَاةً. «وَلاَ تَحقِرَنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيْئاً، وأَنْ تكلِّم أخاكَ وأنْتَ مُنْبَسِطٌ إِليهِ وجهُكَ، إنَّ ذلكَ مِنَ المَعرُوفِ، وارفَعْ إزَارَكَ إلىٰ نِصْفِ السَّاقِ، فَإن أَبَيتَ فَإلىٰ الكَعبَين، وإيَّاكَ وإسْبَالَ الإزَارِ؛ فَإِنَّها مِن المَخِيلةِ، وإِنَّ اللهَ لا يحِبُّ المَخِيلَةَ، وإنِ امْرؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فيكَ فَلا تُعَيِّرْهُ بما تَعلَم فيهِ، فإنَّمَا وَبَالُ ذلكَ عَليهِ». رَواه أبو داود والترمذي بإسنادٍ صحيحٍ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
سَنَة: العام القحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئاً.
القَفْر: الأرض التي لا ماء بها ولا ناس.
الفَلاة: الأرض التي لا ماء فيها.
اعْهَدْ إليّ: العهد: الوصية المؤكدة.
المَخِيلة: الاختيال والكبر واحتقار الناس والعجب.
هداية الحديث:
1) وجوب التحاكم في الأمور كلّها إلىٰ الله تعالىٰ، وإلىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم، وحرمة الخروج عن حكمهما.
2) السُّنّة في التحية واحدةٌ في الأحياء والأموات، وأما النهي المذكور عن قول: «عليك السلام» للأحياء، فلأنها تحية الموتىٰ في الجاهلية.
3) إزرة المؤمن إلىٰ نصف الساق، فإن أحب الإطالة فإلىٰ الكعبين، ولا يزيد؛ لأن ذلك من الإسبال.
4) علىٰ الإنسان أن يكون متواضعاً دائماً، في لباسه، ومشيته، وهيئته، وكلّ أحواله، لأن من تواضع لله تعالىٰ رفعه.
5) المتمثل لهذه الآداب التي علّمها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمّتَه، يحصل له أمران نافعان:
الأول: امتثال أمر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهذا سبب لهداية العبد ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾.
والثاني: التحلّي بحسن الخلق، وجمال الهيئة، من خلال التأدب بهذه الآداب الشرعية، التي هي سمةُ أهل الإسلام الظاهرة.
فائدة نفيسة:
قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضرّ فدعوته» إلىٰ آخر الكلام، معناه ردُّ الأمور كلِّها إلىٰ الله تعالىٰ، فبيدِهِ وحده الخير والشرّ، والنفع والضرّ، ولا يتوهَّم أحد أنَّ المراد بذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويؤكّد بطلان هذا الوهم عمومُ الأدلة التي فيها تفويض الأمر إلىٰ الله تعالىٰ، وقد ورد للحديث رواية عند الإمام أحمد في مسنده بلفظ: «قلت يا رسول الله! إلَامَ تدعو؟ قال: أدعو إلىٰ الله وحده الذي إن مسّك ضرّ فدعوته كشفه عنك» الحديث .
8/797 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلٌ إزَارَهُ، قَال لَه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهَب فَتَوضَّأْ» فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ، ثمّ جاءَ، فقال: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأ» فقال له رجُلٌ: يا رسول الله، مالكَ أَمَرْتَهُ أَن يَتَوَضَّأ، ثم سَكَتَّ عنه؟ قال: «إنَّه كانَ يُصَلِّي وهو مُسِبلٌ إزَارَهُ، وإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ صَلاةَ رَجُلٍ مُسبِلٍ». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ علىٰ شرط مسلم[5].
هداية الحديث:
1) وجوب تغيير المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. [5] الحديث إسناده ضعيف.
2) الترهيب من الوعيد الشديد للمسبل ثوبه.
فائدة:
صلاة المسبل صحيحة، ولكنه آثم، لأنَّ النّهيَ هنا خاصٌ بالصّلاة، ولبس الثوب المحرَّم عام في الصّلاة وغيرها، فلا يختصّ بها، لكن علىٰ العبد أنْ يتّقيَ اللهَ _عز وجل_، وألاّ يتخذَ من نِعَمِ الله تعالىٰ وسيلة لغضبه. والمؤمن الموفّق مَن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله فيفعل ما أمَرَ به، وفي نهيه فيترك ما نهىٰ عنه.
9/798 ــ وعن قَيسِ بنِ بشرٍ التّغْلِبيِّ قال: أَخْبَرني أبي ـ وكان جَلِيساً لأبي الدَّرْدَاء ـ قال: كان بِدمِشقَ رَجُلٌ من أَصحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يقال له سهلُ بنُ الحَنْظَلِيَّة، وكان رجُلاً مُتَوَحِّداً قَلَّمَا يُجَالسُ النَّاسَ، إنَّمَا هُو صَلاةٌ، فَإِذا فَرَغَ فَإِنَّمَا هو تَسبيحٌ وتكبيرٌ حتىٰ يَأْتي أَهْلَهُ، فَمَرَّ بِنَا ونحنُ عِند أبي الدَّردَاءِ، فقال له أبو الدَّردَاءِ: كَلِمةً تَنْفَعُنَا ولا تَضُرُّكَ، قَال: بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سَريَّةً، فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنهُم، فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الذي يَجلِسُ فِيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لِرَجُلٍ إلىٰ جَنْبِه: لَوْ رَأَيتَنَا حِينَ التَقَيْنَا نَحنُ وَالعَدُوّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَال: خُذْهَا مِنِّي، وَأَنا الغُلامُ الغِفَارِيُّ، كَيْفَ تَرىٰ في قوْلِهِ؟ قال: مَا أرَاهُ إِلَّا قَدْ بَطَلَ أجرُهُ. فَسَمعَ بِذلك آخَرُ، فَقال: مَا أَرَىٰ بِذلكَ بَأْساً، فَتَنَازَعَا حَتىٰ سَمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال. «سُبْحَان الله! لا بَأْسَ أَنْ يُؤْجَرَ ويُحْمَدَ» فَرَأيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ سُرَّ بِذلكَ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأْسَه إِليْهِ وَيَقُولُ: أَنْتَ سَمِعْتَ ذلكَ مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: نَعَمْ، فما زَالَ يعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّىٰ إِنِّي لأقولُ لَيَبرُكَنَّ عَلىٰ ركبَتَيْهِ.
قال: فَمَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فقال له أبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُنْفِقُ عَلىٰ الخَيْلِ كالبَاسِطِ يَدَه بالصَّدَقة لا يَقْبِضُها».
ثم مَرَّ بِنَا يَوماً آخَرَ، فقال له أبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرُّكَ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الرَّجُلُ خَرَيْمٌ الأسَدِيُّ لَولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإِسْبَالُ إزَارِهِ»! فَبَلَغَ خُرَيماً، فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفرَةً فَقَطَعَ بها جُمَّتَهُ إِلىٰ أُذَنيْهِ، وَرَفَعَ إزَارَهُ إلىٰ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ.
ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَىٰ إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حتَّىٰ تكُونُوا كأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ، فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفُحْشَ وَلاَ التَّفَحُّشَ».
رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ، إلَّا قَيْسَ بن بشر، فاخْتَلَفُوا في تَوثِيقِهِ وتَضعيفِهِ، وقد روىٰ له مسلم[6].
غريب الحديث:
مُتَوَحِّداً: يحب الوحدة والانفراد عن الناس. [6] الحديث إسناده ضعيف.
جُمَّتِه: الشعر إذا طال حتىٰ بلغ المنكبين وسقط عليهما.
هداية الحديث:
1) لا بأس أن يفتخر المؤمن أمام العدو بما هو جائز في الدين فعله، لأن هذا مما يغيظ الأعداء، وهو محمود.
2) امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وامتثالهم لإرشاده، فالتَّشَبُّه بهم من علامة الإيمان الصادق.
3) علىٰ الإنسان أن يلاحظ نفسه في كلّ الأمور، حتىٰ في جمال الثياب، حتىٰ تتميز الأمة الإسلامية مِنْ غيرها مِنَ الأمم.
4) إن تقصير الثياب بما يوافق السُّنّة ليس قادحاً في الجمال، بل الشريعة دعت إلىٰ التزيّن والتجمّل بما يتوافق مع هدي الإسلام.
تنبيـه:
الحديث ضعيف بهذا اللفظ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنَّ اللهَ لا يحب الفحش ولا التَّفحُّش» فقد رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قال: «أتىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ناسٌ من اليهود، فقالوا: السّام عليك يا أبا القاسمِ، فقال: وعليكمُ، قالت عائشة: فقلت: وعليكم السّام والذام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لا تكوني فاحشة... إنَّ الله _عز وجل_ لا يحب الفحشَ ولا التَّفَحُّشَ، فنزلت هذه الآية: { وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوكَ بِمَا لَم يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} حتىٰ فرغ».
10/799 ــ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إزْرَةُ المُسْلِمِ إلىٰ نِصْفِ السَّاقِ، وَلاَ حَرَجَ ـ أوْ لا جُنَاحَ ـ فيما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فَما كانَ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ فَهُوَ في النَّارِ، ومَنْ جَرَّ إزارَهُ بَطَراً لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ». رَواهُ أبُو داود بإسنادٍ صحيح.
11/800 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: مَرَرْتُ عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وفِي إزَاري اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الله، ارْفَعْ إزَارَكَ»، فَرَفَعْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «زِدْ»، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْد. فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: إِلىٰ أَيْنَ؟ فَقَالَ: إِلىٰ أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رواهُ مُسلم.
12/801 ــ وعنه قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خيلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ، قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْراً». قَالتْ: إذاً تَنكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ. قَال: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعاً لاَ يَزِدْنَ». رواهُ أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح.
هداية الأحاديث:
1) من ترك ثوبه ينزل إلىٰ أسفل من الكعبين فقد أتىٰ بمخالفة شديدة للشريعة، سواء فعل ذلك خيلاء أو لغير خيلاء، للوعيد الشديد الوارد علىٰ مجرد إسبال الثياب.
2) قدما المرأة عورة، في الصلاة وغيرها، فالمرأة تلبس من الثياب ما يستر عورتها ولا يظهرها.
3) كمال حياء الصحابيات رضي الله عنهنّ، فها هي أم المؤمنين رضي الله عنها تخشىٰ أن ينكشف شيء من عورة النساء فتطلب مزيد الستر، فأين هذا من تبرج بعض نساء المسلمين اليوم؟
فائدة:
تفريق المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في حكم الإسبال، بين قصد الخيلاء وعدم الخيلاء، لا يتفق مع النصوص الصريحة في النهي عن الإسبال عموماً، والظاهر أن التفريق في النصوص إنما هو في عقوبة الإسبال فقط، أما الحكم فكلاهما حرام. وتتفاوت مرتبة حرمته، والله أعلم.
120 ــ باب استحباب ترك الترفع في اللِّباس تواضعاً
قَدْ سَبَقَ في بابِ (فضل الجُوعِ وَخُشُونَةِ العَيْشِ) جُمَلٌ تَتَعلَّقُ بِهذا البَابِ
1/802 ــ وعن معاذِ بن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَواضعاً لله، وَهْوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ عَلىٰ رُؤُوسِ الخَلائِقِ، حتَّىٰ يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإيمانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا». رواهُ الترمذيّ وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يلبس ما تقتضيه الحال، فإن كان مع أناسٍ يلبسون متضع الثياب، فترْكُ رفيعِ الثياب تواضعاً لله، ومواساةً لمن كان حوله من الناس هو المتعيّن، أما إذا كان بين أناسٍ قد أغناهم الله ويلبسون نفيس الثياب، فإنه يلبس نحو ثيابهم.
2) تكفّل الله _عز وجل_ بتزيين من ترك الزينة، تواضعاً له، وزهداً في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل.
121 ــ باب استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزري به لغير حاجة ولا مقصود شرعي
1/803 ــ عن عمرِو بن شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرىٰ أَثرَ نِعْمَتِهِ عَلَىٰ عَبْده». رَواهُ الترمذيّ، وقال: حديثٌ حسن.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يقتصد في جميع أحواله: لباسَه، وطعامَه، وشرابَه، من غير جحودٍ للنِّعَم.
2) إن الله يحب أن يرىٰ أثر نعمته علىٰ عبده، سواء أكانت النعمة مالاً أم علماً، وإلا كان هذا من كتمان النعمة.
122 ــ باب تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء
1/804 ــ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ». متفقٌ عَليه.
2/805 ــ وعنه قال: سمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ للبُخاري: «مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ في الآخِرَةِ».
قَولُه: «مَنْ لا خَلاقَ لَهُ»، أَيْ: لاَ نَصِيبَ لَهُ.
3/806 ــ وعن أنس رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ». متفقٌ عليه.
4/807 ــ وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ حَرِيراً، فَجَعَلَهُ في يَمِينِهِ، وَذَهَباً فَجَعَلَهُ في شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلىٰ ذُكُورِ أُمَّتي». رواهُ أبو داود بإسناد حسن.
5/808 ــ وعن أبي مُوسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلىٰ ذُكُورِ أُمَّتي، وَأُحِلَّ لإناثِهِمْ». رواهُ الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
6/809 ــ وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: «نَهَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأكُلَ فِيهَا، وعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْه». روَاهُ البخاريّ.
هداية الأحاديث:
1) لباس الحرير والجلوس عليه للرجال من كبائر الذنوب، لأن فيه الوعيد الشديد، وكلّ ذنبٍ فيه وعيد بعذاب الآخرة فهو كبيرةٌ من كبائر الذنوب.
2) من تمتّع بمعصية الله في الدنيا تُوعّد علىٰ ذلك بحرمان نعيم الآخرة.
3) لبس الحرير والذهب حلال لنساء الأمة، حرامٌ علىٰ ذكورها، وهذا من جملة الأحكام التي يفترق حكمها بين الرجال والنساء.
4) إن تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة مشترك بين الرجال والنساء، لأنها آنية الكفار، ولا يجوز لأهل الإسلام أن يتشبهوا بالكفار.
123 ــ باب جواز لبس الحرير لمن به حِكّة
1/810 ــ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: رَخَّصَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، للزُّبـَيرِ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ ابنِ عَوْفٍ رضي الله عنهما في لُبْسِ الحَرِير لحكَّةٍ بهِمَا، متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الحرير ليّن وناعم وبارد يناسب الحكّة فيطفئها، ولهذا رخّص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في لبسه للضرورة.
2) بيانُ يُسْرِ الدين، وسماحةِ الشريعة، ومراعاتها لأحوال الناس، فَلْيهنأ المؤمنون بتمسّكهم بشريعة ربِّ العالمين.
فائدة:
يجوز لبس الحرير للرجال في أربعة أحوال:
الأول: إذا كان لحاجة كالحكّة، ويكون مما يلي الجسد.
الثاني: إذا كان أربعة أصابع فأقل.
الثالث: إذا كان الحرير مختلطاً بغيره، والأكثر ظهوراً ما عدا الحرير.
الرابع: في الحرب من أجل إغاظة الكفّار.
124 ــ باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها
1/811 ــ عن مُعاوِيةَ رضي الله عنه قَالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَرْكَبُوا الخَزَّ وَلاَ النِّمَارَ» حديث حسن، رواهُ أبو داود وغيره بإسنادٍ حسنٍ.
2/812 ــ وعن أبي المَلِيحِ عن أبيهِ رضي الله عنه أَنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم «نَهَىٰ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ».
رواهُ أبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ بأسَانِيدَ صحاح.
وفي روايةِ الترمذي: «نَهىٰ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ».
غريب الحديث:
الخَزّ: الحرير.
النِّمَار: جلود النمور.
هداية الأحاديث:
1) لا يجوز للإنسان أن يلبس فرواً من جلود النمار أو من جلود السباع، ومن حكمة النهي: أن طبيعة الافتراس التي جُبلت عليها هذه الحيوانات تؤثر علىٰ لابس جلودها، وكذلك يحرم افتراشها، والركوب عليها.
2) تحريم الركوب علىٰ السرج المصنوعة من الحرير، لما في ذلك من التكبّر والإسراف المحرَّم.
3) النهي عن التشبّه بأهل الترف والفسوق، ومشابهة أعمال الجبابرة، فإن المرء يتأثّر بمن يتشبّه بهم.
4) اهتمام الشريعة بالهدي الظاهر، للتلازم بين الظاهر والباطن.
125 ــ باب ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً أو نعلاً أو نحوه
1/813 ــ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اسْتَجَدَّ ثَوْباً سَماهُ بِاسْمِهِ، عِمَامَة، أَوْ قَمِيصاً، أَوْ رِدَاءً، يَقُولُ: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وخَيْرَ مَا صُنعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنعَ لَهُ».
رواهُ أَبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) استحباب تسمية الثوب باسمه، مع مباشرة الدعاء عند لبسه، فهذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) إظهار حمد الله علىٰ كلِّ حالٍ من الأحوال، فهذا من تمام العبودية للمُنعِم، فكلُّ ما يأتي العبدَ فهو من الله المتفضّل علىٰ عباده بنِعَمِه.
3) الوصية النبوية للعبد أن يسأل اللهَ خيرَ ما في الأشياء التي يباشرها، ويستعيذ به من شرِّ ما فيها.
126 ــ باب استحباب الابتداء باليمين في اللباس
هذا الباب قد تقدم مقصوده وذكرنا الأحاديث الصحيحة فيه.
فائدة:
مضت السُّنّة أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في كلّ ما هو محمود ومكرّم، كالوضوء واللباس والضيافة ونحو ذلك؛ فالهدي النبوي في اللباس أن يُبتدأ بطرفه الأيمن ثمّ الأيسر.
كتاب آداب النوم
127 ـ باب آداب النوم والاضطجاع
1/814 ــ عن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنهما قال: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَوَىٰ إلىٰ فرَاشه نام عَلىٰ شقه الأَيمنِ، ثم قال: «اللهمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمرِي إِلَيكَ، وَأَلجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلجَأَ وَلاَ مَنْجىٰ مِنْكَ إِلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».
رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأدب من صحيحه.
2/815 ــ وعنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلىٰ شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلْ» وَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفيه: «وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُول». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) استحباب الاضطجاع علىٰ الشقّ الأيمن، لأنها صفة لا تثقل القلب، فهذه الهيئة أوفق للسُّنَّة، وأرفق للجسم.
2) استحباب أن يبيت المسلم علىٰ طهارة، فيكون أبعد من تلاعب الشيطان به.
3) من حكمة الله تعالىٰ ورحمته أن شرع لأفعال العباد أذكاراً مخصوصةً، لئلا يغفل الإنسان عن ذكر الله.
3/816 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ إحْدَىٰ عَشَرَةَ رَكْعَةً، فَإذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلىٰ شِقِّهِ الأَيمَن، حَتَّىٰ يَجِيءَ المُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
فَيُؤْذِنَه: يُعلمه باجتماع الناس.
هداية الحديث:
1) من حكمة الله _عز وجل_ ونعمته علينا في شرعه، أن أطلعنا علىٰ ما كان يعمله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في السرّ، بوساطة زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
2) يسنّ تخفيف ركعتي الفجر، بشرط ألا يخلّ بالطمأنينة.
3) جواز الاضطجاع علىٰ الجنب الأيمن بعد سنّة الفجر لمن تطوّع في بيته، وهذه الضجعة لمن كان له تهجد من الليل وصلاة وطول قيام.
4/817 ــ وَعَن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللهمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» وَإذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ لله الَّذي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتنَا وَإلَيْهِ النُّشُورُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) وضع اليد اليمنىٰ تحت الخدّ الأيمن عند الاضطجاع علىٰ الشقّ الأيمن هو الهدي النبوي المبارك.
2) استحباب الحمد علىٰ كلِّ حال، فإن الله سبحانه وتعالىٰ هو المتصرّف في الكون لا أحد سواه.
5/818 ــ وعن يَعِيشَ بنِ طِخْفَةَ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه قال: قال أبي: بَيْنَما أَنا مُضْطَجِعٌ في المَسْجِدِ عَلىٰ بَطْني إذا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي بِرِجْلِهِ، فقال: «إنَّ هذِهِ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ». قالَ: فَنَظَرْتُ، فَإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الحديث:
1) إظهار الكراهية الشديدة للنوم علىٰ البطن، لأنها نومة يبغضها الله، لا سيما في الأماكن التي يغشاها الناس.
2) إن من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم النهي عن المنكر وعن الأخطاء الشائعة.
6/819 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لا يَذْكُرُ اللهَ تعالىٰ فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِن اللهِ تِرَةٌ». رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.
«التِّرَةُ» بكسر التاءِ المثناة من فوق، وهي: النَّقْصُ، وَقِيلَ: التَّبعَةُ.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يُكثر من ذكر الله، قائماً، وقاعداً، وعلىٰ جنبه، فأعمال العباد كلّها محصيّة عليهم.
2) إن كمال مجالس الناس تتحقق بذكر الله تعالىٰ، أما المجالس التي لا يُذكر اللهُ فيها فهي حسرة علىٰ أهلها، فأين مجالس كثير منا اليوم؟! مليئة بذكر الناس وغيبتهم، وخالية من ذكر اللهَ تعالىٰ في غالب الأوقات!.
128 ــ باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعاً ومحتبياً
1/820 ــ عن عبدِ الله بنِ زيدٍ رضي الله عنهما أَ نَّهُ رأَىٰ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِياً في المَسْجِدِ، وَاضِعاً إحْدَىٰ رِجْلَيْهِ عَلىٰ الأخْرَىٰ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) جواز الاستلقاء علىٰ القفا، ووضع إحدىٰ الرجلين علىٰ الأخرىٰ، في وقت الراحة لا عند مجتمع الناس.
2) جواز الاضطجاع والاتكاء ونحوها من هيئة الاستراحة في المسجد، بشرط أن يأمن المستلقي انكشافَ العورة.
فائدة:
ورد في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهىٰ عن وضع إحدىٰ الرجلين علىٰ الأخرىٰ عند الاستلقاء علىٰ الظهر».
قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في معنىٰ الحديث: «قال العلماء: أحاديث النهي عن الاستلقاء رافعاً إحدىٰ رجليه علىٰ الأخرىٰ محمولة علىٰ حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فكان علىٰ وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لابأس به ولا كراهة فيه علىٰ هذه الصفة... والله أعلم». (شرح صحيح مسلم).
2/821 ــ وعن جَابر بن سَمُرةَ رضي الله عنه قال: «كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صَلَّىٰ الْفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِهِ حَتَّىٰ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ» حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيدِ صحيحة.
3/822 ــ وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفِنَاءِ الكَعْبَةِ مُحْتَبِياً بِيَدَيْهِ هَكَذا، وَوَصَفَ بيدَيْهِ الاحْتِبَاءَ، وَهُوَ القُرْفُصَاءُ». رواه البخاري.
4/823 ــ وعن قَيْلَةَ بنتِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنها قالت: رَأيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصاءَ، فَلَمَا رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم المُتَخَشِّعَ في الجِلْسَةِ أُرعِدْتُ مِنَ الفَرَق. رواه أبو داود، والترمذي.
5/824 ــ وعنِ الشَّرِيد بنِ سُوَيدٍ رضي الله عنه قال: مَرَّ بي رسولُ الله وَأَنا جَالِسٌ هكَذا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ اليُسْرَىٰ خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَكَأْتُ عَلىٰ أَلْيَةِ يَدِي، فقال: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم؟». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
غريب الحديث:
حسناء: بيضاء.
الاحْتِبَاء: جِلسة المحتبي أن يقيم فخذيه وساقيه، ويجعل يديه مضمومتين علىٰ الساقين.
الفَرَق: الخوف.
أَلْيَة: اللحمة التي في أصل الإبهام وما تحته.
هداية الأحاديث:
1) جواز أن يقعد الإنسان متربّعاً ومحتبياً، فهذا من التوسعة علىٰ الناس.
2) أهل الإيمان بهيئتهم يَخَافهم غيرهم ويهابهم، فلِمَ لا يهابنا عدُّونا؟ إن سبب ذلك الوهن: حب الدنيا، وكراهية الموت! فهل من عودة لتحريك الإيمان في الأُمة؟!
3) يُنهىٰ عن قعدة المغضوب عليهم؛ بأن تُجعل اليد من خلف الظهر، ويُجعل بطن الكف علىٰ الأرض ويُتكأ عليها.
تنبيــه:
نهت الشريعة عن التشبّه بالأمم الكافرة عموماً، ومن ذلك: النهي عن التشبّه بالمغضوب عليهم، وهم اليهود، فهذه الأمة المحمدية المرحومة، عليها أن تتميز في كلّ شيء، حتىٰ في جلستها.
129ــ باب آداب المجلس والجليس
1/825 ــ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُقيمَنَّ أَحَدُكُمْ رَجُلاً مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَوَسَّعُوا وَتَفَسَّحُوا» وَكَانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ من مَجْلِسِهِ، لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. متفقّ عليه.
هداية الحديث:
1) إظهارالسُّنّة النَّبويَّة في التوسّع في المجلس بقول: « تفسَّحوا في المجالس»، فإظهار هذا الأدب يجعل قلوب أهل الإيمان متحابّة متماسكة.
2) بيان ورع ابن عمر رضي الله عنهما.
2/826 ــ وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله قال: «إذا قامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إذا قام صاحب المجلس لحاجة ثمّ عاد، فهو أولىٰ بمجلسه من غيره.
2) حرص الإسلام علىٰ إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه؛ ردعاً لشهوات النفوس، واحتراماً لحقوق الأخوّة الإيمانية.
3/827 ــ وعن جَابِر بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنهما قال: «كُنَّا إذا أتيْنَا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهي».
رواه أَبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) بيانُ أدبٍ من آداب المجلس، وهو أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس.
2) يستحب الأدب عموماً، وفي مجالس العلم خصوصاً، لأنها أشرف المجالس وأولاها بالأدب.
4/828 ــ وعن أبي عبدِ الله سَلمَانَ الفارسيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّر ما اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرِ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذا تكَلَّمَ الإمامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخْرَىٰ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) من آداب الحضور إلىٰ الجمعة ألا يفرق بين اثنين، إلا إذا كان هناك فرجة فالمشي لسدها ليس من التفريق.
2) تكفير الذنوب من الجمعة إلىٰ الجمعة؛ مشروط بوجود جميع ما تقدم من آداب الجمعة الواردة في الحديث. فالثواب التام، مرتب علىٰ العمل التام.
5/829 ــ وعن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أَبيهِ عن جَدِّهِ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بإذْنِهِمَا». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
وفي روايةٍ لأبي داود: «لا يَجْلسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلا بإذْنِهِمَا».
هداية الحديث:
1) لا يجوز التفريق بين اثنين إلا إذا أَذِنَا لك في هذا، إما إذْناً بالقول، أو بالفعل.
2) علىٰ المسلم أن يحترم مشاعر الآخرين ولا يضيّق عليهم.
6/830 ــ وعن حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم «لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الحَلْقَةِ». رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.
وروىٰ الترمذي عن أبي مِجْلَزٍ: «أَنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسْطَ حَلْقَةٍ، فقال حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلىٰ لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، أَوْ: لَعَنَ اللهُ عَلىٰ لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الحَلْقَةِ». قال الترمذي: حديث حسن صحيح[7].
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يجلس حيث انتهىٰ به المجلس، ولا يتوسط الحلقة. [7] الحديث إسناده ضعيف.
2) مِن الحكمة في النهي عن الجلوس وسط الحلقة، لأنه يحول بين الناس في مجلسهم، فهذا نوعُ عدوانٍ عليهم، وعلىٰ حقوقهم.
7/831 ــ وعن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خَيْرُ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا»..
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح علىٰ شرطِ البخاري.
هداية الحديث:
1) المجالس الواسعة هي خير المجالس، لما فيها من انشراح الصدر وسعته.
2) علىٰ الجالسين دفع كل ما يُفضي إلىٰ ضيق المجلس، حتىٰ لا يفقد المجلس ثمرته، وخاصة إن كان مجلس علم.
8/832 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فقال قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذلكَ: سُبْحَانَكَ اللهم وَبحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذلكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
9/833 ــ وعن أَبي بَرْزَةَ رضي الله عنه قال: كَانَ رسولُ الله يقولُ بِأخَرَةٍ إذا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ المَجْلِسِ: «سُبْحَانَكَ اللهم وَبحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ» فقال رجل: يا رسول الله، إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَىٰ؟ قال: «ذلكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يكونُ في المَجْلِسِ». رواه أبو داود.
ورواه الحاكم أبو عبد الله في (المستدرك) من رواية عائشة رضي الله عنها وقال: صحيح الإسناد.
غريب الحديث:
لَغَطُه: كلامه الذي لا نفع فيه.
بِأَخَرَة: في آخر المجلس.
هداية الأحاديث:
1) من جلس مجلساً كثر فيه لغطه، يكفّره الدعاء الوارد في كفّارة المجلس، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ حفظه، وذكره في المجالس، وتعليمه للجالسين.
2) هذا الدعاء فيه تنزيه الله عن كلّ نقص، وحمده علىٰ كلّ فعل، وإثبات الألوهية لله تعالىٰ وحده، والرجوع إليه بالاستغفار والتوبة.
فائدة:
هذا الدعاء يُقال حتىٰ في ختام مجالس الخير والذكر، فيكون كالختم عليها، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، الذي رواه النسائي في (عمل اليوم والليلة) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً، أو صلَّىٰ صلاةً تكلم بكلماتٍ، فسألْتُـهُ عن هذه الكلمات؟ فقال: «إنْ تَكلَّمَ بخير كان طابعاً عليهن إلىٰ يوم القيامة، وإنْ تَكلَّمَ بغير ذلك كان كفارة له: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
10/834 ــ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلَّما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقومُ مِن مَجْلِسٍ حتىٰ يَدْعُوَ بهؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ: «اللهم اقسِم لَنَا مِن خَشْيَتِكَ ما تَحُولُ بهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيْكَ، ومن طَاعَتِكَ ما تُبَلّغُنا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليَقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينا مَصَائِبَ الدُّنيَا. اللهم مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وأَبصَارِنَا، وقوَّتِنَا ما أَحْيَيْتَنَا، واجعلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجعَلْ ثَأْرَنَا عَلىٰ مَنْ ظَلَمَنا، وانْصُرْنَا عَلىٰ مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَل مُصِيبَتَنَا في دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا، ولا مَبلَغَ عِلمِنَا، ولاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا»، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الدعاء بما يَحُول بين الإنسان وفعل المعصية، وهو خشية الله تعالىٰ، وكلّما زادت خشية العبد لله تعالىٰ زاد تعظيمه لربِّه جلَّ وعلا.
2) علىٰ العبد دوام الاستعانة بالله تعالىٰ، فالتوفيق إلىٰ الطاعة لا يكون إلا بعون منه جلَّ وعلا.
3) استحباب طلب بقاء النعمة ودوامها، والتمتع بها في غير معصية.
4) هذا الذكر ليس بلازم دائماً، وإنما المقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول كثيراً.
11/835 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ قَوْمِ يَقومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللهَ تعالىٰ فِيهِ، إلا قَامُوا عَنْ مِثلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وكانَ لَهُم حَسرَةً».
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
12/836 ــ وعنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا جَلَسَ قَومٌ مَجْلِسَاً لم يَذْكُرُوا اللهَ تعالىٰ فِيهِ، ولَمْ يُصَلُّوا علىٰ نَبِيِّهم فِيهِ، إلَّا كانَ عليهِمْ تِرَةٌ، فَإن شَاءَ عَذَّبَهُم، وإن شَاءَ غَفَرَ لَهُم». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
13/837 ــ وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لم يذكرِ اللهَ تعالىٰ فِيهِ كانَت عليهِ مِنَ الله تِرَةٌ، وَمَنِ اضطَجَعَ مَضْجَعاً لا يَذْكُرُ اللهَ تعالىٰ فِيهِ كانتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةٌ». رواه أبو داود.
وقد سبق قريباً، وَشَرَحنا «التِّرَةَ» فِيهِ.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد إذا جلس مجلساً أن يغتنمه بذكر الله _عز وجل_، والصَّلاة علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإلا كان المجلس حسرة عليه.
2) بذكر الله تطيب المجالس وتطمئن القلوب، فذِكْرُ الله غذاء، وذِكْرُ الناس داء.
فائدة:
قال الإمام الحسن البصري في قول الله تعالىٰ ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾:
«إن من أعظم النفقة، نفقة العلم» وفي أثر آخر:
«نعمت العطية، ونعمت الهدية، الكلمة من الخير، يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم» وفي أثر عن أبي الدرداء: «ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخواناً له مؤمنين، فيتفرقون وقد نفعهم الله بها». (مجموع الفتاوىٰ).
130 ــ باب الرؤيا وما يتعلق بها
قال الله تعالىٰ: {وَمِن ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} [الروم: 23].
فائدة:
المنامات والمرائي: تنقسم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الرؤيا الصالحة الحسنة؛ إذا رأىٰ الإنسان ما يحب، فليحدث بها من يحب، وهي بشرىٰ من الله _عز وجل_.
القسم الثاني: الرؤيا المكروهة؛ وهي من الشيطان.
القسم الثالث: الذي ليس له تأويل معيّن؛ فهذا يكون من حديث النفس، أو تلاعب الشيطان في المنام، أو بأسباب أخرىٰ.
1/838 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلَّا المُبَشِّراتُ» قالوا: وَمَا المُبَشِّراتُ؟ قال: «الرُّؤْيَا الصالِحَةُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الرؤيا الصالحة لا يراها إلا المؤمن، وقد تُرىٰ له، وهي إكرام من الله لعبده، وتُعتبر من عاجل بشرىٰ المؤمن.
2) الرؤيا الصالحة تثبيت وتشريف، ولا يترتب عليها تكليف.
2/839 ــ وعنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اقتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تكَدْ رُؤْيَا المُؤمِنِ تكْذِبُ، وَرُؤْيَا المُؤمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ». متفق عليه.
وفي روايةٍ: «أَصْدَقُكم رُؤْيَا أَصدَقُكُم حَدِيثاً».
هداية الحديث:
1) إذا اقتربت الساعة، وقُبض أكثر العلم، عُوِّض الناس بالرؤيا الصادقة.
2) مَنْ كثُر صدقه تنوّر قلبه، وقَوِيَ إدراكه، واستصحب ذلك في نومه، فلا يرىٰ إلا صدقاً.
3/840 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رآني في المَنَامِ فسَيَرانِي في اليَقَظَةِ، أَوْ كأنَّمَا رَآني في اليَقَظَةِ، لا يَتَمَثَّلُ الشَيْطَانُ بي». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الشيطان لا يتمثل في صورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، لئلا يتذرع بالكذب علىٰ لسانه في النوم.
2) المراد برؤيا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رؤيته علىٰ صفته المعروفة المذكورة في كتب الشمائل المحمَّدية.
3) إن رؤيا النَّبيِّ أمارة علىٰ صحة الرؤيا وخروجها علىٰ سبيل الحق، إن وافقت الصفة المعروفة المأثورة في السيرة النبوية.
4/841 ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ رضي الله عنه أَنَّهُ سمعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، يقول: «إذَا رَأَىٰ أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ تعالىٰ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيهَا، وَليُحَدِّثْ بهَا ــ وفي روايةٍ: فَلا يُحَدِّثْ بهَا إلَّا مَنْ يُحِبُّ ــ وَإذا رَأَىٰ غَيرَ ذلكَ مِمَّا يَكرَهُ، فإنَّمَا هِيَ منَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلا يَذكرْها لأَحَدٍ، فإنَّها لا تضُرُّهُ». متفقٌ عليه.
5/842 ــ وعن أبي قَتَادَةَ رضي الله عنه قال : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ ــ وفي روايةٍ: الرُّؤيَا الحَسَنَةُ ــ مِنَ الله، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَن رَأَىٰ شَيئاً يَكرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَن شِمَالِهِ ثَلاثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيطَانِ، فَإنَّها لا تَضُرُّهُ». متفقٌ عليه
«النَّفْثُ» نَفخٌ لطِيفٌ لا رِيقَ مَعَهُ.
6/843 ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذَا رَأَىٰ أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يكرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَن يسَارِهِ ثَلاثاً، وَلْيَسْتَعِذْ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَن جَنبِهِ الذي كان عليه». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الحلم هو رؤية ما يكرهه الرائي ويزعجه، ويكون من الشيطان. والرؤيا الصالحة بشرىٰ للمؤمن، وهي من الرحمن.
2) الرؤيا المكروهة لا تضر العبد إن فعلَ أموراً: أن ينفث عن شماله ثلاثاً، أو يبصق ثلاثاً، ويستعيذ بالله من شرّ الشيطان، ومن شرّ ما رأىٰ ثلاث مرّات، ويتحوّل إلىٰ الجانب الثاني، وإن نشط فَلْيَقُمْ ويتوضأ ويصلّي، ولا يُخبر بها أحداً، ولا يُحاول تفسيرها، فإن من فعل ذلك لا تضرّه الرؤيا يإذن الله تعالىٰ.
7/844 ــ وعن أبي الأسْقَعِ وَاثِلَةَ بن الأَسقَعِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن أَعظَمِ الفِرَىٰ أَن يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إلىٰ غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُريَ عَينَهُ مَا لم تَرَ، أَوْ يَقُولَ علىٰ رسولِ الله مَا لم يقُلْ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
الفِرَىٰ: جمع فِرية، وهي الكذبة العظيمة.
هداية الحديث:
1) الكذب في الرؤيا كذب علىٰ الله، وهو من الذنوب العظيمة؛ لأن الكذب علىٰ الله تعالىٰ ليس كالكذب علىٰ المخلوقين.
2) يحرم الكذب علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعود علىٰ الله سبحانه بالكذب، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا بوحي.
3) من كذب في رؤياه وادّعىٰ شيئاً رآه، فهذا من أعظم الكذب المحرم، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تحري الصدق فإنه منجاة، وَلْيتجنبِ الكذب فإنه مهلكة.
كتاب السلام
131ــ باب فضل السلام والأمر بإفشائه
قال الله تعالىٰ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ﴾ [النور: 27]، وقال تعالىٰ: {فَإِذَا دَخَلتُم بُيُوتا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم تَحِيَّة مِّن عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَة طَيِّبَة} [النور: 61]، وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾ [النساء: 86]، وقال تعالىٰ: ﴿ هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ * إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ} [الذاريات: 24، 25].
فائـدة:
السلام بمعنىٰ الدعاء بالسلامة من كل آفة، فهو لفظ عام، ويُراد به التحية التي شرعها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأُمته، وهو مشروع بين المسلمين، مأمور بإفشائه، وسبب عظيم للتّحابّ بين المؤمنين.
هداية الآيات:
1) السلام من سنن الرسل والملائكة المقرَّبين عليهم الصلاة والسَّلام.
2) إذَا أردت أن تدخل بيتاً غير بيتك، فلا تدخل حَتَّىٰ تستأنس وتسلّم، لتزول الوحشة، وتجلب الألفة.
3) المستحب في ردّ السلام أن يكون أحسن من أصل التحية، وهذا يشمل الأحسن لفظاً وكيفيةً؛ فالأحسن لفظاً: من قَالَ: السلام عليكم، قلنا لَهُ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. والأحسنُ كيفيةً: إذَا سلم بوجه مقبل، وصوت واضح، لا نرد معرضين عَنْه، أو بصوت منخفض ضعيف.
1/845 ــ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رجلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلىٰ مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
تقرأ السلام: قراءة السلام، وإلقاء السلام، بمعنىٰ واحد.
هداية الحديث:
1) عَلَىٰ السائل حين يسأل العالم عما ينفعه أن ينوي امتثال الخير لا مجرد العلم.
2) لا يَكُنْ سلامُك سلامَ معرفة، بل لِيَكُنْ سلام مثوبة وألفة.
3) إن إطعام الطعام عَلَىٰ الأقارب صدقة وصلة، وقيام بالواجب، وأما عَلَىٰ الأباعد فهو صدقة، وقيام بمستحب، والواجب أحبُّ إلىٰ الله من المستحب.
فائدة:
أقسام النَّاس في السلام:
الأول: المسلم الذي لا نعلم عليه فسقاً، نسلِّم عليه، وخير الأخوَيْن من يبدأ بإلقاء السلام.
الثاني: الفاسق المعلن بفسقه، نسلِّم عليه إن كان في السلام مصلحة، ونهجره إن كان في هجره مصلحة.
الثالث: الكافر، لا نسلم عليه ابتداءً، لكن إنْ سلَّمَ علينا رددنا عليه السلام، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾.
2/846 ــ عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لـمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَىٰ آدم صلى الله عليه وسلم قَالَ: اذهَبْ فَسَلِّمْ عَلَىٰ أولئك ــ نَفَرٌ منَ الملائكَة جُلُوسٌ ــ فاسْتمعْ ما يُحيُّونَكَ، فإنَّهَا تحيَّتُكَ وتحيَّةُ ذُرِّيَّتكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عليْكُمْ، فقالوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ الله، فَزَادُوهُ: ورَحْمَةُ الله». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) السلام الشرعي مأخوذ عن الملائكة الكرام بأمر من الله تبارك وتعالىٰ.
2) أفضل صيغة في رد السلام قول: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته».
تنبـيــه:
لا يجوز العدول عن التحية الشرعية إلَىٰ ما اعتاده النَّاس من قول: «صباح الخير» أو «مرحباً..»؛ فاعتياد ذلك دائماً من استبدال الذي هو أدنىٰ بالذي هو خير. وكذلك عند رد السلام يكون بالصفة الشرعية الواردة، أما قول العامة: «وعليكم ما ذكرتم» أو «أهلاً وسهلاً» فلا يُعتبر رداً شرعياً.
3/847 ــ عن أبي عُمارة البَراءِ بن عازبٍ رضي الله عنهما قَالَ: أمرنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بسبعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ المَظْلُومِ، وَإفْشَاءِ السَّلامِ،وإبرارِ المُقْسِمِ. متفق عليه، هذا لفظ إحدىٰ روايات البخاري.
هداية الحديث:
1) بيان حقوق المسلم عَلَىٰ أخيه المسلم، فأداء حقوق المسلمين من ثمرات الإيمان.
2) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بذل السلام، ونشره بين المسلمين، لمَن تعرف منهم ومَن لا تعرف، وفي ذلك الخير للعبد في دنياه وأخراه.
4/848 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَدخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتَّىٰ تَحَابُّوا، أَوَلا أدُلُّكُمْ عَلَىٰ شيءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفشُوا السَّلام بَيْنَكُمْ». رواه مسلم.
5/849 ــ وعن أبي يوسفَ عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ رضي الله عنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولK#| «يا أيُّها النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ، وأَطْعِمُوا الطَّعامَ، وصِلُوا الأرْحامَ، وصَلُّوا والنَّاسُ نيامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّة بسلامٍ».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) إن بذل السلام بين أهل الإيمان سبب عظيم للمحبة والألفة.
2) مفتاح دخول الجنة الإيمان، ومفتاح الإيمان المحبة، ومفتاح المحبة السلام.
3) إظهار رحمة الله تَعَالَىٰ بعباده، إذ رغّبهم في الجَنَّة بأعمال يسيرة سهلة.
6/850 ــ وعنِ الطُّفَيْلِ بنِ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كانَ يَأْتي عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَيَغْدُو مَعَهُ إلىٰ السُّوقِ، قال: فإذا غَدَوْنَا إلىٰ السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبدُ الله عَلىٰ سَقَّاطٍ، وَلا صاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلا مِسْكِينٍ، وَلا أَحَدٍ إلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قال الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يَوْماً، فاسْتَتْبَعَني إلىٰ السُّوقِ، فَقُلْتُ لهُ: وما تَصْنَعُ بِالسُّوقِ، وَأَنْتَ لا تَقِفُ عَلىٰ البَيْعِ، وَلا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلاَ تَسُومُ بِهَا، وَلا تَجْلِسُ في مَجَالِسِ السُّوقِ؟ وَأَقُولُ: اجْلِسْ بِنا هاهُنا نَتَحَدَّثْ، فقال: يَا أَبَا بَطْنٍ ــ وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذا بَطْنٍ ــ إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلامِ، فَنُسَلِّمُ عَلىٰ مَنْ لَقِينَاهُ.
رواه مالك في الموطأ بإسنادٍ صحيح.
غريب الحديث:
سقّاط: يبيع سقط المتاع وهو الرديء.
هداية الحديث:
1) عَلَىٰ المؤمن اغتنام فرص الخيرات، كلّما لاح لَهُ باب أجر اغتنمه لينال به الثواب.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم عَلَىٰ كسب الحسنات. فانظر إلىٰ صنيع ابنِ عمرَ رضي الله عنه يغدو لإلقاء السَّلام؟ فالموفق من اقتدىٰ بهدي الصحابة رضي الله عنهم.
3) النداء بالألقاب بين الأصحاب، إن كان من باب المداعبة والملاطفة، فهو جائز ويرجع فيه إلىٰ عرف الناس في قَبوله أو ردّه، وليس هذا من التنابز بالألقاب.
132 ــ باب كيفية السلام
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ المُبتَدِئ بالسَّلامِ:«السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَركَاتُهُ» فَيَأتِي بضَمِيرِ الجَمْعِ، وَإنْ كانَ المُسلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِداً، وَيَقُولُ المُجِيبُ:«وعَلَيْكُمْ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ»، فَيَأْتِي بواوِ العَطفِ في قوله: وَعَلَيْكُمْ.
1/851 ــ عن عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ رضي الله عنهما قَالَ: جاء رجلٌ إلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: السَّلام عليكُمْ، فرَدَّ عليه ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عشْرٌ» ثُمَّ جاء آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ، فرَدَّ عليه فَجَلَسَ، فَقَالَ:«عِشْرُونَ» ثم جَاءَ آَخَرُ، فقال:السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فقال: «ثَلاثُونَ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) كلما زاد العبد في صيغة السلام، بحسب ما ورد في السنة، زاد أجره.
2) الترغيب في الحسنات العظيمة عَلَىٰ العمل اليسير، وهذا من توفيق الله تَعَالَىٰ لعبده المؤمن.
2/852 ــ حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هذا جِبرِيلُ يَقرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ، قَالَتْ: قُلتُ: وَعليه السَّلامُ ورحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ». متفقٌ عليه.
وهكذا وقع في بعض رواياتِ الصحيحين: «وَبَرَكَاتُهُ» وَفي بَعْضِها بحَذفِهَا وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقبُولَةٌ.
هداية الحديث:
1) السُّنَّة إذَا نقل السَّلام من شخص إلَىٰ شخص أن يقول المُسَلَّم عليه: «عليك السَّلام» أو «عليك وعليه السَّلام»؛ لأن الذي نقل السَّلام مُحسِن، فتكافئه بالدعاء لَهُ.
2) وجوب إبلاغ الوصية بالسَّلام إذَا التزمه الإنسان وصار أمانة، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ وأما من غير التزام فلا يجب تبليغه.
3) فضيلة عَائِشَة رضي الله عنها حين سلَّم عليها أشرف الملائكة بوساطة أشرف الرسل عليهم الصلاة والسلام.
3/853 ــ عن أنَس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا تكلَّم بكَلمة أعَادَها ثلاثاً حَتَّىٰ تُفهمَ عَنْه، وإذا أتىٰ عَلَىٰ قوْمٍ فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثاً. رواه البخاري.
وهذا مَحْمُولٌ عَلىٰ مَا إذا كان الجَمْعُ كَثيراً.
هداية الحديث:
1) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ إيصال الخير لأمته، وشفقته عليهم.
2) المؤمن يخاطب النَّاس عَلَىٰ قدر عقولهم، ويلتمس لهم الأعذار.
4/854 ــ وعن المِقْدَادِ رضي الله عنه في حديثِهِ الطويل قال: كُنَّا نَرفَعُ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَصِيبَهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لا يُوقِظُ نَائماً، وَيُسْمعُ اليَقَظَانَ، فَجَاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فسَلَّمَ كما كانَ يُسلِّمُ. رواه مُسلِم.
هداية الحديث:
1) كمال هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ورحمته بالمؤمنين؛ فكان سلامه يسمعه اليَقظان، ولا يوقظ النيام.
2) لا ضرر ولا ضرار في هدي الإسلام.
5/855 ــ حديث أسماءَ بنتِ يزيدَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مرَّ في المسجد يوماً، وعُصبةٌ مِنَ النِّسَاء قُعودٌ، فألوىٰ بيده بالتَّسْليم. رواه الترمذي وقال: حديث حسن[1]. [1] الحديث إسناده ضعيف.
وَهذا مَحْمُولٌ عَلىٰ أنه صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بَيْنَ اللَّفظ والإشارَة، ويُؤَيِّدُهُ أن في رِوايةِ أبي داود: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.
غريب الحديث:
فألوىٰ: أشار.
عصبة: جماعة.
هداية الحديث:
1) التسليم باليد فحسب دون التلفظ بالسَّلام منهيٌّ عَنْه؛ لأنه مشابه لسلام مَن أُمرنا بمخالفتهم، وهم اليهود والنصارىٰ.
2) جواز السلام عَلَىٰ النساء عند عدم الفتنة، أما المرأة الواحدة فلا يسلِّم الأجنبي عليها، لما يُخشىٰ من الفتنة.
3) إن مخالفة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب من شعائر أهل الإسلام. ومن ذلك: شأن السلام، فأين المسلمون عن هذا الأصل العظيم؟
6/856 ــ عن أبي جُرَيّ الهجَيْميِّ رضي الله عنه قَالَ: أتيتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقُلتُ: عليك السَّلامُ يارسول الله، قَالَ: «لا تَقُلْ عليكَ السَّلامُ، فإنَّ عليْكَ السَّلامُ تحيَّةُ المَوْتىٰ».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقد سبق بِطولِه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تعليم الجاهل المسألة، وتنبيه من أخطأ باللفظ عَلَىٰ الصحيح من الألفاظ الشرعية.
2) بيان صفة السلام عَلَىٰ الموتىٰ في القبور بقولنا: «عليك السلام»، فهو خطاب لغير حاضر قريب. لكن دلت السنة أيضاً علىٰ جواز السلام علىٰ الموتىٰ بقول: «سلام عليكم أهل الديار» فالتحية واحدة للأحياء والأموات.
133 ــ باب آداب السلام
1/857 ــ عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكبُ عَلَىٰ المَاشي، والمَاشي عَلَىٰ القَاعد، والقليلُ عَلَىٰ الكَثير». متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: «وَالصَّغِيرُ عَلىٰ الكبِيرِ».
هداية الحديث:
1) من هدي الإسلام مراعاة الأدب مَعَ النَّاس، وخفض الجناح للمؤمنين. فالراكب لما كان في حالة علوٍّ فيسلم عَلَىٰ الماشي، وكذا حالة الماشي فيسلم عَلَىٰ القاعد.
2) احترامُ الصغيرِ الكبيرَ، وبيان حق الكثير عَلَىٰ القليل.
2/858 ــ وعن أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بن عَجْلانَ البَاهِلِي رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إن أَوْلىٰ النَّاسِ بالله مَنْ بَدَأَهم بالسَّلامِ». رواه أبو داود بإسنادٍ جيدٍ.
ورواه الترمذي عن أبي أُمَامَةَ رضي الله عنه: قِيلَ: يا رسولَ الله، الرَّجُلانِ يَلْتَقِيانِ، أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالسَّلامِ؟ قال: «أَوْلاَهُمَا بِالله تعالىٰ».
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) خير النَّاس من يبدأ النَّاس بالسلام، وهو أولىٰ بحفظ الله تَعَالَىٰ من غيره.
2) ولاية الله تَعَالَىٰ للعبد بحسب ما يقوم به العبد من حق العبودية، فمن كانت طاعاته أعظم، كانت ولاية الله لَهُ أتم. {أَلَيسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبدَهُۥ}.
134ــ باب استحباب إعادة السلام عَلَى من تكرر لقاؤه على قرب بأن دخل ثُمَّ خرج ثُمَّ دخل في الحال، أو حال بينهما شجرة ونحوها
1/859 ــ عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه في حديث المسيء صلاتَهُ، أنَّهُ جاء فصلَّىٰ، ثُمَّ جاء إلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسلَّم عليه، فرَدَّ عليه السَّلام، فَقَالَ: «اِرْجِعْ فَصَلِّ، فإنَّكَ لم تُصَلِّ»، فرَجَعَ فَصَلَّىٰ، ثُمَّ جَاءَ فسَلَّمَ عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حَتَّىٰ فَعَلَ ذلك ثلاث مرات. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) تكرار السلام نعمة من الله تَعَالَىٰ عَلَىٰ عباده، لأنه باب للأجر والثواب.
2) من أخلاق المعلم أن يشوِّق المتعلم للفائدة والعلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلِّم المسيء صلاته أول مرة، بل جعله يشتاق إلَىٰ العلم؛ والشيء إذَا جاء بعد حاجة يكون أعلق بالنفس.
3) بيان رحمة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وحرصه عَلَىٰ تعليمهم وهدايتهم.
2/860 ــ وعنه عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا لقي أحَدُكُم أخاه، فلْيُسلِّمْ علَيْه، فإنْ حَالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَةٌ، أو جدَارٌ، أو حَجَرٌ، ثُمَّ لقيهُ، فلْيُسلِّمْ عَلَيْه». رواه أبو داود.
هداية الحديث:
1) التزام هدي النبوّة فيه زيادة المودة والمحبة بين الإخوة.
2) الترغيب في رفع ما يكون بين القلوب من الجفاء أو البعد أو النفرة؛ لتعميق الصلة بين المؤمنين، حَتَّىٰ لو كان ذلك بحجر أو شجر، فكيف إذا كان ما يحول قطيعة أو شقاق؟! فَلْيَسْعَ المرء في إصلاح ذات البين مع إخوانه.
135 ــ باب استحباب السلام إذَا دخل بيته
قَالَ الله تَعَالَىٰ: {فَإِذَا دَخَلتُم بُيُوتا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم تَحِيَّة مِّن عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَة طَيِّبَة} [النور: 61].
1/861 ــ وعن أنَس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا بُنَيَّ، إذَا دَخَلْتَ عَلَىٰ أهْلِكَ فسَلِّمْ، يكُنْ بَرَكَةً عليْكَ، وَعَلىٰ أهْل بَيْتكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) السلام سبب لبركة أهل البيت ودخول الألفة عليهم.
2) ملاطفة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لخادمه أنَس رضي الله عنه، ومخاطبته بالرحمة: «يا بني».
3) جواز قول الرجل للصغير: «يا بني»، ولو لم يكن والداً لَهُ، من باب الملاطفة.
136 ــ باب السلام عَلَى الصبيان
2/862 ــ عن أنسٍ رضي الله عنه أنّهُ مَرَّ عَلىٰ صِبْيانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم في سلامه عَلَىٰ الصبيان، والموفّق من يلزم سُنَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حياته.
2) تعويد الصبيان عَلَىٰ محاسن الأخلاق، وتعليمهم السنن النبوية.
3) إن إدخال المودة والفرحة عَلَىٰ الصبيان من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
4) اقتداء الصحابة رضي الله عنهم بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، مما هو داخل في التعبّد دون الجبلَّة، وحرصهم عَلَىٰ مماثلة فعله صلى الله عليه وسلم.
137 ــ باب سلام الرجل عَلَى زوجته والمرأة من محارمه، وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهن وسلامهن بهذا الشرط
1/863 ــ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ رضي الله عنه قالَ: كانَتْ فِينا امْرَأَةٌ ــ وفي روايةٍ: كانَتْ لَنا عَجُوزٌ ــ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ في القِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإذا صلَّيْنَا الجُمُعَةَ، وَانصرَفْنَا، نُسَلِّمُ عَلَيْها، فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنَا. رواه البخاري.
قوله: «تُكَرْكِرُ» أَيْ: تَطحَنُ.
غريب الحديث:
أصول السلق: السلق نوع من الخضروات وأصولها يصنع منه المرق.
القِدر: إناء يطبخ فيه.
هداية الحديث:
1) وصف مجتمع الصحابة رضي الله عنهم في تقللهم من متاع الدنيا حَتَّىٰ أغناهم الله بالفتوح.
2) مشروعية السلام عَلَىٰ المرأة عند أمن الفتنة، كأن تكون كبيرة السن.
2/864 ــ وعَنْ أُمِّ هَانِئ فَاخِتَةَ بِنتِ أَبي طَالبٍ رضي الله عنها قالَتْ: أَتيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَومَ الفَتْحِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمةُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ، وذكرَتِ الحديث. رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) جواز تسليم المرأة علىٰ الرجل عند أمن الفتنة وعدم الخلوة.
2) مشروعية إلقاء السلام عَلَىٰ المغتسل، وجواز ردّ السلام للعاري.
3) مشروعية المعاونة في الطهر، كأن يستعين الرجل بواحد من أهل بيته.
4) إن الاستتار عن النَّاس عند التطهر من آداب النبوة.
3/865 ــ وعن أسماءَ بنتِ يزيدَ رضي الله عنها قالت: مَرَّ عَلَيْنَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسنٌ، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مرَّ في المَسْجِد يَوْماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَىٰ بِيدهِ بِالتَّسْلِيمِ.
تنبـيــه:
لفظ الترمذي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوماً، وعصبة من النساء قعود، فألوىٰ بيده بالسلام». هذا اللفظ ضعيف الإسناد، كما سبق التنبيه علىٰ ذلك عند الحديث رقم (855).
هداية الحديث:
1) مشروعية سلام الرجل عَلَىٰ جماعة النساء.
2) إذا احتاج الرجل إلى السلام بيده فعليه أن يجمع بين اللفظ بالعبارة مع الإشارة باليد، ولا يجوز الاقتصار علىٰ الإشارة فحسب، لكي لا نقع في مشابهة اليهود والنصارىٰ.
138ــ باب تحريم ابتداء الكافر بالسلام وكيفية الردّ عليهم واستحباب السلام عَلَى أهل مجلس فيهم مسلمون وكفار
1/866 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تبدؤوا اليَهُودَ ولا النَّصَارىٰ بالسَّلام، فإذا لقيتُم أحَدَهم في طريق فاضطرُّوهُ إلَىٰ أضيقه». رواه مسلم.
غريب الحديث:
فاضطروه: ألجِئُوه إلى الضيق عند عدم سعة الطريق، بحيث يكون للمسلم أوسعه وللكافر أضيقه، وليس المعنىٰ مزاحمته قصداً مَعَ سعة الطريق.
هداية الحديث:
1) لا يجوز ابتداء الكافر بالسلام؛ لأن في ذلك إكراماً لَهُ، والكافر ينبغي أن يذل ولا يعز.
2) إغاظة الكفار بالقول والفعل أمر مقصود شرعاً، لكن نغيظهم دون أن نظلمهم، أو ننقض العهد معهم. فنقيم العدل، ونجانب الظلم.
فائدة:
إن قيل: هل يجوز أن يبدأ المسلمُ الكافرَ بغير السلام، من مثل قوله: كيف حالك؟ أو كيف أصبحت أو أمسيت؟ أو عافاك الله، ونحوها...
فالجواب: إن هذا جائز ولا بأس به، لأنه سؤال معتاد، ودعاء له بسلامة قلبه من الشرك. وأما النهي المذكور في الحديث فإنما هو عن تحية الإسلام.
2/867 ــ عن أنَس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا سَلَّم عَلَيْكُمْ أهلُ الكتَاب فقولُوا: وعَلَيْكُمْ». متفق عليه.
فائدة:
للحديث سبب ورود يحسن ذكره لفهم الحديث، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رهطٌ منَ اليهودِ علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السَّامُ عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السَّامُ واللّعنةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشةُ، إنَّ اللهَ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه» قالت: أَلَمْ تسمعْ ما قالوا؟ قال: «قد قلت: وعليكم» رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اليهودَّ إذا سلَّمُوا عليكم، يقول أحدهم: السَّامُ عليكم، فقل: عليك». رواه مسلم.
ومعنىٰ السام: الموت والهلاك.
فتبيّن من الحديثَيْن: أنّ الاكتفاءَ بالرَّدِّ بقول: «وعليكم» فيما إذا قصدوا المعنىٰ السيء: «السام» وهو الموت، أما إذا سلَّمُوا السّلامَ الشرعيَّ: «السلام عليكم» فَنَرُدُّ عليهم الرد الشرعي وفق منهج القرآن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾.
هداية الحديث:
1) المؤمنُ كيِّسٌ فَطِنٌ، لا ينخدع بمكر الكافرين، وطعنهم فيه، بل هُوَ عَلَىٰ نور وبصيرة من هدي الكتاب والسُّنَّة.
2) جواز مقابلة العدوان والظلم بمثله، من غير تعدٍّ أوطغيان.
3) شفقة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ أمته، فقد علّمهم من مكر أعدائهم ما يحذرون منه.
3/868 ــ عن أسَامَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرَّ عَلَىٰ مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المُسْلمين والمُشركينَ ــ عبَدَةِ الأوثَانِ ــ واليَهُودِ، فَسلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) جواز السلام عَلَىٰ مجلس فيه أخلاط من المسلمين والكافرين، ويَقصد بالسلام أهل الإسلام.
2) من الحكمة في النهي عن ابتداء الكافر بالسلام أن «الإسلام يعلو ولا يُعلىٰ» حديث صحيح، رواه الدارقطني في سننه.
139 ــ باب استحباب السلام إذَا قام من المجلس وفارق جلساءه أو جليسه
1/869 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا انتهىٰ أحَدُكُم إلَىٰ المَجْلس فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أرَادَ أنْ يقومَ فَلْيُسلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأولىٰ بأحقَّ منَ الآخرَة». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) من كمال الشريعة أنها جعلت المبتدىٰ والمنتهىٰ عَلَىٰ حد سواء، وهذا من عدل الشريعة.
2) حثَّ الشارع عَلَىٰ كثرة الأجر والثواب بالسلام أولَ المجلس وآخرَه.
فائدة:
السلام عند الانصراف من المجلس أدب نبوي متروك في كثير من المجالس، وأحقُّ من يقوم بإحيائه هم أهل العلم وطلَّابه، فينبغي لهم إذا دخلوا علىٰ المجالس أن يسلموا، وكذلك إذا خرجوا، فليست الأولىٰ بأحق من الأخرىٰ.
وكذا الرجل يوصَى إذا دخل علىٰ أهله أو خرج أن يسلم عليهم.
فعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بُني إذا دخلتَ على أهلكَ فسلِّم تكن بركة عليك وعلىٰ أهل بيتك». رواه الترمذي.
140 ــ باب الاستئذان وآدابه
قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ﴾ [النور: 27]، وقال تعالىٰ: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطفَٰلُ مِنكُمُ ٱلحُلُمَ فَليَستَٔذِنُواْ كَمَا ٱستَٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم} [النور: 59].
هداية الآيات:
1) إذا بلغ الطفل مبلغ الرجال فلا يدخل البيت إلَّا باستئذانٍ، حكمُهُ حكم البالغين.
2) الأطفال دون سن البلوغ يُطلب منهم الاستئذان في أوقات العورات الثلاث.
3) الأوقات الثلاثة التي يوضع فيها الثياب هي المذكورة في الآية: {مِّن قَبلِ صَلَوٰةِ ٱلفَجرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعدِ صَلَوٰةِ ٱلعِشَآءِ} [النور: 58].
1/870 ــ عن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإن أُذِنَ لَكَ، وَإلاّ فَارْجِعْ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الأدب أن يستأذن المرء ثلاث مرات، ولا يطرق الباب بعدها.
2/871 ــ عن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما جُعلَ الاستئذانُ مِنْ أجْل البَصَر». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) حرص الشريعة علىٰ حفظ عورات البيوت لئلا تنكشف، ولهذا شرع الاستئذان من أجل النظر.
2) حرمة النظر إلَىٰ داخل البيوت إلَّا بعد الاستئذان.
3/872 ــ وعن رِبْعِيِّ بن حِرَاشٍ قال: حَدَّثنا رَجُلٌ مِن بني عامِرٍ اسْتَأْذَنَ علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في بيتٍ، فقال: أَأَلِجُ ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِخَادِمِه: «اخرجْ إلىٰ هذا، فَعَلِّمْهُ الاستئذانَ، فَقُل لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عَلَيكُم، أَأَدْخُلُ؟» فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فقال: السَّلامُ عَلَيكُم، أَأَدخُلُ ؟ فَأَذِنَ له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فدخلَ.
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
4/873 ــ عن كلدَةَ بنِ الحَنبلِ رضي الله عنه قَالَ: أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فدَخلْتُ عليه ولم أُسلِّمْ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ارْجعْ فقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُم، أأدْخُلُ؟». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
أألج: أأدخل.
هداية الحديث:
1) من أدب الاستئذان السلام والانتظار حَتَّىٰ يُسمح بالدخول.
2) تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أُمَّته الأدب، وجمعه بين التعليم بالقول والفعل.
141ــ باب بيان أن السُّنة إذَا قيل للمستأذن من أنت أن يقول: فلان، فيسمي نفسه بما يُعرَف به من اسم أو كُنية، وكراهة قوله: «أنا» ونحوها
1/874 ــ عن أنَس رضي الله عنه ـ في حديثه المشهور في الإسراء ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ صَعِدَ بي جِبْرِيلُ إلىٰ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هذَا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قال مُحَمَّدٌ. ثُمَّ صَعِدَ إلىٰ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَسائِرِهِنَّ، وَيقَالُ في بَابِ كُلِّ سَمَاءٍ ؟ مَنْ هذا ؟ فَيقُولُ: جِبْرِيلُ». متفقٌ عليه.
2/875 ــ عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: خرَجْتُ لَيلةً من اللَّيَالي، فإذا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْشي وحْدَهُ، فَجَعَلْتُ أمْشي في ظلِّ الْقَمَرِ، فالْتَفَتَ فَرَآني، فَقَالَ: «مَنْ هذاَ؟» فقُلْتُ : أبُو ذَرٍّ. الحديث . متفقٌ عليه .
3/876 ــ وعن أُمِّ هانئ رضي الله عنها قالتْ: أَتيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَغْتَسِلُ، وَفاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فقال: «مَنْ هذهِ؟» فقلتُ: أَنا أُمُّ هانئ. متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) استحباب التعريف بالشخص إذَا استأذن، حَتَّىٰ تزول الوحشة ويحصل الأنس.
2) التعريف يكون بذكر المستأذن اسمَه أو كنيتَه ومَن معه.
4/877 ــ عن جابر رضي الله عنه قَالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَدَقَقْتُ الباب، فَقَالَ: «مَنْ ذا؟» فقلتُ: أنَا، فَقَالَ: «أنا أنا؟!» كأنَّهُ كَرهَهَا. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) كراهية قول الرجل عند الاستئذان: «أنا أنا» إذَا لم يكن فيها تعريف بشخصه.
2) مشروعية الإنكار علىٰ مَن أخلّ بالأدب، وتعليمه الأدب الصحيح.
142ــ باب استحباب تشميت العاطس إذَا حَمد الله تَعَالَى وكراهة تشميته إذَا لم يحمد الله تَعَالَى وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
1/878 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللهَ يُحبُّ العُطَاسَ، ويَكرَهُ التَّثَاؤبَ، فإذا عَطَسَ أحدُكُمْ، وحَمدَ اللهَ تَعَالَىٰ، كانَ حقَّاً عَلَىٰ كُلِّ مسلم سمعَهُ أن يقول لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، وأمَّا التَّثَاؤُبَ فإنَّما هُوَ منَ الشَّيْطَان، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطَاعَ، فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا تَثَاءَبَ ضَحكَ منْهُ الشَّيْطَانُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) العطاس يحبُّه اللهُ؛ لأنه يدل عَلَىٰ النشاط والخفة، والله يحب العبد الهُمام في الخير، الجاد القوي.
2) التثاؤب يحبُّه الشيطان؛ لأنه يدل عَلَىٰ الكسل والفتور، والشيطان يعجبه الكسلان الضعيف.
3) إن تشميت العاطس حق له عَلَىٰ كل سامع، فواجب عينٍ عَلَىٰ كل من سمع حمده أنْ يشمِّتَه.
4) استحباب رَدِّ التثاؤب ما استطاع؛ لأن الشيطان يضحك من المتثائب، كعلامة علىٰ كسله وفتوره.
5) إظهار حمد الله تَعَالَىٰ علىٰ نعمه، ومنها: نعمة العطاس، فالنعم تقابل بالشكر والحمد.
2/879 ــ وعَنْه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا عَطَسَ أحدُكُم فَلْيَقُلْ: الحمدُ لله، ولْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أو صاحبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فإذا قَالَ لَهُ: يَرْحمُكَ اللهُ، فَلْيقُلْ: يَهديكُمُ اللهُ ويُصْلحُ بالَكُمْ». رواه البخاري.
3/880 ــ عن أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إذَا عَطَسَ أحدُكُم فحمدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لم يَحْمَدِ الله فلا تُشَمِّتُوهُ». رواه مسلم.
4/881 ــ عن أنَس رضي الله عنه قَالَ: عَطَسَ رجُلان عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فشَمَّتَ أحَدَهُمَا ولمْ يُشَمِّت الآخَرَ، فَقَالَ الذي لَمْ يُشمِّتْهُ: عَطَسَ فُلان فَشَمَّتَّهُ، وعَطَسْتُ فلم تُشَمِّتْني؟ فَقَالَ: «هذا حَمِدَ اللهَ، وإنَّكَ لَمْ تَحمَد اللهَ». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) الجزاء من جنس العمل؛ فمن قَالَ: «الحمد لله» عند عطاسه ناسب أن يُقال لَهُ: «يرحمك الله»، فيُدعَىٰ لَهُ بالرحمة جزاءً لَهُ عَلَىٰ حمده الله _عز وجل_.
2) أهل الإيمان يكمّل بعضهم بعضاً، فهم كالبنيان المرصوص في تعاونهم.
3) من لم يحمدِ اللهَ فلا نشمته، لكن نعلّمه أدب السُّنَّة في العطاس.
4) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تعليم الأمة ما هُوَ خيرٌ لها من الآداب الشرعية.
تنبـيــه:
هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في جواب العاطس أن يقول لمن شمّته: «يهديكم الله ويصلح بالكم». أو يقول: «يغفر الله لنا ولكم» مما هو وارد مأثور. أما قول العامة: «يهدينا ويهديكم الله» ونحو ذلك من العبارات المحدثة، فكل ذلك خلاف السُّنَّة النَّبويَّة، والله _عز وجل_ يقول: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ والأذكار مبناها عَلَىٰ التزام السُّنَّة والاتّباع، ومجانبة المخالفة والابتداع.
5/882 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أو ثَوْبَهُ عَلَىٰ فيه، وَخَفَضَ أو غَضَّ بهَا صوتَهُ. شَكَّ الراوي. رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) من الآداب الفعلية النبوية للعطاس: وضعُ العاطسِ يدَه أو ثوبَه عَلَىٰ وجهه، وفي ذلك حِكَم، منها:
أ ــ صيانةً وحفظاً للحاضرين، ألَّا يخرجَ مَعَ العطاس ما يضرّهم، مما ينتقل عن طريق العدوىٰ.
ب ــ ألاّ تتقزّزَ النفوس بما يخرج من الأنف مَعَ العطاس.
2) تكريم هذه الشريعة للمؤمن، بما أرشدت إليه مِن جملة الآداب، التي يتجمل بها في نفسه ومع النَّاس.
3) استحباب خفض الصوت في العطاس، لئلا يتأذّىٰ الحاضرون.
6/883 ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: كان اليهودُ يَتَعَاطَسُونَ عندَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، يَرْجُونَ أنْ يقولَ لهمْ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، فيقولُ: «يَهديكمُ اللهُ ويُصلحُ بالَكُمْ».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
يتعاطسون: يتكلفون العطاس ويتصنعونه.
هداية الحديث:
1) الدعاء بالرحمة مختص بأهل الإيمان، أما الكافر فيُدعىٰ لَهُ بالهداية.
2) اليهود قوم مغضوب عليهم، عرفوا الحق وجحدوه، فقد كانوا يعلمون صدق رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ويرجون بركة دعائه لهم.
7/884 ــ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فلْيُمْسكْ بيَدِه عَلَىٰ فيهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إثبات دخول الشيطان بدن الإنسي عند التثاؤب وفتح الفم.
2) بيان الشريعة للحصن الذي يحمي المؤمن به نفسه من الشيطان عند التثاؤب.
3) التصديق بخبر الله _عز وجل_ ، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو حق اليقين وإن لم نشاهده بالعين، وهذا من التسليم للوحي، الواجب علىٰ كل مسلم.
143 ــ باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة ومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء
1/885 ــ عن أبي الخَطَّابِ قَتَادَةَ قال: قلتُ لأَنس: أَكَانَتِ المُصَافَحَةُ في أَصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ. رواه البخاري.
2/886 ــ عن أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لمّا جَاءَ أهلُ اليَمَن قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جاءكُمْ أهلُ اليَمَن وهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بالمُصَافَحة». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
3/887 ــ عن البراء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقيانِ، فَيَتَصَافَحَانِ، إلَّا غُفرَ لَهُمَا قبْلَ أنْ يَفْتَرقَا». رواه أبو داود.
4/888 ــ عن أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رجلٌ: يا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ منَّا يَلْقَىٰ أخاهُ أو صديقَهُ، أيَنْحَني لَهُ؟ قَالَ: «لا» قَالَ: أَفَيَلْتَزمُهُ ويُقبِّلُهُ؟ قَالَ: «لا» قَالَ: فيأخُذُ بيده ويُصافحُهُ ؟ قَالَ: «نَعمْ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة المصافحة بين المسلمين، لما يترتب عليها من غفران الذنوب، وجلب المودة والمحبة بين القلوب.
2) فضيلة أهل اليمن، فهم أرقُّ النَّاس أفئدةً، وأول من جاء بالمصافحة.
3) النهي عن الانحناء للقادم، لما في ذلك من التشبه بالأعاجم والكافرين.
4) النهي عن المعانقة والتقبيل عند اللقاء المتكرر، إلَّا لسبب عارض، أو قدوم من سفر، فجازت المعانقة.
5/889 ــ عن صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ يهوديٌّ لصَاحبه: اذْهبْ بنَا إلَىٰ هذا النَّبيِّ، فأتَيَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فسألاهُ عَنْ تسْعِ آياتٍ بَيِّنَاتٍ، فَذَكَرَ الحَديث إلَىٰ قَوْله: فَقَبَّلا يَدَهُ ورِجْلَهُ، وقالا: نَشْهَد أَنَّكَ نَبِيٌّ. رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحةٍ[2]. [2] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) كُفر اليهود برسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان من جهة الجحود والعناد والحسد، لا من جهة التصديق، فهم صدّقوه بألسنتهم، وجحدوه بقلوبهم.
2) مشروعية تقبيل يد العالِم ومن لَهُ مكانة كالوالدين، أحياناً، من غير جعل ذلك عادة دائمة كالمصافحة.
6/890 ــ وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قصة قَالَ فيها: فدَنَوْنَا من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقبَّلنَا يَدَهُ. رواه أبو داود[3]. [3] الحديث إسناده ضعيف.
7/891 ــ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قَدمَ زيدُ بنُ حارثَةَ المدينةَ ورسولُ الله في بَيْتي، فأتاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فاعْتَنَقَهُ وقَبَّله. رواه الترمذي وقال: حديث حسن[4]. [4] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الأحاديث:
1) جواز المعانقة وتقبيل اليد لأمر عارض، كقدوم من سفر، أو نحوه.
2) إسبال الثوب وجره، إذا حصل من غير قصد وإرادة، وإنما وقع اتفاقاً، غيرُ داخلٍ في النهي عن الإسبال.
3) تواضع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم، وفعله معهم مايفرحهم.
4) إنَّ القيام إلَىٰ القادم لاستقباله، أو السلام عليه، غير داخل في النهي عن القيام للرجل.
8/892 ــ وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاتَحْقِرَنَّ منَ المعْرُوف شَيئاً، ولو أنْ تَلْقىٰ أخَاكَ بوَجْه طليق». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) آداب الدين الإسلامي والهدي النبوي فيه من جلب المودة والمحبة بين المؤمنين ما تنشرح به صدورهم، وتتآلف به قلوبهم.
2) إن تبسمك في وجه أخيك وبشاشة الوجه إليه صدقة ومعروف.
3) المعروف، وإن كان حقيراً في نظر النَّاس، فهو في ميزان الأعمال عظيم كبير.
4) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ الوصية للمؤمنين، فالوصية منهج قرآنيّ نبويّ.
9/893 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحسنَ بن عليِّ رضي الله عنهما، فَقَالَ الأقْرَعُ بنُ حَابسٍ: إنَّ لي عشْرَةً منَ الوَلَد ما قَبَّلْتُ منْهُمْ أحَداً، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمُ!». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) استحباب تقبيل الأولاد الصغار رحمة وشفقة.
2) كلما كان العبد بعباد الله أرحم كان إلَىٰ رحمة الله أقرب، فرحمتنا لعباد الله سبب لرحمة الله لنا. فهل عرفنا كيف نستجلب رحمات ربنا؟!
3) بيان تواضعه وكمال رحمته عليه الصلاة والسلام في ملاطفته للحسن رضي الله عنه، وتقبيله أمام الناس.
كتاب عيادة المريض وتشييع الميت والصلاة عليه وحضور دفنه والمكث عند قبره بَعْدَ دفنه
144ــ باب عيادة المريض
1/894 ــ عن البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما قال: «أَمَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعِيَادَةِ المَرِيض، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وإبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلام». متفقٌ عليه.
2/895 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حقُّ المُسْلِم عَلَىٰ المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وعيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجَنَائزِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وتَشْميتُ العَاطسِ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) زيارة المريض من حقوق المسلم عَلَىٰ أخيه المسلم، فهي فرض كفاية.
2) المستحب في عيادة المريض إدخال السرور والأنس والبشارة عليه.
3 ) علىٰ الزائر أثناء عيادة المريض أنْ يستغلَّ انكسار قلب المريض؛ ليُذكّرَه بالله تَعَالَىٰ، ويأمره بالتوبة والاستغفار والخروج من حقوق النَّاس، ويُعلِّمَه الأحكام الفقهية المتعلقة بالمريض كطهارته وصلاته...
4) تذكر نعمة الله تَعَالَىٰ بالعافية، فتقابل هذه النعمة بالشكر بالقلب واللسان والأفعال.
5) علىٰ العبد أن يحرص عَلَىٰ عيادة المرضىٰ، لما في ذلك من الأجر الكثير والخير الوفير للزائر وللمريض.
2/896 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ _عز وجل_ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْني! قال: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْني! قال: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قال: أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدي فُلانٌ فلَمْ تُطْعِمْه؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلِكَ عِنْدي؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِني! قال: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قال: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِه! أَمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلِكَ عِنْدِي؟». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) بيان قرب الله _عز وجل_ من عبده المريض في قوله: «لوجدتني عنده»، ولهذا كان المريض حريّاً بإجابة الدعاء، إذَا دعا لنفسه أو لغيره.
2) فضل استحباب إطعام الجائع، وإسقاء من طلب السقيا، لأن أجر ذلك مدّخر عند الله تَعَالَىٰ.
3) وجوب تنزيه الله تَعَالَىٰ عن صفات النقص، ووصفة بصفات الكمال ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
4/897 ــ عن أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عُودُوا المريضَ، وأطْعمُوا الجائعَ، وفُكُّوا العَاني». رواه البخاري.
«العاني»: الأسير.
هداية الحديث:
1) فضيلة العمل الذي يتعدىٰ نفعه للغير مثل إطعام الطعام.
2) هذه الثلاثة المذكورة في الحديث فرض كفاية عَلَىٰ المسلمين.
5/898 ــ وعن ثوبانَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ المُسْلِمَ إذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ في خُرْفَة الجَنَّة حَتَّىٰ يرجعَ» قيلَ: يارسولَ الله، وما خُرْفَةُ الجَنَّة؟ قَالَ: «جَنَاهَا». رواه مسلم.
6/899 ــ وعن علي رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «ما منْ مُسْلم يَعُودُ مُسْلماً غُدْوَةً إلَّا صَلَّىٰ عليه سَبْعُونَ ألفَ مَلَكٍ حَتَّىٰ يُمْسيَ، وإنْ عَادَهُ عَشيَّةً إلَّا صَلَّىٰ عَلَيْه سَبْعُونَ ألْفَ مَلكٍ حَتَّىٰ يُصبحَ، وَكَانَ لَهُ خَريفٌ في الجَنَّة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
«الخَريفُ»: الثَّمَرُ المَخْرُوفُ، أي:المُجْتَنَىٰ.
غريب الحديث:
جناها: ثمارها وما يُجنىٰ من الثمرات.
هداية الأحاديث:
1) عيادة المريض سبب لدخول الجنة والتمتع بنعيمها.
2) فضيلة استغفار الملائكة لمن يعود مريضاً.
3) مدة الجلوس عند المريض تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
4) من أساليب طلب العلم إلقاء السؤال لمعرفة الجواب.
فائدة:
يظن بعض الناس أنَّ العيادة لا تكون إلا في المرض الشديد، فلا يعود أحداً في مرض يسير كألم الأضراس أو الصداع ونحوه، وهذا خلاف للسنة ومُضَيِّعٌ لأسبابَ المغفرة والأجر العظيم، وقد قال زيد بن أرقم: «رَمَدَتْ عيني، فعادني النَّبي صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري في (الأدب المفرد). فاحرص يا أخي علىٰ اغتنام الفرص، فربَّ عمل يسير في أعين الناس يكون سبباً لدخولك الجنة.
7/900 ــ عن أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كانَ غُلامٌ يَهُوديٌّ يَخْدُمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يعُودُهُ، فَقَعَدَ عند رأسه، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ» فَنَظَرَ إلَىٰ أبيه وهُوَ عنْدَهُ؟ فَقَالَ: أَطِعْ أبَا القَاسم، فَأسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبيُّ، وهُوَ يقولُ: «الحمدُ لله الَّذي أنْقَذَهُ منَ النَّار». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) جواز استخدام اليهودي في بعض الأعمال شريطة أن يُؤمَن مكرُه.
2) جواز عيادة المريض الكافر رجاء دعوته للإسلام، لكنّ عيادة المُسلِم مؤكَّدة مستحبة.
3) يُستحب لمن عاد المريض أن يرشده إلَىٰ الحقّ، ويرغّبه بخير الدنيا والآخرة.
4) قد يُحرَم العبد الحقّ إذَا عرفه ثُمَّ أعرض عَنْه، وهذه موعظة بليغة لو عقلناها!
5) شهادة المُخالِف بصدق نُبوّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والحقّ ما شهدت به الأعداء.
145 ــ باب ما يدعى به للمريض
1/901 ــ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا اشْتكىٰ الإنْسانُ الشَّيءَ منهُ، أو كَانَتْ به قَرْحَةٌ أو جُرْحٌ، قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأصْبُعه هكذا، ووَضَعَ سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ الرَّاوي سَبَّابَتَهُ بالأرض ثُمَّ رَفَعَهَا، وقال: «بسم الله، تُرْبَةُ أرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفىٰ بهِ سَقيمُنا، بإذْن رَبِّنَا». متفق عليه.
غريب الحديث:
قَالَ بأصبعه: معناه يحكي صورة الفعل، أي فعل بأصبعه هكذا.
هداية الحديث:
1) للرُّقية والدُّعاء أثرٌ عظيمٌ في الشّفاء.
2) قوة اليقين والثقة بالله تَعَالَىٰ سبب عظيم لشفاء المريض.
3) التراب طَهور، وريق المؤمن طاهر، فيجتمع الطهوران في حصول الشفاء، بإذن الله تعالىٰ.
4) وجوب اعتقاد اليقين في الأدعية المأثورة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، وأما الذين في قلوبهم مرض وزيغ فلا تنفعهم الرقية الشرعية، لأنهم يقولونها علىٰ وجه التجربة.
2/902 ــ وعَنْهَا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، كانَ يَعُودُ بعضَ أهْله يَمْسَحُ بيده اليُمْنَىٰ ويقولُ: «اللّهم ربَّ النَّاسِ، أذْهبِ البَأسَ، واشْفِ أنْتَ الشَّافي، لا شفَاءَ إلَّا شفَاؤُكَ، شفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً». متفق عليه.
غريب الحديث:
البأس: المرض.
اشف: يقال: اِشفِ بالكسر، ولا يقال: أَشفِ بالفتح، لأن الثانية بمعنىٰ: أَهْلِكْ. فقولنا: اِشفِهِ: أي أَبْرِئْهُ من المرض، أما أَشْفِهِ: فبمعنىٰ أَهْلِكْه.
سقماً: مرضاً، أي لا يُبقي مرضاً.
هداية الحديث:
1) الشافي حقيقةً هو اللهُ تعالىٰ، والدّواء والطّبيب من الأسباب التي أُمرنا باتخاذها.
2) استحباب زيارة المريض والدعاء لَهُ بالشفاء التام، مَعَ إمرار اليد عَلَىٰ محل المرض.
تنبـيــه:
ورد الحديث في المتداول من طبعات (رياض الصالحين) بلفظ: «أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَعُودُ بعضَ أهلِه»، والصواب في لفظ الحديث، كما في صحيح البخاري: «كان يُعَوِّذُ بعضَ أهلِه»: بالذال المعجمة. وبين الروايتين فرق في المعنىٰ.
فمعنىٰ يُعَوِّذ: أي يطلب الاستعاذة، وهي: الالتجاء إلىٰ الله تعالىٰ في دفع الضُّر.
3/903ــ وعن أنَسٍ رضي الله عنه أنّه قَالَ لثابتٍ رحمه الله: ألا أرْقيكَ برُقيَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: بَلىٰ، قَالَ: «اللَّهم ربَّ النَّاسِ، مُذهِبَ البَأسِ، اشْفِ أنتَ الشافي، لا شافيَ إلَّا أنْتَ، شفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً». رواه البخاري.
4/904ــ وعن سعد بن أبي وَقَّاص رضي الله عنه قَالَ: عادني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «اللّهم اشْفِ سَعْداً، اللّهم اشْفِ سَعْداً، اللّهم اشْفِ سَعْداً». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في معاملته لأصحابه رضي الله عنهم، فكان يعود مرضاهم ويدعو لهم.
2) استحباب أنْ يدعوَ الإنسان بهذا الدعاء ثلاثاً : «اللهم اشفِ فلاناً» ويسمّيه.
3) تكرار الدعاء ثلاثاً، كما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله، فيه مبالغة وإلحاح، وهذا من الأمر المحبوب عند الله تعالىٰ.
5/905 ــ عن أبي عبد الله عثمانَ بنِ أبي العاص رضي الله عنه أنَّهُ شكا إلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَجَعاً يجدُهُ في جَسَده، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ضَعْ يَدَكَ عَلَىٰ الذي تَألَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وقلْ: بسم الله ثلاثاً، وقُلْ سَبْعَ مرَّاتٍ: أعُوذُ بعزَّة الله وقُدْرتهِ مِنْ شَر ما أجدُ وأحاذِرُ». رواه مسلم.
6/906ــ عن ابن عباس رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عَادَ مريضاً لَمْ يَحْضُرْهُ أجَلُهُ، فَقَالَ عندهُ سبعَ مَرَّات: أسألُ اللهَ العَظيم ربَّ العرشِ العظيمِ أنْ يَشْفيَكَ، إلَّا عَافاه اللهُ من ذلك المرض». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وقال الحاكِم: حديث صحيح علىٰ شرط البخاري.
هداية الأحاديث:
1) الدعاء بالشفاء، مَعَ صدق التوكل عَلَىٰ الله، أبلغ من الدواء الحسي في حصول الشفاء؛ لأنه استعانة بمن بيده ملكوت السماء والأرض، الذي إذَا مرضتُ فهو يشفين.
2) الدعاء نافع للمرء ما لم يحضرْ أجلُه ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾.
3) مشروعية التوسّل بصفات الله تَعَالَىٰ في حصول الحاجة وقضاء الأمر: «أعوذ بعزة الله وقدرته».
7/907ــ وعنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَىٰ أعْرَابيٍّ يَعُودُهُ، وكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَىٰ مَنْ يَعُودُهُ قَالَ: «لابأسَ، طَهُورٌ إنْ شاءَ الله». رواه البخاري.
غريب الحديث:
لا بأس: يعني لا شدة ولا أذىٰ.
إن شاء الله: جملة خبرية، وليست جملة دُعائية؛ لأن الدعاء يجب علىٰ الداعي أنْ يجزمَ به ولا يقولَ مثلاً: اللهم اشفني إن شئت. فمعنىٰ «إن شاء الله»: أي بمشيئة الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) يُستحب لمن عاد مريضاً أن يقول: لابأسَ، طَهورٌ إن شاء الله.
2) من السُّنَّة الجزم بالدعاء، ولا يقصد بقوله: «إن شئت» التردد، لأنّ اللهَ تعالىٰ لا يُعجِزه شيء.
8/908 ــ عن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه أنَّ جبريلَ أتىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «يا مُحَمَّدُ، اشْتَكيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بسْم الله أرْقيكَ، منْ كُلِّ شيءٍ يُؤذيكَ، منْ شرِّ كُلِّ نَفْسٍ أو عينِ حاسدٍ اللهُ يشفيكَ، بسم الله أرْقيكَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) جواز إعلام المريض بمرضه علىٰ سبيل الإخبار، لا الشكوىٰ والتَّسخُّط.
2) بيان الهدي النبوي في القراءة علىٰ المريض أو المحسود بالرقية الشرعية: «بسم الله أرقيك..».
3) العين والحسد حقّ واقع بين النَّاس، وعلاج ذلك يكون بالطريقة الشرعية.
4) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر يصيبه المرض، ولا يؤثر هذا علىٰ مقام النبوة.
5) القراءة علىٰ المريض لا تنافي كمال التوكل، بل إنَّ الرقية من الأمر الشرعي المستحب.
9/909ــ عن أبي سعيد الخُدْريّ وأبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أنَّهُما شَهدَا عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ، صَدَّقَهُ ربُّهُ، فَقَالَ: لا إلهَ إلَّا أنا وأنا أكْبَرُ. وإذا قَالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، قَالَ: يقول: لا إلهَ إلَّا أنا وحدي لا شريكَ لي. وإذا قَالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ لَهُ المُلْكُ ولهُ الحمْدُ، قَالَ: لا إلهَ إلَّا أنَا ليَ المُلْكُ وليَ الحمدُ، وإذا قَالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله، قَالَ: لا إلهَ إلَّا أنَا ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بي» وكان يقولُ: «مَنْ قالَها في مَرَضه، ثُمَّ ماتَ، لم تَطْعَمْهُ النارُ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) بيان الهدي النبوي فيما يدعو به المريض لنفسه أثناء مرضه.
2) إن إفراد الله تَعَالَىٰ بالتوجّهِ والدعاء، والإكثارَ من توحيد الله، من أعظم أسباب الشفاء.
146 ــ باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله
1/910ــ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه خرجَ مِن عند رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، في وَجَعه الذي تُوُفيَ فيه، فَقَالَ النَّاسُ: يا أبا الحَسن، كيف أصْبَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أصْبَحَ بحَمْد الله بارئاً. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) السؤال عن حال المريض مباشرة أو عن طريق أهله من الأمور المستحبة، ومن جملة حقوق الأخوّة الإيمانية.
2) التفاؤل والاستبشار بالشفاء هُوَ حال الموفَّقين من أهل الإيمان.
147ــ باب ما يقوله من أيسَ من حياته
1/911 ــ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: سَمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهُوَ مُسْتندٌ إليَّ، يقُولُ: «اللّهم اغْفرْ لي وارْحَمْني، وألحقْني بالرَّفيق الأعْلَىٰ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) يُستحب الإلحاح عَلَىٰ الله تَعَالَىٰ بدعاء المغفرة والرحمة عند الاحتضار، فهذا فتحٌ لباب الرجاء والطمع في رحمة الله.
2) الترغيب في سؤال العبد ربَّه أن يُلحقه بالرفيق الأعلىٰ، وهو مقام النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين.
2/912ــ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: رأيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ بالموت، عندَهُ قَدَحٌ فيه مَاءٌ، وهُوَ يُدخلُ يَدَهُ في القَدَح، ثُمَّ يمسحُ وجهَهُ بالماء، ثُمَّ يقول: «اللّهم أعنِّي عَلَىٰ غَمَرَات المَوْت وسَكَرَات المَوْت». رواه الترمذي[5]. [5] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
غمرات الموت: شدائد الموت.
هداية الحديث:
1) وصف شدة سكرات الموت، والإلحاح عَلَىٰ الله تَعَالَىٰ بالإعانة والتثبيت. حَتَّىٰ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام طلبوا الثبات لعِظَم شأنه!
2) التوجّه إلىٰ الله تعالىٰ بالدعاء يخفف سكرات الموت عَلَىٰ المحتضِر.
148ــ باب استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه والصبر عَلَى ما يشق من أمره وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحدّ أو قصاص ونحوهما
1/913ــ عن عمرانَ بنِ الحُصَيْن رضي الله عنهما أنَّ امرأةً من جُهَيْنَةَ أتَتْ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهيَ حُبْلىٰ منَ الزِّنَا، فقالت: يارسولَ الله، أصَبْتُ حَدّاً، فأقمْهُ عليَّ، فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وليَّهَا، فَقَالَ: «أحْسِنْ إليْهَا، فإذَا وَضَعَتْ فَأتني بهَا» فَفَعَلَ، فَأمَرَ بهَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَشُدَّت عليها ثيَابُهَا، ثُمَّ أمَرَ بها فَرُجمتْ، ثُمَّ صَلَّىٰ عليها. رواه مسلم.
غريب الحديث:
شُدت: أي رُبطت لئلا تنكشف.
هداية الحديث:
1) الوصية بمن قرب موته أن يتولاه أهله بالإحسان إليه والرفق به.
2) الزاني إذا أقرّ، وهو عاقل، لا اشتباه في حاله ، فإنه يؤخذ بإقراره بالزِّنا ، ويقام عليه الحد.
3) يُشترط في إقامة الحد ألاّ يتعدّىٰ الضّررُ إلَىٰ غير المحدود، لأنها لو رُجمت وهي حامل لمات الذي في بطنها، وهذا من إحسان الشريعة وعدلها.
4) الحدود إذَا أُقيمت فإن صاحبها يبرأ منها، لذلك صلَّىٰ عليها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
5) رحمة الشريعة بالمؤمنين، والتماس الرُّخَص والأعذار لهم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾.
149 ــ باب جواز قول المريض: أنَا وَجِعٌ ، أو شَديدُ الوَجَع أو موعوك أو «وارأساه» ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذَا لم يكن عَلَى سبيل التسخط وإظهار الجزع
1/914ــ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: دخَلتُ عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُوعَكُ، فَمَسسْتُهُ، فقلتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شديداً، فَقَالَ: «أجل، إنّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجُلان منْكُمْ». متفق عليه.
2/915ــ وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: جَاءَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُني من وَجَعٍ اشتَدَّ بي، فَقُلتُ: بَلَغَ بي ما تَرَىٰ، وأنا ذُو مالٍ، ولا يَرثُني إلَّا ابنَتي، وذكر الحديث. متفق عليه.
3/916ــ عن القاسم بن محمد قَالَ: قالت عَائِشَةُ رضي الله عنها: وارأسَاهُ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنا وارَأسَاهُ» وذكر الحديث، رواه البخاري.
غريب الحديث:
يُوعك: الوعك: الألم الشديد.
هداية الأحاديث:
1) جواز إخبار الرجل عما يجده من المرض وشدته، إخباراً لا تسخطاً.
2) كلما كانت عبودية الرجل أتمّ، كان البلاء عليه أعظم، ليعظم الجزاء والأجر.
3) استحباب استشارة أهل العلم في كتابةِ الوصايا، لما فيه الخير والمصلحة للميت وأهله. وهذه من طرق توثيق الصلة بين العلماء الأئمة، وعامة الأمة.
150 ــ باب تلقين المحتضر لا إله إلَّا الله
1/917ــ عن معاذٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخرُ كَلامِهِ لا إلهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ». رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
2/918ــ عن أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إلَّا اللهُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) بيان فضل التوحيد، فكلمة (لا إله إلَّا الله) سبب لدخول الجنّة.
2) الحرص عَلَىٰ أن تكون كلمة التوحيد (لا إله إلَّا الله) آخر ما يقوله المحتضر، فإن تكلَّم بعدها بكلام غريب عنها فيُُذكَّر بها.
3) إن تلقين المحتضر كلمة التوحيد فيه امتثال لأمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإحسان للشخص المحتضر، فما أحسنَ أن يُذَكَّر عند الاحتضار بكلمةٍ ثمنُها الجَنّة!
151 ــ باب ما يقوله بعد تغميض الميت
1/919ــ عن أمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ أبي سلمةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فأغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرَّوحَ إذَا قُبضَ، تَبعَهُ البَصَرُ» فَضَجَّ ناسٌ من أهله، فَقَالَ: «لا تَدْعُوا عَلَىٰ أنْفُسِكُمْ إلَّا بخير، فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَىٰ مَا تَقُولونَ» ثُمَّ قَالَ: «اللّهم اغْفرْ لأبي سلَمةَ، وارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدييِّين، واخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابرين، واغفرْ لنا ولهُ ياربَّ العَالمينَ، وافْسحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فيه». رواه مسلم.
غريب الحديث:
شق بصره: يعني اتسع وانفتح.
هداية الحديث:
1) الملائكة تُؤمِّن عَلَىٰ دعاء الحاضرين للميت، فلا يُدعىٰ عند المصائب إلَّا بالخير.
2) وجوب مخالفة عادات أهل الجاهلية من الدعاء بالويل والتسخّط عَلَىٰ المصيبة، بل حال المؤمن الرضا والتسليم.
3) بركة دعوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهي مختصرة وجامعة لخير الدنيا والآخرة. والسعيد من وُفِّق لهدي السّنّة النبوية، ففيه الكفاية والغنية.
4) رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأمته، وشفقته عَلَىٰ صحابته رضي الله عنهم.
5) الإخبار بأن الروح إذا خرجت من البدن يراها الميت ولا يراها الحاضرون، من الغيب الذي نؤمِن به ونصدّقه. قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 85].
152 ــ باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات لَهُ ميت
1/920ــ عن أُمِّ سَلَمة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا حَضَرْتُمُ المَريضَ، أو المَيِّتَ، فقُولُوا خَيْراً، فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنونَ عَلَىٰ مَا تَقُولُون» قالتْ: فَلَمّا ماتَ أبُو سلَمَةَ أتيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقُلْتُ: يارسولَ الله، إنَّ أبَا سَلَمةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: «قُولي: اللّهم اغْفرْ لي وَلَهُ، وأعْقبْني منْهُ عُقبَىٰ حَسَنَةً» فقلتُ، فأعقَبَني اللهُ مَنْ هُوَ خيرٌ لي منْهُ؛ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم هكذا: «إذَا حَضَرْتُمُ المَريضَ أو المَيِّتَ» عَلَىٰ الشَّكِّ، ورواه أبو داود وغيره: «المَيِّتَ» بلا شَكّ.
2/921ــ وعَنْهَا قالت: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصيبةٌ، فيقولُ: إنَّا لله وإنَّا إليْه رَاجعُون؛ اللّهم اُؤْجُرْني في مُصيبَتي، واخْلُفْ لي خَيْراً منْهَا، إلَّا أجَرَهُ اللهُ تَعَالَىٰ في مُصيبَته، وأخْلَفَ لَهُ خَيراً مِنْهَا» قالت: فلمَّا تُوُفِّيَ أبُو سلَمَةَ، قلتُ كما أمَرني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأخْلَفَ اللهُ لي خَيْراً منْهُ؛ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
غريب الحديث:
أعقبني: عوَّضني.
هداية الأحاديث:
1) بركة الدعاء النبوي فالتزام هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خير للعبد في الحال والمآل.
2) بيان العاقبة الحسنة للصبر عَلَىٰ المصيبة، فاللهُ تَعَالَىٰ يعوّض الصابر خيراً في الدنيا والآخرة.
3) السُّنَّة عند المصيبة أن نقول: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها» ونهجر ما أحدثه الناس من منكرات الأقوال.
3/922ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا مَاتَ ولدُ العَبد، قَالَ اللهُ لمَلائكَتِهِ: قَبَضْتُم ولدَ عَبْدي، فيقولُون: نَعَم، فيقولُ: قَبَضتُم ثَمَرَةَ فُؤادِهِ، فيقولونَ: نَعَم، فيقُولُ: فماذا قَالَ عبدي؟ فيقولُونَ: حَمَدَكَ واسْترْجَعَ، فيقولُ اللهُ تَعَالَىٰ: ابنُوا لعَبْدي بَيتاً في الجَنَّة، وسَمُّوهُ بيتَ الحَمدِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
3/923ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَىٰ: ما لعَبْدي المُؤمِنِ عنْدي جَزَاءٌ إذَا قَبَضْتُ صَفيَّهُ منْ أهل الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلَّا الجَنَّةَ». رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) إنَّ دوام الحمد عند المصائب والاسترجاع «الحمد لله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون» يدل عَلَىٰ صبر العبد عند قضاء الله وقدره.
2) فضيلة الصبر واحتساب الأجر، لمن مات لَهُ مَن يحبه من الأصفياء.
3) الجَنَّة جزاء الصابرين المحتسبين.
4) إثبات صفة الكلام لله تَعَالَىٰ؛ فاللهُ يكلّم ملائكتَه بما شاء، وكيف شاء، كما ثبتت بذلك الأدلة من كتاب ربِّنا، وسُنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم. والخيرُ كلُّ الخيرِ في التمسك بعقيدة نزل بها الوحي المبين.
4/924ــ وعن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما قَالَ: أرْسلَتْ إحدىٰ بَناتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه تَدْعُوهُ، وتُخْبرُِهُ أنَّ صبيّاً لها، أو ابْناً، في المَوْتِ، فَقَالَ للرَّسول: «ارْجِعْ إليْها، فأخبرْها أنَّ للهِ تَعَالَىٰ ما أخَذَ وَلَهُ ما أعْطَىٰ، وكُلُّ شيءٍ عنْدَهُ بأجَل مُسَمَّىٰ، فَمُرْهَا، فَلْتَصَبرْ ولْتَحْتَسبْ». وذكر تمام الحديث. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ لزوم الدعاء النبوي في التعزية: «إن لله تَعَالَىٰ ما أخذ وإنا لله ما أعطىٰ، وكل شيء عنده بأجل مسمَّىٰ» وهجر ما شاع من بدع الأقوال.
2) أحسن شيء في العزاء هو ما ورد من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدثه الناس.
3) رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالأمة، وإرشادهم إلَىٰ الصبر، واحتساب الأجر.
153 ــ باب جواز البكاء عَلَى الميت بغير ندب ولا نياحة
أمّا النِّياحةُ فحرامٌ، وسيأتي فيها باب في كتاب النهي ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ، وأما البكاء عَلَىٰ الميت فجاءت أحاديث كثيرة بالنهي عَنْه، وأن الميت يُعذَّب ببكاء أهله، وهي متأوَّلةٌ ومحمولة عَلَىٰ من أوصىٰ به، والنهي إنما هُوَ عن البكاء الذي فيه ندب أو نياحة. والدليل عَلَىٰ جواز البكاء بغير ندب ولا نياحة أحاديثُ كثيرةٌ، منها:
1/925ــ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عاد سَعْدَ بنَ عبادةَ، ومعهُ عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنهم، فبَكَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رَأىٰ القومُ بُكاءَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بكَوْا، فَقَالَ: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ الله لا يُعذِّبُ بدَمع العَيْنِ، ولا بحُزْنِ القَلْبِ، ولكنْ يُعَذِّبُ بهذا أو يَرْحَمُ» وأشارَ إلَىٰ لسانه. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) جواز البكاء عَلَىٰ الميت، بشرط ألاّ يكون فيه ندب ولا نياحة.
2) إن رحمة العبد، ورقة قلبه، ودمع عينه، عند المصيبة لا يُلام عليه.
3) الحذر من خطر اللسان، فهو سبب لنيل رضوان الله تعالىٰ أو سخطه.
فائدة:
الندب والنياحة محرَّمان.
فالندب: أن تقوم بتعداد محاسن الميت عَلَىٰ سبيل التّسخّط لقدر الله.
والنياحة: البكاء مَعَ رنّة، وتمطيط للأصوات، وقد برئ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من النائحة.
2/926ــ وعن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رُفعَ إليه ابنُ ابنتِهِ وهو في المَوت، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ سعدٌ: ما هذا يا رسولَ الله؟! قَالَ: «هذه رحمةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَىٰ في قُلوبِ عبَادِهِ، وإنَّما يَرْحَمُ اللهُ من عبَادِهِ الرُّحماءَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) جزاء الله تَعَالَىٰ من جنس عمل العبد «إنما يرحم الله من عباده الرحماء».
2) كلما كان العبد بعباد الله أرحم كان إلىٰ رحمة الله أقرب.
3) الحث علىٰ تزكية النفس وتعويدها رحمةَ مَن هُوَ أهلٌ للرحمة.
3/927ــ وعن أنَس رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخلَ عَلَىٰ ابنِهِ إبراهيمَ رضي الله عنه، وهُوَ يجُودُ بنفسِهِ، فجعلَتْ عَيْنا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرفَان. فَقَالَ لَهُ عبدُ الرّحمنِ بنُ عوفٍ: وأنت يارسولَ الله؟! فَقَالَ: «يا ابنَ عَوْفٍ إنّها رَحْمَةٌ» ثُمَّ أتْبَعَها بأخْرىٰ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقلبَ يَحْزَنُ، ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربَّنا، وإنَّا بفراقكَ يا إبراهيمُ لمَحْزُونُون».
رواه البخاري، وروىٰ مسلم بعضه.
والأحاديث في الباب كثيرة في الصحيح مشهورة، والله أعلم.
غريب الحديث:
يجود بنفسه: ينازع الموت.
هداية الحديث:
1) جواز إخبار الإنسان عن نفسه أنه محزون من هذه المصيبة.
2) إنَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق عَلَىٰ الله، يلحقه ما يلحق البشر، فيُصاب ويحزن ويمرض.
3) إنَّ العبد ولو كان لَهُ عند الله جاهٌ عظيم، فالموت لا يُدفع عَنْه، فقضاء الله نافذ وحكمه ماضٍ.
154 ــ باب الكفّ عن ما يرى من الميت من مكروه
1/928ــ عن أبي رافعٍ أسلمَ مولىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن غَسَّل ميتاً فَكَتَمَ عَلَيْه، غَفَرَ اللهُ لَهُ أربعينَ مرَّةً». رواه الحاكم وقال: صحيح علىٰ شرط مسلم.
هداية الحديث:
1) إنَّ كتمان ما يُرىٰ من الميت من المكروهات سبب لغفران الذنوب.
2) جواز الإخبار بما يرىٰ من محاسن الميت، لأنه إذَا كُره إظهار المعايب والعورات فإظهار المحاسن من المندوبات.
3) يُستحب لمن يباشر أمر تغسيل الموتىٰ أن يكون من أهل الخير المتصفين بالصفات الحميدة.
فائدة:
الذي يُرىٰ من مكروهات الميت نوعان:
الأولىٰ: ما يتعلق بحاله.
الثانية: ما يتعلق بجسده.
أمّا ما يتعلق بحاله؛ فكأن يرىٰ عَلَىٰ الميت شيئاً من سوء الخاتمة.
وأما ما يتعلق بجسده؛ فكأن يرىٰ عيباً خَلْقياً مثل البرص أو آفة جسدية، فالمستحب في كلا الحالين ألا يذكر شيئاً، لينال ثواب غفران الذنب وستره، كما روىٰ ذلك أبو أمامة رضي الله عنه يرفعه إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «من غَسَّلَ ميتاً فسَتَرَهُ، سَتَرَهُ اللهُ من الذنوب، ومن كفَّن مسلماً، كساه اللهُ من السندس» رواه الطبراني في المعجم الكبير.
155 ــ باب الصلاة عَلَى الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز
وَقَدْ سَبَقَ فَضْلُ التَّشْييعِ.
1/929ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهدَ الجنَازَةَ حَتَّىٰ يُصَلَّىٰ عَلَيها فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهدَها حَتَّىٰ تُدْفَنَ فلهُ قِيرَاطَان» قيلَ: وَمَا القيرَاطَان؟ قَالَ: «مثلُ الجَبَلَين العَظيمَيْن». متفق عليه.
2/930ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن اتَّبعَ جنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَاناً واحتساباً، وكان مَعَهُ حَتَّىٰ يُصَلِّىٰ عليها ويُفْرغَ مِنْ دَفْنها، فإنَّه يَرْجعُ من الأجر بقِيرَاطَيْن؛ كلُّ قِيرَاط مثلُ أُحُد، وَمَنْ صلَّىٰ عَلَيْها، ثُمَّ رَجَعَ قبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فإنَّهُ يرجعُ بقِيرَاط». رواه البخاري.
غريب الحديث:
قِيراط: فسّرها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل قيراط مثل أحُد»، أي: قدر عظم الأجر مثل جبل أحد.
هداية الأحاديث:
1) تشييع الجنازة من حق المسلم عَلَىٰ المسلم، وفيها عِظة وعِبرة للحي، فهي قضاء لحقّ المسلم وعبرة للمشيِّع.
2) البشارة بالأجر العظيم لمن مشىٰ في الجنازة وانتظر دفنها، مع قَصْدِ أن يكون عمله إيماناً بالله، واحتساباً لثوابه.
3) فضل الله تَعَالَىٰ عَلَىٰ المخلصين، فقد رتب لهم الأجر العظيم، عَلَىٰ العمل القليل.
2/931ــ وعن أم عطيّةَ رضي الله عنها قالت: نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعزم علينا. متفق عليه.
«ومعناه»: ولم يُشدَّد في النهي كما يُشدَّد في المحرمات.
هداية الحديث:
1) المتفرد بالأمر والنهي في التشريع هو الوحي المنزل علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا قَالَ الصحابي: «نُهينا» فالمعنىٰ نهانا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
2) كراهية اتباع النساء الجنائز.
3) إذَا حصلت مفسدة من اتباع المرأة الجنائز، كالنياحة واللطم، أو الاختلاط بالرجال، أو حصول الفتنة بمشاركتها بتشييع الجنازة، فإنَّ هذا الاتباع يصير من المحرمات.
156 ــ باب استحباب تكثير المصلين عَلَى الجنازة وجعل صفوفهم ثلاثةً فأكثر
1/932ــ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا منْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَليه أمَّةٌ من المُسلمين يبلُغُونَ مائةً، كُلُّهُم يشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فيه». رواه مسلم.
2/933ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجُلٍ مُسْلم يَمُوتُ، فَيقُومُ عَلَىٰ جنازته أرْبَعُون رجلاً، لا يُشْركُون بالله شيئاً، إلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فيه». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أمة: جماعة.
لا يشركون بالله: الشرك بالله: دعوة أحدٍ مع الله تعالىٰ بالعبادة، كالدعاء أو الخوف أو الرجاء أو غير ذلك.
هداية الأحاديث:
1) الدعاء للميت في الجنازة شفاعة لَهُ عند الله تَعَالَىٰ، يطلبها أهل الإيمان للميت.
2) كلما كثر الجمعُ عَلَىٰ الميت كان أفضلَ وأرجىٰ للشفاعة.
3) فضل التوحيد والإخلاص لله تعالىٰ؛ فالمؤمن الموحِّد الذي لا يدعو مع الله أحداً هو ممن تُرجىٰ شفاعته وتُستجاب دعوته، وهذا يبين أهمية التوحيد في حياة المؤمن.
3/934ــ وعن مرثدٍ بنِ عبدِ اللهِ اليَزَنيِّ قَالَ: كان مَالكُ بنُ هُبيرةَ رضي الله عنه إذَا صلَّىٰ علىٰ الجَنَازَةِ، فتقالَّ النَّاسَ عَلَيها، جَزَّأهُمْ عليها ثلاثةَ أجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صلَّىٰ عَليه ثلاثةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أوْجَبَ».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
فتقالّ: من القِلّة بمعنىٰ: وجدها قليلةً.
أوجب: وجبت له الجنة.
هداية الحديث:
1) استحباب تكثير صفوف المصلين علىٰ الجنازة عند قلة عددهم.
2) صلاة الجنازة عَلَىٰ العبد المؤمن سبب لوجوب الجنة، وهذا من فضل الله تعالىٰ علىٰ هذه الأمة المرحومة، حيث جعل التراحم والشفاعة بين أهل الإيمان في حياتهم، وعند موتهم.
157 ــ باب ما يقرأ في صلاة الجنازة
يُكَبِّر أرْبَعَ تَكبيرات: يَتَعَوَّذ بعدَ الأولَىٰ ثمَّ يَقْرَأ فَاتحَةَ الكتَاب، ثمَّ يُكَبِّرُ الثَّانيةَ، ثم يُصَلِّي علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيقولُ: اللّهم صَلِّ علىٰ مُحَمَّدٍ، وعَلىٰ آل مُحَمَّد. والأفْضلُ أنْ يُتمَّهُ بقوله: كَما صلَّيْتَ علىٰ إبراهيم.. إلىٰ قوله: إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
ولا يفعلُ ما يَفْعَلهُ كثيرٌ منَ العَوامِّ مِنْ قرَاءَتهم {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} الآية [الأحزاب: 56] فإنَّهُ لا تَصحُّ صلاته إذا اقتَصَرَ عليه.
ثم يُكَبِّرُ الثَّالثَةَ، ويدْعُو للمَيِّت وللمُسلمين بما سنَذكُرُهُ منَ الأحاديث إن شاءَ الله تعالىٰ، ثم يُكَبِّرُ الرَّابعةَ ويَدعُو، ومِن أحسنه: اللّهم لا تَحْرمْنَا أجْرَهُ، ولا تَفتِنّا بَعدَهُ، واغفرْ لنا ولَهُ.
والمختارُ أنه يُطَوِّلُ الدُّعاءَ في الرَّابعةِ خلافَ ما يعتادُهُ أكثرُ النَّاس، لحديث ابن أبي أوْفىٰ الذي سَنَذْكُرُهُ إن شاء الله تعالىٰ.
فأمَّا الأدْعيةُ المأثورةُ بَعْدَ التَّكْبيرَة الثالثة، فمنها:
1/935ــ عن أبي عبدِ الرَّحمنِ عوفِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ جنَازَةٍ، فَحَفظْتُ من دُعَائِهِ وهُوَ يقُولُ: «اللّهم اغْفرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، وَعَافهِ، واعْفُ عَنْه، وأكْرمْ نُزُلَهُ، وَوسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغسِلْهُ بالمَاء والثَّلْج والبَرَد، ونَقِّهِ منَ الخَطَايَا كما نَقَّيْتَ الثَّوبَ الأبْيضَ من الدَّنَس، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيراً منْ دَارهِ، وأهْلاً خيراً منْ أهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً منْ زَوْجِهِ، وأدْخلْهُ الجَنَّةَ، وأعِذْهُ منْ عَذَابِ القَبْرِ وَمنْ عَذَاب النَّار» حَتَّىٰ تَمَنَّيْتُ أن أكونَ أنا ذلك المَيِّتَ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
نزله: ضيافته.
الدنس: الوسخ والدرن.
مدخله: الموضع الذي يدخل فيه وهو قبره.
هداية الحديث:
1) هذا الدعاء هو الدعاء الخاص للميت «اللهم اغفر له وارحمه...»، وذلك أن صلاة الجنازة اشتملت عَلَىٰ: قراءة الفاتحة، ثُمَّ الصَّلاةِ عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ الدّعاءِ العام، ثم الدّعاءِ الخاص للميت.
2) الحثّ علىٰ الإخلاص لله تَعَالَىٰ، والإلحاح في الدعاء للميت بمغفرة الذنوب والمبالغة في محوها وإزالتها.
3) سؤال التبديل يكون تبديلاً للذات أو تبديلاً للصفات؛ بمعنىٰ أن تُبدَّل صفات الأهل والزوجة والدار صفاتٍ أحسنَ وأفضلَ وأكثرَ خيريةً.
4) حرص الصحابة رضي الله عنهم عَلَىٰ بركة الدعوات النبوية، حَتَّىٰ تمنّىٰ الصحابي أن يكون هُوَ الميت المدعو لَهُ.
فائدة:
قوله: «واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقىٰ الثوب الأبيض من الدنس». يُستفاد منه التنبيه علىٰ خطأ قول العامة: «حرارة الإيمان»، بل يُقال: بَرْد الإيمان ففي الحديث ذَكَر الثلج والبرد لأنه بارد، وذكر الماء لأن به النظافة، والذنوب لما كانت عقوبتها حارة والموسوس بها هو الشيطان المخلوق من نار ناسب أن يُقرن الماء مع الثلج والبرد، ليحصل تمام التنظيف والتبريد من الذنوب.
وذكرُ الثوب الأبيض، لأنه هُوَ الذي تظهر فيه أدنىٰ وساخة، فإذا كان الثوب الأبيض نقيّاً فمعناه أنه ليس به أدنىٰ دنس، وهذا من تمام الإلحاح والسؤال بمغفرة الذنوب، والتنقية من الخطايا. فما أنفع الدعوات النبوية، الجامعة لخصال الخيرية!
2/936 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ وأبي قتادةَ، وأبي إبراهيم الأشهليِّ عن أبيه ــ وأبوه صَحابيٌّ ــ رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ صَلَّىٰ عَلَىٰ جنازة، فَقَالَ: «اللّهم اغْفرْ لحَيِّنَا ومَيِّتنَا، وَصَغيرِنا وَكبيرِنا، وذَكَرِنا وأنثانَا، وشَاهِدِنا وغَائِبِنَا، اللّهم مَنْ أحييْتَهُ مِنَّا فأحْيِهِ عَلَىٰ الإسلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ منَّا فَتَوَفَّهُ عَلَىٰ الإيمان، اللّهم لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ». رواه الترمذي من رواية أبي هريرة والأشهليِّ، ورواه أبو داود من رواية أبي هريرة وأبي قَتَادَةَ. قال الحاكم: حديثُ أبي هريرة صحيحٌ علىٰ شَرْط البُخاري ومُسْلم، قال الترمذيُّ: قال البخاريُّ: أصحُّ روايات هذا الحديث روايةُ الأشْهَليِّ، قال البخاري: وأصَحُّ شيء في الباب حديث عَوْف بن مالكٍ.
غريب الحديث:
لا تفتنا: لا تُضِلَّنا، والفتنة: بمعنىٰ الاختبار والامتحان.
هداية الحديث:
1) مقام الدعاء يُستحب فيه البسط والتفصيل، لأن كل جملة من الدعاء هي طلب وثناء، وكلما كرر العبد الدعوات ازداد قرباً وثواباً.
2) هذا الدعاء فيه الدعاء العام للميت ولعموم المسلمين.
3) مدار الإسلام عَلَىٰ الأعمال الظاهرة، فخص ذكره في الحياة، ومدار الإيمان عَلَىٰ الأعمال الباطنة، فخص ذكره عند الموت؛ فالإيمان محلّه القلب، والإسلام محلّه الظاهر.
4) الحيّ لا تُؤمَن عليه الفتنة، ولذا استُحب سؤال الثبات وعدم الفتنة.
3/937 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَىٰ المَيِّت، فأخلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ». رواه أبو داود.
هداية الحديث:
1) يُستحب إخلاص الدعاء للميت، لأنه بحاجة إلَىٰ شفاعة المؤمنين ودعائهم، فالدعاء أعظم مقصود في صلاة الجنازة.
2) قَبول الدعاء مداره عَلَىٰ الإخلاص؛ فكلما كان الداعي مخلصاً في دعائه، موافقاً للسُّنَّة، رُجي لَهُ الاستجابة .
4/938 ــ وعنه عن ِالنَّبيِّ في الصَّلاة عَلَىٰ الجنازة: «اللّهم أنْتَ ربُّهَا، وأنْتَ خَلَقْتَها، وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإسلام، وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها، وأنْتَ أعْلَمُ بسرِّهَا وعَلانيتها، جئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهُ، فَاغفرْ لَهُ». رواه أبو داود[6]. [6] الحديث إسناده ضعيف.
5/939 ــ وعن واثِلَةَ بنِ الأسقَعِ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّىٰ بنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ رجُلٍ مِنَ المسلمين، فسمعْتُهُ يقُولُ: «اللّهم إنَّ فُلانَ ابنَ فُلانٍ في ذمَّتكَ وحَبْلِ جوَارِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّار، وأنْتَ أهْلُ الوَفَاءِ والحَمْدِ، اللّهم فَاغْفرْ لَهُ وارْحَمْهُ، إنك أنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ». رواه أبو داود.
غريب الحديث:
ذمتك: عهدك.
هداية الأحاديث:
1) الترغيب في الإلحاح بسؤال المغفرة، والتوسل إلىٰ الله تعالىٰ بأن يرحم الميت.
2) صلاة الجنازة شفاعة من الله تعالىٰ، يطلبها أهل الإيمان للموتىٰ من المسلمين.
3) جواز تسمية الميت بذكر اسمه واسم أبيه.
6/940ــ وعن عبد الله بن أبي أوْفىٰ رضي الله عنهما أنَّه كَبَّرَ عَلَىٰ جنَازة ابنَةٍ لَهُ أرْبعَ تَكْبيراتٍ، فَقَامَ بَعْدَ الرَّابعة كَقَدْر مَا بيْنَ التَّكْبيرَتَيْن يَسْتَغْفرُ لَها ويَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ هكذا.
وفي رواية: كَبَّرَ أرْبَعاً، فمَكَثَ ساعَةً حَتَّىٰ ظَنَنْتُ أنَّهُ سيُكبِّرُ خَمْساً، ثُمَّ سلَّمَ عن يَمينه وعَنْ شماله، فَلَمَّا انْصرَفَ قُلْنَا لَهُ: مَا هذا؟ فَقَالَ: إنِّي لا أزيدُكُمْ عَلَىٰ ما رأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ، أو: هكذا صَنعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. رواه الحاكم وقال: حديث صحيح[7]. [7] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) يُستحب التطويل في الدعاء للميت، لأن المقام مقام طلب رحمة ومغفرة.
2) ظاهر الحديث أن في صلاة الجنازة تسليماً مثل تسليم الصلاة مرتين.
3) بيان طريقة الصحابة في اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في عباداتهم : «هكذا صنع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم».
158 ــ باب الإسراع بالجنازة
1/941 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أسرِعُوا بالجنَازَة، فإنْ تَكُ صَالحةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَها إليْه، وإنْ تكُ سِوَىٰ ذلكَ فَشَرٌّ تَضَعونَهُ عَنْ رقَابِكُمْ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: «فَخيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْه».
هداية الحديث:
1) يُسَنُّ الإسراع في تجهيز الجنازة وتشييعها ودفنها.
2) إنَّ تأخير تجهيز الميت الصالح جناية عليه، وسبب للحيلولة بينه وبين ما أعدّ الله لَهُ من النعيم.
3) يستحب التعبير عن الألفاظ السيئة بما يدل عليها دون ذكرها، فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وإن تك سوىٰ ذلك»، ولم يقل: «وإن تك فاسدة»، وهذا من الأدب النّبويّ. وكل خير في اتِّباع ألفاظ هدي السنة.
تنبيـه:
من صور مخالفة هذا الحديث ما يفعله بعض النَّاس إذَا مات الميت، جعلوا ينتظرون قدوم الأقارب من كل فجٍّ وبلد، وربما طال ذلك يوماً أو يوميْن، فهذا جناية علىٰ الميت وعصيان لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة»، فالسُّنَّة الإسراع بالجنازة، لأن هذا أرفق بالميت وأهله.
2/942 ــ وعن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قَالَ: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إذَا وُضعَتِ الجنَازةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَىٰ أعْنَاقهمْ، فإنْ كَانَتْ صالحَةً قالَتْ: قَدِّمُوني، وإنْ كَانتْ غيرَ صَالحَةٍ قالتْ لأهْلها: يا ويْلَها أيْنَ تَذْهَبُونَ بهَا؟ يَسْمعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَّا الإنْسانَ، وَلَوْ سَمعَ الإنْسانُ لَصُعقَ». رواهُ البخاري.
هداية الحديث:
1) من نعمة الله تَعَالَىٰ عَلَىٰ عباده أن أخفىٰ عليهم كيفية أحوال القبور من النعيم والعذاب، ولو علموا ذلك ما تدافنوا أبداً.
2) الواجب علىٰ عموم المسلمين الإيمان بالغيب، مما قاله رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التي لا تحتمل العقول تفسيرها، فلا يقولن قائلٌ: كيف تقول الجنازة: «قدموني» و«ياويلها أين تذهبون بها»؟!
159 ــ باب تعجيل قضاء الدَّين عن الميت والمبادرة إلَى تجهيزه إلَّا أن يموت فُجاءَةً فيترك حَتَّى يُتَيقَّن موتُهُ
1/943 ــ عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «نَفْسُ المؤمِنِ مُعَلَّقَةٌ بدَيْنِهِ حَتَّىٰ يُقْضَىٰ عَنْه». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
معلّقة بدَينه: محبوسة عن مقامها الكريم الموعود.
هداية الحديث:
1) يجب عَلَىٰ ورثة الميت قضاء الدَّين عن ميِّتهم، وليس لهم حق من التركة حَتَّىٰ يُقضىٰ الدَّين عنه.
2) الدَّين يمنع المؤمن من نعيم القبر، والتلذذ بما أعده الله لأهل الإيمان من نعيم البرزخ.
3) الدَّيْن سبب يمنع النعيم عمّن هُوَ أهل للنعيم! فكيف يفعل بالمقصِّر والمذنِب؟
2/944ــ وعن حُصَيْن بن وَحْوَح رضي الله عنه أنَّ طَلْحَةَ بن البراء رضي الله عنه مرضَ، فَأتاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إنِّي لا أرَىٰ طلْحَةَ إلَّا قَدْ حَدَثَ فيه المَوْتُ، فآذِنُوني به وعَجِّلُوا بهِ، فإنَّهُ لا يَنْبَغي لجيفَةِ مُسلمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهرَاني أهْلِهِ». رواه أبو داود[8]. [8] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
آذنوني: أعلموني.
هداية الحديث:
1) الترغيب في المبادرة إلَىٰ تجهيز الميت، ولا يُحبس عند أهله.
2) بيان هدي النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم في عيادة أصحابه رضي الله عنهم وتفقد أحواله.
160 ــ باب الموعظة عند القبر
فائدة:
الموعظة: هي تذكير النَّاس بما يُليِّن قلوبهم؛ إما بترغيب في خير، أو ترهيب من شر، وأعظم واعظ، وأصلحه للقلب، هُوَ: القرآن الكريم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
1/945ــ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا في جنَازةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ فأتانا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حولهُ، ومَعَهُ مخْصَرَةٌ، فنَكَسَ وجَعَلَ يَنْكُتُ بمخْصَرَته، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنكُم من أحدٍ إلَّا وقد كُتبَ مقعَدُهُ منَ النَّارِ ومَقْعَدُهُ من الجَنَّة» فقالوا: يا رسولَ اللهِ أفَلا نَتَّكلُ عَلَىٰ كتَابنَا؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلقَ لَهُ». وذكر تمام الحديث. متفق عليه.
غريب الحديث:
الغرقد: نوع من الشجر معروف، وسُمِّي مدفن أهل المدينة بقيع الغرقد لكثرة وجود هذا الشجر فيه، فيقال له: البقيع، وبقيع الغرقد.
مخصرة: عود أو قضيب ذو رأس معوَجّ. فنكس: طأطأ رأسه.
ينكت: يضرب الأرض برفق.
هداية الحديث:
1) استحباب الموعظة أحياناً عند القبر بما يُليِّن القلوب، ويذكِّرها بأمر الآخرة.
2) كتابة المقادير قد سبقت في علم الله تَعَالَىٰ، وهذا لا يعني الاتِّكال عَلَىٰ القدر، بل لابد من العمل؛ لأن الكتاب أمر مجهول لا ندري ما فيه.
3) وجوب تنبيه العالِم عَلَىٰ خطأ العامة، وتسديدهم في الأفهام، كما فعل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَعَ صحابته الكرام.
تنبـيــه: موعظة كل مناسبة بحسبها، ففي موعظة القبر علىٰ الواعظ السكينة والخشوع والخوف، مع الإيجاز، ولا تُتخذ المقابر منابر، بل نتقيد بالسُّنَّة النبوية. وكل الخير في اتِّباع السُّنَن، والحذر من مخالفتها. فهدي السنة: عصمة ورحمة.
161ــ باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء لَهُ والاستغفار والقراءة
1/946ــ عن أبي عمرو ــ وقيل: أبو عبد الله وقيل: أبو ليلىٰ ــ عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه قَالَ: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا فرغَ من دفن الميت وقفَ عليه، وقال: «اسْتغْفرُوا لأخيكمْ وسَلُوا لَهُ التَّثْبيتَ، فإنَّهُ الآن يُسْألُ». رواه أبو داود.
هداية الحديث:
1) هدي السُّنَّة عند دفن الميت: الاستغفار وسؤال الثبات لَهُ في جواب المَلَكَينْ.
2) عظم فتنة القبر، وهي: (سؤال الملكين)، فالميت محتاج إلَىٰ دعاء إخوانه بالثبات.
تنبيـه:
قوله «فإنه الآن يُسأل» هذا خبر عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقد عَلِم ــ بوحيٍ منَ الله ــ أنَّ الرجلَ يُسأل وقتَ فراغ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من دفنه. وأما في زماننا فلا يقول الواعظ : «فإنه الآن يُسأل»، لأنه لا يدري هل يُسأل الآن أم لا؟ ولكن يقتصر علىٰ قول: «استغفروا لأخيكم وسَلُوا له التثبيت».
2/947ــ وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قَالَ: إذَا دَفنتمُوني فأقيمُوا حَوْلَ قَبري قَدْرَ ما تُنحَرُ جَزورٌ ويُقسَّمُ لحْمُها، حَتَّىٰ أستأنسَ بكم، وأعْلَمَ ماذا أراجعُ به رُسُلَ رَبِّي. رواه مسلم. وقد سبق بطوله.
قال الشافعيُّ رَحمهُ الله: ويُسْتَحَبُّ أن يُقرأ عنْدَهُ شيءٌ من القُرآن، وإن خَتَمُوا القُرآن عنْدَهُ كان حسناً.
تنبـيــه:
هذا الأثر الوارد عن الصحابي عمرو بن العاص ــ أوصىٰ أصحابه إذَا دفنوه أن ينتظروا حول قبره مدة يستأنس بدعائهم عَلَىٰ جواب الملكين ــ هو اجتهاد منه رضي الله عنه، لكنّ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ــ وهو أكمل الهدي ــ لم يكن فيه الوقوف أو الجلوس عند القبر بعد الدفن، ولم يأمر أصحابه بذلك، ولو كان خيراً لفعله أو أرشد إليه؛ فما من خير إلَّا دلَّ الأمة عليه.
وأما الأثر المنقول عن الإمام الشافعي ــ رحمه الله تَعَالَىٰ ــ فهو غلط علىٰ الإمام لا يثبت عنه، لأن الثابت عن إمامنا الشافعي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في موضوع قراءة القرآن، وختمه عند القبور أو عَلَىٰ الموتىٰ، أنه غير مستحب، فقد حكىٰ عَنْه ابن كثير في التفسير عند قوله تَعَالَىٰ: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ قَالَ: «ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ــ رحمه الله ــ ومَن اتَّبعه؛ أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلَىٰ الموتىٰ؛ لأنه ليس من عملهم ولا من كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم يُنقَل عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يُقتصر فيه عَلَىٰ النصوص، ولا يُتصرَّف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمَع عَلَىٰ وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما».
وقال الشيخ المصنف النووي ــ رحمه الله تَعَالَىٰ ــ في المجموع شرح المهذب في فقه الشافعية 5/294: «واتفق عليه الأصحاب وقالوا: يُستحب أن يُقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كان أفضل».
فهذا القول منسوب لأصحاب المذهب، وليس للإمام الشافعي، وعليه فنسبة هذا القول للإمام سهوٌ وقع فيه المصنف رحمه الله تَعَالَىٰ وغفر له.
162 ــ باب الصدقة عن الميت والدعاء لَهُ
قَالَ الله تَعَالَىٰ: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغفِر لَنَا وَلِإِخوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَٰنِ} [الحشر: 10].
فائدة:
الدعاء لأهل الايمان عامة من حقوق المسلمين بعضهم عَلَىٰ بعض، وأعظم من يُدعىٰ لهم صحابة رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا رأيت الرجل يترضّىٰ عن الصحابة، ويستغفر لهم ويحبهم، فاعلم أنه صاحب سُنّة وعلىٰ هدي مستقيم، وإذا كان يبغضهم أو يذكرهم بسوء فهو مبتدع ضال ليس له من السُّنَّة نصيب؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم هم الواسطة في نقل الدين وتبليغه للأمة، فإذا طعن أحد في الواسطة فهو طاعن في الشريعة.
1/948 ــ وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رجلاً قَالَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُها، وأرَاهَا لو تَكلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَل لها أجرٌ إن تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
افتُلتت نفسها: ماتت فجأة.
هداية الحديث:
1) مشروعية الصدقة عن الميت؛ والمسارعة إلىٰ أدائها لينتفع الميت بأجرها.
2) الصدقة عن أحد الوالدين من البِّر به بعد الموت.
3) من عاجل بشرىٰ المؤمن ألا ينقطع عمله بموته، وبقاء الولد الصالح بعده باب للخير موصول.
4) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ العمل بالنص والتقيُّد بهدي النبوّة، إذ لم يبادر الصحابي بالصدقة ــ ولو كان فيها مصلحة ــ قبل أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2/949ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا مَاتَ الإنسانُ انْقَطَعَ عَنْه عَمَلُهُ إلَّا من ثلاث: صَدَقَةٍ جَاريَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أوْ وَلَدٍ صَالحٍ يَدْعُو لَهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من رحمة الله تَعَالَىٰ بعباده المؤمنين أن يواصل لهم ثواب الأعمال التي كانوا سبباً في إيجادها.
2) الحرص عَلَىٰ صلاح الأولاد، لأن صلاحهم خير لهم ولآبائهم، حيث يدعون لهم بعد الموت.
3) العلم النافع خير ميراث يتركه الميت، فإنه يبقىٰ ما شاء الله، فالصدقة الجارية قد تنقطع، والولد الصالح قد يموت، أما العلم المورَّث فلا يعدله شيء لمن صحت نيته، فهو: «الولد المخلَّد»، كما قال بعض العلماء.
فائدة:
قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «قال العلماء: معنىٰ الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدّد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة، لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف؛ وفيه فضيلة الزواج لرجاء الولد الصالح، وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، وبيان فضيلة العلم والحث علىٰ الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع». (شرح صحيح مسلم).
وقال السبكي رحمه الله تعالىٰ: «والتصنيف ــ أي للعلم ــ أقوىٰ، لطول بقائه علىٰ ممر الزمان». (فيض القدير شرح الجامع الصغير).
163 ــ باب ثناء النَّاس عَلَى الميت
1/950ــ عن أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرُّوا بجنَازَة، فأَثْنَوا عليها خيراً ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ». ثُمَّ مرُّوا بأخرىٰ، فأثْنَوْا عليها شَرّاً، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمرُ بن الخَطَّاب رضي الله عنه: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هذا أثْنَيْتُمْ عَلَيْه خَيراً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهذا أثنيتُم عليه شرّاً فوَجَبَتْ لَهُ النّارُ، أنْتُم شُهَداءُ الله في الأرض». متفق عليه.
2/951ــ وعن أبي الأسود قَالَ: قَدمْتُ المدينَةَ، فَجَلَسْتُ إلَىٰ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، فَمَرَّت بهم جَنَازَةٌ، فأُثني عَلَىٰ صَاحبها خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَت، ثُمَّ مُرَّ بأخْرَىٰ، فأُثني عَلَىٰ صاحبها خَيراً، فَقَالَ عُمَرُ: وجَبَت، ثُمَّ مُرَّ بالثَّالثَة، فأُثني عَلَىٰ صاحبها شرّاً، فَقَالَ عُمَرُ: وجبتْ، قَالَ أبو الأسود: فقلْتُ: وما وَجَبَتْ، يا أميرَ المؤمنينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كما قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أيُّمَا مُسلمٍ شَهدَ لَهُ أربعةٌ بخَيْرٍ، أدْخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ» فقُلنَا: وثلاثةٌ؟ قَالَ: «وثلاثَةٌ» فقلنا: واثنَان؟ قَالَ: «واثنَان» ثُمَّ لم نسألْهُ عن الواحد. رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) المؤمنون شهداء الله في الأرض؛ فإن أثنَوا عَلَىٰ عبدٍ خيراً وجبت لَهُ الجَنَّة، وإن أثنَوا عليه شراً وجبت لَهُ النّار.
2) من عقيدة أهل السُّنَّة ألا يُشهد لأحد بجنّة ولا نار إلَّا من شهدت لَهُ الأدلة بذلك، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وتبشير أبي لهب بالنار. لكن ثناء الأمة عَلَىٰ الرجل بالخير مما يُستأنس به، ويُرجىٰ له أن يكون من أهل الجنة من غير جزم.
164 ــ باب فضل من مات لَهُ أولاد صغار
1/952ــ عن أنَس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما منْ مُسْلمٍ يمَوتُ لَهُ ثلاثةٌ، لم يَبلُغُوا الحنْثَ، إلَّا أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بفضْل رَحْمَته إيَّاهُمْ». متفق عليه.
2/953ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَمُوتُ لأحَد منَ المُسْلمينَ ثلاثةٌ منَ الوَلَد لا تَمَسُّهُ النَّارُ إلَّا تحلَّةَ القَسَم». متفق عليه.
«وتَحلَّةُ القَسَم» قول الله تعالىٰ: {وَإِن مِّنكُم إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] والوُرُودُ: هُوَ العُبُورُ علىٰ الصِّراط، وهُو جسرٌ منْصوبٌ علىٰ ظَهْر جَهَنَّمَ. عَافَانَا الله مِنْهَا.
غريب الحديث:
الحنث: البلوغ للذكر أو الأنثىٰ.
هداية الأحاديث:
1) الأولاد الصغار هم محل الرحمة، فإذا احتسب العبد الموت في أولاده الصغار فإنهم وقاية لَهُ من النار.
2) ورود النَّاسِ النّارَ حقّ لابد منه، لكن يكون لأهل الإيمان عبوراً عَلَىٰ الصراط من غير أن يلحقهم عذاب.
3) دخول الجنة حاصل بفضل الله ورحمته، ولا أحد يدخل الجنة بعمله.
3/954 ــ عن أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه قَالَ: جاءَتِ امرأةٌ إلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالت: يارسولَ الله! ذَهبَ الرِّجالُ بحديثك، فاجْعَلْ لَنَا من نَفْسكَ يَوْماً، نأتيكَ فيه تُعَلِّمُنا ممَّا عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: «اجِتَمعْنَ يومَ كَذا وكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ، فَأتاهُنَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَعَلَّمَهُنَّ ممَّا علَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنكُنَّ من امرأةٍ تُقَدِّمُ ثلاثةً من الوَلدَ إلَّا كانُوا لها حجاباً من النَّار» فقَالَتِ امرأةٌ: واثْنَيْن؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «واثنيْن». متفق عليه.
هداية الحديث:
1 ) مشروعية اجتماع النساء عَلَىٰ مجلس العلم للتفقه في دين الله تعالىٰ، لأن النساء شقائق الرجال.
2) جواز تعليم الرجل جماعة النساء إذَا أَمِن الفتنة.
3) تواضع رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ورحمته بعامة المؤمنين، حتىٰ إنّه جعل مجلساً خاصاً لتعليم النساء. فالحريص عَلَىٰ السُّنَّة يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مَعَ النَّاس.
165 ــ باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم وإظهار الافتقار إلَى الله تَعَالَى والتحذير من الغفلة عن ذلك
1/955ــ عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لأصْحابه ــ يعني لـمَّا وَصَلُوا الحِجْرَ: ديارَ ثمودَ ــ: «لا تَدخُلُوا عَلَىٰ هؤلاء المُعَذَّبينَ إلَّا أن تكُونُوا باكينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ، فلا تَدْخُلُوا عَلَيْهمْ، لا يُصيبُكُمْ ما أصابَهُمْ». متفق عليه.
وفي رواية قَالَ: لمَّا مرَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالحِجْر قَالَ: «لا تَدْخُلُوا مساكنَ الذينَ ظَلَموا أنْفُسَهُمْ، أن يُصيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ إلَّا أنْ تَكُونُوا باكينَ». ثُمَّ قَنَّعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسَهُ، وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّىٰ أجازَ الوَادي.
غريب الحديث:
قنّع: خفض رأسه وغطاه.
هداية الحديث:
1) تحري موعظة النَّاس حسب المناسبات الزمانية، أو المكانية، فقد وعظ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صحابته في ديار ثمود.
2) لا يجوز الذهاب إلَىٰ ديار المعذَّبين من الأمم الماضية للسياحة والنظر، لأن ذلك مخالفة للسنة النبوية، وتعريض النفس للهلكة «لايصيبكم ما أصابهم».
3) المعاصي تؤثر في المساكن، وتبقىٰ آثارها السيئة في ديار أهلها العصاة، وهذا من شؤم المعصية. فَلْيحذرِ المؤمن من معصية الله تَعَالَىٰ، وَلْيأخذْ بالوصية النبوية: «وإيّاكَ والمعصيةَ، فإن بالمعصية حَلَّ سخطُ الله» حديث صحيح رواه أحمد.
كتاب آداب السفر
166 ــ باب استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أول النهار
1/956 ــ عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكانَ يُحبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَميس. متفق عليه.
وفي رواية في «الصحيحين» لَقلَّما كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلَّا في يوم الخميس.
هداية الحديث:
1) السنة أن يتحرَّىٰ الإنسان سفره يوم الخميس، اتِّباعاً لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) مِن الحكمة في تحرّي السفر يوم الخميس: أنه يوم تُرفَع فيه الأعمال، وتُعرَض علىٰ الله _عز وجل_.
2/957 ــ وعن صَخْرِ بنِ وَدَاعَةَ الغامِدِيِّ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «اللّهم بَارِكْ لأُمَّتِي في بُكُورِهَا» وَكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيشاً بَعَثَهُم مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكانَ صَخْرٌ تَاجِراً، فَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَىٰ وَكَثُرَ مَالُهُ. رواه أبو داود والترمذيُّ وقال: حديث حسنٌ.
هداية الحديث:
1) دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمته أن يبارك اللهُ لها في أول النهار، لأنَّ وقت البكور مستقبلُ العمل، وهو أمير النهار.
2) أثر هذا الدعاء النبوي في حياة الفرد والأمة بحصول البركة والزيادة لمن طبق هذه الوصية، اتِّباعاً للسنة النبوية.
167 ــ باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحداً يطيعونه
1/958ــ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّ النَّاسَ يعلمُونَ من الوَحدة ما أعْلَمُ ما سَارَ راكبٌ بليلٍ وَحْدَهُ». رواه البخاري.
2/959ــ وعن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاكبُ شيطانٌ، والرَّاكبَان شَيطَانَان، والثَّلاثةُ رَكبٌ».
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
هداية الأحاديث:
1) استحباب الرفقة في السفر، وألاّ يسافر العبد وحده.
2) الحذر من سفر الوحدة يكون بالأسفار التي لا يوجد فيها ذاهب وآتٍ، وأما الخطوط العامرة اليوم بالمسافرين فهذا ليس من سفر الرجل وحده، فلا يدخل في النهي.
3/960ــ عن أبي سعيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قالا: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ في سفرٍ فَلْيُؤمِّرُوا أحَدَهم». حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد حسن.
هداية الحديث:
1) الحكمة من الإمارة في السفر القيام بمصالح الرفقة، حَتَّىٰ لا يصير أمرهم فوضىٰ.
2) أمير السفر تجب طاعته فيما يتعلق بمصالح السفر، أما الأمور الخاصة بالإنسان مما لا تتعلق بأمور السفر فلا تجب طاعته.
3) علىٰ الأمير أن يشاور رفاقه فيما يهمّهم من مصالح السفر، ولا يستبد برأيه دونهم. اتباعاً لوصية القرآن: {وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم}.
4/961ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خيرُ الصَّحَابةِ أرْبعةٌ، وخَيْرُ السَّرايا أرْبعُمائة، وخيرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولَنْ يُغْلَبَ اثنا عشرَ ألفاً من قلَّة». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن[9]. [9] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
الصحابة: بمعنىٰ الأصحاب والرفقاء.
السرايا: هي القطعة من الجيش.
هداية الحديث:
1) خير الأصحاب ما تعاونوا في القيام بمصالحهم في الحضر والسفر.
2) كثرة الأعداد ليست هي أساس النصر ، بل العبرة بصدق الإيمان والصبر.
تنبـيــه:
هذا الحديث ضعّفه بعض علماء الحديث من جهة إسناده. وأيضاً فيه مخالفة لظاهر قوله تعالىٰ: {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة صَابِرَة يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلف يَغلِبُوٓاْ أَلفَينِ بِإِذنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ}. قال ابن كثير في (تفسيره): «فكانوا إذا كانوا علىٰ الشطر من عدوهم لم يَسَعْ لهم أن يفرّوا منهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوَّزُوا عنهم» انتهىٰ.
وظاهر الحديث الذي في الباب أنه لا يجوز لهم التحوّز إذا كان عددهم اثني عشر ألفاً، مهما كان عدد عدوهم، وهذا يخالف ظاهر الآية.
وأيضاً: يُؤَكِّد ضعفَ معنىٰ الحديث ما ورد عن ابن عباس ــ راوي الحديث ــ قال: «من فَرَّ من اثنين فقد فَرَّ، ومن فَرَّ من ثلاثة فلم يَفِرَّ». رواه الطبراني في (المعجم الكبير).
168 ــ باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر، واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها، وأمْر في قصّر في حقها بالقيام بحقها، وجواز الإرداف على الدابة إذَا كانت تطيق ذلك
1/962 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سَافَرْتُم في الخِصْبِ فَأَعْطُوا الإبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإذا سَافَرْتُمْ في الجَدْبِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وبَادرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وِإذَا عَرَّسْتُمْ فَاجتَنِبُوا الطَّريقَ، فَإنَّهَا طُرقُ الدَّوَابِّ وَمَأوَىٰ الهَوَامِّ باللَّيْلِ». رواه مسلم.
معنىٰ: «أعطُوا الإبِلَ حَظها مِنَ الأرْضِ» أَيْ: ارْفقُوا بِهَا في السَّيرِ لِترْعَىٰ في حَالِ سَيرِهَا، وقوله: «نِقْيَها» هو بكسر النون، وإسكان القاف، وبالياء المثناة من تحتُ وهو: المُخُّ، معناه: أَسْرِعُوا بِهَا حتىٰ تَصِلُوا المَقصِدَ قَبلَ أَنْ يَذْهَبَ مُخُّها مِنْ ضَنكِ السَّيْرِ، وَ«التَّعْرِيسُ»: النزُولُ في الليْلِ.
غريب الحديث:
الخصب: الأرض الخيرة الطيبة، خلاف الجدب.
الهوام: ما يكون من المؤذيات في الليل.
هداية الحديث:
1) علىٰ المسافر أن يراعي مصلحة الراحلة في السفر، لأنه مسؤول عنها.
2) حكمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في رعاية مصالح الإنسان والحيوان، حين أرشد المسافرين إلىٰ هذه الآداب.
3) التزام هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه تمام المصلحة، حتىٰ في أمر الدنيا؛ إذ أمر باجتناب الطرق الخطرة في السفر عند النوم. {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهتَدُواْ}.
فائدة:
قوله صلى الله عليه وسلم: «فاجتنبوا الطريق» وصية في حفظ أرواح الناس من الأخطار، مثال ذلك: طرق السيارات، فإن الإنسان يبتعد عنها، لئلا يقع في خطر من القادمين بسياراتهم. فما أجلَّ هدي الإسلام في محافظته علىٰ مصالح الأنام!.
2/963 ــ وعن أبي قتادةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا كَانَ في سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بليلٍ اضْطَجَعَ علىٰ يمينِهِ، وإذا عرَّسَ قُبيلَ الصُّبحِ نَصبَ ذراعَهُ، ووضَعَ رأسَهُ علىٰ كفِّه. رواه مسلم.
قال العلماءُ: إنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئلَّا يَسْتَغْرِقَ في النَّوْمِ، فَتَفُوتَ صَلاةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا.
غريب الحديث:
التعريس: النزول بليل للراحة.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يعطي نفسه حظها من الراحة، ولا ينسىٰ عبادة ربه.
2) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم استخدام كل ما يعين علىٰ الاستيقاظ للصلاة، بحسب الوسائل المتاحة، ومن ذلك في عصرنا أن يستعمل المنبه عند النوم، حَتَّىٰ لا تفوته الصلاة.
3/964ــ عن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عليكُمْ بالدُّلْجَةِ، فإنّ الأرضَ تُطْوَىٰ باللَّيْلِ». رواه أبو داود بإسناد حسن.
«الدُّلْجَة»: السَّيْرُ في اللَّيْلِ.
هداية الحديث:
1) الليل أنشط للرواحل في السفر، ولهذا تُطوىٰ الأرض في الليل للمسافر.
2) كل الخير والراحة في اتباع السنة، ومن ذلك سفر الرجل ليلاً، لتُطوىٰ لَهُ الأرض.
4/965ــ عن أبي ثعلبةَ الخُشَني رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ إذَا نزلُوا منزلاً تفَرَّقُوا في الشِّعاب والأودية، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ تَفَرُّقَكُمْ في هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إنَّمَا ذلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ !» فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلكَ مَنْزِلاً إلَّا انْضَمَّ بَعْضَّهُمْ إلىٰ بَعْضٍ. رواه أبو داود بإسناد حسن.
هداية الحديث:
1) التفرق في الأبدان من عمل الشيطان، والاجتماع علىٰ الخير مما يحبه الرحمن.
2) التفرق في المجالس بالأبدان سبب لتفرق القلوب، وتشتت المودة والمحبة، وهذا يدل علىٰ ارتباط الباطن والظاهر، وأثر ذلك علىٰ العبد.
3) فضيلة صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في مسارعتهم للاستجابة للأمر النبوي، والاقتداء بالسنة النبوية. فأين المقتدون بهم؟!.
5/966ــ وعَنْ سَهْلِ بنِ عمروٍ ــ وَقيل: سَهْلِ بن الرَّبِيعِ بنِ عَمْروٍ ــ الأنصَارِيِّ المَعْرُوفِ بابنِ الحَنْظَلِيّةِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، رضي الله عنه قالَ: مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فقال: «اتَّقُوا اللهَ في هذه البَهائمِ المُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوها صَالِحَةً». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
المعجمة: التي لا تتكلم.
هداية الحديث:
1) أمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالرفق بالبهائم، ومعاملتها معاملة حسنة، وهذا من كمال هدي الإسلام.
2) رحمة الإسلام وصلت حَتَّىٰ إلىٰ البهائم، إذ أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ألا نقصّر في حقها. فأين من يزعمون أنهم من دعاة الرفق بالحيوان؟!
6/967 ــ وعن أبي جعفرٍ عبدِ الله بنِ جعفرٍ رضي الله عنهما قَالَ: أردفَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم خلفَهُ، وأسرَّ إليَّ حديثاً لا أحدِّث به أحداً منَ النَّاس، وكان أحبَّ ما استَتَرَ به رَسُولُ اللهِ لحاجتِهِ هَدَفٌ أو حائشُ نخلٍ. يعني: حائط نخل. رواه مسلم هكذا مختصراً.
وزاد فِيهِ البَرْقاني، بإسناد مسلم بعد قوله: حَائِشُ نَخْلٍ: فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأنصَارِ، فإذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَىٰ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَرْجَرَ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَمَسَحَ سَرَاتَهُ ــ أَي: سنَامَهُ ــ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فقال: «مَنْ رَبُّ هذا الجَمَلِ، لِمن هذا الجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتىٰ مِنَ الأنصَارِ، فقالَ: هذا لي يا رسولَ الله، فقالَ: «أَفلا تَتَّقِي اللهَ في هذِهِ البَهِيمَةِ التي مَلَّكَكَ اللهُ إيّاهَا؟ فإنَّهُ يَشْكُو إليَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ». ورواه أبو داود كروايةِ البَرْقاني.
قولُه: «ذِفرَاهُ» هو بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاءِ، وهو لفظٌ مفردٌ مؤنثٌ. قالَ أَهْلُ اللُّغَة: الذَّفْرَىٰ: المَوْضِعُ الذي يَعْرَقُ مِنَ البَعيرِ خَلْفَ الأُذُنِ، وقوله: «تُدْئِبُهُ» أَيْ: تُتْعِبُهُ.
غريب الحديث:
أردفني: أركبني.
هدف: الشيء يوضع يستتر به الإنسان.
جَرْجَرَ: أي صَوَّت.
هداية الحديث:
1) بيان آية من آيات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتىٰ البهائم العجم تشكو إليه عليه الصلاة والسلام.
2) الرحمة في قلب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وسعت حَتَّىٰ البهيمة، فإنه رحمة لكل ما فيه حياة.
3) الإنكار علىٰ من ضيّع الحقوق وأساء الاستخدام، حَتَّىٰ مَعَ الحيوان.
7/968ــ عن أنس رضي الله عنه قَالَ: كنّا إذَا نزلْنا منزلاً لا نُسَبِّحُ حَتَّىٰ نَحُلَّ الرِّحَالَ. رواه أبو داود بإسناد علىٰ شرط مسلم.
وقوله: «لا نُسَبِّحُ»: أَيْ لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومعناه: أَنَّا ــ معَ حِرْصِنا عَلىٰ الصَّلاةِ ــ لا نقَدِّمُهَا عَلىٰ حَطِّ الرِّحالِ وَإرَاحَةِ الدَّوَابِّ.
هداية الحديث:
1) إذَا تعارض حقّان يُقدَّم منهما ما لا يمكن تأخيره، ولو فات شيء من الحق الأول.
2) الإحسان إلىٰ الدواب عبادة تفوق أحياناً المبادرة إلىٰ صلاة النافلة.
169 ــ باب إعانة الرفيق
في الباب أحاديث كثيرة تقدمت، كحديث: «وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ».
وحديث «كلُّ مَعْرُوفٍ صدَقة» وَأَشْبَاهِهِمَا.
1/969 ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: بيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ إذ جَاءَ رَجُلٌ عَلىٰ رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلىٰ مَنْ لاَ ظَهْرَ له، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْل زَادٍ، فَلْيَعُدْ بهِ علَىٰ مَن لاَ زَادَ له» فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المال ما ذَكَرَهُ، حَتَّىٰ رَأَيْنَا، أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.
3/970ــ عن جابر رضي الله عنه عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، أنَّه أراد أنْ يغزوَ، فقال: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ والأنصَارِ، إنَّ مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُم مَالٌ وَلا عَشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكم إليْهِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلاثَةَ، فَما لأَحَدِنَا مِنْ ظهرٍ يَحْمِلُه إلا عُقبَةٌ كَعُقْبَةٍ»، يَعْني أَحَدَهِم. قال: فَضَمَمْتُ إليَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، مَا لي إلَّا عُقْبَةٌ كَعقبَةِ أَحَدِهِمْ مِنْ جَمَلي. رواه أبو داود.
غريب الحديث:
فضل ظهر: زيادة عما يركب عليه.
عقبة: ركوب مركب واحد بالمناوبة لكل واحد نوبة.
هداية الأحاديث:
1) من آداب السفر أن يحسن الصاحب إلىٰ رفيقه في السفر ويرفق به.
2) الترغيب في الإنعام علىٰ الأخوة، وإعانة الرفيق، فهي من الآداب النبوية في الحضر والسفر.
3) فضيلة الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار في تفضلهم علىٰ إخوانهم الفقراء.
3/971ــ وعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يتخَلَّفُ في المَسير، فيُزْجي الضَّعيفَ، ويُرْدِفُ، ويدعو لَهُ. رواه أبو داود بإسناد حسن.
غريب الحديث:
يزجي: يسوق.
يتخلف: يكون خلف القوم.
هداية الحديث:
1) كمال هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ كَانَ يسير بسَيْر أضعف القوم، ويكون في أخريات القوم.
2) رحمةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكرام، وتفقّدُه أحوالَهم، ودعاؤُه لهم، وقضاءُ حوائجهم.
3) من تصدّر لتربية النَّاس فعليه أن يرفق بهم، ويلاحظَ ضعيفهم وعاجزهم.
170 ــ باب ما يقول إذَا ركب الدابة للسفر
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ * لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 12، 14 ].
هداية الآيات:
1) استحضار نعمة الله تعالىٰ بما يسّر لنا مما خلق من الأنعام، وما علمنا من صناعة الفلك، ليستعين بها الإنسان علىٰ قضاء حاجاته.
2) تسبيح الله تعالىٰ في هذا المقام أنسب من الحمد؛ لأن فيه تنزيهاً لله تعالىٰ عن النقائص، والتي منها: الحاجة إلىٰ هذه المراكب.
فائدة:
قوله تعالىٰ: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلفُلكِ وَٱلأَنعَٰمِ مَا تَركَبُونَ}
الفُلْكُ ثلاثة أنواع: بحرية، وبرية، وجوية.
أما البحرية: فهي المعروفة منذ زمن نوح عليه الصلاة والسلام، حين أوحىٰ الله إليه {وَٱصنَعِ ٱلفُلكَ بِأَعيُنِنَا وَوَحيِنَا} [هود: 37].
وأما البرية: فمنها ما ظهر متأخراً من أنواع السيارات، وما شابهها.
والجوية: هي الطائرات ونحوها. وكل هذه الثلاثة داخلة في قوله تعالىٰ: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلفُلكِ} فسبحان مَن أَوْدَعَ في كتابه علوماً للناظرين، فاعتبروا يا أولي الألباب!
1/972ــ عن ابنِ عمرَرضي الله عنهما أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا اسْتَوىٰ عَلىٰ بَعِيرِهِ خَارِجاً إلىٰ سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثاً، ثمَّ قالَ: «سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ، وَإنّا إلىٰ رَبِّنَا لمُنْقَلِبُونَ، اللَّهم إنَّا نَسْأَلُكَ في سَفَرِنَا هذا البِرَّ وَالتَّقْوَىٰ، وَمِنَ العَمَلِ ما تَرْضَىٰ. اللّهم هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هذا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللّهم أنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ في الأَهْلِ. اللّهم إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المَالِ والأَهْلِ وَالوَلَدِ» وَإذا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ». رواه مسلم.
معنىٰ «مُقْرِنينَ» مُطِيقِينَ. و«الوَعْثَاءُ» بفتحِ الواوِ وإسكانِ العين المهملة وبالثاءِ المثلثة وبالمد، وَهيَ: الشِّدَّة. وَ«الكَآبة» بِالمَدِّ، وَهِيَ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِنْ حُزْنٍ وَنحوه. وَ«المنقَلَبُ»: المَرجِعُ.
2/973 ــ وعن عبد الله بن سَرْجِسَ، رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ، وَكآبَةِ المُنْقَلَب، وَالحَوْر بَعْدَ الكَوْنِ، وَدَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ في الأَهْلِ وَالمَالِ. رواه مسلِم.
هكذا هو في صحيحِ مسلِم: الحَوْرِ بَعْدَ الكوْنِ، بالنون، وكذا رواه الترمذيُّ، والنسائيُ، قال الترمذي: ويروىٰ «الكَوْر» بِالرّاءِ، وَكِلاهُمَا لَهُ وَجْهٌ.
قالَ العلماءُ: ومعناه بالنونِ والرّاءِ جميعاً: الرّجُوعُ مِنَ الاسْتِقَامَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ إلىٰ النَّقْصِ. قالوا: ورِوايةُ الرَّاءِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تكْوِيرِ العِمامَةِ، وَهُوَ لَفُّهَا وَجَمْعُها، وروايةُ النون، مِنَ الكَوْنِ، مَصْدَرُ «كَانَ يكونُ كَوْناً» إذا وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ.
غريب الحديث:
آيبون: عائدون.
هداية الأحاديث:
1) بيان الهدي النبوي في دعاء ركوب الدّابة في السفر.
2) الترغيب في الإلحاح علىٰ الله تعالىٰ بالتوفيق والتيسير، فلا ملجأَ للعبد في قضاء حاجاته إلَّا عونُ ربِّه.
3) إحاطة الله تعالىٰ بعباده علماً وحفظاً؛ فهو سبحانه الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل يحوطهم ويرعاهم، فهو جلّ وعلا مَعَ الإنسان في سفره، وخليفته في أهله، لأنه تعالىٰ بكل شيء محيط، وهو معكم أينما كنتم.
3/974ــ وعن عَلِيِّ بن رَبيعَةَ قال: شَهِدتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكَابِ قال: بِسْمِ الله، فَلَمَّا اسْتَوَىٰ عَلىٰ ظهْرِها قال: الحَمْدُ لله، ثم قال: {سُبحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 13ــ 14] ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لله، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قال: اللهُ أَكْبَرُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قالَ: سُبْحَانَكَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي، فإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قال: رَأَيْتُ النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَما فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فقلتُ: يا رسولَ الله مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قال: «إنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذا قال: اغْفِرْ لي ذُنوبي، يَعْلَمُ أَنهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ، وفي بعض النسخ: حسنٌ صحيحٌ. وهذا لفظ أبي داود.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله، وأفعاله، وأحواله، وهذا من توفيق الله تعالىٰ لعبده أن يجعله علىٰ طريقة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في هديه.
2) بيان سعة رحمة الله، فهو سبحانه يفرح بتوبة عبده المذنب.
3) إثبات صفة العَجَب لله تعالىٰ علىٰ ما يليق به سبحانه، لقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «إن ربك يعجب من عبده». فلا تستوحش أخي الموّحد من صفة لله تعالىٰ أثبتَتْها النصوص الشرعية البيّنة.
171 ــ باب تكبير المسافر إذَا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذَا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
1/975ــ عن جابر رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا إذا صعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإذا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. رواه البخاري.
2/976ــ عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وجيوشُهُ إذَا عَلَوا الثَّنايا كَبَّرُوا، وإذا هَبَطُوا سَبَّحُوا. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
الثنايا: جمع ثنيّة. المرتفع من الأرض.
هداية الأحاديث:
1) من الآداب المستحبة، التي هي من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، التكبير عند صعود المرتفع، والتسبيح عند هبوط المنخفض.
2) من الحكمة في ذلك؛ أن الإنسان إذَا علا فإنه يرىٰ نفسه في مكان عالٍ، فقد يستعظم نفسه، فإذا قَالَ: «اللهُ أكبرُ» يردّ نفسه إلىٰ الاستصغار أمام كبرياء الله تعالىٰ. وأما إذَا نزل سفولاً، فيقول: «سبحان الله» يعني أنزّه الله سبحانه وتعالىٰ عن النزول، لأنه سبحانه فوق كل شيء، علىٰ العرش استوىٰ، كما يليق بجلاله.
3/977ــ وعنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ، كُلَّمَا أَوْفَىٰ عَلىٰ ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ علىٰ كُلِّ شَيْ قَدِيرٌ. آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: إذا قَفَلَ مِنَ الجُيوشِ أوِ السَّرَايَا أَو الحَجِّ أو العُمْرَةِ.
قوْلُه: «أَوْفَىٰ» أَي: ارْتَفَعَ، وقولُه: «فَدْفَد» هو بفتحِ الفاءَين بينهما دالٌ مهملة ساكِنَةٌ، وآخِرُهُ دال أخرىٰ، وهو: الغَليظُ المُرْتَفعُ مِنَ الأرْضِ.
غريب الحديث:
قفل: رجع.
هداية الحديث:
1) تكبير المسافر علىٰ المرتفع إذَا علاه يكون ثلاث مرات «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر».
2) إظهار حمد الله تعالىٰ وتعظيمه عند العودة من السفر، لأنه من شكر النعمة.
3) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّه كلما تجددت لَهُ نعمةً أن يجدد لها الحمد والشكر.
4/978ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنّ رجلاً قَالَ: يارسولَ اللهِ، إنّي أريدُ أنْ أسافرَ فأَوْصِني، قَالَ: «عليك بتَقْوىٰ اللهِ، والتَّكبيرِ علىٰ كلِّ شَرَفٍ» فلمَّا ولَّىٰ الرَّجُلُ قَالَ: «اللّهم اطوِ لَهُ البُعْدَ، وهوِّنْ عليه السَّفَرَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
شرف: المرتفع والعلو.
هداية الحديث:
1) طلب الوصية من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمستحب للموصِي أن يُخلص الوصية، ويوصي كل أحد بما يناسبه.
2) تقوىٰ الله تعالىٰ خيرُ وصيةٍ تصاحب العبد في دنياه، وخير زاد يتزود به العبد إلىٰ أخراه.
3) أثر الدعاء في تيسير الأمور، وتسهيل الصعاب.
5/979ــ وعن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قَالَ: كنّا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ، فَكُنَّا إذَا أشرَفْنَا علىٰ وادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا، وارْتَفَعَتْ أصواتُنا، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُم، فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غائِباً؛ إنَّهُ مَعَكم، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ». متفق عليه.
«ارْبَعُوا» بِفتحِ الباءِ الموحدةِ أَي: ارْفُقوا بِأَنْفُسِكُم.
هداية الحديث:
1) كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر.
2) إثبات معيّة الله تعالىٰ، فهو سبحانه مَعَ خلقه بعلمه وإحاطته واطلاعه. قَالَ تعالىٰ: {وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير}. وهو مع عبادة المؤمنين بتأييده ونصره وحفظه، قال تعالىٰ: {إِذ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحزَن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ}.
3) علىٰ العبد ألا يغلو في العبادات، بل يفعل العبادة علىٰ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إيّاكم والغُلوَّ» و «سدِّدُوا، وقارِبُوا، والقصدَ القصدَ تبلُغُوا». حديثان صحيحان.
172 ــ باب استحباب الدعاء في السفر
1/980ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاشكَّ فيهنَّ: دَعوَةُ المظلُومِ، ودعوةُ المسَافرِ، ودعوةُ الوالدِ علىٰ ولدِهِ».
رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وليس في رواية أبي داود: «علىٰ ولدِهِ».
هداية الحديث:
1) المظلوم دعوته مستجابة إذَا دعا علىٰ ظالمه بمثل مظلمته أو أقل، أما إذَا تجاوز فإنه يكون معتدياً. والله تعالىٰ يستجيب دعاء المظلوم ولو كَانَ كافراً، لا حبّاً لَهُ، ولكن حبّاً للعدل.
2) الحث علىٰ اغتنام فرصة الدعاء في السفر، وذلك لأن المسافر محتاج منقطع، والعبد المضطر إذا دعا ربَّه فإنه يُستجاب لَهُ.
3) دعوة الوالد ــ سواءٌ الأب أو الأم ــ لولده بالخير أو علىٰ ولده مستجابة؛ أما دعوته لولده فلأنه يدعو شفقةً ورحمةً، وأما دعوته عليه فلأن الوالد لا يدعو عليه إلَّا باستحقاق.
173 ــ باب ما يدعو إذَا خاف ناساً أو غيرهم
1/981 ــ عن أبي موسىٰ الأشعَريِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا خَافَ قَوْماً قالَ: «اللّهم إنَّا نَجْعَلُكَ في نحورِهِمْ، وَنعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ».
رواه أبو داود، والنسائي بإسنادٍ صحيح.
هداية الحديث:
1) اللجوء إلىٰ الله تعالىٰ عند الخوف فيه كفاية للعبد من الأشرار.
2) كلمتان يسيرتان من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم إذَا قالهما العبد بصدق كفاه الله الشَّرَّ، ونجّاه من الكرب.
174 ــ باب ما يقول إذَا نزل منزلاً
1/982 ــ عن خَولةَ بنتِ حَكِيمٍ رضي الله عنها قالتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنزِلاً ثمَّ قال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّىٰ يَرْتَحِلَ مِنْ مَنزِلهِ ذلِكَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أعوذ: أحتمي وألتجئ.
كلمات الله: تشمل كلمات الله الكونية والشرعية.
فائدة:
المراد بكلمات الله الكونية مثل قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾. والكلمات الشرعية: الأذكار والأدعية المأثورة في القرآن والسُّنَّة الصحيحة، مثل الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات وغيرها.
هداية الحديث:
1) كلمات الله التامات وقاية للعبد من كلِّ شرٍّ.
2) لا تجوز الاستعاذة إلَّا بالخالق تعالىٰ، وأما المخلوق العاجز أو الغائب فلا يُستعاذ به، بل هو بحاجة إلىٰ من يُعينه. فَلْيحذرِ المؤمن أن يدعو أحداً سوىٰ الله تعالىٰ لرفع ضُرٍّ نزل به، أو لدفعه قبل نزوله.
2/983ــ وعنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سَافَرَ، فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ، قال: «يَا أَرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، أَعُوذَ باللهِ مِنْ شَرِّ أَسَدٍ وَأَسْوَدٍ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ». رواه أبو داود[10]. [10] الحديث إسناده ضعيف.
وَ«الأسْوَدُ»: الشَّخص، قال الخَطَّابِيُّ: «وسَاكِن البَلدِ»: هُمُ الجِنُّ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانِ الأَرْضِ. قال: وَالبَلَدُ مِنَ الأرْضِ: مَا كانَ مَأْوَىٰ الحَيوانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَمَنَازِلُ. قال: وَيحتَمِلُ أَنَّ المرَادَ «بِالوَالِدِ»: إبلِيسُ «وَما وَلَدَ»: الشَّيَاطِينُ.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الاستعاذة بالله تعالىٰ من الشرور كلها، فإنه لا عاصم للعبد من الضر إلَّا بالفرار إلىٰ الله سبحانه.
2) حِكمةُ الله تعالىٰ أن جعل في بعض المخلوقات طبع الأذىٰ، ليعتصم العبد منها باللجوء إلىٰ خالقها سبحانه وتعالىٰ.
175 ــ باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذَا قضى حاجته
1/984 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السَّفَرُ قطعةٌ من العَذَابِ، يمنعُ أحَدَكم طَعَامَهُ وشرابَهُ ونَوْمَهُ، فإذا قضىٰ أحدُكُمْ نَهْمَتَهُ من سفرِهِ، فلْيُعَجِّلْ إلىٰ أهْلِهِ». متفق عليه.
«نَهْمَتُه»: مَقْصُودَهُ.
هداية الحديث:
1) علىٰ المسلم ألا يغيب عن أهله في السفر إلَّا بقدر الحاجة.
2) إقامة الرجل في أهله أفضل من سفره، لأجل أن يقوم برعايتهم، وتأديبهم، وتعليمهم.
3) رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأمته، وشفقته عليهم حين أوصىٰ الأولياء بهذه الوصية.
176 ــ باب استحباب القدوم على أهله نهاراً وكراهته في الليل لغير حاجة
1/985ــ عن جابرٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «إذا أَطالَ أَحَدُكُمْ الغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقَّنَ أَهْلَهُ لَيْلاً».
وفي روايةٍ: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهىٰ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً. متفقٌ عليه.
2/986ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لايطرقُ أهلَهُ لَيلاً، وكان يأتيهم غُدْوةً أو عَشيَّةً. متفق عليه.
الطروق: المجيء في الليل.
هداية الأحاديث:
1) وصية المسافر إذَا أطال غيبته ألَّا يَقْدَم علىٰ أهله ليلاً، إلَّا أن يُعلِمْهم بوقت قدومه.
2) الحكمة من النهي عن ذلك ما قاله رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لكي تمتشط الشعثة، وتستحدَّ المُغيبة» متفق عليه، أي تتجمل المرأة لزوجها بما جرت به عادة النساء.
3) إن مراعاة الآداب النبوية فيها كل الخير والمصلحة للمؤمنين. فانظر إلىٰ هذا الأدب النبوي كيف يزيد الألفة بين الزوجين، ويوثق المحبة بين القلبين؟
177 ــ باب ما يقول إذَا رجع وإذا رأى بلدته
فِيهِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ السَّابقُ في باب (تكبِيرِ المسافِر إذا صَعِدَ الثّنَايَا).
1/987ــ وعن أَنسٍ رضي الله عنه قال: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حَتَّىٰ إذا كُنَّا بِظَهْرِ المَدِينَةِ قال: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذلِكَ حَتَّىٰ قَدِمْنَا المَدِينَةَ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
بظهر المدنية: بمحل تظهر فيه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هداية الحديث:
1) إظهار شكر الله تعالىٰ، والإكثار من ذكره عند نعمة الوصول إلىٰ البلد.
2) علىٰ العبد أن يعلق قلبه بالتوبة، والإنابة إلىٰ الله تعالىٰ أبداً.
178 ــ باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين
1/988ــ عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا قدمَ من سَفَرٍ بَدَأَ بالمَسْجدِ، فَركعَ فيه رَكْعَتَيْن. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إنَّ صلةَ العبدِ ربَّه، والمبادرةَ إلىٰ شكر الله تعالىٰ عند الوصول من السفر مقدَّمةٌ علىٰ صلته المخلوقين.
2) صلاة ركعتين للقادم من السفر سُنَّة مؤكَّدة، فعلها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وحثّ عليها، كما قَالَ صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: «أَدَخلْتَ المسجدَ وصلَّيْتَ»؟ قَالَ: لا. قَالَ: «ادْخُلِ المسجدَ وصلِّ ركعتَيْن». رواه البخاري.
179 ــ باب تحريم سفر المرأة وحدها
1/989 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، تُسافرُ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إلَّا مَعَ ذي مَحْرَمٍ عليْهَا». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) وجوب المحرَم في سفر المرأة، لا فرق بين المرأة الشابة والكبيرة، ومن معها نساء ومن لا نساء معها، ومن هي في رفقة آمنة أو غير آمنة، لأنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أطلق الحكم بقوله: «لايحل لامرأة».
2) إن اشتراط المحرَم ليس من التشديد علىٰ المرأة، بل هو من إكرام الشريعة للمرأة، والسعي إلىٰ حفظها من كل مكروه.
3) كل ما يطلق عليه اسم السفر في عرف الناس، فإنه لا يجوز للمرأة أن تسافر فيه إلَّا مَعَ ذي محرَم.
2/990ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يَخلُوَنَّ رجلٌ بامْرأةٍ إلَّا ومَعَهَا ذُو مَحرَمٍ، ولا تُسافرُ المرأةُ إلَّا مَعَ ذي محْرَمٍ» فقال لَهُ رجُلٌ: يارسولَ الله إنَّ امرأتي خَرَجَتْ حاجَّةً، وإنِّي اكتُتِبْتُ في غَزوَة كِذا وكذَا؟ قَالَ: «انْطَلقْ، فَحُجَّ مَعَ امرأتِكَ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، لما في ذلك من المفاسد علىٰ الرجل والمرأة.
2) اشتراط المحرَم واجب لازم في سفر المرأة، حَتَّىٰ إنّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم قدّم وجوب وجود المحرَم مَعَ المرأة، في سفر الحج الواجب، علىٰ من فُرض عليه الجهاد في سبيل الله تعالىٰ!.
3) إن من دلائل فقه العبد: مراعاة الحقوق عند تزاحمها، فيقدِّم الأوجب منها.
كتاب الفضائل
180 ــ باب فضل قراءة القرآن
فائدة:
القرآن الكريم هو كلام الله تعالىٰ، المنزل، المتعبَّد بتلاوته، تكلّم اللهُ به حقيقةً، وتلقّاه عَنْهُ جبريل عليه الصلاة والسلام، ثُمَّ نزل به علىٰ قلب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وللقرآن فضائل عظيمة عامة، وفضائل في آيات وسور خاصة، وهذا يوجب لأهل الإيمان أن يحرصوا غاية الحرص علىٰ تلاوة كتاب الله، وتدبّره، والعمل به، ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ فالقرآن نور وروح وحياة لأهل الإيمان، وبصيرة لهم في العلم والعمل.
1/991 ــ عن أبي أمامةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «اقرؤُوا القرآنَ، فإنُّه يأتي يومَ القيامةِ شفيعاً لأصحابِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) تعظيم البشارة للمؤمنين، فالقرآن الكريم يأتي يوم القيامة يشفع لمن قرأه محتسباً الأجر عند الله.
2) الحضّ علىٰ قراءة القرآن بتدبّر وتفهّم، لنحصل علىٰ هذا الوعد العظيم.
3) تصديق خبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأن القرآن يشفع يوم القيامة، ولا نقول كيف يشفع؟ لأن كلام النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام حقّ وصدق ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾.
2/992ــ وعَن النَوَّاسِ بنِ سَمعَانَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «يُؤْتَىٰ يَوْمَ القِيَامَةِ بالْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ، الذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِه في الدُّنْيَا، تَقدُمُهُ سورَةُ البَقَرَةِ وَآلِ عِمرَانَ، تُحَاجَّانِ عن صاحِبِهِمَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
تقدُمه: تتقدمه، أي تجيء أولاً.
تُحاجّان: من المحاجّة، وهي إظهار الحجة والدفاع عن الشيء، أي تدافعان عن صاحبهما، التالي لهما، العامل بهما.
هداية الحديث:
1) فضيلة من يعمل بالقرآن، لأن هذا الثواب والفضل لمن كَانَ يعمل بالقرآن في الدنيا.
2) العمل بالقرآن لا يكون إلَّا بعد العلم به وتفهّمه وتدبّره، فلابد من تَفهّم معاني القرآن. فالعلم قبل القول والعمل.
3) فضيلة سورتي البقرة وآل عمران.
3/993 ــ وعَنْ عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خيرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَهُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) خير النَّاس من جمع الوصفين: من تعلم القرآن، وعلَّمه.
2) التعلُّم والتعليم يشمل التعلُّمَ اللفظيَّ للقرآن تلاوةً وأداءً، ويشمل التعلُّمَ التفسيريَّ، وهو العلم بمعاني كلام الله تعالىٰ علىٰ الوجه الصحيح.
3) العناية بالقرآن الكريم دليل علىٰ خيرية المؤمن، وانتشارُ ذلك بين المؤمنين دليل علىٰ خيرية الأمة.
4/994ــ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأُ القرآنَ وهُوَ ماهرٌ به مَعَ السَّفَرَةِ الكرامِ البَرَرَةِ، والذي يقرأُ القرآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ لَهُ أجران». متفق عليه.
غريب الحديث:
ماهر: مجيدٌ لقراءته.
يتتعتع: يتهجّاه حرفاً حرفاً.
هداية الحديث:
1) فضيلة قارئ القرآن؛ فهو لا يحرم من الأجر، سواءٌ أَكَانَ مُجيداً للقرآن أم غير مجيد.
2) الأجر علىٰ قدرة المشقة والمنفعة، للمصلحة الحاصلة من أجر التلاوة، وأجر الصبر علىٰ المشقة.
3) الماهر بقراءة القرآن مَعَ الملائكة الكرام، وهذه فضيلة عظيمة لمن يتقن تلاوة القرآن.
5/995ــ وعن أبي موسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ المُؤمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مثلُ الأُتْرُجَّةِ: رِيحهَا طَيِّبٌ وَطَعمُها طَيِّبٌ، وَمثلُ المؤمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمرَةِ: لا رِيحَ لَها وَطَعْمهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الذي يَقْرَأُ القرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيحَانَةِ: رِيحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القرْانَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ: لَيْسَ لَها رِيحٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) المؤمن القارئ للقرآن أفضل من الذي لا يقرأ القرآن، فالأول نفسه طيبة وقلبه طيب، فخيره علىٰ نفسه، وعلىٰ غيره يستفيد منه النَّاس، فهو مثل الثمرة التي ريحها طيب وطعمها طيب، وأما المؤمن الذي لا يقرأ القرآن فخيره قاصر علىٰ نفسه، ولا يصل نفعه إلىٰ غيره، فهو مثل التمرة.
2) المنافق خبيث السيرة والسريرة، لا خير فيه، سواءٌ أقرأ القرآن أم لَمْ يقرأه، فهو مثل الريحانة أو الحنظلة.
3) ضرب الأمثلة من أرفع أساليب التعليم المفيدة.
6/996ــ وعَنْ عمرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللهَ يرفعُ بهذا الكتابُ أقواماً ويَضَعُ به آخَرين». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الترغيب في ثواب من عمل بالقرآن؛ تصديقاً بأخباره، وامتثالاً لأوامره، واجتناباً لنواهيه، واهتداءً واستغناءً بهديه، فإن الله تعالىٰ يرفع أهل القرآن في الدنيا والآخرة.
2) الحذر من عقوبة من قرأ القرآن رياء وسمعة، واستكبر علىٰ عباد الله تعالىٰ، وكان ممن لا يهتدي بالقرآن فلا يصدق أخباره، ولا يمتثل أحكامه، ولا يستغني بهداه، فهؤلاء يضعهم الله تعالىٰ وينزل قدرهم.
7/997ــ وعَنْ ابن عمرَ رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا حسَدَ إلَّا في اثنتين، رجُلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ، فهوَ يقومُ به آناءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، ورجُلٌ آتاهُ اللهُ مالاً، فهُوَ يُنْفقُهُ آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ». متفق عليه. والآناء: الساعات.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ التنافس والرغبة فيما ينفع في الدنيا والآخرة، كالقيام بالقرآن أو إنفاق المال في سبيل الله.
2) المؤمن الصادق هو من يجعل أعماله كلها مبنية علىٰ هدي القرآن الكريم، والسنة النبوية.
3) علىٰ من آتاه الله المال أن يؤدي حقه، ويقوم بواجبه؛ بإنفاقه في وجوه الخير.
8/998ــ وعنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقرَأُ سورَةَ الكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَربوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها. فَلَمَّا أَصبَحَ أَتَىٰ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذلكَ لَهُ، فقالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ للقُرآنِ». متفقٌ عليه.
«الشَّطَنُ»: بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة: الحبلُ.
غريب الحديث:
تغشّته: أي غطتّه.
هداية الحديث:
1) من جملة فضائل القرآن أن السكينة تنزل عند تلاوته.
2) إثبات كرامة لهذا الصحابي، وهذه من كرامات الأولياء، وهي حقّ وثابتة للصالحين من هذه الأمة، فكل مؤمن تقي فهو من أولياء الله تعالىٰ.
3) إن خوارق العادات التي تكون علىٰ أيدي الخارجين عن الشريعة، مثل الدجالين والمشعوذين، ليست بكرامات لهم، بل هي إهانات ومن تلبيس إبليس عليهم.
9/999ــ عَنْ ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حرفاً من كتَابِ اللهِ فَلَهُ حسنةٌ، والحسنةُ بِعَشْر ِأمثالِها، لا أقُولُ: ﴿ألم﴾ حرفُ، ولكن: ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) بيان الأجر العظيم في تلاوة القرآن الكريم.
2) إظهار فضيلة هذه الأمة، فالله قد خصّها بالأجر الكبير، علىٰ العمل اليسير.
10/1000 ــ عَنْ ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الذي لَيسَ في جَوفِهِ شيءٌ مِنَ القرآنِ كالبَيْتِ الخَرِبِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح[11]. [11] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) بيان أن القلب يعمر ويُنَوَّر بالقرآن الكريم، فهو كالبيت المشرق بالأنوار.
2) التحذير من هجر القرآن، حَتَّىٰ لا تكون قلوبنا كالبيوت الخربة.
11/1001ــ عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُقَالُ لِصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارْتَقِ ورَتِّلْ كما كُنْتَ تُرَتِّل في الدُّنْيا، فإنَّ مَنْزلَتَكَ عنْدَ آخرِ آيةٍ تقْرؤُها». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.
غريب الحديث:
ارتق: اصعد في درجات الجنة.
هداية الحديث:
1) علو منزلة صاحب القرآن العامل به في الجنة، فمنزلته في الجنة بحسب اجتهاده وقراءته للقرآن في الدنيا.
2) منازل الجنة تتفاوت بحسب أعمال المؤمنين، واجتهادهم في الطاعات.
3) فضيلة ترتيل القرآن وتلاوته حق التلاوة.
181 ــ باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان
1/1002ــ عَنْ أبي موسىٰ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَعَاهَدُوا هذا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإبِلِ في عُقُلِهَا». متفق عليه.
2/1003ــ وعَنْ ابن عمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ الإبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَدَ عَلَيْها أَمْسَكَهَا، وَإنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
تعاهدوا: أمر من المعاهدة، وهي الوصية بالشيء والمحافظة عليه.
الإبل في عُقُلها أو الإبل المُعقَّلة: أي المشدودة بالعقال، وهو الحبل الذي يربط به البعير، والتشديد في قوله (المعقّلة) للتكثير.
هداية الأحاديث:
1) الحث الأكيد علىٰ عدم نسيان مَا حفظه المرء من القرآن الكريم، وذلك بمراجعته ودوام تعاهده.
2) القرآن الكريم إن تركته تركك، فعلىٰ صاحب القرآن دوام مذاكرته.
3) ضرب الأمثلة عند التعليم من أحسن مَا يكون في تفهيم المسائل.
فائدة:
يُستفاد من الحديث الحث علىٰ مراجعة ومذاكرة العلوم النافعة دوماً، وخاصة القرآن الكريم؛ لأنه وإن كان قد يسّره الله تعالىٰ للذكر، لكنه يتفلّت من صاحبه، فما ظنك بغيره من العلوم!
فأَدِمْ للعلمِ مذاكرةً إحياءُ العلمِ مذاكرتُه
182 ــ باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسَن الصوت والاستماع لها
1/1004ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّىٰ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ». متفق عليه.
مَعْنىٰ «أَذِنَ الله»: أيِ اسْتَمَعَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلىٰ الرِّضَىٰ وَالْقَبُولِ.
هداية الحديث:
1) فضيلة تحسين الصوت بالقرآن، لأن الله يحب استماعه من العبد.
2) تحسين الصوت يشمل:
تحسين الأداء عند القراءة، بحيث يُبيِّن الحروف، صفاتها ومخارجها.
وتجميل الصوت في القرآن، وكلاهما أمر مطلوب بلا تكلّف ولا تعسف.
3) الاقتداء بالأنبياء عليهم الصّلاة والسلام في حسن الأداء، وحسن الصوت، والجهر بالقرآن.
2/1005 ــ وعَنْ أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: « لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ». متفقُ عليه.
وفي روايةِ لمسلمٍ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لهُ: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأنا أَسْتَمعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ».
هداية الحديث:
1) فضيلة الصحابي أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه بثناء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عليه أن الله تعالىٰ آتاه صوتاً حسناً كصوت داود عليه الصلاة والسلام.
2) استحباب تحسين الصوت لأجل أن يتذَوَّق السامع كلامَ الله، ويُسَر به، فهذا يدعو إلىٰ الإقبال علىٰ القرآن والتأثر به، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسناً.
3) جواز إطلاق (آل فلان) ويقصد به الرجل نفسه، فقوله: (آل داود) يعني داود نفسه عليه الصلاة والسلام.
3/1006ــ وعَنْ البراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنهما قَالَ: سمعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأَ في العِشَاءِ بــ: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيتُونِ} [التين: 1]، فَمَا سمعتُ أحَداً أحسنَ صوتاً منْهُ. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أحسن النَّاس صوتاً بالقرآن، وأحسن النَّاس أداءً في القراءة.
2) مشروعية أن يُقرأ في صلاة العشاء بقصار السور أحياناً، وإن كَانَ الهدي الغالب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كَانَ يقرأ بنحو: {سَبِّحِ ٱسمَ رَبِّكَ ٱلأَعلَى} و{هَل أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلغَٰشِيَةِ}.
4/1007 ــ وعنْ أبي لُبَابَةَ بَشِيرِ بنِ عبدِ المُنْذِرِ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنّا». رواه أبو داود بإسنادٍ جيد. ومعنىٰ يتغنَّ: يحسّن صوته بالقرآن.
هداية الحديث:
1) التغنّي بالقرآن من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والموفَّق من يحرص علىٰ الالتزام بالهدي النبوي دائماً.
2) من طلب الهدىٰ بغير القرآن أضلَّه الله تعالىٰ، وهذا من معاني: «من لَمْ يتغن» أي من لَمْ يكتفِ بالقرآن عن غيره.
فائدة:
بوب الإمام البخاري ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (صحيحه): «باب من لم يتغنَّ بالقرآن، وقوله تعالى: {أَوَ لَم يَكفِهِم أَنَّآ أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ يُتلَىٰ عَلَيهِم} [العنكبوت: 51] ثم ذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أذن الله لشيءٍ ما أذن للنبيّ أن يتغنىٰ بالقرآن» قال سفيان: «تفسيره يستغني به» ا هـ.
وهذا التفسير من نفائس فقه السَّلَف في فهم النصوص، فقد ملأت الفرحةُ قلوبَهم بالوحي المنزل لحياة الأمة {وَٱلَّذِينَ ءَاتَينَٰهُمُ ٱلكِتَٰبَ يَفرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَۖ} وأيقنوا أن الوحي ــ الكتاب والسنة ــ كافٍ وشافٍ لجميع المصالح، فلِمَ نستبدل أو نزاحم الشرع المنزل، بالشرع المبدل، من البدع والأهواء والمحدثات؟! ولله در العلامة ابن القيم في نونيته: (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ) عندما قال:
قد حدقوا بالرأي طول زمان
حدق بنفسك في النصوص كمثل ما
واحذرْ كُحلهمُ ياكثرةَ العميان
واكحلْ جفون العينِ بالوحيين
شافٍ لداء جهالة الإنسان
فالوحي كافٍ للذي يُعنىٰ به
5/1008ــ وعنِ ابنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ»، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قال: «إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّىٰ جِئْتُ إلىٰ هذه الآية: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 41] قال: «حَسْبُكَ الآنَ» فَالْتَفَتُ إلَيْهِ، فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إشهار بركة القرآن وأنه ينتفع به القارئ والمستمع.
2) جواز أن يطلب الإنسان من شخص أن يقرأ عليه، ولو كَانَ الطالبُ أفضل علماً وقدراً من القارئ.
3) قد يكون المستمع للقرآن أقرب إلىٰ تدبّره من القارئ، ولهذا قيل: القارئ حالب، والمستمع شارب.
4) من هدي النبوة التأثر عند سماع القرآن، والبكاء خشيةً من الله تعالىٰ، وهكذا شأن المؤمن؛ يخشع قلبه، وتدمع عينه لسماع القرآن الكريم.
تنبيــه:
من السُّنَّة عند الاكتفاء من قراءة القرآن الكريم أن يُقال للقارئ: «حسبك» كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأمّا ما يقوله كثير من النَّاس: «صدق الله العظيم» فمخالف للسنة النبوية، وإن كان معناها حقاً وصدقاً، فقد صدق الله فيما قاله، لكن ليس هذا موضع قولها، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
183 ــ باب الحث على سور وآيات مخصوصة
1/1009ــ عَنْ أبي سعيدٍ رافعِ بنِ المعلَّىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ألاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ؟» فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّكَ قُلْت: لأُعَلَمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في الْقُرْآنِ؟ قالَ: «الحَمْدُ للهِ رَبّ العَالَمِينَ، هِيَ السَبْعُ المَثَاني وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذي أُوتِيتُهُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن، لأنها أم الكتاب، وجميع معاني القرآن ترجع إلىٰ هذه السورة.
2) سُمِّيت الفاتحة بالسبع المثاني؛ لأن آياتها سبع، ولأنها تُثنىٰ ــ أي تكرر ــ في كل ركعة من الصلوات.
3) تألف الرسول صلى الله عليه وسلم قلوبَ أصحابه بإفادتهم وحسن تعليمهم، فانظر كيف أخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بيد الصحابي، ومشىٰ معه إلىٰ باب المسجد ممسكاً بيده، كل ذلك يدخل الألفة علىٰ القلوب.
2/1010ــ عَنْ أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ في {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}: «والذي نفسِي بيدِهِ، إنَّها لَتعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ».
وفي رواية: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لأصحابه: «أيعجزُ أحدُكُمْ أنْ يقرأَ بثُلُثِ القرآنِ في ليلةٍ» فشقَّ ذلك عليهمْ، وقالُوا: أيُّنا يطيقُ ذلك يارسولَ اللهِ، فقال: «قلْ هو اللهُ أحدٌ، اللهُ الصَّمدُ: ثُلُثُ القرآنِ». رواه البخاري.
3/1011 ــ وعَنْهُ أَنَّ رَجُلاً سَمعَ رَجُلاً يَقْرَأ {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، وَكأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». رواه البخاري.
4/1012ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ في {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}: «إنها تَعْدلُ ثُلُثَ القُرآن». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}: سورة الإخلاص، سُميت بذلك لأن الله تعالىٰ أخلصها لنفسه، فلم يذكر فيها إلَّا أسماءه وصفاته، فهي مشتملة علىٰ توحيد الله تعالىٰ، وهذا من عظم التوحيد في ديننا.
2) توحيد الله تعالىٰ ثلث القرآن، لأن علوم القرآن دائرة علىٰ علوم ثلاثة: التوحيد، والأحكام، والجزاء، فكانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، لأن فيها التوحيد الخالص.
3) المعادلة الواردة في الحديث في الأجر والجزاء، لا في الإجزاء، فهي لا تغني عن باقي معاني القرآن.
5/1013ــ عَنْ أنس رضي الله عنه أنَّ رجُلاً قَالَ: يارسولَ اللهِ إنِّي أحبُّ هذه السُّورةَ: {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} قَالَ: «إنَّ حُبَّها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن. ورواه البخاري في صحيحه تعليقاً.
هداية الحديث:
1) إنَّ محبة السورة المتضمنة للتوحيد سبب لدخول الجنة، فالتوحيد مفتاح باب الجنة.
2) إنَّ العمل الصالح سبب لدخول العبد الجنة، وأعظم العمل هو: تحقيق التوحيد في حياة العبد.
6/1014ــ وعَنْ عقبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ألمْ تَرَ آياتٍ أُنزلَتْ هذه اللَّيلةَ لَمْ يُرَ مثْلُهُنَّ قطُّ؟ {قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ}، و{قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}. رواه مسلم.
7/1015ــ وعَنْ أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يتعوَّذُ من الجانِّ، وعَيْنِ الإنسَانِ، حَتَّىٰ نزَلَتْ المعوِّذتان، فلمَّا نزَلَتَا أخَذَ بهمَا، وتركَ مَا سوَاهُمَا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الأحاديث:
1) الرقية بالقرآن عامة، وبالمعوذات خاصة، تحصينٌ للمؤمن من العين وأذىٰ الإنس والجان.
2) فضيلة المعوذتين: {قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ}{قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}، لأن فيهما الالتجاء التام إلىٰ الله تعالىٰ، وقطع التعلق بالأسباب الدنيوية، فما تعوّذ بهما متعوذ عن إيمان وصدق، إلَّا أعاذه الله _عز وجل_.
3) إن الاكتفاء بالقرآن عما سواه هو سبيل الموفَّق من عباد الله تعالىٰ.
8/1016ــ عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنَ القُرآنِ سُورةٌ ثَلاثُونَ آيةً، شَفَعَتْ لرجلٍ حَتَّىٰ غُفرَ لَهُ، وهيَ {تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلمُلكُ}». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية أبي داود: «تشفع».
هداية الحديث:
1) فضيلة سورة الملك، لأنها تشفع لصاحبها كما ورد في نص الحديث.
2) المتمسك بالقرآن الكريم موعود بالشفاعة والمغفرة بإذن الله تعالىٰ.
فائـدة:
عدد آيات السور كَانَ معروفاً في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وإلىٰ يومنا، وهذا دليل علىٰ حفظ الله للقرآن الكريم في ألفاظه ومعانيه، فادعاء تحريف القرآن من الكفر المخرج عن الإسلام.
9/1017ــ عَنْ أبي مسعود البدري رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قرأ بالآيتَينْ مِن آخرِ سُورةِ البَقَرةِ في ليلةٍ كَفَتَاهُ». متفق عليه.
قيلَ: كَفَتَاهُ المَكْروهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
10/1018ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تجعلُوا بيوتَكُمْ مقابرَ، إنَّ الشَّيْطانَ ينفرُ مِنَ البيتِ الذي تُقْرأ فيهِ سورةُ البَقَرةِ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة سورة البقرة والآيتين في آخرها، فإنها تكفي مَن قرأها الشرورَ كلها.
2) إنَّ قراءة سورة البقرة في البيت حصن من الشيطان أن يدخله، فهل عرفنا كيف نُحصن بيوتنا؟!
3) الوصية بعمارة البيوت بالقرآن الكريم حَتَّىٰ لا تكون كالمقابر.
11/1019ــ عَنْ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المُنْذِرِ، أتدري أيُّ آيةٍ مِن كتابِ اللهِ مَعَكَ أعظمُ؟» قلتُ: {ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلحَيُّ ٱلقَيُّومُ}، فَضَرَبَ في صَدْري، وقال: «لِيهْنَكَ العلمُ أبا المُنْذِرِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يهنك: هنيئاً لك.
هداية الحديث:
1) إنَّ آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله تعالىٰ، لاشتمالها علىٰ معاني عظيمة من توحيد الله تعالىٰ، وذكر أسمائه الحسنىٰ وصفاته العلىٰ.
2) آية الكرسي اشتملت علىٰ عشر جُمَل من صفات الله _عز وجل_، كلها في إخلاص التوحيد لله تعالىٰ.
3) إن العلم بالتوحيد هو من العلم العظيم الذي يُفرح به، ويُهنَّأ صاحبه عليه.
12/1020ــ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: وَكَّلَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَاني آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ رَسُولُ الله: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟». قُلْتُ: يَا رسُولَ الله شَكَا حَاجَةً وَعِيالاً، فَرَحِمْتُه، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. فَقَالَ: «أَمَا إِنهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: دَعْنِي فَإنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُه، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ». فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَهذا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ! فقال: دَعْنِي، فَإنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قلتُ: مَا هُنَّ؟ قال: إذا أَوَيْتَ إلىٰ فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّىٰ تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ؟» قلْت: يَا رَسُولَ الله، زَعَمَ أنَّهُ يُعَلّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُني اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَه، قالَ: «مَا هِيَ؟» قلتُ: قالَ لي: إذا أَوَيْتَ إلىٰ فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوِّلَها حَتَّىٰ تَخْتِمَ الآيَة: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقالَ لي: لا يَزَالُ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلَن يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّىٰ تُصْبِحَ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قلت: لا، قال: «ذَاكَ شَيْطَانٌ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
يحثو: يأخذ.
هداية الحديث:
1) المحافظة علىٰ قراءة آية الكرسي كلما جاء الإنسان إلىٰ فراشه للنوم، لأنها تحفظ العبد من الشرور.
2) قَبول الحق ممن جاء به، حَتَّىٰ ولو كَانَ قائِله مبطلاً، فإن علىٰ الحق نوراً يُعرف به.
3) إن عِلمَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بما جرىٰ مَعَ الصحابي، مَعَ أنه لَمْ يكن حاضراً معه، آية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا بوحي من الله تعالىٰ: {عَٰلِمُ ٱلغَيبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَىٰ غَيبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرتَضَىٰ مِن رَّسُول} [الجن: 26، 27].
4) الشيطان قد يتمثل بصورة الإنسان، ويتمثل بصورة الكلاب والحيات. والمؤمن الذي يتحصن بالأوراد الشرعية النبوية لا تضره الشياطين شيئاً.
13/1021ــ عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن حفظَ عشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكَهْفِ عُصمَ مِنَ الدَّجَّالِ». وفي رواية: «مِن آخرِ سورةِ الكَهْفِ». رواهما مسلم.
هداية الحديث:
1) فتنة الدجال أعظم فتنة وُجدت علىٰ الأرض، منذ خلق الله تعالىٰ آدم عليه الصَّلاة والسلام إلىٰ قيام الساعة.
2) من أسباب الوقاية من فتنة الدجال: حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف أو من آخرها.
3) رحمة الرسولصلى الله عليه وسلم بأمته، إذ هدىٰ المؤمنين إلىٰ مَا فيه نجاتهم من الفتن عموماً، فأرشدنا إلىٰ مَا نعتصم به من فتنة الدجال، باللجوء إلىٰ القرآن الكريم.
14/1022 ــ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ –عليه السلام_ قَاعِدٌ عِندَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم سَمعَ نَقِيضاً مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتحَ اليَوْمَ، وَلَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا اليَوْمَ»، فَنَزَلَ مِنه مَلكٌ، فقالَ: «هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلىٰ الأَرْضِ، لمْ ينزِلْ قَطُّ إلَّا اليَوْمَ، فَسَلَّمَ وقال: «أَبْشِرْ بِنُوْرَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَن تَقرَأَ بِحَرْفٍ منها إلَّا أُعْطِيتَه». رواه مسلم.
«النقيض»: الصَّوت.
هداية الحديث:
1) إظهار فضيلة خاصة لسورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة، من قوله تعالىٰ: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ﴾ إلىٰ آخر السورة.
2) مَا من مؤمن يقرأ بالآيتين الأخيرتين، موقناً بهما، إلَّا آتاه الله تعالىٰ مَا فيهما من الطلب.
3) فضيلة هذه الأمة، لِمَا خصّها الله تعالىٰ به وخصّ نبيّها صلى الله عليه وسلم من فضائل، دون سائر الأمم والأنبياء.
184 ــ باب استحباب الاجتماع على القراءة
1/1023ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يتلُون كتابَ الله، ويَتَدارَسُونَه بينَهُم، إلَّا نَزَلَتْ عليهِمُ السَّكينةُ، وغشيتْهمُ الرَّحْمةُ، وحَفَّتْهمُ الملائكةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عندَه». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضيلة الاجتماع علىٰ قراءة القرآن الكريم، لما يترتب عليه من الفضائل العظيمة، وأعظمها أنّ الله ــ جلّ في علاه ــ يذكر المجتمعين علىٰ القراءة في الملأ الأعلىٰ.
2) مُدارسة القرآن الكريم تشمل: مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، وهذه هي طريقة الصحابة والصالحين من هذه الأمة، كانوا إذَا قرؤوا عشر آيات لَمْ يجاوزوها حَتَّىٰ يتعلموا ويعملوا بما فيها. فتعلموا العلم والعمل جميعاً.
3) من أكبر نِعَمِ الله علىٰ العبد أن ينزل السكينة علىٰ قلبه، بحيث يكون مطمئناً غير قلق ولاشاكّ، راضياً بقضاء الله وقدره، إن أصابته سرّاء شكر، وإن أصابته ضرّاء صبر، وهذه الحال لا تكون إلَّا من عبْدٍ صحّ إيمانه مَعَ الله تعالىٰ، وكان من الموحِّدين لربِّ العالمين.
تنبـيــه:
قوله صلى الله عليه وسلم: «في بيت من بيوت الله» لإظهار شرف المكان، فالمساجد أعظم البقاع لمدارسة القرآن الكريم، لكن الأجر والفضل المذكور يشمل غير المساجد، فلو جلس قوم في بيت أو معهد أو مدرسة لتعلم القرآن الكريم نالهم الأجر، وقد ثبت للحديث رواية مطلقة بلفظ: «لايقعد قوم يذكرون الله _عز وجل_ إلا حفَّتْهمُ الملائكةُ، وغشيَتْهمُ الرحمةُ، ونزلَتْ عليهِمُ السّكينةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَن عندَهُ» رواه مسلم.
185 ــ باب فضل الوضوء
قَالَ الله تعالىٰ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمتُم إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغسِلُواْ وُجُوهَكُم} إلىٰ قوله: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجعَلَ عَلَيكُم مِّن حَرَج وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم وَلِيُتِمَّ نِعمَتَهُۥ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ} [المائدة: 6].
هداية الآيات:
1) الوضوء نعمة من الله تعالىٰ علىٰ هذه الأمة، لما يترتب عليه من الطهارة الظاهرة بحصول النظافة، والطهارة الباطنة بامتثال أمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
2) تضمّنت الآيات صفة الوضوء، وصفة الغسل، وحكم التيمم، وكل هذا من غير حرج ولا مشقة. فإنه سبحانه وتعالىٰ أرحم بنا من أنفسنا، فكل ما شرعه لنا فيه خير ومصلحة، وكل ما حرّمه علينا فيه مضرّة ومنقصة.
3) الواجب علىٰ العبد مقابلة النِّعم بالشكر، وذلك بالقيام بطاعة الله تعالىٰ، بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وتصديق خبره.
1/1024ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ أمَّتِي يُدْعَوْنَ يومَ القيامةِ غُرّاً مُحَجَّلينَ مِن آثارِ الوُضوءِ» .
فمَن استطاعَ منكُم أنْ يُطيل غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ. متفق عليه.
غريب الحديث:
غرّاً: جمع الأغرّ، من الغرة: بياض الوجه.
محجّلين: بيض مواضع الوضوء من الأيدي والأرجل.
يعني أنّ هذه المواضع تكون لهذه الأمة نوراً يتلألأ يوم القيامة من آثار الوضوء.
هداية الحديث:
1) فضل الوضوء، فهو نور للمؤمنين من هذه الأمة خالصةً لهم يوم القيامة.
2) فضيلة هذه الأمة، لما اختصها الله تعالىٰ بهذا من دون الأمم، حَتَّىٰ ورد للحديث رواية في صحيح مسلم: «لكم سيماً ليست لأحد غيركم» أي علامة خاصة.
3) الطاعة لها أثر ونور علىٰ الوجه، كما أن للمعصية ظلمةً في الوجه، فَلْيجتهدِ المؤمنُ في بياض وجهه بنور الطاعة، وَلْيحذرْ تسويده بظلمة المعصية.
تنبـيــه:
قوله في الحديث: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» قَالَ علماء الحديث: هذه الجملة ليست من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل هي من كلام أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، رغبة منه في زيادة الغرة والتحجيل، وهذا ليس بممكن، كما قَالَ ابن القيم رحمه الله تعالى:
وأبو هُرَيْرَة قَالَ ذا مـن كيسـه فغدا يميزه أولو العرفــان
وإطالة الغرات ليس بممكن أيضاً وهذا واضح التبيان
2/1025ــ وعَنْهُ قَالَ: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «تبلغُ الحِلْيَةُ من المؤمن حَيْثُ يبلُغُ الوضُوءُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من فضل الوضوء أن تكون مواضعه يوم القيامة حلية يُحلَّىٰ بها المؤمن في الجنة، سواء أكان ذكراً أم أنثىٰ.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فالله تعالىٰ يُثيب المؤمنين بتحليتهم بحُلىٰ الذهب والفضة واللؤلؤ، في مواضع الوضوء، جزاءَ محافظتِهم عليه في الدنيا.
3/1026ــ وعن عثمانَ بن عفّانَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّىٰ تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظفارِه». رواه مسلم.
4/1027ــ وعنه قَالَ: رأيتُ رَسُولَ الله تَوَضَّأَ مثلَ وُضوئي هذا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هكذا، غُفرَ لَهُ مَا تقدَّم من ذنبه، وكانَتْ صلاتُهُ ومشيُهُ إلىٰ المسجدِ نافلةً». رواه مسلم.
5/1028ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذَا تَوَضّأَ العَبْدُ المُسْلِم ــ أَوِ المُؤْمِنُ ــ فَغَسَلَ وَجهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فإذا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِر قَطْرِ المَاءِ، فَإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجلاه مَعَ الماءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ، حَتَّىٰ يَخرُجَ نَقيّاً مِنَ الذُّنوبِ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الوضوء عبادة من أعظم العبادات، لما يُغفَر معه من الذنوب حَتَّىٰ الدقيقة منها، وهو مَا تحت الأظفار.
2) إن استشعار المؤمن إخلاصَه لله تعالىٰ في الوضوء، واتباعه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، واستحضاره معاني غفران الذنوب أثناء وضوئه، كل ذلك عبادة يُثاب عليها، فالسعيد من وُفِّق لهذه المعاني علماً وحالاً.
3) فضيلة هذه الأمة؛ حيث أثابها الله علىٰ يسير العمل بعظيم الأجر.
4) اقتداء الصحابي رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحرصه علىٰ نقل الهدي النبوي للأمة، وهذا من شرف الصحابة وفضيلتهم رضي الله عنهم، فرحم الله عبداً سار علىٰ نَهجهم.
5) رحمة الله تعالىٰ بالأمة، حين شرع لهم من العبادات اليسيرة مَا يوجب معها غفران الذنوب الكثيرة، فَرحِمَ الله تعالىٰ المؤمنين بكفارات الذنوب.
فائدة:
قوله صلى الله عليه وسلم: «وكانت صلاته ومشيه إلىٰ المسجد نافلة»:
النفل في اللغة، معناه: الزيادة، كما قَالَ تعالىٰ: {وَمِنَ ٱلَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِۦ نَافِلَة لَّكَ}. أي زيادة لك. ومعنى الحديث: أي زائداً علىٰ مغفرة الذنوب، لأن ذنوب المتوضئ غُفرت بوضوئه وصلاته الأولىٰ، وهي سُنّة الوضوء لمن توضّأ وصلاّها، فيكون مشيه إلىٰ المسجد وصلاته زيادة علىٰ مغفرة الذنوب.
6/1029ــ وعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أتىٰ المقبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إخْوَاننَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإخْوَانُنا الَّذِينَ لَم يَأْتُوا بَعْدُ» قَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلىٰ يا رَسُولَ الله، قَالَ: «فَإنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأَنا فَرَطُهُمْ عَلَىٰ الْحَوْضِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
غرٌّ محجّلة: الغرة: بياض في وجه الفرس، التحجيل: بياض في قوائم الفرس.
دُهْم بُهْم: الدُهْم، بضم الدال وسكون الهاء: السود. والبُهْم، بضم الباء وسكون الهاء: لا يخالط لونهم لوناً آخر غير السواد.
فرطهم: سابقهم، والفرط هو المتقدم السابق للشيء.
هداية الحديث:
1) مشروعية زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة، وأما النهي الوارد عن زيارة القبور فسببه: أن النَّاس أول الإسلام كانوا حديثي عهد بشرك، فخشي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تتعلق قلوبهم بالقبور، فنهىٰ عن زيارتها، ثُمَّ لما استقر التوحيد والإيمان في القلوب رغّب في الزيارة، ونُسخ النهي.
2) مشروعية السلام علىٰ القبور بقول الزائر المسلِّم: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين».
3) الصحابة إخوان للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحاب لَهُ رضي الله عنهم، وأما من جاؤوا بعدهم من المؤمنين فهم إخوانه وليسوا أصحابه.
4) إن أثر الوضوء يوم القيامة في الوجه والأطراف هو علامة لهذه الأمة المحمدية المرحومة بفضل الله وكرمه.
5) أهل القبور يُدعىٰ لهم بالرحمة، ولا يُطلب منهم الدعاء، لأنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً.
7/1030 ــ وعَنْهُ أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ألا أدُلُّكُم علىٰ مَا يَمْحُو اللهُ به الخَطَايَا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟» قالوا: بلىٰ يارسولَ الله، قَالَ: «إسباغُ الوضُوءِ علىٰ المَكَارِهِ، وكثْرَةُ الخُطا إلىٰ المَسَاجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ، فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلِكُمُ الرِّبَاطُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ معرفة أبواب الخير والعمل بها، وهذا هو شأن المؤمن يسأل عن مفاتيح الخير ليكون من الداخلين فيه.
2) الوضوء ــ علىٰ كره ومشقة غير مقصودة ــ باب لتكفير الخطايا، لكن دون ضرر يلحق، أما مَعَ الضرر فلا يتوضّأ، بل يتيمّم.
3) العبد ليس مأموراً ولا مندوباً أن يفعل مَا يشقّ عليه ويضرّه، بل كلما سهلت عليه العبادة المشروعة فهو أفضل.
4) فضيلة صلاة الجماعة في المسجد، حتىٰ لو أتىٰ القاصد من مكان بعيد فهو أعظم للأجر، لكن من غير أن يتقصد البعد.
8/1031ــ عَنْ أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان». رواه مسلم.
وقد سبقَ بِطُولِهِ في (بابِ الصبرِ).
وفي البابِ حديثُ عمرِو بْنِ عَبَسَةَ رضي الله عنه السَّابِقُ في آخِرِ (بَابِ الرَّجَاءِ)، وَهُوَ حَدِيث عَظِيمٌ، مُشْتَمِلٌ عَلىٰ جُمَلٍ مِنَ الخيراتِ.
هداية الحديث:
1) الطهور يشمل الطهارة الحسية: بالوضوء والغسل، والطهارة المعنوية: من الشرك والشك والغِلِّ والحقد.
2) نصف الإيمان هو التطهر بالطهارة الحسية الظاهرة، والمعنوية الباطنة، وذلك بالتخلي والتنقية من الأوساخ والرذائل، وأنواع الشرك والبدع والمعاصي.
والنصف الثاني هو التحلي والتقوية بالفضائل، كالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة.
فائـدة:
قول النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ : «وفي الباب حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه السابق في آخر باب الرجاء وهو حديث عظيم، مشتمل علىٰ جمل من الخيرات».
تقدم الحديث برقم (438) وموضع الشاهد منه في باب فضل الوضوء قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا منكم رجلٌ يقرِّب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر، إلَّا خرت خطايا وجهه وفِيهِ وخياشيمه، ثُمَّ إذَا غسل معصمه...» الحديث.
9/1032ــ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُبْلغُ ــ أَوْ فَيُسْبغُ الوُضُوءَ ــ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شاءَ». رواه مسلم.
وزَادَ الترمذي: «اللّهم اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ».
هداية الحديث:
1) إنَّ الوضوء علىٰ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سبب لدخول الجنة.
2) الشهادة بالتوحيد بعد الوضوء، فيه: جمع لطهارة الباطن بالتوحيد، مَعَ إتمام طهارة الظاهر بالوضوء.
3) فضيلة إسباغ الوضوء، وهو الإتيان به كاملاً غير منقوص، علىٰ هدي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تعلم الهدي النبوي في الوضوء، كما حرص علىٰ تعلم الهدي النبوي في الصلاة.
186 ــ باب فضل الأذان
1/1033ــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، ولَوْ يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لاسْتبَقُوا إلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوهُمَا وَلَو حَبْواً». متفق عليه.
«الاسْتِهَامُ»: الاقْتراعُ، و«التَّهْجِيرُ»: التَّبْكِيرُ إلىٰ الصَّلاةِ.
غريب الحديث:
النداء: الأذان.
العتمة: صلاة العشاء.
هداية الحديث:
1) فضيلة الأذان؛ فهو من أفضل الأعمال لما فيه من النفع العام، من تعظيم الله تعالىٰ بالتوحيد، ودعوة النَّاس إلىٰ أعظم العبادات.
2) الأذان أفضل من الإمامة، قَالَ العلماء: لأنه اشتمل علىٰ توحيد الله تعالىٰ، والشهادة للرسول بالرسالة، وهذا يبين لنا عِظَم الدعوة إلىٰ التوحيد، والاتباع.
3) الترغيب بالمنافسة بين المؤمنين في القُرَب والطاعات ، فعلىٰ المؤمن أن يغتنم فرص الخير والطاعة، ومن ذلك شأن المبادرة إلى الأذان.
2/1034ــ عَنْ معاويةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «المؤذِّنُون أطوَلُ النَّاسِ أعناقاً يومَ القيامةِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) المؤذنون أطول النَّاس أعناقاً يوم الحساب، يُعرفون بذلك تعريفاً بفضلهم وإظهاراً لشرفهم.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فرؤوس المؤذِّنين تعلو يوم القيامة، لأنهم أعلَوْا توحيد الله تعالىٰ في الأرض.
3/1035 ــ وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه قَالَ لَهُ: «إنِّي أَرَاكَ تُحبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ ــ أَوْ بَادِيَتِكَ ــ فَأَذَّنْتَ للصَّلاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بالنِّدَاءِ، فَإنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَىٰ صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا إنْسٌ وَلا شَيْءٌ، إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قال أبو سعيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله. رواه البخاري.
غريب الحديث:
مدىٰ صوت المؤذن: غاية الصوت.
هداية الحديث:
1) الحيوانات، بل وحتىٰ الجمادات، تشهد للمؤذن يوم القيامة، وهذا من فضل الأذان وشرفه.
2) استحباب الأذان عند حضور الصَّلاة.
3) استحباب رفع الصوت في الأذان، وأن يكون المؤذن قوي الصوت.
4/1036ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا نُودِيَ بالصَّلاةِ أدبَرَ الشَّيطانُ، لَهُ ضُراطٌ حَتَّىٰ لا يَسْمَعَ التَّأذينَ، فإذا قُضيَ النِّداءُ أقبَلَ، حَتَّىٰ إذَا ثُوِّبَ للصَّلاة أدْبَرَ، حَتَّىٰ إذَا قُضيَ التَّثويبُ أقْبَلَ، حَتَّىٰ يخْطرَ بينَ المَرْء ونفسه، يقولُ: اذْكُرْ كَذا، واذْكُرْ كذا، لما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرْ من قبلُ، حَتَّىٰ يظَلَّ الرَّجُل مَا يَدْري كَمْ صَلَّىٰ». متفق عليه.
غريب الحديث:
يخْطِر: يوسوس.
هداية الحديث:
1) بيان فضل الأذان، فهو مطردة للشيطان.
2) حرص الشيطان علىٰ صرف المؤمن عن التفكر بالطاعة، فالواجب علىٰ العبد مجاهدة الشيطان، والاستعاذة من وساوسه، وذلك بصدق اللجوء إلىٰ الله تعالىٰ.
5/1037ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما أنه سَمعَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّهُ مَنْ صلَّىٰ عَلَيَّ صلاةً صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». رواه مسلم.
6/1038ــ عَنْ أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا سمعْتُمُ النِّداءَ فقُولُوا كَمَا يقولُ المُؤذِّنُ». متفق عليه.
7/1039ــ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللّهم رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَه، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه البخاري.
8/1040 ــ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَع المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بالله ربّاً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبالإسْلامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
اشتملت الأحاديث علىٰ عدد من السنن المأثورة والآداب الشرعية في الأذان، وهي:
1) إجابة المؤذن، بترديد مَا يقوله المؤذن، إلَّا في قوله: «حي علىٰ الصَّلاة..» «حي علىٰ الفلاح» فنقول كلمة الاستعانة: «لا حول ولا قوة إلَّا بالله»، أي عزمنا علىٰ الإجابة بالاستعانة بك ياربِّ.
2) استحباب الصَّلاة علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفراغ من الأذان مباشرة.
3) سؤال الوسيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أعلىٰ درجة في الجنة، والدعاء له أن يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده عليه الخلق كلهم، وهو مقام الشفاعة يوم القيامة.
4) إن المحافظة علىٰ هذه السنن سبب لغفران الذنوب، وسبب لنيل شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
9/1041ــ عَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ لا يُردُّ بينَ الأذَانِ والإقَامَة». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) اغتنام الأوقات الفاضلة عند الدعاء.
2) بيان أدب الدعاء، وهو أن يقدم العبد قبله المحامد، والصلاة والسلام علىٰ الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه أرجىٰ للإجابة؛ فانظر كيف يُستحَب للسامع أن يجيب المؤذن، وهذا نوعٌ من الثناء علىٰ الله تبارك وتعالىٰ، ثُمَّ يصلِّي علىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأل اللهَ لَهُ الوسيلة، فيكون ذلك أحرىٰ لإجابة دعائه بعد الأذان.
تنبـيــه:
لمّا كان الأذان من ذكر الله تعالىٰ المأثور في السنة النبوية، اعتنىٰ العلماء في المذاهب الفقهية كلها بضبط ألفاظه، واتفقوا علىٰ أن الأذان ينتهي عند قول المؤذن في آخره: «لا إله إلا الله».
وما ورد في الأحاديث المتقدمة من الصلاة علىٰ رسول الله وسؤال الوسيلة له فإنما هو من سنن الأذان التابعة له، ولا يجوز الجهر بها حتىٰ تصير كأنها من الأذان، فهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي فُعِل في زمانه أنه كان يُؤذَّن، ثم يصلِّي المؤذِّن والسامعون علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّاً، ومن فعل خلاف ذلك فقد خالف السنة النبوية، وخرج عن مذاهب الأئمة، فَلْيحذرِ المؤذِّنون من مخالفة الهدي النبوي، وَلْيحرصُوا علىٰ لزوم السنة، فإنها خير وبركة.
187ــ باب فضل الصلوات
قَالَ الله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَآءِ وَٱلمُنكَرِۗ} [العنكبوت: 45].
فوائد الآية:
1) الصَّلاة التي تنهىٰ عن الفحشاء والمنكر هي التي يقيمها العبدُ علىٰ الوجه الأكمل باطناً وظاهراً، علىٰ هدي صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل الصَّلاة بقلب حاضر، يؤدّيها بجميع أركانها وشروطها وواجباتها وسننها.
2) إن إقامة العبد علىٰ الذنوب والمنكرات سبب يصدُّه عن الصَّلاة، فكما أن الصَّلاة تنهىٰ عن الفحشاء والمنكر، فإن الفحشاء والمنكر تنهىٰ عن الصَّلاة، وعن الأُنْس بها والرغبة فيها.
1/1042ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابِ أَحَدِكُم يَغْتَسِلُ مِنْه كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَىٰ مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لا يَبْقَىٰ مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا». متفقٌ عليه.
2/1043ــ وعَنْ جابرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلىٰ بَابِ أحَدِكُمْ، يغْتسلُ منهُ كلَّ يومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ». رواه مسلم.
الغمر: بفتح الغين المعجمة: الكثير.
غريب الحديث:
درنه: وسخه، فالدرن هو: الوسخ والقذر.
هداية الأحاديث:
1) الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا، حَتَّىٰ يصير العبد بها طاهراً نقيّاً من الذنوب.
2) ضرب المثال عند التعليم يسهِّل فهم المسألة.
3) علىٰ حسب قيام العبد بحق الصَّلاة وأدائها علىٰ الوجه الشرعي الصحيح، يكون تكفير الذنوب. فَلْيجتهدِ المؤمن بتعلم صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون لَهُ ثوابُ محوِ الخطايا.
3/1044ــ عَنْ ابن مسعود رضي الله عنه: أنَّ رجُلاً أصَابَ مِن امرأةٍ قُبْلَةً، فأتَىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرَهُ، فأنزلَ الله تعالىٰ: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفا مِّنَ ٱلَّيلِ إِنَّ ٱلحَسَنَٰتِ يُذهِبنَ ٱلسَّئَِّاتِ} [هود: 114] فقال الرَّجُلُ: أليَ هذا؟ قَالَ: «لِجَميعِ أمَّتي كُلِّهمْ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إظهار رحمة الله تعالىٰ بالأمة المحمدية، حين شرع لها الحسنات التي تمحو السيئات، وتكفّر الخطيئات، فلله تعالىٰ الحمد أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً.
2) الأصل في جميع الأحكام الشرعية أنها عامة لجميع الأمة، إلَّا مَا ورد دليل خصوصية بشخص معين، مثل قوله تعالىٰ: {خَالِصَة لَّكَ مِن دُونِ ٱلمُؤمِنِينَۗ} ونحو ذلك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
4/1045ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصَّلوَاتُ الخمْسُ، والجُمُعَةُ إلىٰ الجُمُعَةِ، كفَّارَةٌ لما بينَهُنَّ، مَا لَمْ تُغشَ الكَبَائر». رواه مسلم.
غريب الحديث:
تُغْشَ: تُؤْتَ.
هداية الحديث:
1) الكبائر لا تكفَّر إلَّا بالتوبة الخاصة، أما الصغائر فهي التي تكفَّر بالصلوات ونحوها من الطاعات.
2) تعظيم قدر الجمعة والجماعات فهي من أسباب الرحمات والكفارات.
5/1046ــ وعن عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما مِنِ امرئ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إلَّا كانَت كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، ما لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وذلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن إحسان الوضوء والصلاة سبب عظيم لتكفير الخطايا والذنوب الصغائر.
2) ذكر الخشوع في الحديث للتنبيه علىٰ أهميته، فهو روح الصَّلاة قَالَ تعالىٰ: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ}.
188 ــ باب فضل صلاة الصبح والعصر
1/1047 ــ عَنْ أبي موسىٰ رضي الله عنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن صلَّىٰ البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ». متفق عليه.
البردان: الصبح والعصر.
2/1048ــ وعن أبي زهيْرٍ عُمارَةَ بنِ رُؤَيْبةَ رضي الله عنه قالَ: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لَنْ يَلجَ النَّارَ أَحَدٌ صلَّىٰ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» يَعْني الفَجْرَ وَالعَصْرَ. رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) المحافظة علىٰ صلاتَي الفجر والعصر سبب لدخول الجنة، والنجاة من عذاب النار، قال تعالىٰ: ﴿فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ﴾ [آل عمران: 185].
2) فضيلة خاصة لصلاة الفجر كون القراءة فيها مشهودة من الملائكة {إِنَّ قُرءَانَ ٱلفَجرِ كَانَ مَشهُودا} [الإسراء: 78].
3) فضيلة صلاة العصر، لمّا خُصّت بالذكر، فهي الصَّلاة الوسطىٰ في قوله تعالىٰ: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ﴾ [البقرة: 238].
3/1049ــ وعن جُنْدُبِ بن سُفْيَانَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّىٰ الصُّبْحَ فَهُوَ في ذِمَّةِ الله، فَانْظُرْ يَا ابنَ آدَمَ لا يَطلُبــنَّكَ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ذمة الله: أمانه وعهده.
لا يطلبنك الله: لا تغدروا ولا تعملوا عملاً سيِّئاً، ومن ذلك: فوات صلاة الفجر في جماعة، فيطالبكم الله تعالىٰ بما عهد به إليكم.
هداية الحديث:
1) صلاة الفجر كالمفتاح لصلاة النهار، بل لعمل النهار كله.
2) فضيلة خاصة لصلاة الفجر، فمن صلاّها كَانَ في حفظ الله تعالىٰ وعنايته.
4/1050ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبُون فيكم ملائكةٌ باللَّيلِ، وملائكةٌ بالنَّهَار، ويجتمعُون في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعرُجُ الذين باتُوا فيكم، فيسألُهُمُ اللهُ، وهو أعلمُ بهم، كيفَ تركْتُمْ عبَادي؟ فيقولون: ترَكناهُم وهُمْ يُصَلُّون، وأتيناهُم وهُم يُصَلُّون». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
يتعاقبون: هؤلاء ينزلون وهؤلاء يصعدون.
يعرج: يصعد.
هداية الحديث:
1) إكرام الله تعالىٰ المؤمنين، حين سخّر ملائكة يتعاقبون فيهم أول النهار وآخره، إظهاراً لشرف العباد وتنويهاً بفضلهم.
2) فضيلة صلاتَي الفجر والعصر، إذ خُصّتا باجتماع الملائكة.
فائدة:
من هذا الحديث نعرف توقيتاً مهماً، وهو بيان وقت الأذكار الشرعية، التي تُقال في الصباح والمساء، فوقت أذكار الصباح: بعد الفجر إلىٰ طلوع الشمس، ووقت أذكار المساء: بعد العصر إلىٰ غروب الشمس.
5/1051 ــ وعن جَريرِ بنِ عبدِ الله البَجَليِّ رضي الله عنه قال: كنّا عِندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ إلىٰ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فقال: «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلىٰ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». متفقٌ عليه. وفي روايةٍ: «فَنَظَرَ إلىٰ القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ».
غريب الحديث:
لا تضامون: لا يلحقكم ضيم، وهو المشقة والتعب.
هداية الحديث:
1) إثبات رؤية المؤمنين ربَّهم عياناً في الجنة، فهذا من أجل نعيم أهل الجنة وأعظَمه.
2) إن المحافظة علىٰ أداء صلاة الفجر وصلاة العصر من أسباب التوفيق لرؤية الله تعالىٰ في الجنة.
3) المؤمن يصدّق خبر رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الثابت، ولا يعترض عليه بعقله، فيقول: كيف يمكن أن نرىٰ الله تعالىٰ؟! فهذا التسليم هو شأن المؤمن في جميع أخبار الشرع.
6/1052ــ عَنْ بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَكَ صَلاة العَصْر فَقَدْ حَبطَ عملُهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
حبط: بطل أجره.
هداية الحديث:
1) عظم شأن صلاة العصر، فهي ميزان لقَبول العمل أو ردّه.
2) من ترك صلاة العصر فقد بطل أجره.
189 ــ باب فضل المشي إلى المساجد
1/1053 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن غدَا إلىٰ المسْجدِ أو رَاحَ، أعدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلّما غَدَا أوْ رَاحَ». متفق عليه.
2/1054 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تطهّرَ في بيتِهِ ثُمَّ مضىٰ إلىٰ بيتٍ من بيوتِ اللهِ، ليَقْضيَ فريضةً من فرائضِ اللهِ، كَانَتْ خُطْوَاتُهُ إحْداها تَحُطُّ خطيئةً، والأخرىٰ تَرْفَعُ دَرَجَةً». رواه مسلم.
غريب الحديث:
غدا: ذهب صباحاً.
راح: ذهب في العشي بعد الظهر.
نزلاً: الضيافة.
هداية الأحاديث:
1) المشي إلىٰ المساجد سبب لتكفير الخطيئات ورفع الدرجات.
2) الترغيب في المحافظة علىٰ لزوم الجماعة، لتحصيل الأجر العظيم المرتب علىٰ العمل اليسير.
3) الأجر التام الموعود عليه في الحديث إنما هو لمن تطهَّر في بيته، وهذا من فضيلة الوضوء في البيت ثم المضي إلىٰ المسجد.
3/1055ــ وعن أُبيِّ بن كعْبٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لا أَعْلَمُ أحَداً أَبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكانَتْ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، فَقِيلَ له: لو اشتَرَيْتَ حِمَاراً تَركَبُهُ في الظَّلْمَاءِ وَفي الرَمْضَاءِ، قالَ: ما يَسُرُّني أَنَّ مَنْزِلي إلىٰ جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لي مَمْشَايَ إلىٰ المَسْجِدِ، وَرجُوعي إذا رَجَعْتُ إلىٰ أَهْلي، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلكَ كُلَّه». رواه مسلم.
4/1056ــ وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: خَلَتِ البِقَاعُ حَوْلَ المسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذلِكَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ لهم: «بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَن تَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجدِ؟». قالوا: نعم يا رسولَ الله، قَدْ أَرَدْنَا ذلكَ، فقالَ: «يا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتبْ آثارُكُمْ، دِيارَكُمْ تُكتبْ آثارُكُمْ» فقالوا: ما يَسُرُّنَا أنّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا. رواه مسلم، وروىٰ البخاري معناه من رواية أنس.
غريب الحديث:
الرمضاء: شدة الحر.
تكتب آثاركم: خطاكم وممشاكم.
هداية الأحاديث:
1) المجيء إلىٰ المسجد ماشياً أفضل من المجيء إليه راكباً، إلَّا إذَا كَانَ في المشي مشقة، فالأفضل هو الأيسر، لأن هدي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم «أنه ما خُيِّر بين أمرَين إلَّا أخذ أيسرهما، مَا لَمْ يكن إثماً». رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها.
2) يُكتب للعبد العمل الصالح، وما يترتب علىٰ هذا العمل من الآثار. وهذا من فضل الله تعالىٰ علىٰ عباده.
3) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ حضور الجماعة والسكنىٰ حول المسجد، وهذا من مبادرتهم إلىٰ الخير والأجر، فجدير بالمؤمن أن يقتدي بهم في المسابقة إلىٰ الخيرات والصالحات الباقيات.
5/1057ــ عَنْ أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أعظَمَ النَّاسِ أجراً في الصَّلاةِ أبْعَدُهُم إليها ممشىٰ، فأبْعَدُهُم، والذي ينتظرُ الصَّلاةَ حَتَّىٰ يصلِّيَها مَعَ الإمام أعظمُ أجراً من الذي يُصلِّي ثُمَّ ينامُ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) يكثر أجر العبادة بقدر حصول المشقة المأذون بها في أصل العبادة.
2) إن تأخير صلاة العشاء، وصلاتها مَعَ الإمام جماعةً، أعظم أجراً.
6/1058ــ وعن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «بشِّرُوا المَشَّائِينَ في الظُّلَم إلىٰ المسَاجِدِ بِالنُّورِ التامِّ يَوْمَ القِيامةِ». رواه أبو داود، والترمذي.
هداية الحديث:
1) الجزاء من جنس العمل، فمن أتىٰ إلىٰ المساجد في ظلمة الليل أعطاه الله نوراً تاماً يوم القيامة.
2) استحباب قرن العمل الصالح بأجره المرغَّب فيه، لتنشط النفوس علىٰ الطاعة، ويرغب الصالحون فيها، فهذه وصية للمربِّين والمعلِّمين: ذِكرُ الأعمال مقرونةً بفضائلها.
7/1059 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَلاَ أَدلُّكُمْ عَلىٰ مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلىٰ يا رسولَ الله، قالَ: «إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلىٰ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلىٰ المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضيلة الملازمة علىٰ الجماعة في المسجد مشياً علىٰ الأقدام، ليُكتب أجر الخطا إلىٰ المساجد.
2) إن المداومة علىٰ الأعمال الصالحة الواردة في الشرع من المرابطة علىٰ الخير.
8/1060ــ عَنْ أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا رأيتُمُ الرَّجُلَ يعتادُ المَسَاجدَ فاشْهَدُوا لَهُ بالإيمَان، قَالَ الله _عز وجل_: {إِنَّمَا يَعمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَن ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأٓخِرِ} [التوبة: 18]» الآية، رواه الترمذي وقال: حديث حسن[12]. [12] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) المداومة علىٰ شهود الجماعة في المساجد دليل علىٰ صدق إيمان العبد.
2) إن شهادة أهل الإيمان دليل علىٰ صلاح الرجل، فالمؤمنون شهداء الله تعالىٰ في الأرض.
190 ــ باب فضل انتظار الصَّلاة
1/1061 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يزالُ أحَدُكُمْ في صلاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاةُ تحبِسُهُ، لا يمنعُهُ أن يَنقلبَ إلىٰ أهْلِهِ إلَّا الصَّلاةُ». متفق عليه.
2/1062ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الملائكةُ تُصَلِّي علىٰ أحدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلاّهُ الذي صَلَّىٰ فيه، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تقولُ: اللّهم اغفرْ لَهُ، اللّهم ارحمْهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
مَا لَمْ يُحْدِثْ: إما المراد: ما لَمْ يعصِ، بمعنىٰ: يحدث ذنباً، أو المراد: حصول مَا ينقض الوضوء.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة، فهذا من المرابطة علىٰ الخير، فالبقاءُ انتظارَ العبادة عبادة.
2) البشارة بدعاء الملائكة بالمغفرة والرحمة لمن صلّىٰ وجلس في مُصلاّه وهو علىٰ وضوء، وهذا من رحمه الله بالمؤمنين أن سخّر الملائكة تدعو لهم.
فياحسرتاه علىٰ من حرم نفسَه أبواب البرِّ وفوّتها الأجر!!.
3/1063ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَّرَ لَيْلَةً صَلاةَ الْعِشَاءِ إلىٰ شَطْرِ اللَّيْلِ، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّىٰ، فقال: «صلَّىٰ النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزالُوا فِي صَلاةٍ مُنْذُ انتَظَرْتُمُوهَا». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) فضيلة تأخير صلاة العشاء مَا لَمْ يشق ذلك علىٰ النَّاس.
2) تبشير أهل الإيمان بفضل طاعتهم، لدوام نشاطهم واستمرارهم عليها.
3) وقت صلاة العشاء إلىٰ نصف الليل فحسب، وما بعد ذلك إلىٰ الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة، بل هو وقت قيام الليل ــ للنافلة والتهجد ــ فالواجب أن يحذر النَّاس من تأخير صلاة العشاء إلىٰ ما بعد نصف الليل كما هو شائع.
فائدة:
معرفة منتصف الليل يكون بحساب الساعات الزمنية من أذان المغرب بغروب الشمس إلىٰ أذان الفجر بطلوع الفجر، ثم يقسّم الحاصل علىٰ اثنين، ويُضاف إلىٰ ما بعد وقت المغرب. فمثلاً:
إذا كان المغرب يؤذن له في السابعة ليلاً، والفجر في الرابعة فجراً، فيتحصل بينهما تسع ساعات، فتكون النتيجة: (9 ÷ 2 = 4.5) أربع ساعات ونصف، تُضاف للسابعة مساء، فيكون نصف الليل الساعة الحادية عشر والنصف ليلاً.
فليس شرطاً في جميع أوقات العام أن يوافق نصف الليل الساعة الثانية عشرة ليلاً كما هو شائع بين بعض الناس.
191 ــ باب فضل صلاة الجماعة
1/1064 ــ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ أفضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». متفقٌ عليه.
2/1065 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «صَلاةُ الرَّجُلِ في جَمَاعَةٍ تُضعَّفُ عَلىٰ صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وَفي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً، وَذلِكَ أَنَّه إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلىٰ المَسْجِدِ، لا يُخْرِجُه إلَّا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَه بهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإذا صَلَّىٰ لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلاَّه، ما لم يُحْدِثْ، تقولُ: اللّهم صَلِّ عَلَيْهِ، اللّهم ارحَمْهُ. وَلاَ يَزَالُ في صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ». متفقٌ عليه. وهذا لفظ البخاري.
غريب الحديث:
الفذ: الفرد.
هداية الأحاديث:
1) صلاة الجماعة من أفضل العبادات، لما فيها من الفضائل المنوعة، ومن ذلك:تضعيف الأجر العظيم علىٰ صلاة المنفرد.
2) فضل الله واسع، ورحمته شاملة، أوصلها إلىٰ عباده المؤمنين بأيسر طريق، فرتّب الأجر الكبير علىٰ العمل اليسير.
فائدة:
لا منافاة بين الحديثين في الأجر (بسبع وعشرين) و (خمس وعشرين)، بل يؤخذ بالأجر الزائد لزيادة الفضل.
3/1066 ــ وعنهُ قالَ: أَتَىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجُلٌ أَعمىٰ، فقال: يا رسولَ الله، لَيْسَ لي قَائِدٌ يقُودُني إلىٰ المَسْجِدِ، فَسَأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ في بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّىٰ دَعَاهُ، فَقالَ لهُ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟» قال: نَعَمْ، قال: «فَأَجِبْ». رواه مسلم.
4/1067 ــ وعن عبدِ الله ــ وَقِيلَ: عَمْرو ــ بْنِ قَيْسٍ المَعْرُوفِ بِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ المُؤَذِّنِ رضي الله عنه أَنَّهُ قالَ: يا رسُولَ الله، إنَّ المَدِينَةَ كَثِيرَةُ الهَوَامِّ والسِّبَاعِ، فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَسْمَعُ حَيَّ علىٰ الصَّلاةِ، حَيَّ عَلىٰ الفَلاحِ، فَحَيَّهلاً».
رواه أبو داود بإسناد حسنٍ. ومعنىٰ «حَيَّهَلا»: تعالَ.
هداية الأحاديث:
1) وجوب صلاة الجماعة، لأدلة قرآنية نبوية كثيرة، ومن ذلك: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أوجبها علىٰ الضرير، فكيف تكون علىٰ البصير؟!
2) العِبرة بوجوب صلاة الجماعة في المسجد سماع النداء بالصوت الطبيعي المعتاد، دون مكبرات الصوت.
3) العِبرة بالجماعة شهودها بالمساجد، حيث تُقام الصلوات عادة، ولا يكفي جماعة البيت، لأن النصوص الشرعية، والمقاصد المرعية، في القرآن والسُّنَّة، تدل علىٰ وجوب الصلوات مع الجماعة في المسجد، رحمةً من الله بعباده، ليعظم الأجر بالاجتماع، وتتآلف القلوب برفقة الجماعة.
5/1068ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «والذي نفسِي بيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيُؤذَّنُ لَها، ثُمَّ آمرَ رجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخالِفَ إلىٰ رجالٍ فأحرِّقَ عليهم بيوتَهمْ». متفق عليه.
غريب الحديث:
أخالف: آتيهم من خلفهم، أو أخالف مَا أظهرت من إقامة الصَّلاة وأرجع إليهم فآخذهم علىٰ غفلة، أو بمعنىٰ أتخلف عن الصَّلاة بمعاقبتهم.
هداية الحديث:
1) وعيد شديد لمن ترك الجماعة من غير عذر، لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يهمَّ بهذا العقابِ، وهو تحريق بيوت من يتخلف عن الجماعة، إلَّا لترك أمر واجب.
2) رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأمته، حين حذّرهم من مخالفة أمره، وبيّن لهم الوعيد المترتب علىٰ معصيته.
6/1069 ــ وعنِ ابنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قال: مَنْ سرَّهُ أَن يَلْقَىٰ اللهَ تعالىٰ غداً مُسْلِماً، فَلْيُحَافِظْ عَلىٰ هؤُلاءِ الصّلَواتِ، حَيْثُ يُنَادَىٰ بهنَّ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الهُدىٰ، وَإنَّهُنَّ مِن سُنَنِ الهُدىٰ، وَلَو أَنَّكُمْ صلَّيْتُم في بُيُوتكم كما يُصَلّي هذا المُتَخَلِّفُ في بَيتِهِ لَتَرَكتم سُنَّة نَبِيِّكم، وَلَو تَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عَنها إلَّا مُنافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، ولقَد كانَ الرَّجُلُ يُؤتىٰ بِهِ، يُهَادَىٰ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّىٰ يقامَ في الصَّفِّ. رواه مسلم.
وفي روايةٍ له قال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَىٰ، وَإنَّ مِن سُنَنِ الهُدَىٰ الصَّلاةَ في المَسجِدِ الَّذي يُؤَذَّنُ فيه.
غريب الحديث:
يُهادىٰ: يتمايل، يمشون به رويداً.
هداية الحديث:
1) إن المحافظةَ علىٰ صلاة الجماعة في المكان الذي ينادىٰ عليها، وهي المساجد، سبب لحسن الخاتمة.
2) كل مَا صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو هدىٰ ونور، فالواجب علىٰ العبد المؤمن التسليم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لسنته، ففيها كل الهدىٰ والخير.
3) الانحراف عن السنة النبوية سبب للضلال والزيغ.
4) إن المداومةَ علىٰ التخلف عن صلاة الجماعة علامةُ للمنافقين، وإن شهود الجماعة ــ ولو مع المشقة ــ علامة للمؤمنين الصادقين. فَأيُّ الغاديَيْن أنت؟!
7/1070ــ عَنْ أبي الدّرداء رضي الله عنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِن ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فيهمُ الصَّلاةُ إلَّا قد اسْتَحوذَ عليهمُ الشَّيْطانُ. فعليكم بالجَمَاعَةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ من الغَنم القاصيَةَ». رواه أبو داود بإسناد حسن.
القاصية: البعيدة المنفردة عن الغنم.
هداية الحديث:
1) الأمر بالجماعة والائتلاف، وترك الفرقة والاختلاف، فالشرود عن الجماعة سبب للهلكة.
2) شبّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الشَّاذَّ عن الجماعة بالشاة التي تبتعد عن راعيها ورفيقاتها، فيأكلها الذئب، فالوصية التي يُوصىٰ بها المسلم أن يلزم منهج الحق، ولا يشذَّ عن طريقة أهل السنة والجماعة.
3) إنما يستحوذ الشيطان علىٰ المتفرقين بالأهواء، ولا سبيل لَهُ إلىٰ المجتمعين علىٰ الهدىٰ.
فائـدة:
ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) بحثاً نفيساً حول فوائد صلاة الجماعة وحكمة مضاعفة الأجر فيها، وإليك ملخص ما أورده، قال ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «فأولها إجابة المؤذن، والتبكير إليها، والمشي إلىٰ المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعياً، وصلاة التحية، وانتظار الجماعة، وصلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وشهادتهم له، وإجابة الإقامة، والسلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة، والوقوف منتظراً الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام، وتسوية الصفوف وسد فرجها، وجواب قول «سمع الله لمن حمده»، والأمن من السهو غالباً، وحصول الخشوع، وتحسين الهيئة، واحتفاف الملائكة به، والتدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان، وإظهار شعائر الإسلام، وإرغام الشيطان بالاجتماع علىٰ العبادة، والسلامة من صفة النفاق، وردّ السلام على الإمام، والانتفاع باجتماعهم مع عود بركة الكامل على الناقص، وقيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات، فهذه خمس وعشرون خصلة، وبقي أمران يختصان بالجهرية، وهما: الإنصات عند قراءة الإمام، والتأمين عند تأمينه، والله أعلم».
192 ــ باب الحثِّ على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
1/1071ــ عَنْ عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ صَلَّىٰ العِشاءَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما قَامَ نِصفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّىٰ الصُّبــحَ في جَمَاعَةٍ، فكأنَّما صَلَّىٰ اللَّيلَ كلَّهُ». رواه مسلم.
وفي رواية الترمذي عَنْ عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن شهدَ العِشاءَ في جماعةً كان له قيامُ نصْفِ ليلةٍ، ومَنْ صَلَّىٰ العِشاءَ والفَجْرَ في جماعةٍ، كان لهُ كقيامِ ليلةٍ». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) تخصيص الفجر والعشاء بالذكر، لما فيهما من عظيم الأجر.
2) لا يحافظ علىٰ الجماعة في الفجر والعشاء إلا موفَّق أعانه الله تعالىٰ، فَنَال أجر شهودهما.
2/1072ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ولو يعلمونَ ما في العَتْمةِ والصُّبحِ لأَتَوْهُما وَلو حَبْواً». متفقٌ عليه. وقد سبق بطوله.
3/1073ــ وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ليسَ صلاةٌ أثقلَ علىٰ المنافِقينَ من صَلاةِ الفَجْرِ والعِشاءِ، ولو يعلَمُون ما فيهما لأَتَوْهُما ولو حَبْواً». متفق عليه.
غريب الحديث:
العتمة: هي صلاة العشاء، لأنها تكون في ظلمة الليل.
حبواً: زحفاً، كما يحبو الصبي الصغير علىٰ الأرض.
هداية الأحاديث:
1) إن جهل العبد بالأجر العظيم، مع ضعف الإرادة، سبب للتهاون في الطاعة والعبادة.
2) الإيمان الصحيح في قلب العبد باعثٌ لتحمُّل المشاقِّ في العبادة، وإن المداومة علىٰ جماعة الفجر والعشاء، علامةُ صحةِ الإيمان وصدقه.
193 ــ باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تَركهنّ
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ﴾ [البقرة: 238]، وقال تعالىٰ: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم} [التوبة: 5].
هداية الآيات:
1) الترغيب في المحافظة علىٰ الصلوات، والعناية الخاصة بصلاة العصر، فهي الصلاة الوسطىٰ، فسَّرها بذلك رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
2) إن إقامة الصلاة دليل علىٰ صدق توبة العبد.
1/1074ــ وعنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قالَ: سَأَلتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: «الصّلاةُ عَلىٰ وَقْتِهَا» قلتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قال: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: «الجِهَادُ في سَبِيلِ الله». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) التنبيه علىٰ تفاضل الأعمال الشرعية؛ فالعبادات بعضها أفضل من بعض، والعبد الفقيه من يفعل العبادة الفاضلة في وقتها المناسب، فكل عبادة بحسب وقتها تكون أفضل.
2) إثبات محبة الله تعالىٰ، فهو سبحانه يحب الأعمال كما يحب العاملين.
3) الصلاة علىٰ وقتها المستحب شرعاً هو الأفضل، فمن الصلوات ما يُطلب تقديمها كالفجر والعصر والمغرب، ومن الصلوات ما يكون تأخيرها أفضل، كالظهر عند شدة الحر، والعشاء أحياناً ما لم يشق علىٰ الناس.
2/1075 ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلامُ علىٰ خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمداً رَسُولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وَحجِّ البيتِ، وصومِ رمضانَ». متفق عليه.
3/1076 ــ وعنهُ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتَّىٰ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إلهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذا فعَلُوا ذلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاّ بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهمْ عَلىٰ الله». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) الإسلام بناء قوي محكم، وأركان الإسلام هي أعمدة هذا البناء، وحسن إسلام العبد بحسب قيامه بهذه الأعمدة.
2) شهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، تضمنت اليقين القلبي، مَعَ إقرار اللسان، أنه لا معبودَ حقٌّ إلا الله، مَعَ القيام بما يلزم هذه الشهادة من أعمال الجوارح والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) إن إقامة الصلاة والمحافظة عليها أصل عظيم في بناء دين الإسلام، فمن أقام الصلاة فقد أقام الدين، ومن ترك الصلاة فقد هدم الدين.
4) مشروعية قتال من ترك الصلاة حَتَّىٰ يعود إلىٰ صلته بالله تعالىٰ.
4/1077 ــ وعن معاذٍ رضي الله عنه قالَ: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ اليَمَنِ، فقال: «إنَّكَ تَأْتي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إلىٰ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا اللهُ، وأني رسولُ الله، فَإنْ هم أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تعالىٰ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلىٰ فُقَرَائِهِمْ، فإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وَبَينَ الله حِجَابٌ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
كرائم أموالهم: نفائس الأموال.
هداية الحديث:
1) علىٰ الداعية إلىٰ الله تعالىٰ أن يعرف حال الناس المدعوّين، حَتَّىٰ يتمكن من دعوتهم علىٰ الوجه الصحيح.
2) أول ما يُخاطَب به الناس دعوتهم إلىٰ توحيد الله تعالىٰ، فهو أساس دين الإسلام.
3) إن دعوة الناس إلىٰ تحقيق توحيد الله تعالىٰ، وإلىٰ الصلاة المفروضة، والتحذير من تركها من أكبر مهمات الداعية.
5/1078 ــ عَنْ جابر رضي الله عنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ بين الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفرِ تَرْكَ الصَّلاةِ». رواه مسلم.
6/1079 ــ عَنْ بريدةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «العهدُ الذي بينَنَا وبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ ترَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
7/1080ــ وعن عبدِ الله بن شقيقِ التابعيِّ المُتَّفَقِ عَلىٰ جَلالَتِهِ رَحِمَه الله قال: كانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لاَ يَرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الأعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ. رواه الترمذي في كتابِ الإيمانِ بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الأحاديث:
1) التحذير الشديد من إضاعة الصلاة؛ فتركها من أعمال الكفر، حَتَّىٰ إن بعض العلماء يقول: إن تارك الصلاة كسلاً كافرٌ كفراً أكبر، مخرج عن الملة!.
2) الفرق بين المسلم وغيره هو أمر الصلاة، فهي علامة فارقة بين أهل الإيمان وأهل الكفران.
3) إن صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كان يرون ترك الصلاة من أعمال الكفر. فهل من متّعظ؟!
8/1081ــ وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ، فَإنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنجَحْ، وَإنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فإنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئاً، قالَ الرَّبُّ _عز وجل_: انظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكَمَّلُ منها ما انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ ؟ ثمَّ يَكونُ سَائِرُ أعمَالِهِ عَلىٰ هذا». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
أنجح: فاز وظفر بمطلوبه.
هداية الحديث:
1) الصلاة من أول الأعمال التي يحاسب عليها العبد يوم القيامة.
2) إنَّ صلاح صلاة العبد سبب لتيسير حسابه يوم الجزاء.
3) صلاة النوافل مكملات للفرائض، فالموفَّق من حرص علىٰ صلاة النافلة، تكميلاً لنقص الفريضة، ولينال محبة الله تعالىٰ.
4) من رحمة الله تعالىٰ بعباده أن شرع النوافل حمىً وتعظيماً للفرائض، وجبراً لنقصها.
194 ــ باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأُوَلِ وتسويتها والتّراصّ فيها
1/1082ــ عَنْ جابرِ بنِ سمرةَ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ علينا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عنْدَ ربِّهَا؟» فقُلْنَا: يارسولَ الله، وكيْفَ تصُفُّ الملائكةُ عندَ رَبِّها؟ قَالَ: «يُتمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّون في الصَّفِّ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الحرص علىٰ تكميل الصفوف والتراصّ فيها، فحث أصحابه والأمة علىٰ ذلك.
2/1083ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَستَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
يستهموا: يجعلوا قرعة أيُّهم يصفُّ في الصف الأول؟
هداية الحديث:
1) مشروعية القرعة في القُرَب والطاعات، عندما يتزاحم المتنافسون فيها، مثل القرعة علىٰ الصف الأول.
2) الجهل هو سبب انصراف كثير من الخلق عَنْ المنافسة في الخيرات والصالحات.
3/1084ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ صفوفِ الرِّجالِ أوَّلُهَا، وشرُّها آخرُها، وخيُر صُفوفِ النِّساءِ آخرُها، وشرُّها أوَّلُها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الترغيب في أن تكون صفوف الرجال متقدمة علىٰ صفوف النساء، وكلما تقدمت صفوف الرجال فهو أفضل، وكلما تأخرت صفوف النساء فهو أفضل.
2) إذَا كُنَّ النساء في مكان خاص منفصل عَنِ الرجال، فإن خير صفوفهن أولها كالرجال، لأنه لا محذور حينها من قربها واختلاطها.
4/1085 ــ عَنْ أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رأىٰ في أصْحابه تأخُّراً، فقال لهم: «تقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بي. وَلْيَأْتَمَّ بكُمْ مَنْ بَعْدَكُم، لا يزالُ قومٌ يتأخَّرُون حَتَّىٰ يُؤخِّرَهُمُ اللهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الائتمام بالإمام والقرب منه في الصلاة.
2) إن التأخّر عَنِ الأعمال الصالحة سبب للتأخر عَنْ الأجر والثواب، وعن رحمة الله تعالىٰ.
3) الترغيب في تعليم العالِم أصحابَه المسائل، وتوجيههم إن أخطؤوا.
5/1086 ــ عَنْ أبي مسعود رضي الله عنه قَالَ: كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مناكبَنا في الصَّلاة، ويقولُ: «اسْتَوُوا ولا تختلِفُوا فَتَخْتلفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي منكُمْ أولُوا الأحلامِ والنُّهَىٰ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ». رواه مسلم.
6/1087ــ عَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَوُّوا صُفوفَكُمْ، فإنَّ تسويَةَ الصَّفِّ من تَمامِ الصَّلاةِ». متفقٌ عليه.
وفي رواية البخاري: «فإنَّ تسويَةَ الصُّفُوف مِنْ إقَامَة الصَّلاة».
غريب الحديث:
ليلني: يكون ورائي مباشرة.
الأحلام والنُّهىٰ: العقول.
هداية الأحاديث:
1) عناية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التامة بتسوية الصفوف في الصلاة بالقول والفعل.
2) النهي عَنِ الاختلاف في هيئة الوقوف في الصف، لأن ذلك سببٌ لاختلاف القلوب.
3) الحث علىٰ أن يقف وراء الإمام الكبار وأهل العقول.
4) تسوية الصفوف من حسن إقامة الصلاة، فالوصية النبوية لنا أن نقيم صفوفنا كما أُمرنا، لنفوز بتمام الأجر، وعظيم النفع، ومتابعة القدوة صلى الله عليه وسلم.
7/1088ــ وعَنْهُ قَالَ: أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فأقبلَ علينا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم بوجْهِهِ، فقال: «أقيمُوا صفوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فإنِّي أرَاكُم مِن وراءِ ظَهْرِي». رواه البخاري بلَفْظهِ، ومُسلمٌ بمَعْنَاهُ.
وفي رواية للبخاري: «وكان أحدُنا يُلزِقُ منكبَهُ بمَنْكبِ صَاحبِهِ وقَدَمَهُ بقَدَمِهِ».
هداية الحديث:
1) إن تسوية الصفوف بالمحاذاة، بحيث تستوي الصفوف، هو الهدي النبوي الصحيح.
2) من خصائص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصلاة أنه يرىٰ الناس من وراء ظهره، أما خارج الصلاة فهو كسائر البشر.
8/1089ــ عَنْ النعمان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لَتُسوُّنَّ صفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفنَّ اللهُ بينَ وَجَوهِكُمْ». متفق عليه.
وفي روايةٍ لمسلِم: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّىٰ كَأَنَّمَا يُسَوّي بهَا القِدَاحَ، حَتَىٰ رَأَىٰ أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ. ثُمَّ خَرَجَ يَوْماً، فَقَامَ حَتَّىٰ كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَىٰ رَجُلاً بادِياً صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فقالَ: «عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
غريب الحديث:
القداح: جمع قدح، وهو السهم بعدما يُنحت ويُبرىٰ ويُقوّم.
عقلنا عَنْهُ: فهمنا مراده.
هداية الحديث:
1) عدم تسوية الصفوف سبب لاختلاف القلوب والتنافر، وهذا دليل علىٰ أن اختلاف الظاهر يورِّث اختلاف الباطن.
2) إن عناية الإمام بتسوية الصفوف هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذ حث عليه بقوله وفعله صلى الله عليه وسلم.
9/1090ــ وعَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما قالَ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلىٰ ناحِيَةٍ، يَمسَح صُدُورَنَا وَمَنَاكِبِنَا، ويقولُ: «لاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» ، وَكَانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصلُّونَ عَلىٰ الصُّفُوفِ الأُوَلِ». رواه أبو داود بإسنادٍ حسَن.
غريب الحديث:
يتخلل: يدخل خلاله.
هداية الحديث:
1) ترغيب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بإقامة الصفوف والتراصِّ فيها، وتسويتها بالقول والفعل.
2) فضيلة الصفوف الأولىٰ، لأن الله تعالىٰ وملائكته يصلون عليها. فَلْيحرصِ العبد، الذي وفّقه الله تعالىٰ لشهود الجماعات، علىٰ التبكير للفوز بهذا الأجر الكبير.
10/1091ــ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَينَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ، وَلا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشيْطانِ، ومَنْ وَصَلَ صَفّاً وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفّاً قَطَعَهُ اللهُ»، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
11/1092ــ عَنْ أنس رضي الله عنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُم، وقارِبُوا بَيْنَهَا، وَحاذُوا بالأعنَاقِ، فوالذي نفسي بيَدِهِ إنِّي لأرىٰ الشَّيْطانَ يدخُلُ من خَلَلِ الصَّفِّ، كأنَّها الحَذَفُ». حديث صحيح رواه أبو داود بإسنادٍ علىٰ شرط مسلم.
«الحذَفُ»: بحاءٍ مهملةٍ وذالٍ معجمة، مفتوحتين، ثم فاءٌ وهي: غَنَمٌ سُودٌ صغارٌ تكُونُ بِالْيَمن.
غريب الحديث:
حاذوا: أمر بالمساواة.
الخلل: الفرج بين الصفوف.
لينوا: من اللّيونة والسهولة.
لاتذروا: لا تدعوا.
هداية الأحاديث:
1) إقامة الصفوف وتسويتها، والتراص فيها ووصلها، سبب لرحمة الله تعالىٰ، ووصله لعباده، وقطع الصفوف سبب لقطع رحمة الله تعالىٰ.
2) حرص الشيطان علىٰ إفساد صلاة المصلِّي والتشويش عليه، والموفَّق من قطع طرق الشيطان بامتثال هدي خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
12/1093 ــ عَنْ أنس رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ المقدَّمَ، ثُمَّ الَّذي يليهِ، فمَا كان مِن نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ المُؤخَّر». رواه أبو داود بإسناد حسن.
هداية الحديث:
1) الوقوف في الصف الثاني قبل تمام الأول تساهل في هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وسُنّتِه.
2) عناية الشريعة بتكامل صفوف المصلِّين، لأن في ذلك تربيةً علىٰ تراصّ أهل الإيمان.
13/1094 ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ وملائكَتَهُ يُصَلُّون علىٰ مَيَامِنِ الصُّفوفِ». رواه أبو داود بإسناد علىٰ شَرْط مُسْلم، وفيه رجلٌ مُخْتلَفٌ في تَوْثيقهِ[13]. [13] الحديث إسناده ضعيف.
14/1095 ــ وعَنِ البَرَاءِ رضي الله عنه قالَ: «كُنَّا إذا صَلَّيْنَا خَلْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَسَمِعْتُهُ يقول: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ ــ أَوْ تَجْمَعُ ــ عِبَادَكَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضيلة الوقوف في ميامن الصفوف، لنيل أجر الصلاة من الله وملائكته علىٰ ميمنة الصف.
2) فقه المسألة: أن نحرص علىٰ ميمنة الصف دون هجرٍ للميسرة، إذ لابد من توسيط الإمام.
15/1096ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وسِّطُوا الإمَامَ، وَسُدُّوا الخَلَلَ». رواه أبو داود[14]. [14] الحديث إسناده ضعيف.
1) المقصود من توسيط الإمام أن يكون اليمين واليسار متقاربين، فإذا تساويا فاليمين أفضل.
2) من حسن إقامة الصف سدّ الخلل بالتراصّ بالأقدام، والتحاذي بالمناكب والأعناق .
تنبـيـه:
1) الشطر الثاني من الحديث: «سدّوا الخلل» صحيح، لأنه تقدّم في حديث ابن عمر (1091): «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل». أما قوله: «وسِّطُوا الإمام» فضعيف لا يثبت من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) سبق التنبيه على ضعف حديث: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» ولكن الرواية ثابتة بلفظ: «... يُصَلُّون علىٰ الذين يَصِلُون الصفوف». رواه أحمد في (مسنده) وأبو داود في (سننه) والبيهقي في (السنن الكبرىٰ) من حديث عائشة رضي الله عنها.
195 ــ باب فضل السُّنَن الراتبة مَعَ الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما
1/1097ــ عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنتِ أبي سُفيانَ رضي الله عنهما قَالت: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لله تعالىٰ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً غَيْرَ الفَرِيضَةِ، إلَّا بَنَىٰ اللهُ لهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ ــ أَوْ ــ إلَّا بُنِيَ لَه بَيْتٌ في الجَنَّةِ». رواه مسلم.
2/1098 ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: صلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ركعتَيْن قبلَ الظُّهْرِ، وركْعَتَين بَعْدَهَا، وركعَتَيْن بعدَ الجُمُعَةِ، ورَكْعَتيْن بعدَ المَغرِبِ، ورَكْعتَيْن بَعْدَ العِشَاءِ. متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) الصلوات النوافل من أجَلِّ الفضائل، ومن حافظ عليها كل يوم بنىٰ الله له بيتاً في الجنة.
2) عدد النوافل الراتبة: اثنتا عشرة ركعة، وهي التي تُؤدَّىٰ مع الصلوات المفروضات.
3) رحمة الله تعالىٰ بعباده المؤمنين المصلِّين، إذ فتح لهم أبواب الخير، ليعظم لهم الأجر.
3/1099ــ وعَنْ عبد الله بن مُغَفَّلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْن صلاةٌ، بينَ كلِّ أذَانيْن صلاةٌ، بينَ كلِّ أذَانَيْن صلاةٌ» قَالَ في الثالثة: «لمَنْ شاءَ». متفق عليه. المراد بالأذانين: الآذان والإقامة.
هداية الحديث:
1) الصلاة بين كل أذان وإقامة ليست راتبة مؤكّدة، بل هي من النافلة المطلقة.
2) بيان تنوّع الصلوات غير المفروضة، فقد شرع الله الرواتب، وشرع النوافل، والعبد يتخيّر من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يستطيع، ولا يزيد علىٰ الهدي المشروع.
196 ــ باب تأكيد ركعتَيْ سُنَّة الصبح
1/1100 ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يَدَعُ أرْبَعاً قَبْلَ الظُّهرِ، وَرَكْعَتَيْن قَبْلَ الغَدَاةِ. رواه البخاري.
2/1101ــ وعَنْها قَالَت: لم يَكُنِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم علىٰ شيءٍ منَ النَّوَافلِ أشدَّ تعَاهُداً منْهُ علىٰ رَكْعَتَي الفَجْرِ. متفق عليه.
3/1102ــ وَعَنْها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: «رَكْعَتا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيهَا». رواه مسلم.
وفي رواية: «لَهُمَا أَحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَميعاً».
غريب الحديث:
الغداة: الفجر.
هداية الأحاديث:
1) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه الترغيب المؤكد بالمحافظة علىٰ سُنَّة الفجر القبلية، والحضّ عليها من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم.
2) الموفَّق من عباد الله تعالىٰ من يحرص علىٰ سُنَّةٍ قَالَ فيها عليه الصلاة والسلام: «خير من الدنيا وما فيها»، فكم ضيّع الكُسَالىٰ من خيرات!
فائدة:
من فاتتهُ راتبة الفجر في وقتها، فله أن يقضيها بعد الصلاة مباشرة، أو بعد طلوع الشمس.
ويدل لذلك من الهدي النبوي المحفوظ، ما رواه الترمذي عن قيس بن عمرو بن سهل قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصلاة، فصليت معه الصبح، ثم انصرف فوجدني أصلي، فقال: «مهلاً يا قيس! أصلاتان معاً»؟ قلت: يا رسول الله. إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: «فلا إذن».
وروىٰ أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من لم يصلِّ ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس».
4/1103ــ وعَنْ أبي عبدِ الله بِلالِ بنِ رَبَاحٍ، رضي الله عنه، مُؤَذِّنِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أنّهُ أَتىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِيُؤذِنَهُ بِصَلاةِ الغدَاةِ، فَشَغَلَتْ عَائِشَةُ بِلالاً بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ، حَتَّىٰ أَصْبَحَ جِدّاً، فَقَامَ بِلالٌ فآذَنَهُ بالصَّلاةِ، وتَابَعَ أذَانَهُ، فَلَم يَخرُجْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا خَرَجَ صَلَّىٰ بِالنَّاسِ، فَأَخبَرَهُ أَنَّ عائِشَةَ شَغَلَتْهُ بِأَمْرٍ سَأَلَتهُ عَنْهُ حَتَّىٰ أَصبَحَ جِدّاً، وَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيهِ بِالخُرُوجِ، فَقَالَ ــ يَعْني النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «إنِّي كُنْتُ رَكَعْتُ رَكْعَتَي الفَجْرِ» فقالَ: يا رسولَ الله، إنَّكَ أَصْبَحْتَ جِدّاً، قَالَ: «لَوْ أصْبَحْتُ أَكْثَرَ مِمَّا أصبَحتُ، لَرَكَعْتُهُما، وَأحْسَنْتُهُمَا، وَأَجْمَلْتُهُمَا». رواه أبو داود بإسناد حسن.
غريب الحديث:
ليؤذنه: أي ليعلمه.
هداية الحديث:
1) الترغيب في أداء ركعتي الفجر ولو ضاق الوقت، لتأكّدها وحرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ إقامتها.
2) الهدي النبوي في راتبة الفجر هو التخفيف فيها، مَعَ الإحسان والأداء التام، فمن شغله شيء من أمر الدنيا فلا يتعجل في أداء العبادة، بل يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه.
197 ــ باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما وبيان وقتهما
1/1104ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصلِّي ركعتَيْنِ خفيفتَيْن بَيْنَ النِّداءِ والإِقامةِ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لهمَا: «يُصَلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ، إذا سَمعَ الأذَانَ فَيُخَفِّفُهُمَا حَتَّىٰ أَقُولَ: هَل قَرَأَ فيهِما بِأُمِّ الْقُرْآنِ»؟!.
وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: «كانَ يُصَلِّي رَكعَتَي الفَجْرِ إذا سَمعَ الأذَانَ وَيُخَفِّفُهُما». وفي روايةٍ: إذا طَلَعَ الفَجْرُ.
2/1105ــ وعَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وبَدَا الصُّبحُ، صَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: كانَ رسولُ الله،صلى الله عليه وسلم، إذا طَلَعَ صلَّىٰ الفَجْرَ، لا يُصلِّي إلاّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
3/1106ــ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثنَىٰ مَثنَىٰ،وَيوتِرُ بِرَكْعَةٍ من آخر اللَّيلِ، ويُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ، وَكأَنَّ الأَذَانُ بِأُذُنـيْهِ. متفق عليه.
غريب الحديث:
كأن الأذان بأذنيه: معناه أنه كان يسرع بركعتي الفجر إسراعَ مَن يسمع إقامة الصلاة، خشية فوات أول الوقت.
هداية الأحاديث:
1) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في سُنَّة الفجر هو التخفيف، مَعَ الإتمام وعدم الإخلال.
2) وقت سُنَّة الفجر يكون عند تحقق دخول أول وقت الفجر.
3) لا يُشرع بعد أذان الفجر إلا صلاة ركعتي الراتبة، أما التنفل بغيرها فليس من السُّنَّة.
4/1107 ــ عَنْ ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَقرأُ في ركعَتَي الفَجْرِ في الأولىٰ منهمَا: {قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَينَا} الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشهَد بِأَنَّا مُسلِمُونَ} [آل عمران: 52].
وفي رواية: في الآخرة التي في آل عمران: {تَعَالَواْ إِلَىٰ كَلِمَة سَوَآءِ بَينَنَا وَبَينَكُم} [الآية: 64]. رواه مسلم.
5/1108 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفَجْر: {قُل يَٰٓأَيُّهَا ٱلكَٰفِرُونَ} [الكافرون: 1] و{قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]. رواه مسلم.
6/1109ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَمَقْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شهراً، وكان يقرأ في الرَّكْعتَيْن قَبْلَ الفَجْرِ: {قُل يَٰٓأَيُّهَا ٱلكَٰفِرُونَ} [الكافرون: 1]، و{قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 211]. رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الأحاديث:
1) التنوّع الوارد في القراءة فيه حِكَمٌ كثيرة، منها: التيسير علىٰ الناس، وحضورٌ القلب في العبادة، وتمام التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، والمتَّبع للسُّنَّة يفعل جميع المأثور.
2) المحافظة علىٰ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قراءة سُنَّة الفجر هو الأفضل، لأن تمام اتباع السنة أن تأتي بها علىٰ جميع وجوهها.
3) الآيات التي تُقرأ في سُنّة الفجر تضمنت البراءة من الشرك وأهله، والاعتزاز بالتوحيد، والولاية للمؤمنين الموحِّدين، وهذا يُظهر أهمية التوحيد في حياة العبد، إذ يستفتح به يومه.
198 ــ باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن والحثّ عليه سواء كان تهجَّدَ بالليل أم لا
1/1110ــ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صلَّىٰ رَكْعَتَي الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلىٰ شِقِّهِ الأَيمنِ. رواه البخاري.
2/1111ــ وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاةِ الْعِشَاءِ إلىٰ الْفَجْرِ إحْدَىٰ عَشَرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإذا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَه المُؤَذِّنُ، قامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلىٰ شِقِّه الأَيْمن هكذا، حَتَّىٰ يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ للإقَامَةِ. رَواهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهَا: «يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» هكذا هو في مسلمٍ ومعناه: بَعْدَ كُلَ رَكْعَتَيْنِ.
3/1112ــ عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا صَلَّىٰ أحَدُكُمْ رَكعَتَي الفَجْر، فَلْيَضْطَجعْ علىٰ يمينِهِ».
رواه أبو داود، والترمذي بأسانيدَ صحيحةٍ. قال الترمذي: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
هداية الأحاديث:
1) استحباب الاستراحة الخفيفة بعد ركعتي الفجر علىٰ الشق الأيمن، ثبت هذا من فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقوله.
2) صلاة الليل مثنىٰ مثنىٰ، بحيث تُصلَّىٰ كل ركعتين بتسليم.
3) قيام الليل من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو شرف المؤمن في الدنيا، ونور له في الآخرة.
199 ــ باب سُنة الظُّهر
1/1113ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ركعتَيْن قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعَتَين بَعدَهَا. متفق عليه.
2/1114 ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يَدَعُ أربعاً قبْلَ الظُّهرِ. رواه البخاري.
3/1115ــ وَعَنْهَا قَالَتْ: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي في بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبعاً، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْربَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ». رواه مسلم.
4/1116ــ عَنْ أمِّ حبيبةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَافَظَ علىٰ أرْبعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهرِ، وأرْبَعٍ بَعْدَها، حرَّمهُ اللهُ علىٰ النَّار».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الأحاديث:
1) سنة الظهر القبَليّة ركعتان أو أربع رَكَعات، والبَعديّة ركعتان.
2) الأجر العظيم لمن حافظ علىٰ أربعٍ قبل الظهر وأربعٍ بعدها.
تنبيــه:
إن أداء صلاة النوافل في البيوت هو المشروع من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وإن ظن بعض الناس أن صلاتها بالمسجد أفضل لشرف المكان، لكن اتباع السنة والتمسك بالطريقة النبوية هو الأمثل والأفضل. ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾.
5/1117ــ وعَنْ عبدِ الله بنِ السائبِ، رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُصَلِّي أَرْبَعاً بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وقالَ: «إنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبوابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَن يَصعَدَ لِي فيها عَمَلٌ صَالحٌ». رواه الترمذي وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) الترغيب في النافلة بعد زوال الشمس لأنها ساعة استجابة تُفَتَّح لها أبواب السماء.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ الأوقات الفاضلة واغتنامها في الأعمال الصالحة.
3) الموفَّق من عباد الله مَن اغتنم فرص النفحات، وإجابة الدعوات، فقدّم لنفسه عملاً صالحاً.
6/1118ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، كان إذَا لم يُصَلِّ أربعاً قبل الظُّهر، صلاَّهُنَّ بَعْدَها.
رواهُ الترمذي وقال: حديثٌ حسَنٌ.
هداية الحديث:
1) مشروعية قضاء صلاة النافلة لمن فاتته في وقتها، وكان من عادته المحافظة عليها.
2) التمثيل علىٰ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملاً داوم عليه.
تنبيـه:
سنة الظهر القبلية تُقضىٰ لمن فاتته، بعد سنة الظهر البعدية، لما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا فاتته الأربع قبل الظهر صلاّها بعد الركعتَيْن بعد الظهر» رواه ابن ماجه في سننه رقم (1158).
200 ــ باب سُنَّة العصر
1/1119ــ عَنْ عَليّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلىٰ المَلائِكَةِ المقرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المسْلِمِينَ وَالمؤمِنِينَ. رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسَنٌ.
2/1120ــ وَعنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللهُ امرأً صَلَّىٰ قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً». رواهُ أَبو داود، والترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
3/1121ــ عَنْ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي قبلَ العَصرِ رَكْعَتَين. رواه أبو داود بإسناد صحيح[15]. [15] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الأحاديث:
1) بيان الهدي النبوي في سُنة العصر، فهي نافلة وليست راتبة، كباقي الصلوات.
2) أربع ركعات قبل العصر سبب لنيل رحمة الله تبارك وتعالىٰ.
3) الفصل بالتشهد بين الركعات الأربع، دون تسليم، هو الهدي النبوي المشروع.
تنبيـه:
الثابت من السنة النبوية في نافلة العصر القبلية أنها «أربع ركعات»، وحديث علي رضي الله عنه الأخير: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين» ضعيف، لمخالفته الأحاديث الصحيحة.
201 ــ باب سُنَّة المغرب بعدها وقبلها
تَقدَّمَ في هذه الأبوابِ حديثُ ابنِ عُمَر، وحديثُ عائشةَ، وهما صَحيحانِ؛ أَنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصلِّي بَعْدَ المغرِبِ رَكعَتَيْنِ.
1/1122ــ عَنْ عبد الله بن مُغَفَّلٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «صلُّوها قبلَ المغربِ» قَالَ في الثالثة: «لمَنْ شَاءَ». رواه البخاري.
2/1123ــ عَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: لقد رأيتُ كبارَ أصحابِ رَسُولِ اللهِِ صلى الله عليه وسلم يَبْتَدِرُون السَّوَاريَ عندَ المَغربِ. رواه البخاري.
3/1124ــ وعَنْه قَالَ: كُنَّا نُصلِّي علىٰ عهد رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ركْعَتَين بعدَ غُروبِ الشَّمسِ قَبلَ المَغربِ، فقِيلَ: أكانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاَّهُمَا؟ قَالَ: كان يرانَا نُصلِّيهما فَلَمْ يأمُرْنا ولَمْ يَنْهَنا. رواه مسلم.
4/1125ــ وعنه قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ، فإذا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصلاَةِ المَغرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّىٰ إنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ ليَدْخُلُ المَسْجِدَ، فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِن كَثرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رَواه مُسلِمٌ.
غريب الحديث:
يبتدرون السواري: يستبقون سواري المسجد، لاتخاذها سترة للصلاة.
هداية الأحاديث:
1) اغتنام الصحابة رضي الله عنهم نافلة المغرب، وحرصهم عليها.
2) صلاة نافلة المغرب القبلية سُنة، لكنها ليست مؤكدة كالتي بعدها.
202 ــ باب سُنَّة العشاء بعدها وقبلها
فيهِ حديثُ ابنِ عُمَرَ السَّابِقُ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وحديثُ عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ». مُتَّفقٌ عليه. كما سَبَقَ.
هداية الحديث:
1) السنة القبلية للعشاء ليست راتبة، بل هي داخلة في عموم قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أذانَيْنِ صَلاةٌ».
2) السنة البعدية للعشاء راتبة.
فائدة:
خلاصة جامعة للصلوات النوافل:
الأحاديث المتقدمة، فيها: بيان النوافل التي يُسَنُّ للعبد أن يحافظ عليها دائماً، وهي:
1) الفجر: لها راتبة قبلها، وليس لها راتبة بعدها.
2) الظهر: لها راتبة قبلها وبعدها.
3) العصر: ليس لها راتبة قبلها ولا بعدها، لكن لها نافلة قبلها، ونافلة بعدها أحياناً.
4) المغرب: لها راتبة بعدها، أما قبلها فمستحبَّة غير راتبة.
5) العشاء: لها راتبة بعدها، أما قبلها فغير راتبة.
تنبيـه:
نافلة العصر البعدية يدل لمشروعيتها حديث عائشة رضي الله عنه في الصحيح قالت: «ركعتان لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعهما سرّاً ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد صلاة العصر» رواه البخاري ومسلم.
وإنما قُيّدت هذه النافلة بهذا القيد: «أحياناً» للعموم المحفوظ في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
203 ــ باب سُنَّة الجمعة
فِيهِ حديثُ ابنِ عُمَرَ السّابِقُ أنَّهُ صَلَّىٰ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ. متفقٌ عليه.
1/1126ــ وعَنْ أَبِي هُريرَةَ، رضي الله عنه قَالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا صَلَّىٰ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعاً». رواه مسلم.
2/1127ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يُصَلِّي بعدَ الجُمُعةِ حَتَّىٰ يَنْصَرفَ، فيُصلِّي ركعتَيْن في بَيْتِهِ. رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الجمعة ليس لها سُنة قبلية كصلاة الظهر، لأن حكم الجمعة لا يقاس علىٰ الظهر.
2) السنة البعدية للجمعة وردت ركعتين وأربع ركعات، كل ذلك ثبت بالسنة النبوية، ودلَّ فقه الأحاديث أن من صَلَّىٰ نافلة الجمعة في المسجد فَلْيُصلِّ أربعاً، ومَن صلَّاها في بيته فَلْيُصلِّ ركعتين.
فائدة:
قال ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم): «وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخُطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذان إلا واحداً، وهذا يدل علىٰ أن الجمعة كالعيد لاسنة لها قبلها، وهذا أصح قولَي العلماء، وعليه تدل السُّنَّة، فإن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته، فإذا رقىٰ المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخُطبة من غير فصل، وهذا كان رأيَ عينٍ، فمتىٰ كانوا يُصلُّون السُّنَّة؟ ومن ظنَّ أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان قاموا كلهم، فركعوا ركعتين، فهو من أجهل الناس بالسُّنَّة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لاسُنَّة قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وأحد الوجهَيْن لأصحاب الشافعي».
204 ــ باب استحباب جعل النوافل في البيت سواء الراتبة وغيرها والأمر بالتحول للنافلة من موضع الفريضة أو الفصل بينهما بكلام
1/1128 ــ عَنْ زيد بن ثابت رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «صلُّوا أيُّها النَّاسُ في بُيُوتِكُمْ، فإنَّ أفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلَّا المَكْتوبة». متفق عليه.
2/1129 ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اجْعَلُوا من صلاتِكُمْ في بُيُوتِكُمْ ، ولا تتَّخذُوها قُبُوراً». متفق عليه.
3/1130 ــ وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا قضَىٰ أحدُكُم صلاتَهُ في مَسجِدِهِ، فلْيَجْعَلْ لبيْتِهِ نصيباً من صَلاتِهِ، فإنَّ اللهَ جَاعلٌ في بيتِهِ من صَلاتِهِ خَيْراً». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الأفضل في جميع النوافل أن تُصلَّىٰ في البيت، فهذا هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وسنته.
2) إذَا صَلَّىٰ العبد النافلة في بيته جعل الله له في ذلك خيراً؛ من اقتداء أهله به، وكونه أبعد عن الرياء، مع مضاعفة ثواب النافلة في البيت، إلىٰ غير ذلك من المصالح، ولو لم يكن في ذلك إلا اتّباع السُّنَّة النبوية لكفىٰ بذلك خيرية.
فائدة:
يدل لمضاعفة أجر النافلة في البيت، ما رواه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في (مصنفه)، عن رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«تطوع الرجل في بيته، يزيد علىٰ تطوعه عند الناس، كفضل صلاة الرجل في جماعة، علىٰ صلاته وحده».
وللحديث شاهد عند الإمام أبي يعلىٰ في (مسنده)، عن صهيب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس، تعدل صلاته علىٰ أعين الناس خمساً وعشرين».
قال المناوي في (فيض القدير شرح الجامع الصغير):
«لأن النفل شرع للتقرب به إخلاصاً، وكلما كان أخفىٰ كان أبعد عن الرياء، والفرض شرع لإشادة الدِّين، فإظهاره أولىٰ».
4/1131ــ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّ نَافعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إلىٰ السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ في الصَّلاةِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، صلَّيْتُ مَعَهُ الجُمُعَةَ في المقصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإمامُ، قُمْتُ في مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إليَّ فقال: لا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ. إذا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلْها بِصَلاةٍ حَتَّىٰ تَتكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذلِكَ، أَنْ لا نُوصِلَ صَلاةً بِصَلاَةٍ حَتَّىٰ نتكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
المقصورة: حجرة خاصة للصلاة، مفصولة عما جاورها.
هداية الحديث:
1) استحباب الفصل بين الفرض والنفل، إما بحديث أو بخروج عَنْ مكان صلاة الفرض.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ التمسك بهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدثه الناس.
3) حسن تعليم من وقعت منه مخالفة، والإنكار عليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
205 ــ باب الحث على صلاة الوتر وبيان أنه سُنَّة مؤكدة وبيان وقته
1/1132ــ عَنْ عليٍّ رضي الله عنه قَالَ: الوِتْرُ ليسَ بحَتْمٍ كَصَلاةِ المكْتُوبةِ، ولكنْ سَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وقَالَ:
«إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ الوِتْرَ، فَأَوتِرُوا يا أهْلَ القُرْآنِ».
رواه أبو داود والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
2/1133ــ وَعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَمِنْ أَوْسَطِهِ، وَمِنْ آخِرِهِ، وَ انْتَهىٰ وِتْرُهُ إلىٰ السَّحَر».
متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) صلاة الوتر من السنن المؤكدة تأكيداً عظيماً، فهي أفضل صلاة بعد الفريضة.
2) المستحب تأخير الوتر إلىٰ آخر الليل، ليختم بها المصلي قيامه بالليل.
3) آثار محبة الله تعالىٰ للوتر ظاهرة في الخلق والأمر، فكثير من الأحكام الكونية والشرعية كانت وِتراً، أي: عدداً فردياً، كخلق السموات والأرض، وأيام الأسبوع، وأركان الإسلام، والصلوات المفروضة، وركعات قيام الليل، والطواف.
3/134 ــ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً». متفقٌ عليه.
4/1135ــ عَنْ أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أوْترُوا قبلَ أن تُصْبِحُوا». رواه مسلم.
5/1136ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي صلاتَهُ باللَّيلِ، وهيَ معْتَرضَةٌ بين يَدَيْهِ، فإذا بقيَ الوِترُ أيقظَهَا، فأوْترتْ. رواه مسلم.
وفي رواية له: فإذا بقيَ الوترُ «قُومي فأوْتري يا عائشَةُ».
6/1137ــ عَنْ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادرُوا الصُّبْحَ بالوِتْرِ».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الأحاديث:
1) وقت الوتر موسَّع من أول الليل إلىٰ وقت صلاة الصبح.
2) حثّ الرجل أهله علىٰ قيام الليل والوتر، كما كان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ عائشة رضي الله عنها.
7/1138 ــ وَعَنْ جَابرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَافَ أَنْ لاَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَليُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فإنَّ صَلاةَ آَخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذلِكَ أَفْضَلُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) أفضل وقت لصلاة الوتر هو آخر الليل.
2) الحث علىٰ مبادرة أول الليل بصلاة الوتر لمن خاف أن تفوته.
3) صلاة آخر الليل مشهودة من الله تعالىٰ؛ حيث ينزل ربُّنا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: «هَلْ مِنْ سائلٍ فأعطيَه؟ هَلْ مِنْ داعٍ فأستجيبَ له؟» حَتَّىٰ يطلعَ الصبح.
206 ــ باب فضل صلاة الضُّحى وبيان أقلِّها وأكثرها وأوسطها، والحث على المحافظة عليها
1/1139 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أوصاني خَليلِي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ، بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شَهرٍ، ورَكْعَتَي الضُّحَىٰ، وأنْ أوترَ قبلَ أنْ أرْقُدَ. متفق عليه.
والإيتارُ قبلَ النَّوم إنَّما يُستَحَبُّ لمنْ لا يَثقُ بالاستيقاظ آخرَ اللَّيل، فإنْ وثقَ فآخرُ اللَّيْل أفْضَلُ.
هداية الحديث:
1) إنَّ صلاة الضحىٰ هي وصية رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، فالموفَّق من حرص علىٰ وصية رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
2) أقل صلاة الضحىٰ ركعتان، وهي تُصلَّىٰ بعد تكامل طلوع الشمس بنحو دقائق.
2/1140 ــ عَنْ أبي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يصبح علىٰ كُلِّ سُلامىٰ من أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ: فكُلُّ تحميدةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تهليلَةٍ صَدَقَةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صَدَقَةٌ، وأمرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونهيٌ عَنِ المُنكَرِ صدَقَةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعَتَان يَركَعُهُما منَ الضُّحىٰ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
سلامىٰ: هي المفاصل والعظام.
هداية الحديث:
1) وجوب الصدقة عَنْ مفاصل الجسم كل يوم أداءً لحق الله تعالىٰ بنعمة البدن.
2) الصدقة الواجبة هي كل ما يقرّب إلىٰ الله _عز وجل_، من قول طيب، أو عمل صالح، أو بذل مال في وجوه الخير.
3) صلاة الضحىٰ؛ ركعتان، تجزئ عَنْ كل هذه الصدقات الواجبة، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بعباده.
3/1141ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَىٰ أربعاً، ويزيدُ ما شاءَ اللهُ. رواه مسلم.
4/1142ــ وعنْ أُمِّ هانئٍ فاخِتةَ بنتِ أبي طالبٍ رضي الله عنها قَالَتْ: ذَهَبْتُ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ صَلَّىٰ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَذلِكَ ضُحَىً. متفقِّ عليه. وهذا مختصر لفظِ إحدىٰ روايات مسلم.
هداية الأحاديث:
1) أقل صلاة الضحىٰ ركعتان، وأكثرها ما قدر عليه العبد، للعموم الوارد، والحديث بثماني ركعات لا يدل علىٰ الحصر.
2) الترغيب في المحافظة علىٰ الضحىٰ سفراً وحضراً، فرسول الله صلى الله عليه وسلم صلاّها يوم الفتح بمكة، وهو علىٰ سفر.
207 ــ باب تجويز صَلاَة الضحى من ارتفاع الشمس إلى زوالها والأفضل أن تُصلى عند اشتداد الحرِّ وارتفاع الضحى
1/1143ــ عن زيدِ بنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه أَنَّهُ رَأَىٰ قَوْماً يُصلُّونَ مِنَ الضُّحَىٰ، فقالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلاةَ في غَيْرِ هذِهِ السَّاعَةِ أفْضَلُ، إنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «صَلاَةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصالُ». رواه مسلم.
«ترمض»: بفتح التاء والميم وبالضاء المعجمة، يعني شدة الحر، والفصال: جمع فصيل، وهو الصغير من الإبل.
غريب الحديث:
ــ الأوّابين: جمع أوّاب، وهو الرجّاع إلىٰ الله تعالىٰ بالتوبة والإنابة.
ــ ترمض الفصال: المراد أن تصيب الحرارة الفصيل، وهو الصغير من الإبل، ولمّا يشتدّ خُفُّه بعدُ، فإذا قوي حرّ الشمس، وصلتْ حرارة الرمل إلىٰ خفه، فتراه يراوح بين قدميه.
هداية الحديث:
1) بيان وقت الأفضلية لصلاة الضحىٰ حين تشتد الشمس.
2) استحباب تحرّي العبد الطاعة في وقت الفضيلة، وإن جازت في غير هذا الوقت، لكن اغتنام الأوقات الفاضلة دليل علىٰ فقه العبد.
تنبيه:
إنَّ الصلاة المشهورة عند العامة بصلاة الأوابين، يصلونها بين المغرب والعشاء، ليس لها أصل شرعي، بل هي علىٰ خلاف الهدي النبوي، والسُّنَّة إنما جاءت بتسمية الضحىٰ بــ (صلاة الأوابين)، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحافظ على صلاة الضحىٰ إلا أواب، وهي صلاة الأوابين» رواه أحمد في مسنده، وكل خير في اتّباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهجر ما أحدثه الناس.
208 ــ باب الحثّ على صلاة تحية المسجد ركعتين وكراهة الجلوس قبل أن يصلي ركعتين في أي وقت دخل وسواء صَلَّى ركعتين بنية التحية أو صلاة فريضة أو سُنة راتبة أو غيرها
1/1144ــ عن أبي قتادةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّىٰ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». متفقٌ عليه.
2/1145 ــ عَنْ جابر رضي الله عنه قَالَ: أتيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقالَ: «صلِّ رَكْعَتَيْن». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) تحية المسجد سُنة مؤكدة تأكيداً قوياً، في أي وقت دخل العبد المسجد وأراد الجلوس.
2) يُقصد من صلاة تحية المسجد أن يُبتدأ المسجد بصلاة، فتجزئ أن تكون صلاة سُنة راتبة، أو سُنة وضوء، أو دخول في فريضة مَعَ الجماعة.
3) تعظيم الشريعة للمساجد، لمّا شرعت لها التحية إشعاراً بحرمتها.
209 ــ باب استحباب ركعتين بعد الوضوء
1/1146ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لِبِلالٍ: «يَا بِلالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَىٰ عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلامِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ، قالَ: مَا عَملْتُ عَمَلاً أَرْجَىٰ عندي من أني لم أتطهَّرْ طُهوراً، في سَاعَةٍ مِنْ ليْلٍ أوْ نَهارٍ، إلاّ صَلّيْتُ بِذلِكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أنْ أصَلِّي. متفق عليه. وهذا لفظُ البخاري.
«الدَفُّ» بالفاء: صوْتُ النَّعْلِ وَحَركتُهُ عَلىٰ الأرْضِ، والله أعلم.
هداية الحديث:
1) إنَّ الأعمال الصالحة الخالصة لله تعالىٰ سبب لدخول الجنة.
2) استحباب تحري صلاة ركعتي الوضوء. فالاستقامة علىٰ الطاعة سبب لدخول الجنة.
3) فضيلة خاصة للصحابي بلال رضي الله عنه، فهو من المبشرين بالجنة.
210 ــ باب فضل يوم الجمعة ووجُوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر الله بعد الجمعة
قَالَ الله تعالى ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾. [الجمعة 9]
هداية الآية:
1) الحث علىٰ ابتغاء فضل الله تعالىٰ، من أنواع الرزق، فالمؤمن في بيعه وشرائه يراقب الله تعالىٰ، ويستحضر أن الله رقيب حسيب، فهذا من ذكر الله تعالىٰ.
2) إذَا قضىٰ العبد صلاة الجمعة، ثُمَّ اشترىٰ وباع، فإنه أحرىٰ بأن يُرزق، لأنه قدم طاعة بين يدي رزقه.
3) عبادة الله تعالىٰ سبب للفلاح، وهي كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة.
1/1147ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ يومٍ طَلَعَتْ عليْه الشَّمْسُ يومُ الجُمُعة؛ فيه خُلِقَ آدَمُ ، وفيه أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وفيه أُخْرِجَ منْهَا». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) خيرُ يومٍ يومُ الجمعة، ومن رحمة الله تعالىٰ أن خصّ الجمعة بذلك، ليتنافس طلاب الآخرة في تحصيل الأجر.
2) من خيرية يوم الجمعة أن فيه بدء الخلق، وبدء الابتلاء بدخول الجنة، والخروج منها.
2/1148ــ وعَنْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ توضَّأَ فأحسنَ الوُضوءَ، ثُمَّ أتىٰ الجُمُعةَ، فاسْتَمَعَ وأنْصَتَ، غُفرَ لَهُ ما بيْنَه وبينَ الجُمُعةِ وزيادةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مسَّ الحَصَىٰ فَقَدْ لَغَا». رواه مسلم.
3/1149 ــ وعَنْهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الصَّلواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلىٰ الجُمُعةِ، ورَمَضَانُ إلىٰ رَمَضَانَ، مُكفِّراتٌ ما بَيْنَهُنَّ، إذَا اجْتُنبَتِ الكَبَائرُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لغا: اللغو ورد تفسيره في السنة: بقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن لغا وتخطىٰ رقاب الناس كانت له ظهراً». رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن وهب ــ أحد رواته ــ معناه: «أجزأت عنه الصلاة وحرم فضيلة الجمعة». (فتح الباري شرح صحيح البخاري).
هداية الأحاديث:
1) الأجر العظيم في غفران الذنوب حاصل لمن أحسن الوضوء والإنصات، ولم يشتغل بشيء عن الخطبة.
2) الترغيب في رحمة الله تعالىٰ بعباده؛ إذ عرّضهم لنفحات تُغفر فيها الخطيئات، ومن تلك النفحات: الصلوات، والصيام، والمسارعة إلىٰ الطاعات.
فائدة:
يُستفاد من الحديث أن سماع الخُطبة واجب، لأن من انشغل عَنْهَا بمسّ الحصىٰ فاته أجر الجمعة، فكيف بمن ترك سماعها عمداً؟ فالحريص من المؤمنين من يبادر التبكير لصلاة الجمعة، ليشهد الخُطبة من أولها.
4/1150 ــ وعَنْه وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّهُما سَمعَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ علىٰ أعْوَاد منْبَرهِ: «لَينتَهيَنَّ أقوامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ ليَخْتِمَنَّ اللهُ علىٰ قُلُوبهِمْ، ثُمَّ ليَكُونُنَّ منَ الغَافلينَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ودعهم: تركهم.
هداية الحديث:
1) التحذير الشديد من ترك شهود صلاة الجمعة من غير عذر، فذلك سبب للختم.
2) ارتكاب المعاصي سبب لحرمان العبد من نور الطاعة، والله تعالىٰ يعاقب العاصي الغافل بالختم علىٰ قلبه، فَلْيحذرِ المؤمن من التساهل في ترك الواجبات الشرعية.
5/1151 ــ عَنْ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا جاءَ أحَدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغْتَسلْ». متفق عليه.
6/1152 ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلىٰ كُلِّ مُحْتَلِمٍ». متفقٌ عليه.
المُراد بالمُحْتَلِمِ: البَالغُ. وَالمُرَادُ بِالوُجوبِ: وُجُوبُ اختِيَارٍ، كقوْلِ الرَّجُلِ لصَاحِبِهِ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَليَّ. والله أعلم.
7/1153ــ عَنْ سمُرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَة ، فبِها ونِعْمَتْ ، ومَن اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الأحاديث:
1) إنَّ غسل يوم الجمعة لصلاة الجمعة واجب علىٰ من يجب عليه حضور الصلاة.
2) في الأمر النبوي بالاغتسال يوم الجمعة بيانٌ لعناية الشريعة بالتطهّر والتنظيف في مجامع الناس.
3) من ترك غسل الجمعة فقد قصّر فيما وجب عليه، وصلاته صحيحة، فالغسل ليس شرطاً لصحة الصلاة، لكنه واجب لشهودها.
8/1154ــ وَعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَو يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثنَيْنِ، ثمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثمَّ يُنْصِتُ إذا تكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخْرَىٰ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) استحباب إتمام الطهارة يوم الجمعة والعناية بها، فذلك من الهدي النبوي المبارك.
2) استحباب استعمال الطيب ليوم الجمعة، وهذا من أدب الشريعة أن تُشَم من المسلم رائحة طيبة في مجامع الناس.
3) صلاة النافلة قبل الجمعة غير محدودة بعدد، بل للعبد أن يصلِّي ما كُتب لَهُ من النوافل، حتىٰ يبدأ الإمام الخطبة.
9/1155ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولَىٰ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السّاعَةِ الثّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السّاعَةِ الرّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَة الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذا خَرَجَ الإمامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكرَ». متفقٌ عليه.
قَوله: «غُسلَ الجَنَابَة»، أي: غُسلاً كَغُسلِ الجَنَابَةِ في الصّفَةِ.
هداية الحديث:
1) تفاوت الأجر يوم الجمعة بحسب المسارعة والتبكير إلىٰ صلاة الجمعة، وكلما كَانَ العبد أحرص علىٰ التبكير ناله الأجر الكبير.
2) صفة غسل الجمعة كصفة غسل الجنابة، لكن يستحب تأخيره إلىٰ ما قبل الذهاب إلىٰ الجمعة.
10/1156ــ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذكرَ يَوْمَ الجُمُعةِ، فقال: «فيه ساعَةٌ لا يُوَافِقُها عبدٌ مسلمٌ، وهُوَ قائمٌ يُصلَّي، يسألُ اللهَ شيئاً إلا أعطاهُ إيَّاهُ» وأشار بيده يُقَلِّلُها. متفق عليه.
11/1157ــ وَعَنْ أبي بُردَةَ بنِ أبي مُوسَىٰ الأشعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فىٰ شأن ساعةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قلتُ: نعمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «هِي مَا بَيْنَ أنْ يَجلِسَ الإمامُ إلىٰ أنْ تُقضَىٰ الصّلاةُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) من خصائص يوم الجمعة أن فيه ساعة تُستجاب فيها الدعوات.
2) ساعة الاستجابة يوم الجمعة يسيرة، وغير محددة بوقت معين متيقّن، ليجتهد العبد في كثرة الدعاء يوم الجمعة حتىٰ يوافق تلك الساعة.
تنبيــه:
الأحاديث الصحيحة في ساعة الاستجابة يوم الجمعة تبين بمجموعها أنها آخر ساعة بعد العصر، والحديث الأخير، فيه أنها: «ما بين أن يجلس الإمام إلىٰ أن تُقضىٰ الصلاة»، هذا اللفظ قد ضعّف علماءُ الحديث رفعَه؛ فلا يصحّ من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد ذلك عن الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما موقوفاً.
12/1158ــ عن أوسِ بنِ أوسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن أفْضَلِ أيَّامِكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ، فأكثرُوا عليَّ من الصَّلاةِ فيهِ، فإنَّ صلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الحديث:
1) إنَّ الصلاة علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من العبادات المستحب الإكثار منها يوم الجمعة وليلة الجمعة.
2) الصلاة علىٰ الرسول صلى الله عليه وسلم فيها أجر عظيم للعبد؛ لأننا بحاجة إلىٰ هذه الصلاة، كي نفوز بصلاة الله تعالىٰ علينا.
فائـدة:
1) صلاة المؤمنين علىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم معناها: الدعاء له بأن يثني اللهُ عليه في الملأ الأعلىٰ عند الملائكة المقرَّبين.
2) يشرع للعبد عند الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير من المأثور في النصوص الشرعية: القرآنية، النبوية، ففيها الكفاية والغنية. ولا يجوز تكلفُ صيغ من الصلوات المحدثة في أصلها، والمنكرة ــ أحياناً ــ في معناها.
وكل خير اتبــاع من سـلف وكل شرٍ في ابتداع من خلف.
211 ــ باب استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع بَلِيَّة ظاهرة
1/1159ــ عَنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن مَكَّةَ نُرِيدُ المَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيباً من عَزْوَرَاءَ نَزَلَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَدَعَا اللهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً، فَمَكَثَ طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ ساجِداً ــ فَعَلَهُ ثَلاثاً ــ وَقَالَ: «إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي، وَشَفَعْتُ لأُمَّتي، فَأَعْطَاني ثُلُثَ أُمَّتي، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي شُكراً، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي شُكْراً، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَأَلْت رَبِّي لأُمَّتي، فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي». رَواهُ أبو داود[1]. [1] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
عزوراء: موضع قريب من مكة.
هداية الحديث:
1) مشروعية سجود الشكر عند تجدد نعمة، أو زوال نقمة.
2) إنَّ الإلحاح علىٰ الله تعالىٰ بالدعاء واللجوء إليه هُوَ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومن طَرَقَ بالدعاء باب مولاه، رُجيت إجابة دعواه.
212 ــ باب فضل قيام الليل
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا﴾ [الإسراء 79]، وقال: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُم عَنِ ٱلمَضَاجِعِ} [السجدة 16]، وقال: ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ﴾ [الذاريات 17].
هداية الآيات:
1) عناية الله تعالىٰ بنبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ حين أمره بالتهجّد، ليحصل للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شرف وفضل المقام المحمود يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة العظمىٰ لأهل الموقف في بدء الحساب.
2) وصف حال المؤمنين في دأبهم بقيام الليل، لما فيه من العزّ والشرف لهم في الدنيا والآخرة.
3) مَن أحبَّ لقاء الله تعالىٰ ترك راحة جسده، لينال راحة قلبه.
4) الترغيب في تذوق حلاوة القرب من الله تعالىٰ في ساعات الليل {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُم عَنِ ٱلمَضَاجِعِ} شوقاً إلىٰ الله تعالىٰ.
1/1160ــ وَعَن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّىٰ تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسُولَ الله، وَقَدْ غُفِر لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً».
متفقٌ عليه. وَعَنِ المُغِيرَة بنِ شعبةَ نحوهُ، متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
تتفطر: تتشقق من طول القيام.
هداية الحديث:
1) تعظيم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حقَّ الله تعالىٰ عليه، فقد اجتهد في القيام الطويل في الليل شكراً لله تعالىٰ.
2) مِن فقه العبد أن يشكر الله تعالىٰ إذَا خصّه بفضل زائد علىٰ الناس.
3) حقيقة الشكر: الاعترافُ بالقلب، واللسان، وعملُ الأركان بطاعة المنعم المنان.
2/1161ــ عَنْ عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم طَرَقَهُ وفاطمةَ ليلاً، فقال: «ألا تُصلِّيَان؟». متفق عليه. طرقه: أتاه ليلاً.
3/1162ــ عَنْ سالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهما عن أبيه أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللهِ لو كَانَ يُصلِّي من اللَّيلِ»، قَالَ سالم: فكان عبدُ الله بعد ذلك لا يَنَامُ منَ اللَّيْل إلَّا قليلاً. متفق عليه.
4/1163ــ عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبدَ الله، لا تكُنْ مثلَ فُلان؛ كَانَ يقُومُ اللَّيلَ، فَتَرَكَ قيامَ اللَّيْلِ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) بيان فضيلة صلاة الليل، وحث الرجل أهل بيته علىٰ قيام الليل.
2) استحباب مدح الرجل الصالح إذَا حثّه ذلك علىٰ مزيد من الطاعة وعمل الخير.
3) فضيلة الصحابة رضي الله عنهم في استجابتهم لِمَا يهديهم إليه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من الأمر، وهذا هُوَ شأن المؤمن؛ المسارعة لأمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن في طاعتهما كل الخير والفلاح.
4) التحذير من مشابهة الكسالىٰ، والحث علىٰ التشبُّه بأهل الهمَّة والنشاط في الطاعة.
5/1164ــ عَنْ ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: ذُكرَ عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ نامَ ليلةً حَتَّىٰ أصبحَ! قَالَ: «ذاكَ رجُلٌ بالَ الشَّيْطانُ في أذُنَيْه» أو قَالَ: «في أذُنِهِ». متفق عليه.
6/1165ــ وعَن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلىٰ قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُم، إذا هُوَ نَامَ، ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلىٰ كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فإنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإن تَوضَّأَ انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإن صَلَّىٰ انحَلَّتْ عُقدُهٌ، فأَصبحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفسِ، وَإلَّا أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ». متفقٌ عليه.
«قَافِيَةُ الرَأسِ»: آخِرُه.
غريب الحديث:
يعقد: من العقد، وهو إحكام الشيء.
فارقد: أمرٌ لَهُ بالنوم.
هداية الأحاديث:
1) التصديق التام بخبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «بال الشيطان»، فشأن المؤمن أن يؤمن بأخبار الغيب، وإن لم يدرك حقيقتها.
2) قيام الليل حصن للعبد من تسلّط الشيطان عليه.
3) ذكر الله تعالىٰ والوضوء والصلاة من أعظم الأسباب للخلاص من عقد الشيطان، وهي سهلة يسيرة علىٰ من وفّقه الله تعالىٰ إليها.
4) الطاعة والهمة سبب لانشراح الصدر، والمعصية والكسل سبب لضيق الصدر.
7/1166ــ عَنْ عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ: أفْشُوا السَّلامَ، وأطعمُوا الطَّعامَ، وصَلُّوا باللَّيل والنَّاسُ نيامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بسَلامٍ».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
أفشوا السلام: أمر ببذل السلام ونشره بين المسلمين، علىٰ من عرفت ومن لم تعرف.
هداية الحديث:
1) رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأمته، فقد دلَّهم علىٰ أسباب دخول الجنة، فَلْيحرصْ طالب الجنة علىٰ امتثالها علماً وعملاً.
2) قيام الليل من شأن الموفَّقين من عباد الله، فهم قيام يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.
8/1167ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الصِّيامِ بعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحرَّمُ، وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفَريضةِ صلاةُ اللَّيلِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) شهر المحرم من أفضل الشهور التي يُتطوَّع بها بالصوم.
2) صلاة الليل النافلة أفضل من صلاة النهار النافلة، لما يكون بالليل من تنزّل الرحمات وإجابة الدعوات.
9/1168 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صلاةُ اللَّيل مَثْنىٰ مَثْنىٰ، فإذا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِواحدةٍ». متفق عليه.
10/1169ــ وعنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي مِنَ اللَّيلِ مَثْنىٰ مَثْنىٰ، ويُوتِرُ بِرَكعةٍ. متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) الهدي النبوي في صلاة الليل أن تُصلَّىٰ رَكعتَيْن رَكعتَيْن.
2) إذَا طلع الفجر انتهىٰ وقت الوتر، وأقل الوتر ركعة واحدة.
11/1170ــ عَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُفطرُ مِنَ الشَّهرِ حَتَّىٰ نَظُنَّ أنْ لا يصومَ مِنهُ، ويصومُ حَتَّىٰ نَظُنَّ أنْ لا يُفطرَ مِنهُ شيئاً، وكان لاتشاءُ أنْ تراهُ من اللَّيلِ مُصلِّياً إلَّا رأيْتَهُ، ولا نائماً إلَّا رأيْتَهُ. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه يديم العمل الصالح، فأحب العمل إلىٰ الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلَّ.
2) بيان الهدي النبوي في وسطية العبادة؛ أن يتَّبعَ العبد ما هُوَ الأفضل والأتقىٰ لربِّه، والأيسر والأرفق لبدنه.
3) إن التنويع في العبادة، وعدم الإثقال علىٰ النفس هُوَ الهدي الكامل في التعبّد.
12/1171ــ وَعَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي إحْدَىٰ عَشْرَةَ رَكعَةً ــ تعني في اللَّيْلِ ــ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيركَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثمَّ يَضْطَجِعُ عَلىٰ شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُ المُنَادِي للصَّلاةِ. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) المستحب في عدد ركعات قيام الليل إحدىٰ عشر ركعة في رمضان أو في غيره.
2) من الهدي المحمود: إطالة السجود بالذكر والدعاء في قيام الليل، لأن أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد.
3) بيان كمال خشوعه عليه الصلاة والسلام مع ربِّه، فكان يطيل السجود الواحد قدر خمسين آية!
4) من هدي السُّنَّة: أنْ لا يخرج الإمام إلىٰ المسجد إلا لوقت إقامة الصلاة.
13/1172ــ وَعَنْهَا قَالَتْ: ما كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ في رَمضانَ وَلا في غَيْرِهِ عَلىٰ إحْدَىٰ عَشَرَةَ رَكْعَةً؛ يُصَلِّي أَرْبعاً فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي ثَلاثاً. فَقُلْتُ: يا رسُولَ الله، أَتنامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِر؟َ فقال: «يا عائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلا يَنامُ قَلبي». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل أنه يُصلِّي أربع ركعات، كل ركعتين بتسليم، ثُمَّ يستريح قليلاً بعد الأربع.
2) إظهار خصوصية للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أن قلبه لا يغفل عن ذكر الله تعالىٰ، وإن نامت عيناه.
3) إن إطالة صلاة الليل مع إحسانها من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
14/1173ــ وعَنْها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ ينامُ أوَّلَ اللَّيلِ، ويقومُ آخرَهُ فيُصلِّي. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) أفضل وقت لقيام الليل في الثلث الأخير منه.
2) إن إعطاء البدن حقَّه من الراحةِ أولَ الليل، هُوَ الهدي النبوي المأثور، وهو العمل الميسور، لينشط في العبادة.
15/1174ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: صلَّيتُ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلةً، فلم يزلْ قائماً حَتَّىٰ هَمَمْتُ بأمرِ سوءٍ، قيلَ: ما هَمَمْتَ؟ قَالَ: همَمْتُ أنْ أجلسَ وأدَعَهُ. متفق عليه.
16/1175ــ وَعَنْ حُذيفَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقلتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثمَّ مَضَىٰ، فَقلتُ: يُصَلِّي بها في رَكْعَةٍ، فَمَضَىٰ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِها، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَها، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً؛ إذا مَرَّ بِآيةٍ فِيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ، تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ»، فَكانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثمَّ قَالَ: «سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ» ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَىٰ»، فَكانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) بيان المقام العظيم الذي اتصف به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، في كمال تعبّده لله تعالىٰ، وإطالته في قيام الليل، وكل من كَانَ بالله أعرف كَانَ منه أخوف.
2) إنَّ سادات الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يطيقون ما كَانَ يطيقه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من العبادة! ومع ذلك اجتهدوا في متابعته، والتأسي بعبادته.
3) فقه صلاته صلى الله عليه وسلم حيث كانت متناسبة؛ إذَا أطال القراءة أطال الركوع والسجود.
فائـدة:
الصلاة التي يكون لها ثمرة علىٰ صلاح العبد هي ما كانت موافقة لهدي السنة، من حسن الإطالة، وإتمام الركوع والسجود، والإتيان بالدعاء والذكر، فيجمع العبد في الصلاة بين القرآن والدعاء، وأنواع الثناء، ليذوق حلاوة المناجاة، فهذه الصلاة {َنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَآءِ وَٱلمُنكَرِ} قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إنك ما دمت في الصلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يُدْمن قرع الباب لا بد أن يلجه».
17/1176ــ وعن جابر رَضيَ الله عنه قَالَ: سُئلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «طولُ القُنُوتِ». رواه مسلم.
المرادُ بالقُنُوت: القِيَامُ.
هداية الحديث:
1) طول القيام لمن استطاعه من أفضل ما يكون في الصلاة.
2) الأفضل في الصلاة أن تكون متناسبة، فإن أطال المصلي القيام أطال بقية الأركان.
18/1177ــ وَعَنْ عَبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَحَبُّ الصَّلاةِ إلىٰ الله صلاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصيامِ إلىٰ الله صِيَامُ دَاوُدَ، كانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوماً، وَيَفطِرُ يَوماً». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إن إعطاء كل ذي حق حقه من أفضل ما يكون في تعبّد الرجل، فلا يُغفِلُ عبادة ربِّه، ولا ينسىٰ حق نفسه وأهله.
2) منهج الأنبياء في العبادة فيه الوسطية والبركة؛ فَلْيحرصِ المسلم علىٰ الالتزام بالهدي النبوي الكامل.
19/1178ــ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوافِقُهَا رَجُلٌ مُسلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْراً مِن أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الحكمة من عدم تحديد الساعة بوقت معين، ليجتهد العبد الموفَّق في تحرِّيها.
2) سعة رحمة الله تعالىٰ بعباده، حين جعل لهم في كل ليلة نفحات لإجابة الدعوات.
20/1179ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا قَامَ أحَدُكُم مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتحِ الصَّلاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتيْنِ». رواهُ مُسْلِمٌ.
تنبيـه:
هذا الحديث لم يثبت من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إنما هو من كلام الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه، ولا يصح رفعه إلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ثبتت هاتان الركعتان الخفيفتان من فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عائشة رضي الله عنها التالي:
21/1180ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ لُيُصَلِّيَ افتَتَحَ صَلاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفيفَتَينِ. رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الحكمة من افتتاح قيام الليل بركعتين خفيفتين أن ينشط العبد علىٰ ما يأتي من الصلاة.
2) مراعاة الشريعة لحال النفس البشرية، لمّـا شرعت كل ما يعين علىٰ نشاطها وسلامتها.
22/1181ــ وعنها رضي الله عنها قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إذَا فاتتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيلِ من وَجَعٍ أو غيرِهِ، صَلَّىٰ من النَّهارِ ثِنتَيْ عَشْرَةَ رَكعةً. رواه مسلم.
23/1182ــ وعن عُمرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نامَ عن حِزْبِهِ أو عن شيءٍ منه، فقرأهُ فيما بينَ صلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ الظُّهرِ، كُتبَ لَهُ كأنَّما قرأهُ مِنَ اللَّيلِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
حزبه: ما يجعل للقراءة أو الصلاة من جزء مخصوص.
هداية الأحاديث:
1) مشروعية قضاء صلاة الليل في النهار شفعاً لا وتراً؛ لأن الوتر نختم به صلاة الليل.
2) وقت قضاء صلاة الليل لمن فاتته؛ فيما بين طلوع الشمس وارتفاعها، إلىٰ قرب زوال الشمس وقت الظهر.
3) رحمة الله تعالىٰ بعباده؛ إذ فتح لهم أبواب الرحمات في الليل والنهار، ولم يحرم المعذور الأجر.
24/1183 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ رجُلاً قامَ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّىٰ، وأيْقظَ امرأتَهُ، فإنْ أَبَتْ نضَحَ في وجهِهَا الماءَ. رحمَ اللهُ امرأةً قامَتْ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّتْ، وأيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فإن أبىٰ نَضَحَتْ في وجهِهِ الماءَ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
25/1184ــ وَعَنْهُ وَعَنْ أبي سَعِيدٍ رضي الله عنهما قَالا: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَيقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا ــ أوْ صَلَّىٰ ــ رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً، كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ». رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيح.
هداية الأحاديث:
1) تتنزل الرحمة علىٰ الزوجين الذيْن تعاهدا علىٰ طاعة الله تعالىٰ، فلا يقوم أحدهما من نومه ــ وهو محبوبٌ إلىٰ النفوس ــ إلا لما هُوَ أحب إليه، وهو مناجاة الله تعالىٰ.
2) مشروعية الحث علىٰ قيام الليل، لما في ذلك من تنشيط النفوس علىٰ الطاعة.
3) إن البيوت التي تحيا في ظلال طاعة الرحمن هي بيوت مباركة سعيدة، فهل عرفنا طريق السعادة الأسرية؟
26/1185ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلاةِ، فَلْيَرْقَدْ حَتَّىٰ يذهَبَ عَنْهُ النَّومُ، فإنَّ أحدَكُمْ إذَا صَلَّىٰ، وهو ناعسٌ، لعلَّهُ يذهَبُ يستغفرُ فيَسُبَّ نَفْسَهُ». متفق عليه.
27/1186 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ من اللَّيل، فَاستَعجَمَ القُرآنُ علىٰ لسَانِهِ، فَلَم يَدْرِ ما يقُولُ، فَلْيَضْطَجعْ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
فاستعجم: صعب عليه لشدة النعاس.
هداية الأحاديث:
1) إن إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّهُ هُوَ المنهج النبوي في العبادة، فإذا نعس العبد فَلْينمْ، ولا يُجهد نفسه.
2) إظهار سماحة الشريعة؛ إذ راعت حظَّ النفوس، ولم يحملنا ربنا ما لا طاقة لنا به، فالله تبارك وتعالىٰ أرحم بعباده من أنفسهم بأنفسهم.
213 ــ باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح
فائـدة:
سُمِّيت صلاة الليل في رمضان تراويح، لأن الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم كانوا يطيلون القيام والركوع والسجود، فإذا صَلُّوا أربع ركعات استراحوا قليلاً، ثُمَّ إذَا صَلُّوا أربعاً استراحوا، وتكون كلُّ أربعٍ بتسليمتَيْن، فسُمِّيت تراويح من الاستراحة بين الركعات، والله أعلم.
1/1187ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قامَ رَمَضَانَ إيماناً واحتساباً غُفرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». متفق عليه.
2/1188ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرَغّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فيقولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضانَ إيمَاناً وَاحْتِساباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّم مِن ذَنْبِهِ». رواه مُسْلِمٌ.
غريب الحديث:
بعزيمة: الأمر المؤكد مثل الواجبات.
هداية الأحاديث:
1) الأجر العظيم لمن قام رمضان إيماناً بالله تعالىٰ، واحتساباً للأجر علىٰ الله تعالىٰ.
2) قيام رمضان سُنَّة مؤكَّدة، فعلها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، فهنيئاً لمن وفّقه الله تعالىٰ لاغتنام نفحات ليالي رمضان.
214 ــ باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾ [القدر1 ] إلىٰ آخر السورة، وقال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان 3].
فائدة:
ليلة القدر سُمِّيت بذلك لشرف قدرها، ولأنه يُقدّر فيها ما يكون في السَّنة من مقادير الخلق، وهذه الليلة خَصَّ الله تعالىٰ بها الأمة المحمدية؛ رحمةً بها وكرامةً لنبيِّها صلى الله عليه وسلم، إذ عوّضهم عن قصر أعمارهم بأيامٍ ولياليَ يُضاعَف فيها الأجر، مثل ليلة القدر.
1/1189 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن قامَ ليلةَ القَدْرِ إيماناً واحْتساباً غُفرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الترغيب في قيام ليلة القدر إيماناً بالله تعالىٰ، واحتساباً للأجر، فذلك سبب لغفران ذنوب العبد كلها.
2) أهمية الإخلاص لله تعالىٰ في العبادات، لينال العبد الأجر المرتب بقدر نيته.
2/1190ــ وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنَامِ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَرَىٰ رُؤُيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَن كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ». مُتفقٌ عليهِ.
3/1191ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يجُاوِرُ في العَشْرِ الأوَاخرِ منْ رَمَضَانَ، ويقُول: «تَحَرَّوا لَيْلةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأوَاخرِ منْ رَمَضانَ». متفق عليه.
4/1192ــ وعَنْها رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَحَرَّوا ليلةَ القَدْرِ في الوِتْرِ من العَشْرِ الأوَاخرِ من رَمَضَانَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
تواطأت: توافقت.
يجاور: يعتكف، وهو لزوم المسجد للعبادة.
هداية الأحاديث:
1) ليلة القدر أرجح ما ورد في تعيينها أنها في الليالي المفردة من العشر الأواخر، فتكون في ليلة إحدىٰ وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين.
2) الحكمة من عدم تعيين ليلة القدر بوقت واحد معلوم؛ أن يتنافس أهل الإيمان في الاجتهاد بالعبادة في ليالي العشر.
تنبيــه:
ليلة القدر ليست ثابتة في ليلة معينة كل عام من رمضان، بل تنتقل، فتكون في ليلة واحد وعشرين مثلاً، وفي عام آخر قد تنتقل إلى ليلة أخرى. دل علىٰ ذلك مجموع الروايات الواردة في ليلة القدر.
5/1193ــ وعنها رضي الله عنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ العَشْرُ الأواخرُ من رَمَضَانَ أحْيا اللَّيلَ، وأيْقَظَ أهلَهُ، وَجَدَّ، وشَدَّ المئزَرَ». متفق عليه.
6/1194ــ وعنها قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يجتَهدُ في رَمَضانَ مَا لا يَجْتهدُ في غَيْرِهِ، وفي العَشْرِ الأوَاخرِ منه مَا لا يَجْتهدُ في غَيْرِهِ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
شد المئزر: كناية عن الاجتهاد في العبادة، واعتزال النساء.
هداية الأحاديث:
1) اجتهاد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في العبادة ليالي العشر الأخير، وحثّ أهله علىٰ العبادة، ليعلِّم الأمة الحرص علىٰ العبادة في هذه الليالي المباركة.
2) جواز إحياء الليل كله في العشر الأخير من رمضان.
3) يَعظُم شرف العبادة وأجرها بحسب فضيلة الزمان، فليحرص المؤمن علىٰ اغتنام الليالي المباركة.
7/1195ــ وَعَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إن عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فيها؟ قَالَ: «قُولي: اللّهم إنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عنِّي». رواه التِرْمذيُ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها في حرصها علىٰ الاجتهاد في السؤال عن العلم النافع المأثور، واتباعه بالعمل.
2) الدعاء الجامع لخيرَي الدنيا والآخرة بالعفو والمغفرة.
3) أفضل ما ندعو به في ليلة القدر: «اللهم إنك عفوٌ تحبُّ العفو فاعفُ عني» لأنه هو هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان خيراً من هذا الدعاء لدَلَّ الأُمةَ عليه صلى الله عليه وسلم.
215 ــ باب فضل السواك وخصال الفطرة
1/1196ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَوْلا أن أشُقَّ علىٰ أمَّتي، أو علىٰ النَّاس، لأمرْتُهُم بالسِّوَاك مع كُلِّ صَلاةٍ». متفق عليه.
2/1197ــ وعن حذيفةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قامَ مِنَ اللَّيلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّواكِ. متفق عليه.
«الشَّوْص»: الدْلك.
3/1198 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: كنَّا نُعدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شاءَ أن يبعَثهُ مِنَ اللَّيلِ، فَيتسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأ، ويُصلِّي. رواه مسلم.
4/1199 ــ وعن أنس رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أكْثَرْتُ عليكُم في السِّوَاك». رواه البخاري.
5/1200ــ وعن شُريحِ بنِ هانئٍ قَالَ: قلتُ لعائشةَ رضي الله عنها: بأيِّ شيءٍ كَانَ يبدأ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَت: بالسِّوَاك. رواه مسلم.
6/1201ــ وعن أبي موسىٰ الأشعريِّ رضي الله عنه قَالَ: دخلْتُ علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَطرَفُ السِّواكِ علىٰ لسانِهِ. متفق عليه، وهذا لفظُ مسلم.
هداية الأحاديث:
هذه الأحاديث في فضل السواك، والأوقات التي يُستحب فيها، وكيفية التسوّك، وفيها من الهداية:
1) الحثّ الأكيد من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ استعمال السواك عند الوضوء، والصلاة، وعند القيام من الليل، وعند دخول البيت، وكل هذا لتأكّد سُنّيّة السواك.
2) كمال هدي الإسلام في دعوته إلىٰ الطهارة والنظافة، وتطييب الفم والأسنان، خاصة عند ملاقاة الناس.
3) بيان الطريقة النبوية في التسوك؛ بدَلْك الأسنان، وإمرار السواك علىٰ طرف اللسان، ليتم المقصود من طهارة الفم.
4) كمال خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صحبته مع أهل بيته، إذَا دخل بدأ بالسواك لئلا تُشمَّ منه رائحة كريهة.
5) جواز الاستخبار عن أحوال الصالحين في بيوتهم، ليقتدىٰ بهم في خصال الخير والطاعة.
7/1202 ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السِّواكُ مَطهَرَةٌ للفَم، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ». رواه النسائيُّ ، وابنُ خُزيمةَ في صحيحه بأسانيد صحيحة.
هداية الحديث:
1) من حكمة الشارع في استحباب السواك أنه يطهر الفم، وهذا فيه صيانة لصحة الإنسان.
2) ملازمة العبد للسواك سبب عظيم لنيل رضا الرب سبحانه وتعالىٰ، فما أحسن الشريعة، عمل يسير وثواب كبير!
8/1203ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الفِطرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتقلِيمُ الأَظفَارِ، وَنَتْفُ الإبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». متفق عليه.
«الاستحداد»: حلق العانة، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج.
9/1204ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَشْرٌ مِنَ الفِطرَةِ: قَصُّ الشارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، واسْتِنشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتفُ الإبطِ، وَحَلقُ العَانَةِ، وانتِقاصُ المَاءِ» قال الرَّاوِي: وَنَسِيتُ العَاشِرَة إلَّا أن يكونَ المَضمَضَةَ، قالَ وَكِيعٌ ــ وَهُوَ أَحَدُ روَاتِهِ ــ انتِقَاصُ الماءِ، يَعْني: الاسْتِنْجَاءَ. رَوَاهُ مُسلِمٌ.
«البَرَاجِمُ» بالباءِ الموحدةِ والجيمِ، وهِي: عُقَدُ الأصَابعِ. «وَإعْفَاءُ اللِّحْيَة» مَعْنَاهُ: لا يَقصُّ مِنْهَا شَيئاً.
غريب الحديث:
الفطرة:الجِبلَّة التي قدَّرها الله تعالىٰ في أصل خِلقة الإنسان، من قبول الخير، وفعل ما هُوَ حَسَن، لو تُرك العبد دون مؤثر يفسد تلك الخلقة.
الختان: هُوَ الطهور، شامل للذكر والأنثىٰ.
استنشاق الماء: جعل الماء في الأنف للتنظيف، يكون في الوضوء، وفي غير الوضوء عند الحاجة.
هداية الأحاديث:
1) خصال الفطرة منوّعة، ويُقصد منها إكرام الإنسان، وأن يكون علىٰ أكمل هيئة وأحسن حال.
2) دعوة الإسلام إلىٰ التطهُّر والجمال، والنظافة الظاهرة والباطنة.
3) بيان السُّنَّة في «قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، لا يُترك أكثر من أربعين يوماً» كما ورد الحديث الصحيح في (سنن الترمذي) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
فائدة:
لا ينحرف الإنسان عن الهدي النبوي، ويخالف شيئاً من هذه الخصال إلا لسبب وآفة تحرفه عن أصل الخلقة، كنشأته في بيئة فاسدة، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ التمسك بخصال الفطرة، ففيها الجمال والنظافة، وفيها تحقيق الأجر في اتباع السنة.
10/1205ــ وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَىٰ». مُتفقٌ عليه.
غريب الحديث:
أحفوا: قصُّوا ما طال عن الشفتين.
أعفوا: وفِّروا واتركوا .
هداية الحديث:
1) قصّ ما زاد علىٰ الشفة من الشوارب من الهدي النبوي، فلا يجوز ترك الشارب يطول دون قصّه.
2) اللحية زينة للرجال، ومن كمال خصال الرجولة، ومن تمام الاقتداء بهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3) إن حلق اللحية قدح في تكريم الله تعالىٰ للرجال، وانحراف عن أصل الخلقة التي فطر الله تعالىٰ الرجال عليها، وفيه مخالفة شديدة لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وسادات هذه الأمة، فكيف تطيب نفس مؤمن يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخالف ما كَانَ عليه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة؟!
4) تعظيم الأمر النبوي الكريم: «أعفوا اللحىٰ»، أي: اتركوها ولا تحلقوها، فأين حال بعض المسلمين من هذا الأمر الدال علىٰ وجوب إعفاء اللحية؟!.
216 ــ باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة 43]، قَالَ تعالىٰ: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة 5]، وقال تعالىٰ: {خُذ مِن أَموَٰلِهِم صَدَقَة تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة 103].
هداية الآيات:
2) الزكاة سبب لانشراح الصدر، وزيادة الرزق، وتطهير قلب العبد.
3) أداء الزكاة دليل علىٰ صدق إيمان العبد، وقيامه بحق العبودية لله تعالىٰ.
4) الزكاة تليِّن قلب العبد نحو الفقراء، وتخرج العبد عن البخل إلىٰ حب الإنفاق.
1/1206 ــ عَنْ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «بُنِيَ الإسلامُ علىٰ خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمَّداً عبدُهُ ورسُولُهُ، وإقامِ الصَّلاةِ ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البيتِ، وصوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه.
هداية الحديث:
2) قَرْنُ الزكاة بالصلاة في كتاب الله تعالىٰ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة حق لله تعالىٰ، وصلة العبد بربه، والزكاة صلة الخَلق.
2/1207ــ وعن طَلْحَةَ بنِ عُبيْدِ الله رضي الله عنه قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوتِهِ، وَلا نَفْقَهُ ما يَقُولُ، حَتىٰ دَنَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيلَةِ» قالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قالَ: «لا، إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»، فَقَالَ رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم: «وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ» قَال: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا، إلا أَنْ تَطَّوَّعَ» فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لا أَزِيدُ عَلىٰ هذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ» مُتفق عليهِ.
غريب الحديث:
ثائر الرأس: منتشر شعر الرأس.
دوي صوته: صوت مرتفع لا يُفهَم.
هداية الحديث:
1) القيام بالواجب هُوَ الحق المتعين علىٰ العبد، والنوافل تكمل الفرائض.
2) الزكاة منها ما هُوَ واجب علىٰ العبد، ومنها ما هُوَ تطوّع وصدقة.
3) الحث علىٰ تعلّم أحكام الفقه من أهل العلم، وسؤالهم عما يشكل في أمر الدين.
1208ــ وعن ابن عباس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعَثَ مُعاذاً رضي الله عنه إلىٰ اليَمن، فقال: «ادْعُهُمْ إلىٰ شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رَسُولُ اللهِ، فإن هُمْ أطَاعُوا لذلك، فأعلمْهُمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ افتَرَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هُمْ أطاعُوا لذلك فأَعلمْهُمْ أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم صَدَقَةً تُؤخَذُ من أغنيائهمْ، وتُرَدُّ علىٰ فقَرائهم». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الزكاة حق شرعي علىٰ الأغنياء أن يملّكوه للفقراء، بحيث يقبض مستحقُّ الزكاة حقه ويتملكه.
2) أحقُّ الناس بزكاة المال هم فقراء البلد الذي يُخرج منه الزكاة، ولا تُنقل إلىٰ بلد آخر إلا لمصلحة راجحة.
3) عند دعوة الناس إلىٰ دين الله تعالىٰ تُراعىٰ الأولويات في المسائل، فتكون العناية بالتوحيد أولاً، ثُمَّ الصلاة، ثم بقية أركان الإسلام.
4/1209ــ عَنْ ابن عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتىٰ يَشهدُوا أَنْ لاَ إلهَ إلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلىٰ الله». متفق عليه.
هداية الحديث:
2) من امتنع عن أداء الحق الواجب في الزكاة فعلىٰ ولي الأمر أن يقاتله علىٰ ذلك.
5/1210ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لمَّا تُوفِّي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وكانَ أبو بكر رضي الله عنه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ منَ العرَب، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: كيف تُقاتلُ النَّاسَ، وقدْ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّىٰ يَقُولُوا لا إلهَ إلَّا الله، فَمَنْ قَالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلىٰ الله؟!» فقال أبو بكر: واللهِ لأُقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ. واللهِ لو منعُوني عقالاً كانوا يُؤدُّونه إلىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لقَاتَلْتُهُمْ علىٰ مَنعِهِ. قَالَ: عُمَرُ رضي الله عنه: فوالله ما هُوَ إلَّا أن رأيتُ اللهَ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبي بَكْرٍ للقتَالِ، فَعَرَفْت أنَّهُ الحقُّ. متفق عليه.
غريب الحديث:
عقالاً: الحبل الذي يربط به البعير.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصِّدِّيق رضي الله عنه، الذي قام بهذا المقام العظيم في الدفاع عن حق الزكاة الشرعي.
2) إن قتال الممتنعين عن الزكاة إجماع من الصحابة رضي الله عنهم، لأنه فُعل بحضرة الصحابة جميعاً وتأييدهم.
6/1211 ــ وعن أبي أيّوبَ رضي الله عنه أنّ رجلاً قَالَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَخبِرْني بعملٍ يدخلني الجَّنَّةَ، قَالَ: «تعبُدُ اللهَ لا تُشْركُ به شيْئاً، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتصلُ الرَّحمَ». متفق عليه.
7/1212ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَعرابِيّاً أَتَىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله، دُلَّني عَلىٰ عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ المَفْروضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَال: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أَزِيدُ عَلىٰ هذَا. فَلَمَّا وَلَّىٰ قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلىٰ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُر إلىٰ هذا». متفقٌ عليهِ.
هداية الأحاديث:
1) أداء الزكاة المفروضة من الأعمال الموجبة لدخول الجنة.
2) همَّة الصحابة رضي الله عنهم في السؤال عن الأعمال الموجبة لرضا الله تعالىٰ والفوز بالجنة.
3) التنبيه علىٰ أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، ولا يجوز الاتكال علىٰ النيات والقعود عن العمل.
8/1213ــ وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: بايعتُ النَّبيَّ علىٰ إقامِ الصَّلاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْحِ لكُلِّ مُسْلِمٍ. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إشهار فضيلة للصحابي جرير رضي الله عنه في صدقه لمبايعته رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم علىٰ هذه الخصال الثلاثة.
9/1214 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذهَبٍ وَلا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إلَّا إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صفَائحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَىٰ بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّىٰ يُقْضَىٰ بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَىٰ سَبِيلُهُ؛ إمَّا إلىٰ الجَنَّةِ، وَإمّا إلىٰ النّار».
قِيلَ: يا رَسُولَ الله، فالإبلُ؟ قَالَ: «وَلاَ صَاحِبُ إبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيَامة بُطِحَ لَها بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ ما كانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِداً، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِها، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاها رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاها، في يَومٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّىٰ يُقْضَىٰ بَيْنَ العِبادِ، فَيُرَىٰ سَبِيلُه؛ إمَّا إلىٰ الجَنَّةِ، وَإمّا إلىٰ النارِ».
قِيلَ: يَا رسولَ الله، فَالْبَقَرُ والغَنَمُ ؟ قالَ: «وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إلَّا إذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، بُطحَ لَها بقَاعٍ قَرقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْها شَيْئاً، لَيْسَ فِيها عَقْصَاءُ، وَلا جَلْحاءُ، وَلا عَضبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاها رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاها، في يَومٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِين أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّىٰ يُقْضَىٰ بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَىٰ سَبِيلُهُ إمّا إلىٰ الجَنَّةِ، وَإمّا إلىٰ النّارِ».
قِيلَ: يا رَسُولَ الله فالخَيْلُ ؟ قَالَ: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وَهِيَ لِرجُلٍ سِتْرٌ، وَهيَ لِرجُلٍ أَجْرٌ. فَأَمَّا التي هِيَ لَهُ وِزرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْراً وَنِواءً عَلىٰ أَهْلِ الإسْلامِ، فهِيَ لَهُ وِزْرٌ. وَأَمَّا التي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ الله، ثُمَّ لَم يَنْسَ حَقَّ الله في ظُهُورِها وَلا رِقابَها، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ. وَأَمَّا التي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ الله لأَهْلِ الإسْلامِ في مَرْجٍ، أوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِن ذلكَ المَرجِ أوِ الرَّوضَةِ مِن شَيءٍ إلَّا كُتِبَ لَه عَدَدَ ما أَكَلَتْ حَسَناتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَروَاثِهَا وَأبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلا تَقْطَعُ طِوَلَها فاستَنَّتْ شَرَفاً أَو شَرَفَيْنِ إلَّا كَتَبَ الله لَهُ عَدَدَ آثارِهَا، وأَروَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِها صَاحِبُها عَلىٰ نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلا يُريدُ أن يَسْقِيَهَا إلَّا كَتبَ الله لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ».
قِيلَ: يا رسولَ الله فالحُمُر؟ قالَ: «مَا أُنْزِلَ علَيَّ في الحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ} [الزلزلة 7 – 8]». مُتَّفِقٌ عَليهِ. وهذا لفظُ مُسْلِمٍ.
غريب الحديث:
يوم وردها: يوم شربها للماء.
بُطح لها: أُلقي علىٰ وجهه.
قاع قرقر: صحراء مستوية.
فصيلاً: ولد الناقة حال فصله عن أمه.
تطؤه: تدوسه.
عقصاء: ملتوية القرنين.
جلحاء: لا قرن لها.
عضباء: مكسورة القرن.
أظلافها: الأظلاف للبقر والغنم بمنزلة القدم للإنسان والخف للإبل.
نواءً: معاداةً.
طِوَلها: الطِوَل: الحبل الذي تربط فيه.
فاستنت: عدت في مكان رعيها وجَرَت.
شرفاً: العالي من الأرض.
الفاذة: المنفردة، والفذ هُوَ الفرد، والمراد: القليلة النظير.
هداية الحديث:
1) العذاب الوارد في الحديث هُوَ مقدمة لعذاب جهنم المتوعد عليه مانع الزكاة.
2) التحذير من كنز المال دون تأدية زكاته، وكل ما لم تُؤدَّ زكاتهُ فهو كنز.
3) المال نعمة من الله تعالىٰ لمن قام بحق الله فيه، وهو عذاب علىٰ صاحبه في الدنيا والآخرة إن حَبَس الحق الواجب عليه.
4) ينال العبد الثواب العظيم علىٰ العمل اليسير؛ بإخلاص النية لله تعالىٰ، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ ابتغاء وجه الله تعالىٰ في أعماله وأقواله وأحواله.
217 ــ باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ إلىٰ قوله: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ﴾ الآية [البقرة 183 – 185].
هداية الآية:
1) صيام رمضان من أصول الإسلام، وخصال التقوىٰ، وتركه من كبائر الذنوب .
2) إظهار فضيلة هذه الأمة، لمّا شرع الله لها من الفرائض مَا تنافس به الأمم السابقة، ليعظم أجرها وقدرها.
3) من أعظم الحِكَم في فرض الصوم حصول التقوىٰ للصائمين، فالله لا يريد أن يعذب العباد بترك مَا يشتهون ويألفون {وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقوَىٰ مِنكُم}.
4) الترغيب في قبول رخصة الشارع في مشروعية إفطار المريض والمسافر، والله تَعَالىٰ يحب أن تُؤتىٰ رخصه كما يحب أن تُؤتىٰ فرائضه.
وأما الأحاديث:
فقد تقدمت في الباب الذي قبله.
1/1215ــ وَعَنْ أَبي هُريرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ _عز وجل_: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلاَ الصِّيَامَ، فَإنَّهُ لي وأنا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يصخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إذا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه». متفقٌ عليه.
وهذا لفظ روايةِ الْبُخَاري.
وفي روايةٍ له: «يَترُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وشَهْوَتَهُ مِنْ أجْلي، الصِّيَامُ لي وَأنا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
وفي روايةٍ لمسلم: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ؛ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلىٰ سَبْعِمِائةِ ضِعْف. قال الله تعالىٰ: إلَّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لي وَأَنا أَجْزي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَان؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ».
غريب الحديث:
جُنة: مَا يستتر به، أي الصوم وقاية وستر من النار.
يرفث: يتكلم الكلام الفاحش.
يصخب: من الصخب وهو: رفع الصوت واللغط فيه.
خلوف: تغير رائحة الفم من أثر الصيام.
هداية الحديث:
1) الصيام من أعظم العبادات إخلاصاً لله تَعَالىٰ، فإنه سرٌّ بين العبد وربِّه، ولذلك اختصه الله تَعَالىٰ من بين سائر الأعمال.
2) اشتمل الصوم علىٰ أنواع الصبر كلها؛ صبر علىٰ طاعة الله، وصبر عَنْ معصية الله، وصبر علىٰ أقدار الله تَعَالىٰ ، فلما اشتمل علىٰ أنواع الصبر كلها كَانَ أجره بغير حساب.
3) المؤمن يفرح بإتمام فريضة من فرائض الله تَعَالىٰ، وبما أحل الله لَهُ من محبوبات النفوس، وهذا هو شأن المؤمن يفرح بالطاعة إذَا أتمها .
4) الحث علىٰ امتثال الوصية النبوية في عدم مقابلة المسيء بالإساءة، بل يكرم الصائمُ نفسَه، ويرفعها عَنْ السبّ والشتم.
فائدة:
هذا الحديث فيه نوعان من أنواع الحديث: ألفاظ قدسية: من كلام الله تَعَالىٰ، وألفاظ نبوية: من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمع فيه وصف الحديث القدسي والحديث النبوي.
2/1216ــ وعنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن أنْفَقَ زوجيْن في سبيلِ اللهِ نُودي من أبواب الجَنَّة: يا عَبْدَ الله، هذا خيرٌ ، فَمَنْ كَانَ من أهل الصَّلاة دُعيَ من باب الصَّلاة، ومن كَانَ من أهلِ الجهادِ دُعيَ من باب الجهَاد، ومَنْ كَانَ من أهْل الصِّيَام دُعيَ من باب الرَّيَّان، ومن كَانَ من أهل الصدَقَة دُعي من باب الصَّدَقة» قَالَ أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنتَ وأُمي يارسول الله! مَا علىٰ مَنْ دُعيَ من تلك الأبواب من ضرورَة، فهلْ يُدعىٰ أحدٌ من تلك الأبواب كلِّهَا؟ قَالَ: «نعم، وأرجُو أن تكونَ منهم». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الإكثار من نوافل العبادات، ليُدعىٰ العبد من أيِّ باب من أبواب الطاعات.
2) فتح أبواب رحمة الله تَعَالىٰ للعباد، حَتَّىٰ يتنافس أهل الإيمان في العبادات.
3) إن باب الريان الذي يَروي الصائمين أحد أبواب الجنة الثمانية.
4) فضيلة خاصة لأبي بكر الصِّدِّيق؛ فقد بشّره رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنه ممن يُدعىٰ من هذه الأبواب كلها، إكراماً لَهُ رضي الله عنه، لأنه حاز أبواب الخير كلها.
3/1217 ــ وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ في الجَنَّة باباً يُقالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يدخل منهُ الصائمونَ يومَ القيامةِ، لا يدخلُ منهْ أحدٌ غيرُهُم، يقال: أينَ الصَّائمون؟ فيقومون لا يدخلُ منهُ أحدٌ غيرهُم، فإذا دَخلُوا أُغلقَ، فلم يدخل منه أحدٌ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) من رحمة الله تعالىٰ وإكرامه للصائمين أن فتح لهم باباً لا يشاركهم فيه غيرهم.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فكما أَخلص الصائمون لله تَعَالىٰ صومهم، أَخلص ربهم لهم ثوابهم.
4/1218ــ وعَنْ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوماً في سَبِيلِ الله إلَّا بَاعَدَ الله بِذلكَ اليَومِ وَجْهَهُ عَنِ النّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) من أعظم الأعمال أجراً، قرْنُ الصيام مع الجهاد في سبيل الله، لأنه يجمع بين الفضيلتين.
2) فضيلة الإخلاص لله تَعَالىٰ في صوم النافلة، لأن العبد لا يصوم في أيام الجهاد إلا لتمام إخلاصه لله تَعَالىٰ.
5/1219ــ عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صامَ رَمَضَانَ إيماناً واحتساباً ، غُفرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) بيان الأجر العظيم في صيام رمضان فهو سبب لغفران الذنوب.
2) إن الإيمان بالله تَعَالىٰ واحتساب الأجر، مع تمام الإخلاص لله سبحانه، من أجلّ الطاعات.
6/1220ــ وعنه رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا جاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنَّة ، وغُلِّقت أبوابُ النَّار، وصُفِّدَت الشَّيَاطينُ». متفق عليه.
غريب الحديث:
صُفِّدت الشَّياطين: قُـيِّدَت وحُبِسَت.
هداية الحديث:
1) من خصائص شهر رمضان أنه تُفتح فيه أبواب الجنة، ترغيباً للعاملين في الإكثار من الطاعات، وتُغلق فيه أبواب النيران لكثرة الطائعين من المؤمنين، وتقييدِ الشياطين عَنْ الشرور.
2) إخبار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأمة بذلك، نصحاً لها، وترغيباً في الخير، وتحذيراً من الشر.
3) وجوب التصديق بخبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الغيبي، لأنه ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ}.
7/1221ــ وعنهُ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «صُوْمُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإن غَبِي عَليكم فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثين». متفقٌ عليه وهذا لفظ البخاري.
وفي روايةِ مسلم: «فَإن غُمَّ عَليكم فَصُوموا ثَلاثِينَ يَوْماً».
غريب الحديث:
غَبِي: بفتح الغين وكسر الباء، بمعنىٰ خفي.
غُم: حال بينكم وبينه غيم فلم تروه.
هداية الحديث:
1) إن وجوب صوم شهر رمضان يكون برؤية هلال الشهر، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، والخروج من الصيام يحصل برؤية هلال شوال، أو إكمال رمضان ثلاثين يوماً. حتىٰ نطرح الشك، ونبني العبادة علىٰ يقين تام أو ظن راجح.
2) إذا خفي هلال رمضان وجب إتمام شهر شعبان ثلاثين يوماً، ولا يجوز صيام يوم الشك قبل رمضان، ومن صامه فقد عصىٰ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
فائـدة:
إن اتباع السنة يكون بإتمام العدة، وليس بصيام يوم الشك. بزعم أنه أحوط وأكمل، بل كل الخير في متابعة هدي النبي المرسل. ولو كان في صوم يوم الشك خيراً لدلَّ الأمة علىٰ ذلك. فالزم تعليمه، هُديت أرشد المسالك.
218 ــ باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير في شهر رمضان والزيادة من ذلك في العشر الأواخر منه
1/1222ــ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ:كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلمأَجْوَدَ النَاسِ، وَكانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ، وَكانَ جِبرِيلُ يَلقَاهُ في كُلِّ لَيلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القرْآنَ. فَلَرَسُولُ الله،صلى الله عليه وسلم، حِينَ يَلقاهُ جِبرِيلُ، أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَة. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الجود: هو بذل المحبوب من مال أو عمل أو جاه.
هداية الحديث:
1) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أجودَ النَّاس بماله وبدنه وعلمه ودعوته ونصيحته.
2) رمضان شهر الجود، والعبد الموفَّق هو من يجود علىٰ إخوانه في شهر رمضان، ويجتهد في ذلك اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) استحباب كثرة مدارسة القرآن، ألفاظه ومعانيه، في شهر القرآن شهر رمضان.
2/1223ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ العَشرُ أحيَا اللَّيْلَ، وأيْقَظَ أهْلَهُ، وَشَدَّ المِئْزرَ». متفق عليه.
غريب الحديث:
المئزر: مَا يلبسه الإنسان علىٰ أسفل جسمه، وشد المئزر، بمعنىٰ: الاستعداد للعمل والجد فيه، وقيل: شد المئزر، معناه: تجنب معاشرة الرجل أهله.
هداية الحديث:
1) من الجود بالنفس أن نحيي العشر الأخير من رمضان في طاعة الله تَعَالىٰ، لأنه جود في حق الله _عز وجل_.
2) حثّ الرجل أهل بيته علىٰ المشاركة في الطاعات، فأين بعض الآباء اليوم من بيوتهم وأهليهم؟
219 ــ باب النهي عَنْ تقدم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادةً لَهُ بأن كَانَ عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه
1/1224ــعَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُم رَمَضَانَ بِصَومِ يَومٍ أَوْ يومَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذلكَ اليَوْمَ». متفق عليه.
2/1225ــ عَنْ ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلاثِينَ يَوماً».
رواه الترمذي: وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
«الغَياية» بالغين المعجمة وبالياءِ المثناةِ من تحتُ المكررةِ، وهِيَ: السَّحَابَةُ.
3/1226ــ وعن أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا بقيَ نصفٌ من شَعْبَانَ فلا تَصُومُوا». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الأحاديث:
1) النهي الأكيد عن تقدم رمضان بالصوم، كأن يفعل العبد ذلك علىٰ وجه الاحتياط. ويقول: أصوم قبل رمضان يوماً أو يومين احتياطاً، والصواب: موافقة الهدي النبوي في الصيام عند رؤية الهلال.
2) الصيام الشرعي هو بتحقق دخول رمضان برؤية الهلال، لا بالتقدم عليه بالصيام.
3) مراعاة الشارع أحوال العباد، ورفع الحرج عنهم، فنهىٰ عَنْ تقدّم رمضان بالصوم، ليدخل العبدُ شهرَ رمضان بقوة ونشاط.
4/1227ــ وَعَنْ أبي اليَقظانِ عمارِ بنِ يَاسِرٍ رضي الله عنهما قالَ: «مَنْ صامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَىٰ أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم»، رواه أبو داود، والترمذي وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
هداية الحديث:
1) تحريم صيام يوم الشك، وهو اليوم الذي يكون قبل تأكد دخول رمضان، لورود النهي عن ذلك.
2) إن مخالفة السنة النبوية وارتكاب مَا نهىٰ عَنْهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سبب للضلال والتفرق، ولو ظن العابدُ أن في عبادته خيراً، «فكم من مريد للخير لن يصيبه».
فائـدة:
الصيام قبل رمضان ثلاثة أقسام:
أولاً: بعد النصف من شعبان إلىٰ الثامن والعشرين منه؛ مكروه، إلا لمن له عادة بالصوم.
ثانياً: قبل رمضان بيوم أو يومين؛ محرَّم، إلا لمن لَهُ عادة الصيام.
ثالثاً: يوم الشك لا يصام مطلقاً حَتَّىٰ التطوع، لأن العبادة لا تبنىٰ إلا علىٰ يقين، ولأنه يخشىٰ إذا صام أن يُلبّس علىٰ النَّاس، فيظنوه من صيام رمضان.
220 ــ باب مَا يقال عند رؤية الهلال
1/1228ــ عنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا رَأَىٰ الهِلالَ قالَ: «اللّهم أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ والإيمَانِ، وَالسَّلامَةِ والإسْلامِ، رَبِّــي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالُ رُشْدٍ وَخَيْرٍ» رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسَنٌ.
هداية الحديث:
1) استحباب قول هذا الدعاء عند رؤية الهلال من كل شهر.
2) إنَّ لزوم الدعاء النبوي بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، يجمع للعبد حصول كل مرغوب، والنجاة من كل مرهوب.
3) اعتزاز العبد بالربوبية والعبودية لله تَعَالىٰ، فهو سبحانه ربُّ كل شيء ومليكه، وهو المستحق لأن يُعبَد ويُعظَّم، فلا تُعبَد الكواكب ولا الأحجار، لأنهم مربوبون لا أرباباً.
221 ــ باب فضل السحور وتأخيره مَا لَمْ يخش طلوع الفجر
1/1229 ــ عَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا ، فإنَّ في السُّحُور بركةً». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إنَّ في السحور بركة، أعظمها: امتثال أمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وامتثال أمره صلى الله عليه وسلم كله خير، ومن بركته: قوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بغداء السُّحور؛ فإنه هو الغداء المبارك» رواه أحمد، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ وملائكتَه يصلُّون علىٰ المُتسحِّرين» رواه ابن حبان في صحيحه. ومن بركته: مخالفة صيام أهل الكتاب، فمخالفتهم من أعظم مقصود الشريعة.
2) أكلة السحور معونة للعبد علىٰ العبادة والطاعة خلال النهار.
2/1230 ــ وعن زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه قال: تَسَحَّرْنا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنا إلىٰ الصّلاةِ. قِيل:كَمْ كان بَيْنَهُمَا؟ قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) من السنة تأخير السحور تأخيراً بالغاً إلىٰ قُبيل وقت الفجر.
2) الحث علىٰ تقديم صلاة الفجر، وعدم التأخر بإقامتها متىٰ مَا تبين الفجر.
3/1231ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مُؤَذِّنان: بلالٌ، وابنُ أمِّ مكْتُوم. فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ، فكُلُوا واشربوا حَتَّىٰ يُؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتُوم» قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ هذا وَيَرْقَىٰ هذا، متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الأذان الأول لا يمنعُ العبدَ من تناول طعام السحور، بل العبرة بالأذان الثاني، وهو أذان الفجر.
2) مقدار ما بين الأذانَيْن بقدر مَا يتسع للأكل والشرب، فرواية «ينزل هذا ويرقىٰ هذا..» المراد منها: تقارب الوقت بين نزول الأول، وصعود الثاني، وأن بينهما وقت يسير.
تنبيـه:
شاع في بعض البلاد ــ مثل بلادنا الشامية ــ تسمية الأذان الأول: (أذان الإمساك)، وهي تسمية خاطئة، سببت إمساك بعض الناس عن الطعام والشراب بمجرد سماعهم للأذان الأول، وهذا خلاف السنة النبوية في استحباب تأخير السحور جدّاً إلىٰ دخول أذان الفجر. وفيه ترك للرخصة والمنة الإلهية لعباده: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ﴾ فالحكمة من الأذان الأول حتى يُوقظ النائم، ويُرجع القائم، والله أعلم.
4/1232 ــ وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فصلُ مَا بين صيامِنا وصِيامِ أهلِ الكتابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إنَّ حصول الفرقان بين أهل الإيمان وأهل الكفران من اليهود والنصارىٰ، أمر مطلوب في الشرع.
2) السحور بركة، ومن بركته: أن يفرق بين صيام المسلمين وصيام غير المسلمين.
222 ــ باب فضل تعجيل الفطر وما يفطر عليه، وما يقوله بعد إفطاره
1/1233ــ عَنْ سهل بن سعد رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يزالُ النَّاسُ بخيرٍ مَا عَجَّلُوا الفطرَ». متفق عليه.
2/1234ــ وَعَنْ أَبي عَطِيَّةَ قَالَ: دخَلتُ أنا ومسْرُوقٌ علىٰ عائشَةَ رضي الله عنها، فَقَالَ لَها مَسْرُوق: رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، كِلاهُمَا لا يَأْلُو عَنِ الخَيْرِ: أَحَدُهُمَا يعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ، والآخَرُ يُؤَخِّرُ المغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ قالَ: عَبْدُ الله ــ يَعني ابنَ مَسْعودٍ ــ فَقَالَتْ: هكَذَا كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ. رواه مسلم.
قوله: «لا يَأْلُو» أَيْ لا يقَصِّرُ في الخَيْرِ.
3/1235ــ عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ _عز وجل_: «أحبُّ عبادِي إليَّ أعجلُهُم فطراً». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ[2]. [2] الحديث إسناد ضعيف.
هداية الأحاديث:
1) تعجيل الفطر علامة الخيرية في الأمة، وهو من الخصال التي يحبها الله تَعَالىٰ من العبد ويرضاها.
2) السنة القولية والفعلية في هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تحث علىٰ تعجيل الفطر، والموفَّق من عباد الله من لزم طريق السنة النبوية.
4/1236ــ وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَهَارُ مِنْ هاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائمُ». متفقٌ عليه.
5/1237ــ وَعَنْ أَبي إبراهيمَ عبدِ الله بنِ أبي أَوْفىٰ رضي الله عنهما قالَ: سِرْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قالَ لِبَعْضِ الْقَوْم: «يا فُلانُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنا» قَال: يا رَسُولَ الله لَوْ أَمْسَيْتَ، قالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قال: إِنَّ عَليْكَ نهاراً، قال: «انْزِلُ فاجْدَحْ لنا»، قَال: فَنَزَل فَجَدَحَ لهم، فشَربَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُم قال: «إِذا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِن هاهنا، فقد أفْطَرَ الصَّائمُ» وأَشارَ بيَدهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. متفقٌ عليهِ.
قوله: «اجْدَحْ» بجيم ثُمَّ دالٍ ثُمَّ حَاءِ مهملتين؛ أي: اخْلِطِ السَّوِيقَ بالمَاءِ.
هداية الأحاديث:
1) استحباب تعجيل الفطر عند إقبال الليل، وغروب الشمس، ولو بقي من أثر ضوئها.
2) لا بد من طاعة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره، ولو لَمْ يدرك العقل الحكمة من الأمر، فمن علامة توفيق الله تعالىٰ لعبده التسليم التام للنصوص الشرعية.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء 65] .
6/1238ــ وعن سلمانَ بنِ عامرٍ الضَّبِّيِّ الصَّحَابي رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أفْطَرَ أحَدُكُم فَلْيُفْطرْ علىٰ تَمْرٍ، فإنْ لَمْ يجدْ فلْيُفْطرْ علىٰ ماءٍ، فإنَّهُ طَهُورٌ».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
7/1239ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قالَ: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلىٰ رُطَبَاتٍ، فَإنْ لَمْ تكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْراتٌ، فَإنْ لَمْ تكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ». رَوَاه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسنٌ.
غريب الحديث:
حسوات: وهي جمع حسْوة: المرة الواحدة من الشرب.
هداية الأحاديث:
1) الأفضل أن يفطر الصائم علىٰ رطب، فإن لَمْ يجد فتمر، فإن لَمْ يجد فماء. وهذا فيه امتثال للهدي النبوي، وحفظ للصحة، لأن الشيء الحلو يتقبّله الجسم مباشرة بعد طول إمساك عن الطعام.
2) من لَمْ يجد مَا يفطر عليه فإنه ينوي في قلبه الفطر، حَتَّىٰ يتيسر لَهُ مَا يَطعمه.
تنبيـه:
تقدم عند الحديث (332) الإشارة إلىٰ ضعف حديث سلمان بن عامر المذكور هنا، وأنه لا يثبت من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إنما رواه الترمذي من فعله صلى الله عليه وسلم أنه «كان يفطر قبل أن يصلي علىٰ رطبات، فإن لم تكن رطبات فتُميرات، فإن لم يكن تُميرات حسا حسوات من ماء».
223 ــ باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه عَنْ المخالفات والمشاتمة ونحوها
1/1240ــ عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُم، فلا يرفُثْ ولا يَصخَبْ، فإن سابَّهُ أحدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صائمٌ». متفق عليه.
غريب الحديث:
يرفث: الرفث: الكلام الفاحش.
يصخب: الصخب: الخصام والصياح.
هداية الحديث:
1) الصيام عبادة إيمانية تربوية، يمر بالعبد شهر كامل وهو محافظ علىٰ الطاعة، تارك للمعصية، وهذا مما يهذّب النفوس ويربّيها.
2) تعليمُ النَّاسِ الوقوفَ عند حدود الشرع، فلا يتعداها العبدُ لسفهِ الجاهلين.
3) جواز إعلام النَّاس بالطاعة إذَا ترتب علىٰ ذلك جلب مصلحة، أو دفع مفسدة.
4) المؤمن لا يقابل الإساءة بالإساءة؛ لكمال عزته بين النَّاس، وكمال ذله لله تَعَالىٰ، فعدم الإساءة هو ذلٌ لعبودية الله تَعَالىٰ، وليس ضعفاً ومهانة.
2/1241ــ وعنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
قول الزور: قول المحرم.
هداية الحديث:
1) الحكمة العظيمة من الصيام حصول ثمرته وفائدته بالتقوىٰ، وليس مجرد صورة الصوم الظاهرة بالجوع والعطش.
2) من لَمْ تتطهر نفسه بالطاعة فَلْيتّهمِ العمل الذي يعمله، لأن الطاعة المقبولة لها أثر في حياة العبد.
224 ــ باب في مسائل من الصوم
1/1242ــ عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذا نَسِيَ أَحَدُكمْ فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) فعل الناسي لا يؤاخَذ عليه، ولا يترتب عليه فساد العبادة، لأنه لَمْ يتعمد ذلك.
2) رحمة الله تَعَالىٰ بعباده، فلَمْ يحمّلهم مَا لا طاقة لهم به.
فائدة:
من حق الناسي علىٰ أخيه الذاكر أن ينبّهه ، فلو رأيت صائماً يأكل وجب عليك أن تذكّره، ولهذا قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «وإذا نسيتُ فذكّروني».
كما لو رأيت إنساناً يصلِّي منحرفاً عَنْ القبلة وجب عليك أن تخبره.
2/1243ــ وعن لقيطِ بنِ صبرةَ رضي الله عنه قَالَ: قلتُ: يارسولَ الله، أخبرني عَنِ الوُضُوء؟ قَالَ: «أَسْبغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تكُونَ صَائماً». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
أسبغ: الإسباغ بمعنىٰ الإتمام، يعني توضأ وضوءاً كاملاً.
خلّل: التخليل: إدخال الماء بين الأصابع، لاسيما أصابع الرجلين.
هداية الحديث:
1) المبالغة في الاستنشاق سُنة إلا في حالة الصوم، لأنه يُخشىٰ علىٰ الصائم من دخول الماء في جوفه.
2) إن وصول الماء إلىٰ الجوف عَنْ طريق الأنف كوصوله عَنْ طريق الفم، كلاهما يفطر الصائم.
3/1244 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يدركُهُ الفَجْرُ وهُوَ جُنُبٌ من أهْلِهِ، ثُمَّ يغْتَسلُ ويصُومُ. متفق عليه.
4/1245ــ وعن عائشةَ وأمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما قالتا: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، يُصبحُ جُنُباً من غيرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ. متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) يجوز للجنب أن يبدأ الصوم، وإن لَمْ يغتسل إلا بعد طلوع الفجر.
2) الأصل في أفعال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنها حجة، وهي تشريع للأمة، ولا يقال: إنها خصوصية لَهُ إلا إذا دلت الأدلة علىٰ ذلك.
3) فضيلة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ حين نَقَلْن بصدق وأمانة مَا يجري في بيوتهن، مما يتعلق به أحكام شرعية للأمة.
225 ــ باب فضل صوم المحرَّم وشعبان والأشهر الحرم
1/1246ــ عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الصِّيَامِ بعدَ رَمَضَانَ: شهرُ الله المحَرَّمُ، وأفْضلُ الصَّلاة ِبعدَ الفَريضَةِ: صلاةُ اللَّيل». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضل صيام النافلة في شهر الله المحرم، وخاصة يوم العاشر منه، لورود فضيلة خاصة بصيامه.
2) تتفاضل العبادات، ويضاعف ثوابها بحسب زمانها، فَلْيحرصِ العبد علىٰ اغتنام الأزمنة الفاضلة للطاعات.
2/1247 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لَمْ يكُن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصومُ من شهر أكثرَ من شعبانَ، فإنَّهُ كَانَ يصومُ شعبَانَ كلَّه. وفي رواية: كَانَ يصومُ شعبَانَ إلا قليلاً. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الإكثار من صيام شهر شعبان سُنَّة، لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يصوم أكثره.
2) الحكمة في صيام أكثر شعبان أن يكون مقدمة بين يدي رمضان، كالرواتب بين يدي الفريضة.
3/1248ــ وعن مجيبةَ الباهليَّةِ عَنْ أبيها، أو عمِّها، أنَّه أتىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ انطلقَ فأتاهُ بعد سَنة، وقد تغيَّرت حالُه وَهَيئتُهُ، فقال: يارسولَ الله أَمَا تعرفُني؟ قَالَ: «ومن أنْتَ؟» قَالَ: أنا الباهليُّ الذي جئتُكَ عام الأوَّل، قَالَ: «فَمَا غيَّرك، وقد كنتَ حَسَنَ الهَيئة؟» قَالَ: مَا أكلتُ طعاماً منذُ فارقْتُكَ إلَّا بِليل، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَذَّبتَ نفسَكَ!» ثُمَّ قَالَ: «صُمْ شهرَ الصَّبْر، ويوماً مِن كلِّ شَهرٍ» قَالَ: زدْني ، فإنَّ بي قوَّةً، قَالَ: «صُمْ يَوْمين» قَالَ: زدْني، قَالَ: «صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ» قَالَ: زدْني ، قَالَ: «صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ» وقال بأصابعِهِ الثلاثِ فَضَمَّهَا، ثُمَّ أرْسلَها. رواه أبو داود. وشهر الصبر: رمضان.
هداية الحديث:
1) ليس من الشرع المنزل أن يكلف العبدُ نفسَه مَا لا يطيق، وأن يعذب نفسه بالأعمال الشاقة التي لَمْ يأمر الشرع بها. ومن غامر بنفسه فإنما يتكلف الشرع المبدل!
2) أحب الأعمال إلىٰ الله تعالىٰ أدومُها وإنْ قَلَّ.
تنبيه:
هذا الحديث ضعيف بهذا اللفظ، لكنه يصح برواية وردت من حديث كهمس الهلالي قال: أسلمتُ، فأتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بإسلامي، فمكثْتُ حولاً وقد ضَمرْتُ ونحلَ جسمي ثم أتيْتُه، فخفضَ فيَّ البَصَرَ ثم رفعَهُ، قلت: أمّا تعرفني؟ قال: «ومَن أنت؟» قلت: أنا كهمسُ الهلاليُّ، قال: «فما بلغ بكَ ما أرىٰ؟» قلت: ما أفطرْتُ بعدَك نهاراً، ولا نمتُ ليلاً. فقال صلى الله عليه وسلم:
«ومن أمركَ أنْ تعذِّبَ نفسَكَ؟ صُم شهرَ الصَّبرِ، ومِن كلِّ شهرٍ يوماً» قلتُ: زدني. قال: «صُم شهرَ الصبر، ومن كل شهرٍ يومين». قلت: زدْني أجدُ قوة. قال: «صُم شهرَ الصبر، ومن كل شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ». رواه الطيالسي في مسنده والطبراني في المعجم الكبير.
فائدة نفيسة:
قال الحافظ الذهبي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (سير أعلام النبلاء):
«وكل من لم يَزُمَّ نفسَه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سُنّة نبيِّه، الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص علىٰ نفعهم، وما زال صلى الله عليه وسلم معلِّماً للأمة أفضل الأعمال، وآمراً بهجر التبتُّل والرهبانية التي لم يُبعث بها، فنهىٰ عن سرد الصوم، ونهىٰ عن الوِصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهىٰ عن العزبة للمستطيع، ونهىٰ عن ترك اللحم، إلىٰ غير ذلك من الأوامر والنواهي.
فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية المتجاوز لها مفضول مغرور. وأحب الأعمال إلىٰ الله تعالىٰ أدومها وإن قل.
ألهمَنَا اللهُ وإياكم حُسن المتابعة، وجنّبنا الهوىٰ والمخالفة».
226 ــ باب فضل الصوم وغيره في العشر الأول من ذي الحجَّة
1/1249ــ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا من أَيَّامٍ العَمَلُ الصّالح فِيها أَحَبُّ إلىٰ الله مِنْ هذِهِ الأَيَّام» يعني: أَيامَ العشرِ، قالوا: يا رسولَ الله، وَلا الجهادُ في سبِيلِ الله؟ قالَ: «وَلا الجِهَادُ في سَبِيلِ الله، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَم يَرجعْ مِنْ ذلِكَ بشَيْءٍ». رواه البخاريُّ.
هداية الحديث:
1) فضيلة العمل الصالح في أيام العشر الأُول من شهر ذي الحجة.
2) الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، فَلْيَسعَ العبد أن يكون في رتبة من رتب المجاهدين.
227 ــ باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء
1/1250ــ عَنْ أبي قَتَادةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ صوم يَوْم عرفةَ؟ قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضيةَ والباقيةَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
السنة الماضية: السنة التي مضت قبل يوم عرفة، لأنه واقع في آخر شهر من العام.
السنة الباقية: السنة التي بعده.
هداية الحديث:
1) فضيلة صوم يوم عرفة لغير الحاج، لأنه يكفر ذنوب سنتَيْن.
2) سعة فضل الله ورحمته بهذه الأمة، إذ رتّب الثواب الكثير علىٰ العمل اليسير.
2/1251 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَامَ يَومَ عاشُوراءَ، وأمَرَ بصيَامِهِ. متفق عليه.
3/1252 ــ وعن أبي قتادَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئل عَنْ صيام يَوْم عاشوراء؟ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضيةَ». رواه مسلم.
4/1253 ــ وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيتُ إلىٰ قابلٍ لأصومَنَّ التَّاسعَ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) يوم عاشواء هو العاشر من المحرم، ويُستحب صيامه شكراً لله تَعَالىٰ، لأن فيه نجّىٰ الله موسىٰ وقومه، وأغرق فرعون وقومه.
2) استحباب صيام يوم عاشوراء، فهو يكفر ذنوب السنة الماضية.
فائدة:
السنة في صيام يوم عاشوراء أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده، وذلك مخالفة لليهود.
228 ــ باب استحباب صوم ستة أيام من شوال
1/1254ــ عَنْ أبي أيّوبَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أتبَعَهُ ستاً من شوالٍ، كَانَ كصيَامِ الدَّهْرِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الحسنة بعشر أمثالها؛ فصيام رمضان يعدل عشرة أشهر، والسُتُّ من شوال تعدل ستين يوماً، وهي شهران، فيكون ذلك كصيام السنة كلها.
2) الأجر الموعود في الحديث لمن صام رمضان كاملاً، ثُمَّ أتبعه بست من شوال، ولو متفرقة.
فائدة:
قال بعض العلماء: لا تُصام الست من شوال قبل قضاء دَين رمضان لمن أفطر بعذر؛ لأن الأجر مرتّب علىٰ من صام رمضان كاملاً ، ثم أتبعه ستاً من شوال.
وقال آخرون: يجوز مباشرة صيام الست ولو لم يقضِ ما أفطره من رمضان، لقول عائشة رضي الله عنها: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان». قال يحيىٰ ــ أحد الرواة ــ الشغل من النبي صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري.
قالوا: وهذا فعلته عائشة رضي الله عنها بمرأىٰ النبي صلى الله عليه وسلم، ويستبعد من أم المؤمنين ــ وهي العالمة العاملة ــ ألا تصوم الست من شوال.
ثم إن تأخير قضاء صوم رمضان من يُسر الشريعة. والله أعلم.
229 ــ باب استحباب صوم الاثنين والخميس
1/1255ــ عَنْ أبي قتادةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئلَ عَنْ صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومٌ بُعثْتُ ، أو أُنزلَ عليَّ فيه». رواه مسلم.
2/1256ــ وعن أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُعْرَضُ الأعْمَالُ يَوْمَ الاثنَيْنِ والخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَملي وَأنا صَائِمٌ». رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ، ورواهُ مسلمٌ بغير ذكر الصَّوْم.
3/1257ــ وَعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّىٰ صَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ. رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الأحاديث:
1) إظهار فضل يوم الاثنين لمناسبات عظيمة: ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنزال الوحي عليه، وكونه يوماً تُعرَض فيه الأعمال علىٰ الله تعالىٰ.
2) تحرّي يومَي الاثنين والخميس بالصيام، لأن الأعمال تعرض علىٰ الله تَعَالىٰ في هذين اليومين.
3) الترغيب في متابعة المقام العظيم الذي كَانَ عليه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتحرّىٰ مرضاة الله تَعَالىٰ في الصيام.
تنبيـه:
الأيام الفاضلة يُتعبد فيها وفق المشروع من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، الذي هو خير الهدي، ولا يجوز مباشرة عبادات في هذه الأيام لم يشرعها الله تعالىٰ ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ، فاحرصْ ياأخي علىٰ لزوم السنة النبوية، واهجرِ المحدَثات الرديّة.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، كل بدعة ضلالة». رواه الطبراني في (معجمه الكبير).
230 ــ باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر
وَالأَفضلُ صوُمُها في الأيامِ البِيضِ، وهِيَ: الثالِثَ عشَرَ، والرابعَ عَشَرَ، والخامِسَ عشَرَ. وقِيلَ: الثاني عشرَ، والثالِثَ عشَرَ، والرابعَ عَشَرَ والصحيحُ المَشهُورُ هوَ الأَوَّلُ.
1/1258ــ وعن أبي هُريرةَ، رضي الله عنه قالَ: «أَوْصاني خَلِيلي صلى الله عليه وسلم بِثلاثٍ:صيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِن كلِّ شَهرٍ، وَرَكعَتَي الضُّحىٰ، وَأَن أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أنامَ». مُتفقٌ عليهِ.
2/1259ــ وعن أبي الدّرداءِ رضي الله عنه قَالَ: أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ لن أدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ؛ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وصَلاةِ الضُّحىٰ ، وبأن لا أنامَ حَتَّىٰ أوترَ. رواه مسلم.
3/1260ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «صومُ ثلاثةِ أيَّامٍ من كُلِّ شهرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّه». متفق عليه.
4/1261ــ وعن معاذةَ العدويّةِ أنَّها سألتْ عائشةَ رضي الله عنها: أكانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يصومُ من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؟ قالت: نعمْ، فقلتُ: من أيِّ الشَّهر كَانَ يصومُ؟ قالتْ: لَمْ يكُنْ يُبالي مِن أيِّ الشَّهرِ يَصُومُ. رواه مسلم.
5/1262ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا صُمْتَ من الشَّهْر ثلاثاً فَصُمْ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ ، وخمْسَ عشرةَ». رواه الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسن.
6/1263ــ وعنْ قتادَةَ بنِ مِلحَانَ رضي الله عنه قالَ: كانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يأْمُرُنَا بِصِيَامِ أَيَّامِ البيضِ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رواهُ أبو داودَ.
7/1264ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يفطرُ أيَّامَ البيضِ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ». رواه النسائي بإسناد حسن.
هداية الأحاديث:
1) صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر كله، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها.
2) صيام أوسط الشهر ــ ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ــ أفضل مَا يكون في الصوم، لأنه هدي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الغالب.
3) فضيلة صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في محافظتهم علىٰ وصايا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتهم.
231 ــ باب فضل من فَطَّرَ صائماً وفضل الصائم الذي يُؤكَل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده
1/1265ــ عنْ زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائماً كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شيءٌ».
رواهُ الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) الحرص علىٰ إفطار الصائمين للأجر العظيم في ذلك، لاسيما مع حاجة الصائمين وفقرهم.
2) سعة رحمة الله بعباده، لمّا كتب الأجر كاملاً لمن شارك في باب من أبواب الخير.
2/1266ــ وعَنْ أُمّ عُمَارَةَ الأنْصارِيَّةِ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْها، فَقَدَّمَتْ إلَيْهِ طَعَاماً، فَقَالَ: «كُلِي» فَقَالَتْ: إنِّي صَائِمَةٌ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الصَّائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلائِكَةُ إذا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّىٰ يَفْرُغُوا» وَرُبَّما قالَ: «حَتَّىٰ يَشْبَعُوا». رواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ[3]. [3] الحديث إسناده ضعيف.
3/1267 ــ وروىٰ أنسٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إلىٰ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ».
رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة تقديم الطعام للصائم عند فطره، فذلك سببٌ لصلاة الملائكة علىٰ من يطعم الطعام.
2) استحباب الدعاء لمن أفطر عنده الصائمون، وبيان مَا يقول الطاعم في دعائه لمن أطعمه.
3) رعاية الشريعة لجانب الآداب، ومكافأة المحسنين، حتىٰ تنشط النفوس علىٰ الخير. فانظر إلىٰ هذا الأدب الرفيع في الدعاء لمن فطّر صائماً!
تنبيــه:
حديث أم عمارة الأنصارية ضعيف، ويُغني في معناه الحديث الصحيح الذي رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: «الصائم إذا أُكل عنده صلَّت عليه الملائكة» وهذا الحديث في حكم المرفوع إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، لأن مثل ذلك لا يقوله صحابي بمجرد الرأي، ويشهد لذلك حديث دعاء الضيف: «أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة».
كتاب الاعتكاف
232 ــ باب فضل الاعتكاف
1/1268ــ عَنْ ابن عمرَ رضي الله عنهما قَالَ: كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، يعتَكفُ العَشْرَ الأواخرَ من رَمَضَانَ. متفق عليه.
2/1269ــ وعنْ عائشةَ، رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يعْتكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّىٰ تَوَفَّاهُ اللهُ تعالىٰ، ثُمَّ اعْتكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. متفقٌ عَليهِ.
3/1270ــ عَنْ أبي هُريرةَ، رضي الله عنه قالَ: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْتكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامِ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً. رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) إنَّ الاعتكاف في رمضان بلزوم طاعة الله تَعَالىٰ، والتفرغ للعبادة، سُنّة عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
2) الترغيب في تحرّي ليلة القدر في العشر الأواخر زمن الاعتكاف، لما فيها من الفضيلة الخاصة، والموفَّق من اغتنمَ الأزمنة الفاضلة في الطاعات.
3) من حكمة عبادة الاعتكاف أن يتفرغ القلب والبدن، للعبادة بعيداً عن الشواغل التي تقطع العبد عن مولاه.
تنبيــه:
ما يذكره بعض الناس ويعلقونه في المساجد من قولهم: «نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه»؛ هذا قول لَمْ يشرعه صلى الله عليه وسلم لأمته بقوله ولا بفعله؛ فلم يقل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «إذَا دخلتم المسجد فانووا الاعتكاف في أي وقت» وإنما يشرع الاعتكاف يوم أو ليلة وما زاد، والأفضل قرن الاعتكاف مع الصيام. وأما هذه النيّة المطلقة فليس من الهدي المشروع.
كتاب الحج
233 ــ باب وجوب الحج وفضله
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران 97].
فائدة:
هذه الآية نزلت في العام التاسع من الهجرة، وهو عام الوفود، وفيه فُرِض الحج علىٰ الناس جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، لكن الكافر نخاطبه بالإسلام أولاً، ثُمَّ بالحج، وشرط وجوب الحج استطاعة الوصول إلىٰ البيت، وهذا يختلف بحسب الزمان والمكان.
1/1271ــ وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بُنِيَ الإسْلامُ علىٰ خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلهَ إلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفقٌ عليهِ.
2/1272ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه قالَ: خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسولَ الله؟ فَسَكَتَ، حَتَّىٰ قَالَها ثَلاثاً. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ». ثُمَّ قالَ: «ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلىٰ أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا أَمَرْتكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإذَا نَهَيْتكُم عَن شَيءٍ فَدَعُوهُ». رواه مسلمٌ.
هداية الأحاديث:
2) الحج لا يجب في العمر إلَّا مرة واحدة، وهذا من رحمة الله تَعَالىٰ بعباده، فقد أمرهم بما يطيقون، كل ذلك لرفع الحرج والمشقة علىٰ العباد ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾.
3) إن كثرة المسائل والاختلاف سبب من أسباب الهلاك.
4) يجب علىٰ العبد أن يفعل ما استطاع من الأوامر الشرعية، أما المناهي الشرعية فيجب تركها كلياً، ولا يجوز التساهل فيها.
3/1273ــ وعنه قَالَ: سُئل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، أيُّ العَمَل أفضلُ؟ قَالَ: «إيمانٌ بالله ورسوله» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: «الجهادُ في سبيل الله» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: «حجٌّ مبْرُورٌ». متفق عليه.
«المَبْرُورُ»: هُوَ الَّذِي لا يَرتكِبُ صَاحِبُهُ فِيهِ مَعْصِيَةً.
هداية الحديث:
1) تفاضل الأعمال والطاعات بحسب قدرة العامل، فكلٌّ يخاطَب بما يليق بحاله.
2) الحج المبرور هو الَّذي يكون الحاج مخلصاً لله تَعَالىٰ فيه، متبعاً لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صفة الحج، مجتنباً الرفث والفسوق والجدال، فهذا الحج من أفضل الأعمال عند الله تَعَالىٰ.
4/1274ــ وعنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ حجَّ فلم يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أمُّهُ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الحج سبب لغفران الذنوب جميعاً.
2) رحمة الله تَعَالىٰ بعباده، فقد شرع لهم من الطاعات ما تغفر معها الذنوب والخطيئات.
5/1275ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «العُمرةُ إلىٰ العُمْرةِ كفَّارةٌ لما بينَهُمَا، والحَجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةَ». متفق عليه.
6/1276ــ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: قلْتُ: يارسولَ الله، نَرَىٰ الجهادَ أفضلَ العَمَلِ، أفلا نُجَاهدُ؟ فقالَ: «لَكُنَّ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ». رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) الحج نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، لمن فاته شرف الجهاد بعذر.
2) تعظيم أجر الحج لما أتىٰ به علىٰ صفته الشرعية ظاهراً وباطناً.
3) الخطاب بقوله: «لكُنَّ أفضل الجهاد..» موجه إلىٰ جماعة النساء، فالحج هو جهاد النساء من غير قتال.
7/1277 ــ وعنها: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضيلة يوم عرفة، لكثرة العتقاء فيه من النار.
2) رحمة الله تَعَالىٰ بالمؤمنين، إذ خصَّ هذه الأمة بمواسم الخير والمغفرة.
8/1278 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «عُمرَةٌ في رَمَضَانَ تَعدِلُ حَجَّةً» وفي لفظ: «أوْ حَجَّةً مَعي». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب والجزاء، وليس في إسقاط الفرض والإجزاء.
2) ثواب العمل يزيد بفضيلة الوقت، فالعمرة عَظُم أجرها لـمّا وقعت في رمضان.
9/1279ــ وعنه أَنَّ امْرَأَةً قالَتْ: يَا رسُولَ الله، إنَّ فَريضَةَ الله عَلىٰ عِبَادِهِ في الحَجِّ أَدْرَكتْ أَبي شَيخاً كَبِيراً، لا يَثبتُ عَلىٰ الرَاحِلَةِ، أَفأَحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: «نَعَم». متفقٌ عليهِ.
10/1280 ــ وعن لقيط بن عامر رضي الله عنه أنَّه أتىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ الحجَّ ولا العمرةَ ولا الظَّعَنَ؟ قَالَ: «حجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ».
رواهُ أبو داود، والترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
الظعن: الارتحال والسير.
هداية الأحاديث:
1) الإنسان إذَا عجز عَنِ الحج عجزاً لا يُرجىٰ زواله، كمرض دائم أوْ كِبَر سِنّ، فإنه يُحَجّ عَنْهُ حجة بدل.
2) يجوز للمرأة أن تحج عَنِ الرجل، وللرجل أن يحج عَنِ المرأة.
11/1281ــ وعَنِ السّائِبِ بنِ يزيدَ، رضي الله عنه قالَ: حُجَّ بي مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في حَجةِ الوَدَاعِ، وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِينَ. رواه البخاريُّ.
12/1282 ــ وَعَنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ ؟» قَالُوا: المُسْلِمُونَ. قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَال: «رسولُ الله»، فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً فَقَالَتْ: أَلِهذا حَجٌّ ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلكِ أَجْرٌ» رواهُ مُسلم.
غريب الحديث:
الروحاء: موضع بين مكة والمدينة.
هداية الأحاديث:
1) صحة حج الصبيان، ولو كان الصبي صغيراً دون التمييز.
2) للصبي أجر حجِّه، ولوليه مثل أجره، لأنه سبب في حج الصغير، فالدالُّ علىٰ الخير كفاعله.
فائدة:
الصبي في الحج يفعل ما يفعله الكبير، وإن عجز عَنْ شيءٍ لصغر سنه، كالرضيع مثلاً، فله أحوال:
1) إن كان مما تدخله النيابة مثل رمي الجمرات، فإن الكبير ينوب عَنْهُ في ذلك.
2) وإن كان مما لا تدخله النيابة ويستطيع الصغير فعله، كالطواف والسعي، فإنه يحمل فيها.
13/1283 ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حجَّ علىٰ رحْلٍ، وكانت زاملتَهُ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
الزاملة: البعير الَّذي يُحمل عليه الطعام والمتاع.
هداية الحديث:
1) بيان ضيق العيش، وقلة الحال، الَّذي كان عليه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان الزاد والمتاع محمولاً علىٰ الراحلة، ومع ذلك كان أوسع الناس صدراً، وأعظمهم صبراً صلى الله عليه وسلم، فالسعيد من اقتدىٰ به وتخلّق بأخلاقه وشمائله.
2) جواز التنقل في مشاعر الحج راكباً، ولا يُنقص ذلك الأجر.
14/1284ــ وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ عُكاظُ ومَجِنَّة وَذو المَجَازِ أَسْوَاقاً في الجَاهِلِيَّةِ، فَتَأثَّمُوا أن يَتَّجِرُوا في المَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ﴾ [البقرة 198] في مَوَاسِمِ الحَجِّ. رواه البخاريُّ.
غريب الحديث:
تأثموا: تحرَّجوا وخافوا من الوقوع في الإثم.
هداية الحديث:
1) التجارة في الحج من المنافع التي لا حرج علىٰ الحاج في فعلها، مع كون مقصوده الأول هو أداء الحج.
2) فضيلة صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في تورّعهم عن فعل الشيء، ولو فيه منفعة، حَتَّىٰ يعلموا حكم الله تَعَالىٰ فيه.
كتاب الجهاد
234 ــ باب فضل الجهاد
قال الله تعالىٰ: {وَقَٰتِلُواْ ٱلمُشرِكِينَ كَآفَّة كَمَا يُقَٰتِلُونَكُم كَآفَّة وَٱعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلمُتَّقِينَ} [التوبة 36]، وقال تعالىٰ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 216]، وقال تعالىٰ: {ٱنفِرُواْ خِفَافا وَثِقَالا وَجَٰهِدُواْ بِأَموَٰلِكُم وَأَنفُسِكُم فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة41]، وقال تعالىٰ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة 111]، وقال الله تعالىٰ: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا * دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا} [النساء 95_96]، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ * تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ * يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ * وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الصف 10_13]، والآياتُ في الباب كثيرةٌ مَشْهُورةٌ.
هداية الآيات:
1) إغراء المؤمنين بقتال عامة الكافرين، لإعلاء كلمة الله، وإذلال الكفر وأهله.
2) الجهاد، وإن كان من مكروهات النفوس، فإن فيه من المصالح العظيمة ما يجعله خيراً للمؤمنين، فالله تَعَالىٰ قد يجري بقضائه وقدره وحكمته شيئاً تكرهه النفوس، ثُمَّ تكون العاقبة خيراً.
3) الجهاد المأمور به هو الجهاد بالنفس والمال، لإعلاء دين الله تَعَالىٰ، لا رياء ولا عصبية.
4) إظهار صفقة الجهاد العظيمة: المشتري هو الله سبحانه، والبائع هم أهل الإيمان، والعِوض من المؤمنين الأنفس والأموال، والعوض من الله الجنة، والوثيقة المثبتة للبيع والشراء هو وعد من الله في أعظم الكتب المنزلة، فما أعظمها من صفقة! فأين التجار الراغبون في الربح؟
5) المعذورون في تخلفهم عن الجهاد هم أولو الضرر،من الضعفاء والعاجزين بأبدانهم أو أموالهم، أو من قعد للتفقه في دين الله، فمن ترك مصلحة الجهاد الكفائي لمصلحة العلم والدعوة إلىٰ الله تَعَالىٰ، فهو علىٰ خير.
6) الجهاد هو التجارة الرابحة التي ينال العبد بها كل مطلوب، ويدفع عَنْهُ كل مرهوب، لكن لا يعقلها إلَّا العالمون!.
فائدة نفيسة:
ذكر العلماء ــ رحمهم الله تَعَالىٰ ــ أن الجهاد ثلاثة أقسام:
جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المحاربين.
فالمقدَّم منها جهاد النفس والهوىٰ والشيطان، فإن نال العبد ذلك، ووفّقه الله تَعَالىٰ لتحقيقه ينبني عليه جهاد المنافقين وجهاد الكافرين، وإن عجز عَنْ جهاد نفسه وهواه والشيطان فهو عن باقي الأنواع أشد عجزاً، فلْيحرصِ المؤمن علىٰ جهاد نفسه، وذلك بحملها علىٰ القيام بالواجبات، وترك المحرمات، وهذا يحتاج منه إلىٰ علم وبصيرة، ثم مثابرة ومرابطة، ومعاناة ومجاهدة، حَتَّىٰ تأتي نفسه راغبةً في الخير وتاركةً للشر، فإن صَدَقَ في هذا الجهاد أكرمه الله تَعَالىٰ بجهاد الكافرين، ووعده بالنصر العظيم، وأما من عجز عَنِ المرابطة علىٰ صلاة الجماعة مثلاً، وخان أمانة (حي علىٰ الصلاة)، فكيف يلبّي (حي علىٰ الجهاد)؟
وأما الأحاديث في فضل الجهاد فأكثر من أن تحصر، فمن ذلك:
1/1285ــ عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: سُئل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ قَالَ: «إيمانٌ بالله ورسوله» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: «الجهادُ في سبيل الله» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». متفق عليه.
2/1286 ــ وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلىٰ الله تَعَالىٰ؟ قَالَ: «الصّلاةُ عَلىٰ وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ الله». متفقٌ عليهِ.
3/1287 ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قلتُ: يارسولَ الله، أيُّ العَمَل أفضلُ؟ قَالَ: «الإيمانُ باللهِ، والجهادُ في سبيلِهِ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ من أحب وأفضل الأعمال إلىٰ الله تَعَالىٰ.
2) تنوع أعمال الخير والبر لأهل الإيمان، فكلٌّ ينافس فيما يقدر عليه من الطاعات. وهذا من كمال هذه الشريعة.
4/1288ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَغدْوَةٌ في سبيلِ اللهِ، أوْ روحةٌ، خيرٌ من الدُّنْيا وما فيها». متفق عليه.
غريب الحديث:
غدوة: الخروج أول النهار.
روحة: الخروج آخر النهار.
هداية الحديث:
1) الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ من أفضل القُرَب، فهو خير من الدنيا وما فيها من أنواع النعيم.
2) الترغيب في إخلاص الجهاد لله تَعَالىٰ؛ بأن يكون في سبيل الله، لا في سبيل العصبية وأنواع الجاهلية.
5/1289 ــ وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَتىٰ رَجُلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبيلِ الله». قال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: «مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّه». متفق عليهِ.
هداية الحديث:
1) الجهاد المطلوب هو الجهاد بالنفس والمال، وذلك أعز ما يملكه الإنسان.
2) إن العزلة في زمن الفتن والشرور والخوف من الوقوع في المعاصي خير من الخلطة.
6/1290ــ وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ الله خَيْرٌ من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، والرَّوْحَةُ يَرُوحُها العَبْدُ في سَبيلِ الله تَعَالىٰ، أَوِ الغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إظهار فضيلة عظيمة للمرابطة والجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ.
2) الدنيا بما فيها لا تعدل عند الله شيئاً، ولا خير فيها، إلَّا ما كان سبباً يقرِّب إلىٰ الله تَعَالىٰ، فأيسر قدر من الجهاد أعظم من جميع ما في الدنيا.
3) إن سبب التخلف عَنِ الجهاد هو التعلق بالدنيا والتثاقل إليها، فهل عرفنا لماذا هجرنا الجهاد؟!.
7/1291 ــ وَعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «رِباطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ ماتَ فيهِ جَرَىٰ عَلَيْه عَمَلُهُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفتَّانَ». رواهُ مُسلمٌ.
8/1292ــ وعَنْ فضَالَة بن عُبَيْد رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلىٰ عَمَلِهِ إلَّا المُرَابِطَ في سَبِيلِ الله، فإنَّهُ يَنْمِي لَهُ عَمَلُهُ إلىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ من فِتْنَةِ القَبر». رواه أبو دَاود، والترمذيُّ وقَالَ: حديث حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
الفتان: هو ما يُفتن به الإنسان في القبر من سؤال الملكين له عن معبوده، ودينه، ونبيِّه.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة خاصة للمرابط في سبيل الله؛ أنه يُنَمَّىٰ له عمله ولا ينقطع، وهذا مما يشوق النفوس المؤمنة إلىٰ الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ.
2) إثبات فتنة القبر وأن المرابط في سبيل الله يعصمه الله تَعَالىٰ منها.
9/1293 ــ وعن عثمان رضي الله عنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من ألْف يومٍ فيما سواهُ من المَنازل». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) بيان مضاعفة الحسنات للمرابط في سبيل الله، وهذا من شرف الجهاد وفضيلته.
2) الموفَّق مَن وفّقه الله تَعَالىٰ لأن يكون علىٰ رتبةٍ من رتب الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ.
10/1294ــ وَعَنْ أَبِي هُريرةَ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سَبِيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلا جِهَادٌ في سَبِيلي وَإِيمانٌ بي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلي، فهوَ ضامنٌ عليَّ أَن أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إلىٰ مَنْزِلِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِما نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله إلَّا جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ. وَالَذِي نَفْسُ مُحَمَدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلىٰ المُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ الله أَبَداً، ولكِنْ لا أَجِدُ سَعَةً فأَحْمِلَهُمْ، وَلا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَن يَتَخَلَّفُوا عَنِّي. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيدهِ، لَوَدِدْتُ أَني أَغْزُو في سَبِيلِ الله فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو، فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو، فَأُقتَلُ». رواهُ مسلم، وروىٰ البخاريُّ بَعْضَهُ.
«الكَلْمُ»: الجرحُ.
هداية الحديث:
1) إنَّ تحقق الإخلاص في الجهاد أمر عظيم مقصود، حَتَّىٰ يفوز العبد بالأجر الموعود.
2) المجاهد له إحدىٰ الحسنيَيْن، إما الشهادة، وإما الظفر بالنصر، والعود سالماً إلىٰ أهله.
3) تمنىٰ الرسول صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله، وذلك لما يعلم من عظم مرتبة الشهيد عند الله تَعَالىٰ!.
4) جواز الحلف بقول الرجل: «والذي نفسي بيده»، لأنه قسم بالله تَعَالىٰ، أما الحلف بغير الله تَعَالىٰ وأسمائه وصفاته وكلامه فهو حرام لا يجوز، وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً فَلْيحلفْ بالله أوْ لِيصمُتْ»، رواه البخاري.
11/1295ــ وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مَكلومٍ يُكلَمُ في سبيل الله إلَّا جاءَ يومَ القيامَة، وكَلْمُهُ يَدْمَىٰ: اللونُ لونُ دم، والريحُ ريحُ مسْك». متفق عليه.
12/1296ــ وعن معاذ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ في سبيلِ اللهِ مِنْ رجُلٍ مُسلِمٍ فُواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ له الجَنَّةُ، ومَنْ جُرحَ جُرحاً في سبيل الله أوْ نُكبَ نَكبَةً، فإنَّها تجيءُ يومَ القيامة كأغزَر ما كانت: لونُها الزَّعْفرانُ، وريحُها كالمسكِ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
مكلوم: مجروح، والكلم هو الجرح. كلمه يَدمىٰ: جرحه يسيل دماً.
فُواق ناقة: وقت ما بين الحلبتين من الراحة، والمعنىٰ: ولو بجهاد قليل.
نكب نكبة: ما يصيب الإنسان من المصائب ولو كانت يسيرة.
هداية الأحاديث:
1) لمّا شهد الشهيد أن دين الله تَعَالىٰ أغلىٰ عنده من روحه؛ شهدت علىٰ صدقه جوارحه، فانبعث دمه يشهد علىٰ صدقه، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، فكان الجزاء من جنس العمل.
2) ما يحل بالشهيد من جراحة أوْ مصيبة إلَّا كتب الله تَعَالىٰ بها الأجر، وشهدت له بذلك.
13/1297ــ وَعَنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِشِعْبٍ فيهِ عُيَيْنَةٌ مِن مَاءٍ عَذبَةٌ، فَأَعْجَبتهُ، فَقَال: لو اعتَزَلتُ النَاسَ فَأَقَمْتُ في هذا الشّعبِ، ولَنْ أَفعَلَ حَتىٰ أسْتأذِنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فذكَرَ ذلِكَ لِرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «لا تفعلْ، فإنَّ مُقامَ أحَدِكُمْ في سَبِيلِ الله أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ في بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَاماً، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ؟ اغزُوا في سبيلِ الله، مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ له الجَنَّةُ». رواهُ الترمذي وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
«والفُوَاق»: مَا بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ.
هداية الحديث:
1) تعظيم قدر الجهاد؛ لأن نفعه عام للأمة والأفراد، أما العبادة الخاصة فنفعها قاصر علىٰ العبد غالباً.
2) إن الغزو في سبيل إعلاء كلمة الله، مع الصدق في النية، موجب لدخول الجنة.
3) فضيلة صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، حَيْن امتنعوا عن أي عمل ديني دون إذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
14/1298ــ وعَنْهُ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ الله، مَا يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبِيلِ الله ؟ قَالَ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ»: فَأَعَادُوا عليهِ مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثاً، كُلُّ ذلِكَ يَقُولُ: «لا تَسْتَطِيعُونَه»! ثمَّ قالَ: «مَثَل المُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصائِمِ القَائمِ القَانِتِ بآياتِ الله، لا يَفْتُرُ مِنْ صِيامِ ولا صَلاةٍ، حَتىٰ يَرجعَ المجَاهِدُ في سَبِيلِ الله». متفقٌ عليه، وهذا لفظُ مسلِمٍ.
وفي روايةِ البخاريِّ: أَنَّ رَجلاً قَالَ: يا رَسُولَ الله، دُلَّني عَلىٰ عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قالَ: «لا أَجِدهُ».
ثمَّ قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إذا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدخُلَ مَسجِدَكَ، فَتَقُومَ وَلا تَفتُرَ، وتَصُومَ ولا تُفْطِرَ؟» فقال: ومَنْ يَستطيعُ ذلكَ؟!.
هداية الحديث:
1) أجر المجاهد في سبيل الله يعادل أجر المنقطع للعبادة انقطاعاً تاماً.
2) فضائل الأعمال هي إحسان من الله تَعَالىٰ لمن شاء من عباده، فالعبد لا يبلغ بعلمه وعمله فقط، ولكن برحمة الله تَعَالىٰ وفضله.
15/1299ــ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «مِنْ خَيرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُم رَجُلٌ مُمسِكٌ بِعنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ الله، يَطِيرُ عَلىٰ مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمعَ هَيعةً أوْ فَزعَةً طَارَ عليه، يَبْتَغِي القتلَ والمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ في غُنيْمَةٍ في رأسِ شَعَفَةٍ مِن هذه الشعَفِ، أَو بَطنِ وادٍ من هذِهِ الأودِيَةِ، يقِيمُ الصَّلاةَ ، وَيُؤْتي الزَّكَاةَ، وَيَعْبَدُ رَبَّهُ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُ اليقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلا في خَيْرٍ». رواهُ مسلمٌ.
غريب الحديث:
عنان فرسه: الحبل الَّذي يشد به الفرس.
متنه: ظهره.
هيعة أوْ فزعة: الصوت ينادي للحرب.
مظانه: مظان الشيء: المواضع التي يغلب وجوده فيها.
شعَفَة: أعلىٰ الجبل.
هداية الحديث:
1) إن طلب الموت في سبيل الله تَعَالىٰ وترقّبه والاستعداد له من خير أحوال العباد.
2) العزلة عند فساد الناس لابد أن تكون مع القيام بالواجبات الشرعية، ولا تُجعل سبباً في ترك الطاعات، كما يغلط بعض الناس؛ فيعتزل الجماعة والجمعة، بحجة فساد الزمان.
16/1300ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ في الجَنَّة مائةَ دَرَجَةٍ أعدَّها اللهُ للمُجاهدينَ في سبيل الله، ما بَيْنَ الدَّرجَتَيْن كَمَا بَيْنَ السَّماء والأرْض». رواهُ البخاري.
17/1301ــ وعَن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «مَنْ رَضِيَ بِالله رَبّاً، وَبالإسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فَعَجِبَ لهَا أبو سَعِيدٍ، فَقَال: أَعِدْها عَلَيَّ يَا رَسُولَ الله، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأخْرَىٰ يَرْفَعُ اللهُ بِهَا العَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْض» قالَ: وما هِيَ يا رسولَ الله؟ قال: «الجِهادُ في سَبِيلِ الله، الجِهَادُ في سَبِيلِ الله». رواهُ مُسلم.
هداية الأحاديث:
1) بيان عظم سعة الجنة، وما فيها من أنواع النعيم والدرجات العلىٰ لأهل الجهاد.
2) تفاوت أهل الجنة بحسب تفاوتهم في الإيمان والعمل الصالح، والموفَّق السعيد من كان في الدنيا من أهل الرتب العالية في العبودية، ليفوز في الجنة بالدرجات العلية. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا﴾.
18/1302ــ وعَنْ أَبي بكْرِ بنِ أَبي مُوسىٰ الأشْعَرِيّ قَالَ: سَمِعْتُ أبي رضي الله عنه، وَهُوَ بِحَضْرَةِ العَدُوِّ، يقول: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَىٰ، أَأَنْتَ سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قالَ:نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إلىٰ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ، ثُم كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ، ثُمّ مَشَىٰ بسَيْفِهِ إلىٰ العَدُوّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّىٰ قُتِلَ. رواه مسلمٌ .
غريب الحديث:
رث الهيئة: بالي الثياب.
جفن سيفه: غمد السيف.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصحابة رضي الله عنهم في امتثالهم العلم بالعمل، فقد مارسوا الجهاد علماً وعملاً.
2) وجوب التثبت في صدق النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) جواز إظهار الشجاعة والإقدام والخيلاء في ساحات القتال.
19/1303 ــ وعن أبي عبس عبد الرحمن بن جَبْر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما اغْبرَّتْ قَدَمَا عبْدٍ في سَبيلِ اللهِ فَتَمَسَّه النَّارُ». رواه البخاري.
20/1304ــ وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلجُ النَّارَ رجُلٌ بَكَىٰ من خَشْية الله حَتَّىٰ يعودَ اللَّبنُ في الضَّرعِ، ولا يجتمعُ علىٰ عَبْد غُبَارٌ في سبيل الله ودَخَانُ جَهَنَّمَ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
21/1305ــ وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «عَيْنَان لا تَمَسُّهُما النَّارَ؛ عينٌ بَكَتْ من خَشْيَةِ اللهِ، وعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سبيلِ اللهِ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
لا يلج: لا يدخل.
يعود اللبن في الضرع: بمعنىٰ استحالة الشيء، أي: كما يستحيل أن يعود اللبن بعد حلبه من الضرع، فكذلك يستحيل أن يدخل النارَ رجلٌ بكىٰ من خشية الله.
هداية الأحاديث:
1) فضل الحراسة والجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ، فَلْيهنأ القائمون بواجب المرابطة دفاعاً عن حرمات المسلمين.
2) فضل البكاء من خشية الله تَعَالىٰ، وهذا لا يكون نافعاً إلَّا من صادق إيمان، صاحب هدي وسنة، حاضر دمعة.
22/1306ــ وعن زَيْدِ بنِ خَالدٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا». متفقٌ عليهِ.
23/1307 ــ وَعَنْ أَبِي أمَامَةَ، رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ في سَبِيلِ الله، وَمَنِيحَةُ خادِمٍ في سبِيلِ الله، أو طَروقةُ فَحْلٍ في سبيلِ الله». رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
24/1308 ــ وَعَن أنس رضي الله عنه أَنَّ فَتىٰ مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رسولَ الله، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أتجَهَّزُ بِهِ، قَالَ: «ائْتِ فُلاناً، فَإنَّهُ قَدْ كانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ». فَأَتاهُ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقْرِئُكَ السَّلامَ، ويقولُ: أَعْطِني الذي تَجَهَّزتَ بِه، قالَ: يَا فُلانَةُ، أَعْطِيْهِ الذي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسي عَنْهُ شَيْئاً، فَوَاللهِ لا تَحْبِسي مِنْهُ شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِيه. رَوَاه مسلمٌ.
25/1309 ــ وَعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلىٰ بَني لَحيَانَ، فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا». رواهُ مسلمٌ.
وفي روايةٍ لهُ: «لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ» ثُمَّ قَالَ لِلقَاعِدِ: «أَيُّكُمْ خَلَفَ الخَارِجَ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الخَارِجِ».
غريب الحديث:
ظل فسطاط: بيت من شعر.
منيحة خادم: ما تمنح علىٰ سبيل العطية والهبة.
طروقة فحل: الناقة التي بلغت سناً بحيث يأتيها الفحل.
هداية الأحاديث:
1) وجوب التعاون بين المسلمين علىٰ تجهيز جيوش الجهاد، فمن جهّز الغازي فله مثل أجره.
2) حسن تدبير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فالعاجز عَنْ الجهاد ينوب عَنْهُ القادر عليه.
3) إن القيام بحوائج أسر المجاهدين في سبيل الله لمن أعظم الطاعات التي تعدل أجر الجهاد.
26/1310 ــ وَعَنِ البَراءِ رضي الله عنه قال: «أتىٰ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله أُقاتِلُ وأُسْلِمُ ؟ قَالَ: «أَسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْ» فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَمِلَ قَلِيلاً، وَأُجِرَ كَثِيراً». متفقٌ عليه، وهذا لفظُ البخاريّ.
غريب الحديث:
مقنع بالحديد: مغطىٰ بالسلاح، أوْ علىٰ رأسه ما يشبه الخوذة.
هداية الحديث:
1) الإسلام شرط لكل عبادة، ولا تصح أي عبادة إلَّا بالإسلام.
2) حُرْمة الاستعانة بالمشركين في قتالٍ أبداً، حَتَّىٰ ولو كان قتالاً ضد المشركين، فكيف بمن يستعين بالمشركين الحاقدين علىٰ قتال إخوانه المؤمنين؟
3) العمل اليسير مع صدق النية له ثواب كبير.
27/1311 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلىٰ الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلىٰ الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا الشَّهِيْد، يَتَمَنَّىٰ أَنْ يَرْجِعَ إلىٰ الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِما يَرَىٰ مِنَ الكَرَامَة».
وفي روايةٍ: «لِمَا يَرَىٰ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَة». متفقٌ عليهِ.
هداية الحديث:
1) إن الجزاء العظيم الذي يراه الشهيد مُقدَّماً، يُنسيه مرارة القتل، وكراهية النفوس للموت.
2) إنَّ الغفلة عَنْ ثواب الله تَعَالىٰ تصرف العبد عن العبادات والمقامات العالية.
3) لو علم العبد ما له من ثواب الله تَعَالىٰ لسارع إلىٰ الجنة، وخطبها بغالي الأثمان.
28/1312ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَغْفرُ اللهُ للشَّهيدِ كلَّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّينَ». رواه مسلم.
وفي رواية له: «القَتْلُ في سبيل الله يُكَفِّر كلَّ شيءٍ إلَّا الدَّيْنَ».
29/1313ــ وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَامَ فِيهمْ، فَذَكَرَ «أَنَّ الجِهَادَ في سَبِيلِ الله وَالإيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَال»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ الله، أَتكَفّرُ عَنّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، إنْ قُتِلْتَ في سَبِيلِ الله، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ الله، أتكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ ، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإنَّ جِبْرِيلَ –عليه السلام_ قالَ لي ذلكَ». رواهُ مسلمٌ.
غريب الحديث:
محتسب: الاحتساب: طلب الثواب من الله تَعَالىٰ.
هداية الأحاديث:
1) تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأمة من الدَّين، فهو يمنع العبد من دخول الجنة حَتَّىٰ يؤدي حق الناس.
2) الشهادة في سبيل الله تَعَالىٰ تكفِّر ذنوب العبد كلها، بشرط احتساب الثواب والصبر.
30/1314ــ وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رجلٌ: أين أنا يارسولَ الله إنْ قُتلتُ؟ قَالَ: «في الجَنَّة»، فألقَىٰ تَمَرَات كُنَّ في يَده، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّىٰ قُتلَ. رواه مسلم.
31/1315ــ وعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، حَتَّىٰ سَبَقُوا المشرِكينَ إلىٰ بَدرٍ، وَجَاءَ المُشرِكُونَ، فَقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقدمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلىٰ شَيْءٍ حَتَىٰ أَكُونَ أَنا دُونَهُ» فَدَنَا المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إلىٰ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّموَاتُ وَالأَرْضُ» قال: يَقولُ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ الأَنصَارِيُّ رضي الله عنه: يا رسولَ الله جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالأرْضُ؟ قالَ: «نَعَم» قالَ: بَخٍ بَخٍ! فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما يَحمِلُكَ علىٰ قَولكَ بَخٍ بَخٍ ؟» قالَ: لا وَاللهِ يا رَسُولَ الله إلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قال: «فَإنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، فَأَخْرَجَ تَمَراتٍ مِنْ قَرَنهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنا حَيِيتُ، حتَّىٰ آكُلَ تَمَراتي هذِهِ، إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلةٌ، فَرَمَىٰ بمَا كانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثم قَاتَلَهُمْ حَتَّىٰ قُتِل. رواه مسلمٌ.
«القَرَن» بفتح القاف والراء:هو جُعْبَةُ النَّشَّابِ.
غريب الحديث:
بخٍ بخٍ: كلمة تُقال عند المدح والرضىٰ بالشيء، وتُكرر للمبالغة، ومعناها: تعظيم الأمر وتفخيمه.
هداية الأحاديث:
1) من طلب الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، و«إنما يدرك الرجل علىٰ حسب صدق نيته».
2) فضيلة الصحابة رضي الله عنهم في حرصهم علىٰ الخير والتسابق إليه، فأين أهل الهمم؟!
3) استحباب تحريض المؤمنين علىٰ القتال وطلب الشهادة.
4) شأن القائد المخلص أن يكون في مقدم الجيش، ليحرّض المجاهدين علىٰ القتال.
32/1316ــ وعنه قال:جَاءَ ناسٌ إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنِ ابْعَث مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا القُرآنَ وَالسُّنَةَ،فَبَعَثَ إلَيْهِمِ سَبعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُمُ:القُرَّاءُ، فِيهِم خَالي حَرَامٌ، يَقْرَؤُونَ القُرآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وكانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بالمَاءِ، فَيَضَعُونَه في المَسْجِدِ، وَيَحتَطِبونَ فَيَبِيعُونَه، ويَشتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ، ولِلفُقَرَاءِ، فَبَعَثهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَضُوا لهُم، فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا المَكانَ، فَقَالُوا:اللّهم بَلِّغْ عَنَّا نَبِيّنَا أَنّا قَدْ لَقِينَاكَ، فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، وأتىٰ رَجُلٌ حَرَاماً ــ خَالَ أنسٍ ــ مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّىٰ أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ إخْوَانَكُمْ قَد قُتِلُوا، وإنَّهُم قَالُوا: اللّهم بَلَغْ عَنَّا نَبِيَّنا أنّا قَدْ لَقِينَاكَ، فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا». متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم.
هداية الحديث:
1) للشهيد عند الله تَعَالىٰ حياة برزخية ينعم بها قبل نعيم الآخرة ﴿أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ﴾.
2) «فزت ورب الكعبة»؛ كلمة إيمانية، خرجت من قلبٍ ذاق طعم الإيمان، فكان الموت عندهم، دفاعاً عَنْ دين الله تَعَالىٰ، فوزاً عظيماً، فرضي الله تَعَالىٰ عَنْ صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
33/1317ــ وعنْهُ قالَ: غَابَ عَمِّي أنسُ بنُ النَضْرِ رضي الله عنه عن قِتَالِ بَدرٍ، فقالَ: يا رسولَ الله غِبتُ عن أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَني قِتَالَ المُشرِكِينَ ليُرِيَنَّ اللهُ مَا أَصنَعُ. فَلَمَّا كانَ يَومُ أُحُدٍ انكَشَفَ المُسلِمُونَ، فقالَ: «اللهم إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاَءِ ــ يَعْني أَصْحَابَهُ ــ وَأَبْرَأُ إليْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاَء ــ يعني المُشرِكِينَ ــ ثم تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سعدُ بنُ مُعَاذٍ فقال: يَا سَعدُ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَربِّ النَّضْرِ، إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ! قالَ سعدٌ: فمَا استطَعتُ يا رَسُولَ الله مَا صَنَعَ! قالَ أنسٌ: فَوَجَدنَا بِهِ بِضعاً وَثَمَانِينَ ضَربةً بالسَّيفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهمٍ، وَوَجَدْناهُ قد قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشرِكُونَ، فَمَا عرَفَهُ أَحَدٌ إلَّا أُختُهُ بِبَنَانِه.قال أنسٌ: كُنَّا نُرَىٰ أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هذِه الآية نَزَلَتْ فِيهِ وَفي أَشْبَاهِهِ: {مِّنَ ٱلمُؤمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيهِۖ فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ} إلىٰ آخرها [الأحزاب23] متفقٌ عليه، وقد سَبَق في (باب المجاهَدَةِ).
غريب الحديث:
بضعاً: يُستعمل من الثلاثة إلىٰ التسعة.
ببنانه: البنان: أطراف الأصابع.
هداية الحديث:
1) من الكرامات التي يكرم الله تَعَالىٰ بها مَنْ شاءَ مِنْ عباده أن يجد العبد ريح الجنة وهو في الأرض، والجنة في السماء.
2) إنَّ المغامرة والخوض في صفوف الكفار لإعمال القتل فيهم من مواقف البطولة والشجاعة الإيمانية.
3) فضل الصحابة رضي الله عنهم في صدق إيمانهم. وهذا يدل دلالة واضحة أن الله اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق بعد الأنبياء، وأنه لا كان ولا يكون مثل الصحابة، فرضي الله عنهم.
34/1318 ــ وعَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتيانِي،فصَعدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلاني دَاراً هِي أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْها، قالا: أَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ». رواه البخاري وهو بعضٌ من حديثٍ طويلٍ فيه أنواع العلم، سيأتي في (باب تحريمِ الكذِب) إنْ شاءَ الله تَعَالىٰ.
35/1319ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ أمَّ الرُّبيع بنتَ البراء، وهي أمُّ حارثةَ ابنِ سُراقَةَ، أتت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يارسولَ الله، ألَّا تُحَدِّثُني عَنْ حارثَةَ ـ وكانَ قُتلَ يومَ بدْر ـ فإنْ كانَ في الجَنَّة صَبَرْتُ، وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ اجْتَهَدْتُ عليه في البُكاء؟ فقال: «يا أمَّ حارثَةَ، إنَّها جنانٌ في الجَنَّة، وإنَّ ابنَكِ أصابَ الفردَوْسَ الأعْلىٰ». رواه البخاري.
36/1320ــ وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قَالَ: جيء بأبي إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد مُثِّلَ به، فوُضعَ بينَ يَدَيْهِ، فذهبتُ أكشفُ عَنْ وجْهِهِ، فَنَهَاني قَوْمي، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ما زَالَت الملائكةُ تُظلُّهُ بأجْنحَتِها». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) إنَّ العلم بما أعد الله تَعَالىٰ للشهداء من أصناف النعيم في الجنان مما يُهوِّن مصائب الموت علىٰ المؤمنين.
2) فضيلة خاصة لعبد الله والد جابر رضي الله عنهما أن الملائكة أظلته بأجنحتها.
3) جواز البكاء علىٰ الميت من غير نياحة ورفع صوت، وإنما يكون حزن القلب ودمع العين، مع الرضا والتسليم لقضاء الله تَعَالىٰ وقدره.
37/1321ــ وعن سهل بن حُنيْف رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَألَ اللهَ تَعَالىٰ الشَّهادةَ بصدْقٍ بلَّغهُ اللهُ مَنَازلَ الشُّهداءِ، وإنْ ماتَ علىٰ فِراشِهِ». رواه مسلم.
38/1322ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً أُعطِيَها، وَلو لم تُصِبْهُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) نيّة المؤمن الصادقة تقوم مقام العمل ــ إن حبسه عنه حابس ــ وكأنه قام بالطاعة.
2) سؤال العبدِ الشهادةَ بصدق من الأدعية المستحبة في حياة المؤمن.
39/1323ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ القتلِ، إلَّا كما يَجِدُ أَحَدُكمْ مِنْ مَسِّ القَرصَةِ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) يسهّل الله تعالىٰ علىٰ الشهيد القتل، وهذا من إكرام الله إياه، وعاجل البشرىٰ له.
2) روح الشهيد لمّا بُشرت برضوان من الله _عز وجل_ سهل عليها الخروج.
40/1324 ــ وعن عبد الله بن أوفىٰ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العَدُوَّ، انتظر حَتَّىٰ مالَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ قام في النَّاس، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فإذا لقِيتُمُوهُم فاصْبِرُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السيوفِ». ثُمَّ قَالَ: «اللَّهم مُنزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهم». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الجنة تحت ظلال السيوف، ومُختصرُ طريقِ الجنة: نيل الشهادة بصدق نية.
2) إن سؤال العافية والثبات عند الممات؛ من أحسن ما يسأل العبدُ ربَّه.
3) الالتجاء إلىٰ الله تَعَالىٰ بالدعاء في مواطن الاضطرار؛ دليل علىٰ فقه العبد والتزامه هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
41/1325ــ وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثِنْتانِ لا تُرَدَّانِ، أوْ قلَّمَا تُرَدَّانِ؛ الدُّعاءُ عندَ النِّداءِ، وعندَ البَأْسِ حينَ يُلْحِمُ بعضُهُمْ بعضاً». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
النداء: الأذان.
البأس: القتال.
يلحم بعضهم بعضاً: يشتد القتال حَتَّىٰ تلتحم الصفوف.
هداية الحديث:
1) من مواطن الإجابة: الدعاء عند القتال، وعند النداء إلىٰ الصلاة.
2) بيان تفاضل الأوقات والأحوال في إجابة الدعاء، ومن ذلك: عند الاضطرار، واشتداد القتال.
42/1326ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا غَزَا قَالَ: «اللهم أَنتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقاتِلُ». رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ وقالَ: حَدِيث حَسَن.
43/1327ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا خَافَ قَوماً قَالَ: «اللهم إنَّا نَجعلُكَ في نُحُورِهِمْ، ونعوذُ بك من شُرورِهِمْ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
عضدي: من العضد، وهو موضع القوة من الإنسان، والمعنىٰ: أنت نصيري.
أَحُولُ: من الحول وهو التغير، والمعنىٰ: لا قدرة لي علىٰ الحركة إلَّا بك.
أَصُولُ: صال عليه إذَا هجم عليه.
هداية الأحاديث:
1) الإلحاح علىٰ الله تَعَالىٰ في الدعاء، والاعتصام به سبحانه، من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الدائم، في حال الرخاء أو البلاء.
2) إن تفويض العبدِ أمره إلىٰ الله سببٌ عظيم للنجاة؛ فالله سبحانه لا يخذل عبداً أقبل عليه، وفوّض أمره إليه.
44/1328ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيْهَا الخَيرُ إلىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ». متفقٌ عليه.
45/1329ــ وعَن عُرْوَةَ البَارِقِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيْهَا الخَيرُ إلىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
نواصيها: الناصية: مقدم الرأس.
هداية الأحاديث:
1) الخير في الخيل عامة، ويدخل فيها خيل الجهاد، إذ جعل الله سبحانه فيها الخير إلىٰ قيام الساعة.
2) الجهاد ماض إلىٰ يوم القيامة، لأن الخير الَّذي منه: الأجر والمغنم، لا يكون إلَّا مع الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ.
3) بشرىٰ لأهل الإيمان ببقاء عزّ هذا الدين ورفعته إلىٰ يوم القيامة.
46/1330ــ وَعَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ احتَبَسَ فَرَساً في سَبِيلِ الله، إيمَاناً بِالله، وَتَصْدِيقاً بِوَعْدهِ، فَإنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَة». رواه البخاريُّ.
غريب الحديث:
احتبس: اتخذه وقفاً للجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ.
ريّه: الري: الشرب حَتَّىٰ الشبع.
روثه: الفضلات الخارجة.
هداية الحديث:
1) إظهار الأجر العظيم لمن جعل الخيل وقفاً للجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ.
2) إنَّ المؤمنَ صادقُ النيّة، يُؤجرُ علىٰ العمل الصالح، وعلىٰ ما يترتب علىٰ عمله من الآثار والعاقبة.
47/1331 ــ وعَن أبي مَسْعُود رضي الله عنه قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فقالَ: هذه في سَبِيلِ الله، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ، كُلُهَا مَخطُومَةٌ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
مخطومة: جُعل في رأسها الخطام، وهو الحبل الَّذي تُشدّ به الناقة.
هداية الحديث:
1) إن تضاعفَ الحسنات إلىٰ سبعمائة ضعف، فضلٌ من الله تَعَالىٰ يؤتيه من يشاء.
2) الجزاء من جنس العمل، فضاعف الله أجر نفقة الجهاد، لعظيم نفعه في الأمة.
48/1332ــ وعن أبي حَمّاد ــ ويُقال: أبو سُعاد، ويُقَالُ: أبو أَسَدٍ، ويُقال: أبو عامِرٍ، ويُقالُ: أبو عَمْرو، ويُقال: أبو الأسْوَدِ، ويُقالُ: أبو عَبْسٍ ـ عُقْبةَ بنِ عامِرٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَلىٰ المِنبَرِ، يقولُ: «وَأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعْتُم من قُوَّةٍ، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القوَّةَ الرَّمْيُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الرمي نوع من أنواع القوة الواجب أن يعدها أهل الإيمان في إرهاب أهل الكفر والطغيان، وهو من أصول التربية الجهادية.
2) يتفاوت الرمي بحسب الوقت الَّذي يكون فيه أهل الإيمان، فالواجب اليوم مقابلة الرمي الحديث المتطور بمثله، وهذا من إرشادات القرآن بحسب الزمان والمكان.
49/1333ــ وعنه قَالَ: سمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سَتُفتَحُ عليكُمْ أرَضُونَ، ويكْفيكُمُ اللهُ، فلا يَعْجزْ أحَدُكُمْ أن يَلْهُوَ بأسْهُمِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الجهاد في سبيل الله من أعظم أسباب كفاية المؤمنين في أمور معاشهم وسعة أرزاقهم، لأن رزق هذه الأمة جعل تحت ظل الرماح، ويوم تخلفت الأمة عَنْ الجهاد أذلّها الله تَعَالىٰ وأفقرها. فهل عقل المسلمون اليوم لماذا تنزل بهم الضائقات المالية؟!
2) الإسلام يحث المؤمنين علىٰ الإعداد والاستعداد أبداً، ولو بعد النصر وأداء الفرض، فلا يُلقىٰ السلاح إخلاداً إلىٰ الأرض.
50/1334ــ وعنه أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عُلِّمَ الرَّميَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فليْسَ منَّا، أوْ فَقَدْ عَصَىٰ». رواه مسلم.
51/1335ــ وعنهُ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ اللهَ يُدخِلُ بِالسَّهمِ الوَاحِدِ ثَلاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يحتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيرَ، وَالرَّامِي بِهِ، وَمُنْبِلَهُ. وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرمُوا أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، ومَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عُلِّمَهُ رَغْبَةً عنه، فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا». أَوْ قال: «كَفَرَهَا». رواهُ أبو داود[4]. [4] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
مُنبله: الَّذي يمد الرامي بالنبل، لما ورد في رواية عند ابن ماجه: «صانعه.. والرامي به، والمُمِدّ به».
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ تعلم فنون القتال والرماية، لأن هذا من أكبر أنواع القوة المأمور بها لمقاتلة الكفار.
2) ترك الرماية من المعاصي التي يأثم بها العبد، لأنه نوع من الخذلان والضعف.
3) الترغيب في التعاون بين أهل الإيمان علىٰ البر والتقوىٰ ،فالسهم الواحد يدخل بسببه الجنة ثلاثة.
52/1336ــ وعن سلمةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم علىٰ نَفَرٍ يَنْتَضلُون، فقال: «ارْموا بَني إسماعيل فإنَّ أبَاكم كانَ رَامياً». رواه البخاري.
غريب الحديث:
ينتضلون: يترامون بالسهام أيُّهم يسبق.
هداية الحديث:
1) حثّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم جماعة الصحابة علىٰ تعلُّم الرمي، ومدحهم بذلك لما فيه من القوة.
2) استحباب اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها.
53/1337ــ وعن عمرو بن عَبَسَةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ رَمَىٰ بسَهْمٍ في سَبيل اللهِ فَهُوَ لَهُ عدْلُ مُحَرَّرةٍ». رواه أبو داودَ، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
54/1338ــ وعن أبي يحيىٰ خُرَيمِ بنِ فاتكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أنْفق نَفَقَةً في سبيل الله كُتبَ لهُ سبعُمائةِ ضعْفٍ». رواهُ الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
عدل محررة: مثل من حرر رقبة من الرّقّ.
هداية الأحاديث:
1) تعظيم أجر الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ، وتنوع الثواب فيه لتنشط النفوس عليه.
2) النفقة في سبيل الجهاد تضاعف إلىٰ سبعمائة ضعف.
55/1339ــ وعن أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن عبدٍ يَصومُ يَوْماً في سبيل الله إلَّا باعَدَ اللهُ بذلكَ اليوم وجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعينَ خَريفاً». متفقٌ عليه.
56/1340ــ وعن أبي أمامةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صامَ يوماً في سبيل الله جَعَلَ اللهُ بيْنَهُ وبينَ النَّار خَنْدَقاً، كَمَا بينَ السَّمَاءِ والأرضِ». رواهُ الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
خريفاً: الخريف فصل من فصول السنة، والمراد بذلك سَنة.
هداية الأحاديث:
1) الأجر العظيم لمن صام يوماً في الجهاد، شريطة ألَّا يؤثر ذلك علىٰ قوته البدنية ونشاطه في القتال.
2) مباشرة الأعمال الصالحة زمن الشدة والمعارضات النفسية، سبب لمضاعفة الثواب والمباعدة عَنِ النار.
57/1341ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ ولمْ يَغْزُ، ولم يُحَدِّثْ نفسَه بغَزْوٍ، ماتَ علىٰ شُعْبةٍ منَ النِّفَاق». رواهُ مسلمٌ.
هداية الحديث:
1) ترك الجهاد بمراتبهِ المختلفة، وعدم تحديث النفس به، سبب لمرض القلب بالنفاق، وسوء الخاتمة.
2) نية المؤمن الصادقة تقوم مقام العمل عند العجز.
58/1342ــ وعَنْ جابر رضي الله عنه قَالَ: كنَّا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في غَزَاة، فَقَال: «إنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالاً ما سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِياً إلاّ كانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ المَرضُ».
وفي رواية: «حَبَسَهُمُ العُذْرُ». وفي روايةٍ؛ «إلَّا شَركُوكُمْ في الأَجْرِ». رواهُ البخاري من روايةِ أنسٍ، ورواهُ مُسلمٌ من روايةِ جابرٍ واللفظ له.
هداية الحديث:
1) من اجتهد في القيام بالعمل الصالح، ثُمَّ حُبس عنه لعذر، فإن الله يكتب لَهُ الأجر كاملاً لصدق نيته.
2) بيان رحمة الله تَعَالىٰ بالمؤمنين، حيث اعتُبرت النية الصالحة مقام العمل.
59/1343ــ وعنْ أبي مُوسىٰ رضي الله عنه أنَّ أَعْرَابياً أَتَىٰ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يارسولَ الله، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يقَاتِلُ لِيُرَىٰ مَكانُهُ؟.
وفي روايةٍ: يقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً.
وفي رواية: وَيُقَاتِلُ غَضَباً، فَمَنْ في سَبِيلِ الله ؟ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله». متفقٌ عليهِ.
هداية الحديث:
1) الجهاد في سبيل الله تَعَالىٰ لإعلاء كلمة الله هُوَ الجهاد الشرعي، وما عداه فإنه قتال في سبُل الشيطان والنفس والعصبيات الجاهلية.
2) لا يؤجَر العبد علىٰ العمل ولو تكلَّفه وقام به إلَّا إذَا كَانَ خالصاً لله تَعَالىٰ، وكان علىٰ طريقة السنة النبوية، ومن عمل طاعة علىٰ غير ذلك فقد أتعب نفسه، بعمل غير مأجور ولا مشكور.
60/1344ــ وعَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ، إلَّا كانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أُجورِهِمْ، وَمَا مِنْ غازِيةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخفِقُ وَتُصَابُ إلا تَمَّ أُجُورُهُمْ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الغنيمة التي يأخذها المجاهدون جزء من أجر غزوهم، ولو حلَّت لهم!.
2) من أُصيب في سبيل الله، أو سَلِمَ ولم يأخذ من المغنم شيئاً، فقد تمّ أجره كاملاً.
61/1345ــ وعَنْ أبي أمامةَ رضي الله عنه أنَّ رجُلاً قَالَ: يارسولَ الله، ائْذنْ لي في السِّيَاحَة، فَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ سيَاحَةَ أمَّتي الجهادُ في سَبيل الله _عز وجل_». رواه أبو داود بإسناد جيد.
هداية الحديث:
1) خروج هذه الأمة المنصورة المؤيَّدة يكون بالمرابطة دفاعاً عَنْ حمىٰ الدين، وغزواً لإظهاره على الدِّين كله في العالمين.
2) الإسلام يغيّر المفاهيم الخاطئة في حياة الناس، ويحملهم علىٰ أحسن الأحوال والعادات، أما مجرد الخروج في الأرض، من غير هدف أو مقصد شرعي، فهو من أعمال أهل اللهو وأهل الدنيا المتلعبين.
62/1346ــ وعَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَفْلةٌ كَغَزْوَة». رواه أبو داود بإسناد جيد.
«القَفْلَةُ»: الرُّجُوعُ، والمراد: الرُّجُوعُ مِنَ الغَزْوِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، ومعناه: أنه يُثابُ في رُجُوعِهِ بعد فَرَاغِهِ مِنَ الغَزْوِ.
هداية الحديث:
1) من خرج للطاعة فإنه يثاب في ذهابه وإيابه، وهذا من فضل الله تَعَالىٰ علىٰ عباده المؤمنين.
2) كل مَا ترتب علىٰ العمل الصالح فهو داخل في أجر هذا العمل.
63/1347ــ وعنِ السائِبِ بنِ يزيدَ رضي الله عنه قالَ: لمَا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَلَقَّاه النَّاسُ، فَتَلَقَّيْتُهُ مَعَ الصِّبْيانِ عَلىٰ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ. رواه أبو داود بإسنادٍ صَحِيحٍ بهذا اللفظ.
ورَوَاه البخاريُّ قالَ: ذَهَبْنَا نتَلَقَّىٰ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَعَ الصِّبيَانِ إلىٰ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.
غريب الحديث:
ثنية الوداع: الثنية: مَا ارتفع من الأرض، وثنية الوداع: محل قريب في المدينة النبوية، يقع شماليها من جهة الشام، سُمي بالوداع لأن المسافر شمالاً كَانَ يُودّع عندها.
هداية الحديث:
1) استحباب استقبال المجاهدين عند رجوعهم من الجهاد، تكريماً لهم، ومشاركة للفرح بنصر الله.
2) وصف الحياة الإيمانية التي عاشها المجتمع المسلم في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان همَّ الجميع نصرُ دين الله، حَتَّىٰ النساء والصبيان يفرحون بالجهاد وأخباره، فما هو اهتمام نسائنا وأطفالنا اليوم؟
تنبيـه:
شاع بين بعض الناس أنشودة تذكر في الهجرة النبوية، وهي: أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة خرج النساء والأطفال ينشدون ويضربون بالدف: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع...».
وهذه القصة ليس لها سند صحيح عند علماء السيرة والحديث.
ثُمَّ هي غير صحيحة من حيث الواقع، والحديث الذي معنا يدل علىٰ بطلانها؛ لأن ثنية الوداع هي خارج المدينة من ناحية الشام، والقادم من مكة إلىٰ المدينة ــ كحال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند هجرته ــ لا يمرّ بها إلَّا إذَا توجه إلىٰ الشام، فكيف يأتيها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو قادم من جهة مكة؟
64/1348ــ وعَنْ أبي أمَامةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لمْ يَغْزُ، أو يُجهِّزْ غازياً، أو يَخْلُفْ غازياً في أهلِهِ بخَيرٍ، أصابَهُ اللهُ بقَارعةٍ قبلَ يوْمِ القيَامةِ». رواه أبو داودَ بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
قارعة: مصيبة كبيرة، ويُحتمل أن معناها مَا ورد في الحديث المتقدم: «مات علىٰ شعبة من النفاق».
هداية الحديث:
1) المجتمع المسلم متعاونٌ بمجموعه علىٰ البر والتقوىٰ، فالقاعدون عَنِ الجهاد يحمون أعراض أهل المجاهدين، فهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
2) بيان الوعيد الشديد للأمة لمَّا تتخلف عَنِ الجهاد، فيحلّ بها العذاب الأليم، بقوله تَعَالىٰ: {إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبكُم عَذَابًا أَلِيما}.
65/1349ــ وعَنْ أنسٍ، رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُم وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلسِنَتِكُم». رواهُ أبو داود بإسناد صحيحٍ.
هداية الحديث:
1) تنوع أبواب الجهاد بالمال، والنفس، واللسان، وهذا من رحمة الله تَعَالىٰ بعباده، فـكــلٌّ يجاهد بما يستطيعه.
2) الدفاع عَنِ الإسلام ونصرة الدِّين، ولو بالكلمة الصادقة، والرأي السديد، نوع من الجهاد في سبيل الله، وخاصة: لما كثر الناعقون اليوم ضد الإسلام وأهله، ورموهم بالفظائع والألقاب المنفّرة.
3) من فقه الجهاد: أن يعلم العبد أن إبلاغ السنة النبوية إلىٰ الناس أجمعين، لا ينزل رتبة عن إبلاغ السهام إلىٰ الكفار المحاربين.
66/1350 ــ وعَنْ أبي عَمْرو ـ ويقال: أبو حَكيم ـ النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ رضي الله عنه قَالَ: شَهدتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، إذَا لمْ يُقاتلْ مِنْ أوَّلِ النَّهارِ أخَّرَ القتالَ حَتَّىٰ تزُولَ الشَّمسُ، وتهبَّ الرِّياحُ، وينزلَ النَّصْرُ. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) يُستحب اختيار الأوقات المناسبة للقتال، لتكون النفوس في كمال النشاط والقوة.
2) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم القتال أول النهار، فهو أبلغ إغارة، أو تأخير القتال إلىٰ ما بعد الزوال.
67/1351 ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَأسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فإذا لَقِيتُمُوهُم فَاصْبِرُوا». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) وصية أهل الإيمان ألا يتمنوا البلاء، بل يسألوا الله العافية.
2) إذَا لقي المسلمون أعداء الله وجب عليهم الثبات والصبر والمصابرة.
3) العافية مَعَ الإيمان أحسن مَا يُعطاه المؤمن.
68/1352ــ وعنه وعَنْ جابر رضي الله عنهما أنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الحَرْبُ خَدْعةٌ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الترغيب في مخادعة الكفار في الحروب، للإيقاع بهم ومفاجأتهم بالغارة أو الكمين ونحوه.
2) الإسلام دين المسامحة والرحمة، وهو دين القوة والملحمة، ولكل مقام مَا يناسبه.
235 ــ باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
فائـدة:
الشهداء في هذا الباب هم شهداء في أحكام الآخرة، أما في أحكام الدنيا فليس لهم حكم الشهيد المقتول في المعركة، لكن من كرم الله تَعَالىٰ لهذه الأمة أن ألحق بثواب الشهيد في الآخرة أصنافاً من الشهداء الآتي ذكرهم في الأحاديث.
1/1353ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الشُّهَداءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، والمبطونُ، والغَريقُ، وصاحبُ الهَدْمِ، والشَّهيدُ في سبيل الله». متفق عليه.
2/1354 ــ وعنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ ؟» قالُوا: يا رَسُولَ الله، مَنْ قُتِلَ في سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قال: «إنَّ شُهَداءَ أُمَّتِي إذاً لَقَلِيلٌ» قالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله ؟ قالَ: «مَنْ قُتِلَ في سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبِيلِ الله فَهُو شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطّاعُونِ فهو شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شهِيدٌ». رواهُ مُسْلمٌ.
غريب الحديث:
المطعون: من مات بالطاعون، وهو مرض فتاك مُعدٍ.
المبطون: الَّذي أصابه داء البطن.
هداية الأحاديث:
1) إكرام الله تعالىٰ هذه الأمة المحمدية، حين بارك في أصناف شهدائها ليعظم أجرها.
2) من خرج يريد وجه الله تعالىٰ بهجرة في سبيله، أو مات في طريقه إلىٰ الجهاد، فهو من الشهداء في أحكام الآخرة.
تنبيـه:
المذكورون في الحديث لا يُراد حصر العدد بهم، بل هناك شهداء آخرون؛ كالمرأة تموت في نفاسها، والميت بالحرق، والميت بداء السّلّ، ونحوهم مما صحت فيهم الروايات النبوية.
3/1355 ــ وعَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شهيدٌ». متفقٌ عليه.
4/1356ــ وعَنْ أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، أحدِ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بالجَنَّة رضي الله عنهم، قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شهِيدٌ».
رواهُ أبو داودَ، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
5/1357ــ وعنْ أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يا رسولَ الله، أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالي؟ قالَ: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قال: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَني؟ قال: «قَاتِلْهُ» قالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَني ؟ قالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قال: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: «هُوَ في النَّارِ». رواهُ مسلمٌ.
هداية الأحاديث:
1) حرمة مال المسلم ودمه وعرضه، فالمدافع عَنْ ذلك إن مات فهو شهيد.
2) الدين يُفدَّىٰ بالنفس دفاعاً عَنْهُ، ومن مات دون دينه فهو شهيد، فأين المسلمون اليوم؟ ترىٰ الدين عند بعضهم كرخيص من متاع الدنيا لا قيمة لَهُ؟!.
3) وجوب التدرج في دفع المعتدي عليك، ولْيكن الهم في دفعه لا في قتله، لكنه إذَا مَا اندفع إلَّا بالقتل فإن الشارع أذن بقتله.
4) الشريعة جاءت لحفظ الضروريات الخمس، والدفاع عنها، وهي: الدِّين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
236 ــ باب فضل العتق
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد 11_13].
هداية الآيات:
1) الترغيب في تحرير الرقبة المملوكة، ابتغاء وجه الله _عز وجل_، فهو من العبادات الشاقة علىٰ النفوس، لأن فيه إخراجَ المملوك المحبوب للنفس.
2) من سمحت نفسه بالصدقة فإنه ممن اقتحم العقبة، وزكَّىٰ نفسه، وقد قَالَ تَعَالىٰ: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾.
فائــدة:
فك الرقبة، هُوَ: المساهمة في تحريرها مَعَ شخص آخر، وأمّا العتق، فهو: التفرد الكامل بتحرير رقبة، لورود حديث يفصِّل ذلك وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «أَعتقِ النَّسَمَةَ، وفُكَّ الرّقبةَ» فقال: يارسولَ اللهِ ، أَوَلَيْسَتَا واحدةً؟ قَالَ: «لا، إنّ عتقَ النّسمةِ أنْ تنفردَ بعِتقِها، وفكَّ الرّقبةِ أنْ تعينَ في عتقِها» رواه أحمد، وذكره ابن كثير في تفسيره للآية.
1/1358ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مسلمةً أعْتَقَ اللهُ بكُلِّ عُضْوٍ منهُ عُضواً منهُ من النَّار، حَتَّىٰ فَرْجَهُ بفَرْجِهِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) ترغيب الإسلام في إعتاق الرقاب، وفي هذا ردّ علىٰ الطاعنين في نظام الرق في الإسلام، والذين يتهمون الإسلام بالظلم في الاسترقاق.
2) الجزاء من جنس العمل، وفضل الله تَعَالىٰ أعظم.
3) الترغيب في كون الرقبة المعتَقة سليمة العيوب، ليحصل استيعاب الأجر كاملاً، وهذا هُوَ شأن المؤمن؛ الحريص علىٰ فضل الله تَعَالىٰ، يأتي بالخير من جميع أبوابه تاماً غير منقوص.
2/1359ــ وعَنْ أبي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قلتُ: يارسولَ الله، أيُّ الأعمَال أفْضَلُ؟ قَالَ: «الإيمانُ بالله، والجهَادُ في سَبيل الله» قَالَ: قُلتُ: أيُّ الرِّقاب أفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُها عندَ أهْلهَا، وأكْثَرُهَا ثَمَناً». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) عتق الرقاب النفيسة والغالية من أفضل الأعمال عند الله سبحانه، لأن ذلك لا يكون إلَّا من عبد صادق الإيمان، يُخرج أحبَّ مَا لديه لمرضاة ربِّه تَعَالىٰ.
2) إن إخراج مَا تهواه الأنفس سبيل لتزكية النفوس، وتطهيرها من الشّحّ والبخل.
فائـدة نفيسة:
أسوق خلاصة جامعة في (نظام الرق في الإسلام) مستفادة من كلام العلَّامة الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ)، قال ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في كتابه (أصول النظام الاجتماعي): «إن شريعة الإسلام جاءت وحكم الاسترقاق عريق في نظام الأمم وفي تمدنهم، ومتسلسل مع تاريخ حضارتهم... فلو شرع الإسلام إبطال الاسترقاق دفعة لأدخل علىٰ الذين انضووا تحت شرعه اضطراباً عظيماً في المسلمين، ومن حولهم من الأمم ذات العلائق بالمسلمين... فسلك لذلك طريقة التدريج المناسب للفطرة... فأبطل الإسلام أسباب الاسترقاق الاختيارية والاضطرارية، ولم يُبقِ إلا سبباً واحداً وهو الأسر مع الكفر في حرب المسلمين والكافرين... وعمد الإسلام إلى تكثير أسباب العتق... ومن استقراء تصرفات الشريعة في أحوال الرقيق وعتقهم استخلص الفقهاء قاعدة أن: الشارع متشوّف للحرية، فلم تسبق الإسلامَ شريعةٌ دينية ولا وضعية أقامت حقوقاً للعبيد، وحماية لهم من الأضرار، بمقدار ما أقامت لهم الشريعة الإسلامية».
وقال أيضاً في كتابه (المقاصد): «فنظر الإسلام إلىٰ طريق الجمع بين مقصديه ــ نشر الحرية، وحفظ نظام العالم ــ بأن سلط عوامل الحرية على عوامل العبودية، مقاومة لها بتقليلها، وعلاجاً للباقي منها». ثم ساق تفصيلاً يحسن الاطلاع عليه.
237 ــ باب فضل الإحسان إلى المملوك
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ [النساء 36].
هداية الآية:
1) الأمر بالإحسان إلىٰ ملك اليمين، وهو العبد المملوك عند سيده، فيحسن إليه بالقول والفعل في جلب المصلحة له، ودفع المضرة عنه.
2) الإحسان إلىٰ المملوك من الحق الواجب علىٰ السيد، فمن أدّاه فقد قام بجزء من عبوديته لله تَعَالىٰ.
1/1360ــ وعَنِ المَعْرُورِ بنِ سُوَيدٍ قَالَ: رأيتُ أبا ذَرٍّ رضي الله عنه وعليه حُلَّةٌ، وعلىٰ غُلامِهِ مثلُهَا، فسألْتُهُ عَنْ ذلكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ سابَّ رجُلاً علىٰ عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فعيَّرَهُ بأمِّهِ، فَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكَ امرؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ، هُمْ إخوانُكُم وخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُم اللهُ تحتَ أيديكُمْ، فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تحتَ يَده فَلْيُطعمْهُ ممَّا يأكُلُ، وَلْيُلْبسْهُ ممَّا يلبسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغلبُهُم، فإن كَلَّفْتُمُوهُم فأعينُوهُم عليه». متفقٌ عليهِ.
غريب الحديث:
الحلة: ثوب لَهُ بطانة مكونة من إزار ورداء، ولا تُسمىٰ حلة إلَّا للثوبين معاً.
فيك جاهلية: خلق وخصلة من خصال أهل الجاهلية.
خولكم: خدمكم ومن يقومون بشأنكم.
هداية الحديث:
1) النهي الشديد عَنْ مشابهة أهل الجاهلية حَتَّىٰ بمجرد الألفاظ، بل شأن المؤمن أن تكون لَهُ شخصية منصبغة بمنهج القرآن الكريم، وهدي النَّبيِّ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
2) بيان هدي الإسلام في الحث علىٰ الإحسان إلىٰ المملوك؛ بإطعامه وكسوته، وعدم تكليفه مَا لا يطيق، وهذا من منطلق منهج الرحمة في الشريعة، فأحرار اليوم في البلاد الظالمة، يتمنَّوْن حياة العبيد في النظام الإسلامي العادل!.
3) فضيلة للصحابي أبي ذر رضي الله عنه في استجابته لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حرص علىٰ أن يكفّر عَنْ خطئه بالإحسان إلىٰ مملوكه.
2/1361 ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أتىٰ أحَدَكُمْ خَادمُهُ بطَعَامِهِ، فإنْ لَمْ يُجْلسْهُ مَعَهُ، فَلْيُناولْهُ لُقْمَةً أو لُقْمَتَيْن، أو أُكلَةً أو أُكلَتَيْن، فإنَّهُ وليَ علاجَهُ». رواه البخاري.
«الأكلَةُ» بضم الهمزة: هيَ اللُّقمةُ.
غريب الحديث:
ولي علاجه: تجهيزه وتحضيره.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ التواضع مع عموم المؤمنين، حَتَّىٰ مَعَ الخادم، وهذا من هدي الإسلام الشامل.
2) إن جبرَ النفوسِ المنكسرة، وتطييبَ خاطرِ الضعفاء، من هدي النبوة، فالمملوك تطمع نفسه للطعام أو الشراب الذي أعدّه لسيده، فأمرت الشريعة بجبر نفوسهم المنكسرة.
3) الترغيب في بذل الأسباب في تزكية المسلم نفسه، واحترام من دونه في المنزلة، لأن هذا يبعد عنه أثر التكبر والترفع الذي يحرم صاحبه من دخول الجنة .
فائدة:
وردت رواية للحديث المتقدم في (صحيح مسلم)، فيها تقييد ذلك الإطعام: «لقمة أو لقمتين» فيما إذا كان الطعام قليلاً، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً، فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين» ومعنىٰ مشفوهاً: أي كثرت عليه الشفاه.
ومقتضىٰ ذلك أن الطعام إذا كان كثيراً؛ فإما أن يجلسه معه، وإما أن يجعل حظه منه كثيراً. وقد امتثل الصحابة رضي الله عنهم عَهدَ نبيهم صلى الله عليه وسلم في الإحسان إلىٰ مماليكهم، وما حدث في بعض الوقائع، فله واقعُ حالٍ مخصوص، كأن يكون ناتجاً عن الفقر وقلة الطعام، ولذلك قال صفوان بن أمية لعمر رضي الله عنهما: «أماوالله ما نرغب عنهم، ولكنا نستأثر عليهم، لا نجد والله من الطعام الطيب ما نأكل ونطعمهم».
فما يحدث اليوم من بعض الناس، تجده يأنف من مجالسة خادمه، أو الإحسان إليه قولاً وفعلاً، فإنه من أثارة الكبر في النفوس.
فاحذر كمائنَ نفسِكَ اللاتي متىٰ خرجتْ عليكَ، كُسرتَ كَسرَ مُهان
فائـدة:
«من مظاهر الإحسان في تشريع الإسلام المتعلق بـ (نظام الرق) أنه التفت إلى علاج الرق... بروافع ترفع ضرر الرق، وذلك بتقليله عن طريق تكثير أسباب رفعه، وبتخفيف آثار حالته، وذلك بتعديل تصرف المالكين في عبيدهم.
فمن الأول، وهو تكثير أسباب رفعه: جعل مصارف الزكاة في شراء العبيد وعتقهم... وجعل العتق من وجوه الكفارات الواجبة في قتل الخطأ... وأمره بمكاتبة العبيد إن طلبوا المكاتبة... ومن أعتق جزءاً له في عبد قُوِّمَ عليه نصيب شريكه فدفعه وعَتَق العبدُ كلُّه، ومن أولد أمته صارت كالحرة... والترغيب في عتق العبيد... وكان الترغيب في عتق من يتنافس فيه أقوىٰ...
ومن الثاني: وهو تخفيف آثار حالته: النهي عن التشديد علىٰ العبيد في الخدمة.. والأمر بكفاية مؤنتهم وكسوتهم... ونهىٰ عن ضربهم الضرب الخارج عن الحد اللازم، فإذا مثَّل الرجل بعبده عُتق عليه... فمن استقراءِ هاته التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بث الحرية» ا. هـ ملخصاً من كلام العلامة الطاهر بن عاشور ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في كتابه: (مقاصد الشريعة الإسلامية).
238 ــ باب فضل المملوك الَّذي يؤدي حق الله وحق مواليه
1/1362 ــ عَنْ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ العَبْدَ إذَا نَصَحَ لسيِّدِهِ، وأحْسَنَ عبادَةَ الله، فلَهُ أجرُهُ مرَّتَيْن». مُتَّفَقٌ عليهِ.
2/1363 ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «للْعَبْدِ المَمْلُوكِ المُصْلِحِ أجْرَان» والَّذي نفسُ أبي هُرَيْرَةَ بيده، لولا الجهادُ في سبيل الله والحَجُّ وبرُّ أمِّي، لأحْببتُ أن أموتَ وأنا ممْلُوكٌ. مُتَّفَقٌ عليهِ.
3/1364ــ وعَنْ أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «للْمَمْلُوك الَّذي يُحسنُ عبادَةَ ربِّه، ويُؤدِّي إلىٰ سيِّده الَّذي عليه منَ الحقِّ والنَّصيحَة والطَّاعةِ، أجرَان». رواهُ البخاريُّ.
هداية الأحاديث:
1) المملوك إذَا أحسن عبادة ربِّه، وأصلح ونصح في خدمه سيده، كَانَ لَهُ أجران، وهذا نوع من تكريم الشريعة للعبد المملوك، ورفع لمقام عبوديته لله تَعَالىٰ، حَتَّىٰ يعظم أجره.
2) العبد راعٍ في مال سيده، وهو مسؤول عَنْهُ، فَلْيتقِ كلُّ امرئ فيما هُوَ مسؤول عَنْهُ.
فائدة:
قال الإمام الحافظ ابن عبد البر ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «معنىٰ هذا الحديث عندي؛ أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربه في العبادات، وطاعة سيده في المعروف، فقام بهما جميعاً، كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته ــ وهو سيده ــ».
وقال الحافظ ابن حجر: «والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لما يدخل عليه من مشقة الرّق». (فتح الباري شرح صحيح البخاري).
3/1365ــ وعنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لهُمْ أجْرَان؛ رجلٌ من أهل الكتاب آمَنَ بنَبيِّه وآمَنَ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، والعَبْدُ المَمْلُوكُ إذَا أدَّىٰ حقَّ الله وحَقَّ مَوَاليه، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أمةٌ، فأدَّبَهَا فَأحسَنَ تَأديبَها، وعلَّمَها فأحْسَنَ تَعْليمَها، ثُمَّ أعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَها، فلَهُ أجرَان». مُتَّفَقٌ عليهِ.
هداية الحديث:
1) سماحة الشريعة في تضعيف أجر من قام بعملَيْن تامَّيْن مأمور بهما شرعاً.
2) من فقه العبد: تعليمُ أهل بيته، وإحسان صحبتهم وتربيتهم، لأن الاهتمام بالحرائر أولىٰ من الاهتمام بالأمة المملوكة.
فائدة:
قال العلَّامة الطاهر بن عاشور ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في توجيه معنىٰ الحديث المتقدم:
«وأحسب أن من حكمة هذا أن من كان من العبيد بهذا الوصف يكون بقاؤه في الرق تعطيلاً لانتفاع المجتمع به انتفاعاً كاملاً، ويكون إدخاله في صنف الأحرار أفيد لهم». (مقاصد الشريعة الإسلامية).
239 ــ باب فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط والفتن ونحوها
1/1366 ــ عَنْ معقل بن يسار رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «العبادَةُ في الهَرْجِ كهجْرَةٍ إليَّ». رواهُ مُسْلمٌ.
هداية الحديث:
1) لزوم مقام العبودية علىٰ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سبب عظيم للسلامة من الفتن، وعلىٰ قدر قيام العبد بالعبودية تكون كفاية الله له {أَلَيسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبدَهُۥ}.
2) تفضيل العبادة زمن الاختلاط والفتن، فهي تعدل أجر الهجرة إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3) الهجرة مطلوبة في كل زمان ومكان؛ وذلك بالهجرة إلىٰ الله تَعَالىٰ بالإيمان الصادق، والهجرة إلىٰ الرسول صلى الله عليه وسلم بلزوم المتابعة لهديه الكامل.
فائــدة:
قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
«سبب كثرة فضل العبادة في الهرج أن الناس يغفلون ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد». (شرح صحيح مسلم).
وقال القرطبي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ :
«المتمسك في ذلك الوقت بالعبادة، والمنقطع إليها، المنعزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلىٰ النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه ناسبه من حيث أن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده عنه، للاعتصام بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكذا هذا المنقطع للعبادة، فر من الناس بدينه، إلىٰ الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلىٰ ربه، وفَرَّ من جميع خلقه» ا هـ.
نقله عنه الشيخ فيصل المبارك ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في كتابه: (تطريز رياض الصالحين).
240 ــ باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان والنهي عَنْ التطفيف وفضل إنظارُ الموسِر المُعْسرَ والوضع عَنْهُ
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [البقرة 215] ، وقَالَ الله تَعَالىٰ: {وَيَٰقَومِ أَوفُواْ ٱلمِكيَالَ وَٱلمِيزَانَ بِٱلقِسطِۖ وَلَا تَبخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشيَآءَهُم} [هود 85] ، وقال تَعَالىٰ: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ * لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ * يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [المطففين 1_6].
هداية الآيات:
1) الحث علىٰ السماحة في البيع والشراء، فهذا من الخير الَّذي يُعطىٰ عليه العبد أفضل الجزاء.
2) التهديد والوعيد للمطفِّفين؛ الذين يطلبون الزيادة فيما يتعاملون به لصالحهم، وينقصون ما هو صالح الناس.
3) إن الأمر بالعدل في التعامل بالبيع والشراء هو وصية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأُمَمِهم.
1/1367ــ وعَنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رجُلاً أتىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَقَاضَاهُ، فأغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ به أصحابُهُ، فَقَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «دعُوهُ، فإنَّ لصَاحب الحَقِّ مَقَالاً» ثُمَّ قَالَ: «أعْطُوهُ سنّاً مثلَ سِنِّه» قالوا: يارسولَ الله لا نَجدُ إلَّا أمْثَلَ من سِنِّه، قَالَ: «أعطُوهُ، فإنَّ خَيْرَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً». متفق عليه.
غريب الحديث:
يتقاضاه: يطلب قضاء دينه.
أمثل: أحسن حالاً.
هداية الحديث:
1) بيان حسن تعامل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ صاحب الحق، واحتمال الأذىٰ منه، فإن لصاحب الحق مقالاً.
2) الإرشاد إلىٰ الهدي النبوي في الإحسان لصاحب الدين عند القضاء، فمن زاد في مقدار وفاء دينه دون شرط مسبق كَانَ هذا من حسن القضاء.
3) من أصول التعامل: الصبر علىٰ أذية الناس، وخاصة مع البعيدين عَنِ الأدب والخلق الحسن، فعلىٰ المسلم الداعية أن يصبر علىٰ مَا يجده من أذىٰ الناس.
2/1368ــ وعَنْ جابر رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رَحمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحاً إذَا باع، وإذا اشْتَرَىٰ، وإذَا اقْتَضَىٰ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) السماحة في البيع والشراء سبب لنيل العبد رحمة الله تَعَالىٰ.
2) الحث علىٰ العفو عَنِ الناس في بيعهم وشرائهم، وعدم التضييق في التعاملات المالية.
3/1369ــ وعَنْ أبي قتادَةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أن يُنْجِّيَهُ اللهُ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، فلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ». رواهُ مسلمٌ.
غريب الحديث:
يضع عَنْهُ: يعفيه من الدين ويسامحه.
هداية الحديث:
1) الجزاء من جنس العمل؛ فمن فرّج كربة أخيه في الدنيا، فرّج الله عَنْهُ من كرب يوم القيامة.
2) الحث علىٰ المسامحة في وفاء الدين، بالتخفيف أو العفو الكامل.
4/1370ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ رجُلٌ يُداينُ النَّاسَ، وكانَ يقُولُ لفتَاهُ: إذَا أتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَتَجَاوَزَ عنَّا، فَلَقيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ». مُتَّفَقٌ عليهِ.
5/1371 ــ وعَنْ أبي مسعود البَدْريِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حُوسبَ رَجُلٌ ممَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجدْ لَهُ منَ الخَيْر شيءٌ، إلَّا أنَّهُ كَانَ يُخالطُ النَّاسَ، وكانَ مُوسراً، وكانَ يأمُرُ غلمَانَهُ أنْ يَتَجَاوَزُوا عَنْ المُعْسِر. قَالَ الله _عز وجل_: نحنُ أحقُّ بذلك منهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ». رواهُ مسلم.
6/1372 ــ وعَنْ حُذيفةَ رضي الله عنه قَالَ: «أُتِيَ اللهُ بعَبْدٍ منْ عبَادِهِ آتاهُ اللهُ مَالاً، فَقَال لَهُ: ماذا عَملْتَ في الدُّنْيَا؟ قَالَ: ولا يَكْتُمُون اللهَ حَديثاً، قَالَ: يا ربِّ آتيْتَني مالَكَ، فكُنْتُ أبايعُ النَّاسَ، وكان من خُلُقي الجَوَازُ، فَكُنْتُ أتَيَسَّرُ علىٰ المُوسِر، وأُنْظِرُ المُعْسرَ، فَقَال الله تَعَالىٰ: «أنا أحقُّ بذَا منْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدي»، فَقَال عُقْبَةُ بنُ عَامر وأبُو مسعود الأنصاريُّ رضي الله عنهما: هكَذَا سَمعناهُ منْ فيِّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. رواهُ مسلمٌ.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة تأخير المعسر، وهو واجب، ولا يحل لصاحب الحق أن يُلِحَّ علىٰ المعسر في القضاء.
2) الترغيب في مسامحة المعسر والعفو عَنْهُ، وهو سُنة مستحبة، وذلك سبب لنيل عفو الله تَعَالىٰ.
3) العمل القليل مَعَ الإخلاص لوجه الله تَعَالىٰ، سبب لتكفير الذنوب الكبيرة، ونيل رحمة الله تَعَالىٰ.
7/1373ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أنْظَرَ مُعْسِراً، أوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلَّهُ اللهُ يومَ القيامة تَحْتَ ظلِّ عَرْشه، يَوْمَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّهُ». رواه الترمذيٌّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
أنظر معسراً: أَخَّرَ وقت سداده.
هداية الحديث:
1) إمهال المعسر أو مسامحته من الخصال التي ينال بها العبد الظلال تحت عرش الرحمن، جزاءً من جنس عمله.
2) كل امرئ يوم القيامة تحت ظل صدقته، ويُجازىٰ المتجاوزون عَنِ الناس أن يكونوا تحت ظل عرش الرحمن.
8/1374ــ وعَنْ جابر رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَىٰ منهُ بَعيراً، فَوَزَنَ لَهُ، فَأرْجَحَ. مُتَّفَقٌ عليهِ.
9/1375ــ وعَنْ أبي صفوانَ سُوَيْدِ بنِ قَيسٍ رضي الله عنه قَالَ: جلبْتُ أنا وَمَحْرَمَةُ العَبْديُّ بزّاً من هَجَرَ، فَجَاءَنَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَسَاوَمَنَا بسَرَاويلَ، وَعندي وزَّانٌ يَزنُ بالأجْر، فَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للوَزَّان: «زنْ، وَأرْجحْ». رواه أبو داودَ، والترمذيٌّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
بزاً: نوع من الثياب.
فساومنا: المساومة: المراجعة في الثمن حتىٰ يتفقا علىٰ سعر.
هداية الأحاديث:
1) إظهار حسن تعامله صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء، وهو قدوة المؤمنين، فكان يزيد لصاحب الحق زيادة علىٰ حقه.
2) جواز المساومة في الثمن عند الشراء، دون أن يبخس المشتري الحاجة.
3) من سماحة نفس المشتري أن يطلب من البائع أن يرجح في الوزن، بما فيه مصلحة ونفع للبائع.
كتاب العلم
241 ــ باب فضل العلم
قَالَ الله تعالىٰ: {وَقُل رَّبِّ زِدنِي عِلما} [طه 114] ، وقال تعالىٰ: {قُل هَل يَستَوِي ٱلَّذِينَ يَعلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ} [الزمر 9] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ [المجادلة 11] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ [فاطر 28].
هداية الآيات:
1) العلم الذي وردت النصوص في فضله، هو العلم المتلقّىٰ من الوحيين.
2) طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله تعالىٰ، بل علىٰ منهج العلم المؤصل، يُبنىٰ الجهاد وسائر أحكام الشرع المنزل، فالعلم حاكم لا محكوم.
3) العبد إذَا سأل ربَّه شيئاً، كالزيادة في العلم مثلاً، فعليه أن يسعىٰ في الأسباب الموصلة لذلك الشيء.
4) العلم والإيمان سبب لرفع العبد في الدنيا والآخرة، وبحسب ما معه من الإيمان والعلم ترتفع درجته، وهذا من شرف العلم وأهله.
5) تحدّىٰ الله تعالىٰ البشر جميعاً أن يزعم أحدٌ استواءَ العالم والجاهل، فإذا انتفت المساواة، كيف يرضي العبد بالبقاء علىٰ الجهل؟! بل المتعيّن عليه أن يرفع الجهل عن نفسه بالتعلم، ويرفع الجهل عن غيره بالتعليم.
1/1376ــ وَعَنْ معاويةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُردِ اللهُ بِهِ خيراً يُفْقِّهْهُ في الدِّينِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) علامة خيرية العبد وتوفيقه أن يفـقه في دين الله تعالىٰ، وعلامة خذلانه وعدم توفيقه أن يُحرَم الفقه.
2) الفقه في الدين، هو: العلم النافع المُورِث للعمل الصالح، فمن علم ولم يعمل فليس بفقيه.
3) يريد الله تعالىٰ بعباده الخير، لكنّ العبد لظلمه وجهله يحرم نفسه هذا الخير {فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم}.
2/1377 ــ وَعَنْ ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا حَسَدَ إلَّا في اثنَتَيْن؛ رجُلٌ آتاهُ اللهُ مالاً فَسَلّطه علىٰ هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ الحكمةَ فهو يَقْضي بها، ويُعَلِّمُهَا». متفق عليه. والمراد بالحسد: الغِبْطة، وهو أن يتمنىٰ مثله.
غريب الحديث:
علىٰ هلكته في الحق: إنفاقه في الحق ووجوه الخير.
الحكمة: هي العلم النافع، المُورِّث للعمل الصالح، أو السداد في القول والعمل.
هداية الحديث:
1) بيان فضل العلم؛ فمن أتاه الله العلم النافع وعمل به فهو علىٰ خير حال.
2) من رزقه الله مالاً فأنفقه في وجوه الخير فهو علىٰ خير.
3) تحريم الحسد، وهو تمني الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم.
3/1378ــ وَعَنْ أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مثلُ ما بَعَثَني اللهُ به من الهُدَىٰ والعلْم كَمَثل غَيْث أصابَ أرْضاً؛ فكانت منْها طائفةٌ طيّبةٌ قَبلَتِ المَاءَ، فأنْبَتَت الكَلأَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانَ منْهَا أجادبُ أمسَكتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللهُ بها النَّاسَ، فشربُوا منْهَا وسَقَوْا وَزَرَعُوا، وأصَابَ طَائفةً منْهَا أُخرىٰ إنَّما هيَ قيعَانٌ، لا تُمْسكُ ماءً، ولا تُنْبتُ كلأً، فذلكَ مثلُ مَنْ فَقُهَ في دينِ اللهِ، ونَفَعَهُ ما بَعَثَني اللهُ به، فَعَلمَ وَعَلَّمَ، ومثل من لَمْ يَرْفَعْ بذلك رأساً، ولم يَقْبَلْ هُدَىٰ الله الذي أُرسلْتُ به». متفق عليه.
غريب الحديث:
غيث: مطر.
الكلأ: المرعىٰ.
أجادب: الأرض التي لا تنبت.
قيعان: المستوية الواسعة، وقد فُسرت في الحديث: «لاتمسك ماءً ولا تنبت كلأً».
هداية الحديث:
1) بالغيث تحيا الأرض الميتة، وبالوحي ونور العلم تحيا القلوب الهامدة المظلمة، فَلْيحرصِ العبد علىٰ حياة قلبه بالعلم والإيمان.
2) من عَلِمَ وفَقِهَ وعَلَّم الناس فأرض قلبه طيبة، قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فنفع وانتفع.
3) من عَلِمَ ولم يُعلِّم، بل حبس العلم لنفسه، فأرض قلبه أجادب تمسك الماء ولا تنبت الكلأ.
4) من أعرض عن العلم والعمل، فأرض قلبه قيعان، لم تقبل هدىٰ الله تعالىٰ، فهو في أدنىٰ المنازل، فَلْينظرِ العبد إلىٰ أرض قلبه، من أيِّ الأرضين الثلاثة يرضىٰ لها؟!
4/1379ــ وَعَنْ سهل بن سعد رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لعليٍّ، رضي الله عنه: «فَواللهِ، لأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلاً واحداً خيرٌ لكَ مِن حُمْر النَّعَمِ». متفق عليه.
غريب الحديث:
حُمْر النعم: بسكون الميم جمع حمراء، أي: النوق الحمراء، وهي من نفائس أموال العرب.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ العلم، لأنه زاد الداعية إلىٰ الله تعالىٰ.
2) فضيلة هداية الناس ودعوتهم إلىٰ الحق، ولكن لا يمكن للإنسان أن يدعو إلىٰ الله إلا بنور العلم، فالعلم أساس الدعوة وزادها. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا﴾.
5/1380ــ وَعَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي ولوْ آيةً، وَحَدِّثُوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرَجَ، ومَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ منَ النَّار». رواه البخاري.
غريب الحديث:
بني إسرائيل: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارىٰ.
فليتبوأ: يتخذ مَباءة، وهي المحل والمنزل.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ إبلاغ العلم النافع للناس، ولو كَانَ قليلاً، فمن رزقه الله تعالىٰ علماً مبنياً علىٰ الوحي فَلْينشرْه بين الناس، فإنه صدقة.
2) التحذير الشديد من الكذب علىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم برواية الأحاديث المكذوبة، ولو كَانَ معناها صحيحاً، ففي الحديث الصحيح ما يغني عن المكذوبات والموضوعات.
تنبيه:
تنتشر بين بعض الناس أوراق كثيرة، فيها أحاديث وروايات في الترغيب والترهيب مكذوبة علىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فمنها مثلاً: ورقة (عقوبة تارك الصلاة)؛ أنه يعاقب بخمس في الدنيا، وخمس في القبر، وخمس في الحشر، ونحو ذلك، فهذه الأوراق يجب الحذر والتحذير منها، لأنه لا يجوز أن نعظ الناس بما هو كذب علىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يفعل ذلك عامداً فهو متوعَّد بالنار، وفيما صحّ من السنة النبوية من الحكمة والهدىٰ ما يغني عن الأحاديث المكذوبة واتباع الهوىٰ.
6/1381ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَمَنْ سَلَكَ طريقاً يلتمسُ فيه علماً سهَّلَ اللهُ لهُ به طريقاً إلىٰ الجَنَّة». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كلما ازداد العبد حرصاً علىٰ سلوك طريق العلم النافع، أعانه الله تعالىٰ في طريقه إلىٰ الجنة.
2) تحصيل العلم النافع سبب عظيم لدخول الجنة.
فائدة:
الطريق المسلوك لطلب العلم نوعان:
1 ــ الطريق الحسي الذي تقرعه الأقدام، مثل أن يأتي الإنسان إلىٰ مجلس العلم، أو يرتحل من بلده إلىٰ بلد آخر لطلب العلم.
2 ــ الطريق المعنوي الذي تطرقه الأفهام، كَأن يسأل العلماء بوسيلة اتصال، أو يراجع الكتب، فإنه سالك لطريق العلم ولو كَانَ جالساً في بيته.
7/1382 ــ وعنه أيضاً رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ دَعَا إلىٰ هدىٰ كَانَ له من الأجْر مثلُ أجُور مِنَ تَبعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك منْ أجُورِهِمْ شَيئاً». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كثرة أجور من دعا إلىٰ علم نافع، أو حث علىٰ عمل صالح، فاقتدىٰ الناس بكلامه أو فِعاله، وأعظم من له نصيب من ذلك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه ما من خير أصابنا إلا وهو الذي أرشد الأمة إليه، صلوات الله وسلامه عليه.
2) الأجر التام للفاعل، وللداعي إلىٰ الخير، لا ينقص منه شيئاً.
3) فضيلة خاصة للعلم، لأن بالعلم تكون الدلالة علىٰ الهدىٰ.
8/1383ــ وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا مَاتَ ابنُ آدمَ انْقَطَعَ عملُهُ إلَّا من ثلاثٍ؛ صَدَقَةٍ جاريةٍ، أو علْمٍ يُنْتفَعُ به، أو ولَدٍ صالحٍ يَدْعُو لَهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كل عمل صالح يستمر للإنسان بعد موته فهو صدقة جارية.
2) الحث علىٰ تعلّم العلم وتعليمه، لأنه الميراث الدائم بعد موت الإنسان.
تنبيـه:
إن دعاء الولد لوالديه بعد الموت من أفضل الأعمال التي ينتفع بها الميت، لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرشد إليه وحث عليه، ولا يمكن أن يدل أمته إلا علىٰ خير ما يعلمه لهم، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ لزوم ما هدانا إليه رسول الهدىٰ صلى الله عليه وسلم، ويهجرْ ما سوىٰ ذلك مما يحدثه الناس علىٰ غير أثارة من العلم.
9/1384ــ وعنهُ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، ملعُونٌ ما فيهَا، إلَّا ذكْرَ الله تعالىٰ وَمَا والاهُ، وَعَالماً أو مُتَعَلِّماً». رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قوله: «وماوالاه» أي: طاعة الله.
هداية الحديث:
1) بيان فضل العلم وطلابه، لأنه هو الشيء المستثنىٰ من الدنيا الملعونة.
2) معرفة قدر الدنيا، وأنه لا خير فيها إلا ما قرّب إلىٰ الله تعالىٰ من ذكر وعلم.
3) العالم والمتعلم علىٰ سبيل نجاة، فَلْيحرصِ المؤمن أن يغدو عالماً أو متعلماً، أو مستمعاً، ولا يكن جاهلاً، فيهلك.
10/1385 ــ وَعَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خرَجَ في طَلَبِ العلم كَانَ في سبيل الله حَتَّىٰ يَرجعَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) الخروج في سبيل طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله.
2) طالب العلم له من الله تعالىٰ الرعاية والحفظ، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله تعالىٰ حَتَّىٰ يرجع.
11/1386ــ وَعَنْ أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَنْ يشْبَعَ مؤمنٌ من خير حَتَّىٰ يكونَ منْتَهاهُ الجَّنَّةَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن[5]. [5] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) طالب العلم لا يشبع من طلب العلم والازدياد في الخير حَتَّىٰ يلقىٰ ربَّه.
2) همة المؤمن عالية لاترضىٰ دون الجنة منزلاً.
فائدة:
قيل للإمام أحمد ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: إلىٰ متىٰ تطلب العلم؟ فقال: «من المَحْبَرَةِ إلىٰ المَقْبَرَةِ»!. ذكره الخطيب البغدادي في كتابه: (شرف أصحاب الحديث).
12/1387 ــ وَعَنْ أبي أمامةَ رضي الله عنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فضلُ العالم علىٰ العَابدِ كفضلِي علىٰ أدْنَاكم»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماواتِ والأرضِ، حَتَّىٰ النَّمْلَةَ في جُحْرهَا، وَحَتَّىٰ الحُوتَ، لَيُصلُّون علىٰ مُعَلِّمي النَّاس الخَيْرَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
ليصلون: يدعون، فالصلاة بمعنىٰ الدعاء.
هداية الحديث:
1) فضيلة معلم الناس الخير؛ فالكائنات كلها حَتَّىٰ الحيوانات تدعو له، لأن العالم نفعه عام لكل المخلوقات.
2) بيان التفاضل بين العلماء وغيرهم في الرتبة، وهذا فيه حث للعبد علىٰ التعلم، والتعليم، ليكون ممن لهم الرفعة في الدنيا والآخرة.
13/ 1388ــ وَعَنْ أبي الدَّرداء رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ سَلَكَ طريقاً يبتغي فيه علماً سهَّل اللهُ له طريقاً إلىٰ الجنَّةِ، وإنَّ الملائكَةَ لتَضَعُ أجْنحَتَهَا لطالبِ العلمِ رَضىً بما يصنعُ، وإنَّ العالمَ لَيسْتغفرُ له مَن في السماوات ومَنْ في الأرض، حَتَّىٰ الحيتَانُ في الماء، وفضْلُ العالم علىٰ العَابد كَفَضْلِ القَمَرِ علىٰ سائرِ الكَواكبِ، وإنَّ العُلمَاءَ ورثَةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لمْ يُورِّثُوا ديناراً ولا درهماً، وإنَّمَا ورَّثُوا العلْمَ، فَمَنْ أخَذَهُ أخَذَ بحظٍّ وافرٍ». رواه أبو داود والترمذي.
هداية الحديث:
1) إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا مهمة الأنبياء في العلم والعمل، وفي دعوة الخلق إلىٰ الحق، ونصيحتهم في جلب كل خير، ودفع كل شر.
2) العلم خير ميراث يرثه العبد، فهو الكنز الذي لا يفنىٰ، ومَن فاز به ربح، ولو لم يكن من فضل العلم إلا متابعة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لكفىٰ وشفىٰ.
3) الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم تواضعاً له وتكريماً لما يحمله من ميراث النبوة، وهذا يدل علىٰ المحبة والتعظيم. فشيءٌ هذا فضله وشأنه كيف يرغب الناس عَنْهُ ويتركوه إلىٰ حطام الدنيا؟!.
14/1389ــ وَعَنْ ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقولُ: «نَضَّرَ اللهُ امرأً سمعَ منَّا شيئاً فَبَلَّغَهُ كَمَا سمعَهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَىٰ مِن سامِعٍ». رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
نضّر: حَسَّن، فهو دعاء بالنضارة، وهي: الحسن والبهاء.
هداية الحديث:
1) أهل الحديث الحريصون علىٰ تبليغ هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للناس لهم النضارة في وجوههم، لقاء حملهم العلم ونشره.
2) أفهام الناس متفاوتة؛ فربَّ مبلِّغ أوعىٰ من سامع، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه.
3) التنبيه علىٰ وجوب تبليغ العلم كَمَا سُمع، أما من يزيد في بلاغ الشريعة، بحجة دعوة الناس وجمعهم علىٰ الخير، فليس له من هذا الدعاء نصيب، لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فبلّغه كَمَا سمعه».
15/1390ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سُئلَ عنْ علمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجمَ يوْمَ القيَامةِ بلجَامٍ منْ نَارٍ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
أُلجم: وضع علىٰ فمه لجام، وهو ما يكون علىٰ الدابة تُشدّ به.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تبليغ العلم وعدم كتمانه.
2) الممتنع عن بذل العلم لمستحقيه، والإجابة عن سؤال مسترشديه، يعاقَب بإلجامه بلجام من نار، وهذا فيه وعيد شديد علىٰ كاتم العلم النافع عن أهله.
فائدة:
ليس كل من كتم علماً لحقه هذا الوعيد، بل من العلم ما ينبغي كتمه عن بعض الناس، ونشره لآخرين، كَأنَ تكون المسألة تسبب مفسدة لبعض الناس، فلا ينبغي إبلاغها إياهم، وفي هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يدل علىٰ ذلك، فقد ذكر البخاري في صحيحه: (باب: من خصّ بالعلم قوماً دون قوم كراهيةَ أن لا يَفهموا)، وأورد حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «ما مِن أحدٍ يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمداً رسولُ الله صدقاً من قلبه إلا حرّمه اللهُ علىٰ النار» قال: يارسول الله! أَفَلا أخبرُ به الناسَ فيستبشروا؟ قال: «إذاً يتّكلوا»! وفي رواية: «لا، إني أخاف أن يتّكلوا». ا. هـ.
فمَنْعُ البلاغِ عند خوف الفتنة ليس من كتمان العلم، بل هو من (صيانة العلم) قال العلَّامة حافظ حكمي في منظومته (الميمية في الآداب والوصايا العلمية):
في لعنة الله والأقوام كلِّهم
والكتمُ للعلمِ فاحذرْ إن كاتمَه
ماذا بكتمانٍ بل صونٌ، فلا تَلُمِ
وصائنُ العلمِ عمن ليس يحملُه
من مستحقٍ له فافهمْ، ولا تَهِمِ
وإنما الكتم منعُ العلمِ طالبَه
16/1391ــ وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تعلَّمَ علماً ممَّا يُبْتغىٰ به وجهُ الله _عز وجل_ لا يتعلَّمُهُ إلا ليُصيبَ به عَرَضاً من الدُّنيا لم يجد عَرْفَ الجَنَّة يومَ القيامةِ» يَعني: ريحَها. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
عَرَضاً من الدنيا: شيئاً من الدنيا.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الإخلاص في طلب العلم، ويتحقق الإخلاص بأن يقصد الطالب بالعلم رفع الجهل عن نفسه، ورفع الجهل عن غيره، وحماية شريعة الله تعالىٰ بالدفاع عنها.
2) مَن جعلَ العلم الشرعي ــ الذي هو أجلُّ العبادات ــ سلماً لنيل عرض من الدنيا توعّده الله تعالىٰ بحرمانه من الجنة.
17/1392ــ وَعَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعُهُ من النَّاس، ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العُلَماء، حَتَّىٰ إذَا لم يُبْقِ عالماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فسُئلوا، فأفْتَوا بغيرِ علْمٍ، فَضَلُّوا وأضلُّوا». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) بيان صفة قبض العلم، وذلك بموت أهله، وهم العلماء الذين يُستضاء بهم في ظلمات الجهل، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ الاستفادة من حياة العلماء قبل فقدهم!
2) الحث علىٰ طلب العلم، فقد أخبرنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر لنحذر قبض العلم، فالإخبار بالواقع لا يعني إقراره، بل من أجل التحذير منه، فهو إخبار تحذير وإرشاد، لا إخبار تقرير وإشهاد.
فائدة:
ذكر المصنف النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ (كتاب العِلم) بعد (كتاب الجهاد) مباشرة، وهذا فيه إشارة واضحة إلىٰ أن العلمَ، حملَه وإبلاغَه، نوعٌ من الجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
* قال أبو الدرداء رضي الله عنه:
«من رأىٰ الغدو والرواح إلىٰ العلم ليس بجهاد فقد نقص عقله ورأيه». رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله).
* وقال ابن مفلح ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (الآداب الشرعية):
«قال المروزي: قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: رجل له خمسمائة درهم، ترىٰ أن يصرفه في الغزو والجهاد أو يطلب العلم؟ قال: إذا كان جاهلاً يطلب العلم أحب إليَّ».
* وقال ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (جلاء الأفهام):
«... وتبليغُ سُنة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلىٰ الأمة أفضل من تبليغ السهام إلىٰ نحور العدو، لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالىٰ منهم بمنِّه وكرمه».
كتاب حمد الله تعالى وشكره
242 ــ باب فضل الحمد والشكر
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقال تعالىٰ: {لَئِن شَكَرتُم لَأَزِيدَنَّكُم} [إبراهيم: 7] ، وقال تعالىٰ: {وَقُلِ ٱلحَمدُ لِلَّه} [الإسراء: 111] ، وقال تعالىٰ: {وَءَاخِرُ دَعوَىٰهُم أَنِ ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ} [يونس: 10].
فائدة:
الحمد: هو الإخبار عن الله تعالىٰ بجميع الكمالات اللائقة به، وتنزيهه عن كل ما ينافي ذلك. فإن كُرر الحمد صار ثناءً، فإن كُرر الثناء صار مجداً.
الشكر: هو إظهار النعم والاعتراف بها بالقلب، واللسان، والجوارح، فمن كَانَ من أهل الغنىٰ والمال، فالشكر عَلَىٰ هذه النعمة بالاعتراف والإقرار بأن الله هو المنعم، مع إنفاق المال في وجوه الخير.
هداية الآيات:
1) الذكر النافع للعبد هو ذكر القلب، وأعظمه ما اشترك فيه القلب واللسان.
2) ذكر الله تعالىٰ هو كل طاعة تقرّب إلىٰ الله؛ من عبادة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو تعلم علم، أو تفكّر، أو محاسبة، أو ذكر باللسان... فكل ذلك من ذكر الله تعالىٰ.
3) الشكر له فائدتان عظيمتان:
الأولىٰ: الاعتراف بالعبودية لله تعالىٰ، وأداء بعض حقه.
والثانية: سبب لمزيد النعمة ودوامها عَلَىٰ العبد.
4) الترغيب في دوام حمد الله تعالىٰ في كل حال، في السراء والضراء، فهو سبحانه محمود في ابتداء الخلق، وإنزال الشرع، واستمرار الخلق، وانتهاء الخلق .وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حمد الله عَلَىٰ كل حال؛ إن أصابته سراء قَالَ: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإن أصابته ضراء قَالَ: «الحمد لله عَلَىٰ كل حال».
1/1393 ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ ليلةَ أُسْرِيَ بهِ بقدحيْن من خَمْرٍ ولبنٍ، فنَظَرَ إليهما، فأخَذَ اللَّبنَ. فقال جبريلُ عليه السلام: «الحمدُ لله الذي هَداكَ للفِطْرةِ، لو أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أمَّتُكَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
قدح: إناء يوضع فيه شراب.
الفطرة: الدين الحق، والتوحيد الخالص.
غوت: ضلَّت وانحرفت عن الفطرة.
هداية الحديث:
1) إن دوام حمد لله تعالىٰ عَلَىٰ كل حال سبب لهداية العبد للخير، وأن يصرف عَنْهُ الشر.
2) الخمر أم الخبائث، فهي سبب للغواية والضلال.
3) إن موافقة العبد للفطرة من الأعمال التي يحبها الله تعالىٰ ويرضاها.
2/1394ــ وعنه عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبْدأ فيه بالحمدُ لله، فهُوَ أقْطَعُ». حديث حسن رواه أبو داود وغيره[1]. [1] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
ذي بال: له أهمية وشأن.
أقطع: ناقص.
هداية الحديث:
1) استحباب مباشرة الأمور بحمد الله تعالىٰ، وخاصة ما كَانَ له شأن وأهمية.
2) البركة تنزل بذكر اسم الله تعالىٰ وحمده، وهذا من فوائد الحمد. ومنه يعلمُ العبد أن كل شيء يُنسَب إلىٰ الله تعالىٰ فهو مبارك، وكل شيء مقطوع عن الله تعالىٰ فهو ممحوق البركة.
3/1395ــ وَعَنْ أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا ماتَ ولدُ العبدِ قَالَ اللهُ تعالىٰ لملائكتِهِ: قَبَضْتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نَعَمْ، فيقولُ: قَبَضْتُم ثمرةَ فُؤادِهِ؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قَالَ عبدي؟ فيقولون: حَمدكَ واسترجعَ، فيقول الله تعالىٰ: ابنُوا لعبدي بيتاً في الجَنَّةِ، وسمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) بيان جزاء من يحمد الله تعالىٰ في الضراء؛ أن الله يعوّضه ببيت في الجنة، هو بيت الحمد.
2) حال المؤمن الموفَّق لزومُ الصبر، واحتساب الأجر، عند المصائب، وأن يحمد الله عَلَىٰ كل حال ويسترجع بقوله: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
3) اللجوء إلىٰ الله تعالىٰ عند المصائب يخفف المصيبة، ويجبر كسر العبد.
4/1396ــ وَعَنْ أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لَيَرْضىٰ عن العَبْد يأكُلُ الأكلةَ، فيَحْمَدُهُ عليها، وَيَشْربُ الشَّرْبةَ، فَيَحْمَدُهُ عليها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إنَّ حمد العبد لله تعالىٰ عند أكله وشربه سبب لنيل رضا الله _عز وجل_.
2) استحباب استفتاح الأكل والشرب بالتسمية: «بسم الله»، واستحباب ختم ذلك بالحمد لله، فهذا هو هدي النّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فائدة:
التسمية المشروعة عند ابتداء الأكل والشرب هي قول العبد: «بسم الله»، أما ما شاع بين الناس من قول: «بسم الله الرحمن الرحيم» فهذا يسميه العلماء: البسملة، وهي مشروعة عند البدء بقراءة السورة من القرآن، فلا نخلط بين التسمية والبسملة.
والموفَّق من لزم هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فأتىٰ بالورد النبوي في صيغته الواردة، ومحله المناسب، قاصداً التأسي، فهذا هو مقام اتِّباع سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كتاب الصلاة عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
243 ــ باب فضل الصلاة عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
هداية الآية:
1) استحباب دوام الصَّلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمر الله تعالىٰ، واقتداء بالملائكة الكرام.
2) تجب الصَّلاة عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في مواطن، منها: عند ذكر اسمه عليه الصلاة والسلام.
3) معنىٰ الصَّلاة من العبد عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: الدعاء له بأن يثني الله عليه في الملأ الأعلىٰ، أمّا السَّلام عَلَىٰ رَسُول الله فمعناه: الدعاء له بالسلامة من كل آفة في حياته وبعد مماته، ومن ذلك أن تسلم شريعته، وتسلم سُنّته من كل زيادة أو تحريف.
فائدة:
لا يجوز إفرادُ غير الأنبياء بالصلاة عليهم، وجعلُ ذلك شعاراً ملتزماً على بعض الأئمة، كَمَا تفعله بعض الطوائف الضالة من علامة أهل البدع، والصحيح أن الأنبياء يُفرَدون بالصلاة فحسب، أما غير الأنبياء فتكون الصلاة عليهم تبعاً، كَانَ نقول: «اللهم صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وآله» أو «اللهم صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وصحبه».
1/1397ــ وَعَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما أنهُ سمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ صلَّىٰ عليَّ صلاةً صلَّىٰ اللهُ عليه بها عَشْراً». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، لما فيها من مضاعفة الأجر للعبد.
2) الصلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سبب لرحمة الله تعالىٰ لعباده.
2/1398 ــ وَعَنْ ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أولىٰ النَّاسِ بي يومَ القيامة أكثرُهُم عليَّ صلاةً». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) إظهار فضيلة خاصة لأهل الحديث المتّبعين للسنة النبوية، المستمسكين بها، لأن أهل الحديث هم أكثر الناس صلاة علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دون سائر الناس.
2) الترغيب في كثرة الصلاة عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك سبب للقرب منه صلى الله عليه وسلم.
3/1399ــ وَعَنْ أوس بن أوس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن أفضل أيَّامِكُمْ يومَ الجُمُعةِ، فأكْثرُوا عليَّ منَ الصَّلاة فيه، فإنَّ صلاتَكُمْ معروضَةٌ عليَّ» فقالوا: يارسول الله، وكيفَ تُعرَضُ صلاتُنا عليكَ وقدْ أرَمْتَ؟! قَالَ: يقول: بليتَ، قَالَ: «إنَّ الله _عز وجل_ حَرَّمَ عَلَىٰ الأرْضِ أجْسادَ الأنْبياءِ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
هداية الحديث:
1) فضيلة خاصة للصلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم والإكثار منها يوم الجمعة، ليتوافق فضل العبادة مع فضل الزمان.
2) الصلاةُ عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تُعرض عليه بوساطة الملائكة السّياحين، الذين جعلهم الله لإبلاغ صلوات أمته له، وليس معنىٰ الحديث أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يسمعنا مباشرة .
3) وجوب التسليم لخبر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم تدركه العقول، فإن للعقل حداً ينتهي إليه في الأفهام، كَمَا أن للعين حداً لا تتعداه في الإبصار.
4/1400ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «رغمَ أنفُ رجُلٍ ذُكرتُ عندَهُ فلَمْ يُصَلِّ عليَّ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
رغم أنف: دعاء بأن يُجعل أنفه في الرغامة، وهي الأرض الترابية، ومعنىٰ الدعاء: أنَّ لصقَ أنفه ــ وهو أعلىٰ ما في وجه الإنسان ــ بالتراب، دلالةٌ عَلَىٰ الذل والحقارة.
هداية الحديث:
1) الدعاء بالذل والمهانة لمن أدام ترك الصلاة والسلام عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عامداً عند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم.
2) الإكثار من عبودية الصلاة والسلام عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سبب لعزّ المؤمن ورفعته. فالناس يفتخرون بعظمائهم في الدنيا، والمسلمون يفاخرون بمن جاءهم بخير الدنيا والآخرة.
5/1401ــ وعنهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَجْعَلُوا قَبْري عيداً، وصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتَـكُمْ تبْلُغُني حيثُ كُنْتُمْ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
عيداً: اسم لما يعود من الاجتماع العام علىٰ وجه معتاد، فالعيد: اسم لمجموع اليوم، والعمل فيه. ويطلق أيضاً علىٰ المكان الذي يقصد الاجتماع فيه.
هداية الحديث:
1) استحباب الصلاة والسلام عَلَىٰ رَسُول الله أينما كَانَ الرجل في الأرض، فإن الصلاة تبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم.
2) لا يجوز أن يُشدَّ الرحل ويُخصَّ لزيارة قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، لكن يشد الرحل إلىٰ المسجد النبوي فإذا وصله العبد جاز له أن يسلِّم عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عند قبره.
6/1402 ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ما مِن أحدٍ يُسلِّم عليَّ إلَّا ردَّ اللهُ عليَّ رُوحي حَتَّىٰ أرُدَّ عليه السلام». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
هداية الحديث:
1) حياة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في قبره أكمل حياة برزخية أكرم الله تعالىٰ بها نبيّاً في قبره، وهو سبحانه أعلم بصفة هذه الحياة، لكنها لا تشبه حياة الدنيا؛ فلا نعتقد أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في قبره كحال حياته في الدنيا.
2) الحث عَلَىٰ الصلاة والسلام عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، لينال العبدُ فضيلةَ رَدِّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليه.
7/1403ــ وَعَنْ عليٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «البَخيلُ مَن ذُكرتُ عندَهُ فلم يُصَلِّ عليَّ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) استحباب الصلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر اسمه، ليخرج العبد عن صفة البخل، فالبخيل حقاً من حُرم الصلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
2) البخل صفة مذمومة، وخاصة بخل العبد بما يستطيع أن يبذله، فَلْيحرصِ المؤمن أن يزكّي نفسه ويطهرها من صفة البخل، ليكون من المفلحين {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ}.
8/1404 ــ وَعَنْ فضالةَ بنِ عبيدٍ رضي الله عنه قَالَ: سمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رجُلاً يدعُو في صلاته لم يُمجِّدِ اللهَ تعالىٰ، ولمْ يُصلِّ عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عجلَ هذا» ثُمَّ دعاهُ، فقال لهُ ــ أو لغيره: «إذَا صلَّىٰ أحدُكُم فَلْيبدأ بتحميد ربِّه سُبحانهُ والثَّنَاءِ عليه، ثُمَّ يُصلِّي عَلَىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يدعُو بعدُ بما شاءَ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) من أدب الدعاء في الصلاة وخارجها البداءة بحمد الله تعالىٰ وتعظيمه، ثُمَّ الصلاة والسلام عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يدعو العبد بما شاء.
2) الاستعجال في الدعاء سبب لردّه وعدم استجابته.
3) استحباب تعليم الجاهل إذَا أخطأ. فَلْيحرصِ المؤمن، وخاصة طلاب العلم، عَلَىٰ تعليم الناس السنة النبوية الصحيحة.
9/1405 ــ وَعَنْ أبي مُحَمَّدٍ كعب بن عجرةَ رضي الله عنه قَالَ: خرجَ عليْنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقُلنا: يارسولَ الله، قد علمنا كيفَ نسلِّمُ عليكَ، فكيفَ نصلِّي عليكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهم صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ، وَعَلىٰ آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَىٰ آلِ إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ. اللَّهم باركْ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ،وَعَلىٰ آل مُحَمَّدٍ،كَمَا باركتَ عَلَىٰ آلِ إبراهيمَ، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصحابة رضي الله عنهم في حرصهم على المسألة عن العلم النافع والاستزادة منه، وهذا شأن المسلم؛ يسأل عما ينفعه في أمر دينه، ويدع ما سواه.
2) الصلاة المذكورة في الحديث هي أفضل صيغة يقولها العبد في الصلاة وخارجها وهي الصيغة الكاملة، وإن اقتصر عَلَىٰ قوله: «اللهم صَلِّ وسلِّم عَلَىٰ مُحَمَّدٍ» فهي صيغة جائزة.
3) ما يفعله بعض الناس من تكلف صيغ للصلاة عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مخالف للسنة النبوية، وهدي الصحابة رضي الله عنهم، وكل خير في اتباع الهدي المعصوم المأثور.
10/1406ــ عن أبي مسعودٍ البَدْريِّ رضي الله عنه قَالَ: أتانا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ونحنُ في مجْلسِ سعدِ بنِ عُبادةَ رضي الله عنه، فقال لهُ بشير بن سعد: أمَرَنا اللهُ تعالىٰ أنْ نُصلِّي عليكَ يارسولَ الله، فكيفَ نُصلِّي عليْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، حَتَّىٰ تَمَنَّيْنا أنه لم يَسألْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قولُوا: اللّهم صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ، وَعَلىٰ آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَىٰ آلِ إبراهيمِ، وباركْ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ، وَعَلىٰ آل مُحَمَّدٍ، كَمَا باركتَ عَلَىٰ آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ، والسَّلامُ كَمَا قد علمتُمْ». رواه مسلم.
11/1407 ــ وَعَنْ أبي حَميدٍ الساعديِّ رضي الله عنه قَالَ: قالوا: يا رسولَ الله، كيفَ نُصلِّي عليكَ؟ قَالَ: «قولوا: اللّهم صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ، وَعَلىٰ أزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْت عَلَىٰ آلِ إبراهيمَ، وباركْ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ، وَعَلىٰ أزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كَمَا باركتَ عَلَىٰ آلِ إبراهيمَ، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) لا يجوز للمسلم فعل عبادة حَتَّىٰ يسأل: كيف كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يفعلها؟ فهؤلاء صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: كيف نصلِّي عليك؟
2) صيغ الصلوات الإبراهيمية اشتملت عَلَىٰ طلب الصلاة من الله تعالىٰ عَلَىٰ نبيِّه وآله، وطلب البركة عليه وعلىٰ آله، والتوسل إلىٰ الله بأنه كَمَا صلَّىٰ وبارك عَلَىٰ إبراهيمَ وآله، فكذلك نطلب منه أن يصلِّي ويبارك عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وآله، فهذا من التوسل المشروع، وهو التوسل إلىٰ الله تعالىٰ بأفعاله السابقة، علىٰ حصول أفعاله اللاحقة.
فائدة:
لو أن رجلاً نذر أنه يصلِّي عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بأفضل صيغة، فماذا يفعل؟
قَالَ العلماء: «لا يكون موفياً بنذره إلا إذَا أتىٰ بالصيغة النبوية الواردة في أحد الأحاديث المأثورة، كنحو الأحاديث المتقدمة. لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دلّ الأمّة عَلَىٰ خير ما يعلمه لها، ولو كَانَ هناك صيغة أفضل من هذه الصيغ لحث النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها».
كتاب الأذكــار
244 ــ باب فضل الذكر والحث عليه
قَالَ الله تعالىٰ: {وَلَذِكرُ ٱللَّهِ أَكبَرُۗ} [العنكبوت: 45] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة: 152] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 205] ، وقال تعالىٰ: {وَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرا لَّعَلَّكُم تُفلِحُونَ} [الجمعة: 10] ، وقال تعالىٰ: {إِنَّ ٱلمُسلِمِينَ وَٱلمُسلِمَٰتِ} إلىٰ قوله تعالىٰ: {وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغفِرَة وَأَجرًا عَظِيما} [الأحزاب: 35] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا * وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 ـ 42]، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
فائدة:
ذِكرُ الله تعالىٰ يكون بالقلب، واللسان، والجوارح.
ــ أما ذكر الله بالقلب: فهو عبادة التفكّر، التي تورث العبد التذكّر والخشية.
ــ وذكر الله باللسان: يشمل كل قول يقرّب إلىٰ الله _عز وجل_؛ من التهليل، والتسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقراءة العلم ونشره، ونحو ذلك.
ــ وذكر الله بالجوارح: يشمل كل فعل يقرّب إلىٰ الله تعالىٰ؛ كالصلاة، وقضاء حاجة العباد، وغير ذلك.
هذا الذكر بمعناه الشرعي الشامل، لكن إذَا أُطلق الذكر في عادة الناس وعرفهم فالمراد به ذكر الله تعالىٰ بالتسبيح والتحميد والتكبير... فهو ذكر اللسان الخاص.
هداية الآيات:
1) الحث عَلَىٰ اغتنام الأوقات أول النهار وآخره بذكر الله تعالىٰ، لما يترتّب عَلَىٰ الذكر من الفلاح، والأجر، والنجاة من الغفلة، وجلب محبة الله تعالىٰ للعبد، وأن يذكر الله تعالىٰ عبده الذاكر في الملأ الأعلىٰ.
2) أفضل الذكر مَا اشترك فيه القلب مَعَ اللسان، وأورث العبد الخشية وزيادة الإيمان.
1/1408ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كلمَتَان خَفيفتان عَلَىٰ اللِّسانِ، ثقيلتان في الميزانِ، حَبيبَتَان إلىٰ الرَّحمنِ: سُبْحَانَ اللهِ وبحمدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) هاتان الكلمتان من أسباب محبة الله للعبد، ومن أسباب رجحان ميزانه يوم الحساب.
2) الموفَّق من عباد الله من اغتنم العمل القليل، لينال به الأجر العظيم.
فائدة:
معنىٰ سُبْحَان الله وبحمده: أنزّه الله تعالىٰ عن كل عيب ونقص، قارناً التسبيح بالحمد الدال عَلَىٰ كمال الله تعالىٰ وتمام حكمته.
ومعنىٰ سُبْحَان الله العظيم: تنزيه الله تعالىٰ ذي العظمة والقوة والجلال، فهو عظيم بذاته، عظيم بصفاته .
2/1409ــ وعنه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقولَ: سُبْحَانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، أحبُّ إليَّ مما طلَعَتْ عليه الشَّمسُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) أربع كلمات من ذكر الله تعالىٰ هُنَّ أحب إلىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا كلها، وهذا دليل عَلَىٰ عظم هذه الكلمات عند الله تعالىٰ.
2) الشيطان يغر العبد ويكسله ويثبّطه عن الخير والذكر، وإلا فهل يغفل العبدُ عن شيء هو خير من الدنيا وما فيها؟
3) هذه الكلمات هن الباقيات الصالحات الواردة في قوله تعالىٰ: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا } [الكهف: 46].
3/1410 ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، ولهُ الحَمْدُ، وهُو عَلَىٰ كل شيءٍ قديرٌ، في يومٍ مائةَ مرَّة كانت لَهُ عَدْلَ عَشرْ رِقَابٍ، وكُتبَتْ لَهُ مائةُ حسنةٍ، ومُحيَتْ عَنْهُ مائةُ سيِّئةٍ، وكانت لَهُ حرزاً من الشَّيطان يومَهُ ذلك حتىٰ يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ ممَّا جاء به إلَّا رجلٌ عملَ أكثَرَ منه» وقال: «من قَالَ: سُبْحَان الله و بحمده في يومٍ مئةَ مرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وإنْ كانَتْ مثلَ زبَدِ البَحْرِ». متفق عليه.
غريب الحديث:
زبد البحر: رغوة البحر.
عدل عشر رقاب: مَا يعادل في الثواب.
حرزاً: حصناً.
هداية الحديث:
1) تعظيم قدر الفضائل الخمسة لمن قَالَ الذكر الوارد، لأن معناه: تهليل الله تعالىٰ وتوحيده.
2) ذكر الله تعالىٰ بالتهليل سبب لعصمة الإنسان من مداخل الشيطان.
3) قول: «سُبْحَان الله وبحمده مائة مرة» سبب لغفران الذنوب كلها، ولو عظمت!.
4) الحث عَلَىٰ التنافس في الخيرات والمسابقة في الطاعات.
4/1411 ــ وعن أبي أيّوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلك، وله الحَمْدُ، وهُوَ عَلَىٰ كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشرَ مرَّات، كَانَ كَمَنْ أعْتَقَ أربعةَ أنْفُسٍ منْ ولدِ إسماعيلَ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) تهليل الله تعالىٰ عشر مرات يعادل في الأجر كمن أعتق أربع رقاب من أشرف الناس نسباً، وهم بنو إسماعيل.
2) بيان فضيلة هذا الذكر، والموفَّق من أعانه الله تعالىٰ في المحافظة عليه.
5/1412ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُخبرُكَ بأحبِّ الكَلام إلىٰ الله»؟ «إنَّ أحبَّ الكلام إلىٰ الله: سُبْحَانَ اللهِ وبِحمدِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) تنزيه الله وحمده من أحب الكلام إلىٰ الله تعالىٰ، لأنه يتضمن تعظيم الربِّ والثناء عليه.
6/1413ــ وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شطرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، والحمدُ للهِ تملآن ــ أوْ تملأ ــ مَا بينَ السَّماواتِ والأرْضِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) حمد الله تعالىٰ من أعظم الذكر، حتىٰ إن فضل الحَمْد يملأ الميزان يوم الجزاء لعظم ثواب الحَمْد.
2) إن فضل تسبيح الله تعالىٰ المقرون بالحمد يملأ مَا بين السماوات والأرض.
7/1414ــ وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: جاء أعرابيٌّ إلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: علِّمني كلاماً أقولُهُ. قَالَ: «قُل: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، اللهُ أكبرُ كبيراً، والحمدُ لله كثيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ ربِّ العالمين، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العزيزِ الحكيمِ» قَالَ: فهؤلاء لربِّي، فما لي؟ قَالَ: «قُل: اللّهم اغفرْ لي، وارحمْني، واهدِني، وارزقْنِي». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الثناء عَلَىٰ الله بالتهليل، والتكبير، والتحميد، والتسبيح، من أفضل مَا يقوله العبد، ويشغل به وقته.
2) حسن تعليمه صلى الله عليه وسلم؛ إذ علّم الأعرابي مَا يقوله لله تعالىٰ، وما يقوله لنفسه من الخير.
3) بيان الأدب في الدعاء؛ أن يقدم الداعي الثناء عَلَىٰ الله تعالىٰ، ثُمَّ يدعو لنفسه بما شاء.
8/1415ــ وعن ثوبانَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا انصرفَ من صَلاتِهِ اسْتغفَرَ ثلاثاً، وقال: «اللّهم أنتَ السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، تباركْتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ». قيل للأوزاعي، وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قَالَ: تقول: أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ اللهَ. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) مناسبة الاستغفار بعد الصلاة، هي لطلب العفو عما قد يكون في الصلاة من النقص والتقصير والخلل.
2) التوسل إلىٰ الله باسم (السلام)، معناه: أن تسلم لي صلاتي، حتىٰ تكون مكفِّرةً للسيئات، ورافعةً للدرجات.
3) صفة الاستغفار عند الانصراف من الصلاة أن يقول المصلِّي: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله»، فهذا هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا يغترّ المسلم بما يراه في بعض المساجد من الزيادة في الصيغة، مع تأدية الاستغفار بشكل جماعي، فهذا خلاف السنة النبوية.
9/1416ــ وعن المغيرةِ بنِ شعبةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا فَرَغَ من الصَّلاة وسلَّم قَالَ: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، وله الحَمْدُ، وهُوَ عَلَىٰ كل شيءٍ قديرٌ. اللّهم لا مانعَ لِمَـا أعْطَيتَ، ولا مُعطيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ». متفق عليه.
10/1417ــ وعن عبد الله بن الزُّبير رَضيَ الله تعالىٰ عنهما أنَّه كَانَ يقول دُبُرَ كلِّ صلاةٍ حين يسلّم: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلَىٰ كلِّ شيءٍ قديرٌ. لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله، لا إلهَ إلَّا الله، ولا نعبُدُ إلَّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعمةُ، وله الفضلُ، ولهُ الثَّناءُ الحسنُ. لا إلهَ إلَّا الله، مُخلصينَ لَهُ الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافرونَ». قَالَ ابن الزبير: وكان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يهلِّلُ بهنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
دبر كل صلاة: المراد هنا: بعد كل صلاة.
ذا الجَد منك الجَد: الجَدُّ: الحظ في الدنيا من مال أوْ جاه أوْ ولد، والمعنىٰ: لا ينفع صاحب الحظ والمنزلة مكانته، لأنك يا ربنا أنت المعطي حقيقة، ولا يُلتفت إلىٰ غيرك.
هداية الأحاديث:
1) الذكر بعد الصلاة يتضمن الإقرار بتوحيد الله تعالىٰ وحمده، وتفويض الأمر كله إليه سبحانه وتعالىٰ.
2) العلم بأن المعطي والمانع هو الله تعالىٰ، يجعل العبدَ قرير العين، فلا يعلّق رجاءه إلَّا بالله تعالىٰ.
3) التزام هذا الذكر دبر الصلوات هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي الغفلة عَنْهُ، والكلام بأمر الدنيا بعد الصلاة مباشرة.
11/1418ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ فُقراءَ المُهاجرينَ أتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهبَ أهلُ الدُّثُور بالدَّرَجَاتِ العُلىٰ والنَّعيمِ المُقيمِ، يصلُّون كما نصلِّي، ويصُومون كما نصومُ، ولهم فضلٌ من أموال: يحُجُّون، ويعتَمرُون، ويُجاهدون، ويتصدَّقون، فَقَالَ: «ألا أعلِّمُكُمْ شيئاً تُدركُون به من سَبَقَكُمْ، وتسبقُون به من بَعْدَكُمْ، ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ منكُمْ إلَّا من صَنَعَ مثل مَا صنعتم؟» قالوا: بلىٰ يارسولَ الله، قَالَ: «تُسبِّحُون، وتحمدُون، وتُكبِّرُون خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين» قَالَ أبو صالح، الرَّاوي عن أبي هُرَيْرَة لما سئلَ عن كيفيَّة ذكرهنَّ، قَالَ: يقول: سُبْحَانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، واللهُ أكبرُ، حتىٰ يكونَ منْهُنَّ كلَّهنَّ ثلاثاً وثلاثين. متفق عليه.
وزاد مسلم في روايته: فَرَجَعَ فقراء المهاجرين إلىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلْنَا، ففعلُوا مثلَهُ؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك فضلُ الله يؤتيه مَن يشاءُ».
«الدثور»: جمع دَثر بفتح الدال وإسكان الثاء، وهو المال الكثير.
هداية الحديث:
1) إنَّ جعل التسبيح والتحميد والتكبير جملة واحدة، تُكرَّر ثلاثاً وثلاثينَ مرةً دبر الصلاة؛ هي إحدىٰ الصيغ الواردة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) فضيلة مجتمع الصحابة رضي الله عنهم في تسابقهم للخيرات وتنافسهم في القربات، سواءٌ الأغنياء منهم والفقراء.
3) إظهار سعة صدر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ورحمته بالصحابة عَلَىٰ المراجعة في مسائل العلم.
12/1419ــ وعنه عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سبَّحَ اللهَ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحَمدَ اللهَ ثلاثاً وثلاثين، وكبّرَ اللهَ ثلاثاً وثلاثين، وقال تَمَامَ المائة: لا إله إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، وله الحَمْدُ، وهو عَلَىٰ كل شيءٍ قديرٌ، غُفرتْ خطَايَاهُ وإن كانَتْ مثلَ زَبَد البَحْر». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من الصيغ المأثورة عقب كل صلاة مفروضة؛ التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والحمد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين، وإكمال المائة بالتهليل مرة واحدة.
2) استحباب عقد الذكر الوارد باليد اليمنىٰ، لثبوت ذلك من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «فقد كان يعقد التسبيح بيمينه» رواه أبو داود.
13/1420ــ وعن كعب بن عجرةَ رضي الله عنه عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لا يخيبُ قائلُهُنَّ ــ أوْ فاعلُهُنَّ ــ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ثلاثٌ وثلاثون تسبيحةً، وثلاثٌ وثلاثون تحميدةً، وأربعٌ وثلاثون تكبيرةً». رواه مسلم.
غريب الحديث:
معقبات: مَا يفعل عقب الصلاة.
هداية الحديث:
1) إنَّ الذكر الوارد هو إحدىٰ الصيغ الواردة في الأذكار دبر الصلوات.
2) التسبيح والحمد والتكبير هُنَّ الباقيات الصالحات، وقائلهن موعود بالخير.
فائدة:
تنوّعُ الصيغ في الأذكار دبر المكتوبة من سعة رحمة الله بعباده، ورفع الحرج عنهم. والعبد الموفَّق من يأتي كل مرة بصيغة منها؛ ليكون لَهُ تمام الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليحفظ بذلك جميع الصيغ المأثورة، ويكونَ أقرب للحضور والخشوع في العبادة.
14/1421ــ وعن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ دبرَ الصَّلَوات بهؤلاء الكلمات: «اللّهم إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ، وأعوذُ بك من أنْ أُرَدَّ إلىٰ أرْذَل العُمُرِ، وأعوذُ بكَ مِن فتْنةِ الدُّنْيا، وأعوذ بكَ مِن فتْنةِ القَبْرِ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
دبر الصلوات: المقصود هنا: آخر التشهد قبل السلام.
أرذل العمر: أخس العمر، عندما يضعف الإنسان في قواه البدنية، وقواه العقلية.
هداية الحديث:
1) الدعاء الوارد في الحديث يكون قبل السلام، يستعيذ بالله تعالىٰ من هذه الأربع.
2) إن تكرار الاستعاذة من هذه الأربع في كل صلاة مفروضة دليل علىٰ عظم فتنتها، ومَن عصمه ا لله تعالىٰ منها فقد أفلح في الدنيا والآخرة.
15/1422ــ وعن معاذ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَذَ بيَده، وقال: «يا معاذُ، واللهِ إنِّي لأحبُّكَ» فَقَالَ: «أوصيكَ يا معاذُ؛ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كلِّ صَلاةٍ تقولُ: اللّهم أعنِّي عَلَىٰ ذكرِكَ وشكرِكَ، وحُسنِ عبادَتِكَ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
هداية الحديث:
1) الوصية الخالصة من قلب المصطفىٰ صلى الله عليه وسلم لمن يحبه أن يقول: «اللّهم أعني عَلَىٰ ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، فدل عَلَىٰ عظم هذه الوصية، وأنها من أنفع الوصايا للعبد، لأن المحب لا يدّخر لحبيبه إلَّا مَا هو خير وأبقىٰ.
2) حسن العبادة معناه: أن تكون العبادة خالصة لله تعالىٰ، وموافقة لسُنّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3) إظهار حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وطيب معاشرته لأصحابه رضوان الله عليهم، فقد كَانَ يلاطفهم بالقول والفعل.
تنبيـه:
مَا ورد في الأحاديث المتقدمة من قوله: «دُبرَ الصلاة»، فإذا كَانَ الوارد ذكراً وثناءً، كالتسبيح والتحميد والتكبير فإنه يكون بعد السلام، وإذا كَانَ المذكور دعاءً فإنه يكون قبل السلام، لأن دبر الصلاة يُطلَق عَلَىٰ آخرها، ويُطلَق عَلَىٰ مَا يكون بعدها مباشرة، وبذلك تجتمع النصوص النبوية ولا تختلف.
16/1423 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا تشَهَّدَ أحَدُكُم فَلْيَسْتَعذْ بالله من أرْبعٍ، يقولُ: اللهم إنِّي أعُوذُ بك مِن عذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عذابِ القَبرِ، ومِن فتنةِ المَحْيَا والمَمَاتِ، ومِن شرِّ فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الحرص عَلَىٰ هذه الدعوات قبل السلام في التشهد الأخير، لأنها مما أمر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، حتىٰ قَالَ بعض العلماء: إنها واجب من واجبات الصلاة.
2) فتنة المحيا والممات تشمل كل مَا يُفتتَن به الإنسان في حياته، من الشهوات المغرية أوْ الشبهات المضلَّة.
3) رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالأمة؛ أن أمرهم أن يستعيذوا بالله من كبار الفتن والشرور.
17/1424 ــ وعن عليٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قامَ إلىٰ الصلاة يكونُ من آخر مَا يقولُ بين التَّشَهُّد والتَّسليم: «اللّهم اغفرْ لي مَا قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنْتُ، وما أسرفْتُ، وما أنتَ أعلمُ به منِّي، أنتَ المقدِّمُ، وأنتَ المؤخِّرُ، لا إلهَ إلَّا أنْتَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الذنب والتقصير في حق الله تعالىٰ أمر لازم للعبد، ولذلك استُحب له أن يجدد التوبة دائماً.
2) استحباب التقرب إلىٰ الله تعالىٰ بهذا الدعاء قبل السلام، لأنه من جوامع الأدعية.
فائدة:
يُستحب للمصلِّي قبل السلام أن يتخيَّر من الدعاء مَا شاء، لكن إن دعا بما ورد في المأثور الوارد ففيه الخير والبركة، لأنه من جوامع الدعاء في هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ كمثل مَا ورد في حديث سعد بن أبي وقاص، وحديث معاذ، وحديث أبي هُرَيْرَة، وحديث علي رضي الله عنهم أجمعين.
18/1425ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يكثرُ أن يقول في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: «سبحانكَ اللّهم ربَّنَا وبحمدِكَ، اللّهم اغْفرْ لي». متفق عليه.
19/1426ــ وعنها أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يقولُ في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) إن من أدب الدعاء تقديم الثناء عَلَىٰ الله _عز وجل_ بكمال صفاته ــ فهو منزَّه عن أي نقص ــ ثُمَّ سؤاله المغفرة.
2) الإكثار من قول: «سُبْحَانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» في الركوع تأسّياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) من أذكار الركوع والسجود المتضمنة لمعاني التعظيم والتمجيد قول المصلِّي: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». ومن فقه العبد: أن يستغني في صلاته بالأذكار النبوية المأثورة، ولا يأتي بشيء من عنده.
20/1427ــ وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فأمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ _عز وجل_، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهدُوا في الدُّعاء، فَقَمنٌ أن يُستجابَ لكُمْ». رواه مسلم.
21/1428ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أقرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ من ربِّه وهُوَ ساجدٌ، فأكثرُوا الدُّعاءَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
قَمِنٌ: حَرِيٌّ وجديرٌ.
هداية الأحاديث:
1) لا يجوز أن يُقرأ القرآن في الركوع أو السجود، لكن محل الركوع للتعظيم والثناء عَلَىٰ الله تعالىٰ، والسجود للدعاء والمسألة.
2) أقرب مَا يكون العبد من ربه وهو ساجد، فَلْيغتنمْ فرصة الدعاء، وَلْيكثرْ منه.
3) الركوع فيه كمال التعظيم لله تعالىٰ، والسجود فيه كمال الذل لله سبحانه، فيجتمع للمصلِّي ذلُّ الهيئة مَعَ ذلِّ المسألة للمعبود.
22/1429ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يقولُ في سُجُوده: «اللّهم اغفرْ لي ذَنبي كلَّهُ؛ دِقَّهُ وجِلَّهُ، وأوَّلَهُ وآخرَهُ، وعلانيَتَهُ وسرَِّهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
دقّه وجلّه: صغيره وكبيره.
هداية الحديث:
1) الحرص عَلَىٰ الأدعية الواردة عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها من أجمع الدعاء وأنفعه.
2) التفصيل في الدعاء مستحب ومحمود، لأن الدعاء عبادة، وكلما كرّره العبد زادت عبوديته لله _عز وجل_.
3) الحكمة في أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فصّل الدعاء بعد الإجمال؛ ليستحضر العبد الذنوب كلها، ويطلب من الله غفرانها.
23/1430ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: افتقَدْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فَتَحَسَّسْتُ، فإذا هُو راكعٌ ــ أوْ ساجدٌ ــ يقولُ: «سبحانَكَ وبحَمدِكَ لا إلهَ إلَّا أنتَ». وفي رواية: فَوَقَعت يدي عَلَىٰ بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وهوَ في المسْجدِ، وهما مَنْصُوبَتَان، وهو يقولُ: «اللّهم إنِّي أعُوذُ برضَاكَ من سَخَطكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقُوبَتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أحْصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ عَلَىٰ نفْسِكَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
تحسست: بمعنىٰ تلمّست وتطلّبْت.
هداية الحديث:
1) الاستعاذة بالله _عز وجل_ بالأعمال الصالحة من الأعمال السيئة؛ لأن الأعمال السيئة توجب الغضب والسخط، والأعمال الصالحة توجب الرضا، والشيء إنما يداوىٰ بضده.
2) من أشمل الدعاء وأعمّه أن يتعوَّذ العبد بالله تعالىٰ، ويلجأ إليه من عذابه وعقوبته، وهذا هو معنىٰ «وأعوذ بك منك».
3) محبة عائشة رضي الله عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحب الناس إليه، فهي الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق رضي الله عنهما، وواللهِ لا يصح إيمان عبد حـتىٰ يعظِّم أمهات المؤمنين، ويحترمهنّ طاعةً لله، وطاعةً لرسوله صلى الله عليه وسلم.
فائدة:
استدل بعض العلماء بحديث عائشة علىٰ أن الساجد يستحب لَهُ أن يضم قدميه بعضهما إلىٰ بعض في السجود ولا يفرقهما، فهذه هيئة السجود، لأنه لا يمكن أن تقع يد عائشة رضي الله عنها عَلَىٰ قدمَيْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم معاً إلَّا إذَا كانتا مضمومتَيْن غير مفرقتَيْن، فمن السُّنَّة رَصُّ العقبين في السجود.
24/1431ــ وعن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: كنَّا عندَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أيعجزُ أحدُكم أن يَكْسبَ في كلِّ يومٍ ألفَ حَسَنَةٍ!» فسألَهُ سائلٌ من جُلسائه: كيفَ يكسبُ ألفَ حسنَةٍ؟ قَالَ: «يسبِّحُ مائةَ تسبيحةٍ، فيُكْتبُ لَهُ ألفُ حسنةٍ، أوْ يحطُّ عَنْهُ ألفُ خطيئَةٍ». رواه مسلم.
قال الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم: «أو يحط» قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيىٰ القطان عن موسىٰ الذي رواه مسلم من جهته فقالوا: .. «ويحط» بغير ألف.
هداية الحديث:
1) الحث عَلَىٰ فضائل الأعمال، لأنها سبب لنيل المكارم والقربىٰ من الله تعالىٰ.
2) الذكر فيه عمل يسير وأجر كبير، وهذا من فضل الله تعالىٰ عَلَىٰ الذاكرين.
3) حرص الصحابة رضي الله عنهم عَلَىٰ فعل الخيرات والمسارعة إليها. فأين حالنا اليوم من همَّة الصحابة رضي الله عنهم؟!
25/1432ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُصبحُ عَلَىٰ كلٍّ سُلامىٰ من أحدكمْ صَدَقَةٌ؛ فكلُّ تسبيحةٍ صدَقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرَةٍ صَدقَةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقَةٌ، ونهيٌ عَنِ المنكرِ صدقةٌ. ويجزئُ من ذلك ركعتان يركَعُهُما منَ الضُّحىٰ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
سلامىٰ: المفاصل.
هداية الحديث:
1) أبواب الخير كلِّها صدقات؛ فكل قول أوْ عمل يقرب إلىٰ الله تعالىٰ فإنه صدقة.
2) تسبيح الله، وحمده، وتهليله، وتكبيره، ونحو ذلك من الأذكار، صدقاتٌ، يتقرب بها العبد إلىٰ ربِّه.
26/1433ــ وعن أم المؤمنين جُويريَةَ بنتِ الحارثِ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِن عندِها بُكرةً حينَ صلَّىٰ الصُّبحَ، وهي في مسجدها، ثُمَّ رجعَ بعدَ أن أضْحىٰ وهي جالسةٌ، فَقَالَ: «مَا زلتِ عَلَىٰ الحَالِ التي فارقتُكِ عليها؟» قَالَتْ: نعمْ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لقد قلتُ بعدَك أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرَّاتٍ، لو وُزنتْ بما قلتِ منذُ اليومِ لوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وبحَمْدِهِ، عددَ خلْقِهِ، ورضىٰ نفسِهِ، وزَنَةُ عَرْشِهِ، وَمدادَ كلماتِهِ». رواه مسلم.
وفي رواية لَهُ: «سُبْحَانَ الله عددَ خلْقِهِ، سُبْحَانَ الله رضَىٰ نفسِهِ، سُبْحَانَ الله زنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ الله مدادَ كلماتِهِ».
وفي رواية الترمذي: «ألا أعلِّمك كلماتٍ تقُولينَهَا؟ سُبْحَانَ الله عددَ خلقِهِ، سُبْحَانَ الله عددَ خلقِهِ، سُبْحَانَ الله عددَ خلقِهِ، سُبْحَانَ الله رَضىٰ نفسِهِ، سُبْحَانَ الله رضىٰ نفسِهِ، سُبْحَان الله رضىٰ نفسِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عرشِهِ، سُبْحَانَ الله زنَةَ عرْشِهِ، سُبْحَانَ الله زنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ الله مدَادَ كلماتِهِ، سُبْحَانَ الله مدَادَ كلمَاتِهِ، سُبْحَان الله مدَادَ كلمَاتِهِ».
غريب الحديث:
أضحىٰ: دخل وقت الضحىٰ.
هداية الحديث:
1) لزوم الأذكار النبوية في حياة العبد فيه كل البركة، فيعمل قليلاً ويؤجر كثيراً. أما من أتىٰ بالأذكار المحدَثة؛ فمثَلُه كمن حمل زاداً من حجارة ثقيلة، في سفر طويل، أتعبته ولم تنفعه.
2) حث الرجل أهل بيته عَلَىٰ الأذكار المأثورة، ووصيتهم بذكر الله تعالىٰ، لأن الرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته.
3) فضيلة هذا الذكر الخاص؛ لما تضمَّن من تنزيه الله سبحانه وتعظيمه، عدد مخلوقاته، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته.
27/1434 ــ وعن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ الَّذي يذكُرُ ربَّهُ، والذي لا يذكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ والميِّتِ». رواه البخاري.
ورواه مسلم فقال: «مَثَلُ البيتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يُذكَرُ اللهُ فيه، مَثَلُ الحَيِّ والميِّتِ».
هداية الحديث:
1) الغفلة عن ذكر الله تعالىٰ سبب لقسوة القلب وموته.
2) إنَّ الذكر حياة للقلوب وانشراح للصدور، ونسيان الذكر موت للقلب وضيق للصدر.
28/1435ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يقولُ اللهُ تعالىٰ: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، وأنا مَعَهُ إذَا ذَكَرَني؛ فإنْ ذَكرَني في نفسِهِ ذَكرتُهُ في نفسي، وإنْ ذَكَرَني في ملأ ذَكرتُهُ في ملأ خيرٍ منْهُمْ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) إذَا ذكر العبدُ ربَّه في ملأٍ كَانَ هذا أفضل مما إذَا ذكره في نفسه، إلَّا أن يخاف السمعة والرياء.
2) كلما أحسن العبد ظنَّه بربِّه عامله الله بما يستحق من الإكرام، وإن أساء الظن بربِّه وَكَلَه الله إلىٰ المضيعة والخسران، فلْيظنَّ العبد بربِّه ظنَّ الخير.
29/1436 ــ وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ» قالوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «الذَّاكرونَ اللهَ كثيراً والذَّاكراتُ». رواه مسلم.
روىٰ «المفردون» بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور: التشديد.
هداية الحديث:
1) الذاكرون الله تعالىٰ لهم السبق عَلَىٰ غيرهم، لأنهم عملوا أكثر من غيرهم، فكانوا أسبق إلىٰ الثواب والنعيم.
2) بالذكر يرتفع العبد في الدرجات، ويسبق أهل الطاعات.
30/1437ــ وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أفضلُ الذِّكر: لا إلهَ إلَّا الله». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) إن كلمة التوحيد، ومفتاح الإسلام، ومفتاح الجنة، قول العبد: «لا إله إلَّا الله»، فهي أفضل الذكر.
2) توحيد الله تعالىٰ لا يعادله شيء من العبادات، فالتوحيد رأس الأمر في هذا الدين.
31/1438ــ وعن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه أنَّ رجُلاً قَالَ: يا رسولَ الله، إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَت عليَّ، فأخبرْني بشيءٍ أتَشَبَّثُ به قَالَ: «لايزالُ لسانُكَ رطباً من ذكر الله». رواه الترمذي: وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
أتشبَّث: أتمسَّك وأتعلَّق به.
هداية الحديث:
1) المراد بشرائع الإسلام مَا سوىٰ الفرائض، لأن أداء الفرض لابد منه، أما النوافل إن صعبت عَلَىٰ العبد، فالذكر يغني عما يحصل من الخلل.
2) ذكر الله تعالىٰ يلين لسان العبد ويحيي القلب، وذكر الناس بالغيبة والنميمة يجفو اللسان، ويميت القلب.
3) الذكر المشروع ما كانَ منطوقاً باللسان، واستحضره العبد بقلبه، أما ذكر القلب المجرد فليس من الهدي النبوي.
32/1439ــ وعن جابر رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وبحمدِهِ، غُرسَتْ لَهُ نَخْلةٌ في الجَنَّة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
33/1440ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لقيتُ إبراهيمَ ليلةَ أُسْرِيَ بي، فَقَالَ: يا محمَّدُ، أقرئْ أمَّتَكَ منِّي السَّلامَ، وأخبرْهُمْ أنَّ الجَنَّةَ طيِّبةُ التُّربةِ، عذْبةُ الماءِ، وأنَّها قيعانٌ، وأنَّ غراسَها: سُبْحَانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ». رواه الترمذي: وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
قيعان: المكان المستوي الواسع.
هداية الحديث:
1) إنَّ ذكر الله تعالىٰ غراسٌ للعبد في الجنة، فَلْيكثِّرِ العبد غراسه أو يُقلّ!
2) فضل هذه الأمة المرحومة؛ إذ بلّغها إبراهيم صلى الله عليه وسلم السلامَ، وأوصاها بالكلم الطيب، لأنه غراس الجَنّة.
34/1441 ــ وعن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنُبئُكُم بخيرِ أعْمالكم، وأزْكَاها عند مليككُم، وأرْفَعهَا في دَرَجَاتكمُ، وخير لكُمْ من إنفاقِ الذَّهبِ والفضَّةِ، وخير لكم من أن تلْقَوْا عَدُوَّكُم، فتضربُوا أعْنَاقَهُم ويضْربُوا أعْنَاقَكُم؟» قالوا: بَلَىٰ، قَالَ: «ذكرُ اللهِ تعالىٰ». رواه الترمذي، وقال الحاكم أبو عبد الله: إسناده صحيح.
غريب الحديث:
أنبئكم: أخبركم وأعلمكم، والنبأ: هو الخبر المهم.
هداية الحديث:
1) أفضل الأعمال ذكر الله تعالىٰ، الذي يستحضره العبد بقلبه ولسانه، ويؤثِّر عَلَىٰ جوارحه خشيةً وتعظيماً، بل هو أفضل من إنفاق المال والجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
2) جميع الأعمال الشرعية إنما شرعت لإقامة ذكر الله تعالىٰ، فذكر الله غاية المطلوب ومنتهىٰ المحبوب.
35/1442ــ وعن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه أنَّهُ دخلَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ امرأةٍ، وبينَ يدَيْها نَوًىٰ ــ أوْ حَصَىٰ ــ تُسبِّح به، فَقَالَ: «أخبرُكِ بما هُوَ أيسرُ عليك من هذا ــ أوْ أفضَلُ ــ» فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّماءِ، وَسُبْحَانَ الله عددَ مَا خلقَ في الأرض، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا بَيْنَ ذلك، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا هُوَ خالقٌ، واللهُ أكبرُ مثل ذلك، والحمدُ لله مثل ذلك، ولا إلهَ إلَّا اللهُ مثل ذلك، ولا حول ولا قوَّةَ إلَّا بالله مثل ذلك». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن[2]. [2] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) إن التزام الذاكر الهدي النبوي في صفة الذكر أيسر كلفةً، وأفضل ثواباً.
2) كل خير يحصله العبد موقوف على اتباع السنَّة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تنبيـه:
الحديث تقدم معناه في قصة أم المؤمنين جويرية، رقم: (1433)، دون ذكر التسبيح بالحصىٰ، وهو الصحيح في رواية الحديث، أما ذكر التسبيح بالحصىٰ فإسناده ضعيف لا يثبت به حكم شرعي، ثُمَّ إن هذه الطريقة في الذكر باستخدام الحصىٰ، أوْ مَا يُسمىٰ اليوم: المسبحة أوْ العدّادة، ليس هدياً مستحباً لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يرشد الأمة إليه، فمن كَانَ حريصاً عَلَىٰ السنة راجياً اتباع القدوة صلى الله عليه وسلم فعليه أن يعقد التسبيح بيمينه، فإن الأنامل ناطقات مستنطَقات، كما صح ذلك في السنة النبوية.
36/1443ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدُلُّكَ عَلَىٰ كَنْزٍ من كُنُوزٍ الجَنَّةِ؟» فقلت: بلىٰ يارسولَ الله، قَالَ: «لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) هذه الكلمة: (لاحول ولا قوة إلَّا بالله) هي كلمة براءة واستعانة، لأن فيها التبرؤ من عجز العبد وضعفه، واللجوء إلىٰ الله _عز وجل_ توكّلاً واستعانة.
2) فضيلة خاصة لهذا الذكر، فهو كنز من تحت العرش، وإنما اختُص بذلك لأن فيه إظهارَ ضعف المخلوق لربِّه، وأنه لا يقوىٰ عَلَىٰ فعل شيء، كالتحول من حال إلىٰ حال، إلَّا إذَا استعان بربِّه تعالىٰ.
245 ــ باب ذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً ومُحدِثاً وجُنُباً وحائضاً إلَّا القرآن فلا يحل لجنب ولا حائض
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ} [آل عمران: 190 ــ 191].
هداية الآيات:
1) الآيات الكونية والآيات الأفقية التي جعلها الله في خلقه تدعو العاقل إلىٰ التفكّر والتدبّر، وأن يستدل بها عَلَىٰ عظمة الخالق جل وعلا، فهو المستحق وحده لأن يُوحّد ويُعبد، ويُذكر ويشكر.
2) الذاكرون الله تعالىٰ هم أولو العقول الصحيحة، لأنهم عرفوا الغاية من الخلق ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾.
1/1444ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يذكُرُ اللهَ تعالىٰ عَلَىٰ كلِّ أحيَانِهِ. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) ذكر الله تعالىٰ مستحب ومشروع عَلَىٰ كل الأحيان، بحسب مَا تيسر من حال العبد؛ إن كَانَ قائماً، أوْ قاعداً، أوْ مضطجعاً، أوْ كَانَ عَلَىٰ طهارة، أو مُحدِثاً.
2) لا يجوز أن نذكر الله في الأماكن القذرة أوْ أثناء قضاء الحاجة، لأن من تمام تعظيم الله تعالىٰ الإمساك عن الذكر في هذه الحال.
2/1445ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَو أنَّ أحَدُّكُم إذَا أرادَ أنْ يأتيَ أهلَهُ قَالَ: بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشَّيطَانَ، وجنِّبِ الشَّيْطانَ مَا رَزَقْتَنَا، فإنَّه إن يُقَدَّرْ بينَهُما ولدٌ في ذلك لم يَضُرَّهُ شيطانٌ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) الاعتصام بذكر الله تعالىٰ سبب للعصمة من الشيطان.
2) استحباب التسمية والدعاء عند جماع الرجل أهلَه، لحصول البركة والحماية من كل الشرور.
246 ــ باب مَا يقوله عند نومه واستيقاظه
1/1446ــ عن حذيفةَ وأبي ذرٍّ رضي الله عنهما قالا: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أوىٰ إلىٰ فراشه قَالَ: «باسْمكَ اللّهم أموتُ وأحْيَا» وإذا استيقظَ قَالَ: «الحَمْدُ لله الذي أحيانا بعدَما أماتَنَا، وإليه النُّشورُ». رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) مناسبة هذا الذكر للنوم أن النوم موت أصغر، فالبعث من الموت الأصغر يُذكِّر بالبعث من الموت الأكبر، وهذا يزيد إيمان العبد بالبعث، فيكون عَلَىٰ استحضار دائم لَهُ.
2) من نعمة الله تعالىٰ عَلَىٰ عباده أن شرع لهم الأذكار في كل مناسبة، لتكون الأوقات عامرة بذكر الله تعالىٰ.
247 ــ باب فضل حِلَق الذكر والندب إلى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر
قَالَ الله تعالىٰ: {وَٱصبِر نَفسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِٱلغَدَوٰةِ وَٱلعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُۥ وَلَا تَعدُ عَينَاكَ عَنهُم} [الكهف: 28].
هداية الآية:
1) فضل الاجتماع عَلَىٰ الذكر والدعاء، وفق الهدي المتبع.
2) مدار العبودية علىٰ الإخلاص، فهؤلاء مَا اجتمعوا إلَّا وهم يريدون وجه الله تعالىٰ.
3) الموفَّق من عباد الله من عرف حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، فلزم الهدىٰ وترك الهوىٰ.
1/1447 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للهِ تعالىٰ ملائكةً يطُوفُون في الطُّرُق يلْتَمسُون أهلَ الذِّكر، فإذا وجَدُوا قوماً يذكُرُونَ اللهَ _عز وجل_ تَنَادَوا: هلُمُّوا إلىٰ حاجَتِكُمْ، فيحُفُّونَهُمْ بأجْنحتِهِمْ إلىٰ السَّماء الدُّنيا، فيسألُهم ربُّهُم ــ وهوَ أعلمُ: مَا يقولُ عبادي؟ قَالَ: يقولون: يُسبِّحونَكَ، ويكبِّرُونَكَ، ويحمدُونَكَ، ويَمُجِّدُونَكَ، فيقول: هل رَأَوْني؟ فيقولون: لا، واللهِ مَا رَأَوْكَ، فيقُولُ: كيفَ لو رَأَوْني؟! قَالَ: يقُولون: لو رَأَوْكَ كانُوا أشدَّ لك عبادَةً، وأشدَّ لك تمجيداً، وأكثرَ لك تَسْبيحاً، فيقولُ: فماذا يسألُونَ؟ قَالَ: يقولون: يسألونكَ الجَنَّةَ، قَالَ: يقولُ: وهل رَأَوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا، واللهِ يا ربِّ مَا رأوْهَا، قَالَ: يقولُ: فكيف لو رَأَوْها؟! قَالَ: يقولون: لو أنَّهُمْ رَأَوْهَا كانوا أشدَّ عليها حرصاً، وأشدَّ لها طلباً، وأعظمَ فيها رَغْبَة، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يتَعَوَّذُونَ منَ النَّار، قَالَ: فيقولُ: وهلْ رأَوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا، واللهِ مَا رَأَوْهَا، فيقولُ: كيفَ لو رأَوْها؟! قَالَ: يقولون: لو رأَوْهَا كانُوا أشَدَّ منها فرَاراً، وأشدَّ لها مَخَافَةً، قَالَ: فيقُولُ: فأُشهدُكُمْ أنِّي قد غَفَرْتُ لهم. قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ: فيهم فلانٌ ليْسَ منهم، إنَّما جاءَ لحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلساءُ لا يَشْقَىٰ بهم جليسُهم». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ لله ملائكةً سيَّارةً فُضُلاً يتتبّعون مجالسَ الذِّكرِ، فإذا وجدُوا مجلساً فيه ذكرٌ قعدُوا مَعَهُم، وحفَّ بعضُهُمْ بعضاً بأجنحتِهِمْ حتىٰ يملؤوا مَا بينهم وبين السَّماءِ الدُّنيا، فإذا تفرَّقُوا عرَجُوا وصَعدُوا إلىٰ السَّمَاء، فيسألُهُمُ اللهُ _عز وجل_ ــ وهو أعْلَمُ: من أين جئتُمْ؟ فيقُولُون: جئنا مِن عندِ عَبادٍ لكَ في الأرض: يُسبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، ويُهَلِّلُونَكَ، ويَحْمَدُونَكَ، ويسألُونكَ. قَالَ: وماذا يسألُوني؟ قالوا: يسألونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وهَلْ رأَوْا جنَّتي؟ قالُوا: لا، أيْ ربِّ، قَالَ: فكيفَ لو رأَوْا جَنَّتي؟! قالُوا: ويستجيرونَكَ. قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجيرُوني؟ قالوا: مِن نارِكَ يارَبِّ، قَالَ: وهلْ رَأَوْا ناري؟ قالوا: لا، قَالَ: فكيف لوْ رَأَوْا نَاري؟! قالُوا: ويستغفرُونكَ، فيقول: قدْ غَفَرْتُ لهُمْ، وأعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وأجرْتُهُمْ ممَّا استجَارُوا. قَالَ: فيقُولُون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ، عبدٌ خطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فيقولُ: وله غَفَرْتُ، هُمُ القومُ لا يشقىٰ بهم جليسُهُمْ».
غريب الحديث:
سيّارة: يطوفون في الطرق كما ورد مفسَّراً في الرواية الأولىٰ، والحديث النبوي يفسّر بعضه بعضاً.
فضلاً: زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق، فهم مخصصون لحلق الذكر.
هداية الحديث:
1) فضيلة مجالسة الصالحين، فالجليس الصالح يعم نفعه لمن جلس معه.
2) استحباب الاجتماع عَلَىٰ الذكر كقراءة القرآن مثلاً، أوْ تعلّم العلم وتعليمه، ونحو ذلك؛ ومن الاجتماعِ: الاجتماعُ عَلَىٰ الصلوات في المساجد.
3) الترغيب في الجنة لما اشتملت عليها من المكرُمات، وأنواع النعيم المقيم، والترهيب من النار، لما اشتملت عليها من المخوفات، وأنواع العذاب الأليم.
2/1448 ــ وعنهُ، وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَقْعُدُ قومٌ يذكُرُونَ الله _عز وجل_ إلَّا حفَّتْهُمُ الملائكَةُ، وغَشيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزلَتْ عليهمُ السَّكينَةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عنْدَهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
حفّتهم: كانوا حولهم من كل جانب.
غشيتهم: غطّتهم وأحاطت بهم.
هداية الحديث:
1) مجالس الذكر تحوِّطها الملائكة، وتتنزل عليها السكينة، وتملؤها الرحمة، لِمَا يكون فيها من البركات.
2) من أعظم مجالس الذكر: الاجتماع عَلَىٰ مدارسة القرآن والحديث، لفظاً ومعنىً.
3) الجزاء من جنس العمل، فمن ذكر اللهَ تعالىٰ فإنه سبحانه يذكره.
3/1449ــ وعن أبي واقد الحارث بن عوف رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بينما هُوَ جالسٌ في المسجد، والنَّاسُ معهُ، إذْ أقبلَ ثلاثَةُ نَفَرٍ، فأقبلَ اثنان إلىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وذَهَبَ واحدٌ، فوقَفَا عَلَىٰ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. فأمَّا أحَدُهُما فرأىٰ فُرجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فيها، وأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وأمَّا الثالثُ فأدبَرَ ذَاهباً. فلمَّا فرغَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ألا أخبرُكُمْ عن النَّفَرِ الثَّلاثةِ؟ أما أحدُهم فأوىٰ إلىٰ الله، فآواهُ اللهُ إليه، وأمَّا الآخرُ فاسْتَحْيا، فاسْتَحْيا الله منهُ، وأمَّا الآخَرُ فأعرَضَ، فأعرضَ اللهُ عَنْهُ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) فضل الاجتماع عَلَىٰ مجالس الذكر، فهو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من قوله، وفعله.
2) الإعراض عن مجالس الذكر والعلم، من غير عذر، سببٌ لإعراض الله عن العبد.
3) الترغيب في المصافَّة والمسارعة إلىٰ الخيرات، ومن ذلك سَدّ الفُرَج والخلل في الصفوف، وفي حِلق العلم.
4/1450ــ وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قَالَ: خرجَ معاويةُ رضي الله عنه عَلَىٰ حَلْقَةٍ في المسجد، فَقَالَ: مَا أجْلسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: آللهِ، مَا أجْلَسَكُمْ إلَّا ذاك؟ قالوا: ما أجلسَنَا إلَّا ذَاكَ، قَالَ: أما إنِّي لم أستحْلفْكُمْ تُهْمَةً لَكُم، ومَا كَانَ أحدٌ بمنزلتي من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عَنْهُ حديثاً منِّي: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خرجَ عَلَىٰ حَلْقة من أصحابه، فَقَالَ: «مَا أجْلَسَكُمْ؟» قالوا: جَلَسْنَا نذْكُرُ الله، ونَحْمَدُهُ عَلَىٰ مَا هَدَانا للإسْلام، ومَنَّ به عَلَيْنا. قَالَ: «آلله، مَا أجْلَسَكُم إلَّا ذَاكَ؟» قالوا: والله مَا أجْلَسَنَا إلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أمَا إنِّي لم أسْتَحْلفْكُمْ تُهْمةً لَكُمْ، ولكنَّه أتَاني جبريلُ فأخْبَرَني أنَّ الَله يُبَاهي بكُمُ المَلائكَةَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) استحباب مجالس الذكرِ، لأن الله يحبُّها، ويباهي بها الملائكة المقربين.
2) لا بد أن يكون الاجتماع عَلَىٰ حِلَق الذكر وفق الطريقة النبوية، وطريقة الصحابة، ومن بعدهم من أئمة الهدىٰ والعلم، وليس اجتماعاً عَلَىٰ ذكر جماعي ورقص وتمايل، لم يرد فيه هديٌ ولا سنّة.
248 ــ باب الذكر عند الصباح والمساء
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]. قَالَ أهل اللغة: الآصال: جمع أصيل، وهو مَا بين العصر والمغرب. وقال تعالىٰ: {وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ ٱلشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] ، وقال تعالىٰ: {وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ بِٱلعَشِيِّ وَٱلإِبكَٰرِ} [غافر: 55]. قال أهل اللغة: «العشي»: ما بين زوال الشمس وغروبها. وقال تعالىٰ: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ * رِجَال لَّا تُلهِيهِم تِجَٰرَة وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ ٱللَّهِ} [النور: 36ــ37] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ﴾. [ص: 18].
هداية الآيات:
1) الترغيب في ذكر الله تعالىٰ أول النهار وآخره، ليكون بدء اليوم وخاتمته بعبادة وطاعة.
2) أذكار الصباح تكون من طلوع الفجر إلىٰ ارتفاع الشمس ضحىً. وأذكار المساء من بعد صلاة العصر إلىٰ المغرب.
3) إن دوام التضرع والاستغفار هو وصف العبد عند إقباله عَلَىٰ الله تعالىٰ بالأذكار الشرعية.
1/1451ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ حين يُصبحُ وحين يُمسي: سُبْحَانَ اللهِ وبحمدِهِ مائةَ مرَّةٍ، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأفضَلَ ممَّا جاء به، إلَّا أحدٌ قَالَ مثلَ مَا قَالَ أوْ زَادَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إنَّ قول الذاكر: «سُبْحَان الله وبحمده» مائة مرة أو أكثر، هو من أذكار الصباح والمساء المرغَّب فيها.
2) حثَّ أهل الإيمان عَلَىٰ التنافس في الخيرات في قوله صلى الله عليه وسلم: «إلَّا أحد قَالَ مثل ذلك أوْ زاد».
2/1452ــ وعنه قَالَ: جاء رجلٌ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يارسول الله، مَا لَقيْتُ من عَقْرَبٍ لَدَغَتْني البَارحَةَ! قَالَ: «أمَا لَو قلتَ حينَ أمسيتَ: أعُوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شرِّ مَا خَلَقَ لم تضُرَّكَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ما لقيت: أيُّ شيءٍ عظيم لقيته!
هداية الحديث:
1) اللجوء إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ يعصم العبد من الشرور كلها.
2) استحباب الاستعاذة بكلمات الله التامات، وهي: كلمات الله الشرعية، التي أنزلها في شرعه، وكلماته الكونية، التي قدّر بها المقادير، وخلق بها الخلق. فكلمات الله التامات حصن المؤمن.
3/1453ــ وعنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كَانَ يقولُ إذَا أصبحَ: «اللّهم بكَ أصْبَحْنَا، وبكَ أمْسَيْنَا، وبكَ نَحْيَا، وبكَ نمُوتُ، وإليكَ النُّشُور» وإذا أمسىٰ قَالَ: «اللّهم بك أمْسيْنا، وبكَ نحيا، وبكَ نموتُ، وإليكَ النُّشُورُ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) قيام أعمال العبد وأحواله عَلَىٰ وجه التمام لا يكون إلَّا باللجوء إلىٰ الله، والاستعانة به سبحانه وتعالىٰ، فصباحه، ومساؤه، وحياته، ومماته، كلها بالله تعالىٰ استعانةً وتوكّلاً.
2) النوم ــ وهو الموتةُ الصغرىٰ ــ يُذكِّر بالموت الأكبر والنشور.
4/1454ــ وعنه أنّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قَالَ: يارسولَ الله، مُرْني بكلماتٍ أقولُهُنِّ إذَا أصْبحتُ وإذا أمسيتُ، قَالَ: «قلْ: اللّهم فاطرَ السماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشَّهَادةِ، ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكَهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ، أعُوذُ بكَ مِن شرِّ نفسي وشرِّ الشَّيطانِ وشِركِهِ» قَالَ: «قُلْها إذَا أصْبحتَ، وإذا أمْسيتَ، وإذا أخذْتَ مَضَجَعَكَ». رواه أبو داود والترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
فاطر السماوات الأرض: خالقهما عَلَىٰ غير مثال سابق، فالفاطر، هو: من ابتدأ الخلق أول مرة.
مليكه: مالكه.
شِرْكه: هو الإشراك بالله، وفي ضبط آخر بتحريك الراء: (شَرَكه)، وهو: مَا يُصاد به.
هداية الحديث:
1) الترغيب بالاعتراف الكامل، والافتقار التام، إلىٰ ألوهية الله تعالىٰ، فهو وحده المستحق للعبادة.
2) البراءة من شرور النفس، هو: أصل كل خير، «نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا».
3) الترغيب في الاستعاذة بالله تعالىٰ من شرور الشيطان، ومن مصائده التي نصبها للعباد بالشهوات المغرية، والشبهات المضلَّة.
4) الموفَّق من عباد الله مَن أقبلَ عَلَىٰ الله تعالىٰ، واعتصم بحبله المتين، لينجوَ من شَرَك الشيطان الرجيم.
5) الحث عَلَىٰ المداومة عَلَىٰ هذا الذكر العظيم الذي خُصّ به الصديق رضي الله عنه، لما فيه من إخلاص العبادة والاستعانة، فهو معنى {إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ}.
5/1455ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: كَانَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أمْسَىٰ قَالَ: «أمسيْنَا وأمْسىٰ الملكُ لله، والحمدُ لله، لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ» قَالَ الرَّاوي: أراهُ قَالَ فيهنَّ: «لَهُ الملكُ، ولهُ الحَمْد، وهو عَلَىٰ كل شيء قديرٌ، ربِّ أسألكَ خيرَ مَا في هذه اللَّيلةِ وخيرَ مَا بَعْدَها، وأعوذُ بك من شرِّ مَا في هذه اللَّيلة وشرِّ مَا بَعْدَهَا، ربِّ أعُوذُ بك من الكَسَلِ وسُوءِ الكبَرِ، ربِّ أعُوذُ بك مِن عَذابٍ في النَّار، وعَذَابٍ في القَبْرِ» وإذا أصبحَ قَالَ ذلك أيضاً: «أصْبَحْنَا وأصْبَحَ المُلْكُ لله». رواه مسلم.
غريب الحديث:
سوء الكِبَر: مَا يكون عند تقدّم السِّنّ من الآفات التي تعرض للإنسان.
هداية الحديث:
1) دوام سؤال الله تعالىٰ الخير، والاستعاذة به من الشر، هو هدي النَّبيِّ الكريم عليه الصلاة والسلام، وحال عباد الله المخلصين.
2) من أعظم مسائل العبد هو سؤالُ الله العافيةَ، والاستعاذة به سبحانه من الكسل والهرم، لأن هاتَيْن الآفَتَيْن تصدّان عن النشاط في الطاعة، والمداومة عليها.
3) فضل هذا الذكر، لأن فيه حصول كل مرغوب، والنجاة من كل مرهوب.
6/1456ــ وعن عبد الله بن خُبَيْب ــ بضم الخاء المُعْجَمَة ــ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «اقْرأْ: {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} والمعوّذتَيْن حين تُمْسي وحين تُصبحُ، ثلاثَ مراتٍ تكفيكَ مِن كلِّ شيءٍ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) الحث عَلَىٰ قراءة هذه السور الثلاث كل صباح ومساء، لأنها تكفي العبد من الشرور كلها.
2) أعظم حصن يعتصم به العبد: اللجوء إلىٰ كلام الله تعالىٰ، والاعتصام به، فهو الحصن الحصين.
7/1457ــ وعن عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن عبد يقول في صَبَاحِ كلِّ يومٍ ومساءِ كلِّ لَيْلةٍ: بسم الله الذي لا يضرُّ مَعَ اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، وهو السَّميعُ العليمُ، ثلاثَ مرَّاتٍ، إلَّا لمْ يضرَّهُ شيءٌ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) التبرك بذكر اسم الله تعالىٰ يعصم العبد من كل آفة بإذن الله تعالىٰ.
2) التقيد بما ورد في عدد الأذكار فيه تمام المتابعة للمعصوم صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز للذاكر الزيادة عَلَىٰ العدد الوارد، أو النقصان منه إلَّا إذَا دلّ الدليل عَلَىٰ جواز ذلك.
تنبيه هام:
ينتشر في بعد الأوساط كُتيب صغير جداً بعنوان: (الحصن الحصين) ويُوضَع أحياناً في السيارات والمحلات، وهذا الكتيب فيه مخالفات شرعية كثيرة؛ لأنه يتضمن أموراً منكرة، من قوله مثلاً في مقدمته: «من قرأه فكأنما قرأ الكتب المنزلة»! وقوله: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة التوبة لم يمت في يومه»! ونحو ذلك من ادعاء أشياء عجيبة لا تصح ولا تثبت، ومن عجبٍ أنه أسند هذه المنكرات إلى قوله: «حدثنا بعض العارفين عن أبيه عن جده»!! وفي آخر الكتيب توجد حروف مقطعة وكلمات غريبة، أشبه بالطلاسم وكتابات المشعوذين، فَلْيحذرِ المؤمن من تعليقه أوْ نشره، وَلْيبادِرْ إلىٰ إتلافه. وفيمَا صح من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ــ من المحافظة علىٰ الأذكار المتقدمة في الأحاديث المسندة ــ كل خير وهداية ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مِهداة»، أي: رحمة وهداية لكم.
249 ــ باب مَا يقوله عند النوم
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [آل عمران: 190ــ191].
1/1458 ــ وعن حذيفةَ وأبي ذرٍّ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أوَىٰ إلىٰ فراشه قَالَ: «باسمكَ اللهم أحْيَا وأمُوتُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) التبرك باسم الله تعالىٰ عند النوم يحفظ العبد من الشرور كلها.
2) إنَّ النوم يذكّر بالموت والنشور، فيستحضر العبد إذَا أوىٰ إلىٰ فراشه حال البعث والنشور.
2/1459ــ وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ ولفاطمةَ رضي الله عنهما: «إذَا أوَيْتُمَا إلىٰ فراشِكُمَا، أوْ: إذَا أخذْتُمَا مَضَاجعَكُمَا فكَبِّرَا ثلاثاً وثلاثين، وسبِّحَا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين» وفي رواية: «التَّسبيح أربعاً وثلاثين» وفي رواية: «التَّكبيرُ أربعاً وثلاثين». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) ذكر الله تعالىٰ عند النوم بالتسبيح، والتكبير، والتحميد، الوارد في الحديث؛ يعطي الذاكر قوة في بدنه عَلَىٰ تحمّل المتاعب، وقضاء الحاجات.
2) حثُّ الرجلِ أهلَ بيته عَلَىٰ ذكر الله تعالىٰ، وربط قلوبهم بالدار الآخرة، لأن في رواية الحديث أن فاطمة رضي الله عنها أتت تشكو إلىٰ النَّبيِّ، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلُّكُمَا عَلَىٰ خيرٍ ممّا سألتُمَا؟ إذَا أوَيِتُمَا إلىٰ فراشكما» الحديث. رواه البخاري.
3/1460ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا أوَىٰ أحَدُكُم إلىٰ فراشه فلْيَنْفُضْ فراشَهُ بداخلةِ إزَاره، فإنَّه لا يدري مَا خَلَفَهُ عليه، ثُمَّ يقولُ: باسمكَ ربِّي وَضَعْتُ جَنْبي، وبك أرْفَعُهُ، إن أمسَكْتَ نفسي فارْحَمْهَا، وإن أرسلْتَهَا فاحْفَظْهَا بما تَحْفَظُ به عبادَكَ الصالحين». متفق عليه.
غريب الحديث:
داخلةِ إزاره: طرف الإزار مما يلي الجسد.
هداية الحديث:
1) علامة التوفيق: ألَّا يكِلَك الله إلىٰ نفسك، وعلامة الخذلان: أن يكلك الله إلىٰ نفسك.
2) من دلائل فقه العبد: إلحاحه في الدعاء بأن يحفظه الله تعالىٰ.
3) الترغيب في استعانة العبد بربِّه في كل حال، عند نومه ويقظته، فالعبد بالله لا بنفسه.
4) يُستحب نفض الفراش على الهيئة المذكورة قبل الدخول فيه، ولو سلم من الآفات الظاهرة، اتباعاً وتعظيماً للهدي النبوي. ولأنه قد يخلفه شيء من الآفات التي لا ترى!.
4/1461 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أخَذَ مضجَعَهُ نَفَثَ في يَدَيْه، وقَرَأ بالمُعَوِّذات، وَمَسَحَ بهمَا جَسَدَهُ. متفق عليه.
وفي رواية لهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أوىٰ إلىٰ فراشه كلَّ ليلةٍ جَمَعَ كَفَّيه، ثُمَّ نَفَثَ فيهما فَقَرأ فيهما: {قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} و{قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ} و{قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}، ثُمَّ مسحَ بهما مَا اسْتطاعَ من جسده، يبدأ بهما عَلَىٰ رأسه ووجهه، وما أقبَلَ من جَسَده، يفعَلُ ذلك ثلاث مرَّات. متفق عليه.
قال أهل اللغة: «النفث» نفخ لطيف بلا ريق.
هداية الحديث:
1) قراءة المعوذات، مَعَ النفث، ومسح ما أقبل من الجسد ثلاث مرات، كل ذلك من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابت عند النوم.
2) للقرآن تأثير عظيم في حفظ الجسد بإذن الله تعالىٰ، فهو شفاء للقلوب والأبدان.
3 ) تعاطي جملة الأسباب المعينة على السلامة، وهي: القراءة، والنفث، والمسح، مع التكرار.
5/1462ــ وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا أتَيْتَ مضْجَعَكَ فَتَوضَّأ وضُوءَكَ للصَّلاة، ثُمَّ اضطَجعْ عَلَىٰ شقِّك الأيمَن، وقُل: اللهم أسْلمْتُ نفسي إليكَ، وفَوَّضْتُ أمْري إليكَ، وألجأتُ ظهري إليكَ، رغبةً ورهبةً إليكَ، لا مَلجأَ ولا مَنجىٰ منك إلَّا إليك، آمنتُ بكتابِكَ الذي أنزلْتَ، وبنَبيِّك الذي أرسلْتَ، فإنْ متَّ متَّ عَلَىٰ الفطرَة، واجْعَلْهُنَّ آخرَ مَا تَقُولُ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) تحري الوضوء قبل النوم، والاضطجاع عَلَىٰ الشق الأيمن، وجعل هذا الدعاء من آخر الأذكار، فيه موافقة لسُنّته عليه الصلاة والسلام.
2) من حافظ عَلَىٰ ذلك الهدي يُرجىٰ لَهُ أن يموت عَلَىٰ فطرة التوحيد.
6/1463ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أوَىٰ إلىٰ فراشه قَالَ: «الحَمْدُ لله الذي أطْعَمَنا وسَقَاناَ، وكَفَانا وآوَانا، فَكم ممَّن لا كافيَ لَهُ ولا مُؤْوي». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) اعتراف العبد بنعمة ربِّه عليه يستوجب أن يحمده عَلَىٰ نعمه كلها.
2) استشعار النعمة العظيمة في الكفاية والمأوىٰ، فكم من أناس حُرموا هذه النعمة؟ فالنعم يجب أن تُقابَل بالشكر حتىٰ تدوم وتكثر.
7/1464ــ وعن حذيفةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أرَادَ أن يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَىٰ تحتَ خَدِّه، ثُمَّ يقُولُ: «اللّهم قِنِي عَذَابَكَ يومَ تَبْعَثُ عبَادَكَ». رواه الترمذي وقال حديث حسن. ورواه أبو داود من رواية حفصة رضي الله عنها وفيه: أنه كان يقوله ثلاث مرات.
هداية الحديث:
1) إن وضع اليد اليمنىٰ تحت الخد الأيمن أدب نبوي من آداب النوم.
2) أعظم مَا يسأل العبد ربَّه؛ أن يقيه العذاب، لأن من وُقي عذاب الله، فقد فاز ونجح.
كتاب الدّعوات
250 ــ باب فضل الدّعاء
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالىٰ: ﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]، وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: 186] ، وقال تعالىٰ: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل: 62].
فائــدة، الدعاء نوعان:
1 ــ دعاء العبادة، وهو: قيام العبد بالعبادة لله _عز وجل_؛ كالصلاة والزكاة والصيام. وهذا سؤال بلسان الحال.
2 ــ دعاء المسألة، وهو: أن يسأل العبدُ ربَّه بلسان المقال، فيقول مثلاً: ياربِّ اغفرْ لي.
ومن شروط استجابة الدعاء:
1 ــ أن يكون مخلصاً لله _عز وجل_.
2 ــ أن لا يكون في الدعاء عدوان وظلم علىٰ الآخرين.
3 ــ أن يكون العبد موقناً بالإجابة من الله _عز وجل_.
4 ــ اجتناب المطعم والمشرب والملبس الحرام، ونحو ذلك.
هداية الآيات:
1) الأمر بالدعاء وبيان فضله، فالدعاء من أعظم العبادات التي تقرب إلىٰ الله _عز وجل_.
2) من دعا ربه مكملاً شروطَ الدعاء، فإن الله _عز وجل_ وعَدَه بالإجابة.
1/1465ــ وعن النُعمان بن بشير رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الدُّعاءُ هُو العبادةُ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) الدعاء لُبُّ العبادة، ولذلك يجب علىٰ العبد أن يكون فيه مخلصاً لله _عز وجل_، متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) علىٰ العبد أن يُظهر العجز لربِّه، والاحتياج إليه، في عبادة الدعاء، وأن يوقن بإجابة الله _عز وجل_.
2/1466ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَحِبُّ الجَوامعَ منَ الدُّعاءِ، ويَدَعُ ما سوَىٰ ذلك. رواه أبو داود بإسناد جيد.
غريب الحديث:
الجوامع: الدعاء الذي يجمع أبواب الخير بكلمات يسيرة.
هداية الحديث:
1) يُستحب للعبد إذا دعا أن يختار الدعاء الجامع، لأنه أبلغ في العموم والشمول، وأوفق للهدي النبوي.
2) إنَّ البركة كل البركة في اتباع أدعية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الجامعة لأبواب الخير في الدارين.
3/1467ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: كَان أكثرُ دُعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللّهم آتنَا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرة حسَنَةً، وقِنَا عذابَ النَّار». متفق عليه.
زاد مسلم في روايته قَالَ: وكان أنس إذَا أراد أن يَدْعُوَ بدعوة دعا بهَا، وإذا أراد أن يدْعُوَ بدُعاء دَعا بهَا فيه.
هداية الحديث:
1) استحباب المحافظة علىٰ هذا الدعاء، لقلة ألفاظه، وإحاطته بخيرَي الدنيا والآخرة.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ المحافظة علىٰ السنة وتطبيقها.
4/1468 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، كَان يقول: «اللهم إني أسألُكَ الهُدَىٰ والتُّقىٰ والعَفَافَ والغنَىٰ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) يُستحب الدعاء بهذه الكلمات الأربع، لما فيها من الخير للعبد في الدنيا والآخرة، مع اللجوء إلىٰ الله _عز وجل_، والاستغناء عما في أيدي الناس.
2) إنَّ من خير ما يسأله العبدُ من الأدعية الجامعة: طلب الهداية، والتقوىٰ، والعفة، والغنىٰ.
5/1469ــ وعن طارق بن أشْيمَ، رضي الله عنه قَالَ: كَان الرَّجُلُ إذَا أسلم علَّمهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّلاةَ، ثُمَّ أمرَهُ أن يَدْعُو بهؤلاء الكلمات: «اللّهم اغفرْ لي، وارْحَمْني، واهْدِني، وَعَافِني، وارْزُقْني». رواه مسلم.
وفي رواية لهُ عَنْ طارق أنَّهُ سمع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأتاهُ رجلٌ، فقال: يارسولَ الله، كيفَ أقولُ حين أسألُ ربِّي؟ قَالَ: «قُل: اللهم اغْفرْ لي، وارْحَمْني، وعَافنِي، وارْزُقْني، فإنَّ هؤلاء تَجْمَعُ لك دُنْيَاكَ وآخرتَكَ».
هداية الحديث:
2) ينبغي علىٰ العبد أن يتعلم كيفية دعائه ربَّه، فالعلم مقدم علىٰ العبادة.
3) طلب العافية يشمل العافية الجسدية من الأمراض والأذىٰ، ويشمل العافية القلبية من أمراض الشبهات، كالشرك والنفاق، أو أمراض الشهوات، كالوقوع في المحرمات.
6/1470 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا علىٰ طاعتِكَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من عقيدة المؤمن: أن يعلم أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف يشاء.
2) علىٰ العبد ألاّ يتّكلَ علىٰ عمله ويغترّ به، بل يطلب من الله _عز وجل_ الهداية والاستقامة وعدم الزيغ.
3) اعتقاد العبد بأن تصريف القلوب بيد الله _عز وجل_ يورثه الخشية من الله _عز وجل_ في السر والعلن، فالأعمال بخواتيمها.
7/1471ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَعَوَّذُوا بالله من جَهْدِ البَلاء، ودَرَكِ الشَّقَاءِ، وسُوءِ القَضَاءِ، وشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ». متفق عليه.
وفي رواية: قَالَ سفيانُ: أشُكُّ أنِّي زدْتُ واحدةً منها.
غريب الحديث:
جهد البلاء: المشقة في المحنة.
درك الشقاء: إدراك الشدة والعسر.
الشماتة: الفرح لحزن الغير.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يتمثل أمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة من هذه الأمور الأربعة.
2) من أعظم ثمرات الاستعاذة والدعاء إظهارُ حاجة العبد لربِّه وتضرُّعه إليه، فهذا من كمال توحيد العبادة لله _عز وجل_.
8/1472ــ وعنه قَالَ: كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أصْلحْ لي دِيني الذي هُوَ عصْمَةُ أمْري، وأصْلحْ لي دُنيايَ التي فيهَا مَعَاشي، وأصْلِحْ لي آخرَتي التي فيها مَعَادِي، واجْعلِ الحياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، واجْعلِ المَوْتَ راحةً لي من كلِّ شرٍّ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
عصمة أمري: ما أعتصم به في أموري.
هداية الحديث:
1) الإسلام عصمة للعبد من الوقوع في الزيغ والضلال، وحفظ من مضِلاّت الهوىٰ والفتن.
2) إنَّ المسلم يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً.
3) من أحسن الدعاء: طلب العبد إصلاح أمر دنياه، حتىٰ يتخذها زاداً للطاعات وزيادةً في الأعمال الصالحات.
9/1473ــ وعن عليٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قُلْ: اللهم اهْدنِي، وسَدِّدْني».
وفي رواية: «اللهم إنِّي أسْألُكَ الهُدَىٰ والسَّدادَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
السداد: الاستقامة والصواب في الأمر، والمراد في الحديث: وفِّقْني واجعلْني مصيباً في جميع أموري.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يحرص علىٰ حسن العمل وتقويمه، وذلك بلزوم السُّنَّة، وإخلاص النِّيَّة.
2) الهدي النبوي سبيل إلىٰ السداد والعصمة. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ اتباع المعصوم صلى الله عليه وسلم.
10/1474ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «اللهم إني أعوذُ بكَ منَ العَجْزِ والكَسلِ والجُبْنِ والهَرَمِ والبُخْلِ، وأعُوذُ بكَ منْ عَذابِ القَبْرِ، وأعوذُ بكَ من فتْنةِ المَحْيَا والمَمَاتِ».
وفي رواية: «وَضَلَعِ الدَّيْن وغَلَبَةِ الرِّجالِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الهرم: الشيخوخة وكبر السن.
هداية الحديث:
1) ترغيب العبد بدوام الاستعاذة من هذه الأمور، لأنها سبب في فشل أعماله في الدنيا والآخرة.
2) الحث علىٰ الاستعاذة من عذاب القبر، لأن القبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة. والاستعاذة تكون قولاً وعملاً: باللسان، وبالقيام بالأوامر الشرعية، واجتناب المحرمات المنهيّة.
3) لا يتحقق للعبد توحيده إلا باللجوء إلىٰ الله _عز وجل_ في الفتن والمصائب، والاستعاذة به لا بغيره من المخلوقات، التي لا تدفع ضراً ولا تجلب خيراً.
11/1475ــ وعن أبي بكر الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أنَّه قَالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمْني دُعاءً أدْعُو به في صَلاتي، قَالَ: «قُل: اللهم إنِّي ظلَمْتُ نفسي ظُلْماً كثيراً، ولا يَغْفرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فاغْفرْ لي مغفرةً مِن عندِكَ، وارْحَمني، إنَّكَ أنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ». متفق عليه.
وفي رواية: «وفي بَيْتي». ورُويَ: «ظُلماً كثيراً» ورُويَ «كبيراً» بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة، فينبغي أن يُجمع بيْنَهُما، فيُقالُ: كثيراً كبيراً.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يعترف بظلمه وذنوبه، وينكسر بين يدي مولاه، فإن هذا من أعظم أسباب استجابة دعواه.
2) التوسل إلىٰ الله _عز وجل_ بأسمائه وصفاته من أسباب استجابة الدعاء، كأن يقول الداعي: يا غفور اغفر لي، أو يا رزّاق ارزقني، وهكذا..
3) بيان ضلال وسفه الذين يدعون غير الله _عز وجل_ من المخلوقات، بما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، كمثل طلب المغفرة والشفاعة والرزق والمعونة من الأموات.
4) الصِّدِّيق المبشر بالجنة رضي الله عنه يقول: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً»، وهو بالمنزلة الرفيعة. فكيف بغيره من المقصِّرين؟!
12/1476ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كَان يدعو بهذا الدُّعاء: «اللهم اغْفرْ لي خَطيئتي وجَهْلي، وإسرافي في أمْري، وما أنْتَ أعلمُ به منِّي، اللهم اغفرْ لي جدِّي وهَزْلي، وخَطئي وعَمْدي، وكلُّ ذلكَ عنْدي، اللهم اغْفرْ لي مَا قَدَّمْتُ ومَا أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ ومَا أعْلَنْتُ، ومَا أنْتَ أعْلَمُ به مني، أنت المقدِّم، وأنتَ المؤخِّرُ، وأنت علىٰ كل شيء قدير». متفق عليه.
13/1477ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَان يقولُ في دُعَائه: «اللهم إني أعُوذُ بك من شَرِّ مَا علمتُ، ومن شرِّ ما لَمْ أعْمَلْ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) التفصيل في مقام الدعاء أمر مطلوب، لأنه يذكّر العبدَ بكل ما عمل مما أسرّ وأعلن، ويشمل كل ما لم يعمل، فيزداد بذلك تعلّقاً بالله _عز وجل_ محبةً وخوفاً ورجاءً.
2) من أهم ما يسأل العبد ربَّه هو مغفرة الذنوب، لأن الذنوب سبب للحجاب والعذاب في الدنيا والآخرة.
14/1478ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَان من دُعاء رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنِّي أعُوذُ بكَ منْ زَوَال نعْمَتِكَ، وتحَوُّل عَافيتِكَ، وفُجاءَة نقْمتِكَ، وجميع سَخطِكَ». رواه مسلم.
15/1479ــ وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قَالَ: كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «اللهم إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ العجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والهرَمِ، وعذابِ القَبْرِ. اللّهم آتِ نَفْسي تقْوَاهَا، وزَكِّهَا أنْتَ خيرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وليُّهَا وَمَوْلاهَا، اللهم إنِّي أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينْفعُ، ومِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ومِن نَفْسٍ لا تَشَبَعُ، ومِن دَعْوةٍ لا يُسْتجابُ لَهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
فجاءة نقمتك: المفاجأة بنزول انتقام الله تعالىٰ علىٰ العاصين.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد أن يغتنم نعمة الله _عز وجل_ بالعافية وذلك بالتزام الطاعات والإكثار منها.
2) إن زوال النعمة ونزول الأمراض بالعبد، مع سخط الله تعالىٰ، من أعظم أسباب الخسران والحرمان في الدنيا والآخرة. فعلىٰ العبد الاستعاذة بالله _عز وجل_ من ذلك.
3) ترغيب العبد في كل ما يزكّي نفسه ويطهّرها.
4) الحرص علىٰ تعلم العلم النافع التي يورث الخشية في القلب، وهذا العلم، هو: علم الكتاب والسنة، المأخوذ عن معلِّم الناس الخير صلى الله عليه وسلم.
16/1480ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَان يقولُ: «اللهم لكَ أسْلمْتُ، وبكَ آمَنْتُ، وعليْكَ تَوَكَّلْتُ، وإليكَ أنَبْتُ، وبكَ خَاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ. فاغْفرْ لي ما قدَّمْتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّم، وأنتَ المؤخِّرُ، لا إلهَ إلَّا أنْتَ». زاد بعض الرواة: «ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله» متفق عليه.
غريب الحديث:
أنبت: رجعت في أموري.
بك خاصمت: بالله ــ دون غيره ــ استعانتي عند المخاصمة.
وإليك حاكمت: إلىٰ شرعك المنزل ــ دون غيره ــ حكمي.
هداية الحديث:
1) وجوب التوكل علىٰ الله _عز وجل_ والإخلاص له في جميع الأقوال، والأعمال، والأحوال.
2) الترغيب في التأسي بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الأدعية الجامعة، لأنها شاملة لخيرَي الدنيا والآخرة.
3) استحباب التضرع إلىٰ الله تعالىٰ بالافتقار والذل بين يديه، قبل طلب المغفرة لديه.
17/1481 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَان يدعُو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذُ بكَ من فتْنَةِ النَّارِ، وعذابِ النَّارِ، ومن شرِّ الغنَىٰ والفَقْرِ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهذا لفظ أبي داود.
هداية الحديث:
1) إنَّ الاستعاذة بالله من النار تستلزم الابتعاد عن جميع ما يسخط الله _عز وجل_، مع التزام الاستغفار والتوبة والتضرع إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ.
2) الواجب علىٰ العبد عند الغنىٰ: الشكر، وعند الفقر: الصبر.
18/1482 ــ وعن زياد بن علاقة عن عمّه، وهو قطبة بن مالك رضي الله عنه، قَالَ: كَان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إنِّي أعوذُ بكَ من مُنْكَراتِ الأخلاقِ والأعْمَالِ والأهْوَاءِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) ذم منكرات الأخلاق، كالعجب والكِبْر، وذم منكرات الأعمال، كالزنىٰ وشرب الخمر.
2) ذم الأهواء التي مبناها علىٰ العقول الفاسدة، والبدع المضلة، البعيدة عن الهدي المنزل.
19/1483 ــ وعن شكل بن حُمَيْد رضي الله عنه قَالَ: قلتُ يارسولَ الله، علِّمْني دُعَاءً، قَالَ: «قُلْ: اللهم إنِّي أعُوذُ بكَ منْ شرِّ سَمعي، ومن شرِّ بَصَري، ومن شرِّ لسَاني، ومن شرِّ قلبي، ومن شرِّ مَنيِّي». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
شر منيِّي: أي فرجي.
هداية الحديث:
1) إن حواس الإنسان وأعضاءه نِعمٌ، يجب علىٰ العبد شكر الله عليها، بوضعها فيما خُلقت له من العبودية لله _عز وجل_، والالتجاء إليه بالمعافاة من شر تلك الحواس فهو المقلب لحالها، العالم بخفاياها.
2) الحث علىٰ سؤال العالم عما ينفع الناس، لأن العلماء ورثة الأنبياء.
20/1484 ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَان يقول: «اللهم إنِّي أعوذُ بك مِنَ البَرَصِ، والجُنُونِ، والجُذامِ، وَسَيِّئ الأسقامِ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
البرص: بياض يقع في الجلد يفسد منظره.
الجذام: مرض مهلك ومُعْدٍ. الأسقام: الأمراض المنوعة.
هداية الحديث:
1) هذه الأمراض مفسدة للخِلقة والخُلق، وتؤدي إلىٰ نفور الخَلق من صاحبها، فيُستعاذ منها لما لها من الآثار الضارة.
2) الأمراض مُطَهِّرة للآثام مع الصبر عليها وعدم التسخط.
21/1485ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعُوذُ بكَ مِنَ الجُوعِ، فإنَّهُ بئسَ الضَّجيعُ، وأعُوذُ بكَ مِنَ الخيانةِ، فإنَّها بئْسَتِ البطَانَةُ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
البطانة: الشيء القريب من الإنسان لا يفارقه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد الاستعاذة من كل ما يشغله عن العبادة.
2) الحث علىٰ أداء الأمانات وذم الخيانة، لأن الخيانة سبب لفساد الرجل وفساد من حوله.
22/1486ــ وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ مكاتباً جاءَهُ، فقال: إني عجزْتُ عن كتَابتي، فأعنِّي، قَالَ: ألا أعلِّمُكَ كلماتٍ علَّمَنيهنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، لو كَان عليكَ مثلُ جَبَلٍ دَيْناً أدَّاهُ الله عَنْكَ؟ قُل: «اللهم اكْفِنِي بحلالك عَنْ حرامِكَ، وأغْنِنِي بفضِلكَ عمَّنْ سواكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
المكاتب: العبد الرقيق الذي اتفق مع سيده أن يعتقه لقاء عوض يدفعه الرقيق لسيده.
هداية الحديث:
1) من لزمه دَينٌ، ونوىٰ أن يوفيه، واستعان بربِّه _عز وجل_، فإن الله يعينه علىٰ قضاء دينه.
2) إنَّ الرزق الحلال، وإن قلّ، خير من المال الحرام، وإن كثر.
3) علىٰ العبد أن يقطع رجاءه من المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالىٰ.
23/1487ــ وعن عمرانَ بنِ الحصينِ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم علَّم أباهُ حُصَيْناً كلمتَيْن يدْعُو بهما: «اللهم ألهِمْني رُشْدي، وأعِذْنِي من شرِّ نَفْسي». رواه الترمذي وقال: حديث حسن[3]. [3] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
الرشد: ضد الغي.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يستعيذ من شرور النفس وسيئ الأعمال.
2) إذ ألهم الله العبدَ رشده فهو علىٰ خير، لأنه يُعصم من أنواع الانحراف والغي.
24/1488 ــ وعن أبي الفضْل العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي الله عنه قَالَ: قلتُ: يارسولَ الله، علِّمْني شيئاً أسألُهُ الله تَعَالىٰ، قَالَ: «سلُوا اللهَ العَافيةَ»، فَمَكَثتُ أياماً، ثُمَّ جئتُ، فقُلْتُ: يارسولَ الله، علَّمْني شيئاً أسْألُهُ اللهَ تَعَالىٰ، قَالَ لي: «يا عبَّاسُ يا عمَّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنْيا والآخرَة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) من حاز العافية فقد أوتي خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ الاستزادة من الخير والعلم، وهذا يدل علىٰ فضلهم وعلمهم، والسعيد من لزم هديهم، فإنهم علىٰ الصراط المستقيم.
25/1489 ــ وعن شهر بن حَوْشَب قَالَ: قلتُ لأمِّ سلَمَةَ رضي الله عنها: يا أمَّ المؤمنين، ما كَان أكْثَرُ دُعاء رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إذَا كَان عنْدَك؟ قَالَتْ: كَان أكثرُ دُعائه: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي علىٰ دِيْنِكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) بيان أن الأعمال بخواتيمها، فعلىٰ العبد أن يسأل الله _عز وجل_ أن يتوفّاه علىٰ الإيمان.
2) ما أُعطي العبد عطاءً أفضل من الثبات علىٰ الإسلام.
3) إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وهو حائز شرف الرسالة والنبوة، وقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ــ يسأل الله _عز وجل_ التثبيت علىٰ دين الإسلام، فكيف بالمقصِّرين المذنبين أمثالنا؟! فالواجب أن نسأل الله _عز وجل_ الثبات حتىٰ الممات.
26/1490 ــ وعن أبي الدَّردَاء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَان من دُعاء داودَ صلى الله عليه وسلم: اللهم إنِّي أسْألُكَ حبَّكَ، وحُبَّ مَنْ يُحبُّكَ، والعَمَلُ الذي يُبلِّغُني حُبِّكَ، اللهم اجْعَلْ حُبَّكَ أحبَّ إليَّ من نفسِي وأهْلِي، ومِنَ الماءِ الباردِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن[4]. [4] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) الترغيب في طلب محبة الله _عز وجل_ والسعي لنيلها، بأخذ الأسباب الموجبة لمحبة الله _عز وجل_.
2) معنىٰ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب المحبوبات إلىٰ العبد، فيتحرك العبد في أعماله، وأقواله، وأحواله، فعلاً وتركاً، علىٰ مدار هذه المحبة.
27/1491ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلِظُّوا بياذا الجلالِ والإكرامِ». رواه الترمذي ورواه النسائي من رواية ربيعة بن عامر الصحابي، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد.
«ألظُّوا» بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة معناه: الزموا هذه الدعوة، وأكثروا منها.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الإكثار من ذكر الله _عز وجل_ ، وسؤاله بأسمائه وصفاته .
2) هذا الدعاء العظيم تضمن الثناء التام علىٰ الله سبحانه وتعالىٰ.
28/1492 ــ وعن أبي أمامةَ رضي الله عنه قَالَ: دعا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بدُعاءٍ كثيرٍ، لم نحْفَظْ منهُ شيئاً، قُلنا: يارسولَ الله، دعَوتَ بدُعاءٍ كثيرٍ لم نَحْفظْ منهُ شيئاً، فقال: «ألا أدُلًّكًم علىٰ ما يجمعُ ذلك كُلَّهُ؟ تقولُ: اللهم إنِّي أسألُكَ من خَير ما سألَكَ منهُ نَبيُّكَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وأعوذُ بك من شرِّ ما استعاذَ منه نبيُّكَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وأنتَ المُسْتعانُ، وعليكَ البلاغُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله». رواه الترمذي وقال: حديث حسن[5]. [5] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) إنَّ من علامة فقه العبد: اهتمامه بالأدعية الجامعة، التي تجمع له خيري الدنيا والآخرة.
2) الحث علىٰ التزام هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كل أمور الدين، وترك ما أحدثه الناس من المحدثات، فأدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعة للخير كله.
29/1493 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: كَان من دُعاء رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنِّي أسألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمتِكَ، وعزَائمَ مغْفرَتِكَ، والسلامَةَ من كُلِّ إثمٍ، والغنيمةَ من كلِّ برٍّ، والفَوزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ من النَّارِ». رواه الحاكم أبو عبد الله، وقال: حديث صحيح علىٰ شرط مسلم[6]. [6] الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
موجبات رحمتك: ما يوجب رحمة الله تعالىٰ.
عزائم مغفرتك: الأمور المؤكدة التي تجلب مغفرة الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) إنَّ من فقه العبد: الاستعانة بالله _عز وجل_ في سلوك طريق الرحمة والمغفرة، بفعل الواجبات، وترك المحرمات.
2) أعظم فوز يحقّقه العبد هو الفوز بالجنة، والنجاة من النار.
251 ــ باب فضل الدعاء بظهر الغيب
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ [الحشر: 10]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ﴾ [محمد: 19]، وقال تعالىٰ إخباراً عن إبراهيم –عليه السلام_: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41].
هداية الآيات:
1 ــ فضل الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب، فهو من طرق إجابة الدعوات.
2 ــ الدعاء لعامة المؤمنين حق واجب للمؤمن علىٰ أخيه المؤمن.
1/1494ــ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّهُ سمعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مسلمٍ يدعُو لأخيهِ بظهرِ الغيبِ إلَّا قَالَ الملكُ: ولكَ بِمثْلٍ». رواه مسلم.
2/1495ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَان يقول: «دعْوَةُ المرءِ المُسلمِ لأخيهِ بظهرِ الغَيْب مُسْتجابَةٌ، عندَ رأسِهِ ملكٌ مُوَكَّلٌ كلَّما دعا لأخيه بخير قَالَ الملك المُوَكَّلُ به: آمينَ، ولكَ بِمثْلٍ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) استحباب أن يدعو المسلم لنفسه ولأخيه بخيرَي الدنيا والآخرة.
2) الدعاء بظهر الغيب من الأدعية المستجابة.
3) الدعاء بظهر الغيب بين المسلمين دليل علىٰ صدق الإيمان، ودوام المحبة بينهم، ورعاية حق الأخوة.
252 ــ باب في مسائل من الدعاء
1/1496ــ عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن صُنعَ إليه معرُوفٌ، فقال لفَاعِلِه: جَزَاكَ اللهُ خيراً، فقد أبلَغَ في الثَّناء». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ مكافأة صانعي المعروف، كلٌّ بحسب قدرته.
2) البشارة بأن الجزاء من الله _عز وجل_ أعظم وأوفىٰ من جزاء العباد.
2/1497ــ وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَدْعُوا علىٰ أنْفُسِكُم، ولا تدعُوا علىٰ أولادِكُمْ، ولا تَدْعُوا علىٰ أمْوالِكُمْ، لا تُوافقُوا من الله ساعةً، يُسألُ فيها عطاءً فَيسْتجيبَ لكُم». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) النهي عن الدعاء علىٰ الأنفس، أو الأولاد، أو الأموال، فهذا من رحمة الله _عز وجل_ بعباده.
2) الدعاء بالشر والهلاك نوع من الاعتداء في الدعاء، والله تعالىٰ يقول: {إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلمُعتَدِينَ} [الأعراف: 55].
3/1498ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أقرَبُ ما يكُونُ العَبْدُ من ربِّه وهُوَ ساجدٌ، فأكثرُوا الدُّعاءَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) السجود من مواطن إجابة الدعاء، لأنه حال افتقار وذل، إلى الغني العزيز، فعلىٰ العبد أن يكثر الدعاء حال سجوده.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ تعليم أمته جوامع الخير وأبوابه. فالزمِ السُّنَّة، فإنها سفينة النجاة. وأخذها بركة، وتركها حسرة.
4/1499 ــ وعنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُستَجَابُ لأحَدِكُم ما لمْ يَعْجَلْ، يقولُ: قَدْ دَعَوْتُ ربِّي، فلمْ يُسْتَجَبْ لي». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «لا يزالُ يُستجابُ للْعَبد مَالم يَدعُ بإثمٍ، أوْ قَطيعَةِ رَحمٍ، مَا لَمْ يَسْتعجلْ» قيلَ: يا رَسُولَ الله، ما الاسْتعجَالُ؟ قَالَ: «يقولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أرَ يَسْتَجيبُ لي، فَيَسْتَحْسرُ عندَ ذلك، وَيَدَعُ الدُّعاءَ».
غريب الحديث:
يستحسر: ينقطع.
هداية الحديث:
1) من موانع إجابة الدعاء: الاستعجال، والدعاء بالإثم، والضجر، وترك الدعاء.
2) من فقه الدعاء: عدم الملل، وعلىٰ العبد أن يلح بدعاء ربَّه وهو موقن بالإجابة.
5/1500 ــ وعن أبي أمامةَ رضي الله عنه قَالَ: قيلَ لرسُول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّ الدُّعاء أسْمَعُ؟ قَالَ: جوْفَ اللَّيْلِ الآخرِ وَدُبُرَ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَاتِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
أسمع: أقرب إجابة.
جوف الليل: عند التنزل الإلهي في الثلث الأخير من الليل.
دبر الصلوات: آخر الصلاة قبل السلام.
هداية الحديث:
1) فضل وقت الأسحار علىٰ باقي الليل، لأنه أولىٰ بإجابة الدعاء. فعلىٰ العبد أن يتحرّىٰ لدعائه المكان والزمان المناسبَيْن، فإن هذا من أسباب استجابة الدعاء.
2) اغتنام الدعاء قبل الانصراف من الصلوات، لأن العبد عندئذٍ مقبل على ربه، فحري أن يُستجاب له.
6/1501ــ وعن عبادةَ بنِ الصَّامتِ رضي الله عنه قَالَ: «مَا علىٰ الأرْض مُسلِمٌ يَدْعو اللهَ تَعَالىٰ بدَعْوةٍ إلَّا آتاهُ الله إيَّاهَا، أو صَرَفَ عَنْهُ منَ السُّوء مثْلَهَا. ما لم يَدْعُ بإثْم، أوْ قطيعَة رحم». فقال رجلٌ من القوم: إذاً نُكْثِرُ، قَالَ: «اللهُ أكْثَرُ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه: «أو يدّخر له من الأجر مثلها».
هداية الحديث:
1) للمسلم في دعائه إحدىٰ ثلاث خصال:
أ ــ الإجابة بما دعا.
ب ــ التأخير ودفع البلاء عنه بقدرها.
ج ــ ادخارها ليوم القيامة فيثيبه ربُّه عليها.
2) استحباب السؤال الكثير، فإن الله لا يتعاظمه شيء، ولا يُنقص خزائنهَ مسألةُ العباد.
«الله يغضبُ إنْ تركتَ سؤالَهُ وبُنَيَّ آدم حين يُسألُ يغضبُ»
7/1502ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَان يقولُ عندَ الكَرْب: «لا إلهَ إلَّا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ربُّ العَرْشِ العظيمُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ربُّ السماواتِ، وربُّ الأرضِ، وربُّ العَرْشِ الكريمِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) استحباب المسألة بهذا الدعاء النبوي عند الشدائد والكروب.
2) وجوب إقامة التوحيد في قلوبنا وحياتنا، فهو المنجي لنا من جميع الشرور، وعلىٰ قدر تعظيم التوحيد في قلب العبد، يكون حفظ الله له أتم وأوكد. ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ﴾.
253 ــ باب كرامات الأولياء وفضلهم
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ * ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [يونس: 62،64].
وقال تعالىٰ: ﴿وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا * فَكُلِي وَٱشۡرَبِي﴾ [مريم: 25 ــ 26]، وقال تعالىٰ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ﴾ [ آل عمران: 37]. وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا * وَتَرَى ٱلشَّمسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهفِهِم ذَاتَ ٱليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقرِضُهُم ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} [الكهف: 16، 17].
فائدة:
الكرامات: هي كل أمر خارق للعادة، يُظهره الله سبحانه وتعالىٰ علىٰ يد متّبعي الرسول صلى الله عليه وسلم، إما تكريماً، وإما لحجة، أو حاجة، كنصرة حق، أو إبطال باطل، وأعظم كرامة لزوم الاستقامة. وهي ثابتة في الشرع والواقع.
هداية الآيات:
1) شرط الولاية، كما ذكرها الله _عز وجل_ في كتابه: 1 ــ الإيمان. 2 ــ التقوىٰ.
فلا يصح أن ننسب إلىٰ شخص الولاية إلا بوجود هذين الشرطين، وما يدّعيه بعض الدّجّالين والمشعوذين من الكرامات، فما هو إلا كذب وافتراءات أعانتهم عليه الشياطين.
2) إذا فعل العبد ما يُرضي الله تعالىٰ أمَّنه من الخوف، ونصره في الضعف، وأيّده ورفع منزلته في الدنيا والآخرة.
1/1503 ــ وَعَنْ أَبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُناساً فُقَرَاءَ، وأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَرَةً: «مَنْ كانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» أَوْ كَمَا قَالَ، وأنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه جَاءَ بِثَلاَثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَشَرَةٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّىٰ عِنْدَ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّىٰ صَلَّىٰ العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَجَاءَ بَعْدَ ما مَضَىٰ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ الله. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: ما حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهمْ ؟ قَالَتْ: أبَوْا حَتَّىٰ تَجِيءَ، وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أنا، فَاختَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَذَعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لا هَنِيئاً، واللهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَداً، قَالَ: وَأيمُ الله مَا كُنَّا نَأْخذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَىٰ شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذلِكَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا أبُو بكْرٍ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَني فِرَاسٍ، مَا هذَا؟ قَالَتْ: لا، وَقُرّةِ عَيْني لهِيَ الآنَ أَكثَرُ مِنْها قَبْلَ ذلِكَ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إنَّمَا كَانَ ذلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعني يَمِينَهُ. ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَومٍ عَهْدٌ، فَمَضَىٰ الأجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا اثني عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُم أُنَاسٌ، الله أَعْلَم كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.
وفي رِوَايَةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بكْرٍ لا يَطْعَمُه ، فَحَلَفَتِ المَرأةُ لا تَطْعَمُه ، فَحَلَفَ الضَّيفُ ــ أَوِ الأضْيَافُ ــ أَنْ لا يَطعَمَه، أَوْ يَطعَمُوهُ حَتَّىٰ يَطعَمَه، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ! فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إلَّا رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَني فِرَاسٍ، مَا هذَا ؟ فَقَالَتْ: وَقرَّةِ عَيْني، إنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بهَا إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَذَكَرَ إنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا.
وفي رِوَايَةٍ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإنِّي مُنْطَلِقٌ إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَتَاهُم بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنزِلِنَا ؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّىٰ يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإنَّه إنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا، لَنَلقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صنَعْتُمْ ؟ فَأَخبَرُوه، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فَسَكَتُّ، ثمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحمنِ، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوتي لَمَّا جِئْتَ ! فَخَرَجُتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ، فَقَالُوا: صَدَقَ، أَتَانَا بِهِ. فَقَالَ: إنَّمَا انْتَظَرْتُموني، واللهِ، لا أطعَمُه اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَالله لا نَطعَمُه حَتَّىٰ تَطْعَمَهُ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَالَكُمْ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: بِسمِ الله. الأولىٰ مِنَ الشّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. متَّفقٌ عليه.
قوله: «غُنْثَر» بِغَينٍ معجمةٍ مضمومةٍ، ثم نونٍ ساكِنَةِ، ثم ثاءٍ مثلثةٍ، وهو: الغَبِيُّ الجَاهِلُ، وقوله: «فجدَّعَ» أي: شَتَمَه، وَالجَدَع: القَطْعُ. قوله: «يَجِدُّ عليَّ» هو بكسرِ الجيمِ، أَيْ: يَغْضَبُ.
غريب الحديث:
الصُّفَّة: المكان الذي كان يأوي إليه فقراء الصحابة في آخر المسجد النبوي.
ربا: زاد.
قرة عيني: يُعبِّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبه الإنسان، ولا يقصد منها الحلف بغير الله _عز وجل_، وإنما هي للتوكيد، وهي عادة من عادات العرب في إثبات التعجب وتعظيم الأمور، وإلا فالحلف بغير الله _عز وجل_ منهيٌ عنه أشد النهي، ولا يجوز للمرء أن يحلف إلا بالله وحده، وهذا من تمام الإيمان وكماله.
هداية الحديث:
1) بيان فضيلة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، فهو أفضل الأولياء علىٰ الإطلاق، حاشا الأنبياء والمرسلين.
2) إذا غضب العبد لسبب يقتضي الغضب فإنه لا يُلام عليه، ولا ينقص من فضله ومرتبته.
3) علىٰ العبد إذا حلف علىٰ شيء ثم رأىٰ غيره خيراً منه أن يكفر عن يمينه، ويفعل الذي هو خير.
4) إن إكرام الضيفان من تمام الإيمان.
5) من أصول التربية عناية الوالد بتربية أولاده علىٰ مكارم الأخلاق، كإكرام الضيف ومساعدة المحتاجين.
2/1504 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لقَدْ كَان فيمَا قَبْلَكُم منَ الأمَم ناسٌ محدَّثونَ، فإن يَكُ في أُمَّتي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ». رواه البخاري، ورواه مسلم من روايةِ عائِشَةَ، وفي رِوايَتِهِما قالَ ابنُ وَهْبٍ: «مُحَدَّثُونَ» أي: مُلْهَمُونَ.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو من أولياء الله _عز وجل_ الذين أثنىٰ عليهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
2) كلما قوي إيمان العبد بالله، وأكثر من طاعة مولاه فإنه سبحانه يوفّقه للحق بقدر ما معه من الإيمان، والعلم، والعمل الصالح.
3/1505ــ وَعَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنهما قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْداً، يَعْني: ابْنَ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، إلىٰ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّاراً، فَشَكَوْا حَتَّىٰ ذَكَرُوا أنهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَقَال: يَا أَبَا إسْحَاقَ، إنَّ هؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أصُلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ الله، صلى الله عليه وسلم لا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصلِّي صَلاةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ، وَأخُفُّ في الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذلِكَ الظَنُّ بك يَا أَبَا إسْحَاقَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً، أَوْ رِجَالاً، إلىٰ الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفاً، حَتَّىٰ دَخَلَ مَسْجِداً لِبَني عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّىٰ أَبَا سَعْدَةَ، فَقَالَ: أَمَا إذْ نَشَدْتَنَا فَإنَّ سَعْداً كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا واللهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاثٍ: اللهم إنْ كَانَ عَبْدُكَ هذَا كَاذِباً، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلفِتَنِ. وَكانَ بَعْدَ ذلِكَ إذا سُئِلَ يَقولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أصَابَتْني دَعْوَةُ سَعْدٍ.
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ الرَّاوِي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلىٰ عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ للجَوَارِي في الطُّرُقِ فَيَغْمِزهُنَّ. متفقٌ عليهِ.
غريب الحديث:
ما أخرم: لا أنقص.
أركد: أقوم طويلاً.
نشدتنا: طلبت منا القول.
لا يسير بالسرية: لا يخرج للغزو.
هداية الحديث:
1) إظهار كرامة لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فهو من الأولياء مجابي الدعوة.
2) جواز دعاء المظلوم علىٰ ظالمه من غير بغي وعدوان، فدعوة المظلوم لا تُردّ.
3) حرص أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه علىٰ الرعيَّة، وتحمّله المسؤولية، ولهذا اشتُهر بعدالته وحسن سياسته في الأمور كلها.
4/1506 ــ وَعَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ رضي الله عنه خَاصَمَتْهُ أَرْوَىٰ بِنْتُ أَوْسٍ إلىٰ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أَرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئاً بَعْدَ الَّذي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟! قَالَ: مَاذا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً طُوِّقَهُ إلىٰ سَبْعِ أَرَضِينَ»، فَقالَ لَهُ مَرْوانُ: لا أَسْأَلُكَ بيِّنَةً بَعْدَ هذَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: اللهم إنْ كانَتْ كَاذِبةً، فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا في أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّىٰ ذَهَبَ بَصَرُها، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي في أَرْضِهَا إذْ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. متفقٌ عليهِ.
وفي روايةٍ لمسلمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بمَعْنَاهُ، وأَنّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْني دَعْوَةُ سَعِيدٍ، وَأنّهَا مَرَّتْ عَلىٰ بِئْرٍ في الدَّارِ التي خاصَمَتْهُ فِيها، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَها.
هداية الحديث:
1) بيان كرامة سعيد بن زيد رضي الله عنه باستجابة الله _عز وجل_ دعوتَه علىٰ المرأة الظالمة الكاذبة.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ الالتزام بالسنة وتطبيقها، فهم أكثر الناس علماً بحدود ما أنزل الله علىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم.
3) التحذير من إيذاء العلماء الربّانيّين، والدعاة الصالحين، وأولياء الله المتقين.
5/1507ــ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما قَالَ: لمّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دَعاني أبي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إلَّا مَقْتُولاً في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنِّي لا أتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَإنَّ عَلَيَّ دَيْناً فَاقْضِ، وَاسْتَوصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْراً. فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ في قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإذَا هُوَ كَيَوْمَ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذنِهِ، فَجَعَلْتُهُ في قَبْرٍ عَلىٰ حِدَةٍ. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) إظهار كرامة لعبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنهما، فقد أخبر أنه مقتول في أول الصحابة، وأُخرج من قبره بعد ستة أشهر كيوم وضع فيه رضي الله عنه.
2) كمال حبّ الصحابة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وتفضيلهم إيّاه علىٰ النفس والأهل والولد. فرضي الله عنهم أجمعين.
6/1508ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ بَيْنَ أَيدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا، صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهما وَاحِدٌ حَتىٰ أتىٰ أَهْلَهُ.
رواه البخاريّ مِنْ طرُقٍ، وفي بعْضِها: أَنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ، وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ رضي الله عنهما.
هداية الحديث:
1) الإعلام بكرامة هذين الصحابيَّيْن الجليلَيْن وهما: أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، رضي الله عنهما.
2) من خرج في طلب الحق والعلم فإن الله _عز وجل_ يتولاّه في جميع أموره.
7/1509ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَشرَةَ رَهْطٍ سَريَّةً عيناً، وَأَمَّرَ عَليْهِم عَاصِمَ بنَ ثابتٍ الأنصَاريَّ رضي الله عنه، فَانْطَلَقُوا حَتَّىٰ إذا كانُوا بِالهَدْأَةِ، بَيْنَ عُسْفانَ وَمَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقالُ لهُمْ: بَنُو لِحْيانَ، فَنَفَرُوا لهمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائِة رَجُلٍ رَامٍ، فاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَؤوا إلىٰ مَوْضِعٍ، فَأَحَاطَ بهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا: انْزِلُوا، فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُم، ولَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ أَنْ لا نَقْتُلَ مِنكُمْ أَحَداً، فَقالَ عَاصِمُ بنُ ثابِتٍ: أيُّها القَوْمُ أَمَّا أنَا، فَلا أَنْزِلُ عَلىٰ ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللهم أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صلى الله عليه وسلم، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِماً، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَىٰ العَهدِ والمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسيِّهمْ، فَرَبَطُوهُم بِهَا. قَالَ الرَّجُلُ الثّالِثُ: هَذَا أَوّلُ الغَدْرِ، واللهِ لا أَصْحَبُكُم، إنَّ لي بِهؤُلاءِ أُسْوَةً، يريد القَتْلىٰ، فَجَرُّوهُ وَعَالجوهُ، فَأَبىٰ أنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وزَيْدِ بنِ الدَّثِنَةِ، حَتَّىٰ بَاعُوهُما بمكَّهَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابتَاعَ بَنُو الحَارِثِ بنِ عَامِرِ بنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُبَيْباً، وكانَ خُبَيبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُم أسِيراً حَتّىٰ أجْمَعُوا عَلىٰ قَتْلِهِ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنِاتِ الحارِثِ مُوسَىٰ يَسْتحِدُّ بها فأعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَها وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتىٰ أتَاهُ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلىٰ فخذِهِ وَالمُوسَىٰ بِيَدِهِ، فَفزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَها خُبَيْبٌ، فَقَالَ: أَتخْشَيْنَ أن أَقْتُلَهُ ؟ ما كُنْتُ لأفْعَلَ ذلكَ ! قَالَتْ: واللهِ ما رَأَيْتُ أَسِيراً خَيْراً مِنْ خُبَيبٍ، فوَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْماً يَأْكُلُ قِطْفاً مِنْ عِنَبٍ في يَدهِ، وأنَّهُ لمُوثَقٌ بِالحَدِيدِ وَما بمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ لَرزقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْباً، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ في الحِلِّ، قالَ لَهُم خُبَيْبٌ: دَعُوني أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: والله لولا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بي جَزَعٌ لَزِدْتُ. اللهم أَحْصِهِمْ عَدَداً، واقْتُلْهُمْ بِدَداً، ولا تُبْقِ مِنْهُم أَحَداً، وقالَ:
فَلَسْتُ أبالي حينَ أقْتَلُ مُسْلماً عَلىٰ أيِّ جَنْبٍ كَان لله مَصْرَعي
وذلكَ في ذَات الإله وَإنْ يَشَـأْ يُبـاركْ عَلَىٰ أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً الصَّلاةَ، وَأَخْبَرَ ــ يعني النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ــ أصْحابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلىٰ عاصِم بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أنّهُ قُتِلَ أنْ يُؤْتَوا بشَيءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكانَ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهمْ، فَبَعَثَ الله لعاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْه مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِروا أنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئاً. رواه البخاري.
قَوْلُهُ: الهَدْأَةُ: موضِعٌ، والظُّلَّةُ: السَّحابُ، والدَّبْرُ: النحلُ.
وَقَوْلُهُ: «اقْتُلْهُمْ بِدَداً» بِكَسرِ الباءِ وفتحِها، فمَن كسر قال: هو جمعِ بِدَّةٍ بكسرِ الباءِ، وهي النصيب، ومعناه: اقْتُلْهُمْ حِصَصاً مُنْقَسِمَةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبٌ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ: مَعْنَاهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ مِنَ التَّبْدِيدِ.
وفي البابِ أحاديثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ سبقتْ في مَوَاضِعِها مِن هذا الكِتابِ، منها حديثُ الغُلامِ الذي كانَ يأتي الرَّاهِبَ والسّاحِرَ، وَمِنْها حديثُ جُرَيْجٍ، وحَديثُ أصْحَابِ الغارِ الذينَ أطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصّخْرَةُ، وحديثُ الرَّجُلِ الذي سَمعَ صوتاً في السَّحَابِ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، وغَيْرُ ذلكَ. والدَّلائِلُ في الباب كثيرَةٌ مَشْهُورةٌ، وبِالله التَّوْفِيقُ.
غريب الحديث:
عيناً: من يأتي بأخبار العدو.
الرهط: جماعة من الرجال.
نفروا لهم: خرجوا بسرعة لحربهم.
ذمة: عهد.
اقتصوا آثارهم: تتبعوا موضع أقدامهم.
أطلقوا أوتار قسيهم: حلُّوا أوتار أقواسهم.
يستحد بها: يحلق عانته بها.
جزع: خوف من الموت.
فابتاع: اشترىٰ.
درج: زحف كالصبي الصغير.
أوصال: أعضاء.
شلو: جسد.
صبراً: أن يربط ثم يقتل.
هداية الحديث:
1) إثبات كرامة الأولياء، ويظهر ذلك في عدة أمور:
أ ــ إخبار الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء النفر من الصحابة.
ب ــ حماية اللهِ عاصمَ بن ثابت من هتك حرمته بقطع لحمه، وذلك بعد موته رضي الله عنه.
ج ــ الرزق الذي ساقه الله لخبيب وهو حبيس في مكة مما ليس فيها.
2) استجابة دعاء المسلم وإكرامه حياً وميتاً.
3) ينال العبد الكرامة بقدر ما عنده من العبودية والاستقامة، فأكثر الناس كرامة بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هم أصحابه رضي الله عنهم، لأنهم أكثر الناس عبوديةً لله، وأكثرهم استقامةً واتباعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم.
8/1510ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: ما سمعتُ عُمرَ رضي الله عنه يقولُ لشيء قطُّ: إنِّي لأَظُنُّهُ كَذا إلَّا كَانَ كمَا يَظُنُّ. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) بيان فضل عُمرَ وصدق فراسته، وتمام عبقريته، فهو مُحدَّث ملهم، وهو من العشرة المبشرين في الجنة، وأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم والصديق، رضي الله عنهما.
2) المؤمن الصادق يرزقه الله بصيرة صادقة في تمييز الأمور.
فائـدة:
قال الحافظ الذهبي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ موضحاً الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان:
«الله تعالىٰ يقول في أوليائه إنَّهم: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63] وقد كان في الجاهلية خلق من الكهّان يخبرون بالمغيَّبات، والرهبان لهم كشف وإخبار بالمغيَّبات، والساحر يخبر بالمغيَّبات، وفي زماننا نساء ورجال بهم مَسٌّ من الجِنّ يخبرون بالمغيَّبات علىٰ عدد الأنفاس، وقد صنّف شيخنا ابن تيمية غير مسألة في أن أحوال هؤلاء وأشباههم شيطانية، ومن هذه الأحوال الشيطانية التي تُضلّ العامة أكل الحيات، ودخول النار، والمشي في الهواء ممن يتعاطىٰ المعاصي ويُخل بالواجبات.
فنسأل الله العون علىٰ اتباع الصراط المستقيم، وأن يُكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يؤيدنا بروح منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد يجيء الجاهل فيقول: اسكت، لا تتكلم في أولياء الله، ولم يشعر أنه هو الذي تكلم في أولياء الله وأهانهم، إذ أدخل فيهم هؤلاء الأوباش المجانين أولياء الشياطين، قال الله تعالىٰ: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَولِيَآئِهِم لِيُجَٰدِلُوكُم} ثم قال: {وَإِن أَطَعتُمُوهُم إِنَّكُم لَمُشرِكُونَ} [الأنعام: 121] ». (تاريخ الإسلام ، 48/329)
كتاب الأمور المنهي عنها
254 ــ باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللِّسان
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [ الحجرات: 12]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36]، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18].
اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَمِيعِ الكَلامِ، إلا كَلاماً ظَهَرَتْ فيهِ المَصْلَحَةُ، وَمَتىٰ اسْتَوَىٰ الكَلامُ وَتَركُهُ في المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلامُ المُباحُ إلىٰ حَرَامٍ أوْ مَكْرُوهٍ، وَذلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسّلامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
هداية الآيات:
1) ذم الغيبة ــ وهي ذكرك أخاك بما يكره ــ لأنها من كبائر الذنوب، ومن مفسدات القلوب.
2) علىٰ العبد أن يحفظ جوارحه، وخاصة لسانه، عن كل ما نهىٰ الله عنه، فيراقب الله _عز وجل_ في جميع أقواله، وأفعاله، فلا يتكلم إلا بما هو خير.
1/1511 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضيَ الله عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤمنُ بالله واليَوْم الآخر فَلْيقُلْ خَيْراً، أو ليَصْمُتْ». متفق عليه.
وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت مصلحته ، ومتىٰ شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم.
هداية الحديث:
1) الصمت خير من الكلام الذي لا فائدة فيه.
2) الكلام بالخير، والصمت عن الشرِّ، من مستلزمات الإيمان بالله واليوم الآخر.
2/1512 ــ وعن أبي موسىٰ رضي الله عنه قَالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ الله، أيُّ المُسْلمين أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلمَ المُسْلمُون من لسَانهِ وَيَدهِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) النهي عن إيذاء المسلمين قولاً وعملاً.
2) حث الشريعة علىٰ كف الأذىٰ عن الناس، فأفضل المسلمين من سلم الناس من أذيته.
3/1513 ــ وعن سهل بن سَعْد قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَضْمَنْ لي مَا بَيْنَ لَحْيَيْه ومَا بَيْنَ رِجْلَيْه أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ». متفق عليه.
غريب الحديث:
لحييه: اللحيان هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان، والمراد بما بين لحييه: اللسان.
ما بين رجليه: الفرج.
هداية الحديث:
1) البعد عن المعاصي والذنوب سبب لدخول الجنة برحمة الله تعالىٰ وفضله.
2) وجوب حفظ الجوارح والأعضاء واستعمالها في طاعة الله _عز وجل_ ، خاصة حفظ اللسان والفرج.
4/1514 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّهُ سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالكَلمَة ما يَتَبَيَّنُ فيهَا، يزلُّ بهَا إلىٰ النَّارِ أبْعَدَ ممَّا بَيْنَ المَشْرقِ والمغربِ». متفق عليه.
ومعنىٰ يتبيّن: يتفكر أنها خير أم لا.
5/1515 ــ وعنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ العَبْدَ ليَتَكَلَّمُ بالكلمةِ مِن رضْوانِ الله تَعَالىٰ ما يُلْقي لَها بالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العبْدَ ليَتَكَلَّمُ بالكلمة من سَخَط الله تَعَالىٰ لا يُلْقي لها بالاً يهوي بها في جَهَنَّمَ». رواه البخاري.
6/1516 ــ وعن أبي عبد الرحمن بلال بن الحارث المُزَنيِّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ ليتَكَلَّمُ بالكلمة منْ رضوان الله تَعَالىٰ ما كانَ يظُنُّ أن تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ؛ يكتُبُ اللهُ له بها رضْوَانَهُ إلىٰ يَوْمِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلمة منْ سَخَط الله ما كانَ يظُنُّ أن تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللهُ لهُ بهَا سَخَطَهُ إلىٰ يَوْمِ يَلْقَاهُ».
رواه مالك في «الموطأ» والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ التأمّل في الكلام والتفكّر فيه، حتىٰ لا يتكلم العبد إلا إن ظهر له الخير والمصلحة في القول، وإلا أمسك.
2) الجنة درجات، والنار دركات، وكلُّ ينال منزلته بحسب عمله، وفضل الله وعدله.
3) التحذير من الغفلة الشديدة، لأنها توجب غضب الله _عز وجل_ والوعيد بعذاب النار.
4) بيان عظيم رحمة الله _عز وجل_ وفضله علىٰ عباده، فهو يتقبل منهم الأعمال اليسيرة، ويثيبهم عليها بالأجور الجزيلة.
7/1517ــ وعن سفيانَ بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: قلتُ: يا رَسُولَ الله، حدِّثْني بأمْرٍ أعْتَصمُ به، قَالَ: «قُلْ: ربِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقمْ» قُلتُ: يارسولَ الله، ما أخْوفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فأخَذَ بلسَان نفسه، ثُمَّ قَالَ: «هذا». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ تعلم الخير، ولهذا كانوا يطلبون الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) الاستقامة: علم، وعمل، وحال؛ علم بمسائل التوحيد والشريعة، وعمل باطن وظاهر بفعل الطاعات، واجتناب المنهيات، وحال صالح وهدي مستقيم.
3) إن تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأمة من آفات اللسان يُظهِر شدة خطر اللسان وغفلة الإنسان.
8/1518 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُكْثرُوا الكلامَ بغَيْرِ ذكْرِ اللهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكلام بغَيْر ذكْر الله تَعَالىٰ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ الناس منَ الله القَلبُ القَاسي». رواه الترمذي[7]. [7] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) أعظم ما يحفظ به العبد لسانه الاشتغال بذكر الله _عز وجل_، والطيّب من القول.
2) ترك ذكر الله يورث قسوة القلب وفساده، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله، فتصير الحواس لا تأنس إلا بالحرام، والأعضاء لا تنبعث إلا للحرام.
9/1519 ــ وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وشَرَّ مَا بيْنَ رجْلَيْه دَخَلَ الجَنَّةَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) إظهار أهمية حفظ اللسان والفرج.
2) إن ترك المعاصي والذنوب والابتعاد عنها هو توفيقٌ من الله لعبده ورحمة به.
10/1520ــ وعن عُقْبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه قَالَ: قلتُ: يارسولَ الله، مَا النّجاةُ؟ قَالَ: «أمْسِكْ علَيْكَ لسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بيْتُكَ، وَابْكِ علىٰ خَطيئتِكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ لزوم سبيل النجاة في أزمنة الفتن، فإذا أردت النجاة فعليك بسبيلهم، واقتفاء أثرهم، فإنهم علىٰ الهدي الأقوم.
2) إن استحضار طاعة الله في كل وقت يعصم العبد من الوقوع في المعاصي.
11/1521ــ وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أصْبَحَ ابنُ آدَمَ فإنَّ الأعضاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللسانَ، تقُولُ: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنَّما نحنُ بكَ، فإن اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا». رواه الترمذي.
ومعنىٰ «تكفر اللسان»: أي تذل وتخضع له.
هداية الحديث:
1) الإنسان مخبوء تحت لسانه، فإذا زلَّ اللسان تأثرت جميع الأعضاء، حيث عرَّضها لسخط الله وعقابه.
2) يجب علىٰ العبد أن يتجنب كل طريق يوصل إلىٰ الهلكة والوقوع في سخط الله _عز وجل_، وذلك بتقواه بالسرِّ والعلن.
12/1522 ــ وَعَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قالَ: «لَقَدْ سَأَلتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلىٰ مَنْ يَسَّرَهُ الله تَعَالىٰ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ ، وتُؤْتي الزَّكاةَ، وَتَصُومُ رَمضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قالَ: «أَلاَ أَدُّلُكَ عَلىٰ أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِئ الخَطيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النّارَ، وَصلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثمَّ تَلا: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُم عَنِ ٱلمَضَاجِعِ} حَتَّىٰ بلغَ {يَعمَلُونَ} [السجدة: 16]. ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوةِ سَنَامِهِ» قُلْتُ: بَلىٰ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «رَأْسُ الأمْرِ الإسْلامُ، وَعمُودُهُ الصّلاةُ، وَذرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذلك كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلىٰ يَا رَسُولَ الله، فَأَخَذَ بِلسَانِه قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هذا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وَإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النّارِ عَلىٰ وَجُوهِهِمْ إلا حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟». رواه الترمذي وقال: حَدِيث حَسَنٌ صَحيح، وقد سبق شرحه.
غريب الحديث:
جُنَّة: وقاية.
جوف الليل: وسطه.
ذروة: أعلىٰ الشيء.
السنام: ما ارتفع من ظهر الجمل.
ثكلتك: فقدتك. وهذه الكلمة من الألفاظ التي تجري ويُقصد منها التودد لا الدعاء بالهلكة.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يحرص علىٰ فعل ما يوجب دخول الجنة، ويباعد من النار، فهو أهم ما يجب الاهتمام به.
2) أفضل الأعمال وأعلاها عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به. فاحرصْ علىٰ تعلّم مسائل التوحيد والعمل بها، ومعرفة الشرك والبراءة منه.
3) الترغيب في النوافل، فهي مفاتيح للخير، وخاصة قيام الليل.
4) الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال وأعلاها، وإنما كان ذروة سنام الإسلام، لأن به ظهور الدين.
5) التحذير من آفات اللسان، لأنها سبب في دخول النار وورود المهالك.
13/1523 ــ وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أتَدْرون ما الغيبةُ؟» قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلَمُ، قَالَ: «ذكرُكَ أخَاكَ بما يكرَهُ» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقولُ؟ قَالَ: «إنْ كانَ فيهِ مَا تَقولُ فَقد اِغْتَبْتَهُ، وإنْ لمْ يكُنْ فيه ما تَقُولُ فقَدْ بَهَتَّهُ». رواه مسلم.
14/1524 ــ وعن أبي بكرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ في خُطْبتِهِ يومَ النَّحرِ بمنىًٰ في حَجَّةِ الودَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكم وَأَمْوَالَكُم وَأَعْرَاضَكُمْ حَرامٌ عَلَيْكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُم هذا، ألاَ هَلْ بلَّغْتُ». متفق عليه.
15/1525 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: قُلْتُ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ من صَفيَّةَ كذا وكذا قَالَ بَعْضُ الرُّوَاة: تعْني قصيرة، فقال: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَو مُزجَتْ بماء البَحْر لمَزَجَتْهُ!» قالت: وَحَكَيْتُ له إنساناً، فقال: «ما أحبُّ أني حَكَيْتُ إنساناً وأنَّ لي كَذا وكَذَا». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ومعنىٰ: (مَزَجَتْهُ) خَالطتهُ مُخَالَطةً يَتَغَيَّرُ بهَا طَعْمُهُ، أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نتَنِهَا وَقُبْحِها، وهذا مِنْ أَبْلَغِ الزَّوَاجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلهَوَىٰٓ * إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحَىٰ} [النجم: 3 ــ 4].
16/1526 ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لمَّا عُرجَ بي مَرَرْتُ بقَومٍ لهُم أظْفَارٌ من نُحَاسٍ، يَخْمشُون وجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقلتُ: مَنْ هؤلاء يا جبريلُ؟ قَالَ: هؤلاء الذين يأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، ويَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!». رواه أبو داود.
17/1527ــ وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ المُسلمِ علىٰ المُسْلم حَرامٌ: دَمُهُ وَعِرضُه وَمالُهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
بهتَّهُ: البهتان هو أشد الكذب، والمراد: افتريت عليه الكذب الشديد.
يخمشون وجوههم: يجرحون وجوههم.
هداية الأحاديث:
1) التحذير من الغيبة، فهي من كبائر الذنوب، ومن الأسباب المهلكة لفاعلها في الدنيا والآخرة.
2) تحريم الحديث عن المسلمين بما يكرهون، حتىٰ وإن كان هذا الأمر فيهم، فهو من الغيبة، إلا ما أباحته الشريعة منها.
3) إن حرمة نفس المسلم، وماله، وعرضه، عند الله كحرمة البلد الحرام، والشهر الحرام، واليوم الحرام.
4) تصغير شأن الدنيا وما فيها إذا قُورِنَ برضىٰ الله تعالىٰ.
5) ذكر عقوبة المغتابين يوم القيامة؛ فهم يعذبون أنفسَهم بأيديهم، لأنهم سمحوا بغيبة إخوانهم المسلمين، فكان الجزاء من جنس العمل.
تنبيـه جليل:
قال ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ موضحاً ضرورة حفظ لفظات اللسان:
«ومن العجب: أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والزنىٰ، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتىٰ ترىٰ الرجل يُشار إليه بالدين والعبادة والزهد، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترىٰ من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلىٰ ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال رجلٌ: واللهِ لا يغفرُ اللهُ لفلانٍ، فقال الله _عز وجل_: من ذا الذي يتألّىٰ عليَّ أنِّي لا أغفرُ لفلان؟ فإني قد غفرتُ له وأحبطْتُ عملَكَ». فهذا العابد الذي قد عَبَدَ الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عملَه كله...، وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرُّها علىٰ العبد». (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي).
255 ــ باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرَّمة بردَّها والإنكار على قائلها فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه
قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغوَ أَعرَضُواْ عَنهُ} [ القصص: 55]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، وقال تعالىٰ: {إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَسُٔولا} [الإسراء: 36]، وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنعام: 68].
هداية الآيات:
1) من علامة أهل الإيمان الإعراض عن القول القبيح.
2) وجوب ترك المجالس التي يُغتاب فيها الناس؛ إن عجز الجالس عن الإنكار.
1/1528ــ وعن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ ردَّ عَن عِرْضِ أخيه ردَّ اللهُ عَن وجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيامَة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هداية الحديث:
1) إن الدفاع عن المسلم وصون عرضه سبيل للنجاة من عذاب يوم القيامة.
2) تعظيم حرمة المسلم، وبيان جُرم من انتهكها قولاً أو فعلاً.
2/1529 ــ وعن عتبانَ بنِ مالكٍ رضي الله عنه في حديثه الطَّويلِ المَشْهور الذي تقدّم في (باب الرَّجاء) قَالَ: قامَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فقال: «أينَ مالكُ بنُ الدُّخْشُم؟» فقال رجُلٌ: ذلكَ منافقٌ لا يحبُّ الله ولا رسولَهُ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تقُلْ ذلك ، ألا تراهُ قد قَالَ: لا إله إلا الله يريدُ بذلكَ وجْهَ الله! وإنَّ اللهَ قدْ حَرَّمَ علىٰ النَّار مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلَّا الله يبتَغي بذلكَ وجْهَ الله». متفق عليه.
«وعتبان» بكسر العين علىٰ المشهور، وحكي ضمها، وبعدها تاء مثناة من فوق، ثم باء موحدة. و«الدُّخْشُم»: بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين الموجهتين.
هداية الحديث:
1) وجوب الدفاع عن أهل الإيمان، والذبِّ عن أعراضهم في غيبتهم، ونصرتهم وعدم خذلانهم.
2) فضل شهادة التوحيد، فمن قالها قائماً بشروطها، يبتغي بها وجه الله، فإن الله حرم عليه النار.
3/1530 ــ وعن كعب بن مالك رضي الله عنه في حديثه الطَّويل في قصة توبته، وقد سبقَ في (باب التوبة). قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ جالسٌ في القَوْم بتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كعبُ بنُ مالكٍ؟» فقال رجُلٌ منْ بَني سلمةَ: يارسُولَ الله، حَبَسَهُ بُرْداهُ والنَّظرُ في عِطْفَيْه، فقال له معاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: بئسَ ما قُلتَ، واللهِ يارسولَ الله مَا عَلمْنَا عليْه إلا خَيْراً، فَسَكَتَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
«عطفاه»: جانباه، وهو إشارة إلىٰ إعجابه بنفسه.
غريب الحديث:
برداه: البردة: نوع من الثياب المخططة.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ من سمع غيبة أخيه المسلم أن يردها، وينكر علىٰ قائلها، فهذا من حقوق أهل الإيمان.
2) الجلوس في مجالس الغيبة، وذكر أعراض الناس دون الإنكار، يعرّض صاحبه للعقوبة.
256 ــ باب ما يُباح منَ الغيبَة
اعْلَمْ أَنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعيٍ لا يُمْكِنُ الوصولُ إلَيْهِ إلاّ بِهَا، وَهُوَ سِتَّةُ أَسْبَابٍ:
الأوَّلُ: التّظلمُ، فَيَجُوزُ للْمَظْلُومِ أنْ يَتَظَلَّمَ إلىٰ السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ، أو قُدْرَةٌ عَلىٰ إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فَيَقُولُ: ظَلَمَني فُلانٌ بِكَذا.
الثّاني: الاسْتِعَانَةُ عَلىٰ تَغْييرِ المُنكَرِ، وَرَدِّ العاصي إلىٰ الصَّوَابِ، فيقول لمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلىٰ إزالةِ المُنكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ كذا فازْجُرْهُ عنهُ، ونحو ذلِكَ، وَيَكُونُ مقْصُودُهُ التّوَصُّلَ إلىٰ إزَالَةِ المُنْكَرِ، فإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذلكَ كانَ حَرَاماً.
الثَّالِثُ: الاستِفْتَاءُ، فَيَقُولُ لِلْمُفْتي: ظَلَمني أبي، أوْ أخِي، أوْ زَوْجِي، أوْ فُلانٌ بكذا، فَهَلْ لَهُ ذلكَ ؟ وما طَرِيقي في الخَلاصِ مِنْهُ، وَتَحْصيلِ حَقّي، وَدَفْعِ الظُلْمِ؟ ونحو ذلِكَ، فهذَا جَائِزٌ للْحَاجَةِ، ولكِنَّ الأَحْوَطَ وَالأَفْضَلَ أنْ يَقُولَ: مَا تَقُولُ في رَجُلٍ أَوْ شَخْصٍ، أَوْ زَوْجٍ، كانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا، فإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَمَعَ ذلِكَ فالتَّعْيِينُ جائِزٌ كما سَنَذْكُرُهُ في حَدِيثِ هِنْدٍ إن شاءَ الله تَعَالَىٰ.
الرّابعُ: تَحْذيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ، وذلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
منها: جَرْحُ المَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّواةِ والشُّهُودِ، وذلك جائِزٌ بإجْمَاعِ المُسْلِمِينَ، بَلْ وَاجِبٌ لِلْحَاجَةِ.
ومنها: المُشَاوَرَةُ في مُصَاهَرَةِ إنْسانٍ، أَوْ مُشَارَكَتِهِ، أَو إيدَاعِهِ، أوْ مُعَامَلَتِهِ، أوْ غَيْرِ ذلِكَ، أوْ مُجَاوَرَتِهِ، وَيَجِبُ عَلىٰ المُشَاوَرِ أنْ لا يُخْفِي حَالَهُ، بَلْ يَذْكُرُ المساوئ الَّتي فيهِ بنيَّةِ النّصِيحَةِ.
ومنها: إذا رأىٰ مُتَفَقِّهاً يَتَرَدَّدُ إلىٰ مُبْتَدِعٍ، أو فاسِقٍ يأْخُذُ عنهُ العِلْمَ، وخافَ أنْ يَتَضَرَّرَ المُتَفَقِّهُ بذلكَ، فَعَلَيْهِ نَصِيحَتُهُ ببَيانِ حالِهِ، بشَرْطِ أنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ، وهذا مِمّا يُغْلَطُ فيهِ. وقدْ يَحْمِلُ المُتكَلِّمَ بذلكَ الحَسدُ، ويُلَبِّسُ الشّيْطانُ عليهِ ذلكَ، ويُخَيِّلُ إلَيْهِ أَنّهُ نَصِيحَةٌ، فَلْيُتَفَطَّنْ لذلِكَ.
ومنها: أن يكونَ لَهُ وِلاَيَةٌ لا يقومُ بها عَلىٰ وَجْهِها، إمّا بأنْ لا يكونَ صالحاً لها، وإمَّا بأنْ يكونَ فاسِقاً، أوْ مُغَفَّلاً، ونحوَ ذلكَ. فَيَجِبُ ذِكْرُ ذلكَ لمَنْ لَهُ عليهِ ولايَةٌ عَامَّةٌ ليُزيلَهُ، وَيُوَلِّيَ مَنْ يَصْلُحُ، أوْ يَعْلَمَ ذلكَ منه لِيُعَامِلَهُ بمُقْتَضَىٰ حالِهِ، ولا يَغْتَرَّ بهِ، وَأَنْ يَسْعَىٰ في أَنْ يَحُثَّهُ عَلىٰ الاسْتِقَامَة أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ.
الخَامسُ: أنْ يكُونَ مُجَاهراً بفِسْقِهِ أوْ بِدْعَتِهِ كالمُجَاهِرِ بشُرْبِ الخمرِ، ومُصَادَرَةِ النَّاس، وأخْذ المَكْسِ، وجِبايَةِ الأَمْوَالِ ظُلْماً، وتَوَلّي الأُمُورِ الباطِلَةِ، فَيجوزُ ذِكْرُهُ بما يُجَاهِرُ بِه، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بغَيْرِهِ مِنَ العُيوبِ، إلَّا أَنْ يكونَ لجَوازه سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ، فَإذَا كانَ الإنْسَانُ مَعْروفاً بلَقَبٍ، كالأعمشِ، والأعرج، والأصَمِّ، والأعْمَىٰ، والأحْوَلِ، وغَيْرِهِمْ جازَ تَعْرِيفُهُمْ بذلِكَ، وَيَحْرُم إطْلاقُه عَلىٰ جِهَةِ التَنَقُّصِ، ولو أمكنَ تَعرِيفُهُ بغَيْرِ ذلكَ كانَ أولىٰ.
فهذه سِتَّةُ أسبابٍ ذكَرها العلماءُ، وأكثرُها مُجمَعٌ عليهِ، ودلائلُها منَ الأحاديثِ الصحِيحَةِ مشهورةٌ.
فمن ذلكَ:
1/1531 ــ عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ رجُلاً اسْتأذنَ علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «ائْذَنُوا لهُ، بئسَ أخُو العَشيرَة؟». متفق عليه.
احْتَجَّ لهُ البخاري في جَوازِ غِيبةِ أهلِ الفَسَادِ وأهلِ الرِّيَبِ.
هداية الحديث:
1) جواز غيبة من كان من أهل الفساد والبغي من أجل أن يحذر الناس منه.
2) جواز أن يظهر العبدُ لجليسه خلاف ما يبطن إن كانت المصلحة في ذلك.
فائدة:
هذا الرجل هو عيينة بن حصن، ولم يكن أسلم حينئذ، وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله، وكان منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ما يدل علىٰ ضعف إيمانه ، ثم ارتد مع المرتدين وجيء به أسيراً إلىٰ أبي بكر رضي الله عنه، فوَصْفُ النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: «بئس أخو العشيرة» من أعلام النبوة.
2/1532 ــ وعنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَظُنُّ فُلاناً وفُلاناً يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنا شَيْئاً». رواه البخاريُ. قَالَ اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَد رُوَاةِ هذا الحَدِيثِ: هذانِ الرَّجُلانِ كَانَا مِنَ المُنَافِقِينَ.
هداية الحديث:
1) وجوب التحذير من أهل البدع والضلال حتىٰ لا يغترَّ العامة بهم.
2) وجوب تعرية المنافقين المندسِّين في صفوف المسلمين، لفضحهم والحذر منهم.
3/1533 ــ وعن فاطمة بنتِ قَيْسٍ رضي الله عنها قالت: أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: إنّ أبا الجَهْمِ وَمُعَاوِيَةَ خَطباني ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ له، وأَمَّا أبُو الجَهْمِ فلا يَضَعُ العَصَا عَنْ عاتِقِهِ». متفقٌ عليهِ.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: «وَأَمَّا أبُو الجَهْمِ فَضَرَّابٌ للنّسَاءِ»، وهو تفسير لرواية: «لا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» وقيل: معناه: كثيرُ الأسفارِ.
غريب الحديث:
الصعلوك: الفقير، وقد فُسر في الحديث بأنه: «لا مال له».
هداية الحديث:
1) ترغيب المسلم إذا استنصحه أخوه في مسألة أن يبين له، ويرشده إلىٰ ما يصلحه.
2) علىٰ العبد أن يستنصح أهل العلم والفضل والمعرفة، في أموره الدينية، والدنيوية، ويقبل نصيحتهم.
3) جواز بيان صفات الرجل أو المرأة لمن قصد الخِطبة، فذلك من المناصحة.
4/1534 ــ وعن زيدِ بنِ أرْقَمَ رضي الله عنه قالَ: خَرَجْنَا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فيهِ شِدَّةٌ، فقالَ عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ لأصحابه: لا تُنْفِقُوا علىٰ مَنْ عِنْدَ رسُولِ الله حتىٰ يَنْفَضُّوا، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إلىٰ المَدِينَةِ ليُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ، فَأَتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ بِذلِكَ، فَأَرسلَ إلىٰ عبدِ الله بنِ أُبَيٍّ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ ما فَعَلَ، فقالوا: كذَبَ زيدٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَوَقَعَ في نَفْسِي مِمَّا قالوهُ شِدَّةٌ، حتىٰ أَنْزَلَ الله تعالىٰ تَصْدِيقي: {إِذَا جَآءَكَ ٱلمُنَٰفِقُونَ} ثم دعاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لِيَسْتَغْفِرَ لهم، فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) استحباب نقل كلام المنافقين إلىٰ ولاة الأمر المسلمين حتىٰ لا يتمادوا في إفسادهم.
2) من النصيحة لعموم المؤمنين فضيحة المنافقين.
فائدة:
المذموم من نَقَلة الأخبار من يقصد الإفساد بين العباد، وأما من قصد النصيحة وتحرىٰ الصدق، واجتنب الأذىٰ، فهذا من النصح للعامة، وقلّ من يفرِّق بين البابين. وطريق السلامة لمن يخشىٰ الالتباس عليه بين ما يباح في ذلك مما لا يباح، هو الإمساك وكفُّ اللسان، خاصة في زمان أصبح فيه الظلم غالباً، والناس بحاجة إلىٰ من يؤلف بين قلوبهم، ويصلح حالهم، ويرفع أسباب البغضاء والشحناء بينهم، والله المستعان، وهو الهادي سواء السبيل.
5/1535 ــ وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قالتْ هِنْدُ امْرَأَةُ أبي سُفْيَانَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنّ أبا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِيني ما يَكْفِيني وولَدِي إلاّ ما أَخَذْتُ منه، وهوَ لا يَعْلَمُ؟ قالَ: «خُذِي ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ». متَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) جواز شكوىٰ المرأة زوجها للقاضي أو لمن يقدر علىٰ عونها لرفع مظلمتها.
2) يجوز للمرأة أن تأخذ حقها من مال زوجها بغير إذنه، علىٰ قدر ما يكفيها ويكفي ولدها.
257 ــ باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ﴾ [القلم: 11]، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18].
1/1536 ــ وعن حذيفةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) النميمة من كبائر الذنوب التي تحجب صاحبها عن الجنة.
2) الحث علىٰ السعي بالإصلاح بين الناس، لأنه من الأعمال الموجبة للجنة.
2/1537 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بقَبْرَيْن، فقال: «إنَّهُما يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ! بلىٰ إنَّ كبيرٌ: أمَّا أحَدُهُما فكانَ يَمشي بالنَّميمة، وأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَترُ منْ بَوْلِهِ». متفق عليه، وهذا لفظ إحدىٰ روايات البخاري.
قال العلماء: معنىٰ «وما يعذبان في كبير» أي كبير في زعمهما . وقيل: كبير تركه عليهما.
غريب الحديث:
لا يستتر من بوله: لا يتجنبه أو يحترز منه. وفي رواية: «لا يستنزه» من التنزّه، وهو الابتعاد والتوقّي.
هداية الحديث:
1) تحريم النميمة، لأنها من الكبائر.
2) لا يجوز للعبد أن يستصغر المعاصي والذنوب، بل عليه أن يستشعر أنها عظيمة، ليدفعه ذلك للتوبة والاستغفار.
3/1538ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ألا أنبِئُكُمْ ما العَضْهُ؟ هي النَّميمَةُ، القَالَةُ بَيْنَ النَّاس». رواه مسلم.
والعضه: بفتح العين المهملة، وإسكان الضاء المعجمة، وبالهاء علىٰ وزن الوجه. وروي العِضه: بكسر العين وفتح الضاء المعجمة علىٰ وزن العدة، وهي الكذب والبهتان. وعلىٰ الرواية الأولىٰ: العَضْه: مصدر، يُقال: عضهه عضهاً، أي رماه بالعضه.
غريب الحديث:
القالة: نقل القول وإيقاع الخصومة بين الناس.
هداية الحديث:
1) وجوب التحذير من المفسدين، وبيان طرق إفسادهم وحيلهم.
2) إظهار ذم النميمة، لأنها سبب للفساد بين الناس.
258 ــ باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذَا لم تَدْعُ إليه حاجة كخوف مفسدة ونحوها
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: 2] . وفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله.
1/1539 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُبلِّغني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئاً، فإنِّي أحبُّ أن أخْرُجَ إليكُمْ وأنَا سليمُ الصَّدْر». رواه أبو داود والترمذي[8]. [8] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) وجوب ستر حَال المسلم، وعدم تتبع عثراته، لأن ذلك يورث البغضاء والغل في الأنفس.
2) حث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ سلامة الصدر بين المؤمنين، لأن هذا من أعظم أسباب قوتهم وجمع كلمتهم. ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾.
259 ــ باب ذم ذي الوَجهيْن
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
هداية الآيات:
1) ذم ذي الوجهين، الذي يأتي هذا بوجه، وهذا بوجه، لأنه من صفات المنافقين.
2) من علامة خذلان الإنسان أن يخشىٰ الناس ولا يخشىٰ الله تعالىٰ.
1/1540ــ وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ. خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا، وَتجدُونَ خِيَارَ النّاسِ في هذا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتي هؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وهؤُلاَءِ بِوَجْهٍ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
معادن: المعدن: الشيء المستقر في الأرض، والمراد في الحديث: أنهم ذوو أصول ينسبون إليها ويتفاخرون بها.
الشأن: الإمارة والمنصب.
هداية الحديث:
1) أعلىٰ مراتب الشرف هو الفقه في الدين، فهنيئاً لعبد فقه في شرع الله تعالىٰ.
2) تحريم المداهنة والمخادعة ، لما فيها من الإفساد بين الناس.
فائدة:
إن إتيان الناس بوجهين لقصد الإصلاح بينهم محمود، مرّخصٌ الكذب فيه، وسبيل ذلك أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرىٰ، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرىٰ، وينقل إلىٰ المتخاصمين ما أمكنه من الجميل المليح، ويستر الرذيل القبيح، فهذا من باب إصلاح ذات البين، والله أعلم.
2/1541 ــ وعنْ محمدِ بنِ زَيْدٍ أَنَّ نَاساً قَالُوا لجَدِّه عبدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: إنَّا نَدْخُلُ عَلىٰ سَلاطِينِنَا، فنقولُ لَهُمْ بِخلافِ ما نتكلَّمُ إذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ هذَا نِفاقاً عَلىٰ عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاريّ.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يكون ظاهره كباطنه، وأن يقول الحق ولا يخشىٰ في الله لومة لائم.
2) اعتبار فهم الصحابة رضي الله عنهم لأمور تزكية النفوس وصلاحها، فهم كانوا أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم حالاً، وأقومهم هدياً.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
«فالعلم المشروع، والنسك المشروع، مأخوذ عن أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، وأما ما جاء عمن بعدهم، فلا ينبغي أن يُجعل أصلاً، وإن كان صاحبه معذوراً، بل مأجوراً، لاجتهاد أو تقليد.
فمن بنى الكلام في العلم: الأصول والفروع، علىٰ الكتاب والسنة، والآثار المأثورة عن السابقين، فقد أصاب طريق النبوة. وكذلك من بنىٰ الإرادة، والعبادة، والعمل، والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية، والأعمال البدنية، على الإيمان والسنة والهدىٰ، الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد أصاب طريق النبوة.
وهذه طريقة أئمة الهدىٰ تجد الإمام أحمد إذا ذكر (أصول السنة)، قال: هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». (الفتاوى: 10/363).
260 ــ باب تحريم الكذب
قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ} [الإسراء: 36]، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18].
1/1542 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الصِّدْقَ يهْدي إلىٰ البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلىٰ الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَصْدُقُ حَتَّىٰ يُكْتَبَ عند الله صِدِّيقاً. وإنَّ الكذبَ يهْدي إلىٰ الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدي إلىٰ النَّارِ، وإن الرَّجُلَ ليَكْذبُ حَتَّىٰ يُكْتَبَ عندَ الله كَذَّاباً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
البر: هو اسم جامع لكل الخيرات.
الفجور: الأعمال السيئة.
هداية الحديث:
1) التحذير من الكذب والتمادي فيه، لأنه سبب لكل شرّ.
2) الأعمال الصالحة مستقرها جنات النعيم، والأعمال السيئة محلها دركات الجحيم.
2/1543 ــ وعن عبد الله بن عَمْرو بن العَاص رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أرْبعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ مُنَافقاً خَالصاً، ومَنْ كانتْ فيهِ خَصْلَةٌ منهُنَّ كانَتْ فيهِ خَصْلةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّىٰ يَدَعَهَا: إذَا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذا خَاصَمَ فَجَرَ». متفقٌ عليه.
وقد سبق بيانه مع حديث أبي هريرة بنحوه في (باب الوفاء بالعهد).
هداية الحديث:
1) التحذير مشابهة خصال المنافقين. ومن ذلك: إذا حدَّث كذب.
2) إن من أعظم الكذب إثماً هو الكذب علىٰ الله تعالىٰ، وعلىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بالخوض في الدين والابتداع فيه، {وَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ ٱفتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَو قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَم يُوحَ إِلَيهِ شَيء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ}.
3/1544ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إلىٰ حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كارِهُونَ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ، وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فيها الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ». رواه البخاري.
«تَحَلَّمَ» أي: قالَ إنَّهُ حَلَمَ في نَوْمِهِ ورَأىٰ كَذا وكَذا، وهو كاذبٌ. و«الآنُك» بالمدِّ وضمِّ النونِ وتخفيفِ الكاف: وهو الرَّصَاصُ المُذابُ.
4/1545ــ وعن ابن عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أفْرَىٰ الفِرَىٰ أن يُريَ الرَّجُلُ عينَهُ ما لَمْ تَرَيَا». رواهُ البخاري.
ومعناه: يقولُ: رأيتُ فيما لم يَرَهُ.
غريب الحديث:
الفرىٰ: جمع فرية، وهي الكذبة العظيمة التي يتعجب منها.
هداية الأحاديث:
1) تحريم الكذب في الحلم، فهو من أكبر الكذب، لأنه كذب علىٰ الله _عز وجل_ ، وكذب علىٰ الناس.
2) الجزاء من جنس العمل، فكما أنه أخبر بالكذب عُوقب بما هو مستحيل عليه فعله.
5/1546 ــ عن سمرةَ بنِ جندبٍ رضي الله عنه قَالَ: كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يقولَ لأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَىٰ أَحَدٌ مِنكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟» فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ الله أنْ يَقُصُّ، وَأَنَّهُ قالَ لنا ذاتَ غَدَاةٍ: «إنَّهُ أتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإنَّهُمَا قالا لي: انْطَلِقْ، وَإنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإنّا أَتَيْنَا عَلىٰ رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإذا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فلا يَرجِعُ إلَيْهِ حَتَّىٰ يَصِحَّ رَأْسُهُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولىٰ» قال: «قلتُ لهما: سُبْحَانَ الله ! مَا هذانِ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلىٰ رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاه، وإذَا آخَرُ قائمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوْبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وإذا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إلىٰ قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إلىٰ قَفاهُ، وَعَيْنَهُ إلىٰ قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلىٰ الجانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِه مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجَانِبِ الأوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذلِكَ الجانبِ حتَّىٰ يَصِحَّ ذلِكَ الجانِبُ كما كانَ، ثمَّ يَعُودُ عليْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَ في المرَّةِ الأُولىٰ» قال: «قلتُ: سُبْحَانَ الله ! ما هذانِ ؟» قال: «قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلىٰ مِثلِ التَّنُّورِ» فَأَحْسِبُ أنّهُ قال: «فإذا فيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، فَاطَّلَعْنَا فيهِ فإذا فيه رِجالٌ وَنِساءٌ عُرَاةٌ، وَإذا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أسفَلَ مِنْهُمْ، فإذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللهبُ ضَوْضَوْا. قلتُ: ما هؤُلاَءِ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلىٰ نَهَرٍ» حَسِبْتُ اَنّهُ كانَ يَقُولُ: «أَحْمَرَ مثْلِ الدَّمِ، وَإذا في النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإذا عَلىٰ شَطِّ النَّهَر رَجُلٌ قَد جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وإذا ذلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ ما يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذلكَ الذي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ، فَيَفْغَرُ لهُ فاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَراً، فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجَعُ إلَيهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إلَيْه فَغَرَ لهُ فاهُ، فَأَلْقَمَهُ حَجَراً. قلت لهما: ما هذانِ ؟ قالا لي؟ انْطَلِقْ، انطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلىٰ رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ، أَوْ كَأكرَهِ ما أَنتَ رَاءٍ رجلاً مَرْأىًٰ، فإذا هُوَ عِندَه نَارٌ يحشُّهَا، وَيَسْعَىٰ حَوْلَهَا. قلتُ لَهما: مَا هذا ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتينا علىٰ رَوْضَةٍ مُعَتَمَّةٍ فِيها مِنْ كلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وإذا بيْنَ ظهْرَي الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيْلٌ لا أَكَادُ أَرىٰ رأْسَهُ طُوْلاً في السَّماءِ، وإذا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قطُّ، قُلتُ: ما هذا؟ وما هؤلاءِ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا إلىٰ دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ لم أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أعظمَ مِنها، ولا أَحْسَنَ، قالا لي: ارْقَ فيها، فَارتَقَينَا فيها إلىٰ مدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبنٍ فِضَّةٍ، فأَتَينَا بابَ المَدينَة فَاسْتفتَحْنا، فَفُتحَ لَنَا، فَدَخَلنَاهَا، فَتَلَقَّانَا رجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وشَطرٌ مِنهم كأَقْبَحِ ما أَنْتَ رَاءِ، قالا لهمُ: اذهَبُوا فقَعُوا في ذلكَ النَّهَرِ، وإذا هُوَ نَهَرٌ مُعتَرِضٌ يَجري كأنَّ ماءه المَحضُ في البَياضِ، فَذَهَبُوا فوقعُوا فيه. ثمَّ رجعُوا إلينا قد ذَهَبَ ذلك السُّوءُ عَنهمْ، فَصَارُوا في أَحْسَنِ صُوْرَةٍ». قال: «قالا لي: هذه جَنَّةُ عَدْنٍ، وهذاك مَنْزِلُكَ، فَسَمَا بَصَرِي صُعُداً، فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ البَيضَاءِ، قالا لي: فذاك مَنزِلكَ قلتُ لهما: بَارَكَ الله فِيكُمَا، فَذراني فَأَدْخُلَهُ، قالا: أمّا الآن فلا، وَأَنتَ دَاخِلُهُ. قلت لهُمَا: فَإنِّي رَأَيتُ مُنْذُ اللَّيلةِ عَجَباً؟ فما هذا الذي رأَيتُ ؟ قالا لي أَمَا إنَّا سَنُخْبِرُكَ: أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الذي أَتَيتَ عَليه يُثْلَغُ رَأْسُهُ بالحَجَرِ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبةِ. وأمَّا الرَّجُلُ الذي أتَيتَ عَليْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إلىٰ قَفَاهُ، ومَنْخِرُه إلىٰ قَفاهُ، وعَيْنُه إلىٰ قفاهُ، فإنه الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ. وأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الذين هُمْ في مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّوْرِ، فإنَّهم الزُّنَاةُ والزَّوَانِي. وأَمَّا الرَّجُلُ الَّذي أتَيْتَ عَليْهِ يَسْبَحُ في النَّهَرِ، وَيُلْقَمُ الحِجَارَةَ، فإنَّهُ آكِلُ الرِّبَا. وأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيْهُ المَرْآةِ الذِي عِنْدَ النَّارِ يَحشُّها وَيَسْعَىٰ حَوْلَها، فَإنَّهُ مالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ. وأمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الَّذي في الرَّوْضَةِ، فَإنَّهُ إبْرَاهِيْمُ صلى الله عليه وسلم، وأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُوْدٍ ماتَ علىٰ الفِطْرَةِ» وفي رواية البَرْقَانِيِّ: «وُلِدَ عَلىٰ الفِطرَةِ» فقال بعض المسلمينَ: يا رسولَ الله، وأَولادُ المشرِكينَ ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَأَوْلاَدُ المُشْرِكِيْنَ. وَأمَّا القَوْمُ الَّذِيْنَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيْحٌ، فَإنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سيِّئاً، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ». رواه البخاري.
وفي روايةٍ له: «رَأَيتُ اللَّيْلَةَ رجُلَيْنِ أتيَانِي، فأخْرَجاني إلىٰ أَرْضٍ مُقدَّسةِ» ثم ذكرَه وقال: «فانطلَقنَا إلىٰ نَقبٍ مثلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيّقٌ وأَسْفَلُهُ وَاسعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَاراً، فإذا ارْتَفَعَتْ ارْتَفَعُوا حَتىٰ كادُوا أَنْ يَخْرُجُوا، وإذا خَمدَتْ رَجَعوا فيها، وفيها رجالٌ ونساءٌ عراةٌ». وفيها «حتىٰ أَتَينَا علىٰ نَهْرٍ مِنْ دَمٍ» ولم يشكَّ «فيه رجُلٌ قائمٌ، عَلىٰ وَسَطِ النَّهَرِ ــ وعلىٰ شَطِّ النَّهر ــ رَجُلٌ، وبَيْنَ يَدَيهِ حِجارةٌ، فأقبَلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهرِ، فإذا أَرَادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَىٰ الرَّجُلُ بِحَجَرٍ في فيه، فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لَيَخْرُجَ جَعَلَ يَرْمي في فيه بحَجَرٍ، فَيَرْجعُ كَمَا كَانَ». وفيهَا: «فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلاني دَاراً لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ». وَفيهَا: «الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّىٰ تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بهِ ما رَأَيْتَ إلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ» وَفيهَا: «الَّذي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ الله الْقُرْانَ، فنامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فيه بِالنَّهَارِ، فَيُفْعَلُ بِه إلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَالدَّارُ الأُولىٰ الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤُمنينَ، وَأمَّا هذه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنا جِبْرِيلُ، وهذا مِيكَائِيلُ، فارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعتُ رَأْسي، فإذا فَوْقي مِثْلُ السَّحَاب، قالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلي، قَالا: إنَّهُ بقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتكْمِلْهُ، فَلَو اسْتكْمَلْتَهُ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ». رواه البخاري.
قوله: «يَثْلَغ رَأْسَهُ» هو بالثاءِ المثلثة والغينِ المعجمة، أي: يَشْدَخُهُ وَيَشُقُّهُ. قوله: «يَتَدَهْدَه» أي: يتدحرجُ. و«الكَلُّوبُ» بفتحِ الكاف، وضم اللامِ المشدّدة، وهو معروف. قوله: «فَيُشَرْشِرُ» أي: يُقَطَعُ. قوله: «ضَوْضَوْا» وهو بضادين معجمتينِ، أي: صاحوا. قوله: «فَيَفْغَرُ» هو بالفاءِ والغينِ المعجمةِ، أي: يفتحُ. قوله: «المرآة» هو بفتح الميمِ، أي: المنْظَرِ. قوله: «يَحُشّها» هو بفتح الياءِ وضم الحاءِ المهملة والشين المعجمة، أي: يوقِدها. قوله: «رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ» هو بضم الميم وإسكانِ العين وفتح التاءِ وتَشْدِيدِ الميم، أي: وافيةِ النَّبَات طَويلَته. قَولُهُ: «دَوْحَةٌ» وَهِيَ بفَتح الدال، وإسكان الواو وبالحاءِ المهملة: وَهِيَ الشَّجَرَةُ الْكَبيرةُ. قولُهُ: «المَحْضُ» هو بفتح الميم وإسكانِ الحاءِ المهملة وبالضَّاد المعجمة: وهُوَ اللَّبَنُ. قولُهُ: «فَسَمَا بَصَرِي» أي: ارْتَفَعَ. «وَصُعُداً»: بضم الصاد والعيْن، أَيْ: مُرْتَفِعاً. «وَالرَّبَابَةُ»: بفتح الراءِ وبالباءِ الموحدة مُكررةً، وهيَ السَّحَابَة.
غريب الحديث:
شدقه: جانب الفم.
فاه: فمه.
نَوْر الربيع: الزهر أول ما ينبت.
هداية الحديث:
1) التحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة.
2) بيان العقوبة الشديدة للكذاب الذي يسعىٰ بالكِذبة فينشر معها الفساد.
3) التحذير من الزنىٰ والربا وتعمد الكذب، لأنها من الموبقات المهلكات.
4) من رحمة الله _عز وجل_ وفضله علىٰ عباده في الحساب، أن من استوت حسناته وسيئاته، تجاوز الله عنه.
261 ــ باب بيان ما يجوز من الكذب
اِعْلَمْ أَنَّ الْكَذبَ، وَإنْ كَانَ أَصْلُهُ مُحَرَّماً، فَيَجُوزُ في بَعْضِ الأحْوَالِ بشُرُوطٍ قد أَوْضَحْتُهَا في كتَاب: «الأذْكَارِ»، وَمُخْتَصَرُ ذلك: أَنَّ الكلامَ وسيلةٌ إلىٰ المقاصدِ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بغَيْرِ الْكَذِبِ يَحْرُمُ الْكَذِبُ فيه، وَإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ إلَّا بالكَذِبِ جاز الْكَذِبُ، ثمَّ إنْ كَانَ تحْصِيلُ ذلك المقْصُودِ مُبَاحاً كَانَ الْكَذِبُ مُباحاً، وَإنْ كانَ وَاجِباً كان الكذِبُ واجِباً. فإذا اخْتَفَىٰ مُسْلمٌ مِن ظالِمٍ يريد قَتْلَه، أَوْ أَخْذَ مالِه، وَأَخْفَىٰ مَالَه، وَسُئِلَ إنْسانٌ عنه، وَجَبَ الْكَذبُ بإخفائِه، وكذَا لو كانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، وَأَرَادَ ظالِمٌ أَخْذَهَا، وَجَبَ الْكَذِبُ بإخفائها. والأحْوطُ في هذا كُلِّه أَنْ يُوَرِّيَ، ومعْنَىٰ التَوْرِيَةِ: أَنْ يَقْصِدَ بعِبَارَتِهِ مَقْصُوداً صَحِيحاً لَيْسَ هو كاذِباً بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِباً في ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلىٰ ما يَفْهَمُهُ المُخَاطَبُ، ولَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ وَأَطْلَقَ عِبَارَةَ الكَذِبِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ في هذا الحَالِ.
وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ لِجَوَازِ الكَذِبِ في هذا الحَالِ بِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ رضي الله عنها أَنها سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصلحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً أَو يقولُ خَيْراً». متفقٌ عليه.
زاد مسلم في روايةٍ: قالتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إلَّا في ثلاثٍ، تَعْني: الحَرْبَ، وَالإصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وحَدِيثَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا.
غريب الحديث:
ينمي: يبلغ.
هداية الحديث:
1) مَن أصلح بين الناس، فأخبر بخلاف الواقع، فإنه لا يسمىٰ كاذباً.
2) الكذب المذموم هو الذي تحصُل به مفسدة ومضرة، والكذب المباح هو الذي جاء وصفه في الشرع، وتحصُل به مصلحة ومنفعة شرعية.
262 ــ باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه
قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ} [الإسراء: 36]، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18].
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن لا يتتبع ما ليس له به علم، والواجب ألا يتكلم إلا من حيث يعلم.
2) إن استحضار معاني مراقبة الله _عز وجل_ ، يوجب للعبد ألا يتكلم إلا بما ينفع.
1/1547 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كفىٰ بالمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمعَ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يتثبت فيما يقوله وينقله من الأخبار.
2) إن إخبار المرء بكل ما يسمع موقعٌ له في الكذب.
2/1548 ــ وعن سمرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حدَّثَ عَنِّي بحديث يُرَىٰ أنَّهُ كذبٌ، فَهُوَ أحَدُ الكاذبيْنَ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) إن من أعظم الكذب: الكذب علىٰ الله _عز وجل_ ، وعلىٰ رسولهصلى الله عليه وسلم، لأنه يتعلق بذلك أحكام تفسد الأديان والعقائد، وتُهلك البلاد والعباد.
2) تحريم رواية الأحاديث المكذوبة علىٰ الرسول صلى الله عليه وسلم، والتحذير من فعل ذلك.
تنبيـه هام:
يتساهل بعض الخطباء والوعّاظ في رواية الأحاديث المكذوبة، ويرون ذلك جائزاً فيما يُسمىٰ: (فضائل الأعمال)، فيقال لهؤلاء: أليس في الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُغني ويكفي ويشفي؟ فلِمَ نعدل عن الصحيح إلىٰ الضعيف؟ وقد قال تعالى: {وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ} وقال صلى الله عليه وسلم: «كفىٰ بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع». قال الحافظ الدارقطني ــ رحمه الله تعالىٰ ــ (ت385):
«فمن حدَّث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يميز بين صحيحها وسقيمها، وحقها وباطلها، باء بالإثم، وخِيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم ». (مقدمة كتاب الضعفاء والمتروكين).
3/1549 ــ وعن أسماءَ رضي الله عنها أنَّ امرأةً قالت: يارسولَ الله، إنَّ لي ضَرَّةً، فهل عليَّ جُناحٌ إن تَشَبَّعْتُ من زوجي غيْرَ الذي يُعطيني؟ فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «المُتَشبِّعُ بما لَم يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ».متفقٌ عليه.
«المُتَشَبِّعُ»: هوَ الذي يُظهِرُ الشِّبَعَ وَليسَ بشَبْعَانَ، ومعناه هُنا: أَنَّهُ يُظهِرُ أنه حَصَلَ له فَضِيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلةً. «ولابِس ثَوبَيْ زورٍ» أَي: ذِي زُورٍ، وهو الذي يُزَوِّرُ علىٰ النَّاسِ، بِأَنْ يَتَزيَّىٰ بِزيِّ أَهْلِ الزُّهْدِ أَو العِلم أو الثرْوَة، ليَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ ولَيْسَ هوَ بِتلْكَ الصِّفَةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذلك، والله أَعلم.
هداية الحديث:
1) كلما عظمت مفاسد الكذب عَظُم إثمه.
2) تحذير الزوجة من السعي في إفساد ما بين زوجها وضرّتها.
263 ــ باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور
قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَٱجتَنِبُواْ قَولَ ٱلزُّورِ} [الحج: 30]، وقال تعالىٰ: {وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ} [الإسراء: 36] ، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18]. وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [ الفجر: 14]، وقال تعالىٰ: {وَٱلَّذِينَ لَا يَشهَدُونَ ٱلزُّورَ} [الفرقان: 72].
هداية الآيات:
1) شهادة الزور: أن يشهد علىٰ الأمور بخلاف ما وقعت.
2) تحريم شهادة الزور، لأنها من أكبر الكبائر . وهي داخلة في (قول الزور)
3) إن ترك شهادة الزور من صفات عباد الرحمن المتقين.
1/1550ــ وعن أبي بكرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائر؟» قُلنَا: بلىٰ يارسولَ الله، قَالَ: «الإشراكُ بالله، وعُقُوقُ الوالدَيْن» وكان مُتَّكئاً فَجَلَسَ، فقال: «ألا وقولُ الزُّور!» فما زالَ يُكَرِّرُها حَتَّىٰ قلنا: لَيْتَهُ سَكَتَ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الترهيب من قول الزور؛ فقد قرنه الرسول صلى الله عليه وسلم بالشرك بالله، وعقوق الوالدين. وقد قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ }.
2) من الوصايا في التعليم: تكرار المسائل العظيمة لتُفهم، ويتنبه لها السامع.
264 ــ باب تحريم لَعْن إنسان بعَينه أو دابة
1/1551 ــ عن أبي زيْد ثابت بن الضحَّاك الأنصاريِّ رضي الله عنه، وهو من أهل بيْعَة الرِّضوان، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن حَلَفَ علىٰ يَمين بملَّة غَيْر الإسلام كاذباً مُتَعَمِّداً فَهُوَ كَما قَالَ، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به يومَ القيَامة، ولَيْسَ علىٰ رجُلٍ نذْرٌ فيما لا يَمْلُكُهُ، ولَعْنُ المؤمنِ كَقَتْلِهِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
اللعن: معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) إذا حلف العبد بالله علىٰ شيء معتقداً أنه كما حلف، ثم تبين أنه علىٰ خلاف اعتقاده فإنه لا إثم عليه ولا كفارة.
2) تغليظ لعن المسلمين بعضهم بعضاً، وإظهار حرمة ذلك.
2/1552 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: قَالَ: «لا يَنْبَغي لصِدِّيقٍ أنْ يكونَ لَعَّاناً». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) ذم المكثرين من اللعن لأنه يتنافىٰ مع كمال مرتبة الصديقية.
2) حث الشريعة علىٰ التجمُّل بمحاسن الأخلاق، والحذر من سفاسفها.
3/1553 ــ وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ ولا شُهَداءَ يَوْمَ القيَامة». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) المكثرون من اللعن لا يشفعون يوم القيامة، ولا تُقبل شهاداتهم.
2) الترغيب في أن يكون العبد من أهل الرتب العالية يوم القيامة.
4/1554 ــ وعن سمرةَ بن جُندُب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلاعَنُوا بلَعْنَةِ اللهِ، ولا بغَضَبِهِ، ولا بالنَّارِ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديثٌ حَسنٌ صحيحٌ.
هداية الحديث:
1) التحذير من اللعن المفضي إلىٰ الخروج من رحمة الله والنزول في غضبه.
2) من رحمة الشريعة أن حرمت كل ما يؤدي إلىٰ التباغض بين أهل الإيمان.
5/1555ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ليْسَ المؤمنُ بالطَّعَانِ، ولا اللَّعَّانِ، ولا الفَاحشِ، ولا البَذيِّ» رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
الطعان: الذي يقع في أعراض الناس بالذم والغيبة.
البذيّ: صاحب اللسان الفاحش.
هداية الحديث:
1) ليس من صفات أهل الإيمان الإكثار من اللعان.
2) من صفات المؤمن ألا يتكلم إلا بالخير، ويبتعد عن كل شرّ.
6/1556 ــ وعن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبدَ إذَا لعَنَ شَيئاً صَعدَتِ اللَّعْنَةُ إلىٰ السَّمَاء، فَتُغْلَقُ أبوابُ السَّماء دُونَها، ثُمَّ تهبطُ إلىٰ الأرضِ، فَتُغلَقُ أبوابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يميناً وشمالاً، فإذا لَمْ تَجدْ مَسَاغاً رَجَعَتْ إلىٰ الذي لُعنَ، فإنْ كانَ أهلاً لذلكَ، وإلَّا رَجَعَتْ إلىٰ قائلها». رواه أبو داود.
غريب الحديث:
مساغاً: مدخلاً وطريقاً.
هداية الحديث:
1) الوعيد الشديد علىٰ من لعن مَن ليس أهلاً للَّعن، فلعنُه يرجع علىٰ صاحبه.
2) علىٰ العبد ألا يعوِّد لسانه علىٰ اللعن، لأنه من المهلكات المحبطات للأعمال.
7/1557 ــ وعن عمرانَ بنِ الحُصَيْنِ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْض أسْفَارِهِ، وامراةٌ منَ الأنْصَارِ علىٰ نَاقَةٍ، فَضَجرَتْ، فَلَعَنَتْها، فَسَمعَ ذلكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ: «خُذُوا ما عَليها وَدَعُوها، فإنَّها مَلعُونَةٌ» قَالَ عمرانُ: فكأنِّي أرَاهَا الآن تَمشي في الناسِ ما يَعرضُ لها أحَدٌ. رواهُ مسلم.
8/1558ــ وعن أبي بَرْزَةَ نضلَةَ بن عُبيد الأسلميِّ رضي الله عنه قَالَ: بينَما جاريةٌ علىٰ نَاقَةٍ عَلَيها بعضُ مَتَاعِ القَوْمِ، إذْ بَصُرَتْ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتَضَايَقَ بهمُ الجَبَلُ، فقالتْ: حَلْ، اللّهم الْعَنْهَا. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُصَاحبْنا ناقَةٌ عليها لَعْنَةٌ». رواهُ مسلم.
قوله: «حَلْ» بفتح الحاءِ المُهْمَلَةِ، وَإسكانِ اللاَّم، وَهِيَ كَلِمَةٌ لِزَجْر الإبل.
واعلَمْ أَنَّ هذا الحديثَ قَد يُسْتَشْكَلُ مَعْنَاهُ، وَلا إشْكالَ فيه، بَلِ المُرَادُ النَّهيُ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ تِلَكَ النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فيه نَهيٌ عَن بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِها في غَيْرِ صُحْبَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بَلْ كُلُّ ذلكَ وَما سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ جائِزٌ لا مَنْعَ مِنْهُ، إلَّا مِنْ مُصَاحَبَتِهِ صلى الله عليه وسلم بِها، لأنَّ هذِهِ التَّصَرُّفاتِ كُلَّهَا كانَتْ جائزَةً، فَمُنعَ بَعْضٌ مِنْها، فَبَقِيَ البَاقِي عَلىٰ ما كانَ. والله أعْلَمُ.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن لعن الدواب، لأنها لا تستحق اللعن، ولأن لعنها من الظلم.
2) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم أمرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومسارعتهم إلىٰ امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فطاعةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم واجب الأمة جميعاً، وسبيل فلاحها، قال الله تعالىٰ: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾.
فائـدة:
نهْيُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن استصحاب الدابة الملعونة وتركها هو من باب عقوبة المرأة التي لعنت هذه الدابة؛ وهي لا تستحق اللعن، وهذا يدل علىٰ أن الشريعة راعت كل الحقوق حتىٰ حقوق الحيوان، فمن تجاوز الحد، وتعدّىٰ في الحق، استحق العقاب المناسب.
265 ــ باب جواز لَعْن أصحاب المعاصي غير المعيّنين
قال الله تعَالىٰ: {أَلَا لَعنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ} [هود: 18]. وقالَ تَعَالىٰ: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ بَينَهُم أَن لَّعنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأعراف: 44].
وَثَبَتَ في الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ»، وَأَنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا»، وَأَنّهُ لَعَنَ المُصَوِّرِينَ، وَأنَّهُ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأرْضِ» أيْ: حُدُودَهَا، وَأنّهُ قال: «لَعَنَ اللهُ السّارِقَ يَسرِقُ البَيْضَةَ»، وَأَنّهُ قال: «لَعَنَ الله مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»، «وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله»، وأنّهُ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَىٰ محْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، وأَنَّهُ قالَ: «اللهم العَنْ رعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَوا اللهَ وَرَسُولَهُ» وهذِه ثلاثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ، وأَنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ». وَأَنَّهُ «لَعَنَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرّجَالِ».
وَجَمِيعُ هذِهِ الألْفَاظِ في الصحيحِ، بَعْضُهَا في صَحِيحَي البخاري ومسلمٍ، وَبَعْضها في أَحَدِهِمَا، وَإنَّمَا قَصَدْتُ الاختِصَارَ بالإشَارَةِ إليهَا، وَسأذكرُ مُعظَمَهَا في أبوابها منْ هذا الكِتَابِ، إن شاءَ الله تعالىٰ.
هداية الأحاديث:
1) لا يجوز تخصيص أحد بعينه باللعن إلا من ورد النص الشرعي بخصوص لعنه، وأما علىٰ سبيل العموم؛ فجائزٌ لعنُ من استحق وصفهم ذلك، كالظالمين مثلاً.
2) اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالىٰ.
266 ــ باب تحريم سَبّ المسلم بغير حق
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
هداية الآيات:
1) تحريم أذية المؤمنين والمؤمنات بالقول أو بالفعل، فأذيتهم من أعظم الذنوب.
2) ترغيب الشريعة في جلب كل ما يقوي المودة والمحبة بين عموم المؤمنين.
1/1559 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سِبابُ المُسلم فُسوقٌ، وقتالُهُ كُفْرٌ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تعظيم حق المسلم، فمَن سبَّ مسلماً بغير حق فقد وقع في الفسوق.
2) قتال المسلم من أعمال الكفر، ولا يلزم أن يكون فاعل ذلك كافراً.
2/1560 ــ وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه أنَّهُ سمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لا يَرمي رجُلٌ رجُلاً بالفسْقِ أو الكُفْرِ إلَّا ارتَدَّتْ عليْه، إنْ لمْ يَكُنْ صاحبُهُ كذلكَ». رواهُ البخاريُّ.
هداية الحديث:
1) تحريم سب المسلم أو تكفيره، فذلك من كبائر الذنوب وأعظم الفِرى.
2) التحذير من تكفير معين من المسلمين إلا بحجة شرعية واضحة، لأن التكفير حكم شرعي يُرجع فيه إلىٰ النصوص الشرعية، والقواعد المرعية، وفتاوىٰ العلماء الراسخين.
3/1561ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «المُتَسَابَّان مَا قَالا فَعَلىٰ البَادي منْهُما، حَتَّىٰ يَعْتَديَ المَظْلُومُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
المتسابان ما قالا: اللذان يشتم بعضهما الآخر فإثم ما قالا من السب علىٰ البادي منهما.
هداية الحديث:
1) جواز انتصار المظلوم لنفسه دون تعدٍّ في حقه. { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ }.
2) استحباب الصبر والعفو عن المسلمين، إذا ترتب علىٰ ذلك مصلحة. { فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ}.
4/1562 ــ وعنه قَالَ: أَتِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم برَجُلٍ قدْ شَربَ قَالَ: «اضْربُوهُ» قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّاربُ بيده، والضاربُ بنعله، والضاربُ بثوبه. فلمَّا انصَرَفَ قَالَ بعضُ القَوم: أخزاكَ اللهُ، قَالَ: «لاتقُولُوا هذا، لا تُعينُوا عليه الشَّيْطانَ». رواهُ البخاريُّ.
غريب الحديث:
شرب: أي شرب الخمر.
أخزاك: أذلك وأهانك.
هداية الحديث:
1) الخمر، وإن كانت محرمة وعلىٰ شاربها عقوبة الجلد والضرب، فإنه لا يجوز لعن التائب منها.
2) نهت الشريعة عن مساعدة الشيطان في إغواء العباد، لأن في ذلك انتشاراً للشرّ والفساد.
5/1563 ــ وعنهُ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بالزِّنىٰ يُقامُ عليْه الحَدُّ يومَ القيَامَة، إلَّا أنْ يَكُونَ كما قَالَ». متفقٌ عليهِ.
غريب الحديث:
المملوك: هو العبد الرقيق يملكه الحر.
هداية الحديث:
1) تحريم قذف المملوك بالزنا، لأن ذلك من كبائر الذنوب.
2) من لم يُقتصَّ منه في الدنيا في حقوق الخلق، اُقتُصَّ منه في الآخرة.
267 ــ باب تحريم سَب الأموات بغير حق ومَصْلحة شرعيّة
وهو التحذير من الاقتداء به في بدعته وفسقه ونحو ذلك، وفيه الآية والأحاديث السابقة في الباب قبله.
1/1564 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنه قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا الأمواتَ، فإنَّهُمْ قَد أفضَوا إلىٰ ما قَدَّمُوا». رواه البخاري.
غريب الحديث:
أفضوا: وصلوا.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يحفظ لسانه عما لا فائدة فيه.
2) تحريم سب الأموات من المسلمين لحرمتهم، فسب الأموات أذية لقرابتهم من الأحياء.
تنبيـه:
قوله: «الأموات» يعني الأموات من المسلمين، أما الكافر فلا حرمة له إلا إذا كان في سبه إيذاءً للأحياء من أقاربه المسلمين، فيُمتنع عندئذٍ عن سب الكافر، تعظيماً لحرمة قريبه المسلم.
268 ــ باب النّهي عَن الإيذاء
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
1/1565 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلمُ مَنْ سلمَ المُسْلمُون منْ لسَانِهِ وَيَدِهِ، والمُهَاجرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَىٰ اللهُ عَنْهُ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) علامة صدق إسلام العبد سلامة المسلمين من لسانه ويده.
2) وجوب الابتعاد عن كل ما يلحق الأذىٰ والضرر بالمسلمين مادياً ومعنوياً.
2/1566 ــ وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ،فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إلىٰ النّاسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَىٰ إلَيْهِ». رواه مسلم.
وَهُوَ بَعْضُ حَديثٍ طَويلٍ سَبَقَ في (بَابِ طَاعَةِ وُلاةِ الأُمُورِ).
هداية الحديث:
1) إن التحلّي بشعب الإيمان، ومكارم الأخلاق، يقي العبد شرَّ الفتن، وينقذه من النار يوم القيامة.
2) علىٰ العبد أن يسعىٰ دائماً إلىٰ عمل ما يُدخله الجنة، ويباعده عن النار، ويسلك أسباب السلامة والنجاة، في الدنيا والآخرة.
269 ــ باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر
قالَ الله تَعَالىٰ: {إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة} [الحجرات: 10] ، وقالَ تعَالَىٰ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54] ، وقالَ تَعَالىٰ: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَينَهُم} [الفتح: 29].
هداية الآيات:
1) من صفات المؤمنين الكمّل أن يكون واحدهم متواضعاً لإخوانه رحيماً بهم، عزيزاً علىٰ خصومه وأعدائه من الكفار، فهذا من خلق سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم.
2) الاقتداء بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في منهاجهم، سبيل العزّ والتمكين.
1/1567 ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخواناً، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاه فَوقَ ثلاثٍ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من الدُّبر: وهو أن يولي الرجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه.
هداية الحديث:
1) نهي المسلمين عن التباغض فيما بينهم في غير حق شرعي.
2) النهي عن المقاطعة، لأن ذلك يفرق الأمة ويشتت ترابطها.
3) الحضّ علىٰ التآخي في الدين، فذلك من أسمىٰ عُرَىٰ الإيمان.
2/1568ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُفْتَحُ أبوابُ الجَنَّةِ يومَ الاثْنينِ ويَوْمَ الخَميسِ، فيُغفرُ لكُلِّ عبدٍ لا يُشركُ بالله شيئاً، إلَّا رجُلاً كانَتْ بَيْنَهُ وبينَ أخيه شَحْنَاءُ، فيُقال: أنظرُوا هذَيْن حَتَّىٰ يَصْطَلحَا! أنظُروا هذيْن حَتَّىٰ يَصْطَلحَا!». رواه مسلم.
وفي رواية له: «تُعْرَضُ الأعمالُ في كلِّ يَوْمِ خَميسٍ واثْنَيْن». وذَكَرَ نَحْوَهُ.
غريب الحديث:
الشحناء: العداوة.
أنظروا: أخّروا.
هداية الحديث:
1) بيان غلظ الشحناء، وذلك لقرنها بالشرك بالله _عز وجل_.
2) عداوة المسلم ومقاطعته بغير سبب شرعي تمنع من دخول الجنة في الآخرة.
3) وجوبُ الإصلاحِ بين المسلمين، ونصرةِ المظلوم، وردعِ الظالم.
270 ــ باب تحريم الحسَد
وهو تمنّي زوال النعمة عن صاحبها، سواءٌ كانت نعمة دين أو دنيا، قال الله تعالىٰ: ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ﴾ [النساء: 54]. وفيه حَديثُ أنسٍ السَّابق في الباب قَبْلَهُ.
1569ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ والحَسَدَ، فإنَّ الحَسَدَ يأكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ»، أو قَالَ: «العُشْبَ». رواه أبو داود[9]. [9] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) ذم الحسد والتحذير منه، لأنه من كبائر الذنوب.
2) الحسد يمحق الحسنات، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ التخلص منه بالرضا بما قسم الله تعالىٰ له من الرزق.
271 ــ بابُ النهي عَن التجسُّس والتسمُّع لكلام من يكره استماعه
قالَ الله تَعَالىٰ: {وَلَا تَجَسَّسُواْ} [الحجرات: 12] ، وقالَ تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
فائدة:
التجسس: تتبع عيوب الناس، والسعي في كشفها.
هداية الآيات:
1) النهي عن تتبع عورات المسلمين، لأنه من الكبائر.
2) إن قصد الاستماع لحديث الناس ــ وهم كارهون ــ من الأذية العظيمة التي نهىٰ الله تعالىٰ عنها.
1/1570 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَاناً كَمَا أَمَرَكُمُ. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَىٰ ههُنا، التَّقْوَىٰ ههنا» وَيُشِيرُ إلىٰ صَدْرِهِ «بِحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ عَلىٰ المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ، إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلىٰ أَجْسَادِكُم، وَلا إلىٰ صُوَرِكُمْ، ولكِنْ يَنْظُرُ إلىٰ قُلُوبِكُم وأَعْمَالِكُمْ».
وفي روايةٍ: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً».
وفي روايةٍ: «لا تَقَاطَعُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً».
وفي روايةٍ: «لا تَهَاجَرُوا، وَلا يَبعْ بَعْضُكُم عَلَىٰ بَيْعِ بَعْضٍ».
رواه مسلم بكلِّ هذه الروايات، وروىٰ البخاريُّ أكثَرَها.
غريب الحديث:
لا تحسسوا: التحسس: أن يطلب الخبر لنفسه، وقيل معناه: الاستماع لحديث قوم وهم كارهون.
يخذله: يترك نصرته وإعانته.
التناجش: الزيادة في سعر السلعة ليوهم غيره ويخدعه.
هداية الحديث:
1) التحذير الشديد من الوقوع في دماء المسلمين، وأعراضهم، وأموالهم. 2) تحريم التجسس والتحسس وكل ما يفرق بين المؤمنين.
3) صلاح الأعمال من صلاح القلوب والنيات، فاحرصْ علىٰ دوام الإخلاص في جميع أقوالك، وأفعالك، وأحوالك.
2/1571 ــ وعن مُعاويةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «إنَّكَ إن اتَّبعْتَ عَوْرَاتِ المُسْلمينَ أفْسَدْتَهُمْ، أوْ كدْتَ أن تُفْسدَهُم». حديثٌ صحيحٌ رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الحديث:
1) التحذير من التجسس علىٰ عورات المسلمين، فإنه سبب في انتشار الفساد بينهم.
2) من محاسن الشريعة الإسلامية أنها حذّرت من كل ما يجلب الفساد بين المسلمين.
3/1572 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّهُ أُتيَ برَجُلٍ، فقيلَ لهُ: هذا فُلانٌ تَقْطُرُ لحيَتُهُ خَمراً، فقال: إنَّا قَدْ نُهينَا عَن التَّجَسُّس، ولكنْ إن يَظهَرْ لَنَا شيءٌ نأخُذْ به. حديثٌ حسنٌ صحيح.
رواه أبو داود بإسنادٍ علىٰ شرط البخاري ومسلم.
هداية الحديث:
1) من جاء بدعوىٰ علىٰ غيره ــ متجسساً عليه فيها ــ فإنه لا تقبل دعواه.
2) الحث علىٰ الستر علىٰ صاحب المعصية، غير المجاهر بها، حتىٰ يتوب منها.
272 ــ باب النّهي عن سُوء الظن بالمُسلمين من غير ضرورة
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ﴾ [الحجرات: 12].
1/1573ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذبُ الحَديثِ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) التحذير من الظن، لأنه من أكبر أنواع الكذب.
2) إن إحسان الظن بالمسلمين دليل علىٰ صدق إيمان العبد.
273 ــ باب تحريم احتقار المُسلمين
قالَ الله تَعَالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، وقالَ تَعَالىٰ: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1].
هداية الآيات:
1) تحريم السخرية بالمسلمين واحتقارهم، فذلك ينافي مقتضيات الإيمان.
2) علىٰ العباد دوام التوبة إلىٰ الله من الأقوال والأفعال المتضمنة للسخرية بأهل الإيمان، لأنها محبطة للأعمال.
1/1574 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بحَسْبِ امْرئٍ منَ الشَّرِّ أن يُحَقِّرَ أخَاهُ المُسلمَ».
رواه مسلم، وقد سبق قريباً بطوله.
هداية الحديث:
1) شدة التحذير من احتقار المسلم أخاه المسلمَ، فذلك سبب لتفكك الرابطة الأخوية بين المسلمين.
2) التحذير من الإثم العظيم في احتقار المسلم، فقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم علامةً علىٰ عِظَم الشّرّ.
2/1575ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبه مثْقَالُ ذرَّة منْ كِبْرٍ» فقالَ رجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحبُّ أن يكونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، ونَعْلُهُ حَسَنَةً، فقال: «إنَّ اللهَ جميلٌ يُحبُّ الجَمَالَ، الكبرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ». رواه مسلم.
ومعنىٰ «بَطَرُ الحَقِّ»: دَفْعُه، «وغَمْطُهُم»: احْتِقَارُهُمْ، وقد سبق بيانُهُ أوضحَ من هذا في (باب الكِبرِ).
هداية الحديث:
1) الكِبْرُ من أسوء الأخلاق، فهو يُردي صاحبه في نار جهنم، ويمنع من دخول الجنة.
2) إنّ قَبول الحق، والتواضع للخلق، من صفات المؤمنين.
3) الترغيب في التعليم، بالسؤال عما يُشْكِل، فمن صعبت عليه مسألة فَلْيسأل عنها أهل العلم.
3/1576ــ وعن جندُب بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ رجلٌ: واللهِ لا يغْفرُ اللهُ لفُلانٍ، فقال اللهُ _عز وجل_: مَنْ ذا الذي يَتَألَّىٰ عليَّ أن لا أغْفر لفُلانِ! إنِّي قد غَفَرْتُ لَهُ، وأحْبَطْتُ عَمَلَكَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يتألىٰ: يحلف علىٰ الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) بيان سعة رحمة الله _عز وجل_ ومغفرته لعباده.
2) إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يخسر بها آخرته، فاحرصْ يا أخي علىٰ تدبر الكلام قبل أن ينطق به لسانُك.
274 ــ باب النّهي عن إظهار الشماتة بالمسلِم
قَالَ الله تَعَالىٰ: {إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة} [الحجرات: 10] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: 19].
1/1577ــ وعن واثلةَ بنِ الأسقعِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُظهرِ الشَّماتةَ لأخيكَ، فيَرْحَمَهُ اللهُ ويبْتَليَكَ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ[10]. [10] الحديث إسناده ضعيف.
وفي الباب حديثُ أبي هريرة السابق في (باب التَّجَسُّسِ): «كُلُّ المسلمِ علىٰ المسلمِ حَرامٌ». الحديث.
غريب الحديث:
الشماتة: هي الفرح لوقوع المصائب علىٰ الآخرين.
هداية الحديث:
1) استحباب التراحم بين المسلمين وإظهار التألم لبعضهم عند نزول المصائب.
2) إن إظهار الشماتة بالإخوة عون للشيطان عليهم، وتقنيط لهم من رحمة الله تعالىٰ.
275 ــ باب تحريم الطَعْن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
1/1578 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسبِ، والنِّيَاحَةُ علىٰ المَيِّتِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
النياحة: رفع الصوت عند مصيبة الموت بالعويل والصراخ.
هداية الحديث:
1) إن الطعن في النسب، والنياحة علىٰ الأموات، من أعمال الكفر، وأخلاق أهل الجاهلية، التي يجب الابتعاد عنها.
2) الناس مؤتمنون علىٰ أنسابهم، فلا يجوز الطعن فيها.
276 ــ بابُ النّهي عن الغشّ والخداع
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
1/1579 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». رواه مسلم.
وفي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَىٰ صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: «مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «أَفَلا جَعَلْتَه فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّىٰ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
غريب الحديث:
ليس منا: ليس من هدينا وطريقتنا.
صُبْرَة: كومة.
السماء: المطر.
هداية الحديث:
1) من أخلاق أهل الإسلام في بيعهم إظهار جميع أوصاف السلعة، حتىٰ تبرأ ذمة البائع، ولا يُخدع المشتري.
2) تحريم الغش والخداع للمسلمين، ففاعل ذلك مستحق للإثم والعقوبة.
2/1580ــ وعنهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَنَاجَشُوا».متفقٌ عليه.
3/1581ــ وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عن النَّجَش. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
النجش: الزيادة في ثمن السلعة ليخدع غيره.
هداية الأحاديث:
1) تحريم رفع أسعار السلع بقصد الغش والخديعة والإيقاع بالمشترين.
2) نهت الشريعة عن البيوع التي تسبب العداوة والبغضاء بين أهل الإيمان، وهذا من محاسن التشريع الإسلامي.
4/1582ــ وعنهُ قَالَ: ذَكَرَ رجلٌ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه يُخْدَعُ في البُيُوع؟ فَقَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بايَعْتَ فَقُلْ: لا خلابَةَ». متفق عليه.
«الخلابة» بخاء معجمة مكسورة وباء موحدة: وهي الخديعة.
هداية الحديث:
1) تحريم الخديعة في البيوع، لأنها ليست من أخلاق المسلمين.
2) إظهار رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمة، حين علّم الجاهل، ولم يقل له: «إن القانون لا يحمي مغفلاً»!.
فائدة:
في الحديث جواز البيع بشرط الخيار؛ أي: يشترط المشتري مثلاً: إذا وجد في السلعة عيباً أن يردها علىٰ بائعها.
5/1583ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امرئٍ، أوْ مَمْلُوكَهُ، فَلَيْسَ منَّا». رواه أبو داود.
«خَبَّبَ» بخاء معجمة ثم باء موحدة مكررة: أي أفسده وخدعه.
هداية الحديث:
1) إفساد أحد الزوجين علىٰ الآخر ليس من هدي دين الإسلام.
2) نهت الشريعة عن كل ما يفسد الودّ بين الخلطاء ممن تجمعهم رابطة ما، فما أعظمه من دين لو امتثله المسلمون!
تنبيـه:
من هذا الحديث نعلم ضلال بعض الأشرار وسوء أعمالهم، عندما يأتون السحرة والمشعوذين، ليفسدوا بين الأزواج، ويقطعوا الأرحام، فيجب التحذير من هؤلاء الضُلاَّل، لأنهم سبب في تفكك الأمة، وضياع كثير من البيوت.
277 ــ باب تحريم الغَدر
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: 1]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {وَأَوفُواْ بِٱلعَهدِ إِنَّ ٱلعَهدَ كَانَ مَسُٔولا} [الإسراء: 34].
هداية الآيات:
1) الغدر، هو: خيانة الإنسان في موضع الائتمان.
2) وجوب الوفاء بالعقود في كل شيء، واجتناب الخيانة والخديعة.
3) إن الوفاء بالعهود من مستلزمات الإيمان ومكملاته، وهو علامة صحة الإيمان.
1/1584 ــ وعن عبد الله بن عَمْرو بن العَاص رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أرْبعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ مُنَافقاً خَالصاً، ومَنْ كانَتْ فيه خَصْلَةٌ منْهُنَّ كانَ فيه خَصْلةٌ منَ النِّفَاق حَتَّىٰ يَدَعَهَا: إذَا اؤتُمنَ خَانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) التحذير من الغدر، لأنه من صفات المنافقين.
2) علىٰ العبد أن يسعىٰ دائماً في التخلص من الصفات الذميمة التي تضعه في زمرة الفسّاق والمنافقين، وأن يتحلّىٰ بالصفات الحميدة الزكية التي ترفعه في زمرة المؤمنين المقربين.
2/1585 ــ وعن ابن مسعود، وابن عمرَ، وأنس رضي الله عنهم قالوا: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لكُلِّ غادرٍ لوَاءٌ يَوْمَ القيَامةِ، يُقَالُ: هذه غَدْرَةُ فُلانٍ». متفق عليه.
3/1586ــ وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لكُلِّ غَادرٍ لوَاءٌ عنْدَ اسْتِهِ يومَ القيامة، يُرْفَعُ لهُ بقَدْر غَدْرِهِ، ألا ولا غَادرَ أعْظَمُ غَدْراً مِن أميرِ عامَّةٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
اللواء: ما يكون في الحرب مثل العلم والراية.
استه: دبره.
هداية الأحاديث:
1) التحذير من الغدر، فهو من كبائر الذنوب.
2) كلما عَظُم الغدر عظمت فضيحة الغادر ووزره يوم القيامة، فالذي يغدر بواحد ليس كمن يغدر بجماعة أو أمة، ومن هنا يُعلم عظيم وزر الذين يغدرون بأبناء الأمة الإسلامية، لإشباع غرائزهم ونيل مصالحهم، فالله حسيبهم في الدنيا والآخرة.
4/1587 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالىٰ: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهُمْ يومَ القيامَة: رجُلٌ أعْطَىٰ بي ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ بَاعَ حُرّاً فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورَجُلٌ اسْتأجَرَ أجيراً فَاسْتَوْفَىٰ منْهُ، ولمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
أعطىٰ بي ثم غدر: حلف بالله علىٰ شيء ثم خان العهد.
هداية الحديث:
1) التشديد في مسألة الغدر، لأنها موجبة لمخاصمة الله يوم القيامة.
2) التحذير من نقض العهد، لأنه ليس من صفات المؤمنين.
278 ــ باب النّهي عَن المَنِّ بالعَطية ونحوها
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264]، وقال تَعَالَىٰ: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى﴾ [البقرة: 262].
هداية الآيات:
1) المَنُّ بالعطيّة والصدقة يبطل ثوابها، وهو من كبائر الذنوب.
2) من صفات المؤمنين الصادقين الإنفاق دون المنّ بالعطية.
1/1588ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ الُله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» قالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قالَ أَبُو ذَرٍّ: خابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يا رَسُولَ الله ؟ قالَ «المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِبِ». رواه مسلم.
وفي روايةٍ له: «المسْبِل إزارَهُ» يَعْني: المسْبِلُ إزَارَهُ وَثَوْبَهُ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ للخُيَلاءِ.
غريب الحديث:
المنان: هو الذي يعطي، ثم يتحدث عن عطيته علىٰ وجه الافتخار.
هداية الحديث:
1) الوعيد الشديد للمنان، لأن فعله من محبطات الأعمال.
2) الحث علىٰ الصدقة بالمعروف دون المنّ بها.
279 ــ باب النهي عن الافتخار والبغي
قَالَ الله تَعَالىٰ: {فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُم هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ} [ النجم: 32]، وقالَ تَعَالىٰ: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [الشورىٰ: 42].
1/1589 ــ وعن عياض بن حمَار رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الَله تَعَالىٰ أوْحَىٰ إليَّ أن تَوَاضَعُوا حَتَّىٰ لا يَبْغيَ أحدٌ علىٰ أحدٍ، ولا يَفْخرَ أحدٌ علىٰ أحدٍ». رواه مسلم.
قالَ أهلُ اللُّغةِ: البَغْي: التَّعَدِّي والاسْتِطَالَةُ.
هداية الحديث:
1) بيان فضيلة التواضع بين المؤمنين، فهو خلق محبوب لله تعالىٰ، والموفَّق من هُدي إلىٰ ما يحبه الله تعالىٰ.
2) ذم الافتخار والبغي، لأنه من صفات الظالمين.
2/1590 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فهُوَ أهْلَكُهُمْ». رواه مسلم.
الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ: «أَهْلَكُهُمْ» بِرَفعِ الكَافِ، وَرُوِيَ بِنَصْبِهَا. وهذا النَّهْيُ لمَنْ قَالَ ذلكَ عُجْباً بنَفْسِهِ، وَتَصَاغُراً للنَّاسِ، وَارْتِفَاعاً عَلَيْهِمْ، فهذَا هُوَ الحَرَامُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ لمَا يَرىٰ في النَّاسِ مِنْ نَقْصٍ في أمْرِ دِينِهِمْ، وَقَالَهُ تَحَزُّناً عَلَيْهِمْ، وَعَلَىٰ الدِّينِ، فَلا بَأْسَ بِهِ. هكَذَا فَسَّرَهُ العُلَمَاءُ وَفَصَّلُوهُ، وَمِمَّن قَالَهُ مِنَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ: مالكُ بنُ أَنسٍ، وَالخَطَّابيُّ، وَالحُمَيْدِيُّ وآخرون، وقد أوضَحْته في كِتَابِ «الأذْكَارِ».
هداية الحديث:
1) النهي عن الإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين.
2) إن ذكر عيوب الناس سبب في إشاعة المنكرات بينهم، لأن الناس يقلِّدُ بعضهم بعضاً.
280 ــ باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
قَالَ الله تَعَالىٰ: {إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة فَأَصلِحُواْ بَينَ أَخَوَيكُم} [الحجرات: 10] ، وقَالَ تَعَالىٰ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: 2].
1/1591ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً، وَلا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاثٍ». متفقٌ عليه.
2/1592ــ وعن أبي أيوب رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يحلُّ لمُسْلمٍ أن يَهْجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثِ ليَالٍ؛ يَلتَقيَان، فيُعرضُ هذا، ويعرضُ هذا، وخَيْرُهُما الذي يبدأ بالسَّلامِ». متفقٌ عليه.
3/1593ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تُعرضُ الأعمالُ في كُلِّ اثنين وخَميس، فيَغفرُ اللهُ لكلِّ امرئٍ لا يُشركُ بالله شيئاً، إلَّا امرءاً كانت بيْنَهُ وبينَ أخيه شَحْنَاءُ، فيقولُ: اتْرُكُوا هذَيْن حَتَّىٰ يَصْطَلحَا». رواه مسلم.
4/1594ــ وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهم». رواه مسلم.
«التَّحْرِيشُ» الإفسَادُ وتغيِيرُ قُلُوبِهم وَتَقَاطُعُهُم.
5/1595ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَمَاتَ، دَخَلَ النَّارَ».
رَوَاهُ أبو دَاود بإسنَادٍ عَلىٰ شَرْطِ البُخَارِي ومُسلم.
6/1596ــ وعن أبي خراش حدرَد بن أبي حَدْرَد الأسلمي، ويقالُ السُّلمي الصَّحابي رضي الله عنه، أنه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ هَجَرَ أخاهُ سَنَةً فَهُوَ كسَفْكِ دَمِهِ».
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
7/1597 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَحِلُّ لمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوْقَ ثَلاثٍ، فَإنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاثٌ، فَلْيَلْقَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ رَدَّ عليه السَّلامَ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ، وَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بالإثْمِ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ». رواه أبو داود بإسناد حسن. قال أبو داود: إذا كانَتِ الهجْرةُ لله تَعَالىٰ، فَلَيْسَ مِنْ هذا في شَيْءٍ.
هداية الأحاديث:
1) لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.
2) إن إفشاء السلام بين المسلمين من أسباب المحبة ودخول الجنة، فَلْيحرصِ المسلم علىٰ تطبيق هذا الهدي النبوي بإفشاء السلام بين المسلمين، علىٰ من عرف ومن لم يعرف.
3) إن هجر المسلمين ونشر الشحناء بينهم من طاعة الشيطان، وسبب للقطيعة بين أهل الإيمان.
4) الإصرار علىٰ الهجر والقطيعة دون سبب شرعي يُعَدُّ من كبائر الذنوب التي تُوِّعد صاحبها العقوبة.
تنبيـه:
متىٰ يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام؟
يجوز الزيادة في الهجر إذا كان فيه مصلحة شرعية، كأن يكون المهجور من المصرِّين علىٰ المعاصي والذنوب المجاهرين بها، ويُقصد من هذا الهجر ردعه وتحذير الناس من شرِّه، فلابأس بالهجر فوق ثلاثة أيام، فيكون الهجر عندئذ من باب الدواء للمهجور، وزجراً لأمثاله، ولأجل حق الله تعالىٰ لا لأجل حظ النفس.
281 ــ باب النهي عَن تناجي اثنين دُونَ الثالث بغير إذنه إلَّا لحاجة وهو أن يتحدثا سراً بحيث لا يسمعهما وفي معناه مَا إذَا تحدثا بلسان لا يفهمه
قَالَ الله تَعَالىٰ: {إِنَّمَا ٱلنَّجوَىٰ مِنَ ٱلشَّيطَٰنِ} [المجادلة: 10].
1/1598ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا كَانُوا ثَلاَثَةً فَلا يَتَنَاجَىٰ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ». متفقٌ عليه.
ورواه أبو داود، وَزَادَ: قَالَ أَبُو صَالحٍ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: فأرْبَعَةً؟ قَالَ: لا يَضُرُّكَ.
ورواه مالك في «المُوَطَّأ»: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كُنْتُ أنَا وَابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقبَةَ الَّتي في السُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ حَتَّىٰ كُنَّا أَرْبَعَةً، فقالَ لي وَللرَّجُلِ الثّالِثِ الَّذِي دَعَا: اسْتَأْخِرَا شَيْئاً، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا يَتَنَاجَىٰ اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ».
2/1599 ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَىٰ اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّىٰ تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ يُحْزِنُهُ». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن النجوىٰ بين اثنين دون الثالث علىٰ سبيل التحريم، لأن ذلك من إيذاء المؤمنين، ويدخل في ذلك عدم تناجي ثلاثة دون الرابع، وأربعة دون الخامس، ونحوهم، إن كان المنفرد يحزنه ذلك.
2) جواز التناجي في حال الاختلاط بالناس.
3) إظهار شمول دين الإسلام لكل جوانب الحياة بتوجيهاته، وإرشاداته، وآدابه. فهو لم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة البشر إلا أحصاها وبيّنها ووضحها، فاهنأ أخي بامتثال شرائع ديننا العظيم.
282 ــ باب النهي عَن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد عَلَى قدر الأدب
قال الله تَعَالىٰ: ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].
1/1600 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّىٰ مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ حَبَسَتْها، وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ». متفقٌ عليه.
«خَشَاشُ الأرْضِ» بفتحِ الخاء المعجمةِ، وبالشين المعجمة المكررة، وهي: هَوَامُها وَحَشَرَاتُهَا.
هداية الحديث:
1) النهي عن تعذيب الحيوان، والحث علىٰ الإحسان إليه.
2) قد يعمل العبدُ أعمالاً ــ من الظلم ــ يظنها صغيرة، لكنها عند الله عظيمة، تُردِي به في نار جهنم.
فائدة:
يُستفاد من الحديث جواز اقتناء الحيوانات ــ كالطيور والأسماك مثلاً ــ بشرط أن يؤمّن لها الرعاية من المأوىٰ والطعام والشراب.
2/1601ــ وَعَنْهُ: أَنّهُ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبلهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «مَنْ فَعَلَ هذا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هذا، إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً». متفقٌ عليه.
«الْغَرَضُ»: بفتحِ الغين المعجمة والراء، وهُوَ الهَدَفُ، وَالشَيْءُ الَّذِي يُرْمَىٰ إلَيْهِ.
3/1602 ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: «نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ». متفق عليه. ومَعنَاهُ: تُحْبَسَ للْقتْلِ.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن حبس الحيوان من أجل اتخاذه هدفاً للرمي أو التسلية، لأن في هذا تعذيباً له.
2) عظيم رحمة الله _عز وجل_ بخلقه ــ التي وسعت كل شيء ــ حتىٰ بلغت الحيوانات الصغيرة والضعيفة.
3) وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما فعل الصحابي الجليل عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما مع الفتيان.
4/1603ــ وعَنَ أبي عَليٍّ سُوَيْدِ بْنِ مُقرِّنٍ رضي الله عنه قَالَ: لَقَدْ رأَيْتُنِي سَابعَ سَبْعةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ، مَالَنَا خَادِمٌ إلَّا واحِدَةٌ لَطَمَها أَصْغَرُنَا، فَأمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نُعْتِقَهَا. رواه مسلم. وفي روَايةٍ: «سَابعَ إخْوَةٍ لي».
5/1604ــ وَعَنْ أبي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاماً لي بالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ» فَلَمْ أَفْهَم الصَّوْتَ مِنَ الغَضَبِ، فلَمَّا دَنَا مِنِّي إذا هُوَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَإذا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أبَا مَسْعُودٍ»، قال: فَأًلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فقالَ: «اعْلَمْ أبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلىٰ هذا الْغُلامِ» فَقُلْتُ: لا أَضْرِبُ مَمْلُوكاً بَعْدَهُ أَبَداً. وفي روَايةٍ: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ.
وَفي روَايَةٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ الله تعالىٰ، فَقَالَ: «أمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ». رواه مسلم بهذِه الروَاياتِ.
6/1605 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ ضَرَبَ غُلاماً له حَدّاً لم يَأْتِهِ، أَو لَطَمَهُ، فإنَّ كَفَّارَتَهُ أن يُعْتِقَهُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) إن عتقَ المملوك كفارةٌ علىٰ ضربه، هو من عدل الشريعة بمعاملة المسيء بنقيض قصده.
2) الحث علىٰ الرفق بالخدم والمماليك، وحسن مصاحبتهم، ودفع الأذىٰ عنهم، وتحريم تعذيبهم والاعتداء عليهم.
3) هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه، وحرصهم علىٰ امتثال أقواله وأفعاله، والانتفاع بما يعظهم به؛ فالواجب أن تكون لنا بهم أسوة حسنة، في تتبع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بها، لأنها سبيل الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة.
7/1606ــ وعَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ مَرَّ بالشَّامِ عَلىٰ أُنَاسٍ مِنَ الأنبَاطِ، وَقَدْ أُقِيمُوا في الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلىٰ رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هذا ؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ في الخَرَاجِ، وَفي رِوَايَةٍ: حُبِسُوا في الجِزيَةِ. فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لسَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ الله يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ في الدُّنْيَا»، فَدَخَلَ عَلىٰ الأمِيرِ، فَحَدَّثَهُ، فَأمَرَ بِهِم فَخُلُّوا. رواه مسلم.
«الأنبَاطُ»: الفَلاَّحُونَ مِنَ العَجَمِ.
هداية الحديث:
1) تحريم تعذيب الناس بغير حق، ولو كان كافراً له عهد، فالظلم حرام بين العباد.
2) حسن سيرة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان في مناصحة الحكام، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
8/1607ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: رأىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حمَاراً موسُومَ الوجهِ، فأنْكَر ذلكَ! فقال: وَاللهِ لا أسِمُهُ إلا أقْصَىٰ شيءٍ من الوَجْهِ، وأمرَ بحمَارِهِ، فكُوِيَ في جاعرتَيْه، فهُوَ أوَّلُ مَن كَوَىٰ الجَاعرَتَيْن. رواه مسلم.
9/1608 ــ وعنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه حمارٌ قد وُسِمَ في وَجْهِهِ، فقال: «لَعَن الله الذي وَسَمَهُ». رواه مسلم.
وفي رواية لمسلم أيضاً: نهىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الضَّربِ في الوجْهِ، وعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ.
غريب الحديث:
موسوم الوجه: الوسم: العلامة تجعل على الشيء.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن ضرب الوجه وعن وسم الحيوان في وجهه، فذلك من الذنوب التي يستحق صاحبها الوعيد.
2) جواز وسم الحيوانات في غير الوجه لوروده في هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3) النهي عن تعذيب الحيوانات وإيذائها.
تنبيـه:
في الأحاديث بيان رحمة الشرع بالحيوانات، ومنع تعذيبهم وإيذائهم، فمن باب أولىٰ رحمة الشرع بالناس، ومنع تعذيبهم، فالإسلام بهديه وتعاليمه قد سبق إلىٰ هذا الأمر قبل ــ ما تدعيه ــ هيئات (الرفق بالحيوان).
283 ــ باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حَتَّى النملة ونحوها
1/1609 ــ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْثٍ ، فَقَالَ: «إنْ وَجَدْتُم فُلاناً وَفُلاناً» لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا «فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: «إنِّي كُنْتُ أَمَرْتكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاناً وَفُلاناً، وَإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إلا اللهُ، فَإنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». رواه البخاري.
غريب الحديث:
1) إذا استحق الإنسان القتل فإنه لا يُحرق بالنار، ولكنه يقتل حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية.
2) تحريم التعذيب بالنار، لأنه لا يعذِّب بها إلا الله ربها سبحانه.
2/1610ــ وَعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَعْرِشُ، فَجاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هذهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إلَيْهَا». وَرأىٰ قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هذه؟» قُلْنَا: نَحْنُ. قالَ: «إنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قوله: «قَرْيَةُ نَمْلٍ» مَعْنَاهُ: مَوْضِعُ النَّمْلِ مَعَ النَّمْلِ.
غريب الحديث:
الحمَّرة: طائر صغير كالعصفور.
تعرش: ترتفع وتظلل بجناحيها علىٰ من تحتها.
فَجَعَ: أحزن.
هداية الحديث:
1) الحضّ علىٰ الرأفة والرحمة بالحيوان.
2) علىٰ العبد إذا فعل إثماً أن يتوب منه مباشرة، ويرد الحقوق إلىٰ أصحابها.
284 ــ باب تحريم مطل الغني بحقٍّ طلبه صَاحبه
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ [البقرة: 283].
هداية الآيات:
1) وجوب أداء الحقوق إلىٰ أهلها وعدم تأخيرها.
2) أداء الأمانة هي الصفة الظاهرة في المجتمع المسلم.
1/1611ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتبعَ أحَدُكُم عَلَىٰ مليءٍ فَلْيَتْبَعْ». متفق عليه.
مَعْنَىٰ «أُتبعَ»: أُحِيلَ.
غريب الحديث:
المطل: هو التأخير، ومطلُ الغني: أي تأخير الحق الذي يجب عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم تأخير سداد الدَّينْ إذا استُحق علىٰ العبد وقدر علىٰ أدائه، لأن تأخيره من الظلم.
2) وجوب امتثال الأمر بقبول الحوالة، وهي أن يحيلَ المدينُ علىٰ رجل آخر له عنده مبلغ من المال، فيقول لصاحب الحق: خذْ دَينك من فلان، فإن لي عنده مالاً فتستوفي دينك منه.
فائـدة:
يستحب للدائن ألاّ يرفض الحوالة إلا إذا وُجِدَ مانع، كأن يكون المُحال عليه مماطلاً أو عسيرَ المعاملة أو نحو ذلك، فله عندئذ أن يرفضها.
285 ــ باب كراهة عودة الإنسان في هبَة لم يسلمها إلى الموهوب لَهُ وفي هبة وهبها لولده وسلمها أو لم يسلمها وكراهة شرائه شيئاً تصدق به من الذي تصدق عليه أو أخرجه عَن زكاة أو كفارة ونحوها ولابأس بشرائه من شخص آخر قد انتقل إليه
1/1612 ــ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالكَلبِ يَرجعُ في قَيْئِهِ». متفقٌ عليه.
وفي رِوَايَةٍ: «مَثَل الَّذِي يَرجعُ في صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ، ثمَّ يَعُودُ في قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ».
وفي روايةٍ: «العائِدُ في هِبَتِهِ كالعَائِدِ في قَيئِهِ».
1613ــ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: حَمَلْتُ عَلىٰ فَرسٍ في سَبِيلِ الله فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَه، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «لا تَشْتَرِهِ، وَلا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وَإن أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئِهِ». متَّفَقٌ عليه.
قوله: «حَمَلْتُ عَلىٰ فَرَسٍ في سَبِيلِ الله» مَعْنَاهُ: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلىٰ بَعْضِ المُجَاهِدِينَ.
هداية الأحاديث:
1) لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، لأن ما أخرجه لله تعالىٰ يجب ألا يعود فيه.
2) بيع الهبة أو الصدقة للواهب منهي عنه، لأن العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه، وهذا من ضرب المثال؛ للتنفير من هذا الفِعال، وليس لنا مثل السوء.
فائـدة:
في الحديث تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد قبضهما، ويستثنىٰ من هذا: عطية الوالد لابنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» رواه ابن ماجه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يُعطي ولده» رواه أبو داود.
286 ــ باب تأكيد تحريم مال اليتيم
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا﴾ [النساء: 10]، وقَالَ تَعَالَىٰ: {وَلَا تَقرَبُواْ مَالَ ٱليَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ} [الأنعام: 152]، وقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ﴾ [البقرة: 220].
هداية الآيات:
1) لا يحل الخوض في أموال اليتامىٰ بالظلم والعدوان، لأن ذلك من كبائر الذنوب.
2) يجوز استثمار مال اليتيم فيما يرجع عليه بالمنفعة والخير.
1/1614ــ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» قَالُوا:يا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قال: «الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقذفُ المُحْصَنَاتِ المُؤمِناتِ الغَافِلاتِ». متفقٌ عليه.
«المُوبِقَاتُ»: المُهْلِكَاتُ.
هداية الحديث:
1) التحذير من أكل مال اليتيم؛ فهو من المهلكات في الدنيا والآخرة، فقد جعله الرسول صلى الله عليه وسلم مقروناً بالشرك بالله تعالىٰ الذي هو أعظم الذنوب وأظلم الظلم.
2) إن انتشار هذه الموبقات في المجتمعات من أسباب الهلاك والتفكك.
فائـدة:
قد دلت نصوص الشريعة على جبر خاطر المنكسر قلبه، وهذا من أجل صور الرحمة بتعاليم دين الإسلام، فلما كان اليتيم ضعيفاً منفرداً، عظمت الشريعة صيانة حقه بحفظ ماله وتنميته، بل والإحسان إليه إيجاباً أو استحباباً ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾.
287 ــ باب تغليظ تحريم الرّبا
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ * يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ} إلىٰ قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ﴾ [البقرة: 275 ــ 278].
هداية الآيات:
1) تحريم الربا بكافة أنواعه وأشكاله، لأنه من أكبر الكبائر، منعاً لأبواب الفساد.
2) الحث علىٰ التماس أسباب الربح المشروع، كالبيع، فتحاً لأبواب الخير والبركة.
3) الحث علىٰ الصدقات بين المسلمين، والتيسير علىٰ أصحاب الديون ومساعدتهم.
وأما الأحاديث:
فكثيرة في الصحيح مشهورة منها: حديث أبي هريرة السابق في الباب قبله.
1/1615ــ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: لعنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الرِّبَا ومُوكِلَهُ. رواه مسلم.
زاد الترمذي وغيره: وشاهدَيْهِ وكاتبَهُ.
هداية الحديث:
1) تحريم الربا فهو من الكبائر؛ لأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لعنَ فاعلَه وكلَّ مَن أعان علىٰ هذا الإثم.
2) المعين أو المشارك علىٰ الإثم يكون عليه من الوزر والعقوبة مثل ما علىٰ صاحب الإثم.
288 ــ باب تحريم الرّياء
قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعبُدُواْ ٱللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ} [البينة: 5]، وقَالَ تَعَالىٰ: ﴿لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ﴾ [البقرة: 264]، وقالَ تَعَالىٰ: ﴿يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 142].
هداية الآيات:
1) الرياء: أن يتعبد الإنسانُ ربَّه _عز وجل_ ، ولكن يُحسِّنَ العبادة من أجل أن يراه الناس.
2) إن إخلاص العبادة لله، هو الدين الذي لا يرضىٰ الله سواه.
3) الرياء سبب في إحباط الأعمال.
1/1616ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالىٰ:أَنا أَغْنَىٰ الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من صور الإشراك بالله تعالىٰ: دخول الرياء في العبادات.
2) ذم الرياء والترهيب منه، فهو الشرك الأصغر؛ لأنه يوصل العبد إلىٰ الوقوع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله _عز وجل_.
2/1617ــ وعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَىٰ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَه فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حتَّىٰ اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأنْ يُقالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلىٰ وَجْهِهِ حَتَىٰ أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هو قَارِئ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلىٰ وَجْهِهِ حَتَّىٰ ألقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: ما تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيها إلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هو جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلىٰ وَجْهِهِ ثُمَّ ألقِيَ في النَّارِ». رواه مسلمٌ.
«جَرِيءٌ» بفتح الجيم وكسر الرّاءِ وَبِالمَدِّ، أَيْ: شُجَاعٌ حَاذقٌ.
هداية الحديث:
1) تحريم الرياء في العمل، وبيان شدة العقوبة عليه.
2) وجوب الإخلاص في الأعمال كلها لله _عز وجل_، لأن جميع الأعمال مدار صحتها وقبولها علىٰ نية الإخلاص لله ربِّ العالمين، واتباع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
3) الحرص الدائم علىٰ تزكية النفس وتربيتها ومجاهدتها حتىٰ تُخلص لله تعالىٰ.
3/1618ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ ناساً قالوا لَهُ: إنَّا نَدْخُلُ عَلَىٰ سلاطيننا، فنَقُولُ لهُمْ بخلاف مَا نتكَلَّمُ إذَا خرجْنَا من عندهم؟ قَالَ ابن عمر رضي الله عنهما: كُنَّا نَعُدُّ هذا نفَاقاً عَلَىٰ عَهْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يديم بذل النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لئلا يقع في أنواع من النفاق.
2) إن الفهم الصحيح لنصوص الشريعة، ومقامات التزكية، يؤخذ من هدي الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أعلم الأمة، وأخلصها، وأصدقها، وأكثرهم نصحاً، وأقربهم بالنبوة عهداً، وكلما كان العهد بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب، كان الصواب أغلب.
4/1619ــ وعن جنْدُب بن عبد الله بن سُفيَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بهِ، ومَنْ يُرَائي يُرَائي اللهُ بهِ». متفقٌ عليه.
ورواهُ مسلمٌ أيضاً من رواية ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
«سَمَّعَ» بتشديد الميم، ومعناه: أظهَرَ عَمَلَهُ للناسِ رياءً. «سَمَّعَ الله به» أيْ: فَضَحَهُ يوم القيامة، ومعنىٰ: «مَنْ رِاءَىٰ» أيْ: مَنْ أظهرَ للناسِ العملَ الصالحَ ليَعْظُمَ عنْدَهُمِ «رَاءَىٰ الله بهِ» أيْ: أظهَرَ سَريرَتَهُ علىٰ رُؤوسِ الخَلائِقِ.
هداية الحديث:
1) من راءىٰ في العمل فإن الله يفضحهُ علىٰ رؤوس الخلائق يوم القيامة.
2) استحباب إخفاء العمل الصالح إلا إذا كان في إظهاره مصلحة.
5/1620 ــ وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تعلَّم علماً ممَّا يُبْتَغَىٰ به وجهُ الله _عز وجل_ ، لا يتعلمهُ إلَّا ليصيبَ بهِ عَرَضاً منَ الدُّنيا، لم يجدْ عَرْفَ الجنَّة يومَ القيامة» يعني: ريحها. رواهُ أبو داود بإسناد صحيح.
والأحاديثُ في الباب كثيرةٌ مشهورةٌ.
غريب الحديث:
عرضاً: متاع الدنيا.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ تعلم العلم الشرعي ابتغاء وجه الله وحده.
2) بيان أهمية إصلاح النيات؛ فإن مدار قبول الأعمال وردّها علىٰ ما في القلوب.
289 ــ باب مَا يُتوهم أنه رياء وليسَ هُوَ رياء
1/1621ــ عَن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيْتَ الرَّجُلَ يَعمل العَمَلَ مِنَ الخَيْرِ، ويحمَدُه النَّاسُ عليه؟ قَالَ: «تلكَ عَاجِلُ بُشْرىٰ المُؤمنِ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) إن حمدَ الناسِ للعبد علىٰ عمل الخير ــ دون أن يقصد الثناء ــ لا يُعدّ رياءً.
2) من ثمرات الإخلاص في العبادة قبولها عند الله _عز وجل_، وإلقاء القبول لصاحبها عند الناس. قال الله تعالىٰ: {وَتَرَكنَا عَلَيهِ فِي ٱلأٓخِرِينَ} وهو الثناء الحسن.
290 ــ باب تحريم النَّظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
قَالَ الله تَعَالىٰ: {قُل لِّلمُؤمِنِينَ يَغُضُّواْ مِن أَبصَٰرِهِم} [النور: 30] ، وَقَالَ تَعَالىٰ: {إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَسُٔولا} [الإسراء: 36]، وقَالَ تَعَالىٰ: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، وقَالَ تَعَالىٰ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 14].
هداية الآيات:
1) إن غضّ البصر عما حرّم الله _عز وجل_ من صفات المؤمنين المخلصين، والتساهل في إطلاقه إلىٰ المحرمات دليل علىٰ ضعف الإيمان ومرض القلب.
2) إن الشعور بمراقبة الله سبحانه للعبد يُوجب عليه أن يحفظ جوارحه عما لا يرضي الله تعالىٰ.
1/1622 ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُتِبَ عَلىٰ ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنا مُدْرِكٌ ذلكَ لا مَحَالَةَ: الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَىٰ وَيَتَمَنَّىٰ، وَيُصَدِّقُ ذلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ».
متفقٌ عليه. وهذا لَفْظُ مسلمٍ، وروايةُ الْبُخَاريِّ مُخْتَصَرَةٌ.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يحفظ جوارحه عما حرم الله _عز وجل_، ولا يستعملها إلا فيما يرضي ربه سبحانه وتعالىٰ.
2) علىٰ العبد أن يبتعد بنفسه عن مواطن الفتنة والفساد، لأن من حام حول الحمىٰ يوشك أن يرتع فيها.
2/1623ــ وَعَن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نتحَدَّثُ فيهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فَإذَا أَبَيْتُمْ إلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأذَىٰ، وَرَدُّ السَّلامِ، والأَمْرُ بِالمَعْروفِ والنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ». متفقٌ عليه.
3/1624ــ وعن أبي طلحةَ زيدِ بنِ سهلٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا قُعُوداً بالأَفْنيةِ نَتَحَدَّثُ فيها، فجاء رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقامَ عَلَيْنا، فقال: «مَا لَكُمْ ولمجالس الصُّعُدات؟ اجتنبُوا مجالسَ الصُّعُدات» فقُلْنَا: إنَّما قَعَدْنَا لغير مَا بأسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، ونَتَحَدَّثُ. قَالَ: «إمَّا لا فأدُّوا حقَّهَا: غضُّ البَصَر، وردُّ السَّلام، وحُسْنُ الكلام». رواه مسلم.
«الصُّعُدَاتُ» بضَمِّ الصَّادِ والعَيْن، أي: الطُّرُقَاتُ.
غريب الأحاديث:
الأفنية: جمع فناء ، وهو المكان الواسع أمام المنزل.
هداية الأحاديث:
1) نهي العبد عن قصد أماكن الفتن كالأسواق والطرقات، إلا لحاجة ومصلحة.
2) جواز الجلوس في الطرقات بشرط أداء الحقوق المذكورة في الأحاديث، ولكن من يقدر على أدائها؟!.
4/1625ــ وعن جرير رضي الله عنه قَالَ: سألتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن نظر الفجأة، فقال: «اصرفْ بَصَرَكَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الفجأة: من غير قصد.
هداية الحديث:
1) الحضّ علىٰ غض البصر، ووجوب صرف النظر عن المحرمات التي تعرض للعبد من غير قصد.
2) عناية الشريعة بحفظ صحة القلب، فَحرَّمت النظر للحرام صيانة ورعاية للإيمان.
5/1626ــ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ، وذلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «احْتَجِبَا مِنْهُ» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَليْسَ هُوَ أَعْمَىٰ لا يُبْصِرُنَا، وَلا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أفَعَمْيَاوَانِ أنْتُمَا؟ أَلسْتُمَا تُبصِرَانِهِ!؟». رواه أبو داود والترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنّ صَحيحٌ[11]. [11] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) الأمر بغضِّ البصر عام؛ في حقِّ الرِّجال، وفي حقِّ النِّساء إذا خُشيت المفسدة بنظرهنّ إلىٰ الرجال.
2) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حسن تعليمه للأمة، وتوجيه من أخطأ في المسألة.
تنبيـه:
هذا الحديث لا يستقيم الاحتجاج به علىٰ تحريم نظر المرأة إلىٰ الرجال مطلقاً، لأنه ضعيف الإسناد، ولأنه يخالف الأحاديث الصحيحة الكثيرة، التي يفهم من ظاهرها ومدلولها جواز نظر المرأة إلىٰ الرجل إذا كان عارضاً، ومن غير شهوة، مثل حديث نظر عائشة إلىٰ الحبشة، وخروج النساء إلىٰ المسجد في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأيضاً: فإنه لم يُؤمَر الرجال بالاحتجاب كما أُمرت النساء.
فالظاهر: أن المرأة يُرخَّص لها أن تنظر إلىٰ الرجل نظراً عادياً من غير قصد وشهوة، أما الرجل فيحرم عليه أن يتعمد النظر إلىٰ المرأة الأجنبية مطلقاً، للفرق بين النظرين.
6/1627ــ وعن أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا ينظُرُ الرَّجُلُ إلىٰ عَورةِ الرَّجُلِ، ولا المرأةُ إلىٰ عَورةِ المرأةِ، ولا يُفضي الرَّجُلُ إلىٰ الرَّجُلِ في ثوبٍ واحدٍ، ولا تُفضي المرأةُ إلىٰ المرأةِ في الثَّوبِ الواحدِ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
لا يفضي: من الإفضاء وهو الوصول، والمراد: لا يصل إليه في ثوب واحد، أي لا يناما متجرِّدين تحت ثوب واحد.
هداية الحديث:
1) تحريم نظر الرجل إلىٰ عورة الرجل، وكذلك تحريم نظر المرأة إلىٰ عورة المرأة.
2) حرص الإسلام علىٰ طهارة المجتمع وإغلاق كل سبل الشيطان التي تؤدي إلىٰ الفاحشة وإشاعتها، وهذا من محاسن هذا التشريع العظيم.
291 ــ باب تحريم الخلوة بالأجنبية
قال الله تَعَالىٰ: {وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَٰعا فَسَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَاب} [الأحزاب: 53].
1/1628ــ وَعَنْ عُقْبة بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَىٰ النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أَفرَأَيْتَ الحَمْوَ ؟ قالَ: «الْحَمْوُ المَوْتُ». متَّفقٌ عليه.
«الْحَمْوُ» قَرِيبُ الزَّوْجِ كَأخِيهِ، وابْنِ أَخِيهِ، وَابْنِ عَمِّهِ.
هداية الحديث:
1) الفتنة قد تأتي من قريب الزوج أكثر من غيره، وبذلك يتبين خطر تساهل بعض العائلات في اختلاط الزوجات مع أقارب أزواجهن، فإن هذا من تسويل الشيطان لنشر الفاحشة بين المسلمين.
2) سدُّ الشريعة أبوابَ الفساد في العائلات، والسعي لبقاء الطهر سائداً العلاقات، بين الأُسَر المسلمة.
2/1629ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يخلُوَنَّ أحَدُكُمْ بامرأةٍ إلا مَعَ ذي مَحْرَمٍ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، لأن ذلك من بواعث الفساد ووقوع الفتنة والفاحشة.
2) علىٰ العبد الابتعاد عن مواضع الفتنة، والوقوع في المعاصي، كالاختلاط المحرم وغيرها.
3/1630ــ وعن بريدةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حُرْمَةُ نساءِ المُجاهِدينَ عَلَىٰ القَاعدين كحُرمةِ أمَّهَاتِهِمْ، مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القاعِدينَ يخْلُفُ رجلاً من المجاهدين في أهلِهِ، فيَخُونُهُ فيهم إلَّا وقَفَ لَهُ يومَ القيَامةِ، فيأخُذُ من حسناتِهِ مَا شاء حَتَّىٰ يَرْضَىٰ» ثُمَّ التَفَتَ إلينا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَا ظَنَّكُمْ؟». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) بيان حرمة خيانة المجاهدين في نسائهم، لأن المجاهدين يقومون بنصرة الدين ويدافعون عن حرمات القاعدين.
2) علىٰ المسلم أن يحفظ أعراض إخوانه المسلمين كما يحفظ عرضه، فالمؤمن للمؤمن، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
292 ــ باب تحريم تشبُّه الرّجال بالنِّساء وتشبُّه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذلك
1/1631ــ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ»
وفي روايةٍ: «لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُتَشَبِّهِين مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ». رواه البُخاري.
2/1632ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ يَلْبِسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ، وَالمَرأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ». رواهُ أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
المخنثين: جمع مخنَّث، وهو من يتشبه بالنساء في حركاته ولباسه وكلامه.
المترجلات: جمع مُتَرَجِّلة، وهي المرأة المتشبهة بالرجال في حركاتها ولباسها وكلامها.
هداية الأحاديث:
1) تحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال، فهو من كبائر الذنوب لورود اللعن فيه.
2) الحديث الثاني مثال للتشبه في اللباس، وإلا فالتشبه المنهي عنه عام فيما يختص به كل جنس، كالحركات، واللباس، والكلام، والهيئات.
3/1633ــ وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ المَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا». رواه مسلم.
معنىٰ «كاسِيَات» أَيْ: مِنْ نِعْمَةِ الله. «عَارِيَاتٌ» مِنْ شُكْرِها. وَقِيلَ: مَعناهُ: تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا، وتكْشِفُ بَعْضَهُ إظْهَاراً لِجَمَالِهَا وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: تَلْبَسُ ثَوْباً رَقِيقاً يَصِفُ لَوْنَ بَدَنِهَا. وَمَعْنَىٰ «مَائِلاتٌ» قِيلَ:عَنْ طَاعَةِ الله تعالىٰ ومَا يَلْزَمُهُنَّ حِفْظُهُ. «مُمِيلاَتٌ»: أَيْ: يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ فِعْلَهُنَّ المَذْمُومَ، وقِيلَ: مَائِلاتٌ يَمْشِينَ مُتبَخْتِرَاتٍ، مُمِيلاَتٍ لأكْتَافِهِنَّ، وَقِيلَ: مَائِلاَتٌ يَمْتَشِطْنَ المِشْطَةَ المَيْلاَءَ: وَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا. و«مُمِيلاَتٌ»: يُمَشّطْنَ غَيْرَهُنَّ تِلْكَ المِشْطَةَ. «رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ» أَيْ: يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَةٍ أَوْ عِصَابَةِ أَوْ نَحْوِه.
هداية الحديث:
1) تحذير المسلمات ألَّا يَكُنَّ أداةً للفتنة والسقوط، بل الواجب عليهنَّ التمسك بالحجاب الشرعي، فهو من أسباب حفظهن من شياطين الإنس والجن.
2) دعوة الشريعة إلىٰ حفظ أعراض المسلمين من الفتن.
3) إظهار دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينطق عن الهوىٰ؛ فقد تحقق ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن في زمانه.
293 ــ باب النهي عَن التشبُّه بالشّيطان والكفّار
1/1634 ــ عَن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاتَأْكُلُوا بالشِّمالِ، فإنَّ الشيطانَ يأكُلُ ويَشْرَبُ بِشِمالِهِ». رواه مسلم.
2/1635 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يأكُلَنَّ أحدُكُم بِشمالِهِ، ولا يشرَبَنَّ بهَا، فإنَّ الشَّيطان يأكُلُ بِشمالِهِ ويشربُ بها». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) تحريم الأكل والشرب بالشمال من غير ضرورة، فمن أكل أو شرب بشماله فهو مشابه للشيطان.
2) استحباب التيامن مخالفةً للشيطان، واتباعاً لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الهدي.
فائدة:
يشمل النهي عن التشبه بالشيطان حالة العطاء والأخذ أيضاً، فلا يأخذ المسلم إلا بيمينه ولا يعطي إلا بيمينه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليأكل أحدكم بيمينه ، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعُط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله» رواه ابن ماجه.
3/1636 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اليهودَ والنَّصارَىٰ لا يصبغُون، فَخَالفُوهُم». متفقٌ عليه.
المراد: خضاب شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة ، وأما السواد: فمنهي عنه كما سنذكره في الباب بعده، إن شاء الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) وجوب مخالفة أهل الكتاب في عاداتهم، وأقوالهم، وأفعالهم، المختصة بهم. لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن تشبّه بقوم فهو منهم»، رواه أحمد وأبو داود.
2) استحباب خضاب الشعر الأبيض وصبغه بغير السواد.
294 ــ باب نَهي الرّجل والمرأة عَن خضاب شعرهما بسَواد
1/1637 ــ عَن جابر رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ بأبي قُحافةَ والدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما يومَ فتحِ مكَّةَ، ورأسُهُ ولحيَتُهُ كالثُّغَامة بَيَاضاً، فقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «غيِّرُوا هذا، واجْتَنبُوا السَّوادَ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
الثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر، يُشبَّه به الشيب لبياضه.
هداية الحديث:
1) استحباب خضاب شعر كبير السن، اتباعاً للسنة النبوية، ومخالفةً للمشركين.
2) تحريم الخضاب باللون الأسود، ومن الحكمة في ذلك: أن الخضاب بالسواد فيه إظهار لخلاف واقع الأمر وحقيقته.
فائدة:
روىٰ الإمام أحمد في (مسنده: 3/160) عن محمد بن سيرين قال: سُئل أنس ابن مالك عن خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يكن شَابَ إلا يسيراً، ولكنَّ أبا بكرٍ وعُمرَ بعدَهُ خَضَبَا بالحنَّاءِ والكتمِ، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يحمله، حتىٰ وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لو أقررت الشيخ ــ يعني : أبا قحافة ــ لأتيناه مكرمةً لأبي بكر»؛ فأسلم ولحيته ورأسه كالثّغامة بياضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيِّروهما، وجَنِّبُوه السَّوادَ».
295 ــ بابُ النهي عَن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة حلقه كله للرجل دون المرأة
1/1638ــ عَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ القَزَعِ. متفق عليه.
2/1639 ــ وعنه قَالَ: رأىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صبيّاً قد حُلقَ بعضُ شعر رأسه وتُركَ بعْضُهُ، فَنهَاهُمْ عَن ذلكَ، وقال: «احْلقُوهُ كُلَّهُ، أو اترُكُوهُ كلَّهُ».
رواه أبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ عَلىٰ شَرْطِ البُخَارِي وَمسلمٍ.
غريب الحديث:
القزع: حلق بعض الرأس وترك الباقي.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن حلق قسم من الرأس وترك الآخر، ومن الحكمة في ذلك أن فيه تشويهاً ومُثلةً للرأس، وظلماً وخروجاً عن العدل.
2) إنَّ الشرع ما نهىٰ عن شيء إلا وأرشد إلىٰ ما هو أنفع للعبد وأفضل؛ فنهىٰ عن القزع، وأرشد إلىٰ حلق الشعر كله أو تركه كله.
فائدة نفيسة:
قال الحافظ ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في كتاب (تحفة المودود في أحكام المولود):
«والقزع: أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه، قال شيخنا: وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل؛ فإنه أمر به حتىٰ في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق رأسه ويترك بعضه، لأنه ظلم للرأس حيث تُرك بعضه كاسياً وبعضه عارياً، ونظير هذا أنه صلى الله عليه وسلم «نهىٰ عن الجلوس بين الشمس والظل»، فإنه ظلم لبعض بدنه، ونظيره: «نهىٰ أن يمشي الرجل في نعل واحدة، بل إمّا أن ينعلهما أو يحفيهما».
والقزع أربعة أنواع:
أحدها: أن يحلق من رأسه مواضع من هاهنا وهاهنا، مأخوذ من تقزّع السحاب وهو تقطّعه.
الثاني: أن يُحلَق وسطه ويُترَك جوانبه، كما يفعله شمامسة النصارىٰ.
الثالث: أن يُحلَق جوانبه ويُترَك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش السَّفِلَة.
الرابع: أن يُحلَق مقدَّمَهُ ويُترَك مُؤخَّرَهُ.
وهذا كله من القزع، والله أعلم». انتهىٰ كلامه.
3/1640 ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ رضي الله عنه ثَلاَثاً، ثُمَّ أَتاهُمْ، فَقَالَ: «لا تَبْكُوا عَلَىٰ أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي» فَجِيءَ بِنَا كَأنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِيَ الحَلاَّقَ» فَأَمَرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ عَلَىٰ شَرْطِ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ.
غريب الحديث:
أفرخ: جمع فرخ، وهو ولد الطائر.
هداية الحديث:
1) حلق الرأس يُعبَّر به عن إزالة الحزن العارض، والتفاؤل بالسرور.
2) لا يجوز الزيادة في البكاء علىٰ الميت فوق الثلاث ليالٍ.
فائدة:
حلق النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رؤوسهم، لأن أمهم شغُلت بالمصيبة عن ترجيل شعورهم وغسل رؤوسهم، فأصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم حالهم، وهذا من رحمته بآله وأهله صلوات الله وسلامه عليه.
4/1641 ــ وعن عليٍّ رضي الله عنه قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ تَحلقَ المرأةُ رأسَهَا[12]. [12] الحديث رواه الترمذي والنسائي وإسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) النهي عن حلق شعر المرأة، صغيرةً كانت أم كبيرةً إلا لحاجة.
2) إن قصّ المرأة شعرها بما يشبه شعر الرجال يُعتبر من التشبه المنهي عنه.
296 ــ باب تحريم وصل الشَّعْر والوشم والوَشر وهو تحديد الأسنان
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا * لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا * وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ} الآية [النساء: 117 ــ 119].
هداية الآيات:
1) إن تغيير خلق الله _عز وجل_ من مُضِلاّت الشيطان للإنسان .
2) الشيء المحرم في تغيير خلق الله ما كان في غير المأذون به شرعاً، مما هو طاعة للشيطان، أمّا المأذون فيه، كنتف الإبط، وقص الشعر، والشارب ،ونحوه فإنه مشروع.
1/1642 ــ وَعَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ ابْنَتِي أَصابَتْهَا الْحَصْبَةُ، فَتَمَرقَ شَعْرُهَا، وَإنِّي زَوَّجْتُهَا، أَفَأَصِلُ فِيهِ ؟ فَقَالَ:
«لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالمَوصُولَةَ».
متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: «الْوَاصِلَةَ، وَالمُسْتَوْصِلَةَ».
قَوْلُها: «فَتَمَرَّقَ» هو بالرَّاءِ، ومَعناه: انْتَثَرَ وَسقَطَ.
وَالْوَاصِلَةُ: الَّتي تَصِلُ شَعْرَهَا، أو شَعْرَ غيرها بشَعْرٍ آخَرَ.
«وَالمَوْصُولَةُ»: الَّتي يُوصَلُ شَعْرُهَا.
«وَالمُسْتَوْصِلَةُ»: الَّتي تَسْأَلُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ لَها.
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها نَحْوُهُ، متفقٌ عليهِ.
2/1643ــ وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنّهُ سَمعَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه عَامَ حَجَّ عَلَىٰ المِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ في يَدِ حَرسِيٍّ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟! سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَىٰ عَنْ مِثْلِ هذِهِ، وَيَقُولُ: «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخذَ هذه نِسَاؤهُمْ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
قُصّة: خصلة من الشعر.
حرسي: غلام الأمير كالشرطي.
هداية الأحاديث:
1) تحريم وصل الشعر، ومن ذلك ما يسمىٰ (الباروكة)، فهذا الفعل من الكبائر، لورود اللعن عليه، فأين الرجال من نسائهم وهنَّ يرتكبن كبائر الذنوب؟!
2) إن وصل الشعر من أعمال اليهود المغضوب عليهم، فالحذرَ الحذرَ من سلوك طريقهم، والتشبه بأفعالهم، «فمن تشبه بقوم فهو منهم».
3/1644 ــ وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوشِمَةَ». متفقٌ عليهِ.
4/1645 ــ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله» فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ في ذلِكَ، فَقَالَ: وَمَالي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في كِتَابِ الله؟! قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7]. متَّفق عليه.
«المُتَفَلِّجَةُ»: هي الَّتي تَبْرُدُ مِنْ أَسْنَانِهَا لِيَتبَاعَدَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ قَلِيلاً، وَتُحَسِّنُهَا، وَهُوَ الْوَشْر، وَالنَامِصَةُ: هِيَ الَّتي تَأْخُذُ مِنْ شَعَرِ حَاجِبِ غَيْرِهَا، وَتُرقِّقُهُ لِيَصِيرَ حَسَناً، وَالمُتَنَمِّصَةُ: الَّتي تَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا ذلِكَ.
هداية الأحاديث:
1) تحريم الوصل والوشم والنمص والتفليج، وبيان أن الفاعل والمفعول به كلاهما ملعون.
2) الإعلام بأن حجية السنة ثابتة بالكتاب، ولذلك استدل ابن مسعود رضي الله عنه علىٰ حجيتها بقوله تعالىٰ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾.
297 ــ باب النهي عَن نتف الشيْب من اللحية والرأس وغيرهما وعن نتف الأمرد شعر لحيته عند أول طلوعه
1/1646 ــ عَن عمرو بن شعيب، عَن أبيه، عَن جده رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاتَنْتفُوا الشَّيبَ، فإنَّه نورُ المُسلمِ يومَ القيامةِ». حديث حسن رواه أبو داود والترمذي والنسائي، قال الترمذي: هو حديث حسن.
هداية الحديث:
1) النهي عن نتف الشيب من اللحية والرأس وغيرهما، لأن الشيب يشهد للعبد يوم القيامة.
2) الشيب نور للمؤمن في الآخرة، ووقار وهيبة في الدنيا.
2/1647 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «من عملَ عملاً ليسَ عليه أمرُنا فهُوَ ردٌّ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) المحدَثات في الدين كلها من البدع، وهي كل عمل علىٰ خلاف سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سنة خلفائه المهديين الراشدين.
2) من دلائل فقه العبد الحرصُ علىٰ تتبع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتمسك بسُنَّتِه، وعدم مخالفة أمره، لأن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
تنبيـه:
قد نَهْىٰ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمتَه عن نتف الشيب من اللحية والرأس وغيرهما، ويدخل في ذلك النهي: تحريم نتف اللحية عند أول ظهورها ولو لم تكتمل، فكيف بمَن أكرمه الله تعالىٰ وجمّله وأكمل رجولته بلحية كاملةً، فيعمد إلىٰ حلقها؟! أليس هذا العمل يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»؟! فما أحسن صنيع المصنف النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ حيث أورد حديث عائشة رضي الله عنها تحت ترجمة الباب؛ لينبّه علىٰ أن نتف الشيب واللحية أو حلقها خلاف هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
298 ــ باب كراهة الاستنجاء باليمين ومسّ الفرج باليمين من غير عذر
1/1648 ــ عَن أبي قتادةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا بالَ أحدُكُمْ فلا يأخُذنَّ ذَكَرَهُ بِيمينه، ولا يَسْتَنْجِ بِيمينِهِ، ولا يَتَنَفَّسْ في الإناءِ». متفقٌ عليه.
وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة.
هداية الحديث:
1) النهي عن إزالة النجس باليمين، وعن مس الفرج باليمين أثناء التبوّل، وعن التنفس في الإناء أثناء الشرب.
2) بيان عظمة هذا الشرع في آدابه وإرشاداته؛ حين حث علىٰ كل ما يحفظ صحة العبد في بدنه وقلبه، ونهىٰ عن كل ما يضره في ذلك.
فالدِّينُ جاء لسعادةِ البَشَــرْ ولانتفاءِ الشَّرِّ عنهم والضَّرَرْ
فكــلُّ أمــرٍ نافعٍ قد شَــرَعَهْ وكـلُّ ما يَضُــرُّنا قــد مَـنَـعَـــهُ
299 ــ باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خُفّ واحد لغير عذر ، وكراهة لبس النعل والخف قائماً لغير عذر
1/1649 ــ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَمْشِ أحدُكُم في نعلٍ واحدةٍ، لِيَنعلْهُما جميعاً، أو لِيَخلعْهُما جميعاً».
وفي رواية: «أو ليُحْفِهما جميعاً». متفقٌ عليه.
2/1650 ــ وعنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذَا انقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أحَدِكُمْ، فلا يمشِ في الأخرىٰ حَتَّىٰ يصلحَهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لينعلْهما: ليلبسهما.
الشِّسْع: أحد سيور النعل يُدخل بين الإصبعين.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن المشي وإحدىٰ الرجلين في نعل والأخرىٰ حافية، لأن ذلك من الظلم بين الجوارح، والواجب العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، ولئلا يُعاب فاعل ذلك.
2) الاحتفاء ــ وهو المشي حافياً ــ أحياناً، دون قصد الشهرة، من هدي السنة، لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهىٰ عن كثرة الترفُّه، وكان يأمر بالاحتفاء أحياناً.
3/1651ــ وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نهىٰ أنْ يَنْتعلَ الرَّجُلُ قائماً.
رواهُ أبو داود بإسنادٍ حسن.
هداية الحديث:
1) كراهية الانتعال قائماً خشية الأذية بالوقوع.
2) اهتمام الإسلام بالآداب العامة، ليبدو المسلم علىٰ أحسن حال وأجمل صورة.
تنبيـه:
النهي الوارد خاص بالنعال التي تحتاج إلىٰ معالجة لإدخالها في الرِّجْل، خشية السقوط أثناء لبسها، وأما النعل التي لا تحتاج إلىٰ معالجة، ولا يخشىٰ معها الأذية، فإنه لابأس أن يلبسها وهو قائم، فلا تدخل في النهي.
300 ــ باب النهي عَن ترك النّار في البيت عند النوم ونحوه، سواء كانت في سراج أو غيره
1/1652ــ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ تَتْرُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ». متفقٌ عليه.
2/1653ــ وَعَنْ أبي مُوسَىٰ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالمَدِينَةِ عَلىٰ أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَأْنِهِمْ قَالَ: «إنَّ هذه النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
3/1654ــ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «غَطُّوا الإنَاءَ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَحِلُّ سِقَاءً، وَلاَ يَفْتَحُ بَاباً، وَلاَ يَكْشِفُ إنَاءً، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلىٰ إنَائِهِ عُوداً، وَيَذْكُرَ اسْمَ الله فَلْيَفْعَلْ، فَإنَّ الفُوَيْسِقَةَ تَضْرِمُ عَلىٰ أَهْلِ البَيْتِ بَيْتَهُمْ». رواهُ مسلم.
«الفُوَيْسِقَةُ»: الفَأَرَةُ، وَ«تَضْرِمُ»: تُحْرِقُ.
غريب الحديث:
أوكئوا: اربطوا. السقاء: ظرف من الجلد يوضع فيه الماء.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن ترك مواقد النار في البيوت عند النوم خشية الاحتراق.
2) استحباب تغطية أوعية الطعام وسد خزانات المياه، صوناً لها من نزول البلاء أو الآفات كالحشرات والأوساخ والأوبئة.
3) استحباب إغلاق الأبواب عند النوم.
4) إن ملازمة الأذكار الشرعية من أسباب حفظ العبد، وحمايته من مكائد الشياطين.
فائـدة:
لا بأس ببقاء المصابيح الكهربائية ــ ذات الأنوار الخافتة، والتي تبقىٰ في الليل ــ مُضاءة، لأن علة النهي وهي الإحراق غير موجودة فيها، والله أعلم.
301 ــ باب النهي عَن التكلف وهو فعلُ وقول مَا لا مصلحة فيه بمشقة
قَالَ الله تعالىٰ: ﴿قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86].
1/1655 ــ وعن عُمرَ رضي الله عنه قَالَ: نُهينا عَنِ التَّكلُّفِ. رواهُ البخاري.
هداية الحديث:
1) النهي عن كثرة السؤال فيما لا نفع فيه، وعن تكلّف المرء ما لا يعنيه، سواءٌ كان ذلك في الأمور الدينية أم الدنيوية.
2) علىٰ العبد ألا يشغل نفسه بقول أو عمل لا فائدة فيه، فذلك من التكلُّف المذموم.
2/1656ــ وعن مسروق قَالَ: دخلنا عَلَىٰ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: يا أيُّها النَّاسُ من علمَ شيئاً فَلْيقلْ به، ومن لم يعلم فَلْيقلْ: اللهُ أعلمُ، فإنَّ من العلم أن تقول لما لا تعلمُ: اللهُ أعلمُ. قَالَ الله تعالىٰ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ﴾. رواهُ البخاري.
هداية الحديث:
1) الإعلام بالنهي البالغ عن التكلف في المسائل، والقول فيها بغير علم.
2) إن شطر العلم قول من لا يعلم: «الله أعلم».
فائدة:
قال العلَّامة ابن سعدي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
«في توقّف العبد عما لا يعلم فوائد كثيرة، منها:
ــ أن هذا هو الواجب عليه.
ــ وأنه إذا توقّف وقال: الله أعلم، فما أسرع ما يأتيه علم ذلك.
ــ وأنه إذا توقّف فيما لا يعرف كان دليلاً علىٰ ثقته وأمانته وإتقانه فيما يجزم به من المسائل، والله أعلم». (الفتاوىٰ السعدية).
302 ــ باب تحريم النياحة عَلَى الميّت ولطم الخد وشقِّ الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
1/1657 ــ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ».
وَفي روايةٍ: «مَا نِيحَ عَلَيْهِ». متفقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
النياحة: البكاء علىٰ الميت مع ارتفاع الصوت، وذكر أوصاف الميت علىٰ سبيل الافتخار.
هداية الحديث:
1) تحريم النياحة علىٰ الميت لأنها تنافي الصبر.
2) النياحة فيها نوع اعتراض علىٰ قدر الله _عز وجل_، والواجب التسليم لأقدار الله المؤلمة.
تنبيـه:
يُنزل هذا الحديث علىٰ من كان النوح طريقته، أو من أوصىٰ أهله بذلك، أو من أهمل نهي أهله عن النياحة، فواجب علىٰ العبد أن يوصي أهله بالتزام هدي السنة عند وفاته، ويرشدهم إلىٰ مجانبة ما نهت عنه الشريعة في أحكام الموت؛ لأنه بذلك يكون قد أبرأ ذمته، وبلّغ أهله، ونجا من الوعيد، والله أعلم.
2/1658 ــ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَىٰ الجَاهِلِيَّةِ». متفقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) تحريم دعوىٰ الجاهلية في النياحة والندب ونحوهما، لأنها ليست من سيما المسلمين.
2) بيان فضل الصبر والاحتساب عند المصائب، وإظهار الرضا بقضاء الله وقدره.
3/1659ــ وَعَنْ أبي بُرْدَةَ قال: وَجِعَ أَبُو مُوسَىٰ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ في حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَقْبَلَتْ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئ مِنْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، والشَّاقَّةِ، متَّفقٌ عليه.
«الصَّالِقَةُ»: الَّتي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنِّيَاحَةِ والنَّدْبِ. «والحَالِقَةُ»: التي تَحْلِقُ رَأسَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ. «والشَّاقَّةُ»: الَّتي تَشُقُّ ثَوْبَهَا.
غريب الحديث:
حِجر: حضن.
الرنّة: صوتٌ من البكاء فيه ترجيع وتحزين.
هداية الحديث:
1) إنَّ النياحة، وحلق شعر الرأس، وشق الجيوب عند نزول المصائب؛ من المنكر الذي يجب إنكاره، لبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فاعله.
2) علىٰ العبد الاقتداء بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفعل الصحابة رضي الله عنهم.
4/1660ــ وَعَنِ المُغِيرةَ بْنِ شُعْبةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم النياحة علىٰ الميت، لأن ذلك سبب للعذاب يوم القيامة.
2) إنَّ الميت يعذَّب في قبره ويوم القيامة بما نيح عليه إذا كان سبباً في النياحة.
5/1661 ــ وَعَنْ أُمِّ عَطِيّةَ نُسَيْبةَ ــ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا ــ رضي الله عنها قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ البَيْعَةِ أنْ لاَ نَنُوحَ. متَّفقٌ عليْه.
هداية الحديث:
1) النياحة من أخلاق الجاهلية التي ينبغي علىٰ المسلم أن يخلعها عندما يدخل حمىٰ الشريعة وهديها.
2) بيان صفة مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم النِّساءَ، فقد اشترط عليهن ترك عادات الجاهلية.
6/1662ــ وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: أُغْمِيَ عَلَىٰ عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ رضي الله عنه، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاجَبَلاهُ، وَاكَذَا، وَاكَذَا؛ تُعَدِّدُ عَلَيْهِ. فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئاً إلَّا قِيلَ لِي: أَنْتَ كَذلِكَ؟ رَوَاهُ البُخَارِيّ.
هداية الحديث:
1) تحريم الندب علىٰ الميت، لأنه يؤذي الميت.
2) تحريم ادعاء صفات ليست في المرء، سواءٌ من قِبَل نفسه أو من قِبَل غيره.
7/1663ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اشْتكَىٰ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه شَكْوَىٰ، فَأتَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهم، فَلَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَجَدَهُ في غَشْيةِ فَقَالَ: «أَقضَىٰ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ الله؛ فَبَكَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَما رَأَىٰ الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بكَوْا، قَالَ: «أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا ــ وَأَشَارَ إلَىٰ لِسَانِه ــ أَوْ يَرْحَمُ». متَّفقٌ علَيه.
غريب الحديث:
غشية: حال إغماء وغشيان.
أقضىٰ؟: أي أمات؟
هداية الحديث:
1) جواز الحزن علىٰ الميت، والبكاء دون نياحة، فهذا من رحمة العباد بعضهم ببعض.
2) التسخط باللسان والنياحة من أسباب العذاب يوم القيامة.
8/1664ــ وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
سربال: قميص.
قطران: سائل أسود منتن يساعد علىٰ إشعال النار.
درع: ما يلبس علىٰ الصدر.
جرب: داء يصيب الجلد ويترك فيه ندب.
9/1665ــ وَعَنْ أَسِيْدِ بْنِ أَبِي أَسِيْدٍ التَّابِعِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ المُبَايِعَاتِ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لاَ نَعْصِيَهُ فِيهِ: أَنْ لاَ نَخْمِشَ وَجْهاً، وَلاَ نَدْعُوَ وَيْلاً، وَلاَ نَشُقَّ جَيْباً، وَأَنْ لاَ نَنْثُرَ شَعْراً.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بإسْنَادٍ حَسَنٍ.
غريب الحديث:
نخمش: نجرح.
جيباً: ما يكون علىٰ الصدر ليستره.
ننثر شعراً: ننفش ونمزق الشعر.
هداية الحديث:
1) تحريم الخمش، والندب، ونثر الشعر، عند المصائب، لأنها من أعمال الجاهلية التي حرمتها الشريعة.
2) صفة البيعة الواقعة زمن النبوة: بايع أهل الإيمان علىٰ ترك المحرمات مطلقاً، وعلىٰ فعل الطاعات ما أمكنهم إلىٰ ذلك سبيلاً.
10/1666 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ، فَيَقُولُ: واجَبَلاهُ، وَاسَيِّدَاهُ، أوَ نَحْوَ ذلِكَ، إلا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزانِهِ: أهكَذَا كُنْتَ؟!». رَواهُ التّرْمِذِي وقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ.
«اللَّهزُ»: الدَّفْعُ بِجُمْعِ الْيَدِ في الصدْرِ.
هداية الحديث:
1) تحريم الندب علىٰ الميت ووصفه بما ليس فيه.
2) زجر الملائكة للميت إذا لم يكن أوصىٰ حال حياته عدمَ النياحة عليه.
11/1667ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ في النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلىٰ المَيِّتِ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) النهي عن النياحة علىٰ الميت، لأنها من أعمال الكفر وأخلاق الجاهلية.
2) لا يلزم من كون العمل من شعب الكفر أن يكون فاعله كافراً.
فائدة:
الخلاصة من الأحاديث:
إن البكاء الذي يأتي بمجرد الطبيعة لابأس به، وأما النوح، والندب، ولطم الخد، وشق الثوب، ونتف الشعر أو حلقه أو نفشه؛ فكل هذا حرام منهيٌّ عنه، وهو مما تبرأ منه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، والميت يعذَّب بهذا النوح إذا لم ينهَ عنه في حياته، ويوصي أهله بتركه والتحذير منه.
303 ــ باب النهي عَن إتيان الكهّان والمنجّمين والعُرَّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
1/1668ــ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أناسٌ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيءٍ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَاناً بِشَيءٍ، فَيَكُونُ حَقّاً؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا في أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مائَةَ كَذْبَةٍ». مُتفقٌ عليْهِ.
وفي رِوايَةٍ للبُخَارِيِّ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَّنها سَمِعَتْ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ المَلاَئِكَةَ تَنْزِلُ في العَنَانِ ــ وهو السَّحَابُ ــ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ، فَيَسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْعَ، فَيَسْمَعُهُ، فَيُوحِيهِ إلىٰ الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ».
قَوْلُهُ: «فَيَقُرّها» هو بفتحِ الياءِ، وضم القاف والراءِ: أي: يُلْقِيهَا. «وَالْعَنَانُ» بفتح العين.
هداية الحديث:
1) تحريم إتيان الكهان، وأن «من أتىٰ كاهناً أو عرّافاً، فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل علىٰ محمد صلى الله عليه وسلم » كما جاء في الحديث الصحيح.
2) إن الكهان لو صدقوا بكلمة فإنهم يكذبون معها مائة كذبة، فهم كذَّابون بخبر الصادق المصدوق، فَلِمَ يُقبِلُ عليهم كثير من الخلق؟!.
2/1669 ــ وعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أبي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَتَىٰ عَرَّافاً فَسَألَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صلاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْماً». رَواهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) النهي الشديد، والوعيد الأكيد، عن إتيان الكُهّان والعرّافين، فتصديقهم حرام يوجب عدم قبول الصلاة من العبد عقوبة علىٰ إتيانهم.
2) تحريم إتيان العرافين مطلقاً، سواءٌ صدَّقَهم الشخص أو لم يصدِّقْهم، إلا أن يأتيهم ليفضحهم.
3/1670ــ وعَنْ قَبِيْصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الْعِيَافَةُ، وَالطِّيَرَةُ، وَالطَّرْقُ، مِنَ الجِبْتِ». رَوَاهُ أبو دَاودَ بإسنادٍ حَسَن[1]، وقالَ: الطَّرْقُ، هُوَ الزَّجْرُ، أَيْ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وهُوَ أنْ يَتَيَمَنَ أوْ يَتَشَاءم بِطَيَرَانِهِ، فَإنْ طَارَ إلىٰ جِهَةِ الْيَمِينِ، تَيَمَّنَ، وَإنْ طَارَ إلىٰ جهةِ الْيَسَارِ تَشَاءمَ، قَالَ أبو داود: و«الْعِيَافَةُ»: الخَطُّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ في «الصِّحَاح»: الجِبْتُ: كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلىٰ الصَّنَمِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ وَنَحْوَ ذلكَ. [1] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) نهىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور، لئلا يتعلق العبد بأحد سوىٰ الله _عز وجل_.
2) تحريم هذه الأمور؛ لأنها من أبواب الشرك بالله _عز وجل_، ومنافية لأصول التوحيد.
تنبيـه:
حين نهىٰ الشرع عن الأمور المذكورة، أرشد المسلم إلىٰ الهدي المشروع فيما يشكل عليه من الأمور، ومن ذلك صلاة الاستخارة، وهي صلاة ركعتين من غير الفريضة، ثم التوجُّه إلىٰ الله تعالىٰ بالدعاء المأثور: «اللهم إني أستخيركَ بعلمكَ...» إلىٰ آخره.
وأرشده إلىٰ الاستشارة، بأن يستشير أهل الخير والخبرة، وما ندم من استخار الله تعالىٰ، وشاور أهل الرشد والعقل، وتثبت في الأمر.
4/1671ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتبَسَ عِلْماً مِنَ النُّجُومِ اقْتبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زادَ مَا زَادَ». رَوَاهُ أبو دَاود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
اقتبس: استفاد وأخذ.
هداية الحديث:
1) تحريم السحر لأنه من الموبقات المهلكات، ويُوقع في الشرك بالله تعالىٰ.
2) النهي عن التنجيم علىٰ اختلاف أشكاله، والنهي عن تصديق المنجمين لأنهم سحرة مشركون.
فائدة:
التنجيم يختلف عن علم الفَلَك، الذي هو من العلوم النافعة، فبه يُعرف سير الكواكب، وما يترتب عليه من اختلاف الليل والنهار، ومولد الهلال، وكسوف الشمس والقمر، وغير ذلك من الأطوار التي تتعلق بها أحكام شرعية، ومصالح للناس مرعية، في أمور معاشهم.
أما التنجيم الذي هو ادعاء الغيب، وأثر النجوم علىٰ الأرض، وتعاون بين شياطين الإنس والجن، فهو المنهي عنه في الأحاديث.
5/1672ــ وَعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الحَكَمِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالىٰ بِالإسْلامِ، وَإنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟ قَالَ: «فَلاَ تَأْتِهِمْ» قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قالَ: «ذلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدُّهُمْ» قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ؟ قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) تحريم إتيان الكهان وسؤالهم عن أمور غيبية لا يعلمها إلا الله _عز وجل_.
2) إن الطيرة لا تمنع المسلم من أداء العمل المُقدم عليه، فإذا عزم المسلم علىٰ أمر ــ بعد استخارة واستشارة ــ فَلْيتوكلْ علىٰ الله، ولَيأخذْ بأسباب نجاحه.
6/1673ــ وعَنْ أَبي مَسْعُودٍ البَدْرِيَّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عَنْ ثَمنِ الْكَلْب، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
مهر البغي: ما تُعطىٰ الزانية علىٰ الزنىٰ.
حلوان الكاهن: ما يُعطاه الكاهن علىٰ كهانته.
هداية الحديث:
1) تحريم إعطاء الكاهن الأجر علىٰ كهانته، لأن ما كان حراماً فالتعويض عليه حرام.
2) كل مُفسدٍ في جماعة المسلمين ــ كالكهان المشعوذين ــ فالواجب إهانتهم وعدم إكرامهم.
فائدة:
من تاب عن هذه الأعمال فإن المال المكتسب ينظر فيه، إن عُلِم أصحابه فيرد عليهم خلاصاً من أكل أموال الناس بالباطل.
وإن جُهلوا فيتصدق بالمال تخلصاً منه، أو ينفق في مصارف مهينة كالمرافق العامة الممتهنة، أو كإطعامه الدواب مثلاً، كما ورد ذلك في سنن أبي داود، عن مُحيصة عن أبيه: أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في إجارة الحجام فنهاه عنها فلم يزل يسأله ويستأذنه، حتىٰ قال: «اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك». والناضح من الدواب هي التي يُنضح عليها؛ أي يستنبط عليها ويخرج الماء من البئر بواسطتها. وفي رواية للحديث عند أحمد في (المسند): «أنه زجره عن كسبه، فقال: ألا أطعمه أيتاماً لي؟ قال: لا، قال: أفلا نصدَّق به؟ قال: لا، فرخص له أن يعلفه ناضحه».
304 ــ باب النهي عَن التطيّر
فيه الأحاديث السابقة في الباب قبله.
فائدة:
التطيّر: التشاؤم بمرئيٍ أو مسموعٍ أو زمانٍ أو مكانٍ، وإنما سُمِّي تطيّراً، لأن العرب في الجاهلية كانوا يعتمدون علىٰ الطيور في فعلهم أو تركهم، فغلب الاسم علىٰ كل تشاؤم.
1/1674ــ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا عَدْوَىٰ، وَلا طِيَرَةَ، ويُعجبني الفألُ» قالوا: وما الفَأْلُ ؟ قَالَ: «كلمةٌ طيبةٌ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) نفت الشريعة مفهوم العدوىٰ في الجاهلية، وهي أن المرض يُعدي بأصله وطبعه، وأما انتقال المرض من المريض إلىٰ السليم، بقدر الله _عز وجل_ ومشيئته، فهذه عدوىٰ صحيحة.
2) النهي عن التطير والتشاؤم، لأنه يورث العبد الكسل والحزن والهم.
2/1675 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوىٰ، ولا طيرةَ، وإن كان الشُّؤْمُ في شيءٍ ففي الدَّارِ والمرأةِ والفرسِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الشؤم: الشّرّ.
هداية الحديث:
1) النهي عن التطير والتشاؤم؛ لأنه ينافي التوكل علىٰ الله، وحسن الظن بقدر الله تعالىٰ.
2) التشاؤم لا يأتي بخير، ولو كان فيه خيرٌ لكان أولىٰ الأشياء بالتشاؤم عندئذٍ: البيت والمرأة والمركوب، لرواية موضحة للمعنى: (لاشؤمَ، وقد يكون اليُمنُ في ثلاثة؛ في المرأة، والفرس، والدار) رواه ابن ماجه.
3/1676 ــ وعن بريدةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان لا يتَطَيَّرُ. رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
هداية الحديث:
1) وجوب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في كراهية التطير والتشاؤم.
2) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه تمام الراحة، والصحة النفسية، والجسدية للعبد، مع سلامة القلب وسعادة الروح {ٱستَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم}.
4/1677ــ وعن عروةَ بن عامرٍ رضي الله عنه قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرةُ عند رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «أحسنُهَا الفألُ، ولا تردُّ مسلماً ، فإذا رأىٰ أحدُكُم مَا يكرهُ فَلْيقلْ: اللّهم لا يأتي بالحسناتِ إلا أنتَ، ولا يدفعُ السيِّئاتِ إلَّا أنتَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بكَ». حديثٌ صحيحٌ. رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ[2].
هداية الحديث:
[2] الحديث إسناده ضعيف.
1) التفاؤل من أخلاق المسلم التي يجب التحلي بها، لأنها تدفعه للعمل بجد وهمة.
2) علىٰ العبد الاستعانة بالله _عز وجل_ في جلب المنافع، ودفع المضار، وعدم اللجوء إلىٰ المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالىٰ. ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾.
305 ــ باب تحريم تصوير الحيوان في بسَاط أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدَّة أو دينار أو وسادة وغير ذلك، وتحريم اتخاذ الصورة في حائط وسترٍ وعمامة وثوب ونحوها، والأمر بإتلاف الصور
1/1678 ــ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقتُمْ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم التصوير اليدوي والنحت لذوات الأرواح، لورود الوعيد لفاعل التصوير.
2) الترهيب من عذاب الله _عز وجل_ للمصوِّرين بأن يأمرهم ــ أمر تعجيز ــ أن يُحْيُوا هذه التصاوير التي صوروها.
2/1679 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرتُ سَهْوَةً لي بِقِرَامِ فِيهِ تَماثِيلُ، فَلَمَّا رآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ الله» قالَتْ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ. متفق عليه.
«القِرَامُ» بكسْرِ القَافِ، هُوَ: السِّتْرُ. «وَالسَّهْوَةُ» بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وَهِيَ:الصُّفَّةُ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْبَيْتِ. وَقيلَ: هِيَ الطَّاقُ النَّافِذُ في الحَائِطِ.
غريب الحديث:
تماثيل: صور.
يضاهون: يشبّهون ما يصنعونه بما صنع الله.
هداية الحديث:
1) إن إظهار التصاوير في البيوت حرام، لورود الوعيد فيها.
2) بيان الوعيد الشديد المترتب علىٰ المصوِّرين، كما سيأتي في حديث ابن عباس.
3/1680 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ، فَيُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلاً فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لا رُوحَ فِيهِ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) بيان شدة وعيد مصوّري ذوات الأرواح، فهم يُعذَّبون بسبب صورهم في النار.
2) جواز تصوير ما لا روح فيه، كالشجر والجبال والأنهار وغيرها.
4/1681 ــ وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ صوَّرَ صُورَةً في الدُّنْيا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فيها الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافخٍ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الترهيب من تصوير أو نحت ذوات الروح.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فمن ذهب يشابه خلق الله تعالىٰ عاقبه الله يوم القيامة بأن يُعذَّب بما صوَّره.
5/1682 ــ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم التصوير، فهو من كبائر الذنوب المتوعَّد صاحبها بالعذاب الشديد.
2) ورود الوعيد الشديد علىٰ الذنب دليل على أنه من كبائر الذنوب، فيجب علىٰ المسلم الابتعاد عنه.
6/1683 ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالىٰ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) بيان قبح عمل المصوِّرين، لأنه فيه مشابهة لخلق الله، مع ثبوت العجز لديهم فكيف يتجرأ المخلوق العاجز الضعيف علىٰ صنعة الخالق القادر القوي؟!
2) الواجب علىٰ العبد التحقق بمقام العبودية لله تعالىٰ، ومن ذلك: عدم التجرؤ علىٰ حق الله تعالىٰ الذي اختص به في الخلق.
7/1684 ــ وعن أبي طلحةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تدخُلُ الملائكَةُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صُورةٌ». متفقٌ عليه.
8/1685 ــ وعنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: وَعَدَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جِبْرِيلُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَرَاثَ عَلَيْهِ حَتَّىٰ اشْتَدَّ عَلىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ فَلَقِيَهُ جبْرِيلُ، فَشَكَا إلَيْهِ، فَقَالَ: «إنَّا لاَ نَدْخُلُ بَيْتاً فِيه كَلْبٌ وَلا صُورةٌ». رواه البخاري.
«رَاثَ»: أَبْطَأَ، وهو بالثاءِ المثلثةِ.
9/1686 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جِبْرِيلُ –عليه السلام_ في سَاعَةٍ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلم يَأْتِهِ! قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصاً، فَطَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلا رُسُلُهُ» ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإذا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: «مَتَىٰ دَخَلَ هذَا الْكَلْبُ؟»، فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ –عليه السلام_، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَعَدْتَني، فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِني»، فقَالَ: «مَنَعَني الْكَلْبُ الذي كانَ في بَيْتِكَ، إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) البيت الذي فيه كلب أو صورة لا تدخله الملائكة، فيُحرَم أهله من استغفار الملائكة والدعاء لهم بالرحمة.
2) تحريم تعليق الصور علىٰ الجدران، وهذا مما شاع كثيراً في بيوت أهل الإسلام!.
10/1687 ــ وَعَنْ أَبي الهَيَّاجِ حَيَّانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ لي عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ رضي الله عنه: أَلا أَبْعَثُكَ عَلىٰ مَا بَعَثَني عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ لا تَدَعَ صُورَةً إلَّا طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْراً مُشْرِفاً إلَّا سَوَّيْتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
غريب الحديث:
طمسْتها: أزلْتَها وغيّرت معالمها.
سوّيته: جعلته مستوياً مع الأرض.
هداية الحديث:
1) علىٰ من شاهد صورة محرمة أن يطمسها، وأن ينكر علىٰ من وضعها بحسب القدرة علىٰ ذلك.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ تطبيق سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبليغها مَن وراءهم بأمانة وصدق، وهذا شأن أبناء هذه الأمة المباركة؛ يُبلِّغ بعضُهم بعضَاً سُنّة نبيّهم صلى الله عليه وسلم.
تنـبيه:
ذُكر تفصيل حكم التصوير تحت حديث /650/ ص438.
306 ــ باب تحريم اتخاذ الكلب إلا لصَيْد أو ماشية أو زرع
1/1688 ــ عَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: قَالَ سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن اقْتَنَىٰ كلباً، إلا كلبَ صيْدٍ أو ماشيةٍ، فإنَّهُ ينقُصُ مِن أجْرِهِ كلَّ يومٍ قيرَاطَان». متفقٌ عليه.
وفي رواية: «قيراطٌ».
2/1689 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أمْسَكَ كلباً فإنَّهُ ينْقُصُ كلَّ يوم من عَمَله قيراطٌ، إلَّا كلبَ حَرْثٍ أو ماشيةٍ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: «من اقْتَنىٰ كلباً، ليْسَ بكلبِ صَيْدٍ ولا ماشيةٍ ولا أرضٍ، فإنَّهُ ينقُصُ مِن أجْرِهِ قيراطَان كلَّ يوْمٍ».
هداية الأحاديث:
1) جواز اقتناء كلب الصيد أو الزرع أو الماشية للحاجة إليه، وأما اقتناء الكلاب لغير ذلك فيحرم.
2) الشرع جاء بالتخفيف والتيسير علىٰ العباد مراعاةً لمصالحهم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾.
307 ــ باب كراهة تعليق الجرس في البَعير وغيره من الدواب ، وكراهية استصحاب الكلب والجرس في السفر
1/1690 ــ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصحبُ الملائكةُ رُفْقَةً فيهَا كلبُ أوْ جرسٌ». رواهُ مسلم.
2/1691 ــ وعنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الجَرَسُ مزاميرُ الشَّيْطانِ». رواهُ مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الزجر عن تعليق الأجراس وبخاصة علىٰ الدواب، لورود النهي في ذلك.
2) الجرس آلة زمر يحبها الشيطان، وتنفّر منها الملائكة الكرام.
3) العبد الموفَّق هو من يجتهد في فعل ما يحبه الرحمن، ويجتنب ما يهواه الشيطان.
308 ــ باب كراهة ركوب الجَلَّالة، وهي البعير أو الناقة التي تأكل العّذرة، فإن أكلت علفاً طاهراً فطاب لحمها زالت الكراهة
1/1692 ــ عَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: نهىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الجَلَّالَةِ في الإِبِلِ أن يُرْكبَ عليْهَا. رَوَاهُ أبو داود بإسنادٍ صحيح.
غريب الحديث:
الجَلّالة: هي التي تأكل الجلّة: أي العذرة من نجاسة الآدمي وروث الدواب وما أشبه ذلك.
هداية الحديث:
1) كراهة ركوب الدابة التي تأكل النجاسات والعذرة، ومن الحكمة في النهي: لئلا يُصاب الراكب بالنجاسة.
2) دعوة الشريعة إلىٰ التنزّه عن النجاسات، إكراماً للعبد، وصيانةً لصحته.
309 ــ باب النهي عَن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذَا وجد فيه والأمر بتنزيه المسجد عَن الأقذار
1/1693 ــ عَنْ أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «البُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». متفقٌ عليه.
والمُرَادُ بِدَفْنِهَا إذا كانَ المَسْجِدُ تُرَاباً أَوْ رَمْلاً وَنَحْوَهُ، فَيُواريْهَا تَحْتَ تُرَابِهِ. قالَ أبُو المحَاسِنِ الرُّويَانيّ مِنْ أَصْحَابِنَا في كِتَابِهِ «البَحر»: وَقِيلَ: المُرَادُ بِدَفْنِهَا إخْرَاجُهَا مِنَ المَسْجِد، أمَّا إذا كانَ المَسْجِدُ مُبَلَّطاً أَوْ مُجَصَّصاً، فَدَلكَهَا عَلَيْهِ بِمَداسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلَهُ كثيرٌ مِنَ الجُهَّالِ، فَلَيْسَ ذلِكَ بِدَفْنٍ، بَلْ زِيَادَةٌ في الخَطِيئَةِ وَتكْثِيرٌ للقَذَرِ في المَسْجِدِ، وَعَلَىٰ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ أَنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ ذلِكَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ غَيرِه أَوْ يَغْسِلَهُ.
هداية الحديث:
1) تحريم البصاق والتنخّم في المسجد.
2) حث الشارع علىٰ إزالة الأذىٰ من المساجد لحرمتها، ووجوب رفعتها.
2/1694ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأىٰ في جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطاً، أَوْ بُزَاقاً، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد إذا رأىٰ أذىٰ أو قذراً في المسجد أن يزيله اقتداءً بسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
2) الحث علىٰ تعظيم كل ما أمر الله بتعظيمه، ومن ذلك المساجد.
3/1695ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ هذِهِ المسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هذَا الْبَوْلِ وَلا القَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله تَعَالىٰ وَقِرَاءةِ الْقُرْآَنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) علىٰ المسلم أن يحترم بيوت الله، فلا يلقي فيها الأذىٰ والقذر، تعظيماً لقدرها.
2) الحضّ علىٰ إعمار بيوت الله بالصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالىٰ، وحلقات العلم النافع.
310 ــ باب كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
1/1696ــ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ سَمعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً في المَسْجِد فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ، فإنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لهذا». رواهُ مُسْلِم.
2/1697ــ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإذا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ».
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
3/1698ــ وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إلىٰ الجَمَلِ الأحْمَرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا وَجَدْتَ، إنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ». رواه مسلم.
4/1699ــ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ في المَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، أوْ يُنْشَدَ فيهِ شعْرٌ. رَوَاهُ أبو دَاود، والتِّرمذي وقال: حديث حسنٌ.
غريب الحديث:
ينشد: يطلب.
يبتاع: يشتري.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن نشد الأشياء الضائعة في المساجد تعظيماً لحرمتها، ولئلا يقع التشويش علىٰ المصلين.
2) تحريم البيع والشراء داخل المساجد للبائع والمشتري.
3) الترغيب في الإكثار من ذكر الله تعالىٰ ، وقراءة القرآن، وتدارس العلوم الشرعية، وإقامة الصلوات في المساجد، لأن هذا هو المقصود من بنائها ورفعها.
4) النهي عن إلقاء أشعار اللغو في المساجد، أما الأشعار التي فيها الحكمة، والزهد، وتشجّع علىٰ الطاعة، والجهاد في سبيل الله، فإنها مستحبة ومرغَّبٌ فيها.
5/1700 ــ وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ الصَّحابيِّ رضي الله عنه قال: كُنْتُ في المَسْجِدِ، فَحَصَبَني رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإذا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: اذْهَبْ فَائْتِني بهذيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ فَقَالا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا في مَسْجِدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ البُخَارِيّ.
غريب الحديث:
حصبني: رماني بالحصباء، وهي الحصىٰ الصغار.
هداية الحديث:
1) النهي عن رفع الأصوات في المساجد خشية التشويش.
2) الحث علىٰ تعظيم المساجد عموماً، والمسجد النبوي خصوصاً لحرمة المسجد وفضله، فذلك من تعظيم شعائر الله تعالىٰ.
311 ــ باب نَهْي من أكل ثوماً أو بصَلاً أو كُرّاثاً أو غيره مما لَهُ رائحة كريهة عَن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلَّا لضرورة
1/1701 ــ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ ــ يَعْني الثُّومَ ــ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسجِدَنَا». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: «مَسَاجِدَنَا».
2/1702 ــ وَعَن أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبنَا، وَلايُصَلِّيَنَّ مَعَنَا». متفقٌ عليه.
3/1703 ــ وعن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا». متفق عليه.
وفي روايةٍ لمُسْلِم: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَتأذَّىٰ ممَّا يَتَأَذَّىٰ مِنْهُ بَنُو آدَمَ».
4/1704 ــ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه أَنّهُ خَطَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ في خُطْبَتِهِ: «ثُمَّ إنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إلَّا خَبِيثَتَيْنِ: الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ في المَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إلىٰ الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخاً». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الكراث: بَقلٌ يشبه البصل، كريه الرائحة.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن الذهاب إلىٰ المساجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً ونحوهما، مما له رائحة مؤذية.
2) الملائكة تتأذىٰ مما يتأذىٰ منه بنو آدم، فعلىٰ المسلم أن يكون طيب الرائحة، وبخاصة في أماكن العبادة، وعند مجامع المسلمين، وأجلها: الصلاة، وحلقات العلم.
تنبيـه:
إن أكل البصل والثوم أمر مباح، ولكن علىٰ من أكل منهما اعتزال دخول المساجد لصلاة الجماعة، أما إذا استعمل شيئاً تذهب به الرائحة الكريهة فله أن يذهب إلىٰ المسجد، ولكن لا يجوز للعبد أن يتعمد أكل الثوم والبصل لئلا يحضر الجماعة في المسجد.
312 ــ باب كراهة الاحتباء يَوم الجمعة والإمام يخطبُ لأنه يجلب النوم فيفوت استماع الخطبة ويخاف انتقاض الوضوء
1/1705 ــ عن مُعاذِ بنِ أنسٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهىٰ عَنِ الحبْوَة يومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ. رواه أبو داود والترمذي وقالا: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
الحَبْوَة: أن يضم الإنسان رجليه إلىٰ بطنه بثوب يجمعهما فيه مع ظهره، ويشده عليه، وقد يكون الاحتباء باليدين عوضاً عن الثوب.
هداية الحديث:
1) النهي عن الاحتباء مخصوص بوقت خطبة الجمعة فحسب.
2) الحضّ علىٰ الانتباه التام للخطيب يوم الجمعة، وعدم التشاغل عن ذلك.
فائدة:
من الحكمة في النهي عن الاحتباء:
أنَّ القاعد إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال عنه الثوب فتبدو عورته، وأيضاً: فإنَّ الاحتباء يجلب النوم فينشغل عن سماع الخطبة، وربما يعرّض طهارته للانتقاض، والله أعلم.
313 ــ باب نَهي مَنْ دخل عَليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي عن أخذ شيء من شعره أو أظفاره حَتَّى يُضَحِّيَ
1/1706ــ عَن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانَ لَهُ ذبحٌ يَذْبَحُهُ، فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحجَّة فلا يأخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ ولا من أظْفَارِهِ شَيْئاً حَتَّىٰ يُضَحِّيَ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
فلا يأخذن: لا يقصّن.
هداية الحديث:
1) النهي لمن أراد الأضحية، ورأىٰ هلال ذي الحجة، أن يأخذ شيئاً من أظفاره وشعره.
2) إظهار توادّ المؤمنين فيما يباشرونه من أنواع العبادة، فمن لم يحج البيت؛ يستشعر ــ مع إخوانه الحجيج ــ نصيباً من شعائر النسك، فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره.
314 ــ باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطان وتُرْبة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً
1/1707 ــ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالىٰ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِالله، أَوْ لِيَصْمُتْ». متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ في الصّحِيحِ: «فَمنْ كانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إلاّ بالله، أوْ لِيَسْكُتْ».
2/1708 ــ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ سَمُرَةَ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ». رواه مسلم.
«الطَّوَاغِي»: جَمعُ طَاغِيَة، وَهِيَ الأصْنَامُ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ»: أَيْ: صَنَمهُم وَمَعْبُودهُم، وَرُوِيَ في غَيْرِ مُسْلِم: «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمْعُ طَاغُوتٍ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.
3/1709 ــ وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمانَةِ فَليْسَ مِنَّا». حَدِيثٌ صَحِيحٍ، رَوَاهُ أبُو داود بإسنادٍ صَحِيحٍ.
4/1710 ــ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلاَمِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإنْ كَانَ صَادِقاً فَلَنْ يَرْجِعَ إلىٰ الإسْلاَمِ سَالِماً». رواه أبو داود.
5/1711 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَّنهُ سَمعَ رَجُلاً يَقُولُ: لاَ وَالْكَعْبَةِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لاَ تَحْلِفْ بِغَيْرِ الله، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ». رواه الترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَن.
وفَسَّرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ: «كَفَرَ أو أَشْرَكَ» عَلَىٰ التَّغْلِيظِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الرِيَاءُ شِرْكٌ».
غريب الحديث:
الحلف: تأكيد الشيء المقسم عليه بذكر مُعظَّم.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن الحلف بغير الله _عز وجل_ ؛ لأنَّه نوع من الإشراك بالله تعالىٰ.
2) علىٰ العبد أن يحذر من الحلف بأي مخلوق ولو كان معظماً، أو أن يطلب من أحد أن يحلف بما يوقعه في الإشراك.
3) إن تحريمَ الحلف بغير الله تعالىٰ هو إظهارٌ لحق التوحيد، الخالص لله تعالىٰ، فلا يحق لمخلوق مهما كان معظَّماً أن يُسَوَّىٰ بالله تعالىٰ عند الحلف.
تنبيـه:
يدخل في جواز الحلف بالله تعالىٰ: الحلفُ بالقرآن الكريم، أو المصحف، لأنه كلام الله تعالىٰ، وهو صفة من صفاته، ولا يقصد الحالف الورق والمداد المخلوقَين.
أما الحلف (بالأمانة) وقول بعض الناس: «أمانة أمانة»، فإنها نوع من الحلف، وقد تقدم الحديث «من حلف بالأمانة فليس منا». فالمتعين علىٰ العبد أن يسعىٰ في تصحيح ألفاظه وضبطها وفق هدي الشريعة، ويدعو الخَلق إلىٰ هذا الخُلق، ليتحقق بالتوحيد الذي هو حق الله تعالىٰ علىٰ العبيد.
315 ــ باب تغليظ اليمين الكاذبة عمداً
1/1712 ــ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَىٰ مَالِ امرئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله _عز وجل_: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] إلىٰ آخِرِ الآيَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
2/1713 ــ وَعَنْ أبي أُمَامَةَ إيَاسِ بْنِ ثَعْلَبةَ الحارِثِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وإنْ كَانَ شَيئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ: «وَإنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ». رواهُ مُسْلِمٌ.
3/1714 ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ». رواه البخاريّ.
وفي رِوَايَةٍ: أَنَّ أَعرابياً جَاءَ إلىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْكَبَائِرُ؟ قالَ: «الإشْرَاكُ بِالله» قالَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ» قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطعُ مَالَ امرئٍ مُسْلِمٍ» يَعْنِي بِيَمِينٍ هُوَ فِيها كَاذِبٌ.
هداية الأحاديث:
1) تغليظ اليمين الكاذبة ــ وهي: أن يحلف كاذباً وهو يعلم ــ لأنها من الكبائر التي تغمس صاحبها في نار جهنم.
2) تحريم أكل أموال الناس بالباطل، مهما كان شيئاً يسيراً، فمن فعل ذلك استحق الغضب من الله _عز وجل_ ، واستحق دخول النار.
3) علىٰ العبد أن يحفظ لسانه، فيتحرىٰ الصدق في كلامه وفي يمينه.
4) تعظيم الشريعة لحفظ حقوق الخلق، في دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، ونحوها.
316 ــ باب ندب مَن حلف عَلَى يَمين فرأى غيرها خيراً منها أن يفعل ذلك المحلوف عليه ثُمَّ يكفّر عن يمينه
1/1715 ــ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَإذَا حَلَفْتَ عَلَىٰ يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ». متفقٌ عليه.
2/1716 ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَىٰ يَمِينٍ، فَرَأَىٰ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». رواهُ مسلم.
3/1717 ــ وَعَنْ أَبي مُوسَىٰ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنِّي ــ واللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ ــ لاَ أَحْلِفُ عَلَىٰ يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَىٰ خَيْراً مِنهَا إلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». متفق عليه.
4/1718 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لأنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ في يَمِينِهِ في أَهْلِهِ آثمُ لَهُ عِنْدَ الله تَعَالَىٰ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتي فَرَضَ الله عَلَيْهِ». متفقٌ عليه.
قولُهُ: «يَلَجَّ» بِفَتْحِ اللاَّمِ، وَتَشْدِيدِ الجِيمِ: أَيْ يَتَمَادَىٰ فِيهَا، وَلاَ يُكَفِّر. وقولُهُ: «آثمُ» هو بالثاءِ المثَلَّثَة، أيْ: أَكْثَرُ إثْماً.
هداية الأحاديث:
1) الواجب علىٰ العبد إذا حلف علىٰ شيء، ورأىٰ غيره خيراً منه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير.
2) إن التكفير عن اليمين وفعل الأفضل، خيرٌ للعبد من أن يتورع عن ارتكاب ما حلف ألا يفعله خشية الإثم، بل استمراره علىٰ عدم الحنث وحصول الضرر أشد إثماً.
تنبيـه:
ذكر (الأهل) في الحديث الأخير خرج مخرج الغالب، وهو في مقام المبالغة، وإلا فإن الحكم يتناول غير الأهل أيضاً.
317 ــ باب العفو عن لغو اليمين وأنه لا كفارة فيه، وهو مَا يجري عَلَى اللسان بغير قصد اليمين كقوله عَلَى العادة: لا والله ، وبلى والله ، ونحو ذلك
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ [المائدة: 89].
1/1719ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: أُنزلتْ هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ ﴾ في قول الرَّجُلِ: لاواللهِ، وبلىٰ واللهِ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
لغو اليمين: هي اليمين التي يقولها الإنسان علىٰ لسانه، ولا يقصدها بقلبه.
هداية الحديث:
1) بيان رحمة الله _عز وجل_ بعباده، حيث لم يؤاخذهم فيما يجري علىٰ ألسنتهم من الحلف غير المقصود، فلا يلزمهم الوفاء به.
2) التنبيه علىٰ قاعدة الشريعة: اعتبار النيات والقصود، في الألفاظ والعقود.
3) السنة النبوية ملازمة للكتاب الكريم؛ تفسّره، وتُوضّح مُبهمه.
318 ــ باب كراهة الحلف في البَيْع وإن كان صَادقاً
1/1720 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «الحلفُ مَنْفَقَةٌ للسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ للْكَسْبِ». متفقٌ عليه.
2/1721 ــ عن أبي قتادةَ رضي الله عنه أنَّهُ سمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلفِ في البَيْعِ، فإنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
منفقة للسلعة: سبب لرواج السلعة.
ممحقة للكسب: سبب لذهاب البركة.
هداية الحديث:
1) كراهية الحلف عند البيع والشراء، ولو كان الحالف صادقاً.
2) ليست العِبرة بكثرة البيع، ولكن العِبرة أن يبارك الله في الرزق، ولو كان قليلاً.
319 ــ باب كراهة أن يَسأل الإنسان بوَجْه الله غير الجنة وكراهة منع من سأل بالله تَعَالى وتشفَّع به
1/1722 ــ عن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لايُسألُ بوَجْهِ اللهِ إلَّا الجَنَّةُ». رواه أبو داود[3].
هداية الحديث:
[3] الحديث إسناده ضعيف.
1) علىٰ العبد ألَّا يسأل بوجه الله العظيم إلا شيئاً عظيماً، وهو الجنة.
2) من التوحيد الواجب علىٰ العبد تحقيقه: ضبطُ ألفاظه المتعلقة بالحلف والأيمان.
2/1723 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن اسْتَعَاذَ باللهِ، فأعيذُوهُ، ومن سألَ بالله فأعْطُوهُ، ومَنْ دَعَاكُمْ فأجيبُوهُ، ومَنْ صَنَعَ إليْكُمْ مَعْرُوفاً فكَافئُوهُ، فإنْ لمْ تجدُوا مَا تُكَافئُونَهُ فادْعُوا لَهُ، حَتَّىٰ تَرَوْا أنَّكُمْ قدْ كافأتُمُوهُ». حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود والنسائي بأسانيد الصحيحين.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يُعِيذ من يستعيذ بالله _عز وجل_، ما لم يكن المستعيذ مطلوباً لِحقٍّ.
2) إذا سأل أحدٌ بالله _عز وجل_ فإنه يُعطَىٰ، ما لم يسأل حراماً.
3) الدعاء لصانع المعروف، هو مكافأةٌ علىٰ معروفه، وهذا مما يقوي الصلة بين عموم المؤمنين.
4) من محاسن التشريع: الحث علىٰ الإحسان، والمجازاة من جنس العمل.
فائدة:
ورد في الحديث: «فأخبركم بشر الناس منزلةً؟ قلنا: نعم يارسول الله! قال: الذي يُسأل بالله العظيم ولا يُعطي به»، وأيضاً: «ومن سألكم بالله ،فأعطوه».
ففي حديث الباب: تحريم سؤال شيء من أمور الدنيا بوجه الله تعالىٰ، وفي هذين الحديثين: وجوب إعطاء من سأل بالله، والجمع بين ذلك حاصل بوجوب الإعطاء إذا كان المسؤول قادراً علىٰ الإعطاء، والحالف هو المرتكب للنهي الوارد. والله أعلم.
320 ــ باب تحريم قول: شاهِنشاه للسلطان وغيره لأن معناه ملك الملوك، ولا يوصف بذلك غير الله سبحانه وتعالى
1/1724 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ أخْنَعَ اسْمٍ عندَ الله _عز وجل_ رجلٌ تسمَّىٰ: ملكَ الأمْلاكِ». متفقٌ عليه.
قال سفيان بن عيينة: ملك الأملاك مثل: شاهنشاه.
غريب الحديث:
أخنع: أذل وأصغر.
هداية الحديث:
1) تحريم التسمية بما هو حق خالص لله تعالىٰ؛ فمن تعدىٰ الحق الشرعي، وسمّىٰ نفسه به فإنه أذلُّ الناس، وأحقرهم عند الله _عز وجل_.
2) تحريم وصف المخلوقين بأوصاف العظمة، وألقاب الكبرياء، التي لا يستحقها إلا الله _عز وجل_.
فائدة:
يلحق أيضاً بما نُهي عنه من الأسماء قول: «قاضي القضاة»، والصواب أن يقال: «أقضىٰ القضاة»، وكذلك قول: «ملك الملوك».
والسبب في رعاية الشريعة للأقوال: فلأن الألفاظ وعاء المعاني، وأجل الأمور بالاهتمام والضبط، هو: حفظ جَناب التوحيد الواجب لله تعالىٰ، فأعظم ما ينبغي حراسته في حياة الناس ــ ما به حياة قلوبهم، وسبيل فلاحهم ــ هو توحيد رب العالمين. فأين القائمون بـ (حراسة التوحيد العقيدة)؟! الوارثون النبي صلى الله عليه وسلم في أمته. فما ترك رسول الله شاذة ولا فاذة في تعظيم مقام التوحيد إلا وخصه بمزيد توكيد، وأبدى فيه وأعاد، حتى ظهر رأس أمر الدين واستبان، فالتوحيد أولاً يا عباد الله.
321 ــ باب النّهي عَنْ مخاطبة الفاسِق والمبتدع ونحوهما بسيِّد ونحوه
1/1725 ــ عن بُريدةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُولوا للمُنَافق: سيِّدٌ، فإنَّهُ إنْ يكُ سيِّداً فقَدْ أسْخَطْتُمْ ربَّكُمْ _عز وجل_ ». رواهُ أبو داود بإسناد صحيح.
غريب الحديث:
السيد: يُطلَق علىٰ الذي يفوق قومه، ويرتفع قدره عليهم، كالزعيم والفاضل.
أسخطتم: أغضبتم.
هداية الحديث:
1) تحريم تعظيم المنافقين بأوصاف الاحترام والتقدير، لأنهم أعداء الله _عز وجل_ وخصومه.
2) وجوب تجنب الأسباب التي تسخط الله _عز وجل_، والسعي بالأسباب التي ترضيه وتقرب إليه سبحانه وتعالىٰ.
322 ــ بابُ كراهة سّب الحمّى
1/1726 ــ عن جابر رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَىٰ أمِّ السَّائب، أوْ أمِّ المُسَيَّب، فَقَالَ: «مَا لَكِ يا أمَّ السَّائب ــ أو يا أمَّ المُسَيَّب ــ تُزَفزفينَ؟» قَالَت: الحُمَّىٰ لا بَاركَ الله فيهَا، فَقَالَ: «لا تَسُبِّي الحُمَّىٰ، فإنَّهَا تُذْهبُ خَطَايَا بَني آدَمَ، كما يُذهبُ الكِيْرُ خَبَثَ الحَديدِ». رواه مسلم.
«تُزَفزفينَ» أي: تَتَحَرَّكينَ حَرَكةً سَريعَةً، ومعناهُ: تَرْتَعِدُ، وهو بضمِّ التاء وبالزاي المكررة والفاء المكررة، ورُويَ أيضاً بالراء المكررة والقافين.
غريب الحديث:
الحمىٰ: هي ارتفاع الحرارة الشديد، تصاحب أمراض متعددة.
الكِيْر: زِقّ الحدّاد الذي ينفخ فيه.
خبث الحديد: وسخه وشوائبه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد إذا أصيب بالحمىٰ أو غيرها من الأمراض أن يصبر ويحتسب ، فإن هذه الأمراض ــ مع الاحتساب ــ كفارات للذنوب.
2) الحث علىٰ تصحيح ألفاظ الناس وفق الشريعة، فإن هذا من أبواب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
323 ــ باب النّهي عَن سَبّ الريح وبَيان مَا يقال عند هبوبها
1/1727 ــ عَنْ أبي المُنْذِرِ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسبُّوا الرِّيحَ، فَإذَا رَأَيْتُمْ مَا تكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهم إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ هذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ». رواه الترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2/1728 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ الله، تَأْتي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتي بالْعَذَابِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا الله خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بالله مِنْ شَرِّهَا». رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ.
قوله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ رَوْحِ الله» هو بفتح الراءِ: أَيْ: رَحْمَتِهِ بِعِبَادهِ.
3/1729 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللهم إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرَهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن سبِّ الريح، لأنها من آيات الله _عز وجل_ المحمَّلة بالخيرات من المطر واللقاح وغيره.
2) ما نهىٰ الشرع عن شيء إلا وأرشد إلىٰ ما هو أحسن منه وأفضل؛ فنهىٰ عن سبِّ الريح، وأرشدنا إلىٰ أذكارٍ تعيذنا ــ بإذن الله ــ من شرِّها، وتعطينا ــ بإذنه ــ خيرها.
3) علىٰ العبد في مواطن الخوف والشدة أن يلجأ إلىٰ الله _عز وجل_ ويستعيذ به، فإنه سبحانه لا يخيّب عبداً رجاه.
4) الترغيب في التزام الأذكار الشرعية التي تحصن العبد من كل شرّ، وتجلب له كل خير.
324 ــ باب كراهة سَبّ الدّيك
1/1730 ــ عن زيْدِ بْنِ خَالدٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لا تَسُبُّوا الدِّيكَ، فإنَّهُ يُوقِظُ للصَّلاةِ». رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيح.
هداية الحديث:
1) النهي عن سب الديك، لأنه يوقظ لأفضل الطاعات وهي الصلاة.
2) كلُّ ما يعين علىٰ الطاعة وينشّطها، فإنه يكرَّم ولا يُهان.
تنبيـه:
ينبغي للعبد أن يعتني بما يوقظه للصلاة كالمنبهات وغيرها، وألاّيتساهل في أخذ الأسباب التي تعينه علىٰ فعل المأمورات، لأن التفريط في ذلك دليل علىٰ ضعف الإيمان، والتساهل في تعظيم شعائر الله تعالىٰ.
325 ــ باب النّهي عن قول الإنسان: مُطرنا بنَوْء كذا
1/1731 ــ عَن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِي الله عَنْهُ قَالَ: صَلَّىٰ بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ في إثْرِ سَمَاءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلىٰ النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِفَضلِ الله وَرَحْمَتِهِ، فَذلِكَ مُؤمِنٌ بي كَافِرٌ بِالْكَوْاكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذَا وَكذا، فَذلكَ كَافِرٌ بي مُؤمِنٌ بالْكَوْكَبِ». متفقٌ عليه.
وَالسَّماء هُنا: المَطَرُ.
غريب الحديث:
نوء: مطالع النجوم وإدبارها.
هداية الحديث:
1) إظهار أدب الصحابة رضي الله عنهم وتواضعهم، حين أحالوا العلم إلىٰ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من تمام تسليمهم لحكم الله _عز وجل_، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
2) علىٰ العبد الاعتراف بفضل الله سبحانه ورحمته، بالقول والفعل.
3) من السنة أن يقول العبد بعد نزول المطر: «مُطرنا بفضل الله ورحمته».
4) الاهتمامُ بتصحيح العقائد، وحماية جناب التوحيد، فهذا أهم ما يُرشد إليه الناس، خاصة في زمن شاعت فيه الألفاظ القادحة في صحة التوحيد أو كماله.
326 ــ باب تحريم قوله لمُسلم: يا كافر
1/1732ــ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَالَ الرَّجُلُ لأخيه: يا كافرُ، فقَدْ باءَ بها أحَدُهُمَا، فإنْ كانَ كَمَا قَالَ وإلَّا رَجَعَتْ عَلَيهِ». متفقٌ عليه.
2/1733ــ وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنه سمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ دَعا رجُلاً بالكُفْر، أوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وليسَ كذلكَ إلَّا حارَ علَيْه». متفقٌ عليه.
«حَارَ»:رَجَع.
غريب الحديث:
باء: رجع.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ العبد أن ينزّه لسانه عن تكفير المسلمين، والقدح في ديانتهم.
2) إن المرء ليلقي الكلمة من سخط الله تحبط دنياه وآخرته، فَلْيحرصْ العاقل علىٰ تدبّر كلامه قبل إطلاقه.
327 ــ باب النّهي عن الفحش وبذاء اللِّسان
1/1734 ــ عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ المؤمنُ بالطَّعَّان، ولا اللَّعَّان، ولا الفَاحش، ولا الْبَذيِّ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
2/1735 ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا كَانَ الفُحْشُ في شيءٍ إلَّا شانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ في شيءٍ إلَّا زَانَهُ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
غريب الحديث:
الفحش: الكلام البذيء الناقص.
شانه: عابه وجعله ناقصاً.
زانه: جَمَّله وجعله كاملاً.
هداية الأحاديث:
1) الترغيب بالوصية الجامعة: ألا يتكلم العبد إلا بخير، وأن يسكت عن الشرّ.
2) إن المنطق الحسن يجمّل العبد، والمنطق البذيء يقبّحه.
3) رغبت الشريعة في حفظ اللسان، صوناً لكرامة الإنسان.
4) تعظيم شأن الحياء، الجامع لكل خلق جميل، والمانع من كل خلق رذيل.
328 ــ باب كراهة التقعير في الكلام والتشدُّق فيه وتكلف الفصاحة واستعمال وَحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوامّ ونحوهم
1/1736ــ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلاثاً.
رواه مُسْلِم.
«المُتَنَطِّعُونَ»: المُبَالِغُونَ في الأُمُورِ.
2/1737ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ، الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كمَا تتخَلَّلُ الْبَقَرَةُ».
رَواهُ أبو داودَ، والترمذي، وقال: حديثٌ حسن.
3/1738ــ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ مِنْ أَحَبَكُم إليَّ، وَأَقْرَبكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقاً، وَإنَّ أَبْغَضَكُمْ إليَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ، وَالمُتَشَدِّقُونَ، وَالمُتَفَيْهِقُونَ». رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسن، وقد سبق شرحُهُ في (باب حُسْنِ الخُلقِ).
غريب الحديث:
الثرثار: هو كثير الكلام المُتكلِّف فيه.
المتشدق: المتطاول علىٰ الناس بكلامه تفاصحاً، وتعظيماً لكلامه.
المتفيهق: أصله من الفهق، وهو الامتلاء، ومعنىٰ المتفيهق: الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه، وهو دالٌ علىٰ الكِبْر، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم معناها فقال: «المتكبِّرون».
هداية الأحاديث:
1) علىٰ المسلم أن يبقىٰ علىٰ طبيعته في الكلام من غير تكلف ولا تعسف.
2) إن حسن الخلق من أسباب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبد، والقرب منه يوم القيامة.
3) الحث علىٰ تزكية النفوس، والابتعاد عما يدنّسها.
329 ــ باب كراهة قوله: خبثت نفسي
1/1739 ــ عن عائشةَ رضي الله عنها عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نفسي، وَلَكِنْ لِيقُلْ: لقسَتْ نَفْسي». متفقٌ عليه.
قَالَ العُلماءُ: معنىٰ «خَبُثَتْ»: غَثَتْ ، وهو معنىٰ «لَقِسَتْ» ولكن كُرِهَ لَفْظُ الخُبْثِ.
هداية الحديث:
1) يُوصَىٰ العبد باجتناب الألفاظ المكروهة، واستعمال الألفاظ الشرعية.
2) ترغيب الشريعة في استخدام طيب الكلام في اللفظ والمعنىٰ.
330 ــ باب كراهة تسمية العنب كرْماً
1/1740ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المُسْلمُ». متق عليه. وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية: «فإنَّما الكَرْمُ قلبُ المؤمن». وفي رواية للبخاري ومسلم «يقولون: الكرمُ، إنَّما الكَرْمُ قلبُ المُؤمن».
2/1741ــ وعن وائلِ بن حِجْرٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تقولوا: الكَرْمُ، ولكن قولُوا: العِنَبُ، والحَبَلَةُ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) كراهية تسمية العنب كرماً، لأن المسلم أولىٰ بهذا الاسم منه.
2) بيان عناية الشريعة بتصحيح الألفاظ الخاطئة الشائعة، واستعمال الألفاظ الصحيحة بدلاً منها ، وهذا من محاسن التشريع .
331 ــ باب النهي عَن وَصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه
1/1742 ــ عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُبَاشِرُ المرأةُ المرأةَ، فتَصفَهَا لزَوْجهَا كأنَّهُ يَنظُرُ إليْهَا». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
تباشر: تنظر إليها، أو تمس بشرتها، فتعرف نعومتها وما فيها من المحاسن.
هداية الحديث:
1) لا يجوز وصف المرأة لرجل أجنبي عنها، منعاً لأسباب الفاحشة بين البيوت.
2) نهت الشريعةُ المرأةَ أن تصف النساء لزوجها؛ لأن ذلك سببٌ في فساد الحياة الزوجية بينهما، ومدخلٌ لكشفِ عورات الناس، ونشرِ الخصومة بين المسلمين.
332 ــ باب كراهة قول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت، بل يجزم بالطلب
1/1743 ــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا يقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللهم اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللهم ارْحَمْني إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِم المَسْأَلَةَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ». متَّفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: «وَلكِنْ لِيَعْزِمْ، وَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ، فَإنَّ الله تَعَالىٰ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ».
2/1744 ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دَعا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزمِ المَسْأَلَةَ، وَلا يَقُولَنَّ: اللهم إنْ شِئْتَ فَأَعْطِني، فَإنَّهُ لاَ مُسْتكْرِهَ لَهُ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ الداعي أن يتعبّد لله تعالىٰ بكمال أوصافه؛ فهو المتصرِّف بشؤون العباد، لا يعجزه شيء، العزيز الذي لا يمانَع ولا يغالَب.
2) إن من كمال العبودية لله سبحانه وتعالىٰ: أن يسأل العبدُ ربَّه الكريمَ من فضلهِ العظيم.
333 ــ باب كراهة قول: مَا شاء الله وشاء فلان
1/1745ــ عن حذيفةَ بنِ اليَمَانِ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَقُولوا: مَا شاء اللهُ وشاءَ فُلانٌ، ولكنْ قُولوا: مَا شاءَ اللهُ، ثُمَّ شاءَ فُلانٌ». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
هداية الحديث:
1) حرّمت الشريعة كل ما يفتح باب الشرك بالله _عز وجل_، كقول الإنسان: ما شاء الله وشاء فلان، لأن في هذا القول المساواة بين الخالق والمخلوق، وهو أصل الشرك بالله تعالىٰ. ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ﴾
2) ما حرّم الشارع علىٰ العباد شيئاً إلا وأرشدهم إلىٰ ما هو أصلح لهم في دينهم ودنياهم. فيُحسن بالداعية إذا ذكر للناس شيئاً لا يجوز، أن يبيّن لهم ما هو جائز، لأن هذا أرغب لقبولهم الأحكام الشرعية.
تنبيــه:
بعض الناس يجعل المطالبة بالبديل حجة في مواجهة كل من يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر، وإلا فلن يستجيب لمجرد الأمر والنهي، دون ذكر البديل!!
وهذا خلاف الواجب في القيام بحق العبودية لله _عز وجل_ والاستجابة لحكمه. فليكن قولك ــ أخي المسلم ــ إذا سمعت أمر ربك أو أمر نبيك صلى الله عليه وسلم : قول سمعنا وأطعنا.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾.
334 ــ باب كراهة الحديث بَعد العشاء الآخرة
والمرادُ بِهِ الحديثُ الذي يكونُ مُبَاحاً في غيْرِ هذا الوقت، وفِعلُه وتَركُهُ سواءٌ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُحَرَّمُ أو المكْرُوهُ في غَيْرِ هذا الوَقْتِ، فَهُوَ في هذا الوَقْتِ أَشَدُّ تَحْرِيماَ وَكَرَاهَةً. وَأَمَّا الحَديثُ في الخَيرِ كَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وحِكاياتِ الصّالحِينَ، وَمَكارِمِ الأخْلاقِ، والحَدِيثِ مَعَ الضَّيْفِ وَمَعَ طالِبِ حَاجَةٍ، وَنَحْوَ ذلكَ، فَلا كَرَاهَةَ فِيهِ، بل هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَكذا الحَدِيثُ لِعُذْرٍ وعارِضٍ لا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأحَادِيثُ الصّحيحة علىٰ كُلِّ مَا ذَكَرتُهُ.
1/1746 ــ عَنْ أبي بَرْزَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قبْلَ العِشَاءِ، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) كراهة النوم قبل صلاة العشاء خوفاً من فوات وقتها.
2) كراهية الحديث والسمر بعد العشاء لغير مصلحة، خشية التأخّر عن النوم، مما يؤدي إلىٰ فوات صلاة الليل، وصلاة الفجر.
2/1747 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلَّىٰ العِشَاءَ في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلمَّا سَلَّمَ قَالَ: «أَرَأَيْتكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذهِ؟ فَإنَّ عَلىٰ رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَىٰ مِمَّنْ هُوَ عَلىٰ ظَهْرِ الأرْضِ اليَومَ أَحَدٌ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) جواز الحديث بعد العشاء بالعلم وبما فيه مصالح المسلمين، ويدخل في ذلك الحديث مع الضيف أو الزوجة أو في قضاء حوائج المسلمين.
2) هذا الحديث من دلائل النبوة، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مغيَّب وقع كما أخبر، فإن آخر من بقي من الصحابة أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد ذكر أهل العلم أنه آخر الصحابة موتاً؛ تُوفِّي سنة 110هـ.
3/1748 ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه أَنَّهم انْتَظَرُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءهُمْ قَرِيباً مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَصَلَّىٰ بِهِم، يَعْني العِشَاءَ، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَنَا، فَقَالَ: «أَلا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
شطر الليل: نصفه.
هداية الحديث:
1) استحباب تأخير صلاة العِشاء أحياناً ما لم يشق ذلك علىٰ جماعة المسجد.
2) بيان فضل الله علىٰ عباده، فإنه سبحانه يعطيهم الأجر ما داموا في انتظار العبادة.
335 ــ باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها إذَا دعاها ولم يكن لها عذر شرعي
1/1749 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امرأتَهُ إلىٰ فِرَاشِهِ فأبَتْ، فَبَاتَ غضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الملائكةُ حَتَّىٰ تُصْبِحَ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: «حَتَّىٰ تَرْجعَ».
هداية الحديث:
1) علىٰ المرأة أن تعين زوجها علىٰ حفظ دينه ونفسه، وأن تسعىٰ في مرضاته، فيما لا معصية فيه.
2) إن امتناع الزوجة عن فراش زوجها من كبائر الذنوب، لورود اللعن في ذلك.
336 ــ باب تحريم صَوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه
2/1750 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يحلُّ للمرأة أنْ تَصُومَ وزوجُهَا شاهدٌ إلا بإذْنه، ولا تأذنَ في بيتِهِ إلَّا بإذْنِهِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) يُشترط إذن الزوج في صيام التطوع للمرأة إذا كان حاضراً حفظاً لحقه عليها، وأما في صيام الواجب فلا يشترط إذنه تقديماً لحق الشرع.
2) لا يجوز للمرأة أن تُدخل بيتَ زوجها أحداً يكرهه إلا بإذنه.
3) إن العيش في ظلال العبودية أعظم ما يعين الزوجين علىٰ استمرار الحياة الطيبة.
337 ــ باب تحريم رَفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام
1/1751 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أمَا يَخْشَىٰ أحدُكُمْ إذَا رَفَعَ رأسَهُ قبلَ الإمَام أنْ يَجْعلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ حِمَارٍ! أَوْ يَجْعلَ اللهُ صورَتَهُ صُورةَ حِمَارِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم سبق الإمام في الصلاة، لورود الوعيد علىٰ فاعل ذلك ؛ فعلىٰ المأموم أن يكون حاله مع الإمام وفق المتابعة؛ وذلك بالإتيان بالحركة بعد حركة الإمام مباشرة.
2) إن اختيار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لهذا المُسابِقِ أنْ يُمسخَ صورة حمار؛ فيه إظهار لشناعة فعله للتحذير من ذلك.
فائدة:
المأموم في صلاته مع إمامه له أحوال أربع:
1) حالة مسابقة، وهي: سبق الإمام والتقدم على أفعاله، وهذه محرمة، لورود الوعيد الشديد فيها.
2) حالة مُخالفة، أي: يتأخر ويتخلف عن الإمام، فإن كان لعذر فلا حرج، أما لغير عذر؛ فإن تخلف بركن كامل صار كالسبق لا يجوز، وتبطل به الصلاة.
3) حالة موافقة، بمعنىٰ: أن يوافق الإمام في أقواله أو أفعاله، فهذه مكروهة.
4) حالة متابعة، ومعناها: أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة فور شروع أمامه، من غير موافقة ولا تخلف ولا مسابقة. وهذه هي السنة، والهدي النبوي الواجب الاتباع.
338 ــ باب كراهة وضع اليد عَلَى الخاصرة في الصلاة
1/1752ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نُهيَ عَنِ الخَصْرِ في الصَّلاة. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الخصر: وضع اليد علىٰ الخاصرة، وهي ما بين الحِقْو وأسفل الأضلاع.
هداية الحديث:
1) تحريم وضع اليد علىٰ الخاصرة في الصلاة، لمجيء النهي عن هذه الهيئة.
2) علىٰ العبد أن يقابل نصوص الشرع بالتسليم والانقياد دون الاعتراض والتشكيك بحثاً عن العلَّة، فإن كل الخير فيما أُمرنا به، وكل الشَرّ فيما نُهينا عنه، ولو لم ندرك الحكمة من ذلك.
339 ــ باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسُه تتوق إليه أو مع مدافعة الأخبثين ، وهما: البول والغائط
1/1753 ــ عن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لا صلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، ولا هُوَ يُدَافعُهُ الأخْبَثَان». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) يُوصَىٰ العبد إذا أراد القيام بطاعة أن يقبل عليها بقلب مطمئن، مبتعداً عن الأسباب التي تشغله عن الخشوع فيها.
2) كل ما يشغل قلب العبد عن الطمأنينة في الصلاة فله الحكم نفسه، كالصور والأصوات، ونحوها.
تنبيـه:
هذا الحديث، وإن كان فيه الرخصة في ترك شهود الجماعة بحضرة طعام يشتهيه، إلا أنه لاينبغي أن يجعل العبد من عادته تقديم طعام العَشاء أو الغداء عند إقامة الصلاة؛ لأن في ذلك تفويتاً لأجر صلاة الجماعة، وتساهلاً في أمر الشريعة.
340 ــ باب النّهي عن رَفع البَصَر إلى السّماء في الصّلاة
1/1754 ــ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا بَالُ أقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أبْصَارَهمْ إلىٰ السَّمَاءِ في صَلاتِهِمْ» فاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذلك حَتَّىٰ قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتُخْطَفَنَّ أبْصَارُهُمْ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) إشهارُ تحريم رفع البصر إلىٰ السماء في الصلاة، وإظهارُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الوعيد علىٰ ذلك بذهاب بصر فاعله للحذر من الوقوع في هذه المخالفة.
2) جَعْلُ المصلِّي بصَره في موضع سجوده هو من تمام الخضوع، وأدعىٰ للخشوع في الصلاة، ومن الأدب مع الله تعالىٰ.
341 ــ باب كراهة الالتفات في الصّلاة لغير عذر
1/1755 ــ عن عائشةَ رضي الله عنها قَالَت: سألتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الالْتفاتِ في الصَّلاةِ، فَقَالَ: «هُوَ اختلاسٌ يختَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ». رواهُ البخاري.
غريب الحديث:
الاختلاس: هو الأخذ بسرعة علىٰ حين غفلة.
هداية الحديث:
1) النهي عن الالتفات في الصلاة لغير الحاجة، لأنه إشغال من الشيطان للعبد.
2) الالتفات يشمل التفات البدن، والتفات القلب، بالانشغال في الدنيا عن الصلاة.
2/1756 ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إيّاكَ وَالالْتِفَاتَ في الصّلاةِ، فَإنَّ الالْتِفَاتَ في الصّلاةِ هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ فَفي التَّطَوّعِ لا في الْفَرِيضَةِ». رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ[4].
هداية الحديث:
[4] الحديث إسناده ضعيف.
1) من حكمة النهي عن الالتفات في الصلاة أنه مُنافٍ لمقصودها من الخشوع والتذلُّل.
2) الأحاديث الواردة في النهي عن الالتفات في الصلاة عامة، فلا يجوز الالتفات مطلقاً، سواءٌ في الصلاة المفروضة أم النافلة.
تنبيـه:
الحديث الوارد هنا ضعيف الإسناد، فلا يؤخذ منه حكم شرعي في تفصيل حكم الالتفات بين صلاة الفرض والنفل، وإنما أخذنا شيئاً من هدايته جرياً علىٰ طريقتنا: «أن الحديث الضعيف إذا كان له أصل صحيح اعتبرناه».
فأصل النهي عن الالتفات في الصلاة قد ورد بأحاديث كثيرة صحيحة، أما التتمة الواردة: «فإن كان لابد ففي التطوع لافي الفريضة» فضعيفة الإسناد، وعليه: فالنهي عن الالتفات يشمل الفريضة والنافلة، دون تفضيل.
342 ــ باب النّهي عن الصّلاة إلى القبور
1/1757 ــ عن أبي مَرْثَدٍ كناز بن الحُصَيْنِ رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لا تُصلُّوا إلىٰ القُبُورِ، ولا تَجْلسُوا عَلَيْها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) تحريم الصلاة إلىٰ القبور والجلوس عليها.
2) لا يجوز تعظيم القبور باتخاذها مساجد؛ لأن هذا مفتاح للشرك، وكذلك فلا يجوز امتهانها وإهانتها؛ لأن للمسلم حرمة في حياته وبعد مماته. فلا نغلو ولا نجفو، ودين الله وسط بين طرفين، وحق بين باطلين، وهدىً بين ضلالتين.
343 ــ باب تحريم المُرور بينَ يَدَي المصَلي
1/1758 ــ عن أبي الجُهيم عبد الله بن الحارث بن الصِّمَّة الأنْصَاريِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يعلمُ المارُّ بينَ يَدَي المُصَلِّي ماذا عليه لكَانَ أن يقفَ أرْبَعينَ خَيْراً لَهُ من أن يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْه». قَالَ الراوي: لا أدري قَالَ أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أرْبَعين سَنَةً. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) تحريم المرور بين يدي المصلِّي، سواءٌ أكانت الصلاة فرضاً أم نفلاً، في المسجد أو في غيره، وفي مكة أو غيرها من البلدان.
2) من الحكمة في النهي عن المرور بين يدي المصلي أنه يقطع تمام توجُّه العبد إلىٰ ربِّه؛ ولأن موضع السترة حق المصلي، فلا يجوز تعديها.
344 ــ باب كراهة شرُوع المأموُم في نافلة بعد شروع المؤذِّن في إقامة الصلاة، سواء كانت النافلة سُنةَ تلك الصلاة أو غيرَها
1/1759 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) لا يجوز ابتداء أو إكمال صلاة النافلة مع إقامة الصلاة المكتوبة، لأن حق الفرض مقدَّم علىٰ النفل.
2) من فقه العبد عند تزاحم العبادات أن يُقدِّم الفاضلة علىٰ المفضولة.
فائدة:
إذا أقيمت الصلاة وأنتَ في نافلة، فإن كنت في الركعة الأولىٰ فاقطعها، وإن كنتَ في نهاية الصلاة كالتشهد مثلاً فأتمّها خفيفة، وأما كيفية قطعها؛ فبمجرد الخروج منها من غير تسليم، لأن التسليم محلّه آخر التشهد، والله أعلم.
345 ــ باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيامٍ أو ليلته بصلاة من بين الليالي
1/1760ــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَينِ اللَّيَالي، ولا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأيام إلَّا أَنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رواه مسلم.
2/1761ــ وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ إلَّا يَوْماً قَبْلَهُ أَوْبَعْدَهُ». متفقٌ عليه.
3/1762ــ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: سَألْتُ جَابِراً رضي الله عنه: أَنْهَىٰ النَّبِيُّ صَلَّىٰ الله علَيهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَومِ يَوْمِ الجُمُعَةِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. متفقٌ عليه.
4/1763ــ وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيةَ بِنْتِ الحَارِثِ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: لا، قَالَ: «تُرِيدِينَ أنْ تَصُومِي غَداً ؟» قَالَتْ: لا، قَالَ: «فَأفْطِرِي». رَوَاهُ البُخاري.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن إفراد صيام يوم الجمعة وحده، ولكن يجوز أن يُصام إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده.
2) لا يجوز تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، لأن تخصيص عبادة بزمان لابد فيه من دليل خاص.
تنبيـه:
يخرج من هذا النهي من كان محافظاً علىٰ القيام في الليل، فإنه يجوز له قيام ليلة الجمعة، لأنه لم يخصصها بقيام، والله أعلم.
346 ــ باب تحريم الوصَال في الصّوم وهو أن يصوم يومين أو أكثر، ولا يأكل ولا يشرب بينهما
1/1764 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ وعائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عَنِ الوِصَالِ. متفقٌ عليه.
2/1765 ــ وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الوصَالِ، قالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «إنِّي لستُ مثلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَىٰ». متفقٌ عليه، وهذا لفظُ البخاري.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن الوصال في الصوم حفظاً للنفس، لئلا تملَّ من مواصلة العبادة دون انقطاع.
2) بيان سعة رحمة الله ولطفه بعباده، فإنه جل جلاله أرحم بهم من أنفسهم.
347 ــ باب تحريم الجلوس عَلَى قبر
1/1766 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يجلسَ أحَدُكُمْ عَلَىٰ جَمْرَةٍ، فتُحْرِقَ ثيابَهُ، فتَخْلُصَ إلىٰ جِلْدِهِ خيرٌ لَهُ من أن يجلسَ عَلَىٰ قَبْرِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
تخلص: تصل إلىٰ جلده فتحرقه.
هداية الحديث:
1) النهي عن الجلوس علىٰ قبر المسلم، لأن حرمة المسلم وهو ميت، كحرمته وهو حيّ.
2) الترغيب في ضرب المثال أثناء الوعظ، فهذا من الأساليب النبوية في التعليم.
348 ــ باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه
1/1767 ــ عن جابر رضي الله عنه قَالَ: نهىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأنْ يُقْعَدَ عليه، وأنْ يُبْنَىٰ عليه. رواه مسلم.
غريب الحديث:
يُجصص: يبيّض بالجصّ، ويدخل في ذلك كل ما يزين القبر ويزخرفه، من الرخام والحجر ونحوه.
هداية الحديث:
1) إظهار النهي عن تجصيص القبور، والبناء عليها، لأن هذا يؤدي إلىٰ تعظيم القبور في قلوب الناس، وربما أدّىٰ إلىٰ الاستغاثة والاستنجاد بالمقبورين من دون الله _عز وجل_، مع ما في ذلك من الإسراف والتبذير المنهي عنهما في الشرع.
2) نَهَتِ الشريعة عن كل ما هو وسيلة إلىٰ الشرك الأكبر، وسدّت جميع الأبواب الموصلة إليه، حماية لجناب التوحيد.
فائدة:
من مفاسد تجصيص القبور والبناء عليها:
1) مخالفة الأمر النبوي، والوقوع في المعصية، وقد قال صلى الله عليه وسلم موصياً معاذ بن جبل رضي الله عنه: «وإيّاكَ والمعصيةَ، فإنَّ بالمعصيةِ حَلَّ سَخَطُ اللهِ». رواه أحمد.
2) فتح باب الإشراك بالله تعالىٰ، لافتنان الناس بالقبور المعظمة.
3) مشابهة مقابر الكفار، ومن أعظم مقصود الشريعة مخالفة أصحاب الجحيم، وموافقة أهل الصراط المستقيم.
4) الوقوع في الإسراف المحرم والتبذير المنهي عنه في الشريعة.
5) ذهاب الخشوع والذكرىٰ أثناء زيارة القبور، لأنها تصير كبيوت الأحياء مزخرفة ومزيَّنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور؛ فإنها تذكّركم الآخرة». رواه ابن ماجه.
349 ــ باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيّده
1/1768 ــ عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما عَبْدٍ أبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ منهُ الذِّمَّةُ». رواه مسلم.
2/1769 ــ وعنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أبَقَ العَبْدُ لم تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ». رواه مسلم.
وفي رواية: «فَقَدْ كَفَرَ».
غريب الحديث:
العبد: المملوك.
أبق: هرب من سيده.
الذمة: العهد والأمان.
هداية الأحاديث:
1) التحذير الشديد من خروج المملوك عن طاعة سيده في المعروف.
2) إن هروب العبد من سيده من مبطلات الأعمال، ومن شعب الكفر.
350 ــ باب تحريم الشفاعة في الحُدُود
قَالَ الله تَعَالىٰ: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجلِدُواْ كُلَّ وَٰحِد مِّنهُمَا مِاْئَةَ جَلدَة وَلَا تَأخُذكُم بِهِمَا رَأفَة فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأخِرِ} [النور: 2].
1/1770ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزومِيَّةِ الَّتي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَتشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالىٰ؟» ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأيْمُ الله، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». متَّفقٌ عليه.
وفي رِوَايةٍ: فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟!» قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لي يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ المَرْأَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا.
غريب الحديث:
أهمهم: أحزنهم.
يجترئ: من الجرأة، وهي عدم الخوف من المواجهة أو اللقاء، ومعناه: لا يقوىٰ علىٰ الكلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمهابته إلا أسامة رضي الله عنه.
حب: حبيب.
وأيم الله: أي أحلف بالله.
فاختطب: خطب الناس.
الحدود: هي العقوبات الشرعية التي قدّرها الله ورسوله علىٰ فاعل المعصية.
هداية الحديث:
1) تحريم الشفاعة في الحدود بعد بلوغها الإمام الحاكم.
2) الإعلام بأن أحكام الشرع يستوي فيها الشريف والوضيع، والغني والفقير، فيجب إقامتها دون النظر إلىٰ حال العاصي وشرفه ونسبه، وهذا من دلائل قوة الأمة، وأسباب فلاحها ونصرها.
3) الاعتبار والاتعاظ بأحوال من مضىٰ من الأمم التي بدّلت منهج الله _عز وجل_، فأذاقها الله العذاب في الدنيا والآخرة، {فَٱعتَبِرُواْ يَٰأُوْلِي ٱلأَبصَٰرِ}.
351 ــ باب النّهي عن التغوّط في طريق الناس وظلِّهم وموارد الماء ونحوها
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
1/1771 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ» قالوا: وما اللاَّعنَان؟ قَالَ: «الذي يَتَخَلَّىٰ في طريق النَّاس، أو في ظلِّهمْ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
اتقوا: احذروا، وهو من الوقاية.
اللاعن: اسم فاعل من اللعن، وهو المتسبب في جلب اللعن علىٰ صاحبه.
يتخلىٰ: من التخلي: وهو التغوّط (التبرّز).
هداية الحديث:
1) نَهَتِ الشريعة عن كل ما يؤذي مجامع الناس، وأماكن استراحتهم، وهذا من محاسن التشريع الإسلامي.
2) حرص الصحابة علىٰ فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك راجعوه في المسألة!. وهذا هو شأن المؤمن يحرص علىٰ فهم مسائل الشرع وتعقُّلها، للعمل بها.
352 ــ باب النهي عن البَول ونحوه في الماء الراكد
1/1772 ــ عن جابر رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نهىٰ أن يُبَالَ في الماءِ الرَّاكدِ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
الراكد: الذي لا يتحرك كَماءِ البِرَكِ الصغيرة.
هداية الحديث:
1) تحريم أذية المؤمنين بالقول ؛ كالسب والشتم ، أو بالفعل؛ كالتبول في موارد المياه.
2) من محاسن الشريعة الإسلامية الحثُّ علىٰ كل ما يحفظ صحة الفرد والمجتمع، ولذلك نهت عن البول في الماء الراكد.
353 ــ بابُ كراهة تفضيل الوَالد بعَض أولاده عَلَى بعض في الهبَة
1/1773ــ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَبَاهُ أَتَىٰ بِهِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هذا غُلاماً كَانَ لي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هذَا؟» فَقَالَ: لا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فَأَرْجِعْهُ».
وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَفعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «اتَّقُوا الله وَاعدِلُوا في أَوْلَادِكُمْ» فَرَجَعَ أَبي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَىٰ هذَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هذا؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَلا تُشْهِدْني إذاً، فَإنِّي لا أَشْهَدُ عَلىٰ جَوْرٍ».
وَفي رِوَايَةٍ: «لا تُشْهِدْني عَلىٰ جَوْرٍ».
وفي روايةٍ: «أَشْهِدْ عَلىٰ هذا غَيْرِي» ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إلَيْكَ في الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلىٰ، قَالَ: «فَلا إذاً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
نحلتُ: أعطيتُ، ووهبت دون عوض.
جَور: ظلم.
هداية الحديث:
1) تحريم تفضيل بعض الأولاد علىٰ بعض في العطية، والحث علىٰ وجوب العدل بينهم.
2) إن عدل الوالدين مع أولادهم سببٌ في برهم وإحسانهم، فهل عقل المربّون ذلك؟!
فائدة:
ــ المراد بالعطية: التبرع المحض، وليست النفقة، ففي النفقة: يُعطىٰ كل ولد ما يحتاج إليه قليلاً كان أم كثيراً، فربما كان بعض الأولاد يطلب العلم، فيحتاج إلىٰ نفقة أكثر من غيره، فالعدل في هذه الحالة أن يُعطَىٰ كل ولد ما يحتاجه، ولو صار بين الأولاد تفاوت، فالعطية يجب العدل فيها والمساواة بين جميع الأولاد، وأما النفقة: فيكون قدرها بحسب الحاجة والمصلحة.
فائـدة:
بعض الناس يفضلون إعطاء الأولاد حصصهم من الميراث قبل وفاتهم، زعماً منهم أن ذلك يبعد الشقاق بين أولادهم، وعلىٰ العكس من ذلك فهم يقعون في جملة مخالفات.
أخطرها: تعدي حدود الله تعالىٰ في قسمة الميراث، لأن الله تعالىٰ أذن بالقسمة بعد الموت فقال: ﴿إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ﴾ وقال بعد بيان الفروض:
﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ * وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ}.
وأيضاً: ربما خروج عن الفروض المقدرة في كتاب الله، لطروء موت بعض الورثة قبل مورثهم. ثم تتداخل الفروض والأنصباء وينجر ذلك إلىٰ النقصان أو الزيادة أو الجحود في الحقوق المقدرة.
وأيضاً: ما يحصل بين الورثة من التشاحح والبغضاء والفرقة والخصومة، ما كان باعثه القسمة قبل الموت. وأكثر من يُظلم في ذلك الإناث دون الذكور.
إلى غير ذلك من المفاسد، في حين زعم المورِّث أنه يريد المصلحة. ورضي الله عن ابن مسعود عندما قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
فالواجب الوقوف عند الحد الشرعي ففيه كل الهداية والرحمة {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهتَدُواْ}. ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾.
354 ــ باب تحريم إحداد المرأة عَلَى مَيت فوق ثلاثة أيام إلا عَلَى زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام
1/1774 ــ عَنْ زَيْنَبَ بنْتِ أَبي سَلَمَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلىٰ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوها أبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ رضي الله عنه، فَدَعَتْ بطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيةٌ، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أني سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلىٰ المِنْبَرِ: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحدَّ عَلىٰ مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلىٰ زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلىٰ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللهِ، مَا لي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أني سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلىٰ المِنْبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأَة تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخر أَنْ تُحِدَّ عَلىٰ مَيَتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا عَلىٰ زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
صفرة خلوق: ما يُتطيب به.
مست بعارضيها: أصابت بالطيب شيئاً من بدنها.
الإحداد: ترك الزينة من الطيب ونحوه.
هداية الحديث:
1) تحريم إحداد المرأة علىٰ أي ميت لها، أخ أو ابن أو قريب أو غيرهم، فوق ثلاثة أيام، إلا علىٰ زوجها فإنها تحد أربعة أشهر وعشرة أيام.
2) استجابة الصحابة رضي الله عنهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصهم علىٰ تطبيقها، وإن خالفت هوىٰ النفس أو العادة الشائعة بين الناس؛ فَلْنحرصْ علىٰ توظيف السنن في أقوالنا وأفعالنا، لأن هذا دليل الإيمان الصادق.
355 ــ باب تحريم بيع الحاضر للبَادي وتلقي الرّكبان والبيع عَلَى بيع أخيه والخِطبة عَلَى خطبته إلا أن يأذن أو يرد
1/1775 ــ عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإنْ كانَ أَخَاهُ لأبِيهِ وَأُمِّهِ. متفق عليه.
2/1776 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَتَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّىٰ يُهْبَطَ بهَا إلىٰ الأسْوَاقِ». متفقٌ عليه.
3/1777 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». فَقَالَ لَهُ طَاووسُ: مَا قوله: لا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً. متفق عليه.
غريب الحديث:
حاضر لباد: الحاضر من يسكن الحاضرة، وهي: المدينة، والبادي: من يسكن البادية.
تلقي الركبان: هو أن يستقبل الحضريُّ البدويَّ قبل وصوله إلىٰ البلد.
هداية الأحاديث:
1) من حكمة تحريم بيع حاضر لبادٍ ألا يُخَدع البائعُ البدويُّ، فهو لا يعرف أسعار البضاعة في السوق.
2) الإسلام ضَمِن للجاهل أو الغافل حقه أثناء البيع والشراء، وبذلك هدم القاعدة الجائرة المتعارف عليها: (القانون لا يحمي المُغفَّلين) و(القانون لا يحمل المغفلين)!
3) صلة النسب لا تبيح شيئاً مما حرمه الله، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ إقامة شرع الله تعالىٰ، ولو عارض ذلك مصالح القرابة.
4/1778 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تنَاجَشُوا، وَلا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلىٰ بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطبُ عَلىٰ خِطْبَةِ أخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتكْفَأَ مَا في إنَائِهَا. وفي رِوَايَةٍ قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلىٰ سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهَىٰ عَنِ النَّجَشِ وَالتَّصْرِيَةِ. متفق عليه.
5/1779 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلىٰ بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا يَخْطُبْ عَلىٰ خِطْبَةِ أَخِيهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ». متَّفقٌ عليه، وهذا لَفْظُ مسلمٍ.
6/1780 ــ وَعَنْ عُقْبهَّ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «المُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ، فَلاَ يَحِلُ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَىٰ بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبَ عَلَىٰ خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّىٰ يذَرَ». رواهُ مسلمٌ.
غريب الحديث:
النجش: الزيادة في الثمن مخادعة وتغريراً لغيره.
لتكفأ ما في إنائها: مأخوذ من كفأتُ القِدْرَ: أي قلبتُه، والمراد: زواجها بالرجل بدل أختها في الدِّين.
يستام الرجل علىٰ سوم أخيه: هو أن يتفق مالك السلعة والراغب فيها علىٰ المبيع، ويركنا إلى البيع، وإن لم يعقداه بعدُ، فيأتي آخر للبائع فيقول له: أنا أشتري سلعتك.
التصرية: جمع اللبن في ضرع الناقة أو الشاة عند إرادة بيعها، حتىٰ يعظم ضرعها، غشاً وخديعة، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها دائمة.
هداية الأحاديث:
1) تحريم رفع السعر في البيع بقصد الخديعة، وتحريم بيع الرجل علىٰ بيع أخيه، وتحريم السوم علىٰ سوم المسلم بعد استقرار الثمن، والركون إلىٰ البيع.
2) النهي عن كل ما يحدث الفرقة والشقاق بين المرأة وزوجها، ويوغر الصدور بالحقد والكراهية.
3) تحريم كل أنواع الغش والمخادعة، وكل ما يُلحق الضرر بالمسلمين.
4) من نِعَمِ هذه الشريعة أنها سعت لتوثيق عرىٰ الأخوة الإيمانية، وحذرت من كل ما يفسدها.
356 ــ بابُ النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه الَّتي أذن الشرع فيها
1/1781ــ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تَعَالىٰ يَرْضَىٰ لَكُمْ ثَلاثاً، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثاً: فَيَرْضَىٰ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدوه، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ». رواه مسلم، وتقدَّم شرحه.
2/1782 ــ وَعَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ المُغِيرةِ بْنِ شُعْبةَ قَالَ: أَمْلَىٰ عَلَيَّ المُغِيرَةُ في كِتَابٍ إلىٰ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبةٍ: «لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهم لاَ مَانعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنه «كَانَ يَنْهَىٰ عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإضَاعَةِ المَالِ، وَكَثَرَةِ السّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَىٰ عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ». متفق عَلَيْهِ، وسبقَ شرحه.
غريب الحديث:
الجدِّ: الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان.
وأد البنات: دفن البنات وهُنَّ أحياء.
هداية الحديث:
1) النهي عن اشتغال العبد بما لا ينفعه؛ كالقيل والقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
2) إنَّ الأمر بالتوحيد، مع النهي عن الشرك، والاعتصام بالجماعة، مع عدم الفرقة، من أعظم ما أمرت به الشريعة.
3) النهي عن العقوق عام، يشمل عقوق الأمهات والآباء، وإنما خصّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمهات بالذكر لضعفهن وشدة حاجتهن.
357 ــ باب النّهي عن الإشارة إلى مُسلم بسلاح ونحوه سواء كان جادّاً أو مازحاً، والنهي عن تعاطي السيف مسلولاً
1/1783 ــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ إلَىٰ أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ في يَدهِ، فَيَقَعَ في حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ». متفقٌ عليْهِ.
وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَشَارَ إلَىٰ أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّىٰ يَنْزِعَ، وَإنْ كَانَ أَخَاه لأَبِيهِ وَأُمِّهِ».
قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِعَ» ضُبِطَ بالْعَيْنِ المُهْمِلَةِ مَعَ كَسْرِ الزَّاي، وبالْغَيْنِ المُعجَمَةِ مع فتحِها ومعناهما متَقَارِبٌ، وَمَعْنَاهُ بِالمهْمَلَةِ يَرْمِي، وبالمُعجَمَةِ أَيْضاً يَرْمِي وَيُفْسِدُ، وَأَصْلُ النَّزْعِ: الطَّعْنُ وَالْفَسَادُ.
هداية الحديث:
1) تحريم تعاطي الأسباب المؤدية إلىٰ أذية المسلمين بأي وجه.
2) بيان حرص الشيطان علىٰ إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين.
2/1784 ــ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُتَعَاطَىٰ السَّيْفُ مَسْلُولاً. رَواهُ أبُو دَاود، والترمذي وقال: حديثٌ حَسَن.
هداية الحديث:
1) النهي عن جميع أسباب الأذية والفساد بين المسلمين.
2) إظهار محاسن الشريعة في جلب الخير للعباد، وصرف كل أنواع الضرر عنهم.
فالدِّينُ جاءَ لِسعَادةِ البَشَرْ ولانتفاءِ الشَّرِّ عنهم والضَّرَرْ
فكلُّ أمرٍ نـافعٍ قد شَــرَعَهْ وكـلُّ ما يضـرُّنا قد مَـنَعَــــــهْ
358 ــ باب كراهة الخروج من المسجد بَعد الأذان إلا لعذر حَتَّى يصلِّي المكتوبة
1/1785 ــ عن أبي الشَّعْثَاءِ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً مع أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه في المسجد، فأذَّن المؤذِّنُ، فقامَ رجُلٌ منَ المسجد يمشي، فأتْبَعَهُ أبو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّىٰ خَرَجَ من المسجد، فَقَالَ أبُو هُرَيْرَة: أمَّا هذا فقد عَصَىٰ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان لمن تلزمه الصلاة إلا لعذر، حتىٰ لا يُظن السوء بالمسلم.
2) بيان فضل شهود صلاة الجماعة، وحث الشريعة علىٰ عدم تفويتها.
فائـدة:
ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يسمع النداء أحدٌ في مسجدي هذا، ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إلا منافق». رواه الطبراني في (الأوسط).
والحديث وإن كان ظاهره اختصاص الحكم المذكور بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه من حيث المعنىٰ عام لكل المساجد، للأحاديث الكثيرة الدالة علىٰ وجوب صلاة الجماعة، ولأن الخروج من المسجد ــ لغير عذر ــ قد يفوت الواجب، والله أعلم.
359 ــ باب كراهة ردّ الريحان لغير عُذر
1/1786 ــ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عُرضَ عليه رَيْحَانٌ فلا يَرُدَّهُ، فإنَّهُ خَفيفُ المَحْمل، طيِّبُ الرِّيح». رواه مسلم.
2/1787 ــ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يرُدُّ الطِّيْبَ. رواه البخاري.
هداية الأحاديث:
1) إن قَبول الطِّيب أمر مستحب من هدي النبوة، ما لم يتأذىٰ المرء بالرائحة فيفعل المصلحة.
2) علىٰ العبد أن يكون طيب الرائحة، كما كان عليه هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فائـدة:
الرائحة الطيبة غذاء الروح، والملائكة تحب الروائح الطيبة، أما الشياطين فتنفر منها، ومعلوم أن قوة النفس تزداد بالطيب والروائح الزكية، لذلك كان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي لمـّا حثّ علىٰ الطِّيب ورغّب فيه ؛ فما أحسنها من شريعة!
360 ــ باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مَفسدةٌ من إعجاب ونحوه ، وجوازه لمن أمِنَ ذلك في حقه
1/1788ــ عَنْ أَبي مُوسَىٰ الأشْعَرِيّ رضي الله عنه قَالَ: سَمعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُثْنِي عَلَىٰ رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في المِدْحَةِ، فَقَالَ: «أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ». متفقٌ عليهِ.
«وَالإطْرَاءُ»: المُبَالَغَةُ في المَدْحِ.
2/1789ــ وَعَنْ أَبي بكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَكَ ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» يقُولُهُ مِرَاراً: «إنْ كانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إنْ كَانَ يَرَىٰ أَنَّهُ كَذلِكَ، وَحَسِيبُهُ الله، وَلاَ يُزَكَّىٰ عَلَىٰ الله أَحَدٌ». متفقٌ عليه.
3/1790ــ وَعَنْ همَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ المِقْدَادِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثمَانَ رضي الله عنه، فَعَمِدَ المِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَىٰ رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْثُو في وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ». رَوَاهُ مسلم. هذِهِ الأحَادِيثُ في النّهْيِ، وَجَاءَ في الإبَاحَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.
قَالَ العُلَمَاءُ: وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ الأحَادِيثِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ المَمْدُوحُ عِنْدَهُ كَمَالُ إيمَانٍ وَيَقِينٍ، وَرِيَاضَةُ نَفْسٍ، وَمَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِحَيْثُ لاَ يَفْتَتِنُ، وَلا يَغْتَرُّ بِذلِكَ، وَلا تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَإنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هذِهِ الأُمُورَ، كُرِهَ مَدْحُهُ في وَجْهِهِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَعَلَىٰ هذَا التَّفْصِيلِ تُنَزَّلُ الأحَادِيثُ المُخْتَلِفَةُ في ذلِكَ. وَمِمَّا جَاءَ في الإبَاحَةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه: «أَرْجُو أَنْ يكُونَ مِنْهُمْ» أَيْ: مِنَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لِدُخُولهَا، وفي الحَدِيثِ الآخر: «لَسْتَ مِنْهُمْ». أَيْ: لَسْتَ مِنَ الَّذِينَ يُسْبِلُونَ أُزُرَهُمْ خُيَلاَءَ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ رضي الله عنه: «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكاً فَجّاً إلَّا سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ» وَالأحَادِيثُ في الإبَاحَةِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنْ أَطْرَافِهَا في كِتَابِ: «الأَذْكَارِ».
غريب الحديث:
يحثو: يرمي. الحصباء: صغار الحصىٰ.
هداية الأحاديث:
1) المدح يكون علىٰ سبيل حسن الظن بالممدوح، لا علىٰ سبيل الجزم والقطع.
2) سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيق سُنّته، ويظهر ذلك في فعل المقداد، واستجابة عثمان وإقراره رضي الله عنهما. فاحرصْ علىٰ أن تقتدي بهدي خير هذه الأمة رضي الله عنهم.
فائدة:
هل يُستحسن للمرء أن يمدح أخاه بما هو فيه أو لا؟
هذا له أحوال:
ــ الحالة الأولىٰ: أن يكون في مدحه خيرٌ وتشجيعٌ له علىٰ الأوصاف الحميدة والأخلاق الفاضلة، فهذا لابأس به، لكن من غير مبالغة، وهو داخل في قوله تعالىٰ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ}.
ــ الحالة الثانية: أن تمدحه لتبين فضله بين الناس، كقولهصلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «أرجو أن تكون منهم»، ولعمرَ رضي الله عنه: «ما رآك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجِّك».
ــ الحالة الثالثة: أن يمدحه بما هو فيه، ليلبي له أمره أو يقضي له حاجته، فهذا جائز دون المبالغة في المدح، لأثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيراً، فإنما له ما قُدِّرَ له، ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه، فيقطع ظهره». والله أعلم.
ــ الحالة الرابعة: أن يمدحه بما هو فيه، لكنْ يُخْشىٰ أن يغترَّ الإنسان الممدوح بنفسه ويترفع علىٰ غيره، فهذا أيضاً محرم لا يجوز.
ــ الحالة الخامسة: أن يمدحه ويغلو في إطرائه، ويصفه بما لا يستحق، فهذا محرم، وهو كذب وخداع وضرر علىٰ المادح، والممدوح، والسامع، والله أعلم.
361 ــ باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها البلاء فراراً منه وكراهة القدوم عليه
قَالَ تَعَالىٰ: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ﴾ [النساء: 78]، وقَالَ تَعَالىٰ: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
1/1791 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، خَرَجَ إلىٰ الشَّامِ، حَتَّىٰ إذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَراءُ الأَجْنَادِ ــ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصحَابُهُ ــ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ لِي عُمَرُ: ادْعُ لِيَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلاَ نَرىٰ أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ نَرَىٰ أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَىٰ هذَا الوَبَاءِ. فَقَالَ: ارْتفِعُوا عنِّي، ثمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المهاجِرِينَ، وَاختَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلاَنِ، فَقَالُوا: نَرَىٰ أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَىٰ هذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَىٰ عُمَر رضي الله عنه في النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ عَلَىٰ ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ رضي الله عنه: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ الله؟ فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ــ وكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَهُ ــ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ الله إلَىٰ قَدَرِ الله، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُمَا خَصْبَة، وَالأُخْرَىٰ جَدْبَةٌ، أَليْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله، وَإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمن بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه، وَكَانَ مُتَغَيِّباً في بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي مِنْ هذَا عِلْماً، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإذا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ» فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَىٰ عُمَرُ رضي الله عنه، وانْصَرَفَ. متّفقٌ عليهِ.
وَالْعِدْوَةُ: جَانِبُ الْوَادِي.
2/1792 ــ وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمُ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
سرغ: منزل من منازل حاج الشام علىٰ مسافة من المدينة النبوية.
الأجناد: مدن أهل الشام: فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وغيرها.
الوباء: الطاعون، وهو اسم لكل مرض عام مهلك ينتشر بسرعة.
مصبح علىٰ ظهر: راجع إلىٰ المدينة.
تقدَمُوا: تقدَم، بفتح الدال، بمعنىٰ: تأتي، وتقدُم، بضم التاء، بمعنىٰ: يتقدم الشيء ويصل أولاً.
هداية الأحاديث:
1) حسن سياسة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه؛ إذ كان يأخذ المشورة من أهل الهدىٰ والرشد.
2) جواز خفاء العلم الشرعي علىٰ كبراء الناس، ويعلمه من دونهم.
3) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ألا يُقدم العبد علىٰ ما فيه الهلكة والضرر عليه أو علىٰ غيره.
4) إن فعل الأسباب الواقية من الهلاك والعذاب أمر مطلوب شرعاً، وهو لا يناقض صدق التوكل علىٰ الله _عز وجل_. وهذا من دفع القدر بالقدر.
فائـدة:
قال بعض السَّلف: ترك الأخذ بالأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، والتوحيد هو فعل السبب مع اعتماد القلب على الله تعالىٰ.
362 ــ باب التغليظ في تحريم السِّحر
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ﴾ الآية [البقرة: 102].
1793 ــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَت». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الموبقات: المهلكات.
هداية الحديث:
1) السحر من كبائر الذنوب، وباب إلىٰ الكفر، فلا يقوىٰ الساحر في سحره ويتمكن منه إلا إذا كفر! .
2) قَرنَ الحديثُ بين الشرك بالله، والسحر للعلاقة بينهما، ولبيان عظيم وزر متعاطي السحر.
363 ــ باب النّهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذَا خيفَ وقوعُه بأيدي العدو
1/1794 ــ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نهىٰ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُسافَرَ بالقُرْآنِ إلىٰ أرْضِ العَدُوِّ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) لا يجوز للإنسان أن يسافر بالمصحف إلىٰ بلاد الكفار إذا خشي إهانته من قبلهم، أما مع إمكان حفظه فلا إشكال في جواز ذلك بل قد يكون مستحباً أو واجباً.
2) وجوب تعظيم كتاب الله، وحفظه من الأدناس المادية والمعنوية، لأنه كلام الله _عز وجل_. ﴿فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ * مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ}.
364 ــ باب تحريم استعمَال إناء الذّهب وإناء الفضّة في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
1/1795 ــ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلمٍ: «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ».
2/1796 ــ وعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قالَ: إنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا عَنِ الحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وقال: «هُنَّ لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ في الآخرة». متَّفقٌ عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ في الصّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تَلْبِسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ، وَلاَ تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا».
3/1797 ــ وَعَنْ أَنسِ بنِ سِيْرِينَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أنسِ بْنِ مالكٍ رضي الله عنه عِنْدَ نَفَرٍ مِنَ المَجُوسِ، فَجِيءَ بِفَالُوذَجٍ عَلىٰ إنَاءٍ مِنْ فِضَّة، فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَوِّلْهُ، فَحَوَّلَهُ عَلىٰ إناءٍ مِنْ خَلَنجٍ، وَجِيءَ بِهِ فَأَكَلَهُ. رواه البيهقي بإسْنادٍ حَسَنٍ.
«الخَلَنْجُ»: الجَفْنَةُ.
غريب الحديث:
يجرجر: يجرّ ويسحب.
الديباج: نوع من الثياب الفاخرة.
فالوذج: نوع من الحلوىٰ.
صحافها: الصحاف جمع صَحْفَة، إناء كبير.
خلنج: شجر تُتخذ الأواني من خشبه، وقد فسرها المصنف بقوله: «الجفنة»، وهي من الأوعية.
هداية الأحاديث:
1) إن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب، فهي للكفار في الدنيا، ولأهل الإيمان في الآخرة، جزاء امتثالهم أمر نبيِّهم صلى الله عليه وسلم.
2) علىٰ المسلم إذا علم حكماً شرعياً أن ينقاد لامتثاله، ويُعَوِّد نفسه علىٰ الاستسلام لأمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا من دلائل صدق إيمانه.
فائدة جليلة:
ذكر العلامة ابن قيم الجوزية فائدة حول الحكمة في نهي الشريعة عن الشرب بآنية الذهب والفضة، فقال ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (زاد المعاد في هدي خير العباد):
«فقيل: علة التحريم؛ تضييق النقود، ... وقيل: العلة الفخر والخيلاء. وقيل: العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين، وهذه العلل فيها ما فيها... والصواب أن العلة ــ والله أعلم ــ ما يكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم بأنها للكفار في الدنيا إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالُها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته، ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة». انتهى مختصراً.
فتأمل أخي في طريقة عالمِ التوحيد والسنة، كيف ربط بين التوحيد والفقه، والأمر والشرع، والظاهر والباطن، ولكن هذا الفهم للنصوص الشرعية لا يوفق له إلا من كان على منهج: (ما أنا عليه وأصحابي). جعلنا الله من أتباعه وأنصاره.
365 ــ باب تحريم لبس الرّجل ثوباً مزعفراً
1/1798ــ عن أنس رضي الله عنه قَالَ: نهىٰ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. متفقٌ عليه.
2/1799 ــ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قَالَ: رأىٰ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوْبَيْن مُعَصْفَرَين، فَقَالَ: «أمُّكَ أمرَتْكَ بهذا؟» قلت: أغْسلُهُمَا؟ قَالَ: «بل أحْرقْهُمَا». رواه مسلم.
وفي رواية، فَقَالَ: «إنَّ هذا من ثياب الكُفَّار فلا تَلْبِسْهَا».
غريب الحديث:
يتزعفر: يصبغ ثوبه، أو يطلي جسمه بالزعفران، والزعفران: نبت ذو لون أصفر يُصبغ به.
معصفرين: مصبوغين بالعصفر، والعصفر: نبت أصفر معروف.
هداية الأحاديث:
1) النهي عن لبس الرجل الثياب المعصفرة، لأنها من لباس الكفار الذين نُهينا أن نتشبه بهم.
2) وجوب المحافظة علىٰ الشخصية المسلمة لأفراد الأمة، فهي متميزة في كل شؤونها، ومن ذلك: هديها في اللباس الظاهر.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالى ــ في (اقتضاء الصراط المستقيم):
«قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سُنّته، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر (اللباس ونحوه) لِحكم، منها:
إن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلىٰ موافقة ما في الأخلاق والأعمال.
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة، توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف علىٰ أهل الهدىٰ والرضوان.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتىٰ يرتفع التميز ظاهراً بين المهديِّين المرضيِّين، وبين المغضوب عليهم والضَّالِّين، إلىٰ غير ذلك من الأسباب الحُكْمية».
366 ــ باب النّهي عن صَمت يَوم إلى الليل
1/1800 ــ عَنْ عَليٍّ رضي الله عنه قالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ، وَلا صُمَاتَ يَوْمٍ إلىٰ اللَّيْلِ». رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.
قالَ الخَطَّابي في تفسِيرِ هذا الحديثِ: كَانَ مِنْ نُسُكِ الجَاهِلِيَّةِ الصُّمَاتُ، فنُهُوا في الإسْلامِ عَنْ ذلِكَ، وَأُمِرُوا بِالذِّكْرِ وَالحَدِيثِ بِالخَيْرِ.
2/1801 ــ وعَنْ قيس بنِ أبي حازِمٍ قالَ: دَخَلَ أبُو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه عَلىٰ امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَها: زَيْنَبُ، فَرآَهَا لا تَتكَلَّمُ، فقالَ: مَا لَها لا تَتكَلَّمُ؟ فقالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً، فقالَ لَها: تكَلَّمِيْ، فَإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَتكَلَّمَتْ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
صُمات: سكوت.
هداية الأحاديث:
1) وجوب مخالفة أعمال أهل الجاهلية وأحوالهم، فلا يجوز للعبد أن يتعبِّد لله تعالىٰ بالسكوت إلىٰ الليل، لأن هذا ليس من هدي الإسلام.
2) من نذر أن يصمت فلا وفاء لنذره، لأنه نذرُ معصيةٍ لا ينعقد.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أنْ يطيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يَعصِيَ اللهَ فلا يَعْصِهِ». رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها.
367 ــ باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتولِّيه إلى غير مَواليه
1/1802 ــ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ ادَّعَىٰ إلىٰ غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُو يَعْلَمُ أَنّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ». متفقٌ عَليْهِ.
2/1803 ــ وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمن رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
ادعىٰ: انتسب.
هداية الأحاديث:
1) لا يحل للعبد أن ينتسب إلىٰ غير أبيه. لأن هذا من تقطيع الأرحام، والفساد العام.
2) بيان هدي الإسلام في المحافظة علىٰ الأنساب، وهذا من محاسن التشريع.
3) وجوب برّ الوالد، ومما يدخل في البرّ انتساب الرجل إلىٰ أبيه.
3/1804 ــ وَعَنْ يزِيدَ بنِ شريكِ بنِ طَارِقٍ قالَ: رَأَيْتُ عَلِيّاً رضي الله عنه عَلىٰ المِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يقُولُ: لا وَالله مَا عِنْدَنا مِنْ كِتَابٍ نَقْرَؤُهُ إلَّا كِتَابَ الله وَمَا في هذهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الجرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلىٰ ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أَوْ آوَىٰ مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَىٰ بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً، وَمَنِ ادَّعَىٰ إلىٰ غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَىٰ إلىٰ غَيْرِ مَوَاليهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاَ». متفقٌ عليه.
«ذِمَّةُ المسْلِمِين» أَيْ: عَهْدهُمْ وَأَمَانَتُهُمْ. «وَأَخْفَرَهُ»: نَقَضَ عَهْدَهُ. «وَالصَّرفُ»: التَوْبَةُ، وَقِيلَ: الحِيْلَةُ. «وَالْعَدْلُ»: الْفِدَاءُ.
غريب الحديث:
أسنان الإبل: بيان أعمارها التي تُؤدَّىٰ كدية في القتل.
الجراحات: أحكام من القصاص.
عَيْر وثَوْر: جبلان في المدينة النبوية من جهة جنوبها وشمالها.
هداية الحديث:
1) لم يخصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل البيت ــ رضي الله عنهم ورفع قدرهم ــ بشيء من العلم دون الناس، بل عِلمُهُم مأخوذ من الكتاب والسنة، كعلم جميع الصحابة رضي الله عنهم.
2) تحريم الإحداث في دين الله، لأنه من إفساد الدين.
3) الإعلام بحرمة المسلمين وفضلهم عند الله _عز وجل_، ووجوب الانتصار لهم، والدفاع عنهم وعن حقوقهم.
4) الوعيد الشديد باللعن والطرد من رحمة الله لمن ادعىٰ إلىٰ غير أبيه.
4/1805 ــ وَعَنْ أبي ذرٍّ رضي الله عنه أَّنهُ سَمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَىٰ لِغَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُه إلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَىٰ ما لَيْسَ لهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ، وهذَا لَفْظُ روايةِ مُسْلِمٍ.
غريب الحديث:
حار عليه: رجع إليه.
هداية الحديث:
1) تحريم الدعاوىٰ الباطلة كلها، ومن ذلك: انتسابُ الرجل إلىٰ غير أصله.
2) تحريم تهمة المسلمين بالكفر، أو رميهم بمعاداة الله، إلا ما ثبتت الأدلة الشرعية والقواعد المرعية، وفتاوىٰ الأئمة، بجواز تكفيره.
368 ــ باب التحذير من ارتكاب مَا نهى الله عزَّ وجل أو رسُوله صلى الله عليه وسلم عَنْهُ
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال تعالىٰ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ [آل عمران: 30] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
هداية الآيات:
1) تحذير العبد وترهيبه من الوقوع في المحرمات، ولا يغلبه الأمن من مكر الله _عز وجل_ أن يتساهل في مواقعتها.
2) الحذر مما نهىٰ الله تعالىٰ ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه، فهذا من دلائل صدق الإيمان.
1/1806 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالىٰ يَغَارُ، وغيرةُ الله أنْ يأتيَ المَرْءُ مَا حرَّمَ اللهُ عَلَيْه». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) وجوب مجانبة المعاصي، لأنها تسبب غضب الله سبحانه وتعالىٰ.
2) إنَّ العلمَ بغيرة الله سبحانه علىٰ محارمه؛ تدفع المؤمن المعظِّم ربَّه _عز وجل_ ألا يتعدىٰ الحدود وينتهك المحارم.
3) في الحديث إثبات صفة الغيرة لله تعالىٰ علىٰ ما يليق به سبحانه.
تنبيـه:
إن عقيدة أهل السنة والجماعة، أن يُثبتوا لله تعالىٰ جميع الصفات التي أثبتها سبحانه لنفسه، في كتابه أو علىٰ لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، علىٰ ما يليق به _عز وجل_ ، قال إمامنا الشافعي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «آمنْتُ بالله، وبما جاء عن الله، علىٰ مراد الله، وآمنْتُ برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، علىٰ مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم». (مجموع الفتاوىٰ).
369 ــ باب مَا يقوله ويفعله مَن ارتكبَ منهياً عَنْهُ
قَالَ الله تَعَالىٰ: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيطَٰنِ نَزغ فَٱستَعِذ بِٱللَّهِ} [فصلت: 36]، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ} [آل عمران:135 ــ 136] ، وقال تعالىٰ: {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلمُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ} [النور: 31].
هداية الآيات:
1) لا يجوز للعبد أن يغترّ بإمهال الله تعالىٰ له، لأن الأمن مِنْ مكرِ الله _عز وجل_ من صفات المنافقين والكافرين.
2) علىٰ العبد إذا أذنب أن يرجع إلىٰ مولاه ويتوب إليه، فإن الله يحب التوابين.
3) التوبة إلىٰ الله تعالىٰ تستوجب الرجوع من الإشراك بالله إلىٰ التوحيد، ومن البدعة إلىٰ اتباع السنّة، من المعصية إلىٰ الطاعة.
فائدة:
لا بد في التوبة من شروطها الأربعة التي سبقت في أول الكتاب (باب التوبة).
1/1807 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقالَ في حَلفِهِ: باللَّاتِ والعُزَّىٰ، فليَقُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ومَنْ قَالَ لصَاحبِهِ: تعالَ أقامرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ». متفق عليه.
غريب الحديث:
أقامرك: أراهنك.
هداية الحديث:
1) دواء الشيء يكون بضده؛ فمن حلف بيمين شركٍ فدواؤه كلمة التوحيد، ومن فعل المعصية داواها بالطاعة.
2) إن الحسنات يُذْهبْنَ السيئات، فالموفَّق من عباد الله تعالىٰ من أتبع السيئة الحسنة. رعايةً لصحة إيمانه وقلبه.
كتاب المنثورات والمُلَح
370 ــ باب المنثورات والمُلَح
فائدة:
المنثورات: ما كانت من أبواب متفرقة من العلم.
المُلَح: ما يستحسن ويستعذب عند إمراره علىٰ سبيل القلة.
1/1808ــ عَنِ النَّوَاسِ بنِ سَمْعَانَ رضي الله عنه قالَ: ذَكَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ، حَتَّىٰ ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَلَمَّا رُحْنَا إلَيْه عَرَفَ ذلِكَ فِينَا، فَقالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قُلْنَا: يا رَسُولَ الله، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الْغَدَاةَ، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّىٰ ظَنَنَّاه في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فقالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفني عَلَيْكُمْ، إنْ يَخْرُجْ وأَنا فِيكُمْ، فأنَا حَجيْجُهُ دونكُم، وَإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَالله خَلِيفَتي عَلىٰ كُلِّ مُسْلِم. إنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُه بِعَبْدِ الْعُزَّىٰ بنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَه مِنكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِيناً وَعاثَ شِمَالاً، يَا عِبَادَ الله فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رسولَ الله وَمَا لُبْثُه في الأرْضِ ؟ قالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْماً: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأيَّامِكُمْ» قُلْنَا: يا رَسُولَ الله، فَذلِكَ الْيَوْمُ الذي كَسَنَةٍ أتكفينَا فِيهِ صَلاةُ يَوْمٍ ؟ قال: «لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله وَمَا إسْرَاعُهُ في الأرْضِ ؟ قالَ: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلىٰ الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُم، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّماءَ فَتُمْطِرُ،والأرْضَ فَتُنبِتُ، فَتَرُوحُ عُلَيْهِم سارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرىًٰ، وَأَسبَغَهُ ضُرُوعاً، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمرُّ بِالخَرِبَةِ، فيقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً مُمْتَلِئاً شَبَاباً، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ، فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذْ بَعَثَ اللهُ تَعَالىٰ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، صلى الله عليه وسلم، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعاً كَفَّيْهِ عَلىٰ أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِه إلَّا ماتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي إلىٰ حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّىٰ يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتي عِيسَىٰ صلى الله عليه وسلم قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذْ أَوْحَىٰ اللهُ تَعَالىٰ إلىٰ عِيسَىٰ صلى الله عليه وسلم: إنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَاداً لي، لاَ يَدَانِ لأحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلىٰ الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلىٰ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فيقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بهذِهِ مرَّةً ماءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ الله عِيسَىٰ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، حَتَّىٰ يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَىٰ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَىٰ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَىٰ كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عِيسَىٰ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ رضي الله عنهم إلىٰ الأَرْضِ، فَلاَ يَجِدُونَ في الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتَنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَىٰ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ إلىٰ الله تَعَالىٰ، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَىٰ طَيْراً كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ، فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ _عز وجل_ مَطَراً لاَ يُكِنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّىٰ يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها، وَيُبَارَكُ في الرِّسْلِ حَتَّىٰ إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَىٰ رِيحاً طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَىٰ شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ». رواه مسلم.
قَوله:«خلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ»: أيْ: طَرِيقاً بَيْنَهُمَا. وقَوْلُهُ: «عاثَ» بالعَينِ المهملة والثاءِ المثلثة، والْعَيْثُ: أَشَدُّ الْفَسَادِ. «وَالذُّرَىٰ»: بِضَمِّ الذَّالِ المُعْجَمَةِ وَهُوَ أَعالي الأَسْنِمَةِ، وَهُوَ جَمْعُ ذِرْوَةٍ بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِها. «وَالْيَعَاسِيبُ»: ذُكُورُ النَّحْلِ. «وَجِزْلَتَيْنِ» أي: قِطْعَتينِ. «وَالْغَرَضُ»: الْهَدَفُ الَّذِي يُرْمَىٰ إلَيْهِ بِالنَشَّابِ، أَيْ: يَرْمِيهِ رَمْيَةً كَرَمْي النَّشَّابِ إلَىٰ الْهَدَفِ. «وَالْمَهْرُودَةُ» بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والمُعْجَمَةِ، وَهِيَ: الثَّوْبُ المَصْبُوغُ. قَوْلُهُ: «لاَ يَدَانِ» أيْ: لاَ طَاقَةَ. «وَالنَّغَفُ»: دُودٌ. «وَفَرْسَىٰ»: جَمْعُ فَرِيسٍ، وَهُوَ الْقَتِيلُ. وَ«الزَّلَقَةُ»: بفتحِ الزَّايِ واللاَّمِ وبالْقَافِ، ورُوِيَ «الزُّلفَةُ» بضمِّ الزَّاي وإسْكَانِ اللاَّمِ وبالْفاءِ، وَهي المِرْآةُ.«وَالْعِصَابَةُ»: الجَمَاعَةُ. «وَالرِّسْلُ» بكسر الراءِ: اللَّبنُ. «وَاللِّقْحَةُ»: اللَّبُونُ. «وَالْفِئَامُ» بكسرِ الفاء وبعدها همزة ممدُودَة: الجمَاعَةُ. «وَالْفَخِذُ» مِنَ النَّاسِ: دُونَ الْقَبِيلَةِ.
غريب الحديث:
خفَّض فيه ورفَّع: حقّره وصغّره، ثم عظّمه وفخّمه، لعظم فتنته.
حتىٰ ظنناه في طائفة النخل: حتىٰ توهمنا أنه علىٰ مقربة من نخل المدينة.
قطط: شديد جعودة الشعر.
عينه طافية: ذهب نورها، أو بارزة وفيها بصيص من نور.
استدبرته الريح: جاءت بعده فجففته ، والمراد بيان سرعة إفساده في الأرض.
فتروح عليهم سارحتهم: أي: ترجع عليهم أنعامهم السائمة كالإبل والغنم.
أسبغه ضروعاً: أطوله لكثرة اللبن.
أمدّه خواصر: لكثرة امتلائها من الشبع.
يصبحون ممحلين: ينقطع عنهم المطر، وتيبس الأرض والكلأ.
الخربة: الموضع الخرب الذي لا خير فيه.
قَطَر: نزل منه الماء.
جمان كاللؤلؤ: حبات من الفضة تصنع علىٰ هيئة اللؤلؤ الكبار.
والمراد ينحدر منه الماء علىٰ هيئة اللؤلؤ في صفائه.
لُدّ: بلد بالقرب من بيت المقدس في فلسطين.
حرِّز: اجعلهم في حصن حتىٰ لا يصلوا إليهم.
حدب ينسلون: غليظ الأرض ومرتفعها يخرجون سراعاً، والمراد يظهرون من كل مكان.
زهمهم ونتنهم: رائحتهم الكريهة.
كأعناق البخت: الجمال طوال الأعناق.
مَدَر ولا وَبَر: المبني من الطين أو خباء الشعر .
بقحفها: قشرتها.
يتهارجون تهارج الحمير: يجامع الرجال النساء علانية بحضرة الناس كما تفعل الحمير، ولا يكترثون بذلك.
هداية الحديث:
1) عظم فتنة الدّجّال، وبيان أنها أشد فتنة تمر بالمسلمين، ولذلك حذّر الأنبياء منه أممهم.
2) سعة رحمة الله بالمؤمنين؛ فقد أعطاهم ما يعصمهم من الدّجّال، من مثل:
بيان صفاته، وقدرة المؤمن علىٰ قراءة ما كُتب علىٰ جبينه مما يدل علىٰ كفره، وحفظ فواتح سورة الكهف، فهي تعصم من شرِّه.
3) حب الصحابة رضي الله عنهم العلم؛ فقد كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء ينفعهم مما يخفىٰ عليهم، لحرصهم علىٰ الطاعات.
4) علىٰ العبد أن يؤمن بالأمور الغيبية التي أخبرنا بها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إيماناً لا يشوبه شكّ أو قدح، ويكون همه من أخبار الفتن: العمل بالطاعات، والتجهز لها باليقين والثبات.
5) الإعلام بأنه لا تقوم الساعة إلا علىٰ شرار الخلق.
6) الغمة والشدائد لا تزيد المؤمن إلا بصيرة وثباتاً علىٰ الحق، كحال الرجل الممتلئ شباباً وإيماناً الذي يقتله الدّجّال ثم يحييه ابتلاءً.
2/1809ــ وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ إلىٰ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنهم، فَقَالَ لَهُ أَبُو مسعودٍ: حَدِّثْني مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في الدَّجَّالِ، قَالَ: «إنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، وَإنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَاراً، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَاسُ نَاراً فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنكُمْ فَلْيَقَعْ في الَّذِي يَرَاهُ نَاراً، فَإنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ»، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأنا قَدْ سَمِعْتُهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) يُعطَىٰ الدّجّال من خوارق العادات ما لا يُعطىٰ غيره، فتنةً للناس، حتىٰ يتميز المؤمن الصادق من غيره.
2) إن حدوث الأمر الخارق علىٰ يد عبد من العباد لا يدل علىٰ صلاحه، بل الواجب أن توزن أعماله، وأقواله، وأحواله، بميزان الشرع: (الكتاب والسنة).
3/1810 ــ وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بنِ العاصِ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ في أُمَّتي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْماً أَرْبَعِينَ شَهْراً، أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً، فَيَبْعَثُ اللهُ تَعَالَىٰ عِيسَىٰ ابْنَ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ _عز وجل_ ريحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلا يَبْقَىٰ عَلىٰ وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّىٰ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّىٰ تَقْبِضَهُ، فَيَبقَىٰ شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ، وَأَحْلامِ السّبَاعِ لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً، وَلا يُنكِرُونَ مُنكَراً، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلا تَسْتَجِيبُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَهُمْ في ذلِك دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّوْرِ، فَلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أَصْغَىٰ لِيتاً وَرَفَعَ لِيتاً، وَأَوَّلُ من يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبلِهِ، فَيُصْعَقُ ويُصعقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ ــ أَوْ قالَ: يُنْزِلُ اللهُ ــ مَطَراً كَأَنَّهُ الطَّلُ أَوِ الظِّلُ، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإذا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إلىٰ رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ، ثُمَّ يقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وتِسْعِينَ، فذلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً، وذلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ». رواه مسلم.
«اللِّيتُ» صَفْحَةُ العُنُقِ، وَمَعْنَاهُ: يَضَعُ صفْحَةَ عُنُقِهِ، وَيَرْفَعُ صَفْحَتَهُ الأُخْرَىٰ.
غريب الحديث:
خفة الطير وأحلام السباع: يكونون في سرعتهم إلىٰ الشر كالطير، وفي العدوان والظلم كأطباع السباع.
أصغىٰ: أمال سمعه.
يلوط حوض إبله: يطيِّنه ويصلحه.
هداية الحديث:
1) إن نبي الله عيسىٰ عليه الصلاة والسلام لا ينزل بشرع جديد، بل ينزل متّبعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاكماً بشريعته.
2) الإيمان ينزع الحقد والعداوة من صدور المؤمنين؛ فَلْيحرصِ العباد علىٰ صدق إيمانهم.
3) غاية الشيطان من العبد أن يكفر بالله ويشرك به بعبادة ودعوة غيره؛ فالحذرَ الحذرَ أن نقع في شراكه!.
4/1811 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إلَّا عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صَافِّينَ تَحْرُسُهُمَا، فَيَنْزِلُ بالسَّبَخَةِ، فتَرْجُفُ المَدِينَةُ ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، يُخْرِجُ اللهُ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
السبخة: أرض ذات ملح لا تنبت، وهذه الأرض خارج حرم المدينة.
هداية الحديث:
1) بيان فضل مكة والمدينة، ومن ذلك أن الملائكة تحرسهما من الدّجّال.
2) عامة أتباع الدجال من الكفار والمنافقين.
5/1812 ــ وعَنْهُ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ». رَوَاهُ مسلم.
غريب الحديث:
الطيالسة: جمع الطَّيْلَسَان ، وهو ثوب يُلبس علىٰ الكتف، يحيط بالبدن، خالٍ من التفصيل والخياطة.
هداية الحديث:
1) أتباع الدجال هم اليهود، وفي هذا تنبيه علىٰ مكرهم وخبثهم، وأنهم أتباع كل مُفسِد.
2) تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمته من الفتن وأهلها، حين ذكر علامات خاصة لأتباع الباطل، ليحذرها أهل الإيمان.
6/1813 ــ وعَنْ أمِّ شَريكٍ رضي الله عنها أَنَّها سَمِعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيَنْفِرَنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ في الجِبَالِ». رَوَاهُ مسلم.
7/1814 ــ وَعَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدمَ إلىٰ قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) بيان عظم فتنة الدّجّال، وأنها أكبر فتنة خلقها الله تعالىٰ.
2) وجوب الهروب والابتعاد والاعتزال عن مواطن الفتنة ؛ وهذا هو شأن المؤمن الموفَّق من عباد الله؛ يُبْعِد نفسه ومَن تحت رعايته عن مواقع الفتن.
8/1815 ــ وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيَتَلَقَّاهُ المَسَالحُ: مَسَالحُ الدَّجَّالِ، فَيَقُولُونَ له: إلىٰ أيْنَ تَعمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إلىٰ هذا الَّذي خَرَجَ، فَيقولُونَ له: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فيقُولُ: مَا برَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيقولُونَ: اقْتُلُوه، فيقُول بَعْضهُمْ لبَعْضٍ: أَليْسَ قَدْ نَهاكُمْ رَبُّكُمْ أنْ تَقْتُلوا أحَداً دونَه، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إلىٰ الدَّجَّالِ، فَإذا رآه المُؤْمِنُ قالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّ هذا الدَّجَّالُ الّذي ذَكَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ، فَيقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْباً، فيقولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بي ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ المَسِيحُ الْكَذَّابُ، فَيؤْمَرُ بِهِ، فَيُؤْشَرُ بِالمِنْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّىٰ يُفْرَق بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِماً، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بي؟ فيقولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إلَّا بَصِيرَةً، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّهُ لاَ يَفْعَلُ بَعْدِي بأحَدٍ مِنَ النّاس، فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيَجْعَلُ اللهُ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إلىٰ تَرْقُوَتِهِ نُحَاساً، فَلا يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلاً، فَيَأخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيحسبُ النَّاسُ أَنَّما قَذَفَهُ إلىٰ النَّارِ، وَإنِّمَا أُلْقِيَ في الجَنَّةِ» فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ». رواه مسلم. وروىٰ البخاريُّ بَعْضَهُ بمَعْنَاهُ.
«المَسَالح»: هُمُ الخُفَرَاءُ وَالطَّلائعُ.
غريب الحديث:
يُشبَّح: يُمدّ علىٰ بطنه.
يُؤشر: يُنشر.
مفرقه: مفرق الرأس: وسطه.
ترقوته: العظم بين ثغرة النحر والعاتق.
هداية الحديث:
1) إن صفات الرَّبِّ تبارك وتعالىٰ صفات كمال وجلال تليق به سبحانه، بينما أوصاف الدّجّال تدل علىٰ النقص والعجز.
2) بيان عظم أجر المؤمن الذي يثبت أمام الدجال، ولا يرتد عن دينه، بل يزيده البلاء بصيرةً، وإيماناً، وثباتاً.
3) السنة النبوية صحيحة محفوظة إلىٰ آخر الدهر؛ وذلك أن الرجل المؤمن عرف الدَّجَّال من خلال السنة النبوية «هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وهذا من فضل الله ورحمته علىٰ عباده في حفظ شرعه لهم، وحفظهم وعصمتهم به.
9/1816 ــ وعَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبةَ رضي الله عنه قالَ: ما سَأَلَ أَحَدٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ، وَإنَّهُ قالَ لي: «مَا يَضُرُّكَ ؟» قلتُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ مَعَهُ جَبلَ خُبْزٍ وَنَهْرَ مَاءٍ! قالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلىٰ الله مِنْ ذلِكَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يعرف الشَّرَّ حتىٰ يحذر منه.
2) الفتن والشدائد لا تزيد المؤمنين إلا ثباتاً ويقيناً.
10/1817 ــ وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا من نبيٍّ إلَّا وقدْ أنْذَرَ أمَّتَهُ الأعْوَرَ الكذَّابَ، ألا إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكُمْ _عز وجل_ ليسَ بأعْورَ، مكتوبٌ بينَ عيْنَيْه ك ف ر». متفقٌ عليه.
11/1818 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدِّثُكُمْ حديثاً عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ به نبيٌّ قوْمَهُ! إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّهُ يجيءُ معهُ بِمثالِ الجَنَّةِ والنَّارِ، فالَّتي يقولُ: إنَّهَا الجَنَّةُ هيَ النَّارُ». متفقٌ عليه.
12/1819 ــ وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الدَّجَّالَ بينَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ ليْسَ بأعْوَرَ، ألا إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعورُ العَيْن اليُمْنَىٰ، كأنَّ عَيْنَهُ عنَبَةٌ طَافيَةٌ». متفقٌ عليه.
هداية الأحاديث:
1) إن منهج الأنبياء في الدعوة إلىٰ الله، هو: تعريف الناس سبيل المجرمين للحذر منها، فقد كان خبر الأعور الدّجّال معلوماً عند الأنبياء، وكلهم حذّر أمته من فتنته.
2) إثبات صفة العينين لله سبحانه علىٰ ما يليق بجلاله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رَبَّكم ليس بأعورَ».
فائدة نفيسة:
قال شيخ الإسلام ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في رسالته (السبعينية):
«وفتنته ــ أي الدّجّال ــ لا تختص بالموجودين في زمانه، بل حقيقة فتنته: الباطل المخالف للشريعة، المقرون بالخوارق، فمن أقرّ بما يخالف الشريعة لخارق، فقد أصابه نوع من هذه الفتنة، وهذا كثير في كل زمان ومكان، لكن هذا المعيَّن فتنته أعظم الفتن، فإذا عصم الله عبدَه منها سواء أدركه أو لم يدركه كان معصوماً مما هو دون هذه الفتنة».
13/1820 ــ وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّىٰ يقَاتِلَ المُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، حَتَّىٰ يختبئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ والشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ هذا يَهودِيٌّ خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إلَّا الْغَرْقَدَ فَإنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الغرقد: نوع من شجر الشوك معروف وكان ينبت في مقبرة البقيع.
هداية الحديث:
1) البشرىٰ ببقاء الإسلام إلىٰ آخر الدهر، فالمسلمون في آخر الزمان هم أتباع الدين الحق.
2) إنَّ الانتصار علىٰ اليهود هو وعد الله تعالىٰ لهذه الأمة المنصورة، إذا أعدت العدة لهذا النصر، بالإيمان والعمل الصالح، فأداء الشرط سبيل لإنفاذ الوعد {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي ٱلأَرضِ}.
14/1821 ــ وعَنْهُ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حتَّىٰ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالْقَبْرِ، فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ، ويقولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صاحِب هذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بهِ الدِّيْنُ، مَا بهِ إلَّا الْبَلاءُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
يتمرغ: يتقلب بالرغام، وهو التراب.
هداية الحديث:
1) تمني الرجل الموت لاشتداد الفتنة والبلايا في آخر الزمان.
2) الإخبار عما سيقع في آخر الزمان، لا يدل على الإقرار، وليس فيه جواز تمني الموت.
فائـدة:
إذا اشتدت الفتن، وضاقت الدنيا علىٰ العبد المؤمن، وأحب لقاء الله تعالىٰ، فَلْيقلْ كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللّهم أَحْيِنِي ما عَلمْتَ الحياةَ خيراً لي، وتَوَفَّنِي ما عَلمْتَ الوَفاةَ خيراً لي». رواه البخاري.
15/1822 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّىٰ يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يُقْتَتَلُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَنْ أَكُونَ أنا أَنْجُو».
وفي روايةٍ: «يُوشِكُ أَنْ يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَن كَنْزٍ مِنْ ذَهَب، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
يحسر: ينكشف.
هداية الحديث:
1) من أشراط الساعة أن يكشف نهر الفرات عن جبل من ذهب، وهذا أمر غيبي نؤمن به، وأنه حقيقة علىٰ ظاهره دون تكلف معانٍ غريبة.
2) إن التنافس علىٰ حطام الدنيا وزينتها يفضي إلىٰ البغي والاقتتال.
16/1823 ــ وعَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَىٰ خَيْرِ مَا كَانَتْ، لاَ يَغْشَاهَا إلَّا الْعَوَافِي ــ يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ــ، وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُريدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وُحُوشاً، حَتَّىٰ إذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلىٰ وُجُوهِهِمَا». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لا يغشاها: لا يقصدها. ينعقان: يصيحان.
ثنية الوداع: طريق خارج المدينة باتجاه الذاهب إلىٰ الشام.
هداية الحديث:
1) المدينة النبوية ـ زادها الله تشريفاً وتعظيماً ـ يخرج عنها أهلها، ولا يبقىٰ فيها إلا الحيوانات، وهذا لشدة الفتن في آخر الزمان.
2) من دلائل النبوة: الإخبارُ عن آخرِ الناس حشراً، ووصفُ حالهما.
17/1824 ــ وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يكُونُ خليفةٌ من خُلَفائِكُمْ في آخر الزَّمان يَحْثُو المالَ ولا يَعُدُّهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يحثو: يجمع بيديه.
هداية الحديث:
1) البشرىٰ بالإخبار عن عودة الخلافة علىٰ منهاج النبوة في آخر الزمان.
2) الإعلام بعودة الجهاد لكثرة المال والغنائم، فهذه الأمة لا عزة لها ولا رفعة إلا بالجهاد في سبيل الله.
18/1825 ــ وعَنْ أبي مُوسَىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَىٰ النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، فَلاَ يَجِدُ أَحَداً يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَىٰ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يلذن به: يعتصمن به.
هداية الحديث:
1) ذكرُ الأمر العجيب: كثرةُ المال بين يدي الناس حتىٰ لا يُرىٰ من يقبل الصدقة.
2) الإخبار عن الحروب والفتن في آخر الزمان مما يؤدي إلىٰ قتل الرجال، فتكثر النساء ويقلّ الرجال.
19/1826 ــ وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اشْتَرَىٰ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَاراً، فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَىٰ الْعَقَارَ في عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فقالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَىٰ الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ، إنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ، وَلَمْ أشْتَرِ الذَّهَبَ، وقالَ الَّذِي لَهُ الأرْضُ: إنَّمَا بِعْتُكَ الأرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إلىٰ رَجُلٍ، فقالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إلَيْهِ: أَلكُمَا وَلَدٌ ؟ قالَ أَحَدُهُمَا: لي غُلامٌ، وقالَ الآخَرُ: لي جَارِيَةٌ، قالَ: أَنْكِحَا الْغُلاَمَ الجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) بيان فضل الورع وترك ما فيه شبهة من المال، ووجوب ردّ الحقوق إلىٰ أهلها.
2) الحث علىٰ الصدق في التعامل، وعلىٰ التصدق والإنفاق في سبيل الله.
فائدة:
المدفون في الأرض من قِبَل الإنسان كذهب أو غيره، لا يُملك بملك الأرض، بل يكون للبائع؛ بخلاف المعادن التي أودعها الله تعالىٰ فيها فإنها تتبع الأرض.
20/1827 ــ وعَنْهُ رضي الله عنه أَنّهُ سَمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْدَاهُمَا، فقالتْ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وقالت الأُخْرَىٰ: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكَ، فَتَحَاكَمَا إلىٰ دَاوُدَ صلى الله عليه وسلم، فَقَضَىٰ بِهِ لِلْكُبْرَىٰ، فَخَرَجَتَا عَلىٰ سُلَيْمَانَ بنِ داودَ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَتَاهُ، فقالَ: ائْتُوني بالسِّكّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فقالت الصُّغْرَىٰ: لا تَفْعَلْ، رَحِمَكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا؛ فَقَضىَٰ بِهِ لِلصُّغْرَىٰ». متفق عليه.
هداية الحديث:
1) جواز أن يحكم القاضي بالقرائن إذا كانت قوية.
2) استحباب تحرّي الحقّ بالحيل لاستخراج الحقوق.
3) إن الفطنة والفهم نعمة من الله، لا تتعلق بِكبَرِ سِنٍ ولا بصغره.
21/1828 ــ وعن مردَاسٍ الأسْلَميِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يذْهبُ الصالحون الأوَّلُ فالأوَّلُ، وتَبْقَىٰ حُثالَةٌ كَحُثالَةِ الشَّعيرِ أوْ التَّمرِ، لا يُبَاليهمُ اللهُ بالةً». رواه البخاري.
غريب الحديث:
حثالة: الشيء الرديء.
لا يباليهم الله بالة: لا يرفع لهم قدراً، ولا يقيم لهم وزناً.
هداية الحديث:
1) إن موت أهل العلم والصلاح من أشراط الساعة، ولا يبقىٰ في آخر الزمان إلا أهل الجهل، وأراذل الناس.
2) الحذر من أن يكون الإنسان من الحثالة، وَلْيحرِصْ علىٰ الاستقامة علىٰ أمر الله تعالىٰ، حتىٰ لو فسد أكثر الناس، لأن «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك».
22/1829 ــ وعن رفاعةَ بنِ رافعٍ الزُّرقيِّ رضي الله عنه قَالَ: جاء جبريلُ إلىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا تعُدُّونَ أهلَ بَدْرٍ فيكُمْ؟» قَالَ: «مِنْ أفْضَلِ المُسْلمينَ» أوْ كلمة نحْوَهَا. قَالَ: «وكَذلِكَ مَنْ شَهدَ بَدْراً مِنَ الملائكةِ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) فضيلة من شهد بدراً من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فهم من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك من شهد بدراً من الملائكة هم من خيرة الملائكة.
2) بيان أن الملائكة تقاتل مع المؤمنين، وتثبت أقدامهم في قتالهم ضد أعداء الله.
23/1830 ــ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «إذا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَىٰ بِقَوْمٍ عَذَاباً أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلىٰ أَعْمَالِهِمْ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ إصلاح النيات والأعمال، لأن مدار الحساب عليها.
2) حسن الخاتمة من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله تعالىٰ.
24/1831 ــ وعَنْ جَابرٍ رضي الله عنه قَالَ: كانَ جِذْعٌ يَقُومُ إلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَعْني في الخُطْبَةِ، فَلَمَّا وُضِعَ المِنْبَرُ، سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ صَوْتِ الْعِشَارِ حَتَّىٰ نَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَنَ.
وفي روايةٍ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم علىٰ المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتي كانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا، حَتىٰ كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ.
وفي روايةٍ: فَصَاحَتْ صيَاحَ الصَّبيِّ، فَنَزَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، حَتَّىٰ أخَذَهَا فَضَمَّهَا إلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّىٰ اسْتَقَرَّتْ، قالَ: «بكَتْ عَلىٰ مَا كَانَتْ تَسمَعُ مِنَ الذِّكْرِ». رواه البخارِيُّ.
غريب الحديث:
العشار: جمع عُشَراء، وهي الناقة التي انتهت في حملها إلىٰ عشرة أشهر.
هداية الحديث:
1) من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيناته: حنين الجمادات إليه، لما تسمعه من الذكر.
2) إظهار عطف وشفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجمادات، فهو رحمة للعالمين.
3) إن قلوب العباد تطمئن بذكر الله سبحانه، حتىٰ جميع المخلوقات مفطورة علىٰ هذه الطمأنينة {فَوَيل لِّلقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكرِ ٱللَّهِ}.
25/1832 ــ وعَنْ أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنيِّ جُرْثُومِ بنِ نَاشِرٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالىٰ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنها». حديثٌ حسنٌ، رواه الدّارَقُطْني وَغَيْرُهُ[5].
هداية الحديث:
[5] الحديث إسناده ضعيف.
1) النهي عن تضييع حدود الله أو تجاوزها، بل الواجب الوقوف عندها تعظيماً لأمر الله تعالىٰ.
2) سعة رحمة الله بعباده ولطفه بهم، فما سكت عنه الشرع هو عافية للأمة {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّا}.
26/1833 ــ وعن عبد الله بن أبي أوْفىٰ رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْنا مع رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَواتٍ نأكُلُ الجَرَادَ.
وفي رواية: نأكُلُ معَهُ الجَرَادَ. متفق عليه.
هداية الحديث:
1) بيان صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم علىٰ شدة العيش وخشونته في سبيل إعلاء كلمة الله تعالىٰ.
2) جواز أكل الجراد كيفما مات، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أُحلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ ودَمّانِ؛ فأمّا المَيْتَتَانِ: فالحوتُ والجَرادُ» الحديث، رواه أحمد.
27/1834 ــ وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يُلدَغُ المُؤمنُ من جُحْرٍ واحِدٍ مرَّتَيْن». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) علىٰ المؤمن أن يكون فطناً حذراً، فهذا من كمال الإيمان.
2) دعت الشريعة أهل الإيمان إلىٰ كمال التيقظ والحذر، لأن هذا من مقومات نصرتهم، وأسباب قوتهم. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾.
28/1835 ــ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَىٰ فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلْعَةً بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِالله لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَىٰ غَيْرِ ذلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَاماً لاَ يُبَايِعُهُ إلَّا لِدُنْيَا، فَإنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَىٰ، وَإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ». متَّفق عليهِ.
غريب الحديث:
فضل ماء: ماء زائد عن حاجته.
هداية الحديث:
1) من أفضل الصدقة سقي الماء، ولا يجوز منع فضل الماء.
2) تحريم الغش والغدر والبخل، لأنها من الكبائر .
3) ثبوت صفة الكلام لله _عز وجل_ ، فهو سبحانه يتكلم بما شاء، وكيف شاء.
4) التشديد من نكث البيعة، والخروج علىٰ إمام المسلمين، لما في ذلك من تفريق الكلمة، وإضعاف شوكة الأمة.
فائدة:
ما ورد في الأحاديث من إثبات النظر لله تعالىٰ فالمراد معنيان:
ــ الأول: النظر العام، فإنه لا يخفىٰ علىٰ نظره شيء جل وعلا.
ــ الثاني: النظر الخاص، وهو نظر الرحمة، وهو المعنيّ في الحديث، فإن الله لا ينظر إليهم نظر رحمة، فنثبت لله تعالىٰ النظر العام، ولازم معناه، وهو النظر الخاص.
29/1836 ــ وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْماً ؟ قَالَ: أَبيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، «وَيَبْلَىٰ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانِ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ، ثُمَّ يُنزِّلُ اللهُ مِنَ السَمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ». متَّفقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
أبيت: امتنعت عن القول بتعيين ذلك.
عجب الذنب: عظم لطيف في أسفل الصلب، وهو المشهور بـ (رأس العصعص).
البقل: كل نبات اخضرت به الأرض.
هداية الحديث:
1) بيان قدرة الله سبحانه وتعالىٰ علىٰ النشأة الثانية، وبعث من في القبور ليوم الحشر.
2) إظهار كيفية إعادة الخلق مرة أخرىٰ، وهذا من أمور الغيب التي نؤمن بها كما وردت بها النصوص من غير تكلُّف.
3) إمساك الصحابي عما لا علم له به، وهذا من تمام ورعه، وعلو فضله، رضي الله عنه.
30/1837 ــ وعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَىٰ السَّاعَةُ؟ فَمضىٰ رَسُولُ الله عليه وسلم يُحَدّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَع، حَتَّىٰ إذَا قَضَىٰ حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ ؟» قَالَ: هَا أنا يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «إذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قَالَ: كَيْفَ إضَاعَتُهَا ؟ قَالَ: «إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلىٰ غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». رواه البُخاري.
غريب الحديث:
وُسِّد: أُسند .
هداية الحديث:
1) الرسول صلى الله عليه وسلم ــ وهو سيد ولد آدم ــ لا يعلم الغيب، إلا ما أطلعه الله تعالىٰ عليه.
2) التحذير من تضييع الأمانة، وأنه يجب أن يولَّىٰ المناصب من هو أهل لها ، فهذا من حفظ الأمانات.
3) تنبيه المسلمين لوجوب جعل الأمر في أهله، ومن ذلك: أخذ العلم والفتوىٰ عن الأكابر من ذوي العلم والمنهج الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «البركة مع أكابرهم». رواه الحاكم.
31/1838 ــ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». رواهُ البُخاريُّ.
هداية الحديث:
1) الإمام ضامن، وخطأ الإمام لا يؤثّر في صحة صلاة المأموم.
2) الحث علىٰ الصبر علىٰ ولاة الأمر المسلمين إن هم أساؤوا في الصلاة، أو لم يصلوها علىٰ وقتها، والواجب عدم الخروج وإثارة الناس عليهم، ونشر مساوئهم، لأن هذا سببٌ للفساد في البلاد، وبين العباد.
32/1839 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ يَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ في أَعْنَاقِهِمْ حَتَّىٰ يَدْخُلُوا في الإسْلاَمِ.
33/1840 ــ وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عَجِبَ اللهُ _عز وجل_ مَنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ في السَّلاَسِلِ». رواهُما البُخاري.
مِعْنَاهُ: يُؤْسَرُونَ وَيقيَّدُونَ، ثُمَّ يُسْلِمُونَ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
هداية الأحاديث:
1) خير الأمم هذه الأمة الوسط؛ التي تخرج الناس من الظلمات إلىٰ النور.
2) الحث علىٰ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لما فيه من المصالح الظاهرة والخفية، فهو علامة خيرية هذه الأمة.
34/1841 ــ وَعَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أحبُّ البلادِ إلىٰ الله مَسَاجِدُهَا، وأبْغَضُ البلادِ إلىٰ الله أسْواقُهَا». رواهُ مسلم.
35/1842 ــ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه مِنْ قَوْلِهِ قَالَ: لاَ تكُونَنَّ إنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلاَ آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصُبُ رَايتَهُ، رواهُ مسلم هكذا.
وَرَوَاهُ البَرْقَانِيُّ في صحيحه عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ».
هداية الأحاديث:
1) المساجد أحب البقاع إلىٰ الله، لأنها محل ذكره وعبادته، وغير ذلك من مصالح الأمة، في خير دينها ودنياها.
2) التحذير من أماكن الغفلة كالأسواق، فإنها مأوىٰ الشياطين.
3) إثبات صفتَي الحب والبغض لله _عز وجل_ علىٰ الوجه اللائق بكماله، فهو سبحانه يحب ما فيه الخير والصلاح، ويبغض ما فيه الشر والفساد.
36/1843 ــ وَعَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ الله، غَفَرَ الله لَكَ، قَالَ: «وَلَكَ» قَالَ عَاصِمٌ: فَقلْتُ لَهُ:اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ الله ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ تَلاَ هذِهِ الآيَةَ: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ﴾ [محمَّد: 19]. رَواهُ مُسلم.
هداية الحديث:
1) إن سؤال الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وسلم قد وقع في حياته فقط، أما بعد موته فلا يجوز لأحد أن يطلب الاستغفار من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكنَّا نطلب من الله تعالىٰ أن يرزقنا شفاعته.
2) إن من كرامات أهل الإيمان أن استغفر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو نص القرآن.
37/1844ــ وعن أبي مسعود الأنْصاريِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ ممَّا أدْرَكَ النَّاسُ من كَلام النُّبُوَّة الأولىٰ: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شئْتَ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) الأمر بالحياء مأثور عن الأنبياء المتقدمين، فالحياء شعبة من شعب الإيمان.
2) الحياء خلق فاضل، يحمل علىٰ فعل الجميل وترك الرذيل.
ولم تستحي فاصنع ما تشاء
إذا لم تخش عاقبة الليالي
وفي الدنيا إذا ذهب الحياء
فلا والله ما في العيش خير
ويبقىٰ العود ما بقي اللحاء
يعيش المرء ما استحيا بخير
38/1845 ــ وعن ابن مسعُود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أوَّلُ مَا يُقْضَىٰ بينَ النَّاسِ يَوْمَ القيَامَةِ في الدِّمَاءِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) الصلاة، هي أول ما يُحاسَب عليه العبد من حقوق الله، وأما في حقوق العباد فأول ما يُقضَىٰ بينهم في الدماء.
2) يعظم الذنب بحسب عظم المفسدة، وتفويت المصلحة؛ ولهذا عَظُم شأنُ الدماء، لما فيه من الضرر بحصول القتل وتفويت مصلحة النفس.
39/1846 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «خُلقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». رواهُ مسلم.
غريب الحديث:
المارج: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار.
مما وصف لكم: من الطين، بحسب ما ورد صفته في القرآن.
هداية الحديث:
1) التنبيه علىٰ عظيم قدرة الله الذي لا يعجزه شيء، فقد فاوت بين أصل المخلوقات لحِكَم بالغة.
2) إن طبائع البشر متفاوتة بحسب تربة الأرض؛ لكنَّ المؤمنَ يهذب نفسه وأخلاقه، بالإيمان والعمل الصالح: بالتزام الأوامر، واجتناب النواهي، فبذلك تزكو النفوس.
40/1847 ــ وَعَنْهَا رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم الْقُرآنَ. رواهُ مُسْلِم في جُملَةِ حَدِيثٍ طَويلٍ.
هداية الحديث:
1) إذا أراد العبد أن يتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه أن يتخلق بأخلاق القرآن.
2) علو منزلة الأخلاق في الإسلام؛ فهي من مقتضيات شجرة التوحيد الطيبة التي تثمر عملاً صالحاً، وخلقاً فاضلاً.
41/1848 ــ وَعَنْها قَالَتْ: قالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُنَا نَكْرَهُ المَوْتَ، قَالَ: «لَيْسَ كَذلِكَ، وَلكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ الله وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ الله، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَإنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ الله، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) إن حب لقاء الله أو كراهية لقائه يكون عند النزع وخروج الروح، لما يرىٰ العبد من البشارة له بالجنة أو النار.
2) لا يُلام العبد علىٰ كراهية الموت المفطور عليها، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بعباده.
42/1849 ــ وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفاً، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَني، فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ رضي الله عنهما، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «عَلَىٰ رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُييٍّ» فَقَالاَ: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله ! فَقَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَىٰ الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرّاً ــ أَوْ قَالَ ــ شَيْئاً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لأنقلب: ارجع إلىٰ البيت.
علىٰ رِسلكما: علىٰ هَوْنٍ في المشي دون سرعة.
هداية الحديث:
1) إظهار حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في معاملة أهله، فقد كان يودّعهم عند الفراق.
2) علىٰ العبد أن يزيل أسباب الوساوس من قلبه؛ بدفع الشبهات التي قد تُذكر عنه وعن أهله، فالبيان يطرد الشيطان.
3) إذا حَدَث للعبد ما يُتعجب منه فَلْيقلْ: سبحان الله!
4) جواز زيارة المرأة زوجها في الاعتكاف، وجواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة.
43/1850 ــ وَعَنْ أَبِي الفَضْلِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أَنا وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، فَلَمَّا الْتَقَىٰ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَلَّىٰ المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وأنا آخَذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَكُفُّهَا إرَادَةَ أَنْ لاَ تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسولِ الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرةِ» قَالَ العَبَّاسُ ــ وَكَانَ رَجُلاً صيِّتاً ــ فَقُلْتُ بِأَعْلَىٰ صَوْتي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ، فَوَاللهِ لَكَأَنَ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتي عَطْفَةُ الْبقَرِ عَلَىٰ أَوْلاَدِها، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ في الأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَىٰ بَنِي الْحَارِثِ بنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَىٰ بَغْلَتِهِ كَالمُتطَاوِلِ عَلَيْهَا إلَىٰ قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: «هذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَصَيَاتٍ، فَرَمَىٰ بِهِنَّ وجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمِّدٍ»، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإذَا الْقِتَالُ عَلَىٰ هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَىٰ، فَوَاللهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَىٰ حَدَّهُمْ كَلِيلاً، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِراً. رواه مسلم.
«الْوَطِيسُ»: التَّنُّورُ، وَمَعْنَاهُ: اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ. وَقَوْلُهُ «حَدَّهُمْ» هُوَ بِالحَاءِ المُهْمَلَةِ، أي:بَأْسَهُمْ.
غريب الحديث:
لجام: ما تشد به الدابة.
أصحاب السَّمُرة: هم أصحاب بيعة الرضوان، والسمرة هي الشجرة التي بايع الصحابة تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ.
صيِّتاً: قوي الصوت عاليه.
عطْفَتَهم: إقبالهم ورجوعهم. كليلاً: ضعيفاً.
هداية الحديث:
1) بيان شجاعة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وإقدامه في الحروب وثباته ، حين تقدم إلىٰ العدو بنفسه.
2) علىٰ العبد ألا يُعجب بقوته أو بعلمه أ و بماله، بل يستعين بالله _عز وجل_، ويفوّض أمره إليه.
3) بيان سرعة رجوع الصحابة رضي الله عنهم إلىٰ الحق عند تذكيرهم به، وهذا هو شأن الموفَّق من المؤمنين.
4) قد تظهر الفئة الباطلة الكافرة علىٰ الفئة المؤمنة إن حصل من المؤمنين مخالفة شرعية، فالتزام المؤمنين بدينهم، من أكبر دواعي نصرهم.
44/1851 ــ وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلَّا طَيِّباً، وَإنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالىٰ: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعمَلُواْ صَٰلِحًا} [المؤمنون: 51]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ [البقرة: 172] ثُمَّ ذَكَرَ: «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَىٰ السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّىٰ يُسْتَجَابُ لِذلِكَ؟!». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أشعث: متفرق شعر الرأس.
أغبر: مغبرّ الوجه من العناء والتعب.
هداية الحديث:
1) صفات الله سبحانه وتعالىٰ كلها صفات كمال، منزهةٍ عن النقص والعيب.
2) الحث علىٰ الإنفاق من المال الحلال، فهو المتقبل عند الله.
3) المكسب الحرام من أكبر موانع استجابة الدعاء.
45/1852 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الُله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِل مُستكْبِرٌ». رواهُ مسلم. «الْعَائِلُ»: الْفَقِيرُ.
هداية الحديث:
1) إن زنا الشيخ الكبير دليل علىٰ فساد طويته، لأن كبر السن يمنع الرجل من السير وراء شهوته.
2) إن قوة السلطان تمنع من الكذب، فإذا جمع السلطان بين المُلْكِ والكذب دلَّ علىٰ ضعف هذا المُلْك وفساده.
3) إن الفقير ليس له سبب يستكبر به علىٰ الناس، فإذا استكبر دل ذلك علىٰ خبثه، وأنه امرؤ طُبع علىٰ الكبر.
46/1853 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَيْحانُ وجيْحَانُ والفُراتُ والنِّيلُ كلٌّ مِنْ أنهارِ الجنَّةِ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) عظيم فضل الله علىٰ عباده؛ لمـّا أراهم من الدنيا ما يبشّرهم بنعيم الآخرة، ويشحذ همتهم للعمل لها.
2) الجنة مخلوقة موجودة بما فيها من النعيم، وكذلك النار بما فيها من العذاب الأليم.
47/1854 ــ وَعَنْهُ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِي، فَقَالَ: «خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثَّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يومَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الْخَلْقِ، في آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصرِ إلىٰ اللَّيْلِ». رواهُ مسلم.
هداية الحديث:
1) استحباب التأني، وعدم العجلة في الأمور، لأن الله _عز وجل_ قادر علىٰ خلق هذه المخلوقات بكلمة، ولكن لحكمة بالغة خلقها بالتدرج.
2) تشريف آدم عليه الصلاة والسلام؛ بأن خلقه الله في أفضل الأيام، وأفضل الأوقات.
48/1855 ــ وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رضي الله عنه قَالَ: لَقَدِ انْقَطَعَتْ في يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بقِيَ في يَدِي إلا صفيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ. رواهُ البُخَاري.
هداية الحديث:
1) بيان شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه؛ فهو كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيفٌ من سُيوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ _عز وجل_ علىٰ الكفار والمنافقين». رواه أحمد.
2) ثبات الصحابة رضي الله عنهم في ساحات القتال، لأنهم ينتظرون إحدىٰ الحُسنيين: النصر أو الشهادة في سبيل الله تعالىٰ، فبمثل هؤلاء لِيَكن الاقتداء!
49/1856 ــ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنّهُ سَمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، و إنْ حَكَمَ وَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ». متفقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد الاجتهاد وتحرّي الحقّ قبل الحكم علىٰ الأشياء.
2) لكل مجتهد من الأجر نصيب، وليس كل مجتهد بمصيب.
50/1857 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْحُمَّىٰ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) من الطب النبوي علاج الحمىٰ الحارة بالماء البارد، فالشيء يُداوىٰ بضده.
2) الحمىٰ من شدة حرّ جهنم، وهي حظ المؤمن من النار، لتكفر عنه سيئاته.
51/1858 ــ وَعَنْهَا رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُهُ». متفقٌ عَلَيْهِ.
وَالمُخْتَارُ جَوَازُ الصَّوْمِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صوْمٌ لهذَا الْحَدِيثِ، وَالمُرَادُ بِالْوَلِيِّ: الْقَرِيبُ وَارِثاً كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ.
هداية الحديث:
1) إذا مات العبد وعليه صيام، صام عنه وليه، وهذا خاص في صوم النذر.
2) قضاء صوم رمضان عن الميت الذي أفطر لعذر، يكون بإطعام مسكينٍ عن كل يوم، ولا يصام عنه في قضاء الفرض.
تنبيـه:
إنما خُصّ قضاء الصيام عن الميت بصوم النذر لأنه هو مقتضىٰ جميع النصوص، وبذلك أفتىٰ الصحابة ــ وهم أعلم الأمة ــ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إذا مرضَ الرجلُ في رمضانَ، ثم ماتَ ولم يصم، أُطعمَ عنه ولم يكن عليه قضاءٌ، وإنْ نذرَ قضىٰ عنه وليُّه». رواه أبو داود وقال عقب الحديث: «هذا في النذر».
وقال الإمام أحمد: «لايصام عن الميت إلا في النذر» ذكره عنه أبو داود في (مسائله).
فائدة:
قال ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في كتابه (تهذيب سنن أبي داود):
«فرض الصيام جارٍ مجرىٰ الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يسلم أحد عن أحد، فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين فيقبل قضاء الولي له كما يقضىٰ دينه، وهذا محض الفقه».
وقال أيضاً:
«وسرُّ الفرق: أن النذرَ التزامُ المكلفِ لما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به ابتداءً، فهو أخف حكماً مما جعله الشارع حقاً له عليه، شاء أم أبىٰ، والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع فإنها علىٰ قدر طاقة البدن لا تجب علىٰ عاجز، فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأن المكلف متمكن من إيجاب واجبات واسعة، وطريق أداء واجبها كثيرة علىٰ نفسه لم يوجبها عليه الشارع، والذمة أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع، وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق، وأعمقهم علماً، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحِكَمه، وبالله التوفيق».
52/1859 ــ وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حدَّثَتْ أَنَّ عَبْدَ الله ابْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قَالَ في بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ الله تَعَالَىٰ عَنْهَا: وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لأحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، قَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: هُوَ لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَداً، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لاَ وَاللهِ لاَ أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَداً، وَلاَ أَتَحَنَّثُ إلَىٰ نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ ذلِكَ عَلَىٰ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمن بْنَ الأَسْوَد بْنِ عَبْد يَغُوثَ، وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا اللهَ لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَىٰ عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَإنَّهَا لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنذِرَ قَطِيعَتي، فَأَقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ حَتَّىٰ اسْتَأْذَنَا عَلَىٰ عَائِشَةَ، فَقَالاَ: السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا، دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ رضي الله عنها، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ يُناشِدَانِهَا إلَّا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، ويَقُولاَنِ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَىٰ عَائشَةَ منَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتىٰ كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبيْرِ، وَأَعْتَقَتْ في نَذْرِهَا ذلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذلِكَ، فَتَبْكِي حَتَّىٰ تبلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا. رواهُ البُخاري.
غريب الحديث:
لأحجرن عليها: لأمنعنَّها من التصرف في مالها.
لا أتحنث نذري: لا أكتسب الإثم بسبب الحنث في نذري.
فطفق يناشدها: صار يسألها بإلحاح.
خمارها: غطاء رأسها وصدرها.
هداية الحديث:
1) لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، لاسيما إذا كان قريباً.
2) بيان فضيلة الإصلاح بين الناس ، فهي من أفضل الأعمال والقربات مع إخلاص النيات.
3) رقة قلوب الصحابة وسرعة بكائهم من خشية الله _عز وجل_، وهذا دليل صدق إيمانهم رضي الله عنهم.
4) لا يجوز النذر في المعصية، ومن نَذَرَ نَذْرَ معصية فلا يفِ بنذره.
53/1860 ــ وَعَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله عليه وسلم خَرَجَ إلَىٰ قَتْلَىٰ أُحدٍ، فَصَلَّىٰ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ إلىٰ المِنْبَرِ، فَقَالَ: «إنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ وَأَنا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإنِّي لأَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذَا، أَلاَ وَإنِّي لَسْتُ أَخْشَىٰ عَلَيْكُمْ أَن تُشْرِكُوا، ولكِنْ أَخْشَىٰ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا». قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
وفي رِوَايَةٍ: «وَلكِنِّي أَخْشَىٰ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ المِنْبَرِ.
وَفي رِوَايَةٍ قَالَ: «إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وأنا شَهِيد عَلَيْكُمْ، وَإنِّي وَالله لأَنْظُرُ إلَىٰ حَوْضِي الآنَ، وَإنِّي قَدْ أُعْطِيْتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَإنِّي وَالله مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، ولكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تنَافَسُوا فِيهَا».
وَالمُرادُ بِالصَّلاةِ عَلَىٰ قَتْلَىٰ أُحُدٍ: الدُّعَاءُ لَهُمْ، لاَ الصَّلاةُ المَعْرُوفَةُ.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن لا يجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، بل عليه أن يعمل لآخرته.
2) بيان بعض دلائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث رأىٰ حوضه الموعود من مقامه في الدنيا، فهو حق وصدق، علينا أن نؤمن به ونصدق.
3) البشارة ببقاء الإسلام وثبات الأمة قائمة.
تنبيـه:
ما قاله المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ من أن معنىٰ الصلاة: «الدعاء لهم» تفسيرٌ غير صحيح، والصواب ما في رواية البخاري ومسلم: «أنه صلّىٰ علىٰ أهلِ أُحدٍ صَلاتَهُ علىٰ الميت»؛ والأحاديث النبوية يفسّر بعضها بعضاً.
54/1861 ــ وَعَنْ أَبِي زيدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: صلَّىٰ بِنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ، وَصعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّىٰ حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّىٰ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّىٰ حَضَرَتِ العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّىٰ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّىٰ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
هداية الحديث:
1) بيان قوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وحرصه علىٰ إبلاغ الرسالة، وتعليم أمته العلم، حتىٰ قام يوماً كاملاً يعظ الناس ويعلّمهم.
2) أعلم الناس: أحفظهم للعلم، وأوعاهم لكتاب الله تعالىٰ، وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه ترغيب بحفظ علم الشريعة .
55/1862 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ». رَوَاهُ البُخاري.
هداية الحديث:
1) من نَذَر نذْر طاعة فَلْيوفِ نذره ولا يحنث، وأما نذر المعصية فلا ينعقد، وكفارته كفارة يمين.
2) النذر في الطاعة واجب الوفاء، لكن يُكره للعبد أن يُلزم نفسه النذر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج من البخيل». رواه مسلم.
56/1863 ــ وَعَنْ أُمّ شَرِيكٍ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ، وَقَالَ: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَىٰ إبْرَاهِيمَ». متَفقٌ عَلَيْهِ.
57/1864 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضَّرْبَةِ الثّانِيَةِ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً دُونِ الأُولَىٰ، وَإنْ قَتَلهَا في الضَّرْبَةِ الثّالِثَةِ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً».
وفي روايَةٍ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغاً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفي الثّانِيَةِ دُونَ ذلِكَ، وَفي الثّالِثَةِ دُونَ ذلِكَ». رواهُ مسلم.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْوَزَغُ: الْعِظَامُ مِنْ سَامَّ أَبْرَصَ.
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ قتل الأوزاغ وعدم تركها مع القدرة؛ لما ورد من الأجر والترغيب في قتلها.
2) بيان علة قتل الأوزاغ: أنها كانت تنفخ النار علىٰ إبراهيم –عليه السلام_، من أجل أن يشتد لهبها، مما يدل علىٰ عداوتها لأهل التوحيد والإخلاص.
58/1865 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لأتصَدَّقَنَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا في يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدّقَ عَلَىٰ سَارِقٍ! فَقَالَ: اللهم لَكَ الْحَمْدُ لأتَصَدَّقَنَّ بِصدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَيْلةَ عَلَىٰ زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللهم لَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ زَانِيَةٍ! لأَتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا في يَدِ غَنيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَىٰ غَنِيّ ! فَقَالَ: اللهم لَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ سَارِقٍ، وَعَلَىٰ زَانِيَةٍ، وَعَلَىٰ غَنِي! فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَىٰ سَارِقٍ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ، فَيُنْفِقَ مِمَّا آتاهُ الله». رَوَاهُ البُخَارِيُّ بِلفظِهِ، وَمُسْلِمٌ بمَعْنَاهُ.
هداية الحديث:
1) إذا نوىٰ العبدُ الخير وسعىٰ فيه، ثم فاته الوصول إليه، فإنه يُكتب أجره ولا يضره.
2) بركة التسليم والرضا بقضاء الله تعالىٰ وقدره، وكان من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه إذا رأىٰ ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأىٰ ما يكره قال: «الحمد لله علىٰ كل حال». رواه ابن ماجه.
3) وجوب تذكير العصاة ودعوتهم للحق بكل الأسباب النافعة.
59/1866 ــ وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في دَعْوَةٍ، فَرُفعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَة، وقَالَ: «أَنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ ؟ يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ في صعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلاَ تَرَوْنَ إلىٰ مَا أَنْتُمْ فِيهِ إلَىٰ مَا بَلَغَكُمْ، أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إلَىٰ رَبِّكُمْ؟ فَيقُولُ بَعْضُ النَّاس لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ، وَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إلَىٰ ربِّكَ؟ أَلاَ تَرَىٰ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَمَا بَلَغْنَا؟ فَقَالَ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ، فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَىٰ غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَىٰ نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إلَىٰ أَهْلِ الأرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، أَلاَ تَرَىٰ إلَىٰ مَا نَحْنُ فِيِه؟ أَلاَ تَرَىٰ إلَىٰ مَا بَلَغْنَا؟ أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إلَىٰ رَبِّكَ ؟ فَيَقُولُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَىٰ قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَىٰ غَيْري، اذْهَبُوا إلَىٰ إبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ الله وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إلَىٰ رَبِّكَ، أَلاَ تَرَىٰ إلَىٰ مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنِّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَىٰ غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَىٰ مُوسَىٰ. فَيَأْتُونَ مُوسَىٰ، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَىٰ، أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ الله بِرِسَالاَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَىٰ النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إلَىٰ رَبِّكَ، أَلاَ تَرَىٰ إلَىٰ مَا نَحْنُ فِيه؟ فَيَقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَىٰ غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَىٰ عِيسَىٰ. فَيَأْتُونَ عِيسَىٰ، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَىٰ، أَنْتَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إلَىٰ رَبّكَ، أَلاَ تَرَىٰ إلَىٰ مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَىٰ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْباً، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَىٰ غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَىٰ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم».
وفي روايةٍ: «فَيَأْتُوني فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُولُ الله، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلَىٰ رَبِّكَ، أَلاَ تَرَىٰ إلَىٰ مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ، فآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِداً لِربِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَىٰ أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا محَمَّدُ ارفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَىٰ ذلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» ثُمَّ قالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ مَا بَيْنَ المصرَاعَيْنِ مِنْ مَصارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَىٰ». متَّفقٌ عليهِ.
غريب الحديث:
نهس منها نهسة: أخذ بأطراف أسنانه.
المصراعان: جانبا الباب.
هداية الحديث:
1) الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أفضل الخلق، وأفضل الرسل هم أولو العزم منهم، فهم الذين قصدهم الخلق للشفاعة، وأفضلهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) إظهار شدة الموقف والمحشر علىٰ العباد يوم القيامة.
3) إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم؛ فهم أول من يدخل الجنة، وهم أكثر أهلها، ولنبيِّها صلى الله عليه وسلم تُفتح أبواب الجنة.
60/1867 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ إبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم بِأُمِّ إسْمَاعِيلَ وَبِابْنِهَا إسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّىٰ وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَىٰ المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَاباً فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّىٰ إبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقاً، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهذَا الْوَادِي الذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذلِكَ مِرَاراً، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، قَالَتْ لَهُ: آلله أَمَرَكَ بهذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إذاً لاَ يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم حَتَىٰ إذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بهؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ} حتَّىٰ بَلَغَ {لَعَلَّهُم يَشكُرُونَ}. وَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذلِكَ المَاءِ، حَتَىٰ إذَا نَفِدَ مَا في السِّقَاءِ عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوَّىٰ ــ أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ ــ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَىٰ أَحَداً؟ فَلَمْ تَرَ أَحَداً. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حتَّىٰ إذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ، رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنسانِ المَجْهُودِ حَتَّىٰ جَاوَزَتِ الْوَادِي، ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا، فنَظَرَتْ هَلْ تَرَىٰ أَحَداً ؟ فَلَمْ تَرَ أَحَداً، فَفَعَلَتْ ذلِك سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَذلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا»، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَىٰ المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتاً، فَقَالَتْ: صَهْ ــ تُرِيدُ نَفْسَهَا ــ ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضاً، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإذَا هِيَ بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ ــ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ ــ حَتَّىٰ ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرُفُ المَاءَ في سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرُفُ، وفي روايةٍ: بِقَدَرِ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ أُمَّ إسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ»، أَوْ قَالَ: «لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْناً مَعِيناً» قَالَ: فَشَرِبَتْ، وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإنَّ هـٰهُنا بَيْتاً لله يَبْنِيهِ هذَا الْغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإنَّ اللهَ لاَ يُضَيَعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعاً مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذلِكَ حَتَّىٰ مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءَ، فَنَزَلُوا في أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِراً عَائِفاً، فَقَالُوا: إنَّ هذا الطّائِرَ لَيَدُورُ عَلىٰ مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بهذا الْوَادِي وَمَا فِيهِ ماءٌ، فأرْسَلُوا جَريّاً أَوْ جَرِيَّيْنِ، فَإذا هُمْ بالماءِ. فَرَجَعُوا، فَأَخْبَرُوهُمْ، فَأَقْبَلُوا وَأُمُّ إسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: أتأذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ولكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ في المَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَأَلْفَىٰ ذلِكَ أُمَّ إسمَاعِيلَ، وَهِيَ تُحِبُّ الأُنْسَ»، فَنَزَلُوا، فَأرْسَلُوا إلىٰ أَهْلِيهِم فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّىٰ إذا كَانُوا بِهَا أَهْلَ أَبْيَاتٍ، وَشَبَّ الْغُلامُ ! وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأنْفَسَهُم وَأعجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إسمَاعِيلَ، فَجَاءَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إسمَاعِيلُ يُطَالعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ــ وفي رِوَايَةٍ: يَصِيدُ لَنَا ــ ثُمَّ سَألَها عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ في ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، وَشَكَتْ إلَيْهِ، قَالَ: فَإذا جَاءَ زَوْجُكِ، أقْرَئي عليه السَّلامَ، وَقُولي لَهُ يُغَيِّرْ عَتبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إسمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنسَ شَيْئاً، فَقَالَ: هَلْ جَاءكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلنَا عَنْكَ، فَأخْبَرْتُهُ، فَسَألَني: كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأخْبَرْتُهُ أنّا في جَهْدِ وَشِدَةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أمَرني أنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أبي، وَقَدْ أَمَرَني أَنْ أفارِقَكِ، إلْحَقِي بأهْلِكِ فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أخْرَىٰ. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إبْرَاهِيمُ ما شَاءَ الله، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلىٰ امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، قَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمُ ؟ وَسألَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَىٰ الله تَعَالىٰ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ ؟ قَالَتِ: المَاءُ، قالَ: اللهم بَارِكْ لَهُمْ في اللَّحْمِ وَالمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ» قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ».
وفي روايةٍ: فَجَاءَ فَقَالَ: أيْنَ إسْمَاعِيلُ ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصيدُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: أَلاَ تَنْزِلُ، فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ ؟ قَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ، وَشَرَابُنَا المَاءُ، قَالَ: اللهم بَارِكْ لَهُمْ في طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: «بَرَكَةُ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم».
قَالَ: فَإذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فأقْرئي عليه السَّلامَ وَمُرِيهِ يثَبِّتْ عَتبَةَ بَابهِ، فَلَمَّا جَاءَ إسْمَاعِيلُ، قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَتْ: نَعَم، أَتانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَني عَنْكَ، فَأخْبَرْتُهُ، فَسألَني كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأخْبَرْتُهُ أنَّا بِخَيْر، قَالَ: فَأوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَأْمُرُكَ أنْ تُثَبِّتَ عَتبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أبي، وَأنْتِ الْعَتبَةُ أَمَرَني أَنْ أُمْسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذلِكَ، وَإسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةِ قَرِيْباً مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إلَيْهِ، فَصَنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، قَالَ يَا إسْمَاعِيلُ إنَّ اللهَ أمَرَني بأمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قَالَ: وَتُعِينُني؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإنَّ اللهَ أمَرَني أنْ أبْنيَ بَيْتاً ههنا، وأشَارَ إلَىٰ أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلىٰ مَا حَوْلَهَا، فَعِنْدَ ذلِكَ رَفَع الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ، وَإبْرَاهِيمُ يَبْني، حَتَّىٰ إذا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بهذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْني، وَإسماعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولانِ: رَبَّنَا تَقبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيْمُ.
وفي روايةٍ: إنَّ إبْرَاهِيمَ خَرَجَ بِإسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إسْمَاعِيلَ، مَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلىٰ صَبِيِّهَا حَتَّىٰ قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إبْرَاهِيمُ إلىٰ أهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ حَتَّىٰ لمَّا بَلَغُوا كَداءَ، نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إبْرَاهِيمُ إلىٰ مَنْ تتْرُكُنَا ؟ قَالَ: إلىٰ الله، قَالَتْ: رَضِيتُ بِالله، فَرَجَعَتْ، وَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، وَيَدُرُّ لَبَنُهَا عَلىٰ صَبِيِّهَا حَتَّىٰ لمَّا فَنِيَ الماءُ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ، فَنَظَرْتُ لَعلِّي أَحِسُّ أَحَداً، قَالَ: فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَت هَلْ تُحِسُّ أحداً، فَلَمْ تُحِسَّ أحَداً، فَلَمَّا بَلَغَتِ الْوَادِي سَعَتْ، وَأتَتِ المَروَةَ، وَفَعَلَتْ ذلِكَ أشْوَاطاً، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ الصَّبِيُّ، فَذَهَبَتْ وَنَظَرَتْ، فَإذا هُوَ عَلىٰ حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا، فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ، فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَداً، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ، فَلَمْ تُحِسَّ أحَداً حَتَّىٰ أتمَّتْ سَبْعاً، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ، فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإذا هِيَ بِصَوْتٍ، فَقَالَتْ: أغِثْ إنْ كان عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإذا جِبْرِيلُ –عليه السلام_، فَقَالَ بِعَقِبِهِ هكذَا، وَغَمَزَ بِعَقِبه عَلىٰ الأرْضِ، فَانْبَثَقَ المَاءُ، فَدهِشَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَتْ تَحْفِنُ وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
رواه البخاري بهذهِ الرواياتِ كلها.
«الدَوْحَةُ»: الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ. قولُهُ: «قَفَّىٰ» أيْ: وَلَّىٰ. «وَالجَريّ»: الرَّسُولُ. «وَأَلفىٰ» معناه: وَجَدَ. قَوْلُهُ: «يَنْشَغُ» أَيْ: يَشْهقُ.
غريب الحديث:
البيت: الكعبة.
الثنية: الطريق في الجبل، وكانت عند منطقة الحجون في مكة المكرمة.
يتلبط: يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض.
غواث: كالغياث، من الإغاثة.
الضيعة: الهلاك.
طائراً عائفاً: يحوم علىٰ الماء ويتردد، ولا يمضي عنه.
عتبة بابه: كنّىٰ عن المرأة بالعتبة، لأنها تحفظ الباب وتصون ما في داخله.
يبري نبلاً: يصلح سهماً قبل أن يركّب فيه نصله وريشه.
شنّة: سقاء من الجلد بالٍ.
غمز بعقبه: ضرب.
فانبثق: انفجر.
هداية الحديث:
1) مبادرة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لطاعة ربِّهم، وتقديمهم محبته علىٰ محبة أولادهم، وأزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
2) من توكل علىٰ الله كفاه، ومن فوّض أمره إليه وقاه، فقد كانت هاجر أم إسماعيل علىٰ يقين أن الله لن يضيعها وولدها، لكنها سعت بالأسباب مع تمام التوكل علىٰ الله.
3) كراهية التضجر من حال العيش، واستحباب شكر الله تعالىٰ علىٰ كل حال.
4) استحسان اتخاذ الزوجة الصالحة الصابرة، فإنها خير عون علىٰ الطاعة.
5) المسارعة إلىٰ بر الوالدين، وتنفيذ أوامرهما ما لم يكن في معصية.
61/1868 ــ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، تُوجد في الأرض من غير زرع تشبه حب البطاطا.
المنّ: الطعام الذي أنزله الله تعالىٰ علىٰ بني إسرائيل، من غير تعب. أو ما مَنَّ الله به علىٰ عباده.
هداية الحديث:
1) مشروعية التداوي بما أودعه الله تعالىٰ من أنواع الشفاء في أصل خِلْقَةِ المخلوقات.
2) إن ماء الكمأة شفاء للعين، وهو من أصلح الأدوية لدائها،، لدلالة الطب النبوي المبارك عليه.
فائدة نفيسة:
جعل الله تعالىٰ في أصل خَلقه لنبات المَنِّ الغذاء والشفاء، لكن قد يَعرض لها ما يسلب عنها هذه الخاصية، فما سبب ذلك؟!
قال العلامة ابن القيم ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في (زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم): «فإن قلت: فإن كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أن الله سبحانه أتقن كل شيء صنعه، وأحسن كل شيء خلقه، فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل، تام المنفعة لما هُيِّئ وخلق له، وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أُخَر... ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادث بعد خلقه، بأسباب اقتضت حدوثه، ولم تزل أعمال بني آدم، ومخالفتهم للرسل، تحدث لهم من الفساد العام والخاص؛ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجدوب، وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسلب منافعها أو نقصانها أموراً متتابعة يتلو بعضُها بعضاً، فإن لم يتسع علمك لهذا، فاكتف بقوله تعالىٰ: {ظَهَرَ ٱلفَسَادُ فِي ٱلبَرِّ وَٱلبَحرِ بِمَا كَسَبَت أَيدِي ٱلنَّاسِ}... وكلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربُّهم تبارك وتعالىٰ من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخَلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم، ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم، كما كانت البركة فيها أعظم، وقد روىٰ الإمام أحمد بإسناده: «أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرّة فيها حنطة أمثال نوىٰ التمر مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيام العدل»، وهذه القصة ذكرها في مسنده علىٰ إثر حديث رواه....
وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم، فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لمنع الغيث من السماء والقحط والجدب، وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين، وتعدِّي القوي علىٰ الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة، الذين لا يرحمون إن استرحموا، ولا يعطفون إن استعطفوا، وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم... والله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها،... والله بالغ أمره لا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لأمره. وبالله التوفيق».
371 ــ باب الاستغفار
قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [محمد: 19] ، وقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 106] ، وقال تَعَالىٰ: ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ [النصر: 3] ، وقالَ تَعَالىٰ: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَواْ عِندَ رَبِّهِم جَنَّٰت تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا} إلىٰ قوله _عز وجل_: {وَٱلمُستَغفِرِينَ بِٱلأَسحَارِ} [آل عمران: 15 ــ 17] ، وقالَ تَعَالىٰ: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110] ، وقالَ تَعَالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]، وقالَ تَعَالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] ، والآيات في الباب كثيرة مَعْلُومة.
هداية الآيات:
1) الاستغفار: طلب المغفرة من الذنوب والخطايا التي تصدر من بني آدم، إما تقصير في واجب ، أو فعل لمحرم، ودواء الذنوب الاستغفار وتجديد التوبة دائماً.
2) علىٰ العبد أن يكثر من استغفار الله _عز وجل_ ، وأن يسأله المغفرة والرحمة، لأنه سبحانه غفور رحيم.
3) من صفات المتقين أنهم يستغفرون في الأسحار، فذلك وقت الإجابة والتضرع والإنابة، لأنه وقت تنزل الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا.
4) التوبة والاستغفار من أعظم موانع نزول العذاب.
1/1869ــ وَعَنِ الأغَر المُزنِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلىٰ قَلْبي، وَإنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». رَواهُ مُسْلِم.
2/1870 ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: «وَاللهِ إنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ في الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». رواه البخاري.
غريب الحديث:
ليغان علىٰ قلبي: يحدث له شيء، من الغم والتغيّر بسبب فتور الذِّكْر.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد أن تكون له أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثرة الاستغفار والتوبة.
2) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم الاستغفار، وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! فكيف حال المقصرين أمثالنا؟!
3/1871ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ تَعَالىٰ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ الله تَعَالىٰ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون.
2) بيان فضل الله تعالىٰ علىٰ عباده بالعفو والمغفرة، لمـّا فتح لهم بابَ الاستغفار، لِمَا عَلِم من ضعفهم بالذنوب.
3) الفقه الصحيح للحديث: أنه خبر تبشير بالمغفرة وإزالة الذنوب، وليس خبر تقرير علىٰ فعل المعاصي والعيوب.
4/1872 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في المَجْلِسِ الْوَاحِدِ مائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لي، وَتُبْ عَليَّ إنَّكَ أَنْتَ التَوَّابُ الرَّحِيمُ».
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث صحيح.
هداية الحديث:
1) بيان تواضع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لربِّه وخضوعه له، ولزومه التوبة والاستغفار.
2) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ حفظ هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يراقبون أقواله، وأفعاله، وأحواله، التعبدية.
5/1873 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ». رواه أبو داود[6].
هداية الحديث:
[6] الحديث إسناده ضعيف.
1) من داوم علىٰ الاستغفار فُرِّج همه، وكُفي رزقه.
2) الاستغفار سبب لجلب الخيرات، ودفع المضرات ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا * يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا * وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا}.
6/1874ــ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذي لا إلهَ إلَّا هُوَ الحَيَّ الْقيُّومَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وَإنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». رواه أبو داود والترمذي والحَاكِمُ، وَقالَ: حَدِيثٌ صَحيحٌ عَلىٰ شَرْطِ البُخارِيّ ومسلم.
هداية الحديث:
1) فضل المداومة علىٰ الاستغفار، فإنه يكفّر الكبائر.
2) إذا خرج الدعاء من قلب صادق مقبل علىٰ الله تعالىٰ، فإن فضله وأجره يُذهِب الذنوب الكبار، لأن الأجر التام مرتب علىٰ القول التام.
7/1875 ــ وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللهم أَنْتَ رَبّي، لا إلهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَني وَأَنا عَبْدُكَ، وأَنا عَلىٰ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبوءُ لَكَ بِنــعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بذَنْبي، فَاغْفِرْ لِي، فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذِّنُوبَ إلاَ أنْتَ. وَمَنْ قَالَها مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَن يُمْسِي، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَها مِنَ اللَّيْلِ، وَهُوَ مُوقِنٌ بها، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ». رواه البخاري.
«أَبُوءُ» بباءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاو وهمزَةٍ ممدودَةٍ، وَمَعْنَاهُ: أقِرُّ وَأَعْتَرِفُ.
غريب الحديث:
سيد الاستغفار: أشرف الاستغفار وأفضله.
موقناً: مخلصاً من قلبه مصدقاً.
هداية الحديث:
1) هذا الدعاء جامع لمعاني تعظيم الله تعالىٰ، ففيه: الاعتراف بأنه الخالق المستحق وحده للعبودية، والإقرار بالعهد الذي أخذه علىٰ عباده، والاستعاذة من شرّ النفس، فمن اعترف بتقصيرهِ، وطالع نعمة ربِّه، وطلب المغفرة، وجد الله غفوراً رحيماً.
2) كمال أدب العبد مع ربه سبحانه؛ حيث أضاف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النِّعَم إلىٰ الله وحده لا شريك له، وأقرّ بالذنب ونَسَبه لنفسه، فالمؤمن الصادق يسير إلىٰ الله بين مشاهدة نعمة الله عليه وتتاليها، ومطالعة عيب النفس وتقصيرها.
8/1876 ــ وَعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا انْصَرَفَ منْ صَلاتِهِ اسْتَغفَرَ الله ثَلاثاً، وَقَالَ: «اللهم أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَاذَا الجَلالِ والإكْرَامِ» قيلَ لِلأوزاعِيِّ ــ وهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) يُستحب للعبد أن يستغفر بعد الصلاة المفروضة ثلاث مرات، لأن الطاعة لا تخلو من نقص وخلل، فيستغفر الله تعالىٰ مما حصل فيها من التقصير.
2) السلام والأمن والطمأنينة نعمة يهبها الله لمن استجاب لشرعه ، وآمن برسوله وانقاد لأمره.
تنبيـه:
شاع في بعض المساجد صيغة للاستغفار بعد الصلاة، وهي قولهم: «أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه» وهذه صفة استغفار صحيحة من حيث المعنىٰ، لكن هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الاستغفار عقب الصلاة المفروضة ليس علىٰ هذه الصيغة، بل كما قال الأوزاعي لمّا سُئل: كيف الاستغفار؟ قال: «أستغفر الله» ثلاثاً، وراوي الحديث أعلم بفقه روايته من غيره، فَلْنحرصْ علىٰ لزوم السُّنَّة النبوية. ففيها الكفاية والغنية، والبركة والرحمة.
9/1877 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ قَبلَ مَوْتِهِ: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْهِ» متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) بيان صفة استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم وتضرّعه وإقباله علىٰ الله تعالىٰ قبيل الموت.
2) علىٰ العبد أن لا يأمن مكر الله تعالىٰ، فهو سبحانه مُقلِّب القلوب كيف يشاء.
3) الترغيب في الوصية الجامعة: ملازمة التسبيح والاستغفار حتىٰ الممات. {فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَٱستَغفِرهُ}.
10/1878 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالىٰ: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَني وَرَجَوْتَني غَفَرْتُ لَكَ عَلىٰ مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَتَني، غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبالي، يَا ابْنَ آدَمَ إنَّكَ لَوْ أتيْتَني بقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شَيْئاً، لأتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رواه الترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حسَنٌ.
«عَنانَ السَّمَاءِ» بِفتْحِ العَيْنِ: قِيل: هُوَ السَّحَابُ، وَقِيلَ: هُوَ مَا عَنَّ لَكَ مِنْها، أيْ ظَهَرَ. و«قُرَابُ الأرْضِ» بِضَمَ القافِ، وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا، والضَّمُّ أَشْهَرُ، وهُوَ ما يقَارِبُ ملأَها.
هداية الحديث:
1) توحيد الله تعالىٰ شرط في مغفرة الذنوب، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
2) إذا تاب العبد توبة نصوحاً غفر الله ذنوبه كلها، ولو كانت ملء الأرض.
3) إن حسنة التوحيد تمحو سيئة الذنوب، بالغةً ما بلغت.
11/1879 ــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَأَكْثِرْنَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، فَإنِّي رَأَيْتكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: مَا لنَا أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «تكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتكْفُرْنَ العَشِيرَ. مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنكُنَّ» قالَتْ: ما نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدّينِ؟ قالَ: «شَهَادَةُ امْرأَتيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلِ، وَتَمْكُثُ الأيَّامَ لا تُصَلِّي». رواه مسلم.
غريب الحديث:
تكفرن العشير: تجحدن حق الزوج.
لذي لب: لصاحب عقل.
هداية الحديث:
1) حضُّ النساءِ علىٰ الصدقة، وأعمال البر، والإكثار من الاستغفار، وسائر الطاعات.
2) تحريم اللعن وجحد حق الزوج وإنكاره، لأن ذلك من كبائر الذنوب.
3) اهتمام الإسلام بالمرأة؛ ومن ذلك وعْظُ رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، وتعليمه إياهنّ.
4) النساء شديدات التأثر العاطفي، فهُنّ يستعملن عواطفهن أكثر من عقولهن، فهذا معنىٰ نقصان عقولهنَّ، وقد بيّنه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمثال الموضِّح.
372 ــ باب بَيان مَا أعدّ الله للمؤمنين في الجنَّة
قَالَ الله تَعَالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ * ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ * وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ} [الحجر: 45 ــ 48].
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ * ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ * ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ * وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ * لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ} [الزخرف: 68 ــ 73].
وَقَالَ تَعَالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ * فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ * يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ * يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ * فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [الدخان: 51 ــ57].
وَقَالَ تَعَالىٰ: ﴿ إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ * عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ * يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ * خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ * وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ * عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 22 ــ28]. والآيات في البابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
هداية الآيات:
1) البشرىٰ بالجنة؛ وهي الدار التي أعدّها الله تعالىٰ لأوليائه المتقين، بما جعل فيها من أنواع النعيم.
2) عظيم فضل الله على أهل الجنة، والعبد لا يحيط علماً بحقيقة ما أعد الله لهم من النعيم، والذي يوجد في نعيم الدنيا إنما هو الأسماء فحسب.
3) بيان ثواب الأبرار الذين فعلوا الخيرات وتركوا المحرمات، فهم في نعيم شامل؛ نعيم في القلب، ونعيم في البدن.
1/1880 ــ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «يَأْكُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ فِيهَا، وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَلا يَبُولُونَ، ولكِنْ طَعَامُهُمْ ذلِكَ جُشاءٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتكْبِيرَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
جشاء: يخرج منهم بالتجشّؤ، وهو تنفس المعدة.
كرشح المسك: يرشح من أجسامهم رشحاً طيب الرائحة، كالمسك.
هداية الحديث:
1) نعيم الجنة دائم لا ينقطع ، وأهلها يتلذذون بذكر الله وتسبيحه دون مشقة.
2) طعام أهل الجنة وشرابهم خالٍ من الآفات والعيوب الحاصلة في طعام أهل الدنيا.
3) نعيم أهل الجنة جمع بين النعيم الجسدي بالملذات، والنعيم الروحي بذكر الله تعالىٰ.
2/1881 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ، وَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]. متفقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) بيان فضل نعيم الجنة، والله تعالىٰ برحمته أطلع عباده علىٰ شيء من نعيمها، لتعظم رغبتهم، ويشتد شوقهم. {مَن كَانَ يَرجُواْ لِقَاءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأت}.
2) جزاء أهل الجنة من جنس عملهم؛ فكما أخفوا عباداتهم في الدنيا بالإخلاص أخفىٰ الله لهم النعيم في الآخرة.
3/1882 ــ وَعَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلىٰ صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَىٰ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إضَاءةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفُلُونَ، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجامِرُهُمُ الألوَّةُ ــ عُودُ الطِّيبِ ــ أَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِيْنُ، عَلَىٰ خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلىٰ صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِراعاً في السَّمَاءِ». متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رِوَايَةِ للْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم: «آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَىٰ مُخُّ سُوقِهِما مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنهُمْ وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ الله بُكْرَةً وَعَشيّاً».
قَوْلُهُ: «عَلَىٰ خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ» رواهُ بعْضُهُمْ بِفَتْحِ الخَاءِ وَإسْكَانِ اللاَّمِ، وَبَعْضُهُمْ بِضَمِّهِما، وَكِلاَهُمَا صَحِيحٌ.
غريب الحديث:
كوكب دري في السماء: النجم الشديد الإضاءة.
لا يتفلون: لا يبصقون.
مجامرهم: المباخر التي يوضع فيها البخور للتطيب.
هداية الحديث:
1) قلوب أهل الجنة طاهرة من الأخلاق الذميمة، فلا اختلاف بينهم، ولا تباغض، ولا حسد، ولا شحناء، فهي دار الطيب؛ لايدخلها إلا من طابت قلوبهم بالعقائد السليمة، وأعمالهم بالعبادات الصحيحة، وأخلاقهم بالفضائل الزكية.
2) أهل الجنة متساوون في الخَلْق، فكلهم علىٰ صورة أبيهم آدم وطوله صلى الله عليه وسلم، وهم منشغلون بنعيمها يُلهَمون الذكر والتسبيح بكرة وعشياً.
4/1883 ــ وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَأَلَ مُوسَىٰ صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ: مَا أَدْنَىٰ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً ؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذاتِهِمْ ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَىٰ أَنْ يكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَيَقُولُ في الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هذَا لَكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلاهُمْ مَنْزِلَةً ؟ قَالَ: أُولئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتْ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ» رواهُ مُسْلم.
5/1884 ــ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم: «إنِّي لأعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُروجاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ؛ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً، فَيقُولُ الله _عز وجل_ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَىٰ، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأىٰ، فَيَقُولُ اللهُ _عز وجل_ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَىٰ، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلأَىٰ، فَيَقُول اللهُ _عز وجل_ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشرةَ أَمْثَالِهَا» أَوْ «إنَّ لَكَ مِثْلَ عَشْرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، أَوْ تَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ المَلِكُ»؟ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّىٰ بَدَتْ نَوَاجِذُه، فَكَانَ يقُولُ: «ذلِكَ أَدْنَىٰ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
حبواً: زحفاً.
نواجذه: أنيابه.
هداية الأحاديث:
1) بيان عظيم كرم الله سبحانه وتعالىٰ، فخزائنه ملأىٰ لا تنفد، فأدنىٰ منازل أهل الجنة له عشرة أضعاف مُلك الدنيا ونعيمها، وهذا فيه ترغيب لخُطّاب الجنة بالصبر علىٰ غلاء مهرها وبذله، وهو الإيمان والعمل الصالح. فأين الراغبون؟!
2) منازل أهل الجنة متفاوتة الدرجات بحسب إيمانهم، وأعمالهم في الدنيا.
6/1885 ــ وَعَنْ أبي مُوسَىٰ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ لِلْمُؤْمِنِ في الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا في السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلاً. لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ، فَلاَ يَرَىٰ بَعْضُهُمْ بَعْضاً». متَّفَق عَلَيْهِ. «المِيلُ»: سِتَّة آلافِ ذِرَاع.
هداية الحديث:
1) يعظُم نعيم الجنة ويكبر ليزداد المؤمنون سروراً بنعيم مقيم.
2) ما ورد من النعيم جزء مما أعده الله لكَ أيها العبد المؤمن! فما أعددت أنت له؟! وفي هذا فليتنافس المتنافسون.
7/1886ــ وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ في الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُهَا». مُتَفَق عليهِ.
وَروَيَاهُ في «الصَّحِيحَيْنِ» أَيْضاً مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: «يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا».
غريب الحديث:
المضمَّر: هو أن يعلف الفرس حتىٰ تسمن وتقوىٰ، وتغطَّىٰ بالجلال حتىٰ تحمىٰ فتعرق، فإذا جف عرقها وخف لحمها ، قويت علىٰ الجري.
هداية الحديث:
1) عِظمُ أشجار الجنة، وامتدادُ ظلالها، يدلُّ علىٰ نعمة الله وفضله علىٰ عباده المتقين.
2) بيان سعة الجنة وهي سلعة الله لأهل الإيمان، فما أجلها من نعمة؟!
8/1887 ــ وَعَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُرِّيَ الْغَابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، تِلكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ ؟ قَالَ: «بَلَىٰ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِالله وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ». متَّفقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
يتراءون: ينظرون ويشاهدون.
الغابر: الذاهب في الأفق.
هداية الحديث:
1) إظهارُ تفاوتِ منازل أهل الجنة، بحسب درجات أعمالهم، وسابقة فضل ربهم، المشمِّرون؟!
2) مَنْ صدَّق المرسلين وآمن بهم، يبلغه الله منازلهم بفضله وجوده. فطوبىٰ للمصدِّقين بالوحي!.
9/1888 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَقَابُ قَوْسٍ في الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْربُ». متَّفقٌ عَليهِ.
غريب الحديث:
قاب قوس: القاب هو المقدار، أي: بمقدار قوس.
هداية الحديث:
1) تعظيم نعيم الجنة وما فيها، وتحقير الدنيا وما فيها، فنعيم الجنة وفير دائم، ومتاع الدنيا حقير زائل.
2) إنما رغب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بنعيم الجنة ليعظم الشوق إليها، ويتنافس المؤمنون فيها!
1/1889 ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ في الْجَنَّةِ سُوقاً يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشِّمَالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَرْجِعُونَ إلَىٰ أَهْلِيهِمْ، وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً». رواهُ مُسلِمٌ.
غريب الحديث:
ريح الشمال: هي التي تهب من دبر القبلة، وخصّها بالذكر لأن العرب كان يرجون السحابة الشامية التي تأتي بالخير والمطر.
هداية الحديث:
1) أهل الجنة في زيادة حسن، وجمال دائم متجدد.
2) علىٰ العبد أن يرغب في العمل الصالح، فهو زاد يتوصل به إلىٰ نعيم تلك الدار.
11/1890ــ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءوْنَ الْغُرَفَ في الْجَنَّةِ كَمَا تتَرَاءوْنَ الْكَوْكَبَ في السَّمَاء». متفقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) ترغيب أهل الإيمان بالرتب العالية في الجنة، وهي منازل من سَمت هممهم.
2) إظهار تفاوت منازل أهل الجنة بحسب أعمالهم، ومزيد فضل الله عليهم.
12/1891 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْتُ من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَجْلِساً وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَىٰ انْتَهَىٰ، ثُمَّ قَالَ في آخِرِ حَدِيثِهِ: «فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ» ثُمَّ قَرَأَ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُم عَنِ ٱلمَضَاجِعِ} إلَىٰ قَوْلِهِ تَعَالىٰ: {فَلَا تَعلَمُ نَفس مَّا أُخفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعيُن} [السجدة: 16 ــ 17]. رَوَاهُ البخاريُّ.
هداية الحديث:
1) حث المؤمنين علىٰ الطاعات، بذكر ما أعد الله لهم من أنواع الكرامات، فإن النفوس إذا رُغّبت في الخير أقبلت.
2) القرآن والسنة قرينان، يوضح أحدهما الآخر، ويزيده بياناً وظهوراً.
13/1892 ــ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرةَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَداً، إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَداً،وَإِنَّ لَكُم أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْأَسُوا أَبَداً». رواهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) أهل الجنة في نعيم متجدد، لا يغيره مرض ولا هرم ولا موت ولا مصيبة.
2) علىٰ العبد أن يصبر علىٰ مصائب الدنيا، لأنها طُبعت علىٰ الكدر والتنغيص.
14/1893 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَدْنَىٰ مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تمنَّ، فَيَتَمَنَّىٰ وَيَتَمَنَّىٰ، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
هداية الحديث:
1) خزائن الله سبحانه وتعالىٰ لا تنفد، ولو أعطىٰ جميع أهل الجنة أمانيهم.
2) الموفَّق من عباد الله من آثر الباقي علىٰ الفاني، وعمل في دنياه لأُخراه.
15/1894 ــ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللهَ _عز وجل_ يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ في يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضيْتُمْ ؟ فَيقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَىٰ، يَا رَبَّنَا، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لم تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ! فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، فَيقُولُونَ: وَأَي شَيْءٍ أَفْضلُ مِنْ ذلِكَ؟ فَيقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَاني، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً». مُتفقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إن القرب من الله، والأنس به، ونيل مرضاته، هو أعظم مطالب المؤمنين في دار النعيم.
2) من أعظم النعيم لأهل الجنة بعد نزولهم فيها هو رضوان الله عليهم، فلا يسخط عليهم أبداً، ومن رضي عنه ربُّ العالمين فهو الموفَّق السعيد.
16/1895 ــ وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ إلَىٰ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَاناً كَمَا تَرَوْنَ هذَا الْقَمَر، لَا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ». مُتَّفَقٌ علَيْهِ.
17/1896 ــ وَعَنْ صُهَيْب رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: أَلمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَىٰ رَبِّهِمْ». رواهُ مُسْلِمٌ.
غريب الحديث:
لا تضامون: لا يلحقكم ضيم ، وهو المشقة والتعب في رؤيته.
عياناً: معاينة بنظر العين.
فيكشف الحجاب: هو حجاب النور فلا يراه أحد في الدنيا، أما في الجنة فيُكشف ليراه المؤمنون المصدِّقون بخبر الله تعالىٰ، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.
هداية الأحاديث:
1) البشرىٰ لأهل الإيمان بأنهم سيرون ربهم في الجنة، وهو أعظم النعيم، وأحبه إليهم.
2) رؤية المؤمنين ربَّهم بأبصارهم في الجنة، ثابتة بكتاب الله تعالىٰ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع السابقين الأولين. وأما الكفار فعن رؤية ربهم محجوبون؛ لقوله تعالىٰ: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ﴾.
3) أحب شيء يُعطاه المؤمنون في الجنة: رؤية ربِّهم العظيم الجليل، فهي أعظم منة ومنحة في دار الكرامة والجزاء، كما كانت العبودية أعظم نعمة عليهم في دار البلاء.
خاتمة الفوائـد:
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
«والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ} وتفسيره علىٰ ما أراده الله تعالىٰ وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه ما أراد. لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله _عز وجل_، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وردّ علم ما اشتبه عليه إلىٰ عالمه.
ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مَرامُه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً».
خاتمة كتاب (روح ورياحين)
ختم المصنف الشيخ العلَّامة النووي ــ رحمه الله تعالىٰ وغَفَر له ولوالديه وللمسلمين ــ كتابه الجليل (رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم) بباب:
(بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة) تفاؤلاً بالفأل الحسن الطيب؛ أن يدخلنا الله تعالىٰ وإياه وجميع المؤمنين جنته، ويرزقنا حسن الختام، بامتثال العمل بآيات وأحاديث هذا الكتاب، لما تضمنته من الهدي النبوي المبارك. فهذا هو السبيل الوحيد لنيل هذه العِدَة والكرامة.
ومن لطائف إنهاء الكتاب بالآيات الكريمات: إشارة إلىٰ أن الهداية هي أعظم مِنَّةٍ ومنحة، فمن صدق في هدايته ــ بدوام الإخلاص لله رب العالمين، ولزوم الاهتداء والاقتداء بمنهج سيد المرسلين، وسبيل السابقين الأولين ــ في دار البلاء، نال المنحة في دار النعيم، وفاز بعظيم الجزاء.
فقال المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في خاتمة الكتاب:
قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ * دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [يونس: 9 ــ 10] .
أنجز الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.
الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا الله.
اللهم صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِ محَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىٰ إبْرَاهِيمَ وَعَلَىٰ آل إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَىٰ إبْرَاهِيمَ وَعَلَىٰ آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
قَالَ مُؤَلّفُهُ يحيىٰ النَّوَاوِيُّ ــ غَفَرَ اللهُ لَهُ ــ: «فَرَغْتُ مِنْهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ رَابعَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَسِتِّمَائَةٍ».
قال شارحوه ــ غفر الله لهم ولوالديهم وللمؤمنين ــ : «فرغنا من مراجعة كتابنا: (روح ورياحين شرح رياض الصالحين) ــ في طبعته الثالثة ــ أوائل شهر رجب، عام أربعة وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة النبوية»
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
وصلىٰ الله وسلم علىٰ نبينا محمد وعلىٰ آله وصحبه أجمعين.