المختصر المفيد للمؤذن والإمام والخطيب وأحكام المساجد

المختصر المفيد للمؤذن والإمام والخطيب وأحكام المساجد

كتاب "المختصر المفيد للمؤذن والإمام والخطيب وأحكام المساجد" يتناول مسؤوليات المؤذن والإمام والخطيب وأحكام الأذان والإقامة وصلاة الجمعة وأحكام المساجد. يوضح الكتاب تعريف الأذان والإقامة وحكمهما وفضلهما، كما يبين الصفات المطلوبة في المؤذن والشروط اللازمة لصحة الأذان والإقامة. بالإضافة إلى ذلك يستعرض الكتاب أحكام الإمامة، ومشروعيتها وفضلها، وشروط وصفات الإمام، مع التركيز على أهمية العلم والخلق في من يتولى هذه الوظيفة الشرعية.

اللغة: العربية
إعداد: اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
الإصدار: 2.1
ترجمات 30
أفريقاني آسامي أذري بنغالي +26
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

المُخْتَصَرُ المُفِيدُ لِلْمُؤَذِّنِ وَالإِمَامِ وَالخَطِيبِ وَأَحْكَامِ المَسَاجِدِ

اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.

أما بعد: فإن الناس لما كانوا في حاجة دائمة لما تصلح به أحوالهم، فقد جاءت الشريعة بما يقوم بذلك، ومن ذلك ما يتعلق بالأذان والإقامة للصلاة، وإمامة الناس فيها، وخطبة الجمعة، وأحكام المساجد، ولذلك كانت مسؤولية مؤذن المسجد والإمام وخطيب الجمعة مسؤولية عظيمة، ومن أجل ذلك حرصنا على إعداد كتاب بعنوان: (المختصر المفيد للمؤذن والإمام والخطيب وأحكام المساجد)، وترجمته لعدة لغات.

المبحث الأول: أحكام الأذان والإقامة

الأذان شعار الإسلام وأهله، حيث يُنادى به في كل يوم وليلة خمس مرات، وقد اعتنى العلماءُ في كتبهم بأمره، وسننه وأحكامه ومستحبَّاته ومبطلاته، وما هذا إلا لأهمية هذه العبادة وشرفها [1]. [1] ينظر: فتح المنعم شرح صحيح مسلم: (2/ 460).

المطلب الأول: تعريف الأذان والإقامة

الأذان شرعًا: الإعلام بدخول وقت الصلاة، بألفاظ معلومة مخصوصة مشروعة [2]. [2] ينظر: المغني لابن قدامة: (1/ 292)، ومختار الصحاح: (ص 16)- مادة أ ذ ن، والأذان والإقامة للقحطاني: (ص5).

والإقامة شرعًا: الإعلام بالقيام إلى الصلاة، بذكر مخصوص مشروع [3]. [3] ينظر: كشاف القناع: (1/ 230).

المطلب الثاني: حكم الأذان والإقامة

الأذان والإقامة مشروعان بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ58﴾ [المائدة: 58].

وأما السنة؛ فقد دلت أحاديث كثيرة على مشروعيتهما، منها:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَٰلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» [4]. [4] رواه البخاري: (604)، ومسلم: (377).

وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على مشروعيتهما للصلوات الخمس:

قال الإمام ابن قدامة المقدسي: "وَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ"[5]. [5] المغني: (1/ 293).

والأذان والإقامة من فروض الكفايات في حق الرجال حضرًا وسفرًا للصلوات الخمس دون غيرها؛ لحديث مالك بن الحُوَيرث رضي الله عنه قال لهم النبي ﷺ: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤَمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [6]. [6] رواه البخاري: (628)، ومسلم: (674).

ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فلا يجوز تعطيلهما.

أما النساء فلا يُشرع لهن أذان ولا إقامة، سواء صلت المرأة منفردة، أو أمَّتِ النساء [7]. [7] شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: 101).

المطلب الثالث: فضل الأذان والإقامة

ورد في فضل الأذان والمؤذنين نصوص كثيرة، منها الفضائل الآتية:

المؤذن من الدعاة إلى الله، وهو من أحسن الناس قولًا، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ33﴾ [فصلت: 33].

المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة؛ فعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ» [8]. [8] رواه مسلم: (387).

الأذان والإقامة يطردان الشيطان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ -أَيْ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ- أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ -أَيْ: يُوَسْوِسُ- بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» [9]. [9] رواه البخاري: (1222)، ومسلم: (389).

يشهد للمؤذن كلُّ شيء سمع أذانه؛ فعن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ [10]. [10] رواه البخاري: (609).

أنه لو علم الناس فضل الأذان حقَّ العلم لاستهموا عليه، أي: لضربوا بينهم قرعة أيهم يؤذِّن؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ -أيِ: الأَذَانِ- وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» [11]. [11] رواه البخاري: (615)، ومسلم: (437).

أن المؤذن يُغفر له مدَّ صوته، ويُصدِّقه مَن سمعه مِن رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه؛ لأن الدال على الخير كفاعله، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن نبي الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ المُقَدَّمِ، وَالمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدُّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِن رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَن صَلَّى مَعَهُ» [12]. [12] رواه أحمد: (18506)، والنسائي: (646)، قال المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 176): إسناد حسن جيد. وقال ابن الملقن في البدر المنير (3/ 385): هذا إسناد جيد.

أن الأذان من أعظم شعائر الإسلام، وهو فرق ما بين دار الكفر ودار الإسلام؛ فقد أورد البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: "باب ما يُحقن بالأذان من الدماء" ثم ساق حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ"[13]. [13] رواه البخاري: (610)، ومسلم: (382).

قال الإمام الخطابي: "فِيهِ بَيَانٌ أنَّ الأذانَ شِعَارٌ لِدِينِ الإِسْلامِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ لا يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ الأَذَانِ وَامْتَنَعُوا، كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ"[14]. [14] أعلام الحديث شرح صحيح البخاري: (1/ 460).

المطلب الرابع: شروط صحة الأذان والإقامة

1- الإسلام: فلا يصحَّان من الكافر؛ لأنهما عبادتان، والعبادة لا تصح من كافر.

2- العقل: فلا يصحَّان من المجنون والسكران والصغير غير المميِّز، كسائر العبادات.

3- النية: فلا يصحَّان بدونها؛ لأنهما عبادتان، والعبادة لا تصح إلا بنية؛ لقول رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [15]. [15] رواه البخاري: (1)، ومسلم: (1907)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

4- الذُّكورية: فلا يصحُّ أذان المرأة ولا إقامتها.

5- أن يكون الأذان في وقت الصلاة: فلا يصح قبل دخول وقتها؛ لحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن النبي قال: «... فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيُؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [16]، فعلَّق الأمر بالأذان على حضور الصلاة، وحضورها لا يكون إلا بعد دخول وقتها، وأن تكون الإقامة عند إرادة القيام للصلاة. [16] رواه البخاري: (628)، ومسلم: (674).

6- أن يكون الأذان -وكذا الإقامة- مُرتَّبًا: والمقصود بالترتيب: أن يأتي المؤذن بألفاظ الأذان والإقامة وفق النصوص الشرعية التي جاءت ببيان صفة الأذان والإقامة، دون تقديم أو تأخير لكلمة أو جملة على الأخرى؛ لأن الأذان عبادة ثبتت على هذا الترتيب، فيجب أن تُفعل كما وردت؛ لقوله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» [17]. [17] رواه البخاري: (2697)، ومسلم: (1718)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

7- أن يكون الأذان -وكذا الإقامة- متواليًا: والمقصود بالموالاة: هي المتابعة بين ألفاظ الأذان بدون فصل بقول أو فعل، وأن لا يُفصل بعضه عن بعض بزمن طويل.

8- أن يكون الأذان، وكذا الإقامة، باللغة العربية وبالألفاظ التي وردت بها السنة، سالمًا من اللحن الذي يُحرِّف المعنى.

9- رفع الصوت بالأذان؛ لأن المؤذن لو خفض صوته بحيث لا يُسمِع إلا نفسه فقط لم يحصل المقصود من شرعية الأذان؛ لقوله ﷺ: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» [18]، وهذا يشير إلى رفع الصوت ليُسمِع الآخرين؛ فيحصل السماع المقصود بالإعلام، فإذا أذَّن لنفسه أو لحاضر معه فلا يشترط رفع الصوت به، لكن يرفع صوته بقدر ما يُسمِع نفسه أو يَسمعه الحاضر معه، ولكن لو رفع صوته زيادة على ذلك كان أفضل؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «.. فَإِذَا كُنتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَّى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [19]. [18] تقدم تخريجه. [19] تقدم تخريجه.

المطلب الخامس: من الصفات المطلوبة في المؤذن

1- أن يكون معروفًا بالعدالة والاستقامة؛ لقوله ﷺ: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» [20] والمؤذن أمين على وقت الصلاة والصيام، والأمانة لا يؤديها إلا العدل، فلا يكون المؤذنُ فاسقًا أو مجاهرًا بمعصية أو ساقطَ المروءة. [20] رواه أبو داود: (517)، والترمذي: (207).

2- أن يكون بالغًا؛ لأن أذان البالغ أكمل، ويصح أذان الصبي المميِّز ما دام أنه يؤذن في الوقت، فمتى أذن فإنه يُكتفى بأذانه؛ لأن به يحصل الإعلام بدخول الوقت.

3- أن يكون عالمًا بالأوقات؛ ليتحرَّاها، فيؤذِّن في أولها؛ لأنه إن لم يكن عالمًا بها لا يُؤْمَن أن يغلط أو يخطئ.

4- أن يكون قويَّ الصوت؛ لحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في رؤيا الأذان، فقال له النبي ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَىٰ وَأَمْدُّ صَوْتًا مِنْكَ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا قِيلَ لَكَ، وَلْيُنَادِ بِذَٰلِكَ» [21]، ومعنى: «وَأَمْدُّ صَوْتًا مِنْكَ» أي: أرفع وأعلى صوتًا منك، وذلك دليل على استحباب اتخاذ المؤذن رفيع الصوت وجهيره؛ وذلك لأن رفيع الصوت أبلغ في الإعلام بالأذان [22]. [21] رواه الترمذي: (189)، وقال: حديث حسن صحيح. [22] ينظر: تحفة الأحوذي: (1/ 481).

5- أن يكون حَسَن الصوت؛ لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه المتقدم: «فَإِنَّهُ أَنْدَىٰ وَأَمْدُّ صَوْتًا مِنْكَ» أي: أحسن وأعذب صوتًا.

6- أن يكون متطهِّرًا من الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن الأذان والإقامة ذكرٌ لله عز وجل، والذاكر يستحب أن يكون متطهِّرًا.

7- أن يؤذن قائمًا؛ لقول النبي ﷺ: «يَا بِلَالُ قُمْ، فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» [23]، قال ابن المنذر: "أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ قَائِمًا"[24]. [23] رواه البخاري: (604)، ومسلم: (377)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. [24] الإجماع لابن المنذر: (ص 38).

8- أن يؤذن مستقبلَ القبلة؛ لما جاء في إحدى روايات حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في رؤيا الأذان، قال: "فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. . ."[25]، وقال ابن المنذر: "وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُسْتَقْبَلَ القِبْلَةُ بِالأَذَانِ"[26]. [25] رواه أبو داود: (507). [26] الإجماع لابن المنذر: (ص 38).

9- أن يجعل أصبعيه السبابتين في أذنيه؛ لفعل بلال رضي الله عنه في أذانه بين يدي النبي ﷺ فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ وَيَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّتِهِ حَمْرَاءَ..."[27]. [27] رواه الترمذي: (197)، وقال: حديث حسن صحيح، وأصله في صحيح البخاري (634) بلفظ: عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ.

قال الإمام الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: "وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُدْخِلَ المُؤَذِّنُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الأَذَانِ".

وسئل ابن شبرمة لِمَ أُمر المؤذن أن يجعل أصبعيه في أذنه؟ قال: "لشدة الصوت..."[28]. [28] "الأوسط" (٤/١١).

وقال النووي رحمه الله: "السُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَ أَصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ المَحَامِلِيُّ فِي المَجْمُوعِ عَنْ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَسْمَعْ إِنْسَانٌ صَوْتَهُ لِصَمَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَيَسْتَدِلُّ بِأَصْبَعَيْهِ عَلَى أَذَانِهِ" [29]. [29] شرح المهذب (٣/١١٣).

10- أن يلتفت يمينًا إذا قال: حيَّ على الصلاة، في المرتين جميعًا، وشمالًا إذا قال: حيَّ على الفلاح، في المرتين جميعًا، مع ثبوت قدميه؛ لحديث أبي جُحيفة رضي الله عنه في أذان بلال رضي الله عنه بين يدي النبي ﷺ قال: «فَجَعَلْتُ أَتَّبِعُ فَاهُ، هَاهُنَا وَهَاهُنَا، يَقُولُ: يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ»[30]؛ ولأنه أبلغ في إسماع النداء للصلاة لمن بَعُد عن المسجد. [30] رواه البخاري: (634)، ومسلم: (503)، واللفظ لمسلم.

11- أن يترسَّل في الأذان، أي يتمهَّل فيه، من غير تمطيط ولا مدٍّ مُفْرِط؛ لأن الأذان إعلام للغائبين عن المسجد فكان الترسُّل فيه أبلغ، ويَحْدُر الإقامة، أي يسرع فيها؛ لأنها إعلام للحاضرين فناسب فيها الحَدْر[31]. [31] ينظر: المغني لابن قدامة: (1/ 295).

12- أن يؤدّي الأذان كما شُرع بصوت سمح سهل غير مُتكلَّف ولا ملحون، ولا يُخرِجه مَخرج الغناء، ولا يمدُّه مدًّا يُخرجه عن المقصود منه، بل يؤديه المؤذن بصوته، مراعيًا شروطه وآدابه الشرعية.

المطلب السادس: صفة الأذان والإقامة

للأذان والإقامة كيفيّات وردت بها النصوص النبوية، فمما ورد في صفة الأذان والإقامة حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، ولفظ الأذان فيه:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله.

أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة.

حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح.

الله أكبر، الله أكبر.

لا إله إلا الله.

ولفظ الإقامة:

الله أكبر، الله أكبر.

أشهد أن لا إله إلا الله.

أشهد أن محمدًا رسول الله.

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح.

قد قامت الصلاة، قـد قامت الصلاة.

الله أكبر، الله أكبر.

لا إله إلا الله.[32] [32] رواه أبو داود: (499)، والترمذي مختصرًا: (189)، وقال: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح.

فهذه صفة الأذان والإقامـة التي واظب عليها بلال رضي الله عنه مع رسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا إلى أن مات ﷺ.

ويقول في أذان الفجر بعد حيَّ على الفلاح: الصلاة خير من النَّوم، مرتين؛ لما روى أبو محذورة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال له: «فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ قُلتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِّنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِّنَ النَّوْمِ» [33]. [33] رواه أبو داود: (500)، قال النووي في خلاصة الأحكام (1/ 286): هو حديث حسن.

وهناك صفة أخرى للأذان وهي الترجيع، أي الترديد، فيخفض صوته في الشهادتين ، ثم يعيدهما برفع الصوت، وعند الإقامة فإنه يثنِّها، وهذه الصفة قد وردت في حديث أبي محذورة رضي الله عنه، حيث قال: ألقى عليَّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، فقال: «قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ - قَالَ: ثُمَّ ارْجِعْ، فَمُدَّ صَوْتَكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ».

«وَالإِقَامَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ» [34]. [34] رواه أبو داود: (502، 503).

وهذا من اختلاف التنوع، بأي هذه الكيفيات الثابتة أخذَ المؤذن فهو حسن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر بعض صور الأذان الثابتة: "وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ مَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَهُوَ تَسْوِيغُ كُلِّ مَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لَا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ تَنَوُّعُ صِفَةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ القِرَاءَاتِ وَالتَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْرَهَ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ" [35]. [35] مجموع الفتاوى: (22/ 66).

المطلب السابع: ما يقوله سامع الأذان، وما يدعو به بعده

يُستحب لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ» [36]. إلا في الحَيْعَلَتَيْن- وهما قول المؤذن: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح- فيُستحب لسامع الأذان أن يقول عَقِبَ كلٍّ منهما: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» [37]. [36] رواه البخاري: (611)، ومسلم: (383). [37] رواه مسلم: (385).

وأن يقول: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا) بعد الشهادتين.

فعن سَعدِ بن أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ»[38]. [38] رواه مسلم: (386).

وإذا قال المؤذن في صلاة الصُّبْح: الصلاة خير من النوم، فإن المستمع يقول مثله؛ لقوله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ» [39]. [39] متفق عليه.

ثم يصلِّي على النبي ﷺ، ثم يقول ما ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» [40]، ومعنى: «الدَّعْوَةِ التَّامَّة» أي: دعوة الأذان، فهي تامة كاملة؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير. «وَالصَّلَاةِ القَائِمَة» أي: التي ستُقام وتُفعَل. «الوَسِيلَة» منزلة في الجنة. «الفَضِيلَة» المَنْقبَة العالية التي لا يشاركه فيها أحد. «مَقَامًا مَحْمُودًا» المقام المحمود: كل مقام يحمده الناس فيه، ومن ذلك الشفاعة العظمى لعموم الخلق، التي يشفع فيها لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم. [40] رواه البخاري: (614) من حديث جابر رضي الله عنه.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُّوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ، لَا تَنبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَن سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» [41]. [41] رواه مسلم: (384).

ومن البدع التي أُحدثت في الأذان، رفع المؤذن صوته بالصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان، وكذا الإتيان بالذكر الوارد بعد الأذان وهو: (اللهم رب هذه الدعوة التامة . . .) بصفة جماعية، ورفع اليدين عند الدعاء به، وزيادة من يردِّد مع المؤذن كلمة (حقًّا) أو (أبدًا) في آخر جملة، فيقول: (حقًّا لا إله إلا الله) أو (أبدًا لا إله إلا الله)؛ لعدم الدليل على ذلك كلِّه.

المطلب الثامن: حكم الخروج من المسجد بعد الأذان

يحرم خروج الرجل من المسجد بعد الأذان حتى يصلي، إلا أن يكون معذورًا، أو ناويًا الرجوع إلى المسجد، فلا حرج عليه؛ فعن أبي الشعثاء قال: "كُنَّا قُعُودًا فِي المَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ المَسْجِدِ يَمْشِي، فَاتَّبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ"[42]. [42] رواه مسلم: (655).

قال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث في سننه: "وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنَ المَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ: أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَوْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ"[43]. [43] سنن الترمذي: (1/ 397)، رقم (204).

المطلب التاسع: كم الوقت بين الأذان والإقامة؟

جاء في السنة ما يدل على أنه كان هناك وقت كافٍ بين الأذان والإقامة؛ فعن عبد الله بن مُغفَّل رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» [44]. والمقصود بالأذانين: الأذان والإقامة، فيجعل المؤذن بين أذانه وإقامته وقتًا حتى يتمكن الحاضرون من أداء ركعتين قبل الصلاة، وحتى يأتي أهل المسجد ويدركون الصلاة. [44] رواه البخاري: (627)، ومسلم: (838).

قال الإمام أحمد: "يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ إِذَا أَذَّنَ أَنْ لَا يَعْجَلَ بِالإِقَامَةِ، وَيَلْبَثَ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، وَيَقْضِيَ المُعْتَصِرُ -هُوَ الَّذِي يُرِيدُ الغَائِطَ- حَاجَتَهُ، يَجْعَلُ بَيْنَ أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ نَفَسًا"[45]. [45] شرح عمدة الفقه لابن تيمية، كتاب الصلاة: (ص 135).

المطلب العاشر: مسؤولية المؤذن وآدابه

ينبغي للمؤذن أن يبتغي بأذانه وجه الله تعالى؛ لحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: «إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ اتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا»[46]. [46] رواه الترمذي: (209)، وقال: حديث حسن.

قال الترمذي رحمه الله بعد روايته لهذا الحديث: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ".

وأما إعطاء المؤذن من بيت مال المسلمين فلا حرج فيه؛ لأن بيت المال إنما وُضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين [47]. [47] ينظر: الأذان والإقامة للقحطاني: (ص 19).

ويجب أن يعلم أنه مسؤول عن الأذان للصلوات الخمس في أوقاتها؛ لقوله ﷺ: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» [48] أي: أنه أمين على أوقات الصلاة، فيجب أن يأتي إلى المسجد متطهرًا قبل موعد الأذان بوقت كافٍ، ولا يتغيب عن الأذان إلا لعذر، وعليه حينئذ أن يستخلف من ينوب عنه في الأذان. [48] رواه أبو داود: (517)، والترمذي: (207) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وينبغي على المؤذن الأمور التالية:

(1) أن يعتني بنظافة المسجد وصيانته، وأن يكون متعاونًا مع عمال المسجد وجماعة المسجد في ذلك؛ فقد أثنى الله على عُمَّار بيوته، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ18﴾ [التوبة: 18] سواء كانت عمارتهم لها ببنائها وصيانتها ونظافتها، أم كانت بإقامة الصلاة وذكر الله فيها، فكلا المعنيين مقصود بالعمارة[49]. [49] ينظر: فتح الباري لابن حجر: 1/ 541.

(2) أن يتعلم العقيدة الصحيحة وأحكام الأذان والطهارة والصلاة، وأن يحفظ من كتاب الله قدرًا لا بأس به، وأن يكون مؤهلًا لأن ينوب عن الإمام إذا غاب عن الصلاة.

(3) أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يرفق بالناس ويصبر على أذاهم، ويتعاون في ذلك مع إمام المسجد.

(4) أن يجعل المسجد مقصورًا على العلم والعبادة، وما ينفع المصلين، وأن يبتعد عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم.

(5) أن يتآلف ويتعاون مع جماعة المسجد وروَّاده، فيسأل عنهم إذا غابوا، ويزور مرضاهم، ويصلي على جنائزهم ويشيعها، ويقف معهم في المصائب والمُلِمَّات.

المبحث الثاني: أحكام الإمامة

المطلب الأول: تعريف الإمامة

الإمامة في الصلاة: أن يتقدَّم رجل من المصلين؛ ليقتدوا به في صلاتهم. والإمام في الصلاة: مَن يأتَمُّ -أي: يقتدي- به الناس في صلاتهم[50]. [50] ينظر: حاشية الروض المربع: (2/ 296)، الإمامة في الصلاة للقحطاني: (ص 6).

المطلب الثاني: مشروعية الإمامة وفضلها

إمامة الصلاة من خير الأعمال التي يتولاها خير الناس ذوو الصفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة وغيرها كما سيأتي، ولا تتصور صلاة الجماعة إلا بها، وصلاة الجماعة من أعظم شعائر الإسلام[51]. [51] ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: (6/ 201).

ومن فضائل الإمامة:

1- الإمامة فضلها مشهور، تولَّاها النبي ﷺ بنفسه، وكذلك خلفاؤه الراشدون، وما زال يتولاها أفضل المسلمين علمًا وعملًا[52]. [52] ينظر: الإمامة في الصلاة للقحطاني: (ص 9).

2- الإمامة في الصلاة ولاية شرعية ذات فضل يتولاها أصحاب الفضل؛ لقول النبي ﷺ: «يَؤُمُ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ...» [53]، ومعلوم أن الأقرأ أفضل؛ فقَرْنُها به يدل على أفضليتها [54]. [53] رواه مسلم: (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه. [54] ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع: (2/ 41).

3- دعاء النبي ﷺ للأئمة بالإرشاد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» [55]. [55] رواه أبو داود: (517)، والترمذي: (207).

ومعنى: «الإمام ضامن» أي: متكفِّل بصحة صلاة المأمومين؛ لارتباط صلاتهم بصلاته. ومعنى: «اللهم أرشد الأئمة» أي: اهدهم إلى طريق الصواب؛ ليأتوا بالصلاة على أتم الأحوال [56]. [56] ينظر: شرح أبي داود للعيني: (2/ 468)، وفيض القدير للمناوي: (3/ 182).

المطلب الثالث: من أحق بالإمامة

بَيَّنَ الرسول ﷺ الأحقَّ بالإمامة والأَولى بها، قال رسول الله ﷺ: «يَؤُمُ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ سِلْمًا - وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا - وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» [57]. فأولَى الناس وأحقهم بالإمامة على النحو التالي: [57] رواه مسلم: (673).

1- أكثرهم حفظًا للقرآن، وأجودهم قراءة، وهو الذي يتقن قراءة القرآن، ويأتي بها على أكمل وجه، العالِمُ بفقه الصلاة، فإذا اجتمع مَنْ هو أكثر قراءةً، ومن هو أقل قراءة منه لكنه أفقه، قُدِّم القارئ الأفقه على الأقرأ غير الفقيه، فالحاجة إلى الفقه في الصلاة وأحكامها أشد من الحاجة إلى إجادة القراءة.

2- ثم الأعلم بالسنة، فإذا اجتمع إمامان متساويان في القراءة، لكن أحدهما أفقه وأعلم بالسُّنَّة، قُدِّم الأفقهُ، لقوله ﷺ: «فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»

3- ثم الأقدم والأسبق هجرةً من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، إذا كانوا في القراءة والعلم بالسنة سواء؛ لقوله ﷺ: « فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ هِجْرَةً»

4- ثم الأقدم إسلامًا، إذا كانوا في الهجرة سواء؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: «فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ سِلْمًا» أي: إسلامًا.

5- ثم الأكبر سنًّا، إذا استويا في الأمور الماضية كلها؛ لقوله ﷺ في إحدى روايات الحديث السابق: «فَأَقدَمُهُم سِنًّا» ، ولحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [58]. [58] رواه البخاري: (628)، ومسلم: (674).

وتقديم النبي ﷺ في هذا الحديث للأكبر سنًّا؛ لأنَّهم كانوا مُتقاربين في العلم.

فإذا تساوَوا في جميع ما سبق وتشاحَّوا، كلٌّ منهم يريد الإمامة، أُقْرِع بينهم، فمَن غلب في القرعة قُدِّم؛ لأنهما تساوَوا في الاستحقاق، وتعذر الجمع، فأُقرِع بينهم كسائر الحقوق.

وصاحب البيت أحقُّ بالإمامة من ضيفه، وكذا السلطان -وهو الإمام الأعظم- أحقُّ بالإمامة من غيره، إذا كان كلٌّ منهما أهلًا للإمامة؛ لقوله ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ وَلَا فِي سُلْطَانِهِ»

ومثلُهما إمام المسجد الراتب؛ فإنه أولى من غيره - إلَّا من السلطان - حتى وإن كان غيره أقرأَ منه وأعلمَ؛ لعموم الحديث السابق.

وكان ابنِ عُمر رضي اللهُ عنهما له مولًى يُصلِّي في مسجدٍ، فحضَرَ فقدَّمَه مولاه، فقال له ابنُ عُمر: "أَنْتَ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ فِي مَسْجِدِكَ"[59]. [59] رواه الشافعي في (الأم) (1/185)، وعبد الرزاق في (المصنف) (2/399)، والبيهقي (3/126) (5531). وقال النوويُّ في (الخلاصة) (2/701): إسنادُه حسن أو صحيح. وحسَّن إسنادَه الألباني في (إرواء الغليل) (2/302).

ولأنَّ في تقديمِ غيرِه عليه افتياتًا عليه، وكسرًا لخاطرِه.

واختُلف في إمامة الصبي المميِّز لغيره، فأجازها بعض أهل العلم؛ لحديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه «أَنَّهُ أَمَّ قَوْمَهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ»[60]. [60] رواه البخاري: (4302).

وتصح إمامة المتنفل بالمفترض؛ لخبر معاذ بن جبل رضي الله عنه «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ»[61]. [61] رواه البخاري: (701)، ومسلم: (465).

المطلب الرابع: مَن تحرم إمامته:

تحرم الإمامة في الحالات الآتية:

1- إمامة المرأة للرجل، لعموم قوله ﷺ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» [62]، والإمامة نوعٌ من الوِلاية، ولأن الأصل تأخُّرها في آخر الصفوف، كما جاء في السنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» [63]، وذلك صيانةً لها وسترًا، فلو قُدِّمت للإمامة لصار ذلك مخالفًا لهذا الأصل الشرعي، وقد أجمع أهل العلم على هذا الأمر، يقول الإمام ابن حزم رحمه الله: "وَاتَّفَقُوا أَنَّ المَرْأَةَ لَا تَؤُمُّ الرِّجَالَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ، فَإِنْ فَعَلُوا فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ بِالإِجْمَاعِ" [64]. [62] رواه البخاري: (4425) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. [63] رواه مسلم: (440). [64] مراتب الإجماع: (ص 27).

2- إمامة المُحْدِث ومَن عليه نجاسة، وهو يعلم ذلك، فإن لم يعلم بذلك المأمومون حتى انقضت الصلاة، فصلاتهم صحيحة، لما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَأَعَادَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا»[65]. [65] رواه الدارقطني في سننه: (1371).

وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: "هَذَا المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ: الجُنُبُ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ، مَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا"[66]. [66] سنن الدارقطني: (2/ 188).

3- إمامة مَنْ لا يحفظ سورة الفاتحة، أو لا يحسن قراءتها، أو يُدغِم فيها من الحروف ما لا يُدغَم، كمن يُدغِم الهاء بالراء في قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ2﴾ [الفاتحة: 2] لأنه أدغم الحرف فيما لا يماثله، ولا يقاربه، أو كان يُبدل فيها حرفًا بحرف، كمن يبدل الراء ياءً، أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى، فهذا لا تصح إمامته إلا بمثله؛ لعجزه عن ركن الصلاة، أو إخلاله به.

4-إمامة المبتدع الذي يُكَفَّرُ ببدعته؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ18﴾ [السجدة: 18]، والفاسق هنا هو الكافر، كما يتضح من سياق الآيات.

5- يحرم أن يؤم في مسجد له إمام راتب، فلا تصح إمامة غيره قبله، إلا مع إذنه، أو مع تأخره وضيق الوقت[67]. [67] ينظر: الأسئلة والأجوبة الفقهية للسلمان: (1/ 163).

المطلب الخامس: مَن تُكره إمامته

تُكْرَه إمامة كلٍّ من:

1- اللَّحَّان: وهو كثير اللَّحْن في القراءة بما لا يحيل المعنى، سواء أكان في الفاتحة أم غيرها، كما لو قرأ: (الحمدَ لله) بفتح الدال، فصلاته صحيحه، وتكره إمامته؛ لقول النبي ﷺ: «يَؤُمُ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» [68]. [68] تقدم تخريجه.

وإذا كان اللحن يحيل المعنى في غير الفاتحة سهوًا أو جهلًا أو لآفة في لسانه صحت إمامته مع الكراهة؛ لأنه لو ترك قراءة غير الفاتحة لصحت إمامته، فكذا إذا لحن فيها، وإن تعمَّده بطلت؛ لأنه متلاعب في صلاته.

2- مَنْ يُكرِّر بعض الحروف، كالذي يكرر الفاء، أو التاء، أو غيرها من الحروف، وذلك من أجل زيادة الحرف في القراءة.

3- الفاسق والمبتدع غير الكافر ببدعته[69]. [69] ينظر: كشاف القناع: (1/ 475) وما بعدها.

4- مَن أمَّ قومًا أكثرهم يكرهه بحق؛ فعن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: العَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» [70]. [70] رواه الترمذي: (360)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

قال الإمام الترمذي: "وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، فَإِذَا كَانَ الإِمَامُ غَيْرَ ظَالِمٍ فَإِنَّمَا الإِثْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي هَذَا: إِذَا كَرِهَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ، حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ القَوْمِ"[71]. [71] سنن الترمذي: (2/ 192).

فلو كرهوه لأنه يحرص على اتباع السنة في الصلاة فيقرأ بهم السور المسنونة، ويصلي بهم صلاة متأنية، فإن إمامته فيهم لا تُكره؛ لأنهم كرهوه بغير حق فلا عبرة بكراهتهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونه بغير حق أن يعظهم ويذكرهم ويتألفهم؛ ويصلي بهم حسب ما جاء في السنة، وإذا علم الله من نيته صدق نية التأليف بينهم يسر الله له ذلك[72]. [72] ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع: (4/ 253).

المطلب السادس: موضع الإمام من المأمومين

السنة أن يتقدَّم الإمام على المأمومين، فيقفون خلف الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر؛ لأنه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة تقدَّم، وقام أصحابه خلفه، ولما ثبت «أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» [73]. [73] رواه مسلم: (3010) ضمن حديث طويل عن جابر رضي الله عنه.

ويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذيًا له؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ» [74]. [74] رواه البخاري: (6316)، ومسلم: (763).

وتكون النساء خلف صفوف الرجال؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «صَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا» [75]. [75] رواه البخاري: (380)، ومسلم: (658).

وينبغي أن يقف الإمام تلقاء وسط الصف، قال العلامة ابن باز رحمه الله: "السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ وَسَطًا فِي المَسَاجِدِ، هَذِهِ السُّنَّةُ العَمَلِيَّةُ الَّتِي دَرَجَ عَلَيْهَا المُسْلِمُونَ"[76]. [76] نقله عنه الشيخ سعيد القحطاني رحمه الله في كتاب "الإمامة في الصلاة" (ص: 55).

وقال أيضًا رحمه الله: "الصَّفُّ يَبْدَأُ مِنَ الوَسَطِ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَيَمِينُ كُلِّ صَفٍّ أَفْضَلُ مِنْ يَسَارِهِ، وَالوَاجِبُ أَلَّا يُبْدَأَ فِي صَفٍّ حَتَّى يَكْمُلَ الَّذِي قَبْلَهُ".

المطلب السابع: مسابقة الإمام

يجب على المأموم أن يشرع في أفعال الصلاة بعد إمامه، وأن يقتدي به ويتَّبعه في أفعاله، ومِن شأن التابع والمأموم أن لا يتقدم متبوعه، ولا يساويه، بل يراقب أحواله ويأتي على إثرها بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال؛ وذلك لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ» [77]. [77] رواه البخاري: (722)، ومسلم: (417).

وتحرم مسابقة الإمام في جميع الأركان؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالقِيَامِ وَلَا بِالانْصِرَافِ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» [78]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «أَمَا يَخْشَىٰ أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» [79]. [78] رواه مسلم: (426). [79] رواه البخاري: (691)، ومسلم: (427).

ومن أتى بتكبيرة الإحرام قَبْلَ إمامه لم تنعقد صلاته؛ لأن شرطه أن يأتي بها بعد إمامه وقد فاته.

المطلب الثامن: أحكام متفرِّقة في الإمامة والجماعة

من الأحكام المتعلقة بالإمامة والجماعة غيرَ ما تقدَّم:

1- استحباب قُرب أولي الأحلام والنُّهى من الإمام: فيقدَّم أولو العقل والفضل البالغون خلف الإمام قريبًا منه؛ لقوله ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُوُلُوا الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [80]. [80] رواه مسلم: (432) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

2- الحرص على الصف الأول: يُستحب للمأمومين أن يتقدَّموا إلى الصف الأول ويحرصوا عليه، ويَحْذروا من التأخُّر عنه؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخُّرًا فقال لهم:

«تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَن بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ» [81]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» [82]، ومعنى: «لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» أي: لضربوا بينهم قرعة أيهم يقف في الصف الأول. [81] رواه مسلم: (438). [82] رواه البخاري: (615)، ومسلم: (437).

أمَّا النساء فيُستحبُّ لهن أن يَقِفن في الصفوف المتأخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» [83]. وهذا محمول على ما إذا كنَّ يصلِّين خلف الرجال بلا ساتر، فإن كنَّ يصلِّين في مصلى مستتر عن الرجال فإنهنَّ يُتَمِّمْنَ الصف الأول فالأول[84]. [83] رواه مسلم: (440). [84] ينظر: مجموع فتاوى ابن باز: (12/ 196).

3- ينبغي على الإمام عدم الإسراع في قراءة الفاتحة، وعليه أن يتمهل حتى يتمكن المأموم من قراءتها[85]. [85] ينظر: المنظار في بيان كثير من الأخطاء الشائعة لصالح آل الشيخ ص (53).

4- لا تصح صلاة الرجل وحده منفردًا خلف الصف؛ فعن وابصة بن معبد رضي الله عنه أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يُعيد الصلاة[86]. [86] رواه الترمذي: (230)، وقال: حديث وابصة حديث حسن.

المطلب التاسع: السنن التي ينبغي على الإمام أن يقوم بها

ينبغي على الإمام أن يكون مستنًّا بسنة النبي ﷺ في الإمامة، ومن هذه السنن:

1- أن يخفِّف في صلاته، ويراعي أحوال الناس، وهو أن يتمهل الإمام في صلاته فلا يجوز للإمام أن يسرع في الصلاة بحيث لا يتمكن المأمومون من الإتيان بأركان الصلاة وواجباتها، وأن يتمهل في قراءته بحيث يتمكن من خلفه من المصلين من إتمام صلاتهم، فعن أبي مسعود الأنصاري، أن رجلًا قال: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ -يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ- مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِّنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» [87]. [87] رواه البخاري: (90).

2- أن يأمر بتسوية الصفوف وسَدِّ الفُرَج قبل الدخول في الصلاة؛ لفعله ﷺ وأمره المصلين بذلك، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ، حَتَّى رَأَىٰ أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَىٰ رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» [88]. [88] رواه البخاري: (717)، ومسلم: (436)، واللفظ لمسلم.

قال الإمام النووي رحمه الله: "القِدَاحُ بِكَسْرِ القَافِ هِيَ خَشَبُ السِّهَامِ حِينَ تُنْحَتُ وَتُبْرَى، مَعْنَاهُ: يُبَالِغُ فِي تَسْوِيَتِهَا حَتَّى تَصِيرَ كَأَنَّمَا يُقَوِّمُ بِهَا السِّهَامَ؛ لِشِدَّةِ اسْتِوَائِهَا وَاعْتِدَالِهَا"[89]. [89] شرح صحيح مسلم للنووي: (4/ 157).

3- أن يأمرهم بإتمام الصف الأول فالذي يليه، فإذا كان نقص فليكن في آخر الصفوف؛ لقوله ﷺ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» [90]. [90] رواه مسلم: (430)، من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.

4- أن يقتدي بالنبي ﷺ في قراءته في الصلاة، فقد كان الغالب على قراءته ﷺ أن يقرأ في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي العشاء والظهر والعصر من أوساطه، فعن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُوَلَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقَصَارِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي العِشَاءِ بِوَسَطِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَالِ المُفَصَّلِ» [91]. [91] رواه النسائي: (982)، قال الحافظ في بلوغ المرام رقم (286): إسناده صحيح.

وطوال المفصَّل: من سورة الحجرات إلى البروج، وأما الأوساط: فمن البروج إلى سورة البينة، وأما القصار: فمن سورة البينة إلى آخر القرآن[92]. [92] ينظر: مرقاة المفاتيح: (2/ 700).

المطلب العاشر: مقومات الإمام

يُعدُّ إمام المسجد عماد المسجد وقوته، به يؤدي المسجد رسالته في نشر الدعوة وتوعية المجتمع، وتبصير الناس بأمور دينهم، فإذا كان الإمام عالمًا، عاقلًا، نافذ البصيرة، عارفًا بعادات الناس وأحوالهم كان تأثيره جيدًا ومفيدًا في جماعة المسجد، وفي سكان الحي الذي فيه المسجد يعلمهم ويرشدهم ويقودهم إلى كل خير وفضيلة.

وقد كان كذلك الأئمة المستجمعون لشروط الإمامة، ففي صدر الإسلام كان النبي ﷺ هو الإمام، ثم خلفاؤه الراشدون، ثم الأمراء والقواد والعلماء والأعلام، وهذا يدل على أنه يجب أن يكون متولِّي هذه الوظيفة في المنزلة العالية من الدين والخلق والعلم والسلوك.

وهنا تظهر أهمية هذه الوظيفة في حياة الناس؛ إذ إن قوة الأئمة تبدو على مجتمعاتهم، وضعفهم يظهر أثره في تلك المجتمعات؛ لأن المسجد هو الذي يعلِّم المجتمع ربط القول بالعمل، فإذا كان الإمام ضعيف العلم أو العقل أو سيئ الخلق والسلوك فإنه يضر ولا ينفع، وإذا كان من مهمة الإمام توجيه المصلين إلى الخير والبر والصلاح فمن العسير أن يحقق الإمام الجاهل هذه المهمة الجليلة.

وقد يكون الإمام جامعًا لشروط هذه الوظيفة من حيث العلم والقدرة الشخصية، ولكنه مشغول عن وظيفته بأعمال أخرى تؤثر على مستوى أدائه، فيأتي متأخرًا عن مواعيد إقامة الصلاة، ولا يجد الوقت الكافي لمراجعة السور أو الآيات التي يقرأ بها في الصلوات؛ فنراه يصلي بسور أو آيات معينة لا يتجاوزها.

وقد يغلبه الهوى أو الجهل أو النزاعات أو التطرف المذموم فيخرج عن الموضوعية والتوجيه التربوي والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

وإن للمسجد أثرًا عظيمًا في هذا الدين؛ إذ هو منارة هدى يتصل العبد فيه بربه، ويتقوى إيمانه، ويجتمع بإخوانه ليتعاون الجميع على نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، ولن يكون المسجد قادرًا على ذلك إلا إذا هيَّأ الله له إمامًا تتوفر له المقومات العلمية والخلقية المطلوبة لكل من يشغل هذا المنصب العظيم، ويؤدي مهام هذه الوظيفة الجليلة.

أهم المقومات العلمية التي ينبغي توفرها في الإمام:

1 - إخلاص العمل لله؛ حتى يكون مؤيَّدًا منصورًا مقبولًا ومحبوبًا عند الله وعند الناس.

2 - الابتعاد عن الرياء والمباهاة؛ فإن الأمور بمقاصدها، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ومن تزيَّن بما ليس فيه شانه الله.

3 - أن يكون حافظًا لكتاب الله، أو يحفظ قدرًا منه، وأن يداوم على مراجعة ما يحفظه، وأن يكون له ورد يومي لقراءة القرآن.

4 - أن يحفظ عددًا من الأحاديث النبوية، من رياض الصالحين، أو الأربعين النووية، أو من بلوغ المرام، أو غيرها من كتب الحديث المعتمدة.

5 - أن يتعلم العقيدة الصحيحة، عقيدة السلف الصالح.

6 - أن يتعلم الفقه في أحكام الدين، لا سيما فقه العبادات، وأهم ذلك ما يتعلق بالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، وكذلك فقه المعاملات؛ ليعرف ضوابط الكسب والإنفاق، ويحذِّر الناس من الغش والتدليس وأخذ أموال الناس بالباطل، ويحذرهم كذلك من الإسراف والتبذير والبخل والتقتير، حتى تكون تصرفاتهم المالية في ضوء الكتاب والسنة.

7 - أن يجيد اللغة العربية حتى يعرف معاني ما أنزل الله على رسوله ﷺ فإن القرآن نزل بلغة العرب.

8 - أن يقرأ السيرة النبوية، والشمائل المحمدية، وسير السلف الصالح؛ ففيها قدوة صالحة، وأسوة حسنة، وثروة علمية نافعة، وثقافة إسلامية عالية.

9- أن يعرف علماء بلده وغيرهم من أهل العلم الراسخين المعروفين بسلامة العقيدة والعلم والعقل، وأن يرجع إليهم في جميع ما يحتاجه من مسائل الدين وحل مشكلات مجتمعه.

10 - أن يعرف الفِرَق الإسلامية وعقائدها، والاتجاهات الفكرية ومقاصدها، والمذاهب الهدَّامة وأهدافها، حتى يتمكن من مناقشتها في ضوء كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كتبه علماء المسلمين المحققون، وينقد زيفها، ويحذِّر من باطلها.

11- أن يتعرف على وسائل الإعلام المختلفة، ويعرف إيجابياتها وسلبياتها، وكيف يستفيد منها في الدعوة إلى الله، ويحذر مما فيها من المخاطر على نفسه ومجتمعه.

وإذا توافرت هذه المقومات لإمام المسجد فإن ذلك يُحدِث استقامة وتوازنًا، بإذن الله تعالى.

وأهم المقومات الخُلُقية:

1- ينبغي لإمام المسجد أن يكون داعيةً ومعلمًا لجماعة المسجد ومن يرتاد مسجده من أهل الحي وغيرهم، فيجب أن يكون له في رسول الله ﷺ قدوة؛ فهو القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والمثل الأعلى للأمة والقادة، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21].

وأن ينأى بنفسه وروَّاد مسجده عن الكلام في الدنيا والسياسة، وأن يجعل المسجد مقصورًا على العلم والعبادة.

2- أن يكون نظيفًا منظَّمًا في نفسه، ويعتني كذلك بنظافة المسجد، وترتيب أغراضه وتنظيمها، وصيانة مرفقاته، ويبتعد عن الإسراف في ذلك، ويجتنب زخرفة المسجد.

3- أن يكون حَسَن الهدي والسَّمْت، مُستنًّا بسنة النبي ﷺ من إعفاء اللحية وقص الشارب، مع اجتناب إسبال الثياب، وأن يلزم الوقار والسكينة، وأن يكون متبعًا لأثر من مضى من السلف الصالح رحمهم الله.

4- أن يكون رفيقًا حليمًا رحيمًا؛ فإن الرفق ما وُجد في شيء إلا زانه ولا نُزع من شيء إلا شانه كما جاء بذلك الحديث؛ فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [93]. [93] رواه مسلم: (2594).

فإذا صدر من أحد رواد المسجد خطأ، فلا ينبغي على الإمام أن يعنِّفه، بل ينصحه برفق؛ ويعلِّمه بطريقة حسنة؛ فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَامَنِي القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلتُ: وَاثُكْلَ أُمِّياه، مَا شَأْنُكُمْ تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِّنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي -أَيْ: مَا قَهَرَنِي وَلَا نَهَرَنِي- وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ» [94]. [94] رواه مسلم: (537).

5- أن يكون ليِّنًا رقيق القلب؛ ليجمع الناس حوله فيستفيدوا من عطفه، ومساعدته وعلمه، وأن يقف معهم في نوائبهم وحوائجهم، وينبغي أن يشاورهم فيما يتعلق برسالة المسجد.

وكان رسول الله ﷺ في المقام الأعلى من ذلك كله، كما قال تعالى عنه: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ159﴾ [آل عمران: 159].

6- أن يتحلى بالصبر واليقين؛ والصدق فيما يقوله، ليستحق شرف الإمامة في مسجده وبين جماعته؛ فإن الصبر واليقين يوصلان العبد إلى مرتبة الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ24﴾ [السجدة: 24].

7- يجب أن يكون صادقًا فيما يقول، سواء أكان ذلك في خطبة الجمعة، أو في درس التعليم والموعظة، أو في كلامه مع الناس؛ ليكون من الصادقين المهتدين الفائزين؛ فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِندَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِندَ اللَّهِ كَذَّابًا» [95]. [95] رواه البخاري: (6094)، ومسلم: (2607)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

والكذب شرٌ وبلاء، وأعظم الكذبِ الكذبُ على الله تعالى والقولُ عليه بلا علم، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ33﴾ [الأعراف: 33].

فهذه الآية الكريمة جمعت أعظم الذنوب بدأت بالأدنى فالأعلى، وهو القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وشرعه.

والكذب على رسول الله ﷺ من أعظم الكذب وأقبح الذنوب، وهو من الكبائر التي تُوُعِّد صاحبها بالنار؛ فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَذِبًا عَلَىٰ أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [96]. [96] رواه البخاري: (1291)، ومسلم: (4).

ويجتنب الكذب حتى ولو كان عن حسن نية لغرض الترغيب في الخير والترهيب من الشر، كما يفعل بعض الوعاظ؛ فإنه قبح لا خير فيه ولا هداية، وقائله مأزور غير مأجور، وآثم غير غانم.

8- أن يكون أمينًا في نقل الكلمة، ويتثبت من صحة الأخبار، ولا يتعجل في الأخذ بالشائعات، ولا يعتمد إلا قولًا موثوقًا، وقد أمرنا الله تعالى بذلك في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ6﴾ [الحجرات: 6].

9- أن يبالغ في ستر الناس، وأن يكتم أسرارهم، فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [97]. وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [98]. [97] رواه البخاري: (2442)، ومسلم: (2580). [98] رواه أبو داود: (4880)، وينظر لهذه المقومات كتاب إمام المسجد مقوماته العلمية والخلقية للشيخ سعود بن محمد البشر.

المبحث الثالث: صلاة الجمعة وخطبتها

المطلب الأول: صلاة الجمعة

المسألة الأولى: مفهوم صلاة الجمعة ووقتها:

أولًا: مفهوم صلاة الجمعة:

الجمعة: يوم من أيام الأسبوع، تُصلَّى فيه صلاة خاصة هي صلاة الجمعة [99]. [99] ينظر: معجم لغة الفقهاء لمحمد رواس قلعجي وآخرين: (ص 166).

وهداية الله هذه الأمة ليوم الجمعة فضل عظيم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ -أَيْ: غَيْرَ- أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَاليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَىٰ بَعْدَ غَدٍ» [100]. [100] رواه البخاري: (876)، ومسلم: (855).

ويوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» [101]. [101] رواه مسلم: (854).

والجمعة إلى الجمعة كفارة لِمَا بينهما؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» [102]. [102] رواه مسلم: (233).

وصلاة الجمعة: صلاة مستقلة بنفسها، تخالف الظهر في العدد، والجهر، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتُوافقها في الوقت.

ثانيًا: وقت صلاة الجمعة:

وقت الجمعة هو وقت الظهر، من بعد زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء كطوله بعد فيء الزوال؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس [103]. أي: تميل إلى جهة الغرب، وتزول عن وسط السماء، وهو وقت صلاة الظهر. [103] رواه البخاري: (904).

المسألة الثانية: حكم صلاة الجمعة، وعلى من تجب؟

أولًا: حكم صلاة الجمعة:

الجمعـة فرض عين على الرجـال؛ لقولـه سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ9﴾ [الجمعة: 9]، وعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ -أَيْ: تَرْكِهِمْ- الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ» [104]. [104] رواه مسلم: (865).

وقد أجمع المسلمون على وجوب صلاة الجمعة، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: "وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَحْرَارِ البَالِغِينَ المُقِيمِينَ الَّذِينَ لَا عُذْرَ لَهُمْ" [105]. [105] الإجماع: (ص 40).

ثانيًا: على مَن تجب؟

تجب الجمعة على كل مسلم ذكر حر بالغ عاقل، قادر على إتيانها، مقيم، فلا تجب على: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مجنون، أو مريض، أو مسافر، يدل على ذلك ما رواه طارق بن شهاب رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ، إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» [106]. [106] رواه أبو داود: (1067).

وأما المسافر فلا تلزمه الجمعة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يصلِّيها في أسفاره، وقد وافق يوم عرفة في حجَّته يوم جمعة، ومع ذلك صلَّاها ظهرًا وجمع العصر معها.

وقد نقل ابن المنذر رحمه الله تعالى الإجماع على ذلك، فقال: "وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ...وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَحْرَارِ البَالِغِينَ المُقِيمِينَ الَّذِينَ لَا عُذْرَ لَهُمْ"[107]. [107] الإجماع: (ص 40).

وإذا حضرها العبد المملوك، أو المرأة، أو الصبي، أو المريض، أو المسافر صَحَّتْ منه، وأجزأته عن صلاة الظهر.

ولا تجب صلاة الجمعة على البدو الذين يتنقَّلون لطلب الرعي والماء؛ لأن أهل البادية في عهد النبي ﷺ كانوا حول المدينة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالجمعة، وقال الإمام أحمد: "لَيْسَ عَلَى البَادِيَةِ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَقِلُونَ. فَعَلَّلَ سُقُوطَهَا بِالِانْتِقَالِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا لَا يَنْتَقِلُ بِاخْتِيَارِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ القُرَى" [108]. [108] مجموع الفتاوى: (24/ 166).

وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب، واثنان يستمعان؛ لقوله تعالى: ﴿...فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ...﴾ [الجمعة: 9] وهذا جمعٌ، وأقل الجمع ثلاثة.

المسألة الثالثة: كيفية صلاة الجمعة:

صلاة الجمعة ركعتان يُجهر فيهما بالقراءة؛ لأنه ﷺ كان يفعل ذلك، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، يقول ابن حزم رحمه الله: "أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الجُمُعَةَ -إِذَا جُمِّعَتْ عَلَى شُرُوطِهَا- رَكْعَتَانِ يُجْهَرُ فِيهِمَا" [109]. [109] مراتب الإجماع: (ص 33).

ويُسَنُّ أن يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وسورة الأعلى، وفي الثانية بالفاتحة وسورة الغاشية؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ وَفِي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَىٰ، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ»[110]. [110] رواه مسلم: (878).

أو يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وسورة الجمعة، وفي الثانية بالفاتحة وسورة المنافقون؛ فعن ابن أبي رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة، في الركعة الآخرة: إذا جاءك المنافقون، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الجُمُعَةِ» [111]. [111] رواه مسلم: (877).

المسألة الرابعة: بم تُدرَك الجمعة؟

تُدرك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» [112]. [112] رواه النسائي: (557).

وإن أدرك أقل من ركعة صلاها ظهرًا [113]. [113] ينظر: المغني لابن قدامة: (2/ 231).

فمن فاتته ركعة من صلاة الجمعة وأدرك الإمام في الركعة الثانية أثناء ركوعه أو قبله فإنه يقضي ركعة واحدة فقط، لحديث: «وَمَن أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [114]. [114] رواه أبو داود: (٨٩٣).

المسألة الخامسة: ما يحرم فِعْلُه في الجمعة أو يُكْره

1- يحرم الكلام والإمام يخطب؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» [115] أي: تكلَّمت باللغو، وهو الكلام الباطل المردود، وبطلت فضيلة جمعتك. [115] رواه البخاري: (934)، ومسلم: (851).

قال النووي رحمه الله: "فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الكَلَامِ حَالَ الخُطْبَةِ، وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى مَا سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنْصِتْ، وَهُوَ فِي الأَصْلِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَسَمَّاهُ لَغْوًا، فَيَسِيرُهُ مِنَ الكَلَامِ أَوْلَى"[116]. [116] شرح مسلم: (6/ 138).

ويدخل في النهي عن الكلام: تشميت العاطس، وردُّ السلام، فلا يجوز والإمام يخطب، أما قبل أن يبدأ الخطيب بالخطبة، وعند السكتة بين الخطبتين، فلا حرج في الكلام.

أما كلام المأموم مع الخطيب فلا بأس به، فعن أنس بن مالك قال: «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ...»الحديث [117]. [117] رواه البخاري: (967)، ومسلم: (897).

2- ويحرم أثناء الخطبة العبث، بمسِّ الحصا، أو استعمال المِسْبَحة، أو الاشتغال بالهاتف الجوال، ونحو ذلك؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» [118]. وذلك لأن العبث يمنع الفهم والخشوع. [118] رواه مسلم: (857).

3- ويحرم تخطِّي رقاب الناس أثناء الخطبة؛ لحديث عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» [119]. [119] رواه أبو داود: (1118).

وذلك لأن في تخطِّي الرقاب أذيَّة للمصلِّين، وإشغال لهم عن سماع الخطبة، أما الإمام فلا بأس بتخطِّيه الرِّقاب إن لم يمكنه الوصول إلى مكانه إلا بذلك، وكذا من اضطُرَّ إلى التخطِّي لحاجة لابد منها، كالوضوء، أو ليسد فرجة أمامَه، أو نحو ذلك.

4- ويحرم إقامة الإنسان من موضعه الذي سبق إليه، والقعود مكانه؛ لما ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ لِيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدْ فِيهِ، وَلَكِنْ افْسَحُوا» [120]. [120] رواه مسلم: (2178).

5- ويُكره التفريق بين اثنين؛ بأن يجلس بينهما أو يتخطاهما؛ فقد ثبت عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ... ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» [121]، فدلَّ ذلك على أنَّ مَن فرَّق بين اثنين لم تحصل له هذه المغفرة. [121] رواه البخاري: (910).

المسألة السادسة: سنن الجمعة:

1- يُسَنُّ أن يقرأ في صلاة الفجر من يوم الجمعة بسورتي السجدة والإنسان؛ لمواظبته ﷺ على ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كَانَ ‌النَّبِيُّ ﷺ ‌يَقْرَأُ ‌فِي ‌الجُمُعَةِ ‌فِي ‌صَلَاةِ ‌الفَجْرِ ‌الم ‌تَنْزِيلُ ‌السَّجْدَةَ، ‌وَهَلْ ‌أَتَى ‌عَلَى ‌الإِنْسَانِ ‌حِينٌ ‌مِنَ ‌الدَّهْرِ»[122]. [122] رواه البخاري: (891)، ومسلم: (880).

2- الاغتسال في يوم الجمعة، وهو سنة مؤكدة؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» [123]. وينبغي الحرص عليه وعدم تركه، خاصة لأصحاب الرَّوائح الكريهة. [123] رواه البخاري: (877)، ومسلم: (844).

ويبدأ وقت الغُسل للجمعة من طلوع الفجر، ويُجزئ غُسل الجنابة عن غُسل الجمعة؛ لأن المقصود بغسل الجمعة التنظف وإزالة الروائح الكريهة من الجسم، وهذا يحصل بالغسل من الجنابة، ولكن يشرع أن ينوي دخول غسل الجمعة في غسل الجنابة؛ ليحصل له الأجر بذلك.

3- يُسَنُّ له التطيُّب والتنظُّف، وإزالة ما ينبغي إزالته من الجسم؛ كتقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وحَفِّ الشارب؛ لحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» [124]. [124] رواه البخاري: (910).

كما يتأكد عليه استعمال السواك في هذا اليوم؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ -أَيْ: يَسْتَاكُ- وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ» [125]. [125] رواه البخاري: (880).

4- يُسَنُّ له أن يلبس أحسن ما وجد من الثِّياب؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أَنَّهُ رَأَى حُلَّةً سِيرَاءَ عِندَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ...» [126]. [126] رواه البخاري: (٨٨٦)، ومسلم: (٢٠٦٨).

5- يُسَنُّ التبكير إلى المسجد يوم الجمعة؛ لترغيب النبي ﷺ في ذلك؛ ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ -أَيْ: غُسْلًا صِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الجَنَابَةِ- ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً -وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنَ الإِبِلِ ذَكَرًا أَمْ أُنثَى- وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [127]. [127] رواه البخاري: (881)، ومسلم: (850).

6- يُسَنُّ لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب ألا يجلس حتى يصلي ركعتين ويخفِّفهما؛ لأَمْرِه ﷺ الداخلَ وقتَ الخطبة بذلك، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» ثم قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» [128]. [128] رواه البخاري: (930)، ومسلم: (875).

7- يُسَنُّ قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ» [129]. [129] رواه الحاكم في المستدرك: (3392)، والحديث معلول بالوقف على أبي سعيد.

8- يُسَنُّ في يومها وليلتها الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ؛ فعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» [130]. [130] رواه أبو داود: (1531).

9- يُسَنُّ أن يُكثر في هذا اليوم من الدعاء، ويتحرَّى ساعة الإجابة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: «فِيهِ سَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَىٰ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» [131]. [131] رواه البخاري: (935)، ومسلم: (852).

والإجابة تُرجى في جميع ساعات الجمعة، ولكن أرجاها ما بين أن يجلس الإمام يوم الجمعة للخطبة إلى أن تُقضى الصلاة، وآخر ساعة من يوم الجمعة في حق من جلس ينتظر صلاة المغرب، سواء أكان في المسجد أم في بيته؛ لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في ساعة الجمعة: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَىٰ أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» [132]. [132] رواه مسلم: (853).

المسألة السابعة: نافلة الجمعة:

ليس لصلاة الجمعة سنة راتبة قبلها، ولكن يُسَنُّ لمن جاء إلى الجمعة أن يصلي ما شاء، ركعتين، أو أربع، أو ست، أو أكثر، يسلِّم من كل ركعتين؛ لترغيب النبي ﷺ في ذلك، كما في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ... ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» [133]. ولفعل الصحابة رضي الله عنهم، ولعموم الفضل الوارد في مطلق التنفُّل. [133] رواه البخاري: (910).

أمَّا السُّنة الراتبة فتكون بعد الجمعة، فيصلي ركعتين في بيته، أو أربع ركعات في المسجد؛ «فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ» [134]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» [135]. [134] رواه البخاري: (937)، ومسلم: (729)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. [135] رواه مسلم: (881).

فراتبة الجمعة إن صُلِّيت في المسجد صُلِّيت أربعًا، وإن صُلِّيت في البيت صُلِّيت ركعتين.

المطلب الثاني: خطبة الجمعة

المسألة الأولى: خطبة الجمعة:

هي كلام يُلقى على جمع من الناس، قبيل صلاة الجمعة، يشتمل على حمد الله، والثناء عليه، والصلاة والسلام على النبي ﷺ، والوعظ والتذكير[136]. [136] ينظر: معجم لغة الفقهاء: (ص 197)، وخطبة الجمعة وأحكامها الفقهية للحجيلان: (ص 22).

المسألة الثانية: حكم الخطبة:

الخطبة شرط في صلاة الجمعة لا تصح إلا بها؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ...﴾ [الجمعة: 9] وقد فُسِّر ذِكْرُ الله بأنه الخطبة [137]؛ فلو لم تكن الخطبة واجبة، لم يجب السعي إليها، وكذا لمواظبته ﷺ عليها وعدم تَرْكِه لها أبدًا. [137] ينظر: تفسير الطبري: (22/ 642).

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: "وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ فِي الجُمُعَةِ، لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا"[138]. [138] المغني: (2/ 224).

المسألة الثالثة: شروط الخطبة:

1-كونهما خطبتين؛ لما ثبت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا» [139]. [139] رواه البخاري: (928).

2- أن تكون بعد دخول وقت صلاة الجمعة، فإن وقعت أو جزء منها قبله لم تجزئ.

3- تقدُّم الخطبتين على الصلاة؛ لحديث السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال: «إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا» [140] وهو صريح في تقديم الخطبتين على الصلاة. [140] رواه البخاري: (916).

ولقوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [141]، ولم يصلِّ ﷺ إلا بعد الخطبتين، وقال المرداوي: "يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهُمَا -يَعْنِي: الخُطْبَتَيْنِ- عَلَى الصَّلَاةِ بِلَا نِزَاعٍ" [142]. [141] رواه البخاري: (631) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه. [142] الإنصاف: (2/ 389).

4- الموالاة بين أجزاء الخطبة، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "وَالمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الخُطْبَةِ، فَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ المُوَالَاةَ، اسْتَأْنَفَهَا، وَالمَرْجِعُ فِي طُولِ الفَصْلِ وَقِصَرِهِ إِلَى العَادَةِ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ المُوَالَاةُ بَيْنَ الخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ، وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ، مَا لَمْ يَطُلِ الفَصْلُ"[143]. [143] المغني: (2/ 230).

5- الجهر بالخطبة؛ وذلك لأن الخطبة واجبة وشرط لصحة الجمعة، والجهر وسيلة لأدائها وتحقيق المقصود منها، وهو الوعظ والتذكير، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

6- حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة؛ لأن الخطبة ذِكْر وجبَ السعي إليه، فلزم أن يستمع إليها العدد المذكور.

المسألة الرابعة: أركان الخطبة:

1- افتتاحها بالحمد والثناء على الله عز وجل؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَىٰ إِثْرِ ذَٰلِكَ...» الحديث [144]. [144] رواه مسلم: (867).

2- اشتمالها على الصلاة على النبي ﷺ؛ لأن الصلاة على النبي ﷺ في الخُطَب أمرٌ معروف مشهور عند الصحابة رضي الله عنهم [145]. [145] ينظر: جلاء الأفهام لابن القيم: (ص 371).

2- اشتمالها على الموعظة والوصية بتقوى الله تعالى؛ لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» [146]؛ ولأن ذلك هو المقصود من الخطبة. [146] رواه مسلم: (862).

4- قراءة شيء من القرآن الكريم؛ لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ».

المسألة الخامسة: سنن الخطبة:

1- أن يخطب على منبر أو مكان مرتفع؛ «فَقَدْ صُنِعَ لَهُ ﷺ مَنبرٌ، فَخَطَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ» [147]، وقد تواتر عن جمعٍ من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي ﷺ كان يخطب على منبر[148]، وقد نقل النووي رحمه الله الإجماع على استحباب ذلك فقال: "أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ الخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرٍ"[149]، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام، ولأن الناس إذا شاهدوا الخطيب كان أبلغ في وعظهم. [147] رواه البخاري: (2095) من حديث جابر رضي الله عنه. [148] ينظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: (3/ 75) وما بعدها. [149] المجموع شرح المهذب: (4/ 527).

2- قيام الخطيب حال الخطبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗا...﴾ [الجمعة: 11]، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ» [150]. [150] رواه البخاري: (920)، ومسلم: (861).

3- يُسنُّ للخطيب أن يُقْبِل بوجهه على المأمومين؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَنَا مِنْ مِنْبَرِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الجُلُوسِ، فَإِذَا صَعِدَ المَنبرَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ سَلَّمَ»[151]. [151] رواه البيهقي في السنن الكبرى: (5742).

قال الحافظ ابن رجب: "اسْتِقْبَالُ الإِمَامِ أَهْلَ المَسْجِدِ وَاسْتِدْبَارُهُ القِبْلَةَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالنُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ سُنَّةٌ، فَلَوْ خَالَفَهَا الإِمَامُ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ"[152]. [152] فتح الباري لابن رجب: (8/ 250).

4- يُسنُّ أن يُسلِّم الخطيب على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ لحديث جابر رضي الله عنه، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ»[153]. [153] رواه ابن ماجه: (1109).

5- يُسنُّ أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ المَنبرَ حَتَّى يَفْرُغَ المُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ»[154]. ويشهد له حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال: «إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا» [155]. [154] رواه أبو داود: (1092). [155] رواه البخاري: (916).

6- أن يرفع صوته بالخطبة حسب الطاقة؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» [156]، (صَبَّحَكُم) أي: أتاكُم الجيشُ في وقتِ الصَّباح، و(مسَّاكم) أي: أَتَوكُم في وقتِ المساء، ومَنْ خَوَّفَ أحدًا فله أن يقول هذين اللفظين. [156] رواه مسلم: (867).

7- أن يجلس بين الخطبتين قليلًا؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا» [157]. [157] رواه البخاري: (928).

8- يُسنُّ قصر الخطبتين، وتكون الثانية أقصر من الأولى، مع إطالة الصلاة؛ لحديث عمار رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ -أَيْ: عَلَامَةٌ- مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الخُطْبَةَ» [158]. [158] رواه مسلم: (869).

9- يُسَنُّ الدعاء للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، والدعاء لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتوفيق؛ قال النووي رحمه الله: "أَمَّا الدُّعَاءُ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ بِالصَّلَاحِ وَالإِعَانَةِ عَلَى الحَقِّ وَالقِيَامِ بِالعَدْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِجُيُوشِ الإِسْلَامِ، فَمُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ"[159]. [159] المجموع شرح المهذب: (4/ 521).

ولا يشرع للإمام أن يرفع يديه حال الدعاء في خطبة الجمعة إلا في الاستسقاء، ويستحب له أن يشير بالسبابة؛ فعن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: «قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ اليَدَيْنِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَىٰ أَنْ يَقُولَ بِيدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبِعِهِ المُسَبِّحَةِ»[160]. [160] رواه مسلم: (874).

10- أن يتولَّى الصلاة مَن يتولَّى الخطبة؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنْ خَطَبَ رَجُلٌ، وَصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ، جَازَ[161]. [161] المغني لابن قدامة: (2/ 228).

المسألة السادسة: ترجمة خطبة الجمعة:

يجوز للخطيب في البلاد التي لا يَعرِف أهلها أو أكثرهم اللغة العربية أن يخطب بلغتهم؛ ليفهموا الخطبة، ويتحقق المقصود منها، وينتفعوا بما فيها من العلم والموعظة والتذكير، ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أنه يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية، وإنما كان ﷺ يخطب بها؛ لأنها لغته ولغة قومه.

والأولى بالخطيب أن يخطب باللغة العربية ثم يترجمها إلى لغة بلاده، اقتداءً بالنبي ﷺ في خُطَبه، وخروجًا من الخلاف في هذه المسألة.

ويُراعَى في الترجمة ما هو الأصلح للمستمعين من تجزئتها عقب كل مقطع من الخطبة، أو تأخير الترجمة لتكون بعد الفراغ من الخطبة باللغة العربية وقبل الصلاة.

كما يجوز ترجمة الخطبة ترجمة فورية، وبثُّ تلك الترجمة عن طريق محطة إرسال، واستخدام لاقطات لتلك الترجمة من قبل من لا يحسن العربية من المصلين، ولا يعد ذلك من اللغو المنهي عنه لا من قبل المترجِم ولا المتلقِّي؛ لما في ذلك من المصلحة العامة، وتحقيق المقصود من الخطبة.

المسألة السابعة: مقومات الخطيب:

يُعدُّ خطيب المسجد عماد المسجد وقوته، به يؤدي المسجد رسالته في نشر الدعوة وتوعية المجتمع وتبصير الناس بأمور دينهم، فإذا كان الخطيب عالمًا، عاقلًا، نافذ البصيرة، عارفًا بعادات الناس وأحوالهم كان تأثيره جيدًا ومفيدًا في جماعة المسجد، وفي سكان الحي الذي فيه المسجد يعلمهم ويرشدهم ويقودهم إلى كل خير وفضيلة.

وقد كان كذلك الخطباء المستجمعون لشروط الخطابة، ففي صدر الإسلام كان النبي ﷺ هو الخطيب، ثم خلفاؤه الراشدون، ثم الأمراء والقواد والعلماء والأعلام، وهذا يدل على أنه يجب أن يكون متولِّي هذه الوظيفة في المنزلة العالية من الدين والخلق والعلم والسلوك.

وهنا تظهر أهمية هذه الوظيفة في حياة الناس؛ إذ إن قوة الخطباء تبدو على مجتمعاتهم، وضعفهم يظهر أثره في تلك المجتمعات؛ لأن المسجد هو الذي يعلِّم المجتمع ربط القول بالعمل، فإذا كان الخطيب ضعيف العلم أو العقل أو الشخصية أو سيئ الخلق والسلوك فإنه يضر ولا ينفع، وإذا كان من مهمة الخطيب توجيه المصلين إلى الخير والبر والصلاح فمن العسير أن يحقق الخطيب الجاهل هذه المهمة الجليلة.

وقد يكون الخطيب جامعًا لشروط هذه الوظيفة من حيث العلم والقدرة الشخصية، ولكنه مشغول عن وظيفته بأعمال أخرى تؤثر على مستوى أدائه.

وقد لا يجد -كذلك- الوقت الكافي لإعداد الخطبة بما يناسب الحال، فيخرج للناس -كما يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله- بخطبة لا تُحصِّل في القلب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه[162]. [162] زاد المعاد في هدي خير العباد: (1/ 409).

وقد يغلبه الهوى أو الجهل أو النزاعات أو التطرف المذموم فيخرج عن الموضوعية والتوجيه التربوي والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

وإن للمسجد أثرًا عظيمًا في هذا الدين؛ إذ هو منارة هدى يتصل العبد فيه بربه، ويتقوى إيمانه، ويجتمع بإخوانه ليتعاون الجميع على نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، ولن يكون المسجد قادرًا على ذلك إلا إذا هيَّأ الله له إمامًا تتوفر له المقومات العلمية والخلقية المطلوبة لكل من يشغل هذا المنصب العظيم، ويؤدي مهام هذه الوظيفة الجليلة.

أهم المقومات العلمية التي ينبغي توفرها في الخطيب:

1 - إخلاص العمل لله؛ حتى يكون مؤيَّدًا منصورًا مقبولًا ومحبوبًا عند الله وعند الناس.

2 - الابتعاد عن الرياء والمباهاة؛ فإن الأمور بمقاصدها، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ومن تزيَّن بما ليس فيه شانه الله.

3 - أن يكون حافظًا لكتاب الله، أو يحفظ قدرًا منه، وأن يداوم على مراجعة ما يحفظه، وأن يكون له ورد يومي لقراءة القرآن.

4 - أن يحفظ عددًا من الأحاديث النبوية، من رياض الصالحين، أو الأربعين النووية، أو من بلوغ المرام، أو غيرها من كتب الحديث المعتمدة.

5 - أن يتعلم العقيدة الصحيحة، عقيدة السلف الصالح.

6 - أن يتعلم الفقه في أحكام الدين، لا سيما فقه العبادات، وأهم ذلك ما يتعلق بالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، وكذلك فقه المعاملات؛ ليعرف ضوابط الكسب والإنفاق، ويحذِّر الناس من الغش والتدليس وأخذ أموال الناس بالباطل، ويحذرهم كذلك من الإسراف والتبذير والبخل والتقتير، حتى تكون تصرفاتهم المالية في ضوء الكتاب والسنة.

7 - أن يجيد اللغة العربية حتى يعرف معاني ما أنزل الله على رسوله ﷺ فإن القرآن نزل بلغة العرب.

8 - أن يقرأ السيرة النبوية، والشمائل المحمدية، وسير السلف الصالح؛ ففيها قدوة صالحة، وأسوة حسنة، وثروة علمية نافعة، وثقافة إسلامية عالية.

9- أن يعرف علماء بلده وغيرهم من أهل العلم الراسخين المعروفين بسلامة العقيدة والعلم والعقل، وأن يرجع إليهم في جميع ما يحتاجه من مسائل الدين وحل مشكلات مجتمعه.

10 - أن يعرف الفرق الإسلامية وعقائدها، والاتجاهات الفكرية ومقاصدها، والمذاهب الهدَّامة وأهدافها، حتى يتمكن من مناقشتها في ضوء كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كتبه علماء المسلمين المحققون، وينقد زيفها، ويحذِّر من باطلها.

11- أن يكون له اهتمام بواقع المسلمين وضعفهم وتسلط الأعداء عليهم، ويعلم أن ذلك بسبب بعدهم عن منهج الله السوي المستقيم وضعف الإيمان بالله والانقياد لشرعه، فيسعى في تعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

12- أن يتعرف على وسائل الإعلام المختلفة، ويعرف إيجابياتها وسلبياتها، وكيف يستفيد منها في الدعوة إلى الله، ويحذر مما فيها من المخاطر على نفسه ومجتمعه.

وإذا توافرت هذه المقومات لخطيب الجمعة؛ فإن ذلك يُحدِث استقامة وتوازنًا، بإذن الله تعالى.

وأهم المقومات الخُلُقية:

1- ينبغي لخطيب المسجد أن يكون داعيةً ومعلمًا لجماعة المسجد ومن يرتاد مسجده من أهل الحي وغيرهم، فيجب أن يكون له في رسول الله ﷺ قدوة؛ فهو القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والمثل الأعلى للأمة والقادة، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21].

وأن ينأى بنفسه وروَّاد مسجده عن الكلام في الدنيا والسياسة، وأن يجعل المسجد مقصورًا على العلم والعبادة.

2- أن يكون نظيفًا منظَّمًا في نفسه، ويعتني كذلك بنظافة المسجد، وترتيب أغراضه وتنظيمها، وصيانة مرفقاته، ويبتعد عن الإسراف في ذلك، ويجتنب زخرفة المسجد.

3- أن يكون حَسَن الهَدْي والسَّمْت، مستنًّا بسنة النبي ﷺ من إعفاء اللحية وقص الشارب، مع اجتناب إسبال الثياب، وأن يلزم الوقار والسكينة، وأن يكون متبعًا لأثر من مضى من السلف الصالح رحمهم الله.

4- أن يكون رفيقًا حليمًا رحيمًا؛ فإن الرفق ما وُجد في شيء إلا زانه ولا نُزع من شيء إلا شانه كما جاء بذلك الحديث؛ فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [163]. [163] رواه مسلم: (2594).

فإذا صدر من أحد رواد المسجد خطأ، فلا ينبغي على الخطيب أن يعنِّفه، بل ينصحه برفق؛ ويعلِّمه بطريقة حسنة؛ فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَامَنِي القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلتُ: وَاثُكْلَ أُمِّياه، مَا شَأْنُكُمْ تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِّنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي -أَيْ: مَا قَهَرَنِي وَلَا نَهَرَنِي- وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ» [164]. [164] رواه مسلم: (537).

5- أن يكون ليِّنًا رقيق القلب؛ ليجمع الناس حوله فيستفيدوا من عطفه، ومساعدته وعلمه، وأن يقف معهم في نوائبهم وحوائجهم، وينبغي أن يشاورهم فيما يتعلق برسالة المسجد.

وكان رسول الله ﷺ في المقام الأعلى من ذلك كله، كما قال تعالى عنه: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ159﴾ [آل عمران: 159].

6- أن يتحلى بالصبر واليقين؛ ليستحق شرف الإمامة في مسجده وبين جماعته؛ فإن الصبر واليقين يوصلان العبد إلى مرتبة الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ24﴾ [السجدة: 24].

7- يجب أن يكون صادقًا فيما يقول، سواء أكان ذلك في خطبة الجمعة، أو في درس التعليم والموعظة، أو في كلامه مع الناس؛ ليكون من الصادقين المهتدين الفائزين؛ فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلَيْكُم بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِندَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِندَ اللَّهِ كَذَّابًا» [165]. [165] رواه البخاري: (6094)، ومسلم: (2607)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

والكذب شرٌ وبلاء، وأعظم الكذبِ الكذبُ على الله تعالى والقولُ عليه بلا علم، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ33﴾ [الأعراف: 33].

فهذه الآية الكريمة جمعت أعظم الذنوب بدأت بالأدنى فالأعلى، وهو القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وشرعه.

والكذب على رسول الله ﷺ من أعظم الكذب وأقبح الذنوب، وهو من الكبائر التي تُوُعِّد صاحبها بالنار؛ فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [166]. [166] رواه البخاري: (1291)، ومسلم: (4).

ويجتنب الكذب حتى ولو كان عن حسن نية لغرض الترغيب في الخير والترهيب من الشر، كما يفعل بعض الوعاظ؛ فإنه قبح لا خير فيه ولا هداية، وقائله مأزور غير مأجور، وآثم غير غانم.

8- أن يكون أمينًا في نقل الكلمة، ويتثبت من صحة الأخبار، ولا يتعجل في الأخذ بالشائعات، ولا يعتمد إلا قولًا موثوقًا، وقد أمرنا الله تعالى بذلك في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ6﴾ [الحجرات: 6].

9- أن يبالغ في ستر الناس، وأن يكتم أسرارهم، فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [167]. وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوَرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوَرَتَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوَرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [168]. [167] رواه البخاري: (2442)، ومسلم: (2580). [168] رواه أبو داود: (4880).

المسألة الثامنة: آداب الخطبة والخطيب:

1- يجب أن تتنزه خطبة الجمعة عن أن تُتخذ أداة للدعاية لشخص، أو حزب، أو مؤسسة، أو غير ذلك، وأن تكون خالصة لله تعالى ولدينه، وتبليغ دعوته وإعلاء كلمته، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجن: 18].

2- ينبغي ألا يطيل الخطيب إلى حد يثقل على المستمعين وينفِّرهم من سماع الخطبة، وألا يقصر إلى حد يخل بموضوعه ويبتره.

3- ينبغي للخطيب أن يراعي حال تأدية الخطبة استعداد السامعين، فينزل في العبارة مع العامة على قدر عقولهم متجنبًا الألفاظ اللغوية البعيدة عن مداركهم، ويتوسط مع الأوساط، ويتأنق مع الخاصة، فيكون مع جميع الطبقات حكيمًا يضع الأشياء في مواضعها، وفي كل حال يتجافى في كلامه عن كل زخرف باطل.

4- أن يتجنب الأمور الخلافية التي تثير الشحناء والبغضاء؛ فإن مهمة الخطيب الأساسية تعليم الناس وتأليف قلوبهم على الحق وإزالة أسباب الشقاق بينهم.

5- لا يتكلف السجع ولا التعمق، بل جُلُّ قصده إِبلاغ المعاني النافعة بأوضح العبارات وأقصرها.

6- أن يبتعد عن التقليد الممقوت والمتكلَّف، وتقمص شخصيات الخطباء المشهورين؛ فإن ذلك يثير في النفوس عدم الارتياح والرضى[169]. [169] ينظر: أسلوب خطبة الجمعة لعبد الله بن ضيف الله الرحيلي: (ص: 12، 20، 22)، وخمسون وصية ووصية لتكون خطيبًا ناجحًا لأمير بن محمد المدري (ص: 33، 73، 87).

المسألة التاسعة: الغرض من الخطبة وأهدافها:

ينبغي أن تهدف خطبة الجمعة إلى تحقيق الأغراض التالية:

1- بيان أصول التوحيد وأهميته وفضله، والتحذير من الشرك بجميع أقسامه وصوره ووسائله.

2- الوعظ والتذكير بالله تعالى وبحسابه وجزائه في الآخرة، وبالمعاني الربانية التي تحيا بها القلوب، والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- تفقيه المسلمين وتعليمهم حقائق دينهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، مع العناية بسلامة الأخلاق والآداب من الغلو والتفريط.

4- تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإِسلام، وردُّ الشبهات والأباطيل التي يثيرها خصومه لبلبلة الأذهان، بأسلوب مقنع حكيم، بعيد عن المهاترات والسباب.

5- مواجهة الأفكار الهدَّامة والمضلِّلة بتقديم الإِسلام الصحيح باعتباره منهج الأمة الأصيل الذي ارتضاه الله لها، وارتضته لنفسها دينا، مع إِبراز خصائصه من الشمول والتوازن والعمق والإيجابية.

6- ربط الخطبة بالحياة، وبالواقع الذي يعيشه الناس، وذلك بالتركيز على علاج أمراض المجتمع، وتقديم الحلول لمشكلاته، مستمدة من الشريعة الإِسلامية الغراء، مع إعطاء العناية بالعقيدة وإصلاحها، وأركان الإسلام والإيمان، وشؤون المرأة والأسرة المسلمة وغيرها من الموضوعات التي تمس حاجة الناس إليها.

7- مراعاة المناسبات المختلفة التي تتكرر على مدار العام، مثل رمضان والحج وغيرهما، مما يشغل أذهان المستمعين ويشوِّقهم إِلى معرفةٍ تُنير لهم الطريق بشأنه.

8- تثبيت معنى الأخوة الإسلامية بين المسلمين، ومقاومة النزعات والعصبيات العنصرية والمذهبية والإقليمية وغيرها المفرِّقة للمسلمين.

المسألة العاشرة: كيفية إعداد الخطبة:

ينبغي للخطيب أن يعتني بإعداد خطبته إعدادًا متقنًا، وأن يأخذ في اعتباره ما يلي:

تتكوَّن الخطبة عادة من ثلاثة أجزاء: المقدمة، والموضوع، والخاتمة. وهي عناصر لا يُصرَّح بها أثناء الكتابة أو الإلقاء، كما أنها عناصر متداخلة متناسقة، يبلغ الترابط بينها جودته، حسب مقدرة الخطيب، وغزارة علمه، وخبرته، فتنتظم أجزاء الخطبة ويُحكم تركيبها.

وهذا الانتظام والإحكام يجعل المعاني واضحة والمقاصد ظاهرة، ويضمن للمتحدِّث حُسنَ الإصغاء من سامعيه، وكمال الانتباه من مُجالسيه.

المقدمة: ينبغي أن يعتني الخطيب بمقدمته وافتتاحيته، فيأتي بعبارات الاستهلال التي توحي للسامع بمقصود الخطبة، مما يشد الانتباه ويهيئ النفوس، وقد يكون ذلك بآيات قرآنية زاجرة أو مُرغِّبة أو بعض الحِكم النبوية البليغة، والافتتاحية هي أول ما يلقيه الخطيب على جمهوره، فإذا ما فاجأهم بحسن التقديم استطاعوا متابعة بقية خطبته بانطلاق ونشاط.

وينبغي أن يكون في صدر الكلام ما يدل على غاية المتحدِّث، على أن من المعلوم أن خطبة الجمعة تفتتح بحمد الله والثناء عليه والشهادتين والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، فيكون في هذه الألفاظ من حسن الانتقاء ما يدل على موضوع الخطبة ومقصودها.

الموضوع: وهو مقصود الخطبة الأعظم، وقد يكون من المناسب التصريح به في مبتدأ الخطبة كأن يقول: أريد أن أحدثكم عن كذا ... إذا كان من قضايا الساعة التي يخوض فيها المجتمع ويتطلع إلى كلام شافٍ فيها.

وقد لا يحسن التصريح به، إما لأنه شائك، أو يوجب انقسام الناس، وفي هذه الحالة ينبغي أن يدخل إليه الخطيب دخولًا متدرجًا، ويتناوله تناولًا غير مباشر، ليأخذ السامعين بتسلسل منطقي فيصل إلى مبتغاه باعتدال وتوازن متحاشيًا الإثارة والانقسام، ومن ثم يبلغ الخطيب غايته من تهيئة النفوس إن كانت عنه معرضة، أو كان حديثًا في غير ما تألفه نفوسها.

وموضوع الخطبة عادة ما يبتنى على ركنين أساسيين هما الإيضاح والاستدلال.

أما الإيضاح: فيكون بذِكر تعريف الموضوع الذي يتكلم فيه، وذِكر صفاته وخواصه ومزاياه.

أما الاستدلال: فغالبًا يحتاج الموضوع إلى ما يدعمه بالأدلة والحجج والبراهين والشواهد وهي عادة ما تكون من الكتاب والسنة وأقوال السلف، وإيراد بعض الوقائع والأحداث من باب القياس والاعتبار، ويفيد في هذا الباب النقل عن مشاهير الأئمة وحكمائها، ممن عُرِفوا بالصلاح والإمامة والمروءة والزهد والشجاعة والورع، حسبما يقتضي المقام ويناسب المقال.

خاتمة الخطبة: بعد أن يفرغ الخطيب من عرض موضوعه، يحسن أن يُنهي خطبته بخاتمة مناسبة، تجمع أفكاره، وتُلخِّص موضوعه، بعبارات مغايرة، وطريقة مختصرة، لأن الإطالة في هذه الحالة تجلب الملل وتُشتِّت الفكر.

ولا ينبغي أن تحتوي على أفكار جديدة وأدلة جديدة؛ لأنها حينئذ لا تكون خاتمة، وإنما جزء من الخطبة وامتداد لها.

وتكون الخاتمة قوية في تعبيرها وتأثيرها، لأنها آخر ما يطرق سمع السامع ويبقى في ذهنه، وإذا كانت ضعيفة في تركيبها، فاترة في إلقائها، ذهبت فائدة الخطبة.

وقد تكون الخاتمة آيات قرآنية لم يسقها من قبل، تجمع موضوعه في الترغيب أو الترهيب أو التدليل والإثبات، وقد تكون حديثًا نبويًّا يفيد ما تفيده الآيات القرآنية، وقد يكون إعادة لعناصر الخطبة بأسلوب مغاير وبطريقة جامعة واضحة ذات تأثير قوي.

وهناك مسألتان ينبغي للخطيب الاعتناء بهما، وهما: وحدة الموضوع، الجِدَة والتغيير.

وحدة الموضوع: ينبغي الاقتصار على موضوع واحد، تُستوفَى عناصره، وتُنمَّق كلماته، وتُعمَّق معالجته؛ لأن تشعُّب المواضيع وتعدد القضايا في المقام الواحد يُشتِّت الأذهان، ويُنسي بعضُها بعضًا، ويقود إلى الإطالة المملة والصورة الباهتة وسطحية المعالجة.

الجِدَة والتغيير: ويعني ذلك ألا تكون خطبه كلها في موضوعات متكررة لا يخرج عنها، بل ينوِّع في موضوعاته؛ لتشمل جميع أمور الشريعة من توحيد وعبادات ومعاملات وأخلاق وغيرها.

وألا يلتزم وتيرة واحدة في أسلوبه وطريقة إلقائه، بل يكون استفهاميًّا تارة، وتقريريًّا أخرى، وضربًا للأمثال، وتَلَمُّسًا للحكم والأسرار، مع ما يطلب من معايشه واقع المجتمع، وتَلَمُّس حاجات الناس، وتوجيههم وتبصيرهم، تمشِّيًا مع أثر هذه المتغيرات عليهم[170]. [170] ينظر: منهج في إعداد خطبة الجمعة للدكتور صالح بن عبد الله بن حميد: (ص 22) وما بعدها.

المبحث الرابع: أحكام المساجد

المطلب الأول: تعريف المسجد

المسْجِد شرعًا: هو ما تقام فيه الصلوات الخمس المفروضة والجمعة وغيرها، ويرفع فيه الأذان وسمي مسجدًا؛ لأنه مكان للسجود لله تعالى.

الفرق بين المسجد والمصلَّى

المسجد هو المكان المخصص للصلوات المفروضة بصفة دائمة، والموقوفة لذلك، أما المصلى فهو ما اتخذ لصلاة عارضة؛ مثل مصليات المدارس والمؤسسات والشركات وطرق السفر وغيرها، ولم يوقف للصلوات الخمس، ولا تسن تحية المسجد لدخول المصلى، وإنما تسن لدخول المسجد.

المطلب الثاني: بناء المسجد وفضله

المساجد خير بقاع الأرض وأشرفها، تقام فيها أفضل العبادات وهي الصلاة، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 36 رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ37﴾ [النور: 36- 37].

وقد أضاف الله تعالى المساجد إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ ...﴾ [البقرة: 114]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجن: 18].

ولذا فقد رغَّبت الشريعة في بنائها وعمارتها الحسية والمعنوية، فمن ذلك: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ18﴾ [التوبة: 18].

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ» [171]. [171] رواه البخاري: (450)، ومسلم: (533).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ» [172]. [172] رواه ابن ماجه: (738)، وقال البوصيري في «الزوائد» (1/ 94): هذا إسناد صحيح.

وقوله ﷺ: «وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» أي: الموضع الذي تصلحه أنثى الطائر من الأرض لبيضها، وقد أراد المبالغة في الصغر، حتى لا يحتقر أحد ما بناه من المساجد، ولو في غاية الصغر.

وقد يدخل في ذلك من ساهم في بنائه ولو باللبِن أو الطين، أو عمل فيه بيده، أو دفع أجرة العاملين، ونحو ذلك من العمل الذي يُنسَب إلى صاحبه أنه ساعد في بناء المسجد بنفسه أو ماله، احتسابًا وطلبًا للأجر المترتِّب على ذلك، وهو أن يبنيَ الله له مثله أو أوسع منه في الجنة؛ حيث إن البيت في الجنة لا يقاس بما في الدنيا، ولا نسبة بينهما، وذلك مما يحفِّز من وسَّع الله عليه إلى المسارعة في الخيرات، واغتنام الفرصة في هذه الحياة، فيقدِّم لآخرته ما يجد ثوابه مضاعفًا عند ربه أضعافًا كثيرة[173]. [173] ينظر: «فصول ومسائل تتعلق بالمساجد» للشيخ ابن جبرين رحمه الله (ص: 14).

المطلب الثالث: عمارة المساجد وفضلها

عمارة المساجد بمعناها العام تشمل العمارة بنوعيها الحسية والمعنوية، فهي تشمل بناء المساجد وترميمها، وإنارتها وفرشها، وخدمتها وتنظيفها، وعبادة الله فيها، وتعيين الأئمة والمؤذنين لها، وفتح حِلَق الذكر فيها؛ من تعليم القرآن والفقه والتفسير والحديث وغيرها من العلوم النافعة، وإجراء الأرزاق على العاملين فيها، والوقف عليها مما فيه مصلحة لها، كوقف مساكن للإمام والمؤذن والمعلم وطلاب العلم فيها، وعمل المياضئ وغير ذلك من مصالحها.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ18﴾ [التوبة: 18].

فقد أثبتت الآية الكريمة الإيمانَ لمن عمَّر المساجد بالصلاة فيها وتنظيفها وإصلاح ما وَهَى منها[174]. [174] ينظر: «المشروع والممنوع في المسجد» لمحمد العرفج (ص: 9).

المطلب الرابع: تنزيه المساجد وصيانتها عن الأقذار

لما كانت المساجد أمكنةَ العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة، ورد الأمر بصيانتها، وحفظها عن الأقذار والنجاسات والفضلات، حتى تحظى بالنظافة والحسن والجمال.

قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ36﴾ [النور: 36] قال: " ﴿...أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ...﴾ هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بناؤها، وكنسها وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسات، وعن الكفار، وأن تُصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله"[175]. [175] «تفسير السعدي» (ص: 569).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنْ امْرَأَةً سَودَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ -أَي: تَكْنُسُهُ- فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: مَاتَتْ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنَتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ:«دَلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» [176]. [176] رواه البخاري: (460)، ومسلم: (956).

وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُزْرِمُوهُ - أَي: لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ - دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ وَلَا القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ، أَي: صَبَّهُ عَلَيْهِ [177]. [177] رواه البخاري: (219) مختصرًا، ومسلم: (285).

ولا خلاف أن البول ونحوه من النجاسات التي تصان عنها المساجد التي تشترط طهارتها، فتصان المساجد وفرشها وما يلحق بها من رحبات وأسطحة ونحوها عن جميع النجاسات، وتطهَّر متى وقع فيها شيء من ذلك.

وهكذا ورد تطهيرها عن الأقذار كالنخام، والمخاط، واللعاب، والدم، والقيح، ونحوها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ» ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا» [178]. [178] رواه البخاري: (405)، ومسلم: (551).

وهناك أحاديث كثيرة تدل على النهي عن البصاق والتنخم في المسجد، وفي بعضها النهي بأن يبصق في القبلة أو عن اليمين، والإذن في البصاق عن اليسار أو تحت القدم اليسرى، ثم دلكها بالقدم، ولا شك أن البصاق والنخامة مما يستقذر في الطباع، ولذلك غضب النبي ﷺ لما رأى البصاق في قبلة المسجد، حتى أحمر وجهه، وسارع إلى حكه ثم لطخ مكانه بخلوق أو زعفران.

وقد عُلِم أن المسجد إذا كان مبنيًا من الطين، فحكه يسير، وأن الأرض ترابية يمكن دفن ما يقع فيها، أو إخراج ترابه المستقذر.

وحيث إن المساجد في هذه الأزمنة قد أصبحت مُبلَّطة ومفروشة في الغالب بفرش نظيفة، تتأثر بالوسخ والقذر، ويظهر فيها أثر النخامة والدم والصديد ونحو ذلك، تَعَيَّن المنع من البصاق فيها على الأرض مطلقًا، سواء على الفرش أو في الحيطان، أو على البلاط، فمن بدره البصاق أو نخام فعليه أن يخرج لذلك، أو يبصق في منديل ويخرجه، أو في طرف ثوبه ويرد بعضه على بعض كما ذُكر في الحديث، حتى يبقى المسجد نظيفًا طيبًا.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ». قال سفيان: "بِنَاءُ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ يَعْنِي: فِي القَبَائِلِ"[179]. [179] رواه الترمذي: (594)، وينظر: «فصول ومسائل تتعلق بالمساجد» (ص: 27).

المطلب الخامس: حكم بناء المسجد على قبر أو إدخال القبر في المسجد

لا يجوز بناء المسجد على قبر أيِّ أحد كائنًا ما كان؛ فإن هذا منهي عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ ذَٰلِكَ».

وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر: إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدًا.

وإن كان المسجد بُني بعد القبر: فإما أن يُزال المسجد، وإما أن تُزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يُصلى فيه فرض ولا نفل؛ فإنه منهي عنه"[180]. [180] «مجموع الفتاوى» (22/ 194).

ومن الأدلة على ذلك غير ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: عن عائشة، وعبد الله بن عباس قالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -أَي: نَزَلَ بِهِ المَوْتُ- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَتَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَٰلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا [181]. [181] رواه البخاري: (435)، ومسلم: (531).

فقد بيَّن الرسول ﷺ وهو في سكرات الموت أن الله عز وجل لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، وبيَّن أن ذلك كان من عادة الكفار المتقدمين، وذلك لتحذر أمته من مشابهتهم، وليسد عليهم باب الشرك بالله وعبادة غيره.

وعن عائشة أم المؤمنين، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ ‌فِيهِمُ ‌الرَّجُلُ ‌الصَّالِحُ ‌فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [182]. [182] رواه البخاري: (427)، ومسلم: (528).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا [183]. [183] رواه البخاري: (1390)، ومسلم: (529).

المطلب السادس: حكم زخرفة المساجد

لا ينبغي زخرفة المساجد والتباهي بها، فقد ذكر البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا».

وذكر عن عمر أنه أمر ببناء المساجد، وقال: "أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ؛ فَتَفْتِنَ النَّاسَ"[184]. [184] ذكر هذه الآثار البخاري في «صحيحه» معلقًا بصيغة الجزم (1/ 96- 97).

وقد كثر التباهي في هذه الأزمنة بالمساجد، وأسرف الناس في زخرفتها وكثرة الإنفاق عليها، وقد أفتى المشايخ بجواز تشييدها إذا شُيِّدت المساكن والمنازل، حتى لا تكون المساجد مشوَّهة حقيرة بالنسبة إلى البيوت والمنازل، لكن بدون الإسراف والمبالغة في الزخرفة والألوان والأصباغ، والتنوع في ما يُصرف فيها من الخزف والبلاط والفرش مما لا حاجة إليه، مع العلم أن هناك مساجد بحاجة إلى أدنى عمارة، فينبغي أن تُصرف الأموال في عمارة تلك المساجد.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، «أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ» [185]. [185] رواه البخاري: (446).

قال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله: "فِعْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْسِينِ المَسْجِدِ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ، وَالأَخْشَابِ الطَّيِّبَةِ، وَالقَصَّةِ يَعْنِي: صَبْغَ الجِدَارِ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَيَاةُ السَّلَفِ أَوْلَى وَأَفْضَلَ، لَكِنْ إِذَا حَسَّنَ النَّاسُ مَسَاكِنَهُمْ، وَنَفَرُوا مِنَ البِنَايَاتِ القَدِيمَةِ، وَصَارَ تَرْكُ المَسْجِدِ عَلَى حَالَتِهِ القَدِيمَةِ قَدْ يُنَفِّرُهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي المَسَاجِدِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ مَا فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلتَّرْغِيبِ فِي المَسَاجِدِ، أَمَّا لِلْمُفَاخَرَةِ فَلَا، وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي المَسْجِدِ، فَالأَوْلَى أَنْ يَكُونَ سَادَةً"[186]. [186] نقلًا عن «المساجد» للقحطاني (ص: 71).

المطلب السابع: حكم دخول الكافر للمسجد

يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من الحرم كله؛ والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَا...﴾ [التوبة: 28]، أما المساجد الأخرى فإذا كان دخولهم لغرض شرعي فلا حرج في ذلك، مثل السؤال عن الإسلام، أو عمل يتعلق بالمسجد، أو بمصالح المسلمين، أو يسمع موعظة، أو يدخل لأمر مباح مثل أن يشرب من الماء الموجود داخل المسجد، ففي مثل هذه الأحوال يجوز ذلك، لأن النبي ﷺ قد ربط ثمامة بن أثال في سارية المسجد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِندِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ الغَدَ…» الحديث[187]. [187] متفق عليه.

ودخل المسجد وفد نجران وهم نصارى[188]، ودخل ضمام بن ثعلبة على النبي ﷺ وهو في المسجد، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «بيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظُهُورِهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ أَجَبْتُكَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي السُّؤَالِ فَلَا تَجِدُ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ»... إلى أن قال: فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» [189]. [188] متفق عليه. [189] رواه البخاري. وانظر: مجموع فتاوى ومقالات ابن باز، المجلد الثامن، حكم دخول الكفار المساجد، وفتاوى اللجنة الدائمة 6/276.

هذا ما أمكننا إيراده حول ما يحتاجه المؤذن والإمام والخطيب وأحكام المساجد، ونوصي المؤذن والإمام والخطيب بتقوى الله جل وعلا، والجد في طلب العلم ونشره، والعناية بذلك.

هذا وبالله التوفيق، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

بعض المصادر المفيدة للمؤذن والإمام والخطيب

الأذان والإقامة، للدكتور سعيد بن على بن وهف القحطاني، الناشر: مطبعة سفير، الرياض.

أحكام الإمامة والإئتمام في الصلاة، د عبد المحسن المنيف.

الإمامة في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة، سعيد بن على بن وهف القحطاني.

أسلوب خطبة الجمعة، لعبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

الإمامة في الصلاة - مفهوم، وفضائل، وأنواع، وآداب، وأحكام في ضوء الكتاب والسُّنَّة، للدكتور سعيد بن على بن وهف القحطاني، الناشر: مطبعة سفير، الرياض.

خطب الجمعة ومسؤوليات الخطباء، إعداد: مجلس الدعوة والإرشاد، وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

خطبة الجمعة في الكتاب والسنة، لعبد الرحمن بن محمد الحمد، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية، لعبد العزيز بن محمد بن عبد الله الحجيلان، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، مركز البحوث والدراسات الإسلامية.

خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة، لعبد الغني أحمد جبر مزهر، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

خمسون وصية ووصية لتكون خطيبًا ناجحًا، لأمير بن محمد المدري، وهو منشور على موقع وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

صلاة الجمعة - مفهوم، وشروط، وفضائل، وخصائص، وآداب، وأحكام في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور سعيد بن على بن وهف القحطاني، الناشر: مطبعة سفير، الرياض.

منبر الجمعة أمانة ومسؤولية، لعبد الله بن محمد بن حميّد، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

منهج في إعداد خطبة الجمعة، للدكتور صالح بن عبد الله بن حميد، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.

رسائل للأئمة والمؤذنين للشيخ عبد الله بن صالح الفوزان، دار ابن الجوزي.

رسالة إلى أئمة المساجد والمؤذنين والمأمومين، للشيخ عبد الله بن جار الله الجار الله.

موسوعة الفقه الكويتية، وأبواب الخطبة والإمامة والأذان والمساجد.