رياض الصالحين
كتاب (رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين) تصنيف العلَّامة الزاهد أبي زكريا يحيىٰ بن شرف النووي (631 ــ 676هـ) ــ رحمه الله تعالىٰ ــ جمع فيه مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً علىٰ ما يكون زاداً لصاحبه إلىٰ الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين؛ من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من المقاصد. وقد عظمت وصية العلماء بالكتاب، واعتنوا به شرحاً وتدريساً لعموم المسلمين. وهذا دالٌّ علىٰ إخلاص مؤلفه، وعلىٰ حاجة ا لناس لمثل هذا الكتاب النافع الجامع.
كتاب رَوْحٌ وَرَيَاحِينُ شَرْح رِيَاضِ الصَّالحِينَ
بسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الحمد لله المحمود علىٰ ما لَهُ من الأسماء الحسنىٰ، والصفات الكاملة العظيمة العليا، وعلىٰ آثارها الشاملة للأولىٰ والأخرى، ونُصليِّ ونُسلِّم علىٰ سيد المرسلين؛ أجمع الخلق لكل وصف حميد، وخُلق رشيد، وقول سديد، وعلىٰ آله وأصحابه وأتباعه من جميع العبيد.
أما بعد:
فليس بعد كلام الله تعالىٰ أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسوله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ هو أعلم الخلق، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم نصحاً وإرشاداً، وأبلغهم بياناً، وأحسنهم تعليماً، وقد أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً.
ومن هنا نعلم اضطرارَ العباد إلىٰ معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهىٰ عنه وزجر، وألا يُعبد الله تعالىٰ إلا بما شرع؛ فإنه لاسبيل إلىٰ السعادة والفلاح لهذه الأمة المرحومة إلا باتباع نبيِّها صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، إذ لا طريق إلىٰ الله والجنة إلا بهدي الكتاب والسُّنَّة.
ولذلك يجب علىٰ من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه المبارك ما يخرجه عن الجاهلين به، ويُدخله في عداد أتباعه وأهل سنته. والناس في هذا بين محروم ومستقلّ ومستكثر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وإن مما يعين علىٰ معرفة ذلك العناية بالكتب الجامعة، النافعة، المختصرة، في معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسُنَنه، ومنها:
كتاب (رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين) تصنيف العلَّامة الزاهد أبي زكريا يحيىٰ بن شرف النووي (631 ــ 676هـ) ــ رحمه الله تعالىٰ ــ جمع فيه مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً علىٰ ما يكون زاداً لصاحبه إلىٰ الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين؛ من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من المقاصد.
وقد عظمت وصية العلماء بالكتاب، واعتنوا به شرحاً وتدريساً لعموم المسلمين. وهذا دالٌّ علىٰ إخلاص مؤلفه، وعلىٰ حاجة ا لناس لمثل هذا الكتاب النافع الجامع.
واقتداءً بطريقة علمائنا وجرياً علىٰ صالح فعالهم، كانت هذه المشاركة في تيسير كتاب (رياض الصالحين) لعموم الراغبين، قصدنا من ورائها:
1) أن تكون نصيحة للمؤمنين في امتثال هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فإنه خير الهدي.
2) أن نتأسّىٰ بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسارعتهم إلىٰ تعظيم أمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالصحابة هم الجيل الأمثل الذي صدق في اتِّباع هدي النَّبِّي المُرسَل صلى الله عليه وسلم .
3) أن يعلم العباد عظمة هذه الشريعة الحنيفيّة السَّمحة التي أغاث الله بها العَالَمَ، فَعَمَّ خيرها البشرية كلَّها، وخصَّ الأُمة المحمدية ببركات ورحمات وتيسيرات تنالها الأمة ببركة اقتدائها بهدي الكتاب والسُّنَّة.
وقد تلَّخص سعينا في خمس نقاط:
1 ــ توضيح الكلمات التي لا يفهمها القارئ من الحديث، مما تركه المؤلف ولم يُبيَّن معناه، وهو ما يسمى: (غريب الحديث).
2 ــ استخراجُ هدايةٍ من الأبواب وأدلة الكتاب، نرجو منها أن تكون رسائل نصح وإرشاد في امتثال هدي سيد العباد عليه الصلاة والسلام. وحرصنا أن تكون وقفات الهداية بما يناسب أدلة كل باب، وقد أفردنا فوائد مهمات، وتنبيهات نافعات، لبعض الأدلة، وجاءت بلفظ «فائدة» أو «تنبيه» لتتميز عن كلام المصنف.
3 ــ عند تكرار الأحاديث في الأبواب أعدنا شرح غريبها واستخراج هدايتها بما يتناسب مع الباب، جرياً علىٰ هدي القرآن الكريم {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ} [الزمر: 23] أي تُثنَّىٰ فيه الأخبار والقصص والأحكام وجميع المواضيع النافعة لحِكمٍ عظيمة، منها: تثبيت هذه المعاني في قلوب العباد بتكرارها، لأن الشيء إذا تكرر تقرر، فأعدنا معاني الأحاديث المكررة لتثبت في الأفئدة. علماً أن في كتاب (رياض الصالحين) مئة وثماني وستين (168) حديثاً مكرراً.
4 ــ نبَّهنا القارئ الكريم علىٰ جملة الأحاديث التي ضعّفها أهل العلم في هذا الكتاب المبارك، وهي قليلة بالنسبة لمجموع أحاديثه، حيث يرىٰ الناظر الإشارة إلىٰ ضعف الحديث، في حاشية الكتاب، وقد اعتمدنا في ذلك على مطبوعة محققة مُجوَّدة للكتاب اعتنى بها الشيخ عصام هادي، وصدرت عن مؤسسة الريَّان، ومن رغب في بيان سبب الضعف فلينظر كتب التخريج المختصة بذلك.
ومعلومٌ أخي ــ هدانا الله وإياك ــ أن الواجب علىٰ عموم المسلمين التعبد لله ربِّ العالمين بما صح من أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ففي الصحيح ما يغني عن الضعيف، وما يذكره بعض الأئمة في كتبهم من الحديث الضعيف ــ اليسير ضعفه ــ ؛ فلأن لهذه الأحاديث أصولاً صحيحة من الكتاب والسنة، فهي صحيحة المعاني وإن كانت ضعيفة الإسناد.
ولذلك جعلنا جملة الأحاديث الضعيفة مع عموم أحاديث الكتاب في شرح غريبها، واستخراج هدايتها، لأن لها ما يقوي معانيها، إلا النادر اليسير مما يكون معناه منكراً فنُعرض عنه، (والنادر لا حكم له).
5 ــ ألحقنا الكتاب بثلاثة فهارس معينة للقارئ، وهي:
أولاً: فهرس الأحاديث والآثار، وفيه:
ذكر أطراف الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة؛ ليَسْهُل علىٰ الناظر الوصول إلىٰ أي حديث أو أثر في الكتاب.
ثانياً: فهرس الأحاديث المكررة، وفيه:
الإشارة إلىٰ موضع تكرار الحديث في الكتاب، والغاية منه أن يقف القارئ علىٰ حسن صنيع المؤلف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في جعل الحديث الواحد لأبواب كثيرة، وبذلك يُعلم معنىٰ جوامع الكلم الذي اختُصّ به نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، حيث يتكلم بالكلام القليل لفظُه، الكثير معناه، فيصلح الحديث الواحد لمناسبات عدَّة.
ثالثاً: فهرس موضوعات الكتاب، وفيه:
حصر موضوعات الكتاب مرتبة علىٰ أبواب بلغت (372) باباً، يحوي كل باب جملةً من الأدلة الشرعية، ويندرج في أغلب الأبواب آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، بلغ مجموع الأحاديث في تلكم الأبواب (1896) حديثاً علىٰ المشهور من طبعات الكتاب.
هذا، وقد اعتمدنا في إخراج كتاب (رياض الصالحين) علىٰ المطبوعة التي اعتنىٰ بها الشيخ المحقق شعيب الأرناؤوط، وصدرت عن مؤسسة الرسالة، مع تصحيح أخطاء يسيرة وقعت فيها، بالرجوع إلىٰ الكتب الأصول.
وقد قدمنا بين يدي الكتاب ترجمة مختصرة للنووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ، ونبذة يسيرة من كلام العلماء في منزلة كتاب (رياض الصالحين)، ووصيتهم به.
وختاماً: فهذا نصحنا أسميناه: (رَوْحٌ وَرَيَاحِينُ شَرْح رِيَاضِ الصَّالحِينَ).
نهديه لكل مؤمن راغب في امتثال هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وسبيل السابقين الأولين، رضي الله عنهم أجمعين. ونسأل الله سبحانه أن ينفع به ويبارك، كما نفع بأصله وبارك. وما كان فيه من صواب فمن الله تعالىٰ وتوفيقه، وما كان من خطأ فهو من تقصيرنا وجهلنا وذنوبنا، التي حالت بيننا وبين كرامات ربِّنا.
فنسأل الله تعالىٰ العظيم، رب العرش الكريم، ألا يحرمنا خير ما عنده، بشرِّ ما عندنا إنه جواد كريم.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلىٰ الله علىٰ نبيِّنا محمد، وعلىٰ آله وصحبه وسلم.
الشام المُبارك
دمشق
الطبعة الثالثة/رجب/ 1434هجرية[1] [1]() صدر كتاب (روح ورياحين شرح رياض الصالحين) أول مرة عام 1426هـ، ثم أعدنا طبعه مصححاً مزيداً في محرم عام 1427هـ ، وهذه الطبعة الثالثة بإضافات نافعة، يفرح بها كل محبٍّ للتوحيد والسنَّة، والله المسؤول أن يبارك عليها، ويهدي بها، إنه سميع الدعاء.
ترجمة مؤلف كتاب (رياض الصالحين) العلامة يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى (631 ــ 676 هـ)
نسبه:
هو العلامة الفقيه الزاهد أبو زكريا محيي الدين يحيىٰ بن شرف بن مُرِي بن حسن ابن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، النووي نسبة إلىٰ نوىٰ ــ وهي قرية من قرىٰ حوران في سورية ــ ، ثم الدمشقي، الشافعي، شيخ المذهب، وكبير الفقهاء في زمانه.
مَولدهُ ونشأته:
ولد النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في المحرم من 631هـ في قرية نوىٰ من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه علىٰ بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مر بتلك القرية الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي، فرأىٰ الصبيان يُكرهونه علىٰ اللعب وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن، فذهب إلىٰ والده ونصحه أن يفرغه لطلب العلم، فاستجاب له. وفي سنة 649هـ قدم مع أبيه إلىٰ دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكن المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق، وفي عام 651هـ حَجَّ مع أبيه ثم رجع إلىٰ دمشق.
حَيَاته العلميّة:
في سنة 665هـ تولىٰ مشيخة دار الحديث والتدريس بها حتىٰ تُوفي، وكان عمره 45 سنة. وقد تميزت حياة النووي العلمية بعد وصوله إلىٰ دمشق بثلاثة أمور:
الأول: الجد في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه، وقد أخذ العلم منه كل مأخذ، وأصبح يجد فيه لذة لا تعدلها لذة، وقد كان جاداً في القراءة والحفظ؛ فقد حفظ (التنبيه) في أربعة أشهر ونصف، وحفظ (ربع العبادات من المهذب) في باقي السنة، واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحب أستاذه أبي إبراهيم إسحق بن أحمد المغربي، فجعله معيد الدرس في حلقته.
الثاني: سعة علمه وثقافته، فقد جمع إلىٰ جانب الجد في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدث تلميذه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً علىٰ المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في الوسيط، وثالثاً في المهذب، ودرساً في الجمع بين الصحيحين ، وخامساً في صـحيح مسلم، ودرساً في اللمع لابن جني في النحو، ودرساً في إصلاح المنطق لابن السِّكِّيت في اللغة، ودرساً في الصرف، ودرساً في أصول الفقه، وتارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، وكان يكتب جميع ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.
الثالث: غزارة إنتاجه، اعتنىٰ بالتأليف وبدأه عام 660هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك الله له في وقته وأعانه، فأذاب عصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمس فيها سهولة العبارة، وسطوع الدليل، ووضوح الأفكار، والإنصاف في عرض آراء الفقهاء، ومازالت مؤلفاته حتىٰ الآن تحظىٰ باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها في سائر البلاد.
ومن أهم كتبه: شرح صحيح مسلم، والمجموع شرح المهذب، ورياض الصالحين ، والأذكار، وتهذيب الأسماء واللغات، والأربعون النووية، والمنهاج في الفقه.
أخلاقهُ وَصفاته:
أجمع أصحاب كتب التراجم أن النووي كان رأساً في الزهد، وقدوة في الورع، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطيب لنا في هذه العجالة عن حياة النووي أن نتوقف قليلاً مع هذه الصفات المهمة في حياته:
الزهد: وجد النووي في لذة العلم عِوضاً عن اللذائذ الفانية، فتغرغر بحلاوة العلم والإيمان. والذي يلفت النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلىٰ دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان في سن الشباب حيث قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ في التقشف وشظف العيش.
الورع: في حياته أمثلة كثيرة تدل علىٰ ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ذلك قال: إنها كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرف في ذلك إلا علىٰ وجه الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها علىٰ وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء، ومن جوّزها قال بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا علىٰ جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟ واختار النزول في المدرسة الرواحية علىٰ غيرها من المدارس، لأنها كانت من بناء بعض التجار.
وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلساً، بل كان يجمعها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حقّ سَنَة اشترىٰ به ملكاً ووقفه علىٰ دار الحديث، أو اشترىٰ كتباً فوقفها علىٰ خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هدية ولا عطية إلا إذا كانت به حاجة إلىٰ شيء وجاءه ممن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أمه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يرسل إليه ما يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ذلك شيئاً.
مُناصحَتُه الحُكام: لقد توفرت في النووي صفات العالم الناصح الذي يجاهد في سبيل الله بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مخلص في مناصحته، وليس له أي غرض خاص أو مصلحة شخصية، وشجاع لا يخشىٰ في الله لومه لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه.
وكان الناس يرجعون إليه في الملمات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعىٰ لحل مشكلاتهم، كما في قضية الحوطة علىٰ بساتين الشام:
لما ورد دمشق من مصر السلطان الملك الظاهر بيبرس بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها [أي بحجزها]، وتكليف واضعي اليد علىٰ شيء منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلىٰ الشيخ في دار الحديث ، فكتب إلىٰ الملك كتاباً جاء فيه: «ولقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة علىٰ أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف إثباته»، فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب. ولما رأىٰ الشيخ أن الكتاب لم يفد، مشىٰ بنفسه إليه وقابله وكلّمه كلاماً شديداً، وأراد السلطان أن يبطش به، فصرف الله قلبه عن ذلك وحمىٰ الشيخ منه، وأبطل السلطان أمر الحوطة، وخلص الله الناس من شرها.
وَفَاته:
في سنة 676هـ رجع إلىٰ نوىٰ بعد أن رد الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكىٰ، وزار أصحابه الأحياء وودعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلىٰ نوىٰ فمرض بها وتوفي في 24 رجب. ولما بلغ نعيه إلىٰ دمشق ارتجت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وتوجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلىٰ نوىٰ للصلاة عليه في قبره، ورثاه جماعة. وهكذا انطوت صفحات عَلَمِ من أعلام المسلمين، بعد جهاد في طلب العلم، ترك للمسلمين كنوزاً من العلم، لا يزال العالم الإسلامي يذكره بخير، ويرجو له من الله تعالىٰ أن تناله رحماته ورضوانه.
رحم الله النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً[2]. [2]() هذه الترجمة منقولة عن مقدمة كتاب (نزهة المتقين شرح رياض الصالحين) بتصرف يسير. ومن رغب في التوسع، فلينظر: ــ البداية والنهاية لابن كثير (13/278). ــ تذكرة الحفاظ للذهبي (4/1470 ــ 1474). ــ طبقات الشافعية للسبكي (5/165 ــ 168). ــ شذرات الذهب لابن العماد (5/354 ــ 356).
منزلة (رياض الصالحين) عند أهل العلم
ــ كتاب (رياض الصالحين) كتاب جليل، عظمت وصية العلماء به، فانتشر في البلاد، وعم النفع به بين العباد. وذلك راجع إلىٰ عدة أمور، أهمها أمران:
الأول: ما عُلم من إخلاص جامعه الشيخ النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ فكان من ثمرة إخلاصه أن بارك الله في كتابه ونفع، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إنما يدرك الرجل علىٰ قدر نيَّـتـه».
الثاني: الحاجة الملحة لعموم الأمة إلىٰ كتاب في الأخلاق والآداب والترغيب والترهيب، مثل: (رياض الصالحين)، ذلك لأن الكلام في هذه الأبواب مما تأنس به الفِطر السليمة، ويتلقاه الناس بالقبول. فوقع الكتاب موقعاً عظيماً، فكان كالعافية للبدن، وكالشمس للدنيا، ما عنهما من عوض. ويؤكد هذا المعنىٰ ما قاله مصنفه:
«وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقاً للمعتني به إلىٰ الخيرات، حاجزاً له عن أنواع القبائح والمهلكات».
* وقال الحافظ الذهبي (ت 748هـ):
«نسأل الله علماً نافعاً، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً؛ ولم يأت نهي عنه، قال u: «مَن رغب عن سنتي فليس مني». فعليكَ يا أخي بتدبّر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين وسنن النسائي ورياض النواوي وأذكاره تفلح وتنجح». (سيرة أعلام النبلاء: 19/340)
* وقال العلامة ابن الوزير اليماني (ت 840 هـ):
«القسم الثاني من العلم: ما يحتاج إليه في الدين، وهو قسمان: قسم لم يختلف في حسنه مثل النصوص في الحديث، والإجماع من تفسير الإسلام، والإيمان الواجب، وعلم الزهد. ومن أنفس كتبه رياض الصالحين للنووي، لاقتصاره علىٰ الحديث القوي، وهو من الكتب الخالية من البدع». (إيثار الحق علىٰ الخلق ص33) * وقال الحافظ السخاوي (ت 902هـ):
«رياض الصالحين كتاب جليل لا يُستغنىٰ عنه». (ترجمة النووي ص12)
* وقال الشيخ ابن عِلَّان الصدِّيقي (ت 1057هـ):
«قد جمع ما يحتاج إليه السالك في سائر الأحوال، واشتمل علىٰ ما ينبغي التخلق به من الأخلاق، والتمسك به من الأقوال، والأفعال، مغترفاً له من عُباب الكتاب والسنة النبوية، ناقلاً لتلك الجواهر من تلك المعادن السَّنية». (مقدمة دليل الفالحين: 1/4)
وعامة العلماء المعاصرين متفقون علىٰ الوصية بكتاب رياض الصالحين.
فمن ذلك:
* ما وصَّىٰ به الشيخ فيصل بن مبارك النجدي ( ت 1376هـ)، قال موصياً طالب العلم:
«ويقرأ كتاب (رياض الصالحين) ويحفظ آخره من كتاب الفضائل إلىٰ آخره؛ فإنه جامع للمأمورات والمنهيات ، ومؤدب لقاريه ومرغِّب له في الطاعات».
(وصية جامعة ص76)
* وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط ــ حفظه الله تعالىٰ ــ:
«ومن أجود ما ألف في هذا الباب كتاب (رياض الصالحين)؛ فإنه أوسع كتب الحديث انتشاراً، وأكثرها تداولاً، فقد طبقت شهرته الآفاق، واحتل منزلة سامقة في نفوس العلماء والكُتَّاب والخطباء والعامة». (مقدمة تحقيق رياض الصالحين ص6)
وبالجملة: فكل من اعتنىٰ بالكتاب في تحقيقه وإخراجه من أهل العلم وطلابه مجمعون علىٰ علو منزلة الكتاب وعظيم فائدته.
نسأل الله العلي العظيم أن يُعلي منزلة جامعه في درجات النعيم، وأن يُعظم له الجزاء الأوفى، ويختم لنا وللمسلمين بالحسنى، علىٰ إخلاص التوحيد واتِّباع السُّنَّة.
والحمد لله رب العالمين.
مقدمة المصنف النووي ــ رحمه الله تعالى ــ
بسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَيْلِ عَلَىٰ النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لأُولِي الْقُلُوبِ وَالأَبْصَارِ، وَتَبْصِرَةً لِذَوِي الألبَابِ وَالاعْتِبَارِ، الَّذِي أَيْقَظَ مِنْ خَلْقِهِ مَنِ اصْطَفَاهُ فَزَهَّدَهُمْ فِي هذِهِ الدَارِ، وَشَغَلَهُمْ بِمُرَاقَبَتِهِ وإِدَامَةِ الأَفْكَارِ، وَمُلاَزَمَةِ الاتِّعَاظِ وَالادِّكَارِ، وَوَفَّقَهُمْ لِلدَّأبِ فِي طَاعَتِهِ، وَالتَأَهُّبِ لِدَارِ الْقَرَارِ، وَالْحَذَرِ مِمَا يُسْخِطُهُ وَيُوجِبُ دَارَ الْبَوَارِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَىٰ ذلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ وَالأَطْوَارِ. أحْمَدهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَزْكَاهُ، وَأَشْمَلَه وَأَنْمَاه. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَه إِلَّا الله الْبَرُّ الْكَرِيمُ، الرَؤُوفُ الرَّحِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، الْهَادِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالدَّاعِي إِلَىٰ دِينٍ قَوِيمٍ. صَلَوَاتُ الله وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَىٰ سَائِرِ النَّبِيّينَ، وَآلِ كُلٍّ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ.
أمَا بَعْدُ: فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56 ــ 57] وَهذَا تَصْرِيح بأَنَّهُمْ خُلِقُوا للعِبَادَةِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ، وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لاَ مَحَلُّ إِخْلادٍ، ومَرْكَبُ عُبُورٍ لا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفِصَامٍ لا مَوْطنُ دَوَامٍ. فَلِهذَا كَانَ الأَيْقَاظُ مِنْ أَهْلِهَا هُمُ الْعُبَّادَ، وَأَعْقَلُ النَاسِ فِيهَا هُمُ الزُهَّادَ. قَال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24] والآياتُ في هذا المعنىٰ كَثِيرةٌ. ولَقدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
طَلَّقُوا الدُنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا إنَّ لله عِبَاداً فُطَنَـا أنَّهَا لَيْسَتْ لِحيٍّ وَطَنَـا نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيها سُفُنـَا جَعَلُوهَا لُجَّةً واتَّخَذُوا
فإِذا كَان حالُها ما وصفْتُهُ، وحالُنا ومَا خُلِقْنـَا لَهُ مَا قَدَّمتُهُ فَحَقّ عَلَىٰ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَذْهَب بِنَفْسِهِ مَذْهَبَ الأخْيَارِ، ويَسْلُكَ مَسْلَكَ أُولِي النُّهَىٰ وَالأَبْصَارِ، وَيَتَأَهَّب لِما أَشَرتُ إِلَيهِ، وَيَهْتَمَّ بِمَا نبَّهْتُ عَلَيْهِ. وَأَصْوَبُ طَرِيقٍ لهُ فِي ذلِكَ، وَأَرْشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ الْمَسَالِكِ: التأَدُّبُ بِمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيَدِ الأَوَّلِينَ وَالآخرِينَ، وَأَكْرَمِ السَّابِقِينَ وَاللاَحقِينَ صَلَوَاتُ الله وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلىٰ سَائِرِ النَبِيّينَ. وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2] وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قَالَ: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهُ»، وَأنَّهُ قَالَ: «مَنْ دَلَّ عَلَىٰ خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، وَأَنّهُ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَىٰ هُدىٰ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئَاً» وَأنَهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: «فَوالله لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ».
فَرَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَراً مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مُشْتَمِلاً عَلَىٰ مَا يكَوِّنُ طَرِيقاً لِصَاحِبِهِ إِلَىٰ الآخِرَةِ، وَمُحَصِّلاً لآدَابِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، جَامِعاً لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ آدَابِ السَّالِكِينَ: مِنْ أَحَادِيثَ الزُهْدِ، وَرِيَاضَاتِ النُفُوسِ، وَتَهْذِيبِ الأَخْلاَقِ، وَطَهَارَاتِ الْقُلُوبِ وَعِلاَجِهَا، وَصِيَانَةِ ا لْجَوَارِحِ وَإزَالَةِ اعْوِجَاجِهَا، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعَارِفِينَ.
وَأَلْتَزِمُ فِيهِ أَنْ لاَ أَذكُرَ إِلا حَدِيثاً صَحِيحاً مِنَ الْوَاضِحَاتِ، مُضَافاً إِلَىٰ الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَاتِ، وَأُصَدِّرَ الأَبْوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِآياتٍ كَرِيمَاتٍ، وَأُوَشِّحَ مَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ ضَبْطٍ أَوْ شَرْحِ مَعْنىٰ خَفِيّ بِنَفَائِسَ مِنَ التَنْبِيهَاتِ. وَإِذَا قُلْتُ فِي آخِرِ حَدِيثٍ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَمَعْنَاهُ: رَوَاهُ البُخارِيّ وَمُسْلِم.
وأَرْجُو إِنْ تَمَّ هذَا الْكِتَابُ أَنْ يَكُونَ سَائِقاً لِلْمُعْتَنِي بِهِ إِلَىٰ الْخَيْرَاتِ، حَاجِزاً لَهُ عَنْ أَنْوَاعِ الْقَبَائحِ وَالْمُهْلِكَاتِ. وَأَنَا سَائِلٌ أَخاً انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ أنْ يَدْعُوَ لِي، وَلِوَالِدَيَّ، وَمَشَايِخِي، وَسَائِرِ أَحْبَابِنَا، وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَعَلىٰ الله الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإلَيْهِ تَفْوِيضي وَاسْتِنَادِي، وَحَسْبِيَ الله ونِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَةَ إِلَّا بِالله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 ــــ باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5 ]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ} [الحج: 37] وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران: 29].
هداية الآيات:
1) النية: هي القصد، ومحلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال؛ لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم ــ وهو قدوتنا وأسوتنا ــ كَانَ يتوضَّأ ويصلِّي ويصوم ويتصدق ويحج، ولم يكن ينطق بالنية.
2) علىٰ العبد أن يستحضر النية في جميع العبادات؛ فينوي نية العبادة، ونية أن تكون لله، ونية أنه قام بها امتثالاً لأمر الله تعالىٰ. وهذا أكمل ما يكون، فينوي مثلاً: الوضوء، وأنه توضأ لله، وأنه توضأ امتثالاً لأمر الله تعالىٰ.
1/1ــ وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبدِ الْعُزَّىٰ بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُرْطِ بْنِ رزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَي بنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّـيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجرَتُهُ إِلَىٰ الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرتُهُ إلَىٰ الله وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَىٰ مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». مُتفَقٌ عَلَىٰ صِحَّتِهِ. رَوَاهُ إِمَاما الْمُحَدِّثِينَ: أَبُو عَبْدِ الله مُحَمدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُغِيرَةِ ابْنِ بَرْدِزْبَةَ الْجُعْفيُّ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ رضي الله عنهما فِي كِتَابيهِما اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ.
غريب الحديث:
الهجرة: الانتقال من بلد الكفر إلىٰ بلد الإسلام.
ينكحها: يتزوجها.
هداية الحديث:
1) الحديث ميزان يزن العبد به كل أعماله الباطنة، هل هو مخلص فيها لله تعالىٰ أم لا؟.
2) تفاوت الناس بالأعمال بحسب تفاوتهم في النيات؛ فمِن الناس مَن نيته قد بلغت غاية في الإخلاص والمتابعة من أعمال الخير والصلاح، ومِنهم مَن نيته دون ذلك.
3) الانتقال من بلاد الكفر إلىٰ بلاد الإسلام واجبة علىٰ كل قادر، كما هو حال المؤمنين الأوائل من الصحابة الكرام، الذين هاجروا من مكة إلىٰ المدينة قبل أن تصبح مكة دار إسلام وإيمان.
فائدة:
الهجرة تكون للعمل، وللعامل، وللمكان.
الأول: هجرة العمل، أن يهجر العبد ما نهاه الله عَنْهُ ورسوله من أنواع المعاصي، كما في الحديث: «المهاجر من هجر ما نهىٰ الله عَنْهُ» رواه البخاري.
الثاني: هجرة العامل، مثل هجر الرجل المجاهر والمعلن بالمعاصي، فإن كَانَ في هجرته مصلحة ومنفعة: كأن يترك ما نهىٰ الله عَنْهُ، فإنه يُهْجَر.
الثالث: هجرة المكان، بأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي والفسوق إلىٰ بلد لا توجد فيه، أو توجد بقلَّة؛ لأن العبد يتأثر بالمكان المحيط به، إما خيراً أو شراً.
فائدة:
ما حكم سفر المسلم إلىٰ بلاد الكفار؟
سفر المسلم إلىٰ بلاد الكفار غير جائز؛ وهو حرام إلَّا إذا توفرت شروط خاصة فيجوز، وهي:
1) أن يكون عند المسلم علم راسخ يدفع به الشبهات عن نفسه؛ لأن الكفار قد يوردون عليه إشكالات ومسائل صعبة في أمر الدين، والكتاب، والرسول، ونحو ذلك، ولا يعرف لها جواباً.
2) أن يكون عنده دين وتقوىٰ تحميه من الشهوات المحرمة المنتشرة، كالخمر والزنىٰ والسهر المحرم ونحو ذلك.
3) أن يكون محتاجاً إلىٰ ذلك السفر. أما مجرد الذهاب للسياحة فلا يجوز. ومثال الحاجة: أن يكون مسافراً لطلب علاج، أو طلب علم، لا يوجد في بلاد المسلمين، أو تجارة، فيها منفعة له ولعامة المؤمنين.
ومن السفر المستحب أو الواجب: ما يكون في حق الدعاة وأهل العلم إذا سافروا لدعوة الناس إلىٰ دين الله تعالىٰ.
2/2 ــ وَعَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْد الله عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ». قَالَتْ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ الله ، كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيسَ مِنْهُمْ!؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأوَلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَىٰ نِيَّاتِهِمْ»،. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، هذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
غريب الحديث:
بيداء: أرض واسعة.
يخسف: يُقال خسفت بهم الأرض: إذا ذهبوا وغابوا فيها.
أسواقهم: الذين جاؤوا للبيع والشراء.
هداية الحديث:
1) من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان فهو معهم في العقوبة؛ لأن العقوبة تعمُّ.
2) هذا الحديث مما يوافق ويُوضِّح حديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فكلٌ يُجَازَىٰ بحسب نيته.
3) العقوبة إذا وقعت تعمُّ الصالح والفاسد، ثُمَّ يوم القيامة يبعثون علىٰ نياتهم. فعلىٰ أهل الإيمان أن يتواصوا فيما بينهم بالحق؛ لئلا تنزل بهم العقوبات، فإن الطاعات سبب لرفع البلاء والعقوبات، والمعاصي سبب لحلول النكبات والمصيبات.
3/3 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». مُـتَّـفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَاهُ: لا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ، لأنَهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلاَمٍ.
غريب الحديث:
استنفرتم: طُلب منكم النفير، وهو الخروج للجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) بشرىٰ للمؤمنين أن مكة المكرمة لن تعود بلاد كفر، بل ستبقىٰ بلاد إسلام إلىٰ أن تقوم الساعة.
2) المسلم يدافع عن دين الله، ويجاهد أعداء الله، لتكون كلمة الله هي العليا، فيدافع عن وطنه؛ لأنه بلد إسلامي، فدفاعه عنه؛ حمايةً للإسلام، ودفاعاً عن حرمات المسلمين.
فائـدة:
ــ المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : «لا هجرة بعد الفتح» لمن لم يكن قد هاجر قِبَلَه صلى الله عليه وسلم ، أما الهجرة من بلاد الكفر فباقية إلىٰ قيام الساعة، لأن المسلم يهاجر إلىٰ البلد الذي يستطيع فيه إقامة شعائر الله، والمحافظة علىٰ دينه، قال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].
ــ متىٰ يكون الجهاد فرض عين؟
في حالات:
1) إذا استنفر ولي الأمر الناس للجهاد في سبيل الله .
2) إذا حصر العدو بلدة صار الجهاد فرض عين، ووجب علىٰ كل أحد قادرٍ من أهلها أن يقاتل؛ لأن هذا القتال دفاع عن الحرمات.
3) إذا التقىٰ الصفان ـ صفُّ الكفار وصفُّ المسلمين ـ فلا يجوز لأحد أن ينصرف ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ﴾ [الأنفال: 15]. وقد جعل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «التولي يوم الزحف من السبع الموبقات». متفق عليه.
4) إذا كَانَ الإنسان محتاجاً إليه في الجهاد، بحيث لا يكون غيره قائماً بالواجب، فإنه يتعين عليه أن يجاهد، كحال رجل مُحتاجٌ إليه في معرفة سلاح معين، فإنه يتعين عليه أن يجاهد.
4/4 ــ وعَنْ أَبِي عَبْدِ الله جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأنصَارِيِّ رضي الله عنهما قَالَ: كُـنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً إِلاَ كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «إلاَ شَرَكُوكُمْ فِي الأجْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إنَّ أَقْوَاماً خَلْفَنَا بِالمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً وَلاَ وَادِياً إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
هداية الحديث:
1) من خرج في سبيل الله في الغزو والجهاد فإن له أجر ممشاه ، وهذا من فضل الله أن يكون لوسائل العمل مثل أجر العمل، فالوسائل لها أحكام المقاصد.
2) إذا نوىٰ الإنسان العمل الصالح، ثُمَّ حُبِسَ عَنْهُ، فإنه يُكتبَ له أجر ما نوى.
5/5 ــ وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَخْنَسِ رضي الله عنهم، وَهُوَ وأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابيِّونَ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُه إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
هداية الحديث:
1) الأعمال بالنيات؛ فالإنسان يكتب له أجر ما نوى، وإن وقع الأمر علىٰ خلاف ما نوى.
2) جواز أن يتصدق الرجل علانية، إذا كان في إظهار الصدقة مصلحة.
3) يجوز للأب أن يعطي ولده من الزكاة إن كان الابن من مستحقي الزكاة، بشرط ألا يقصد الأب بهذا العطاء إسقاط أمر النفقة الواجبة عليه نحو ابنه.
6/6 ــ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ مَالِكِ بْنِ أُهَيْب بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بن زَهْرَةَ بْنِ كِلاَبِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِب الْقُرَشِيِّ الزُهْرِيّ رضي الله عنه، أَحَدِ الْعَشَرَةَ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّة، رضي الله عنهم، قَالَ: «جَاءني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَاَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: لا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ــ أَوْ كَبِيرٌ ــ، إِنَّكَ إنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكَفَّفُونَ النَاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إلَّا أُجرْتَ بِهَا، حَتَّىٰ مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِك. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله إِلا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَىٰ يَنْتَفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. اللهم أَمْضِ لأَصْحَابِي هجْرَتَهُم، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِهِمْ، لكِن الْبَائسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ» ـ يَرْثي لَهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ــ مُتفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
يتكففون: أي يسألون بأكفهم عطاءَ الناس.
عالة: فقراء، جمع عائل.
أُخَلّف بعد أصحابي؟: هل أتأخر عنهم؟.
تُخلّف: تُعَمَّر في الدنيا.
يرثي له: يحزن لحاله.
هداية الحديث:
1) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أصحابه؛ يزورهم، ويتفقد أحوالهم، ويدعو لهم.
2) مشروعية عيادة المريض واستحبابه، لما في ذلك من الهداية للزائر والمريض.
3) يُستحب للعبد مشاورة أهل العلم، لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه استشار النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يتصرف بشيء من ماله، وهذه من طرق توثيق الصلة بين العامَّة وعلماء الأُمة.
4) ما من إنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله إلا ازداد به رفعة ودرجة، حتىٰ النفقة علىٰ أهله وزوجته ونفسه. فعلىٰ العبد أن يستحضر نية التقرب إلىٰ الله في كل ما ينفق حتىٰ يكون له تمام الأجر.
7/7 ــــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَحْمن بْنِ صَخْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلَىٰ أَجْسَامِكُمْ، وَلاَ إِلىٰ صُوَرِكُمْ، وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَىٰ قُلُوبِكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) العِبرة في الحب والرضا علىٰ الأعمال الصالحة، والنيات الصادقة، فهما ميزان قَبول العبد عند ربه، فرُبّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية.
2) من دلائل توفيق الله للعبد: سعيه في إصلاح نيته، وتطهير قلبه بصالح الأعمال.
8/8 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ الأَشْعَريِّ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله». مُتـَفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
حمية: عصبية لقومه أو بلده.
هداية الحديث:
1) بيان تفاوت الناس في النيات عند القتال، فأصلحهم نية من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
2) سبيل الله واحد، وسبل الشيطان كثيرة، والمهتدي من هداه الله تعالىٰ لسلوك سبيله. كما قال سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ} [الأنعام: 153].
9/9ــ وَعَنْ أَبِي بكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ الثَقَفِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا الْتَقَىٰ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ، هذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ّ قَالَ: «إِنَهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَىٰ قَتْلِ صَاحِبِهِ». مُتَّفَق عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) التنبيه علىٰ القاعدة العظيمة: «الأعمال بالنيات»؛ فإن هذا لمّا نوىٰ قتل صاحبه، وعمل السبب الموصل إليه، وحال دون ذلك تفوُّقُ الآخر عليه، صار كالفاعل للقتل.
2) التنبية علىٰ الفرق بين من قاتل دفاعاً ليصد المعتدي الصائل، وبين من قاتل ينوي قتل صاحبه.
3) الترهيب من عظم القتل، فهو من أسباب دخول النار.
4) طريقة الصحابة رضي الله عنهم في طلب العلم، أنهم كانوا يوردون الإشكال علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجيبهم عنه. وليس في الكتاب أو السنة شيء مشتبه إلا وُجد حلّه ابتداءً، أو جواباً علىٰ سؤال.
10/10ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم : «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَماعَةٍ تَزِيدُ عَلَىٰ صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ وَذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ أتَىٰ الْمَسْجِدَ لا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَلاَةُ، لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَىٰ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد كَانَ فِي الصَّلاَةِ مَا كَانَتِ الصَّلاَةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلاَئِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَىٰ أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذي صَلَّىٰ فِيهِ يَقُولُونَ: اللهم ارْحَمْهُ، اللهم اغْفِرْ لَهُ، اللهم تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِم.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : «يَنْهَزُه» هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَبالزَّايِ: أيْ يُخْرِجُهُ وَيُنْهِضُهُ.
غريب الحديث:
بضعاً: البِضع بكسر الباء من الثلاثة إلىٰ العشرة.
هداية الحديث:
1) فضيلة شهود الجماعة في المسجد .
2) استحباب وضوء الرجل في بيته لشهود الجماعة ليعظم الأجر.
3) اعتبار النية في حصول هذا الأجر العظيم؛ فمن لم يستحضر النية الخالصة نقص أجره.
4) العبد في خير ما انتظر الخير.
فائدة:
اعلم أخي المسلم ــ وفقك الله ــ أن صلاة الجماعة فرض عين علىٰ كل مسلم سمع النداء وليس له عذر، وأدلة وجوبها كثيرة، فمن ذلك: قوله تعالىٰ: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: 102] فأوجب الله الجماعة في حال القتال مَعَ وجود الخوف، ففي حال الأمن والسلم من باب أولىٰ وأحرى.
وفي السنة ورد وجوب الجماعة علىٰ الرجل الأعمىٰ الضرير، فكيف تكون علىٰ البصير؟
11/11 ــ وَعَنْ أبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّـيِّـئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَىٰ سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ إِلَىٰ أَضْعَافٍ كَثِيرَةِ، وَإنْ هَمَّ بِسيِّئةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَها كَتبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». مُـتَفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إن النية الصالحة توصل صاحبها إلىٰ الخير.
2) تفاوت الحسنات مبني علىٰ الإخلاص والمتابعة؛ فكلما كَانَ العبد أخلص لله، وأحرص علىٰ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل، وثوابه أكثر.
3) من ترك فعل المعصية خوفاً من الله أُثيب علىٰ ذلك، كما جاء مفسَّراً في حديث: «إنما تركها من جرَّائي». رواه مسلم عن أبي هريرة.
4) من رحمة الله تعالىٰ أن يجازي العاصي بعدله، والطائع بفضله وكرمه.
12/12 ــ وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمن عبد الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّىٰ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلىٰ غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهمُ الْغَارَ. فَقَالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللهم كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهما أَهْلاً وَلا مالاً ، فَنَأَىٰ بِي طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْماً فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّىٰ نَامَا، فَحَلَبْت لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقظَهُمَا وَأنْ أغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاَ، فَلَبِثْتُ ـ وَالْقَدَحُ عَلَىٰ يَدِي ـ أنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَىٰ بَرَقَ الْفَجْرُ، والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي، فاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللهم إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئاً لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ. قَالَ الآخرُ: اللهم إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَفِي رِوَاية: كُنْتُ أُحبُّهَا كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَأَرَدْتُهَا عَلَىٰ نَفْسَها فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّىٰ أَلَمَّتْ بِها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمَائةَ دِينَارٍ عَلَىٰ أَنْ تخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ، حَتَّىٰ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَاوَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللهم إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَخْرَةُ غَيْرَ أَّنهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج مِنْهَا. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللهم اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُل وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّىٰ كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعْدَ حِين فَقَالَ: يَا عَبْدَ الله أَدِّ إِلَيَّ أجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَىٰ مِنْ أَجْرِكَ؛ مِنَ الإبِلِ وَالْبقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الله لا تَسْتَهْزِئْ بِي! فَقُلْتُ لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شيْئاً، اللهم إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ». مُتَفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
نفر: الجماعة من الرجال.
المبيت: المكان الذي يبيت فيه الإنسان.
أغبق: الغبوق: ما يشرب مساءً.
نأىٰ: أبعد.
أرح: أرجع.
يتضاغون: يصيحون من شدة الجوع.
سَنَة: جدب وقحط.
لا تفض الخاتم: التحذير من ارتكاب الزنىٰ.
هداية الحديث:
1) الإخلاص من أسباب تفريج الكربات؛ لأن كل واحد منهم يقول: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه».
2) الأعمال الصالحات سبب لتفريج الكربات.
3) فضيلة بر الوالدين، والعفة عن الزنىٰ، وفضل الأمانة وإصلاح العمل للغير.
4) إن الله سميع الدعاء، لا يخيب دعاء من صدق في دعواه، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ إخلاص الدعاء لله .
5) إن من أنواع التوسل المشروع: التوسل إلىٰ الله بالأعمال الصالحة الخالصة.
فائـدة:
قال الإمام الزاهد مُطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير ــ رحمه الله تعالىٰ ــ :
«صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية».
ذكره الحافظ ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم).
2 ــ باب التوبة
قالَ العُلَماءُ: التَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الله تَعَالَىٰ ــ لا تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيّ ــ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقْلعَ عَنْ المَعْصِيَةِ.
والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَىٰ فِعْلِهَا.
والثالث: أَنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاَثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ.
وإِنْ كَانَتِ المَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بآدَمِي فَشُرُوطُهَا أَرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاَثَةُ، وَأَنْ يَبْرَأَ مِنْ حَقِّ صَاحِبِها، فَإنْ كَانَتْ مَالاً أَو نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وَإِنْ كَانَتْ حَدَّ قَذْفٍ وَنَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وَإنْ كَانَتْ غِيبَةً اسْتَحَلَّهُ مِنْهَا. وَيجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، فإنْ تَابَ مِنْ بَعْضِهَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ، وَبقِي عَلَيْهِ البَاقي. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وإجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلىٰ وُجُوبِ التَّوْبَةِ:
قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [النور: 31 ] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ} [هود: 3] ، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا} [التحريم: 8 ].
فائدة:
يُضاف إلىٰ شروط التوبة الثلاثة التي ذكرها المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ:
أن تكون التوبة في زمن تُقبل فيه، وذلك نوعان:
النوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه، فلابد أن تكون قبل حلول الموت.
النوع الثاني: باعتبار عموم الناس، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لا تنقطعُ الهجرةُ حتىٰ تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتىٰ تَطلعَ الشَّمسُ من مَغربِهَا» رواه أحمد. فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع التوبة.
هداية الآيات:
1) وجوب التوبة من المعاصي، وبيان فضلها وأجرها، فالله يحب التوّابين.
2) التوبة سبب للفلاح، والموفْق من عباد الله من سعىٰ إلىٰ باب من أبواب الفلاح فلزمه.
1/13ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «واللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
2/14 ــ وَعَنْ الأَغَرِّ بْنِ يَسَارٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يا أيّها النَّاسُ تُوبُوا إِلَىٰ الله واستغفروه، فَإنِّي أتُوبُ إليه فِي الْيَوْمِ مائَةَ مَرَّةٍ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الأحاديث:
1) وجوب التوبة؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بها، فَقَالَ: «يا أيها الناس توبوا إلىٰ الله »، وكان يبادر إلىٰ التوبة دوماً، وهذا فيه امتثال أمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به.
2) بيان عظم تعبد الرسول صلى الله عليه وسلم لربِّه، وإخلاصه التوبة له.
3) من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعلم الناس بلسان مقاله، ولسان حاله.
4) من آداب الداعي إذا أمر الناس بأمر أن يكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهاهم عن شيء فليكن أول من ينتهي عَنْهُ.
3/15ــ وعَنْ أَبي حَمْزةَ أَنسِ بن مَالكٍ الأنصَارِيِّ ــ خَادِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لَلهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَىٰ بَعِيرِهِ وقد أضَلَّهُ في أَرضٍ فَلاةٍ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمُسْلمٍ: « للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، حِينَ يَتُوبُ إلَيهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كان علىٰ رَاحِلَتهِ بأَرْضٍ فَلاةٍ، فَانفَلَتَتْ مِنْهُ وعَلَيْهَا طَعَامُهُ وشَرَابُهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَىٰ شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، وقد أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلكَ إذا هُوَ بِها قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللهم أنتَ عَبدِي وأَنا رَبُّكَ، أَخطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ».
غريب الحديث:
فلاة : الصحراء الواسعة لا ماء فيها.
الخطام: الحبل الذي يُقاد به البعير.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ التوبة؛ لأن الله يحبها من عبده ويرضاها.
2) محبة الله تعالىٰ لتوبة عبده من مصلحة العبد، فإنه سبحانه يحب أن يعفو ويغفر، والعفو أحب إليه من العقوبة، ولهذا يفرح بتوبة عبده.
3) إثبات الفرح لله سبحانه وتعالىٰ ــ فهو سبحانه يفرح ويغضب ويحب ويكره ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ــ فهو فرح يليق بعظمته وجلاله، لا يماثل فرح المخلوقين.
فائـدة:
لا يؤاخذ الإنسان بالقول الذي هو كفر إذا صدر منه عن خطأ أو سبق لسان، ولم يقصد معناه، بخلاف القاصد أو المستهزئ إذا قال كلمة الكفر، وهذا من رحمة الله سبحانه بعباده، كحال الرجل الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك».
4/16 ــ وعَن أبي مُوسىٰ عَبدِ الله بنِ قَيس الأشعَرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالىٰ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُط يَدَهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَيْلِ، حَتَىٰ تَطْلُع الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الله تعالىٰ يقبل التوبة من العبد وإن تأخرت، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بعبده المذنب.
2) محبة الله تعالىٰ للتوبة، ولهذا قبلها من العبد، وبسط يده لها.
3) إن المبادرة إلىٰ التوبة والتعجيل بها من أسباب رضا الله عن عبده.
5/17ــ وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيْهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من شروط التوبة أن تقع في وقتها الشرعي العام؛ لحديث: «لا تنقطع التوبة حتىٰ تطلع الشمس من مغربها». رواه أحمد.
2) طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى، وبعدها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.
3) الإيمان النافع هو الإيمان الاختياري، أما الإيمان الصادر بعد مجيء الآيات المنذرة فإنه لا ينفع؛ لأنه إيمان اضطراري، كما قال تعالىٰ عن فرعون: {ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [يونس: 90].
6/18 ــ وعَنْ أَبي عَبْدِ الرحمْن عَبْدِ الله بن عُمَرَ بن الخَطَّاب رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ يقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». رواه الترمذي وقَال: حديثٌ حسن.
غريب الحديث:
يغرغر: تبلغ روحه الحلقوم.
هداية الحديث:
1) حضور الموت هو الوقت الذي لا تنفع التوبة معه، ولهذا لابد أن تقع التوبة في وقتها الشرعي الخاص بالعبد قبل حضور الأجل.
2) الإيمان الاضطراري عند حضور الموت لا ينفع العبد، لأنه شاهد الموت أمامه. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ اغتنام حياته قبل أن يفجأه الموت.
7/19ــ وَعَنْ زِرِّ بْن حُبـَيْشٍ قَالَ: أَتيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ رضي الله عنه أَسْأَلُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَىٰ الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتغَاء الْعِلْمِ، فقالَ: إنَّ الْمَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضىٰ بمَا يَطْلُبُ، فَقُلْتُ: إنَّه قَدْ حَكَّ في صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَىٰ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَءاً مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَجِئْتُ أَسْألُكَ: هَلْ سَمعتَهُ يَذْكُرُ في ذلِكَ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأمُرنَا إذَا كُنَّا سَفْراً ـ أَوْ مُسَافِرِينَ ـ أنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ إلَّا مِنْ جَنابَةٍ، لكِنْ مِنْ غَائطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُر في الْهَوَىٰ شَيْئاً؟ قالَ: نَعَمْ، كُنَّا مَعَ رسول الله في سَفَرٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إذْ نَادَاهُ أعْرَابيّ بصَوْت لَهُ جَهْوَريٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأَجَابَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نَحْواً مِنْ صَوْتِهِ: (هَاؤُمُ)، فَقُلتُ لَهُ: وَيْحَكَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإنَّكَ عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذا، فقالَ: وَالله لا أغْضُضُ، قَالَ الأَعْرَابيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَمَا زَالَ يُحَدِّثنا حَتَّىٰ ذَكَرَ بَاباً مِنَ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةُ عَرْضِه أَوْ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ عَاماً. قَالَ سُفْيَانُ أحَدُ الرُّوَاةِ: قِبَلَ الشَّامِ، خَلَقَهُ الله تَعَالَىٰ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَات وَالأَرْضَ مَفْتُوحاً لِلتَّوْبَةِ ، لا يُغْلَقُ حَتَىٰ تَطْلُعَ الشَمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح.
غريب الحديث:
هاؤم: بمعنىٰ خذ، والمراد: الإجابة لمن ناداه.
هداية الحديث:
1) فضيلة العلم وطلبه، والعلم النافع: هو علم ما جاء في الكتاب والسنة النبوية، وطلبه من الجهاد في سبيل الله تعالىٰ.
2) «وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضىٰ بما يصنع»: نؤمن به علىٰ ظاهره؛ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه علىٰ الرأس والعين، نؤمن به، ونصدّق دون تردد أو شك، وكثيراً ما تأتي السنن ووجوه الحق، علىٰ خلاف الآراء والأهواء.
3) المسح علىٰ الخفين من شعار أهل السنة، وهو ثابت بالسنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
4) المؤمن إذا أحب قوماً من أهل الإيمان صار معهم، وإن قصّر به عمله.
5) الترغيب في الوصية العظيمة: «المرء مَعَ من أحب»، فواجبٌ محبة أهل العلم والإيمان، وبغض أهل الكفر والعدوان.
6) من بركة أرض الشام أن باب التوبة خلقه الله تعالىٰ قِبَل الشام.
8/20 ــ وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مالكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عن نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَم أهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَىٰ رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وتسْعِينَ نَفْساً، فهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مَائَةً. ثُمَّ سَألَ عَنْ أَعْلَم أهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ عَلَىٰ رَجُلٍ عَالِمٍ فقالَ: إنَّهُ قَتَلَ مَائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ ؟ فقالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَة؟ انْطَلِقْ إِلَىٰ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإنَّ بهَا أناساً يَعْبُدُونَ الله تعالىٰ فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَىٰ أَرْضِكَ فَإنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّىٰ إذَا نَصَفَ الطَّريقُ أتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فيهِ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائكَةُ الْعَذَابِ، فقالَتْ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إلَىٰ الله تعالىٰ، وقالَتْ مَلائكَةُ الْعَذَابِ: إنَهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَـأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آدَمِيِّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فقالَ: قيسُوا ما بَيْن الأَرْضَيْنِ فَإلَىٰ أَيَّتِهمَا كَانَ أَدْنَىٰ فَهْو لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَىٰ إلىٰ الأرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائكَةُ الرَّحْمَة». متفق عليه.
وفي روايةٍ في الصحيح: «فَكَانَ إلَىٰ الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا» وفي رِواية في الصحيح: «فَأَوْحَىٰ اللهُ تَعَالَىٰ إلَىٰ هذِهِ أنْ تَبَاعَدِي، وإلَىٰ هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَوَجَدُوهُ إلَىٰ هذِه أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ». وفي روايةٍ: «فَنَأىٰ بِصدْرِهِ نَحْوهَا».
هداية الحديث:
1) فضيلة العلم وأهله، فالعالِم يرشد الناس؛ ولا يقنّطهم من رحمة الله تعالىٰ، بخلاف العابد الراهب الذي لا علم عنده.
2) أثر المكان علىٰ الإنسان صلاحاً وفساداً، فأرض الطاعة تحضّ المؤمن علىٰ الخير، وأرض السوء تضعف المؤمن أو تُقْعِده عن فعل الخير.
3) النية الصادقة تكمل عمل المؤمن، وإن لم يباشره.
4) سعة رحمة الله بعباده؛ فقد فتح للمسرفين باب التوبة، وقَـبِل توبتهم.
5) من فعل ذنباً ثُمَّ ندم علىٰ ارتكابه، فندمه دليل علىٰ صحة توبته، لقوله صلى الله عليه وسلم : «الندم توبة» رواه أحمد.
فائـدة:
إذا قَتَل القاتلُ تعلق به ثلاثة حقوق:
الحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.
أما حق الله، فالله يغفره بالتوبة.
أما حق المقتول، فإن توبة القاتل لا تنفعه؛ لأنه لا يمكن الوصول إلىٰ استحلاله، فهذا الحق يبقىٰ القاتلُ مُطالَباً به، والله يفصل بينهم يوم القيامة.
وأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل حتىٰ يسلّم نفسه إلىٰ أولياء المقتول، فإما أن يعفوا عَنْهُ أو يطلبوا القصاص أو الدية.
9/21 ــ وعَنْ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالكٍ، وكَانَ قائِدَ كَعْبٍ رضي الله عنه مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالكٍ رضي الله عنه يُحَدِّثُ بحَدِيثِهِ حِينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّف عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ، إنَّمَا خَرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمُسْلمُونَ يُريدُونَ عِيْرَ قرَيْشٍ حَتَّىٰ جَمَعَ الله تَعَالَىٰ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوّهِمْ عَلَىٰ غَيْرِ ميعَادٍ. ولَقَدْ شَهدْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَىٰ الإسْلامِ، ومَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكَانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ أنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أقْوىٰ وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّىٰ جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ غَزْوَةً إلَّا ورَّىٰ بِغَيْرِهَا، حَتَّىٰ كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاسْتَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّىٰ للْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذي يُريدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رسولِ الله كثِيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدِّيوَانَ). قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أَنَّ ذلِكَ سَيَخْفَىٰ بِهِ مَا لَمْ يَنْزِل فيهِ وَحْيٌ مِنَ الله ، وَغَزَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَت الثَمَارُ والظِّلالُ، فَأنَا إِلَيْهَا أصْعَرُ. فَتَجَهَّزَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّز مَعَهُ، فأَرْجعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ في نَفْسي: أنَا قَادِرٌ عَلَىٰ ذلكَ إذَا أرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَىٰ بي حَتَّىٰ اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأَصْبَحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غَادِياً وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَىٰ بي حَتّىٰ أسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَالَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْزُنُنِي أَنِّي لا أرَىٰ لِي أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْه في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تعالَىٰ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّىٰ بَلَغَ تَبُوكَ، فقالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالكٍ؟» فقالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رسولَ الله حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ، فقالَ لَهُ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: بِئْسَ ما قُلْتَ! وَاللهِ يا رسولَ الله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلَّا خَيْراً، فَسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . فَبَيْنَا هُوَ عَلَىٰ ذلِكَ رَأىٰ رجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بهِ السَّرَابُ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كُنْ أبَا خَيْثَمَةَ»، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزهُ المنَافِقُونَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَني بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأقُولُ: بِمَ أَخرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَداً؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَىٰ ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أَظَلَّ قادِماً زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّىٰ عَـرَفْتُ أنِّي لَم أَنْجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَادِماً، وكَانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُون يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَاً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَىٰ الله تَعَالَىٰ حَتَّىٰ جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّىٰ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ!» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله إنِّي واللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْركَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ منْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ ؟ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلكِنَّنِي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثُ كَذبٍ تَرْضَىٰ بِه عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ يُسْخِطُكَ عَلَيَّ، وَإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَىٰ الله _عز وجل_، وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَىٰ وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.
قالَ: فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أَمَّا هذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّىٰ يَقْضيَ اللهُ فيكَ» وَسَارَ رجالٌ مِنْ بَنِي سَلِمةَ فاتَّبَعُوني، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ في أَنْ لا تَكُونَ اعتَذَرْتَ إلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَا اعْتَذَرَ إليهِ الْمُخَلَّفُونَ فقَدْ كانَ كَافيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَكَ. قَالَ: فَواللهِ ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّىٰ أرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إلَىٰ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلاَنِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، قَالَ قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ ربيعَة الْعُمْرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قالَ: فَذَكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قالَ: فَمَضَيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي. وَنَهَىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ كَلامِنَا ـ أَيُّها الثَّلاثَةُ ـ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قالَ: فاجْتَنبَنَا النَّاسُ ـ أوْ قالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا ـ حَتَّىٰ تَنكّرَتْ لي في نَفْسِيَ الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ، فَلَبثْنَا عَلَىٰ ذَلِكَ خَمْسين لَيْلَةً. فَأمَّا صَاحبَايَ فَاسْتكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ، وَأَمَّا أنا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ الْمُسْلِمينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه بَرَدِّ السَّلامِ أَمْ لا ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذَا أقْبَلْتُ عَلَىٰ صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإذَا الْتَفتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّىٰ إذَا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمينَ مَشَيْت حَتَّىٰ تَسَوَّرْت جدَارَ حَائط أبي قَتَادةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلت لَه: يَا أَبَا قَتَادَةَ أنْشُدكَ بالله هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ اللهَ وَرسُولَه صلى الله عليه وسلم ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْتُه فَسَكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّىٰ تَسَوَّرتُ الْجدَارَ، فَبَيْنَما أَنَا أَمْشِي في سُوقِ الْمَدِينَة إذَا نَبَطيٌّ منْ نَبَطِ أهْل الشَّام مِمَّن قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بالْمَدِينَةِ يقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَىٰ كَعْبِ ابنِ مالكٍ ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشيرُونَ لَهُ إلَيَّ، حَتَّىٰ جَاءني فَدَفَعَ إلَيَّ كتَاباً منْ مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنْتُ كَاتِباً فَقَرَأْتُهُ فَإذَا فيهِ: أمَّا بَعْدُ فَإنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأتُهَا: وَهذِهِ أيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّـنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّىٰ إذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إذَا رسولُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي، فَقَالَ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَن تَعْتزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذَا أفْعَلُ ؟ قَالَ: لا، بَل اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا، وَأرْسَلَ إلَىٰ صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَىٰ يَقْضِيَ اللهُ في هذَا الأَمْرِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ لَهُ:يا رسولَ الله إنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ»، فَقَالَتْ: إنَّهُ وَاللهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إلَىٰ شَيْءٍ، وَوَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إلَىٰ يَوْمِهِ هذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أذنَ لاِمْرَأَةِ هِلالِ بْن أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ ؟ فَقُلْتُ: لا أَسْتَأذِنُ فِيهَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وَمَا يُدْريني مَاذَا يَقُولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأنَا رَجُلٌ شَابٌ ! فَلَبِثْتُ بِذلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً منْ حينَ نَهَىٰ عَنْ كَلامَنا.
ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسينَ لَيْلَةً عَلَىٰ ظَهْرِ بَيتٍ منْ بُيُوتنَا، فَبَيْنَما أنَا جَالسٌ عَلَىٰ الْحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَىٰ منَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوْفَىٰ علىٰ سَلْعٍ يَقُولُ بأَعْلَىٰ صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْت أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، فآذَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ بِتَوْبـَةِ الله _عز وجل_ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّىٰ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إلَيَّ فَرَساً، وَسَعَىٰ سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي وَأَوْفَىٰ عَلَىٰ الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ ببشارَتهِ، وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّـئُونني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حَتَّىٰ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله رضي الله عنه يُهَرْوِلُ حَتَّىٰ صَافَحَنِي وَهَنَّأنِي، واللهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَىٰ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُرُور: أَبْشِرْ بخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَقُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يا رسولَ الله أَمْ مِنْ عِنْدِ الله؟ قَالَ: لا، بَلْ مِنْ عِنْد الله _عز وجل_، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّىٰ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أَنْخَلعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَىٰ الله وَإلَىٰ رَسُولِهِ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمْسِك عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فقلتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذي بخَيْبَرَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّ الله تَعَالَىٰ إنَّمَا أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتي أَنْ لا أُحَدِّثَ إلَّا صدْقاً مَا بَقِيتُ. فَوَالله مَا عَلِمْتُ أحَداً مِنَ الْمُسلِمِينَ أبْلاهُ اللهُ تعالىٰ في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِي اللهُ تعالىٰ، وَاللهِ ما تَعَمَّدْتُ كِذْبةً منذُ قلتُ ذلِكَ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَىٰ يَوْمِي هذَا، وإنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللهُ تعالىٰ فيمَا بَقِيَ، قال: فأَنْزَلَ الله تعالىٰ: {لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ} حَتَّىٰ بَلَغَ: ﴿إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ * وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ﴾ حَتَّىٰ بَلَغَ: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [التوبة: 117ــ 119] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أَنْعَمَ اللهُ عَليَّ مِن نِعمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدانِي اللهُ للإسْلام أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هلكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ اللهَ تعالىٰ قال لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْي شَرَّ مَا قالَ لأَحَدٍ، فقالَ الله تعالىٰ: {سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ * يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [التوبة:95 ــ 96].
قالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا ــ أَيُّهَا الثَّلاثَةُ ــ عَنْ أَمْرِ أُولئِكَ الَّذينَ قَبِلَ منْهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهم، وأَرجَأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمْرَنَا حَتَّىٰ قضَىٰ اللهُ تعالَىٰ فيه بذلِكَ قال الله تعالىٰ: {وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} وَلَيْسَ الَّذي ذكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تخَلُّفَنَا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيَّانَا، وإرْجاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقبِلَ مِنْهُ. متفق عَليه.
وفي روايةٍ «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخمِيسِ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخمِيسِ» وفي رواية: «وكانَ لا يقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلَّا نَهَاراً في الضحَى، فإذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمسْجِد فصَلَّىٰ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَس فِيهِ».
غريب الحديث:
عِيْر: الإبل المحمّلَة. ورَّى: أوضح أنه يريد غيرها.
مفازاً: الأرض الطويلة البعيدة. أهبة: ما يتزود به المسافر.
أصعر: أميل. تفارط: فات وسبق.
مغموصاً: مطعوناً فيه.
حبسه برداه والنظر في عطفيه: التفاخر بالثياب والتباهي بها.
مبيضاً: لابساً البياض. بثي: الحزن الشديد.
ابتعت: اشتريت. حائط: بستان.
نبطي: فلاح. فطفق: أصبح.
فسجرتها: أوقدتها بالنار. استلبث: تباطأ.
سلع: اسم جبل بالمدينة. أتأمم: أقصد.
أنخلع: أخرج. أرجأ: أخَّرَ.
هداية الحديث:
1) جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وما آل إليه أمره، وفي ذلك التحذير والنصيحة، وبيان طرق الخير ليسلكها، وطرق الشر ليحذرها.
2) الرجل إذا حضرت له فرصة الطاعة، فالحزم كل الحزم في اغتنامها والمبادرة إليها، لأن الله سبحانه قد يعاقب مَنْ فُتح له باب الخير فلم يدخله ألا يوفِّقه لغيره، بل قد يبتلىٰ بالاشتغال بما يضره.
3) مشروعية ترك السلام علىٰ من أحدث حدثاً؛ تأديباً له، بحسب المصلحة. وجواز معاتبة الرجل أصحابه بقصد تأديبهم.
4) المعاصي سبب للتنكر والوحشة في قلب العبد، ولكن بحسب مادة الحياة في قلب المؤمن يكون الإحساس بذلك.
5) إتلاف ما يُخشىٰ منه المضرة في الدين، فالنصيحة للمؤمن أن يخرج ما عنده من المنكرات في بيته، لئلا تضعف نفسه فيواقعها.
6) خير أيام العبد علىٰ الإطلاق وأفضلها يوم توبة الله عليه، وقبول توبته.
7) من ندم علىٰ الذنب وفقه الله للتوبة وأعانه عليها.
10/22ــ وَعَنْ أبي نُجَيْدٍ ـ بضَمِّ النُّونِ وفتْحِ الجِيم ـ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلَىٰ مِنَ الزِّنى، فقالَتْ: يا رسولَ الله أصَبْتُ حَدّاً فأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وَليَّها، فقالَ: «أحْسِنْ إلَيْهَا، فإذَا وَضَعَتْ فَأْتِـنِي» فَفَعَلَ. فأمَرَ بهَا نَـبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّىٰ عَلَيْهَا، فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يا رسول الله وقَدْ زَنَتْ؟ قالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المدينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضلَ مِن أن جَادَتْ بنَفْسِهَا لله _عز وجل_؟!». رواه مسلم.
غريب الحديث:
أصبت حدّاً: أي أصبت شيئاً يوجب الحدّ.
شُدّت: لُفت ثيابها وربطت.
هداية الحديث:
1) الزاني إذا زنىٰ وهو مُحصن متزوّج، فإنه يُرجم وجوباً. وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَجم الخلفاء الراشدون من بعده ، وهذا الحد رحمة من الله تعالىٰ بعبده ليطهره من الذنب.
2) الجزاء من جنس العمل، لأن الزاني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.
3) جواز إقرار الإنسان علىٰ نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد، لا من أجل فضح نفسه والمجاهرة بالمعاصي.
11/23 ــ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَىٰ مَنْ تَابَ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) طبيعة الإنسان أنه يحب التكاثر بالمال؛ إلا من زكّىٰ نفسه وذكّرها لقاء الله تعالىٰ.
2) التوبة إلىٰ الله تعالىٰ سبب للانكفاف عن المحرمات، والرضا بما قسم الله للعبد من الرزق.
3) التوبة يمحو الله بها السيئات، ولو كانت متعلقة بالحقوق المالية، بشرط أن يؤديها إلىٰ أهلها.
12/24ــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَضْحَكُ الُله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ إلَىٰ رَجُـلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هذَا في سَبِيلِ الله فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ عَلَىٰ الْقَاتِلِ، فَيُسْلِم فَيُسْتَشْهَدُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد، حتىٰ إن القاتل والمقتول كليهما يدخلان الجنة، من غير غل ولا حقد، وهذا هو وجه الضحك من هذين الرجلين.
2) «الإسلام يهدم ما قبله»، و«التوبة تجبُّ ما قبلها»، فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تجديد توبته دوماً.
3 ــ باب الصبر
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: 200]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]، وقال تعالىٰ: ﴿ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال تعالىٰ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31]. والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.
فائدة:
الصبر لغةً: الحبس، وشرعاً: حبس النفس علىٰ ثلاثة أمور، الأول: علىٰ طاعة الله، الثاني: عن محارم الله، الثالث: علىٰ أقدار الله المؤلمة.
هداية الآيات:
1) أمر الله سبحانه المؤمنين بالثبات علىٰ طاعته، وترك المعاصي، والرضىٰ بقضائه وقدره.
2) لا يزال البلاء بالمؤمنين اختباراً لهم، ولمجازاتهم علىٰ صبرهم، كلٌّ بحسب ما عنده من الإيمان والصبر.
3) الصبر من مكارم الأخلاق والأفعال الحميدة والأمور المشكورة، التي لا يقدر عليها إلا فحول الرجال.
1/25 ــ وَعَن أبي مَالكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان، وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله تَمْلآنِ ــ أوْ تَمْلأُ ــ مَا بَيْنَ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أوْ مُوبِقُهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يغدو: يروح ويسعى.
معتقها: يخلّص نفسه من العذاب.
موبقها: يوقع نفسه في الهلاك.
هداية الحديث:
1) فضل الطهارة في الإسلام، حتىٰ كانت نصف الإيمان.
2) بيان فضل ذكر الله _عز وجل_ وعظمة أجره.
3) الصلاة تضيء لصاحبها طريقَ الحق في الدنيا، والصِّراطَ في الآخرة.
4) بيان فضل الصبر؛ فهو أمر محمود يضيء للعبد عندما تشتد به الكربات. وقد وُصف بالضياء، لأن فيه إحراقاً وإشراقاً، لمشقته وصعوبته.
5) الاهتمام والعناية بكتاب الله _عز وجل_ ؛ تلاوةً، وفهماً، وعملاً، ودعوةً، واستغناءً بالوحي عما سواه، فهذا حظ المؤمن الذي يحرص علىٰ كتاب الله تعالىٰ.
2/26ــ وَعَنْ أبي سَعيد سَعْد بْنِ مَالكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْريِّ رضي الله عنهما أنَّ نَاساً منَ الأنْصَارِ سَألُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّىٰ نَفِدَ مَا عِنْدَه، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِن خَيْرٍ فَلَن أدَّخِرَهُ عَنكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) إذا استعف العبد عن الحرام أعفّه الله _عز وجل_، وحماه وحمىٰ أهله من هذه المحرمات وفتنتها.
2) إذا استغنىٰ العبد بما عند الله عما في أيدي الناس أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال.
3) من أفضل النعم علىٰ العبد أن يكون صابراً في كل أموره.
3/27 ــ وَعَنْ أبِي يَحْيَىٰ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «عَجَباً لأمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذلِكَ لأحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِن: إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَـكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ». رواه مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الشكر عند السراء، فهو من أسباب زيادة النعم.
2) المؤمن الذي كَمُل إيمانه، وخلص يقينه، يشكر الله في السراء، ويصبر علىٰ الضراء.
3) فضيلة الصبر؛ فهو من أخص صفات المؤمنين.
4/28 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاه الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: وَاكَرْبَ أبَتاه، فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَىٰ أبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أبَتَاه أجَابَ رَبّاً دَعَاه، يَا أبَتاه جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أبَتَاه إِلىٰ جِبْريلَ نَنْعَاه، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: أطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ؟ رَوَاهُ البُخَارِيّ.
غريب الحديث:
يتغشاه الكرب: تنزل به الشدة من سكرات الموت.
ننعاه: من النعي، وهو الإخبار بالوفاة.
هداية الحديث:
1) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر؛ يُمرض ويجوع ويعطش، فلا يجوز الاستغاثة أو الاستنجاد به، كما يفعل ذلك بعض الجاهلين هداهم الله إلىٰ تحقيق التوحيد والإخلاص لرب العالمين.
2) لا بأس بالندب اليسير، إذا لم يكن سببه التسخط علىٰ الله _عز وجل_، وإنما سببه الحزن الشديد.
3) الحث علىٰ لزوم الصبر عند المصائب وعدم التسخط.
5/29 ــ وَعَنْ أبي زَيْدٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَحِبِّهِ وَابْنِ حِبِّهِ رضي الله عنهما قَالَ: أرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأرْسَلَ يُقْرِئ السَّلامَ وَيَقُول: «إِنَّ لله مَا أخَذَ، وَلَهُ مَا أعْطَى، وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِأجَلٍ مُسَمَّىً، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا. فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبـَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ رضي الله عنهم، فَرُفِعَ إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رسولَ الله مَا هذا؟ فَقَالَ: «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَىٰ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ» وفي رِواية: «في قُلُوبِ مَن شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَىٰ (تَقَعْقَعُ): تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ.
هداية الحديث:
1) وجوب الصبر عند المصائب وعدم الجزع.
2) تواضع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، واهتمامه بأمور الصحابة رضي الله عنهم، فكان يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم.
3) جواز البكاء رحمةً بالمصاب، لكن من غير نياحة؛ وذلك بأن تجتمع النساء، ثم يبالغن في البكاء، ورفع الصوت علىٰ الميت، فإن هذا محرم.
4) الراحمون الذين يتراحمون فيما بينهم في الدنيا يرحمهم الله تعالىٰ في الدنيا والآخرة، لأن من أسباب رحمةِ الله _عز وجل_ رحمةَ الخلقِ بعضِهم بعضاً.
6/30 ــ وَعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبرَ قَالَ للْمَلِكِ: إِنّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلاماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاماً يُعَلِّمُهُ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمَهُ فَأعْجَبَهُ، وَكَانَ إِذَا أتَىٰ السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أتَىٰ السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَىٰ الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَىٰ ذلِكَ إِذْ أتَىٰ عَلَىٰ دَابَّةِ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أعْلَمُ السَّاحِرُ أفْضَلُ أمِ الرَّاهِبُ أفْضَلُ ؟ فَأخَذَ حَجَراً، فَقَالَ: اللهم إِنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَابَّةَ حَتَّىٰ يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها وَمَضَىٰ النَّاسُ، فَأتَىٰ الرَّاهِبَ فَأخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أيْ بُنَيً أنْتَ الْيَوْمَ أفْضلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِكَ مَا أرَى، وَإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَيَّ . وَكَانَ الْغُلاَمُ يُبْرىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأدْوَاءِ. فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأتَاه بِهَدَايَا كثِيرةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أجْمَعُ إِنْ أنْتَ شَفَيْتنِي، فَقَالَ: إنِّي لا أشْفِي أحَداً، إنَّمَا يَشْفِي اللهُ تَعَالَى، فَإِنْ آمَنْتَ بِالله تَعَالَىٰ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ، فآمَنَ بِالله تَعَالَىٰ فَشَفَاهُ الله تَعَالَى، فَأتَىٰ الْمَلِكَ فَجَلَسَ إلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟! قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ ، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذّبُهُ حَتَّىٰ دَلَّ عَلَىٰ الْغُلامِ، فَجِيءَ بِالْغُلامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَداً، إنَّمَا يَشْفِي اللهُ تَعَالَى، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَىٰ دَلَّ عَلَىٰ الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَعَا بالمِنْشَارِ، فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّىٰ وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلكِ، فقيلَ لَهُ: ارْجعْ عَنْ دِينِكَ فَأبَى، فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقّهُ بِهِ حَتَّىٰ وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالْغُلاَمِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَفَعَهُ إِلَىٰ نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَىٰ جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فاصعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلَّا فاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللهم اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَىٰ الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فُعِلَ بأصْحَابِكَ ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ تعالىٰ، فَدَفَعَهُ إلىٰ نَفَرٍ مِنْ أصْحَابه، فقالَ: اذْهَبُوا به فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وَتَوَسَّطُوا به الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلَّا فاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا به، فقالَ: اللهم اكْفِنِيهِمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأتْ بهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلَىٰ الْمَلِكِ. فقالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فُعِلَ بأصْحَابِكَ ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ تعالىٰ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَىٰ تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيد وَاحِدٍ، وَتَصْلِبُني عَلَىٰ جَذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ الله رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَىٰ جِذْعٍ، ثُمَّ أخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ : بِسْـمِ الله رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فَمَاتَ. فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَالله نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأمَرَ بالأُخْدُودِ بِأفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأُضْرِمَ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينِهِ فَأقْحِمُوهُ فِيها ـ أوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ ـ، فَفَعَلُوا. حَتَّىٰ جَاءَت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّاهُ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَىٰ الْحَقِّ». رَوَاهُ مُسْلِم.
(ذِرْوَةُ الْجَبَلِ): أعْلاَهُ، وَهِيَ بِكَسْرِ الذَّالِ الـمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا. وَ(الْقُرْقُورُ) بِضَمِّ الْقَافَيْن: نَوْعٌ مِنَ السُفُنِ. وَ(الصَّعِيدُ) هُـنَا: الأَرْضُ الْبَارِزَةُ. و(الأُخْدُودُ): الشُّقُوقُ في الأَرْضِ، كَالنَّهْرِ الصَغِيرِ. (وَأُضْرِمَ): أُوِقِدَ. (وَانْكَفَأَتْ) أي: انْقَلَبَتْ. (وَتَقَاعَسَتْ): تَوَقَّفَتْ وَجَبُـنَتْ.
غريب الحديث:
الأكمه: الذي وُلِد أعمى. الأبرص: من في جلده بياض يظهر في ظاهر البدن.
الأدواء: الأمراض والأسقام.
في كبد القوس: في وسطه، وهو مقبضها عند الرمي.
صُدْغه: بضم الصاد وسكون الدال، وهو ما بين العين إلىٰ شحمة الأذن.
بأفواه السكك: بأبواب الطرق.
خدت: شُقَّت. فأقحموه: ألقوه.
هداية الحديث:
1) استحباب التعلُّم في الصغر، فإنه كالنقش في الحجر.
2) {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} هم أولياء الله تعالىٰ، ولهم كرامات من الله تعالىٰ لفضلهم عنده.
3) من رحمة الله _عز وجل_؛ أنه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه.
4) الحث علىٰ التضحية في سبيل الدعوة إلىٰ الله _عز وجل_ وإظهار الحق.
5) إن الصبر علىٰ أذىٰ أهل الكفر والبدع والمعاصي باب من أبواب الجهاد في سبيل الله _عز وجل_، وهو من أعظم الأعمال الصالحة وقت الفتن.
6) توحيد الله _عز وجل_ وإخلاص العمل له من أعظم حقوق الله تعالىٰ علىٰ العباد جميعاً، وهو ميزان القرب والبعد من الله _عز وجل_؛ فالعبد كلما قوي إيمانه، وعظم شأن التوحيد في قلبه فإنه يزداد قرباً وكرامة عند الله _عز وجل_، وكلما ضعف ذلك الإيمان والتوحيد فإنه يزداد بعداً وذلةً.
7) أعظم ما يدعو العالمُ الناسَ إليه هو توحيد الله _عز وجل_، والنهي عن الشرك بجميع أشكاله وأنواعه. فهل عرفنا أول ما ندعو الناس إليه؟!
7/31 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بامْرأةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللهَ وَاصْبِري» فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي ؟ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصيبَتي! وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَأتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايةٍ لِمُسْلِمٍ: «تَبْكِي عَلَىٰ صَبِيٍّ لَهَا».
هداية الحديث:
1) حسن خلق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في دعوته إلىٰ الحق، ورحمته بالخلق.
2) الصبر الذي يُحمد فاعله؛ هو الصبر عند الصدمة الأولى.
8/32 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ «يَقُولُ اللهُ تَعَالى: مَا لِعَبْدِي الـمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلَّا الجنَّةُ». رَوَاهُ البُخَارِي.
غريب الحديث:
الصَّفي: الحبيب، وما يختاره من ولد أو أم أو أب أو أخ أو عم أو صديق.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصبر علىٰ قبض الصَّفي من الدنيا؛ فالعبد إذا احتسب أجره علىٰ الله فله الجنة.
2) إظهار فضل الله _عز وجل_ وكرمه علىٰ عباده؛ فإنه يعوّضهم عظيم الأجر علىٰ الصبر ، فليهنأ الصابرون.
9/33 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنّهَا سَألَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن الطَّاعُونِ، فَأخْبَرَهَا «أنَّهُ كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَىٰ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعَالَىٰ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ فِي الطَّاعُون، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أنّهُ لا يُصِيبُهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشَّهِيدِ». رَوَاهُ ا لبُخَارِيّ.
10/34 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ اللهَ _عز وجل_ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِي بحَبِيبَتيهِ، فَصَبَرَ، عَوَّضْتُّهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يُريدُ عَيْنَيْه، رَوَاهُ البُخَارِيّ.
هداية الأحاديث:
1) فضل الصبر والاحتساب، فهما متلازمان، وإذا أراد العبدُ نيل الأجر علىٰ الصبر فلابد أن يكون صبره لله _عز وجل_ لا لمصالح دنيوية.
2) ينبغي علىٰ من نزلت به مصيبة الطاعون أن يلزم بلده ويصبر ويحتسب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» رواه البخاري.
3) من أحبه الله تعالىٰ ابتلاه؛ ليدفع عَنْهُ مكروهاً، أو يكفّر عنه ذنباً، أو يرفع له درجةً في الدنيا والآخرة.
4) الجنة أعظم العوض؛ لأن نعيمها باقٍ ببقائها، فكلما أصاب العبدَ مكروهٌ فَلْيطلبِ الجنة عوضاً.
11/35 ــ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ألا أُرِيكَ امْرَأةً مِن أهْلِ الجَنَّة ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هذِهِ المَرْأةُ السَّوْدَاءُ أتَتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أتكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالىٰ لِي. قَالَ: «إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ تَعَالىٰ أنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أصْبِرُ، فَقَالَت: إِنِّي أتكَشَّفُ، فَادعُ اللهَ أنْ لا أتكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) فضيلة الصبر؛ فهو سبب لدخول الجنة.
2) إمكانية الشهادة بالجنة لمن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها.
3) شدة حياء الصحابيات رضي الله عنهن، فعلىٰ نساء المسلمين اليوم التمثل بهن، والالتزام بالحجاب الساتر لعوراتهن، فإن الله قد مَنَّ عليهن بذلك.
12/36 ــ وَعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبيّـاً مِنَ الأنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ الله وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأدْمَوْه،ُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: «اللهم اغْفِرْ لِقَوْمي فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
يحكي نبياً: يماثله، ويفعل مثل فعل النَّبيِّ السابق؛ الذي جرىٰ له مثل ما جرىٰ لنبيِّنا يوم أُحدٍ صلوات الله وسلامه عليهم.
هداية الحديث:
1) الاقتداء بصبر الأنبياء وتحمّلهم الأذىٰ في سبيل تبليغ الدعوة للناس.
2) عدم معاملة الجاهلين بمثل أعمالهم، بل حال المؤمن الصفح الجميل عن أذىٰ الجاهلين.
3) عدم استعجال العذاب بالمخالفين وأعداء الدين.
13/37 ــ وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَب وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَنٍ وَلاَ أذىٰ وَلا غَمٍّ، حَتَّىٰ الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
(وَالْوَصَبُ): الْمَرَضُ.
14/38 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قَالَ: «أجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ»، قُلْتُ: ذلِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قَالَ: «أجَلْ ذَلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذىً، شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
و(الوَعْكُ): مَغْثُ الْحُمَّى، وَقِيلَ: الْحُمَّى.
غريب الحديث:
نصب: تعب.
هداية الأحاديث:
1) من رحمة الله بعبده المؤمن، أنه يكفر عَنْهُ بما يصيبه من الهم والغم، والتعب والمرض، وغير ذلك.
2) كلما اشتد المرض والأذىٰ بالعبد المؤمن فصبر، ضاعف الله له الأجر وكفر عَنْهُ الخطايا.
3) علىٰ الإنسان ألاّ يجمع علىٰ نفسه بين الأذىٰ وتفويت الثواب، فالواجب عند المصيبة لزوم الصبر وعدم التسخط.
15/39 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ» رَوَاه البُخَارِيّ.
وَضَبَطُوا (يُصِبْ): بفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا.
غريب الحديث:
يُصب منه: أي أن الله يُقدّر عليه المصائب.
هداية الحديث:
1) إن مقابلة الابتلاء بالصبر والاحتساب، يرفع الله به الدرجات، ويكفر الخطيئات.
2) المصائب التي تنزل بالمؤمن دليل علىٰ أن الله يحبه، ويريد به الخير.
16/40 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أحَدكُمُ الْمَوْتَ لضُرٍّ أصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ فَاعِلاً فَلْيقُل: اللهم أحْيِني مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّني إذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) النهي عن تمني الموت عند الفتن والمصائب؛ لأن هذا يخالف واجب الصبر، ويدل علىٰ جزع صاحبها.
2) العبد المؤمن يفوض جميع أموره إلىٰ الله، مَعَ حب لقاء الله _عز وجل_. وخيرُ الناس من طال عمره وحسن عمله.
17/41 ــ وَعَنْ أبِي عَبْدِ الله خَبَّابِ بْنِ الأرَتِّ رضي الله عنه قَالَ: شَكَوْنَا إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: ألاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ ألاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها، ثُمَّ يُؤْتَىٰ بالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَىٰ رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأمْرَ حَتَّىٰ يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَىٰ حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَىٰ غَنَمِهِ، وَلكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»،. رَوَاهُ البُخَارِيّ.
وَفِي رِوايَة: «وَهُوَ مُتَوَسِّد بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً».
غريب الحديث:
متوسد بردة: جعلها تحت رأسه كالوسادة.
هداية الحديث:
1) وجوب الصبر علىٰ أذية أعداء المسلمين، مَعَ الأخذ بأسباب النصر والفرج.
2) من دلائل النبوة: صدق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ؛ حيث كَانَ عاقبة الصبر ما بَشَّر به من إتمام أمر الدين.
18/42 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَاساً في الْقِسْمَةِ، فَأعْطَىٰ الأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مائَةً مِنَ الإبِلِ، وَأعْطَىٰ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذلِكَ، وَأعْطَىٰ نَاساً مِن أشْرَافِ الْعَرَب، وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إنَ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ الله ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَأتَيْتُهُ فَأخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغيَّرَ وَجْهُهُ حَتَىٰ كَانَ كَالصِّرفِ. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ»؟ ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوْذِي بِأكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ». فَقُلْتُ: لا جَرَمَ لا أرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (كَالصِّرْفِ) هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أحْمَر.
غريب الحديث:
لا جرم: حقّاً، بمعنىٰ تحقق الشيء.
هداية الحديث:
1) جواز أن يعطي ولي الأمر من يَرىٰ في إعطائه المصلحة، كَأنْ يكون في ذلك تأليفاً للقلوب.
2) علىٰ العبد أن يقتدي بالأنبياء في الصبر علىٰ الأذى، وأن يحتسب الأجر عند الله تعالىٰ، فإن أوذي فإنه يسلي نفسه بما أصاب الأنبياء قَبْلنا صلوات الله وسلامه عليهم.
19/43 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا أرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيْراً عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّىٰ يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاء، وَإنَّ اللهَ تَعَالَىٰ إِذَا أحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُم، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». رَوَاهُ التّرمذي وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ.
هداية الحديث:
1) العقوبات تكفّر السيئات.
2) علىٰ العبد أن يصبر علىٰ المصائب، حتىٰ يكتب له الرضىٰ من الله _عز وجل_.
3) إن إمهال الله _عز وجل_ للعاصين هو استدراج لهم، فالعقوبة تؤخر لحكمةٍ وموعدٍ قدّره الله تعالىٰ. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾.
فائدة:
في هذه الأحاديث دلالة صريحة علىٰ أن المؤمن كلما كان أقوىٰ إيماناً، ازداد ابتلاءً وامتحاناً، وكلما ضعف إيمانه، خف ابتلاؤه وامتحانه، ففي هذا ردٌّ علىٰ ضعفاء العقول والأحلام الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء فإنه غير مرضي عند ربه، وهو ظن باطل ومقاييس فاسدة، لربط الرضىٰ في الآخرة، بالسعة والرخاء في الدنيا. ﴿أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ﴾.
20/44 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ رضي الله عنه يَشْتكِي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أبُو طَلْحَةَ قَال: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ الصَبيِّ: هُوَ أسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أصْبَحَ أبُو طَلْحَةَ أتىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أعَرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: نَعَم، قَالَ: «اللهم بَارِكْ لَهُمَا؟» فَوَلَدَتْ غُلاماً، فَقَالَ لِي أبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّىٰ تَأْتِي بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَقَالَ: «أمَعَهُ شَيْءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأخَذَها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الله. مُتَّفَق عَليْه.
وَفِي رِوَايَةٍ للْبُخَارِيِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: فَرَأيْتُ تِسْعَةَ أوْلادٍ كُلَّهُمْ قَدْ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ، يَعْنِي مِنْ أوْلادِ عَبْدِ الله الْمَوْلُودِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَاتَ ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حَتَّىٰ أكُونَ أنا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أنْ رَأتْ أنّهُ قَدْ شَبِعَ وَأصَابَ مِنْهَا قَالَتْ: يَا أبَا طَلْحَةَ، أرَأيْتَ لَوْ أنَّ قَوْماً أعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُم أنْ يَمْنَعُوهُمْ ؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِني حَتَّىٰ إذَا تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أخْبَرْتِني بابْني! فَانْطَلَقَ حَتَّىٰ أتَىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «بَارَكَ اللهُ في لَيْلَتِكُما» قَال: فَحَمَلَتْ، قَال: وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أتىٰ الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقاً فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: يَقُولُ أبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أنّهُ يُعْجِبُنِي أنْ أخْرُجَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ، وَأدْخُلَ مَعَهُ إذَا دَخَلَ، وَقَد احْتبَسْتُ بِمَا تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أبَا طَلْحَةَ مَا أجِدُ الذي كُنْتُ أجِدُ، انْطَلِقْ، فانطَلَقْنَا، وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلاماً. فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أنَسُ لا يُرْضِعُهُ أحَدٌ حَتَّىٰ تَغْدُوَ بِهِ عَلَىٰ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا أصْبَحَ احْتَمَلْتُه فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
غريب الحديث:
أعَرّستم الليلة؟: أعرس الرجل: دخل بامرأته عند بنائه بها.
تلطخت: كناية عن التلوث بالجماع.
لا يطرقها طروقاً: لا يأتيها ليلاً.
هداية الحديث:
1) علىٰ النساء اليوم اتخاذ القدوات من الصحابيات رضي الله عنهنّ في صبرهن؛ كأم سليم رضي الله عنها.
2) من فقه العبد أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء.
3) من صبر واحتسب عند المصيبة أبدله الله _عز وجل_ خيراً مما أصابه في نفسه وأهله.
21/45 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الشدِيدُ بالصُّرَعةِ، إنَّمَا الشَّديدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
«وَالصُّرَعَةُ» بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَأصْلُهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيراً.
22/46 ــ وَعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَد رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَرَجُلان يَسْتَبَّانِ، وَأحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنِّي لأعْلَمُ كَلمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ». فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الأحاديث:
1) الحث علىٰ أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب.
2) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، مما يعين العبد علىٰ الصبر ورد هوىٰ النفس؛ لأن الشيطان أصل كل شر، ولا يزال ينفخ في نفس الغضبان، حتىٰ يقول المنكر، ويفعل ما يخالف رضا الرحمن.
3) إن الغضب لغير الله تعالىٰ من نزغ الشيطان، وأما الغضب لانتهاك حرمات الله فهو علامة صحة الإيمان.
23/47 ــ وَعَنْ مُعَاذ بْنِ أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَىٰ أن يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَلَىٰ رُؤُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّىٰ يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ العِينِ مَا شَاءَ». رَواهُ أبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذيُّ وَقَالَ: حَديثٌ حَسنٌ.
24/48 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رَجُلاً قَالَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : أوْصِني، قَالَ: «لا تَغْضبْ» فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: «لا تَغْضبْ». رَوَاهُ البُخُاريّ.
25/49 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بالْمُؤمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِه وَمَالِهِ، حَتَّىٰ يَلْقَىٰ الله تَعَالىٰ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حسنٌ صحِيحٌ.
غريب الحديث:
كظم غيظاً: احتمل سببه وصبر عليه.
هداية الأحاديث:
1) فضيلة الصبر؛ فهو من أعظم ما يُتقرب به إلىٰ الله _عز وجل_، ومن أهم ما يُوصىٰ به العبد.
2) إذا صبر العبد واحتسب الأجر عند الله تعالىٰ كفّر الله عَنْهُ سيئاته.
3) من رحمة الله _عز وجل_ بعباده المؤمنين؛ أن يكفِّر عنهم ذنوبهم بما يبتليهم من مصائب الدنيا وآفاتها.
26/50 ــ وَعَنْ ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَنَزَلَ عَلَىٰ ابْنِ أخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهمْ عُمَرُ رضي الله عنه، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ رضي الله عنه ومُشَاوَرَتِهِ كُهُولاً كَانُوا أوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخِيهِ: يَا ابْنَ أخِي لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاستَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَالله مَا تُعْطِينَا الْجَزْل، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ رضي الله عنه حَتَّىٰ هَمَّ أنْ يُوقِعَ به، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنينَ إِنَّ الله تَعَالىٰ قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وَإِنَّ هذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاهَا، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ الله تَعَالى. رَوَاهُ ا لبُخَارِيّ.
غريب الحديث:
هِيْ: كلمة تهديد.
ما تعطينا الجزل: أي ما تعطينا العطاء الكثير.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان إذا أصابه الغضب أو الغيظ أن يتذكر كلام الله _عز وجل_، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفعل الصحابة رضي الله عنهم وصبرهم، ليكون وقّافاً عند حدود الله تعالىٰ.
2) عظيم فضل الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد كَانَ وقّافاً عند حدود الله _عز وجل_. فعلىٰ المسلمين اليوم اتخاذ القدوات من أمثال الصحابة، رضي الله عنهم ويجانب أمثال أهل الكفر والفسوق والغفلة.
3) الواجب علىٰ ولي الأمر أن يختار جُلساء من أهل العلم والإيمان.
27/51 ــ وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا ! قَالُوا: يَا رسُولَ الله فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قال: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ، وَتَسْألُونَ اللهَ الذي لَكُمْ». متفقٌ عليه.
«والأثَرَة»: الانْفرادُ بالشَّيْءِ عَمَّنْ لَهُ فيهِ حَقّ.
28/52 ــ وَعَن أبي يَحْيَىٰ أُسَيْدِ بْن حُضَيْرٍ رضي الله عنه أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قال: يا رسولَ الله، ألا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً؟ فَقَالَ: «إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثرَةً، فاصْبِرُوا حتَّىٰ تَلْقَوني عَلَىٰ الْحَوْضِ». متفقٌ عليه
«وَأُسَيْدٌ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ. «وَحُضَيْرٌ»: بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَضَادٍ مُعجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَالله أعْلَم.
هداية الأحاديث:
1) حثّ العباد علىٰ الصبر علىٰ ظلم ولاة الأمور في حقوق الرعية، وأداء ما عليهم من السمع والطاعة بالمعروف.
2) إن سؤال الله _عز وجل_ من فضله من أعظم الأسباب لحصول المطلوب ودفع المرهوب.
3) من جزاء الصابرين يوم القيامة الشرب من حوض النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . والمؤمن إن فاته شيء من حظوظ الدنيا فَلْيتذكّرْ ما في الآخرة من الثواب العظيم.
29/53 ــ وَعَنْ أبي إبْرَهيمَ عَبْدِ الله بْن أبي أوْفَىٰ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أيَّامِهِ الَتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَىٰ إذَا مَالتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهمْ، فَقَال: «يَا أيُّها النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْألُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «اللهم مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». متفقٌ عَليه. وبالله التَّوْفيقُ.
هداية الحديث:
1) نهي العبد أن يتمنىٰ لقاء العدو، وإذا لقيه فالواجب أن يصبر، ويسأل الله _عز وجل_ أن يعينه علىٰ هذه الوظيفة.
2) استحباب الدعاء علىٰ الأعداء بالهزيمة، فحال المجاهد هو اللجوء إلىٰ الله تعالىٰ أن ينصره علىٰ أعدائه.
فائدة:
إن النهي عن تمني لقاء العدو لا يعني كراهية الجهاد، وعدم تحديث النفس بالغزو أو تمني الشهادة في سبيل الله، فإن ذلك كله مما رغّب الشرع به، وجعله من صفات المتقين ومنازل الصِّدِّيقين.
4 ــ باب الصدق
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119] ، وقال تعالىٰ: {وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ} [الأحزاب: 35] ، وقال تعالىٰ: {فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ} [محمد: 21].
هداية الآيات:
1) يأمر الله سبحانه وتعالىٰ عبادَه المؤمنين أن يصدقوا، وأن يَلزموا الصدق ليكونوا من أهله.
2) الصدق خصلة محمودة مطلوبة من المؤمنين عامة، رجالاً ونساءً.
3) الصدق خيرٌ ومنجاة، وهو الذي يعطي الأقوال، والأعمال، والأحوال، قيمتها.
وأما الأحاديث:
1/54 ــ فَالأوَّلُ: عَن ابْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الصَدْقَ يَهْدِي إلَىٰ الْبِرِّ ، وَإنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَىٰ الجنَّةِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّىٰ يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقاً، وَإنَ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَىٰ الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَىٰ النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّىٰ يُـكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّاباً». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
البِرّ: اسم جامع لكل الخيرات.
الفجور: الأعمال السيئة.
هداية الحديث:
1) الترغيب في الصدق وتحريه؛ لأنه سبب كل خير. والتحذير من الكذب والتساهل فيه؛ لأنه سبب كل شر.
2) الكذب حرام، ولا يجوز للإنسان أن يكذب مطلقاً، ولو من أجل الضحك أو المزاح. وما يسمىٰ عند العامة (الكذبة البيضاء) فحرام؛ إذ الكذب كله أسود، وشر علىٰ الناس وعلىٰ صاحبه، إلَّا ما استثناه الشارع من الكذب المباح.
فائـدة:
ورد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أشياء أبيح فيها الكذب للمصلحة، وهي الكذب:
1) في الحرب.
2) وفي الإصلاح بين الناس.
3) وفي حديث المرأة زوجها وحديثه إياها.
كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة قالت: «رخّص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الكذبِ في ثلاثٍ: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وقول الرجل لامرأته». وفي رواية: «وحديثِ الرجلِ امرأتَهُ، وحديثِ المرأةِ زوجَهَا». رواه أحمد.
2/55 ــ الثَّاني: عَنْ أبي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْن أبي طَالِبٍ رضي الله عنهما، قال: حَفِظْتُ، مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «دَعْ مَا يَريبُكَ إلَىٰ مَا لا يَريبُكَ، فَإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنينَةٌ، وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ». رواه التِّرْمذي وقال: حديثٌ صحيحٌ.
قَوْلُهُ: «يَرِيبُكَ» هُوَ بفتحِ الياءِ وضمّها، وَمَعْنَاهُ: اتْرُكْ ما تَشُكُّ في حِلِّه، واعْدِلْ إلَىٰ مَا لا تَشُكُّ فيه.
غريب الحديث:
يريبك: يوقعك في الريب وهو الشك.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ الإنسان أن يدع الكذب إلىٰ الصدق؛ لأن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة.
2) من مقام الورع وقوف العبد عند الشبهات والمشتبهات وتركها.
3/56 ــ الثَّالِثُ: عَنْ أبي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ رضي الله عنه في حديثه الطَّويلِ في قِصةِ هِرَقْلَ، قالَ هِرَقْلُ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ ـ يَعْني النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ قالَ أبُو سُفْيَان: قُلْتُ: يقولُ: «اعْبُدُوا الله وَحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آباؤُكم، وَيَأْمُرنَا بالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، والْعَفَافِ، والصِّلَةِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) رأس هذا الدين توحيد الله تعالىٰ؛ لأنه منبع الفضائل. فعلىٰ جميع المسلمين إعطاء التوحيد كبير الاهتمام؛ لأنه لا تُصلَح الأعمال إلا به، ولا تُدخَل الجنات إلا به، فهو مفتاح دار السلام.
2) التحذير من التقليد الأعمىٰ للآباء أو السادة والكبراء، وبخاصة في أمور الدين؛ فإن الشرع يُؤخذ من نبعه الأصيل، وهو الكتاب والسنة، ويُفهم بهدي سلف الأمة. وأما ما اعتاده الناس ــ مما يخالف الدِّين المُنزَّل ــ فلا يُجعَل شرعاً متبعاً.
3) الصدق من أهم الأخلاق التي يجب التحلي بها، وهو من صفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
4/57 ــ الرَّابع: عَنْ أبي ثَابِتٍ، وَقِيلَ: أبي سَعيدٍ، وَقيلَ: أبي الْوَليدِ، سَهْلِ بنِ حُنـَيْفٍ ــ وَهُوَ بَدْرِي ــ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَألَ اللهَ تعالىٰ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وإنْ مَاتَ عَلَىٰ فِرَاشِهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) صدق القلوب سبب لبلوغ المطلوب، ومن نوىٰ شيئاً من أعمال البر أُثيب عليه، وإن لم يقدر عليه أو عجز عن إتمامه.
2) استحباب طلب الشهادة، والإخلاص في ذلك.
5/58 ــ الخامِسُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ صَلَواتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لقَوْمِهِ: لا يَتبعَنِّي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنيَ بهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلا أحَدٌ بَنَىٰ بُيُوتاً لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلا أحَدٌ اشْتَرَىٰ غَنَماً أوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أوْلادَهَا. فَغَزَا، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلاةَ الْعَصْرِ أوْ قَريباً مِنْ ذلكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأنَا مَأْمُورٌ، اللهم احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَت حَتَّىٰ فَتَحَ الله عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِم، فَجَاءَتْ ــ يَعْنِي النَّارَ ــ لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ: إنَّ فِيكُمْ غُلُولاً، فَلْيُبَايِعْنِي منْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أوْ ثَلاَثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ. فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا، فَجَاءَت النَّارُ فَأكَلَتْهَا، فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أحَلَّ اللهُ لنَا الْغَنَائِمَ لَمَّا رَأىٰ ضعفَنَا وَعَجْزَنَا فَأحَلَّهَا لَنَا». متفقٌ عليه.
«الْخَلِفَاتُ» بفتح الخاء المعجمةِ وكسرِ اللامِ: جَمْعُ خَلِفَةٍ، وَهِيَ النَّاقَةُ الحامِلُ.
غريب الحديث:
بُضع: يطلق علىٰ الفرج والنكاح والجماع.
الغلول: الخيانة في الغنائم؛ بأن تُؤخذ قبل قسمتها.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان إذا أراد طاعة أن يُفرّغ قلبه وبدنه لها، حتىٰ يأتيها وهو مشتاق إليها، ويؤديها علىٰ مهل وطمأنينة وانشراح صدر.
2) نعمة الله _عز وجل_ علىٰ هذه الأمة؛ فقد أحل لها الغنائم، في حين حُرِّمت علىٰ من سبقنا من الأمم، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة المرحومة.
3) بيان عاقبة الكذب الوخيمة، وأهمية الصدق وعاقبته الحميدة.
فائدة:
النَّبي المذكور في الحديث هو (يوشع بن نون)، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الشمس لم تُحبس علىٰ بشر، إلا لِيُوشَعَ لياليَ سارَ إلىٰ بَيْتِ المَقْدِسِ». رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
6/59 ــ السادِسُ: عن أبي خالدٍ حكيم بن حزَامٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «الْبَيِّعَان بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورِك لَهُما في بيعهِمَا، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَتْ بركَةُ بَيْعِهِما». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
البَيِّعَان: البائع والمشتري.
بالخيار: كلٌ منهما يختار ما يريد.
محقت: ذهبت وزالت.
هداية الحديث:
1) وجوب إظهار العيب في السلعة وحرمة إخفائها. فأين أهل السوق من هدي هذا الحديث؟
2) الصدق في التجارة مطلب عالٍ لا يصبر عليه إلا ذو حظ عظيم.
3) الصدق في البيع والشراء مصدر البركة والنماء.
5 ــ باب الـمراقبة
قال الله تعالىٰ: ﴿ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218 ـ 219]، وقال تعالىٰ: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ} [الحديد: 4] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ [آل عمران: 5] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 14] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] ، والآيات في الباب كثيرةٌ معلومة.
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يراقب ربَّه، وأن يعلم أن الله رقيب عليه.
2) المعية التي أضافها الله إلىٰ نفسه في القرآن الكريم تنقسم إلىٰ أنواع:
أولاً ــ تكون بمعنىٰ الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً، كقوله: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ}.
ثانياً ــ يكون المراد بها التهديد والإنذار، كما في قوله: ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
ثالثاً ــ يُراد بها النصر والتأييد والتثبيت، كقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. ومن مقتضيات هذه المعية: أنك تراقب الله وتخافه، فتقوم بطاعته، وتترك مناهيه، وتصدق أخباره.
وَأمَّا الأحاديثُ:
وَمَعْنَى: «تَلِدُ الأمَةُ رَبَّتَهَا» أيْ: سَيِّدَتَهَا، ومعناهُ أنْ تكثُرَ السَّرَارِي حَتَىٰ تَلدَ الأمَةُ السرِيَّةُ بِنْتاً لِسَيِّدِهَا، وَبنْتُ السَّيِّدِ في مَعْنَىٰ السيِّدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذلك. وَ«الْعَالَةُ»: الْفُقَرَاءُ. وقولُهُ: «مَلِياً» أيْ: زَمَناً طويلاً، وَكَانَ ذلك ثَلاثاً.
غريب الحديث:
رعاء الشاء: رعاة الغنم.
هداية الحديث:
1) شهادة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هي أعظم ركن في الإسلام، بل عليها يقوم إسلام العبد.
2) علىٰ طالب العلم إذا جلس مَعَ عالِمٍ في مجلس، أن يسأل مسائل تهم الحاضرين، وإن كَانَ يعلم حكمها، من أجل أن ينفع الحاضرين، ويكون معلِّماً لهم.
3) استحضار العبد قرب الله _عز وجل_ منه، وأنه مراقب له، يعلم ما يخفي وما يعلن، إن ذلك يوجب الخشيةَ، والخوف، والهيبة، والتعظيم، في قلبه لله تعالىٰ، ويوجب النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وكمالها.
4) حُسن أدب الصحابة مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ بِردّ العلم إلىٰ الله تعالىٰ، وإلىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته.
5) السنة النبوية وحي منزَّل، فلا يجوز أن نقلل من منزلتها في التشريع، فإننا مأمورون باتباع الوحيين؛ الكتاب والسنة.
2/61 ــ الثاني: عَنْ أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ وَأبي عَبْدِ الرَّحْمنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَل رضي الله عنهما عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأتْبعِ السَّيئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه التِّرْمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
هداية الحديث:
1) لزوم تقوىٰ الله _عز وجل_، وهي من ثمرات مراقبة الله _عز وجل_ في جميع الأقوال والأفعال في السر والعلانية.
2) الحسنات يذهبن السيئات، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بعباده.
3) عظيم قدر الأخلاق الحسنة؛ فهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. فَلْيجتهدِ المؤمن في تحسين خلقه.
3/62 ــ الثالث: عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْماً، فَقَالَ: «يَا غُلامُ إنّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احَفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذَا سَألْتَ فَاسْألِ اللهَ، وَإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَمْ: أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَىٰ أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ ينْفَعُوكَ إلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتبَهُ اللهُ لَكَ، وَإنِ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ؟ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بشَيْءٍ قَد كَتبَهُ الله عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواهُ التِّرْمذيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
غريب الحديث:
احفظ الله: احفظ دينه بملازمة تقواه؛ وبحفظ حدوده وحقوقه وحفظ حقوق العباد.
رُفعتِ الأقلام، وجفّتِ الصحف: تُركت الكتابة بها لفراغ الأمر، فقد تقدّمت كتابة المقادير كلها.
هداية الحديث:
1) تحريم سؤال غير الله تعالىٰ مما لا يقدر عليه إلا هو، كالرزق والشفاء والمغفرة والنصر وغيرها. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ تصحيح توحيده لله تعالىٰ، بألا يدعو غيره _عز وجل_.
2) العلمُ بعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إلىٰ الله تعالىٰ. يدفعُ العبد أن يتعلق بالله وحده لا شريك له، ويقطع العلائق عن الخلائق.
3) لا يستطيع العبد أن يجلب لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً إلا بإذن الله تعالىٰ، وهذا يستلزم من العبد أن يكون لله موحِّداً، به مستعيناً، ولا يعلق قلبه بأحد من المخلوقين، مهما علت مرتبته أو كبر جاهه؛ لأنه ضعيف مثله، مفتقر إلىٰ الله تعالىٰ .
4) مراقبة الله _عز وجل_ وحفظ حدوده في السر والعلانية، يورث صاحبه حفظ الله ورعايته. فالجزاء من جنس العمل.
4/63 ــ الرابع: عَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمَالاً هيَ أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَىٰ عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُوبِقَاتِ». رواه البخاري، وقال: «الْمُوبِقَاتُ» الْمُهْلِكَاتُ.
5/64 ــ الخامس: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ الله تَعَالَىٰ أنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ». متفق عَلَيْه.
و«الْغَيْرَةُ»: بفتحِ الغين، وَأصْلُهَا الأنفَةُ.
هداية الأحاديث:
1) الاستخفاف بالذنب يدل علىٰ قلة خشية العبد من الله تعالىٰ، وعلىٰ العكس؛ فاستعظام الذنب يدل علىٰ كمال الخشية، وعظيم المراقبة لله تعالىٰ.
2) يجب علىٰ العبد أن يبتعد عن المعاصي؛ لأنها تسبب غضب الله سبحانه وتعالىٰ.
3) إن مراقبة العبد ربَّه تعالىٰ، والحذر أن يعصيه، هذا من كمال الإيمان.
تنبيـه:
في حديث أنس دليل علىٰ تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لحرمات الله، وخوفهم من الذنوب وهذا يدل علىٰ أنهم أعلم الناس بالله تعالىٰ، وأكملهم ورعاً، وأشدهم خشية بعد الأنبياء. فالواجب علىٰ العبد أن يقتدي بهم، وأن يعلم أن فهمهم لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعتبر؛ لأنه سبيل المؤمنين، فمن سار علىٰ نهجهم نجا، ومن حاد عن سبيلهم هلك وأهلك.
6/65 ــ السادس: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنهُ سَمعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ ثَلاثَةً مِنْ بَنِي إسْرَائيلَ: أبْرَصَ، وَأقْرَعَ، وَأعْمَى، أرَادَ اللهُ أنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأتَىٰ الأبْرَصَ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حسنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذي قَدْ قَذرَنِي النَّاسُ، فَمَسَحَه، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، قَالَ: فَأيُّ الْمَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإبلُ ــ أوْ قَالَ الْبَقَرُ ــ شَكَّ الرَّاوِي ـ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.فَأتَىٰ الأقْرَعَ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قال: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذَا الذي قَذرنِي النَّاسُ، فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْراً حَسَناً، قال: فَأيُّ الْمَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، وقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.
فَأتَىٰ الأعْمَىٰ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قال: أنْ يَرُدَّ الله إلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ الله إلَيْهِ بَصَرَهُ، قال: فَأيُّ الْمَالِ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قال: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِداً. فَأنْتَجَ هذَانِ، وَوَلَّدَ هذَا، فَكَانَ لهذَا وَادٍ مِنَ الإبِلِ، وَلهذَا وَادٍ مِنَ الْبقَرِ، وَلِهذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.
ثُمَ إنَّهُ أتَىٰ الأبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إلَّا بِالله ثُمَّ بِكَ، أسْألُكَ بِالَّذي أعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيراً أتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَرِي، فقالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ. فقالَ: كأنِّي أعْرِفُكَ، ألمْ تكُنْ أبْرَصَ يقْذرُك النَّاسُ، فَقيراً فَأعْطَاكَ اللهُ!؟ فقالَ: إنَّمَا وَرِثْتُ هذَا المال كَابِراً عَنْ كابِر، فقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَىٰ ما كُنْتَ.
وَأتَىٰ الأقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فقالَ لَهُ مِثْلَ ما قَالَ لِهذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا ردَ هذَا، فقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِباَ فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَىٰ مَا كُنْتَ.
وَأتَىٰ الأعْمَىٰ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إلَّا بالله ثُمَّ بِكَ، أسْألُكَ بالَّذي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أتبَلَّغُ بِهَا في سَفَري؟ فقالَ: قَدْ كُنْتُ أعْمَىٰ فَرَدَّ اللهُ إلَيَّ بَصَري، فَخُذْ ما شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللهِ ما أجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أخَذْتَهُ لله _عز وجل_، فقالَ: أمْسِكْ مالَكَ فإنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رضِي اللهُ عنك، وَسَخِطَ عَلَىٰ صَاحِبَيْكَ». متفقّ عليه.
«وَالنَّاقَةُ الْعُشَرَاءُ» بِضم العينِ وفتحِ الشينِ وبالمدّ: هِيَ الحامِلُ. قولُهُ: «أنْتَجَ». وفي روايةٍ: «فَنَتَجَ» مَعْنَاهُ: تَوَلَّىٰ نِتَاجَهَا، والنَّاتجُ لِلنَّاقَةِ كالْقَابلَةِ لِلْمَرْأةِ. وقولُهُ «ولَّدَ هذا» هُوَ بِتَشْدِيدِ اللامِ: أيْ: تَوَلَّىٰ ولادَتَهَا، وهُوَ بمَعْنَىٰ نتَجَ في النَّاقَةِ. فالمُوَلِّدُ، والناتجُ، والقَابِلَةُ بمَعْنىً؛ لكِنْ هذَا لِلْحَيَوانِ وذاكَ لِغَيْرِهِ. وقولُهُ: «انْقَطَعَتْ بي الحِبالُ» هُوَ بالحاءِ المهملةِ والباءِ الموحدةِ: أي الأسْبَابُ: وقولُهُ: «لا أجْهَدُكَ» معنَاهُ: لا أشقُّ عليْكَ في رَدِّ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ أوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي. وفي روايةِ البخاري: «لا أحْمَدُكَ» بالحاءِ المهملةِ والميمِ، ومعناهُ: لا أحْمَدُكَ بِتَرْكِ شَيْءٍ تَحتاجُ إلَيْهِ، كما قالُوا: لَيْسَ علىٰ طُولِ الحياةِ نَدَمٌ، أيْ عَلَىٰ فَوَاتِ طُولِهَا.
هداية الحديث:
1) إن شكر نعم الله علىٰ العبد من أسباب بقائها، وزيادتها.
2) فضل الصدقة، والحث علىٰ الرفق بالضعفاء، وإكرامهم، وتبليغهم حاجاتهم.
3) البركة إذا حلت في الشيء جعلت القليل كثيراً، وإذا فُقدت من الشيء جعلت الكثير قليلاً.
4) تذكر العبد عظيم نِعَم الله عليه في حواسه وقضاء حوائجه، مما يدفعه إلىٰ تسخير هذه النعم في طاعة الله والتقرب إليه؛ فلا يصرفها لأحد سوىٰ الله تعالىٰ، ولا يعمل بها سوىٰ ما يرضي الله _عز وجل_؛ لأنه المتفضِّل عليه في الدنيا والآخرة.
5) من توفيق الله _عز وجل_ للعبد أن ييسر له العمل الصالح، ويعينه علىٰ فعله ليثيبه عليه، فالعبد محتاج إلىٰ عون الله تعالىٰ قبل الطاعة، وفي حال الطاعة، وبعد أدائها.
7/66ــ السابع: عَنْ أبي يَعْلَىٰ شَدَّادِ بْن أوْسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّىٰ عَلَىٰ الله». رواه التِّرْمِذيُّ وقال: حديث حَسَن[3]. [3](1) الحديث إسناده ضعيف.
قال التِّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَىٰ «دَانَ نَفْسَه»: حَاسَبَهَا.
غريب الحديث:
الكَيِّس: العاقل الحازم.
دانَ: حاسب.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ اغتنام الفرص فيما يرضي الله _عز وجل_.
2) وجوب الاستعداد لما بعد الموت بالعمل الصالح.
3) الكسل والتهاون والتمني من أسباب ضياع الأعمال في الدنيا والآخرة.
8/67 ــ الثامن: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ الْمَرءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ». حديثٌ حسنٌ رواه التّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ.
9/68 ــ التاسع: عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يُسْألُ الرَّجُلُ فيمَ ضرَبَ امرَأتـَهُ». رواه أبو داود وغيره[4]. [4](2) الحديث إسناده ضعيف.
هداية الأحاديث:
1) علىٰ العبد أن يشتغل بما فيه صلاحه ومنفعته في أمور الدنيا والآخرة، ويعرض عما عدا ذلك مما لا يحتاجه بل يضره ويؤذيه، فهذا من حسن إسلام المرء.
2) علىٰ المؤمن مراقبة نفسه في تصرفاته وأقواله وأعماله، ويستشعر بأن الله رقيب عليه، مطلع علىٰ سرائره. فَيحرص ألا يراه الله إلا فيما يرضيه.
فائدة:
ذكر الشيخ المصنف ــ رحمه الله تعالىٰ ــ الحديث الأخير بعد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من باب ضرب المثال في الأمر الذي لا يعني المرء، فمن حُسن إسلام العبد ألا يتدخل بين الرجل وامرأته، فإن ذلك مما لا يعنيه.
6 ــ باب التقوى
قال الله تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ [آل عمران: 102] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16] وهذه الآية الآية مبيّنة للمراد من الأولى، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا﴾ [الأحزاب: 70]، والآيات في الأمر بالتقوىٰ كثيرة معلومة. وقال تعالىٰ: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا * وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2 ـ 3] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29] ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
غريب الآيات:
التقوى: أن يتخذ العبد ما يقيه من عذاب الله _عز وجل_؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
هداية الآيات:
1) الإنسان يسعىٰ بأعماله إلىٰ كمال التقوىٰ بقدر ما عنده من الاستطاعة، فإن الله لا يكلف نفساً إلَّا وسعها.
2) من ثمرات التقوى: تفريج الكرب، وتوسيع الرزق، وتكفير الذنوب ومغفرتها.
3) التقوىٰ نور يفرّق به المؤمن بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وبين السنة والبدعة.
وَأمَّا الأحَادِيثُ:
1/69 ــ فَالأوَّلُ: عَنْ أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قال: قِيلَ: يا رسولَ الله مَنْ أكْرَمُ النَّاسِ؟ قال: «أتْقَاهُمْ»، فقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نَسْألُكَ، قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبيُّ الله بنُ نَبيِّ الله بْنِ نَبيِّ الله بْنِ خَليلِ الله» قَالُوا: ليْسَ عَنْ هذَا نَسْألُكَ، قال: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَب تَسْألُونِي ؟ خِيَارُهُمْ في الجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إذَا فَقُهُوا». متفقٌ عليه.
و«فَقُهُوا» بِضَمِّ الْقَافِ عَلَىٰ الْمَشْهُورِ، وَحُـكِيَ كَسْرُهَا، أيْ: عَلِمُوا أحْكَامَ الشَّرْعِ.
هداية الحديث:
1) كرامةُ الإنسان وشرفه إنما تحصل بتقواه مولاه _عز وجل_.
2) بيان فضيلة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام؛ فقد جمع مكارم الأخلاق، مع شرف النبوة والنسب والعلم.
3) بيان فضل العلم؛ وأنه أفضل من النسب والحسب والجاه والمال.
2/70 ــ الثَّانِي: عَن أبي سَعيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاء، فَإنَّ أوَّلَ فِتنَةِ بَنِي إسْرَائيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
مستخلفكم: جاعلكم خلفاء.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الزهد في الدنيا وعدم اللهث وراء حطامها، وإنما يتخذها العبد زاداً إلىٰ الآخرة، فيأخذ نصيبه منها مع ابتغاء الدار الآخرة.
2) الحذر من الافتتان بالدنيا عامة، وبالنساء خاصة؛ لأنهن من أعظم فتن الدنيا وأشدها.
3/71 ــ الثَّالِثُ: عَن ابْنِ مَسْعُودِ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللهم إنِّي أسْألُكَ الْهُدىٰ وَالتُّـقَىٰ وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) سؤال العبد ربه _عز وجل_ إصلاح أحواله الدينية والدنيوية من علامات التوفيق.
2) بيان فضل هذه الدعوات المباركات الجامعات، ولذلك كانت دعوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها، فسؤالُ الهدايةِ والاستقامةُ علىٰ التقوى، مع الرضىٰ بما قَسَمَ اللهُ تعالىٰ، والعفاف عمّا في أيدي الناس؛ من أعظم الدعاء.
تنبـيـه:
إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربَّه الهدىٰ والتقىٰ والعفاف والغنى، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وإنما الذي يملك ذلك هُوَ الله سبحانه، وفي هذا: إبطال للعقيدة الفاسدة، لمن تعلقوا بالأولياء والصالحين، في جلب المنافع أو دفع المضار، لأن هؤلاء المدعوين ــ أنفسهم ــ لا يملكون شيئاً، فلا يجوز للعبد أن يعلّق قلبه بغير الله سبحانه وتعالىٰ.
4/72 ــ الرَّابعُ: عَنْ أبي طَرِيفٍ عَدِيِّ بْن حَاتمٍ الطَّائِيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَىٰ يَمِينٍ ثُمَّ رَأىٰ أتْقَىٰ لله مِنْهَا فَلْيَأْتِ التَّقْوَى». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إذَا حلف العبد بالله تعالىٰ عَلىٰ شيء، وخالف ما حلف عليه وجبت عليه الكفارة، إلَّا أن يقرن يمينه بمشيئة الله، فنقول: لأفعلنَّ كذا إن شاء الله ، فهذا لا كفارة عليه ولو خالف.
2) الموفَّقُ من عباد الله؛ مَنْ يختار لنفسه أتقىٰ الأعمال، التي ترفع درجته يوم القيامة، فيعمل بها.
5/73 ــ الْخَامِسُ: عَنْ أبي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قال: سَمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ ، وَصَلَّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأدُّوا زَكَاةَ أمْوَالِكُمْ، وَأطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ». رواه التِّرْمذي في آخر كتابِ الصَلاةِ، وَقال: حديثٌ حسن صحيح.
هداية الحديث:
1) وجوب التزام أركان الإسلام، فهي مع التقوىٰ طريق للجنة.
2) وجوب طاعة الولاة والحكّام المسلمين ــ فطاعتهم من التقوىٰ ــ إلَّا أن يأمروا بمعصية الله _عز وجل_، فلا طاعة لهم بالمعصية، وإنما الطاعة في المعروف.
7 ــ باب اليقيــن والتوكــل
قال الله تعالىٰ: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22]، وقال تعالىٰ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173 ـ 174]، وقال تعالىٰ: {وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [إبراهيم: 11] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 159 ] . والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة. وقال تعالىٰ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة.
غريب الآيات:
اليقين: هُوَ قوة الإيمان وثبات القلب، حَتَّىٰ كأن المؤمن يرىٰ بعينه ما أخبر الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لكمال يقينه.
التوكل: هو: اعتماد العبد عَلىٰ ربِّه _عز وجل_، في ظاهره وباطنه، لجلب المنافع، ودفع المضار. والتوكل من ثمرات اليقين.
هداية الآيات:
1) حسن الظن بما عند الله تعالىٰ من علامات صدق الإيمان.
2) التوكل الصادق عَلىٰ الله تعالىٰ من صفات المؤمنين.
3) من توكل عَلىٰ الله كفاه؛ فإنه سبحانه لا يخيِّب مَن رجاه {أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُ}.
وأما الأحاديث:
1/74 ــ فَالأوَّلُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ؛ فَرَأيْت النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيط، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُل وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ. إذْ رُفعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْت أنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هذَا مُوسَىٰ وَقَوْمُه، وَلكِن انْظُرْ إِلَىٰ الأفقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَىٰ الأفقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب وَلاَ عَذَابٍ» ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ في أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَاب، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذينَ صَحِبُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وَقَالَ بَعْضَهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإسْلامِ، فَلَمْ يُشْرِكُوا بالله شَيْئاً ـ وَذَكَرُوا أشْيَاءَ ـ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضونَ فِيهِ؟» فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصِنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
«الرُّهَيطُ» بِضَمِّ الرَّاءِ: تَصْغِيرُ رَهط، وَهُمْ دُونَ عَشَرَةِ أنْفُسٍ. «وَالأفقُ»: النَّاحِيَةُ والجانبُ. «وَعُكَّاشَةُ» بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْديد الْكَافِ وَبِتَخْفِيفها، وَالتَّشْديدُ أفْصَحُ.
غريب الحديث:
سواد عظيم: أشخاص كثيرون.
خاض: تكلم.
لا يرقون: لا يقرؤون شيئاً يتعوذون به من شرّ ما وقع أو يتوقع.
وهذه اللفظة «لايرقون» قَالَ علماء الحديث: إنها شاذة؛ انفرد بها مسلم، ثُمَّ هي مخالفة لما ثبت في الهدي النبوي من استحباب الرقية، بأن يرقي الإنسان نفسه، أو يرقي غيره لوجه الله تعالىٰ أو بالأجرة.
يسترقون: يطلبون الرقية من غيرهم .
لا يتطيرون: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.
هداية الحديث:
1) فضل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنزلته؛ فإنه عُرضَت عليه الأمم ورآها، فأُمَّته أكثر الأُمم يوم القيامة.
2) فضل التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ، والاعتماد عليه، ومن ذلك يتبين ضلال وضياع من يتوكل علىٰ المخلوقين، ويعتمد عليهم، فيما لا يقدر عليه إلَّا الله تعالىٰ من جلب المنافع ودفع المضار.
3) اغتنام الفرصة لقطف ثمرة الخير، كما فعل الصحابي الجليل عُكّاشة بن محصن رضي الله عنه.
4) بيان فضيلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فمن سار عَلىٰ نهجهم واقتفىٰ أثرهم اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم ضل عَنْ الهدىٰ وغوىٰ.
2/75 ــ الثَّانِي: عَن ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما أيْضاً أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللهم لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللهم إِنِّي أعُوذُ بِعزَّتك لا إلهَ إلَّا أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي، أنْتَ الْحَيُّ الَّذي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإنْسُ يَمُوتُونَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهذَا لَفْظُ مُسْلِم، وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ.
غريب الحديث:
إليك أنَبْتَ: رجعت إلىٰ عبادتك والإقبال عَلىٰ ما يقرب منك.
بك خاصمت: حاججت أعداء الله مستعيناً بك، قاصداً وجهك.
هداية الحديث:
1) وجوب التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ وحده؛ لأنه المتصف بصفات الكمال، فهو وحده الَّذي يعتمد عليه، ولا يعتمد عَلىٰ المخلوقين الفقراء من أيِّ وجه ؛ فإنّا جميعاً مفتقرون إلىٰ الله، بحاجة إلىٰ معونته سبحانه.
2) التأسي بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمات الجامعة، في الدعاء والنصح والدعوة؛ لأن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
3/76ــ الثَّالِثُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أيْضاً قَالَ: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَها مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾. رَوَاهُ البُخَارِيّ.
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُلْقِيَ فِي النّارِ: حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».
هداية الحديث:
1) التوكل عَلىٰ الله منهج لجميع الأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ فليُتأسَّ بهم في الدعاء والتوكل عَلىٰ الله؛ لأنهم أشد الناس بلاءً.
2) فضل التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ في الأمور الصعبة والنوائب.
تنبيـه:
بعض الجاهلين الذين علقوا قلوبهم بغير الله تعالىٰ ــ في شدة المصائب والنوازل ــ يذهبون للاستنجاد بالمخلوقين، ودعاء غير الله _عز وجل_ في كشف هذه الأمور. وهذا ــ والله ــ هُوَ غاية الخذلان، وعندها ينطفئ الإيمان. فالحريص عَلىٰ بقاء الإيمان مضيئاً في قلبه، عليه أن يعلّق رجاءه بالله تعالىٰ، ويقطع رجاءه من الخلق.
4/77 ــ الرَّابعُ: عَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْر». رَوَاهُ مُسْلِم .
قِيلَ: مَعْنَاهُ مُتَوَكِّلونَ، وَقِيلَ: قُلُوبُهُمْ رَقِيقَةٌ .
هداية الحديث:
1) التوكل عَلىٰ الله، ورِقَّة القلب، من أسباب دخول الجنة، والفوز بنعيمها.
2) بيان صفة أهل الجنة؛ كل صاحب قلب رقيق شفيق.
5/78 ــ الْخَامِسُ: عَنْ جَابِـرٍ رضي الله عنه أنّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُمْ، فَأدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَه، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: «إنَّ هذَا اخْتَرَط عَلَيَّ سَيْفِي وَأنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ. ثَلاثاً» وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أتَيْنَا عَلَىٰ شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ، وَسَيْفُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُعَلَّقٌ بالشَّجَرَةِ، فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ: تخَافُنِي؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ.
وَفِي رِوَايَةِ أبِي بكْرٍ الإسمَاعيليّ في صحيحهِ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم السَّيْفَ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ: تَشْهَدُ أنْ لا إله إِلَّا الله ، وَأنِّي رَسُولُ الله ؟ قَالَ: لا، وَلكِنِّي أُعَاهِدُكَ أنْ لا أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّىٰ سَبِيلَهُ، فَأتَىٰ أصْحَابَهُ، فَقَالَ: جِئْتكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: «قَفَلَ» أيْ: رَجَعَ. وَ«الْعِضَاهُ»: الشَّجَرُ الَّذي لَهُ شَوْكٌ. وَ «السَّمُرَةُ» بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الميم: الشجرة من الطلح، وهي العظام من شجر العضاه. واخترط السيف:أي سلَّهُ. وهو في يده «صَلْتاً» أيْ: مَسْلُولاً، وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا.
غريب الحديث:
القائلة: وقت نوم الظهيرة.
هداية الحديث:
1) أثر التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ في الخلاص من الشدائد وتفريج الكرب.
2) إظهارعفو النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وكرمِ خُلُقه وعدمِ انتقامه لنفسه، وبُعدِ نظره في الأمور، وحسنِ معالجته النفوسَ لجلبها إلىٰ الحق.فعلينا الاقتداء بسنته، والاهتداء بهديه، لأن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ}.
6/79 ــ السَادِسُ: عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «لَوْ أنَّكُمْ تتَوَكَّلُونَ عَلَىٰ الله حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً». رَوَاهُ التّرمَذيّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَن.
مَعْنَاهُ: تَذْهَبُ أوَّلَ النَّهَارِ خِمَاصاً: أيْ: ضَامِرَةَ الْبُطُونِ مِنَ الْجُوعِ، وَتَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ بِطَاناً: أيْ: مُمْتَلِئَةَ الْبُطُونِ.
هداية الحديث:
1) الأخذ بالأسباب والمشي في طلب الرزق، من صدق التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ.
2) حقيقة التوكل معناه: اعتماد القلب، وتفويض الأمر بصدق ويقين، إليه سبحانه.
7/80 ــ السَّابع: عَنْ أبِي عُمَارَةَ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَا فُلاَن إِذَا أوَيْتَ إلَىٰ فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللهم أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَألْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلاَ مَنْجَىٰ مِنْكَ إِلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ. فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَىٰ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أصْبَحْتَ أصَبْتَ خَيْراً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ البَرَاءِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَىٰ شِقِّكَ الأيْمَنِ، وَقُلْ: وَذَكَرَ نَحْوَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ».
هداية الحديث:
1) صفة أهل الإيمان أنهم يلجؤون إلىٰ الله تعالىٰ في جميع أحوالهم.
2) تجديد العهد مع الله _عز وجل_ كل ليلة، وتوثيق معاني الإيمان قولاً وعملاً.
3) استحباب المبيت علىٰ طهارة، وأن تكون هذه الكلمات آخر ما يقوله الذاكر.
8/81 ــ الثَّامِنُ: عَنْ أبِي بكْرٍ الصِّدِّيق عَبدِ الله بْنِ عُثْمَان بْنِ عَامِرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَعْب ابْنِ تَيْم بنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ رضي الله عنه ــ وَهُوَ وَأبُوهُ وَأُمُّهُ صَحَابَةٌ رضي الله عنهم ــ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَىٰ أقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ ونَحْنُ فِي الْغَارِ وَهُمْ عَلىٰ رُؤُوسِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسولَ الله لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنَا، فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أبا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) كمال توكل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه بالله _عز وجل_.
2) علىٰ العبد أن يربي نفسه عَلىٰ تمام التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ، فهذا يورثه اليقين، الَّذي إِذَا خالط القلوب أصبحت لا تخاف ولا تخشىٰ إلَّا الله _عز وجل_، وتقول وتفعل الحق ولا تخشىٰ في الله لومة لائم.
3) بيان فضيلة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ فهو أفضل الصحابة بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، حيث اختاره الله _عز وجل_ لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، وأثنىٰ عليه بآيات تُتلىٰ إلىٰ يوم القيامة.
9/82 ــ التَّاسِعُ: عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ الْمَخْزُومِيَّةُ رضي الله عنها، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «بِسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَىٰ الله ، اللهم إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أضِلَّ أوْ أُضَلَّ، أوْ أزِلَّ أوْ أُزَلَّ، أوْ أظْلِمَ أوْ أُظْلَمَ، أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ». حَديث صَحِيحٌ رَوَاهُ أبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذيُّ وَغَيْرهُمَا بِأسانِيدَ صَحِيحَة. قَالَ التِّرْمِذيّ: حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهَذَا لَفْظُ أبِي دَاوُد.
10/83 ــ الْعَاشِرُ: عَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَالَ ــ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ ــ: بِسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَىٰ الله ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِالله، يقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنحَّىٰ عَنْهُ الشَّيْطَانُ». رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالتّرمِذيّ والنّسائي وغَيْرهم. وَقَالَ التِّرْمِذي: حديث حَسنٌ، زاد أبُو دَاوُدَ: «فَيَقُول: ــ يَعْنِي الشَّيْطَانَ لِشَيْطَانٍ آخَرَ ــ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟».
غريب الحديث:
أَضِل: أكون سبباً في انحراف غيري عن الصراط المستقيم.
أضَل: أنحرف عَنِ الطريق المستقيم.
أَزِل: الزلل هو الخطأ.
أجهل: آتي بالسفه.
يُجهل علي: يسفه علي أحدٌ.
وقيت: حُفظت.
هداية الأحاديث:
1) دوام التوكل عَلىٰ الله تعالىٰ، والاعتصام به، ودعائه جلب المنافع، ودفع المضار.
2) عَلىٰ العبد أن يحصِّن نفسه بالأذكار الشرعية، التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتجنّب الأذكار التي أحدثها الناس، ففي اتباع المأثور الخير والبركة.
تنبيــه:
لا يمكن للعبد أن يوظف الأذكار النبوية إلا إذا علمها. فالعلم قبل القول والعمل، فعلينا أن نتعلم ما أَنزل إلينا ربُّنَا من الشرع المنزل، ونفرح ونستغني به، ونهجر ما وَرِثْناه من الأذكار المُحدَثة وهي الشرع المبدل.
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
11/84 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أخَوَانِ عَلَىٰ عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ أحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، والآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أخَاهُ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَ: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذيّ بإسْنَادٍ صحِيح علىٰ شرطِ مُسْلِمٍ.
«يَحْتَرِفُ»: يَكْتَسِبُ وَيَتَسَبَّبُ.
هداية الحديث:
1) الترغيب في مساعدة أهل العلم وطلابه.
2) الإنفاق عَلىٰ طلبة العلم من مفاتيح الرزق.
3) الحث عَلىٰ إعانة طائفة في المجتمع لطلب العلم والتفقه في الدين.
8 ــ باب الاستقامة
قال الله تعالىٰ: {فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ} [هود: 112] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ * نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ﴾ [فصلت: 30 ــ 32] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 13ــ 14].
هداية الآيات:
1) الاستقامة عَلىٰ دين الله لابد فيها من الاعتدال في كل شيء؛ فلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.
2) البشرىٰ العظيمة لأهل الاستقامة في الدنيا والآخرة.
1/85 ــ وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبي عَمْرةَ، سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الإسْلاَمِ قَوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) الإيمان لا يكفي فيه نطق اللسان، ولكن يجب أن يصدقه القيام بالأعمال الصالحة.
2) الاستقامة لا تكون إلَّا بعد الإيمان باطناً وظاهراً.
2/86 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنكُمْ بِعَمَلِهِ»، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ: «وَلاَ أَنا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ». رَوَاه مُسْلِم.
وَ«الْمُقَارَبَةُ»: الْقَصْدُ الَّذِي لا غْلُوَّ فِيهِ وَلاَ تَقْصِيرَ، وَ«السَّدَادُ»:الاسْتِقَامَةُ وَالإصَابَةُ، و«يَتَغَمَّدَني» يُلْبسُني وَيَسْتُرني.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَىٰ الاسْتِقَامَةِ: لُزوم طَاعَةِ الله تَعَالَى، وقَالُوا: وَهِيَ مِنْ جَوَامعِ الْكَلِمِ، وَهِيَ نِظَامُ الأمُورِ، وَبالله التَّوْفِيق.
هداية الحديث:
1) الاستقامة عَلىٰ حسب الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلَّا وسعها.
2) إن العبد مهما بلغ من المرتبة والولاية، فإن عمله وحده لن ينجيه، ولكن هذا العمل يكون سبباً في تغمد الله له برحمته، ونجاته من النار.
3) علىٰ العبد أن لا يعجب بنفسه وعمله، وعليه الخضوع لله _عز وجل_ رب العالمين.
4) فضل الصحابة رضي الله عنهم؛ فهم أحرص الناس عَلىٰ العلم، كانوا لا يتركون شيئاً يحتاجون إليه في أمور دينهم إلَّا سألوا عَنْهُ وامتثلوه. فوجب علينا إتباع سننهم، واقتفاء آثارهم، والنظر في أحوالهم، ومتابعتهم بها.
9 ــ باب التفكير في عظيم مخلوقات الله تعالى وفناء الدنيا
وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها عَلى الاستقامة
قال الله تعالىٰ: {إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ} [سبأ: 46] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ الآيات [آل عمران: 190ــ 191] ، وقال تعالىٰ: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ * وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ * وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ * وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ * فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ} [الغاشية: 17ــ 21] ، وقال تعالىٰ: {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ} [محمد: 10] ، والآيات في الباب كثيرة.
ومن الأحاديث الحديث السابق: «الكيِّس مَن دانَ نفسه».
فائدة:
التفكّر: هُوَ أن يُعمل الإنسان عقله في الأمر حَتَّىٰ يصل إلىٰ نتيجة، فالتفكر يثمر التذكر والخشية.
هداية الآيات:
1) الحث عَلىٰ التفكر في الأعمال والطاعات التي يقوم بها العبد، ليعلم مدىٰ انتفاعه بها، ومدىٰ تحصيله لثوابها وقبولها عند الله _عز وجل_.
2) الترغيب في التفكر في عظيم مخلوقات الله _عز وجل_؛ لأنه يورث الخشية لله تعالىٰ، ويورث ذكر الله _عز وجل_ وزيادة اليقين بوعده ووعيده، ويورث العمل مع إخلاص النية لله وحده.
3) التأمل من صفات عباد الله المخلصين، الذاكرين لَهُ، المتفكِّرين في مخلوقاته.
4) الحثُّ علىٰ الاهتمام بالأعمال النافعة في الدنيا والآخرة، وذمُّ الهوىٰ، وشهواتِ النفس المحرَّمة، وشغلِها بالأماني دون العمل.
وما أكثر الذين يُتبعون أنفسهم هواها، ولا يبالون بمخالفة شرع الله تعالىٰ من أجل مصالحهم الدنيوية! فالحذرَ الحذرَ أن نكون منهم.
10 ــ باب المبادرة إلى الخيرات
وحثّ من توجه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
قال الله تعالىٰ: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ [البقرة: 148]، وقال تعالىٰ: ﴿۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
هداية الآيات:
1) المسابقة إلىٰ فعل الخيرات، وعدم تأجيل الأعمال الصالحة فإنها تفوت.
2) إنّ من صفات المتقين المسارعةَ إلىٰ الدارِ الآخرةِ، ونيلِ رضوان الله _عز وجل_ ، بالاستغفار ولزوم الطاعات.
وأما الأحاديث:
1/87 ــ فَالأَوَّل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ يُصْبِحُ الرَّجُل مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصبح كَافِراً، يَبيعُ دِينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». رَوَاه مُسْلِم.
غريب الحديث:
بادروا بالأعمال: أسرعوا إليها. بعَرَض: متاع.
هداية الحديث:
1) وجوب التمسك بالدين ، والمبادرة إلىٰ العمل الصالح قبل أن تحول الموانع والعوائق دونه.
2) التحذير من الوقوع في الفتن؛ لأنها تورث العبد شكاً في الدين، وضعفاً في الإيمان.
3) الحث عَلىٰ التزام العلم والعمل؛ لأن بهما العصمة في زمن الفتن.
2/88 ــ الثَّاني: عَنْ أَبِي سرْوَعَةَ ــ بكسر السينِ المهملةِ وفتحها ــ عُقْبةَ بْنِ الْحَارِثِ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعا،ً فَتَخَطَّىٰ رِقَابَ النَّاسِ إِلَىٰ بَعْضِ حجَر نِسائِهِ، فَفَزِعَ النَّاس مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأىٰ أَنَّهُمْ قَدْ عَجبُوا مِنْ سُرْعَته، قَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئاً مِن تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقسْمَته». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «كُنْتُ خَلّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْراً مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكرِهْتُ أَنْ أُبيِّتَه».
«التِّبْر» قَطَع ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ.
هداية الحديث:
1) المبادرة إلىٰ فعل الخيرات وأداء الحقوق لأصحابها، وعدم التهاون في ذلك.
2) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلىٰ فعل الخيرات، والمسارعة إلىٰ أداء الأمانات لأهلها، فالزم هدىٰ نبيِّك صلى الله عليه وسلم ، وتمسّكْ بسُنّته؛ فإن الخير كل الخير في هداه، والشَّرَّ كل الشَّرِّ فيمن اتبع هواه.
3) اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بتتبع أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من فضائلهم.
3/89 ــ الثَّالث: عَنْ جَابِر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رجُلٌ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتلْتُ فَأَيْن أَنا؟ قَالَ: «في الْجَنَّةِ». فَأَلْقَىٰ تَمَراتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّىٰ قُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم ومبادرتهم إلىٰ الأعمال الصالحة، واهتمامهم بأمور دينهم وآخرتهم.
2) البشرىٰ لمَنْ قُتل في سبيل الله أنه موعود بالجنة.
3) أهمُّ ما يهتمّ به المسلم هُوَ مصيره يوم القيامة إلىٰ الجنة أو إلىٰ النار؟ فاحرصْ علىٰ ما يقرّبك من الجنة ويبعدك عَنِ النار.
4/90 ــ الرَّابع: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أجْراً؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحيحٌ تَخْشَىٰ الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغنَى، وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَت الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
«الْحُلْقُوم»: مَجْرَىٰ النَّفَسِ. وَ«الْمَرِيءُ»: مَجْرَىٰ الطعَامِ وَالشَّرَابِ.
غريب الحديث:
الشّحّ: البخل مع شدة الحرص.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت.
2) الصدقة في حال الصحة أفضل من الصدقة في حال المرض.
5/91 ــ الخامس: عن أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُد،ٍ فَقَالَ: «مَنْ يَأْخُذُ منِّي هذَا؟» فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إنْسَانٍ منْهُمْ يَقُول: أنَا أنا. قَالَ: «فَمَنْ يَأْخُذُهُ بحَقِّه؟» فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ أبُو دجَانَةَ رضي الله عنه: أنَا آخُذُهُ بحَقِّهِ، فَأَخَذَهُ، فَفَلَقَ بهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ. رواه مسلم.
اسمُ أَبي دُجَانَةَ: سِمَاكُ بْنُ خَرشَةَ. قَوْلُهُ:«أَحْجَمَ الْقَوْمُ»: أي: تَوَقَّفُوا . وَ«فَلَقَ بهِ»: أَيْ شَقَّ. «هَامَ الْمُشْرِكينَ»: أَيْ رؤوسَهُمْ.
هداية الحديث:
1) حسن رعاية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لصحابته؛، فلم يخصّ بالسيف أحداً منهم، ولكنه جعل الأمر تنافساً لعموم الصحابة، حتىٰ يجد الرجل المناسب للمكان المناسب.
2) بيان شجاعة أبي دجانة رضي الله عنه وتضحيته وصدقه في الجهاد.
3) عَلىٰ العبد ألا يكسل ولا يستعظم العبادة، بل عليه أن يستعين بالله، ويتوكل عليه، ويبادر إلىٰ فعل الخيرات دون تردد أو شك.
تنـبـيــه:
موقف الصحابة رضي الله عنهم لا يدل عَلىٰ خوف أو جبن، وإنما هم أحجموا عَنْ أخذ السيف؛ ورعاً منهم ألاّ يستطيعوا الوفاء بعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إن دل عَلىٰ شيء فإنه يدل عَلىٰ مدىٰ ورعهم واحترامهم عهودَ وحقوق نبيِّهم عليه الصلاة والسلام.
6/92 ــ السَّادس: عن الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ قال: أَتَيْنَا أَنَسَ بنَ مَالك رضي الله عنه، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَىٰ منَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبُروا؛ فَإنَّه لا يَأْتي عليكم زَمَانٌ إلَّا وَالَّذي بعْدَه شَرٌّ منْه، حَتَّىٰ تَلْقَوْا رَبِّكُم» سَمعْتُه منْ نَبيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) وجوب الصبر عَلىٰ ولاة الأمور، وإن ظلموا وجاروا.
2) لزوم الطاعات زمن الفتن؛ فإنها العاصمة من هذه الفتن.
تنبيه:
إن توجيه الناس في زمن الفتن هُوَ بأيدي العلماء الربّانيّين العاملين، فعلىٰ أهل الإيمان الرجوع إلىٰ العلماء فيما يقررونه في مسائل الفتن والنوازل؛ لأنهم أعلم الناس بالشرع وبالواقع وبأحوال الناس، قال الله تعالىٰ: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [النساء: 83].
7/93ــ السَّابع: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادِرُوا بالأعْمَالِ سَبْعاً؛ هَلْ تَنْتَظرونَ إلَّا فَقْراً مُنْسياً، أوْ غنىٰ مُطْغِياً، أوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أوْ هَرَماً مُفْنِداً أوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائبٍ يُنْتَظَر، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ!». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ[5]. [5](1) الحديث إسناده ضعيف.
غريب الحديث:
مطغياً: يحمل صاحبه عَلىٰ مجاوزة الحد في المعاصي.
مفنداً: موقعاً في الفند، وهو الكلام المنحرف عَنِ الصحة.
مجهزاً: مميتاً بسرعة. أدهى: أعظم بلية.
هداية الحديث:
1) التمثيل بأهم الشواغل التي تصرف العبد عن الخير والطاعة، حتىٰ يحذرها ويقبل على ما ينفعه.
2) اغتنامُ أوقاتِ الصحة والفراغِ، وقلةِ الفتن والشواغل، في تكثير الطاعات وأعمال الخير.
3) الدجّال أعظم فتنة حذّر منها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
8/94 ــ الثامن: عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يومَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ الله وَرَسُولَه، يَفْتَح اللهُ عَلَىٰ يَدَيْهِ». قَالَ عُمَر رضي الله عنه: مَا أَحْبَبْتُ الإمَارَةَ إلا يَومَئذٍ، فَتَساوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَىٰ لَهَا، فَدَعَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أَبي طَالب رضي الله عنه، فَأَعْطَاه إيَّاهَا، وَقَالَ: «امْشِ وَلا تَلْتَفتْ حَتَّىٰ يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ»، فَسَارَ عَليٌّ شَيْئاً، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفتْ ؟ فَصَرَخ: يَا رسولَ الله ، علىٰ ماذَا أُقاتلُ النَّاسَ؟ قالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّىٰ يَشْهَدوا أَنْ لا إلهَ إلَّا الله ، وَأَنَ مُحَمَّداً رسولُ الله ، فَإذَا فَعَلُوا ذلكَ فَقَدْ مَنَعُوا منْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَىٰ الله ». رواه مسلم.
«فَتَسَاوَرْت» هُوَ بالسِّين المهملة: أيْ وَثَبْت مُتَطَلِّعاً.
هداية الحديث:
1) الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكرهون الإمارة لما فيها من المسؤولية.
2) المبادرة إلىٰ امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا من المسارعة إلىٰ الخيرات والطاعات.
3) التزام الصحابة رضي الله عنهم بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمسارعة إلىٰ تنفيذها دون كثرة سؤال ومراجعة. فعلينا أن نتبع الرسول صلى الله عليه وسلم مستسلمين لله _عز وجل_ في ذلك، طائعين لَهُ، وأن نتلمس سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، ونتبع آثارهم وأحوالهم مع الكتاب والسنة؛ فهذا عنوان فلاح الأمة، ولن يصلح أمر آخر الأمة إلا بما صلح به أولها.
11 ــ باب المجاهدة
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر: 99] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا﴾ [المزمل: 8] أي: انقطع إليه، وقال تعالىٰ: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7] ، وقال تعالىٰ: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ} [المزمل: 20] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]. والآيات في الباب كثيرة معلومة.
فائـدة:
المجاهدة: بذلُ الجهد في إصلاحِ العبدِ نفسَه، وإصلاحِ غيره.
ــ أمّا إصلاح العبد نفسه؛ فيكون بفعل المأمورات، وترك المنهيات. وسبيل ذلك العلم النافع، والعمل الصالح.
ــ وأمّا إصلاح العبد غيره؛ فيكون بالدعوة والبيان، مع الصبر على الأذىٰ.
وأمّا المعاندون والخارجون عَنِ الشريعة؛ فتكون مجاهدتهم بالسلاح والسنان لكفِّ شرهم، وزجر أمثالهم.
هداية الآيات:
1) الحثّ عَلىٰ سلوك طريق المجاهدة؛ لأن الهداية مع أهل المجاهدة {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ} [العنكبوت: 69].
2) من يعمل خيراً يلقه وإن قَلَّ، فلا يحقرنَّ العبدُ من المعروف شيئاً.
وأما الأحاديث:
1/95 ــ فالأول: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله تعالىٰ قال: مَن عَادَىٰ لي وَليّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالْحَرْب. وَما تَقرَبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْت عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّىٰ أُحِبَّه، فَإذَا أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ به، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بهَا، وَإنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ». رواه البخاري.
«آذَنْتُهُ»: أَعْلَمْتُه بِأَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ. «اسْتَعَاذَنِي» رُوي بالنونِ وبالباءِ.
غريب الحديث:
وليّاً: الوليّ هُوَ كل مؤمن تقيّ ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ * ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62 ــ 63].
استعاذني: من الاستعاذة، وهي طلب اللجوء والاعتصام بالله تعالىٰ.
هداية الحديث:
1) الوليّ: هو الذي يتقرَّب إلىٰ الله تعالىٰ بالفرائض ــ وأعظمها تحقيق توحيد الله ــ ثم يُكثر من النوافل.
2) إثبات ولاية أهل الإيمان؛ فالله يحفظهم، ويسدّد أقوالهم، وأعمالهم، ويدافع عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ} [الحج: 38].
3) الفرائض أحب ما تقرب بها العبد إلىٰ الله تعالىٰ.
4) فعل النوافل مع القيام بالواجبات، موجب لمحبة الله تعالىٰ للعبد.
فائـدة:
قوله في الحديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الَّذي يسمع به ، وبصره الَّذي يبصر به...» إلىٰ آخره. جاء تفسيره في رواية: «فبي يسمع وبي يبصر».
معناه: أن العبد يكون في جميع أحواله من أقوال وأفعال فيما يرضي الله تعالىٰ؛ فلا يسمع إلَّا ما يحبه الله ويرضاه، ولا يرىٰ إلَّا ما أذن لَهُ في النظر إليه، ولا يفعل بيده ورجله إلَّا ما هُوَ مباح ومشروع، عندئذٍ يكون هذا العبد من أولياء الله المقربين.
2/96 ــ الثاني: عن أنسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ _عز وجل_ قال: «إذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإذَا تَقَرَّبَ إليَّ ذراعَاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَإذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتـَيْـتُهُ هَرْوَلَةً». رواه البخاري.
غريب الحديث:
فيما يرويه عَنْ ربه: هذه الصيغة تكون في الأحاديث القدسية (الإلهية).
باعاً: هُوَ مقدار مَدّ اليدين وما بينهما من البدن.
هرولة: نوع من الجري فيه مسارعة للخطى.
هداية الحديث:
1) إكرام الله تعالىٰ لأهل طاعته؛ بأن يجازيهم عَلىٰ ثواب أعمالهم بالمضاعفة.
2) من صَدَق الله تعالىٰ في الطاعة، وفقه سبحانه للمزيد من العبادة.
3/97 ــ الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
مغبون فيهما: مغلوب فيهما، من الغُبن، وهو الشراء بأضعاف الثمن، أو البيع دون الثمن.
هداية الحديث:
1) عَلىٰ العبد أن يغتنم فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله _عز وجل_ بقدر ما يستطيع.
2) نِعَمُ الله تتفاوت، ومن أكبر نِعَم الله عَلىٰ العبد ـ بَعد الإيمان ـ نعمتا العافية والفراغ من المشاغل.
3) مقابلة نِعَم الله _عز وجل_ بالطاعات والشكر سبب لحفظها ودوامها؛ فإنه بالشكر تزيد النِّعَم.
4/98 ــ الرابع: عن عائشةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّىٰ تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هذَا يَا رَسُولَ الله ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً؟». متفقٌ عليه. هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية الـمُغيرة بن شُعْبَةَ.
غريب الحديث:
تتفطر قدماه: تتشقق.
هداية الحديث:
1) الشكر هُوَ القيام بطاعة الله تعالىٰ، ومنه الشكر الفعلي بالتعبد لله تعالىٰ.
2) من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد غفر لَهُ ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
3) فضيلة صلاة الليل، مع طول القيام؛ فهما من أحب القربات إلىٰ الله.
5/99 ــ الخامس: عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أحيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ». متفق عليه.
والمراد: الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ من شهر رمضانَ. «وَالْمِئْزَرُ»: الإزَارُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عن اعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَقيلَ: المُرَادُ تَشْمِيرُهُ للْعِبَادَةِ، يُقَالُ: شَدَدْتُ لِهذَا الأَمْرِ مِئْزَرِي، أيْ: تَشَمَّرْتُ، وَتَفَرَّغْتُ لَهُ.
هداية الحديث:
1) فضيلة العشر الأخير من رمضان؛ لاهتمام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها، وإحياء لياليها، ووجود ليلة القدر فيها.
2) من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه لم يقم ليلة بتمامها إلَّا في العشر الأواخر من رمضان.
3) اعتزال المعتكف أهله حال اعتكافه.
4) يجب عَلىٰ العبد أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة، حَتَّىٰ يستوعبها في طاعة الله تعالىٰ؛ فإنها فُرَصٌ للتجارة الرابحة والفلاح، في الدنيا والآخرة.
6/100 ــ السادس: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلىٰ الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلىٰ مَا يَنْفَعُكَ، وَاستَعِنْ بِالله وَلاَ تَعْجِزْ. وَإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ، ومَا شاءَ فَعَلَ؛ فَإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
المؤمن القوي: يعني في إيمانه وكثرة طاعاته.
المؤمن الضعيف: يعني في إيمانه وقلة طاعاته.
لا تعجز: العجز معناه عدم القدرة على فعل الخير.
هداية الحديث:
1) حرص المؤمن عَلىٰ تقوية إيمانه بفعل الطاعات، وترك المحرمات.
2) الإنسان العاقل ــ الَّذي قَبِل وصية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ــ يحرص عَلىٰ ما ينفعه في دينه ودنياه، ويترك كل ما لا نفع فيه.
3) الحثُّ علىٰ الاستعانة بالله في كل الأمور، ولو علىٰ الشيء اليسير، وبالاستعانة يُنفىٰ العجز.
4) من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتم المرء عمله ولا يكسل، وأن يبدأ بالأهم فالأهم.
5) إثبات القدر مع وجوب الرضا فيه؛ فكل شيء بقضاء وقدر.
فائدة:
قوله صلى الله عليه وسلم : «احرص عَلىٰ ما ينفعك» دليل عَلىٰ تقديم المنفعة العليا عَلىٰ المنفعة التي دونها، ومن ذلك إِذَا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فإنها تقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إِذَا صلح صلحت معه الدنيا، أما الدنيا فإنها لا تصلح مع فساد الدين.
7/101 ــ السابع: عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشهَواتِ، وحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلم: «حُفَّت» بَدلَ «حُجِبَتْ» وهُوَ بمَعْنَاهُ أَيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَهَا هذَا الحِجَابُ، فَإذا فَعَلَهُ دَخَلَهَا.
هداية الحديث:
1) الشهوات المحرمة باب من أبواب دخول النار؛ وهي إتباعُ النَّفْسِ هواها، فيما يخالف الشرع.
2) المكاره سبب لنيل المكارم، ودخول الجنة.
3) إن العبد إِذَا جاهد نفسه عَلىٰ طاعة الله أحبت نفسه هذه الطاعة وألفتها.
8/102 ــ الثامن: عن أبي عبد الله حُذَيْفَةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنهما قال: صَلَّيْتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْت: يَرْكَع عِنْدَ المائَةِ، ثمَّ مَضَىٰ فَقُلْت: يُصَلِّي بهَا في رَكْعَةٍ، فَمَضَىٰ فَقُلْت يَرْكَعُ بهَا، ثمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرانَ فَقَرَأهَا، يَقْرَأُ مُـتَرَسِّلاً؛ إذَا مَرَّ بآيَةٍ فِيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَألَ، وإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» فكَانَ ركُوعُه نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثَم قالَ: «سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْد»، ثمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثَم سَجَدَ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سُجُوده قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.
غريب الحديث:
مترسلاً: غير مستعجل، مرتلاً بحيث تَبين الحروف وتُعطىٰ حقها.
هداية الحديث:
1) إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يعمل عمل المجاهد، الَّذي يجاهد نفسه عَلىٰ الطاعة.
2) جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل أحياناً ، من غير قصد ومداومة،، أمّا في رمضان فإن السُّنَّة أن يقوم الناس في جماعة.
3) ينبغي للمصلي في صلاة الليل أن يجمع بين الذكر والدعاء والتفكر؛ فيسأل في آية الرحمة، ويستعيذ في آية الوعيد، ويسبح في آية التسبيح.
4) فضيلة طول القيام في صلاة الليل؛ فهذا نوع من جهاد النفس في سبيل الله تعالىٰ.
9/103 ــ التاسع: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صَلَّيْت مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً، فَأطَالَ الْقِيَامَ حَتَّىٰ هَمَمْتُ بِأمْرِ سُوءٍ! قيل: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قالَ: هَمَمْتُ أنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
هَمَمْت: من الهَمّ بالشيء، وهو العزم عليه.
هداية الحديث:
1) من السُّنَّة أن يقوم العبد في الليل ويطيل القيام.
2) القيام الطويل للعبادة في الليل من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فإذا أراد العبد مجاهدة نفسه عَلىٰ القيام فَلْيقتدِ برسول الله صلى الله عليه وسلم .
10/104 ــ العاشر: عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَتْبعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُه وَعَمَلُه، فَيَرْجِع اثْنَانِ وَيَبْقَىٰ وَاحِدٌ: يَرْجِع أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَىٰ عَمَلُهُ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) عَلىٰ العبد أن يحرص عَلىٰ العمل الصالح؛ فهو الذخر الباقي.
2) الترغيب في اجتهاد المؤمن من الطاعات؛ حَتَّىٰ يكون لَهُ عمل صالح يؤنسه في قبره.
فائدة:
مناسبة هذا الحديث لباب (المجاهدة) أن كثرة العمل الصالح توجب مجاهدة النفس. فلا يزال العبد يدأب علىٰ الطاعة، حتىٰ تصير له عادة، وتُرقِّيه إلى رتب السيادة.
11/105ــ الحادي عشر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إلىٰ أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلِكَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
شِرَاكِ نعله: هُوَ السير الَّذي عَلىٰ ظهر القدم، ويُضرب به المثل في القرب.
هداية الحديث:
1) إن العبد قد يتكلم الكلمة، أو يفعل الفعل من رضوان الله ــ لا يظنّ أنها تبلغ ما بلغت ــ فإذا هي توصله إلىٰ جنة النعيم.
وقد يتكلم الكلمة، أو يفعل الفعل من سخط الله ــ لا يظن أنها تبلغ ما بلغت ــ فإذا هي تهوي به في نار الجحيم.
2) ضرب المثال عند التعليم أرسخ في النفس، وأقرب إلىٰ الفهم.
12/106 ــ الثاني عشر: عن أبي فِراسٍ رَبِيعَةَ بنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ خَادِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَمِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآتِيهِ بِوَضوئه وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: «سَلْني»، فَقُلْت: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذلكَ ؟» قلْت: هُوَ ذَاكَ، قال: «فَأَعِنِّي عَلىٰ نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ــ أهل الصُّفَّة: هم أضياف الإسلام، ممن هاجر إلىٰ المدينة، وليس لهم مأوىٰ، فأسكنهم النَّبيُّ عليه الصّلاة والسّلام في مؤخرة المسجد النَّبويِّ، وكانوا أحياناً يبلغوا الثمانين، وأحياناً دون ذلك، وكان الصحابة رضي الله عنهم يأتونهم بالطعام واللبن وغيره مما يتصدقون به عليهم.
ــ الوَضوء: بالفتح، الماء الَّذي يتوضأ به، والوُضوء بضم الواو: فعل الوضوء.
ــ حاجته: كل ما يحتاجه من لباس وغيره.
هداية الحديث:
1) فضل هذا الصحابي الجليل وعُلوّ همته؛ حيث سأل عَنْ شيء من أمور الآخرة.
2) فضل السجود عَلىٰ باقي هيئات الصلاة؛ «فإن أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد».
3) إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لايملك أن يُدخِل أحداً الجنة؛ ولهذا لم يضمن الجنة لهذا الرجل وهو خادمه ولصيق به. فَلْيحذرِ المؤمن من الاتكال عَلىٰ مجرد الأنساب والمقامات والجاهات؛ فإن ذلك كله لا ينفع، إِذَا لم يصاحبه إيمان صادق، وعمل صالح.
13/107 ــ الثالث عشر: عن أبي عبد الله وَيُقَال: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ـ ثَوْبَانَ مَوْلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لله سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللهُ بهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بهَا خَطِيئَةً». رواه مسلم.
غريب الحديث:
عَلَيْكَ: الزم.
هداية الحديث:
1) السجود في الصلاة والإكثار منه؛ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نوع من المجاهدة.
2) يَحصُل للعبد بالسجود فائدتان عظيمتان؛ الأولى: يرفعه الله به درجة، الثانية: يحط عَنْهُ به خطيئة.
14/108 ــ الرابع عشر: عن أبي صَفْوَانَ عبد الله بن بُسْرٍ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «خَيْر النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُره وَحَسُنَ عَمَلُه». رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن. «بُسْر»: بضم الباء وبالسين المهملة .
هداية الحديث:
1) عَلىٰ العبد سؤال الله أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله.
2) إن مجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلَّا إِذَا حسن عمله.
فائـدة:
كره بعض العلماء أن يُدعىٰ للإنسان بطول البقاء دون تقييد، بل يُقال: أطال الله بقاءك عَلىٰ طاعته. وقد قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «قد سألتِ الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يُعجل شيئاً قبل حلِّه، أو يُؤخر شيئاً عن حلّه، ولو كنتِ سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر، كان خيراً أو أفضل». رواه مسلم.
15/109 ــ الخامس عشر: عن أنس رضي الله عنه قال: غَابَ عَمِّي أنَسُ بنُ النَّضْرِ رضي الله عنه عن قِتالِ بَدْرٍ، فقال: يا رسولَ الله غِبْتُ عَن أوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَني قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيُرِيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللهم أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ ـ يَعْني أصْحَابه ـ، وَأبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاَءِ ـ يَعْني المُشْرِكِينَ ـ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مَعَاذٍ الجَنَّةُ وَرَبِّ النَّضْرِ، إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قال سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يا رَسولَ الله مَا صَنَعَ ! قال أنسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعاً وَثمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قال أنس: كُـنَّا نَرَىٰ أوْ نَظُنُّ أنَّ هذِهِ الآيَة نَزَلَتْ فيهِ وَفي أَشْبَاهِهِ: {مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ} [الأحزاب: 23] إلىٰ آخرها. متفقٌ عليه.
قوله: «لَيُرِيَنَّ الله» رُوي بضم الياء وكسر الراء أيْ: لَيُظْهِرنَّ الله ذلِكَ للناسِ، وَرُوِيَ بفتحهما، ومعناه ظاهر، والله أعلم.
غريب الحديث:
ببنانه: بأطراف أصابعه.
هداية الحديث:
1) عزمُ الإنسان عَلىٰ فعل الطاعات والخيرات، والأخذُ بالأسباب المعينة عَلىٰ ذلك.
2) التبرُّؤ من فعل أهل الكفر والمعاصي دليلٌ عَلىٰ صدق إيمان العبد.
3) فضيلة الصحابي أنس بن النضر رضي الله عنه؛ لشجاعته في المعركة، وإقدامه في قتال الكفار .
4) الحث علىٰ الثبات في أرض الجهاد، وإن تخلّف الأصحاب.
6/110 ــ السادس عشر: عن أبي مسعود عُقْبةَ بنِ عمرٍو الأنصاريّ البدريّ رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلىٰ ظُهُورِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالوا: مُراءٍ، وجاءَ رَجُل آخَرُ فَتَصَدَّقَ بصَاع، فقالُوا: إنَّ الله لَغَنيٌّ عَنْ صاعِ هذَا! فَنَزَلَتْ: {ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ} الآية [التوبة: 79]. متفقٌ عليه.
«ونُحَامِلُ» بضم النون، وبالحاءِ المهملة أيْ: يَحْمِلُ أَحَدُنَا علىٰ ظَهْرِهِ بالأُجْرَةِ، ويَـتَصَدَّقُ بها.
غريب الحديث:
ــ مُراءٍ: من المراءاة؛ وهي العمل ليراه الناس، فيكتسب منهم غرضاً دنيوياً.
ــ صاع: أربعة أمداد نبوية؛ والمد: ملء اليدين لا مبسوطتين ولا مقبوضتين.
ــ يلمزون: يعيبون .
المُطّوعين: بتشديد الطاء، أي المتنفلين.
جهدهم: طاقتهم.
هداية الحديث:
1) الواجب علىٰ المؤمن إِذَا بلغه عَنِ الله _عز وجل_ ورسوله صلى الله عليه وسلم شيء أن يبادر لما يجب عليه، من امتثال الأمر، أو اجتناب النهي، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثلوا أمر الصدقة بما يقدرون عليه.
2) حرص الصحابة عَلىٰ استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسَهم عَلىٰ ذلك، وهذا من فضائلهم رضي الله عنهم.
3) إن الله _عز وجل_ يدافع عَنِ المؤمنين، وهذا من ثمرات الإيمان.
17/111 ــ السابعَ عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن رَبيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاَني، عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَروِي عَنِ الله تبارك وتعالىٰ أنه قال: «يا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلىٰ نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنكُمْ مُحَرَّماً، فَلا تَظَالموا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدوني أهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُوني أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتكْسُوني أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ـ وَأنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ـ، فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلىٰ أَتْقَىٰ قَلْب رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ في مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلىٰ أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيد وَاحِدٍ، فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذلِكَ ممّا عندي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البحرَ، يَا عِبَادِي إنَّما هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ». قَال سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ جَثَا عَلىٰ رُكبتيه. رواه مسلم.
ورُوِّينا عن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالىٰ ــ قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
غريب الحديث:
صعيد: أرض واحدة ومقام واحد.
المِخْيَط: بكسر فسكون ففتح، الإبرة.
هداية الحديث:
1) افتقار العباد إلىٰ ربهم في جميع حوائجهم الدينية والدنيوية، فالهداية القلبية والنِّعَم الدنيوية من مأكل ومشرب وحاجة، كلها من الله تعالىٰ تفضلاً عَلىٰ عباده.
2) خزائن الله تعالىٰ ملأىٰ لا تنقصها نفقة، فَلْيجتهدِ العبد في الدعاء، وهو موقن بالخير من عند الله تعالىٰ، فإن حسن الظن بالله تعالىٰ خير للعبد.
3) إن الله سبحانه يحرّم عَلىٰ نفسه، ويوجب عَلىٰ نفسه بحكمته وكمال علمه.
4) العلم النافع والعمل الصالح غذاء للقلب، كما أن الطعام والشراب أغذية للبدن.
5) الإنسان يُجزىٰ بعمله؛ إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.
6) عَلىٰ العبد أن يجاهد نفسه عَلىٰ عمل الخير، ليجد ثواب ذلك في الدنيا والآخرة.
12ــ باب الحث عَلى الازدياد من الخير في أواخر العُمر
قال الله تعالىٰ: {أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ} [فاطر: 37].
قال ابن عباس رضي الله عنهما والمحققون: معناه: أولم نعمركم ستين سنة؟ ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالىٰ، وقيل: معناه: ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين سنة، قاله الحسن والكلبي ومسروق، ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً. ونقلوا: أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة، وقيل: هو البلوغ.
وقوله تعالىٰ: {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ} قال ابن عباس رضي الله عنهما والجمهور: هو النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وقيل: الشيب، قاله عكرمة وابن عيينة وغيرهما. والله أعلم.
هداية الآيات:
1) العِبرة في الحياة عَلىٰ آخر العمر؛ فالأعمال بخواتيمها. وصحَّ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «من كَانَ آخر كلامه من الدنيا لا إله إلَّا الله دخل الجنة». رواه أحمد.
2) عَلىٰ الإنسان أن يكثر من الأعمال الصالحة؛ لأنه لا يدري متىٰ يموت.
3) كلما طال عُمرُ العبد كَانَ أولىٰ بالتذكر؛ لقرب إقباله عَلىٰ لقاء الله تعالىٰ.
وأما الأحاديث:
1/112 ــ فالأوَّل: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَعْذَرَ اللهُ إلىٰ امْرِىءٍ أَخَّرَ أَجَلَه حتىٰ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً». رواه البخاري.
قال العلماء: معناه: لَمْ يَتْركْ لَه عُذْراً إذْ أَمْهَلَهُ هذِهِ المُدَّةَ. يُقال: أَعْذَرَ الرَّجُل: إذا بَلَغَ الغَايةَ في الْعُذْرِ.
هداية الحديث:
1) إن الله سبحانه وتعالىٰ لَهُ الحجة التامة عَلىٰ عباده؛ فقد أعطاهم العقول والفهوم، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وحفظ الشرائع.
2) عَلىٰ العبد اغتنام الفرص في طاعة الله، واستثمار الأوقات فيما يرضي الله، والبعد عَنِ الذنوب والمعاصي، والاستعداد ليومٍ لا عذرَ للعبد فيه.
2/113ــ الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُدْخِلُني مَعَ أشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نَفْسِهِ، فقال: لِمَ يَدْخُلُ هذَا معنا وَلَنَا أبْنَاءٌ مِثْلُه؟ فقال عمر: إنَّه مَن حَيْث عَلِمْتُمْ! فَدَعاني ذاتَ يَوْمٍ، فَأَدْخَلَني مَعَهُمْ، فما رَأَيْت أَنّه دعاني يوْمَئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، قال: ما تقولون في قول الله تعالىٰ: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ﴾ [النصر: 1] ؟ فقال بعضهم: أُمِرْنَا أن نَحْمَد الله وَنَسْتَغْفِره إذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بعضُهُمْ فلم يَقُلْ شَيْئاً، فقال لي: أَكَذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هُو أَجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَه له، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ وذلك علامة أَجَلِك ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ [النصر: 3] ، فقال عمر رضي الله عنه: ما أَعْلَمُ منها إلا ما تَقُول. رواه البخاري.
3/114ــ الثالث: عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما صَلَّىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ إلا يقول فيها: «سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبحَمْدكَ، اللهم اغْفرْ لي». متفق عليه.
وفي رواية في (الصحيحين) عنها: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر أَنْ يَقُولَ في ركوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللهم رَبَّنَا وَبحَمدكَ، اللهم اغْفِرْ لي» يَتَأوَّل الْقُرآنَ.
معنىٰ (يَتَأَوَّل الْقُرآنَ) أيْ: يَعْمَل مَا أُمِرَ بِهِ في الْقُرآن في قولهِ تعالىٰ: {فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ}.
وفي رواية لمسلم: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ: «سُبْحَانَكَ اللهم وبِحَمدِكَ، أَسْتَغْفِركَ وَأتُوب إلَيْكَ». قالت عائشةُ: قلت: يا رسولَ الله ما هذِهِ الكَلِمَات الَّتي أَرَاكَ أحْدَثْتَها تَقولها؟ قال: «جُعِلَتْ لي علامةٌ في أُمَّتي إذَا رَأيْتُها قُلْتُها ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ إلىٰ آخر السورة».
وفي رواية له: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِر مِنْ قَوْلِ: «سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، أسْتَغفِر الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». قالت: قلت: يا رسولَ الله! أَرَاكَ تكْثِر مِنْ قَولِ: سُبْحَانَ الله وَبحَمْده، أَسْتَغْفِر الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.
فقال: «أخبَرَني رَبِّي أنِّي سَأَرَىٰ عَلاَمَةً في أُمَّتي، فَإذا رَأَيْتُها أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْل: سُبْحَانَ الله وبحَمْدِهِ، أستَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْه، فَقَدْ رَأَيتُها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا * فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾».
غريب الحديث:
وجد في نفسه: قام في نفسه ما يغضبه.
هداية الأحاديث:
1) علو مكانة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بين أبناء الصحابة.
2) الحث عَلىٰ تدبر معاني القرآن.
3) لزوم الاستغفار والتوبة دائماً؛ لأن هذا من مفاتيح الخير والعلم.
4) يُستحب للمصلِّي أن يكثر من هذا الذكر في الركوع والسجود: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي».
4/115ــ الرابع : عن أَنس رضي الله عنه قال:إنَّ الله _عز وجل_ تَابعَ الْوَحْيَ عَلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاته، حَتَّىٰ تُوفِّيَ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ. متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
تابع الوحي: كثر إنزاله قرب وفاته.
هداية الحديث:
1) كثرة نزول الوحي في آخر حياة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دليل عَلىٰ قرب أجله.
2) إتمام النعمة عَلىٰ هذه الأمة؛ ببقاء الوحي المتلو فيها، وهو: القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإن انقطع نزوله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن بقي شرع الله تعالىٰ بين الناس محفوظاً ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
5/116 ــ الخامس: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلىٰ مَا مَات عَليْهِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) العبرة بخواتيم الأعمال، فعلىٰ العبد إحسان العمل؛ حَتَّىٰ يُبعث عَلىٰ العمل الصالح الذي ختم له عليه.
2) الترغيب في الازدياد من الطاعات سائر الأوقات؛ لأن الموت يأتي فجأة.
13ــ باب بيان كثرة طرق الخير
قال الله تعالىٰ: ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 215] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: 197] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7] ، وقال تعالىٰ: { مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ } [الجاثية:15] . والآيات في الباب كثيرة.
هداية الآيات:
1) الحث عَلىٰ اغتنام أبواب الخيرات كل بحسب حاله، وأصول طرق الخير ثلاثة:
الجهد البدني، والمالي، والمشترك بينهما.
ــ أمَّا الجهد البدني: فهو أعمال البدن؛ مثل: الصلاة، والصيام، والجهاد.
ــ وأمَّا الجهد المالي: فمثل الزكوات، والصدقات، والنفقات.
ــ وأمّا المشترك: فمثل الجهاد في سبيل الله، فإنه يكون بالمال، ويكون بالنفس.
2) حكمة الشارع في تنويع طرق الخير؛ ليعظم الأجر، ولئلا تملَّ النفوس من عبادة معينة، فالمستحب للعبد أن يعمل بأنواع العبادات المشروعة، كلٌّ بما يستطيع وبما يفتح الله لَهُ من الخير.
وأما الأحاديث، فكثيرة جداً وهي غير منحصرة، فنذكر طرفاً منها:
1/117 ــ الأوَّل: عن أبي ذرٍّ جُنْدَبِ بن جُنادَةَ رضي الله عنه قال: قلت يا رسولَ الله، أيُّ الأعْمَالِ أَفضَلُ ؟ قال: «الإيمانُ بالله ، وَالجِهَادُ في سَبِيلِهِ»، قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أَفْضلُ؟ قال: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً»، قُلْتُ: فَإنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قال: «تُعينُ صَانِعَاً أوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ»، قُلْتُ: يا رَسولَ الله أَرَأَيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قال: «تكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإنها صَدقَةٌ مِنْكَ عَلىٰ نَفْسِكَ». متفقٌ عليه.
«الصَّانعُ» بالصَاد المهملة هذَا هو المشهور، وَرُوِيَ «ضَائعاً» بالمعجمة، أَيْ: ذَا ضَيَاعٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ ونحْو ذلكَ، «وَالأخْرَق»: الَّذي لا يُتقن مَا يُحَاولُ فِعْلَهُ.
غريب الحديث:
ــ الرِّقاب: المماليك.
ــ أنفَسِها: أحبها عند أهلها، فالنفيس هُوَ الغالي.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم عَلىٰ السؤال عَنْ أفضل الأعمال ليعملوا بها، وهذا هُوَ شأن الموفِّقين من عباد الله تعالىٰ، فالواجب عَلىٰ العبد أن يحرص عَلىٰ أفضل الأعمال المقربة إلىٰ الله _عز وجل_ ليعظم أجره.
2) صنائع المعروف للناس من أفضل القربات عند الله .
3) كفّ الأذىٰ عَنِ الناس من أخلاق المسلم، والواجب علىٰ الجميع التحلي بها.
4) يجب عَلىٰ العبد أن يتدرج في الطاعات والقربات بحسب طاقته وجهده، فيحرص علىٰ الأنفع، ولا يكسل، فإن أحب الأعمال إلىٰ الله _عز وجل_ أدومها وإن قلَّت.
2/118 ــ الثاني: عن أَبي ذرٍّ أيضاً رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُصْبِحُ عَلىٰ كُلِّ سُلاَمَىٰ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُ تَحْمِيدةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرَ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذلكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما مِنَ الضُّحَى». رواه مسلم.
«السُّلامَى» بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفْصلُ.
هداية الحديث:
1) صلاة الضحىٰ سنة مستحبة كل يوم، وهي تجزئ عَنِ الصدقة الواجبة عَلىٰ بدن العبد.
2) عظيم فضل الله _عز وجل_ عَلىٰ العباد؛ إذ فتح لهم أبواب الخير الكثيرة .
فائدة:
وقت صلاة الضحىٰ يبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني بعد تكامل طلوع قرص الشمس ببضع دقائق، إلىٰ قُبيل الزوال، وهو انتصاف النهار عندما تكون الشمس وسط السماء، فلا صلاة إلىٰ أن تميل الشمس ببضع دقائق.
3/119ــ الثَّالثُ: عَنهُ قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمَالُ أمَّتي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأذَىٰ يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ في مَسَاوِئ أعْمَالِهَا النَّخَاعَةُ تَكُونُ في المَسجِد لاَ تُدْفَنُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
يماطُ: يزال.
النخاعة: النخامة.
هداية الحديث:
1) يُستحب للإنسان إِذَا رأىٰ ما يؤذي أن يزيله عَنِ الطريق، فهذا من شعب الإيمان.
2) عدم احتقار الأعمال ولو كانت صغيرة، فإن ثوابها عند الله عظيم.
3) الحث عَلىٰ إصلاح المساجد وطهارتها؛ لِما في ذلك من الأجر العظيم.
فائدة:
إزالة النخامة وما شابه ذلك من المؤذيات يكون بأي طريق يحصل به المقصود، كالغسل أو المسح بالمناديل أو غير ذلك من المنظفات.
4/120 ــ الرابع: عنه أنَّ ناساً قالوا: يا رسُولَ الله ، ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوَالِهِمْ، قال: «أوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ: إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تكبِيرَةٍ صدقةً، وكلِّ تَحْمِيدَةٍ صدقةً، وكلِّ تَهْلِيلَةٍ صدقةً، وَأَمْرٌ بالمعْرُوفِ صدقةٌ، ونَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صدقةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صدقةٌ» قالوا: يا رسُولَ الله، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فيها أَجْرٌ؟! قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا في حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فيها وِزْرٌ؟ فكذلكَ إذا وضَعَهَا في الحَلاَلِ كانَ لَهُ أَجْرٌ». رواه مسلم.
«الدُّثُورُ» بالثاء المثلثة: الأموالُ، واحِدُها: دَثْرٌ.
غريب الحديث:
فضول: الزائد عَنِ الحاجة والكفاية.
بُضع: بمعنىٰ الجماع.
هداية الحديث:
1) فضيلة ذكر الله تعالىٰ فهو من أعظم الصدقات.
2) الأمر بالمعروف والنهي عَنِ المنكر من أفضل الصدقات، وهو عز الأمة وسبيل خيريتها؛ ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾.
3) عَلىٰ الآمر بالمعروف والناهي عَنِ المنكر أن يَنويَ بعمله إصلاح الخلق، لا الانتصار عليهم.
4) إِذَا استغنىٰ الرجل بالحلال عَنِ الحرام كَانَ لَهُ بهذا الاستغناء أجرٌ.
5) رحمة الله تعالىٰ بعباده المؤمنين، فقد جعل لهم الأجر حَتَّىٰ في شهواتهم المباحة.
5/121 ــ الخامس: عنه قال: قال لي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، ولَوْ أَنْ تَلْقَىٰ أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
طليق: ضاحك مستبشر.
هداية الحديث:
1) الاستبشار في وجه المؤمن صدقة يؤجر عليها العبد.
2) المحافظة علىٰ فعل المعروف ولو كَانَ في نظر الناس قليلاً حقيراً، فَرُبَّ عملٍ قليل أورث عزاً وأجراً.
6/122 ــ السادس: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ سُلاَمَىٰ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ تَرْفَعُ لَهْ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صدقةٌ، والكلِمَة الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيها إلىٰ الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وتُميطُ الأَذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفق عليه.
ورواه مسلم أيضاً من رواية عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ بَني آدَمَ عَلىٰ سِتِّينَ وثَلاثِمائَةِ مفْصلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، واسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَرِيقِ الناسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْماً عَن طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ أَمَرَ بمَعْروفٍ أَوْ نهىٰ عَنْ مُنكَرِ، عَدَدَ الستِّينَ وَالثَّلاثمائَةِ، فَإنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ».
هداية الحديث:
1) المؤمن إِذَا نوىٰ الخير وفعله أُجِرَ عليه، ولو كَانَ خطوة واحدة يمشيها إلىٰ طاعة.
2) تنوّع العبادات والقربات في حياة المؤمنين، وهذا من رحمة الله تعالىٰ بهم ليزدادوا أجراً، ورغبةً في الخير.
7/123 ــ السابع: عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَدَا إلىٰ المَسْجِدِ أوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ». متفق عليه.
«النُّزُلُ»: القُوتُ والرِّزْقُ وَمَا يُهَيَّأُ للضَّيْفِ.
غريب الحديث:
غدا: ذَهَبَ غدوة، أي: ذَهَبَ أول النهار.
راح: الرواح يطلق عَلىٰ ما بعد الزوال.
هداية الحديث:
1) فضل الصلاة في المسجد، وفضل كثرة الغدو والرواح إليه.
2) بيان فضل الله _عز وجل_ عَلىٰ العبد؛ حيث يعطيه عَلىٰ مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل.
8/124 ــ الثامن: عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ لاَ تحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». متفق عليه.
قال الجوهري: الفِرْسِنُ مِنَ الْبَعِيرِ: كالحافِرِ مِنَ الدَّابَةِ، قال: ورُبَّما اسْتُعِيرَ في الشَّاةِ.
هداية الحديث:
1) الحث عَلىٰ الهدية بين المسلمين.
2) عَلىٰ العبد أن يهتم بجيرانه، ويحُسن إليهم، فهو باب من طرق الخير.
3) وصية خاصة للنساء في حثهنَّ عَلىٰ أعمال الخير، وهذا من عناية الشريعة بأحكام النساء.
9/125ــ التاسع: عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً: فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إلهَ إلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ». متفقٌ عليه.
«البِضْعُ» من ثلاثة إلىٰ تسعة، بكسر الباء وقد تُفْتحُ. «وَالشُّعْبَةُ»: القطْعة.
غريب الحديث:
إماطة: إزالة.
الحياءُ: خلق يبعث عَلىٰ فعلِ الجميل وتركِ الرذيل.
هداية الحديث:
1) فضل كلمة التوحيد: (لا إله إلَّا الله)، فهي من أعلىٰ شعب الإيمان؛ فَلْيجتهدِ العبد في العمل بمضمونها.
2) من الأخلاق الحميدة أن يكون العبد حيِّياً، إلَّا في الحق فإنه لا يُستحيىٰ منه.
10/126 ــ العاشر: عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريق اشْتدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فيها فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذا كَلْبٌ يَلْهَث يَأْكُل الثَّرَىٰ مِنَ الْعَطَش، فقال الرَّجُل: لَقَدْ بَلَغَ هذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَش مِثْلُ الَّذي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أمْسَكَه بِفِيهِ، حَتَّىٰ رَقِيَ فَسَقَىٰ الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَه فَغَفَرَ لَه» قَالُوا: يا رسولَ الله إنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أجْراً؟ فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» متفقٌ عليه.
وفي رواية للبخاري: «فَشَكَرَ اللهُ لَه فَغَفَرَ لَه، فَأَدْخَلَه الْجَنَّةَ».
وفي روايةِ لَهُمَا: «بَيْنَما كَلْبٌ يُطيف بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُه الْعَطَش، إذْ رَأتْه بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
«الْمُوق»: الْخُفُّ. «وَيُطِيْفُ»: يدُورُ حَوْلَ «رَكِيةِ» وَهِيَ الْبِئْرُ.
غريب الحديث:
يلهث: يخرج لسانه من شدة العطش.
الثرى: التراب الرطب.
رقي: صعد.
كبد رطبة: كل حيّ.
هداية الحديث:
1) العمل اليسير إِذَا تقبّله الله _عز وجل_ كان سبباً لدخول الجنة.
2) إن الأعمال الصغيرة مع صلاح النية تصبح كبيرة، وإن الأعمال الكبيرة مع الغفلة تصبح صغيرة، فمدار الأعمال علىٰ ما يقوم في القلب من النيات.
3) العبرة من القصص النبوي أن نأخذ الذكرىٰ والموعظة.
فائدة:
قال بعض التابعين: مَن كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، فإذا غُفِرَتْ ذنوب الذي سقىٰ كلباً، فما ظنكم بمن سقىٰ مؤمناً موحّداً وأحياه بذلك!!
11/127 ــ الْحَادِي عَشَرَ: عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَقَد رَأيْتُ رَجُلاً يَتَقلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، في شَجَرةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّريقِ كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ». رواه مسلم.
وفي رواية: «مَرَّ رَجُل بِغُصْنِ شَجَرَةِ عَلَىٰ ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ: وَالله لأُنحِّيَنَّ هذَا عَنِ الْمُسْلِمِين لا يُؤْذِيهمْ، فأُدْخِلَ الْجَنَّةَ».
وفي رواية لَهما: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَىٰ الطَّريقِ، فأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَر لَهُ».
غريب الحديث:
يتقلبُ: يتنعم.
لأنحّينَّ: لأزيلنَّ.
هداية الحديث:
1) فضيلة إزالة الأذىٰ عَنِ الطريق، فهو سبب لدخول الجنة.
2) من أزال عَنِ المسلمين الأذىٰ في أمر حسي بما يؤذيهم في أبدانهم فله هذا الثواب العظيم، فكيف بمن يزيل عنهم الأذىٰ المعنوي الَّذي يضرُّ بأديانهم. كالأخلاق السيئة، والأفكار الرديئة، والعقائد الفاسدة، والبدع المضلة؟!
12/128 ــ الثَّاني عَشَرَ: عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَ أَتَىٰ الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لغا: ورد تفسير اللغو بمعنىٰ: أن تصيرَ الجمعة ظهراً، كما عند أبي داود وغيره.
هداية الحديث:
1) الحضور إلىٰ الجمعة، مع إحسان الوضوء والاستماع والإنصات، كفارة إلىٰ الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام.
2) فضيلة الاستماع إلىٰ الخطبة والإنصات ليأخذ الأجر كاملاً.
فائدة:
مس الحصىٰ والعبث به يشبهه اليوم اللعب بالجوال أو الساعة، أو ما أشبه ذلك. فليحذر المؤمن من العبث أثناء الخطبة، وليكن حضوره وجلوسه عبادة حَتَّىٰ يفرغ من الصلاة.
13/129 ــ الثَّالثَ عَشَرَ: عَنْهُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ ، أوِ الْمُؤمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْه كُلُّ خُطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْها يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ الْمَاءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّىٰ يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الوضوء من مكفرات الذنوب.
2) التطهير في الوضوء يكون حسياً ومعنوياً؛ حسياً: بنظافة هذه الأعضاء، ومعنوياً: بتطهيرها من الذنوب التي ارتكبتها.
3) رحمة الله تعالىٰ بهذه الأمة؛ حين شرع لها كفارات الذنوب وموجبات الرحمة.
14/130 ــ الرَّابعَ عَشَرَ: عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إلَىٰ الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إلَىٰ رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
ـ مكفرات لما بينهن: أي تمحو الخطايا والذنوب.
ـ الكبائر: جمع كبيرة؛ وهي كل ذنب مُرتّبٌ عليه في الشريعة نفي الإيمان، أو لعن فاعله، أو أوجب حداً في الدنيا، أو وعيداً بعذاب في الآخرة.
هداية الحديث:
1) أعظم مكفرات الذنوب: الصلوات الخمس، وحضور الجُمع، وصيام رمضان.
2) الكبائر لابد لها من توبة خاصة. لعظيم خطرها علىٰ الإيمان.
15 /131 ــ الْخَامسَ عَشَرَ: عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «ألا أَدلُّكُمْ عَلَىٰ مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله، قال: «إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَىٰ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَىٰ الْمَساجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاة بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
إسباغ الوضوء عَلىٰ المكاره: إتمام الوضوء، وإعطاء كل عضو حقه، مع وجود المشقة غير المقصودة.
الرباط: المرابطة للجهاد في سبيل الله .
هداية الحديث:
1) من أسباب مكفرات الذنوب ورفع الدرجات: الوضوء، وكثرة الذهاب للمساجد، وحضور الصلوات فيها.
2) إن المواظبة عَلىٰ الطاعات نوع من الجهاد في سبيل الله _عز وجل_، بل هي مقدمة للجهاد بالسلاح ضد أعداء الله تعالىٰ، فما لم يجاهد العبد نفسه ويصلحها في ذات الله تعالىٰ لا يمكنه مجاهدة أعداء الله.
16/132 ــ السادسَ عَشَرَ: عن أَبي موسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَلَّىٰ الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». متفقٌ عليه.
«الْبَرْدَانِ»: الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ.
هداية الحديث:
1) فضيلة صلاتَي الفجر والعصر، فهاتان الصلاتان هما أفضل الصلوات.
2) إن المحافظة علىٰ هاتين الصلاتين، وإقامتهما من أسباب دخول الجنة.
17/133 ــ السابعَ عَشَرَ: عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) علىٰ المؤمن حال الصحة والفراغ أن يحرص عَلىٰ الأعمال الصالحة.
2) العمل بالطاعة وقت العافية والرخاء، يجبر للعبد النقص حال الانشغال، فَلْيحرصِ المؤمن عَلىٰ الاستزادة من الباقيات الصالحات، كلما هبت من الإيمان نفحات.
18/134 ــ الثَّامنَ عَشَرَ: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». رواه البخاري، ورواه مسلم مِن رواية حُذَيْفَةَ رضي الله عنه.
غريب الحديث:
المعروف: ما عُرف حسنهُ في الشرع، وعند الناس.
هداية الحديث:
1) الحرص عَلىٰ فعل المعروف، فإنه قربة إلىٰ الله تعالىٰ، ومكفر للذنوب والخطايا.
2) إن المعروف المرغب به أبوابه كثيرة؛ بالأقوال والأفعالِ، بل الأخلاق الحسنة من المعروف، فأين الدعاة الصامتون؟! الذين يدعون الناس إلىٰ الجنة بأفعالهم وحسن أخلاقهم.
19/135 ــ التَّاسعَ عَشَرَ: عَنْهُ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغرِسُ غَرْساً إلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْه لَه صَدَقَةً، ولا يَرْزَؤُهُ أحَدٌ إلَّا كَانَ لَه صَدَقَةً». رواه مسلم. وفي رواية له: «فَلا يَغْرِس المسْلِم غَرْساً، فَيَأْكُلَ مِنْه إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا طَيْرٌ إلَّا كَانَ لَه صَدَقَةً إلَىٰ يَوْم الْقيَامَة».
وفي رواية له: «لا يَغْرِس مُسْلِم غَرْساً، وَلا يَزْرَع زَرْعاً، فَيَأْكُلَ مِنْه إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا شَيءٌ إلَّا كَانَتْ لَه صَدَقَةً» وَرَوَيَاه جَميعاً مِنْ رواية أنَسٍ رضي الله عنه.
قولُهُ: «يَرْزَؤُهُ» أَيْ: يَنْقُصُهُ.
هداية الحديث:
1) الحث عَلىٰ الزرع والغرس؛ لما فيه من المصالح الدينية والدنيوية.
2) بيان كثرة طرق الخير وتنوعها.
3) المصالح والمنافع إِذَا انتفع الناس بها كانت خيراً لصاحبها التي تسبب بهاوإن لم ينوِها، فإن نوىٰ ازداد خيراً عَلىٰ خير. ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 114].
20/136 ــ العشْرُونَ: عَنْهُ قالَ: أرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أن يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذلكَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ لَهُمْ: «إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أنْ تَنْتَقلُوا قُرْبَ الْمَسْجدِ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رسولَ الله، قَدْ أَرَدْنَا ذلكَ، فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ، ديَارَكُمْ تُكْتبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تَكْتبْ آثَارُكُمْ». رواه مسلم. وفي روايةِ: «إنَّ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً». رواه مسلم. ورواه البخاري أيضاً بِمَعْنَاهُ مِنْ رواية أنَس رضي الله عنه.
و«بَنُو سَلِمَهَ» بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار رضي الله عنهم، و«آثَارُهُمْ» خُطَاهُمْ.
غريب الحديث:
ديارَكم تُكتب آثارُكم: الزموا منازلكم، ولو كانت بعيدة عَنِ المسجد، تكتب لكم خطواتكم كل خطوة بحسنة أو درجة.
هداية الحديث:
1) كثرة الخطىٰ إلىٰ المساجد من جملة مكفرات الذنوب ورفع الدرجات.
2) التثبت في الأخبار قبل الحكم، لسؤال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إياهم قبل أن يحكم.
21/137 ــ الْحَادي وَالعشْرُونَ: عَنْ أبي الْمُنْذِر أُبيِّ بنِ كَعبٍ رضي الله عنه قال: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، فَقِيلَ لَهُ، أوْ فَقُلْتُ لَهُ: لَو اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ في الظَّلْمَاءِ، وَفي الرَّمْضَاءِ، فَقَالَ: مَا يَسُرُّني أنَّ مَنْزِلي إلَىٰ جَنْب الْمَسْجِدِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إلَىٰ الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إذَا رَجَعْتُ إلَىٰ أهْلي، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قَدْ جَمَعَ الله لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ». رواه مسلم. وفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ».
«الرَّمْضَاءُ»: الأرْضُ التِي أَصَابَهَا الْحَرُّ الشَّديدُ.
غريب الحديث:
«لا تخطئه»: لا تفوته.
هداية الحديث:
1) إن للنية أثراً كبيراً في صحة الأعمال وثوابها، فكلما كَانَ الإنسان أصدق إخلاصاً لله، وأقوىٰ اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ أكثر أجراً، وأعظم مثوبة عند الله _عز وجل_.
2) من عمل خيراً ولو خطوة إلىٰ المسجد، فإن الله يجمع لَهُ أجر ذلك ولا يفوته شيء.
22/138 ــ الثَّاني وَالعشْرُونَ: عَنْ أَبي محمد عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاهَا مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَل بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ». رواه البخاري.
«الْمَنِيحَة»: أنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا لِيَأْكُلَ لَبَنَهَا، ثُمَّ يَردَّهَا إلَيْهِ.
غريب الحديث:
خصلة: نوعاً.
موعودها: ما ورد من الوعد.
هداية الحديث:
1) تنوع خصال الخير، وكثرة مفاتيح البر، فالموفَّق من وفّقه الله، والمحروم من حُرم.
2) مدار الأعمال عَلىٰ الصدق والإخلاص لله تعالىٰ، حَتَّىٰ ينال العامل أجره.
3) العمل الصالح سبب لدخول الجنة بعد رحمة الله تعالىٰ.
23/139 ــ الثَّالثُ وَالعشْرُونَ: عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبيَ صلى الله عليه وسلم يقول: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشقِّ تَمْرَةٍ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لهما عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُه رَبُّه لَيْس بَيْنَهُ وَبَيْنَه تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُر أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَىٰ إلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُر أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَىٰ إلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُر بَيْنَ يَدَيْه فَلا يَرَىٰ إلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
غريب الحديث:
ترجمان: المترجم: وهو الَّذي ينقل الكلام من لغة إلىٰ لغة أخرى.
أَشْأَم: جهة الشمال وهو عكس اليمين.
هداية الحديث:
1) سيقف العبد بين يدي الله تعالىٰ، محيطة به أعماله، والنار معروضة أمامه. فماذا قدم؟!
2) إثبات صفة الكلام لله _عز وجل_، وأنه سبحانه وتعالىٰ يتكلم يوم القيامة بكلام مسموع مفهوم، لا يحتاج إلىٰ ترجمة. هكذا أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .
3) الصدقة ـ وإن قلّت ـ فإنها تنجي من النار.
4) إن قراءة القرآن والذكر، وتعلم العلم وتعليمه؛ كل ذلك من أعظم الكلم الطيب.
24/140 ــ الرَّابع وَالعشْرونَ: عَن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ اللهَ لَيَرْضَىٰ عَنِ الْعَبْدِ أنْ يَاْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». رواه مسلم.
وَ«الأكْلَة بفتح الهمزة»: وَهيَ الْغَدْوَة أوِ الْعَشْوَة.
هداية الحديث:
1) رضا الله _عز وجل_ قد يُنال بأدنىٰ سبب.
2) للأكل والشرب آداب فعلية: كالأكل باليمين، وآداب قولية: كالتسمية في أوله، بقول: «بسم الله»، والحمد في آخره.
تنبيه:
قوله «أن يأكل الأكلة»: ليس المراد أنه كلما أكلتَ لقمة قلتَ: الحمد لله، ولكن المقصود: إِذَا انتهيت من الأكل حمدت الله _عز وجل_، فذلك هو هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأدبه.
25/141 ــ الْخَامس وَالعشْرُونَ: عن أبي موسىٰ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قالَ: أَرَأيْتَ إنْ لَمْ يَجدْ؟ قالَ: «يَعْمَلُ بيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَه وَيَتَصَدَّقُ»: قالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطعْ؟ قالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطعْ؟ قالَ: «يَأْمُرُ بِالمَعْروفِ أوِ الْخَيْرِ» قالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإنَّهَا صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الملهوف: من وقع في شدة وكربة، واحتاج من يساعده.
هداية الحديث:
1) كل نفع يعود عَلىٰ المرء أو غيره، فإنه من الخير المرغَّب فيه.
2) الإمساك عَنِ الشر صدقة، وهذا من تنوع مفاتيح الخير.
3) كلما عظم النفع، وصار عاماً للناس غير مقصورٍ علىٰ الأفراد، كَانَ أفضل أجراً، وأحسن أثراً.
14ـ باب الاقتصاد في الطاعة
قال الله تعالىٰ: ﴿طه * مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ﴾ [طه: 1ــ2]، وقال تعالىٰ: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: 185].
هداية الآيات:
1) الشريعة مبناها علىٰ اليسر، ورفع الحرج عن العباد.
2) الحث علىٰ الاقتصاد؛ وهو أن يكون الإنسان وسطاً بين الغلو والتفريط.
1/142 ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها أَن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قال: مَنْ هذِهِ؟ قالت: هذِهِ فُلانَة تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قالَ: «مهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَالله لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّىٰ تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إلَيْهِ ما دَاومَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ. متفق عليه.
«وَمَهْ» كَلِمَة نَهْي وَزَجْرٍ. وَمَعْنىٰ «لا يَملُّ الله» أي: لا يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، وَيُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمَالِّ حَتَّىٰ تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ ؛ لِيَدُومَ ثَوَابُهُ لَكُمْ وَفَضْلُه عَلَيْكُمْ.
هداية الحديث:
1) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المداومة علىٰ العمل الصالح، وإن قلَّ.
2) الوصية للعِبادِ بلزوم الوسطية وعدم التشديد؛ وذلك بأن يعمل العبادة علىٰ وجه مقتصد، حتىٰ يتمكن من الاستمرار، فإن أحب العمل إلىٰ الله أدومه وإن قلَّ.
2/143 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إلَىٰ بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَما أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ تَقَالّوهَا وَقالُوا: أيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَّرَ. قالَ أَحَدُهُمْ: أمَّا أَنَا فأُصَلِّي اللَّيْلَ أبداً، وَقالَ الآخَرُ: وَأنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ، وَقالَ الآخَرُ: وَأَنا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أتَزوَجُ أبَداً، فَجَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَيْهمْ، فقالَ: « أنْتُمُ الَّذينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟! أمَا واللهِ إنِّي لأَخْشَاكُمْ لله، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه.
غريب الحديث:
رَهْطٍ: الرهط من الرجال ما دون العشرة ، ولا تكون فيهم امرأة.
تقالّوها: من القلَّة ، أي: وجدها قليلة.
أرقد: أنام.
هداية الحديث:
1) الاقتصاد في العبادة من سنن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
2) وصية نبوية في مراعاة الحقوق؛ فلنفس العبد عليه حقٌّ، ولأهله عليه حقٌّ، ولزوجه عليه حق. والموفق من أعطىٰ كل ذي حقٍّ حقَّه.
3) إن خير الهدي هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . فالسعيد من هُدي إلىٰ اتباع سنته، فعاش ومات علىٰ الهدي النبوي، والشقيُّ المحروم من حُجب عن سنته لجهله، أو لهوىٰ في نفسه، فعاش وأمره فرطاً.
فائدة:
قال النووي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ : «إنما يكون القرب إليه سبحانه وتعالىٰ والخشية له علىٰ حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمالٍ لم يأمر بها».
(شرح صحيح مسلم).
3/144 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلاَثاً. رَوَاهُ مُسْلِم.
«الْمُتَنَطِّعُونَ»: الْمُتَعمَقُونَ الْمُتَشَدِّدُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشْدِيدِ.
هداية الحديث:
1) النهي عن التشديد في المسائل الشرعية؛ لما في ذلك من المفاسد والخسارة في الدنيا والآخرة .
2) الوصية بعدم البحث عن أشياء دقيقة ليس لها فائدة، ولزوم البحث عن النافع للعبد في الدنيا والآخرة.
4/145 ــ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينُ إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». رَوَاهُ البُخَاري.
وفِي رِوَايةٍ لَهُ: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُلْجَةِ، الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا».
قَولْهُ: «الدِّينُ» هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَىٰ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه. وَرُوِيَ مَنْصُوباً، وَرُوِيَ: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ».
وقولُهُ صلى الله عليه وسلم : «إِلَّا غَلَبَهُ»: أيْ: غَلَبَهُ الدِّينُ، وَعَجَزَ ذلِكَ الْمُشَادُّ عَنْ مُقَاوَمَةِ الدينِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. «وَالْغَدْوَةُ»: سَيْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ. «وَالرَّوْحَةُ»: آخِرُ النَّهَارِ. «وَالدُّلْجَةُ»: آخِرُ اللَّيْلِ. وَهذا اسْتِعَارَةٌ وَتَمْثِيلٌ، وَمَعْنَاهُ: اسْتَعِينُوا عَلَىٰ طَاعَةِ الله _عز وجل_ بالأعْمَالِ فِي وَقْتِ نَشَاطِكُمْ، وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ؛ بِحَيْثُ تَسْتَلِذُونَ الْعِبَادَةَ وَلا تَسْأَمُونَ، وَتَبْلُغُونَ مَقْصودَكُم، كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ الْحَاذِقَ يَسِيرُ فِي هذِهِ الأَوْقَاتِ ، وَيَسْتَرِيحُ هُوَ وَدَابَّتُهُ في غَيْرِهَا، فَيَصِلُ الْمَقْصُودَ بِغَيْرِ تَعَبٍ، وَالله أعْلم.
هداية الحديث:
1) إن الهدي الصحيح أن يباشر العبد العبادة علىٰ وجه السداد والإصابة، فإن لم يتيسَّر له ذلك فلْيقارب بعمله السداد والإصابة.
2) حث الشريعة علىٰ العمل، مع البشارة بالثواب الجزيل من الله _عز وجل_.
3) علىٰ العبد أن يدخل السرور علىٰ إخوانه بالبشارة والبشاشة ما استطاع.
4) الاقتصاد في الطاعات مع المداومة، هو الطريق الموصل للفلاح في الدنيا والآخرة.
5) استغلال ميل القلوب وفراغها في طاعة الله _عز وجل_ وعبادته.
5/146ــ وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هذَا الْحَبْلُ؟» قَالُوا: هذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
فترت: تعبت.
هداية الحديث:
1) علىٰ المؤمن ألاّ يتعمق ويُكلف نفسه من العبادة ما لا تطيق.
2) استحباب القصد في العبادة، وأن يعمل العبد نشاطه؛ فإن أحب العمل إلىٰ الله تعالىٰ ما داوم عليه صاحبه.
6/147ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّىٰ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ، لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ». مُتَفَقٌ عَلَيْه
غريب الحديث:
ناعس: أصابه النعاس، وهو مقدمة النوم.
هداية الحديث:
1) الحث علىٰ الوسطية في العبادة، أما إذا ألزمَ العبد نفسه العبادة مع المشقة، فإنه يكون قد ظلم نفسه.
2) استحباب العبادة مع النشاط والتدبر، وإعطاء البدن حقه من الراحة.
7/148ــ وَعَنْ أَبِي عَبدِ الله جَابِر بْنِ سَمُرةَ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْداً، وخُطْبَتُهُ قَصداً». رَواهُ مُسْلِم.
قولُهُ: قَصداَ: أَيْ بَيْنَ الطُولِ وَالْقِصَرِ.
هداية الحديث:
1) التوسط في العبادات والقصد فيها من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
2) الحث علىٰ الاقتصاد في وعظ الناس وعدم إملالهم؛ لأن خُطبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كانت بين الطول والقصر.
8/149ــ وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: آخَىٰ النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَىٰ أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُـتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَه حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً، فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أنَا بآكِل حَتَّىٰ تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيْل،ِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا جَميعاً، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَأعْطِ كُلَّ ذِي حَق حَقَّه، فَأَتَىٰ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «صَدَقَ سَلْمَانُ». رَوَاهُ البُخَارِيّ .
غريب الحديث:
مُتَبذِّلةً: لابسةً ثيابَ المهنة، تاركةً ثيابَ الزينة.
هداية الحديث:
1) كراهة أن يكلف العبد نفسه بالصيام والقيام فوق طاقته.
2) استحباب زيارة المسلم لأخيه المسلم، والسؤال عن حاله، والطمأنينة عليه وعلىٰ أهل بيته.
3) وجوب أداء الحقوق لأهلها، فإن الموفَّق من أعطىٰ كل ذي حقٍّ حقَّه.
9/150 ــ وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: أُخْبِرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَقُول: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أنْتَ الَّذي تَقُول ذلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُه بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعَ ذلِكَ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالَها، وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيق أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأفْطِر يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، فَذلِكَ صِيَام دَاوُدَ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ أعْدَل الصِّيَامِ». وَفِي رِوَاية: «هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضلَ مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «لا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ». وَلأنْ أكُونَ قَبلْتُ الثَّلاثَةَ الأيَّامِ الَّتي قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَهْلي وَمَالِي. وَفِي رِوَايَةٍ: «ألمْ أُخْبَرْ أَنّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْل؟» قُلْتُ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله قَالَ: «فَلا تَفْعَل. صُمْ وَأَفْطِرْ،وَنَمْ وَقُمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنّ لزَوْجك عَلَيْكَ حَقّاً، وَإنَّ لزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَ لَكَ بِكُلَ حَسَنَة عشْرَ أَمْثَالَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ صِيَامُ الدَّهْر» فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، قَالَ: «صُمْ صِيَامَ نَبيِّ الله دَاوُدَ وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ» قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ داوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ» فَكَانَ عَبْدُ الله يَقُول بَعْدَمَا كَبِر:يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم .
وَفِي رِوَايَة: «أَلمْ أُخْبَرْ أنّكَ تَصُومُ الدَهْر، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟» فَقُلْتُ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ الله، وَلَمْ أُرِدْ بِذلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ نَبيِّ الله دَاوُدَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأ الْقُرْآن في كُلِّ شَهْرٍ». قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَال: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ». قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله إِنِّي أطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذلِكَ ؟ قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله إِنِّي أُطِيق أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَىٰ ذلِكَ» فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، وَقَالَ لي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «إنَّكَ لاَ تَدرِي لَعَلَكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ» قَالَ: فَصِرْت إِلَىٰ الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أنِّي كُنْت قَبِلْت رخْصَةَ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم .
وفِي رِوَايَةٍ: «وَإنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً» وَفِي رِوَايَةٍ: «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبدَ» ثَلاثاً. وفِي رِوَايَةٍ: «أَحَبُّ الصيَامِ إِلَىٰ الله تَعَالَىٰ صِيَامُ دَاوُدَ، وأَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَىٰ الله تَعَالَىٰ صَلاَةُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاقَى».
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كنَّتَهُ ــ أَي: امْرأَةَ وَلَدِهِ ــ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِها، فَتَقُولُ لَهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُل لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشاً، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفاً مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَا طَالَ ذلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «ألْقني بِهِ» فَلَقَيْتُهُ بَعْد ذلِكَ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» قُلتُ: كُلَّ يَوم، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟» قُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحوَ مَا سَبَقَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَىٰ بَعْضِ أَهْلِهِ السبعَ الَذِي يَقرَؤُهُ، يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّىٰ أَفْطَرَ أَيَّاماً، وَأَحْصَىٰ وَصَامَ مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئاً فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم . كُلُّ هذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ، مُعْظَمُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَلِيلٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا.
غريب الحديث:
بأبي أنت وأمي: أنت مفدَّىٰ بأبي وأمي.
لزورك: لضيفك.
بعلها: زوجها.
لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً: عبّرت بذلك عن امتناعه عن الجماع، وأنه لم يقربها، ولم يطلع منها علىٰ ما جرت به عادة الرجل مع زوجته.
هداية الحديث:
1) سعة رحمة الله _عز وجل_؛ بأن جعل الحسنة بعشر أمثالها.
2) كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
3) قليل العبادة الدائم مع موافقة هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خير من كثيرها المخالف المنقطع.
4) الإسلام دين الوسطية، وشريعة اليسر ورفع الحرج والمشقة.
10/151ــ وَعَنْ أَبِي رِبْعِي حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الأُسَيدِيِّ الْكَاتِب أَحَد كُتَّابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بكْرٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: كَيْفَ أنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ الله مَا تَقُولُ؟! قُلْتُ: نكونُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بالْجَنَّةِ وَالنَّارِ كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ والضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً، قَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: فَوَالله إنَّا لَنَلْقَىٰ مِثْلَ هذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنا وَأبُو بكْرٍ حَتَّىٰ دَخَلْنَا عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «وَمَا ذَاكَ» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله نكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنـَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كأنَّا رَأْيَ العَيْنِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ والضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَىٰ مَا تكُونُونَ عِنْدِي وَفي الذِّكْرِ، لصَافَحَتكُمُ المَلائِكَةُ عَلَىٰ فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسلم.
قَوْلُهُ: «رِبْعِيّ» بِكَسْرِ الرَّاءِ. «وَالأُسَيِّدِي» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَبَعْدَها يَاءٌ مَكْسُورَةٌ مُشدَّدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: «عَافَسْنَا» هُوَ بِالْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، أَيْ: عَالَجْنَا وَلاَعَبْنَا. «وَالضَّيْعَاتُ»: المعايشُ.
غريب الحديث:
نافق: يعني شابه عَمَلَ المنافقين.
رأي عين: كأنا نرىٰ الجنة والنار بأعيننا من قوة اليقين.
هداية الحديث:
1) حرص الصحابة رضي الله عنهم علىٰ صحة إيمانهم، والخوف من النفاق.
2) فضيلة الذكر؛ فهو من أحب القربات إلىٰ الله _عز وجل_.
3) علىٰ العبد ألا يثقل علىٰ نفسه، بل يحفظ حقوق الله، وحقوق العباد، وأن يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه.
4) الترغيب في الجنة، والترهيب من النار، مما يقوي الإيمان في قلب العباد.
11/152ــ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلاَ يَقعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ وَلاَ يَتكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : « مُرُوهُ فَلْيَتكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». رَوَاهُ البُخَارِي.
هداية الحديث:
1) لا يقبل الله تعالىٰ عملاً لم يشرعه ولم يأذن به؛ فالعبادات مبناها علىٰ الشرع والاتباع، والنهي عن الابتداع.
2) لا طاعة في نذر المعصية، كأن ينذر أمراً محرماً أو مكروهاً أو لا يستطيع أن يفي به.
3) نذر الطاعة ينبغي أن يتمه الناذر ولا ينقضه (كنذر هذا الصحابي الصيام).
4) النهي عن تكلفة العبد نفسه ما لا تطيق من الأعمال.
15 ـ باب المحافظة على الأعمال
قال الله تعالىٰ: ﴿۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [الحديد: 16] ، وقال تعالىٰ: {وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ } [الحديد: 27] ، وقال تعالىٰ: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا} [النحل: 92]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
هداية الآيات:
1) المحافظة علىٰ الطاعة دليل علىٰ الرغبة فيها.
2) يُوصَىٰ العبد المحافظة علىٰ العمل، وعدم الفتور والكسل، حتىٰ يستمر علىٰ ما هو عليه؛ فقليل دائم، خير من كثير منقطع.
وأما الأحاديث:
فمنها حديث عائشة رضي الله عنها: «وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه». وقد سبق في الباب قبله.
1/153ــ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلَ، أوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
حزبه من الليل: صلاته من الليل، فالحزب هو الجزء من الشيء، ومنه أحزاب القرآن.
هداية الحديث:
1) استحباب المداومة علىٰ فعل الخير، ومن ذلك قيام الليل.
2) علىٰ العبد إذا اعتاد شيئاً من العبادة أن يحافظ عليها، ولو بعد فوات وقتها، إذا كانت مما يمكن قضاؤها.
2/154ــ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «يَا عَبْدَ الله لا تكُنْ مِثْلَ فُلان، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
3/155ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «إذَا فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أوْ غَيْرِهِ، صَلَّىٰ مِنَ النَّهَارِ ثنـتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الأحاديث:
1) الاستقامة علىٰ الطاعة ودوامها هو منهج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
2) التحذير من مباشرة العمل الصالح ثم تركه.
3) العبادة المؤقتة إذا فاتت العبد لعذر فإنها تُقضىٰ.
4) المشروع في قضاء الوتر نهاراً أن تُقضىٰ شفعاً؛ فمن كان يوتر بثلاث في الليل فَلْيُصلِّ في النهار أربعاً، وهكذا...
فائدة:
من الحكمة في النصيحة ألا نذكر اسم الشخص، وهذا فيه فائدتان؛ الأولى: الستر علىٰ الشخص، والثانية: أن هذا الشخص ربما تتغير حاله، فلا يستحق الحكم الذي حُكم عليه في الوقت الحاضر.
16ـ باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
قال الله تعالىٰ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7]، وقال تعالىٰ: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم: 3 ـ 4] ، وقال تعالىٰ: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالىٰ: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] قال العلماء: معناه إلىٰ الكتاب والسنة، وقال تعالىٰ: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ﴾ [النساء: 80] ، وقال تعالىٰ: {وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الشورى: 52] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] ، وقال تعالىٰ: {وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ} [الأحزاب: 34] . والآيات في الباب كثيرة.
فائـدة:
ــ السُّنَّة: يراد بها سُنّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وهي طريقته التي كان عليها، فتشمل أقواله صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله، وتقريراته، وتروكه. فالسُّنَّة هي الهدي النبوي المأثور عنه صلى الله عليه وسلم .
هداية الآيات:
1) لا يمكن أن يحافظ الإنسان علىٰ سنة الرَّسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن يعلمها، وهذا فيه حث علىٰ طلب العلم، ومعرفة ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من الهدي.
2) إننا مأمورون بأن نتأسَّىٰ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، بألا نزيد علىٰ ما شرع ولا ننقص عنه؛ لأن الزيادة أو النقص ضد الحسن.
3) أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حجة شرعية يحتج بها، إلا ما قام الدليل علىٰ أنه خاص به.
4) وجوب الرجوع إلىٰ الله تعالىٰ وإلىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم ، فذلك من مقتضيات الإيمان، وهو خير للأمة وأحسن عاقبة.
5) وجوب تحكيم شريعة الله ولزومها؛ فهذا علامة صحة الإيمان التي من شروطها:
ــ تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم .
ــ ألَّا يجد العبد حرجاً مما قضىٰ به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ــ أن يسلم تسليماً تاماً بالغاً.
6) ما ثبت في السنة هو كالذي ثبت في القرآن أو أكثر، ولا يجوز لأحد أنْ يفرّق بين الكتاب والسُّنَّةِ من حيث الاحتجاج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيحسَبُ أحدُكُمْ مُتَّكئاً علىٰ أريكَةٍ قد يَظنُّ أنَّ اللهَ لم يحرِّمْ شيئاً إلا ما في هذا القرآنِ، ألا وإنّي واللهِ! قد وعظْتُ وأمرْتُ ونهيْتُ عن أشياءَ إنَّها لَمِثلُ القرآنِ أو أكثرُ» رواه أبو داود.
وأما الأحاديث:
1/156ــ فالأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «دَعُوني مَا تَرَكْتكُمْ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ، واختِلافُهُمْ عَلَىٰ أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتكُمْ بِشيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) السؤال عن الشريعة والتفقه في الدين واجب علىٰ كل مؤمن، والمنهي عنه هو التعمق في المسائل التي تسبب الحرج على الأمة.
2) ما سكت عنه سبحانه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهو معفوٌّ عنه، لا يلزمنا فعله ولا تركه، وهذا من رحمة الله _عز وجل_ بعباده.
3) إن مخالفة هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سبب للاختلاف، والتنازع في الأمة.
2/157ــ الثَّاني: عَن أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيةَ رضي الله عنه قَالَ: وعَظَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُون، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله كأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقوَىٰ الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ فَسَيَرَىٰ اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ ومُحْدثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ». رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمذِيّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حسَنٌ صحيح.
«النَّواجِذُ» بالذالِ المعَجَمَةِ: الأَنْـيَابُ، وقيلَ: الأَضْرَاسُ.
غريب الحديث:
وجلت: خافت.
التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي.
هداية الحديث:
1) لزوم تقوىٰ الله _عز وجل_ في السر والعلانية.
2) لزوم طاعة ولاة الأمور؛ لأن فيها حفظاً للناس من الفتن، ولكنها طاعة في المعروف؛ أي فيما يقرّه الشرع، وأما ما ينكره الشرع فلا طاعة لأحد في المنكر.
3) التمسك التام بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
4) كل بدعة في دين الله ضلالة، وإن ظن صاحبها أنها خير، فكل خير في اتباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
3/158 ــ الثَّالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كل أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مِنْ أبَى»، قِيلَ: وَمَنْ يَأبَىٰ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
هداية الحديث:
1) الجنة مأوىٰ المطيعين لأمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
2) مخالفة الهدي النبوي سبب للحرمان من الجنة.
3) الحذر من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك علامة الخذلان والإعراض.
4/159ــ الرَّابعُ: عَنْ أَبي مُسْلِمٍ، وَقيلَ: أبي إيَاسٍ ، سَلَمَةَ بْنِ عَمْرو بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لا أسْتَطِيعُ، قَالَ: «لا اسْتَطَعْتَ». مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، فَمَا رَفَعَهَا إِلَىٰ فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
هداية الحديث:
1) مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لنزول العقوبة بالعبد.
2) الحث علىٰ الأكل باليد اليمنى، وتعويد الصغار علىٰ ذلك، حتىٰ ينشأ الجيل علىٰ السُّنَّة النبوية.
5/160ــ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي عَبْدِ الله النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّىٰ كأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاح، حَتَّىٰ إِذَا رَأَىٰ أَنّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ. ثُمَّ خَرَجَ يَوْماً، فَقَامَ حَتَّىٰ كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأىٰ رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ، فَقَالَ: «عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
غريب الحديث:
القداح: هي ريش السهم، وكانوا يُسَوونها تماماً، ويُضرب بها المثل في التسوية، لتمام استوائها واعتدالها.
عقلنا: فهمنا ما أراد.
هداية الحديث:
1) وجوب تسوية الصف في الصلاة، فلهذا أثرٌ في استقامة قلوب المؤمنين وعدم اختلافها.
2) علىٰ الأئمة تفقد الصفوف وتسويتها، وتنبيه المخالفين، فهذا من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
3) التلازم بين الظاهر والباطن؛ فانظر كيف كان للمخالفة في تسوية الصفوف أثرٌ في اختلاف قلوب المصلِّين؟!
6/161ــ السَادِسُ: عَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه قَالَ: احْتَرق بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَىٰ أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَأْنِهِمْ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) لا بد للإنسان أن يحتاط في الأمور التي يُخشىٰ ضررها (كالغاز والكهرباء).
2) إطفاء الأسرجة في الليل من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهي ما كانت توقد بالنار، أما المصابيح الكهربائية فلا يشملها الحكم، والله أعلم.
3) يجب الاحتراس من نار الآخرة أعظم مما نحترس من نار الدنيا.
فائدة:
هذا الحديث مثال يوضح كيف أن (المحافظة علىٰ السنة وآدابها) سبب عظيم في حفظ صحة العباد ووقايتهم من الأذية، فما أعظم السنة النبوية لو حكَّمناها في حياتنا وبيوتنا!!
7/162ــ السَّابعُ: عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْعِلْم كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً؛ فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَـيِّبـَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا. وَأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً. فَذلِكَ مَثَل مَنْ فَقهَ في دِينِ الله، وَنفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَىٰ الله الَّذي أُرْسِلْتُ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
«فَقُهَ» بِضم الْقَافِ عَلَىٰ الْمَشهُورِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِهَا، أيْ: صَارَ فَقِيهاً.
غريب الحديث:
الغيث: المطر .
الكلأ: ما ينبت في الأرض من الزروع والأعشاب.
طائفة: قطعة.
أجادب: جمع أجدب وهي الأرض التي لا تنبت.
قيعان: جمع قاع وهي الأرض التي لا نبات فيها، وقيل: المستوية.
لم يرفع بذلك رأساً: كناية عن عدم الانتفاع بعلمه، أو علم غيره، وعدم العمل به.
هداية الحديث:
1) حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك بضرب الأمثال؛ فإنها من أحسن طرق التعليم ووسائله.
2) الحث علىٰ تعلم العلم ونشره بين الناس، فهذا من إحياء السنة في حياة المسلمين.
3) من عَلِم، وعلَّم غيرَه، وعُمل بعلمه، فهو في أحسن الدرجات.
8/163ــ الثَّامِنُ: عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَثَلِي وَمَثَلُكُم كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فيهَا وَهُوَ يَذُبهُنَّ عَنْهَا، وَأَنا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفلَّتُونَ منْ يَدَي». رواه مسلِم.
«الْجَنَادبُ»: نَحوُ الجَرَاد وَالْفَرَاشِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذي يَقَعُ في النَّار. و«الْحُجَزُ»: جَمْعُ حُجْزَةٍ، وَهِيَ مَعْقِدُ الإزَار وَالسَّرَاويل.
غريب الحديث:
يذبهنَّ: يمنعهن.
هداية الحديث:
1) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ حماية أمته من النار.
2) علىٰ العبد أن ينقاد لسُنّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأن يكون لها طائعاً منقاداً، لأن الهداية لا تتحقق إلا بامتثال السنة.
3) عظم حق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علىٰ أمته، فكان لا يترك جهداً في منع الأمة عن كل ما يضرها في دينها أو دنياها. فجزاه الله خير ما جزىٰ نبيّاً عن أمته.
9/164ــ التَّاسعُ: عَنْهُ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إنَّكُم لا تَدْرُونَ فِي أَيِّهَا الْبَرَكَةُ». رواه مسلم.
وفي رواية لَهُ: «إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذىً، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمنْدِيلِ حَتَىٰ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي في أَيّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ».
وفي رواية له: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عنْدَ كُلِّ شَيْء مِنْ شَأْنِهِ حَتَّىٰ يَحْضُرَهُ عنْدَ طَعَامِهِ، فَإذَا سَقَطَتْ مِنْ أحَدِكُم اللقْمَةُ فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا منْ أَذىً، فَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ».
غريب الحديث:
الصّحفة: الوعاء.
فَلْيُمِطْ: فَلْيُزِلْ.
يلعق: يلحس.
هداية الحديث:
1) وجوب التزام الهدي النَّبويّ في كل شيء، سواءٌ عرفنا الحكمة في ذلك أم لم نعرف.
2) التزام آداب الأكل والشرب النبوي فيه هداية، منها: الامتثال لأمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، والتواضع، وحرمان الشيطان من المشاركة في أكلنا وشربنا.
3) إن ترك الطعام إذا سقط علىٰ الأرض، فيه نوع من التكبر، والمخالفة لهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بل المستحب للآكل أن يمسح ما علق بها من الأذىٰ ويأكلها.
10/165ــ الْعَاشِرُ: عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: قَامَ فينَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَوْعِظَةٍ، فقال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلَىٰ الله تَعَالىٰ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً {كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ} [الأنبياء: 104] ، ألا وَإِنَّ أوَّلَ الْخَلائِقِ يُكْسىٰ يَوْمَ الْقِيَامةِ إبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم ، أَلا وَإنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ، فَأقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابي، فَيُقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُوُل كَما قَالَ الْعَبدُ الصَّالحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117، 118] ، فَيُقَالُ لي: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَىٰ أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ». متفقٌ عليه.
«غُرْلاً» أيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان من قاضٍ أو مفتٍ أو عالم أو داعية، أن يخطب بالناس ويعظهم فيما يحتاجون إليه من بيان الشرع، مما يعود عليهم بالخير والنفع، في الدنيا والآخرة.
2) قد يخصّ الله أحداً من الأنبياء أو غيرهم بخصيصة يتميز بها عن غيره، ولا يوجب ذلك الفضل المطلق، كما خُصّ إبراهيم –عليه السلام_ بأنه أول من يُكسىٰ يوم القيامة، فهذا لايدل علىٰ أنه أفضل الرسل، وإنما أفضل الرسل علىٰ الإطلاق هو نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم .
3) الحذر من مخالفة سُنة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك سببٌ لحرمان العبد من ورودِ حوض النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وللحرمان من شفاعته يوم القيامة.
تنبيــه:
قد تمسك أقوام من المبتدعة الضالين بظاهر هذا الحديث للطعن في الصحابة رضي الله عنهم، وهذا يَنُمُّ عن سوء قصدهم وشدة جهلهم بفضل أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . ثم إنَّ هذا كذب وبهتان عظيم؛ لأنّ عامة الصحابة رضي الله عنهم لم يرتدوا بإجماع المسلمين. إلا قوم من الأعراب لما مات النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام افتتنوا، وارتدوا علىٰ أدبارهم، وامتنعوا من أداء الزكاة، حتىٰ قاتلهم الخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه، وعاد أكثرهم إلىٰ الإسلام، والذين ماتوا علىٰ ردتهم هم المقصودون في الحديث.
فالطاعنون علىٰ الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ تضمن طعنهم أربعة محاذير عظيمة:
1) الطعن في الصحابة.
2) الطعن في الشريعة؛ لأن الصحابة هم الذين بلّغوا الشرع للأمة.
3) الطعن في النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ كيف يثني علىٰ صحابته، وهم أصحاب ردة علىٰ زعم هؤلاء؟!
4) الطعن في ربِّ العالمين تبارك وتعالىٰ، كيف يأمر الأمة بسلوك سبيل الصحابة، إذا كان هذا حالهم؟!.
11/166ــ الْحَادِي عَشَرَ: عَن أَبي سعيدٍ عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ رضي الله عنه قال: نَهَىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن الخَذْفِ، وقالَ: «إنَّهُ لا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ، وَيَكْسِر السِّنَّ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: أنَّ قَريباً لاِبْن مُغَفَّلٍ خَذَفَ، فَنَهَاهُ، وقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عن الخَذفِ، وَقالَ: «إنَّهَا لا تَصيدُ صَيْداً»، ثُمَّ عادَ. فقالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىٰ عَنْهُ، ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ ! لا أُكَلِّمُكَ أَبَداً.
غريب الحديث:
الخَذْف: معناه أن يضع الإنسان حصاة بين السبابة والإبهام، ويدفعها بالسبابة، أو يضعها علىٰ السبابة ويدفعها بالإبهام.
هداية الحديث:
1) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم أمر السُّنة والتزامهم بها.
2) علىٰ الإنسان إذا جاءه حكم الله تعالىٰ أو حكم رسولِه صلى الله عليه وسلم أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يجعل للشيطان مدخلاً عليه، بأن يقول: لا نعرف الحكمة من ذلك الدليل، فلا يلزمنا العمل به!!
3) تجنب كل الأسباب التي تجلب الأذىٰ للمسلمين .
4) جواز هجر المسلم لأخيه المسلم إذا خالف الشرع، وغلب علىٰ ظنِّه أن هذا الهجر ينفع المهجور، ويرده إلىٰ اتباع السنة والحق، وإلا فالأصل ألاّ يهجر المؤمن أخاه المؤمن فوق ثلاث. ومن ارتكب ذنباً ثم تاب منه تاب الله عليه.
12/167ــ وعن عابِسِ بنِ ربيعةَ قال: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه يُقَبِّلُ الْحَجَرَ ـ يَعْنِي الأَسْوَدَ ـ وَيَقُولُ: إنِّي أَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَلَوْلا أنِّي رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) شرع الله _عز وجل_ لعباده تقبيل الحجر الأسود؛ لكمال الذل والعبودية لله تعالىٰ في امتثال شرعه.
2) كمال التعبد لله تعالىٰ أن ينقاد العبد للأمر الشرعي، سواءٌ عرف السبب والحكمة في الأمر المشروع أم لم يعرف ذلك.
3) إن تقبيل الحجر الأسود من صور إتباع السُّنة النَّبوية، وأما الحجر نفسه فلا يضرّ ولا ينفع.
17ـ باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دُعي إلى ذلك وأُمر بمعروف أو نُهي عن منكر
قال الله تعالىٰ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 51].
وَفِيهِ مِنَ الأحَادِيثِ حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَة الْمَذْكُورُ في أَوَّلِ الْبَابِ قَبْلَهُ، وَغَيرُهُ مِنَ الأحَاديثِ فيه.
1/168ــ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ الآيَة [البقرة: 284]، اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَىٰ أصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَأَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَىٰ الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رسولَ الله كُلّفْنَا مِنَ الأعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ وَالْجِهَادَ وَالصّيَامَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا. قال رسولُ صلى الله عليه وسلم : «أَتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا و إليك المصير. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أنْزَلَ الله تَعَالَىٰ في إثْرِهَا: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ الله _عز وجل_: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ قَالَ: «نَعَمْ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
اقترأها: قرأها.
ذلّت: أي انقادت بالاستسلام.
إصراً: أي أمراً يثقل علينا حمله.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ المسلم إذا سمع أمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقابله بالامتثال.
2) فضيلة الصحابة في امتثال أمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ فكانوا لا يقدِّمون عليه آراءهم وأهواءهم.
3) ثناء الله _عز وجل_ علىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم وعلىٰ المؤمنين، لامتثالهم أوامره وتركهم نواهيه.
4) من رحمة الله تعالىٰ بعباده ألا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به، ولا يكلفهم إلا وسعهم.
5) الخواطر الرديئة في صدورنا إذا لم نركن إليها ولم نأخذ بها فإنها لا تضرّ.
فائــدة:
في الحديث صورة مشرقة لما كان عليه الأصحاب ــ رضي الله عنهم أجمعين ــ من التربية الإيمانية، والنفسية المستسلمة لله تعالىٰ، مع الانقياد للشرع المنزل، فالواجب عليناً إذا أردنا الفلاح والسعادة، والتمكين والسيادة، أن نعود لما كان عليه الرعيل الأول.
18ــ باب النهي عن البدع ومُحدثات الأمور
قال الله تعالىٰ: {فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} [يونس: 32] ، وقال تعالىٰ: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: 38] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] أي: الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ} [الأنعام: 153] ، وقال تعالىٰ: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 31] . والآيَاتُ في الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
هداية الآيات:
التحذير من البدع ومحدثات الأمور، ولن يعلم العبد خطورة البدع إلا إذا علم مفاسدها، فمن مفاسد البدع:
1) إن في البدعة خروجاً عن اتباع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومناقضةً لمعنىٰ (شهادة أن محمداً رسول الله).
2) إن في البدعة طعناً في الإسلام؛ وكأن الدِّين لم يكتمل بعد!
3) إن في مضمون البدع الطعن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم ينقل لنا الدين كاملاً.
4) إن فيها طعناً في الصحابة ، لأنهم ــ وهم خير الأمة ــ لم يفعلوها، فكأنهم قصروا في العبودية.
5) إن البدعة إذا انتشرت في الأمة غابت السنة النبوية عن حياة المؤمنين.
6) إن المبتدع لا يُحَكّم الكتاب والسنة، بل يجعل هواه هو الحاكم.
وَأَمَّا الأحَاديثُ: فَكَثِيرَةٌ جِداً، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، فَنَقْتَصِرُ عَلَىٰ طَرَف مِنْهَا:
1/169ــ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنـَا فَهُوَ ردٌّ».
غريب الحديث:
ردّ: مردود علىٰ صاحبه غير مقبول منه.
هداية الحديث:
1) العبادة إذا لم نعلم أنها من دين الله فهي مردودة.
2) الأعمال المتوعَّد عليها في الحديث تشمل الأعمال الشرعية من عبادات ومعاملات. وأما الأمور الدنيوية فالإحداث فيها جائز، فيما هو نافع وغير مخالف لشرعنا الحنيف.
3) تجنب البدع في الدين؛ لأنها من محبطات الأعمال.
4) وجوب اتباع هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والتزام سُنّته.
2/170ــ وعن جابِرٍ رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّىٰ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» وَيَقُول: «بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَة كَهَاتَيْنِ» وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أنَا أَوْلَىٰ بُـكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالاً فلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضَيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ». رواه مسلم.
وعن الْعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه حَدِيثُهُ السَّابِقُ في بَابِ (الْمُحَافَظَةِ عَلَىٰ السُّنَّةِ).
غريب الحديث:
ضياعاً: أولاداً صغاراً يضيعون.
هداية الحديث:
1) إن احمرار عينيه صلى الله عليه وسلم ، وعلو صوته، واشتداد غضبه، دليل حرصه علىٰ أمته، ونذارته لها مما يكون من أمرها.
2) أجل الدنيا قريب، فليجتهد العبد في زاد الآخرة.
3) الخير كل الخير في اتباع كتاب الله تعالىٰ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والشّرّ كل الشّرّ في البدع والمحدثات في الدين.
4) خطورة الدَّين في ذمة الإنسان، فعلىٰ العبد ألا يستدين إلا إذا دعت الضرورة الملحة إلىٰ ذلك، مع حرصه علىٰ سرعة الأداء، وإبراء الذمة.
19ـ باب فيمن سن سُنّة حسنة أو سيئة
قال الله تعالىٰ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] ، وقال تعالىٰ: {وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا} [الأنبياء: 73].
هداية الآيات:
1) علىٰ العبد أن يسارع ويسابق إلىٰ الخيرات والطاعات، وأن يكون إماماً يُقتدىٰ به في أبواب الخيرات. فهذا من أفضل نعم الله علىٰ عبده.
2) الإمامة في الدين لابد معها من الصبر علىٰ ما سيصيب العبد من التعب والأذىٰ والشهوات، ولابد له من اليقين وهو العلم الراسخ فلا تزعزعه الشبهات؛ فإنه (بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين).
1/171ــ عَنْ أبي عَمْروٍ جَرِيرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه قال: كُنَّا في صَدْر النَّهَارِ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَجَاءهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَو الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأىٰ بِهِمْ مِنَ الفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بلالاً فَأَذَّنَ وَأَقامَ، فَصَلَّىٰ ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: « ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ إلَىٰ آخِرِ الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ وَالآيَةُ الأُخْرَىٰ الّتِي في آخِر الْحَشْرِ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّىٰ قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَل قَدْ عَجَزَتْ، ثمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّىٰ رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّىٰ رَأَيْتُ وَجْهَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أوزارهم شَيْءٌ». رواه مسلم.
قَوْلُهُ: «مُجتَابي النِّمَارِ» هُوَ بالجِيمِ وبعد الألِفِ باءٌ مُوَحَّدَةٌ. والنِّمَارُ: جَمْعُ نَمِرَةٍ، وَهِيَ: كِسَاءٌ مِن صُوفٍ مُخَطَّطٌ، وَمَعْنَىٰ «مُجْتَابيها» أي: لابِسِيهَا قَدْ خَرَقُوهَا في رُؤُوسِهِم.
وَالْجَوبُ: الْقَطْعُ، وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ﴾ أَيْ: نَحَتُوهُ وقَطَعُوهُ. وَقَوْلُه «تَمَعَّرَ» هو بالعين المهملة، أَيْ: تَغَيَّرَ. وَقَوْلُهُ: «رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ» بفتحِ الكافِ وضمِّها أيْ: صُبْرَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: «كَأَنَّهُ مُذهَبَةٌ» هو بالذالِ المعجمةِ، وفتحِ الهاءِ والباءِ الموحدة. قَالَهُ الْقَاضي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: «مُدهُنـَةٌ» بِدَالٍ مهملةٍ وضم الهاءِ وبالنونِ، وَكَذَا ضبَطَهُ الْحُمَيْديُّ، وَالصَّحيحُ الْمَشْــهُورُ هُوَ الأُوَّلُ. وَالْمُراد بِهِ عَلَىٰ الْوجْهَيْنِ: الصَّفَاءُ والاسْتِنَارة.
غريب الحديث:
صدر النهار: أوله.
الفاقة: شدة الفقر.
هداية الحديث:
1) حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشفقته علىٰ أمته، واهتمامه لحالهم.
2) علىٰ ولاة الأمور تفقّد أحوال رعيتهم والاهتمام بمصالحهم.
3) فضل الصدقات، فعلىٰ العبد أن يكثر منها؛ لأن فيها منفعةً له ولغيره.
4) الترغيب في فعل السنن التي تُركت وهُجرت؛ لأن في إحيائها إحياء للسنَّة.
5) التحذير من السنن السيئة، فمن سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من تابعه عليها.
تنبـيــه:
استدل بعض الناس الراغبين في الخير وفعل الحسنات بهذا الحديث علىٰ جواز فعل بعض البدع، وقالوا: إنها بدع حسنة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة..». وهذا غلط في الفهم؛ لأن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قد قال قولاً شاملاً: «كل بدعة ضلالة»، ولم يستثنِ من البدع شيئاً، فكلها ضلالة وسيئة وليس فيها حسنة.
لكن المراد من الحديث الحث علىٰ المسابقة إلىٰ الخيرات، والإسراع في فعلها، كما هو ظاهر في سبب ورود الحديث. فالسنة الحسنة لها أصل في التشريع، لكن قد تخفىٰ أو تغيب أحياناً، فيأتي من ينشرها بين الناس فيكون قد سن سنة حسنة. أما البدعة فليس لها دليل في الشرع أصلاً. وما أحسن كلمة قالها إمامنا الشافعي ــ رحمه الله تعالىٰ ــ: «من استحسن فقد شرع». وأخرىٰ قالها إمام دار الهجرة مالك ابن أنس ــ رحمه الله تعالىٰ ــ : «وما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً».
2/172ــ وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليس مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً إلاّ كَانَ عَلَىٰ ابْنِ آدَم الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دِمِهَا؛ لأَنّهُ كَان أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ». متَّفَقٌ عليه.
غريب الحديث:
ابن آدم الأول: هو قابيل لما قتل أخاه هابيل.
كفل: نصيب.
هداية الحديث:
1) من سن سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر كل َمن عمل بمثل عمله إلىٰ يوم القيامة.
2) من عقوبة السيئة أن تجر السيئات علىٰ صاحبها إلا أن يتوب.
3) القتل بغير حق من الذنوب العظيمة التي عُصي الله تعالىٰ بها.
20ــ باب الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة
قال تعالىٰ: {وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ} [القصص: 87] ، وقال تعالىٰ: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ} [النحل: 125] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2] ، وقال تعالىٰ: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ﴾ [آل عمران: 104].
هداية الآيات:
1) العبد مأمور بالدعوة إلىٰ الخير، بقول أو فعل أو خلق حسن.
2) العلم مطلوب من الداعية؛ لأن الآمر الناهي لابد أن يكون عالماً بما يدعو إليه.
3) الحث علىٰ استخدام الحكمة والموعظة الحسنة في دعوة الناس.
4) وصية الله تعالىٰ لهذه الأمة أن تكون فيها الطائفة الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، فهذا من أمارات الفلاح.
1/173ــ وعن أَبي مسعود عُقْبَةَ بن عَمْروٍ الأنصَارِيِّ الْبَدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَىٰ خَيْر فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». رواه مسلم.
2/174ــ وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن دَعَا إلَىٰ هُدَىٰ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إلَىٰ ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِن آثَامِهِمْ شَيْئاً». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) الدعوة إلىٰ الهدىٰ أو الدعوة إلىٰ الضلالة قد تكون بالقول أو بالفعل.
2) إن المتسبب بالشيء كالمباشر له، فلهذا كان من دعا إلى خير أو شر له مثل أجرأو وزر من فعله.
3) الاهتمام بالدعوة إلىٰ الخير والإصلاح، والنهي عن الشر والفساد.
3/175ــ وعن أَبي العباسِ سَهْلِ بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِينَّ هذه الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَىٰ يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أصْبَح النَّاسُ غَدَوْا عَلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فقال: «أَيْنَ عَليُّ بنُ أَبي طالبٍ؟» فَقيلَ: يا رسولَ الله هُوَ يَشْتكِي عَيْنَيْه، قال: «فَأَرْسِلُوا إلَيْهِ» فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّىٰ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأعْطَاهُ الرَّايَةَ، فقال عَليّ رضي الله عنه : يا رسولَ الله أُقَاتِلُهُمْ حَتَّىٰ يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَىٰ رِسْلِكَ حَتَّىٰ تَنْزِل بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلَىٰ الإسْلامِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَىٰ فِيهِ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم». متفق عليه.
قوله: «يَدُوكُونَ» أيْ يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ، قَوْلُهُ: «رِسْلِكَ» بكسر الراءِ وَبفَتْحِهَا لُغَتَانِ، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ.
هداية الحديث:
1) فضل الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فهو ممن يحبه الله ورسوله، وما أجلها من نعمة! ولذا جعل الله الفتح علىٰ يديه .
2) العبد قد يهبه الله تعالىٰ من الفضائل ما لم يخطر له علىٰ بال.
3) العبد قد يحرم الشيء مع حرصه عليه، وقد يُعطىٰ الشيء مع عدم حرصه عليه.
4) الترغيب في تحري الإنسان الخير والسبق إليه.
5) الدعوة إلىٰ الإسلام من أهم الواجبات؛ لعظم الأجر الذي يترتب علىٰ هداية الناس.
4/176ــ وعن أنس رضي الله عنه أنَّ فَتىً مِنْ أسْلَمَ قال: يا رسُولَ الله إنِّي أُرِيد الْغَزْوَ ولَيْس مَعِي مَا أتجهَّز بِهِ ؟ قَالَ: «ائْتِ فُلاناً، فإنه قَدْ كانَ تجَهَّزَ، فَمَرِضَ» فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقْرِئكَ السَلام، ويقولُ: أَعْطِني الَّذِي تجَهَّزْتَ بِهِ، فقال: يَا فُلانَةُ أَعْطِيهِ الَّذي تجَهَّزْتُ بِهِ، ولا تحْبِسِي مِنْه شَيْئاً، فَواللهِ لا تحْبِسِين مِنْه شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِيه. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) إن العبد إذا دل أحداً علىٰ الخير فإنه يثاب علىٰ ذلك.
2) إذا أراد العبدُ عملاً صالحاً، فحبسه عنه حابس كمرض مثلاً، فعليه أن يدفع ما بذله للعمل إلىٰ من يقوم به؛ حتىٰ يُكتب له تمام الأجر ولا يفوت النفع.
21 ـ باب التعاون على البرّ والتقوى
قال الله تعالىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2] ، وقال تعالىٰ: ﴿ وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ} [العصر: 1 ـ 3].
قال الإمَام الشَّافِعِي ــ رَحِمَه الله ــ كَلَاماً مَعْنَاهُ: إنَّ النَّاسَ أوْ أَكْثَرَهُمْ في غَفْلَةٍ عَنْ تَدَبُّرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
هداية الآيات:
1) التعاون علىٰ البر والتقوىٰ خير ما اجتمع عليه أهل الإيمان وتواصوا به.
3) كل إنسان خاسر إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة: أن يكون مؤمناً بما يجب الإيمان به، وأن يكون عاملاً بمقتضىٰ إيمانه بالأعمال الصالحات، وأن يكون داعياً للحق، وأن يصبر علىٰ الأذىٰ في سبيل هذه الدعوة.
1/177ــ عَنْ أَبي عَبْدِ الرحمنِ زيدِ بنِ خالدٍ الْجُهَنيُّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَهَّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا». متفقٌ عليه.
2/178ــ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثاً إلىٰ بَني لِحْيانَ مِنْ هُذَيْلٍ، فقالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأجْرُ بَيْنَهُمَا». رواه مسلم.
هداية الأحاديث:
1) كل من أعان شخصاً في طاعة الله فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيئاً.
2) من تشاركا في خير كُتِب لهما الأجر جميعاً .
3) حث الناس علىٰ التعاون في فعل الخيرات.
فائــدة:
إعانة الغازي تكون علىٰ صورتين:
الأولى: أن يعينه في رحله، ومتاعه، وسلاحه، وكل ما يتجهز به للغزو.
الثانية: أن يعينه في كونه خَلَفاً صالحاً عنه في أهله.
3/179ــ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْباً بالرَّوحَاء،ِ فقال: «مَن الْقَوْمُ ؟» قَالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ ؟ قال: «رسولُ الله» فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
الروحاء: مكان بين مكة والمدينة.
هداية الحديث:
1) لابد للمؤمن ــ الحريص علىٰ التفقه ــ أن يغتنم نعمة وجود العالم، من أجل أن يسأله عما يشكل عليه، وينفعه من أمر دينه.
2) يصحّ حجّ الصَّبيِّ الصغير ولو لم يكن مميزاً، وإذا حجَّ مع وليّه، فالأجر لهما.
4/180ــ وعَنْ أَبي موسىٰ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «الخَازِنُ المُسلِمُ الأمِينُ الَّذِي يُنـَفِّذُ ما أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كامِلاً مُوَفَّراً، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إلىٰ الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصدِّقِينَ». متفق عليه.
وفي رواية: «الَّذي يُعْطِي مَا أُمِر بِهِ» وضبَطوا (المُتَصدِّقَيْنِ) بفتح القاف مع كسر النون علىٰ التَّثْنِيَةِ، وَعَكْسُهُ عَلىٰ الجَمْعِ، وَكلاهُمَا صَحِيحٌ.
هداية الحديث:
1) الترغيب في حفظ الأمانة، وأداءِ ما وُكِّل به العبد من النفقات.
2) التعاون علىٰ البر والتقوى؛ إذ يُكتب لمن أعان عليه مثل ما يُكتب لمن فعله.
22 ـ باب النصيحة
قال تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ} [الحجرات: 10] ، وقال تعالىٰ إخباراً عن نوح صلى الله عليه وسلم: {وَأَنصَحُ لَكُمۡ} [الأعراف: 62] ، وعَنْ هُودٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68].
فائدة:
النصيحة هي: بذل الخير للغير، والنصح يلزم له أن يحب الناصح لأخيه الخير ويدعوه إليه، ويبينه له. وضد النصيحة: المكر، والغش، والخيانة، والخديعة.
هداية الآيات:
1) النصيحة من ثمرات الأخوة في الدين، بل من أهم مستلزمات هذه الأخوة.
2) علىٰ المرء أن يكون من الناصحين لإخوانه، مبدياً لهم الخير؛ حتىٰ تتحقق بذلك الأخوة الإيمانية.
وأما الأحاديث:
1/181ــ فَالأوَّل: عن أبي رُقَيَّةَ تَميمِ بنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) من النصيحة لله _عز وجل_: تحقيق الإخلاص لله تعالىٰ، والتعبد له محبة وتعظيماً، وأن يغار علىٰ حرمات الله تعالىٰ، ويذبُّ عن دين الله تعالىٰ، ويدعو إليه.
2) من النصيحة لكتاب الله: أن يقيم العبد حروفه تلاوةً وتدبراً، وينشر معناه الصحيح بين المسلمين، ويقوم بامتثاله؛ بفعل واجباته، والانتهاء عن محرماته، وتصديق أخباره.
3) من النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان التام برسالته، وتصديق خبره، وصدق الاتباع له، والدفاع عن شريعته وحمايتها، ومحاربة البدع وأهلها، واحترام الصحابة رضي الله عنهم وتعظيمهم ومحبتهم والدفاع عنهم.
4) من النصيحة لأئمة المسلمين: احترام العلماء، والحرص علىٰ تلقي ما عندهم من العلم، وألَّا تُتبع زلاتهم وما يخطئون فيه؛ لأنهم غير معصومين، وأن يدافع عنهم. وأما أئمة المسلمين من الحكام فالنصح لهم: بأن يكف عن مساوئهم، ويناصحهم علىٰ قدر ما يستطيع.
5) ومن النصح لعامة المسلمين: أنْ تُحبَّ لهم ما تحب لنفسك، وأن ترشدهم إلىٰ الخير، وأن تهديهم إلىٰ الحق، وترحم الخلق.
2/182ــ الثَّاني: عَنْ جَرِير بْنِ عبد الله رضي الله عنه قال: بَايَعْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ إقَامِ الصَّلاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم. متفقٌ عليه.
3/183ــ الثَّالثُ: عَن أَنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه.
هداية الأحاديث:
1) الترغيب في بذل النصح لكل مسلم قريب أو بعيد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى.
2) من النصح للمسلمين أن تحب لهم ما تحب لنفسك.
3) لا يكتمل الإيمان عند العبد حتىٰ يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
فائدة:
نفي إيمان العبد في الحديث «لايؤمن أحدكم» معناه: نفي كمال الإيمان، وليس نفي أصله. فالإيمان له أصل وفرع. وهو يزيد وينقص، والمؤمن المسدد يَسعىٰ في رعاية إيمانه وازدياده ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۢ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ} [إبراهيم: 24 ــ 25].
23 ـ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله تعالىٰ: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] ، وقال تعالىٰ: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، وقال تعالىٰ: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] ، وقال تعالىٰ: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ} [التوبة: 71]، وقال تعالىٰ: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [المائدة: 78 ــ 79] ، وقال تعالىٰ: {وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ} [الكهف: 29] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] ، وَالآياتُ في الباب كَثِيرَة مَعلومَةٌ.
فائدة:
ــ المعروف: ما عُرف حسنه شرعاً، وعقلاً، وعرفاً. والمراد بالعُرْف: عُرْف أهل الخير والصلاح، الذين هم أوساط الناس دون أهل التشديد أو التساهل.
ــ المنكر: ما عُرف قبحه شرعاً، وعقلاً، وعرفاً. وكل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي، كالكفر والبدع والفسوق.
هداية الآيات:
1) لا بد عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من استخدام الحكمة، ولا يكون ذلك إلا بالعلم والحلم والصبر.
2) وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصةً بالرجال فقط، بل تشمل النساء أيضاً.
3) وجوب التناهي عن المنكر؛ فترك النهي سبب اللعن والطرد عن رحمة الله تعالىٰ.
4) الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، سبب لنجاة الأمة وعصمتها، من النكبات والعقوبات.
وأما الأحاديث:
1/184 ــ فالأوَّلُ: عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَن رَأَىٰ مِنْكُم مُنكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإن لَمْ يَسْتَطِعْ فبِقَلْبِهِ، وَذلِكَ أَضْعَفُ الإيمانِ». رواه مسلم.
2/185ــ الثاني: عنِ ابنِ مسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ نَبيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أمَّةٍ قَـبْـلي إلَّا كـان لَـه مِـن أُمَّتِهِ حَوارِيُّون وَأصْحابٌ يَأَخُذُون بِسُنَّتِهِ ويَقْتَدُون بِأمْرِهِ، ثُمَّ إنها تخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُون مَا لا يُؤْمَرُون، فَمَنْ جَاهَدَهُم بِيدهِ فَهُو مُؤمِنٌ، ومَن جَاهَدهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، ومَنْ جَاهَدهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، وليس وراء ذلِكَ مِن الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدلٍ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
حواريون: خلصاء الأنبياء وأصفياؤهم وأنصارهم المجاهدون.
خلوف: جمع خَلْف بسكون اللام، وهو: الخالف بِشَرٍّ، وأما خَلَفَ بفتح اللام، فهو: الخالف بخير. والمعنى: تحدث خلوف بشِرّ.
خردل: حبٌّ صغير معروف.
هداية الأحاديث:
1) إنكار المنكر مراتب، بحسب الاستطاعة والقدرة، ورعاية المسؤولية.
2) من أراد النجاة فعليه باتباع منهج الأنبياء في الدعوة إلىٰ الله _عز وجل_.
3) الحث علىٰ مجاهدة المخالفين للشرع، كلٌّ بما يستطيع؛ لأن ترك ذلك بالكلية دليل علىٰ ذهاب الإيمان من قلب المرء.
4) خير الناس بعد الأنبياء هم أصحابهم.
5) الحذر من أن يقول العبد ما لا يعمل، أو يفعل مالا يُؤمَر.
3/186ــ الثالثُ: عن أبي الوليدِ عُبـَادَةَ بن الصَّامِتِ رضي الله عنه قال: « بَايَعْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلىٰ السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمنشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلىٰ أثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَىٰ أَنْ لاَ نُنَازعَ الأمْرَ أهْلَهُ إلاَ أنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ الله تَعَالىٰ فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَىٰ أَنْ نَقُولَ بالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لاَ نَخافُ في الله لَوْمَةَ لائمٍ». متفق عليه.
«المَنْشَط والمَكْره» بِفَتْحِ مِيميهما: أَيْ: في السَّهْلِ والصَّعْبِ. «والأثَرةُ»: الاخْتِصاصُ بالمُشْتَركِ، وقَدْ سَبَقَ بَيَانُها. «بَوَاحاً» بفَتْحِ الْبَاءِ المُوَحَّدَة بَعْدَهَا وَاوٌ ثمَّ أَلِفٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: أَيْ ظَاهِراً لاَ يَحْتَمِلُ تَأوِيلاً.
هداية الحديث:
1) وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في المنشط والمكره، والعسر واليسر، إلا في معصية الله فلا طاعة لهم.
2) إن النصح لأَئمة المسلمين وهدايتهم بالتي هي أحسن هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
3) الحث علىٰ قول الحق وفعله، وألاّ تأخذك في الله لومة لائم، فأين أهل الإيمان اليوم؟!.
4/187ــ الرَّابع: عن النعْمانِ بنِ بَشير رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ القَائمِ في حُدودِ الله وَالْوَاقِع فيها كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلىٰ سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضهُمْ أعْلاهَا وَبَعضُهُمْ أسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ في أسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلىٰ مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعاً، وإنْ أخَذُوا عَلىٰ أيْدِيهِمْ نجَوْا ونجَوْا جَميعاً». رواهُ البخاري.
«القَائمُ في حُدُودِ الله تَعالى» مَعْنَاهُ: المُنْكِرُ لها، القَائمُ في دفْعِهَا وإزالتِهَا، والمُرادُ بِالحُدُودِ: ما نَهَىٰ الله عَنْهُ. «اسْتَهَمُوا»: اقْتَرعُوا.
غريب الحديث:
الواقع فيها: أي الفاعل للمحرم أو التارك للواجب.
استقوا: طلبوا السقيا (سقيا الماء).
خرقاً: ثقباً.
هداية الحديث:
1) إذا أخذ أهل العلم والدين علىٰ أيدي الجهال والسفهاء نجوا جميعاً، فإن لم يفعلوا هلكوا جميـعاً.
2) يستحب لمعلم الناس أن يضرب لهم الأمثال؛ ليقرب لهم المعقول بصورة المحسوس.
3) إثبات القرعة عند تزاحم الحقوق ولا مرجح في تعيينها، ومنه قوله تعالىٰ عن يونس –عليه السلام_: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ﴾ [الصافات: 141].
4) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سفينة النجاة في الأمة؛ مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق. وإن حالنا الأليم الذي نعانيه اليوم هو عقوبة ترك الهدي النبوي في الأمر والنهي، فهل من توبة وإنابة!!
5/188ــ الخامسُ: عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدٍ بنتِ أَبي أُمَيّةَ حُذيْفَةَ رضي الله عنها عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمن كَرِهَ فَقَدْ بَرِئ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ». قالوا: يَا رَسُولَ الله أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ». رواه مسلم.
مَعْنَاهُ: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَسْتَطعْ إنْكَاراً بِيَد وَلَا لِسَانٍ فَقَدْ بَرِئ مِنَ الإثمِ، وَأَدَّىٰ وَظِيفَتَهُ، وَمَنْ أَنْـكَرَ بحَسَبِ طَاقَتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وَمَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهِمْ وَتَابَعَهُمْ فَهُوَ العَاصي.
هداية الحديث:
1) الإنكار علىٰ ولاة الأمور بحسب الحال، مع مراعاة المصالح والمفاسد.
2) مشروعية قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة، شريطة انتفاء المفسدة، وحصول المصلحة.
3) تعظيم قدر الصلاة، فمن تركها فقد كفر.
4) إنكار المنكر سبيل السلامة والنجاة. فأين القائمون بهذه الشعيرة العظيمة؟!
6/189ــ السَّادِسُ: عَن أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ الْحَكَمِ زَيْنَبَ بنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ: «لا إلهَ إلَّا الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتحَ الْيَوْمَ مِن رَدْمِ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بأصْبُعَيْهِ الإبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رسول الله، أنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَم إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
الردم: السد. تقول: ردمت إذا سددت.
الخبث: الفسوق والفجور وأنواع المعاصي.
هداية الحديث:
1) الترغيب في ذكر الله عند الفزع والخوف ، تثبيتاً للتوحيد وتطميناً للقلوب.
2) الإخبار عن فتنة يأجوج ومأجوج للحذر منها، فهي من شر الفتن.
3) إذا كثرت الأعمال الفاسدة في المجتمع دون إنكار، فإن ذلك سبب للهلاك ولو كان الصالحون موجودين؛ لأن العبرة بعمل المصلحين في الأمة. قال تعالىٰ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 117].
7/190ــ السَّابعُ: عَنْ أبي سَعيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ »، فَقَالُوا: يَا رَسولَ الله مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدّ، نتَحَدَّثُ فِيهَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « فَإذَا أبَيْتُم إلاَ الْمَجْلِسَ فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قالوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رسولَ الله؟ قال:« غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأمْرُ بالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَر». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) النهي عن الجلوس في الطرقات؛ لأنها تؤدي إلىٰ مفاسد واضحة.
2) غض البصر من العبادات الواجبة في حق من جلس في الطريق.
3) وجوب كف الأذىٰ عن الناس، سواء الأذىٰ القولي أو الفعلي.
4) إفشاء السلام بين المسلمين يورث المحبة في قلوبهم.
5) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مستلزمات الجلوس في الطرقات.
8/191ــ الثَّامنُ: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأىٰ خَاتماً مِنْ ذَهَبٍ في يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: « يَعْمِدُ أحَدُكُمْ إلَىٰ جَمْرَةٍ مِنْ نَارِ فَيَجْعَلُهَا في يَدهِ!» فَقِيلَ لِلرَجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: خُذْ خَاتَمَكَ، انْتَفعْ بِهِ، قَالَ: لا وَاللهِ لا آخُذُهُ أبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) تحريم لبس الذهب علىٰ الرجال؛ وأن ذلك موجب لعذاب النار.
2) من الحكمة: استعمال الشدة في تغيير المنكر إذا دعت الحاجة إلىٰ ذلك. فالحكمة وضع الشيء في موضعه المناسب.
3) تعظيم الصحابة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان صدق إيمانهم بسرعة امتثالهم. فأين المقتدون بهم؟
9/192ــ التَّاسعُ: عَنْ أبي سَعيدٍ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ عَائِذَ بن عَمْرٍو رضي الله عنه دَخَلَ عَلَىٰ عُـبَيْدِ الله بن زيَادٍ، فَقَالَ: أيْ بُنيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَة» فَإيَّاكَ أن تكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإنَّمَا أنتَ مِنْ نُخَالَةِ أصْحَاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فقالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ، إنَّمَا كَانتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفي غَيْرِهِمْ . رَواه مسلم.
غريب الحديث:
الرعاء: بكسر الراء والمد، جمع راع.
الحطمة: العنيف في رعيته، لا يرفق بها بل يحطمها.
نخالة: نخالة الدقيق هي قشوره، والمراد: التعبير عن الشيء الذي لا يعبأ به.
هداية الحديث:
1) التزام الصحابة الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم خوفهم من قول الحق.
2) الصحابة كلهم سادة وأفاضل ، وهم خير قرون الأمة.
3) خير الناس من كان هيِّناً ليِّناً، خاصة إذا كان من أهل المسؤولية.
10/193ــ الْعَاشرُ: عَن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفسي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْروفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنكَرِ، أوْ لَيُوْشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَ تَدعُونهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ». رواه الترمذي وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
هداية الحديث:
1) جواز القسم في الأمور ذات الأهمية.
2) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الواجبات.
3) الوعيد الشديد لترك الأمة الأمرَ بالمعروف، والنهي عن المنكر. فهل عرفنا لِمَ حَلَّت بنا النكبات؟!
4) ترك التواصي بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، سبب لرد الدعوات وعدم إجابتها.
11/194ــ الْحَادي عَشَرَ: عَنْ أبي سَعِيد الْخُدرِي رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أفضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عنْدَ سُلطَانٍ جَائرٍ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسنٌ.
12/195ــ الثَاني عَشَرَ: عَنْ أبي عبدِ الله طَارِقِ بن شِهَابٍ الْبَجَلِيِّ الأَحْمَسِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَه في الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جائِر». رواه النسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
«الْغَرْز» بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاء سَاكِنَةِ ثُمَّ زَايٍ، وَهُوَ رِكَابُ كَورِ الْجَمَلِ إذَا كَانَ مِنْ جِلدٍ أَوْ خَشَبٍ، وَقِيلَ: لَا يخْتَصُّ بِجِلْدٍ وَخَشَبٍ.
غريب الحديث:
جائر: ظالم.
هداية الأحاديث:
1) من أعظم الجهاد كلمة الحق عند السلطان الظالم، فإنها تردعه عن ظلمه.
2) وجوب مناصحة الحكام الظلمة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
فائـدة:
الإنكار علىٰ السلطان له أربع حالات:
1) كلمة حق عند سلطان عادل، وهذه سهلة.
2) كلمة باطل عند سلطان عادل، وهي خطيرة لفتنتها لهذا السلطان ولقائل الكلمة.
3) كلمة حق عند سلطان جائر، وهذه أفضل الجهاد.
4) كلمة باطل عند سلطان جائر، وهذه مضلة للأمة.
13/196ــ الثَّالِثَ عَشَرَ: عن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَىٰ بَنِي إسْرَائِيلَ أنَّه كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَىٰ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هذَا اتَّقِ اللهَ وَدعْ مَا تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ وهُو عَلَىٰ حَالِهِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ»
ثُمَّ قال: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ * تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ} ، إلىٰ قولِهِ: ﴿فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 78 ــ81] ثُمَّ قَالَ: «كَلاَّ، وَاللهِ لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأخُذُنَّ عَلَىٰ يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّه عَلَىٰ الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَىٰ الْحَقِّ قَصراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَىٰ بَعْض، ثُمَّ لَيَلْعَنَنّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ». رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن[1].
هَذا لفظ أَبي داود، وَلفظ الترمذي: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لـمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائيلَ في الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِم بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهمْ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَىٰ ابنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» فَجَلَسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ مُتكِئاً، فَقَالَ: «لا وَالَّذي نَفْسي بِيَده حَتَّىٰ تَأْطِرُوهُمْ عَلَىٰ الحَقِّ أطْراً». قَوْلُهُ: «تَأْطِرُوهم» أيْ تَعْطِفُوهُمْ. «ولْتَقْصُرُنَّهُ» أيْ: لَتَحْبِسُنَّهُ. [1] الحديث إسناده ضعيف.
هداية الحديث:
1) الحذر من خصال اليهود، الذين جمعوا بين فعل المنكر والجهر به وعدم التناهي عنه.
2) السكوت عن فعل المعاصي هو تحريض علىٰ فعلها، وسبب لانتشارها. وما انتشرت المنكرات في الأمة إلا بسبب السكوت عنها.
3) حرمة الجلوس مع من باشر المنكر، إلا لأجل الإنكار عليه.
4) الأخذ علىٰ يد الظالمين والعاصين موجب للفلاح واجتماع كلمة الأمة، وترك ذلك موجب للعن الله _عز وجل_ وللفرقة والشتات.
5) إنكارُ القلبِ المنكرَ يقتضي البعد عن أهله.
14/197ــ الرَّابعَ عَشَرَ: عن أَبي بكْرٍ الصّدِّيق رضي الله عنه قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ لَتَقْرَؤُونَ هذِهِ الآيَةَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 105]، وإني سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ إذَا رَأوُا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَىٰ يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». رواه أَبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحةٍ.
هداية الحديث:
1) وجوب العناية بفهم كتاب الله _عز وجل_، وفهم سُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم. ففيهما معدن العلم.
2) حرمة القول في القرآن بالرأي، فكثير من الجهال يستدلون بآيات علىٰ غير وجهها الصحيح.
3) عقاب الله يشمل الظالم لظلمه، وغير الظالم لإقراره عليه.
4) علىٰ الأمة أن تتعاون فيما بينها علىٰ البر والتقوىٰ، وتتواصىٰ بالحق وبالصبر.
24ـ باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قولُه فعلَه
قال الله تعالىٰ: ﴿۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] ، وقال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ * كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} [الصف: 2 ــ 3]، وقال تعالىٰ إخْبَاراً عَنْ شُعَيْبٍ –عليه السلام_: {وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ} [هود: 88].
هداية الآيات:
1) الوعيد من الله، والبغض الشديد، لمن يأمر بمعروف، أو ينهىٰ عن منكر، ثم يخالف فعـلُه قولَه.
2) من يفعل ذلك فهو مخالف لطريقة المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
1/198ــ وعن أبي زيدٍ أسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حَارثَةَ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ: «يُؤْتَىٰ بالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيُلْقَىٰ في النَّار، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ في الرَّحَا، فَيَجْتَمعُ إلَيْهِ أهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ مَا لَكَ؟ ألمْ تَكُ تَأْمُرُ بالمَعْروفِ وَتَنْهَىٰ عَنِ المُنْكَر؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بالمَعْرُوفِ وَلا آتِيْه، وَأَنْهَىٰ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ». متفق عليه.
قولُهُ: «تَنْدَلِقُ» هُوَ بالدَّالِ المهملةِ، وَمَعْنَاهُ تَخْرُجُ. وَ«الأَقْتَابُ»: الأَمْعَاءُ، وَاحِدُهَا قِتْبٌ.
غريب الحديث:
الرّحا: حجر الطاحون.
هداية الحديث:
1) الإعلام والترهيب بعقوبة من يخالف فعلُه قولَه.
2) من المغيبات التي أخبر عنها النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصف النار وأهلها، فيجب الإيمان بالأخبار النبوية وتصديقها.
3) فعل المعروف وترك المنكر يمنعان من دخول النار.
4) الوصية النبوية أن يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه قولاً وعملاً.
25 ـ باب الأمر بأداء الأمانة
قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58] ، وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72].
هداية الآيات:
ــ الأمانة نوعان:
1) أمانة في حقوق الله، مثل: (عبادات الله _عز وجل_ وأجلها: التوحيد والصلاة...).
2) أمانة في حقوق البشر، مثل: (بر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء...).
1/199ــ عن أَبي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «آيَةُ الـمُنـَافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: «وَإنْ صَامَ وَصَلَّىٰ وَزَعَمَ أنهُ مُسْلِمٌ».
غريب الحديث:
آية: علامة.
أخَلَفَ: لم يفِ بالوعد.
هداية الحديث:
1) خبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث تضمن أمرين: معرفة المنافقين وصفاتهم، والحذر من الوقوع في هذه الصفات، فهو خبر وإرشاد.
2) الصدق في الحديث، والوفاء بالوعد، وأداء الأمانة، من صفات أهل الإيمان. وهي من الأمور الواجبة.
3) المسلم يطابق فعلُه قولَه ﴿كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف: 3].
2/200 ــ وعن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأنا أنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا أنَّ الأمَانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَال، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، فَقَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلّ أثرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهْ عَلَىٰ رِجْلِكَ فَنَفِط،َ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ» ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهُ عَلَىٰ رِجْلِهِ «فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتبَايَعُونَ، فَلا يَكَادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمَانَةَ حَتَّىٰ يُقَالَ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلاً أَمِيناً، حَتَّىٰ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ. وَلَقَدْ أتَىٰ عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً ليَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً أَوْ يَهُودِياً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايعُ مِنْكُمْ إلَّا فُلاناً وَفُلاناً». متفقٌ عليه.
قوله: «جَذْرُ» بفتحِ الجِيم وَإسْكَانِ الذَّالِ الْمُعَجَمَةِ: وَهُوَ أَصْلُ الْشيءِ. و«الْوَكْتُ» بالتَّاءِ الْمُثَـنَّـاة مِنْ فَـوْقُ: الأثرُ الْيَسِيرُ. «وَالْمَجْلُ» بفتحِ الميم وإسكانِ الجيم، وَهُوَ تَنَفُّطٌ في الْيَدِ وَنَحْوِها مِنْ أثَرِ عَمَلٍ وَغَيْرِه. قوله: «مُنْتَبِراً»: مُرْتَفِعاً. قوله: «سَاعِيهِ»: الْوَالي عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إن الأخلاق في الإسلام أعمق من مفهوم الإنسانية المعاصرة؛ لأنها تتجاوز المظاهر والمرئيات إلىٰ أعمال القلوب، وسرائر النفوس.
2) الأخلاق الإسلامية تنبع من الكتاب والسنة، ففيهما كمال الخلق والتربية.
3) إن الأخلاق قابلة للتغيير، وإلا لما نفعت التربية.
4) الأخلاق والإيمان قرينان، إذا رُفع أحدهما، رُفع الآخر.
5) من أشراط الساعة رفع الأمانة، حتىٰ يُخَوَّن الأمين، ويُؤتَمن الخائن.
3/201ــ وعن حُذَيْفَةَ وأَبي هريرةَ رضي الله عنهما قالا: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَجْمَعُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتحْ لَنَا الْجَنَّة، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ ! لَسْتُ بِصاحِبِ ذلِكَ، اذْهَبُوا إلَىٰ ابْنِي إبْراهِيمَ خَلِيلِ الله. قال: فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ إبْرَاهِيمُ: لستُ بصَاحِبِ ذلِكَ، إنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إلَىٰ مُوسَىٰ الَّذي كَلَّمَهُ الله تكْلِيماً. فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ ؟ اذْهَبُوا إلَىٰ عِيسَىٰ كَلِمَةِ الله وَرُوحِهِ. فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم ، فَيَقُومُ فَيؤْذَنُ لهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ والرَّحِمُ، فَيَقُومَانِ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كالْبَرْقِ، قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قال: ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُم كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وشدِّ الرِّجالِ، تَجْرِي بِهمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَىٰ الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّىٰ تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّىٰ يجيءَ الرَّجُلُ لا يَسْتَطِيعُ السَّيرَ إلَّا زَحْفاً، وَفي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدوشٌ نَاجٍ، ومُكَرْدَسٌ في النَّارِ» وَالذي نَفْسُ أَبي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إنَّ قَعْرَ جَهَنَّم لَسَبْعُون خَرِيْفاً. رواه مسلم.
قوله: «وَرَاءَ وَرَاءَ» هُو بالْفَتْحِ فِيهمَا. وَقيلَ: بِالضَّمِّ بِلا تَنْوينِ، وَمَعْنَاهُ: لَسْتُ بتِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَهِي كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عَلَىٰ سَبِيل التَّوَاضُعِ. وَقَدْ بَسَطْتُ مَعْنَاهَا في شَرْحِ صحيحِ مسلمٍ، والله أعلم.
غريب الحديث:
تُزْلَفَ: تقرَّب .
شد الرجال: الجري السريع.
تعجز أعمال العباد: أي تضعف أعمالهم الصالحة عن المرور بهم.
كلاليب: جمع كَلُّوب: خشبة في رأسها عقافةِ حديد.
مكردس: معناه كون الأشياء بعضها علىٰ بعض.
مخدوش: مجروح وممزق.
الخريف: السنة.
هداية الحديث:
1) الجنة لا تفتح إلا باستفتاحٍ من الشفيع عليه الصلاة والسلام.
2) تواضع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكلٌّ منهم يحيل الأمر إلىٰ الآخر.
3) تعظيم شأن الأمانة والرحم، فإنهما تقومان علىٰ جانبي الصراط.
4) مجاوزةُ العباد الصراط تكون بحسب الأعمال الصالحة. فلْيَسْعَ امرؤ في أعمال صالحة يمر بها علىٰ الصراط.
4/202ــ وعن أبي خُبَيْبٍ ـ بضم الخاءِ المعجمة ـ عبدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قال: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إلَىٰ جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَومَ إلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإنِّي لا أُرَانِي إلَّا سأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُوماً، وَإنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَىٰ دَيْنَنَا يُبْقي مِنْ مَالِنَا شَيْئاً ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ بعْ مَالَنَا وَاقْضِ دَيْنِي، وَأَوْصَىٰ بالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ، يَعْنِي لِبَنِي عَبْدِ الله بن الزُّبَيْر ثُلُثُ الثُّلُث. قَالَ: فَإنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِبَنِيكَ، قال هشامٌ: وكانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْد الله قَدْ وازَىٰ بَعْضَ بَني الزُّبَيْرِ خُبيبٍ وَعَبَّادٍ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنينَ وَتِسْعَ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الله: فَجَعَلَ يُوصِينِي بدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بمَوْلايَ. قَالَ: فَوَالله مَا دَرَيْتُ مَا أرَادَ حَتَىٰ قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: الله. قال: فوَالله مَا وَقَعْتُ في كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَىٰ الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: فَقُتِلَ الزُّبيْرُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَاراً وَلا دِرْهَماً إلَّا أرَضِينَ، مِنْهَا الْغَابَةُ وَإحْدَىٰ عَشَرَةَ دَاراً بالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بالْبَصْرَةِ، وَدَارَاً بالْكُوفَة، وَدَاراً بِمِصْرَ. قال: وَإنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذي كَانَ عَلَيْهِ أنَ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بالمالِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ إيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لا وَلكِنْ هُوَ سَلَفٌ إنِّي أخْشَىٰ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا ولِيَ إمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايَةً ولا خَراجاً وَلا شَيْئاً إلَّا أنْ يَكُونَ في غَزْوٍ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوْ مَعَ أبي بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم، قَالَ عَبْدُ الله: فَحَسَبْتُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ ألْفَي ألْفٍ وَمَائَتَي ألْفٍ . فَلَقِيَ حَكِيم بن حِزَامٍ عَبْدَ الله بْن الزُّبـَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أخِي كَمْ عَلَىٰ أخِي مِنَ الدَّيْنِ ؟ فَكَتَمْتُهُ وَقُلْتُ: مَائَةُ ألْفِ. فَقَالَ حَكيمٌ: وَالله مَا أرَىٰ أمْوَالَكُمْ تَسعُ هذِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الله: أرَأيْتَكَ إنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ ألْفٍ؟ قَالَ: مَا أرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذا، فَإنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدِ اشتَرَىٰ الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ ومَائَة أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ الله بِألْفِ ألْفٍ وَسِتِّمَائَةِ أَلْف، ثُمَّ قَامَ فقال: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَىٰ الزُّبـَيْرِ شَيْءٌ فَلْيُوافِنَا بِالْغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَىٰ الزُّبَيْرِ أرْبَعُمَائَةِ ألْفٍ، فَقَالَ لعَبْدِ الله: إنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ؟ قَالَ عَبْدُ الله: لا، قال: فَإنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُموهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إنْ أخَّرْتُمْ، فقال عَبْدُ الله: لا، قال: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، قال عَبْدُ الله: لَكَ مِنْ هاهُنا إلَىٰ هاهُنا. فَبَاعَ عَبْدُ الله مِنْهَا، فَقَضىٰ عَنْهُ دَيْنَه، وَأَوْفَاهُ وَبقِيَ مِنْهَا أرْبَعَةُ أسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَىٰ مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْن عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْن زَمْعَةَ، فقال لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَت الْغَابَةُ ؟ قال: كُلُّ سَهْمٍ بِمائَةِ ألْفٍ قال: كَمْ بَقِي مِنْهَا؟ قال: أرْبَعَةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ، فقال الْمُنْذرُ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ أخَذْتُ مِنْهَا سَهْماً بِمائَةِ ألْفٍ، قال عَمْرُو بْنُ عُثْمَان: قَدْ أخَذْتُ مِنْهَا سَهْماً بِمَائَةِ أَلْف. وقال ابْن زمْعَةَ: قَدْ أخَذْتُ سَهْماً بِمَائَةِ ألْف، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قال: سَهْمٌ ونصْفُ سَهْمٍ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ ومائَةِ ألْفٍ. قَالَ: وبَاعَ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتَّمَائَةِ أَلْفٍ. فَلَمَا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيراثَنَا. قَالَ: والله لا أَقْسِمُ بَيْنكُمْ حَتَّىٰ أنادِيَ بالْمَوسِمِ أَرْبَع سِنِين: أَلا مَنْ كَان لَهُ عَلَىٰ الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي في الْمَوسِمِ، فَلَمَّا مَضىٰ أَرْبَعُ سِنينَ قَسم بَيْنَهُمْ ودَفعَ الثلُث. وكَان للزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوةٍ، فَأَصاب كُلَّ امْرأة أَلْفُ أَلْفٍ ومَائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَاله خَمْسُونَ ألْف ألْفٍ ومَائَتَا أَلْف. رواه البخاري.
غريب الحديث:
يوم الجمل: وقعة مشهورة بين المسلمين، كان طرفاها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنهما.
الغابة: أرض شهيرة من عوالي المدينة النبوية.
الضيعة: الضياع والهلكة.
هداية الحديث:
1) الترغيب في المحافظة علىٰ أداء الأمانات.
2) شدة أمر الدَّين، والإسراع في أداء الديون قبل الممات.
3) من قرع أبواب السماء بالدعاء، والتجأ إلىٰ الله، وجعله مولاه كفاه وأغناه، فإنه سبحانه لا يخيب عبداً رجاه.
فائــدة:
ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من القتال له توجيه وتأويل صحيح. قال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالىٰ ــ في رسالة (العقيدة الواسطية):
«ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها: ما هو كذب، ومنها: ما زيد فيه ونقص، وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، ...ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم ــ إن صدر ــ حتىٰ إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم... ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتىٰ بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم... أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه... ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور، في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل، عَلِم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، ولا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها علىٰ الله». انتهىٰ ملخصاً.
26 ـ باب تحريم الظلم والأمر بردّ المظالم
قَالَ الله تَعَالَى: {مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ} [غافر: 18] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِير} [الحج: 71].
فائدة:
الظلم نوعان:
1ــ ظلم يتعلق بحقوق الله _عز وجل_: كالشرك، والبدع، والكبائر، والصغائر.
2 ــ ظلم يتعلق بحقوق العباد: في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم.
وأما الأحاديث:
فمنها حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه المتقدم في آخر باب المجاهدة.
1/203 ــ وَعَنْ جَابرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَىٰ أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلّوا مَحَارِمَهُمْ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
اتقوا الظلم: احذروه.
الشح: الحرص علىٰ المال مع البخل.
هداية الحديث:
1) الظلم والشح من كبائر الذنوب، التي تسبب الهلاك في الدنيا، والكربات الشديدة يوم القيامة.
2) البخل ليس صفةً لأهل الإيمان، فإن من صفات المؤمنين الكرم والجود.
2/204 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَىٰ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّىٰ يُقَادَ للشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
يُقاد: يُقتص.
الجلحاء: التي لاقرن لها.
القرناء: التي لها قرن.
هداية الحديث:
1) وجوب أداء الحقوق لأهلها.
2) حقوق العباد لا يتجاوز عنها، حتىٰ تؤدىٰ إلىٰ أصحابها.
3) كمال عدل الله _عز وجل_، حتىٰ في وفاء الحقوق بين البهائم. فَلْيَتَّقِ الله من يظلمِ الناس!
3/205 ــ وَعَنْ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلاَ نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، حَتَّىٰ حَمِدَ اللهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَأطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نُوح والنَّبيونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ يَخْرُجْ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَىٰ عَلَيْكُمْ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَةٌ، أَلا إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي بلدِكُم هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللهم اشْهَدْ ــ ثَلاثاً ــ وَيْلَكُمْ، أَوْ ويْحَكُمْ، انْظُرُوا: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَرَوَىٰ مُسْلِم بعْضه.
غريب الحديث:
أطنب: بالغ.
طافية: بارزة.
هداية الحديث:
1) خطر فتنة الدجال علىٰ الناس، وتحذير الأنبياء جميعاً منه.
2) تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، والاعتداء عليها من الظلم المحرم.
3) النهي عن الاقتتال، فذلك من أعمال الكفر، وهو من ظلم العباد بعضهم بعضاً.
4/206 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
قيد شبر: قدر شبر.
طوقه من سبع أرضين: أن يجعل له طوقاً في عنقه، يحمله أمام الناس، يُخزىٰ به يوم القيامة.
هداية الحديث:
1) غصب الأرض من الكبائر، وهو من الظلم المتوعد عليه بالعقوبة.
2) الجزاء من جنس العمل؛ فمن ظلم عاقبه الله تعالىٰ من جنس ظلمه.
فائـدة:
من ملك أرضاً ملكاً صحيحاً ملك ما تحتها، فليس لأحدٍ أن يضع نفقاً تحت أرضه إلا بإذنه، وما وجده في باطن أرضه، فهو له.
5/207 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾» [هود: 102] مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
يملي: يمهل ويُؤخر.
هداية الحديث:
1) علىٰ الظالم ألَّا يغتر بنفسه، ولا بإمهال الله له.
2) يستدرج الله الظالمين ليزدادوا إثماً، فيضاعف لهم العذاب.
6/208 ــ وعَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فادْعُهُمْ إِلَىٰ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَىٰ فُقَرائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
كرائم: نفائس.
هداية الحديث:
1) إن أول ما يُدعىٰ إليه الناس هو: شهادة أن لا إله إلا الله. فالتوحيد أول واجب علىٰ العبيد.
3) تحريم الظلم؛ فلا يجوز للساعي علىٰ الزكاة أن يأخذ أكثر من الواجب.
4) دعوة المظلوم مستجابة، مسلماً كان أو كافراً، لأن الله حرَّم الظلم بين العباد.
7/209 ــ وَعَنْ أَبِي حُمَيْد عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مِنَ الأَزْد يقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَىٰ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هذَا لَكُمْ، وَهذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ الْمِنْبرِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَىٰ الْعَمَلِ مِمَّا ولاَّنِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هذَا لَكُمْ، وَهذَا هَديَةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُ هَدِيَتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقاً؟ وَاللهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى، يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلا أَعْرِفَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّىٰ رؤيَ عُفْرَةُ إِبْطَيْهِ فَقالَ: «اللهم هَلْ بَلَّغْت» ثلاثاً. مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
رغاء: صوت الإبل.
خوار: صوت البقرة.
تَيْعَر: تصيح، واليعار هو صوت الشاة.
عفرة إبطيه: بياضهما الذي ليس بالناصع.
هداية الحديث:
1) هدايا العمال غلول ورشوة، ولا يحق للعامل أن يستغل منصبه لمنفعة خاصة.
2) ما من ظالم إلا ويأتي بما ظلم به يوم القيامة، فالظلم مرتع مبتغيه وخيم.
3) الأسلوب النبوي في النصيحة والتذكير هو التعميم لا التشهير؛ لأن هذا أبلغ في عموم الفائدة، وعدم افتضاح الناس.
8/210 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلله مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلمَتِهِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيَئَّاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
هداية الحديث:
1) يجب علىٰ العبد أن يتحلل من ظلم أخيه، مهما كان الظلم يسيراً.
2) أمر الظلم خطير، وحقوق الناس لابد أن تُعطَىٰ لهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة.
فائدة:
قال بعض العلماء في مسألة الطعن في العرض: إن كان المظلوم لم يبلغه الطعن فلا حاجة أن يعلمه، لئلا يترتب علىٰ الإخبار مفسدة. ولكنْ يستغفرُ الطاعنُ له، ويدعو له، ويثني عليه بالخير في المجالس التي كان يسبه فيها، وبذلك يتحلل منه.
9/211 ــ وَعَنْ عَبْد الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاص رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَىٰ اللهُ عَنْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) المسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ فلا يسبُّهم، ولا يلعنهم، ولا يغتابهم، ولا يعتدي عليهم بالضرب أو الأذية أو ما أشبه ذلك.
2) الظلم يكون باللسان والجوارح، وصاحبه علىٰ خطر عظيم.
10/212 ــ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ عَلَىٰ ثَقَل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هُوَ فِي النَّارِ»، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. رَوَاهُ البُخَارِي.
غريب الحديث:
ثقل: ما يثقل حمله من الأمتعة والعيال.
الغلول: الخيانة، وهو الأخذ من الغنائم قبل قسمتها.
هداية الحديث:
1) تحريم قليل الغلول وكثيره، وهو ما أخذ من الأموال بغير حق.
2) خيانة أموال المسلمين العامة من كبائر الذنوب، سواءٌ كانت قليلة أم كثيرة.
11/213 ــ وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الحَارِثِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَة، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّم، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَىٰ وَشَعْبَانَ، أيُّ شَهْرٍ هذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّىٰ ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «ألَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ بَلَد هذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّىٰ ظَنَنَّا أَنّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَليْسَ الْبَلْدَةَ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّىٰ ظَنَنَّا أَنهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَ أَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي بَلَدِكُمْ هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعمَالِكُمْ، أَلا فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُه أَنْ يَكُونَ أَوْعَىٰ لَه مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَه» ثُمَّ قَالَ: «أَلا هَلْ بَلَّغْت؟ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَال: «اللهم اشْهَدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
استدار: فسرت الاستدارة بقوله: «السنة اثنا عشر شهراً».
رجب مضر: أضيف إلىٰ قبيلة مضر؛ لأنها كانت أكثر القبائل محافظة علىٰ حرمته.
هداية الحديث:
1) تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمته من قتال بعضهم بعضاً.
2) إشهار المشهد العظيم يوم حجة الوداع، وفيه: الوصية بأداء الحقوق، والكف عن الظلم. والموفَّق من حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) دم المسلم وماله وعرضه حرام علىٰ أخيه المسلم ، وانتهاك هذا الحق من الظلم الكبير.
12/214 ــ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبةَ الْحَارِثِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: «وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
أراك: شجر معروف يستاك بأعواده.
هداية الحديث:
1) حرمة اغتصاب حقوق العباد، والحرص علىٰ أدائها لأهلها، ولو كانت شيئاً يسيراً.
2) حقوق العباد تمنع مغتصبها من دخول الجنة، حتىٰ تؤدىٰ إلىٰ أصحابها.
13/215 ــ وَعَنْ عَدِي بْنِ عُمَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: «من اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَىٰ عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطاً فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الأَنْصَارِ، كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قال: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأنَا أَقُولُه الآنَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَىٰ عَمَلٍ فَلْيَجِىءْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
مخيطاً: الإبرة الغليظة.
اقبل عني عملك: أَعْفِني من العمل الذي ولّيتني عمله.
هداية الحديث:
1) من أؤتمن علىٰ أموال المسلمين، فعليه أن يحافظ عليها، ويوصلها إلىٰ مستحقيها.
2) الحرص علىٰ البعد عن الإمارة والوظائف العامة، فإنها مظنة التقصير.
14/216 ــ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شَهِيدٌ، حَتَّىٰ مَرُّوا عَلَىٰ رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، فَقال النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم: «كَلَّا ، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا ــ أوْ عَبَاءَةٍ ــ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
غلّها: كتمها.
هداية الحديث:
1) لا يجوز إطلاق لفظ الشهيد علىٰ شخص معين؛ لأن الشهيد عند الله تعالىٰ هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يطلع علىٰ ما في القلوب إلا الله _عز وجل_.
2) القتل في سبيل الله لا يكفر حقوق العباد.
15/217 ــ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُم أنَّ الْجِهَادَ فِي سَبيلِ الله وَالإيمَانَ بِالله أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، تكفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ الله، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل الله، أَيكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، وَأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِم.
هداية الحديث:
1) الشهيد هو من مات في سبيل الله صابراً، مخلصاً، مقبلاً غير مدبر، فهذا يُرجىٰ له تكفير خطاياه إلا الدَّين.
2) الاهتمام بحقوق العباد وأدائها، فإنَّ منْعَها يحول بين العبد وتكفير خطاياه.
16/218 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالوا: الْمُفْلِسُ فِيْنَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاع، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هذَا، وَقَذَفَ هذَا، وَأَكَلَ مَالَ هذَا، وسَفَكَ دَمَ هذَا، وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَىٰ هذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
قذف: رماه بالزنىٰ وما يقدح في عرضه.
هداية الحديث:
1) التحذير من العدوان علىٰ الخَلْقِ وظلمهم، ووجوب أداء هذه الحقوق قبل الممات.
2) معاملة الله للخلق قائمة علىٰ العدل مع المسيء، والفضل مع المحسن.
3) الوعيد الشديد بذهاب الحسنات بظلم العباد. فَلْيحرصِ المؤمن علىٰ حفظ حسناته ليوم مَعاده.
17/219 ــ وَعَنْ أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ؟ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُم تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيه فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه. «أَلْحَنَ» أَيْ: أَعْلَمَ.
غريب الحديث:
ــ ألحَنَ: من اللَّحْن، وهو الميل عن جهة الاستقامة، وأراد في الحديث: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره.
هداية الحديث:
1) الوعيد الشديد لمن يأكل حقوق العباد ظلماً وعدواناً.
2) الرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا يعلم الغيب؛ فلا يجوز لنا أن ندعوه أو نرجوه لكشف الضر أو لجلب الخير. فهذا ينافي شهادة التوحيد؛ لأن الله _عز وجل_ هو المتفرد بعلم الغيب، فلا نسأل إلا الله، ولا نرجو جلب الخير ودفع الضر إلا من عنده سبحانه.
3) إن حكم الحاكم لا يبيح الحرام، ولا يحرم الحلال.
4) يجب علىٰ القاضي أو الحاكم ألا يحكم قبل سماع الخصمين علىٰ السواء.
18/220 ــ وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً». رَوَاهُ البُخَارِي.
هداية الحديث:
1) إصابة الدم الحرام من كبائر الذنوب.
2) الاعتداء علىٰ دماء المسلمين من أعظم الظلم، وهو مستوجب لفساد دين العبد.
19/221 ــ وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ عَامِرٍ الأنصَارِيَّةِ، وَهِيَ امْرأَةُ حَمْزةَ رضي الله عنهما، قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوّضُونَ فِي مَالِ الله بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاه البُخَاري.
غريب الحديث:
يتخوضون: يتصرفون تصرفاً سفيهاً غير مبني علىٰ أصول شرعية.
هداية الحديث:
1) تحريم التصرف في الأموال العامة بغير أصول شرعية؛ لأنه من الظلم.
2) التحذير من بذل المال في غير ما ينفع والتخوّض فيه، فهذا مما يوجب الوعيد يوم القيامة.
27ـ باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ} [الحج: 30] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [الحج: 32] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} [الحجر: 88] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ [المائدة: 32].
هداية الآيات:
1) وجوب تعظيم حرمات المسلمين، وتنزيلهم منازلهم.
2) المؤمن مأمور بالتواضع لإخوانه، وأن يكون هيِّناً ليِّناً بالقول والفعل.
3) إن انتهاك حرمة شخص من المسلمين هو انتهاك لحرمة جميع المسلمين.
1/222 ــ وَعَنْ أَبِي مُوسَىٰ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بعضُهُ بَعْضاً» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) وجوب التعاون بين المؤمنين علىٰ البر والتقوىٰ.
2) المؤمن في حاجة إخوانه؛ لأنه بهم يقوىٰ، فأهل الإيمان يكمل بعضهم بعضاً.
2/223 ــ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا، أَوْ أَسْوَاقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ، أَوْلِيَقْبِضْ عَلَىٰ نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ». مُتـَّفَقٌ عَلَيْه.
غريب الحديث:
نبلٌ: السهام التي يُرمىٰ بها.
النصال: حديدة الرمح والسهم والسكين.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإنسان أن يتجنب كل شيء يسبب أذية للمسلمين، سواءٌ أكان أذىٰ معنوياً أم أذىً حسياً، كأن يطعن في أعراضهم، أو يغشهم في أموالهم.
2) هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه الرفق والرحمة بعموم المؤمنين.
3/224 ــ وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إذَا اشْتكىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالسهَرِ وَالحُمّى». مُتَّفَق عَلَيْه.
غريب الحديث:
تداعى: بمعنىٰ استجاب وأقبل.
هداية الحديث:
1) الدعوة إلىٰ تعظيم حقوق المسلمين، والحضّ علىٰ تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضاً، ونشر المحبة والتراحم بينهم.
2) المجتمع الذي يسوده التآلف والتعاون مجتمع قوي متماسك.
3) الحث علىٰ اهتمام المسلم بأحوال المسلمين وتفقد أخبارهم.
4/225 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما، وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسِ، فَقَالَ الأقْرعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: «مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الحديث:
1) إن استعمال الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم، من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
2) إن من أسباب رحمة الله _عز وجل_ لعباده رحمتُهم لأنفسهم.
3) حسنُ تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهِهِ أمّتَه.
5/226 ــ وَعَنْ عَائشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَدِم نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: أتقَبِّلُونَ صِبْيَانكُمْ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالُوا: لكنَّا وَاللهِ مَا نُقَبّلُ! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْ قُلُوبِكُمُ الرَّحْمَةَ؟». مُـتَّفَقٌ عَلَيْه.
6/227 ــ وَعَنْ جَرِير بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
هداية الأحاديث:
1) تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورحمة بهم، هو من سُنَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) إذا جعل الله تعالىٰ في قلب الإنسان الرحمة، فهذا من أسباب رحمته تعالىٰ بالعبد.
7/228 ــ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا صَلَّىٰ أَحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّىٰ أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَفِي رِوَايةٍ: «وَذا الْحَاجَةِ».
غريب الحديث:
السقيم: المريض.
هداية الحديث:
1) علىٰ الإمام مراعاة حال إخوانه المصلين، وأن يصلِّي بهم صلاة أضعفهم.
2) التخفيف نوعان: تخفيف دائم: وهو ما وافق هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتخفيف طارئ: يكون أخف من الأول، وهو مادعت إليه الحاجة(كبكاء صبيّ وأمه تصلِّي).
تنبيـه:
التخفيف ما وافق سُنـَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وليس المراد ما وافق أهواء الناس، فقد وردت الأحاديث في صفة قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كقراءة سورتي السجدة والإنسان في يوم الجمعة، وأمره معاذاً رضي الله عنه بأن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلىٰ والغاشية. فليست العِبرة في التخفيف بقلة القراءة وسرعة الحركات، بل هو تخفيف موافق للسنة النبوية.
8/229 ــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَق عَلَيْه.
9/230 ــ وَعَنْهَا رضي الله عنها قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّي وَيَسْقِيني». متَّفَق عَلَيْه.
مَعْنَاهُ يَجْعَلُ فيَّ قُوَّةَ مَنْ أَكَل وَشَرِبَ.
غريب الحديث:
الوصال: أن يصل الصائم يومين فأكثر في الصيام من غير فطر.
هداية الأحاديث:
1) رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشفقته علىٰ أمته.
2) علىٰ العبد أن يترك بعض الأمورالمستحبة، من أجل تحقيق مصالح أعلىٰ له وللمسلمين.
3) علىٰ المسلم أن يكون همُّه وانشغاله بأحوال المسلمين، فيفعل ما يكون خيراً لهم، ويتجنب ما يكون شرّاً عليهم.
10/231 ــ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأَقُومُ إِلَىٰ الصَّلاَةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزَ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَىٰ أُمِّهِ». رَوَاهُ البُخَارِيّ.
غريب الحديث:
أتجوَّز: أخفف.
هداية الحديث:
1) جواز حضور النساء المساجد ــ أحياناً ــ ليصلين مع الجماعة، وجواز شهود الصبيان الجماعة.
2) يجوز للمصلي أن يغيّر نيّته، من تطويل إلىٰ تقصير أو بالعكس.
11/232 ــ وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّىٰ صَلاَةَ الصُّبْح فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الله، فَلا يَطْلُبـَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». رَوَاهُ مُسْلِم.
غريب الحديث:
ذمة الله: حفظ الله تعالىٰ ورعايته.
هداية الحديث:
1) بيان أهمية صلاة الصبح، وفضيلة شهودها مع الجماعة.
2) إن الحفاظ علىٰ حدود الله وحرماته سبب في حفظ الله لعبده وعونه.
3) من تخلىٰ الله تعالىٰ عن حفظه، فهو في ضياع وهلكة.
12/233 ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمهُ، وَلا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ». متفقٌ عليه.
غريب الحديث:
لا يُسلمه: لا يتركه إلىٰ عدوه أو مبغضه، ينال منه في حضرته أو غيبته، ثم لا ينصره.
فرّج: أزال.
هداية الحديث:
1) إن السعي لقضاء حاجة المسلمين، وتفريج همومهم، هو قربة إلىٰ الله، وسبب في قضاء حاجة العبد، وتفريج همّه وكشف غمّه.
2) يجب علىٰ المسلم أن يدافع عن أخيه في عرضه، وبدنه، وماله.
3) الجزاء من جنس العمل.
13 /234 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لا يَخُونُه، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُه وَدَمُهُ، التَّقْوَىٰ هاهُنَا، بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المسلمَ». رواه الترمذيُّ وقال: حديث حسن.
غريب الحديث:
لا يكذبه: يخبره بالكذب.
بحسب امرئ من الشر: كافيه من الشر.
هداية الحديث:
1) إن احتقار المسلمين أمارة علىٰ الكِبْر، والكِبْر شرٌّ كله.
2) حرمة دم المسلم وعرضه وماله، إلا أن يكون هناك سببٌ شرعيٌّ يبيح ذلك.
3) تقوىٰ الله تمنع من الظلم والكِبْر والبطر، وما وقعت المظالم بين العباد إلا يوم ضعفت التقوىٰ.
تنبيه:
بعض الناس يغلط في فهم هذا الحديث؛ فإذا أمرته بالمعروف أو نهيته عن منكر قال: التقوىٰ ههنا، أو بعبارة عامِيّة (الضرب علىٰ النيّة)، والصحيح في معناه: أن القلب هو أساس التقوى، وإذا اتقىٰ القلب اتقت الجوارح، وإذا انغمس القلب في معصية الله تبعته الجوارح، فلابد أن يظهر أثر عمل القلب علىٰ الجوارح.
14/235 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَيْعِ بَعْض، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخو الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُه وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ. التَّقْوَىٰ هاهنَا ــ وَيُشِيرُ إلَىٰ صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ــ بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه». رواه مسلِم.
«النَّجَش»: أَنْ يَزِيدَ فِي ثَمن سِلْعَةٍ يُنَادىٰ عَلَيْهَا فِي السُّوقِ وَنَحْوِه، وَلا رَغْبَةَ لَه فِي شِرَائِهَا، بَلْ يقْصِد أَنْ يَغُرَّ غَيْرَهُ، وَهذَا حَرَامٌ. «وَالتَّدَابُرُ»: أَنْ يُعْرِضَ عَن الإنْسَانِ وَيَفجُرَهُ وَيَجْعَلَهُ كَالشَّيْءِ الَذِي وَرَاءَ الظهرِ وَالدُّبُرِ.
هداية الحديث:
1) تحريم بيع النجش؛ لأنه يقوم علىٰ الغش والخداع والضرر.
2) تحريم الهجر بين المسلمين لأجل حظ الدنيا فهو يؤدي إلىٰ التدابر والتقاطع.
3) أكرم الخلق عند الله أهل التقوى.
4) حرمة إيصال الأذىٰ إلىٰ المسلم بأيِّ وجه من الوجوه من قول أو فعل.
فائدة:
إن الحسد من أعظم الأدواء والآفات، وهو يثمر لصاحبه خمسة أشياء مذمومة:
1 ــ إفساد الطاعة لأن الحاسد يأتي يوم القيامة وهو مفلس، قد أوقد ناراً في قلبه وجعل حطبها صالحَ عمله.
2 ــ فعل المعاصي والشرور، لأن الحاسد له ثلاث علامات: يتملّق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة.
3 ــ التعب والهم من غير فائدة.
4 ــ عمىٰ القلب وسوء النية.
5 ــ الحرمان والخذلان لأن الحاسد لا يكاد يصيب مراده من زوال نعم الله عن المؤمنين.
وأما المحسود فإنه لا ضرر عليه في أمر دينه ودنياه.
15/236 ــ وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفقٌ عليه.
هداية الحديث:
1) من علامات صحة الإيمان أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه من الخير.
2) الإيمان الصحيح له أثر علىٰ عامة المؤمنين، وبحسب صدق الإيمان تظهر آثار المحبة.
16/237ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسول الله أنْصُرُهُ إذَا كَانَ مَظْلُوماً، أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ ــ أوْ تَمْنَعُهُ ــ مِنَ الظُّلْمِ فَإنَّ ذلِكَ نَصْرُهُ». رواه البخاري.
هداية الحديث:
1) وجوب نصرة المظلوم والظالم، علىٰ هذا الوجه الذي ذكره النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
2) القيام بحق الأخوة الإيمانية من لوازم الإيمان.
3) المجتمع المسلم هو الذي تظهر فيه معاني التناصر علىٰ البر والتقوى.
17/238 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتّبَاعُ الْجَنَائِزِ ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ». متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلمٍ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ ستٌّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيْهِ، وَإذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانصَحْ لَهُ، وَإذَا عَطَس، فَحَمِدَ الله، فَشَمِّتْهُ، وَإذَا مَرِضَ فَعُدهُ، وَإذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ».
غريب الحديث:
تشميت العاطس: الدعاء له بالرحمة؛ بأن نقول له: «يرحمك الله».
هداية الحديث:
1) من حقوق المسلم علىٰ أخيه: السلام ابتداءً وردّاً.
2) عيادة المريض من حق المسلم علىٰ المسلمين.
3) أداء حقوق المسلمين بعضهم لبعض يُورث المودة والألفة، ويُزيل ما في القلوب من الضغائن والأحقاد.
فائـدة:
إذا كان في حضور الدعوة منكر، فهل يجب علىٰ المدعو أن يحضر؟ الجواب: إن كان الإنسان قادراً علىٰ التغيير، وجبت عليه الإجابة من وجهين، الوجه الأول: إزالة المنكر، والثاني: إجابة دعوة أخيه.
وأمّا إذا كان المنكر لا يمكن تغييره، أو تخفيفه فإنه لا يجوز أن يجيب الدعوة.
18/239 ــ وعن أبي عُمَارَةَ الْبَرَاءِ بن عازبٍ رضي الله عنهما قال: أَمَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتّباعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْمُقسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمٍ أَوْ تَخَّتمٍ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ. متفق عليه.
وفي روايةٍ: وَإنشَادِ الضَّالَةِ فِي السَّبْعِ الأُوَل.
«المَياثِرِ» بيَاءٍ مُثَنَّاةٍ قَبْلَ الأَلِفِ، وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ بَعْدَهَا، وَهِيَ جَمْعُ مِيْثَرَةٍ، وَهِيَ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ حَرِيرٍ وَيُحْشَىٰ قُطْناً أَوْ غَيْرَهُ، وَيُجْعَلُ فِي السرْجِ وَكُورِ الْبَعِيرِ يَجْلِسُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ. «الْقَسِّيُّ» بفتحِ القاف وكسرِ السينِ المهملة المشدّدَةِ: وَهِيَ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ وَكَتَّان مُخْتَلِطَيْنِ. «وَإنْشَادُ الضَّالَّة»: تَعْرِيفُهَا.
غريب الحديث:
إبرار المقسم: تمكينه وإعانته علىٰ فعل ما حلف، ليصير بارّاً بهذا اليمين.
إفشاء السلام: نشره بين المسلمين، وبذله لمن تعرف ولمن لا تعرف.
الإستبرق والديباج: أنواع من الثياب الفاخرة.
هداية الحديث:
1) الشريعة تأمر بالمصالح، وتنهىٰ عن المفاسد؛ فما أمر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فكلُّه خير، وما نهىٰ عنه فكلُّه شرّ.
2) وجوب نصرة المظلوم علىٰ القادر؛ بردّ حقه إليه وزجر ظالمه عنه.
3) تحريم استعمال آنية الذهب والفضة.
4) تحريم الحرير والتختُّم بالذهب علىٰ الرجال.
5) إن النهي عن إنشاد الضالة مخصوص في المساجد دون غيرها.
28 ـ باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: 19].
فائـدة:
العورة نوعان: عورة حسيّة، وعورة معنوية.
ــ فالعورة الحسيّة: هي ما يحرم النظر إليه كالقُبل والدُّبر، وما أشبه ذلك.
ــ والعورة المعنوية: وهي العيب والسوء الخُلُقي أو العملي.
فالمطلوب من العبد؛ ستر عورات المسلمين عموماً.
وأما (محبة انتشار الفاحشة في الذين آمنوا) فتشمل:
ــ محبة انتشار الفاحشة في المجتمع المسلم.
ــ ومحبة أن تنتشر في شخص معيّن.
1/240 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً فِي الدُّنْيَا إلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه مسلم.
هداية الحديث:
1) الجزاء من جنس العمل؛ فمن ستر مسلماً جازاه الله تعالىٰ بالستر يوم القيامة.
2) الستر يتبع المصالح؛ فإن كانت المصلحة في الستر سترنا، أو كانت في الكشف كشفنا.
فائـدة:
الستر نوعان:
النوع الأول: ستر محمود؛ ويكون في حق الإنسان المستقيم، فهذا يجب أن يُستر عليه ويُنصح له.
والنوع الثاني: ستر شخص مستهتر في الحرمات معتد علىٰ عباد الله؛ فهذا لا يستر، بل يُكشف ويُفضح.
2/241ــ وعنه قال: سمعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ أمَّتِي معَافَىٰ إلَّا المُجَاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُل بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سَتْرَ الله عنه». متفق عليه.
غريب الحديث:
المجاهرين: المجاهرون؛ هم الذين يُظهرون دوماً معصية الله _عز وجل_ علانية.
هداية الحديث:
1) النفس أمانة عندك؛ يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، ولا تعرضها لسخط الله تعالىٰ.
2) يدخل في المجاهرة كلُّ مَنْ سنَّ سنة سيئة.
3/242ــ وعنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذَا زَنَتِ الأمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ » متفق عليه. «التَّثْرِيبُ»: التوْبِيخُ.
غريب الحديث:
الأمة: هي المملوكة التي تباع وتشترى.
هداية الحديث:
1) بيان حد المملوكة وأنها علىٰ النصف من حد الحرة.
2) النهي عن تعنيف المملوكة الزانية؛ لئلا تستهين بالمعصية لكثرة اللوم.
3) إرشاد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلىٰ الطريق الصحيح في العقاب علىٰ الذنب، وهذا فيه بيان سبق الهدي النبوي للطرق التربوية الحديثة؛ من ذم التعنيف وكثرة اللوم.
4/243 ــ وعنه قَال: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْراً، قال: «اضْرِبُوهُ»، قال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ، قال: «لا تَقُولُوا هكَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْه الشَّيْطَانَ». رواه البخاري.
غريب الحديث:
الخزي: العار والذل، فقوله: أخزاك الله بمعنىٰ: أذلّك الله.
هداية الحديث:
1) العبد إذا فعل ذنباً وعُوقب عليه في الدنيا فهو كفارته، فالواجب ألاّ ندعوَ عليه بالخزي والعار، بل نسأل الله له الهداية والمغفرة.
2) علىٰ العبد ألا يكون عوناً للشيطان علىٰ أخيه المسلم.
29 ـ باب قضاء حوائج المسلمين
قال الله تعالىٰ: {وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الحج: 77].
هداية الآيات:
1) إن قضاء حوائج المسلمين من الخير المأمور به.
2) فعل الخير من أعظم أسباب الفلاح.
1/244ــ وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم لا يَظْلمه وَلا يُسْلِمُهُ. مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَترَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ». متفق عليه.
2/245 ــ وعن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَىٰ مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إلَىٰ الجَنَّةِ. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله تَعَالَى؛ يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرعْ بِه نَسَبُهُ». رواه مسلم.
غريب الحديث:
لا يُسْلِمُه: لا يوصله إلىٰ أعدائه.
كربة: هي الشدّة العظيمة.
هداية الأحاديث:
1) الحثّ علىٰ تفريج كربات المسلمين وقضاء حوائجهم، فمن فعل ذلك أثابه الله بمثل ذلك في الدنيا و يوم القيامة.
2) حضّ أهل الإيمان علىٰ التعاون فيما بينهم ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾.
3) المؤمنون يكّمل بعضهم بعضاً في قضاء حوائجهم.
30 ـ باب الشفاعة
1/246ــ وعن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَىٰ جُلَسَائِهِ، فقال: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللهُ عَلَىٰ لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحبَّ». متفقٌ عليه.
وفي رواية: «مَا شَاءَ».
2/247 ــ وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَزَوْجهَا قال: قال لَهَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ رَاجَعْتِهِ ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله تَأْمُرُني ؟ قال: «إنَّمَا أَشْفَعُ»، قَالَتْ: لا حَاجَةَ لي فِيهِ. رواه البخاري.
غريب الحديث:
الشفاعة: هي التوسط للغير، لجلب منفعة، أو دفع مضرة، والمراد بالشفاعة في كلام المؤلف: الشفاعة في الدنيا.
هداية الأحاديث:
1) الشفاعة في المحرَّم تعاون علىٰ الإثم والعدوان، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ علىٰ الآخرين.
2) الشفاعة في أمر غير محرم من الإحسان إلىٰ الغير، وفيها أجر للشافع.
3) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانظر إلىٰ بريرة لمّا قال لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لو راجعته»؟ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان يأمرها، فسمعاً وطاعةً. وهذا هو شأن المؤمن؛ المسارعة إلىٰ فعل أمر الله تعالىٰ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
31 ـ باب الإصلاح بين الناس
قال الله تعالىٰ: ﴿لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ﴾ [النساء: 114]، وقال تعالىٰ: ﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ﴾ [النساء: 128]، وقال تعالىٰ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ} [الأنفال: 1] ، وقال تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ} [الحجرات:10].
فائدة:
النجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه.
المعروف: كل ما أمر به الشرع ورغّب فيه، وعُرفَ حسنه شرعاً و عقلاً وعرفاً.
هداية الآيات:
1) الخير حاصل لمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
2) علىٰ الساعي في الصلح أو الصدقة أو المعروف أن يبتغي بذلك ثواب الله تعالىٰ، لا رياءً ولا سمعة؛ حتىٰ يعظم أجره.
3) وصية الرحمن لأهل الإيمان في الإصلاح فيما بينهم.
1/248 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ سُلامَىٰ مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ. وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيَها إلَىٰ الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه.
ومعنىٰ «تَعْدِلُ بَيْنَهُمَا»: تُصْلحُ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ.
غريب الحديث:
السلامىٰ: هي العظام والمفاصل.
الصدقة: كل ما يقرّب إلىٰ الله فهو صدقة بالمعنىٰ العام.
الكلمة الطيبة: إما طيبة بذاتها، أو طيبة بغايتها؛ أمّا الطيبة بذاتها: فنحوالذِّكر، وأفضل الذكر قراءة القرآن. وأما الطيبة في غايتها: فهي الكلمة المباحة؛ كالتحدث مع الناس، إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم.
هداية الحديث:
1) الصدقة لا تختصّ بالمال؛ لأن كل ما يقرّب إلىٰ الله تعالىٰ يدلّ علىٰ صدق صاحبه في طلب رضوان الله _عز وجل_.
2) كل ما وافق الشرع فهو عدل، وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور، فالصلح بين الناس من العدل المأمور به.
3) لا بدَّ عند الصلح من المسامحة لا المشاحّة؛ فعلىٰ المُصْلح أن يبتعد في الصلح عن أهواء النفوس وأمراض القلوب.
2/249ــ وعن أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ عُقْبةَ بن أَبي مُعَيطٍ رضي الله عنها قالت: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَذِي يُصْلحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً». متفقٌ عليه.
وفي رواية مسلمٍ زيادة، قالت: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِما يَقُولُهُ النَّاسُ إلَّا في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، وَحَدِيثَ المَرأَةِ زَوْجَهَا.
غريب الحديث:
يَـنْمِي: يبلّغ خبراً وينقله.
هداية الحديث:
1) لا حرج علىٰ المصلح بين المسلمين أن يكذب إذا دعت الحاجة لذلك، ليزيل الشقاق ويوصل الأرحام، ويرد المظالم.
2) إن الكذب في الحرب جائز، لترخيص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، رفقاً بالمسلمين لحاجتهم إليه، ولإيقاع النكاية في الكفار وإغاظتهم.
3) الكذب في حديث الرجل زوجته، وحديث المرأة زوجها، جائز، إذا كان بقصد الإصلاح، ولا يكون فيه إفساد للغير أو غيبة ونميمة.
فائدة:
علىٰ المصلح ألا يتوسع في الكذب المأذون به عند الإصلاح، لئلا يجره التوسع إلىٰ ما لا يجوز من الكذب. فالرخصة لا تتعدىٰ مواضعها.
3/250ــ وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا، وإذا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَىٰ الله لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ»، فقال: أَنَا يَا رسولَ الله، فَلَهُ أَيُّ ذلِكَ أَحَبَّ. متفقٌ عليه.
معنىٰ «يَسْتَوْضِعُهُ»: يَسْأَلُهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ دَيْنِهِ. «وَيَسْتَرْفِقُهُ»: يَسْأَلهُ الرِّفْقَ. «وَالْمُتَأَلِّي»: الحَالِفُ.
4/251 ــ وعن أبي العباس سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَلَغَهُ أنَّ بَني عَمْرِو بن عَوْف كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصْلحُ بَيْنَهُمْ في أناسٍ مَعَه، فَحُبِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إلَىٰ أبِي بكْرٍ رضي الله عنهما، فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ حُبِسَ، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قال: نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، وَتَقَدَّمَ أبُو بَكْرٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْشِي في الصُّفُوفِ حَتَّىٰ قَامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أبُو بكْرٍ رضي الله عنه لا يَلْتَفِتُ في صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَإذَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَشَارَ إلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَدَهُ فَحَمِدَ اللهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَىٰ وَرَاءَهُ حَتَّىٰ قَامَ في الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَصَلَّىٰ للنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَىٰ النَّاسِ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاةِ أَخَذْتُمْ في التَّصْفِيقِ؟! إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ الله، إلَّا الْتَفَتَ. يَا أبَا بَكْر: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاس حِينَ أَشَرْتُ إلَيْكَ ؟» فقال أبُو بكْرٍ: مَا كَان يَنْبَغِي لابْنِ أبي قُحافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بَينَ يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفقٌ عليه.
معنىٰ «حُبِسَ»: أَمْسَكُوهُ لِيُضِيفُوه.
هداية الأحاديث:
1) لا حرج علىٰ الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين، إذا لم يكن ذلك سرّاً بينهما.
2) مسارعة الصحابة رضي الله عنهم إلىٰ العودة إلىٰ ما يحبه الله ويرضاه، وترك التمادي في المنكر.
3) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الإصلاح بين المتنازعين، والحثّ علىٰ الصلح بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام.
4) توثيق الصلة بين الناس وعلماء الأمة، من خلال سعي أهل العلم لحل خصومات الناس، فهذا إمام العلماء رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعىٰ للصلح بين بني عمرو بن عوف!
5) الحث والترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب فسادها، لأن الإصلاح رحمة وعصمة ومنجاة. وفساد ذات البين هو حالقة الدِّين.
32 ــ باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين
قال الله تعالىٰ: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ} [الكهف: 28].
هداية الآية:
1) تسليةُ الضعيف في بدنه، أو عقله، أو ماله، أو غير ذلك مما يعدّه الناس ضعفاً؛ أن يكون قوياً بما عند الله _عز وجل_ من الأجر والثواب.
2) بيان هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ضَعَفَةِ المسلمين وفقرائهم؛ فهو معهم يجالسهم، ويقضي حوائجهم.
1/252 ــ عن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رضي الله عنه قال: سمعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيف مُتـَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىٰ الله لأبَرَّهُ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتكْبِرٍ». متفق عليه.
«الْعُتُلُّ» الْغَلِيظُ الجَافِي. «وَالجَوَّاظُ» بفتح الجيم وتشدِيدِ الواوِ وبِالظاءِ المعجمة: وَهُوَ الجَمُوعُ المَنُوعُ، وَقيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ في مِشْيَتِهِ، وَقيلَ: الْقَصِيرُ الْبَطِينُ.
غريب الحديث:
متضَعَّف: بفتح العين المشددة، أي: يستضعفه الناس ويحتقرونه ويفتخرون عليه.
لأبرّه: أي لو حلف طمعاً في كرم الله لحصل له ما أقسم عليه.
المستكبر: هو الذي جمع بين وصفَيْن ذميمين: غمط الناس: يعني احتقارهم، وبطر الحق: يعني ردّه.
هداية الحديث:
1) من علامات أهل الجنة والدار الآخرة أنهم لا يهتمون بما يفوتهم من حظ الدنيا، إن جاءهم نصيب الدنيا قبلوه، وإن فاتهم شيء تركوه.
2) من علامات أهل النار الاستكبار والتفاخر. فليحذر العبد أوصافَ المعذَّبين.
3) إنّ مِن عباد الله مَن لو أقسم علىٰ الله لأبره ثقةً ورجاءً لما عند الله _عز وجل_.
2/253 ــ وعن أبي العباس سهلِ بنِ سعدٍ الساعدِيِّ رضي الله عنه قال: مَرَّ رجُلٌ علىٰ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ في هذَا؟» فقال: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هذَا وَاللهِ حَريٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنكَحَ، وَإنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. فَسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا رَأْيُكَ في هذَا؟» فقال: يا رسولَ الله، هذا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هذَا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلِ هذَا». متفقٌ عليه.
قوله: «حَرِيٌّ » هو بفتحِ الحاءِ وكسر الراءِ وتشديد الياءِ: أيْ حَقِيقٌ. وقوله: «شَفَعَ» بفتح الفاءِ.
غريب الحديث:
يُنكح: يُزَوَّج.
هداية الحديث:
1) الرجل قد تكون له المنزلة العالية في الدنيا، ولكنه ليس له قدر عند الله تعالىٰ.
2) العبرة بحقائق الأعمال وبما في القلوب من الإيمان، وليس بصور الأجسام.
3/254ــ وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «احْتَجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فِيَّ الجَبَّارُونَ وَالمُتكَبِّرُونَ، وَقَالَتِ الجنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَىٰ اللهُ بَيْنَهُمَا: إنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي، أُعَذِّب بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا». رواه مسلم.
غريب الحديث:
احتجت الجنة والنار: تخاصمت الجنة والنار.
إنك الجنة رحمتي: يعني أنها الدار المخلوقة التي نشأت من رحمة الله، وأما رحمة الله تعالىٰ التي هي صفة من صفاته فليست مخلوقة.
هداية الحديث:
1) وجوب الإيمان بهذه الأمور الغيبية، وإن استبعدتها العقول، فإن المؤمن يسلّم لأمر الله تعالىٰ وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
2) فضل الله سبحانه وتعالىٰ ورحمته أوسع من غضبه، فالله _عز وجل_ أوجب علىٰ نفسه أن يملأ الجنة والنار، لكن رحمته سبقت غضبه.
3) الفقراء والضعفاء هم أهل الجنة؛ لأنهم في الغالب هم الذين ينقادون للحق، والجبارون أهل النار؛ مُستكبرون عن الحق لا ينقادون له.
4/255 ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ السَّمِينُ الْعَظِيمُ يَومَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ». متفق عَلَيْهِ.
هداية الحديث:
1) إثبات الوزن يوم القيامة، وهو وزن عدل ليس فيه ظلم.
2) التحذير من كون الإنسان لا يهتم إلا بتنعيم جسده، والواجب علىٰ العبد أن يهتم بتنعيم قلبه بالعلم والإيمان، وإذا نُعّم القلب نُعّم البدن.
تنبيه:
سببُ إدراج الحديث في باب (فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين) لأنَّ الغالب في السمنة أَنْ تأتي من البطنة، أي كثرة الأكل، وكثرة الأكل تدل أحياناً علىٰ كثرة المال والغنى، وحال البطر والأشر، وكفر النعمة، ونسيان ضعفة المسلمين.
فائـدة:
ما الذي يُوزَن في الميزان؟
ظاهر الحديث أن الذي يُوزَن هو (الإنسان)، وأنه يخف ويثقل بحسب أعماله، وقال بعض العلماء: بل الذي يُوزَن (صحائف الأعمال)، لحديث البطاقة: «فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فتُوضَع البطاقة في كفة»، وقال آخرون: بل الذي يُوزَن (العمل)، لقول الله تعالىٰ: {وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} الآية. وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كلمتان ثقيلتان في الميزان»، فجعل الوزن للعمل، ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ فيمكن أن يُوزَن الجميع، أي يُوزَن العمّال، وتُوزَن الصحائف، والأعمال. والله أعلم.
5/256 ــ وعنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَابّاً، فَفَقَدَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فقالوا: مَاتَ. قال: «أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُوني». فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَو أمْرَهُ، فقال: «دُلُّوني عَلَىٰ قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ فَصلَّىٰ عَلَيْهَا، ثُمَّ قال: «إنَّ هذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَىٰ أهْلِهَا، وَإنَّ اللهَ تعالىٰ يُنـَوِّرُهَا لهُمْ بصَلاتِي عَلَيْهِمْ». متفقٌ عليه.
قوله: «تَقُمُّ» هو بفتحِ التَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ: أَيْ تكْنُسُ. «وَالْقُمَامَةُ»: الْكُنَاسَةُ. «وآذَنْتُموني» بِمَد الهَمْزَةِ: أَيْ: أَعْلَمْتُمُونِي.
هداية الحديث:
1) تعظيم قدر المؤمنين بحسب أعمالهم؛ فكل من يعمل خيراً فهو علىٰ خير.
2) استحباب تنظيف المساجد وإزالة القمامة عنها، دون زخرفتها وتنقيشها، بما يشوّش المصلين ويشغلهم.
3) بيان أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ولهذا قال: «دُلُّوني علىٰ قبرها». فإذا كان لا يعلم الشيء المحسوس القريب منه، فالغائب من باب أولى!.
4) حُسن رعاية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فكان يتفقدهم ويسأل عنهم.
6/257 ــ وعنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بالأبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىٰ الله لأبَرّه». رواه مسلم.
7/258ــ وعن أسَامَةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «قُمْتُ عَلَىٰ بَابِ الْجَنَّةِ، فَإذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إلَىٰ النَّارِ. وَقُمْتُ عَلَىٰ بَابِ النَّارِ فَإذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ». متفق عليه.
«وَالجَدُّ» بفتحِ الجيم: الحَظُّ وَالْغِنى. وقوله: «مَحْبُوسُونَ» أَيْ: لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بَعْدُ فِي دُخُول الجَنَّةِ.
غريب الحديث:
أشعث: يعني منفوش الشعر، ليس عنده ما يحسن به شعره.
أغبر: يعني متغير اللون، وذلك لشدة فقره.
هداية الأحاديث:
1) تقوىٰ الله هي الميزان؛ فمن كان لله أتقىٰ فهو عنده أكرم.
2) عامة أهل النار من النساء؛ لأنهن أصحاب فتنة، إلا من عصمها الله تعالىٰ بالتقوى.
3) علىٰ العبد أن يحترز من فتنة الغنى، فإن الغنىٰ قد يُطغي، وقد يؤدي بصاحبه إلىٰ الهلاك والفساد. فالصبر مطلوب من العبد عند الفقر وعند الغنى.
8/259ــ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَمْ يَتكَلَّمْ في المَهْدِ إلَّا ثَلاثَةٌ: عِيسىٰ ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِداً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَان فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: يَا رَبِّ أُمَّي وَصَلاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَىٰ صَلاتِهِ فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَىٰ صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ، وَهُوَ يُصلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فقال: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي! فأَقْبَلَ عَلَىٰ صَلاتِهِ، فَقَالَت: اللَّهم لا تُمِتْهُ حَتَّىٰ يَنْظُرَ إلَىٰ وُجُوهِ المُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إسْرَائِيلِ جُرِيجاً وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِياً كَانَ يَأْوي إلَىٰ صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فقال: مَا شَأنُكُمْ ؟ قالوا: زَنَيْتَ بِهذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنكَ، قال: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فقال: دَعُوني حَتَّىٰ أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَىٰ الصَّبيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقالَ: يَا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قال: فُلانٌ الرَّاعِي، فَأَقْبَلُوا عَلَىٰ جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ، قال: لا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَما صَبِيّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُل رَاكِبٌ عَلَىٰ دابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فقالت أُمُّهُ: اللَّهم اجْعَلِ ابْنِي مثْلَ هذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إلَيْهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ، فقال: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَل عَلَىٰ ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ» ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَحكِي ارْتِضَاعَهُ بِأُصْبُعِه السَّبَّابَةِ في فِيهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قال: «وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِي تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فقالت أُمُّهُ: اللَّهم لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إلَيْهَا، فقال: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَالِكَ تَرَاجَعَا الحديثَ، فقالت: مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَة،ِ فَقُلْتُ: اللَّهم اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهم لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا؟! قالَ: إنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً، فَقُلْتُ: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإنَّ هذِهِ يَقُولُونَ لها: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا». متفقٌ عليه.
«وَالمومِسَاتُ» بضمِّ الميمِ الأُولَى، وإسكانِ الواوِ وكسرِ الميم الثانيةِ وبالسين المهملَة، وَهُنَّ الزَّوَانِي، وَالمُومِسَةُ: الزَّانِيَةُ. وقوله: «دَابَّةٌ فَارِهَةٌ» بِالْفَاءِ: أيْ حَاذِقَةٌ نَفِيسَةٌ. «وَالشَّارَةُ» بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ وَتَخْفيفِ الرَّاءِ: وَهِيَ الجَمَالُ الظَّاهِرُ في الهَيْئَةِ وَالمَلْبَسِ. وَمَعْنَىٰ «تَرَاجَعَا الحديث» أيْ: حَدَّثَتِ الصَّبِيَّ وَحَدَّثَهَا، والله أعلم.
غريب الحديث:
الصومعة: البناء المرتفع المحدد أعلاه، وهو مكان تعبد للرهبان.
بغي: زانية تتعاطىٰ الزنىٰ.
هداية الحديث:
1) صبر هذا العابد ـ جريج ـ حين لم ينتقم لنفسه، بل رضي بالقناعة، وأن يكون مع الضعفاء والفقراء.
2) العبد إذا تعرّف علىٰ الله تعالىٰ في الرّخاء عرفه في الشدة، فالصادق في إيمانه لا تضرّه الفتن، ومن رحمة الله أن يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك تهذيباً وزيادة لهم في الثواب.
3) حرص العبد أن يكون مع عامة الناس دون المتكبرين الجبارين.
4) الترغيب في إيثار إجابة الأم علىٰ صلاة التطوع.
5) من فقه العبد أن يفزع إلىٰ الصلاة عند زول الشدائد.
33 ــ باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم
قال الله تعالىٰ: {وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} [الحجر: 88] ، وقال تعالىٰ: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ} [الكهف: 28] ، وقال تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} [الضحى: 9 ـ 10] ، وقال تعالىٰ: {أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ} [الماعون: 1ــ3 ].
هداية الآيات:
1) الحضّ علىٰ الإحسان إلىٰ المنكسرة قلوبهم، ومن فقدوا المعيل، كالأيتام والأرامل وغيرهم.
2) إن العناية بالفقراء بمواساتهم، وإطعامهم، وقضاء حوائجهم، هي من خصال أهل الإيمان.
3) الحثّ علىٰ الصبر مع ضعفة المسلمين، وخفض الجناح لهم والتواضع معهم.
1/260ــ وعن سعد بن أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ نَفَرٍ، فقال المُشْركُونَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: اطْرُدْ هؤُلاء لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، وَكنْتُ أنا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نَفْسِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأَنْزَلَ الله تعالىٰ: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ﴾ [الأنعام: 52] رواه مسلم.
غريب الحديث:
لا يجترئون علينا: أي: لئلا يحصل منهم الجرأة علينا.
فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي من طرد أولئك عنه.
هداية الحديث:
1) علىٰ العبد أن يكون جلساؤه من أهل الخير والرغبة في الطاعة، وألَّا يجلس مع الأكابر والأشراف الذين وصْفُهم التكبر والتعالي.