الخطب المنبرية
مُوسُوعَةُ الخُطَبِ المِنْبَرِيَّةِ
مُوسُوعَةُ الخُطَبِ المِنْبَرِيَّةِ
اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي هدانا إلى صراطه المستقيم، وجعل التقوى درعًا واقيًا من عذابه الأليم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
في زمنٍ تتقلب فيه الأوضاع، وتواجه الأمة تحدياتٍ تلو الأخرى، تبرز الحاجة الماسة إلى الكلمة الطيبة التي تضيء الطريق وتمنح الهداية.
ومنبر المسجد، بما يحمله من تأثير عميق في النفوس، يظل المصدر الأول لنقل الحق، وتوجيه العقول، وبث الطمأنينة في القلوب.
وفي هذه الصفحات، نقدم لكم مجموعة من الخطب المنبرية التي تشتمل على دروس عقدية راسخة، وأفكار إيمانية عميقة، ومحطات تربوية تعزز القيم الفضيلة، وأمور تزكوية تسعى إلى تهذيب النفس ورفعتها.
وقد أعدَّ هذا العمل اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات، بالتعاون مع جمعية الدعوة وتوعية الجاليات بالربوة، إيمانًا منهم بأهمية نشر هذا العلم القيم.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب له القبول والنفع في الدنيا والآخرة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
عنوان الخطبة
التوحيد أصل وأساس الدين
مقدمة الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102].
نص الخطبة الأولى:
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون.. لِيَسأَل كلٌّ منَّا نَفسَه:
ما الذي لأجلهِ خَلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ، والجنةَ والنارَ، ولأجله أُنزلتِ الكتبُ، وأُرسلتِ الرُّسُلُ، وشُرِّعتِ الشرائعُ، وشُرِعَ الجهاد؟
وما الذي لأجلهِ انقسمتِ الخليقةُ إلى سعداءَ وأشقياءَ، وما الذي عنه السؤالُ في القبرِ ويومَ البعثِ والنشورِ، وبهِ الخصامُ، وإليهِ المحاكمةُ، وفيهِ الموالاةُ والمعاداةُ؟
الجواب في قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56].
إنهُ التوحيدُ، الذي هوَ حقُّ اللهِ على العبيدِ.
فعن معاذِ بنِ جبل رضي الله عنه، أنه كان رديف النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: «يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟». قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ ﷺ: «فَإِِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهَ شَيْئًا» [متفق عليه].
أيها المؤمنون..
التوحيدُ هو أصلُ دعوةِ الرسلِ وأساسُها، فما مِنْ رسولٍ إلا وبُعثَ بالتوحيدِ، قالَ ربنا تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبياء: 25].
وقال ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [متفق عليه].
وحينما بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليَمَنِ، أَمَرَهُ أن يَدعُوهم أولًا إلى توحيدِ الله تعالى، فقال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى» [متفق عليه].
ومِن المعلومِ -يا عبادَ اللهِ- أنه لا يَستقيمُ بناءٌ على غيرِ أساس، ولا فرعٌ على غيرِ أصل.
والأصلُ والأساسُ لهذا الدِّينِ هو كلمةُ التوحيدِ: (لا إله إلا الله).
فجميعُ الأعمالِ والأقوالِ الظاهرةِ والباطنةِ قَبُولُها متوقفٌ على تحقيقِ مُقتضَى هذهِ الكلمةِ العظيمة.
ومعنى لا إله إلا الله: أن يَعترفَ الإنسانُ بلسانِهِ ويَعتقدَ بقلبِهِ بأنَّهُ: لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ عز وجل، أما المعبوداتُ سواهُ؛ فإنها باطلة وعُبدت بالباطل.
ويقتضي ذلك: أن نُفرِدَ اللهَ تعالى بالعبادةِ، فلا نَصرفُ شيئًا من العبادةِ القلبية أو القولية أو العملية لغير اللهِ عز وجل، وأن نتبرَّأَ منَ الشِّركِ وأَهلِه.
قال الله تعالى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُ...﴾ [الممتحنة: 4].
وإنَّ من الفهمِ السقيمِ -يا عبادَ اللهِ- أن تُفسَّرَ كلمةُ التوحيدِ (لا إله إلا الله) على أنهُ لا خالقَ إلا الله، ولا رازقَ إلا الله، في مَعزِلٍ عن توحيدِ العبادة!.
فإن هذا الفهمَ قد أقرَّ به الكُفَّارُ والمشركونَ في عَهْدِ النبيِّ ﷺ، فلم يُدخلهم في الإسلام، ولم يَعصم دماءَهم ولا أموالَهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ61﴾ [العنكبوت: 61].
ولقد كان المشركونَ على جَهلِهِم وضلالِهِم يُدركونَ المعنى الصحيحَ لهذه الكلمة، وأنها تعني: إفرادَ اللهِ بجميعِ أنواعِ العبادة، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ5﴾ [ص: 5]، أي: أَجَعَلَ المعبودَاتِ معبودًا واحدًا!، إنَّ هذا لشيءٌ عُجاب.
اللهم اهدنا صِراطكَ المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجنبنا صراطَ المغضوب عليهم والضالين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده وعلى آله وصحبه.. أما بعد:
نص الخطبة الثانية:
أيها المسلمون:
اعلموا أنَّ أكملَ الخلقِ وأشرَفَهُم وأكرَمَهُم..؛ أكملَهمْ للهِ عبوديَّةً، وعلى قدرِ تحقيقِ التوحيدِ يكونُ كمالُ العبدِ وسُمُوُّ مكانتِهِ.
وأرجَى منْ يَحظَى بمغفرةِ اللهِ هوَ المُوحِّدُ، كما قالَ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَني وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبالي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَو أَتَيْتَني بِقِرَابِ الَأرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَني لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» [رواه الترمذي: 3540، بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني].
قالَ ابنُ رجبٍ رحمه الله في كتابه [جامع العلوم والحكم]: "فالتوحيد هو السبب الأعظم؛ فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة".
والشيطانُ لا سُلطَانَ له على المُوحِّد: ﴿إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ99﴾ [النحل: 99].
وبقدرِ توحيدِ العبدِ لله؛ تزدادُ مُدافعَةُ اللهِ عنهُ، قالَ سبحانهُ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ38﴾ [الحج: 38].
ومَنْ حقَّقَ توحيدَ اللهِ؛ حَفِظَهُ اللهُ منَ المُوبِقاتِ والفواحِشِ، قالَ تعالى عنْ يُوسفَ عليه السلام: ﴿...كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾ [يوسف:24].
وبقدرِ توحيدِ الفردِ والمجتمعِ؛ يكونُ الأمنُ وتكونُ الهداية، قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ...﴾؛ أي: بِشِرك ﴿...أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
وكما قال ﷺ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رواه أبو داود: 3116، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله].
وقال ﷺ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّار» [متفق عليه].
قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله في كتابه [مدارج السالكين] رحمه الله: "كلما كان توحيد العبد أعظم؛ كانت مغفرة الله له أتمَّ؛ فمن لقيه لا يشرك به شيئًا البتَّةَ غفر له ذنوبه كلَّها".
نسألُ اللهُ جلَّ وعلا أنْ يحيينا موحِّدينَ له، مخلصينَ له الدّين، وأنْ يُعيذَنا منَ الشّرك كلهِ، دقيقهِ وجليلهِ، وقليلهِ وكثيرهِ.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه
***
عنوان الخطبة
التوحيد
مقدمة الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ، ولا نعبدُ إلا إياهُ، ﴿...مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]، أحمدهُ سبحانهُ وأشكرهُ، وأتوبُ إليهِ وأستغفرهُ، ﴿...لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [القصص: 70].
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدنا ونبينا محمدًا عبد اللهِ ورسولهُ، حَمى حِمى التوحيدِ، وسدَّ كلَّ طريقٍ يوصلُ إلى الشركِ، فأظهرَ اللهُ بهِ دينهُ على الدينِ كلهِ ولوْ كرهَ المشركونَ، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ والتابعينَ، ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
نص الخطبة الأولى
عبادَ اللهِ:
ما الذي لأجلهِ خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ؟ والجنةَ والنارَ، وبهِ أنزلتِ الكتبُ، وبهِ أرسلتِ الرسلُ، وبهِ قامتِ الحدودُ، وبهِ شرعتِ الشرائعُ، وبهِ شرع الجهاد؟
وما الذي لأجلهِ انقسمتِ الخليقةُ إلى سعداءَ وأشقياءَ، وبهِ حقتِ الحاقةُ ووقعتِ الواقعةُ، وبهِ وضعتِ الموازينُ القسط، ونُصِبَ الصراطُ، وقامَ سوقُ الجنةِ والنّارِ، وبهِ عُبِدَ ربُّ العالمينَ وحُمِدَ، وعنهُ السؤالُ في القبرِ ويومِ البعثِ والنشورِ، وبهِ الخصامُ، وإليهِ المحاكمةُ، وفيهِ الموالاةُ والمعاداةُ؟
إنهُ التوحيدُ الذي هوَ حقُّ اللهِ على العبيدِ؛ قالَ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ58﴾ [الذاريات: 56-58]
التوحيدُ هو: أصلُ دعوةِ الرسلِ ومحورها، فما منْ رسولٍ إلا وبُعِثَ بالتوحيدِ، ولأجلِ الدعوةِ إلى التوحيدِ.
قالَ ربنا المجيدُ: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ36﴾ [النحل:36]. فقال الرسل لأقوامهم: "اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" وقالوا لهمْ: ﴿...يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:23].
﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبياء:25].
فنوحٌ عليه السلام أولُ الأنبياءِ مكثَ في قومهِ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا؛ يدعو قومهَ إلى التوحيدِ: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ23﴾ [المؤمنون:23].
إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام إمامُ الحنفاءِ يخافُ على نفسهِ وبنيهِ منَ الوقوعِ في عبادةِ الأصنامِ؛ فيدعو ربهُ: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ35﴾ [إبراهيم:35]، فمنْ يأمنُ البلاءَ والفتنةَ بعدَ إبراهيمَ عليه السلام.
وهكذا الأنبياءُ والرسلُ منْ بعدهِ وإلى نبينا محمدٍ ﷺ سيدهمْ وخاتمهمْ، فقدْ كانتْ حياتهُ كلها منْ أولها إلى آخرها، مَكِّيها ومدنيها، حضرها وسفرها، سلمها وحربها، كلها في التوحيدِ والدعوةِ إليهِ وإلى مكملاتهِ.
فقدْ قالَ اللهُ لنبيهِ محمدٍ ﷺ إمامِ الموحدينِ: ﴿فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ213﴾ [الشعراء:213] ينهاهُ عنِ الشركِ وهوَ إمامُ الموحدينَ ومأمونٌ عليهِ الوقوعُ في الشركِ، فكيفَ بنا نحنُ الذينَ لا يؤمنُ علينا الوقوعُ في الشركِ.
فمنْ أجلِ التوحيدِ جاهدَ الصحابةُ الكرامُ فخرجوا منْ هذهِ الجزيرةِ القاحلةِ في سبيلِ اللهِ، وفي ذاتِ اللهِ، انطلَقوا شرقًا وغربًا يرفعونَ رايةَ "لا إلهَ إلا الله" فدانتْ لهمُ الدنيا وخضعتْ، حتى عجبَ المؤرخونَ وعجزوا عنْ تفسيرِ هذهِ الظاهرةِ، هلْ في التاريخِ كلهِ منْ ظاهرةٍ أعجبَ وأعيى للعقولِ منها؟
أمةٌ تنبعثُ منْ هذهِ الجزيرةِ -منْ هذهِ الصحراءِ- لمْ يكنْ لها حضارةٌ، ولا علمٌ، ولا تاريخٌ مجيدٌ تفخرُ بهِ، ولمْ تكنْ لها قيم إلا موروثات الجاهلية وعاداتها وتقاليدها، وتخرج لتدخل الناس في دين الله أفواجًا.
عبادَ اللهِ:
تعني كلـمةُ التوحيدِ نفي الألوهيةِ عما سـوى اللهِ عزوجل منْ سـائرِ المخـلوقاتِ، فلا عبادةَ لأصنامٍ وأضرحـةٍ وأشجـارٍ، ولا طـوافَ بقبورِ أوليـاءٍ أوْ مزاراتٍ، ولا طاعـةَ لمخـلوقٍ كائنًا منْ كانَ في معـصيةِ الخـالقِ.
فلا يُحـبُّ غـيرَ اللهِ، ولا يُخـافُ سواهُ، ولا يُرجـى غيرهُ، ولا يُتـوكلُ إلا عليهِ، ولا يُرغـبُ إلا إليهِ، ولا يُرهـبُ إلا منهُ، ولا يُحـلفُ إلا باسمهِ، ولا يُتـابُ إلا إليهِ، ولا يُسـجدُ إلا لهُ ولا يركـعُ إلا لهُ، ولا يُنحـنى إلا لهُ سـبحانهُ، ولا يُسـتعانُ عندَ الشـدائدِ إلا بهِ، ولا يُلجـأُ عندَ المضـايقِ إلا إليهِ، ولا يُذبـحُ إلا لهُ وباسمـهِ، لا تصديقَ لسـاحرٍ، ولا ذهابَ لكـاهنٍ، ولا طاعةَ لعـرافٍ ومشـعوذٍ يزعمُ أنهُ يعلمُ الغـيبَ ويدفعُ الضرَّ ويجـلبُ النفعَ، ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ65﴾ [النمل:65]
أيها المؤمنونَ:
جميعُ الأعمالِ والأقوالِ الظاهرةِ والباطنةِ قبولها متوقفٌ على تحقيقِ التوحيدِ: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا23﴾ [الفرقان:23] ﴿...لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الزمر:65]، وهذا يقالُ لمنْ؟ للرسولِ ﷺ فكيفَ بغيرهِ؟
توحيدُ اللهِ: هوَ العبوديةُ التامةُ لهُ سبحانهُ، يقيمُ المسلمُ عليها حياتهُ كلها، صلاتهُ ونسكهُ، ومحياهُ ومماتهُ، توحيدٌ في الاعتقادِ، وتوحيدٌ في العبادةِ، وتوحيدٌ في التشريعِ، توحيدٌ تُنَقَّى بهِ القلوبُ والضمائرُ منَ الاعتقادِ في الألوهيةِ لأحدٍ غيرِ اللهِ، وتُنَقَّى بهِ الجوارحُ والشعائرُ منْ أنْ تُصرفَ لأحدٍ غيرِ اللهِ، وتُنَقَّى بهِ الأحكامُ والشرائعُ منْ أنْ تتلقاهُ منْ أحدٍ دونَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
أيها المسلمونُ:
وأكملُ الخلقِ أكملُهمْ للهِ عبوديَّةً، وعلى قدرِ تحقيقِ التوحيدِ يكونُ كمالُ العبدِ وسُمُوُّ مكانتِهِ، والله يُدافِعُ عنِ المُوحِّدِ في دينِهِ ودُنياهِ، وأرجَى منْ يحظَى بمغفرةِ اللهِ هوَ المُوحِّدُ، قالَ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» [أخرجه الترمذي: ٣٥٤٠، وأحمد: ١٣٤٩٣، بسند صحيح].
قالَ ابنُ رجبٍ رحمه الله: "فالتوحيدُ هوَ السببُ الأعظمُ؛ فمنْ فقدَهُ فقَدَ المغفرةَ، ومنْ جاءَ بهِ فقدْ أتَى بأعظمِ أسبابِ المغفِرةِ".
والشيطانُ لا سبيلَ لهُ إلى المُوحِّد: ﴿إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ99﴾ [النحل:99].
وبقدرِ توحيدِهِ تزدادُ مُدافعَةُ اللهِ عنهُ، قالَ سبحانهُ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ38﴾ [الحج:38].
ومنْ حقَّقَ توحيدَ اللهِ فاللهُ حافظٌ لهُ منَ المُوبِقاتِ والفواحِشِ، قالَ عنْ يُوسفَ عليه السلام: ﴿...كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾ [يوسف:24].
والمُوحِّدُ عليهِ في الحياةِ الدنيا السَّكينةُ والطُّمأنينةُ، وآمِنٌ فيها بقدر ِإيمانِهِ: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ82﴾ [الأنعام:82].
والأمواتُ ينتفعِونَ بدعواتِ المُوحِّدينَ، ولا تُقبَلُ في صلاةِ الجنائزِ إلا دعواتُهمْ، قالَ ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» [رواهُ مسلمٌ: 948].
وإذا دنَتْ وفاةُ المُوحِّدِ بشَّرهُ اللهُ بالجنَّةِ، قالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» [أخرجه أبو داود: ٣١١٦ واللفظ له، وأحمد: ٢٢٠٣٤ بسند حسنه الألباني ]، كما أعزَّ اللهُ المُوحِّدَ في الدنيا، فقدْ أكرمَهُ اللهُ في الآخرةِ وأعلَى مكانتَهُ، وجازَاهُ بخيرِ جزاءِ العامِلينَ؛ فمنْ ماتَ على التوحيدِ كانتْ لهُ الجنةُ إما ابتِداءً أوْ مآلًا، وإنْ دخلَ النارَ بذنُوبِهِ لمْ يُخلَّدُ فيها، قالَ ﷺ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» [رواه مسلم: 93].
قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله: "كلما كانَ توحيدُ العبدِ أعظمَ كانتْ مغفرةُ اللهِ لهُ أتمَّ؛ فمنْ لقِيَهُ لا يُشرِكُ بهِ شيئًا البتَّةَ غفرَ لهُ ذنوبَهُ كلَّها".
نسألُ اللهُ جلَّ وعلا أنْ يحيينا موحِّدينَ للهِ مخلصينَ الدّينَ له مؤمنينَ بهِ- جلَّ في علاهُ، معظمينَ لجنابهِ، وأنْ يعيذنا أجمعينَ منَ الشّرك ِكلهِ دقيقهِ وجليلهِ، وقليلهِ وكثيرهِ.
باركَ اللهُ لي ولكمْ.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ الأحدِ الصمدِ الذي لمْ يلدْ ولمْ يولدْ، ولمْ يكنْ لهُ كفوًا أحد، والصلاةُ والسلامُ على عبدهِ ورسولهِ محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعينَ.
نص الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ الذي علَّمنا قيمةَ التوحيدِ، وعرَّفنا أنهُ منْ يرغبُ عنْ ملةِ إبراهيمَ إلا منْ سفهَ نفسهُ، وعرفنا أنهُ لا خيرَ فينا، ولا في حياتنا، ولا في أيِّ شأنٍ منْ شئوننا إلا أنْ نكونَ على توحيدِ اللهِ عابدينَ للهِ وحدهُ لا شريكَ لهُ، متبعينَ لرسولِ اللهِ ﷺ.
أخي الكريم:
إذا كنتَ منْ أهلِ لا إلهَ إلا اللهُ، لا تصرفْ شيئًا منَ العبادةِ والتدينِ لغيرِ اللهِ جلَّ وعلا، ولا تسألْ إلا اللهَ، ولا تدعو إلا إياهُ، ولا تتوكلْ إلا عليهِ، ولا ترجو غيرهُ، ولا تذبحْ ولا تنذرْ إلا لهُ، ولا ترجو كشفَ ضرٍّ ولا جلبَ نفعٍ إلا منهُ وحدهُ، ولا يقودنَّكَ الشـيطانُ في مناسـبةٍ وغيرِ مناسـبةٍ إلى أضرحـةِ الموتى، تطلبُ المددَ منَ الأولياءِ الصالحـينَ، وتذبحُ لهمْ وترجو نفعهمْ ولا تكنْ- أيضًا- ممنْ يصدقُ السـحرةَ ويطرقُ أبوابهمْ، أوْ يلهثُ وراءَ المشـعوذينَ والكـهنةِ، مسـتصرخًا بهمْ يرجو منهمْ كشـفَ ضرٍّ أوْ جلبَ منفعةٍ أوْ شـفاءَ مريضٍ أوْ ردَّ غائبٍ، أوْ كنتَ ممنْ لا يتعلقُ بقطعِ باليةٍ منْ رقى أوْ تمائمَ كتبها أولئكَ المخرفونَ.
فاعلمْ- أخي الكريمَ- أنَّ اللهَ أكرمكَ بنعمةٍ عظيمةٍ جليلةٍ ومنةٍ كريمةٍ، تتصاغرُ أمامها كلُّ النعمِ.
أحمدُ اللهَ تعالى على ذلكَ، وأسألهُ الثباتَ حتى المماتِ، فإنهُ سبحانهُ نعمَ المولى ونعمَ المصير.
***
عنوان الخطبة
حقيقة دين الإسلام
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي لا إله حق غيره، ولا رب سواه، أحمده سبحانه أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة من عذابه والفوز برضاه، وأشهد أن محمدًا ﷺ عبد الله ورسوله، ومصطفاه الذي ختم به الله النبوة، وقطَع الرسالة، وبعثه بشريعة عامة إلى أن يأتي أمر الله، فلا يقبل من العباد غير دينه وهُداه، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وخلفائه الأئمة المهتدين، وصحابته الذين هم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، صلاة وسلامًا تامين كاملَيْن باقيين إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أمَّا بعدُ:
فيا أيها الناس، اتقوا الله واشكروه على أن هداكم لما بعث به نبيه ورسوله محمدًا ﷺ من دينه وهداه، فإن لله المنة العظمى أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين، وإن الله تعالى قد آتاكم به من الخير في العاجلة والآجلة، ما لم يؤته أمة من العالمين غير المسلمين، فكنتم خير أمة للناس، وكنتم الشهداء على الناس، وبه كنتم السابقين يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق، وكنتم خير وأكرم أمة على الله من سبعين أمة توفونها يوم القيامة، وبه كنتم أول من يجوز الصراط، وأول من يدخل الجنة، وأكثر أهل الجنة، وبه تنالون عظيم الأجور، ورفيع الدرجات، وكم لكم فيه من الخير الكثير، والأجر الكبير، والعفو عن الوِزْر الخطير، وكم لكم به عند الله تعالى من كرامة وذُخر وعقبى يوم القيامة.
أيها الناس: اعلموا أن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، فاحمدوا الله على ما هداكم واشكروه على كريم وعظيم ما أعطاكم وأولاكم، ولا تستقلوا وتستهينوا بنعم الله عليكم، فتُسلب منكم، وتعطى سواكم؛ فإن الله تعالى قد قال: ﴿...وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ [محمد:38]، وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ 28 جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ29﴾ [إبراهيم:28-29]، فما أبلغ الموعظة! وما أخطر العقوبة على جحود النعمة، فإنها كلما عظُمت النعمة، عظمت العقوبة على الكفر والجحود، فاشكروا الله على ما خصَّكم، وأطيعوه فيما أمركم، واحْذروا ما حذَّركم وزجركم، تحفظوا نعمكم، وتزدادوا فضلًا فيما أمركم، وأمَنَةً من عقوبة تفاجئكم.
أيها الناس: إن الدين الحق العظيم هو دين الإسلام السمح السهل المبارك العاقبة، الكريم الأثر دنيا وآخرة، فأصله وأساسه وشرط قَبوله: اعتقاد أن لا معبود بحق إلا الله، كما أنه لا خالق ولا ربَّ، ولا مدبِّر سواه، وهو ذو الأسماء الحسنى والمثل الأعلى.
وهذا الاعتقاد لا بد له من أمور:
أحدهما: قول لا إله إلا الله، والإكثار من ذكر الله تعالى ثناءً ودعاءً.
الثاني: الذل والخضوع لله تعالى ورهبة منه ومحبة له وخوفًا منه سبحانه؛ بحيث ينقاد المرء لامتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه طواعية وحسية؛ طمعًا في الثواب، وحذرًا من العقاب.
أما الثالث أيها الناس، فهو الكفر بكل معبود سوى الله، والبراءة من كل عبادة لغير الله، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ62﴾ [الحج: 62]، ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ102﴾ [الأنعام: 102].
معشر المسلمين، أما عمود دينكم، فهو إقامة الصلاة لله تعالى كما أمر، فلا خير في دين لا ينبني على الصلاة فمن جحدها؛ فقد كفر، وإنها فَرْق ما بين المؤمنين والكافرين، فمن صلى لله كما أمر؛ فهو من أتباع محمد ﷺ سيد البشر، ومن امتنع عن الصلاة، فقد أبى عن الدين، وأعلن اتباعه لإبليس اللعين: ﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ19﴾ [المجادلة:19].
عباد الله، أما بقية أركان الإسلام، فهي مبانيه العظام، وتوحيد للملك القدوس السلام، فكما أن الصلاة توحيد لله تعالى بالأقوال والأفعال، فإن الزكاة توحيد لله تعالى بالأموال، والصوم توحيد له بالإمساك عن الشهوات والمحاب، والحج توحيد عام لرب الأرباب، في أيام نسك حرام ومشاعر عظام، وهو أظهر جميع لأهل الإسلام، يشترك فيه الخاص والعام من أهل الإسلام.
أمة الإسلام، أما أصول الإيمان، فهي أمور علمية اعتقادية، وتصديق لمسلَّمات عينيَّة، فأساسها الإيمان بالغيب للرب عز وجل واتِّباع للنبي المرسل، ثم الإحسان في القصد والقول والعمل، وبهذا تتحقق مراتب الدين، التي يُتعبد بها لرب العالمين، طلبًا للسعادة في الدارين، فاتقوا الله عباد الله، واشكروا نعم الله عليكم بهذا الدين، وتفضيلكم به على العالمين، وما وعدكم عليه من كريم الثواب يوم الدين، واغتبطوا بفضل الله عليكم، واشكروا إحسانه إليكم، واعملوا به لله، واهدوا إليه من استطعتم من عباد الله، تكونوا من المحسنين.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله الإله الحق الذي لا إله حق غيره ولا معبود بحق سواه، أحمده سبحانه على حكمته في تدبيره ويسره في شرعه وسنته بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر ألا نعبد إلا إياه، ونهاكم أن تجعلوا له أندادًا تحبونهم كحب الله، وأشهد أن محمد ﷺ عبد الله ورسوله ومصطفاه، المبعوث بالملة الإبراهيمية، والشرعة المحمدية العالمية، ومن يبتغِ غير الإسلام دينًا، فلن يقبل منه.
صلى الله عليه وعلى آله وقرابته الطيبين الطاهرين، وخلفائه الراشدين، وبقية صحابته المهديين، الذين هم خير أتباع النبيين والمرسلين، صلاة وسلامًا تامين كاملين باقيين إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تفلحوا، وأطيعوه تهتدوا، واشكروه تُزادوا وتُرزقوا، ولا تكفروه فتُعاقبوا وتهلكوا، وتخسروا وتشقوا في الدنيا ويوم تحشروا.
أيها المسلمون، تذكروا أن الله تعالى قد آتاكم ما لم يؤته أكثر العالمين؛ إذ هداكم للإيمان به وبرسوله محمد ﷺ إن كنتم صادقين، فاصطفى لكم الدين وفضلكم به على العالمين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
عباد الله، إن الله تعالى فضلكم بدين الإسلام على الناس، فجعلكم خير أمة أخرجت للناس، وجعلكم الشهداء على الناس وأنتم السابقون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق، وأكرم من سبعين أمة على الرب الخالق، وأنتم أول من يجوز الصراط، وأول من يدخل الجنة، وأكثر أهل الجنة، وكم لكم في الإسلام من أجر كبير وعفو عن ذنب كبير وكثير، وخير وفيرٍ، وكم لكم من متنوع الكرامة، وعظيم الذخر وحسن العقبى في الدنيا ويوم القيامة.
***
عنوان الخطبة
معنى الإسلام
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن مـحمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا إخوة الإيمان، الإسلام دين الله الذي شرعه لعباده ورضيه لهم، يقول سبحانه ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، والإسلام منهج وصّى به الأنبياء عشيرتهم وأقوامهم ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ132﴾ [البقرة: 132]، الإسلام بعقيدته وشريعته مفهوم شامل وواسع لا يُحصر في لفظٍ نقوله، أو شعيرةٍ مُعيَّنةٍ نمارسها.
الإسلام -أيها المسلمون- مأخوذ من الاستسلام فنسلم أنفسنا لله، ونجعل له وحده سبحانه حق التصرف فيها وتوجيهها حيث أراد سبحانه، يقول ربنا تعالى: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ83﴾ [آل عمران: 83].
فإذا كان الكون أسلم لله طوعًا وكرهًا، فكيف لا يسلم له الإنسان الذي عرف قدر الخالق وعظمته، ورأى آثار صنعه وإبداعه في هذا الكون المترامي؟ فالاستسلام لله والانقياد له من أهم معاني الإسلام التي يجب أن نحققها، يقول تعالى ﴿...فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ﴾ [الحج: 34].
الإسلام -أيها المسلمون- أن نتوجه إلى الله سبحانه بعقيدة صافية خالية من كل شائبة شرك أو خرافة، وأن نوحده سبحانه حق توحيده، وأن نخلص له العمل والعبادة وحده دون سواه.
الإسلام -أيها المسلمون- أن لا نفتخر بنسب غير نسب الإسلام ولا نباهي بأي انتماء وتوجه غيره؛ لأنه الرابطة الحقة التي تربط كل مسلم بأخيه مهما بعدت بينهم المسافات وفرقت بينهم المساحات، فالناس سواسية عند الله في الدنيا، وأما في الأخرى فالتفاوت بالتقوى والعمل الصالح ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ13﴾ [الحجرات: 13].
الإسلام -أيها الأخوة- أن نرضى بحكم الله ورسوله في كل معاملاتنا وأقضيتنا ونزاعاتنا وخلافاتنا وعلاقاتنا، وأن يكون كل قانون أو نظام متفقًا مع شرع الله وإلا كان الظلم والفسق والكفر، وأن يكون ذلك أحب إلينا وأقرب إلى نفوسنا ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا65﴾ [النساء: 65].
الإسلام -يا أمة الإسلام- أن يكون رسول الله ﷺ هو القدوة والأسوة لنا: ﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21]، هذه الأسوة توجب علينا طاعته واتباعه حتى ننال رضاه، يقول سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ31﴾ [آل عمران: 31]، فاتباع هذا النبي واجب على كل مسلم، بل إن الأنبياء لو أدركوا رسول الله ﷺ ما وسعهم إلا أن يتبعوه، يقول عليه السلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي» [رواه أحمد: 15156، وأبو يعلى: 2135، وحسنه الألباني]، ويقول الإمام مالك إمام دار الهجرة رحم الله أباه: "ما مِنَّا إلَّا رَدَّ ورُدَّ عليهِ إلَّا صاحبَ هذا القَبر" وأشار إلى قبره عليه السلام.
الإسلام -أيها المؤمنون- أن نهتم بأمر المسلمين في كل مكان، وأن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم، وأن لا يكون هَم كل واحد منا ما يخصه وحده، بل لا بد أن يضيف المسلم إلى اهتماماته اهتمامه بأمته وبإخوانه المسلمين في كل مكان، وأن يحس بمعاناتهم وكأنها تصيبه هو عنهم، يقول نبينا ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه].
الإسلام - أيها المسلمون - أن يَسْلَمَ المسلمون منَّا ومن أذانا، وأن لا نكون أشداء على المسلمين رحماء على غيرهم، وأن نقبل عذر إخواننا، وأن نكون هينين لينين رفيقين مع إخواننا في العقيدة والدين، لا نؤذيهم بألسنتنا ولا بأيدينا، ولا نتعدى على أموالهم أو أعراضهم، هكذا نكون حقًّا مسلمين، وهكذا عرَّف رسول الله ﷺ المسلم بقوله: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [أخرجه الترمذي (2627)، والنسائي (4995)، وأحمد (8918) وصححه الألباني].
الإسلام -أيها المسلمون -أن نعرف لأهل الفضل فضلهم فنشكرهم ونحسن إليهم، وأن نعرف لأهل العلم مكانتهم فنجلهم ونحترمهم، ففي الحديث: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا» [رواه أحمد (22755) وحسنه الألباني].
ومما جاء به الإسلام بل جاءت به كل الشرائع السعي للإصلاح في كل مناحي الحياة، يقول الله تعالى عن نبيه شعيب عليه السلام، وهي بيان لكل وظائف الرسل الكرام عليهم السلام ﴿...إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
الإسلام -أيها المسلمون -أن نستعد لمغادرة هذه الدار إلى دار القرار بزاد من العمل الصالح، فلا ينبغي أن نتشبث بدار نحن مفارقوها، فقد فارقها من هو أحب إلى الله منا، بل هو أحب خلق الله إلى الله؛ رسوله وخليله محمد ﷺ.
ومن واجب المسلم الدعوة إلى الله تعالى، كما قال سبحانه ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ108﴾ [يوسف: 108]، فكل مسلم مأمور بالدعوة إلى الله تعالى؛ لأنه من أتباع النبي الخاتم، وخليفةً له في هذا الواجب، والدعوة إلى الله هي التي تنقل الأمة إلى الخيرية ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ...﴾ [آل عمران: 110]، بالدعوة إلى الله يكثر الخير ويقل الشر، ويدفع الله عن الأمة كل سوء، ويستجيب الدعاء ويعم الخير والنماء؛ بل يتحول العدو إلى داعية ومجاهد كما حصل للمغول الذين اجتاحوا ديار الإسلام في آخر الدولة العباسية، وفعلوا ما فعلوا، ثم أسلم منهم الكثير فكانوا قادة ومجاهدين، والدعوة إلى الله غيرت البعض من حياة الضلال والجهل إلى حياة النور، ومن داعية إلى الانحراف والفجور إلى داعية إلى الخير والفضيلة.
هذا يا معاشر المسلمين حديث عن معنى الإسلام وبعض شرائعه وأحكامه التي شرعها الإسلام لأهله
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 77 وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ78﴾ [الحج: 77ـ78].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد للـه حمدًا طَيِّبًا كثِيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
لقد تكفل الله لمن يأخذ بالإسلام قولًا وعملًا وفي مناحي الحياة كافة بالعز والتمكين، يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ55﴾ [النور: 55]، وعد بالنصر على كل عدو ومتربص وطامع، يقول سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ7﴾ [محمد: 7]، وعد الله لمن يحقق الإيمان والتقوى بخيرات الأرض والسماء ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ...﴾ [الأعراف: 96]، وآيات وأحاديث كثيرة تبشر وتَعِدُ بالنصر والخير للأمة إذا هي اعتصمت بحبل الله وتحاكمت إليه في كل أمر، فواجب على الأمة أن تأخذ الكتاب بقوة وأن تحتكم إليه في كل شؤونها، وواجب على كل مسلم أن يعتز بهذا الدين، وأن يحل الحلال ويحرم الحرام، ويقول بما أوجبه الله عليه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فوَعْدُ الله قائم وهو لا يخلف الميعاد سبحانه، هذا وصلوا وسلموا على نبيكم.
***
عنوان الخطبة
ما الإسلام؟
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس، ﴿... ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة: 3]، ﴿...مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ...﴾ [الحج: 78]، فتمسكوا بالإسلام فإنه طريق النجاة، والموصل إلى الجنات.
والإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، ليس الإسلام بالتسمي ولا بالانتساب ولا بالهوية، وإنما الإسلام هو ما جاء به الرسول ﷺ وهو دين جميع الأنبياء: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ...﴾ [آل عمران: 19]، ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران: 85]، فكل الأنبياء وأتباعهم على الإسلام وإن اختلفت شرائعهم فإنهم كلهم على الإسلام لله عز وجل، إلى أن بُعث محمدٌ ﷺ فصار الإسلام هو ما جاء به محمدٌ ﷺ مصدقًا لمن قبله من الكتاب ومهيمنًا عليه، ومصدقًا لما قبله من إخوانه النبيين والمرسلين فهذا هو دين الله الذي لا يُقبل من أحد سواه، فاعرفوا حقيقته، تمسكوا بأحكامه، واعملوا بشريعته، فإنه هو الذي جمع العرب والعجم تحت لوائه فصاروا إخوة متحابين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13]، قال الله جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، أشكلت هذه الآية على الصحابة رضي الله عنهم فقالوا: ومن يطيق أن يتقي الله حق تقاته فإن حق الله عظيم، فأنزل الله تعالى: ﴿...فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التغابن: 16]، فمن اتقى الله حسب استطاعته فقد اتقى الله حق تقاته، والله يعفو عما لا يطيقه الإنسان ولا يقدر عليه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ...﴾ [البقرة: 286]، ﴿... ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فمن مات على الإسلام نجا وأفلح وفاز عند الله سبحانه وتعالى، ومن مات على غير الإسلام فهو من الخاسرين الهالكين، دون نظر إلى نسبه أو إلى مكانته، إلى قبيلته، إلى بلده، فالنظر إنما هو إلى التقوى: ﴿... إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ...﴾ [الحجرات: 13]، ليس الكرم بالإنسانية ولا بالنسب ولا بالقبيلة، وإنما هو بتقوى الله سبحانه وتعالى، وهو الله الذي لا يقبل من أحد سواه، فقوله: ﴿... وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فيه الحث على التمسك بالإسلام إلى الممات، لا يتخلى عنه الإنسان منذ يبلغ الحلم إلى أن يموت، يكون متمسكًا بالإسلام لأنه لا يدري متى يفجأه الموت، فإذا كان فرط في الإسلام ونزل به الموت صار من أهل النار، وإذا كان متمسكًا بالإسلام وأتاه الموت وهو متمسك به صار من أهل الجنة، ولهذا يُمتحن الميت إذا وُضع في قبره فيأتيه ملكان فيجلسانه، تُعاد روحه في جسده فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فالمسلم يقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ، والمنافق والمرتاب يتلجلج ويرتبك ويقول: ها ها، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقولان له: لا دريت ولا تَلَيْت، فيُضرب بمرزبة من حديد يصيح بها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا نجاة إلا بالإسلام في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا ينجو به من الكفر والشرك، وينجو به من الفتن والمحدثات، وينجو به من الأفكار المنحرفة، وفي الآخرة ينجو به من النار، ويدخل به الجنة، هذه هي السعادة الأبدية أو الشقاوة الأبدية، فلا نجاة إلا بالإسلام في الدنيا وفي الآخرة؛ لكن يجب أن نعرف ما هو الإسلام؟ كل منا يقول أنا مسلم، لكن لابد أن نعرف ما هو الإسلام أولًا؟ ثم نعمل به ما يكفي المعرفة لا الدعوة تكفي ولا الانتساب، ولا المعرفة تكفي ولابد من الحقيقة والعمل.
فالإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، فالمشرك والكافر ليس بمسلم، وإن ادعى أنه مسلم مثل ما عليه عباد القبور الذين يقولون لا إله إلا الله نحن مسلمون ثم يقولون يا علي، يا حسين، يا عبدالقادر، يا بدوي يا فلان يا علان يدعون من دون الله، ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ...﴾ [يونس: 18]، فيسمون الشرك توسلًا وطلبًا للشفاعة، وهو الشرك وإن غير اسمه فهو الشرك لا يتغير، الحقائق لا تتغير باختلاف بالأسماء إنما هو الشرك.
فعلى المسلم أن يعرف دينه، وأن يتمسك به، وأن يسأل الله الثبات عليه، وأن يموت عليه، فقد جاء في الحديث: «إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ العبد لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا، فالأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ»، نسأل الله حسن الخاتمة.
فاتقوا الله عباد الله، تمسكوا بهذا الدين، دين الإسلام الذي جاء به محمدٌ ﷺ، الإسلام الذي ألَّف الله به بين قلوب العرب والعجم، وبين الأبيض والأسود، ألَّف به بين سلمان وعمار وبلال وصهيب، وبين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة رضي الله عنهم فجعلهم إخوةً متحابين في الإسلام، ولهذا يقول الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ: ﴿... هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ...﴾ أي: الله سبحانه، ﴿... هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ 62 وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 63﴾ [الأنفال: 62-63]، إذا نظرت إلى المسجد الحرام الذين يصلون فيه كل وقت رأيت الأبيض والأحمر والأسود، والعربي والعجمي مختلف الجنسيات، من الذي جمعهم وألَّف بينهم؛ إنه الإسلام يا عباد الله، إنه الدين هو الذي جمعهم وألَّف بينهم، وجعلهم صفوفُا بعضهم إلى جانب بعض، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود ولا لأحمر إلا بالتقوى.
فاتقوا الله عباد الله، تمسكوا بدينكم لتموتوا عليه وتُبعثوا عليه تدخلوا به الجنة، لا تفرطوا في دينكم فإن الفتن الآن شديدة والصوارف عن الإسلام متعددة، دعاة الضلال من كل ناحية يريدون أن يخرجوا المسلمين، يحاولون أن يصدوهم عنه أولًا، فإن لم يستطيعوا صدهم عنه فإنهم يحاولون أن يخرجوهم منه بعدما يدخلون فيه.
فاتقوا الله عباد الله، احرصوا على دينكم، واحذروا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102 وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 103 وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 104 وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 105﴾ [آل عمران: 102-105].
بارك الله لكم في القرآن العظيم؟، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واحذروا من الفتن التي تصرفكم عن دينكم، فالفتن الآن عظيمة ودعاة الضلال من الداخل والخارج كثيرون لا يألون جهدًا ليلًا ونهارًا عن الصد عن هذا الدين، وعن إخراج المسلمين عن دينهم، وقد ساعدتهم هذه المخترعات التي جعلها الله فتنة للناس تصل إلى الناس في بيوتهم فيما يسمونها بوسائل التواصل الاجتماعي، وما ينشر فيها يصل إلى يد الصغير والكبير والذكر والأنثى، يصل إلى قعر البيوت، ينشر فيها كل ضلال وكل شر، وكل فكر ملحد مما غير الكثير من الناس عن دينهم، وغير قلوبهم، نسأل الله العافية.
فعليكم بالحذر من هذه الوسائل ومن أهلها، وما يبث فيها، وحافظوا على أولادكم، احفظوا أبناءكم وبناتكم وأزواجكم ونساءكم من هذه الفتن ما استطعتم، حذروهم منها، بينوا لهم ما فيها من الأضرار، حذروهم من التصديق بما ينشر فيها، والاغترار بما يذاع فيها وينشر، فإنها سموم قاتله، نسأل الله العافية.
فعليكم بالحذر والتحذير فإن الصوارف والفتن كثيرة، كما قال ﷺ: «إِنَّهَا فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» [رواه مسلم (118)]، إن الفتن شديدة يا عباد الله، أشد من ذي قبل، فالحذر يجب أن يكون الآن أكثر من ذي قبل، فلا تغتروا بها وما ينشر فيها، ولا تصغوا لكلام أعدائكم فيها، فإنهم لا يريدون لكم إلا الشر، ﴿... وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 217﴾ [البقرة: 217]، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة، نسأله أن ينصر دينه ويُعلي كلمته، وأن يحفظ أولياءه، وأن يدمر أعداءه، إنه على كل شيء قدير.
***
عنوان الخطبة
الإسلام دين الأنبياء
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن مـحمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أَمَّا بَعْدُ: فإن الله تعالى خلق جميع الخلق لتحقيق العبودية له على الشريعة التي ارتضاها جلَّ وعلا، ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ58﴾ [الذاريات: 56 - 58].
وأَمَرَ اللهُ خلقَهُ أن يسلموا له نفوسهم وأمورهم، وأن يخضعوا له فقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ54﴾ [الزمر: 54]، وجعل شريعة الإسلام هي الشريعة والملة التي تَعَبَّدَهم بها، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡ...﴾ [آل عمران: 19].
والخروج عن شريعة الإسلام، والاختلاف عليها، وابتغاء غيرها ظلم وبغيٌ وكفر، ولن يقبل الله من أحدٍ دينًا ولا شريعةً غير دين الإسلام وشريعته، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران: 85].
وكل الأنبياء والرسل جاؤوا بشريعة التوحيد، والدعوة لإفراده جلَّ وعلا بالعبادة، ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36]، ولو استعرضنا قَصَص الأنبياء في القرآن لوجدنا دعوتهم واحدة، دينهم واحد، ومِلَّتَهم واحد.
أمة الإسلام: لقد بين الله تعالى أنَّ خليله إبراهيم ﷺ هو الذي سمى دينه الحق الذي لا يقبل الله غيره دين الإسلام، وسمى من دان به واستقام عليه بالمسلمين: ﴿...مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡل...﴾ [الحج: 78]؛ فأبو الأنبياء إبراهيم الخليل ﷺ وجميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كانوا حنفاء مسلمين.
وأتباع موسى ﷺ الذين كانوا مسلمين على ملته وشريعته لما قالوا: ﴿...إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَ...﴾ [الأعراف: 156]، أطلق عليهم مسمى اليهود، وكذلك أتباع عيسى ﷺ المسلمين من الحواريين لما قالوا لعيسى ﷺ: ﴿...نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]، وأطلقوا على أنفسهم مسمى النصارى، وسُموا بذلك، ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ...﴾ [المائدة: 14].
ولما ادعى كلُّ فريق منهما أنَّ إبراهيم ﷺ كان على دينهم وملتهم؛ رَدَّ الله تعالى عليهم فقال: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ67﴾ [آل عمران: 67].
معاشر المسلمين: أنزل الله تعالى الكتب على أنبيائه -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ لتبين للناس شريعة الإسلام التي أنزلها على أنبيائه، وجعلها يصدق بعضها بعضًا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ...﴾ [المائدة: 44]، وقال تعالى خبرًا عن عيسى عليه السلام: ﴿...وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46]، وقال: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ...﴾ [المائدة: 48].
وقد حرَّف أتباع الأنبياء من بعدِهم شريعة أنبيائهم، وبدلوا وغيروا فيها، فلبَّسوا على الناس دينهم، وحرَّفوا كتب الله تعالى، واستبدلوها بأشياء من عندهم، فلم يبقَ كتاب بدون تحريف ولا تبديل إلا القرآن الذي يحفظه الله تعالى، فقال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ9﴾ [الحجر: 9].
يا أمة محمد: لقد نَصَّ القرآن على كُفْرِ اليهودِ والنصارى، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ78﴾ [المائدة: 78]، وكيف لا يُكَفَّرُ مَنْ نَسَبَ لله تعالى الفَقْرَ، وقتَّل أنبياءَه؟! ﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ181﴾ [آل عمران: 181]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا155﴾ [النساء: 155]، وقال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ72﴾ [المائدة: 72] ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ...﴾ [المائدة: 73].
فلا ملة صحيحة ولا شريعة قويمة، ولا دين إلا دين الإسلام، ولا كتاب من كتب الله إلا القرآن، ومن قال غير هذا فقد افترى على الله كَذِبًا، وكَذَّبَ ما جاءَ في القرآن، وكَفَرَ بما أَنْزَل الله على نبيه محمد ﷺ.
اللَّهُمَّ أرنا الحقَّ حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطِل باطلًا وارزقنا اجتنابه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد للـه حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أَمَّا بَعْدُ: فإنَّ قلوب مَن لا يدين بالإسلام لا تُكِنُّ للمسلمين غيرَ العَداوَةِ والبَغضاء إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰ...﴾ [البقرة: 120]، ولا مَوَدَّةَ ولا تسامُحَ بينهم وبين المسلمين ﴿...وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْ...﴾ [البقرة: 217].
وقد نصَّ الله تعالى على أنَّ أشدَّ النَّاس عداوَةً للمسلمين اليهود، فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ...﴾ [المائدة: 82]؛ فكيف نُحِبُّ من يعادينا، ويسعى لزوالنا، ويبذل جهده لإفساد ديننا؟ وكيف نُحِبُّ من لا يرضيهم إلا انسلاخنا عن ديننا، كيف نُحِبُّهم وقد نهانا الله تعالى في كتابه عن حبِّهم أو التَّقارب معهم؟! فقال ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ51﴾ [المائدة: 51]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ57﴾ [المائدة: 57].
والبراءة من الكافرين هَدْيُ خليل الله إبراهيم ﷺ، قال تعالى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُ...﴾ [الممتحنة: 4].
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بضر أو خيانة أو سوء فرد كيده في نحره، واجعل الدائرة عليه، وأصلح أمة محمد وردهم إلى دينك ردًا جميلًا.
اللهم أصلح شباب المسلمين بنين وبنات، واهدهم سبل السلام وخذ بنواصيهم للهدى والرشاد، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم إنا نعوذ بك من الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل، والفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظ اللهم أمننا، واحرس بلادنا، واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار، واحمنا من طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخير، يا قوي يا جبار.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، ووفق ولاة أمورنا، لكل خير وبر وصلاح ورشد، يا ذا الجلال والإكرام.
وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وَقَالَ ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم: 384].
***
عنوان الخطبة
محاسن الإسلام وفضائل الأمة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، ولا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله إلى النار يوم القيامة.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتوبوا إليه من كل ذنب واستغفروه، وما تقدموا لأنفسكم من خير فعند الله تعالى ستجدوه، ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ 30﴾ [آل عمران:30].
عباد الله:
إن الدين عند الله الإسلام الذي أكمله سبحانه وأتم به على أهله الإنعام، وفضل به أهله على من سواهم من الأنام، وقال بشأنه: ﴿... وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة:3]، وقال: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران:85].
أيها المسلمون:
إن الله اصطفى لكم الدين وفضلكم به إذ هداكم له من بين من سواكم من العالمين، فهداكم للدين القويم، وجعلكم من أمة رسوله الكريم محمد عليه من ربه أكمل الصلاة وأزكى التسليم، قال تعالى: ﴿... بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ17﴾ [الحجرات:17]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 164﴾ [آل عمران:164]، وقال سبحانه في المنة بالقرآن العظيم والرسول الكريم: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ 58﴾ [يونس:58].
معشر المسلمين:
إن دين الإسلام العظيم القويم هو خاتمة وخلاصة الأديان السماوية السابقة، قد اشتمل على خير وأحسن ما فيها، وضمنه ربنا تبارك وتعالى تشريعات وأحكامًا ليست فيها مصلحة للأنام، وصالحة إلى آخر الأيام، فما في الكتب الإلهية المتقدمة من تشريعات حسنة فقد ضمن الله الإسلام مثلها وأحسن منها، وما فيها من تشريعات مؤقتة فقد انتهت بانتهاء توقيتها، وفناء أهلها المخاطبين بها، ولذا نسخها الله تعالى بالقرآن العظيم وهدي الرسول الكريم، وأغنى بهما عنها، وما طرأ عليها من التحريف والتبديل لألفاظ نصوصها ومعانيها وكيفية العمل بها، فقد تضمن ما بلغه النبي ﷺ من القرآن والهدي والبيان على صحيح نصه، وواضح حكمه، وأحسن كيفية لتطبيقه وتحقيقه مع يسر أمره، وأما ما في تلك الكتب السابقة من الآصار والأغلال التي اقتضت الحكمة الإلهية تكليف أهلها بها، فقد عافى الله تبارك وتعالى هذه الأمة منها لطفًا ورحمة بها، فكان القرآن العظيم بحق: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ...﴾ [المائدة:48]، أي: موافقًا ومؤكدًا على أحسن ما فيها، وناسخًا لما كان مؤقتًا من أحكامها وما لا تحتاج الأمة إليه، ومشتملًا على أحكام جديدة صالحة مصلحة للأمة، فأغنى الله بالقرآن وهدي النبي ﷺ عنها.
أيها المؤمنون:
ولما كان القرآن العظيم وهدي الرسول الكريم عليه من ربه أكمل الصلاة وأزكى التسليم بهذه المثابة من الحسن والتيسير والكفاية اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون دين الإسلام الذي جاء به الرسول محمد ﷺ ناسخًا لما قبله من الأديان عامًا لجميع المكلفين من الإنس والجان، منذ بعثه الله وإلى أن يأتي الله بأمره آخر الزمان.
معشر المؤمنين:
ولما اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون رسوله محمدٌ ﷺ خاتم النبيين وأشرف وأعظم المرسلين وأكمل أسوة للمؤمنين، وأن يكون دينه خير وأعظم وأكمل دين، وآخر ما يتعبد به لله رب العالمين قبل يوم الدين، اقتضت حكمة الله كذلك أن يكون دينه كاملًا مبرءًا من النقصان، سمحًا ميسرًا مراعيًا للحال والزمان، وكثر فيه من الشرائع والخصال المكفرة للسيئات والمضاعفة للحسنات، والتي ترفع العبد درجات، وجعل فيه مواسم فاضلة، وخص أماكن مباركة يضاعف فيها العمل والثواب، وخصالًا تعتق بها الرقاب، وفتح ووسع أبواب ووقت المتاب، ونوَّع فيه الأعمال الصالحات، وفرض قضاء ما فات ويسر أمورًا يمكن بها إبراء الذمة بعد الممات من أنواع من الحقوق والواجبات، وجعل من شرائعه وشعائره مهمات تؤدي جماعة تعاونًا على البر والتقوى، وإظهارًا للعلم والهدى وإغاظة للأعداء، ومع هذا كله فمن اعتاد العمل ثم شُغل عنه أو عجز كتب له ما اعتاد، وإذا شق العمل عظم أجره وعُدَّ من الجهاد، ومن غاب عقله رفع عنه قلم التكليف ومن شاخ في الإسلام كتب له أحسن عمله ولم يكتب عليه سيئة لطفًا من اللطيف، ومن انقطع عمله بموته ووصل له بالعلم الذي ينتفع به والصدقة الجارية بعده، والولد الصالح يدعو له، وكل حسنة منها فعمل بها من بعده.
معشر المؤمنين:
وفوق هذا كله أن المحسن في الإسلام يجزي بمعدل أحسن عمله، ويضاعف له ثوابه، ولم يؤاخذ على إساءته في الجهل، ويعطى زيادة على ذلك ثوابًا غير مقابل عمل، وكذلكم ينتفع المسلم في الإسلام بعد موته بدعوات الداعين، وصدقات المحسنين، وشفاعة الشافعين المرضيين، وتطول رب العالمين الرحمن الرحيم بالعفو عنه، والمغفرة له يوم الدين.
أمة الإسلام:
ومن محاسن هذا الدين وتفضل الله تبارك وتعالى به أهله على من قبلهم من المؤمنين أن الله تعالى جعل أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وهم الأمة الوسط العدول الخيار الشهداء يوم القيامة على الناس، وهم أكثر الأمم مؤمنًا برب العالمين، وأكثرها تابعًا لرسولها محمد خاتم النبيين، وأكرمها يوم القيامة على رب العالمين، وهم أول أمة يقضى بينها قبل الخلائق وأكثرها واردًا لحوضه ﷺ الذي يطرد عنه كل مرتد ومنافق، وهم أول من يجوز الصراط وأول أمة تدخل الجنة، وهم أكثر أهل الجنة فإنهم ثلثا أهل الجنة، وخاصتهم أشراف أهل الجنة بعد المرسلين والنبيين صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ139﴾ [آل عمران: 139].
بارك الله لي ولكم في القران العظيم، ونفعني إياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على منه وهداه، ونشكره سبحانه على مترادف وسابغ نعماه، ونستغفره ونتوب إليه من كل ما لا يحبه ولا يرضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا معبود بحق سواه، جل ربي عن الأنداد والأضداد، لا رب غيره ولا إله سواه.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ومصطفاه، المبعوث بالهدى ودين الحق إلى عامة المكلفين من الخلق منذ بعثه الله إلى أن تطلع الشمس من مغربها إيذانًا باقتراب الوعد الحق والقيام لله.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان على دينه وهداه.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله حق التقوى بأن يُذكر فلا يُنسى، ويطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر.
أيها الناس:
اشهدوا لله تعالى بالتفرد بالإلهية والعبادة، واعبدوه سبحانه بما شرع مخلصين له الدين عن إيمان واحتساب لا على الإلف والعادة، واجتنبوا الكفر والشرك والبدع وكبائر الذنوب، وتوبوا توبة نصوحًا من كل ما اقترفتم إلى علام الغيوب، شأن من قال: ربي الله ثم استقام.
واشهدوا لنبيه ﷺ بأنه خاتم النبيين، وخليل رب العالمين، المبعوث إلى عامة المكلفين بأكمل شرعة وأحسن دين، إلى يوم يبعثون، المخصوص بالشفاعة العظمى لعامة الخلق، والمقام المحمود بين يدي الحق، والوحيد الذي يستفتح باب الجنة وعد صدقٍ، فآمنوا به ﷺ وصدقوه فيما أخبر، وأطيعوه فيما أمر، واجتنبوا ما نهى عنه وزجر، ولا تعبدوا الله إلا بما شرع.
أيها المسلمون:
اذكروا الله تبارك وتعالى واشكروه أن هداكم للإسلام، وأظهروا الاغتباط بذلك بين الأنام، وأظهروا محاسنه وأحسنوا الاستقامة والتعامل مع الناس بخلقه لتحببوه وتغروا به الخاص والعام، ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 161 قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 163﴾ [الأنعام:161-163]، وبذلك تصبحون هداة مهتدين، وأئمة للمتقين، غير ضالين ولا مضلين.
معشر المؤمنين:
احذروا أن تكونوا صادين بأنفسكم أو صادين لغيركم عن شيء من أحكام ربكم تبارك وتعالى أو سنة من سنن نبيكم المصطفى بقول أو فعل أو حال، فإن كل ما تجاهرون به من مخالفة لحكم قطعي من أحكام الإسلام، أو لسنة معلومة من سنن النبي محمد عليه الصلاة والسلام حتى تُعرفوا به لاعتيادكم إياها وملازمتكم لها، فإن ذلكم يُفهم أو يوهم ترددكم في قول ذلكم الحكم أو التأسي بالنبي ﷺ في تلك السنة، وهو أيضًا نوع من الاعتراض على الله تعالى في الشرع أو على النبي ﷺ في البلاغ أو العمل، وذلكم هو حقيقة المعصية وعين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا 36﴾ [الأحزاب:36]، وقد توعد الله جل وعلا على ذلك بأشد الوعيد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ 14﴾ [النساء:14].
﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ 180 وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ 181 وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 182﴾ [الصافات: 180-182].
***
عنوان الخطبة
معنى الشهادتين ومقتضاهما
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه.
عباد الله: إن الركن الأول من أركان الإسلام هو الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذا الركن هو الأساس الذي تقوم عليه بقية الأركان، وتنبني عليه سائر أحكام الدين؛ فإن كان هذا الأساس سليمًا قويًا؛ استقامت سائر الأعمال وكانت مقبولة عند الله وانتفع بها صاحبها، وإن اختل هذا الأساس؛ فسدت سائر الأعمال وصارت هباءً منثورًا، وصارت كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وصارت كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصفٍ، وصارت تعبًا على صاحبها في الدنيا، وحسرة وخسارة يوم القيامة.
عباد الله: إن الشهادتين لهما معنى، ولهما مقتضى، ولا بُدَّ للناطق بهما أن يعرف المعنى ويعمل بذلك المقتضى، وإلا فإنه لا ينفعه مجرد التلفظ بهما.
فمعنى شهادة أن (لا إله إلا الله): الإقرار بأنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأن كل معبود سواه باطل ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 30﴾ [لقمان:30].
ومقتضى شهادة أن (لا إله إلا الله): أن تفرد الله بالعبادة فلا تعبد معه غيره؛ فإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقد أعلنتَ البراءة من كل معبود سوى الله، والتزمتَ بعبادة الله وحده، وفِعْلِ ما أُمِرَ به، وتَرْكِ ما نُهِيَ عنه، ولذلك لما قال النبي ﷺ للمشركين (قولوا: لا إله إلا الله)؛ فهموا من ذلك أنه يطلب منهم عبادة الله وحده، وتركَ عبادة الأصنام؛ فامتنعوا من أن يقولوا هذه الكلمة واستنكروها، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ 5 وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ 6 مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ7﴾ [صّ:5-7]، هذا معنى (لا إله إلا الله) جعل الآلهة إلهًا واحدًا، وترك عبادة ما سواه، وقد فهمه المشركون؛ لأنهم عرب فصحاء.
وعبَّاد القبور اليوم لا يفهمون معنى (لا إله إلا الله) ولا يعملون بمقتضاها؛ فلذلك يقول: (لا إله إلا الله)، ويعبدون الموتى؛ فالمشركون الأولون أعلم منهم بمعنى (لا إله إلا الله)، وأعلم منهم بمقتضاها، هؤلاء القبوريون يقولون: (لا إله إلا الله) ويقولون مع ذلك: يا علي، يا حسين، يا عبد القادر، ينادون الموتى ويستغيثون بهم في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ويطوفون بقبورهم، ويذبحون لهم؛ فما معنى (لا إله إلا الله) عند هؤلاء؟ وما فائدتها؟! إنهم قوم لا يعقلون ﴿... نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡ...﴾ [التوبة:67]، ﴿...زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة:37].
ومن مقتضى شهادة أن (لا إله إلا الله): أن تؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، وتفعل الواجبات الدينية، وتترك المحرمات؛ فقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم -بقيادة أبي بكر الصديق رضي الله عنه- مَن مَنَع الزكاة، وهم يقولون: (لا إله إلا الله)، وقال الصحابة: إن الزكاة مِن حق (لا إله إلا الله).
قيل للحسن البصري رحمه الله: إن ناسًا يقولون: من قال (لا إله إلا الله) دخل الجنة، فقال: "من قال: لا إله إلَّا الله فأدَّى حقَّها وفَرْضَها؛ دخل الجنَّة"، وقال وهبُ بنُ منبِّهٍ لمن سأله: أليس لا إله إلَّا الله مِفتاحَ الجنَّة؟ قال: "بَلَى ولكن ما مِن مِفتاحٍ إلَّا لهُ أسنانٌ؛ فإن جئتَ بِمِفتاحٍ لهُ أسنانٌ فُتِحَ لكَ وإلَّا لَمْ يُفتحْ لَكَ".
عباد الله: وكما أن الشرك الأكبر يناقض (لا إله إلا الله) وينافيها؛ كذلكم سائر المعاصي التي هي دون الشرك تنقص مقتضى هذه الكلمة وتقلل من ثوابها بحسب الذنب الذي يصدر من العبد، ومطلوب من المسلم أن يقول: (لا إله إلا الله) ويعلم معناها، ويعمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، ويستقيم عليها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ86﴾ [الزخرف:86] ﴿شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ﴾، أي: قال: لا إله إلا الله، ﴿وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما نطقت به ألسنتهم من تلك الكلمة.
فاتقوا الله -عباد الله-، واعرفوا معنى هذه الشهادة، واعملوا بمقتضاها؛ فليس المقصود منها مجرد النطق بها من غير فهم معناها، واعتقاد مدلولها، والعمل به؛ فإن ذلك لا ينفع ولا يجدي.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبياء:25].
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له إقرار به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا أيها الناس: معنى (أشهد أن محمدًا رسول الله): الإقرار بأنه رسول من عند الله، واعتقاد ذلك في القلب.
ومقتضى هذه الشهادة يتلخص في أربعة أمور: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعْبَدَ اللهُ إلا بما شرع؛ فإذا شهدتَ أنه رسول الله؛ وجب عليك أن تطيعه فيما يأمرك به، وأن تجتنب ما نهاك عنه، وأن تصدقه فيما أخبر به عن الله تعالى، وعن الغيوب الماضية والمستقبلة، وأن لا تتقرب بشيء من العبادات إلا إذا كان موافقًا لشريعته؛ فتترك البدع والمحدثات، وتترك الأقوال المخالفة لسنته مهما بلغ قائلها من العلم والفقه؛ فكل منّا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.
يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله: "كُلُّنا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلَّا صاحبَ هذا القبر". يعني رسول الله ﷺ.
وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: "أجمعَ العلماءُ على أنَّ مَن استبانتْ له سنَّةُ رسول الله ﷺ لم يكنْ له أن يدعها لقولِ أحدٍ".
ويقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "عَجِبتُ لقومٍ عرفوا الإسنادَ وصحتهُ يذهبونَ إلى رأيِ سفيان، والله تعالى يقول: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشِّرك؛ لعلَّهُ إذا ردَّ بعضَ قولهِ أن يقعَ في قلبهِ شيءٌ منَ الزَّيغِ فيهلك –واللهُ تعالى يقول: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ...﴾ [الحشر: 7]".
عباد الله: صلوا وسلموا على محمد ﷺ.
***
عنوان الخطبة
فضائل كلمة التوحيد
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ومراقبته في السر والعلانية، فإن تقوى الله عزوجل هي خير زاد يبلِّغ إلى رضوان الله.
ثم اعلموا - رحمكم الله - أن خير الكلمات وأجلَّها على الإطلاق، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهي الكلمة التي لأجلها قامت الأرض والسماوات، وخُلقت جميع المخلوقات، وبها أُرسلت الرُّسل وأنزلت الكتب وشُرِّعت الشرائع، ولأجلها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار، وأبرار وفُجَّار، وهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وعنها يسأل الأولون والآخرون يوم القيامة، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأساس الدين، وأصله ورأس أمره؛ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ18﴾ [آل عمران: 18]، وكم لهذه الكلمة العظيمة، من الفضائل الجليلة الكريمة، والمزايا الجمَّة، مما لا يمكن استقصاؤه ولا الإحاطة به.
عباد الله:
إن الواجب على كل مسلم أن يعلم أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله التي هي خير الكلمات وأفضلها وأكملها، لا تكون مقبولة عند الله بمجرد التلفُّظ بها باللسان فقط، دون قيام من العبد بحقيقة مدلولها أو تطبيق لأساس مقصودها؛ من نفي الشرك، وإثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمَّنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلمًا حقًّا، وبذلك يكون من أهل لا إله إلا الله.
عباد الله:
وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سوى الله أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، ومنتهى الضلال؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ 5 وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ6﴾ [الأحقاف: 5-6]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ62﴾ [الحج: 62]، وقال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]، وقال تعالى: ﴿...وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، والظلم -عباد الله- هو وضع الشيء في غير موضعه، ولا ريب أن صرف العبادة لغير الله ظلم؛ لأنه وضعٌ لها في غير موضعها، بل إنه أظلم الظلم، وأخطره على الإطلاق.
عباد الله:
إن لـكلمة التوحيد العظيمة (لا إله إلا الله) مدلولًا لا بُدَّ من فَهْمه، ومعنًى لا بُدَّ من ضبطه؛ إذ غير نافع بإجماع أهل العلم النطق بها من غير فَهم لمعناها، ولا عمل بما تقتضيه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ86﴾ [الزخرف: 86]، ومعنى الآية كما قال أهل التفسير؛ أي: إلَّا مَن شهد بلا إله إلَّا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم؛ إذ إن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهلٍ لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق وتقتضي العمل بذلك، وبهذا -عباد الله- يتبين أنه لا بد في هذه الكلمة العظيمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريقة اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يظهرون ما لا يبطنون، ويكون بالعلم والعمل والصدق من أهل صراط الله المستقيم من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
عباد الله:
إنَّ كلمة (لا إله إلا الله) لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد بذلك وعمل به، أما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد، فهو المنافق، وأما من قالها وعمل بضدها وخالفها من الشرك، فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتد عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها، فإنها لا تنفعه، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله؛ كالدعاء والذبح والنذر، والاستغاثة والتوكل والإنابة، والرجاء والخوف والمحبة ونحو ذلك، فمن صرف ما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله؛ إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى ومدلول هذه الكلمة.
عباد الله:
إن لا إله إلَّا الله معناها: لا معبود بحقٍّ إلَّا إله واحد، وهو الله وحدَه لا شريك له، والإله في اللغة هو المعبود، ولا إله إلَّا الله؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلَّا الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبياء: 25]، مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36]، فتبيَّن بذلك أن معنى الإله هو المعبود، وأن لا إله إلَّا الله معناها إخلاص العبادة لله وحدَه، واجتناب عبادة الطاغوت، ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: «قولوا لا إله إلَّا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ5﴾ [ص: 5]» [أخرجه الترمذي: 3232، والنسائي في السنن الكبرى: 8769، وأحمد: 2008، وصححه الحافظ ابن كثير]، وقال قوم هود لنبيِّهم لما قال لهم: قولوا لا إله إلَّا الله، ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا...﴾ [الأعراف: 70]، قالوا ذلك، وهو إنما دعاهم إلى لا إله إلَّا الله؛ لأنهم فهموا أن المراد بها، نفي الألوهية عن كل مَنْ سوى الله، وإثباتها لله وحدَه لا شريك له، فلا إله إلَّا الله، اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كلِّ ما سوى الله تعالى، فكل ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلًا عن غيرهم، فليس بإله وليس له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده؛ بمعنى: أنَّ العبد لا يؤَلِّه غيره؛ أي: لا يقصده بشيء من التألُّه: وهو تعلُّق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، وغير ذلك.
عباد الله:
فليست لا إله إلَّا الله اسمًا لا معنى له، أو قولًا لا حقيقة له، أو لفظًا لا مضمون له، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقول له معنى جليل هو أجلُّ المعاني، وحاصله البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال على الله وحده، خضوعًا وتذللًا وطمعًا ورغبة، وإنابة وتوكلًا، وركوعًا وسجودًا، ودعاءً وطلبًا، فصاحب لا إله إلَّا الله لا يسأل إلَّا الله، ولا يستغيث إلَّا بالله، ولا يتوكل إلَّا على الله، ولا يرجو غير الله، ولا يذبح إلَّا لله، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغير الله، ويَكْفُر بجميع ما يُعبد من دون الله، ويبرأ إلى الله من ذلك، فهذا -عباد الله- هو صاحب لا إله إلَّا الله حقًّا، وهو المحقِّق لها صدقًا.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وراقبوه مراقبة مَن يعلم أن ربَّه يسمعه ويراه.
عباد الله:
إن النصوص الواردة في فضل كلمة التوحيد لا إله إلَّا الله كثيرة، وهي تدلُّ على عِظَم شأن هذه الكلمة وجلالة قدرها، ورِفعة شأنها وكثرة خيراتها، وبركاتها على أهلها، لكن على العبد أن يعلم أن لا إله إلَّا الله، هذه الكلمة العظيمة لا بُدَّ لها من شروط لتحقيقها، وضوابط عظيمة لا بُدَّ من القيام بها، دلَّ عليها كتاب الله العزيز وسُنَّة النبي ﷺ سُئلَ وهبُ بنُ منبِّهٍ رحمه الله وهو من أجلة التابعين، قيل له: "أليسَ لا إله إلَّا اللهُ مِفتاحَ الجنَّة، قال: بَلَى، ولكن ما مِنْ مِفتاحٍ إلَّا ولهُ أسنانٌ، فإنْ جئتَ بِمِفتاحٍ لَهُ أسنانٌ، فُتِحَ لك، وإلَّا لَمْ يُفتَح"، يشير بذلك إلى شروط لا إله إلَّا الله.
وقيل للحسن البصري رحمه الله وهو من أجلَّة التابعين، قيل له: "أليس مَن قال (لا إله إلَّا الله) دخل الجنَّة، قال: بَلَى، مَن أدَّى حقَّها وفَرْضَها دخلَ الجنَّة".
والشاهد -عباد الله- أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله لها شروط لا بُدَّ من ضبطها والعناية بها والاهتمام بتحقيقها، والعلماء رحمهم الله لما استقرؤوا كتاب الله وسُنَّة نبيِّه ﷺ تبيَّن بهذا الاستقراء أن لا إله إلَّا الله لها شروط سبعة لا تقبل إلَّا بها.
وهي: العلم بمعناها المنافي للجهل، واليقين بها المنافي للشك والريب، والصدق المنافي للكذب، والإخلاص المنافي للشرك والرياء، والمحبة المنافية للبُغض والكره، والانقياد المنافي للترك، والقبول المنافي للردِّ.
فهذه شروط سبعة لهذه الكلمة العظيمة، دلَّ على كل واحد منها عشرات الأدلة في كتاب الله عز وجل وسُنة نبيِّه ﷺ، والواجب علينا -عباد الله- أن يكون اهتمامنا بهذه الكلمة أكبر الاهتمام وأعظمه وأجلُّه، وأن يكون اهتمامنا بها أعظم من اهتمامنا بأيِّ شيء آخرَ.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفقنا وإياكم للعمل بهذه الكلمة العظيمة، وتحقيق شروطها والقيام بحقوقها، وأن يدخلنا وإياكم بها الجنة، وصلُّوا وسلُّموا - رحمكم الله - على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وقال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [أخرجه مسلم:408].
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
عنوان الخطبة
فضل الإيمان
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله وأمينه على وحيه، ومبلِّغُ الناس شرعه، وصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا معاشر المؤمنين، عباد الله، اتقوا الله تعالى فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، وتقوى الله جل وعلا عمل بطاعة الله على نور من الله؛ رجاء رحمة الله، وبُعد عن معصية الله على نور من الله؛ خيفة عذاب الله.
عباد الله:
إن أشرف ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة الإيمان.
الإيمان -عباد الله- أشرف المطالب وأجلُّ المقاصد، وأنبل الأهداف على الإطلاق.
الإيمان -عباد الله- سبب العز والفلاح والرِّفعة في الدنيا والآخرة، بالإيمان -عباد الله- تنالون أشرف المطالب، وأجمل المواهب.
بالإيمان -عباد الله- ينال العبد جنةً يوم القيامة عَرْضها كعرض السماوات والأرض أعدّت للمؤمنين.
بالإيمان -عباد الله- ينجو العبد من النار وحرِّها الشديد، وقعرها البعيد.
بالإيمان -عباد الله- ينال المؤمن أشرف ما يُنال، ألا وهو رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» [متفق عليه].
بالإيمان -عباد الله- يُنال كل خير وفلاح ورفعة في الدنيا والآخرة، ويدفع كل شر وبلاء ونِقمة.
عباد الله:
إن الواجب على أهل الإيمان أن يحمدوا الله جل وعلا حمدًا كثيرًا على مِنَّته عليهم به، وهدايتهم إليه، كما قال جل وعلا: ﴿... وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ7﴾ [الحجرات: 7].
عباد الله:
ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصَدَّقته الأعمال.
الإيمان -عباد الله- عقائد صحيحة وإيمانيات راسخة، قَوامُها وبناؤها على الإيمان بالله وملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر؛ خيره وشره؛ ففي صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله عنه، أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإيمان، قال أخبرني عن الإيمان، قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ؛ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [أخرجه مسلم: 8].
الإيمان -عباد الله- طاعة زاكية وعبادات عظيمة وقُربات متنوعة، يتقرَّب بها المسلم إلى الله، ومباني هذه العبادات خمس جاء بيانها في حديث النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: «بُنيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ» [متفق عليه].
فهذه الأعمال الخمسة وسائر أعمال الدين وشعائره كلها داخلة في الإيمان؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذكر مجيء وفد عبد القيس إلى النبي ﷺ وفي الحديث قال لهم ﷺ: «آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ» [متفق عليه].
فدلّ هذا الحديث العظيم على أن شعائر الإسلام وأعمال الدين، وأنواع الطاعات والقربات كل ذلك داخل في الإيمان.
الإيمان -عبادَ الله- شُعبٌ كثيرة، وأعمال متنوعة؛ منها ما يكون باللسان، ومنها ما يكون بالقلب، ومنها ما يكون بالجوارح؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ» [متفق عليه].
الإيمان -عباد الله- بُعد عن الحرام، وتوقٍّ للآثام، وترك للذنوب؛ جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [متفق عليه].
وقد دل هذا الحديث العظيم على أن ترك الحرام والبُعد عن الآثام كل ذلك داخل في مسمَّى الإيمان.
الإيمان -عباد الله- كفٌّ للأذى وبُعد عن الظلم، ووفاء بالعهود والمواثيق والأمانات؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «المُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِ وَأَمْوَالِهِ». [أخرجه الترمذي: ٢٦٢٧، والنسائي: ٤٩٩٥، وأحمد: ٨٩١٨ وصححه الألباني].
وفي الحديث الآخر، قال عليه الصلاة والسلام: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» [أخرجه أحمد: ١٢٥٦٧، والبزار: ٧١٩٦، وأبو يعلى: ٢٨٦٣ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وصححه الألباني].
الإيمان -عباد الله- تحابٌّ تآخٍ، وتواد وتعاون، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [متفق عليه].
وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» [متفق عليه].
الإيمان -عباد الله- تكافل وتراحم وتعاون بين أهل الإيمان، وبذل للدعاء، يقول الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ 10﴾ [الحشر: 10].
الإيمان -عباد الله- استقامة على طاعة الله، ومداومة وملازمة لعبادة الله، وثبات على دين الله إلى الممات؛ يقول ﷺ في حديث سفيان بن عبد الله الثقفي عندما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» [رواه مسلم: 38].
عباد الله:
الإيمان جمال للمرء وزينة له وحلاوة، كما أن له لذة وطعم لا نظير له؛ يقول ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا» [رواه مسلم: 34].
وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [متفق عليه]، وهو زينة وجمال؛ يقول ﷺ في دعائه: «اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» [أخرجه النسائي: ١٣٠٥، وأحمد: ١٨٣٥١ وصححه الألباني].
وفي القرآن يقول الله تعالى: ﴿...وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ...﴾ [الأعراف: 26].
عباد الله:
إنَّ الواجب على أهل الإيمان أن يرعوا الإيمان حقَّ رعايته، وأن يعرفوا مقامه وقدره، وأن تكون عنايتهم به مُقدَّمة على عنايتهم بكل أمرٍ؛ فهو أساس الخير والسعادة والفلاح والرِّفعة في الدنيا والآخرة.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى وراقبوه، روى الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَخْلُقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلُقُ الثَّوْبُ؛ فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» [رواه الحاكم في المستدرك: 5، والطبراني في الكبير: 14668 وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ١٥٨٥].
عباد الله:
نعم، إن الإيمان ليخلق؛ أي: يضعُف وينقص، ويتقادم ويَبْلى كما يبلى الثوب، وكما يخلق الثوب، والسبب في ذلك -عباد الله- هو ما يبتلى به العبد في هذه الحياة؛ من فِعلٍ للذنوب، وغشيانٍ للمعاصي، فينقص بها الإيمان، وكذلك من جرّاء ما يلقاه العبد من فتنٍ وصوارف وصواد تصرفه عن الإيمان الذي خلقه الله لأجله وأوجده لتحقيقه.
فالمقام -عباد الله- يتطلب توجُّهًا صادقًا إلى الله، وسؤالًا مُلِحًّا إليه تبارك وتعالى أن يزيد الإيمان ويقويه، وأن يجدّده في القلب، وأن يمكنه فيه، والله تعالى يقول: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ ...﴾ [إبراهيم: 27].
والأمر الآخر -عباد الله- أن يجدَّ العبد ويجتهد في تحقيق الإيمان، وتكميله وتعليته؛ فإن الإيمان يقوى ويضعف، ويزيد وينقص؛ فعن عمير بن حبيب الخطمي رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل وما زيادته ونقصانه، قال: إذا ذكرنا الله وحَمِدناه وسبَّحناه زاد، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا نقص".
ولهذا فإن العبد الموفَّق لا يزال يسعى في هذه الحياة في تقوية إيمانه والبُعد عن أسباب نقصه وضعفه.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا.
***
عنوان الخطبة
الإيمان وأسباب زيادته ونقصانه
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلغ الناس شرعه، فصلوات الله وسلامه وعليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن من اتقى الله؛ وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، ثم اعلموا رحمكم الله أن أهمّ ما يجب على العبد العنايةُ به في هذه الحياة: الإيمان؛ فهو أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة؛ بل إن كل خير في الدنيا والآخرة متوقف على الإيمان الصّحيح؛ فهو أعظم المطالب، وأجل المقاصد، وأنبل الأهداف؛ فبالإيمان عبادَ الله يحيا العبد الحياة الطيبة في الدارين، وينجو من المكاره والشرور والشدائد، ويدرك جميل العطايا، وواسع المواهب، وبالإيمان ينال ثواب الآخرة؛ فيدخل جنة عرضها كعرض السماء والأرض، فيها من النّعيم المقيم والفضل العظيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وبالإيمان عباد الله ينجو العبد من نارٍ عذابُها شديد، وقعرها بعيد، وحرها أليم، وبالإيمان يفوز العبد برضا ربه سبحانه فلا يسخط عليه أبدًا، ويتلذذ يوم القيامة بالنظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، وبالإيمان يطمئن القلب، وتسكن النفس، ويُسَرُّ الفؤاد ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ 28﴾ [الرعد: 28] وكم للإيمان من الفوائد العظيمة، والآثار المباركة، والثمار اليانعة، والخير المستمر في الدنيا والآخرة مالا يحصيه ولا يحيط به إلا الله ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ17﴾ [السجدة: 17].
عباد الله:
إن الإيمان شجرة مباركة عظيمة النفع، غزيرة الفائدة، كثيرة الثمر لها مكان تغرس فيه، ولها سقي خاص، ولها أصل وفرع وثمار، أما مكانها فهو قلب المؤمن، فيه توضع بذورها وأصولها، ومنه تنشأُ أغصانها وفروعها، وأما سقيها فهو الوحي المبين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فبه تسقى هذه الشجرة المباركة، ولا حياة لها ولا نماء إلا به، وأما أصلها عبادَ الله فهو أصول الإيمان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وأعلى هذه الأصول: الإيمان بالله؛ فهو أصل أصول هذه الشجرة المباركة، وأما فروعها؛ فهي الأعمال الصالحة، والطاعات المتنوعة، والقربات العديدة التي يقوم بها المؤمن من صلاة وزكاة وحجٍّ وصيام وبر وإحسان وغير ذلك، وأما ثمارُها فكل خير وسعادة ينالها المؤمن في الدّنيا والآخرة؛ فهو ثمرة من ثمار الإيمان ونتيجة من نتائجه ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 97﴾ [النحل: 97].
عباد الله:
والناس يتفاوتون في الإيمان تفاوتًا عظيمًا بحسب تفاوتهم في هذه الأوصاف قوة وضعفًا وزيادة ونقصًا؛ فجدير بالعبد المسلم الناصح لنفسه أن يجتهد في معرفة هذه الأوصاف ويتأملها، ثم يطبقها في حياته؛ ليزداد إيمانه، ويقوى يقينه، ويعظم حظه من الخير، كما أن عليه عباد الله أن يحفظ نفسه من الوقوع في الأمور التي تنقص الإيمان وتضعف الدين؛ ليسلم من عواقبها الوخيمة ومغبتها الأليمة.
عباد الله:
وللإيمان أسباب كثيرة تزيده وتقويه، أهمها: تعلم العلم النافع، وقراءة القرآن الكريم وتدبره، ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وتأمّل محاسن الدين الإسلامي الحنيف، ودراسة سيرة نبينا الكريم ﷺ وسير أصحابه الكرام، والتأمل والنظر في هذا الكون الفسيح وما فيه من دلالات باهرة، وحجج ظاهرة، وآيات بينة ﴿... رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 191﴾ [آل عمران: 191]، كما أن الإيمان يزيد بالجد والاجتهاد في طاعة الله، والمحافظة على أوامره، وحفظ الأوقات في طاعته وما يقرِّب إليه ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 69﴾ [العنكبوت: 69].
عباد الله:
وللإيمان أسباب كثيرة تنقصه وتضعفه؛ يجب على العبد المؤمن أن يحترز منها، وأن يحتاط عن الوقوع في شيء منها، وأهمها: الجهل بدين الله، والغفلة، والإعراض، وفعل المعاصي وارتكاب الذنوب، وطاعة النفس الأمّارة بالسوء، ومخالطة أهل الفسق والفجور، واتباع الهوى والشيطان، والاغترار بالدنيا والافتتان بها بحيث تكون غايةَ مُنى الإنسان وأكبر مقصوده.
عباد الله:
ولما تحقق سلف الأمة وصدرها وخيارها بعِظَم شأن الإيمان وشدة الحاجة إليه، وأن الحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء؛ كانت عنايتهم به عظيمةً ومقدَّمة على كل أمر، فكانوا يتعاهدون إيمانهم ويتفقدون أعمالهم ويتواصون بينهم.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأصحابه: "هلموا نزددْ إيمانًا"، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "اجلسوا بنا نزدد إيمانًا"، وكان يقول في دعائه: "اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا"، وكان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: "تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله، ولنزدد إيمانًا بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته"، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "مِن فقه العبد أن يعلم أمُزداد هو أو منتقص"، أي: من الإيمان، وإنَّ من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنّى تأتيه، وكان عمير بن حبيب الخطمي رضي الله عنه يقول: "الإيمان يزيد وينقص" فقيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: "إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه وسبحناه؛ فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا؛ فذلك نقصانه" والنقول في هذا المعنى عنهم كثيرة.
عباد الله:
ولهذا فإن العبد المؤمن الموفَّق لا يزال يسعى في حياته بتحقيق أمرين عظيمين ومطلبين جليلين:
الأول: تقوية الإيمان وفروعه والتحقق بها علمًا وعملًا، والثاني: السعي في دفع ما ينافيها وينقضها أو ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة، ويداوي ما قَصَّر فيه من الأول، وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل الفوات، والإقبال على الله جل وعلا إقبالًا صادقًا بقلب منيب ونفس مخبتة مطمئنة مقبلة على الله، ترجو رحمة الله وتخاف عقابه، فنسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمن علينا جميعًا بتحقيق ذلك وتكميله على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يرزقنا جميعًا إيمانًا صادقًا، ويقينًا كاملًا، وتوبة نصوحًا، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن تقوى الله جلَّ وعلا أساس الفلاح، وعنوان السعادة في الدنيا والآخرة، وتقوى الله جل وعلا هي: أن يعمل العبد بطاعة الله، على نور من الله، يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله، على نور من الله، يخاف عقاب الله.
عباد الله: روى الحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَخْلُقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلُقُ الثَّوْبُ؛ فَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» [رواه الطبراني في الجزء المفقود من معجمه الكبير، ورواه الحاكم: 1/4 بسند حسن كما قال الهيثمي والألباني في الصحيحة 1585]، فوصف ﷺ الإيمان بأنه يَخْلَقُ كما يَخْلَقُ الثوب، أي: أنه يَبْلَى ويَضعف ويَدْخله النقص من جراء ما قد يقع فيه المرء من معاصٍ وآثام، وما يلقاه في هذه الحياة من ملهيات متنوعة، وفتن عظام تذهب جدة الإيمان وحيويته وقوته، وتضعف جماله وحسنه وبهاءه، ولهذا أرشد عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث العظيم إلى تعاهد الإيمان، والعمل على تقويته وسؤال الله تبارك وتعالى زيادته وثباته، والله جل وعلا يقول: ﴿... وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].
عباد الله: فمن الخير للعبد المؤمن أن ينصح لنفسه في إيمانه الذي هو أغلى شيء لديه، وأثمنُ أمر عنده، وهو خير زاد إلى لقاء الله.
والْكَيِّسُ عباد الله من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وصلُّوا وسلموا على محمد بن عبد الله كما أمركم الله في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وقال ﷺ: «مَن صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [أخرجه مسلم: 408].
***
عنوان الخطبة
الإحسان
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صَلِّ وسَلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعملوا صالحًا، وأحسنوا أعمالكم؛ فإن صلاح العمل وإحسانه نجاة للعبد وفلاح في الدنيا والآخرة، ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 93﴾ [المائدة: 93].
أيها المسلمون: الإحسان أعلى مراتب الدين، وما دخل الإحسان في شيء إلا جمله وكمله وحسنه، وبلغ به أعلى المراتب؛ لأن العبد إذا أحسن العمل كان مخلصًا فيه لله، موافقًا لهدي النبي ﷺ، قال عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [متفق عليه] وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم… ويوجب أيضًا النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.
وكل عمل ديني أو دنيوي إذا راقب العامل فيه ربه سبحانه تحقق فيه الإحسان، وكان على أكمل حال، سواء كان عملًا يقصر نفعه على صاحبه؛ كصلاته وقراءته وعبادته، أم كان متعدي النفع إلى غيره من الناس، وهو إيصال الإحسان إلى الناس، فالإحسان إتقان العمل، والباعث عليه مراقبة الله تعالى في السر والعلن.
وأعظم فضيلة للإحسان أنه أعلى درجات الدين؛ إذ الدين إسلام وإيمان وإحسان، وأعلاه الإحسان.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ...﴾ [النساء: 125]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 112﴾ [البقرة: 112].
والمحسنون محظوظون بمعية الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ 128﴾ [النحل: 128]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 69﴾ [العنكبوت: 69].
والمحسنون ينالون محبته عز وجل، جاء ذلك في آيات كثيرة، منها: قول الله تعالى: ﴿... وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ195﴾ [البقرة: 195]، وقوله تعالى: ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 148﴾ [آل عمران: 148].
ومن فضل الإحسان: أن الجنة سميت به؛ فهي دار الحسنى، والأولى بها هم المحسنون، فهي دارهم ومستقرهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ...﴾ [الرعد: 18] أي: الجنة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ 101﴾ [الأنبياء: 101] أي: أهل الحسنى وهي الجنة عن النار مبعدون.
وللمحسنين الجنة جزاء لهم على إحسانهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 85﴾ [المائدة: 85].
وقد يبهم الله تعالى جزاء المحسنين؛ ليكون جزاء عظيمًا لا يخطر على قلب بشر، والكريم المحسن يجزي على قدر كرمه وإحسانه، والله تعالى أكرم الأكرمين، قال تعالى: ﴿... وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ22﴾ [القصص: 22]، وفي سورة الصافات ذكر الله تعالى جملة من الأنبياء عليهم السلام، وما حباهم سبحانه من النعم، وما رفع عنهم من المحن، ثم ذيل كل قصة واحد منهم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ80﴾ [الصافات: 80]، وذكر سبحانه جملة منهم في سورة الأنعام وختم ذكرهم بقوله عز وجل: ﴿... وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ84﴾ [الأنعام: 84].
وهذا يدل على أن الإحسان وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وأن دعوتهم إلى التوحيد، وإلى التزام الشرائع الربانية، وإلى مكارم الأخلاق هو من الإحسان الذي يبذلونه للناس، كما أن صبرهم على أذى المؤذين من أقوامهم هو من الإحسان، فهم عليهم السلام أكثر الخلق إحسانًا في عبادتهم لله وفي إحسانهم إلى الخلق.
ومن الجزاء العظيم الذي ينتظر المحسنين: رؤية الله تعالى في الجنة وهو راض عنهم، فما أعطوا شيئًا أعظم من ذلك، قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 26﴾ [يونس: 26]، والحسنى هي الجنة، والزيادة هي رؤية الله تعالى.
والمحسنون محفوظ أجر إحسانهم وثوابه، فلا يضيع منه شيء أبدًا، قال تعالى: ﴿... ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ120﴾ [التوبة: 120]، وقال تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ115﴾ [هود: 115]، وقال تعالى: ﴿... نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ56﴾ [يوسف: 56].
والمحسنون مبشرون من الله تعالى: ﴿... كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ37﴾ [الحج: 37].
فالمحسنون لهم البشارة من الله تعالى بسعادة الدنيا والآخرة، وسيحسن الله تعالى إليهم كما أحسنوا في عبادته ولعباده.
والمحسنون موعودون بالزيادة في الأجر والثواب قال تعالى: ﴿... وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ58﴾ [البقرة: 58]، وفي آية أخرى: ﴿... وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ161﴾ [الأعراف: 161].
وقد وضع الحرج عن أهل الإحسان، فلا يكلفهم الله تعالى ما لا يطيقون، قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ91﴾ [التوبة: 91].
والمحسنون موعودون برحمة الرحمن سبحانه وتعالى: ﴿... وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ56﴾ [الأعراف: 56].
ويوم القيامة يتمنى الكافر أن لو كان محسنًا، ويدعي أنه لو عاد إلى الدنيا لانتظم في سلك المحسنين، وهيهات هيهات أن يعود مرة أخرى ﴿أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 58﴾ [الزمر: 58].
نسأل الله تعالى أن يكمل إيماننا، وأن يجمل إحساننا، وأن يقوي إخلاصنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين المحسنين، إنه سميع مجيب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتخلقوا بالإحسان؛ فإن الله تعالى قد أمرنا به فقال: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 90﴾ [النحل: 90]، قَالَ الْإِمَامُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رحمه الله: "إِنَّ مَعْنَى الْعَدْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ مِنْ كُلِّ عَامِلٍ لِلَّهِ عَمَلًا، وَإِنَّ مَعْنَى الْإِحْسَانِ: أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلَانِيَتِهِ".
أيها المسلمون: يبلغ المؤمن درجة الإحسان إذا راقب الله تعالى في نفسه وفي خلقه، فمراقبته لله تعالى في نفسه تغلق عنه أبواب الحرام والمشتبهات، وتفتح له أبواب الطاعات، فيجتهد في إحسانها والإخلاص فيها؛ لعلمه بمراقبة الله تعالى له.
ومراقبته لله تعالى في خلقه تجعله يبذل المعروف والإحسان إليهم، ولا يؤذيهم أو يعتدي عليهم، ويعين محتاجهم، ويعفو عن خطئهم، ويصبر على أذاهم، ويصلح ذات بينهم، ولا يريد بذلك ثناء ولا شرفًا ولا شيئًا من الدنيا، وإنما يريد بإحسانه رضا الله تعالى والدار الآخرة.
ومن عاجل جزاء الإحسان أن العبد إذا أحسن العبادة وجد لذتها، وفرح بها، واشتاق إليها، وصار خفيفًا في أدائها، وأصلحت له قلبه وحاله، وإذا أحسن للخلق، وأخلص لله تعالى في إحسانه لهم؛ وجد لذة لذلك الإحسان تربو على لذة الجاه والمال والملذات، مع ما يناله من دعوات صالحات، ومن توفيق يلازمه في شئونه كلها، وأجر الآخرة أكبر وأعظم.
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا.
***
عنوان الخطبة
أصول منهج السلف الصالح
مقدمة الخطبة الأولى
أيها المسلمون:
الحمد لله كتب على نفسه الرحمة، وأفاضَ على الخلائق سوابِغَ النِّعمة، دعا إلى الإسلام فخصَّ من شاءَ بالهداية والتوفيق منَّةً منه وفضلًا، وأقامَ الحُجَّةَ على من خالَفَ حكمةً منه وعدلًا، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، شهادةَ عبده وابنِ عبده وابنِ أمَته ومن لا غِنى له طرفةَ عينٍ عن فضلِه ورحمتِه، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، رحمةُ الله للعالمين، وقدوةُ العامِلين، ومحجَّةُ السالِكين، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله السادة الطاهرين، وعلى أصحابه الغُرِّ المَيامِين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله-، واعلَموا أن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهَديِ هَديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار، وما قلَّ وكفَى خيرٌ مما كثُرَ وألهَى، وإن ما تُوعَدون لآتٍ وما أنتم بمُعجِزين، ﴿... وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ﴾ [البقرة: 235].
أيها المسلمون:
إن من العقلِ والحكمة: إدراكَ أن أعداءَ الإسلام والمُتربِّصين به يقِفُون موقفًا صارِمًا من كل دعوةٍ تدعُو إلى الحق، وإلى الرجوع إلى أصول الإسلام وثوابتِه ومبادئِه وحقائقِه التي تبعثُ روحَ العِزَّة في الأمة، وتقودُ إلى المجدِ والمَنَعة، حتى قال قائلٌ منهم: "إننا لا نُحارِبُ الإرهاب، ولكنَّنا نُحارِبُ من أجلِ أن نُقرِّرَ الإسلام الَّذي نُريد".
وفي عالَمنا تجتاحُه موجاتٌ من التغيير، وطُوفاناتٌ من التحديات؛ يبرُزُ منهجُ الاتباع عند وجود الأضداد المُتخالِفة والمُتنافِرة؛ من التكفير والتنفير، وتعظيم الأشخاص، وتصنيف الأحزاب والانتماءات.
يبرُزُ منهجُ الاتباع حين يأخذُ التفرُّقُ الفكريُّ والعقائديُّ في الانتِشار، وتنمُو مذاهبُ ومناهِج، وتياراتٌ وفلسَفاتٌ يتميَّزُ فيها منهجُ السلف الصالح، وتظهرُ معالِمُه؛ فهو يأوِي -بقوة الله وحولِه- إلى جبلٍ من الأصول والأدوات والاستِعدادات يعصِمُه به من الزلاَّت والانحِرافات، بإدراكٍ لفقهِ الواقع وأدوات التمكين، مع اللِّين والحزمِ والرحمةِ، والدفعِ بالتي هي أحسن.
السَّلفُ الصالحُ هم الصدرُ الأول، الراسِخون في العلمِ، المُهتَدون بهديِ النبي ﷺ، الحافِظون لسُنَّته، مُقدَّمُهم صحابةُ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنهم أجمعين-، اختارَهم الله لصُحبة نبيِّه، وانتخبَهم لإقامة دينِه، ورضِيَهم أئمةً للأمة.
يقول عزَّ شأنُه: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 100﴾ [التوبة: 100].
يقول السفَّارينيُّ رحمه الله: "المرادُ بمذهبِ السَّلَف: ما كان عليه الصحابةُ الكرامُ، وأعيانُ التابعين بإحسانٍ، وأتباعُهم من أئمةِ الإسلام العُدُول، ممن شُهِد لهم بالإمامة، وعُرِف عظيمُ شأنِهم في الدين، وتلقَّى الناسُ كلامَهم خلفًا عن سلَف، دون رميٍ ببدعةٍ، أو شهرٍ بلَقَبٍ غير مرضِيٍّ".
وروى المروزي في السنة بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إنكم قد أصبَحتمُ اليومَ على الفِطرة، وإنكم ستُحدِثونَ ويُحدَثُ لكم، فإذا رأيتُم مُحدثةً فعليكم بالعهدِ الأوَّل".
وروى البغوي عنه رضي الله عنه قال: "من كان مُستنًّا فليستنَّ بمن قد ماتَ؛ فإن الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمدٍ ﷺ، كانُوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَهم علمًا، وأقلَّهم تكلُّفًا".
ويتساءَلُ إمامُ الحرمين عبد الملك الجُوينيُّ رحمه الله في كتابه غِياث الأمم قائلًا: "ما الحقُّ الذي يحملُ الإمامُ الخَلْقَ عليه في الاعتِقاد إذا تمكَّنَ منه؟"، ثم يُجيبُ رحمه الله بقوله: "إن الذي يحرِصُ الإمامُ عليه: جمع عامَّةِ الخلقِ على مذاهبِ السَّلَف السابِقين قبل أن نبَغَت الأهواء، وزاغَت الآراء، وكانُوا ينهَون عن التعرُّض للغوامِض، والتعمُّق في المُشكِلات، والإمعانِ في مُلابَسَة المُعضِلات، والاعتِناء بجمعِ الشُّبُهات".
ويقول الإمامُ الذهبي – كما في كتابه السِّـيَـر: "فالذي يحتاجُ إليه الحافظُ: أن يكون تقيًّا ذكيًّا نحويًّا لُغويًّا حيِيًّا سلفيًّا".
السَّلَفُ ليس لهم لقبٌ يُعرَفُون به، ولا نسَبٌ ينتسِبُون إليه، كما قال بعضُ الأئمة -وقد سُئِل عن السُّنَّة- فقال: "السُّنَّةُ ما لا اسمَ له سِوى السُّنَّة، أما غيرُهم فينتسِبُون إلى المقالةِ أو إلى القائِل".
يُوضِّحُ ذلك الإمامُ مالكٌ رحمه الله، وقد جاءَه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله! أسألُك عن مسألةٍ أجعلُك حُجَّةً فيما بيني وبين الله عز وجل، قال مالكٌ: "ما شاء الله لا قوة إلَّا بالله؛ سَلْ". قال: مَنْ أهلُ السُّنَّة؟ قال: "أهلُ السُّنَّةِ الذينَ ليسَ لهم لقبٌ يُعرَفونَ به، لا جَهمِيٌّ ولا قَدَرِيٌّ".
قال أهلُ العلم: "إنَّما برَزَ الانتِسابُ إلى السَّلَفِ الصالحِ حينما ظهرَتِ الفِرقُ في الأُمَّةِ التي قال فيها رسولُ الله ﷺ: «وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»، ثم بيَّن -عليه الصلاة والسلام- النهجَ الحقَّ في قوله: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»".
الصحابةُ وتابِعُوهم بإحسانٍ هم خيرُ هذه الأمة، وأزكاها دينًا، وأعلاها مقامًا، وأعلمُها بما كان عليه رسولُ الله ﷺ.
معاشر المسلمين:
منهجُ السَّلَف الصالح ليس حِقبةً تاريخيَّةً محدودة، ولا جماعةً مذهبيَّةً محصورة؛ بل هو منهجٌ مُستمرٌّ لا يتقيَّدُ بزمَانٍ، ولا ينحصِرُ بمكانٍ. وعليه؛ فإن هذا المنهجَ ليس حِزبًا، ولا تيَّارًا، ولا حركةً، وليس تكتُّلًا سياسيًّا، هو منهجٌ لا جماعة.
يُوضِّحُ ذلك: أن المُنضوِين تحت هذا المنهَج قطاعٌ عريضٌ من المُسلمين شُعوبًا وديارًا؛ بل هم الأصلُ في عُموم المُسلمين؛ فالمُسلمُ يتَّبِعُ الدليلَ ويسيرُ خلفَه، ويُعظِّمُ السَّلفَ الصالحَ، ويُحبُّهم ويقتدِي بهم، وكلُّ إمامٍ من أئمةِ المُسلمين يقول: "إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي".
وجاء في فتاوى شيخِنا الشيخِ الإمامِ عبدِ العزيز بنِ بازٍ رحمه الله: "السَّلَفُ الصالحُ هم الصحابةُ -رضي الله عنهم-، ومن سلكَ سبيلَهم من التابِعين وأتباعِ التابِعين من الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنابِلَة، وغيرهم ممن سارَ على الحقِّ، وتمسَّك بالكتابِ العزيزِ والسُّنَّة المُطهَّرة في بابِ التوحيد وبابِ الأسماء والصِّفات، وفي جميع أمورِ الدين".
ومن القُصور في النظر والفهمِ: حصرُ منهج السَّلَف الصالح في قضايا مُعيَّنة، أو علمٍ مُعيَّن، أو بلدٍ مُعيَّن، أو فئةٍ مُعيَّنة.
السَّلَفُ الصالحُ ليس يدَّعِي تمثيلَهم أحدٌ، ولا ينطِقُ باسمِهم عالِمٌ، فليس ثمَّة جماعةٌ محصورةٌ تُمثِّلُ هذا المنهجَ، وإنما يوجدُ أفرادٌ وجماعاتٌ ينتَمون إلى هذا المنهَجِ، وينتسِبُون إليه، ويسعَون لتحقيقِ مذهبِ السَّلَف الصالحِ، إنه منهجٌ ليس محصورًا في انتِساب، وعدمُ الانتِساب لا ينفِي الانتِساب؛ لأنه منهجٌ ورُؤيةٌ.
وهذا المنهجُ ليس مسؤولًا عن أخطاء بعضِ المُنتسِبِين إليه، وإنما تُنسَبُ الأقوالُ والأفعالُ والتصرُّفات إلى أصحابِها وجماعاتِها لا إلى المنهَج.
معاشر المُسلمين:
منهجُ السَّلَف الصالح يعتمِدُ النصَّ الشرعيَّ، وفهمَ السَّلَف الصالح، وطُرُقَ استِدلالِهم، ومصدرَ التلقِّي عندهم، وليس ذلك محصورًا في فهمِ عالِمٍ بعينِه.
أُصولُ منهج السَّلَف الصالحِ ومبادئُه لم يُولِّدها فكرٌ بشريٌّ، ولا ظرفٌ تاريخيٌّ، ولا اجتِهادُ مُجتهِدٍ؛ بل عِمادُها الكتابُ والسُّنَّةُ.
ومن معالِمِ هذا المنهجِ: لُزومُ اتباعِ الكتابِ العزيزِ والسُّنَّة الصحيحة الثابتة، والحَذَرُ من اتباع الهَوَى والبِدَع، على حدِّ قولِه ﷺ: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [رواه أحمد (17142) وابن ماجه (43) وغيرهما، وهو حديث صحيح كما قال جمعٌ من أهل العلم].
ومن معالِمِ هذا المنهَج: العنايةُ بلُزومِ الجماعة، والسَّمع والطاعةِ بالمعروف في المَنْشَطِ والمَكْرَه، على حدِّ قولِه عزَّ شأنُه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا 59﴾ [النساء: 59].
وحديثِ عُبادة بن الصَّامِت رضي الله عنه قال: دعانا النبيُّ ﷺ، فبايَعناه، فقال فيما أخذَ علينا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِندَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [متفق عليه].
وهو بيانٌ جلِيٌّ في عظيمِ أثَر السَّمع والطاعة، وضرورةِ تقديمِها مهما احلَولَكَت الظروف، وأظْلَمَت الدُّرُوب، غيرَ أن الذي ينبغي تبيُّنُه وبيانُه: أن السمعَ والطاعةَ لا تعنِي ضياعَ الحقوق أو التفريطَ فيها، فمع لُزوم السَّمع والطاعة من حقِّ الناسِ المُطالَبَةُ بحُقوقِهم من الوُلاةِ ظلَمَةً كانوا أو عادِلين، ولا تنافِي بين لُزوم السَّمع والطاعة وظُهور بعضِ المظالِمِ وحقِّ المُطالَبَة بالحقوق ورفع المظالِمِ.
ومن معالِمِ هذا المنهَج: النصيحةُ المدلولُ عليها بقولِه عليه الصلاة والسلام: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلْنَا: لِمَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم» [أخرجه مسلم: 55].
نصيحةٌ في إخلاصٍ وصدقٍ ودِيانةٍ، وحفظِ الحقِّ والمكانةِ، والبُعد عن التَّشنيعِ والتَّشهير، أو سُلُوك مسالِكَ تُؤدِّي إلى التفرُّق والشَّحناء.
ومن معالِمِ هذا المنهَج: الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المُنكَر، كما قال عزَّ شأنُه: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ...﴾ [آل عمران: 110]، وقولُه عزَّ شأنُه: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ71﴾ [التوبة: 71]، وقولُه جلَّ وعلا: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ 41﴾ [الحج: 41].
ومن معالِمِ هذا المنهَج: مصدرُ التلقِّي هو الوحيُ، ويعرِضُون عقولَهم وفهُومَهم وآراءَهم على الكتاب والسُّنَّة؛ فما وافقَها قبِلُوه، وما خالَفَها أعرَضُوا عنه، ونصُّ الشارِعِ هو الأصلُ، تنقادُ إليه النفوسُ، وتعتمِدُ عليه، تتبَعُه ولا يتبَعُها، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» [رواه ابن أبي عاصم في السنة وحسنه النووي].
والحُجَّةُ للنصِّ الشرعيِّ، وظاهرُ النصِّ يُؤخَذُ به، ويُصارُ إلى التأويل بدليلٍ، وحُجَّةُ النصِّ لا تُرَدُّ قطعيًّا كان النصُّ أو ظنيًّا، والالتِزامُ بنُصوصِ الكتابِ والسُّنَّة لا يُنكِرُ العقلَ ومنزلتَه؛ فالعقلُ أعظمُ ما منَحَ الله الإنسانَ وميَّزَه به، فبِهِ يُتعرَّفُ على الأحكام الشرعيَّة، وهو مَناطُ التكليفِ وأداةُ الاستِنباط.
وهذا المسلَكُ المُستقيمُ هو الذي يُحقِّقُ التوازُنَ بين لفظِ النصِّ ومعناه، وظاهرِه وفَحواه، هذا منهجُ السَّلَف حين يأخُذون بظواهِر النُّصوص عملًا لا يُنافِي الاستِفادة المُنضبِطة من إشاراتها ودلالاتها ومقاصِدها.
هذا هو الوسطُ بين جفاء الحرفيَّة، وذوَبَان التأويل البعيد المُتعسِّف، في مسلَكٍ توافُقيٍّ لا يسمَحُ بإهدارِ أحدِ الجانِبَيْن على حِسابِ الآخر، ولا يطغَى أحدُهما على الآخر، فيُحفَظُ للنصِّ حقُّه ومكانتُه، كما تُقدَّرُ أبعادُه ودلالاتُه ومقاصِدُه، مع الاستِفادة مما يُمكِنُ الاستفادةُ منه من العلوم والمعارِف القديمِ منها والجَديد.
يقول الشاطبيُّ رحمه الله في كتابه [الاعتصام]: "والعقلُ إذا لم يكن مُتَّبِعًا للشرع لم يبقَ إلا الهوى والشهوة".
معاشر المُسلمين:
ومن معالِمِ هذا المنهَج: أنه لا تعصُّب إلا للحقِّ وما جاء في كتاب الله وكلامِ رسولِه ﷺ، وعدمُ التعصُّب يقترِنُ بعدمِ ادِّعاءِ العِصمةِ لأحدٍ كائِنًا من كان من عُلماء الدين وأئمَّتِه من الصحابةِ ومن بعدَهم، فضلًا عن غيرِهم. فلا عِصمةَ إلا لرسولِ الله ﷺ فيما يُبلِّغُ عن ربِّه عزوجل.
ومن هنا؛ فإنهم لا يمنَعون من الخلافِ فيما يسُوغُ فيه الخِلاف، بناءً على فهمِ النصِّ وتقدير المصالحِ والمفاسِد، وتحقيق الغايات والمقاصِد، إذا صدرَ الاجتهادُ من أهلِه في محلِّه. ولهذا كان السَّلَفُ الصالحُ يختلِفون ويعذُرُ بعضُهم بعضًا.
ومن معالِمِ هذا المنهَج: التفريقُ الظاهِرُ بين الحُكم على الأوصافِ والحُكم على الأعيان؛ فالحُكمُ على الأعيان فيه من الضَّبط والتورُّع والاحتِياط ما هو معلومٌ في هذا المنهَج المُبارَك.
وبعدُ، عباد الله:
فإن سَعَة هذا المنهَج وثراءَ موروثِه لا تعنِي ذوَبَانَه أو عدمَ وُضوح معالِمِه، غيرَ أن مساحَة الاجتِهاد في مُحيطِه واسِعة، وكلَّما وفَّق اللهُ العبدَ واقتربَ من السُّنَّة ولُزومِها كان أكثرَ مُتابعةً ومُوافقةً واقتِداءً، وكلَّما زادَ صلاحُ العبد والتِزامُه بالسُّنَّة كان أعمقَ علمًا، وأقلَّ تكلُّفًا، وأكملَ بصيرةً، مع الحِرصِ على أُصول العلوم وقواعِدِها ومعاقِدِها، وقد جعل الله لكل شيءٍ قدرًا، وفي ذلك كلِّه يكونُ المرجِعُ أهلَ الذِّكرِ من حمَلَة الكتابِ وحُفَّاظِ السُّنَّة، ليعلَمَه الذين يستنبِطُونه منهم المدلولُ عليه بقولِه جل وعلا: ﴿... وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا 83﴾ [النساء: 83].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على آلائِه، والشكرُ له على نعمائِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جلَّ في عليائِه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه خيرتُه من خلقِه وصفيُّه من أوليائِه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه وأصفِيائِه، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تنزَّلَ أمرُه بين أرضِه وسمائِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم لقائِه.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فيا أيها المسلمون:
إن منهجَ السَّلَف هو الدينُ بجميعِ شرائِعِه في التوحيد والإيمان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجِّ، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكَر، في العلاقات والحقوق، والمُعاملات، والسياسة في حقائقِها وحُدودِها وشرائِطِها، في وحدةٍ لا تفرُّق فيها.
يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله في كلمةٍ جامعةٍ أوردها الإمام الآجري في كتاب الشريعة: "سَنَّ رسولُ الله ﷺ وُولاةُ الأمر من بعدِه سُنَنًا؛ الأخذُ بها اتِّباعٌ لكتابِ الله عز وجل، واستِكمالٌ لطاعة الله، وقوةٌ على دين الله، ليس لأحدٍ من الخلقِ تغييرُها ولا تبديلُها، ولا النظرُ في شيءٍ خالَفَها. من اهتدَى بها فهو مُهتدٍ، ومن استنصَرَ بها فهو منصورٌ، ومن تركَها اتَّبَع غيرَ سبيلِ المُؤمنين وولاَّه الله ما تولَّى وأصلاهُ جهنَّم وساءَت مصيرًا".
أئمةُ أهل العلم وأساطينُه مُجدِّدون لا مُؤسِّسُون، فأيُّ دعوةٍ تُعظِّمُ النصَّ الشرعيَّ وتصُونُ دلالَتَه وتقِفُ دون تحريفِ الغالِين، وتأويلات الجاهِلين، وانتِحالات المُبطِلين؛ فهي دعوةُ حقٍّ.
ولا يُوصَفُ سُلوكُ المرء بالاعتِدال والوسَط والسَّمَاحة إلا إذا سلِمَ من نوعَي التطرُّف: التشدُّد والتنطُّع، والمُيُوعَة والذَّوَبان، وإدخالُ نِزاعات النفس والقَناعات الشخصية في الأحكام سُلُوكٌ لا يمُتُّ للعلمِ بصِلَةٍ، ولا لحُرِّيَة الفِكرِ بنَسَبٍ.
فإذا قال عالِمٌ بتحريمِ ما يرَى غيرُه حِلَّه، أو وجوبِ ما يرَى زميلُه استِحبابَه لا يُوصَفُ بأنَّه مُتشدِّد؛ فهذا ليس من العلمِ ولا من الاتِّصاف به، ناهِيكُم إذا كان ما يقولُ به هو قولَ جماهير أهل العلم.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، والزَموا الجادَّة، وخُذوا بالسُّنَّة، واستمسِكوا بالهديِ الأولِ.
ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولًا كريمًا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
***
عنوان الخطبة
خصائص أهل السنة والجماعة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران:102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب:70-71].
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: إن من سنن الله في خلقه سنة الاختلاف، لا يستثني الله منها أمة من الأمم، وقد أخبر النبي ﷺ «أَنْ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ كَمَا افْتَرَقَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِهَا، وَسَتَفْتَرِقُ إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» [أخرجه أبو داود (4596) والترمذي (2640) وأحمد (8377) بسند صحيح].
عباد الله: إن هذه الفرقة الواحدة الناجية هي المتمسكة بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، السائرة على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهي فرقة أهل السنة والجماعة التي تنجو من عذاب الله تبارك وتعالى وسخطه، بخلاف غيرها ممن حرَّف وبدل، وتنكَّب صراط ربه تبارك وتعالى، قال النبي ﷺ في وصف هذه الفرقة الناجية: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي».
أيها المسلمون:
إنه من المهم في مثل هذا الحال بيان سمات وخصائص ومعالم منهج أهل السنة والجماعة؛ حتى لا يحيد عنها أهل السنة فيبتلوا بالفرقة والاختلاف.
وإن من أبرز سمات وخصائص أهل السنة والجماعة:
أنهم أهل الوسطية والاعتدال، فمنهجهم وسط بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء؛ سواء كان في باب العقيدة أو الأحكام أو السلوك، فهم وسط بين فرق الأمة؛ كما أن الأمة وسط بين الملل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً...﴾ [البقرة:143].
قال ابن تيمية رحمه الله: في كتابه [منهاج السنة النبوية]: "أهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع الأمور، فهم وسط بين الخوارج والروافض، وكذلك في سائر الصحابة وسط بين الغلاة فيهم والطاعنين عليهم، وهم في الوعيد وسط بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة، وهم في القدر وسط بين القدرية من المعتزلة ونحوهم وبين القدرية المجبرة من الجهمية ونحوهم، وهم في الصفات وسط بين المعطلة وبين الممثلة".
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: الاقتصار في التلقي على الكتاب والسنة، والاهتمام بهما، والتسليم لنصوصهما، فهم ينهلون من هذا المنهل العذب عقائدهم، وعبادتهم، ومعاملاتهم، وسلوكهم، وأخلاقهم، فكل ما وافق الكتاب والسنة قبلوه وأثبتوه، وكل ما خالفهما ردوه على قائله كائنًا من كان.
والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً36﴾ [الأحزاب:36].
إن أهل السنّة والجماعة سعدوا بوصية رسول الله ﷺ، حيث قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ! فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [رواه أحمد (17142) وابن ماجه (43) وغيرهما، وهو حديث صحيح كما قال جمعٌ من أهل العلم].
أيها المؤمنون:
إن أهل السنة والجماعة يعظمون نصوص الشرع، ويسلمون لها تسليمًا تامًا، سواء فهموا الحكمة منها أم لا، ولا يعرضون النصوص الشرعية على عقولهم، بل يُخضعون عقولهم للنصوص، ويفهمون النصوص كما فهمها السلف الصالح، فهم لا يقدمون بين يدي الله ورسوله، إذ هم متبعون لهدي رسول الهدى، منقادين له، يعملون بمحكم الوحي، ويؤمنون بمتشابهه، ويردون الأمر كله لله؛ وأهل السنة والجماعة ليس لهم إمام معظَّم يأخذون كلامه كله ويدعون ما خالفه إلا رسول الله؛ فهو إمامهم المتبوع ولا يخالفونه أبدًا فيما صح عنه، وهم أعلم الناس بأحواله ﷺ وأقواله وأفعاله، والعصمة عندهم ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ، فكُلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ؛ لذلك فهم أشد الناس حبًّا للسنة، وأحرصهم على اتباعها، وأكثرهم موالاة لأهلها.
ومن سماتهم: ترك الجدال والمراء والخصومات في الدين، ومجانبة أهلها، والدخول في الدين كله.
ومن سماتهم: أنهم ليس لهم اسم وشعار سوى الإسلام والسنة، ولا يرضون بأسماء وشعارات وألقاب تفرقهم وتشتتهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿...هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ...﴾ [الحج:78].
ومن سماتهم: أنهم أهل الجماعة، ولا تجد فرقة ضالة خرجت عن أهل السنّة إلا وقد تفرقت وتشرذمت لعشرات الفرق والطوائف الأخرى، لكنَّ أهل السنة والجماعة اجتمعوا على اتباع سنة النبي ﷺ وما أجمع عليه سلف الأمة فهم قد اجتمعوا على الحق وعلى العقيدة الخالية من الشوائب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فمن خصائص أهل السنّة والجماعة -أيضًا-: أنهم لا يوالون ولا يعادون إلا على الدين، فيحبون من أحب الله ورسوله ولو ناءت به الديار، واستعجم به اللسان، وبانت عنه الألوان، ويعادون من عادى الله ورسوله، ولو كان أقرب الناس.
فإن الموالاة والمعاداة على الوطن والعرق واللون واللسان والعصبية والأنساب، من إرث الجاهلية الذي وضعه الإسلام تحت قدميه.
وأهل السنّة والجماعة هم أحسن الناس أخلاقًا، وأحرصهم على زكاة أنفسهم؛ بطاعة الله تبارك وتعالى، وأوسعهم أفقًا، وأبعدهم نظرًا، وأرحبهم بالخلاف صدرًا، وأعلمهم بآدابه وأصوله، قال الإمام الصابوني رحمه الله في كتابه [عقيدة السلف أهل الحديث]: "وإحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار، وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونوّرها بحب علماء السنة، فضلًا منه جل جلاله ومنّة".
ومن سماتهم: الاهتمام بأمور المسلمين ونصرتهم، وأداء حقوقهم، وكفّ الأذى عنهم، قال ابن تيمية عنهم في كتابه "منهاج السنة النبوية": "هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ".
وأهل السنّة والجماعة عصمهم الله من فتنة الغلو والتكفير؛ فلا يكفر بعضهم بعضًا، ولا يستحلون دماء ولا حرمات المسلمين، يردون أمر التكفير إلى الله ورسوله وأهل العلم المعتبرين، فلا يكفرون بأهوائهم وآرائهم، بل يقفون عند نصوص الوحي في ذلك.
ومن سماتهم: الإنصاف والعدل؛ فهم يراعون حق الله لا حقّ النفس أو الطائفة؛ ولهذا لا يغلون في مُوالٍ، ولا يجورون على مُعادٍ، ولا يحكمون على أحد من الناس حتى يستمعوا له ويتبينوا أمره، ولا يأخذون بالقول من طرف واحد خاصة فيما بين الأقران.
ومن قواعد العدل عندهم أنهم يحفظون لصاحب الفضل فضله، ويذكرون خيره وإن خالفهم في بعض الأمر.
اللهم اجعلنا من أهل السنّة والجماعة، واحشرنا تحت لواء صاحب الشفاعة، وأحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واجعلنا في الدنيا ممن نصر شريعته، وفي الآخرة ممن فاز بشفاعته.
هذا؛ وصلوا وسلموا على رسول الله...
***
عنوان الخطبة
وجوب اتباع السنة وتعظيمها
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
أمَّا بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
نص الخطبة الأولى
أما بعد.. فيا عباد الله، إنَّ الله عزَّ وجلَّ بعث رسوله ﷺ بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدّين كلّه، وأنزل إليه وحيه وكتابه؛ ليبلّغ النّاس ما نزّل إليهم من ربّهم؛ قال عزَّ وجلَّ: ﴿...وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:44]، وأمرنا سبحانه بطاعة رسوله ﷺ، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ132﴾ [آل عمران:132].
وأمرنا بالرجوع إلى سنته ﷺ عند التنازع، والرد إليه عند الاختلاف؛ فقال جلَّ شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النساء:59].
فالسُّنَّة النَّبوية قرينة الكتاب في الحجَّة والعمل، ففي بيانها يعرف ما جاء مطلقًا في القرآن الكريم، وفيها تفصيل ما كان مجملًا في كتاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿...وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا﴾ [الإسراء:12]، فبالسنة عرفنا صفة الصلاة وعدد أركانها وركعاتها، وبها عرفنا أنصبة الزكاة ومقاديرها، وهكذا في بقية الأحكام والأوامر والنواهي، فمن اتبع السنة وعمل بها؛ فقد عمل بالكتاب العظيم، ومن أطاع الرسول ﷺ فقد أطاع الله عزَّ وجلَّ، قال سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا80﴾ [النساء:80].
في الصّحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ».
عباد الله، إنَّ ممّا ابتليت به الأمَّة: فئامًّا من النَّاس يقلِّلون من شأن السنة، ويقدِّمون عليها أقوال البشر، بل تجاوز بعضهم حتّى وقع بالاستهزاء والسّخرية بها، وهذا لا شكَّ أنَّه مزلقٌ خطير، وجرمٌ عظيم، وذنبٌ وخيم على من قاله، أو سمعه ولم ينكره، قال عزَّ وجلَّ: ﴿...قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ 65 لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ...﴾ [التوبة65-66]، فالله -جلَّ شأنه-لا يأمر بطاعة من لا يقبل أمره، ولا يأمر بمتابعة من لا يحتجّ بطريقته، قال عزَّ وجلَّ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ...﴾ [الحجرات:1]، وجعل سبحانه ما جاء به نبينا ﷺ فيه الهُدى والرحمة والحق والبيان، قال عز وجل: ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ64﴾ [النحل:64].
عباد الله، إنَّ الأدلَّة توافرت على أنَّ الهداية والاستقامة، والرَّحمة والنور والنَّجاة والسَّلامة كلها تحصل باتباع سنة نبينا ﷺ، والتزام طريقته، وتعظيم شأنه، والإيمان الصادق بما جاء به، والشر كل الشر بمخالفة سنته وهديه، والتنكر لها، قال عزَّ وجلَّ: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ158﴾ [الأعراف:158]؛ لذلك حذَّرنا المولى سبحانه من مخالفة السنة النبوية وما جاء فيها من أوامر ونواهٍ، فمن جحد شيئًا منها أو كذَّب به، أو شكَّ بما ثبت فيها؛ فقد وقع في دائرة الكفر والضَّلال، وخرج من دائرة الإسلام والإيمان، قال عزَّ من قائل: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63].
يقول الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك".
عباد الله، إنَّ الكتاب والسنة أصلان متلازمان؛ فالواجب على كل مسلم التمسك بما أمر به نبينا الكريم ﷺ وما جاء به، واجتناب ما نهى عنه وحذَّر منه، قال سبحانه وتعالى: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ...﴾ [الحشر: 7]، وعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ» [رواه أحمد (17174)، وأبو داود (4604)، والطبراني في الكبير (20/ 668) وصححه الألباني].
وعن ابن أبي رافعٍ عن أبيه رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ». [رواه أبو داود (4605)، وأخرجه ابن ماجه (13)، والترمذي (2854)، وصححه الألباني].
فيجب علينا اتباع الكتاب والسنة وعدم التفريق بينهما.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأُومِن به وأتوكَّل عليه ولا أكفُره، وأُعادِي مَن يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، مَن يُطِع الله ورسوله ﷺ فقد رشَد، ومَن يعصِ الله ورسوله فقد غوَى، وضَلَّ ضلالًا بعيدًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد.. فيا عباد الله، إن تحقيق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: أن يعظم المسلم ما جاء به النبي الكريم ﷺ، فيطيعه فيما أمر ويجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن يصدق خبره، وأن لا يعبد الله إلَّا وفق ما شرع، وليحذر من مخالفته أو التشكيك فيما جاء به، قال عزوجل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ51﴾ [النور:51]، وقال الله جلَّ وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ...﴾ [النساء: 59].
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "أجمع المسلمون أن الرد إلـى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا أنَّ فرض هذا الرد لم يسقُط بموته ﷺ".
وفي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». [البخاري (7280)]
فالله الله -عباد الله-بتعظيم السنة في القلوب، وتطبيقها في كلِّ شؤون الحياة؛ فهي سفينة النَّجاة، ومركب الفلاح، وطريق الهدى، فلا يقدَّم عليها قول أحدٍ ولا رأي بشرٍ، فإنَّ ما جاء فيها مثل ما جاء في كتاب الله تعالى، فهما في الحكم سواء، فعن الحسن بن جابرٍ رحمه الله قال: سمعت المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه يقول: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ أَشْيَاءَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، وجاء عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال لبعض أصحابه: "إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديثٌ فإياك أن تقول بغيره، فإنَّ رسول الله ﷺ كان مبلغًا عن الله تعالى".
وجاء عن الإمام الجليل سفيان بن سعيدٍ الثّوري رحمه الله أنه قال: "إنما العلم كله العلم بالآثار"، وقال مالك رحمه الله: "ما منَّا إلَّا رادٌّ ومردودٌ عليه إلَّا صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ.
فهذه وصايا سلف الأمة، فعليكم بما كانوا عليه من النهج القويم، وسلوك الصراط المستقيم، فإن من أعظم أسباب الوقوع في الفتن، ومن أعظم أسباب المحن: الوقوع في مخالفة منهج الله، ومنهج رسوله ﷺ مما يكون من المخالفات العقائدية والمحاذير العملية، فترى قومًا يدَّعون محبة النبي ﷺ وإتباعه وهم يسبون ويكفرون أصحابه، ويطعنون على عرضه ويتهمون أزواجه، وترى قومًا يدَّعون محبة النبي ﷺ وإتباعه وهم يخالفون أمره فيطرونه ويعطونه صفات الله رب العالمين، وترى أحزابًا تدعي محبة الرسول ﷺ واتباعه وهم خالفوا سنته، وانتهجوا مناهج مخالفة لهديه وطريقته، وتحزبوا وتكتلوا على طرقٍ شيطانية ليست من الإسلام في شيء، وترى أُناسًا يدعون محبة النبي ﷺ واتباعه وهم يبتدعون بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان، ويحتفلون بأعيادٍ بدعية كاحتفالهم ببدعة المولد النبوي والإسراء والمعراج وغير ذلك التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولا تَمُتُّ إلى الإسلام بصلة، فكل هذه الأفعال تدل على كذبهم في دعواهم محبة النبي ﷺ وإتباعه؛ لأن من أحبه واتبع أمره وسلك هديه، وأحب صحابته وسار على نهجهم.
اللهم ثبتنا على الكتاب والسنة، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
***
عنوان الخطبة
الإخلاص
مقدمة الخطبة الأولى
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ18﴾ [الحشر: 18].
نص الخطبة الأولى
أمَّا بعدُ:
فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهُدَى هُدَى محمَّد، وشَرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلَّ بِدْعةٍ ضلالة.
عِبادَ الله:
تفرَّد ربُّنا عز وجلَّ بخَلْق الخَلْق، فهو ربُّهم ومالكهم وخالقهم، وهو المتفرِّد بالرُّبوبيَّة، فلا يُشاركه في ربوبيته أحدٌ مِن خلقه، فكذلك في ألوهيته، فهو المستحقُّ للعبادة وحدَه دون ما سواه، فيجب أن تكونَ العبادة خالصةً له ليس فيها حظٌّ لمخلوق، فيقصد العبد في أقواله وأعماله وإرادته اللهَ وحدَه؛ ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 162 لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ163﴾ [الأنعام: 162 - 163]، فالمخلِص هو مَن صفَّى عملَه من ملاحظة الخَلْق، فلا يتطلَّع العابد إلى ثناء المخلوق عليه، أو حصول رُتبة دنيويَّة، أو منفعة ماليَّة أو معنويَّة؛ فعن أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيتَ رجلًا غَزَا يلتمس الأجْرَ والذِّكْر، ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ»؛ [النَّسائي: 3140 وحسنه العراقي والألباني].
وبإخلاص العِبادة له وحدَه أمر الله عبادَه بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ5﴾ [البينة: 5]، فالإخلاص هو لُبُّ العبادة وجوهرها، فإذا كان للبشر حظٌّ في هذه العبادة -ولو كان يسيرًا-؛ لم يتقبلْها الله، فربُّنا عز وجلّ أغنى الشُّركاء عن الشِّرْك، مَن عمل عملًا أشرك فيه معه غيرَه تَرَكه وشِرْكَه، فيجب تمحضُّ العمل لله، وذلك بأن يقصد المتعبِّدَ ربَّه بقلبه في هذه العبادة.
فالإخلاص أصل العبادات، وأعمال الجوارح تبعٌ للقلْب، فالنِّيَّة بمنزلة الرُّوح للعمل، ومما خاف النبي ﷺ علينا عدم الإخلاصِ، ومُراءاة الناس في أعمالنا؛ فعن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُمْ تُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا؛ هَلْ تَجِدُونَ عِندَهُمْ جَزَاءً؟»؛ [أحمد (٢٣٦٣٦)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥)، وحسنه الألباني].
فأعزُّ شيء في الدنيا الإخلاص، وإذا اجتهد العامل في إسقاط الرِّياء عن قلبه أتاه الشيطان بلونٍ آخرَ من الرِّياء، فالعاقل يصرف جُلَّ همِّه في تصحيح نيَّته، وتخليصها من الشوائب، فاهتمامُه بالإخلاص فوقَ كلِّ اهتمام؛ فعن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ، فَإِنَّهُ أَخْفَىٰ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَىٰ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ قُولُوا: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ»؛ [أخرجه أحمد: ١٩٦٠٦، وابن أبي شيبة: ٣٠١٦٣، والطبراني في الأوسط: ٣٤٧٩ وحسنه الألباني]
قال العالِمُ الربَّاني الإمام ابنُ القيِّم: "لا يجتمع الإخلاصُ في القلب ومحبَّةُ المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلَّا كما يجتمع الماء والنار، والضَّب والحوت، فإذا حدَّثتْك نفسك بطلب الإخلاص، فأقْبِل على الطمع أوَّلًا، فاذبحه بسكِّينِ اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهدْ فيهما زُهدَ عشَّاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبحُ الطمع، والزُّهد في الثناء والمدح، سَهُل عليك الإخلاصُ.
فإن قلتَ: وما الذي يُسهِّل عليَّ ذَبحَ الطمع والزُّهد في الثناء والمدح؟ قلتُ: أمَّا ذبح الطمع، فيسهِّله عليك عِلمُك يقينًا أنَّه ليس من شيء يُطمع فيه إلَّا وبيَدِ الله وحدَه خزائنُه، لا يملكها غيرُه، ولا يُؤتي العبدَ منها شيئًا سواه، وأمَّا الزُّهد في الثناء والمدح، فيسهِّله عليك عِلمُك أنَّه ليس أحدٌ ينفع مدحُه ويَزين، ويضر ذَمُّه ويشين؛ إلَّا الله وحدَه؛ كما قال ذلك الأعرابي للنبيِّ ﷺ: إنَّ مدْحي زينٌ، وذمي شَيْنٌ، فقال: «ذاك الله عزَّ وجلَّ» [أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 3/ 231، والطبري: 26/ 122 وهو مرسل]
فازهد في مدح مَن لا يَزينك مدحُه، وفي ذمِّ مَن لا يَشينك ذمُّه، وارغب في مدْحِ مَن كلُّ الزَّيْن في مدحه، وكلُّ الشَّيْن في ذمِّه، ولن يُقدر على ذلك إلا بالصَّبر واليقين، فمتى فقدتَ الصبر واليقين كنتَ كمن أراد السَّفر في البحر في غير مرْكب؛ قال تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ60﴾ [الروم: 60]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ24﴾ [السجدة: 24]"؛ الفوائد [ص: 149].
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن علَّمنا ما ينفعنا، وفرَّق لنا بين الحقِّ والباطل، وبيَّن لنا مداخلَ الشيطان.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فبالعِلم النافع -وهو المبنيُّ على الدَّليل من نصوص الوحيَيْن- يتبيَّن الحقُّ من الباطل، وتتبيَّن المتشابهات.
إخوتي:
الرَّجل يكون وحدَه فيكسل عن الأعمال الصالحة، ومع غيرِه ينشط؛ كحالنا في رمضان، فالواحد يقوم اللَّيل مع إخوانه في المسجد، وقبل رمضان وبعدَه لا يقوم، وكذلك لا يصوم التطوع وحدَه، وإذا كان مع إخوانه صام، ويحضر المسلم يومَ الجُمُعة في المسجد مِن نشاط الصلاة ما لا يحضره كلَّ يوم، ونحو ذلك من الطاعات التي يَنشط فيها الشخصُ إذا كان مع غيره، فهذا ربَّما يظنُّ أنَّه رياءٌ، وأنَّ الواجبَ تركُه في هذه الحال.
وليس كذلك على الإطلاق، فكلُّ مؤمنٍ راغب في عبادة الله تعالى وفي قيام اللَّيل، وصيام النهار؛ ولكن قد تعوقه العوائق، وتمنعه الأشْغال، ويغلبه التمكُّن من الشَّهوات أو تستهويه الغفلة، فربَّما تكون مشاهدةُ الغَير سببَ زوال الغفلة، أو تندفع العوائقُ والأشغال في بعض المواضع، فينبعث له النَّشاط، فينافس إخوانَه، ويشقُّ عليه أن يسبقوه بطاعة الله، فتتحرَّك نفسُه للطاعات، لا للرِّياء، فهذا محمودٌ، وليحمل المتعبِّد على نفسِه في هذا الوقت، وليغتنمْ إقبالَ النَّفس على الطاعة، أمَّا إذا علم مِن نفسه ميلَها للرِّياء، وتطلُّعَها لثناء الناس وحمدهم، فليتركْه.
إخوتي:
التشريك في العبادات ليس من الرِّياء، لكنَّه يُنافي كمالَ الإخلاص المستحبِّ، فمَن قصد عبادةً وأراد معها مصلحةً دنيويَّة، من حصول مالٍ أو صحة ونحوه، فهذا جائزٌ، وليس من الرِّياء، فيجوز الجهاد للأجْر والمغنم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجتُ امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟»، قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: «عَلَىٰ كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟»، قَالَ: عَلَىٰ أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَىٰ أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ! مَا عِندَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَىٰ أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنهُ»، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَاكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ» [رواه مسلم: 1424].
فأرسله النبي ﷺ ليحصلَ على الأجْر والغنيمة.
والحج قُربةٌ وطاعة، فللمُسلم أن يحجَّ بنيَّة الحجِّ، ويشرك في نيته التجارةَ في مشاعر الحجِّ من بيع ونحوه؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان ذو المَجَاز وعكاظ متجرَ الناس في الجاهلية، فلمَّا جاء الإسلام كأنَّهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ﴾ في مواسم الحج" [رواه البخاري: 1770].
ومن التشريك في العبادة:
طلبُ الشهادة والعلم، فالعِلم الشرعيُّ قُربة وطاعة، فلطالب العِلم أن يطلب العلمَ الشرعيَّ ابتغاءَ مرضاة الله، ويُشرِك في نيته طلبَ الشهادة التي ينتفع بها في دُنياه؛ لمفهوم حديث: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِّمَّا يُبْتَغَىٰ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يَعْنِي: رِيحَهَا-»؛ [رواه الإمام أحمد: 8456، وأبو داود: 3664، وابن ماجه: 260 وصححه الألباني].
فمفهوم الحديث: أنَّ مَن تعلَّم العلم الشرعيَّ ليصيب به الدنيا والآخرة ليس داخلًا في الوعيد، والله أعلم.
وكذلك مَن علَّم القرآن، أو أذَّن، أو أمَّ الناس؛ ليُصيبَ الدنيا والآخرة، ليس آثمًا؛ لكن مَن مَحَّض العمل، وجعله خالصًا لله، ووطَّن نفسه على هذا العمل الأُخروي -حصلتْ له الدنيا أو لم تحصل-؛ أكملُ حالًا وأكثرُ ثوابًا، فإرادةُ البشر في العِبادة كلِّها أو بعضها شركٌ محبط للعمل، وصاحبه من أهل الوعيد، أما إرادة مصلحةٍ دنيويَّة مع نية العبادة، فهذا جائزٌ، فهذا هو سِرُّ الفرق بين المسألتين، والله الهادي للصواب.
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي في "القول السديد" (ص: 128): "العمل لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها، فإن كانتْ إرادة العبدِ كلُّها لهذا القصد، ولم يكن له إرادةٌ لوجه الله والدار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرةِ مِن نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يَصْدُر من مؤمن، فإنَّ المؤمن - ولو كان ضعيفَ الإيمان- لا بدَّ أن يُريد الله والدَّار الآخرة، وأمَّا مَن عمل العمل لوجه الله ولأجْل الدنيا، والقصدان متساويان أو متقاربان، فهذا وإن كان مؤمنًا، فإنَّه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقصٌ؛ لِفَقدِه كمالَ الإخلاص، وأما من عمل لله وحدَه، وأخلص في عمله إخلاصًا تامًّا، ولكنَّه يأخذ على عمله جُعلًا معلومًا يَستعين به على العمل والدِّين …فهذا لا يضرُّ أخذُه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يُردْ بعمله الدنيا، وإنَّما أراد الدِّين، وقصد أن يكون ما حصل له معينًا له على قِيام الدِّين".
مَن كان له عبادة فليستمرَّ عليها في حضور الناس وغَيْبتهم، فمن كان له وِرْدُ قراءة أو قيام أو صيام، ثم سافر مع رُفقة، أو حلَّ ضيفًا على غيره - فليُحافظْ على ما اعتاده، ولا يتركه، فربَّما أتاه الشيطان، ولا يزال به حتَّى يتركَه بزعم عدم الوقوع في الرِّياء؛ قال الفضيل بن عياض: "تَرْكُ العمل لأجْل الناس رِياءٌ، والعمل لأجْل الناس شِرْكٌ".
وكذلك مَن له عادةُ صلاةِ ضُحى، فلْيُصلِّها في عمله، ولا يتركْها، إذا كانت صلاتُه لا تؤثِّر على عمله.
***
عنوان الخطبة
خطر الشرك
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: اعلموا رحمكم الله أن أوجب الواجبات على كل مسلم ومسلمة معرفة التوحيد والتمسك به، ومعرفة الشرك والحذر والخلاص منه، فلا يستقيم توحيد العبد إلا بمعرفة الشرك والتبرؤِ منه.
يقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي". [متفق عليه].
عباد الله:
لقد علَّق اللهُ فوزَنا بالجنة ونجاتنا من النار بموتنا سالمين من الشرك، ففي الصحيحين: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما المُوجِبَتان؟ فقال ﷺ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ».
وفي الصحيحين كذلك من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جَاءَنِي جِبرِيلُ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِن سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِن سَرَقَ».
الشرك أظلم الظلم، وأعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [متفق عليه]؛ لأنه صرْفُ خالصِ حقِ اللهِ لغيره، ولأنه تسوية للمخلوقين الضعيفين العاجزين وتشبيه لهم بالخالق العظيم.
قال الرجل الصالح لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿...يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13].
وسيقول المشركون يوم الدين لمن كانوا يشركون بهم: ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 97 إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ98﴾ [الشعراء: 97-98].
ولأجل ما تضمنه الشرك من انتقاص الملك العلام ذي الجلال والإكرام، حكم الله بأن الشرك لا يُغفر إن مات الإنسان عليه وهو لم يتب منه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...﴾ [النساء: 48]، وقال جل جلاله: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُ...﴾ [المائدة: 72].
ولتعظيم جريمة الشرك أوحى الله إلى أعظم الناس منزلة وأعلاهم درجة عنده ـ أنبيائه ورسله ـ بأن الشرك محبط ومبطل لأعمالهم كلها إن هم وقعوا فيه ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ65 بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ66﴾ [الزمر: 66،65]، وقال: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
لذا جاء الأنبياءُ كلُّهم بالنهي عن الشرك والتحذير منه، مع الدعوة للتوحيد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل:36].
فالشرك بالله تعالى أكبر ذنب عصي الله به، ومن أشرك بالله حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار خالدًا فيها، قال سبحانه: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [المائدة: 72].
فالشرك الأكبر هو عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادة من دعاء وذبح ونذر وخضوع وغير ذلك من أنواع العبادة، فكل عبادة لغير الله فهي شرك وإن كانت للأنبياء أو للملائكة أو للأنبياء أو المرسلين أو للصالحين، فهي شرك بالله عزَّ وجلَّ لا يصلح معها عمل ولا يستقيم معه دين أبدًا، فالمشرك لا يُقبل له عمل ولو عبد الله الليل والنهار ما دام خلط العبادة بشرك ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ﴾ – يعني بشرك – ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
عباد الله:
بعد أن عرفنا الشرك وأنه سبب الهلاك ودخول النار، فيجب علينا أن نعرف طريق النجاة ودخول الجنة ألا وهو التوحيد.
التوحيد: هو عبادةُ اللهِ وحده، وهو الغاية التي من أجلها خلق الله الجن والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56] يعني: يعبدوني وحدي، لا يشركون بي شيئًا.
والتوحيد هو المانع من الخلود في النار حتى للعصاة ومرتكبي الكبائر، فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلَّا الله، يبتغي بذلك وجه الله.
بإفراد العبادة لله ينشرِحُ الصدرُ، ويطمئنُّ القلبُ، ويتحرَّرُ من عبوديَّة الخلقِ، ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ...﴾ [الأنعام: 125].
وبه تُفرَجُ الهُموم وتُكشَفُ الكُروب، ﴿...فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الفوائد: "ما دُفِعت شدائدُ الدنيا بمثلِ التوحيد".
وهو سببُ الحياة الطيبة؛ بل لا سعادةَ في الدنيا إلَّا به، قال سبحانه: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ...﴾ [النحل: 97].
ومن وسائل الثَّبات عليه: دعاءُ الله بالثَّبات، والبُعدُ عن البِدَع والشُّبُهات والشَّهَوات، والإكثارُ من الطاعات، والتزوُّدُ من علوم الشريعة، وسُؤالُ العُلماء الربَّانيِّين عما يُشكِلُ منها.
ومن الأسباب الهامة لتحقيق التوحيد: أن يستعين المسلم بالله تعالى ويتوكل عليه في إعانته على هذا الأمر العظيم، الذي إذا لم يعنه الله تعالى عليه لم يتيسر له، وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ5﴾ [الفاتحة: 5]، فلابدَّ من عبادة الله تعالى وحده، ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلَّا بالاستعانة بالله تعالى وحده على تحقيق هذا المطلب العظيم.
ومن الوسائل في تحقيق التوحيد والبعد عن الشرك: الدعاء، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لأبي بكر رضي الله عنه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ»، [رواه أبو يعلى (60)، والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني].
وصلوا رحمكم الله...
***
عنوان الخطبة
مفهوم العبادة في الإسلام
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِهِ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء: 1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب: 70- 71].
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيقولُ الله جلَّ ثناؤُه في مُحكَم التنـزيل: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56].
فهذا البيانُ الربَّانيُّ والتقريرُ الإلهيُّ يُؤكِّدُ لنا أن الغايةَ مِن خلقِ الجنِّ والإنسِ، والعِلَّةَ التي أوجَدَ الله الخلقَ مِن أجلِها هي العبادة؛ إذ حصَرَ عز وجل الحِكمةَ مِن خلقِ المُكلَّفِين في إرادتِه أن يعبُدُوه ولا يُشرِكُوا به شيئًا.
وهذا ما بعَثَ الله به جميعَ الرُّسُل فدعَوا أقوامَهم إليه، ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النحل: 36].
أيها المُسلمون: مِن البديهيات: أن يعرِفَ كلٌّ منَّا الحِكمةَ التي مِن أجلِها خلقَه الله، لكن ما هي العبادةُ التي أرادَها الله منا؟ وما مفهومُها في الإسلام؟ وهل هو ما يعتقِدُه بعضُ الناس مِن مُجرَّد أداء الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجِّ فقط، وليس لها علاقةٌ بالأخلاق والسلوكيَّات والمُعاملات المُجتمعيَّة؟
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العبادةُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه الله ويرضَاه مِن الأقوال والأعمال الباطِنة والظاهِرة".
فالصلاةُ، والزكاةُ، والصيامُ، والحجُّ، وصِدقُ الحديثِ، وأداءُ الأمانة، وبِرُّ الوالدَين، والوفاءُ بالعُهُود، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المُنكَر، والجِهادُ للكفَّار والمُنافقِين، والإحسانُ إلى الجار واليتيم، والمِسكين والمملوك مِن الآدميِّين والبهائِم، والدُّعاءُ والذِّكرُ والقراءة، وأمثالُ ذلك مِن العبادة.
وكذلك حبُّ الله ورسولِه، وخشيَةُ الله والإنابةُ إليه، وإخلاصُ الدين له، والصبرُ لحُكمه، والشكرُ لنِعمه، والرِّضاءُ لقضائِه، والتوكُّلُ عليه، والرجاءُ لرحمته، والخوفُ مِن عذابِه، وأمثالُ ذلك هي مِن العبادات لله.
أيها المُسلمون: إن غايةَ الوُجود الإنسانيِّ كلِّه محصُورةٌ في العبادة لا تتعدَّاها إلى شيءٍ غيرِها على الإطلاق، بمعنى: أنها تستغرِقُ حياةَ المُسلم جميعَها، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ163﴾ [الأنعام: 162- 163].
فالإسلامُ هو الحياةُ، فلا بُدَّ أن يشملَ كلَّ مناحِي الحياة، ولا يقتَصِرُ على جانِبٍ دون جانِبٍ.
وعندما سألَ النجاشِيُّ جعفرَ بن أبي طالبٍ عن الإسلام، أخذَ يصِفُ ما كانُوا عليه في الجاهِليَّة، وما أصبَحَ عليه حالُهم بعد دعوة النبيِّ ﷺ لهم، وقال: «حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذْفِ المُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِك بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ"، قَالَ: "فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِسْلَامِ» الحديث [رواه أحمد (1740)، وأبو نعيم في الحلية (1/115-116)، والبيهقي في دلائل النبوة (2/301- 304) وصححه الألباني].
وبِناءً على ذلك؛ يجِبُ أن نُصحِّحَ المفهومَ الخاطِئَ للعبادة الذي يقصُرُها على بعضِ الطاعات والأفعال والفرائِض، وأن يعتَقِدَ المرءُ اعتِقادًا جازِمًا أنه إن عمِلَ أيَّ عملٍ يرضَى الله عنه، ويُخلِصُ فيه النيَّةَ لله عزوجل، أنه مأجُورٌ عليه؛ بل إنه عبادةٌ مِن العبادات التي يُتقرَّبُ بها إلى الله، فلا يستَهِينُ بشيءٍ مِن الأعمال صغُرَ أو كَبُر؛ فتبسُّمُك في وجهِ أخيك صَدقةٌ، وإماطةُ الأذَى عن الطريقِ صَدقةٌ.
ويندرِجُ في العبادات أبوابٌ مِن الخير كثيرةٌ؛ كالحياء، وحُسن الخُلُق، وحُسن العِشرة، والأُخُوَّة في الله، والصِّدقِ في الحديثِ، والمغفِرَة للآخرين والصَّفح عنهم، والإصلاح بين المُتشاحِنين، إلى غير ذلك مِن التعامُلات والسلُوكيَّات، والعلاقات الاجتماعيَّة.
معاشر المسلمين: وإذا أرَدنا أن نُجلِّيَ خطأَ مَن يعتَقِدُ تضييقَ نطاقِ العِبادة، فلنَنظُر كم تستغرِقُ هذه الشعائِرُ التعبُّديَّة مِن اليوم والليلة ومِن عُمر الإنسان؛ فالصلاة تأخُذُ جُزءًا مِن اليوم والليلة، والصيامُ شهرٌ واحدٌ مِن السنة، والزكاةُ تكونُ في حقِّ مَن تجِبُ عليه بشُرُوطها مرَّةً في كل عامٍ، والحجُّ لمَن استطاعَ إليه سبِيلًا مرَّةً واحدةً في العُمر يُؤدَّى في أيامٍ قليلةٍ.
إذًا فما النِّسبةُ بين الوقتِ الذي تأخُذُه هذه الشعائِرُ وبين عُمر الإنسان؟ إنها نِسبةٌ يسيرةٌ لا تُذكَر؛ فهل يستطيعُ المُسلم أن يقضِيَ واجِبَ العبادة المفرُوضة بالشعائِر التعبُّديَّة، وقد تقرَّرَ أن العِبادة تستغرِقُ حياةَ المُسلم جميعَها؟!
أيها الناس: وعندما يتَّسِعُ مفهومُ العبادة في حِسِّ المُسلم يعلَمُ أن الأعمالَ الصالِحةَ عمومًا، والتي لم تُصبَغ بصِبغةٍ تعبُّديَّةٍ بَحتَة يُمكنُ أن تتحوَّل إلى عِبادة، وذلك بإصلاح النيَّة لله تعالى، وابتِغاء مرضاتِه بذلك الفعلِ.
فقد جاء في الحديث المُتَّفق عليه عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الْإِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».
بل إن طلَبَ الرِّزقِ والكَسبِ، والسعيَ على النفسِ والرَّعِيَّة مِن العبادات العظيمة التي يُؤجَرُ عليها صاحِبُها، إذا كان مُتَّبِعًا فيه الشرعَ، ناوِيًا مِن ورائِه مقصِدًا شريفًا.
فعن كَعبِ بن عُجرَة رضي الله عنه قال: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ! فَقَالَ ﷺ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» [الطبراني في المعجم الكبير (282)، وفي الأوسط (6835)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1428)]
وليس ذلك فحسب؛ بل إن المُباحات للمُسلم قد تَصِيرُ طاعةً يُثابُ عليها؛ فالأعمالُ الغريزيَّة قد تُصبِحُ عبادةً بالنيَّة الصالِحة، ويُؤجَرُ عليها المرءُ.
فقد جاء في حديثِ أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهَا فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَالِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» [رواه مسلم (1006)].
فدلَّ هذا على أن المُباحات تَصِيرُ طاعاتٍ بالنيَّات الصادِقات.
ومما يشهَدُ لذلك أيضًا: أن النبيَّ ﷺ لما زارَ سعدَ بن أبي وقَّاصٍ قبل وفاتِه قال له: «وَلَسْتَ تُنفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ» [متفق عليه]
قال النوويُّ رحمه الله: "وفِيه: أن المُباحَ إذا قُصِدَ به وجهُ الله تعالى صارَ طاعةً، ويُثابُ عليه".
وقد نبَّه ﷺ على هذا بقولِه: «حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ»؛ لأن زوجةَ الإنسان هي مِن أخصِّ حُظوظِه الدنيويَّة وشهوَاته وملاذِّه المُباحة، وإذا وضعَ اللُّقمةَ فِي فِيها فإنما يكون ذلك في العادَةِ عند المُلاعَبَة والمُلاطَفَة، والتلذُّذ بالمُباح، فهذه الحالةُ أبعَدُ الأشياء عن الطاعةِ وأمورِ الآخرة، ومع هذا فأخبَرَ ﷺ أنه إذا قصَدَ بهذه اللُّقمة وجهَ الله تعالى حصَلَ له الأجرُ بذلك.
فغيرُ هذه الحالة أولَى بحُصولِ الأجرِ إذا أرادَ وجهَ الله تعالى، ويتضمَّنُ ذلك: أن الإنسانَ إذا فعلَ شيئًا أصلُه على الإباحة وقصَدَ به وجهَ الله تعالى يُثابُ عليه، وذلك كالأكل بنيَّة التقَوِّي على طاعةِ الله تعالى، والنوم للاستِراحة ليقُومَ إلى العبادة نشيطًا، والاستِمتاع بزوجتِه ليكُفَّ نفسَه وبصَرَه ونحوَهما عن الحرامِ، وليقضِيَ حقَّها، وليُحصِّلَ ولَدًا صالِحًا.
أيها الإخوة: إن مرجِعَنا في فَهم معنَى العبادة هو الكتابُ والسنَّة، والصورةُ العمليَّةُ لذلك هم الصحابةُ الذين ربَّاهم رسولُ الله ﷺ، والذين أدرَكُوا معنى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56]، وفهِمُوا مِن ذلك أن العبادةَ غايةُ الوُجود الإنسانيِّ، فيقومُ المُسلمُ بالعبادة وهو يُمارِسُ الحياةَ في شتَّى المجالات، وأن الشهادتَين، والصلاةَ، والزكاةَ، والصومَ، والحجَّ هي أساسُ العبادة، والركائِزُ الأساسيَّة في الدين، ولكن ليسَت هي العبادة فقط؛ بل هي محطاتُ تزوُّدٍ تُعينُهم على أداء بقيَّة العبادة التي تستغرِقُ حياتَهم.
وهذا الفهمُ الحقيقيُّ لمعنَى العبادة جعلَ إحساسَهم بواجِبِهم في العملِ كواجِبِهم في الصلاة، كإحساسِهم بضرورةِ الزواج، وطلبِ الرِّزقِ، وطلبِ العلمِ، وعِمارةِ الأرض.
وهكذا ينبَغي أن نفهَمَ، فنستشعِرَ أننا في عِبادةٍ ونحن نتعلَّمُ ما ينفَعُنا، ونحن نسعَى في طلبِ الرِّزقِ ونُعمِّرُ الأرضَ، ونحن نأكلُ ونشرَبُ وننامُ، ونُروِّحُ عن أنفُسِنا، ونُلاعِبُ أطفالَنا، وعندما نذهَبُ لشراءِ حاجاتِنا مِن السوق، وعندما نُنفِقُ على أهلِينا وأولادِنا، وعندما نقومُ بصِلةِ أرحامِنا، والتواصُل مع جِيرانِنا وأصدِقائِنا، وعندما نسعَى في قضاءِ حوائِجِ غيرِنا، وعندما ننطلِقُ في ميادِين الحياةِ المُختلِفَة.
فلا يَغِيبُ عن بالِنا أننا نُحقِّقُ العبادةَ لله سبحانه، فلا يتناقَضُ الإحساسُ لدَينا عندما نُصلِّي وعندما نُؤدِّي تلك الأعمال.
فعن مُعاذٍ رضي الله عنه قال: "أما أنا فأنامُ وأقومُ فأحتَسِبُ نومَتي كما أحتَسِبُ قَومَتي" [البخاري (4341)]
فكان رضي الله عنه يحتَسِبُ الأجرَ في النومِ كما يحتَسِبُه في قيامِ الليلِ؛ لأنه أرادَ بالنومِ التقَوِّي على العبادة والطاعة.
قال ابنُ حجرٍ رحمه الله: "ومعناه: أنه يطلُبُ الثوابَ في الراحة كما يطلُبُه في التعبِ؛ لأن الراحةَ إذا قُصِدَ بها الإعانةُ على العبادة حصَّلَت الثواب".
أيها الإخوة: لقد أثَّر الفِكرُ الذي يدعُو إلى فصلِ الدين عن الحياةِ على كثيرٍ من الناس؛ فأخرَجُوا العبادةَ عن جوانِبِ الحياةِ المُختلفة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والفِكريَّة وغيرِها، وصارُوا يرَون أن العبادةَ تُمارَسُ في المسجِد، أما إذا كان في الأعمال الدنيويَّة فلا علاقةَ للدين بذلك.
حتى إن بعضَ الناس ينظُرُ إلى الشعائِرِ التعبُّديَّة على أنها هي كلُّ العبادة المطلُوبة مِن المُسلم، وأنه إذا أدَّاها فقد أدَّى كل ما عليه مِن العبادة، ولم يعُد لأحدٍ أن يُطالِبَه بالمزيدِ، فإذا قامَ أحدٌ بنُصحِه وذكَّرَه بما يجِبُ عليه قال: يا أخي! ماذا تُريدُ منَّا؟! فقد صلَّينا وزكَّينا، وصُمنا وحجَجنا! وهذا مِن أعظم الانحِرافات في تصوُّر مفهُوم العبادة.
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه مِن الآياتِ والذِّكرِ الحكيم، أقولُ قَولِي هذا، وأستغفِرُ الله الجليلَ لي ولكم، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمدُ لله لا معبُودَ بحقٍّ إلا إيَّاه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أمرَنا بعبادته وحدَه وتَرك عبادةِ ما سِواه، وأشهدُ أن مُحمدًا عبدُه وخليلُه ومُصطفَاه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه ومَن والاه.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فيقولُ الله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ99﴾ [الحجر: 99]؛ أي: اعبُد ربَّك حتى يأتِيَك الموتُ الذي أنت مُوقِنٌ به.
قال القُرطبيُّ رحمه الله: "والمُرادُ: استِمرارُ العبادة مُدَّة حياتِه، كما قال العبدُ الصالِحُ: ﴿...وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا﴾ [مريم: 31]".
فعلينا - عباد الله - أن نبقَى على عبادةِ ربِّنا حتى نلقَاه، وأن نستَقِيمَ على شرعِ الله، مُمتَثِلين أمرَ الله: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ...﴾ [هود: 112].
وعن الزُّهريِّ، أن عُمرَ بن الخطاب تلَا هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ...﴾ [فصلت: 30] قال: "استقامُوا واللهِ لله بطاعته، ولم يرُوغُوا روَغَان الثعالِب" [رواه عبد الله بن المبارك في «الزهد والرقائق» (١/ ٣١١) (٣٠٩)، وابن جرير في تفسيره (٢١/ ٤٦٥)، وأحمد في الزهد (ص ١٧١)، وفيه انقطاع]
وقال سُفيانُ الثقَفِيُّ: يا رسولَ الله! قُل لِي في الإسلام قَولًا لا أسأَلُ عنه أحدًا بعدَك، قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ» [رواه مسلم (38)].
وما أعظمَ كرامةَ مَن استقامَ على دينِ الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ30﴾ [فصلت: 30].
فعلى المرءِ أن يُواصِلَ سَيرَه إلى ربِّه، ويَصدُقَ في عملِه مع الله، وأن يلتَزِمَ بشرعِه دائمًا، ولا يربِطَ عبادتَه لله بزمنٍ أو مكانٍ أو أشخاصٍ؛ بل يبقَى صادِقًا ثابِتًا على دين الله على كل حالٍ.
فهذا أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضي الله عنه قد تعلَّم منه الصحابةُ الكِرامُ درسًا في الاستِقامة؛ إذ قامَ فيهم خَطيبًا بعد وفاةِ النبيِّ ﷺ قائِلًا: "أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ30﴾ [الزمر: 30]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ144﴾ [آل عمران: 144]".
وهكذا يتربَّى العُظماءُ على هذا المبدأ.
قال عُروةُ رحمه الله: "بلَغَنا أن الناسَ بكَوا على النبي ﷺ حين ماتَ وقالوا: واللهِ لوَدِدنا أنَّا مِتنا قبلَه، نخشَى أن نُفتَتنَ بعدَه"، فقال مَعنُ بن عديٍّ: "لكنِّي واللهِ ما أُحبُّ أنِّي مِتُّ قبلَه حتى أُصدِّقَه ميتًا كما صدَّقتُه حيًّا" [البخاري (6830)].
كما علينا عباد الله أن نحذَر مِن إفسادِ أعمالِنا الصالِحة بالرجوعِ إلى المعاصِي، قال تعالى مُحذِّرًا لنا: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا...﴾ [النحل: 92].
هذه المرأةُ البَلهاءُ الخَرقاءُ كان مِن شأنِها: أن تغزِلَ الصُّوفَ في أولِ النهار، حتى إذا أوشكَت على إتمامِ غَزلِها آخر النهار نقَضَت غزلَها وأفسَدَتْه، ثم عادَت إلى الغَزلِ والنَّقضِ مرَّةً أُخرى، فحذَّر الله مِن التشبُّه بصَنِيعِها، وذلك بإفسادِ الأعمال الصالِحة بأعمالٍ سيئةٍ تنقُضُها، وتُذهِبُ بركتَها.
وقد كان ﷺ يستَعِيذُ بالله مِن الحَورِ بعد الكَورِ؛ أي: الرُّجوع مِن الإيمان إلى الكفر، أو مِن الطاعة إلى المعصِية.
فحافِظُوا - عباد الله - على أعمالِكم، ولا تُعرِّضُوها للإحباطِ أو الفسادِ، واحرِصُوا على مُداومةِ الطاعاتِ، والاستِمرار في تزكِية النفسِ وتطهيرِها، وأتبِعُوا الحسنةَ بحسنةٍ، والعملَ الصالِحَ بآخر.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على إمامِ العابِدين، وقُدوةِ المُؤمنين؛ فقد أمرَكم الله تعالى بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ.
***
عنوان الخطبة
الإيمان بأسماء الله
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي كتب الإيمان في قلوب المؤمنين حتى شاهدوا بعين البصيرة ونور العلم ما كان غائبًا عن العيون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الكامل في حياته، العليم الكامل في علمه، القدير الكامل في قدرته، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وخاتم النبيين، وسيد الموقنين، آمن فأيقن وعمل فأتقن، واستمر على ذلك حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وآمنوا به، وحققوا إيمانكم بمعرفة ربكم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبالعمل بما تقتضيه وتوجبه تلك الأسماء والصفات، آمِنوا بأن الله حيٌ قيومٌ، حياته كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها فناء، فكل شيء هالك إلا وجهه، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، هو قيوم السماوات والأرض، قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد من خلقه، وفي الحديث الصحيح أنه تبارك وتعالى يقول: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفعِي فَتَنفَعُونِي» [رواه مسلم: 2577] وهو الذي قامت السماوات والأرض بأمره، ولم يستغن عنه أحد من خلقه، فالعباد مضطرون إليه في جميع أحوالهم وأوقاتهم، لا غنى لهم عن ربهم طرفة عين.
آمنوا بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء حفيظ رقيب، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ59﴾ [الأنعام:59] فجميع حركاتكم وسكناتكم وأقوالكم وأفعالكم معلومة عند ربكم، محفوظة لكم مُسجَّلة عليكم في كتاب مبين.
فحققوا -رحمكم الله- الإيمان بهذه الصفة صفة العلم، حققوها تحقيقًا عمليًا تطبيقيًا، كما أنكم مأمورون بتحقيقها تحقيقًا علميًا، فإذا علمتم أن الله يعلم سركم وجهركم ويحفظ ذلك لكم؛ فإن مقتضى ذلك أن تعبدوه سرًا وجهرًا، وأن تقدموا طاعته وخشيته على كل خشية، وشريعته على كل شريعة ونظام.
أيها المسلم: ربما تعصي الله جهارًا علنًا من غير مبالاة، وربما تعصي الله سرًا وخفاء خوفًا أو حياء من الناس، فاعلم أنك في كلتا الحالتين لا تخفى على الله حالك، وأن الله يعلم بك ويسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويحفظ ذلك في كتاب مبين، فهل يليق بك أن تعصيه بعد ذلك بمخالفة أمره أو ارتكاب نهيه.
عباد الله: آمنوا بأن الله على كل شيء قدير وأنه جواد كريم: ﴿...وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا﴾ [فاطر:44] فهو قدير على تغيير الأمور وتحويلها، وعلى منع الأمور وتيسيرها، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ50﴾ [القمر: 50] وكأيٍّ من آية في السماوات والأرض تبرهن على قدرته، وأن جميع الأمور بيده، فإذا حققتم ذلك؛ أوجب لكم أن تعلقوا رجاءكم به عند الشدائد، وأن تسألوه ما تحبون عند المطالب، وأن تعلموا أن قدرته وإرادته فوق الأسباب، وكم من أمور حدثت مع استبعاد الناس حدوثها، وكم من أمور عدمت مع استبعاد الناس عدمها، كل ذلك دليل على أن قدرته فوق كل تقدير، وتدبيره فوق كل تدبير.
عباد الله:
آمنوا بأن الله حكيم يضع الأمور في مواضعها، فلم يخلق خلقًا عبثًا، ولم يشرع شرعًا سفهًا، فكل ما قضاه وقدَّره فلحكمة، وكل ما شرعه لعباده من أمر ونهي فلحكمة، فإذا آمنتم بذلك حق الإيمان؛ أوجب لكم أن تقفوا عند أفعال الله وأحكامه، وأن لا تعترضوا على شرعه وخلقه، وأن تتأدبوا بالأدب الواجب تجاه حكمة الله، فإن تبينت لكم الحكمة؛ فذلك من فضل الله ومن نعمته، وإن لم تتبين لكم الحكمة؛ فكِلوا الأمر إلى العليم الحكيم، واعرفوا كمال علم الله وحكمته، ونقص علمكم وحكمتكم، وقولوا: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا.
كيف يعترض على شرع الله من كان مؤمنًا بالله وعلمه وحكمته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أيها المسلمون:
آمنوا بأن الله حكم عدل قهار، فإذا حققتم الإيمان بذلك أوجب عليكم الإنصاف من أنفسكم، والامتناع عن الظلم؛ لأن فوق أيديكم يد الواحد القهار، واعلموا أن لكم موقفًا بين يدي الله عز وجل يقضي فيه للمظلوم من الظالم، حتى يتمنى القاضي العادل أنه لم يقض بين اثنين في تمرة لما يرى من أخذ الظلمة، فيخاف أن يكون قد ظلم، فيتمنى أن يكون قد سلم، لكن القاضي العادل الذي علم الحق فقضى به ليس عليه إثم ولا وبال، بل هو في الجنة وغير القاضي من الولاة مثله، فليحذر من ولّاه الله على شيء أن يظلم، وليتذكر أن الله حكم عدل قهار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ180﴾ [الأعراف:180].
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ.
***
عنوان الخطبة
الإيمان بالكتاب المنزلة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله العزيز العليم، الحكيم الخبير، القائل في محكم التنزيل: ﴿...وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖ...﴾ [الشورى:15]، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له؛ إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأراضين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، الصادق الوعد الأمين، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله ربكم، وراقبوه في جميع أعمالكم، واعلموا أن السعادة في الدنيا والآخرة في تحقيق تقواه وطلب رضاه جل في علاه.
أيها المؤمنون: إنَّ الله عز وجل حكيمٌ خبير؛ حكيم في شرعه وخلقه وجزائه، فأموره كلها عن حكمة بالغة، ومِن عزة الله وحكمته جل في علاه أنه لم يخلق الخلق هملًا، ولا أوجدهم باطلًا، ولم يتركهم سُدىً، بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم، وليقوموا بعبادته ويوحِّدوه، وليمتثلوا أمره ويطيعوه، وأرسل لأجل هذا رسله وأنزل كتبه بالحق المبين والهدى المستبين.
أيها المؤمنون: ولهذا فإنَّ من أصول الإيمان العظيمة وقواعد الدين المتينة؛ الإيمان بكتب الله المنزلة على رسل الله الكرام، وأنها جاءت مشتملة على الحق والهدى، وفلاح العباد وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فهذا أصلٌ أصيل وركن متين، وهو من الأصول التي لا قيام للدين إلا عليها، قال الله تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ136﴾ [البقرة:136]، وقال الله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ285﴾ [البقرة:285]، وقال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [البقرة:177]، وقال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا136﴾ [النساء:136] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أيها المؤمنون: والقاعدة الجامعة في هذا الباب؛ أن نؤمن بجميع كتب الله المنزلة على حد قول ربنا جلَّ في علاه ﴿...وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ...﴾ [الشورى:15]، أي: على كل رسول ما علِمنا من ذلك وما لم نعلم، أن نؤمن بأنها جاءت بالحق والهدى وفلاح العباد وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وأن نؤمن أنها وحي الله وكلامه وتنزيله، وأن نؤمن أنه لا هداية للعباد ولا فلاح إلا بالإيمان بها، فهي التي يُهتدى بها في الظلمات، وهي التي تضيء للناس الطريق فيميزون بها بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وما يرضاه الله وما لا يرضاه؛ فإن ذلك كله لا يُعرف إلا من خلال وحي الله وكلامه وتنزيله جل في علاه.
وإنَّ من حكمة الله جل وعلا أن والَى على الأمم إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكل كتابٍ ينزل على أمةٍ من الأمم فصلاح تلك الأمة إنما يكون بإيمانهم بذلك الكتاب لتعلُّق الخطاب بهم، إلى أن ختمت الكتب بالقرآن الكريم خاتم الكتب المنزلة من رب العالمين، وكما أن محمدًا عليه الصلاة والسلام لا نبي بعده فلا كتاب بعد كتابه ﷺ؛ ولهذا يُعدُّ القرآن ناسخًا لجميع الشرائع السابقة، فبعد نزوله لا إيمان ولا عمل ولا حكم إلا بما جاء في القرآن الكريم، ولهذا لما ذكر جل وعلا بعضَ الكتبِ المنزلة وأمرَهُ بالحكم بها -أي من كان مخاطبًا بتلك الكتب- أعقب ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ...﴾ [المائدة:48]، أي في القرآن الذي ختم الله جلَّ وعلا به الكتب المنزلة من ربِّ العالمين.
معاشر المؤمنين: وهذا القرآن العظيم الذي هو خاتمة الكتب كلها هو أعظمها شأنا وأجلُّها مقاما وأرفعها مكانة، ويجب على كل البشر بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤمنوا به، ومن لا يؤمن به فحقٌ على الله أن يدخله النار يوم القيامة، قال ﷺ: «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلَا نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». [أخرجه مسلم (153)]
أيها المؤمنون: والإيمان بهذا القرآن يكون بالتصديق بجميع ما فيه من الأمور الغيبية والأخبار، والائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه وعبره، والإيمان بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ومجاهدة النفس على تدبر آياته وعقل معانيه ودلالاته والاهتداء بهداياته ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ...﴾ [الإسراء:9]، وبمجاهدة النفس على أن يكون العبد من أهل القرآن؛ فهم أهل الله وخاصته.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أمَّا بعد فيا أيها المؤمنون: اتّقوا الله تعالى، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
من الإيمان بالله؛ الإيمان بأن القرآن كلام الله، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ...﴾ [التوبة:6]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿...وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ...﴾ [البقرة:75]، وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِ...﴾ [الأعراف:158] وَهُوَ القُرْآنُ.
وصلُّوا وسلِّموا - رعاكم الله - على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
***
عنوان الخطبة
الاعتصام بالكتاب والسنة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمَّة، وكشف الله به الغُمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقينُ من ربِّه، فصلوات الله وسلامه عليه، ما تعاقب الليل والنهار إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
يقول الله تَعَالَى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ...﴾ [آل عمران: 103]، قال ابن كثير رحمه الله: "﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ﴾، قِيلَ: بِعَهْدِ اللهِ، وَقِيلَ: القُرآنُ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللهِ، وَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه: هُوَ الجَمَاعَةُ".
قوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾: أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن الفرقة.
وقد وردت النصوص الكثيرة بالنهي عن التفرُّق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍ...﴾ [الأنعام: 159].
وعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ» [أخرجه مسلم 1715].
والاعتصام بالكتاب والسنة هو: التمسُّك بهما على فهم السلف الصالح، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا115﴾ [النساء: 115]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي»؛ أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. [أخرجه أبو داود (4596) والترمذي (2640) وأحمد (8377) بسند صحيح].
قَالَ عَبدُاللهِ بنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه: "إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلبَ مُحَمَّدٍ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ؛ فَاصطَفَاهُ لِنَفسِهِ، فَابتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعدَ قَلبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصحَابِهِ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُم وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَن دِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَن كَان مِنكُم مُستَنًّا، فَليَستَنَّ بِمَن مَاتَ؛ فَإِنَّ الحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيهِ الفِتنَةُ، أُولَئِكَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ، كَانُوا أَفضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعمَقَهَا عِلمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اختَارَهُمُ اللهُ لِصُحبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعرِفُوا لَهُم فَضلَهُم، وَاتَّبِعُوهُم عَلَى آثَارِهِم، وَتَمَسَّكُوا بِمَا استَطَعتُم مِن أَخلَاقِهِم وَسِيَرِهِم؛ فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُستَقِيمِ». [أخرجه الإمام أحمد في المسند (3600) بسند حسن].
أيها المسلمون، وردت النصوص الكثيرة التي تحثُّ على التمسُّك بالكتاب والسنة، والاعتصام بهما؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ3﴾ [الأعراف: 3]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ43﴾ [الزخرف: 43]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ18﴾ [الجاثية: 18].
والتمسُّك بالقرآن والسنة عصمة للعبد من الضلالة وهداية؛ فعن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ». [أخرجه الإمام مسلم 1218].
وعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيئَينِ لَنْ تَضِلُّوا بَعدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي» [رواه الحاكم في المستدرك (319)، والبزار (8993)، وصححه الألباني].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه [الفرقان]: "فَعَلَى كلِّ مؤمنٍ ألَّا يتكلَّم في شيءٍ من الدين إلَّا تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، ولا يتقدَّم بين يديه؛ بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعًا لقوله، وعمله تبعًا لأمره، فهكذا كان الصحابة، ومَنْ سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسانٍ وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يُعارض النصوص بمعقوله، ولا يُؤسِّس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيءٍ من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلَّم، وبه يتكلَّم، وفيه ينظر ويتفكَّر، وبه يستنير، فهذا أصل أهل السنة".
أيها المسلمون:
دلَّتِ الأحاديث أن مَنْ تمسَّك بما كان عليه ﷺ، ومَنْ بعده من الخلفاء الراشدين؛ كان من الناجين؛ فعن العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». [أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (43)، بسند صحيح].
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِاللهِ رضي الله عنهما: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِن بَعضِ أَهلِ الكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ، وَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي». [رواه أحمد (15156)، وابن أبي عاصم في السنة (50)، والبزار (124) بسند حسن].
ومن المعلوم أن نبي الله عيسى عليه السلام عندما ينزل في آخر الزمان، لا يأتي بشرع جديد؛ وإنما يحكم بشريعة النبي ﷺ، فعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». [متفق عليه].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فتوبوا إليه، واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا أيها المسلمون، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؛ قال الإمام مالك: "لَا يَصلُحُ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا، وَمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ".
روى الطبراني في معجمه الكبير (8636) مِن حَدِيثِ عَبدِاللهِ بنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُونَ الصَّلَاةَ وَهُم حِلَقٌ، وَفِي كُلِّ حَلقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيدِيهِم حَصًى، وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُم: سَبِّحُوا مِئَةً فَيُسَبِّحُونَ، كَبِّرُوا مِئَةً فَيُكَبِّرُونَ، هَلِّلُوا مِئَةً فَيُهَلِّلُونَ، فَقَالَ لَهُم: عُدُّوا سَيِّئَاتِكُم، فَأَنَا ضَامِنٌ أَلَّا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُم شَيءٌ، وَيحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا أَسرَعَ هَلَكَتَكُم! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُم ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَم تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَم تُكسَرْ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهدَى مِن مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوَ مُفْتَتِحُو بَاب ضَلَالَةٍ؟ قَالُوا: وَاللهِ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، مَا أَرَدنَا إِلَّا الخَيرَ! قَالَ: وَكَم مِن مُرِيدٍ لِلخَيرِ لَم يُصِبْهُ؟!».
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞ...﴾ [آل عمران: 106]، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "حِينَ تَبيَضُّ وُجُوهُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَتَسوَدُّ وُجُوهُ أَهلِ البِدعَةِ وَالفُرقَةِ".
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشِّرْكَ والمشركين.
***
عنوان الخطبة
الإيمان بالرسل
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الواحد القهار، يخلق ما يشاء ويختار، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له الرحيم الغفار، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله النبي المصطفى المختار؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ما تعاقب الليل والنهار.
نص الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيها المؤمنون عبَادَ الله: اتّقوا الله تعالى وراقبوه سبحانه مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعُه ويراه؛ فإنّ تقوى الله جلَّ وعلا خير زادٍ يبلغ إلى رضوان الله: ﴿...وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: 197].
أيها المؤمنون: إن الرسل الكرام هم صفوة البشرية، وخيار عباد الله، وخلاصة الناس، وخيرة رب العالمين من خلقه، اصطفاهم الله تبارك وتعالى على علم، واختارهم وميَّزهم وخصهم بكمالاته وفضله، ومنَّ عليهم برسالاته ووحيه، والله سبحانه وتعالى يصطفي ما يشاء ويختار، قال الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِ...﴾ [الحج: 75].
اصطفاهم لبلاغ دينه جلَّ في علاه فبلَّغوا البلاغ المبين، وما تركوا خيرًا إلا دلوا أممهم عليه، ولا شرًا إلا حذّروا أممهم منه، ﴿...وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور: 54].
أيها المؤمنون: والإيمان بالرسل أصلٌ من أصول الإيمان وأساسٌ من أسس الدين، فلا إيمان ولا طاعة ولا قبول لعبادةٍ إلا بالإيمان بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين؛ قال الله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ285﴾ [البقرة: 285].
أيها المؤمنون: والإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم، واليقين الذي لا ريب فيه أنهم رسل الله، وأن الله عز وجل اصطفاهم واجتباهم وبعثهم بوحيه المبين ودينه القويم، وأنهم صادقون مصدوقون، هداة مهتدون، أمناء أتقياء، بلَّغوا البلاغ المبين وهدَوا العبادَ إلى صراط الله المستقيم، والإيمان بأنهم عليهم صلوات الله وسلامه دعَوا العباد إلى الهدى والرشاد، فما تركوا خيرًا إلا أرشدوا إليه، ولا شرًا إلا أنذروا العباد وحذَّروهم منه، والإيمان بأنهم صفوة العباد وخيرهم وأنهم أفضل عباد الله وخير الورى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذلك عمارة القلوب بمحبة الرسل الكرام والحرص على الاهتداء بهديهم والاقتفاء لآثارهم ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡ...﴾ [الأنعام: 90].
أيها المؤمنون: وفي القرآن الكريم قصَّ الله علينا في مواطن كثيرةٍ منه من نبأ المرسلين، وذكَر عددًا منهم بأسمائهم، وذكَر أخبارًا مفصَّلةً عن بعضهم.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ 83 وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 84 وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 85 وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ86﴾ [الأنعام: 83-86].
هذه -عباد الله- أسماء نَبِيِّينَ شرَّف الله أقدارهم وأعلى مكانتهم ومنازلهم، فالواجب على العباد أن يعرفوا هؤلاء الأنبياء وأن يعرفوا أسماءهم وفضائلهم وقصصهم وأخبارهم وسيَرهم العظيمة؛ ليهتدوا بهداهم ويسيروا على منهاجهم، ولهذا لما ذكر هؤلاء جل وعلا أتبع ذلك بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡ...﴾ [الأنعام:90].
أيها المؤمنون:
والإيمان بالرسل أمرٌ متلازم؛ فالإيمان ببعضهم يوجب الإيمان بجميعهم، والكفر بواحد منهم كفرٌ بالجميع، ولهذا فإنَّ من يفرِّق بين النبيين فيؤمن ببعض ويكفر ببعض؛ هو كافرٌ بهم كلهم، وكافر بمن أرسلهم وهو رب العالمين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا 150 أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا151﴾ [النساء:150-151].
أيها المؤمنون:
عظِّموا أنبياء الله ورسله، واعرفوا لهم أقدارهم، واحرصوا على معرفة سيَرهم وأخبارهم، وجاهدوا أنفسكم على التأسي بهم؛ فإن الحياة الحقيقية إنما هي باتباع المرسلين ولزوم سبيلهم وصراطهم المستقيم.
هدانا الله أجمعين لسلوك نهج النبيين ولزوم سبيلهم وهداهم، وأصلح لنا شأننا كله، إنه تبارك وتعالى سميع الدعاء، أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أمّا بعد فيا أيها المؤمنون: ومن الإيمان بالأنبياء أن نؤمن أن النبوات خُتمت بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فلا نبي بعده ولا رسول، ولا شريعة بعد شريعته ولا كتاب، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [الأحزاب: 40]، وقال ﷺ قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» [متفق عليه]؛ فبنبوته عليه الصلاة والسلام ورسالته خُتمت النبوات والرسالات، وهو خاتمهم وخيرهم وأفضلهم، بل هو سيد الأولين والآخرين، وأمته عليه الصلاة والسلام هي خير الأمم ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ...﴾ [آل عمران: 110].
والواجب على المؤمن أن يحمد الله أن جعله في خير الأمم، وأن جعله من أتباع محمد ﷺ، وأن يجاهد نفسه على معرفة سيرة هذا الرسول عليه الصلاة والسلام العظيمة المبجَّلة الجليلة، وأن يجاهد نفسه على التأسي به والسير على منهاجه والاقتفاء لأثره صلوات الله وسلامه عليه، وأن يعمُر المسلمُ قلبه بمحبة هذا الرسول محبةً مقدمة على الوالد والولد والناس أجمعين، ومحبته من محبة الله كما أن طاعته من طاعة الله جل في علاه.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
***
عنوان الخطبة
الإيمان باليوم الآخر
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وهو العزيز الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الحشر والمصير وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102].
أيها المسلمون: الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ففي حديث جبريل عليه السلام أنه قال للنبي ﷺ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [رواه مسلم (8)].
والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله به ورسوله مما يكون قبل الموت من علامات الساعة، وأشراطها الصغرى والكبرى، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وما يكون بعده من البعث والحشر، والحساب والميزان، والحوض والصراط، والجنة والنار، وغير ذلك مما يجري في عَرَصاتِ القيامة.
عباد الله: ومن تأمل القرآن وجد ارتباط الإيمان بالله تعالى بالإيمان باليوم الآخر، وكُرر ذلك في عشرين موضعًا من كتاب الله تعالى، وجاء في موضوعات متعددة، ففي الإيمان بالقرآن أخبر الله تعالى عن المؤمنين به بأنهم المؤمنون بالله واليوم الآخر ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا162﴾ [النساء: 162].
وفي مدح المؤمنين بالله واليوم الآخر ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ99﴾ [التوبة: 99].
وفي بناء البيت دعا الخليل عليه السلام ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ...﴾ [البقرة: 126].
وفي باب المودة والمحبة ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ...﴾ [المجادلة: 22].
وفي الحث على التأسي بالنبي ﷺ ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21].
وفي الرد إلى السنة عند التنازع ﴿..فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ...﴾ [النساء: 59].
وفي عمارة المساجد ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ...﴾ [التوبة: 18].
وفي شأن الجهاد في سبيل الله تعالى ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ 44 إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ45﴾ [التوبة: 44-45].
وفي فرض الجزية على الكفار ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ29﴾ [التوبة: 29].
وفي وصف المؤمنين من أهل الكتاب: ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ...﴾ [آل عمران: 114].
وفي الإشهاد على الطلاق: ﴿...وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ...﴾ [الطلاق: 2].
ولما ذكر الله تعالى عضل النساء وعظ أولياء النساء، فقال سبحانه: ﴿...ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ...﴾ [البقرة: 232].
وفي إقامة الحد على الزانيين، قال سبحانه: ﴿...وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ...﴾ [النور: 2].
وفي نفي الإيمان أيضًا يُكرر في القرآن أن الإيمان منفيٌ عمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ8﴾ [البقرة: 8]، وفي آية أخرى ﴿وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ...﴾ [النساء: 38].
أما الأحاديث، فيقول ﷺ: «لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ» [رواه مسلم (77)].
«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ» [متفق عليه].
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ» [متفق عليه].
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» [رواه مسلم (1591)].
«فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» [رواه مسلم (1844)].
عباد الله:
في هذه الآيات والأحاديث الكثيرة الارتباطُ الوثيق بين ركني الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر، وفي الإيمان بالله واليوم الآخر يندرج الإيمان بالملائكة والرسل والكتب والبعث والقدر.
والمؤمن بالله واليوم الآخر يسعد في الدنيا بالعمل لله تعالى يرجو ثوابه، ويسعد في الآخرة حين يلقى جزاءه.
ولذا وُعد المؤمنون بهذين الركنين العظيمين من الأمم السابقة بالثواب العظيم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ62﴾ [البقرة: 62]، فجميع هذه الأمم لها أديان قائمة على الأركان الثلاثة التي بعث بها جميع الرسل الأولين، وهي الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح.
نسأل الله تعالى أن يفقهنا في الإيمان، ويعلمنا القرآن، ويزيدنا بالقرآن إيمانًا، وأن يرزقنا العمل بما علمنا إنه سميع مجيب.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيِّبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وخذوا من القرآن حظكم؛ فإنه كتاب ربكم، وحجته عليكم، وشفيع لكم، وقد أخبر الله في كتابه أن الرسل عليهم السلام دعوا أقوامهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ36﴾ [العنكبوت: 36].
فما أحوج العباد في الخطب العامة والمواعظ ومجالس التذكير وفي كل مكان إلى أن يذكَّروا بالإيمان باليوم الآخر؛ ليستعدوا لذلك اليوم وليتزودوا له بخير زاد، فإن الناس -عباد الله- إذا غفلوا عن ذلك اليوم ألهتهم الدنيا بمتعها الزائلة وزخرفها الفاني عن الاستعداد ليوم المعاد.
ولعظم شأن هذا اليوم سماه الله تعالى بأسماء كثيرة، سمَّاه يوم الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين عباده، وسماه يوم التغابن؛ لكثرة المغبونين يومئذ ممن كانوا يكذبون ويجحدون في الدنيا، ففي ذلك اليوم يغبن فيه أهلُ الحق أهل الباطل، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر، وأهل الطاعة أهل المعصية، ولا غبن أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار.
وسمَّاه يوم الجمع؛ لأنه يجمع فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.
وسماه يوم التلاق؛ لأنه يلقى فيه العبد ربه، ويلقى فيه العامل عمله، ويلتقي فيه الأولون والآخرون.
وسماه الله يوم القيامة؛ لأن فيه قيام الخلائق من القبور، وسمّاه يوم التناد؛ لتنادي العباد بعضهم بعضًا، ولمناداة الله عز وجل عباده فيه، وسماه يوم القارعة، ويوم القيامة، إلى غير ذلك من الأسماء، فعظمه وحذّر عباده من الغفلة والنسيان وأمرهم بالاستعداد له.
فاللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
***
عنوان الخطبة
الإيمان بالقضاء والقدر
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله العليم القدير، الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إلـه إلَّا اللهُ وحده لا شريك له، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله البشيرُ النذير، والسراج المنير؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه وعلى كل من على نهجه يسير.
نص الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيها المؤمنون: اتّقوا الله تعالى وراقبوه سبحانه في الغيب والشهادة، والسر والعلانية، مراقبةَ من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه.
أيها المؤمنون: إنَّ من أصول الإيمان العظيمة، وأسس المعتقد المتينة: الإيمانَ بالقضاء والقدر، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما أصابك -أيها العبد- لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن هذا الخلق كلَّه طوعُ تدبير خالقه وتصريف موجِده جلَّ في علاه، وآية القدرة على الخلق إيجاد هذه المخلوقات علويِّها وسفليِّها: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا12﴾ [الطلاق: 12].
أيها المؤمنون:
ولقد تكاثرت الدلائل في كتاب الله وسنة نبيه ومصطفاه ﷺ على تقرير هذا الأصل وإثباته في مواطن كثيرة؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ49﴾ [القمر: 49]، وقال تعالى: ﴿فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ23﴾ [المرسلات: 23]، وقال تعالى: ﴿...ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 40]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى1 ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ2 وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ3﴾ [الأعلى: 1-3]، وقال تعالى: ﴿...وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أيها المؤمنون: إنَّ الإيمان بالقدر نظامُ التوحيد؛ فلا يستقيم توحيد امرئٍ ولا يصح إيمانه إلا بالإيمان بالقدر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الإيمانُ بالقدَرِ نظامُ التَّوحيدِ؛ فمنْ وحَّدَ اللهَ وكذَّبَ بالقدرِ؛ نقضَ تكذيبُهُ توحيدَهُ".
وإذا كان الإيمان بالقدر نظام التوحيد فإنَّ التوحيد نظام الحياة، فلا تستقيم حياة المرء إلا بالإيمان وتوحيد الرحمن وإخلاص الدين له جلَّ في علاه، وإذا لم يكن المرء موحدًا لا تنتظم حياته بل تذهب فُرُطًا، وتضيع سبهللًا، لا نفع فيها ولا فائدة، لا في دنياه ولا في أُخراه.
عن الوليد ابن الصحابي الجليل عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "دَخَلْتُ عَلَى والدي، وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلُ فِيهِ المَوْتَ فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي، فَقَالَ: أَجْلِسُونِي؛ فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَطْعَمَ طَعْمَ الإِيمَانِ، وَلَنْ تَبْلُغْ حَقَّ حَقِيقَةِ العِلْمِ بِاللهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه.ِ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ القَدَرِ مِنْ شَرِّهِ؟ قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ" [رواه الإمام أحمد (22705) والترمذي (2155) وصححه الشيخ الألباني].
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى العَجْزُ وَالكَيْسُ» [رواه مسلم 2655]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» [مسلم (2653)]، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نطفة، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَات: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» [متفق عليه].
ولهذا كان يشتدُّ خوف السلف -رحمهم الله- من السوابق والخواتيم؛ السوابق: أي: لا يعلمون ما سبق لهم في علم الله وما كُتب عليهم في اللوح المحفوظ، والخواتيم: أي: بمَ يُختم لهم في نهاية الحياة، وأمْرُ ذلك كله بيد الله عز وجل، الأمْر أمْره والخلْق خلْقه ولا يكون شيءٌ إلا بقضائه وقدره.
عباد الله:
إن الإيمان بالقدر يطرد عن العبد الأوهام والمخاوف والقلق في مواطن تشتد بها الخُطوب على العباد، فيكون المؤمن بالقدر مطمئنًا بإيمانه، عالمًا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
والمؤمن بقدر الله جلَّ وعلا إذا حلَّ به المصاب ونزلت به البلوى علِم أن ما أصابه بإذن الله فيرضى ويسلِّم بقضاء الله، ويرجو الله -جلَّ في علاه- على ما أعدَّه من موعودٍ كريم وثوابٍ عظيم للصابرين: ﴿...وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ155 ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ156﴾ [البقرة: 155-156].
نسأل الله -جلَّ في علاه- أن ييسرنا أجمعين لليُسرى، وأن يجنِّبنا العُسرى، وأن يهدينا إليه صراطًا مستقيمًا، وأن يجعل كل قضاء قضاه لنا خيرًا، وأن يحسن لنا العواقب والخواتيم إنه تبارك وتعالى سميعُ الدعاء، وهو أهل الرَّجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله كثيرًا، وأشهد أن لا إلـه إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أمّا بعد: فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى.
اعلموا -رعاكم الله- أن الإيمان بأقدار الله عز وجل طمأنينةٌ للمؤمن وفلاحٌ له وسعادةٌ في دنياه وأخراه، وأن المؤمن بقضاء الله وقدره هو في حياته كلِها متوكلٌ على الله مستعينٌ بالله ملتجئٌ إلى الله -جلَّ في علاه-، وأن فعل الأسباب من الإيمان بقضاء الله وقدره، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزَنَّ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم].
قال ابن أبي العِزِّ رحمه الله: "وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أنَّ التوكلَ يُنافي الاكتسابَ وتعاطيَ الأسبابِ، وأنَّ الأمورَ كانت مُقَدَّرَةً فلا حاجةَ إلى الأسبابِ، وهذا فاسدٌ، فإنَّ الاكتسابَ: منهُ فرضٌ، ومنه مستحبٌّ، ومنه مباحٌ، ومنه مكروهٌ، ومنه حرامٌ...وقد كانَ النبيُّ ﷺ أفضلَ المتوكلينَ، يلبس لَأْمَةَ الحربِ، ويمشي في الأسواقِ للاكتساب".
ومما ينبغي التأكيد عليه أنه يجب على كل مسلم أن يتجنب نشر ما يسبب الخوف والهلع للناس؛ من خلال نشر الشائعات: وأن يحذر أيضًا من نشر الشائعات التي تطلق وتروج للتهوين من خطورته.
فعلى المسلم أن يتعامل مع الأمراض والطواعين بتوسط لا يهوله ولا يستخف فيه؛ وأن يلتزم بتوجيهات الجهات المسؤولة وأن لا يعرض نفسه ولا غيره للخطر.
نسأل الله عز وجل بأسمائه الحُسنى، وصفاته العُليا، أن يجعل كل قضاءٍ قضاه لنا خيرًا.
***
عنوان الخطبة
التوكل على الله
مقدمة الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ ذي الألطافِ الواسعةِ والنعمِ، وكاشفِ الشدائدِ والنِّقَمِ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجودِ والكرمِ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه الذي فُضِّل على جميعِ الأممِ، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعدُ -عبادَ اللهِ-:
فإن مِن سعادةِ العبدِ أن يرزقَه اللهُ تعالى حُسنَ التوكُّلِ عليه في أمورِه كلِّها؛ وإنَّ بلوغَ هذه المنزلةِ لهو من أعظمِ الامتنانِ والتفضلِ على العبدِ؛ فمن توكَّلَ على اللهِ عز وجل - حقَّ التوكلِ -؛ سكن قلبُه، واطمأنت نفسُه، ولذَّ عيشُه، ذلك أن حقيقةَ التوكلِ هي صدقُ اعتمادِ القلبِ على اللهِ عز وجل في استجلابِ المصالحِ، ودفعِ المضارِّ من أمورِ الدنيا والآخرةِ، وتفويضِ الأمورِ كلِّها إلى اللهِ سبحانه، وتحقيقِ الإيمانِ بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يضرُّ ولا ينفع سواه، وهذه منزلة لا يبلُغها إلا الصدِّيقون؛ قال سعيدُ بنُ جُبير: "التوكلُ جماعُ الإيمانِ" [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: 29589].
فالتوكلُ عبادةٌ قلبيةٌ محضةٌ، يظهر أثرها قولًا باللسانِ، وعملًا بالجوارحِ؛ قال الإمامُ أحمدُ: "التوكلُ عملُ القلبِ" [عزاه إلى الإمام أحمد ابنُ القيم في مدارج السالكين 2/ 114].
فلا بد للقلبِ أنْ يكون متعلقًا باللهِ حق التعلُّقِ، وأنْ يوقِنَ العبدُ بأن مردَّ الأمورِ إلى اللهِ، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ولِعِظَمِ منزلةِ التوكلِ؛ فقد جاءت الأدلةُ الكثيرةُ تَحُثُّ عليه وتبيِّنُ منزلتَه؛ ليأخذ به المسلمُ لما فيه من حلاوةِ العيشِ وحُسنِ العاقبةِ؛ فقد قال اللهُ تعالى: ﴿...وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ...﴾ [الطلاق: 3] أي: كافيه، وقال: ﴿...وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ23﴾ [المائدة: 23].
وجاء عن النبيِّ ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»، ففي هذا الحديثِ ضرب النبيُّ ﷺ المثلَ بالطيرِ على ضعفِه، وأن الله قد تكفَّل له بالرزقِ وهداه لأسبابِه، وهذا مما يورثُ اليقينَ عند العبدِ بأن عَيْشَه مكفولٌ، فإذا علم ذلك؛ أورثه ذلك حسنَ ظنٍّ بربِّه سبحانه؛ لأن المتوكلَ حقيقةً مَن يعلمُ أن اللهَ قد ضمِنَ لعبِده رزقَه وكفايتَه، فيُصدقُ الله فيما ضمنه، ويثقُ بذلك حقَّ الثقة، ويحقِّقُ الاعتمادَ عليه فيما ضمِنَه مِن الرزقِ، وأن الرزقَ مقسومٌ لكلِّ أحدٍ من بَرٍّ وفاجر، ومؤمنٍ وكافرٍ، كما قال تعالى: ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا...﴾ [هود: 6] هذا مع ضعفِ كثيرٍ من الدوابِّ وعجزِها عن السعيِ في طلبِ الرزقِ، فما دام العبدُ حيًّا فرِزقُه على اللهِ، وقد يُيَسِّرُه اللهُ بكسبٍ أو بغيرِ كسبٍ، وإن كان بذلُ الأسبابِ مطلوبًا.
والتوكلُ دليلٌ على حسنِ ظنِّ العبدِ بربِّه، وعلى قدرِ حسنِ ظنِّ العبدِ بربِّه ورجائهِ له يكون توكلُه عليه، إذ لا يُتصورُ التوكلُ على من ساء ظنُّه به، ولا التوكلُ على من لا يرجوه، وهذا ما فعله أولياءُ اللهِ تعالى في أحلكِ الظروفِ، وأصعبِ المواقفِ؛ حيث فوضوا أُمورَهم إلى اللهِ عز وجل؛ لحُسنِ ظنِّهم بكفايتِه لهم؛ قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: "حسبُنا اللهُ، ونِعمَ الوكيلُ، قالها إبراهيم ﷺ حين أُلقي في النارِ، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا: ﴿...إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]" [رواه البخاري: 4563].
فهذا بيانٌ لحالِ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ وكيف بلغ بهِمُ التوكلُ على اللهِ تعالى، وحُسنُ ظنِّهم به على الرَّغمِ مما هم فيهِ من الخوفِ والضنكِ الشديدِ فكان قولهم: "حسبنا الله ونعم الوكيل"؛ أي: أنه كافينا في مهماتِنا ومُلماتِنا، وهو نِعم الكافي ومن نُفَوِّضُ له الأمرُ.
فما كانت النتيجة؟ ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ174﴾ [آل عمران: 174].
وفي ذلك أعظمُ دليلٍ على أن الإنسانَ مهما مسَّه من الضنكِ والشدائدِ إن لجأ إلى اللهِ سبحانه في أمورِه؛ أعانه وتولاه ونصرَه...لكنَّ البلاءَ العظيمَ أنَّ بعضَ الناسِ إذا مسَّه الكربُ لجأ إلى الأمورِ الماديةِ يبحثُ من خلالِها عن الفرجِ، ولو تعلق قلبُه بخالقِه لكفاه ما أهمَّه.
عباد الله: إن اعتمادَ القلبِ على اللهِ تعالى واستنادَه وسكونَه إليه يُذهِبُ عنه ما يكون في القلوبِ من التشويشِ والخوفِ مِن فواتِ الأسبابِ؛ لِعِلمِه أن هذه الأسبابَ بيدِ مُسبِّبِها سبحانه، ولذلك لا يُبالي بإقبالِها وإدبارِها، ولا يضطربُ قلبُه ويَخفقُ عند إدبارِ ما يُحبُّ منها، وإقبالِ ما يكرهُ؛ لأن اعتمادَه على اللهِ وسكونَه إليه واستنادَه إليه، قد حصَّنَه مِن خوفِها ورجائها، فحالُه في ذلك حالُ مَن خرجَ عليه عدوٌّ عظيمٌ لا طاقة له به، فرأى حِصنًا مفتوحًا فأدخله صاحبُه إليه، وأغلق عليه بابَ الحِصنِ، فهو يشاهدُ عدوَّه خارج الحصنِ، فاضطرابُ قلبهِ وخوفُه من عدوِّه في هذه الحالِ لا معنى له.
ومَثَلُه في ذلك مَثَل الطفلِ الرضيعِ في اعتمادهِ وسكونِه وطمأنينتِه بثديِ أمِّه، لا يعرفُ غيرَه، وليس في قلبِه التفاتٌ إلى غيرِه، ولذلك قال بعضُ العلماءِ: المتوكِّلُ كالطفلِ؛ لا يعرفُ شيئًا يأوي إليه إلا ثديَ أمِّه، كذلك المتوكلُ لا يأوي إلا إلى ربِّه سبحانه.
وقد أخبر الله تعالى عن مؤمنِ آلِ فرعونَ أنه قال: ﴿...وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ44﴾ [غافر: 44]، والمفوِّض لا يفوِّض أمرَه إلى اللهِ إلا لإرادتِه أن يقضي له ما هو خيرٌ له في معاشِه ومعادِه، وإن كان المقضيُّ له خلافَ ما يظنُّه خيرًا فهو راضٍ به؛ لأنه يعلم أنه خيرٌ له، وإن خفيت عليه جهةُ المصلحةِ فيه، وهكذا حال المتوكلِ سواء؛ بل هو أرفعُ من المفوِّضِ؛ لأن مقامَ التوكُّلِ اعتمادُ القلبِ كلِّه على اللهِ بعدَ تفويضِه.
ومِن أجلِّ ثمراتِ التوكلِ على اللهِ: الرضا بما يُقدِّرُه اللهُ سبحانه، وهذا مِن أعظمِ درجاتِ العبوديةِ؛ قال بشرٌ رحمه الله: "يقولُ أحدُهم: توكلتُ على اللهِ، يكذبُ على اللهِ، لو توكل على اللهِ لرضي بما يفعلُه اللهُ به".
ومَن تأمَّلَ الجزاءَ الذي جعله اللهُ تعالى للمتوكِّل عليه، وأنه لم يجعلْه لغيره؛ عَلِمَ أن التوكلَ أحبُّ السبلِ الموصلةِ إليه سبحانه؛ فقد قال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ...﴾ [الطلاق: 3].
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أما بعدُ...
فيا أيُّها المسلمونَ: إن الأخذَ بالأسبابِ مِن تمامِ التوكلِ؛ لأن تركَ الأسبابِ جملةً ممتنعٌ عقلًا وحسًّا، وما أخل النبيُّ ﷺ بشيءٍ من الأسبابِ؛ فقد لبس درعين يومَ أحدٍ، واستأجرَ دليلًا مشركًا يدلُّه على طريقِ الهجرةِ، وكان إذا سافر في حجٍّ أو جهادٍ حَمَلَ الزادَ والمزادَ، وهكذا فعل أصحابُه رضي الله عنهم وهم أولو التوكلِ حقًّا.
ومَعَ كونِ الأخذ بالأسبابِ من تمامِ التوكلِ؛ فإن الواجبَ على المُسلمِ أنْ لا يلتفت قلبُه إلى الأسبابِ؛ بل إلى مسبِّبِها سبحانه؛ فقد يجمع المرءُ جميعَ الوسائلِ الماديةِ، ولا يتمُّ له ما عزم عليه، فإن الأمورَ بيدِ اللهِ.
والعبدُ إذا توكلَ على اللهِ تعالى أورثه ذلك علمًا أكيدًا بأنه لا يملكُ لنفسِه ولا لغيرِه حولًا ولا قوة، وأن استطاعتَه بيدِ اللهِ لا بيده، فهو مالِكُها دونه، وأنه إنْ لم يعطه الاستطاعةَ فهو عاجزٌ، وأنه لا يتحركُ إلا باللهِ لا بنفسِه، ولذا؛ كان من دعائه ﷺ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَىٰ نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» [رواه النسائي في الكبرى: 10330].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، يا رب العالمين.
***
عنوان الخطبة
محبة الله والعوامل الجالبة لها
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد معاشر المؤمنين عباد الله: اتقوا الله؛ فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
عباد الله: اعلموا - رعاكم الله - أن أجلّ مقامات العابدين وأعظم منازل السائرين: محبةُ رب العالمين وخالق الخلق أجمعين، محبة الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، محبة الخالق البارئ المصور، محبة ذي الجلال والإكرام، محبة الرب العظيم سبحانه الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فإن هذه المحبة - عباد الله - روح الدين وغذاء الأرواح، وأساس السعادة وقوام الأعمال وقوام الدين.
هذه المحبة - عبادَ الله - هي الحياة التي من حُرمها كان من جملة الأموات، والنورُ الذي من فقَده غرِق في بحار الظلمات، والشفاءُ الذي من عُدمه توالت على قلبه أنواع الأسقام، واللذةُ التي من حُرمها توالت عليه الهموم والآلام.
محبةُ الله - عباد الله - هي أساس السعادة، وسبيل الفلاح في الدنيا والآخرة، محبة الله تبارك وتعالى هي الجالبة للأعمال، المحقِّقةُ للكمال، البالغةُ بالعبد إلى خير المقامات وعالي المنازل، محبة الله جل وعلا شأنها عظيم وأمرها جليل ومكانتها في دين الله رفيعة، وكان من دعاء نبينا ﷺ «أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ» [أخرجه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٢٢١٦٢) وصححه الألباني في صحيح الترمذي].
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ» [متفق عليه] وهذا هو معنى قول الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا96﴾ [مريم: 96].
وثمار المحبّة وآثارها وفوائدها وعوائدها على المحبِّين في الدنيا والآخرة لا حصر لها ولا عد، ويكفي المحبَّ أن الله تبارك وتعالى معه مؤيِّدًا وحافظًا، ومسدِّدًا وموفِّقًا.
معاشر المؤمنين وفي خضم توالي الفتن وكثرة الصوارف وتنوّع الملهيات والصوادّ التي بُليَ بها الناس - في خضم ذلك كلّه - تضعف محبة الله في القلوب ويضعف تبعًا لذلك آثارُها وثمارُها وموجباتُها، وهذا مقامٌ - عبادَ الله- يتطلب من العبد عودةً صادقةً بنفسه إلى الله؛ باحثًا عن سبيل نيل محبة الله تبارك وتعالى، متطلبًا الأمورَ الجالبةَ إلى قلبه محبةَ الله، ليعود إلى قلبه صفاؤُه ونقاؤه، وبهاؤه وضياؤه، وذلك بعمارته بمحبة الله جل وعلا.
عباد الله: وهذه جملة من الأمور العظام التي تجلب إلى القلوب محبّة ذي الجلال والإكرام:
فأول ذلك عباد الله: عنايةٌ صادقة بكتاب الله تدبرًا وتأملًا ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ29﴾ [ص: 29]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا82﴾ [النساء: 82] وعندما تقرأ القرآن لا يكن همك ختم السورة وليكن همك عقلُ الخطاب وفهمُ المراد، فهذا - أيها المؤمنون - من أعظم الأمورِ الجالبةِ لمحبّة الله جل وعلا؛ أن تتأمل في كلامه العظيم وذكره الحكيم الذي ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ...﴾ [فصلت: 42].
ومن الأمور الجالبة للمحبة - عباد الله - العنايةُ بالنوافل بعد الفرائض؛ فهذا أمرٌ عظيم يجلب للقلوب المحبة ويغذي القلوب بها، وتأمّلوا شاهد ذلك ودليله عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [البخاري (6502)]، والمعنى أن الله سبحانه يؤيده ويسدده في سمعه وبصره وفي قدمه ويده وفي جميع أحواله.
ومن الأمور الجالبة للمحبة - عباد الله -: إيثار محابِّ الله على محابِّ نفسك، وتقديمها على ما تحب مهما كانت رغبة النفس ومهما كان طلبها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [متفق عليه]
ومن الأمور الجالبة للمحبة - عباد الله -: معرفةُ أسماءِ الله الحسنى وصفاته العلى؛ فإن العبد كلما كان أعظم معرفة بالله كان لله أحب ولعبادته أطلب وعن معصيته أبعد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿...إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ...﴾ [فاطر: 28].
ومن الأمور الجالبة للمحبة - عباد الله -: تذكُر نعم الله وآلائه وإحسانه وبِرّه ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ...﴾ [النحل: 53] فإذا تذكرتَ نعم الله عليك ومننه المتوالية وعطاياه المتتابعة تحركت في قلبك المحبة وزاد شأنها وارتفع مقامها، تأمل مَن الذي خلق لك هذا الجسم!! ومَن الذي شقَّ لك سمعك وبصرك!! ومَن الذي منَّ عليك بيديك وقدميك!! ومَن الذي منَّ عليك بمطعمك ومشربك وصحتك وعافيتك!! مَن الذي منَّ عليك بالمسكن والأولاد!! والأمن والأمان!! إلى غير ذلك من النعم والعطايا، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه كل ليلة تذكر نعم الله جل وعلا، وقال مثنيًا وحامدَا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ» [أخرجه مسلم (2715)].
ومن الأمور الجالبة للمحبة - عباد الله -: مجالسة أهل الصلاح والتقى والإيمان والاستقامة، والاستفادة من أطايب أقوالهم ومحاسن أعمالهم وجميل أخلاقهم وآدابهم، قال النبي ﷺ: «فالمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» [أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٣٩٨) وحسنه الألباني].
ومن الأمور الجالبة للمحبة - عباد الله -: أن يبتعد المرء عن الأمور التي تحُول بين القلب وبين ربه ومولاه، وما أكثرها في هذا الزمان؛ كم هي الأمور الصارفة والأمور الصادة والأمور المبعدة للقلوب عن محبة الله!! من قنوات فضائية وشبكات عنكبوتية وغير ذلك من الوسائل والملهيات التي شغَلت القلوب، وأمرَضت النفوس، وأضعَفت الإيمان، وحالت بين القلوب وبين محبة الرحمن، فمن كان يريد لقلبه محبّةً صافية صادقة؛ فليقطع كل طريق يحول بينه وبين المحبّة.
فهذا أمرٌ لا سبيل إلى نيله والحالة هذه إلا من عاد صادقًا إلى ربه طالبا رضاه وطالبًا محبته سبحانه فبذلك تُنال وهذا هو سبيلها.
ونسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا حبه، وحب من يحبه، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا عباد الله: روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ﷺسَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ فَقَالَ" لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»، وفي رواية: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» [متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها].
فانظر - أيها المؤمن - قراءة القرآن، ومعرفة أسماء الرحمن وصفاته العليا، والعنايةُ بها تأملًا وتدبرًا، والعمل بمقتضاها من أعظم الأمورِ الجالبةِ لمحبة الرحمن، والموجبةِ لدخول الجنان والنجاة من النيران، رزقنا الله جميعًا ذلك؛ إنه تبارك وتعالى سميع مجيب.
اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد.
***
عنوان الخطبة
الاحتجاج بالسنة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الولي الحميد، العلي المجيد؛ خلق الخلق فابتلاهم، ودلهم على دينه وهداهم، فمنهم من هدي فكان من المفلحين، ومنهم من أعرض فكان من الخاسرين، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونسأله من فضله العظيم، فهو الجواد الكريم، البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ رب العالمين، وإله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للمؤمنين، وحجة على الخلق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتمسكوا بدينه، واعتصموا بحبله، وخذوا بكتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ؛ فإن الخير كل الخير في الثبات على الدين، والعمل بالكتاب المبين، والأخذ بسنة سيد المرسلين ﷺ ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحَشْرِ: 7].
أيها الناس: حين ابتلى الله تعالى عباده بدينه فألزمهم به؛ جعل سبحانه من بلائه لهم أن ينقله رسله عليهم السلام إليهم، ولم يقذف دينه في قلوب عباده؛ ليكونوا كلهم مؤمنين مستسلمين. ولو شاء سبحانه لفعل ذلك، كما خلق سبحانه الملائكة طائعين مستسلمين ﴿...لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]، ﴿...عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ 26 لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ27﴾ [الأَنْبِيَاءِ: 26-27].
وقد نصب سبحانه البراهين والأدلة على صدق الرسل فيما بلغوا؛ ليميز الناس بين الرسول الصادق وبين الدعي المتنبئ الكاذب. ثم جعل سبحانه طاعة الرسول من طاعته؛ لأن الرسول مبلغ عنه، فمن آمن بصدق الرسول؛ فلا بد أن يطيعه وإلا لم يكن مؤمنًا، ومن آمن بالرسول؛ فلا بد أن يأخذ كل ما جاء عنه، فإن قبل بعضه وأعرض عن بعض؛ لم يكن مؤمنًا.
ونبينا محمد ﷺ بلغ عن ربه سبحانه دينه، وكان بلاغه بالقرآن والسنة، والسنة تشمل قوله وفعله وتقريره. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على وجوب الأخذ بسنة النبي ﷺ؛ مما يقطع الطريق على المعترضين عليها، المشككين فيها، فمن رد السنة رد القرآن ولا بد، ومن شكك فيها شكك في القرآن ولا بد؛ لأن القرآن الكريم أحال عليها في آيات كثيرة جدًا، وهي على أنواع:
فآيات تدل على أن السنة وحي من الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ 3 إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ4﴾ [النَّجْمِ: 3-4]، وذلك أن ما ينطق به النبي ﷺ إما أن يكون وحيًا من الله تعالى، وإما أن يكون اجتهادًا من النبي ﷺ أقره الله تعالى عليه فصار وحيًا.
فإذا لم يقره الله تعالى عليه نزل الوحي بتصحيحه كما في أسرى بدر، ومغفرة ذنوب الشهيد إلا ما عليه من الدين، كما سار جبريل به رسول الله ﷺ.
وآيات تأمر بطاعة الرسول ﷺ: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ32﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 32]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ20﴾ [الأَنْفَالِ: 20]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ33﴾ [مُحَمَّدٍ: 33]، ولا يمكن طاعة النبي ﷺ إلا باتباع سنته.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ...﴾ [النِّسَاءِ: 59].
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول؛ إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول".
وآيات تأمر بالتأسي بالنبي ﷺ: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأَحْزَابِ: 21]. ولا يمكن التأسي به ﷺ إلا بالأخذ بسنته كلها.
وآيات فيها امتنان من الله تعالى بتعليم النبي ﷺ أمته الكتاب والحكمة: والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، ولم يعلمنا النبي ﷺ غير القرآن والسنة ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ...﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 164]، ﴿...وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ...﴾ [الْبَقَرَةِ: 231]، وفي خطاب الله تعالى لأمهات المؤمنين: ﴿...وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ...﴾ [البقرة:231].
وآيات تأمر بتحكيم النبي ﷺ في أي خلاف، والصدور عن قوله، والتسليم بحكمه: ﴿...فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ...﴾ [النِّسَاءِ: 59]؛ أَيْ: فَرُدُّوهُ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا65﴾ [النِّسَاءِ: 65]، فلا خيار للمؤمن إزاء حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ إلا القبول والإذعان، وإلا كان الزيغ والضلال.
وآيات تأمر النبي ﷺ ببيان القرآن للناس: وما بينه من القرآن فهو من سنته ﴿...وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ...﴾ [النَّحْلِ: 44]، ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ64﴾ [النَّحْلِ: 64].
كل هذه الآيات البينات الواضحات الكثيرات تدل على أنه لا إيمان بالقرآن إلا باتباع السنة، وإلا لعطلت هذه الآيات الكثيرة.
ومن علامات النبوة: أن النبي ﷺ خشي على أمته الزائغين المضلين الذين يدعون الأخذ بالقرآن دون السنة، وحذر أمته منهم؛ لأن حقيقتهم أنهم معطلون للقرآن، فقال ﷺ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» [أحمد (23876) وأبو داود (4605) والترمذي (2663) وصححه الألباني].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا اتباع الكتاب والسنة، وأن يجنبنا الزيغ والبدعة والفتنة، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، إنه سميع مجيب.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 131 وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ132﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 131-132].
أيها المسلمون: من تناقض أهل الأهواء الذين ينتقدون السنة النبوية أنهم يأخذون من السنة ما يهوون، ويتركون منها ما لا يهوون، ولو أنهم طردوا أصلهم في عدم قبولها كلها؛ لما عرفوا كيف يصلون ولا يزكون ولا يصومون ولا يحجون، ولعجزوا عن أداء ما افترض الله تعالى عليهم من الحقوق والواجبات، وتفصيل العبادات؛ لأن ذلك كله إنما أخذ من السنة النبوية، وليس في القرآن تفصيلات له، وقد رد عمران بن الحصين رضي الله عنه على رجل يريد الاكتفاء بالقرآن دون السنة فقال له: "إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا، لا تجهر فيها بالقراءة؟! ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرًا؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك" [الشريعة للآجري (1/ 417)].
وإذا صح الحديث عن النبي ﷺ؛ وجب الأخذ به، والتسليم والإذعان والانقياد، ولا يرد بما يزعمه بعض المفتونين عقلًا أو ذوقًا أو غيره؛ لأن العقول والأذواق تتفاوت وتختلف، فلا ترد بها السنن.
والنصوص الصحيحة قد تأتي بما تحار فيه العقول، وهذا في القرآن أيضًا، فهل يردون شيئًا من القرآن لأن عقولهم حارت فيه ولم تفهمه؟! ولكن النصوص الصحيحة لا تأتي بما هو مستحيل؛ لأن مصدر الوحي والخلق واحد، وهو الله تعالى: ﴿...أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأَعْرَافِ: 54].
وقد يرد نص من النصوص على العقل فيحتار فيه مدة، ثم يقع أمامه ما يصححه له فتزول حيرته كما وقع لأبي إسحاق إبراهيم بن سيار، قال يحكي قصة حيرته: «بلغني وأنا حدث أن نبي الله ﷺ «نَهَى عَنِ اخْتِنَاثِ فَمِ القِرْبَةِ وَالشُّرْبِ مِنْهُ» قال: فكنت أقول: إن لهذا الحديث لشأنًا، وما في الشرب من فم القربة حتى يجيء فيه هذا النهي؟ فلما قيل له: إن رجلًا شرب من فم قربة فوكعته حية فمات، وإن الحيات والأفاعي تدخل في أفواه القرب؛ علمت أن كل شيء لا أعلم تأويله من الحديث أن له مذهبًا وإن جهلتههُ». [ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 1197)].
فلنحذر -عباد اللّه- من أقوال الزّائغين الّذين يردّون حديث رسول اللّه ﷺ، ولا نرخي آذاننا لشبهاتهم؛ فإنّهم دعاةٌ على أبواب جهنّم، من أجابهم قذفوه فيها. ولنربِّ أولادنا على تعظيم سنَّة النَّبيِّ ﷺ، والأخذ بها؛ فإنَّ الخير كلَّ الخير في اتِّباعها.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...
***
عنوان الخطبة
خطورة البدع
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله ذي العزَّة والجبروت، والكبرياء والعظمة والملكوت، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحي الذي لا يموت، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، أحيا الله به القلوب وأنار به البصائر، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أعلام الهدى، وأنوار الدُّجَى.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، فقد جمع الله عز وجل الخير كله في طاعته، وجمع الشر كله في معصيته.
عباد الله:
خذوا أنفسكم بحقائق الدين الإسلامي، وألزِموا أنفسكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم محمد ﷺ، وتمسَّكوا بالهَدي النبوي العظيم، فأنتم ترون كثرة المسلمين في هذا الزمان - زادهم الله كثرةً وصلاحًا -، ولكن مع هذه الكثرة فرَّقتهم البدعُ والأهواء، وأضعَفَهم الاختلاف، وضعُفَت القلوب بإيثار الدنيا على الآخرة، ومقارفة الشهوات، إلا من حفِظ الله.
ألا وإن الدين يهدِمُه ويُضعِفُه في القلوب: البدعُ المُضِلَّة، والشهوات المُحرَّمة، فأما البدع فهي الداء العُضَال، والسُّمُّ القتَّال، تُعمِي وتُصِمّ، وتُهلِكُ صاحبَها وتضر الدين والدنيا.
"والبدع: هي ما أُحدِث في الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه"، قاله أهل العلم.
ويُعْرَفُ المبتدع بمخالفته لجماعة المسلمين وإمامهم وأهل العلم بالقرآن والسنة، وأما من انتسب للعلم وهو مُعرِضٌ عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، جاهلٌ بذلك فليس من ذوي العلم، وإنما هو داعيةٌ إلى ضلالٍ وفتنة، وأول البدع في الإسلام: بدعة الخوارج، ثم ظهرت بقية البدع بعد ذلك.
وحاربَ الصحابةُ رضي الله عنهم البدعَ التي ظهرت في زمانهم، وردُّوها وبيَّنوا للناس سنة رسول الله ﷺ، والهديَ والحق بالكتاب والسنة، فكشف الله بهم الغُمَّة، وقمَع بهم البدع، وقام بالأمانة بعدهم التابعون وتابعوهم بإحسانٍ إلى آخر الدهر.
والله حافظٌ دينَه، وناصرٌ كلمتَه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ9﴾ [الحجر: 9]، وقال تعالى: ﴿...وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ40﴾ [التوبة: 40].
وقد حذَّرنا الله عز وجل من البدع، وبيَّن لنا عواقبها الوخيمة في الدين والدنيا والآخرة، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 105 يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ106﴾ [آل عمران: 105- 106]، وهذه الآية في أهل البدع التي فرَّقَت بين الأمة.
قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره": "يعني: يوم القيامة حين تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفُرقة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما".
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة".
وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثَنتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً - يَعْنِي: الْأَهْوَاءَ -، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَىٰ بِهِمْ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَىٰ الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَىٰ عِرْقٌ وَلَا مِفْصَلٌ إِلَّا دَخَلَهُ»؛ [أخرجه أبو داود (٤٥٩٧)، وأحمد (١٦٩٣٧) وصححه الألباني لغيره].
والكَلَب: داءٌ يعرِضُ للإنسان من عَضَّة الكلب تتغيَّر به طِباع الإنسان وعقله، وتزداد حالته سوءًا كل يوم حتى يهلِك.
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَىٰ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»؛ [أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (١٧١٤٤) وصححه جمع من أهل العلم].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثون ويُحدَثُ لكم، فإذا رأيتم المُحدَثة فعليكم بالهدي الأول"؛ [رواه محمد بن نصر المروزي في السنة (80) وابن بطة في الإبانة (2/ 330) بإسنادٍ صحيح].
وعن أنس رضي الله عنه قال: "إنكم لتعملون أعمالًا هي في أعينكم أدقُّ من الشعر كنا نراها من العظائم في عهد رسول الله ﷺ" [رواه البخاري (6492)].
فالبدعُ تهدِم الدين، وتُفسِد ذات البَيْن، وتُوجِبُ غضبَ الله عز وجل وأليم عقابه في الآخرة، وتعمُّ بها العقوبات في الدنيا، وتتنافر بسببها القلوب، وتتضرَّر بها مصالحُ الناس، وتُورثُ الذل والهوان، ويتسلَّقُ بها أعداء الإسلام على المسلمين، كما قال النبي ﷺ: «وُجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالفَ أَمْرِي» [أخرجه البخاري معلقًا قبل حديث (٢٩١٤) مختصرًا، وأخرجه موصولًا أبو داود (4031) وأحمد (5114) وحسنه الحافظ ابن حجر].
وأما الشهوات المحرمة فتضرُّ دين المسلم؛ من حيث إنها تُفسِد قلبه وتُقسِّيه، وإذا تمادى فيها الإنسان واسترسَل رانَت على القلب، فطُبِع عليه، وأعمَت البصيرة، فأحبَّ الإنسان ما أبغَضَ الله، وأبغَضَ ما أحبَّ الله، وجرَّت عليه المعاصي والخُسران والحرمان والعقوبات المتنوعة، وما يُلاقيه في الآخرة منها أدهى وأمرّ، وأصابَت المجتمع كله إذا ظهرت بأنواع العقوبات وأنواع الأضرار كلها، والمسلم يتحكَّم في نفسه، ويقودُها بزِمام التقوى إلى كل عملٍ صالحٍ رشيد، وكل نافعٍ مفيد، حتى لا يرتعَ في المعاصي، فإذا كان ذلك الإصرار والدوام على المعاصي فإن ذلك تستعصِي معه النفس، ويصعُب قِيادُها، فتقودُه إلى كل شرٍّ وبلاء، فيقع في شرِّ جزاء، قال الله تعالى: ﴿۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].
رُوِي عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾ قال: "الغَيُّ نهرٌ -أو وادٍ- في جهنم، مِن قَيْحٍ، بعيدُ القَعْر، خبيث الطَّعم، يُقْذَف فيه الذين يتبعون الشهوات" [رواه الطبراني (9108)، والحاكم 2/ 374، والبيهقي في البعث (519، 518)]
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ والْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» [رواه البخاري (5590)].
ومعنى قوله: «يستحِلُّون الحِرَ»؛ أي: يستحِلُّون الفَرْج.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»؛ [رواه مسلم (2128)].
ومعنى قوله ﷺ: «كاسياتٌ عارياتٌ»؛ أي: عليهنَّ الثياب ولكنهن عاريات؛ بمعنى: أنهن يُظهِرن ما حرَّم الله إظهاره من الذراعَيْن ومن الساقين ونحو ذلك.
«مائلاتٌ»؛ أي: مائلاتٌ مُحبَّاتٌ للفجور، «مُميلاتٌ» لغيرهن إلى ذلك.
وعن عمران بن حُصين رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَتَىٰ ذَٰلِكَ؟ قَالَ: «إِذَا ظَهَرَتِ الْقِيانُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ» [أخرجه الترمذي (٢٢١٢) والديلمي في «الفردوس» (٨٧٢٥) وصححه الألباني].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» [رواه البخاري (2083)].
فيا أيها المسلم:
تفكَّر وتدبَّر، واحذر دخول هذين البابَيْن: باب الفتن والمُبتَدَعات، وباب الشهوات والمُحرَّمات، فهما اللذان أضرَّا بالإسلام والمسلمين، ولا يعصِم ويُنجِي من البدع والمُحرَّمات إلا العلم النافع، والعمل الصالح، وخوف الله تعالى، فالجهل سببُ كل شر، قال الله تعالى: ﴿...وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ119﴾ [الأنعام: 119]، وقال عزوجل: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ116﴾ [الأنعام: 116]، وقال تعالى: ﴿...وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ111﴾ [الأنعام: 111]، وقال عز وجل: ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ...﴾ [الزمر: 9].
والمسلم مأمورٌ بمعرفة دين الإسلام بأدلته من الكتاب والسنة، قال تبارك وتعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ...﴾ [محمد: 19]، وفي البخاري ذكره مُعلَّقًا: "إنما العلم بالتعلُّم".
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [متفق عليه].
وقال ابن رجب رحمه الله: "وما دام العلمُ باقيًا في الأرض فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حَمَلَته، فإذا ذهبَ حَمَلَته ومن يقوم به وقَع الناس في الضلال" .أ.هـ.
فالعصمة والنجاة من البدع المُحدَثة المُضِلَّة: الاعتصام بالكتاب والسنة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ...﴾ [آل عمران: 103] ويتفَاضَل الناس بهذا التمسُّك والاعتصام، ويعظُمُ نفعُ المسلم ووزنه عند ربه بهذا العمل الصالح ولزوم منهج النبي ﷺ وأصحابه.
وأما من انتسَب للإسلام من غير تحقيقٍ لأعماله وعقيدته الصحيحة التي كان عليها السلفُ الصالحُ فهم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْل، كما قال النبي ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ كَمَا يَتَدَاعَى الْأَكَلةُ إِلَى قُصْعَتِهَا». قَالُوا: أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ» [رواه أبو داود (4297) والبغوي في شرح السنة (4224) بسند حسن].
أيها المسلم:
حاسِب نفسَك، وطبِّق تعاليم الإسلام على نفسك، واختبر نفسك من كل أمرٍ من أمور الله التي أمر بها ومناهي الله، هل طبَّقتَ ما جاء به كتاب الله، وما أمر به رسول الله ﷺ، وما جاء عن الله في كتابه وسنة رسوله لتفوز بوعد الله الحق لمن اتبع ولم يبتدع في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ100﴾ [التوبة: 100].
والعصمة من البدع المُحدَثة أيضًا: فهم القرآن والسنة على فهم السلف الصالح رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهم الذين رضي الله عنهم في تفسيرهم للقرآن الكريم والحديث الشريف، ورضِيَ الله عنهم في عقيدتهم، وأعمالهم وتطبيقهم للإسلام مرضِيٌّ عنه من رب العالمين، ومن خالفهم توعَّده الله بقوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا105﴾ [النساء: 115].
والعصمة من البدع المُحدَثة أيضًا: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم بعدم الخروج عن ذلك، لقوله ﷺ: «فَالْزَمُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»؛ [متفق عليه من حديث حذيفة رضي الله عنه].
والعصمة من البدع أيضًا: سؤال العلماء بالكتاب والسنة في أمور الدين والأخذ عنهم، قال الله عزوجل: ﴿...فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
والعصمة من البدع أيضًا: سلامة الصدر من الغِش والبغي والغِلّ والحسد للمسلمين، لقوله ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، ثَلَاثًا»؛ [رواه مسلم (55) من حديث تميم الداري رضي الله عنه].
وأما ما يعصِم ويُنجي من الشهوات المحرمة والمعاصي: فخوف الله وخشيته بأن يعلمَ العبدُ أن الله يراه ويعلمُ سره وعلانيته، ويُحصِي على العبد أعماله في كتابٍ لا يُغادِر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وتذكُّر الموت الذي يشتدُّ معه الألم العظيم في كل مُفصَل، وتذكُّر القبر وما بعده من الأهوال الكِبار، والاعتبار بمن نالوا اللذَّات والشهوات طول أعمارهم ثم حال الموت بينهم وبين ما يشتهون، فذهَبَت اللذَّات، وبقِيَت الحسرات والتَّبِعات، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ37 وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا38 فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ39 وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ 40 فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ 41﴾ [النازعات: 37 - 41].
وإذا أيقَنَ العبدُ بعظيم ثواب الله على ترك المعاصي حذِرَها وأبغضها، قال الله عزوجل: ﴿وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ 46﴾ [الرحمن: 46].
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 153﴾ [الأنعام: 153].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله علاَّم الغيوب، بارئ الهمِّ وكاشِفِ الغمِّ والكروب، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له غفَّار الذنوب، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالهدى واليقين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فاتقوا الله حق تقواه، وتقرَّبوا إليه بما يُحبه ويرضاه، واحذروا معاصيه؛ فإنها مُرديةٌ للعبد في دنياه وأخراه.
أيها المسلمون:
حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وليعتَنِ المسلم وليهتَم بتحقيق النية الخالصة لله تعالى في أعماله الظاهرة والباطنة، ولتكن أعماله كلها الظاهرة والباطنة على هدي رسول الله ﷺ، مُطابقةً للسنة النبوية المحمدية.
قال أهل العلم: "إن قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» هذا الحديث ميزانٌ للأعمال الظاهرة، وأصلٌ عظيمٌ من أصول الإسلام، وقوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ميزانٌ للأعمال الباطنة".
ولتكن عنايتُك - أيها المسلم - بالنية الصالحة قبل العمل أعظم من العمل، واجتهادُك في القيام بالعمل وفق السنة أعظم من الاستكثار من الأعمال.
وقد كان النبي ﷺ يقول في خُطبه: «إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»؛ رواه مسلم.
وقد كان يُكرِّره في مقامه لوعظه الأمة، فهو بهذا يُؤسِّس ويُؤكِّد الأمر باتباع الهدي المحمدي، والتحذير من المخالفات المُبتَدَعة، قال الله تعالى: ﴿... وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ...﴾ [الحشر: 7]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا 69﴾ [النساء: 69].
أيها المسلمون:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا 56﴾ [الأحزاب: 56]، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
***
عنوان الخطبة
التحذير من بدع آخر العام
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن نبينا محمدًا ﷺ بعث بالحنيفية السمحة، وجاء بالرسالة الكاملة، وما مات إلا وقد أكمل الله به الدين؛ فمن ابتدع في الإسلام؛ فقد جاء بشرع جديد، ولقد حذر النبي ﷺ من البدع فقال: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٤)، وأحمد (١٧١٤٤) بسند صححه جمع من أهل العلم].
وَقَالَ ﷺ «إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، [رَوَاْهُ مُسْلِمْ (867)].
وَقَالَ ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» [متفق عليه].
فالابتداع إحداث في دين الله؛ حتى ولو كانت نية من أحدث البدعة حسنة، فحسن النية لا يصحح الفعل ولا القول.
أيها المسلمون: إن من حكمة الله أن يكون كل جيل أقل ممن سبقه في الدين والتقوى، فينقص العلم ويكثر الجهل؛ قال ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ في المقدمة (7)]
فهكذا كان يحذر من المحدثات حتى توفي ﷺ.
ثم قام أصحابه رضي الله عنهم بأداء الواجب من بعده، بنشر السنة والتحذير من البدع، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "اتَّبِعُوا ولَا تَبْتَدِعُوا؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ" [رواه الدارمي (212) وصححه الألباني]، وقال أيضًا: "الاقتِصَادُ فِي السُّنَّةِ أَحْسَنُ مِنَ الاجتهادِ فِي البِدْعَةِ" [رواه الحاكم (352) وصححه الألباني].
وكذلك اشتد نكير أئمة الهدى على من أحدث في دين الله، وابتدع ما لم يأذن به الله، قال الإمام مالك رحمه الله: "مَنِ ابتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً؛ فَقَدْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لأنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿... ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾، فمَا لَمْ يَكُنْ يومَئِذٍ دِينًا؛ فَلا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ أهلَ البِدَعِ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ المَعَاصِي الشَّهْوَانِيَّةِ".
فما أحسن هذا الكلام! وما أحوجنا إلى معرفته، وفهمه! فالحديث عن البدع، والتحذير من خطرها واجب شرعي؛ لأن العمل بالبدعة باب لإماتة السنن، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "مَا أَتَى عَلَى النَّاسِ عَامٌ؛ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حتَّى تَحْيَا الْبِدَعُ، وتَمُوت السُّنَنُ".
فعلينا يا عباد الله- أن نبتعد عن البدع والـمحدثات، وأن نحذر منها، وأن نسير على النهج الذي سنه محمد ﷺ في التحذير منها؛ وهي في غالبها تقليد لأهل الكفر الذين حذر النبي من تقليدهم؛ فقال ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [أخرجه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد (٥١١٤) بسند حسن]، فاحتفل النصارى بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، وهو تاريخ مزعوم، وليس بصحيح؛ فأحدث بعض أهل الإسلام عيدًا لميلاد النبي ﷺ، واحتفل النصارى بعيد رأس السنة الميلادية؛ فحاكاهم بعض المسلمين فاحتفلوا برأس السنة الهجرية؛ حتى أصبحت تعطل الأعمال في بعض البلاد الإسلامية؛ في اليوم السابق له، واليوم اللاحق له.
وفي ختام العام نجد من يزرعون في الناس بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان.
فتجد من يرسل للناس في هذه الأيام عبر شبكات التواصل الاجتماعي رسائل يقول فيها: هذه آخر جمعة أو آخر يوم في العام؛ فلا تفرطوا فيهما بالدعاء؛ فاختموا عامكم بـخيـر.
وما علم هؤلاء المرسلون أن الخاتمة هي خاتمة العمر، وليست خاتمة السنة، وخاتمة العمر ليس لها وقت محدد، فعلينا أن نكون حذرين من الـموت في كل يوم وليلة، بل وفي كل ساعة ولحظة، وليس في آخر وأول يوم في السنة.
وتأتي رسالة تقول: لا تفوتنكم صلاة الفجر جماعة في آخر يوم في السنة!!! فمن الذي جعل الصلاة مع الجماعة في فجر آخر يوم في العام، أو أول يوم فيه مـتمـيزة عن غيرها من الصلوات؟
عباد الله، ومن البدع التي انتشرت في نهاية العام، وبداية العام الجديد: رسائل الحث على صيام آخر أو أول يوم في العام؛ فتأتي البعض منا رسائل تقول: لا يفوتنك صيام آخر يوم في السنة؛ حتى تختتم عامك بخير؛ وإنما الأعمال بالخواتيم، وأخرى تقول: لا يفوتنكم صيام أول يوم في العام؛ حتى تبدأ عامك بـخير.
وصيام شهر الله المحرم هو أفضل الصيام عند الله بعد صيام رمضان؛ لقوله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ» [رواه مسلم (1163)]. لكن يصام لهذا الحديث، لا على أنه أول العام، فمن نوى صيامه لأنه أول يوم في السنة؛ فقد أخطأ وابتدع؛ ومن نوى صيامه لأنه من شهر الله المحرم اقتداء بالنبي ﷺ؛ فقد أصاب السنة، وجافى البدعة.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على عظم نعمه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى.
عباد الله: لا تستهينوا بمثل هذه الأمور، ولا تقللوا من خطرها، فما أصعب نزع البدعة إذا أشربتها القلوب! واستحسنتها الأمزجة والأهواء والعقول! فوأدها قبل استفحالها أيسر منه بعد انتشارها. وقانا الله وإياكم شر البدع! وهدانا للسنن! وجعلنا نقتدي بخير البشر!
اللهم اجعلنا ممن خافك واتقاك، واتبع رضاك.
***
عنوان الخطبة
ذم الاختلاف والفرقة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ من شُرور أنفُسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتَّقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وراقِبُوه في السرِّ والنجوَى.
أيها المسلمون: خلقَ الله آدم واستخلفَه في الأرض لعبادته، فاجتمَعَت ذريَّتُه من بعده عشرة قُرونٍ على توحيدِ الله ومحبَّته، ثم استزلَّهم الشيطانُ فحرَفَهم عن دين الله وطاعتِه، وتفرَّقُوا بعد أن كانوا أمةً واحدةً، قال تعالى في الحديث القُدسي: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِم» [رواه مسلم (2865)].
فذمَّهم الله على اختلافِهم، وبعثَ فيهم رسُلًا لجمع كلمتِهم والتأليف بين قلوبِهم على الحقِّ، قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...﴾ [البقرة: 213]؛ أي: بعد أن تفرَّقُوا.
واصطفَى الله بني إسرائيل وجعلَ فيهم أنبياءَ ورسُلًا، فخالفُوهم ونبذُوا الكتابَ وراءَ ظهورهم، وتفرَّقُوا شِيَعًا وأحزابًا، قال ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَىٰ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَىٰ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» [رواه أهل السنن وصححه جمع من أهل العلم].
وأخبرَ ﷺ بوقوع الفُرقة في هذه الأمة، وكلما تأخَّر العصرُ عن النبُوَّة كثُر التفرُّق والاختِلاف، قال ﷺ: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَىٰ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» [أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (١٧١٤٤) بسند صحيح].
وحذَّر النبي ﷺ من الفُرقة لينجُو منها من شاءَ الله له السلامة، فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ» [رواه الترمذي (2165) وأحمد (23145) بسند حسن].
والله نهَى عبادَه عن التفرُّق فقال: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ...﴾ [آل عمران: 103].
وأخبرَ سبحانه أن سبيلَه واحدٌ، وكلُّ ما خالفَ الكتابَ والسنَّةَ فهي سبُلُ الشيطان تُفرِّقُ الخلق وتُبعِدُهم عن الرحمن.
وأوصَى الله الأُمم بما أوصَى به الأنبياءَ من إقامة الدين والبُعد عن الافتِراق، فقال: ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ...﴾ [الشورى: 13].
وذمَّ سبحانه الفُرقةَ وعابَ على أهلها، فقال: ﴿... وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ176﴾ [البقرة: 176]، ووصفَ حالَهم بقوله: ﴿... كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53].
والسعيُ فيها من خِصال المُنافقين، قال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ...﴾ [التوبة: 107]، وعليها طُبِعُوا: ﴿... تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ...﴾ [الحشر: 14].
وهي من أخصِّ سُنن الجاهِلين، قال ﷺ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [رواه مسلم (1848)].
ونهَى سبحانه عن مُشابهَة أهل الاختِلاف وسُلوك طريقِهم، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ...﴾ [آل عمران: 105].
وبرَّأ الله رسولَه من أهل الفُرقة، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ...﴾ [الأنعام: 159].
وأهلُها مُشاقُّون للرسولِ ﷺ، مُخالِفون للمُؤمنين، قال سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا 115﴾ [النساء: 115].
وأعظمُ الفُرقة: الانحِرافُ عن توحيدِ ربِّ العالمين، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 106﴾ [يونس: 106].
والإحداثُ في الدين مُفارقةٌ لاتباع خيرِ المُرسَلين، قال ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»؛ [متفق عليه].
والخروجُ على الأئمَّة ووُلاة الأمر، ومُنازعةُ الأمر أهلَه فسادٌ عظيم، قال ﷺ: «مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [أخرجه مسلم (1851)، وأحمد (٥٥٥١) واللفظ له].
وأهلُ العلم قُدوةٌ في المُجتمعات، وهم أولَى الناس بائتِلاف قلوبهم، واجتِماع كلمتِهم، والخلافُ بينهم داعٍ لعدم القبولِ منهم، لذا أوصَى النبي ﷺ مُعاذًا وأبا مُوسى رضي الله عنهما، لما بعثَهما إلى اليمن بقوله: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» [متفق عليه].
ونهَى عن الاختِلاف في الحقِّ، فقال: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا»؛ [متفق عليه].
والتفرُّقُ في إقامة الصلاةِ، وعدمُ الاجتماع عليها من استِحواذ الشيطان، قال ﷺ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ» [أخرجه أبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٧) واللفظ لهما، وأحمد (٢١٧١٠) بسند حسن].
وأنكرَ ﷺ التفرُّقَ عند انتِظار الصلاةِ، قال جابرُ بن سمُرة رضي الله عنه: خرجَ علينا رسولُ الله ﷺ فرآنا حلَقًا، فقال: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» - أي: مُتفرِّقين – [رواه مسلم (430)].
ونهَى عن اختِلاف المُصلِّين في صفُوفهم، وتوعَّد أهلَه باختِلاف وجوهِهم، وأخبرَ أن مآلَه اختِلافُ القلوب؛ فاختِلافُ الظاهر سببٌ لاختِلاف الباطِن، قال ﷺ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لِيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» [متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه]
ومُخالفةُ الإمام في الصلاةِ من مظاهر الاختِلاف والفُرقة التي نهَى الإسلامُ عنها، قال ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» [رواه البخاري (722)].
وكما نهَى الإسلامُ عن التفرُّق في أمور الدين، نهاهُم أيضًا عن الفُرقة في أمور الدنيا؛ فالاجتماعُ على الطعام يُورِثُ البركة، والتفرُّقُ فيه يُذهِبُها.
شكَا أناسٌ إلى النبي ﷺ فقالوا: إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، فَقَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَىٰ طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» [رواه أبو داود (3764) وحسنه الألباني].
وتفرُّقُ الرُّفقةِ في السفَر من سبيلِ الشيطان، قال ﷺ: «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَٰلِكُم مِنَ الشَّيْطَانِ» [أخرجه أبو داود (٢٦٢٨)، وابن حبان (٢٦٩٠)، والحاكم (٢٥٤٠) وصححه الألباني].
وفي علاقةِ أفرادِ المُجتمع ببعضِهم نهَى عن التهاجُر والقطيعَة بين المُسلمين، وأخبَرَ أن أبوابَ الجنة تُفتَحُ يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفرُ لكل عبدٍ لا يُشرِكُ بالله شيئًا، إلا رجُلًا كانت بينه وبين أخيه شَحناء، «فُيقالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رواه مسلم (2565)].
ونهَى عن العصبيَّة ودعاوَى الجاهليَّة، قال رجلٌ من الأنصار: يا للأنصار! وقال آخر: يا للمُهاجِرين! فقال ﷺ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» [متفق عليه].
والله لا يُحبُّ اختِلافَ عباده ولا يرضَاه، ولا تكون الفُرقةُ بينهم إلا من عند غير الله، وقد دلَّت أصولُ الشريعة على تحريم كلِّ ما يُوجِبُ الفُرقةَ واختِلافَ الكلمة، وذلك من مقاصِد النهيِ في دينِ المُرسَلين، فجاءَ النهيُ عن كل سبيلٍ قد يُؤدِّي إلى الفُرقةِ بين المُسلمين؛ من سُوء الظنِّ، والحسَد، والتجسُّس، والنَّميمة، والرِّبا، وبيع المُسلم على بيع أخيه، وخِطبته على خِطبته، وتتبُّع عورتِه، والغِشِّ.
وأمرَ الله بأطيَبِ الكلام، ونهَى عن سيِّئِه جمعًا للكلمة، ودفعًا لضِدِّه، فقال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ...﴾ [الإسراء: 53].
وأعظمُ مُوجِبات الفُرقة: الشركُ بالله، فهو داعٍ للاختِلاف وتعدُّد المعبُودات من دون الله، قال تعالى: ﴿... وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ31 مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ...﴾ [الروم: 31، 32].
والإعراضُ عن الكتابِ والسنَّة، أو أخذُ شيءٍ منهما وتركُ بعضِه سبيلُ النِّزاع والشِّقاق، قال سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ...﴾ [المائدة: 14].
واتِّباعُ المُتشابِه من النُّصوص زَيغٌ لأصحابِه وفتنةٌ للخلقِ، ﴿... فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ...﴾ [آل عمران: 7].
ووُلوجُ بابِ الشُّبهات والسَّيرُ وراءَ الشهوات داءٌ أفسَدَ الأُمم، وفرَّق أجيالَها، وسبيلُ كل شيطانٍ مآلُه الفُرقة، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ...﴾ [الأنعام: 153].
وما بغَى قومٌ إلا افترَقُوا، قال تعالى: ﴿... وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ...﴾ [البقرة: 213].
وإذا نشأَ الخلافُ عن هوًى وتعصُّبٍ، أو بغيٍ وتقليدٍ، أو حمِيَّةٍ وتحزُّبٍ، فهو سبيلٌ للفُرقة ويجبُ البُعد عنه.
قال شيخُ الإسلام رحمه الله: "مواضِعُ التفرُّق والاختِلاف عامتُها تصدُرُ عن اتباع الظنِّ وما تهوَى الأنفُس".
والتنافُسُ على الدنيا سببُ العداوة والبغضَاء، قال ﷺ: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَىٰ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَىٰ عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَىٰ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوا فِيهَا كَمَا تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» [متفق عليه].
وإذا تفرَّق الناسُ شِيَعًا وأحزابًا تمكَّن الشيطانُ منهم، قال ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الْاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» [رواه الترمذي (2165) وأحمد (١٧٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٢١٩) وصححه الألباني]
وأقربُ جنود إبليس منه منزلةً أشدُّهم في الأمة فُرقة، قال ﷺ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِّنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» [رواه مسلم (2813)].
والاختِلافُ في الدين، واتباعُ الأهواء والآراء المُضِلَّة تصُدُّ عن صراطِ الله ودينِه، وعن طريقِ الأنبياء ومنهَجهم، فكلُّهم أمرُوا بإقامة الدينِ لله، والاجتِماع على الحقِّ وعدم التفرُّق فيه.
وإذا وقعَ الاختِلافُ فسَدَ دينُ أهله وحُرِمُوا بركةَ الأخذ من الكتاب والسنَّة، وغلبَت الأهواء، وذهبَ سُلطانُ العلم والهُدى.
وبالفُرقة اختِلافُ القلوب، وانقِطاعُ أواصِر الأُخوَّة، قال ﷺ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» [رواه مسلم (432)].
وهي سببُ العداوة والبغضَاء، قال سبحانه: ﴿...وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ...﴾ [آل عمران: 103].
وما تفرَّق قومٌ إلا هانُوا وضعُفُوا، قال سبحانه: ﴿...وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ...﴾ [الأنفال: 46].
وإذا وقعَت في أمةٍ كانت أمارَة سخَط الله عليهم، قال سبحانه: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ...﴾ [الأنعام: 65].
قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: "أي: يُذيقَكم الأهواءَ والاختِلاف".
وعاجلُ عقوبة الفُرقة: تسلُّط الأعداء، والله وعدَ نبيَّه ألا يُسلِّط عليهم عدوًّا من سِوَى أنفسِهم يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمعَ عليه من بأقطارِها، «حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» [رواه مسلم (2889)].
وبالنِّزاع والاختِلاف والفُرقة ضياعُ الحقِّ وهدمُ أصول الدين، ومُشابهَةُ المُشرِكين، وفشُوُّ الضلال والكلام بلا علمٍ، والانشِغالُ بها عن العمل بالدين وتعليمِه والدعوة إليه، مع تعطيل شعائِر الدين الظاهرة؛ من الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر وغيره.
وبها تُرفعُ النِّعم، أُرِيَ النبيُّ ﷺ ليلةَ القدر، فخرجَ ليُخبِرَ بليلةِ القدر، فتلاحَى رجُلان من المُسلمين، فقال: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَىٰ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» [رواه البخاري (49)].
والفُرقةُ قد تُؤذِنُ بذنوبٍ عِظامٍ، وتُفضِي إلى الاقتِتال وسَفك الدماء، قال تعالى: ﴿... وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ...﴾ [البقرة: 253].
ووبالُ الاختِلاف: الهلاك، قال ﷺ: «لَا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا» [رواه البخاري (3476)].
وفي الآخرة تسوَدُّ وجوه أهله، قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ106﴾ [آل عمران: 106].
قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: "تبيَضُّ وجوه أهل السنَّة والجماعة، وتسوَدُّ وجوه اهل البدعة والفُرقة".
ويدُ الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
وبعدُ.. أيها المُسلمون: فالفُرقةُ ذلٌّ وهوان، والنِّزاعُ شرٌّ وبلاء، والاختِلافُ ضعفٌ وحيرَة، والشَّتاتُ فسادٌ للدنيا والدين، وكلُّها تُفرِحُ العدوَّ، وتُوهِنُ من قوة الأمة، وتُؤخِّرُ سيرَ الدعوة إلى الله، وتصُدُّ عن نشر العلم، وتُوغِرُ الصدور، وتُظلِمُ القلوبَ، وتُنغِّصُ المعيشَةَ، وتسلُبُ الأوقات، وتُشغِلُ العبدَ عن عمل الصالحات.
والعاقلُ من أعرضَ عن النِّزاع، واعتصمَ بالكتاب والسنَّة، وأصلحَ نفسَه وغيرَه، وتلك وصيَّةُ النبي ﷺ للأمة للنجاةِ من الفُرقة والاختِلاف.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا 59﴾ [النساء: 59].
باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم ولجميعِ المُسلمين.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمدُ لله على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانِه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
نص الخطبة الثانية
أيها المسلمون: كلُّ من كان للكتاب والسنَّة وآثار الصحابة أتبَع، كان أكملَ وأولَى بالاجتِماع والهُدى، والاعتِصام بحبلِ الله وأبعَدَ عن التفرُّق والاختِلاف والفتنة.
ومن أعظم مقاصِد الإسلام: جمعُ كلمة أهله، والتأليفُ بين قلوبهم، وإصلاحُ ذات بينهم، ولا صلاحَ للخلقِ إلا باجتِماعهم على الحقِّ والدين.
والله حكَمَ بأخُوَّة المُؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ...﴾ [الحجرات: 10].
وشبَّه النبي ﷺ حالَ المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم «مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [متفق عليه].
«وَالمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [متفق عليه].
وتلك نعمةٌ منحَها الله لعباده فضلًا منه وكرَمًا، قال سبحانه: ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ...﴾ [الأنفال: 63].
ويجبُ على المُسلم أن يُحافظَ على هذه النعمة بسلامة الصدر، والنُّصح للناسِ، وحبِّ الخير لهم.
ثم اعلَمُوا أن الله أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ.
***
عنوان الخطبة
أهمية الأخذ بالأسباب
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ 102﴾ [آل عمران:102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نص الخطبة الأولى
أما بعد فيا أيها الناس: من السُّنن الرَّبانيَّة الَّتي تعامل معها النَّبيُّ ﷺ سنَّةُ الأخذ بالأسباب، والأسباب: جمع سبب، وهو كلُّ شيءٍ يُتوصَّل به إلى غيره.
وسنَّةُ الأخذ بالأسباب مقرَّرةٌ في الكون بصورةٍ واضحةٍ، فلقد خلق الله هذا الكون بقدرته، وأودع فيه من القوانين والسُّنن ما يضمن استقراره واستمراره، وجعل المسبّبات مرتبطةً بالأسباب بعد إرادته تعالى؛ فمثلًا جعل عرشه سبحانه محمولًا بالملائكة، وأرسى الأرض بالجبال، وأنبت الزَّرع بالماء… وغير ذلك.
ولو شاء الله ربُّ العالمين؛ لجعل كلَّ هذه الأشياء وغيرها -بقدرته المطلقة- غير محتاجةٍ إلى سببٍ، ولكن هكذا شاء الله تعالى، وحكم؛ وهذا من أجل أن يوجِّه خلقه إلى ضرورة مراعاة هذه السُّنَّة؛ ليستقيم سير الحياة على النَّحو الَّذي يريده سبحانه.
وإذا كانت سنَّة الأخذ بالأسباب بارزةً في كون الله تعالى بصورةٍ واضحة، فإنَّها كذلك مقرَّرةٌ في كتاب الله تعالى، ولقد وجَّه الله عباده المؤمنين إلى وجوب مراعاة هذه السُّنَّة في كل شؤونهم، الدُّنيويَّة والأخرويَّة على السَّواء، قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ105﴾ [التوبة:105]، وقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ15﴾ [الملك: 15].
ولقد أخبرنا القرآن الكريم: أنَّ الله تعالى طلب من مريم عليها السلام أن تباشر الأسباب، وهي في أشدِّ حالات ضعفها، قال تعالى: ﴿وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا25﴾ [مريم:25]، مع ظهور أن فعل هذا السبب لا يأتي بالثمر، لضعفها وقوة الجذع، ولكنه ترسيخٌ لمبدأ الأخذ بالأسباب.
وهكذا يؤكِّد الله تعالى على ضرورة مباشرة الأسباب في كلِّ الأمور، والأحوال، ورسولُ الله ﷺ كان أوعى النَّاس بهذه السُّنَّة الرَّبانيَّة، فكان -وهو يؤسِّس لبناء الدَّولة الإسلامية- يأخذ بكلِّ ما في وسعه من أسباب، ولا يترك شيئًا يسير جزافًا.
إن التَّوكُّل على الله تعالى لا يمنع من الأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يتَّخذ الأسباب من باب الإيمان بالله، وطاعته فيما يأمر به من اتِّخاذها، ولكنَّه لا يجعل الأسباب هي الَّتي تنشئ النَّتائج، فيتوكَّل عليها.
إنَّ الَّذي ينشئ النَّتائج -كما ينشئ الأسباب- هو الله، ولا علاقة بين السَّبب والنَّتيجة في شعور المؤمن.. اتِّخاذ السَّبب عبادةٌ بالطاعة، وتحقُّق النتيجة قدَرٌ من الله مستقلٌ عن السَّبب، لا يقدر عليه إلا الله، وبذلك يتحرَّر شعور المؤمن من التعبُّد للأسباب والتَّعلُّق بها، وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاعته؛ لينال ثواب طاعة الله في استيفائها.
ولقد قرَّر النَّبيُّ ﷺ في أحاديث كثيرةٍ ضرورة الأخذ بالأسباب مع التَّوكُّل على الله تعالى، كما نَبَّهَ ﷺ على عدم تعارضهما؛ فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أنَّ رجلًا وقف بناقته على باب المسجد، وهمَّ بالدُّخول، فقال: يا رسول الله! أُرسلُ راحلتي، وأتوكل؟، وكأنه كان يفهم أن الأخذ بالأسباب ينافي التَّوكُّل على الله تعالى، فوجَّهه النَّبيُّ ﷺ إلى أنَّ مباشرة الأسباب أمرٌ مطلوبٌ، ولا ينافي – بحالٍ من الأحوال – التَّوكُّل على الله تعالى، ما صدقت النِّيَّة في الأخذ بالأسباب، فقال له ﷺ: «بَلْ قَيِّدْهَا وَتَوكَّلْ» [مستدرك الحاكم (6616) والبيهقي في شعب الإيمان (284/2) بسند حسنه الشيخ الألباني]، وفي لفظ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي (2517) وابن أبي الدنيا في التوكل (11) وحسنه الألباني].
وهذا الحديث من الأحاديث الَّتي تبيِّن: أنَّه لا تعارض بين التَّوكُّل والأخذ بالأسباب بشرط عدم الاعتقاد في الأسباب، أو الاعتماد عليها، ونسيان التَّوكُّل على الله؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» [أخرجه الترمذي (2344)، وابن ماجه (4164)، وصححه الشيخ الألباني].
وفي هذا الحديث الشَّريف حثٌّ على التَّوكُّل، مع الإشارة إلى أهمِّية الأخذ بالأسباب؛ حيث أثبت الغدوَّ، والرَّواح للطَّير مع ضمان الله تعالى الرِّزق لها.
اللهم ارزقنا التوكل عليك وبذل السبب يا رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيِّبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد فيا أيها الناس: بعد الحديث عن السبب والأخذ به، وأنه مبدأ شرعي مطلوب من المسلم فعله، يمكن تلخيص هذه القضيَّة، في الأمور التَّالية:
يقرِّر الإسلام مبدأ الأخذ بالأسباب؛ وذلك لأنَّ تعطيل الأخذ بالأسباب تعطيلٌ للشَّرع، ولمصالح الدُّنيا.
الاعتماد على الأخذ بالأسباب وحدها، مع ترك التوكُّل على الله؛ شركٌ.
يربط الإسلام اتخاذ الأسباب بالتَّوحيد، مع الاعتقاد بأنَّ أمر الأسباب كلِّها بيد الله.
ونجد البعض في حال انتشار وباء يرفض الأخذ بالأسباب معللًا ذلك بالتوكل على الله، وغافلًا عن فِعْل السبب الذي هو من التوكل، ومثله: أخذ العلاج كي يشفى المريض، وكلها أسباب يَحْسُن بالمسلم أخذها، ولا تنافي التوكل، كمن يأكل ليعيش، ويتزوج من أجل الولد، ويتَّجر ليكسب المال.
فالأخذ بالأسباب مبدأ شرعي، ومَن تركها عُدَّ من غير العقلاء.
اللهم اكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلوا وسلموا على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
عنوان الخطبة
الخوف
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء: 1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ18﴾ [الحشر: 18].
أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
نص الخطبة الأولى
عباد الله، مما افترض الله على كل أحد منا الخوف منه ومن وعيده؛ قال الله تعالى: ﴿...فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ﴿...فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [النحل: 51]، ومدح أهل الخوف في كتابه وأثنى عليهم.
والخوف من الله ووعده ووعيده، من أعظم ما ينتفع به المسلم في طريقه إلى ربه، فهو أصل كل خير في الدنيا والآخرة، فالقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان، فالطير جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائد وكاسر.
وربما يُظَنُّ أن كل خوف محمود، فكلما كان أقوى وأكثر، كان أحمد، وهذا الظن غلط، بل الخوف سوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل؛ لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى، والأصلح للبهيمة ألا تخلو عن سوط، ولكن ليست المبالغة في الضرب محمودة؛ فالخوف له قصور وإفراط واعتدال، والمحمود هو الاعتدال الوسط، فالخوف المحمود هو الذي يكف الجوارح عن المعاصي، ويقودها إلى الطاعات، وما لم يؤثر في الجوارح، فهو حديث نفس، وحركة خاطر، لا يستحق أن يسمى خوفًا، فكل ما يراد لأمر، فالمحمود منه ما يُفضي إلى المراد المقصود منه، وما يقصر عنه أو يجاوزه، فهو مذموم.
إخواني، يقول ربنا عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ37 وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا38 فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ39 وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ40 فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ41﴾ [النازعات: 37 - 41].
فمن ظَفَرَ بنفسه أفلح ونجح، ومن ظَفَرَت به نفسه خسِر وهلك؛ فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعِيَيْن يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة، وهذا موضع الابتلاء والاختبار، ففعل العبد للأشياء التي يكرهها لمخالفتها هواه وصبره عليها، كشرب الدواء المكروه، فإن هذه الأمور وإن كانت مكروهة من بعض الوجوه، فإنما يفعلها لمحبةٍ وإرادةٍ، وإن لم تكن المحبة لنفسها، بل المحبة لما يؤول إليه؛ فإنه يحب العافية المستلزمة لإرادة شرب الدواء، ويحب رحمة الله ونجاته من عذابه المستلزم لإرادة ترك ما يهواه، فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، لكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة.
ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات، ولا تُقمع الشهوة بشيء كما تُقمع بنار الخوف، فالخوف هو النار المحرقة للشهوات، ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة، وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرِّب إلى الله زُلفى.
فأهل الخوف في الدنيا هم أهل الأمن في الآخرة، فلا يجمع الله على عبده خوفين، فأهل الخوف في الدنيا هم أهل الجنة في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ46﴾ [الرحمن: 46]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ40 فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ41﴾ [النازعات: 40-41]، قال مقاتل: "هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفًا من الله" [تفسير مقاتل بن سليمان: 4/ 202].
أهل الخوف في الدنيا هم الناجون من عذاب الآخرة؛ قال تعالى: ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ 26 فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ 27 إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ28﴾ [الطور: 26- 28].
أهل الخوف في الدنيا هم الممكَّن لهم فيها؛ قال تعالى: ﴿وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ14﴾ [إبراهيم: 14] فوعد بنصر الدنيا، وبثواب الآخرة لأهل الخوف.
أهل الخوف في الدنيا هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم رجلًا ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه [رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031].
إخوتي، قوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله وصفاته وأفعاله، وبعيوب النفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال، وأقل درجات الخوف ما يظهر أثره في الأعمال، فيمنع من المحظورات؛ ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ...﴾ [الأنفال: 2].
فوجل القلب من ذكره يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور وترك المنهي، فإذا همَّ بمعصية أو ترك واجبًا؛ تذكَّر الله أو ذُكِّر بالله، خاف وفعل المأمور وترك المحظور.
ومن أعظم مراتب الخوف هيبة الله عز وجل، وأكثر ما تكون أوقات المناجاة، وهو وقت تملُّق العبد لربه وتضرُّعه بين يديه، واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه، وهذه المناجاة توجب هيبة لله ووقارًا وإجلالًا، وكُلَّما كان العبد بربه أعرف وإليه أقرب، كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم.
ولذا كانت الخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، قال تعالى: ﴿...إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ...﴾ [فاطر: 28]، فهي خوف مقرون بمعرفة.
وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية؛ كما قال ﷺ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا» [رواه البخاري: 20].
ولما اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعه، قيل له في الصلاة، فقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ، قَالَ: «مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» [رواه البخاري: 664، ومسلم: 418].
وأخبر الله تعالى أن كل من خشي الله فهو عالم، فالعلم هو الخشية؛ يقول ربُّنا تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ ...﴾ [الزمر: 9].
فأهل الخوف لله والرجاء له، هم أهل العلم الذين مدحهم الله.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله مؤمِّن الخائفين، والصلاة والسلام على إمام الخائفين.
نص الخطبة الثانية
أما بعدُ:
فمن أسباب تحصيل الخوف: استحضار المَخُوف، وجعله نصب العين؛ بحيث لا يُنسى، فنسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف.
ومن أسباب تحصيله: معرفة عيوب النفس، ومعرفة جلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فإذا كملت المعرفة أورثَت الخوف، ثم يفيض أثره من القلب على الجوارح.
إخواني: الأخبار في فضل الخوف والرجاء كثيرة، وربما سأل سائل فقال: الخوف أفضل أم الرجاء؟ فيقال: الخوف والرجاء دواءَان تُداوى بهما القلوب، ففضلهما بحسب الداء الموجود، فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله تعالى والاغترار به؛ فالخوف أفضل، وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله؛ فالرجاء أفضل، وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية، فالخوف أفضل؛ قال ابن قدامة: "يجب أن يكون واعظ الناس متلطفًا ناظرًا إلى مواضع العلل، معالجًا كلَّ علة بما يليق بها، وهذا الزمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء؛ بل المبالغة في التخويف" [مختصر منهاج القاصدين: ص 300].
لكن في حال الاحتضار يغلِّب الرجاء؛ فعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه مسلم: 2877].
وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه لابنه عند الموت: "اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء وحسن الظن" [قوت القلوب: 1/ 366].
والمقصود من ذلك كله أن يحب المُحتضِرُ لقاءَ الله تعالى، فيحب الله تعالى لقاءه.
سُئل الحسن فقيل له: إنا نلقى أناسًا يخوِّفوننا، فقال: "من خوَّفك حتى تلقى الأمن، خير ممن أمَّنك حتى تلقى المخافة" [رواه عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد: 1454].
إخواني: ألا نخاف الموت قبل التوبة؟ ألا نخاف الميل عن الاستقامة؟ ألا نخاف الاستدراج بتوافر النعم؟ ألا نخاف انكشاف عدم الصدق في عباداتنا؛ حيث يبدو لنا من الله ما لم نكن نحتسب؟ ألا نخاف خاتمة السوء عند الموت؟ ألا نخاف سؤال منكر ونكير؟ ألا نخاف عذاب القبر وهول المطلع؟ ألا نخاف هيبة الموقف بين يدي الله تعالى، والحياء من كشف الستر، والسؤال عن الصغير والكبير؟ ألا نخاف الصراط؟ ألا نخاف من الحجاب عن الله تعالى يوم القيامة؟ فأفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق: هو النظر إلى وجه الرب عز وجل وسماع خطابه، فعن صُهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» ثم تلا هذه الآية: ﴿۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ ...﴾ [يونس: 26]» [رواه مسلم: 181]، فما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين، فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ15 ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ16﴾ [المطففين: 15- 16].
فجمع عليهم نوعي العذاب؛ عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم؛ نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا 56﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ.
***
عنوان الخطبة
الخوف والرجاء
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله العلي الأعلى، ﴿لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ 6 وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى7﴾ [طه: 6-7]، أحمد ربي وأشكره على ما أعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحُسنى، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه البررة الأتقياء.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله -أيها المسلمون- حقَّ التقوى، واعلموا أن الله يعلمُ ما في أنفسكم فاحذروه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ5﴾ [آل عمران: 5].
عباد الله:
إن أعمال القلوب أعظم شيءٍ وأكبرُ شيءٍ؛ فثوابُها أعظم الثواب، وعقابُها أعظمُ العقاب، وأعمالُ الجوارح تابعةٌ لأعمال القلوب ومبنيَّةٌ عليها، ولهذا يُقال: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيةُ الأعضاء جنوده.
عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّىٰ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ» [رواه أحمد: 13048].
ومعنى استقامة القلب: توحيده لله تبارك وتعالى وتعظيمه ومحبته وخوفه ورجاؤه، ومحبة طاعته، وبُغض معصيته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَىٰ صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَٰكِنْ يَنْظُرُ إِلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [رواه مسلم: 2564].
وقال الحسن لرجلٍ: "داوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم" [رواه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول: 240].
وإن من أعمال القلوب التي تبعثُ على الأعمال الصالحة، وتُرغِّب في الدار الآخرة، وتزجُر عن الأعمال السيئة، وتُزهِّدُ في الدنيا، وتكبَحُ جماحَ النفس العاتية: الخوفَ والرجاءَ، الخوف من الله، والرجاء فيما عنده.
فالخوف من الله تعالى سائقٌ للقلب إلى فعل كل خير، وحاجزٌ له عن كل شرٍّ، والرجاءُ قائدٌ للعبد إلى مرضاة الله وثوابه، وباعثٌ للهِمَم إلى جليل صالح الأعمال، وصارفٌ له عن قبيح الفِعال.
والخوفُ من الله مانعٌ للنفس عن شهواتها، وزاجرٌ لها عن غيِّها، ودافعٌ لها إلى ما فيه صلاحُها وفلاحُها.
والخوفُ من الله شُعبةٌ من شُعب التوحيد، يجبُ أن يكون لرب العالمين، وصرفُ الخوف لغير الله شُعبةٌ من شُعب الشرك بالله تبارك وتعالى.
وقد أمر الله تعالى بالخوف منه عز وجل، ونهى عن الخوف من غيره، فقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ175﴾ [آل عمران: 175]، وقال عز وجل: ﴿...فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ...﴾ [المائدة: 44]، وقال عز وجل: ﴿...فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ40﴾ [البقرة: 40].
وعن أنس رضي الله عنه قال: خطبَنا رسول الله ﷺ فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ وَلَهُمْ خَنينٌ. [رواه البخاري: 4621، ومسلم: 2359] أي: لهم صوتٌ من البكاء.
والخوف يُراد به: انزعاجُ القلب واضطرابُه، وتوقُّعه عقوبة الله على فعل مُحرَّمٍ أو ترك واجبٍ أو التقصير في مُستحبٍّ، والإشفاق ألا يقبل الله العملَ الصالح؛ فتنزجِرَ النفسُ عن المُحرَّمات، وتُسارع إلى الخيرات.
والخشية، والوَجَل، والرهبة، والهَيْبة، ألفاظٌ مُتقاربة المعاني، وليست مُرادفةً للخوف من كل وجهٍ؛ بل الخشيةُ أخص من الخوف، فالخشية خوفٌ من الله مع علمٍ بصفاته جل وعلا، كما قال عز وجل: ﴿...إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ...﴾ [فاطر: 28].
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أَمَا إِنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» [رواه البخاري: 5063].
والوَجَل: رجَفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته.
والرهبةُ: الهربُ من المكروه.
والهيبةُ: خوفٌ يُقارنه تعظيمٌ وإجلال.
والله تبارك وتعالى أحقُّ أن يُخشَى وأحقُّ أن يُهابَ ويُرهَب.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبةُ للمُحبِّين، والإجلال للمُقرَّبين، وعلى قدر العلم والمعرفة بالله يكون الخوف والخشيةُ من الله تعالى" [مدارج السالكين: 1/ 508].
وقد وعد الله من خاف منه، فحجزه خوفُه عن الشهوات، وساقَه إلى الطاعات؛ وعدَه أفضل أنواع الثواب، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ46 فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ47 ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ48﴾ [الرحمن: 46 - 48]. والأفنان: هي الأغصان الحسنةُ النضِرة. قال عطاء: "كل غُصنٍ يجمع فنونًا من الفاكهة" [التفسير الوسيط للواحدي: 4/ 226].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ40 فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ41﴾ [النازعات: 40- 41]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ 25 قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ 26 فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ27 إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ28﴾ [الطور: 25 - 28].
فأخبر الله أن من خافَه نجَّاه من المكروهات وكفاه، ومنَّ عليه بحُسن العاقبة.
عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: بلغني أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ...﴾ [التحريم: 6] وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخٌ، فقال الشيخ: يا رسول الله! حجارةُ جهنَّم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَصَخْرَةٌ مِنْ جَهَنَّمَ أَعْظَمُ مِنْ جِبَالِ الدُّنْيَا كُلِّهَا»، قَالَ: فَوَقَعَ الشَّيْخُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَىٰ فُؤَادِهِ فَإِذَا هُوَ حَيٌّ، فَنَادَاهُ قَالَ: «يَا شَيْخُ! قُلْ: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَقَالَهَا، فَبَشَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِنْ بَيْنِنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿...ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ14﴾ [إبراهيم: 14]» [رواه ابن أبي حاتم في التفسير: 7/ 2237].
ولقد كان السلف يغلبُ عليهم الخوف من الله تبارك وتعالى، ويُحسِنون العمل، ويرجون رحمةَ الله عز وجل، ولذلك صلحت حالُهم، وطابَ مآلُهم، وزَكَت أعمالُهم.
قد كان عمر رضي الله عنه يَعُسُّ ليلًا، فسمع رجلًا يقرأ سورة الطور، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، ومرضَ شهرًا يعودونه لا يدرون ما مرضُه.
وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقد سلَّم من صلاة الفجر وقد علاه كآبة، وهو يُقلِّبُ يدَه: "لقد رأيتُ أصحاب محمدٍ ﷺ فلم أر اليوم شيئًا يُشبِههم، لقد كانوا يُصبِحون شُعثًا صُفرًا غُبرًا، بين أعينهم أمثالُ رُكَب المِعزَى، قد باتوا لله سُجَّدًا وقيامًا، يتلون كتابَ الله، يُراوِحون بين جِباههم وأقدامهم، فإذا أصبَحوا ذكروا الله فمادُوا كما يميدُ الشجر في يوم الريح، وهمَلت أعينهم بالدموع حتى تبُلَّ ثيابهم" [رواه ابن أبي الدنيا في مقتل علي: 6].
ومرض سُفيان الثوري من الخوف.
ولما ودَّع عبدُ الله بن رواحة أصحابَه وهو ذاهبٌ إلى غزوة مُؤتة بكى وقال: "واللهِ ما أبكي صبابةً بكم، ولا جزعًا من فِراق الدنيا، ولكني ذكرتُ آيةً من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا71﴾ [مريم: 71]، فكيف لي بالصَّدَر بعد الورود" [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 13/ 179 رقم 428].
والأخبارُ في هذا تطول عنهم رضي الله عنهم.
والخوفُ المحمود: هو الذي يحثُّ على العمل الصالح، ويمنع من المُحرَّمات، فإذا زاد الخوفُ عن القدر المحمود؛ صار يأسًا وقُنُوطًا من رحمة الله، وذلك من الكبائر.
قال ابن رجب رحمه الله: "والقدرُ الواجبُ من الخوف: ما حَمَلَ على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك؛ بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسُّط في فضول المُباحات؛ كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايَد على ذلك؛ بأن أورثَ مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل؛ لم يكن محمودًا" [التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار: ص 28].
وقال أبو حفص النيسابوري: "الخوف سوط الله يُقوِّم به الشاردين عن بابه"، وقال: "الخوف سراجٌ في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر".
وقال أبو سليمان الداراني: "ما فارقَ الخوفُ قلبًا إلا خرِب".
فالمسلمُ بين مخافتين: أمرٌ مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وأمرٌ يأتي لا يدري ما الله قاضٍ فيه.
وأما الرجاء: فهو الطمعُ في ثواب الله تبارك وتعالى على العمل الصالح، فشرطُ الرجاء: تقديم العمل الحسن والكفُّ عن المُحرَّمات أو التوبة منها، وأما ترك الواجبات، واتباع الشهوات، والتمنِّي على الله ورجاؤه؛ فذلك يكون أمنًا من مكر الله لا رجاءً، وقد قال تعالى: ﴿...فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ99﴾ [الأعراف: 99].
وقد بيَّن الله تعالى أن الرجاء لا يكون إلا بعد تقديم العمل الصالح ولا يكون بدونه، قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ29﴾ [فاطر: 29]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ218﴾ [البقرة: 218].
والرجاءُ عبادةٌ لا تُصرف إلا لله تعالى، فمن علَّق رجاءَه بغير الله؛ فقد أشرك، قال تعالى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا110﴾ [الكهف: 110].
والرجاءُ وسيلةُ قُربى إلى الله، فقد جاء في الحديث عن الله تبارك وتعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675].
والواجبُ: الجمعُ بين الخوف والرجاء، وأكملُ أحوال العبد: محبةُ الله تعالى مع اعتدال الخوف والرجاء، وهذه حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين، قال تعالى عنهم: ﴿...إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ90﴾ [الأنبياء: 90]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ16﴾ [السجدة: 16].
فإذا علِمَ المسلمُ شُمول رحمة الله، وعظيمَ كرمه، وتجاوُزه عن الذنوب العِظام، وسعة جَنته، وجزيل ثوابه؛ انبسَطت نفسُه واسترسَلَت في الرجاء والطمع فيما عند الله من الخير العظيم، وإذا علِمَ عظيمَ عقاب الله، وشدةَ بطشه وأخذه، وعسير حسابه، وأهوال القيامة، وفظاعة النار، وأنواع العذاب في النار؛ كفَّت نفسُه وانقمَعت، وحذِرت وخافَت، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ؛ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» [رواه البخاري: 6469، ومسلم: 2755].
وقد جمع الله بين المغفرة والعذاب كثيرًا في كتاب الله عز وجل، فمما قال تبارك وتعالى: ﴿...وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ6﴾ [الرعد: 6]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ98﴾ [المائدة: 98].
نقل الغزاليُّ رحمه الله عن مكحول الدمشقي قال: "من عبدَ الله بالخوف وحده؛ فهو حَروريٌّ، ومن عبدَ الله بالرجاء وحده؛ فهو مُرجئٌ، ومن عبدَ الله بالمحبة وحدها؛ فهو زنديق، ومن عبَدَه بالخوف والرجاء والمحبة؛ فهو مُوحِّدٌ سُنِّي" [ينظر: مجموع الفتاوى: 10/ 81].
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "القلبُ في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلِمَ الرأسُ والجناحان فالطائرُ جيدُ الطيران، ومتى قُطِع الرأسُ مات الطائر، ومتى فُقِد الجناحان فهو عُرضةٌ لكل صائدٍ وكاسرٍ" [مدارج السالكين: 1/ 513].
ولكن السلف استحبُّوا أن يقوَى في الصحة جناحُ الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوَى جناحُ الرجاء على جناح الخوف، فالمحبةُ هي المركب، والرجاءُ حادٍ، والخوفُ سائق، والله المُوصِلُ بمنِّه وكرمه، قال تبارك وتعالى: ﴿۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ49 وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ50﴾ [الحجر: 49- 50].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام والعِزَّة التي لا تُرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عزيزٌ ذو انتقام، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه الكرام.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، وارجوا ثوابَه، واخشَوا عقابَه، واسمعوا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ98﴾ [المائدة: 98]، فخافوا عقابَه، وارجوا رحمتَه وثوابَه.
وقد ثبت عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ يُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَىٰ أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» [رواه البخاري: 6561، ومسلم: 213].
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «سَأَلَ مُوسَىٰ ﷺ رَبَّهُ: مَا أَدْنَىٰ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟! فَيَقُولُ لَهُ: أَتَرْضَىٰ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: لَكَ ذَٰلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَٰذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ» [رواه مسلم: 189].
فالخوف من عذاب الله والرجاء في ثوابه أمرٌ لا بد منه في استقامة المسلم، وفي هذا العصر الذي غلبت فيه القسوة والغفلة وحب الدنيا على القلوب، وتجرَّأ أكثر العباد على الآثام والذنوب، يُقوَّى جناحُ الخوف؛ لتستقيم النفوس، وتزكُو القلوب، وعند الانقطاع من الدنيا يُغلَّب الرجاء؛ لقوله ﷺ: «لَا يَمُتْ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» [رواه مسلم: 2877].
فالخوف من الله يقتضي القيامَ بحقوق الله تعالى، ويُبعِد المسلم عن التقصير فيها، ويحجُز العبدَ عن ظلم العباد والعدوان عليهم، ويحثُّه ويدفعه إلى أداء الحقوق لأصحابها وعدم تضييعها والتهاوُن بها، ويمنع المسلمَ من الانسياق وراء الشهوات والمُحرَّمات، ويجعله على حذرٍ من الدنيا وفتنتها وزخرفها، وعلى شوقٍ إلى الآخرة ونعيمها.
ومن وحَّد الله تبارك وتعالى، وعافاه الله من دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، فقد نجا من شقاوة الدنيا، وكُربات الآخرة، ومن عذاب الله تبارك وتعالى، وفاز بجنةٍ لا يفنى نعيمُها ولا يَبيد.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
***
عنوان الخطبة
القرآن.. يا أمة الإسلام
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الحليم الرحيم، ذي المنة والفضل العميم، له الحمدُ سبحانه حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، وله الحمد على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، وخليلُه وخِيرتُه من خلقه، خيرُ من صلى لله وصام، وأفضلُ من تلا كتابَ ربه وقام، بلَّغ الرسالةَ، ونصحَ الأمَّة، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى من سار على طريقهم واتبع هُداهم إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فأُوصيكم -أيها الناس- بوصية الله للأولين والآخرين في مُحكَم التنزيل: ﴿... وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ...﴾ [النساء: 131].
أيها المسلمون:
إن المرءَ بلا قرآن كالحياة بلا ماءٍ ولا هواءٍ، والقرآن بمثابة الروح للحياة، والنور للهداية، خيرُ جليسٍ لا يُملُّ حديثُه، وتَردادُه يزدادُ به المرءُ تجمُّلًا وبهاءً.
هو الكتابُ الذي من قام يقرأه كأنما خاطبَ الرحمن بالكلِم، ﴿...قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ 15 يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 16﴾ [المائدة: 15- 16].
دخل أبو جهلٍ على الوليد بن المُغيرة يُحرِّضه على النبي ﷺ وعلى ما جاء به من القرآن، فقال أبو جهلٍ للوليد: قُل فيه قولًا يبلغُ قومَك أنك كارهٌ له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكُم رجلٌ أعلمُ بالأشعار مني، ولا أعلمُ برجَزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجنِّ، واللهِ ما يُشبِه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقولِه الذي يقول حلاوةً، وإن عليه لطلاوةً، وإنه لمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يُعلَى، وإنه ليحطِمُ ما تحته.
نعم -عباد الله-؛ هذا هو القرآن الذي أدهشَ العقول، وأبكَى العيون، وأخذ بالألباب والأفئدة، وطأطأت له رؤوسُ الكُفر، ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ 83﴾ [المائدة: 83].
"أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" أن رسول الله ﷺ انطلقَ في طائفةٍ من أصحابه عامدين إلى سوق عُكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهُب، فرجعت الشياطين فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء. قال: ما حالَ بينكم وبين خبر السماء إلا شيءٌ حدث، فاضرِبوا مشارقَ الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حالَ بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجَّهوا نحو تِهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة وهو عامِدٌ إلى سوق عُكاظ وهو يُصلِّي بأصحابه صلاةَ الفجر، فلما سمِعوا القرآنَ تسمَّعوا له، فقالوا: هذا الذي حالَ بينكم وبين خبر السماء".
فهُنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: ﴿... فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا 1 يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا 2﴾ [الجن: 1- 2].
هذا هو حالُ الناس مع كتاب ربهم -إنسِهم وجنِّهم، مُؤمنهم وكافِرهم-، ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا 9﴾ [الإسراء: 9].
إنه ليس شيءٌ أنفعَ للعبد في معاشه ومعاده وأقربَ إلى نجاته في الدارَين من تلاوة كتاب ربِّه آناء الليل وأطراف النهار، وتدبُّره وإطالة النظر فيه، وجمعِ الفِكر على معاني آياته؛ فإن ذلكم يُطلِعُ العبدَ على جوامع الخير والشر وعلى حال أهلها، ويُريه صورةَ الدنيا في قلبه، ويُحضِرُه بين الأمم السالفة، ويُريه أيام الله فيهم والمَثُلات التي حلَّت بهم أو قريبًا من دارهم.
فيرى المُتدبِّرُ غرقَ قوم نوح، ويعِي أثرَ صاعقة عادٍ وثمود، ويعرفُ غرقَ فرعون وخسف هامان، ويستوعِبُ ماهيَّة طريق الشر وعاقبة أهله، وماهيَّة طريق الخير ومآل أهله، ﴿... وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 49].
لقد جعل الله هذا الكتابَ فُرقانًا بين الحق والباطل، من طلبَ الهُدى منه أعزَّه الله، ومن ابتغَى الهُدى من غيره أذلَّه الله.
لقِيَ عمرُ الفاروق رضي الله عنه نافعَ بن عبد الحارث بعُسفان -وكان عمرُ يستعملُه على مكة-، فقال: من استعملتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابنَ أبزى. قال: ومن ابنُ أبزى؟ قال: مولًى من موالينا. قال عُمر: فاستخلفتَ عليهم مولًى؟! قال: إنه قارئٌ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالمٌ بالفرائض. قال عُمر: أما إن نبيَّكم قد قال: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَٰذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» [رواه مسلم: 817].
إنه النورُ الذي لا تُطفَأُ مصابيحُه، والمنهاجُ الذي لا يضِلُّ ناهِجُه، هو معدِنُ الإيمان، وينبوعُ العلم، ومائدةُ العُلماء، وربيعُ القلوب، ودستورُ الحياة برُمَّتها، والشفاءُ الذي ليس بعده داء، ﴿...قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ 44﴾ [فصلت: 44].
كتابٌ محفوظٌ بحفظ الله له، لا يُغيِّره تحريفُ المُحرِّفين، ولا تأويلُ المُبطِلين، ولا عِنادُ الناكِصين، يعلُو ولا يُعلَى عليه، ويودُّ أهلُ الباطل لو غسَلوا آياته وأحكامَه بماء البحر ليُمحَى أثره عن الوجود، ولكن الله غالبٌ على أمره، وهو القائلُ: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 9﴾ [الحجر: 9].
قال يحيى بنُ أكثَم: كان للمأمون -وهو أميرٌ إذ ذاك- مجلسُ نظر، فدخل في جُملة الناس رجلٌ يهودي. قال: "فتكلَّم فأحسن الكلام والعبارة. قال: "فلما أن تقوَّضَ المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيليٌّ؟ قال: نعم. قال له: أسلِم حتى أفعل بك وأصنع. ووعده فانصرف.
فلما كان بعد سنةٍ جاء مُسلِمًا فدعاه المأمون وقال: ألستَ صاحبَنا بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما سببُ إسلامك؟ قال: انصرفتُ من حضرتك فأحببتُ أن أمتحِنَ هذه الأديان، وأنا مع ما تراني حسنُ الخط، فعمدتُ إلى التوراة فكتبتُ ثلاثَ نُسخٍ فزِدتُّ فيها ونقصتُ، وأدخلتُها الكنيسة، فاشتُرِيَت مني. وعمدتُ إلى الإنجيل فكتبتُ ثلاثَ نُسخٍ فزِدتُ فيها ونقصتُ، وأدخلتُها البَيعة، فاشتُرِيَت مني. وعمدتُ إلى القرآن فعملتُ ثلاثَ نُسخٍ وزِدتُ فيها ونقصتُ، وأدخلُتها إلى الورَّاقين، فتصفَّحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رمَوا بها فلم يشتَروها. فعلِمتُ أن هذا كتابٌ محفوظ، فكان سببَ إسلامي" [البيهقي في دلائل النبوة: 7/159-160].
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ 41 لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ 42﴾ [فصلت: 41- 42].
هذا هو كتابُ الله الكريم الذي نزل به الروح الأمين؛ فما نحن صانِعون فيه؟! أيكون رائِدَنا ودستورَنا في حلِّنا وترحالنا، وغضبنا ورضانا، ومنشطنا ومكرهنا؟! أم أنه سيكون ضيفًا على الرفوف لا يلحقُه البرُّ إلا في رمضان؟!
أنعتصِمُ به ونعَضُّ على أنواره بالنواجِذ أم نكون كالعِيسِ في البيداء يقتُلها الظمَأ والماءُ فوق ظهورها محمول؟! أم تكون أسماعُنا كالأقماع فتدخل الآياتُ مع اليُمنى وتخرجُ مع اليُسرى.
أخرج مسلم في "صحيحه" أن الله قال لنبيه ﷺ: «إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ» [مسلم: 2865].
قال الحسن البصري رحمه الله: "إن هذا القرآن قد قرأه عبيدٌ وصبيان لا علمَ لهم بتأويله، وما تدبُّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأتُ القرآن كلَّه فما أسقطتُ منه حرفًا، وقد والله أسقطَه كلَّه، ما يُرى له في خُلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأُ السورةَ في نفسٍ واحدٍ، والله ما هؤلاء بالقُرَّاء ولا بالعلماء ولا الحكماء ولا الورَعة" [ابن المبارك في الزهد: 793].
ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وأرُوا اللهَ من أنفسكم قُربًا من كتابه تلاوةً وتدبُّرًا وعملًا وهدايةً، ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ 32﴾ [فاطر: 32].
باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمن الله، وإن خطًا فمن نفسي والشيطان، وأستغفرُ الله إنه كان غفَّارًا.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانِه.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله-، واغتنموا هذا العُمر في تلاوة كتابه وتدبُّر آياته، والنَّهل من عِبَره وعِظاته؛ إذ فيه نبأُ مَن قبلَنا، وخبرُ ما بعدنا، وفصلُ ما بيننا، فطُوبَى لمن تدبَّر كتابَ ربه حقَّ تدبُّره، وهنيئًا لمن تقشعِرُّ منه جلودُهم وتلينُ جلودُهم وقلوبُهم إلى ذكر الله، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ 37﴾ [ق: 37].
ولعل أمة الإسلام تعيشُ صورًا جديدةً من التدبُّر والتأمُّل مع كتاب ربها بعد هذه الأحداث المُتسارعة والزوابع المُدلهِمَّة لتقول بلسان حالِها: ما أشبَه الليلة بالبارحة، واليوم بالأمس، وها هو التاريخُ يُعيدُ نفسَه.
نعم، إن لسانَ حالها يقول: لقد كنا نظنُّ أن فرعون وقارون وهامان والنمرود وذا النواس شخوصٌ طواها التاريخ، فلن تتكرَّر على مر الزمان، وإذا بأمة الإسلام تُشاهِدُ أكثرَ من فرعون ممن يستبيحُ الأرواح والأعراضَ، ممن علا في الأرض وجعل أهلَها شِيعًا يستضعِفُ طائفةً منهم يُذبِّحُ أبناءَهم ويستحيِي نساءَهم.
نعم، لقد قرأنا جرائمَ فرعون الأول فظنَّنا أنها قصصٌ لن يكون لها ضَريب، لقد شاهَدنا منهم القتلَ والتشريدَ، وشاهَدت جموعُ المسلمين الظلمَ والاضطهادَ واستباحةَ الأعراض، ورأينا من يئِدُ الناسَ وهم أحياء، ورأينا من يُنشَرون بالمناشِير ومن يُحرَقون بالنيران، وكأنَّ مشاهد قوم فرعون وأصحاب الأخدود والجاهلية الجهلاء تقعُ أمام ناظِرنا، بعد أن كانت أخبارًا تُتلَى وتُسمَع.
وإن كان فرعون الأول قد قال لقومه: ما علِمتُ لكم من إلهٍ غيري، فإننا قد رأينا وسمِعنا ضريبَ قول فرعون، فامتُحِن الناسُ في تأليه طواغيتهم، وأكرهوا الناسَ على السجود لصورهم، ودمَّروا البلادَ والعبادَ انتقامًا وظلمًا وعدوانًا ليكون مثلُ هؤلاء الحاكمَ بأمره، وكأنه وأمثالُه يُجدِّدون مقولةَ فرعون الأول: ﴿... مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ29﴾ [غافر: 29]، ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 76 وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 77﴾ [النمل: 76- 77].
﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ 127 قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ 128 قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ 129﴾ [الأعراف: 127- 129].
هذا وصلُّوا -رحمكم الله- على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، ودعاكم -أيها المؤمنون-، فقال جل وعلا: ﴿...يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا 56﴾ [الأحزاب: 56]، وقال صلوات الله وسلامه عليه: «مَنْ صَلَّىٰ عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [مسلم: 408].
***
عنوان الخطبة
أفلا يتدبرون القرآن
مقدمة الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ العزيزِ الغفارِ، الواحدِ القهارِ، الجليلِ الجبارِ، ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ 5﴾ [الزمر: 5].
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريك لهُ، ولا ربَّ لنا سواهُ، ﴿... يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ [الرعد: 8].
وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولهُ، ومجتباه وخليله، المصطفى المختار، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آله الأطهار، وصحابتهِ الأخيار، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ وتدبروا القرآنَ، فإنمَّا تزكو القلوبُ وتصِحُ بتدبُّر القرآنِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ 24﴾ [محمد: 24]، وطهِروا أنفسكم وزكوها بالصدقات: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...﴾ [التوبة: 103]، وتعلموا ما ينفعكم ويرفعكم، ﴿...يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ...﴾ [المجادلة: 11]، وجاهدوا النّفسَ الأمارةَ بالسوء في ذات اللهِ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 69﴾ [العنكبوت: 69].
معاشر المسلمين الكرام: لا يخفى على مُسلمٍ أن ذِكر الله تبارك وتعالى، هو أفضلُ ما يفعلهُ العبدُ استثمارًا لأوقاته الفاضلة؛ فقد جاء في الحديث الحسن: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَىٰ، قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَىٰ» [رواه الترمذي: 3377، وأحمد: 27525، وابن ماجه: 3790 وصححه الألباني].
ولا شك يا عباد الله أن أفضلَ الذكرِ هو قراءةُ القرآنِ الكريم، فالقرآنُ الكريم: سميرُ القلوبِ ومُستراحُها، وأنيسُ الأرواحِ وروْحها، ونورُ الصدورِ وانشراحُها، ونعيمُ العقولِ وغِذاؤها، ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 51﴾ [العنكبوت: 51].
القرآنُ المبين: هُدىً لا تنطفئُ أنواره، وبحرٌ لا تنتهي أسرارُه، ومنهجٌ لا يضِلُ مناره، وبرهانٌ لا يُغلبُ مداره، وعزٌ لا يُهزم أنصاره، ﴿كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 3﴾ [فصلت: 3]، ﴿وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 52﴾ [الأعراف: 52].
القرآنُ المجيد: عزٌ تليدٌ لمن تولاه، وسُلَّمٌ مُوصِلٌ لمن ارتقاه، وهُدىً مُستقيم لمن استهداه، تلاوتهُ درجات، وتدبّرهُ فُتوحات، وكُل حرفٍ منه بعشر حسنات، ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 29﴾ [ص: 29].
القرآنُ الكريم: هو الصراطُ المستقيمُ الذي لا تميلُ به الآراء، والذكرُ الحكيمُ الذي لا تزيغُ به الأهواء، والكتابُ العجيبُ الذي لا يشبعُ منهُ العلماء، من قالَ به صدق، ومن حكمَ به عدل، ومن عمِلَ به أُجِر، كلما ازدادت البصائر فيه تفكرًا، زادها هِدايةً وتبصرًا، ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 155﴾ [الأنعام: 155].
القرآنُ الحكيم: متانةُ بُنيان، وإشراقةُ بيان، وقوةُ بُرهان، وظهورُ سُلطان، ومعانٍ حِسان: ﴿...كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1﴾ [هود: 1].
القرآنُ الكريم: أسماؤه كثيرة، ونُعوتهُ مُتعددة، وصفاتهُ مُتنوعة، فهو القرآن الكريم، وهو الكتابُ العزيز، وهو النورُ المبين، وهو الذكرُ الحكيم، وهو الفرقان، وهو الروحُ، والتبيان، وهو المجيد والعزيز، والعليُ والمبارك.. وهو البصائِرُ وهو الشفاءُ، والآياتُ البينات، وهو المحفوظُ وهو المهيمنُ والميسَّرُ للذكر.. وهو حبلُ الله المتين، والصراطُ المستقيم، وهو العروةُ الوثقى، وهو الكلمةُ الطيبة وهو الموعظةُ والذكرى.. وهو البشيرُ والنذيرُ وهو البشرى، وهو الوحيُ وهو الرحمةُ وهو الهُدى.. وهو الحقُّ، وهو القولُ الفصلُ، وهو التـنـزيلُ العزيزُ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه.. أقسمَ الله جلَّ وعلا به فقال: ﴿يسٓ 1 وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ2﴾ [يس: 1 – 2]، وحمِدَ اللهُ تعالى نفسَهُ على إنزاله فقال: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ 1﴾ [الكهف: 1].
وعظَّمَ ذاتَهُ العليَّةَ بإنزاله فقال: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا 1﴾ [الفرقان: 1]، ونوهَ على عظمته فقال: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ 87﴾ [الحجر: 87]، وأشادَ بعلو منزلته وشرفه فقال: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ 44﴾ [الزخرف: 44]، وبين أنهُ أحسن الحديث وأفضلُه فقال: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ 23﴾ [الزمر: 23]، وكتبَ له العلُوَّ والرفعة، فقال: ﴿حمٓ 1 وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ 2 إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 3 وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ 4﴾ [الزخرف: 1 - 4]، ووصفهُ بأنه روحٌ ونورٌ وهُدى، فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 52﴾ [الشورى: 52].
وأقسَمَ اللهُ تعالى في سُورةِ الواقعةِ بقسَمٍ ما أقسم الله بمثله أبدًا؛ فقالَ جلَّ وعلا: ﴿۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ 75 وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ 76﴾ [الواقعة: 75- 76]، فالقسَمُ عظِيمٌ ليتناسبَ مع عَظمةِ جَوابِ القسَمِ، وهو قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ 77﴾ [الواقعة: 77].
فاللهُ تعالى يُقسِمُ قَسَمًا عظِيمًا على أنَّ هذا القُرآنَ كريمٌ، كثِيرُ العَطاءِ، ثمَّ إنَّ هذا العَطاءَ القرآنيَ الكثيِرَ، فيهِ بركةٌ عَظِيمةٌ، تأمل قولَه تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 29﴾ [ص: 29]، والشَّيُ المباركُ هو الكثِيرُ النَّفعِ، أي: أنَّ القَدْرَ القَليلَ مِنهُ أفضل من القَدْرِ الكثيرِ ممَّا لا بركةَ فيه، فلو كانَ العطاءُ القُرآنيُّ قَلِيلًا، وفيهِ بركةٌ، لكانَ عَظِيمَ النَّفعِ كثيرَ الفائدة، فكيفَ إذا كان العَطاءُ القُرآنيُّ كثيرٌ ومُبارَك، فهو نُورٌ على نُورٍ.
تأمَّلُوا هذا الحديثَ الحسن: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ -يَعْنِي صَاحِبَهُ - فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَىٰ عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْتَقِ، وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً» [رواه الترمذي: 2915، وأحمد: 10087 وحسنه الألباني].
وتأمَّلْوا أيضًا هذا الحديث الصحيح: «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» [رواه ابن ماجه: 215، وأحمد: 12279، وصححه الألباني].. فإذا كانَ القرآنُ الكريمُ المباركُ، سَيُوصِلُ صَاحِبهُ لأنْ يُلبَسَ حُلَّةَ الكَرامَةِ، ويوضعُ على رأسه تاجُ الكَرامَةِ، ويَرضَى اللهُ عنهُ على رؤوس الخلائق، ويجعَلَهُ مِنْ أهلِهِ وخَواصِهِ، فهَلْ بعدَ هذا الكَرمِ من كَرمٍ، وهلْ بعدَ هذهِ البرَكةِ من بركةٍ، من أجل هذا جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَىٰ سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا» [أخرجه الطبراني في الكبير: (٢٠/٩٣) (١٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان: ٥١٢، وابن السني في عمل اليوم والليلة: ٣، وضعفه الألباني وحسنه الحافظ الدمياطي والمنذري والسيوطي].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ 29 لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ 30﴾ [فاطر: 29- 30].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 18﴾ [الزمر: 18].
نص الخطبة الثانية
معاشر المسلمين الكرام: لا شك أن أفضل ما يَعمُرُ به المسلمُ وقتهُ هو تلاوةُ كتابِ ربه، وتدبره ومدارسته والعناية به، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ...﴾ [البقرة: 121]، وقال جلَّ وعلا: ﴿... وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وقال تبارك وتعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 29﴾ [ص: 29]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 204﴾ [الأعراف: 204]، وقال جلَّ وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ...﴾ [النساء: 82]، فلَا شَيْءَ أَصْلَحُ لأحْوَالِ المسلمِ، ولا أعظمَ لهُ بركةً ونفَعًا، مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ الكريمِ، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه [مدارج السالكين]: "ليس شيءٌ أنفعَ للعبد من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معانيه.." ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، ولو أن قارئ القرآن إذا مرَّ بآية وهو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه، وعلاج دائه، كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة كاملة، فذلك خيرٌ له وأنفعُ من قراءة ختمةٍ كاملةٍ بغير تدبرٍ وتفهم.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ...﴾، فمن تدَبَّرَ القُرآنَ دَلَّهُ على كًلِّ خَيرٍ، وحَذَّرَهُ مِنْ كُلِّ شّرٍّ، وأبانَ لهُ الحلالَ والحرَامَ، وعَرَّفَهُ بأسمَاءِ رَبِّهِ الحُسْنَى، وصِفَاتِهِ العُلَى، وشَوَّقَهُ إلى ثَوابِهِ العَظِيمِ، وخَوَّفَهُ من عِقَابِهِ الألِيمِ، ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 51﴾ [العنكبوت: 51].
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ...﴾، فيقْرؤُونَهُ قِراءَةً مُرَتَّلةً، مُتَأنِّيةً مُتَرَسِّلَةً، بحضُورِ قَلبٍ، وإعمَالِ عَقلٍ.. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ37﴾ [ق: 37].
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ...﴾، فالآيَةُ مِنهُ كالتَّمرةِ، كُلَّمَا مَضَغْتَها أكْثرَ ازدَادَتْ حَلاوتُها.. وكُلَّمَا كَشفْتَ مِنهَا وَجْهًا، بانَ لكَ مِنْ تَحتِهِ وُجوهٌ كَثيرةٌ، قال جلّ وعلا: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ16﴾ [الحج: 16].
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ...﴾، فَيتَدَارَسُونَ آيَاتِهِ، ويَسْتَلْهِمُونَ هِدَاياتِهِ، ويَسْتَشْفُونَ بعِلاجَاتِهِ، ويَتخَلَّقُون بإرشَاداتِهِ وتَوجِيهَاتِهِ، فَيُحَقِقوا مُرادِ اللهِ، وينَالُونَ مَرْضَاتِهِ.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ...﴾، فَتنْحَلَّ أقْفَالُ قُلُوبِهم، ويَنْجَلِي الرَّانُ عَنْها، فلا يَشْبَعونَ مِنْ كَلامِ رَبِهِم.
يقول علامة الجزائر الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله: "فوالله الذي لا إله إلا هو ما رأيت وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب أعظمَ إلانة للقلب، ولا استدرارًا للدمع، ولا إحضارًا للخشية، ولا أبعثَ على التوبة، من تلاوة القرآن وسماعه.." [آثار ابن باديس].
فتعاهدوا يا عباد الله كتاب ربكم وأكثروا من تلاوته وتدبره والعناية به، ففي الحديث الصحيح: أن «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا..» [رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني]، وفي صحيح مسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ»، وفيه أيضًا: «إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ» [مسلم: 804]
اللهم فاجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك..
***
عنوان الخطبة
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، أحمده سبحانه رضي لنا الإسلام دينًا وجعلنا خير أمة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تكون لمن استمسك بها خير عصمة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله بعثه للعالمين رحمة، اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه صلاةً تكون لنا نورًا في الدجى والظلمة.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله؛ فتقوى الله خير زادٍ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
أيها المسلمون:
إن حرص المرء على سلامة دينه، وحسن إسلامه، وصحة إيمانه؛ دليلٌ ظاهرٌ، وآيةٌ بينة، وبرهانٌ شاهدٌ على رجاحة عقله، واستقامة نهجه، وكمال توفيقه؛ فدين المسلم – يا عباد الله - هو دليله، وقائده إلى كل سعادةٍ في حياته الدنيا، وإلى كل فوزٍ ورفعةٍ في الآخرة؛ لما جاء فيه من البينات والهدى الذي يستعصم به من الضلال، وينأى به عن سبل الشقاء ومسالك الخسران، ولقد أرشد رسول الله ﷺ، وهو الحريص على كل خير لأمته الرؤوف الرحيم بها - إلى أدبٍ جامع، وخصلةٍ شريفة، وخلقٍ كريم، يحسن به إسلام المرء، ويبلغ به الغاية من رضوان الله.
وذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي، وابن ماجه في سننهما، وابن حبان في صحيحه، بإسنادٍ حسنٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». [أخرجه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976)، وابن حبان (229)، بينما أخرجه الإمام مالك في الموطأ (2628)، من مرسل علي بن الحسين وهو الصواب].
وهذا الحديث كما قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: "من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحدٌ قبله ﷺ؛ لأن من حسُن إسلامه ترَكَ ما لا يعنيه من الأقوال والأعمال؛ إذ الإسلام يقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات، وإذا حسُن الإسلام استلزم ذلك ترك ما لا يعني من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات، وهي القدر الزائد على الحاجة منها.
فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمُل إسلامه، وبلغ درجة الإحسان الذي أوضح رسول الهدى ﷺ حقيقته في حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»" [أخرجه مسلمٌ في صحيحه (8) من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه].
ومن عبَد الله على استحضار قربه من ربه أو قرب ربه منه؛ فقد حسُن إسلامه، ولزِم لذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، واشتغل بما يعنيه من صحة اعتقاد، وكمال إيمان، وصلاح عمل، وطلب ما هو من ضرورات معاشه لا قيام لحياته بدونه من ألوان المباحات.
وعلى العكس من ذلك، من أضاع نفائس الأوقات فيما لم تخلق له باشتغاله بما لا يعنيه، فينصرف عما ينفعه، ويرتفع بمقامه ويبلغ به صحيح الغايات، وشريف المقاصد، وكريم المنازل، فخسر هنالك خسرانًا مبينًا، ألا وإن من اشتغال المرء بما لا يعنيه: تعلُّم ما لا يُهم من العلوم، وترك الأهم منها مما فيه صلاحُ قلبه، وتزكية نفسه، ونفع إخوانه، ورفع شأن وطنه ورقي أمته، ومنه أيضًا عدم حفظ اللسان عن لغو الكلام، وعن تتبع ما لا يُهم، ولا ينفع تتبعه من أخبار الناس وأحوالهم وأموالهم ومقدار إنفاقهم وادخارهم وإحصاء ذلك عليهم، والتنقيب عن أقوالهم وأعمالهم داخل دورهم وبين أهليهم وأولادهم بغير غرضٍ شرعيٍ سوى الكشف عما لا يعنيه من خاص شئونهم وخفي أمورهم.
ومن ذلك أيضا: تكلُّم المرء فيما لا يحسن ولا يتقنه مما لم يعرف له اختصاص فيه ولا سابق إلمام وخبرة به، وما ذلك إلا لطب التسلي وإزجاء الوقت وإضاعته في تصدُّر المجالس وصرف الأنظار إليه، وقد يخرج به ذلك إلى الخوض إلى ما لا يجوز الخوض فيه من أحاديث الفواحش والشهوات ووصف العورات وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ونشر قالة السوء وبث الشائعات والأكاذيب والأخبار المفتريات، وقد يجتمع على ذلك ولعٌ بما يسمى بـ(التحليلات والتوقعات) المبنية في غالبها على الظنون والأوهام والمجازفات والجرأة على الباطل بتصويره في صورة الحق، وكل ذلك مما لا يصح توقعه ولا الخوض فيه ولا الاستناد إليه ولا الاغترار به ولا العمل بمقتضاه.
ألا وإن مما يعين على ترك المرء ما يعنيه: تذكر أن الواجبات أكثر من الأوقات وأن العمر قصير كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه في سننهما والحاكم في مستدركه بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَٰلِكَ» [الترمذي (3550) وابن ماجه (4236) وحسنه ابن حجر والألباني].
فمثل هذا العمر الذي لا يكاد يتسع لما يلزم ويجب أفيتسع للفضول وما لا يعني؟ والمرء أيضا مسئول عن عمره فيما أفناه كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّىٰ يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» [أخرجه الترمذي (2417) والدارمي (554) وصححه الألباني]، وما يلفظ الإنسان من قول إلا وهو مسطَّرٌ في صحائفه مجزيٌّ به ليعلم أن للكلمة مسئوليةً وتبعةً كما قال عز من قائل: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ 16 إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ 17 مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ18﴾ [ق: 16-18]؛ وظاهر الآية -كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أن " الملك يكتب كل شيء من الكلام، ويؤديه عموم قوله سبحانه: ﴿...مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ...﴾؛ فهو شامل لكل قول..
وقد أخرج الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم بإسنادٍ صحيحٍ عن علقمة الليثي عن بلال بن الحارث رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَىٰ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَىٰ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَاهُ». [مالك في الموطأ (2818) وأحمد (15852) والترمذي (2319) وابن ماجه (3969) وأصله في صحيح البخاري (6478)]
فكان علقمة الليثي رحمه الله يقول: "كم من كلامٍ قد منعني منه حديث بلال بن الحارث؛ أي هذا الحديث وما فيه من وعيد".
أما حكم التصدر وصرف الأنظار فهو مقصودٌ ذميم وخصلةٌ مرذولةٌ لا يجتني من بُلِي بها سوى المقت من الله ومن الذين آمنوا.
فاتقوا الله عباد الله واعملوا على الاقتداء بالصفوة من عباد الرحمن في ترك ما لا يعني من الأقوال والأعمال، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولي الألباب.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ﷺ.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله الذي يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم، أحمده سبحانه وهو البر الرؤوف الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب النهج الراشد والخلق القويم، اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أفضل صلاةٍ وأتم تسليم.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا عباد الله نُقِل عن الحسن البصري رحمه الله قوله: "من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه" [«التمهيد لابن عبد البر» (6/ 328)].
فعلى العاقل الذي يرجو الله والدار الآخرة إذن أن يقبل على شأنه حافظًا للسانه بصيرًا بزمانه، وأن يعُد كلامه من عمله؛ فإن من عَدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه.
ذلك أن أكثر ما يقصد بترك ما لا يعني -كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "حِفْظ اللسان عن لغْو الكلام، وحسبه ضررًا أن يشغل صاحبه عن ألوانٍ كثيرةٍ من الخير الذي يسمو به مقامه ويعلو به قدره وتشرف به منزلته وتطيب به حياته وتحسن به عاقبته".
ألا فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم، واذكروا على الدوام أن الله تعالى قد أمركم بالصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين ورحمة الله للعالمين، فقال سبحانه في الكتاب المبين: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
***
عنوان الخطبة
فضل العلم الشرعي وسبل تحصيله
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
معاشر المؤمنين عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن من اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، ثم اعلموا رعاكم الله أن مكانة العلم في الدين عظيمة ومنزلته رفيعة فقد فضَّل الله جلّ وعلا العلم وأهله ورفع مكانة العلماء، وميَّز بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، قال الله تبارك وتعالى: ﴿...يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ...﴾ [المجادلة: 11]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿... قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 9] وقال جل وعلا: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ22﴾ [الملك: 22]، وقال جل وعلا: ﴿۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ...﴾ [الرعد: 19] والآيات في هذا المعنى كثيرة وفيرة.
والسنة عباد الله مليئةٌ بالأحاديث العظيمة المنوِّهة بالعلم، المبيِّنة لشرفه وعظيم فضله، والترغيب في تعلمه وتحصيله، وبيان مكانة العلماء وشرف قدرهم عند الله، يقول ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا؛ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنِ اخْتَارَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [رواه أحمد (21715)، وأبو داود (3641)، والترمذي(2682)، وأصله في الصحيحين]، وقال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهِهُ فِي الدِّينِ» [متفق عليه]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة عباد الله، ولهذا فإن المسلم عظيم العناية بالعلم، شديد الرغبة في تحصيله لعظم مكانة العلم في قلبه، ولعظم منزلته في نفسه، ولما يراه من الآثار الحميدة، والعوائد المباركة على تحصيل العلم واكتسابه ونيله.
معاشر المؤمنين إننا نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا فغدا عباد الله يتوافد طلاب العلم على المدارس، ويتزاحمون على أبوابها، مبتدئين عامًا دراسيًا جديدًا كلٌّ يتوجه إلى مرحلته لتلقي العلم وتحصيله، ولكن عباد الله ونحن نستقبل هذا العام ونبتدئ أيامَه هل تحرَّر في أذهاننا غاية العلم والمراد منه؟ هل تبين لنا ماذا ينبغي أن نتعلم وما مكانةُ العلم ومنزلتُه؟ هل تحرر لدينا كيفيةُ التحصيلِ والسبلُ النافعةُ لنيلِ العلم واكتسابه؟
عباد الله: ثلاثة أسئلة ينبغي أن تتوارد في الأذهان وتدور في الخواطر:
السؤال الأول: لماذا نتعلم؟
والسؤال الثاني عباد الله: ماذا نتعلم؟
والسؤال الثالث: كيف نتعلم؟
فهذه أسئلة ثلاثة مهمة، ينبغي على كل طالب علم أن يوردها على ذهنه، وأن يجيلها في خاطره، وأن يحرر جوابها لديه ليكون سيره في التعلم وخطواته في التحصيل سيرًا حثيثًا وخطوات ثابتة يبلغ فيها الغاية المأمولة والهدف المنشود.
طالب العلم عليك أن تورد هذه الأسئلة الثلاث على نفسك: لماذا أتعلم؟ وماذا أتعلم؟ وكيف أتعلم؟
أما السؤال الأول -عباد الله- فإن جوابه عند الناس متفاوت بتفاوت أغراضهم، وتباين مقاصدهم ونياتهم؛ إلا أن المؤمن الصادق والمسلم الموفق يطلب العلم لغاية واحدة وهدف محدد ألا وهو نيل رضا الله جلّ وعلا؛ لأن الله عز وجل أمره بالعلم، ودعاه إلى تحصيله، ورغَّبه في نيله، ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ 2 ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ 3﴾ [العلق: 1 - 3] فهو يتعلم؛ لأن ربَّه وخالقه وسيِّده ومولاه أمره بالعلم، ورغَّبه فيه، وحثَّه على الاستزادة منه، قال الله جلّ وعلا مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿... وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾ [طه: 114]، فالمسلم يتعلم لينال بتعلمه رضا الله، ولينال بالعلم الفلاح والسعادة والرفعة في الدنيا والآخرة، فإن ذلك منوط بالعلم النافع الصحيح المتلقى من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ﷺ، المسلم الموَفَّقُ عباد الله يتعلم اقتداءً بإمام العلماء، وقدوة الخلق عليه الصلاة والسلام الذي امتثل أمر ربه في طلب العلم وتحصيله، ودعا أمَّته إلى العلم ورغَّبها فيه، وقد مرَّ معنا شيء من أحاديثه المنيفة المرغِّبة في العلم والداعية إلى تحصيله، فلأجل هذا عباد الله يتعلم المسلم ولهذا فلا بد من نية صادقة، لابد من نية صادقة مع الله جلّ وعلا تنوي بتحصيل العلم رضا الله جل وعلا وابتغاء ثوابه سبحانه، يقول الإمام أحمد إمام أهل السنة رحمه الله: "العلم لا يعدله شيء إذا صلحت النية، قيل: وما صلاحها؟ قال: أن تنوي بالعلم رفع الجهل عن نفسك وعن غيرك" [الآداب الشرعية لابن مفلح]، عباد الله والنية تحتاج إلى معالجة ومجاهدة؛ لأن النفس تتفلت والأغراض تتباين فلا بد من مجاهدة للنفس على استصلاح نيتها وإطابة مقصدها، وقد قال ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى» [متفق عليه].
وأما السؤال الثاني عباد الله: ماذا أتعلم؟ فإن خير العلوم وأكملَها وأتمَّها وأزكاها وأطيبها علوم الشريعة، علم قال الله وقال رسول الله ﷺ فإن هذا أزكى العلم على الإطلاق وأطيبه وأنفعه، والآيات والأحاديث التي فيها تفضيل العلم ومدح العلماء والثناء عليهم المراد بالعلم فيها هذا العلم علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، علم الغاية التي خُلق العبد لأجلها وأوجد لتحقيقها علم التوحيد والعقائد الدينية الصحيحة وعلم أركان الإسلام ومباني الدين وعلم الحلال والحرام، فهذا عباد الله أزكى علم وأطيبه على الإطلاق، ومن هذا العلم ما لا يُعذر أحد بجهله يجب على كل مسلم أن يتعلمه وذلك ما لا يتم الواجب إلا به: كيف تصلي، وكيف تصوم، وكيف تعبد الله، وكيف تبتعد عن الشرك وتُخلِصُ العبادة لله، وكيف تبيع بيعًا صحيحًا سالمًا من البيوع المحرمة، إلى غير ذلك من العلوم الواجبة المتأكد علمها على كل مسلم، ثم عباد الله يزداد المسلم علمًا، ويحرص على تعلم علوم الشريعة قراءة وتدبرًا لكتاب الله ودراسة ،وتفهمًا لسنة رسول الله، وتفكرًا وتأملًا في سيرة رسول الله ﷺ، وتبصرًا في هدي الصحابة رضي الله عنهم وتاريخ الأمة المجيد إلى غير ذلك من علوم الشريعة ومتمماتها ومكملاتها، فهذا العلم عباد الله علم يضيء الطريق، ويبصِّر المسلم بالجادة، وينير له جادته فيسير على هدي مستبين وصراط مستقيم، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 52﴾ [الشورى: 52].
عباد الله:
ثم إن العلوم الأخرى علمَ الطب والهندسة وغيرها من العلوم إذا قَصَدَ بها من يتعلمها نفعَ أمته -أمة الإسلام- ونوى بها نية صالحة؛ فإنه يثاب على ذلك، ويكون تعلُّمه في صالح عمله عندما يلقى الله جل وعلا.
عباد الله:
وأما السؤال الثالث: كيف نتعلم؟ فإن لطلب العلم وتحصيله آدابًا لابد من ضبطها، وضوابط لا بد من التقيّد بها؛ لتكون خطوات المرء في تعلمه خطوات صحيحة توصله إلى الغاية المقصودة بأقرب طريق وأيسر سبيل، ومن أعظم ذلك أن تستعين في طلبك للعلم بالله، فإن العلم هبة من الله ومنة منه يهبه من يشاء، ويفتح به على من يشاء، وهو الفتاح العليم سبحانه، وقد كان نبينا وقدوتنا صلوات الله وسلامه عليه يقول كل يوم بعد صلاة الصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا صَالِحًا، وَرَزْقًا طَيِّبًا» [رواه ابن ماجه (921) وصححه الشيخ الألباني]، وثبت عنه ﷺ أنه يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَانْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا» [رواه الترمذي (3916)، وابن ماجه (251)، وحسنه الحافظ ابن حجر وصححه الألباني في الصحيحة 3151]، ثم إن المسلم بعد استعانته بالله، وطلبه للعون منه يبذل الأسباب الصحيحة، ويسلك المسالك القويمة لتعلم العلم، ومن ذلك أن يصبر على طلبه، وأن يطيل ملازمة تحصيله، وأن يجد ويجتهد في نيله، وأن يلازم العلماء، وأن يحرص على الإفادة منهم، وأن يُكثر من الاحتكاك بطلاب العلم الجادين والمحصِّلين النابهين؛ لأن الصاحب ساحب ومؤثر في جليسه غاية التأثير، ومع ذلك فلا بد من العمل بالعلم فإذا سمعت بالحديث فاعمل به تكن من أهله، وأما من كان يكثر من العلوم ويحصِّل منها ولا يعمل بما يعلم فإن علمه يكون وبالًا عليه وحجَّة يوم القيامة، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يهتف بالعلم العمل فإن أجابه وإلا ارتحل" [أخرجه الخطيب في "اقتضاء العلم العمل"].
ومن آداب العلم حسن الإصغاء، وطيب الإنصات، وحسن السؤال، والاجتهاد في الفهم والمذاكرة، فكل ذلك لا بد منه عباد الله.
ومن الأمور المتأكدة على طالب العلم أن يكون متأدبًا مع المعلمين محترمًا لهم، فمن كان متأدبًا مع معلميه فحري بالفائدة أن تعظم له، وكذلك الأدب مع الكتاب واحترامه ولا سيما كتاب الله عز وجل، فاحترام الكتاب لا بد منه والعناية به وعدم رميه أو الاستخفاف به والاستهانة، فمن كان مستهينًا مستخفًا بالكتاب، فإنه حري بالحرمان من العلم والفائدة.
وللعلم آداب كثيرة بينها العلماء في كتب عديدة تناولت أدب العالم والمتعلم، ويحسن في مثل هذه الأوقات مطالعة أمثال هذه الكتب ليسير طالب العلم على جادة طيبة مباركة في تحصيله للعلم وتلقيه له.
وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل عامنا هذا عاما مباركا على الجميع وأن يمنَّ علينا فيه باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والعلم النافع والعمل الصالح إن ربي لسميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
عباد الله:
إن العلم مسؤولية عظيمة، فكلُّ واحد منا يسأل يوم القيامة عندما يقف أمام الله جل وعلا عن كل علم تعلمه، فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ» وَذُكِرَ مِنْهَا: «عَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ» [رواه الترمذي (2417) والدارمي (543) وصححه الشيخ الألباني]، وفي هذا عباد الله تنبيه لكل مسلم أنه يجب عليه في هذا الباب أمران:
الأمر الأول: جد واجتهاد في تحصيل العلم؛ ليكون من أهله وحملته أهل الفلاح والرفعة والسعادة في الدنيا والآخرة.
والأمر الثاني: أن يعلم أن العلم مسؤولية عظيمة، يجب عليه أن يتحملها بصدق، وأن يؤديها على التمام والكمال، فسيقف أمام الله جلّ وعلا يومًا ويسأله عن كل علم تعلمه، ولهذا من علم أنه سيقف بين يدي الله جل وعلا، وأن الله عز وجل سائله فليعد للمسألة جوابًا وليعد للجواب صوابًا، والكيس من عباد الله من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وصلوا وسلموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56] وقال ﷺ «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
***
عنوان الخطبة
فضل العلم والعلماء
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾؛ [آل عمران: 102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾؛ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا 71 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا72﴾؛ [الأحزاب: 71 -72].
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تبارك وتعالى حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أنكم ملاقوه وإليه الرجعى، حاسبوا أنفسكم وزنوا أعمالكم، وتزينوا للعرض الأكبر على الله، ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ 18﴾؛ [الحاقة: 18].
عباد الله: يقول الله عز وجل: ﴿۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ 122﴾؛ [التوبة: 122].
إخوة الإسلام: لقد رفع الله تعالى شأن العلم وأهله، وبيَّن مكانتهم، ورفع منزلتهم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿...يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾؛ [المجادلة: 11].
ولم يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال له سبحانه وتعالى: ﴿...وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾؛ [طه: 114].
وما ذاك إلا لما للعلم من أثر في حياة البشر، فأهل العلم هم الأحياء، وسائر الناس أموات.
ولقد منع الله سبحانه المساواة بين العالم والجاهل؛ لما يختص به العالم من فضيلة العلم ونور المعرفة؛ فقال: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ9﴾؛ [الزمر: 9].
فالعلم شرف لا قدر له، ولا يجهل قدر العلم وفضله إلا الجاهلون. قال عبد الملك بن مروان لبنيه: "يا بَني، تعلموا العلم؛ فإن كنتم سادة فُـقتم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنتم سُوقة عِشتم".
عباد الله: إن طلب العلم خير ما صرفت فيه الأعمار، وأُنْفِقت فيه الساعات، فالناس إما عالم أو متعلم، أو همج رعاع ﴿مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا 143﴾؛ [النساء: 143].
ولقد جاءت نصوص الكتاب والسنة منوهة بفضل العلم وأهله، والحث على تعلمه وكسبه، فقد شرف الله تعالى هذه الأمة؛ حيث جعلها أمة العلم والعمل معًا، تمييزًا لها عن أمم الظلم والجهل، وجاءت الصيحة الأولى المدوية التي أطلقها الإسلام في أنحاء المعمورة؛ لتُنَوِّه بقيمة العلم والعلماء، وتسمو بقدره، وتجعل أول لَبِنة في بناء الأفراد والشعوب، وكيان الأمم والمجتمعات القراءة والكتابة.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَثُوا الْعِلْمَ، فَمَنِ اخْتَارَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [رواه أحمد (21715)، وأبو داود (3641)، والترمذي(2682)، وأصله في الصحيحين].
عباد الله: بالعلم تُبنى الأمجاد، وتشيد الحضارات، وتَسُود الشعوب، وتبنى الممالك، بل لا يستطيع المسلم أن يحقق العبودية الخالصة لله تعالى على وَفق شرعه، فضلًا عن أن يبني نفسه كما أراد الله سبحانه أو يقدم لمجتمعه خيرًا، أو لأمته عزًا ومجدًا ونصرًا إلا بالعلم.
وما فشا الجهل في أمة من الأمم إلا قوَّض أركانها، وصدَّع بنيانها، وأوقعها في الرذائل والمتاهات المهلكة.
ومن سلك طريقًا يظنه الطريق الموصل إلى الله تعالى بدون علم؛ فقد سلك عسيرًا، ورام مستحيلًا، فلا طريق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى والوصول إلى رضوانه إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهتدى في ظلمات الجهل، وشبهات الفساد والشكوك.
والعلم الشرعي: هو العلم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وهو القاعدة الكبرى التي تُبنى عليها سائر العلوم.
وحملة العلم الشرعي هم ورثة الأنبياء، والأمناء على ميراث النبوة، ومتى ما جمعوا بين العقيدة الصحيحة والعلم الشرعي المتوج بالأدلة الشرعية مع الإخلاص لله سبحانه والتأدب بآداب العلم وأهله، فهم الأئمةُ الثقات، والأعلامُ الهداة، مثلُهم في الأرض كمثل النجوم يُهتدَى بها؛ قال أبو قلابة وأبو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيّ رحمهما الله تعالى: "مَثَلُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، إِذَا ظَهَرَتْ لَهُمْ شَاهَدُوا، وَإِذَا غَابَتْ عَنْهُمْ تَاهُوا".
قال الحافظ بن رجب عليه رحمة الله: "وهذا مثل في غاية المطابقة؛ لأن طريق التوحيد والعلم بالله وأحكامه وثوابه وعقابه لا يدرك إلا بالدليل، وقد بين الله ذلك كله في كتابه، وعلى لسان رسوله، فالعلماء بما أنزل الله على رسوله هم الأدلاء الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهل والشبه والضلال، فإذا فُقدوا ضَلَّ السالك".
العلماء بالله تعالى وبشرعه هم أهل خشية الله، وشهداء الله في أرضه، وخلفاء الرسول ﷺ في أمته، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم الكريم، الموصوف بصفات الكمال والمنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم، وأكثر.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "العالم بالرحمن من عباده: من لم يشرك به شيئًا، وأحل الحلال، وحرم الحرام، وحفظ وصية الله، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسبه بعمله".
فالخشية: هي التي تحول بين العبد وبين معصية الله، وتدعوه إلى طاعته والسعي في مرضاته، قال الحسن البصري رحمه الله: "العالم؛ من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغَّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا قول الله تعالى: ﴿...إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾؛ [فاطر: 28]".
وهذا هو العلْم الحقيقي الذي ينفع صاحبه؛ فإن العلم ليس عن كثرة المعرفة والحفظ، ولكن العلم عن كثرة الخشية، فهو نور يجعله الله في القلب.
فالعلم بغير ورع ولا طاعة كالسراج يضيء البيت بنوره، ويحرق نفسه، وماذا يفيد العلم جُمَّاعَ القول المصرين على معاصيهم وأخطائهم، الذين يستمعون القول ولا يتبعون أحسنه.
روى عبد الله بن وهب عن سفيان: "أن الخضِر قال لموسى عليهما السلام: يا ابن عمران، تعلم العلم؛ لتعمل به، ولا تتعلمه؛ لتحدث به، فيكون عليك بُوره، ولغيرك نوره".
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت؟".
وفي منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به، فثمرة العلم أن يُعمَل به؛ لأن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
وخير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، ومن تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.
وإن القلب ليعتصره الألم اعتصارًا حينما يرى بعض من طرقوا أبواب العلم الشرعي فلم يرفعوا بذلك رأسًا، تعلموا من العلوم والأحكام الكثير، ولكن الأثر مفقود.
وإن المرء ليتساءل: أين العلم الشرعي ممن أضاعوا الصلوات، واتبعوا الشهوات؟! وأين العلم الشرعي ممن أسبلوا الثياب، وحلقوا اللحى وتعاملوا بالربا، وهجروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووقعوا في المعاصي، مع أنهم يعلمون يقينًا أن هذه كلَّها ممنوعة محرمة على المسلم، فالله المستعان.
وقد أُثِر عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات من كتاب الله حتى يتعلموا ما فيها من العلم ويعملوا به، قال بعض السلف: "كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به".
فترك العمل بالعلم من أقوى الأسباب في ذَهابه ونسيانه.
قال علي رضي الله عنه: "يا حملة العلم اعملوا به، فإن العالم من عمل بما علم، فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يتعلمون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا، فيباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إذا جلس إلى غيره وتركه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عزوجل".
ولقد ضرب النبي المصطفى ﷺ مثلًا لطلاب العلم، وأحوالهم في الاستفادة مما تعلموا؛ فقال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا؛ فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ؛ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً؛ فَذَٰلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَٰلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» [متفق عليه].
ثم اعلموا رحمكم الله: أن من آفات العلم، وأسباب محق البركة عنه أن تُطلَب به الرئاسة على الخلق، والتعاظم عليهم، وأن يريد طالبه بعلمه أن ينقاد له الناس، ويخضعوا له، وأن يصرفوا إليه وجوههم؛ فيُظهِر للناس زيادة علمه على العلماء، ليعلو به عليهم، ونحو ذلك، فهذا موعده النار - عياذًا بالله - فقد قال النبي المصطفى ﷺ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» [صحيح رواه الترمذي (2654)، وابن ماجه (253)].
وفي رواية لابن ماجه: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ، فَمَن فَعَلَ ذَٰلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ».
قال الحسن البصري رحمه الله: "لا يكن حظ أحدكم من علمه أن يقول له الناس: عالم، كما أن عليه أن يخلص في طلب العلم لله تعالى وأن يصبر فيه وعليه ويصابر، ويحذر من الاستعجال في الحصاد؛ فإن البداية مزلة، ومن تصدر قبل حينه فضحه الله في حينه".
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه وأطيعوه، وراقبوه ولا تعصوه؛ فإن التقوى هي أساس العلم، ومفتاح الفهم؛ ﴿... وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾؛ [البقرة: 282].
عباد الله: تعلموا رحمكم الله العلم النافع، وعلموه، فمن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين؛ فإن العلم منه ما هو واجب على كل مسلمٍ ومسلمة، لا يقدر أحد على تركه؛ إذ تركه مُخِل بحياته ودينه؛ كأحكام العقيدة، والطهارة، والصلوات، والزكاة والصوم، والحج، فالواجب على المسلم أن يسأل عن ذلك، ويتعلم أحكام دينه؛ فإنما شفاء العي السؤال.
وكم هو شديد الوقع على النفوس يا عباد الله: أن يرى في الناس مَن شاب رأسه، ورَقَّ عظمه، وهو يتعبد الله على غير بصيرة! وقد يصلي بعض الناس أربعين سنة، أو عشرين سنة، أو أقل أو أكثر وهو لم يُصَلِّ في الحقيقة؛ لأن صلاته ناقصة الأركان، أو مختلة الشروط والواجبات، ومع ذلك لا يحاول تعلم أحكامها، بينما يُرَى حريصًا على دنياه، ويكفي هذا دليلًا على أن الله سبحانه وتعالى لم يرد به خيرًا، ولو تعلم العلوم الدنيوية، وتبحر فيها؛ لأنها علوم معاشية فقط، لا تستحق مدحًا ولا ذمًا.
وقد وصف الله تعالى أصحابها بقوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ 7﴾؛ [الروم: 7]. وقال: ﴿بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ 66﴾؛ [النمل: 66].
قال ابن كثير رحمه الله: "فهؤلاء ليس لهم علم إلا بالدنيا، وأكسابها، وشؤونها، وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها، ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عن أمور الدين، وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له، ولا فكرة".
وقال الحسن البصري: "والله ليبلُغنَّ أحدُهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: "والمراد بذلك الكفار؛ يعرفون عمران الدنيا، وهم في الدين جهال".
ثم اعلموا رحمكم الله: أن بقاء العلم الشرعي مرهون ببقاء حملته، فإذا ذهبوا وقع الناس في الضلال؛ حيث يكثر الجهل بعلوم الشريعة، وهذا من علامات الساعة، فحقيق بكل مسلم أن يحرص على طلب العلم؛ علمًا، وتعليمًا، وتطبيقًا.
قال ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنا» [متفق عليه].
وارتفاع العلم إنما يكون بموت العلماء؛ حيث يموت علمهم معهم؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فُسِئِلُوا فَافْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [متفق عليه].
والمراد بقبض العلم: هو موت العلماء، وذَهاب الفضلاء والفقهاء؛ فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 41﴾؛ [الرعد: 41]؛ عن عطاء رحمه الله قال: "هو موت العلماء، وذَهاب الفضلاء، وفقهاء الأرض وخيار أهلها".
وقال ابن عباس رضي الله عنه: "لا يزال عالم يموت، وأثر للحق يندرس، حتى يكثر أهل الجهل، ويرفع العلم".
فاتقوا الله أيها المسلمون، واحرصوا على تعلم العلم الشرعي، وتعلموا له السكينة والوقار، وهذبوا به أخلاقكم، وقوِّموا به أفعالكم وأقوالكم.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في قوله عز من قائل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾؛ [الأحزاب: 56].
وقال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].
***
عنوان الخطبة
فضل الصحابة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بـعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله جماع الخير كله.
عباد الله: اقتضت حكمة الله أن يرسل رسله للبشرية مبشرين ومنذرين وينزل معهم الكتاب، وكل نبي يدعو قومه، ويختار منهم المؤمنين الصادقين أعوانًا ووزراء وأصحابًا وحواريين، يحملون هم الدعوة معه ويجاهدون وإياه ويقومون بما تقتضيه مصلحة الرسالة.
فنوح عليه السلام ركب في السفينة هو ومن آمن معه، وموسى عليه السلام كان معه الخُلَّص من بني إسرائيل، وعيسى عليه السلام قال ﴿... مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ...﴾ [آل عمران: 52]، ونبينا محمد ﷺ، اختار له صحابة أخيارًا صالحين، آمنوا به واتبعوه وآزروه ونصروه وفدوه بالنفس والأموال والأوقات، فكانوا خير صحبة لخير نبي، إنهم صحابة رسول الله ﷺ، هذا الجيل العظيم الذي رباه النبي ﷺ وأحسن تربيته، فأصبحوا خير هذه البشرية بعد الأنبياء والرسل، لقد اجتمع فيهم من عوامل الخير ما لم يجتمع في جيل قبلهم، ولن يجتمع في جيل بعدهم، اقرؤوا إن شئتم قول الله تعالى ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 100﴾ [التوبة: 100]، فصرَّح جل وعلا في هذه الآية بأنه قد رضي على المهاجرين والأنصار، وأنه أعد لهم الجنة، وقوله عز وجل ﴿۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا 18 وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا 19﴾ [الفتح: 18- 19]، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وعدد المبايعين فيها من الصحابة ألف وخمسمائة، ومن رضي الله عنه لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، وقد قال رسول الله ﷺ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِّمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» [رواه أبو داود (4653) والترمذي (3860) وأحمد (14778) وصححه الألباني]، وقد جاءت آيات غيرها تثني على صحابة نبيه وتزكيهم وتترضى عنهم، وأما الأحاديث في فضلهم فكثيرة ومتعددة، من ذلك قول النبي ﷺ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [متفق عليه].
وهذه الخيرية - أيها الإخوة - تجعل من جيل الصحابة مثلًا عاليًا للمسلمين في كل زمان ومكان، فهم يتطلعون إليهم، ويعتزون بهم، ويسترشدون بسيرهم، تلك السير المتنوعة في السلم والحرب، والعبادة والمجاهدة، والمعاملة والبذل، مما يكفل للمسلمين في مختلف العصور نماذج متنوعة صالحة للاقتداء، وفي حديث آخر يقول ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكُ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [متفق عليه]، وقوله: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» [رواه مسلم (2531)].
أجل أيها المصلون: إن فضل الصحابة كبير وعظيم، لعظم منزلتهم وفضلهم وقدرهم، فهم من رأى رسول الله وصَحِبَه، وأول من آمن به وصَدَّقه، وأكثر الناس حبًا له، ولكثرة الابتلاءات والمعارك التي خاضوها في حياته وبعده، لقد خاض النبي ﷺ خمسًا وعشرين معركة في عشر سنين، وهو ما يعني أن كل عام كان فيه معركتان، هذا خلاف السرايا التي كان يرسلها والتي تزيد على مائة سرية، فلك أن تتصور حجم التعب والألم الذي حصل لهم بسبب هذه المعارك وحجم القتل الذي وقع فيهم، هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا يقاتلون آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وتحملوا شديد العذاب في سبيل هذا الدين، وما قصة آل ياسر وبلال وصهيب وخَبَّاب عنا ببعيد، وحبهم الشديد للجهاد في سبيل الله، والإنفاق بلا حدود في سبيل الله عز وجل.
فقد بعث النبي ﷺ إلى عثمان رضي الله عنه يستعينه في جيش العسرة فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فقال النبي ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» [رواه الترمذي (3701) بسند حسن]
وهنالك من الصفات الشيء الكثير، تركناها خشية الإطالة، كالرحمة فيما بينهم، والعلم بالكتاب والسنة، والزهد في الدنيا، وكثرة العبادة، وسمو الأخلاق، والاستجابة لله وللرسول.
ألا فاتقوا الله أيها المسلمون: واعرفوا قدر نبيكم وأصحابه الكرام البررة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 88 أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 89﴾ [التوبة: 88-89].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه يليق بجلال ربنا وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعـد: فإذا كانت المحبة مشروعة بين المؤمنين عامة، فمع هذا الجيل الطاهر الطيب أوجب وأهم.
إن حب الصحابة رضي الله عنهم دليل على الإيمان، وإن بغضهم تهمة بالنفاق، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَن أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» [متفق عليه]، ومن حقوقهم الثناء عليهم باللسان، بما أسدوه من المعروف والإحسان، ويشرع الدعاء لهم والترضي عنهم، كما ترضى الله عنهم في آياتٍ تُتلى إلى يوم القيامة ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ 10﴾ [الحشر: 10] كما يجب الإغضاء عما وقع فيه بعضهم من اجتهادات، كان المقصد من ذلك نصرة الدين وحماية الملة، وأخطاؤهم يغمرها بحر حسناتهم، وسيرتهم العطرة هي درس للأمة عليهم التأسي بها، ونشرها وتعليمها للأبناء والأجيال.
وقد كان السلف يعلمون أولادهم حب الصحابة وسيرتهم، قال الإمام مالك رحمه الله: "كانوا يعلموننا حب أبي بكر وعمر كما يعلموننا السورة من القرآن".
هذا وصلوا وسلموا...
***
عنوان الخطبة
طهارة القلب والبدن
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- حقَّ التقوى؛ فالتقوى أكرمُ ما أسررتُم، وأبهَى ما أظهرتُم.
أيها المسلمون:
دينُ الإسلام دينُ الجمال والكمال، أمرَ بطهارة القلب والبدَن، ﴿... مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، وأمر بتطهيرِ أماكن العبادة من الشرك والدَّنَس: ﴿... وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: 26].
ووصفَ الله الرسل بنقاء القلوبِ؛ فقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ84﴾ [الصافات: 84].
وحفِظَ نبيَّنا محمدًا ﷺ وهو في صِغره من أدواء الصدور؛ قال أنسٌ رضي الله عنه: "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ مِنهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ" [رواه مسلم: 162].
ولما أُرسِل أمرَه الله بالحِفاظ على سلامةِ قلبه؛ فقال له: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4﴾ [المدثر: 4].
قال سعيدُ بن جُبيرٍ رحمه الله: "وقلبكَ ونيَّتك فطهِّر"، فكان من دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» [متفق عليه].
ولما أراد الله أن يُكرِمه بالإسراء والمِعراج غسلَ قلبَه مرةً أخرى؛ إذ لا يدنُو منه سبحانه إلا سليمَ الصدر؛ قال عليه الصلاة والسلام: «نَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي - أَيْ: شَقَّهُ - ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمَتَّلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ» [متفق عليه].
وأثنَى على أهل قُباء بتقواهم ومُلازمتهم كمال الطهارة؛ قال سبحانه: ﴿...لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ...﴾ [التوبة: 108].
والطُّهور شطرُ الإيمان، ومن تطهَّر أحبَّه الله؛ ﴿... إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
ومِفتاحُ الصلاة الطُّهور، فلا يدخلُ المُصلِّي في صلاته حتى يتطهَّر.
وجعل سبحانه الدخول إلى الجنةِ موقوفًا على الطِّيب والطهارة، فلا يدخلُها إلا طيبٌ طاهرٌ؛ قال تعالى: ﴿... سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ﴾ [الزمر: 73]، فمن تطهَّر في الدنيا ولقِيَ اللهَ طاهِرًا دخلَ الجنة، ومن لم يتطهَّر في الدنيا فإن كانت طهارتُه معدومةً كالكافرِ لم يدخُلها بحالٍ، وإن كانت نجاستُه كسبيَّةً عارِضةً وشاء اللهُ عذابَه دخلَها بعدما يتطهَّر في النار من تلك النجاسةِ ثم يخرُج منها.
وأهلُ الإيمان إذا جازوا الصراطَ حُبِسُوا على قنطرةٍ بين الجنةِ والنار، فيُهذَّبون ويُنقَّون من بقايا بقِيَت عليهم قصُرَت بهم عن الجنة ولم تُوجِب لهم دخولَ النار.
وطهارةُ القلبِ شرطٌ لدخول الجنة؛ قال سبحانه: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ 88 إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ 89﴾ [الشعراء: 88- 89].
قال ابن القيم رحمه الله: "لا يُجاوِرُ الرحمنَ قلبٌ دُنِّس بأوساخِ الشهوات والرياء أبدًا".
وللباطنِ زينةٌ كما للظاهر زينةٌ، ومن دعاء النبيِّ ﷺ: «اللّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ» [أخرجه النسائي: ١٣٠٥، وأحمد: ١٨٣٥١وصححه الألباني]
والقلوبُ كالأبدان؛ منها الصحيحُ ومنها السقيم، ومنها الحيُّ ومنها الميِّت، وإذا نُقِّيَ القلبُ من الأدران امتلأ بالرحمة والخير، فاهتمَّ الإسلامُ بكلِّ ما يُصلِحُ القلبَ، ونهَى عن جميع ما يُفسِدُه، وأعظمُ صلاحٍ له هو التوحيدُ بإخلاص الأعمال لله وحده، وفسادُ القلبِ وموتُه بالشرك بالله؛ قال عز وجل: ﴿...إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ...﴾ [التوبة: 28].
وتوعَّدَهم بالخِزيِ والنَّكال؛ فقال: ﴿... أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [المائدة: 41].
والمُنافِقون وصفَهم الله بقوله: ﴿… إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ …﴾ [التوبة: 95]. قال ابن كثيرٍ رحمه الله: "أي: خُبثاء نجِسٌ بواطِنُهم وظواهِرهم".
والحِقدُ والحسدُ داءٌ في القلوبِ، إن لم يُتدارَك بالدعاء وسلامةِ الصدرِ أظلمَ به؛ قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» [متفق على صحته].
وقدِمَ رجلٌ على النبيِّ ﷺ فقال لأصحابه: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
ولما سُئِل عن عمله قال: «إِنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسِدُ أَحَدًا عَلَىٰ خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ»؛ [النسائي في السنن الكبرى: ١٠٦٩٩، وأحمد: ١٢٦٩٧، وصححه المنذري وابن كثير والأرنؤوط]
ومن دعاء المُؤمنين: ﴿... وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ...﴾ [الحشر: 10].
قال ابن القيم رحمه الله: "ما رأيتُ أحدًا أجمعَ لخِصال الصفحِ والعفوِ وسلامةِ الصدر من ابن تيمية".
والقلبُ شديدُ الصفاءِ، سريعُ التأثُّر، أدنى معصيةٍ تُؤثِّرُ فيه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّىٰ تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ14﴾ [المطففين: 14]» [رواه الترمذي].
وواجبٌ على العبدِ أن يغسِل قلبَه في كل يومٍ وليلة، ومما يُنقِّيه: الصلواتُ المفروضة؛ قال النبيُّ ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ هَلْ يَبْقَىٰ مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَىٰ مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: «فَذَٰلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» [متفق عليه].
ومن صلَّى بعد تطهُّره كان سببًا في دخول الجنة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» [متفق عليه].
والوضوءُ دواءٌ للقلوبِ والجوارِح؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّىٰ يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» [متفق عليه].
ومن أضافَ إلى طُهوره كلمةَ التوحيد فُتِّحَت له أبوابُ الجنةِ الثمانية؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ؛ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»؛ [رواه مسلم: 234]
والزكاةُ تُطهِّرُ القلبَ وتُنيرُه؛ قال سبحانه: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...﴾ [التوبة: 103].
وكلامُ ربِّ العالمين شفاءٌ للأبدان والصدور؛ قال عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ...﴾ [الإسراء: 82].
ولزومُ جماعةِ المُسلمين والنصيحةُ مما يُصلِحُ القلوبَ؛ قال عليه الصلاة والسلام: «ثَلَاثٌ لَا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ الْأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ» [أخرجه الترمذي: ٢٦٥٨، والطبراني في المعجم الأوسط: ٥١٧٩، وصححه الألباني]
والحِجابُ طهرٌ وعفافٌ؛ قال سبحانه: ﴿... وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ...﴾ [الأحزاب: 53].
ومُجالَسةُ الصالحين وحِفظُ اللسانِ نقاءٌ للقلبِ، والبُعدُ عن الفتن طهارةٌ له؛ قال عليه الصلاة والسلام: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ» [رواه مسلم: 144].
وطهارةُ الظاهر مُتمِّمةٌ لطهارة الباطِن، فاهتمَّ الإسلامُ بطهارة بدَن الإنسان منذ ولادته إلى وفاته؛ فإذا وُلِد خُتِن وحُلِق رأسُه، وإذا ماتَ غُسِّلَ وأُحسِن كفنُه وتطييبُه.
وكان عليه الصلاة والسلام يُحبُّ الطِّيبَ ويُرَى وَبيصُ طِيبِ المِسك يسيلُ من مِفرَقِ رأسه، وكان يتسوَّك عند كل وُضوءٍ وصلاةٍ وعند دخول المنزل وإذا استيقظَ من النوم.
وأمرَ بما جاءت به الفِطرةُ من قصِّ الشاربِ، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاقِ الماء، وقصِّ الأظافِر، وغسلِ البراجِم، ونتفِ الإبِط، وحلقِ العانة، وانتقاصِ الماء -أي: الاستِنجاء، والخِتان، ووقَّت في قصِّ الشارِبِ وتقليمِ الأظافِر ونتفِ الإبِط وحلقِ العانَةِ ألا تُتركَ أكثر من أربعين ليلة.
وأمرَ كلَّ مُسلمٍ أن يغتسلَ كلَّ أسبوعٍ؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «حَقٌّ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» [متفق عليه].
وكان إذا عطسَ عليه الصلاة والسلام وضعَ يدَه أو ثوبَه على فِيهِ وخفضَ بالعُطاسِ صوتَه [أخرجه أبو داود: ٥٠٢٩، والترمذي: ٢٧٤٥، وأحمد: ٩٦٦٢ وصححه الألباني]
وأمرَ بإماطةِ الأذى عن طُرقات المُسلمين، وقال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَىٰ يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ...» [رواه مُسلمٌ: 553].
ووصفَ كيفيةَ التطهُّر بعد قضاء الحاجةِ وبمَ يستنجِي وعددَ الأحجار؛ فنهَى عن الاستِنجاءِ باليَمين، ونهَى عن الاستِجمار بالرَّوث والعِظام، وألا يُستجمَر بأقلَّ من ثلاثة أحجار.
ونهَى عن كل ما فيه مُجانَبة التنزُّه أو تمامُه؛ فنهَى عن التنفُّس في الإناء حال الشُّرب، ونهَى عن نفخِ الطعامِ، وعن الشُّربِ من فمِ القِربةِ أو السِّقاءِ؛ لأنه يُنتِنُه.
وإذا استيقظَ النائمُ لا يغمِسُ يدَه في الإناء حتى يغسِلَها ثلاثًا، وإذا ولغَ الكلبُ في الإناءِ أمرَ بغسلِهِ سبعًا أُولاهنَّ بالتُّرابِ، ووقَّت في مسحِ الخُفَّين يومًا للمُقيم وثلاثةً للمُسافِر لئلا يتأخَّر غسلُ القدَمِ بالماء؛ بل توعَّد من لم يغسِل كاملَ قدمِهِ بالنار؛ فقال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه].
وزجرَ عما فيه رائحةٌ تُؤذِي؛ فقال: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» [متفق عليه].
ولنجاسَة الخمرِ وإسكارِها توعَّد من شرِبَها ألا تُقبَلَ منه صلاةٌ أربعين يومًا.
ونهَى عن التخلِّي في طريق الناسِ أو ظلِّهم، وعن البُصاق في المساجِد، ورغَّبَ في تطهيرِها وعظَّمَ من يقوم بذلك؛ فكانت امرأةٌ سوداءُ أو رجلٌ يقُمُّ المسجِد، ففقدَه عليه الصلاة والسلام فسألَ عنه، فقيلَ: مات، فقال: «أَلَا آذَنْتُمُونِي بِهِ؟» فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، قَالَ: «دُلُّونِي عَلَىٰ قَبْرِهِ»، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّىٰ عَلَيْهِ. [متفق عليه].
وبين الثيابِ والقُلوبِ مناسبةٌ ظاهرةٌ وباطِنة، كلٌّ منهما يُؤثِّرُ في الآخر؛ فنهَى عن لباسِ الحرير والذهبِ وجلود السِّباعِ، وعن الإسبالِ؛ لما تُؤثِّرُ في القلبِ من الهيئةِ المُنافِيَة للعبوديةِ والخُشوع.
وبعدُ، أيها المُسلمون:
فدينُ الإسلام لا أكملَ ولا أعظمَ منه، ولا أزكَى للعبدِ وأطهرَ له سِواه منه، والسعيدُ من طهَّرَ قلبَه وجوارِحَه ولسانَه وظاهِرَه مما يُغضِبُ ربَّه، واستعملَها فيما يُحبُّه اللهُ ويرضاه، وشكرَ نِعَمَ الله عليه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ 26﴾ [الأعراف: 26].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
فدينُ الإسلام دينٌ عظيمٌ، يأمرُ بمسحِ الأُذن داخلَها وخارِجها في اليوم مراتٍ، والنقطةُ الواحِدة من البول تُنقِضُ الوُضوء، والكلمةُ الواحِدةُ من الكُفر أو عملٌ يُناقِضُ الإسلام يخرُج به المرءُ من الدين.
ولا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه، والقلبُ السليمُ هو الذي سلِمَ من الشركِ والغلِّ والحِقدِ والحسَد والشُّحِّ والكِبرِ وحُبِّ الدنيا، وسلِمَ من كلِّ شهوةٍ تُعارِضُ أمرَ الله، ومن كلِّ شُبهةٍ تُعارِضُ خبرَه، ومن أحقِّ ما يُطهِّرُ به العبدُ حياتَه: طهارةُ لسانِه وماله من المُحرَّمات والشُّبُهات.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ.
***
عنوان الخطبة
سنن الفطرة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، خَلَقَ الإِنسانَ في أحسن تقويم، وخصَّه بالإِنعام والتكريم، وأشهَدُ أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿...يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الحشر:24].
وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أثنَى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ 4﴾ [القلم:4].
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهَدُوا تحتَ رايته، وتمسَّكوا بسنته، وكانوا على صراطٍ مستقيم، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعدُ:
فيا أيُّها الناس: اتقوا الله تعالى، واعمِلُوا بسنة نبيكم، كما أمرَكُم الله بذلك، فقال: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر:7].
ألا وإنَّ من سنتِه ﷺ: العملَ بخصالٍ هي من خِصالِ الفطرة، وفي العملِ بها جمالُ الإِنسانِ ونظافته، وحسن مظهره، ومخالفة أهل النقائص والمعائب من الكَفَرة والفَسَقة، وعدمُ التشبُّهِ بالدوابِّ من السباعِ والبهائمِ والحيوانات.
قالَ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الاسْتِحْدَادُ، وَالْخِتَانُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ» [متفق عليه].
ومعنى الحديث: أنَّ مَنْ فَعَلَ هذه الخصال الخمس؛ فقد اتَّصَفَ بالفطرةِ التي فَطَرَ الله العبادَ عليها، وحثَّهم على فِعْلِها، لِما فيها من جمالِ المظهر، وحسن الهيئة، ونظافة الجسم.
والفطرةُ: هي السُّنَّة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائعُ.
وأولُ هذه الخصال: الاستحدادُ: وهو حَلْقُ العانةِ أو إزالتُها بأيِّ مادةٍ مزيلة، لِما في بقائها من التشويهِ، وتراكُمِ الأوساخ.
والثانية من خصال الفطرة: الختان: هو قطعُ جميع الجلدة التي تُغطي حشفةَ الذَّكر وإزالتها.
والمقصودُ من الخِتانِ: تطهيرُ الإِنسان من النجاسة التي تتجمع تحت القلفةِ لو بَقِيت.
ويُسْتَحَبُّ المبادرةُ بختانِ الصبي؛ لأنَّه أسرعُ في البُرْءِ، ولينشأَ الطفلُ على أكملِ الأحوال.
والثالثة من خصال الفطرة: قصُّ الشاربِ أو إحفاؤُه، وهو المبالغة في أخذه.
وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» [أخرجه الترمذي (٢٧٦١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٤)، وأحمد (١٩٢٦٣) وصححه الألباني].
ومنه: السِّبَالَان، وهما طَرَفا الشاربِ، فلا تجوزُ إطالتُهما كما يفعلُ بعضُ الجهال، فقد روى الإِمام أحمدُ وغيره: «قُصُّوا سُبُلَكُمْ، وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» [أخرجه أحمد (٢٢٣٣٧)، والطبراني في الكبير (٧٩٢٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٤٠٥) وحسنه الشيخ الألباني].
وقد ذكر العلماءُ من فوائد أخذِ الشارب: عدم التشبه باليهود والمجوس، وحصول النظافة عند الأكل والشرب؛ لأنَّ الشاربَ الطويل يعلَقُ به شيءٌ من الطعام والشراب، فيتسخُ بذلك، وربما ينغمسُ في الشراب، فيكرهه غيره، وأيضًا قد يتسرَّبُ شيءٌ من الأنفِ، فيتلبَّدُ على الشاربِ، ولا يَخْفَى ما في ذلك من الكراهةِ والتشويه.
وجاء في الأحاديثِ الصحيحة: أنَّ من خصالِ الفطرة: إعفاءَ اللحية، وهو توفيرُها، ففي الصحيحين: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ».
وفي رواية: «أَوْفُوا اللِّحَى» أي: اتركوها وافيةً.
وبعضُ الناس اليومَ ابتُلوا بمخالفةِ أحاديثِ الرسول ﷺ، ومخالفةِ سنته في اللِّحَى والشوارب، فبعضُهم يُوَفِّرُ الشاربَ، ويحلقُ اللحية، وهذا الفعل فيه معاكسةٌ لأمرِ الرسول ﷺ، حيث وَفَّرَ ما أمرَ الرسولُ ﷺ بأخذِه وإزالته، وأزال ما أمرَ الرسولُ ﷺ بإبقائه وتوفيرهِ، فَحَلَقَ لحيته، وأبقى شاربه؛ تقليدًا للمشركين، ومخالفةً لسنةِ سيد المرسلين، وذلك؛ لأنَّ الشيطان زيَّنَ له سوءَ عمله فرآه حَسَنًا.
بل لقد بلغ الأمرُ أنَّ بعض الأنظمة في بعض الدول الإِسلامية تفرضُ على منسوبيها حلقَ لحاهم، ومُعاقبةَ مَنْ يُوفِّرون لِحاهم، بطردِهم من الخدمةِ الوظيفية.
ومن الناس من يقص لحيته، ولا يُبقي منها إلاَ شيئًا يسيرًا، وهذا يُخالف ما أمرَ به الرسولُ ﷺ مِنْ توفيرها وإعفائِها، فإنَّ معنى ذلك إبقاؤُها كاملةً من غير تعرُّضٍ لها بقصٍّ أو نتف، ولكنَّ الشيطانَ لما لم يدرِكْ منه إزالتَها بالكلية اكتفَى منه بإزالةِ بعضِها؛ لأنه يريدُ منه مخالفة السُّنَّة على أي وجه.
ومن الناس مَنِ ابتُليَ بصبغ لحيته بالسوادِ، وهذا محرَّمٌ، وعليه وعيدٌ شديد؛ لأنَّ النبي ﷺ نَهَى عن الصبغ بالسواد في أحاديث صحيحة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قالَ: قال رسولُ الله ﷺ: «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ لِحَاهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ، كَحَواصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» [أخرجه أبو داود (٤٢١٢)، والنسائي (٥٠٧٥)، وأحمد (٢٤٧٠) وصححه الألباني].
وهذا وعيدٌ شديد يدُلُّ على شدةِ تحريم هذا العمل.
أمَّا تغييرُ لونِ الشيب بغير السواد، فإنَّه مشروعٌ، كصبغه بالحناء، أو الكتمِ، أو غيرهما، ممَّا ليسَ لونُه من الأسودِ الخالصِ.
ومما يُنْهَى عنه: نتفُ الشيب، فقد قالَ النبي ﷺ: «لَا تَنتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» [أخرجه أبو داود (٤٢٠٢)، وأحمد (٦٩٦٢)، والترمذي (٢٨٢١)، والنسائي (٥٠٦٨)، وابن ماجه (٣٧٢١) وحسنه الشيخ الألباني]
وبعضُ الناس قد يفعَلُ السيئتين بحيثُ يقُصُّ لحيتَه، ويُبقي منها شيئًا قليلًا يصبغُه بالسوادِ، وكلا الفعلين محرم ومعصيةٌ.
إنَّ اللحيةَ جمالُ الرجل وهيبتُه، وهي الفارقةُ بينَ وجه الرجل ووجه المرأة.
فما بالُ بعضِ الناس يعادُونها، ويعبثون بها، لكنَّه التقليدُ الأعمى، واتباعُ الهوى والشيطان.
فالواجبُ على مَنِ ابتُليَ بفعلِ شيءٍ من ذلك أن يتوبَ إلى الله، ويُطيعَ رسولَ الله، فإنه: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ...﴾ [النساء:80].
واهتدى بهدى الله، كما قال تعالى: ﴿... وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ...﴾ [النور:54].
الخصلةُ الرابعة من خصال الفطرة: نتفُ الإبط، أي: نزعُ ما ينبُتُ فيه من شعرٍ أو إزالته بأيِ وسيلة، كالحلق، وأنواعِ المزيلاتِ؛ لِما في إزالته من قطعِ الرائحة الكريهة، وإزالة الوسخ المجتمِع عليه، وغير ذلك من الفوائد.
ولِما في بقائِه من التشويه.
الخصلة الخامسة من خصال الفطرة: تقليمُ أظافر اليدين والرجلين، أي: قصُّها لِما في تركها طويلةً من تشويهِ الخلقة، والتشبُّه بالسباعِ، ولِما يتراكَمُ تحتَها من الأوساخ المنافية للنظافة المطلوبة شرعًا؛ ولأنَّها تمنَعُ وصولَ الماء إلى ما تحتها في الطهارة للصلاة.
وبعضُ النساء وبعض الشباب، قد ابتُلُوا بتطويلِ الأظافر، وعدم قَصِّها تشبُّهًا بالكفار، ومخالفةً للسنة الثابتة عن النبي ﷺ وبعض النساء قد تَضَعُ على الأظافر صبغًا سميكًا، يسمى بالمناكير، يتجمَّدُ على الظفرِ، ويمنَعُ وصولَ ماء الطهارة إليه.
وهذه لا تَصِحُّ طهارتُها؛ لأنه قد بقيَ جزءٌ من جسمِها لم يصلْه الماءُ، وهذا خطرٌ عظيم يجبُ التنبُّه له، والتنبيه عليه.
ومن خصالِ الفطرة الثابتة بالأحاديثِ الكثيرة الصحيحة: السواكُ، فقد وَرَدَ في فضله، والحثِّ عليه أكثرُ من مائةِ حديث، واتفقَ العلماءُ على أنه سنةٌ مؤكدة، وهو استعمالُ عود، ونحوه في الأسنان؛ ليُذهبَ الصفرة، ونحوها، والرائحة الكريهة.
عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» [أخرجه النسائي (٥)، وأبو يعلى (٤٥٦٩)، وابن خزيمة (١٣٥)، وعلَّقه البخاري].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» [رواه الجماعة].
وفي رواية لأحمد: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ».
ويستحَبُّ السواكُ كلَّ وقتٍ، ويتأكَّدُ عندَ الوضوء قبل المضمضة، وعندَ الصلاةِ وقراءة القرآن والانتباه من النوم، وعندَ تغيُّرِ رائحة الفم؛ لأنَّ المسلمَ ينبغي له أن يكونَ نظيفَ الفمِ طيب الرائحة دائمًا، ولا سيَّما عند عبادة ربِّه ومخاطبته، والدخول في بيتٍ من بيوته، فهو نوعٌ من التطهير المشروع من أجلِ الربِّ سبحانه؛ لأنَّ مخاطبةَ العظماء مع طهارةِ الأفواه تعظيمٌ لهم.
ويستحَبُّ: أن يستاكَ بعودِ الأراك، فهو أحسنُ أنواعِ السواك أو بشمراخِ عذقِ النخيلِ، أو بأيِّ شيءٍ يُزيلُ رائحةَ الفم، ويُنظفُ الأسنان، وفي السواك فوائدُ كثيرة.
فلا ينبغي للمسلم تركهُ.
والله الموفق.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 30﴾ [الروم:30].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خَلَقَ الإِنسان، وسخَّر له كل شيءٍ في هذه الأكوان.
وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له ذو العَظَمة والسلطان، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله إلى كافةِ الثقلين الإِنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه كل وقت وأوان، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعدُ:
فيا أيُّها الناس: اتقوا الله تعالى بفعلِ ما أمركم به، وتركِ ما نهاكم، واقتدوا برسوله، واعمَلُوا بسنتِه، لعلَّكم ترحمون.
عبادَ الله: ينبغي تعاهُدُ الأشياءِ التي يُشْرَعُ أخذُها، كالشارب والأظفار، وشعر الإِبط والعانة، بحيثُ لا تُتْرَكُ تطولُ طولًا مشوِّهًا، ويحصُلُ منها أضرارٌ، ولِما في طول بقائها من مخالفةِ السنة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [رواه مسلم (258)].
وفيه دليلٌ على أنه لا يجوزُ تركُها أكثرَ من ذلك، والأفضلُ أن يتعاهَدَها كلَّ أسبوعٍ.
وهكذا ينبغي أن يكونَ المسلم نظيفًا جميلَ الهيئة عاملًا بالسنة، ولا يتجارى مع العوائد المخالفة للسنة.
فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هَدْيُ محمد ﷺ.
****
عنوان الخطبة
آداب قضاء الحاجة
مقدمة الخطبة الأولى
إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فإن الدين الإسلامي دين كامل ما ترك شيئًا مما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم إلا بيَّنه، قال تعالى: ﴿... مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ...﴾ [الأنعام: 38]، ومن ذلك آداب قضاء الحاجة ليتميز الإنسان الذي كرَّمه الله عن الحيوان، قال تعالى: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا 70﴾ [الإسراء: 70].
وقال تعالى: ﴿... فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]، وهناك آداب شرعية تُفعل عند دخول الخلاء، وحال قضاء الحاجة، فمن ذلك:
1- أن يقول عند دخول الخلاء: «بِسْمِ اللَّهِ، اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، فقد روى الترمذي في سننه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللّه» [الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧) وصححه الألباني].
وروى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» الخبث: ذكران الشياطين وإناثهم، والخبائث: المعاصي، وقيل مطلق الأفعال المذمومة.
وروى أبو داود في سننه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» [أبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٩٠٧)، وابن ماجه (٣٠٠) وصححه الألباني].
2- إذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء -أي في محل غير مُعَدٍّ لقضاء الحاجة - فإنه يستحب له أن يبعد عن الناس بحيث يكون في مكان خالٍ، ويستتر عن الأنظار بحائط، أو شجرة، أو غير ذلك.
فقد روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله أن النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ» [أبو داود (١)، والنسائي (١٧)، وابن ماجه (٣٣١)، والترمذي (٢٠) وصححه الألباني].
ومعناه: إذا أراد قضاء حاجته أكثر المشي حتى بعد عن الناس في موضع ذهابه.
3- عليه ألَّا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال قضاء الحاجة، بل ينحرف عنها؛ لأن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنيت قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
4- لا يجوز له أن يمس فرجه بيمينه، وكذلك لا يجوز له أن يقضي حاجته في طريق الناس، أو في ظلهم، أو موارد مياههم، لنهي النبي ﷺ عن ذلك لما فيه من الإضرار بالناس وأذيتهم، روى البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحُ بِيَمِينِهِ».
ولما روى أبو داود في سننه من حديث عائشة، قالت: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى» [أبو داود (٣٣) وأحمد (٢٦٢٨٣) وصححه الألباني].
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللّه؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [مسلم (269)]
ولا يدخل موضع الخلاء بشيء فيه ذِكر الله، أو فيه قرآن، فإن خاف على ما معه مما فيه ذكر الله جاز له الدخول ويغطيه، ولا ينبغي له أن يتكلم حال قضاء الحاجة، فقد ورد في الحديث - الذي حسنه بعض أهل العلم - النهي عن ذلك.
ويَـحْرُم عليه قراءة القرآن، ولا يُشرع له رد السلام، فقد روى أبو داود في سننه من حديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ، فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّه إِلَّا عَلَى طُهْرٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَة» [أبو داود (17) وصححه الألباني]
5- عليه أن ينظف المخرج بالاستنجاء بالماء، أو الاستجمار بالأحجار، أو ما يقوم مقامهما، وإن جمع بينهما فهو أفضل، وإن اقتصر على أحدهما كفى، والاستجمار يكون بالأحجار أو ما يقوم مقامهما من الورق الخشن، أو المناديل أو الخرق ونحوهما مما ينقي المخرج وينشفه.
ويشترط ثلاث مسحات متعينة فأكثر إذا أراد الزيادة، ولا يجوز الاستجمار بالعظام ورجيع الدواب أي: روثها؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنها طعام إخواننا من الجن، فقد روى أبو داود في سننه من حديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَنِ الاسْتِطَابَةِ، فَقَالَ: «بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ» [أبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥)، وأحمد (٢١٨٥٦) وصححه الألباني].
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قَالَ للجِنِ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللّه عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ».
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
نص الخطبة الثانية
6- عليه أن يتنـزه من البول، ويبحث عن المكان الذي ليس بصلب حتى لا يرتد البول عليه، فإن عامة عذاب القبر من عدم التنـزه من البول، فقد ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»، وفي رواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ عَنْ الْبَوْلِ».
وهنا أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن بعض العوام يظن أن الاستنجاء من الوضوء، فإذا أراد أن يتوضأ بدأ بالاستنجاء، ولو كان قد استنجى سابقًا بعد قضاء الحاجة، وهذا خطأ، فإنه ليس من الوضوء، والاستنجاء فعله بعد الفراغ من قضاء الحاجة، ولا داعي لتكراره، قال تعالى: ﴿...وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ...﴾ [الحج: 78].
***
عنوان الخطبة
الوضوء فضله وآثاره
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله الذي شرع الشرائع وأحكم الأحكام، وجعلها بالغة الحسن وغايةً في الإحكام، أحمده تعالى وأشكره وهو أهل الحمد والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الحكيم العليم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ذو الوجه المضيء الوضيء والفعل الجميل الرضي، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم بالتقوى -أيها الناس- فهي خير زادٍ وخير لباس، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102].
ثم اعلموا -رحمكم الله- أن أعمالكم تُحصى، وأن أعماركم تنقص، وأن يد الموت عاملة والأجل مغيَّب، وليس بينكم وبين الآخرة إلا قبض روحكم؛ فمن حاسب نفسه ربح، ومن نظر إلى العواقب نجا، ومن خاف سلم، ومن أطاع هواه ضل؛ فهنيئًا لمن استعد للقاء الله وتخفف من الدنيا وتاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى.
أيها المسلمون: تكليفٌ لطيفٌ وأمرٌ إلهيٌّ خفيفٌ وفيه تخفيف، جعله ربنا شرطًا بين يدي الصلاة، ومطفئًا لغضب النفس حين تضيق بالنفس الحياة وتكتنفها المعاناة، هو للمؤمن سلاحٌ ويعقبه للنفس ارتياحٌ وللصدر انشراح.
عباد الله: من أجمل الأحكام والحكم ما يتعلق بالطهارة والوضوء؛ ذلكم أن الإسلام دين الطهارة والنقاء والنظافة والصفاء.
جمع بين تطهير الباطن والظاهر، وفي أوائل آيات التنزيل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1 قُمۡ فَأَنذِرۡ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4 وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ 5﴾ [المدثر: 1 - 5].
وعند التأمل تتبدى لك أحكامٌ جليلة وحكمٌ جميلة تتبين فيها عظمة الإسلام ورقي أحكامه وسمو شريعته، فما أجمل أن يكون المسلم متوضئًا.. فضائل وأجور ونظافة وطهور: ﴿... إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، عملٌ يسيرٌ وأجرٌ كبير، وفي آخر آية الوضوء ﴿... مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
الوضوء مأخوذ من الوضاءة، وهي الإشراقة والضياء والنور والصفاء والحسن والنظافة، وهي الحالة التي يكون عليها باطن المتوضئ وظاهره حينما يتوضأ؛ فهو علامة الإيمان، قال ﷺ: «وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» [رواه ابن ماجه: 277].
أيها المسلمون: منزلة الوضوء في الإسلام منزلةٌ عالية؛ فهو نصف الإيمان، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ ٱلْإِيمَانِ» [رواه مسلم: 223].
الوضوء عبادةٌ مستقلةٌ وقربةٌ كاملة حتى ولو لم تعقبه صلاة، إن الأمر ليس مجرد غسلٍ للأطراف وإزالةٍ للأقذار، إنه أعلى وأجل؛ فالوضوء عبادة، والوضوء محوٌ للذنوب، وكفارةٌ للخطايا، ورفعةٌ للدرجات، وسببٌ لدخول الجنة، وحرزٌ من الشيطان، وحفظٌ من الشرور، ومنافع للقلوب والأبدان.
وهاكم -أيها المتوضئون- طائفة من أقوال النبي ﷺ فيها البشارة والتحريض: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ أَوِ المُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَتْ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» [رواه مسلم: 244].
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» [رواه مسلم: 245].
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذٰلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» [رواه مسلم: 228].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَى إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ» [رواه مسلم: 251].
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي ﷺ توضأ ثم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هٰذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري: 159، ومسلم: 226].
أيها المسلمون: أيها المتوضئون: الوضوء سيماء المؤمنين، وشعار هذه الأمة بين العالمين، وقد قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» [رواه البخاري: 136، ومسلم: 246].
وقال ﷺ: «تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ» [رواه مسلم: 248].
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يمد يديه ويقول: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» [رواه مسلم: 250].
عباد الله: الوضوء ينشِّط الجوارح، ويزيد حركة الدم في البدن، ويعيد فيه قوته ونشاطه وحيويته، ويوقف العبد أمام ربه بطهارةٍ وروح عالية، ويجلب محبة الله للعبد: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. وقال تعالى: ﴿...فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108].
وأعظم ما يُشترط له الوضوء: الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والوضوء مفتاحها، ولا يقف المتعبد في محراب الصلاة إلا متوضئًا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» [رواه البخاري: 135، ومسلم: 225]. وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غَلُولٍ» [رواه مسلم: 224].
وفي الأمر بالوضوء وصفته يقول الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ...﴾ الآية [المائدة: 6]، وهذه من أعظم آيات الأحكام كما قال ابن تيمية رحمه الله.
وقال ابن العربي رحمه الله: "قال بعض العلماء: إن فيها ألف مسألة" [أحكام القرآن: 2/ 47]، وصدقوا، فإن فيها من الأحكام والحكم ما لا ينقضي منه العجب، ومنه صفة الوضوء، وهو: غسل الوجه مع المضمضة والاستنشاق، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم مسح الرأس والأذنين، ثم غسل الرجلين إلى الكعبين كما توضأ النبي ﷺ؛ فعن حمران مولى عثمان: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَا بِوُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ؛ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَٰلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَٰلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هٰذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري: 159، ومسلم: 226].
هذه هي صفة الوضوء الكاملة، والتي ينبغي على المسلم العناية بها، وأن يستوعب جميع أجزاء أعضاء الوضوء بلا إهمال ولا وسواس.
وقد رأى النبي ﷺ مَن تعجَّل في الوضوء فبقي في عقِبِه شيءٌ لم يصله الماء فقال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» [رواه البخاري: 60، ومسلم: 241]، وفي رواية: «وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ» [رواه مسلم: 242].
وثبت أن النبي ﷺ توضأ وغسل أعضاءه مرة مرة، وتوضأ أخرى فغسلها مرتين مرتين، وتوضأ أخرى فغسل أعضاءه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هٰكَذَا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هٰذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» [حديث صحيح رواه النسائي: 140].
ومنه يُعلم أن الزيادة على الثلاث وسوسةٌ من الشيطان وغلوٌّ وتنطعٌ وإسرافٌ منهيٌّ عنه، والشيطان حريصٌ على إفساد عبادة الإنسان بالغلو والوسوسة. قال الحسن البصري رحمه الله: "إن شيطانًا يضحك بالناس في الوضوء يقال له الولهان" [رواه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان: 29].
وإن مما تُقطع به الوسوسة: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك نضح الفرج بالماء بعد الوضوء -كما ثبت في السنة [ينظر سنن أبي داود: 168]- حتى يعلم أن البلل من الماء لا من البول فيقطع طريق الوسواس.
أيها المسلمون.. أيها المتوضئون: وإذا ختم المسلم وضوءه بالشهادتين فُتِحت له أبواب الجنة؛ فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ». قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذَا، فَإِذَا قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» [رواه مسلم: 234].
وفي رواية: «اللَّهُمَّ ٱجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» [رواه الترمذي: 55].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 6﴾ [المائدة: 6].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله.. الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، والشكر كثيرًا وقد تَأَذّنَ بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من توضأ وتطهر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الميامين الغرر.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
أيها المسلمون: فإن الوضوء ليس مرتبطًا بالصلاة وحسب، بل هو مشروعٌ في مواطن كثيرة مندوبٌ إليه في كل حال؛ فهو مشروعٌ عند النوم، كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ...» الحديث [رواه البخاري: 247، ومسلم: 2710].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ بَاتَ طَاهِرًا بَاتَ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ، فَلَا يَسْتَيْقِظُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَالَ المَلَكُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ كَمَا بَاتَ طَاهِرًا» [رواه ابن حبان في صحيحه: 1051].
كما أنه مشروعٌ عند الاستيقاظ من النوم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ ٱللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» [رواه البخاري: 1142، ومسلم: 776].
ومشروعٌ عند الغضب لإخماد ثوران النفس وإطفاء حرارتها ودحر الشيطان، ففي الحديث عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» [رواه أبو داود: 4784].
كما يُشرع للجنب إذا أراد أن يجامع أهله مرة أخرى أن يتوضأ؛ فإن ذلك خيرٌ له وأنشط لبدنه ونفسه، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» [رواه مسلم: 308].
بل حتى إذا أراد الجنب أن يأكل أو ينام قبل الاغتسال فيسن له أن يتوضأ، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» [رواه البخاري: 288، ومسلم: 305].
اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين.
ثم اعلموا -رحمكم الله- أن الله قد أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب:56]. اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آل بيته وصحابته الطيبين الطاهرين.
***
عنوان الخطبة
الوضوء فضله وأحكامه
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء: 1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا 70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب:70 - 71].
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فإن المؤمن يوصف بالطَّهَارة، ويوصف المشرك بالنَّجَاسة، فالمؤمن طاهر من الشرك ورجسه، وكلما اقترب من كمال الإيمان؛ كان قلبه طاهرًا من الحقد والحسد والكراهية، وكان عمله طاهرًا من الرياء والسُّمْعَة، وكانت جوارحه طاهرة من المعاصي والآثام.
وأعداءُ الله تعالى تَنَجَّسوا بعدائه، والاستكبار عن طاعته، فهم أَوْلَى بكل نجاسة: ﴿...أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [المائدة: 41]، ولما كانوا كذلك كانوا حربًا على المؤمنين المتطهرين، يتواصون في نواديهم النجِسة قائلين: ﴿... أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82].
إن طُهْر المؤمنين كان بالإيمان بالله تعالى، والإخلاص له، والمسارعة إليه بالأعمال الصالحات، فالوضوء طهارة للوقوف بين يدي الله تعالى، والصلاة طهارة تغسل دَرَنَ الذنوب والمعاصي، والزكاة طهارة للمال: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...﴾ [التوبة: 103]، وهكذا سائر العبادات.
والأشياء المحترمة طاهرة، والمؤمن محترم حيًّا وميتًا فهو طاهر، وما في الجنة محترم لذا كان مطهرًا: ﴿...لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ...﴾ [آل عمران: 15]، وبيوت الله مُحْتَرمة لذا وجب تطهيرها: ﴿... وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، وكتاب الله تعالى محترم، طاهر مطهر: ﴿فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ 13 مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ 14﴾ [عبس: 13 - 14]. ﴿رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ 2﴾ [البيِّنة: 2] لذا كان واجبًا أن لا يمسه إلا طاهر ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ 77 فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ 78 لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ 79﴾ [الواقعة: 77 - 79].
والطهارة الحسية تكمِّل الطهارة المعنويَّة، فالإسلام دين النقاء والطهارة؛ ولذا امتنَّ الله تعالى على عباده بإنزال الماء: ﴿... وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا﴾ [الفرقان: 48]، ﴿...وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ...﴾ [الأنفال: 11]، ومن أول النداءات التي نودي بها رسول الله ﷺ في بعثته: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1 قُمۡ فَأَنذِرۡ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4 وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ 5﴾ [المدَّثر: 1 - 5].
طهارةٌ حسية بتطهير الثياب، وطهارةٌ معنوية باجتناب الأوثان، نقل ابن كثير في تفسيره عن ابن زيد: "كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه" [تفسير ابن كثير: 8/ 263].
وما جاءت الطهارة في النداءات الأولى لهذه الشريعة العظيمة إلا لعظيم أهمية الطهارة في الإسلام؛ بل وجاء الخبر القرآني بمحبة الله تعالى للمتطهرين: ﴿... فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] قال عليه الصلاة والسلام: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ﴾ [التوبة: 108] كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هٰذِهِ الآيَةُ» [رواه أبو داود: 44].
ونصَّت السنة النبوية على أن الطهور شطر الإيمان [رواه مسلم: 223]؛ أي: نصفه، والوضوء للصلاة من أعظم الطهارات التي رتب عليها الأجر العظيم، فمن أسباب محو الخطايا ورفع الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكروهات، فالوضوء يخرج خطايا الجوارح والأعضاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» [رواه مسلم: 244].
ويعظم فضلُ الوضوء وأثره في حياة المؤمن؛ إذ هو العلامة التي يعرفها النبي ﷺ في أمته يوم القيامة من بين سائر الأمم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أَنْتُمُ السَّابِقُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قالوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» فقالوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ ظَهْرَي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ! فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا» [رواه مسلم: 249].
وعنه رضي الله عنه قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» [رواه مسلم: 250].
أما صفة وضوئه ﷺ فيحكيها أمير المؤمنين عُثْمان بنُ عَفَّان رضي الله عنه حيث دَعَا بِوُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفِقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَٰلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ اليُسْرَى مِثْلَ ذَٰلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هٰذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري: 164، ومسلم: 226].
قال ابنُ شهاب الزهري: "وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأُ به أحد للصلاة" [رواه مسلم: 226].
وقد ثبت أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة [رواه البخاري: 157]، ومرتين مرتين [رواه البخاري: 158]، وثلاثًا ثلاثًا [رواه البخاري: 164، ومسلم: 226]، وثبت عنه أيضًا أنه خالف بين أعضائه في عدد الغسلات فغسل وجهه ثلاثًا ويديه مرتين ورجليه مرة [رواه البخاري: 197، ومسلم: 235]، وكل هذا ثابت في سنته ﷺ، والأفضل أن يأتي العبد بهذا مرة وبهذا مرة حتى يدرك سنته ﷺ كلها.
وإذا صلى العبد بوضوئه استُحِبَّ له أن يجدد وضوءه للصلاة الأخرى، أما إذا لم يُصلِّ بوضوئه فلا يجدده، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: "وإنما تكلَّم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول هل يُسْتَحَبُّ له التجديد؟ أما من لم يُصلِّ فلا يستحب له إعادة الوضوء؛ بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ، ولما عليه المسلمون في حياته وبعده إلى هذا الوقت" انتهى كلامه [مجموع الفتاوى: 21/ 376].
وإذا توضأ المؤمن فقد أدى طهارة بدنه، فيقول كلمة التوحيد تأكيدًا على طهارة قلبه من الشرك، ويسأل الله أن يديمه على هذا التطهر، ورد هذا في سنة المصطفى ﷺ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» [رواه الترمذي: 55].
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ وُضُوءِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابِعٍ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» [رواه النسائي في السنن الكبرى: 9829، والحاكم في المستدرك: 2072 وصححه].
والديمومة على الوضوء صفةٌ من صفات الكمال للمؤمنين، لا يصبر على الاتصاف بها إلا هم، قال عليه الصلاة والسلام: «اسْتَقِيمُوا، وَنِعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» [رواه ابن ماجه: 279].
والوضوءُ بعد الحدث، ثم الصلاةُ بهذا الوضوء، من ميادين المسابقة إلى الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ» قال: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَىٰ عِندِي أَنْي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا، فِي سَاعَةٍ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَٰلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ» [رواه البخاري: 1149، ومسلم: 2458].
الله أكبر! عمل قليل، وخير كثير، وضوء بعد كل حدث، وصلاة بعد كل وضوء، والجزاء سبقٌ إلى الجنة.
والديمومة على الطهارة تجعل العبد يلقى ربه وهو على طهارة ولو كان موته فجأة؛ ولذلك فإن المؤمن لا يرضى إلا أن يكون على طهارة دائمة حتى في نومه، كيف والنبي ﷺ يقول: «طَهِّرُوا هٰذِهِ الأَجْسَادَ، طَهَّرَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ يَبِيتُ طَاهِرًا إِلَّا بَاتَ مَعَهُ مَلَكٌ فِي شِعَارِهِ، لَا يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ الَّيْلِ إِلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ، فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا» [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 13620].
ما هذا الفضل العظيم؟! استغفار الملائكة للعبد كلما تقلب في فراشه طوال الليل، وما على العبد إلا أن يتوضأ قبل أن ينام حتى ينال هذا الفضل، فمن يا تُرَى يحرم نفسه هذا الخير؟! فينام على غير طهارة؛ فإن قُبِضت روحه قُبِضت على غير طهارة، وإن أُرْسِلَت فاته فضل استغفار الملائكة.
أيها الإخوة: هذا الوضوء وهذا فضله في الإسلام، فأيُّ دين أَولى التطهر والنظافة هذه العناية العظيمة غير دين الإسلام؟! فلله الحمد بالإسلام، ونسأله الثبات عليه إلى الممات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ6﴾ [المائدة: 6] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمد الشاكرين، وأستغفره استغفار المذنبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله سيدُ البشر أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فاتقوه تفلحوا فإنه: ﴿...مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، ﴿... وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [آل عمران: 179].
أيها الإخوة: مما يؤخذ على كثير من الناس في الوضوء عدم إسباغه؛ إما تهاونًا بشأنه؛ وإما جهلًا بصفته الشرعية، وإنما رُتِّب الأجر العظيم في الوضوء على إسباغه وإتمامه وإحسانه، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» [رواه مسلم: 234]، وعن عثمان رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَمَّ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ ٱللَّهُ، فالصَّلَوَاتُ المَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» [رواه مسلم: 231]، قال البخاري: "وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ" [صحيح البخاري: 1/ 44].
وعدم إسباغ الوضوء فيه وعيد شديد، روى محمدُ بنُ زياد قال: سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا والناس يتوضؤون من المطهرة، قال: أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ» [رواه البخاري: 165، ومسلم: 242 واللفظ لمسلم]، فليتق الله أناس لا يبالون كيف توضؤوا، ولا يهتمون بإسباغ الوضوء كما أمر الله تعالى.
هذا فريق المقصِّرين، يقابله فريق المُوَسْوِسِينَ في الوضوء، المعذِّبين لأنفسهم، المسرفين في صب المياه، وإهدارها بغير حق، وقد كان النبي ﷺ يُغسِّله الصاع من الماء من الجنابة، ويُوضِّئه المد [رواه البخاري: 201، ومسلم: 325].
ولما قال رجل لجابر عن الغسل بالصاع: ما يكفيني، قال له جابر: "كان يكفي من هو أوفى مِنْكَ شَعرًا وخير منك" [رواه البخاري: 252، ومسلم: 329].
قال الإمام أحمد: "من فقه الرجل قلةُ ولوعه بالماء".
وقال تلميذه المروزي: "وضَّأت أبا عبد الله فسترته من الناس؛ لئلا يقولوا إنه لا يحسن الوضوء، لقلةِ صب الماء، وكان رحمه الله يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى" [إغاثة اللهفان: 1/ 222].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "ودلَّتِ السنن الصحيحة على أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَهُ لم يكونوا يكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان" [نقله ابن القيم في إغاثة اللهفان: 1/ 221].
وقال ابن القيم يذكر هدي النبي ﷺ: "وكان من أيسر الناس صبًّا لماء الوضوء، وكان يحذر أمته من الإسراف فيه، وأخبر أنه يكون في أمته من يتعدى في الطهور" انتهى كلامه [زاد المعاد: 1/ 184].
وإذا كان ينهى عن الإسراف، وصب المياه في العبادات ففي غيرها من باب أولى.
ومن الإسراف في المياه، والابتداع في الوضوء: الزيادة على ثلاث غسلات، قال الإمام أحمد: "لا يزيد على الثلاثِ إلا رجلٌ مبتلًى" [ذكره الترمذي في سننه: 1/ 63].
وقال ابن المبارك: "لا آمَنُ مَنِ ازْداد على الثلاث أن يأثم" [ذكره ابن قدامة في المغني: 1/ 103].
وقال النخعي: "تشديد الوضوء من الشيطان، لو كان هذا فضلًا لأوثر به أصحاب محمد ﷺ" [ذكره ابن قدامة في المغني: 1/ 103].
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثم قال: «هٰذَا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هٰذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» [رواه النسائي: 140].
فاتَّقوا الله ربَّكم، وتفقَّهوا في دينكم، وأحسِنُوا الوضوء: ﴿۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ31﴾ [الأعراف: 31].
ثم صلوا وسلموا على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم بذلك ربكم؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
***
عنوان الخطبة
أحكام المسح على الخفين
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله اللطيف الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الكبير، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه البشيرُ النذيرُ والسِّراجُ المُنير، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه، صلاةً وسلامًا يحصُلُ بها الخيرُ الكثير، والأجرُ الكبير.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا وبطاعته؛ فبذلك يحصُلُ كلُّ مطلوب، وينجُو الإنسانُ من كل مرهُوب.
أيها المسلمون: من رحمةِ الله جل وعلا بعبادِه: أن شرَعَ لهم من الأحكام ما يُيسِّرُ لهم أمورَهم، وتستقيمُ به أحوالُهم، وفقَ مبادِئ التيسير والتسهيلِ.
فمن قواعِد شريعةِ الإسلام: "المشقَّةُ تجلِبُ التيسير"، ومن جوانِبِ التيسير في شريعةِ مُحمدٍ ﷺ: مشروعيَّةُ المسح على الخُفَّين الثابِتِ بالكتابِ العظيم والأحاديث المُتواتِرة عن النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه.
فيُسنُّ المسحُ عليهما ما دامَ الإنسانُ لابِسًا لهما.
إخوة الإسلام:
ويلتحِقُ بمشروعيَّة المسح على الخُفَّين المصنُوعَين من الجُلود: المسحُ على الجَورَبَين، وهما ما يُتَّخذُ من القُطن أو من الصُّوفِ ونحوِه مما هو في حياة الناس اليوم؛ فيُشرعُ المسحُ على الجَورَبَين بهذا الوصفِ في الوضوء، متى لبِسَهما الإنسانُ على طهارةٍ كامِلةٍ، بمعنى: أن يتوضَّأَ وضوءًا كامِلًا، أو يغتسِلَ غُسلًا مشروعًا كالغُسل من الجَنَابَة مثلًا، ثم يلبَسهما بعد ذلك.
والأحوطُ أن لا يلبَسَ المُتوضِّئُ الخُفَّ أو الجَوربَ حتى يغسِلَ قدَمَيه كليهما، فحينئذٍ له أن يمسحَ بعد ذلك.
والمسحُ إنما هو في الطهارة من الحدثِ الأصغر، أما الحدثُ الأكبر كمن عليه جنابَةٌ، فلا يجوزُ في ذلك المسحُ على الخُفَّين؛ بل لا بُدَّ من خلعِهما وغسل البدَن كامِلًا.
إخوة الإسلام:
ومُدَّة المسحِ على الخُفَّين للمُقيم يومٌ وليلةٌ، وللمُسافِر ثلاثةُ أيامٍ بليالِيها، وتبدأُ مُدَّةُ المسح من أول مسحٍ بعد الحدث الذي يُصيبُ الإنسان، مما يُسمَّى عند أهل العلم بـ "نواقض الوضوء".
فمثلًا: إذا توضَّأ لصلاة الظهر، ثم لبِسَهما، ثم أحدثَ، ثم مسحَ عند صلاةِ العصر، فحينئذٍ تبدأُ مُدَّة المسحِ من مسحِه عند صلاةِ العصر.
ومن مسحَ وهو مُسافِرٌ، ثم أقامَ في البلد أتمَّ مَسْحَ مُقيم - أي: يومٌ وليلةٌ – ما دامَت هذه المُدَّة قائِمة، ومن مسَحَ وهو مُقيمٌ في البلَد، ثم سافَرَ في أثناءِ هذه المُدَّة، فيمسحُ مُدَّة مسحِ المُسافِر – أي: ثلاثة أيامٍ بليالِيها - على الراجِح من قولَي أهل العلم.
والمسح على الخُفَّين مُتعلِّقٌ بغسل الرِّجلَين في الوضوء؛ بمعنى: لا بُدَّ أن يتوضَّأ وضوءًا شرعيًّا بالماء، أما إذا تيمَّمَ الإنسانُ في حالِ مشروعيَّة التيمُّم، ثم لبِسَ خُفَّيه، فلا يجوزُ له أن يمسحَ إذا وجدَ الماء، بحُجَّة أنه لبِسَ الخُفَّين على طهارةٍ شرعيَّة؛ إذ الطهارةُ في المسح على الخُفَّين تتعلَّقُ بغسلِ القدَمَين بالماء مع سائرِ الأعضاء.
فمثلًا: من لم يجِد الماءَ أو كان مريضًا لا يستطيعُ استعمالَ الماء في الوضوء؛ فإنه لا مانِع من أن يلبَسَ خُفَّيه ولو على غير طهارةٍ ويُصلِّي بهذا التيمُّم، ولكن إذا وجدَ الماءَ أو شُفِيَ المريضُ فلا بُدَّ من وضوءٍ تامٍّ بما فيه غسلُ القدَمَين.
ومتى شكَّ الإنسانُ في ابتِداءِ مُدَّة المسحِ؛ فإنه يبنِي على اليَقين، وهو عدمُ المسح.
فمثلًا: إنسانٌ شكَّ هل بدأَ من صلاةِ الظهر أو من صلاةِ العصر، فالأصلُ أن يبنِي على اليقين، وهو عدمُ المسحِ، فحينئذٍ يحسِبُ المُدَّة من صلاة العصر.
والواجبُ - أيها المسلمون - أن يمسحَ أعلى الخُفِّ، بأن يبدأَ المسحَ من أصابِع قدَمَيه إلى ساقِه، فيمسحُ اليُمنَى، ثم اليُسرى، وإن مسَحَهما جميعًا - أي: يمسحُ رِجلَه اليُمنَى بيدِه اليُمنَى، ورِجلَه اليُسرَى بيدِه اليُسرَى - دُفعةً واحدةً فلا بأسَ.
ولا يُسنُّ مسحُ أسفل الخُفِّ ولا عقِبِه، قال عليٌّ رضي الله عنه: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» [رواه أبو داود: 162، وقال ابن حجر: إسناده صحيح].
وإذا لبِسَ الإنسانُ الجوارِب، ثم لبِسَ عليهما جوارِبَ أخرى، ومسحَ على العُليا، فلا بأسَ، على الصحيح من قولَي أهل العلم، ما دامَت مُدَّة المسح قائِمةً، وتُحسبُ المُدَّةُ من مسحِه على الجَورَب الأول.
وإذا انتهَت مُدَّة المسح والإنسانُ على طهارة، فلا تنتقِضُ طهارتُه بذلك، على القول الراجِح، واختارَه ابن تيمية رحمه الله وغيرُه من أهل التحقيق؛ لأن الشرعَ وقَّتَ المسحَ، فإذا تمَّت مُدَّتُه والإنسانُ على طهارةٍ فطهارتُه باقيةٌ، ولكن لا يجوزُ له المسحُ عليهما حتى يأتيَ بوضوءٍ كاملٍ، وتبدأُ مُدَّة مسحٍ جديد.
ومثالُ هذه المسألة - وهي انتِهاءُ مُدَّة المسح على الخُفَّين-: أن تبتدِئَ مُدَّة المسح من صلاة العصر، فيكونُ الإنسانُ على طهارتِه حتى يأتي العصرُ الجديد من اليوم الثاني، والإنسانُ على طهارتِه بعد أن مسحَ اليوم والليلة باقية ولم ينتقض وضوؤُه. فحينئذٍ نقول: إنه يجوزُ له أن يُصلِّي بتلك الطهارة، ولا دليلَ على نُقضانها وبُطلانها.
جعلَني الله وإياكم من أهل الفقهِ في دينِه، وبصَّرَنا بشريعةِ ربِّنا وسُنَّة نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعَنا بما فيه من الهدي والبيان، أقول هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمدُ لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، فتحَ الله به أعيُنًا عُميًا، وقلوبًا غُلفًا، وآذانًا صُمًّا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه أهل البرِّ والتقوى.
نص الخطبة الثانية
فيا أيها المسلمون:
إن ديننا دين يسر، لا دين مشقة وحرج، يضع لكل حالة ما يناسبها من الأحكام مما به تتحقق المصلحة وتنتفي المشقة، ومن ذلك ما شرعه الله في حالة الوضوء، إذا كان على شيء من أعضاء المتوضئ حائل يشق نزعه ويحتاج إلى بقائه؛ لوقاية جرح ونحوه كالجبيرة ونحوها؛ فإن الشرع رخص للمتوضئ أن يمسح على هذه الحوائل، ويكتفي بذلك عن نزعها وغسل ما تحتها؛ تخفيفًا منه سبحانه على عباده، ودفعًا للحرج عنهم.
فيُمسح على الجبيرة، وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر، ويُمسح على الضماد الذي يكون على الجرح، وكذلك يُمسح على اللصوق التي تُجعل على القروح، كل هذه الأشياء يُمسح عليها؛ بشرط أن تكون على قدر الحاجة؛ بحيث تكون على الكسر أو الجرح وما قرب منه مما لا بد من وضعها عليه لتؤدي مهمتها، فإن تجاوزت قدر الحاجة؛ لزمه نزع ما زاد عن الحاجة.
ويجوز المسح على الجبيرة ونحوها في الحَدَث الأصغر والأكبر، وليس للمسح عليها وقت محدد، بل يُمسح عليها إلى نزعها أو بُرء ما تحتها؛ لأن مسحها لأجل الضرورة إليها، فيقتدر بقدر الضرورة.
والدليل على مسح الجبيرة حديث جابر رضي الله عنه قال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أُخْبِرَ بِذَٰلِكَ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ ٱللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا» [رواه أبو داود: 336، وصححه ابن السكن].
وفقنا الله جميعًا للعلم النافع والعمل الصالح.
ثم إن الله أمرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبيِّ الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا وحبيبِنا وقُرَّة عيونِنا وقلوبِنا نبِيِّنا محمدٍ.
***
عنوان الخطبة
فقه الاغتسال
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي شرع دينًا قويمًا، وهدى من أحب صراطًا مستقيمًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ إجلالًا وتعظيمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد، فاتقوا الله - عباد الله -، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ....﴾ [البقرة:278].
أيها المؤمنون:
العبادات شُرعت لغايات وحكم، ينظم عقدَها تحقيقُ العبودية لله سبحانه، والانقيادُ لأمره، والتطهر من وضر الخطيئة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56]، وقال سبحانه: ﴿... مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. وإدراك تلك الغايات من أعظم ما يعين على القيام بالعبادة واستتمامها، سيما ما تكرر حصوله منها، وكثر فعله، هذا وإن من أعظم العبادات التي تنمُّ عن قوة الإيمان، واستشعار مطالعة الرب، وعمارة القلب بالخوف منه: الاغتسالَ من الجنابة.
قَالَ رَسُول الله ﷺ: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ، وَرُكُوعِهِنَّ، وَسُجُودِهِنَّ، وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَآتَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ»، قيل: يَا رَسُولَ الله، وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَة؟ قَالَ: «الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؛ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمَنْ ابْنَ آدَمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ غَيْرِهَا» [رواه أبو داود مختصرًا (429) وهو في السلسلة الصحيحة (2998)]
وذلك الاغتسال من أعظم ما تُكفّر به الذنوب، كما قال الله سبحانه إثر الأمر به: ﴿...مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ...﴾ [المائدة: 6]، وقال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ -؛ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» [رواه مسلم (244)].
هذا في الوضوء الذي تختص به بعض الأعضاء؛ فكيف بالغسل الذي يعمّ البدن؟!
أيها المسلمون!
وفقه الاغتسال مِن ألزم ما ينبغي للعبد علمه؛ وذلك من خلال معرفة أسبابه، ومحظوراته، وصفته، وآدابه؛ ليؤدي تلك الأمانة كاملة كما شرع الله ورضي.
فالاغتسال عبادة تجب بالمعاشرة الزوجية ولو لم يكن هناك إنزال؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» [متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
وهكذا يجب الاغتسال بخروج المني حال النوم مطلقًا، وكذا حال اليقظة إن كان خروجه بشهوة؛ فقد جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ رضي الله عنها إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ» (أي: المني) [رواه البخاري ومسلم]، وقال: «إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ» [متفق عليه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه].
وعلامة المني أن يكون كثيرًا لزجًا ثخينًا؛ وذاك ما يميزه عن غيره.
وإن شك في الخارج: هل هو مني أو لا؟ فالأصل عدم المني؛ فلا يلزمه الغسل، وإنما يلزمه غسل ذكره والوضوء إن أراد الصلاة ونحوها.
وانقطاع دم الحيض والنفاس للمرأة مما يجب به الغُسل؛ لقوله تعالى: ﴿... فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ...﴾ [البقرة: 222].
ومن أصابه حدث أكبر فإنه يُمنع من العبادات التي تشترط لها الطهارة حتى يغتسل، وتلك العبادات هي الصلاة والطواف وتلاوة القرآن ومس المصحف والمكث في المسجد، غير أنه لم يثبت الدليل في منع الحائض والنفساء من تلاوة القرآن ومس المصحف من وراء حائل، سيما إن احتاجت إلى ذلك، كمراجعة حفظ ودراسة وتدريس؛ فيباح لها ذلك؛ لعدم المانع، كما اختار ذلك شيخ الإسلام، وما عدا هذه العبادات فإن مَن عليه حدث أكبر لا يمنع منه، كالأذكار، والأدعية، والاستغفار، ورد السلام، وتشميت العاطس.
وإن لم يجد الجنب الماء، أو كان عاجزًا عن استعماله حقيقة أو حكمًا؛ فإنه يعدل إلى التيمم؛ فهو في مقام الماء؛ كما أخبر الله جل شأنه، ومتى ما وجد الماء أو قدر عليه؛ فليتق الله وليمسه بشرته.
أيها المؤمنون:
والاغتسال على نوعين، تحصل الطهارة بأيهما، وهكذا ارتفاع الحدث، قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ ٱلنَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الغُسْلِ» [أخرجه الترمذي (١٠٧)، والنسائي (٢٥٢)، وابن ماجه (٥٧٩) وصححه الألباني]
النوع الأول: الاغتسال المجزئ؛ وذلك بأن يفيض الماء على بدنه؛ فيعمَّه؛ فقد أَعْطَى النبي ﷺ الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» [رواه البخاري (344)]، وهذا هو القدر الواجب في الغسل.
والنوع الثاني: الاغتسال الكامل؛ وذلك بأن يغسل يديه ثلاثًا، ثم يغسل فرجه وما أصابه المني، ثم يتوضأ وضوؤه للصلاة، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثوات من الماء تُروي أصولَ شعره، ثم يفيض الماء على بدنه مبتدئًا بشقه الأيمن، وذاك ما كان يفعله النبي ﷺ، كما وصف ذلك زوجتاه عائشة وميمونة رضي الله عنهما فيما روى البخاري ومسلم.
وإن مست يده فرجه أثناء اغتساله انتقضت طهارته، ولزمه الوضوء.
ولا يجب المبادرة بالاغتسال إلا عند حضور عبادة يشترط لها الطهارة. ويحرم الإسراف في استعمال الماء ولو في الاغتسال؛ فقد كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، كما روى أنس رضي الله عنه في الصحيحين. ويُنبّه إلى عناية المغتسل بالمغابن كالإبط وما بين الإليتين وما يبعد وصول الماء إليه مثل ما يكون تحت الشعر، قال علي رضي الله عنه: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ» [رواه أبو داود (٢٤٩) وابن ماجه (٥٩٩)، وأحمد (٧٩٤) والصواب أنه صحيح من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه].
ولا يبلغ به ذلك حدَّ الوسواس، وإنما هو التعاهد بما يغلب على الظن.
ومن أصبح صائمًا وهو جنب صح صومه، ولا يفسد الصوم إلا بجماع أو نزول مني بشهوة.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
نص الخطبة الثانية
أيها المؤمنون:
ومن سنن الغُسل المستحبة الاغتسال يوم الجمعة؛ فإن استحبابه متأكد، بل قال بعضهم بوجوبه؛ أخذًا بقول النبي ﷺ: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» [رواه البخاري ومسلم].
وفي فضله يقول: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» [رواه مسلم (857)]. ويُسن للجنب الوضوء عند إرادته الطعام والشراب والنوم، تقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» [متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها].
وهكذا يسن له الوضوء إن أراد معاودة معاشرة أهله قبل أن يغتسل، يقول رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» [رواه مسلم (308)].
وبعد - إخوة الإيمان -، هكذا يصبغ دين الإسلام حياة أهله بالعبودية الشاملة لله تعالى؛ حتى فيما يمارسونه وفق شهوتهم التي أباحها، ورأينا كيف ينقِّلهم في مدارج الإيمان برعاية ما استأمنهم عليه، وكيف كانت تلك الشعائر مطهرة لذنوبهم كما كانت مطهرة لقلوبهم وذنوبهم؛ فالحمد لله الذي هدانا لهذا؛ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
***
عنوان الخطبة
أحكام التيمم
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومن تبعهم واكتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران:102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب:70-71].
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله؛ فإن تقوى الله عز وجل من أجل المقامات، وأعظم الدرجات، وهي الوصية التي لا يمل سماعها ولا تكرارها، فهي وصية ربنا سبحانه وتعالى لنا: ﴿...وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ...﴾ [النساء:131].
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين، وأوليائه الصالحين؛ إنه سميع مجيب.
أيها الإخوة في الله:
من محاسن هذه الأمة أن الله شرع لها شريعة مباركة، شريعة اليسر ورفع الحرج، ومما تتميز به أن جميع تكاليفها منوطة بالقدرة والاستطاعة، يقول الله عز وجل: ﴿... وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ...﴾ [الحج:78]، وقال سبحانه: ﴿...يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ...﴾ [البقرة:185]، ويقول عز وجل: ﴿...فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التغابن:16]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ...﴾ [البقرة:286].
فجميع التكاليف الشرعية من الواجبات ونحوها لا تجب على المكلَّف إلا في حال قدرته عليها؛ فضلًا من الله عز وجل وتيسيرًا وتوسعة على عباده، وأما في حال العجز عن الإتيان بالواجب فينتقل المكلَّف حينئذ إلى بدل الواجب إن كان له بدل، وإلا سقط عنه أو بقي في ذمته حتى يتمكن من أدائه.
ألا وإن من الواجبات الشرعية التي أوجبها الله عز وجل على عباده: التطهر بالماء في الوضوء والغسل عند إرادة رفع الأحداث الصغرى والكبرى، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ6﴾ [المائدة:6].
وعلى هذا؛ فكل من كان قادرًا على استعمال الماء لوضوئه وغسله؛ لا يجوز له العدول إلى التيمم، ولو فعل ذلك وصلى فصلاته غير صحيحة.
وأما في حال عدم القدرة على استعمال الماء للوضوء والغسل فقد رخصت الشريعة المباركة في التيمم، بل جاء الحديث الشريف بأن ذلك من خصائص هذه الأمة المحمدية، يقول ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»، وذكر منها ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» [رواه البخاري: 335، ومسلم: 521].
وقال ﷺ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذٰلِكَ خَيْرٌ» [رواه الترمذي: 124، وقال: حديث حسن صحيح].
فهذه النصوص وغيرها تدل على مشروعية التيمم عند وجود أسبابه المبيحة له، فالسبب الأول: أن يكون المكلَّف عادمًا للماء، كما قال تعالى: ﴿...فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا...﴾ [المائدة:6]، فإذا لم يكن عنده ماء وبحث قريبًا منه وطلب الماء فلم يجده جاز له التيمم، وأما إذا كان الماء موجودًا لديه أو كان قريبًا منه بحيث يسهل عليه الذهاب وإحضار الماء لم يجز له التيمم حينئذ، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم إذا خرجوا للنزهة فإنهم يبادرون للتيمم مع وجود الماء وقدرتهم على إحضاره بيسر إذا ما نفذ ما لديهم منه.
والسبب الثاني المبيح لاستعمال التيمم: خوف الضرر في استعمال الماء؛ لمرض في البدن كحروق على مواضع الوضوء أو جروح وما نحوها في البدن، فإذا خشي المريض إذا استعمل الماء لوضوئه أو غسله أن يزيد مرضه أو أن يهلك أو أن يتأخر شفاؤه باستعمال الماء -بكلام الأطباء الثقات-؛ جاز له في هذه الحالة استعمال التيمم؛ فيغسل من أعضاء الوضوء أو البدن ما يستطيع غسله ولا يتضرر بوجود الماء عليه، وليتيمم للعضو الذي لا يستطيع غسله ولا مسحه، فإن أمكن مسحه باليد المبللة بالماء اكتفى بذلك ولم يتيمم منه.
ومن الأسباب المبيحة للتيمم: البرد الشديد، فإذا كان هناك برد شديد ولم يقدر على تسخين الماء وغلب على ظنه إن توضأ واغتسل بالماء البارد أن يمرض أو يموت؛ تعين في حقه التيمم، كما في قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول ﷺ في سرية ذات السلاسل، قال عمرو رضي الله عنه: «اِحْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أُهْلِكَ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿... وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ [النساء:29]، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَٰلِكَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِقِصَّتِهِ». [رواه أبو داود: 334].
وأما إذا كان الإنسان قادرًا على استعمال الماء الدافئ لوضوئه وغسله بحيث لا يتضرر؛ فإنه يحظر عليه التيمم حينئذ. ومن الأسباب المبيحة لاستعمال التيمم: ألا يكون عند الإنسان إلا ماء قليل يحتاجه لشربه، ويخاف إن استعمله لطهارته أن يعطش هو أو أهله أو رفقته أو ماشيته، وأما من كان معه ماء زائد عما يحتاجه لشربه وشرب أهله ورفقته وبهائمه؛ فيحرم عليه التيمم، ويجب عليه استعمال الماء لوضوئه وغسله.
وبهذا تعلم خطأ بعض أهل الماشية حيث يكون الماء وفيرًا عندهم في الصهاريج والآنية، ومع ذلك لا يستعملون الماء لوضوئهم وغسلهم وإنما يتيممون، وهذا خطأ فاحش ومنكر عظيم يجب تنبيههم عليه والإنكار على من أصر عليه.
هذه أهم الحالات التي يجوز فيها استعمال التيمم، فليتق الله المسلم، وليعلم أنه مؤتمن على طهارته ووضوئه وغسله، فلا ينتقل عن الماء إلا لمسوغ شرعي يجيز له الانتقال إلى التيمم.
وكما أن التيمم قد يكون بدلًا عن الوضوء والغسل، يكون أيضًا بدلًا عن غسل أحد أعضاء الوضوء أو موضع في البدن لعذر يمنع من غسله فحينئذ يُجمع بين الوضوء بالماء أو الغسل إن كانت عليه جنابة فيغسل ما يستطيع غسله من أعضاء الوضوء أو مواضع البدن، فإن انتهى من وضوئه أو غسل ما يستطيع غسله من بدنه؛ تيمم عن العضو الذي لم يستطع غسله ولا مسحه بالماء.
فالحمد الله على تيسيره ورحمته بعباده، وهو القائل عز وجل في محكم كتابه: ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ78﴾ [الحج:78].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة؛ فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: عباد الله، اتقوا الله عز وجل حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي كلها صغيرها وكبيرها فإن أقدامكم ضعيفة على النار لا تقوى.
أيها الإخوة المسلمون: التيمم المشروع أن يضرب الإنسان بكفيه على الصعيد الطيب ضربة واحدة، فيمسح بكفيه وجهه أولًا بإمرار كفيه على وجهه ولحيته فيعمهم بالمسح مرة واحدة، ثم يمسح كفيه فيمسح ظهر كفه اليمنى بباطن كفه اليسرى ثم يمسح ظهر كفه اليسرى بباطن كفه اليمنى مرة واحدة كذلك.
والتيمم إنما يكون على الصعيد الطيب، وهو كل ما على وجه الأرض من تراب أو رمل ونحو ذلك ولو لم يكن له غبار، وأما التيمم على الفرش ونحوها فلا يصح؛ لأنها ليست مما على وجه الأرض، إلا إذا كان على الفراش غبار فيجوز التيمم عليه؛ لأن الغبار من التراب.
وإذا تيمم المسلم جاز له بتيممه أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، ولا حاجة لأن يكرر التيمم كل وقت، ولا ينتقض تيممه إلا بناقض من نواقض الوضوء، كخروج البول والغائط والريح وأكل لحم الإبل، أو بوجود الماء والقدرة على استعماله؛ فإذا وجد الماء وقدر على استعماله بطل تيممه، فإذا أراد الصلاة فلا بد من الوضوء بالماء حينئذ لقوله ﷺ: «فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذٰلِكَ خَيْرٌ» [رواه الترمذي: 124، وقال: حديث حسن صحيح].
نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا اتباع سنة سيد المرسلين ﷺ.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على نبيكم محمد بن عبد الله فقد أمركم ربكم بهذا في كتابه فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب:56].
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم: 384].
***
عنوان الخطبة
فضل الصلاة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الدين بالعروة الوثقى؛ ففي تقوى الله صلاح الأمور، وعز الدهور، وأحسن العاقبة يوم النشور؛ قال الله تعالى: ﴿... وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا﴾ [الطلاق: 5].
عباد الله:
هل لكم في ركن عظيم وعمل كريم وخير مستديم يصلح الله به جميع أعمالكم، ويزكي به قلوبكم، ويقوم به أخلاقكم، ويدر به أرزاقكم، ويعمر به دنياكم، ويرفع به في الجنات درجاتكم، وتدركون به من سبقكم، وتنالون به فوق أمانيكم، هل لكم في هذا كله؟ فما هو هذا الركن العظيم الذي يحقق لكم ذلكم؟ ألا إنه إقامة الصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها؛ فالصلاة هي الركن الأعظم بعد الشهادتين، فرضها الله تعالى في كل دين شرعه، ولا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينًا بغير صلاة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ 34 ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 35﴾ [الحج: 34 – 35]، ولكن الله بمَنِّه ورحمته خَصَّ هذه الأمة بفضائل لم تُخَصَّ به أمة قبلها؛ لفضل كتابها، وكرامة رسولها ﷺ على ربه.
فمما خصها الله تعالى به وفضلها أن فرض الله عز وجل على هذه الأمة الصلوات الخمس في السماء ليلة المعراج، فأوحى الله إلى عبده ورسوله محمدٍ ﷺ وكلمه بكلام سمعه من رب العزة تبارك وتعالى وفرض عليه الصلوات الخمس بلا واسطة ملك؛ حيث عُرِج بسيد البشر إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى، ثم رفعه الله إلى مستوى لم يبلغه أحد، ثم أمر الله سبحانه وتعالى جبريل ﷺ أن يؤم نبينا محمدًا ﷺ في أول وقت كل صلاة وآخره، وقال له: «يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» [أخرجه أبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩)، وأحمد (١/ ٣٣٣)وصححه الألباني] ففرضها الله بلا واسطة، وفرضها بإمامة جبريل عليه السلام وبواسطته زيادة في تأكيد فرضها، وبيان منزلتها.
وبيَّن الله تعالى في كتابه أفعالها وأقوالها، وشرع رسول الله ﷺ أركانها وواجباتها ومستحباتها، وعلَّم أصحابَه كلَّ قول وفعل يقيمها، وصلى بهم إمامًا ﷺ مدة حياته في جميع أحواله، في حضره وسفره، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [متفق عليه من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه]، ونقل كلُّ جيلٍ عمن قبله الصلوات؛ لم يهملوا منها قولًا ولا فعلًا، فلله الحمد على أن جعلنا مسلمين، وحفظ لنا الدين، الله أكبر، الله أكبر، ما أعظم رحمةَ الله، وما أجلَّ نعمَه على الناس.
وفرضُ الصلوات من رب العالمين على الأمة بكلام الله لنبيه وخليله محمدٍ ﷺ بلا واسطة مَلَك من أعظم الأدلة على منزلة الصلوات عند الله تعالى ومكانتها من الدين، وأنها جِماعُ الخيرِ كلِّه؛ يبقى الدين في الأرض ما بَقِيَت، وينقص الدين إذا نقصت، وينتهي الدين في الأرض إذا انتهت عند قرب قيام الساعة، وتصلح الأرض بكثرة المقيمين للصلاة، وتخرب الأرض بقلة المقيمين للصلاة، ولو أن كل مسلم ومسلمة أقام الصلاة كما أقامها رسول الله ﷺ وأصحابه، لكانت الأمة في عافية من الفتن والشرور والمخالفات، ولأمنت من العقوبات، ولكفاها الله شرَّ أعدائها، ولصلحت حال كل مسلم ومسلمة، وانتظمت أحواله وحسنت عواقبه.
وبصلاح الأفراد يكثر الخير في المجتمع ويقل الشر، ويحب الناس المعروف ويبغضون المنكر، ويتعاطفون ويتراحمون ويتآمرون بينهم ويتناصحون، ولكن إذا تهاون الناس بالصلاة فضيعها بعضهم، أو دخل النقص على أركانها وواجباتها عند بعضهم، أو زهد بعضهم في أدائها مع جماعة المسلمين في المساجد، أو أخرها عن مواقيتها، انعكس التقصير في الصلاة على أمور الناس، فانفرط على كل مضيِّعٍ لصلاته أمره، وتغيرت عليه حاله، وتشتت شمله؛ قال الله تعالى: ﴿... وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: 28].
ومن كان في قلبه حياةٌ أحس بالعقوبة.. وما لجرح بميت إيلام، قالت أم سلمة رضي الله عنها: "كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يضعون أبصارهم في موضع سجودهم، وكانوا في عهد أبي بكر يضعون أبصارهم قريبًا من موضع سجودهم، وكانوا في عهد عمر يطمحون بأبصارهم إلى جهة القبلة، وفي عهد عثمان تلفتوا يمينًا وشمالًا فوقعت الفتنة".
فانظر إلى فقه أم سلمة رضي الله عنها وكيف عَلِمت انعكاس الصلاة على أحوال الناس صلاحًا أو فسادا، ودخل بعض أصحاب أنس بن مالك رضي الله عنه فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيك يا أبا حمزة؟ قال: أبكي لِما أحدث الناس، حتى هذه الصلاة أخروها عن وقتها".
الصلاة هي الدين وجامعة أمور الإسلام، كما قال النبي ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ» [رواه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٣٩٤) وصححه الألباني].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِّمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تَغْشَ الْكَبَائِرَ» [رواه مسلم (233)].
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى العِبَادِ، فَمَن جَاءَ بِهِنَّ وَلمْ يُضَيِّعْ مِّنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِندَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَن لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِندَ اللَّهِ عَهْدٌ» [أخرجه أبو داود (١٤٢٠)، والنسائي (٤٦١)، وابن ماجه (١٤٠١)، وأحمد (٢٢٧٤٥) وصححه الألباني].
وعن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِن صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِن فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» [أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (1859)، والضياء في "المختارة" (2578) وحسنه الألباني].
وروحُ الصلاة هو الخشوع مع إصابة السنة، وأداؤها مع الجماعة في المساجد؛ قال الله تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 1 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ2﴾ [المؤمنون: 1- 2]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [أخرجه أبو داود (٥٥١9، وابن ماجه (٧٩٣) وابن حبان (٢٠٦٤) وصححه الألباني].
وأما المرأة فصلاتها في بيتها أفضلُ، فعن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ قال: «خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ» [رواه أحمد (26542) وابن خزيمة (1683)، والحاكم 1/209، والبيهقي في "السنن" 3/131 وصححه الألباني].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» [أخرجه الترمذي (١١٧٣)، والبزار (٢٠٦١)، وابن خزيمة (١٦٨٥) وصححه الألباني].
وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان عنه رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ وَجْهِ رَبِّهَا وَهِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا»؛ لأن المرأة في قعر بيتها مصونة محفوظة من الفتن؛ لا تفتن أحدًا ولا يفتنها أحد، أما إذا تبرجت بزينة فتنت وفُتنت، ووقع الشر والهلاك؛ قال الله تعالى لأمهات المؤمنين: ﴿... وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ...﴾ [الأحزاب: 33]، وهن الأسوة المثلى لنساء المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿... وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بالهدى واليقين؛ لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى كما أمركم، وابتعدوا عما عنه زجركم؛ فإن ربكم أهل التقوى وأهل المغفرة.
عباد الله: إن الصلاة شأنها عظيم، وأمرها كبير، فأقيموها كما شرعها نبيكم ﷺ وتذاكروا وراجعوا ما يقيمها وما يكملها دائمًا، وليعتني كل مسلم ومسلمة بفقه الصلاة، وليصحح قراءة الفاتحة؛ فقد يغفل بعض عوام المسلمين عن النقص في قراءتها، وهي ركن من أركان الصلاة للإمام وللمنفرد، وواجبة على المأموم في أصح قولي أهل العلم، وليبشر المصلون بما لهم من عظيم الأجر عند ربهم.
ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿... وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [المزمل: 20].
عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وقد قال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم (408)].
فصلوا وسلموا على سيد الأولين وإمام المرسلين الشافع المُشفَّع يوم القيامة.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد.
***
عنوان الخطبة
إقام الصلاة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الـحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، وصفوته من خلقه صلى الله عليه، وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى؛ واعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102].
عباد الله: عظّم الإسلام شأن الصلاة، ورفع ذكرها، وأعلى مكانتها؛ فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، قال النبي ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [متفق عليه].
أيها المؤمنون: الصلاةُ أُم العبادات، وأفضلُ الطاعات؛ ولذلك جاءت نصوص الكتاب والسنة بإقَامتها والمحافظة عليها، والمداومة على تأديتها في أوقاتها؛ قال تعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة: 238]، وقال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43]، وقال سبحانه في صفات المصلين: ﴿إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ 22 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ23﴾ [المعارج: 22-23]، وكان آخر وصايا النبي ﷺ قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» [أخرجه أبو داود (5156)، وابن ماجه (2698)، وأحمد (585)، وصححه الألباني].
عباد الله: الصلاةُ أفضل الأعمال؛ فقد سُئل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» [متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]، والصلاةُ نهرٌ من الطهارةِ والمغفرة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» [متفق عليه].
عباد الله: والصلاةُ كفارةٌ للذنوبِ والخطايا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كفَّارةٌ لِمَا بَيْنهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ» [أخرجه مسلم (233)].
والصلاةٌ حفظٌ وأمانٌ للعبدِ في الدُّنيا؛ فعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ؛ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّه» [مسلم (657)].
والصلاةُ عهدٌ من اللهِ بدخولِ الجنةِ في الآخرة؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عز وجل عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ؛ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» [أخرجه أبو داود (425) والنسائي (461) وابن ماجه (1401) وصححه الألباني].
والصلاةُ أول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» [أخرجه الترمذي (413) والنسائي (465) وابن ماجة (1425) وصححه الألباني]
عباد الله: والصلاةُ نورٌ؛ قال ﷺ أنه قال: «الصَّلَاةُ نُورٌ» [أخرجه مسلم (223)]، والصلاةُ أمانٌ منَ النارِ؛ قال رسول الله ﷺ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا». [رواه مسلم (643)]؛ يعْني: الفجْرَ والعصْرَ.
والصلاةُ أمانٌ مِنَ الكفرِ والشرك؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» [أخرجه مسلم (82)].
وصلاةُ الفجرِ والعشاء في جماعة أمان من النفاق؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ليسَ صَلَاةٌ أثْقَلَ علَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ والعِشَاءِ، ولو يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لَأَتَوْهُما وَلو حَبْوًا» [متفق عليه].
وإقامة الصلاة يُحكم بها على إسلام البلد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: «عَلَى الفِطْرَةِ» ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزىً. [رواه مسلم (382)]
وإقامة الصلاة تمنع من الخروج على الحكام، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» [أخرجه مسلم (1855)].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: عباد الله، ولعظم شأن الصّلاة فقد فَرَضَهَا اللهُ، عَلَى الأَنْبيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ قَبْلُ، فَهِيَ مِنَ الأُمُورِ المُتَّفقِ عَلَيْهَا بَينَ الأَنْبِيَاءِ، فَهَا هُوَ إِبْرَاهِيمَ، ﷺ، وَهُوَ يَدْعُو رَبَّه: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ37﴾ [إبراهيم: 37].
وَلَقَدْ أَثْنَى اللهُ عز وجل، عَلَى إِسْمَاعِيلَ، ﷺ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا 54 وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا 55﴾ [مريم: 54-55].
وَمِنْ أَهَـمِّيَّتِهَا أَنَّ اللهُ عز وجل أَوْصَى بِهَا عِيسَى عليه السلام، حِينَمَا تَكَلَّمَ فِي الْـمَهْدِ صَبِيًّا، فَقَالَ: ﴿... وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا﴾ [مريم: 31].
وهي العبادة الوحيدة التي فُرضت من فوق سبع سماوات، وهي واجبة على كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ ذكرًا أو أنثى، وهي تجب في كل حال في الصّحة والمرض، والإقامة والسّفر، والأمن والخوف، على قدر الاستطاعة.
فحافظوا عليها أيها المسلمون بشروطها وأركانها وواجباتها، وإياكم من التفريط أو التقصير فيها،
واستجيبوا لأمر ربكم: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43].
ربنا اجعلنا مقيمي الصلاة ومن ذريتنا ربنا وتقبل دعاء.
***
عنوان الخطبة
أركان الصلاة وواجباتها وسننها
مقدمة الخطبة الأولى
الحمدُ لله ربِّ العالمين، أمرَ بإقام الصلاة، فقال: ﴿... وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة:45].
وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، الملكُ الحق المبين، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، أخبرَ أنَّ الصلاةَ عمود الدين، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أَمَّا بعدُ:
فيا أيُّها الناس: اتقوا الله تعالى، وتعلَّموا أحكامَ صلاتِكم، حتى تؤدُّوها على الوجه المشروع، وتجنَّبوا المُبْتَدعَ فيها والممنوعَ، لتكونَ صحيحةً مقبولة.
فالصلاةُ عبادة عظيمة تشتملُ على أقوالٍ وأفعال، تتكون منها صفتها الكاملة، وهذه الأفعالُ والأقوال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أركانٍ وواجباتٍ وسُننٍ.
فالأركانُ، إذا تَرَكَ المُصَلِّي منها شيئًا سهوًا أو عمدًا؛ بَطَلَتِ الصلاة بتركه.
والواجبات، إذا ترك منها شيئًا عمدًا؛ بطلت الصلاةُ بتركه، وإن تركَه سهوًا؛ لم تبطُلِ الصلاةُ، ويجبرُهُ بسجودِ السهو.
والسننُ، لا تبطُلُ الصلاةُ بتركها عمدًا ولا سهوًا، لكنها تنقص هيئتها الكاملة، والنبيُّ ﷺ صلَّى صلاةً كاملة بجميعِ أركانها وواجباتها وسُنَنِها، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [متفق على صحته من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه].
وروى لنا أصحابه الذين صلَّوْا خلفَه صفة صلاته في الأحاديث الواردة عنهم، حتى كأنَّنا نشاهدُها -فرضيَ الله عنهم وجزاهم عن الإِسلام والمسلمين خيرًا-.
وأركانُ الصلاة أربعةَ عشر:
الركن الأول: القيامُ في صلاة الفريضة، فلا تَصِحُّ صلاةُ الفريضةِ من جالسٍ، وهو يقدِرُ على القيام بالإِجماع؛ لقوله تعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة:238].
وقال النبيُّ ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا».
فدلَّت الآيةُ والحديث على وجوبِ القيام في الصلاة المفروضة مع القُدرةِ عليه، وهو الانتصابُ قائمًا، فلو خَفَضَ رأسه حتى صار كهيئةِ الراكع؛ لم تصحَّ صلاتُه.
أما إذا خَفَضَ رأسَهَ على هيئة الإِطراق؛ لم تبطُلْ، لكنه لا ينبغي، وقَدْ رأى عمر رضي الله عنه رجلًا قد طأطأ رأسَه في الصلاة، فقال: "يا هذا ارفعْ رأسك؛ فإنَّ الخشوعَ في القلوب، وليس الخشوعُ في الرقاب" [أبو نعيم في الحلية: 7/ 71 عن سفيان الثوري بلاغًا بمعناه].
الركن الثاني: تكبيرةُ الإِحرام، بأن يقول وهو قائمٌ منتصب مستقبلَ القبلة: (الله أكبر).
ومعناه: الله أكبر وأعظمُ من كلِّ كبيرٍ وعظيم، ومنزَّهٌ عن كلِّ نقص وعيب.
وحكمةُ افتتاحِ الصلاة بالتكبير: ليستحضرَ عظمةَ الله، وهو قائمٌ بين يديه، فيخشع له، ويستحيي منه، فلا يشتغلُ قلبُه بغيره.
وسُمِّيت تكبيرةَ الإِحرام؛ لأنَّها تُحَرِّمُ ما كان مباحًا قبلَها من الكلام، والأكلِ، وغير ذلك، فالمصلِّي إذا كبَّرَ ودَخَلَ في الصلاة كان ممنوعًا من الأقوال والأفعال المخالفة للصلاة.
ويرفَعُ يديه عند تكبيرة الإِحرام؛ لقولِ ابن عمر رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ ٱللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» [متفق عليه].
الركن الثالث: قراءةُ الفاتحة في كل ركعة؛ لحديث: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت].
فيجب على الإِمام والمنفردِ قراءتُها، والأحوطُ أنَّ المأموم يقرؤها في الصلاة السرية، وفي سكتات الإِمام من الصلاة الجهرية.
الركن الرابع: الركوعُ في كل ركعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ...﴾ [الحج:77].
ولفعل الرسول ﷺ وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [متفق عليه].
والركوع في اللغة: الانحناء.
والركوعُ المشروع أن ينحنيَ حتى تبلُغَ كفَّاه ركبتيه، ويمد ظهره مستويًا، ويجعل رأسَه محاذيًا ظهره لا يرفعُه ولا يخفضه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رَكَعَ سوَّى ظهرَه، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرَّ [رواه ابن ماجة: 719 وصححه الألباني].
وفي الصحيحين: «إِذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلٰكِنْ بَيْنَ ذٰلِكَ».
وبعضُ الناس يُخِلُّ بهذا، فتراه رافعًا رأسه في الركوع أو مدلّيًا له إلى أسفل.
الركن الخامسُ من أركان الصلاة: الرفع من الركوع والاعتدالُ واقفًا كحاله قبل الركوع؛ لقولِه ﷺ: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» [متفق عليه من حديث أبي هريرة].
ولأنه ﷺ فَعَلَ ذلك، وداومَ عليه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الركن السادس: السجود، وهو وضعُ الأعضاء السبعة على الأرض: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، فلا بُدَّ أن يباشرَ كلُّ واحد من هذه الأعضاء موضعَ السجود، سواءٌ كان على الأرض مباشرة أو على فراش أو مصلّى، ولا يمد جسمهَ حتى يكونَ كهيئة المنبطح على الأرض كما يفعلُ بعضُ المتكلفين اليوم، فإنَّ بعضَهم يُقَدِّمُ رأسه جدًا، ويؤخِّرُ رجليه جدًّا حتى ربَّما يضايقُ الصفَّ الذي أمامه والصفَّ الذي خلفَه، وهذا من الغُلُوِّ المذموم الذي نَهَى عنه النبيُّ ﷺ.
عباد الله: إنَّ السجود أعظمُ أركان الصلاة؛ لأنَّ العبدَ يخضَعُ لربه، ويضعُ أشرف أعضائه، وهو الجبهةُ والأنف في مواطئ الأقدام، ولذلك كانَ الساجدُ أقربَ إلى ربه، حيثُ خَضَعَ له غايةَ الخضوع، وهو أحرى لِقَبُولِ الدعاء، فاهتَمُّوا بشأنِه، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا سَجَدْتُمْ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» [رواه مسلم: 479]
الركن السابع والثامن: الرفعُ من السجود والجلوسُ بين السجدتين، لقول عائشةَ رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» [رواه مسلم: 498].
والركن التاسع: الطمأنينةُ في جميع أفعال الصلاة، وهي السكون بقدر ما يأتي بالذكر الواجب، ويستقرّ كل عضو مكانه، فمَنْ تَرَكَ الطمأنينةَ؛ فقد أخبر رسول الله ﷺ أنه لم يُصَلِّ، ويسمَّى بالمسيء في صلاته، وقد أمره النبي ﷺ بإعادة الصلاةِ، وقال له: «صَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» [متفق عليه من حديث أبي هريرة].
ورأى حذيفةُ رجلًا لا يُتمُّ ركوعَه ولا سجوده، فقال: «مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ» [البخاري: 791].
وقد أخبرَ النبيُّ ﷺ: أنَّ نقرَ الصلاةِ من صفات المنافقين.
فليتنبَّه المسلمُ لذلك، وليحذر أن يصليَ صورةً وهو لا يصلِّي حقيقة.
الركن العاشر والحادي عشر: التشهدُ الأخير وجلستُهُ، لقولِه ﷺ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَىٰ عِبَادِ ٱللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» [متفق عليه].
الركن الثاني عشر: الصلاةُ على النبي ﷺ في التشهد الأخير -بأن يقولَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىٰ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىٰ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
ولأمرِه ﷺ بذلك، لما سُئِلَ كيفَ نُصَلِّي عليك؟ فقال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ».
الركن الثالث عشر: الترتيبُ بينَ هذه الأركان على الصفة التي كان يُصليها النبي ﷺ؛ لقولِهِ ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
وقد علَّمها النبيُّ ﷺ للمسيء في صلاته مرتبةً بـــــ "ثم" المقتضية للترتيب.
الركن الرابع عشر: التسليمتان -بأن يقولَ عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله؛ وعن يساره كذلك، وهو ختامُ الصلاة، وعلامة الخروج منها؛ لقولهِ ﷺ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أبو داود: ٦١، والترمذي: ٣، وابن ماجه: ٢٧٥، وأحمد: ١٠٠٦ وصححه الألباني].
وفي رواية: «وَخِتَامُهَا التَّسْلِيمُ».
وهو دعاءٌ بالسلام يدعو به الإِمام والمأموم والمنفرد لأنفسِهم وللحاضرين من الملائكة يَنْوُونَ به الخروجَ من الصلاة، واستباحةَ ما حُرِّمَ عليهم في أثناء الصلاة من الكلامِ، وغيره.
عبادَ الله: مَنْ تَرَكَ ركنًا من هذه الأركان، فإنْ كان تكبيرةَ الإِحرام؛ لم تنعقدْ صلاتُه، وإن كان غير تكبيرة الإِحرام وقد تركَه عمدًا؛ بَطَلَتْ صلاتُه، وإنْ تركه سهوًا فإنْ ذكرَه قبلَ شروعه في قراءة الركعة الأخرى، فإنه يرجعُ ويأتي به وبما بعده، وإن لم يذكره إلا بعدَ الشروع في قراءة الركعة الأخرى؛ لَغَت الركعة المتروك منها ذلك الركن، وقامت الركعةُ التي تَليها مقامها، ويُكملُ صلاته، ثُمَّ يسجدُ للسَّهْوِ قبل السلام، وإنْ لم يذكر الركن المتروك إلا بعدَ السلام؛ فإنَّه يكونُ كتركِ ركعة كاملة، فإنْ لم يُطِلِ الفصلَ بعد السلام، فإنَّه يأتي بركعةٍ ويسجد للسهوِ، وإنْ طالَ الفصلُ أو انتقض وضوؤه، فإنه يُعيدُ الصلاةَ كاملةً.
أَيُّها المؤمنون: هذه أركانُ الصلاة، وهي الجوانبُ القويةُ التي يقومُ عليها بنيانها، ولا تَصِحُّ إلا بها معَ القُدرةِ عليها، ومن عَجَزَ عن الإِتيانِ بشيءٍ منها كاملًا، فإنه يأتي منه بما يستطيع، لقوله تعالى: ﴿... فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التغابن:16].
ولقولِهِ ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَىٰ جَنْبٍ» [البخاري: 1117]
ومَنْ عَجَزَ عن الركوعِ، والسجود، فإنه يومئ برأسه يُخفضه في سجودِه أكثرَ من ركوعه، ومَنْ عَجَزَ عن قراءِة الفاتحة، فإنه يحمدُ الله، ويُكَبِّرُه ويهلِّلُه، ثم يركَعُ، لقولِهِ ﷺ: «إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ» [أبو داود (861)، والترمذي (302) وصححه الألباني].
وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي؟» قال: «قُلْ: سُبْحَانَ ٱللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» [أبو داود (٨٣٢)، والنسائي (٩٢٤)، وأحمد (١٩١٦١) وصححه الألباني].
وهذا إنما هو في الذي لا يستطيع أن يتعلَّمَ أو لم يجِدْ مَنْ يعلِّمُه، أما الذي يستطيعُ أن يتعلمَ الفاتحة، فإنه يجبُ عليه أن يتعلَّمها معَ ما تَيَسَّرَ من القرآنِ، وعُلِمَ من ذلك أنَّ الصلاة لا تسقُطُ بحالٍ، وإنَّما يُصلِّي المسلمُ على حسب استطاعته.
فاتقوا الله -عبادَ الله- واهتمُّوا بأداءِ صلاتكم على الوجه المشروع، حتى تُقيموا عمودَ الإِسلام، وثاني أركانه بعد الشهادتين، فإنه لا دينَ لمن لا صلاةَ له، ولا صلاةَ لمن لم يُتِمَّ شروطَها وأركانها وواجباتها حسبَ استطاعته.
وَفَّقَ الله الجميع للعلم النافع، والعمل الصالح، ورَزَقَنا وإياكم الإِخلاصَ والقبول.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238 فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ 239﴾ [البقرة:238- 239].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، جَعَلَ الصلاة كتابًا موقوتًا على المؤمنين، وأشهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له مُخلصينَ له الدين، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله الصادق الناصح الأمين، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعدُ:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، فإن تقواه سببٌ لنيل العلم النافع، قال تعالى: ﴿... وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:282].
وقد سبق أن تحدَّثْنا عن أركانِ الصلاة وأحكامها، والآنَ نُواصلُ الحديث عن واجبات الصلاة وسننها.
فواجباتُ الصلاة ثمانية: وهي: جميعُ التكبيرات غير تكبيرة الإِحرام... وأما تكبيرة الإِحرام، فهي ركنٌ -كما سبق-.
وقول سَمِعَ الله لمن حمده للإِمام والمنفرد، وأما المأمومُ فلا يقولُها.
وقولُ: ربَّنا ولك الحمد بعدَ الاعتدال من الركوع في حقِّ الجميع.
وقولُ: سبحانَ ربي العظيم في الركوع.
وقول: سُبحانَ ربي الأعلى في السجود.
وقولُ: ربي اغفر لي بين السجدتين.
والتشهُّد الأول معَ الجلوس له، وهو قولُ: التحيات لله... إلى: أشهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله.
فمن تركَ واجبًا من هذه الواجبات، متعمدًا؛ لم تَصِحَّ صلاته، وإنْ تركَه سهوًا؛ فإنه يسجُدُ للسَّهْوِ عوضًا عنه، وما عدا الأركان والواجبات المذكورة، فإنه سننُ أقوال وأفعالٍ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتركه عمدًا ولا سهوًا، ولكن الإِتيان به أكملُ للصلاة وأفضل.
وسننُ الأقوال كثيرةٌ: كالاستفتاح، والتعوُّذ، والبسملة، والتأمين، وقراءة ما تَيَسَّرَ من القرآنِ بعد الفاتحة في صلاةِ الفجر وفي الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وما زادَ على المرةِ الواحدة من تسبيحِ الركوع والسجود، وما زادَ على المرة من قول: ربِّ اغفرْ لي بين السجدتين، وأن يقولَ في التشهُّد الأخير قبل التسليم: اللهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنةِ المسيح الدجال، وما تَيَسَّر مع ذلك من الدعاءِ.
وأمَّا سننُ الأفعال، فهي كثيرةٌ، منها: رفعُ اليدين عند تكبيرة الإِحرام، وعندَ الركوع، وعند الرفعِ من الركوع، ووضعُ اليد اليُمنى على اليدِ اليسرى على صدرِه أو تحتَ سُرَّته حالَ القيامِ، والنظرُ إلى موضع سجوده، ووضعُ اليدين على الركبتين في الركوع، ومدُّ ظهره مستويًا، وجعلُ رأسِه حياله في الركوع، ومجافاةُ بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وعَضُديه عن جنبيه في السجود، إلى غير ذلك من سنن الأقوال والأفعال التي تبلغ خمسًا وأربعين سُنّة أو أكثر.
لكن لا ينبغي التشدُّدُ في فعل السنن حتى تُصْبحَ كأنها فرائضُ، أو التزيد في صورةِ تطبيقها، حتى تخرُجَ عن كيفيتِها الشرعية، كما نشاهِدُ من بعض الناس حيث يجمعُ أحدهم يديه في حال القيام على ثغرة نحره بدلًا من وضعهما على صدره أو تحت سُرَّتِه، ويحني رأسَه إلى قُربِ الركوع، وإذا سَجَدَ مدَّ رجليه إلى خلفٍ، ورأسَه إلى أمام حتى يصبحَ كهيئةِ المنبطح على الأرض، وإذا وَقَفَ في الصلاة باعدَ بين رجليه يمينًا وشِمالًا، حتى إنه لَيَشْغَلُ موضعَ رَجُلَيْنِ، ويُضايقُ مَنْ بجانبه، وبعضُهم يتشدَّدُ في شأنِ السترة، حتى يتركَ القيام في الصف لأداءِ الراتبة، ويذهَبُ إلى مكان آخرَ يبحَثُ فيه عن سترة فيفوتُه المكانُ الذي ربما يكونُ أفضلَ من تحصيل السترة، وهو القربُ من الإِمام في الصف الأول، إلى غير ذلك من أنواع التشدُّدِ في فعل بعض السنن الذي رُبَّما يُخْرِجُها عن كيفيِتها المشروعة، أو يُفَوِّتُ سننًا أفضلَ منها.
والمطلوب الاعتدال والاستقامة من غير إفراط ولا تفريطٍ، وعلى مقتضى الكتاب والسنة.
فإنَّ خيرَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهَدْيِ هديُ محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها.
***
عنوان الخطبة
صلاة الجماعة علامة الإيمان
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الصلاة كتابًا موقوتًا على المؤمنين، وأمر بإقامتها والمحافظة عليها، وأدائها مع جماعة المسلمين.
أحمده على نعمه، وأشكره على جزيل منه وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته، وسار على نهجه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون، واتقوه في هذه الصلوات الخمس، فإنكم عليها مؤتمنون وعنها مسئولون، وهي أول ما عليه تحاسبون.
أدوها فيما خصص ربكم لها من الأوقات؛ فإنها فريضة ربكم عليكم من فوق سبع سماوات، وآخر وصية إليكم من نبيكم ﷺ عند فراق هذه الحياة، وهي عمود الدين وبرهان الإيمان، فمن وفاها حقها وفاه الله حقه، ومن طفف فيها فقد سمعتم ما قال الله في المطففين.
عباد الله: إِنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوبها، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43].
قَالَ ابْنُ سِعْدِيٍّ رحمه الله فِي تَفْسِيرِهِ: "أَيْ: صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّين، فَفِيهِ الأَمْرُ بِالْجَمَاعَةِ لِلصَّلَاةِ وَوُجُوبِهَا".
وَقَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ...﴾ [النساء: 102].
وهذه الآية من أوضح الآيات الدالة على وجوب صلاة الجماعة، وعلى إثم تاركها، وذلك أن المسلمين في حالة حرب وخوف من أعدائهم ومع ذلك أمرهم الله عز وجل بصلاة الجماعة، ثم لم يكتف ربنا تبارك وتعالى بأن تقام الجماعة الأولى، بل لا بد من الثانية مع الإمام، فأين من تهاون بصلاة الجماعة في حال الأمن والراحة؟
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رحمه الله: "يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ وُجُوبُ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الأَعْيَانِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ لاكْتَفَى بِالطَّائِفَةِ الأُولَى، فَلَمَّا أُمِرَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِالصَّلاةِ جَمَاعَةً؛ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ اَلصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ اَلْعِشَاءَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
أيها المسلمون: إن في صلاة الجماعة أجورًا عظيمة، ومصالح كبيرة ظاهرة لمن تأملها، وواضحة لمن أرادها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إلا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ خَطِيئَةٌ. فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاة» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنْ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لا أعْلَمُ رَجَلًا أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لاَ تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، فَقيلَ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ في الظَلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاء؟ فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ إنِّي أُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِي مَمَشَايَ إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ (663)].
عباد الله.... ومن أهمية صلاة الجماعة وعظم فضلها: أن النبي ﷺ رغب في أداء الصلاة في جماعة، ولا سيما صلاة الفجر وصلاة العشاء؛ فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ، فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ (656)].
وبين النبي ﷺ أن الدرجات في الجنة بكثرة الذهاب والغدو إلى المساجد لأداء فرائض الله عز وجل؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه النَّبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِد أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
أيها المؤمنون: استمعوا إلى هذا الكلام العظيم من أحد أصحاب نبينا ﷺ، ففيه عبرة لمن اعتبر وانزجار لمن يَدَّكِر؛ فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّى هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ» [رواه مسلم (654)]
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، فرض الصلاةَ راحةً ورفعةً للمؤمنين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أَمَّا بَعْدُ:
فيا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون: كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رحمهم الله عَلَى عناية عَظِيمٍة بأَمْرِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ، فقد يتركون الأعمال ويغلقون المحل لأجلها، فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ، وَنَنْصَرِفُ إِلَى السُّوقِ…» [رَوَاهُ أَحْمَدُ (17029) وابن أبي شيبة 1/329، والطبراني في "الكبير" (5259) وهو صحيح بشواهده].
فدل على أنهم يوقفون العمل في السوق إلى ما بعد الصلاة.
وَفِي خِلَافَةِ عُمَرَ رضي الله عنه جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بِجَلَب إِلَى السُّوقِ، فَوَصَلَ وَالنَّاسُ فِي المَسَاجِدِ، يَقُولُ: "فَانْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ صَلَاتِهِمْ، فَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى أَسْوَاقِهِمْ". [أخرجه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (ص 75)].
فدل ذلك على أنهم توقفوا عن البيع والشراء وقت الصلاة واتجهوا إلى المساجد، وهكذا كان حال المجتمع في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: "أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾" [تفسير الطبري (18/113)].
وَعَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ سَالَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ المَسْجِدَ، فَمَرَرْنَا بِسُوقِ المَدِينَةِ وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَخَمَّرُوا مَتَاعَهُمْ، فَنَظَرَ سَالِمٌ إِلَى أَمْتِعَتِهِمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ...﴾، ثُمَّ قَالَ: هُمْ هَؤُلَاءِ".
وَقَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: "وَاللهِ لَقَدْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ، فَإِذَا حَضَرَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ بَدَؤُوا بِحَقِّ اللهِ حَتَّى يَقْضُوهُ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى تِجَارَتِهِمْ".
وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ رحمه الله: "أَمَا إِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ، وَلَكِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وَمِيزَانُهُ فِي يَدِهِ خَفَضَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى الصَّلَاةِ".
فالسلف الصالح رحمهم الله من صدر هذه الأمة وأتباعهم على تعظيم أمر الصلاة، والعناية بصلاة الجماعة، وإيقاف العمل والبيع والشراء لأجل حضورها في المساجد، وأدائها في جماعة المسلمين.
فاللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا.
***
عنوان الخطبة
خطر ترك الصلاة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتمَّ علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وبَعَث فينا رسولًا منا يتلوا علينا آياته ويُزكِّينا ويُعلِّمُنا الكتاب والحكمة، أحمدُه على نِعَمه الجَمَّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله أرسله ربُّه للعالمين رحمة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاةً تبقى وسلامًا يسري.
نص الخطبة الأولى
أما بعد.. فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله فإن تقواه أفضل مُكتسب، وطاعته أعلى نسب: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102].
أيها المسلمون:
لقد أنعم الله عليكم بنِعَمٍ سابغة، وآلاءٍ بالغة، نعمٍ ترفلون في أعطافها، ومِنَن أُسبِلَت عليكم جلابيبُها، وإن أعظم نعمة وأكبر منة هي: نعمة الإسلام والإيمان، يقول تبارك وتعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 17﴾ [الحجرات: 17]، فاحمدوا الله على ما أولاكم، واشكروه على ما إليه هداكم؛ حيث جعلكم من خير أمة أُخرِجَت للناس، وهداكم لمعالم هذا الدين الذي ليس به التباس.
ألا وإن من أظهر معالمه، وأعظم شعائره، وأنفع ذخائره: الصلاة، ثانية أركان الإسلام، ودعائمه العِظام، هي بعد الشهادتين آكَدُ مفروض، وأعظمُ معروض، وأجلُّ طاعة، وأرجَى بضاعة، من حفِظها حفِظ دينه، ومن أضاعها فهو لما سواها أضيَع، هي عمود الديانة، ورأس الأمانة، يقول النبي ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ» [أخرجه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٢٢٠٦٩) وصححه الألباني]، جعلها الله قُرَّةً للعيون، ومفزعًا للمحزون، فكان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ فزِعَ إلى الصلاة [رواه أحمد (23299) وأبو داود (1319) وحسنه الحافظ ابن حجر]، وكان يقول: «وُجِعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» [أخرجه والنسائي (٣٩٤٠)، وأحمد (١٤٠٣٧) وصححه الألباني]
وكان يُنادي: «يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» [أخرجه أبو داود (٤٩٨٥)، وأحمد (٢٣٠٨٨) وصححه الألباني]، فكانت سُروره، وهناءة قلبه، وسعادة فؤاده صلوات الله وسلامه عليه.
هي أحسن ما قصَدَه المرء في كل مهم، وأولَى ما قام به عند كل خَطْبٍ مُدلَهِم، خُضُوعٌ وخُشُوع، وافتقارٌ واضطرار، ودعاءٌ وثناءٌ، وتحميدٌ وتمجيدٌ، وتذلُّلٌّ لله العلي الحميد، يقول رسول الهدى ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ»؛ متفق عليه.
أيها المسلمون:
الصلاة هي أكبر وسائل حفظ الأمن والقضاء على الجريمة، وأنجع وسائل التربية على العِفَّة والفضيلة: ﴿...وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ...﴾ [العنكبوت: 45].
هي سر النجاح، وأصل الفلاح، وأول ما يُحاسَبُ به العبدُ يوم القيامة من عمله، فإن صلَحَت فقد أفلَح وأنجَح، وإن فَسَدت فقد خاب وخسِر، فالمحافظة عليها عنوان الصدق والإيمان، والتهاون بها علامة الخُذلان والخُسران، طريقُها معلوم، وسبيلُها مرسوم، من حافظ عليها كانت له نورًا وبُرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبَيّ بن خلف.
من حافظ على هذه الصلوات الخمس؛ ركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وعلِمَ أنهن حقٌّ من عند الله وجَبَت له الجنة.
نفحاتٌ ورحمات، وهِباتٌ وبركات، بها تُكفَّر السيئات، وتُرفَع الدرجات، وتُضاعَفُ الحسنات، يقول رسول الهدى ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ، قَالَ: «فَذَٰلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»؛ متفقٌ عليه.
عبادةٌ تُشرِق بالأمل في لُجَّة الظلمات، وتُنقِذ المُتردِّي في درب الضلالات، وتأخذ بيد البائس من قعر بؤسه، واليائس من درك يأسه إلى طريق النجاة والحياة: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ114﴾ [هود: 114].
أيها المسلمون:
إن مما يندَى له الجبين: ما فشا بين كثير من المسلمين من التفريط والتضييع لهذه الصلاة العظيمة، فمنهم التارك لها بالكلية، ومنهم من يُصلِّي بعضًا ويترك البقية، لقد خفَّ في هذا الزمان ميزانها، وعظُمَ هُجرانُها، وقلَّ أهلُها، وكثُر مُهملُها، يقول الزهريُّ رحمه الله: "دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه بدمشق وهو يبكي، فقلتُ له: ما يُبكيك؟ قال: لا أعرفُ شيئًا مما أدركتُ على عهد رسول الله ﷺ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعت"، [أخرجه البخاري (530)].
أيها المسلمون:
إن من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائر: ترك الصلاة تعمُّدًا، وإخراجها عن وقتها كسلًا وتهاونًا، يقول النبيُّ ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»؛ [رواه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد (٢٢٩٨٧) وصححه الألباني]، ويقول ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»؛ [أخرجه مسلم (82)].
وإنَّ فَوْتَ صلاة من الصلوات كمُصيبة سلب الأموال والضَّيْعات، وفقدِ الزوجة والبنين والبنات؛ يقول النبي ﷺ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»؛ [متفق عليه من حديث نوفل بن معاوية الديلي رضي الله عنه].
وغضب الله ومقتُه حالٌّ على تارك الصلاة؛ يقول النبي ﷺ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»؛ [أخرجه الطبراني (١١٧٨٢)، والضياء في «المختارة» (١٠٠) والبيهقي (٣٨٣٥) وحسنه الحافظ السخاوي]، يقول عز وجل: ﴿...وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ﴾ [طه: 81]، ويقول عبد الله بن شقيق رحمه الله: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصلاة" [أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٩٤٨) وإسناده صحيح].
أيها المسلمون:
إن التفريط في أمر الصلاة من أعظم أسباب البلاء والشقاء، ضنكٌ دنيوي، وعذابٌ برزخيٌّ، وعقابٌ أخرويٌّ: ﴿۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا59﴾ [مريم: 59]، ويقول النبي ﷺ في حديث الرؤيا: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخَرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخَرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيُثْلِغُ رَأْسَهُ - أَي: يَشُجُّهُ - فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ مَرَّةَ الْأُولَى، قَالَ: قُلتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟...» فَقَالَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إِخْبَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا رَآهُ: «أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ: فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ»؛ [أخرجه البخاري (7047)].
فيا عبد لله.. يا عبد الله.. يا عبد الله:
كيف تهون عليك صلاتُك وهي رأسُ مالك، وبها يصحُّ إيمانُك؟ كيف تهون عليك صلاتُك وأنت تقرأ الوعيد الشديد في قول الله جل وعلا: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ5﴾ [الماعون: 4- 5]؟ كيف تتصف بصفة من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا142﴾ [النساء: 142].
أيها المسلمون:
الصلاة عبادةٌ عظيمة لا تسقط عن مُكلَّفٍ بحال، ولو في حال الفزع والقتال، ولو في حال المرض والإعياء، ما عدا الحائض والنفساء؛ يقول تبارك وتعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238 فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ239﴾ [البقرة: 238- 239].
فيا عباد الله:
أقيموا الصلاة لوقتها، وأسبِغوا لها وضوءها، وأتِمُّوا لها قيامها وركوعها وسجودها وخُشوعها تنالوا ثمرتها وبركتها، وقوتها وراحتها.
أيها المسلمون:
جاءت الأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة ساطعة ناصعة، مُتكاثرة متضافرة على وجوب صلاة الجماعة على الرجال حَضرًا وسفرًا، يقول جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43]، "مع" المُقتضية للجمعية والمعية، ويقول تبارك وتعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ وهو في ساحة القتال وشدة النِّزال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ...﴾ [النساء: 102].
ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "من سرَّه أن يلقَى الله غدًا مسلمًا فليُحافِظ على هذه الصلوات حيث يُنادَى بهن، فإن الله شرع لنبيِّكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا المُتخلِّفُ في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادَى بين الرجلَيْن حتى يُقامَ في الصف"؛ [أخرجه مسلم (257)].
يا شباب الإسلام... يا أصحاب القوة والفُتُوَّة:
هذا ابنُ أم مكتوم – رضي الله عنه وأرضاه – يُقبِلُ على رسول الله ﷺ ويقول: يا رسول الله، قد كبِرَت سنِّي، ورقَّ عظمي، وذهب بصري، ولي قائدٌ لا يلائمُني قِيادُه إيَّاي؛ فهل تجدُ لي رخصة أُصلِّي في بيتي الصلوات؟ فقال رسول الله ﷺ: «هَلْ تَسْمَعُ المُؤَذِّنَ فِي البَيْتِ الَّذِي أَنتَ فِيهِ؟». قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً»؛ [أخرجه الطبراني في "الكبير"(7886) وصححه الألباني]، ولو يعلم هذا المُتخلِّف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها؛ لأتاها ولو حَبْوًا على يديه ورِجْلَيْه.
واشتد غضبُ رسول الله ﷺ على المُتخلِّفين عن جماعة المسلمين، فقال عليه الصلاة وأزكى السلام: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ»؛ متفقٌ عليه، ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: "لأَن تمتلئ أُذن ابن آدم رصاصًا مُذابًا، خيرٌ له من أن يسمع النداء ولا يُجيب".
أيها المُتخلِّف في بيته عن أداء الصلاة جماعة في بيوت الله:
أصِغ السمع لقول النبي ﷺ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [رواه ابن ماجه (793) وصححه الألباني].
وتعظُمُ المُصيبة، وتكبُر الخطيئة حين يكون المُتخلِّف عن صلاة الجماعة ممن يُقتَدى بعمله ويُتأسَّى بفعله، وهي أعظم ضررًا وأشدُّ خطرًا حين يكون المُتخلِّفُ ممن ينتسب إلى العلم وأهله، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما بالُ أقوامٍ يتخلَّفون عن الصلاة، فيتخلَّف لتخلُّفهم آخرون، لأَن يحضُروا الصلاة أو لأبعثنَّ عليهم من يُجافي رقابهم".
أيها المسلمون:
تلك أدلة ونصوص لاح الحق في أكنافها، وظهر المُدَى في بيانها، ولقد أفصَحَت الرسل لولا صَمَم القلوب، ووضَحت السبل لولا كَدَر الذنوب.
أيها المسلمون:
لقد كثُر المُتخلِفون في زماننا هذا عن صلاة الجماعة في المساجد، رجالٌ قادرون أقوياء يسمعون النداء صباح مساء، فلا يُجيبون ولا هم يذَّكَّرون، ألسنتهم لاغية، وقلوبهم لاهية، ران عليها كسبُها، وضلَّ في الحياة الدنيا سعيُها، قد انهمكوا في غوايتهم، وتغوَّلوا في عَمايتهم، التحقوا بشُقْبة الدهر، وتجلَّلوا بأخبث سوءةٍ وأشرّ، شُغِلوا عن الصلاة بتثمير كسبهم، وبلهوهم ولعبهم، ولو كانوا يجدون من الصلاة في المساجد كسبًا دنيويًّا ولو حقيرًا دنِيًّا لرأيتهم إليها مُسرعين، ولندائها مُذعِنين مُطيعين، يقول رسول الهدى ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْماتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشاءَ»؛ متفق عليه.
أيها المسلمون:
إن الواجب على المسلمين وولاتهم وعلمائهم وأئمتهم وأهل الحل والعقد فيهم تفقُّد هؤلاء المُتخلِّفين، وأطرِهم على الجماعة أطْرًا، وقصرِهم عليها قصرًا، فعن أُبَيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه قال: صلّى بنا -أو: صلّى لنا- رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الغَداةِ، ثمَّ قال: أشاهِدٌ فلانٌ؟ مرَّتينِ. قُلْنا: نعَمْ، ولم يشهَدِ الصلاةَ، ثمَّ قال: أشاهِدٌ فلانٌ؟ قُلْنا: نعَمْ، ولم يشهَدِ الصلاةَ، قال: «إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الرَّغَائِبِ لَأَتَيْتُمُوهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا»؛ [أخرجه أبو داود (554) وصححه الألباني].
فيا عبد الله:
يا من يأتي المساجد في فُتورٍ وكسل، ويقضي وقتًا قليلًا على ملل: أما علِمتَ أن المساجد بيوت الله، وأحب البِقاع إليه جل في عُلاه يقول عليه الصلاة وأزكى السلام: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ»؛ متفقٌ عليه.
فيا من يتوانى ويتثاقل، ويتساهل ويتشاغل:
لقد فاتك الخير الكثير، والأجر الكبير؛ يقول النبي ﷺ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ؛ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ»؛ متفقٌ عليه، «وَمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ غَدَا إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ - كَانَتْ خُطُوَاتُهُ إِحْدَاهَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً، وَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ» [مسلم (622)]. نعوذ بالله من الخُذلان والخُسران.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 36 رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ37 لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ38﴾ [النور: 36-38].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد.. فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعوه ولا تعصوه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ 119﴾ [التوبة: 119].
أيها المسلمون:
اتقوا الله في أبنائكم.. اتقوا الله في أبنائكم.. اتقوا الله في أبنائكم.. قُرَّة عيونكم، وتتابُع نسلكم وذِكركم، فإنهم أمانة في أعناقكم، مُروهم بالمحافظة على الصلوات، وحُضور الجُمَع والجماعات، رغِّبوهم ورهِّبُوهم، وشجِّعوهم بالحوافز والجوائز، نشِّئوهم على حب الآخرة، وكونوا لهم قدوةً صالحة، ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ 132﴾ [طه: 132]، ويقول رسول الهدى ﷺ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ»؛ [أخرجه أبو داود (٤٩٥)، وأحمد (٦٧٥٦) وصححه الألباني] واحذروا المُلهِيات والمُغرِيات التي تصُدُّهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وألِحُّوا على الله بالدعاء أن يُصلِح أولادكم وأولاد المسلمين أجمعين.
عباد الله:
إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدْسِه، فقال قولًا كريمًا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد.
***
عنوان الخطبة
أحكام الجنائز
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله ربِّ العالمين، حَكَمَ بالموت على بني الإِنسان: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ26 وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ27﴾ [الرحمن:26-27].
وبعدَ الموت يُودَعُون في القبور إلى يوم البعث والنشور، وأحمَدُه على كل حال.
وأشهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبيرُ المتعال، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهُدى ودينِ الحق، وبقمع الكفرِ والضلال، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه خيرِ صَحْبٍ وآلٍ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعدُ:
فيا أيُّها الناسُ: اتقوا الله تعالى، وتَذَكَّروا الموتَ، وقُربَ نزوله، فاستَعِدُّوا له بالأعمالِ الصالحةِ، والتوبةِ مِنَ الذنوب والسيئات، فإنَّ نسيانَ الموت يُقَسِّي القلبَ، ويُرَغِّبُُ في الدنيا، عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: «أَكثِرُوا مِنْ ذِكرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» يعني الموت [رواه الترمذي: 2307، وقال: حسن غريب]، زاد في رواية: «فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ، وَلَا ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَها عَلَيْهِ» [رواها ابن حبان: 2993].
وعن عبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أَخَذَ رسولُ الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وكانَ ابنُ عمر يقول: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنتَظِرِ ٱلْمَسَاءَ، وَخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِن حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [رواه البخاري: 6416].
وعن عبدِ الله عن النبي ﷺ قال: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِّن شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَٰلِكَ» [رواه البخاري: 6488].
عباد الله: إن تذكُّرَ الموتِ، يُزَهِّدُ في الدنيا، ويُحفِّزُ على العملِ الصالح، وعلى التوبة من الذنوب، والتخلُّصِ من مظالم العباد، وإعطاءِ الناس حقوقَهم، ولَمَّا كان الموت نهايةَ حياةِ الإنسان في هذه الدنيا، وقد شَرَعَ الله سبحانه للأمواتِ أحكامًا تجبُ معرفتُها وتنفيذها في أموات المسلمين، تُعْرَفُ بأحكامِ الجنائز؛ كانَ واجبًا علينا معرفَتُها.
قال الإِمام ابنُ القيم رحمه الله: "كان هَدْيُ النبي ﷺ في الجنائز أكملَ الهدي، مُخالفًا لهَدْيِ سائر الأمم، مشتملًا على الإِحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفَعُه في قبرهِ ويوم معاده، وعلى الإِحسان إلى أهلهِ وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي لله وحده فيما يعاملُ به الميت.
وكانَ من هَدْيهِ في الجنائز: إقامةُ العبودية للربِّ تبارك وتعالى على أكملِ الأحوال، والإِحسانُ إلى الميت وتجهيزُه إلى الله على أحسنِ أحواله وأفضلِها، ووقوفُه ﷺ ووقوف أصحابهِ صفوفًا يحمَدُون الله، ويستغفرون للميت، ويسألون له المغفرةَ والرحمةَ، والتجاوز عنه، ثم المشيُ بينَ يديه إلى أن يُودِعُوه في حُفرته، ثم يقومُ هو وأصحابه بينَ يديه على قبرهِ، سائلين له التثبيتَ، أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهدُهُ بالزيارة له في قبرِه، والسلام عليه، والدعاء له، كما يتعاهَدُ الحيُّ صاحبَهُ في دارِ الدنيا.
فأولُ ذلك: تعاهدُه في مرضِه، وتذكيرُهُ الآخرةَ، وأمرُه بالوصيةِ، والتوبةِ، وأمرُ مَنْ حَضَرَ بتلقينِه: شهادةَ أن لا إلهَ إلا الله، لتكونَ آخرَ كلامه..." [زاد المعاد 1/ 479].
فقد أجملَ الإِمامُ ابنُ القيم رحمه الله في هذه الكلمة الطيبة أحكامَ الجنائز، ونحن نفصِّلُها حسبَ الإِمكان.
فأولُ هذه الأحكام: أنه يُسْتَحَبُّ تلقينُ المحتضر: (لا إلهَ إلا الله)؛ لقوله ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ» [رواه مسلم: 916].
وذلك لتكونَ هذه الكلمة الطيبة آخرَ كلامه، ويُخْتَمَ له بها، فقد جاء في الحديث: «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ» [رواه أبو داود: 3116].
ولأنَّ الشيطانَ يعرضُ للإِنسانِ في حالة احتضارِهِ، ليُفْسِدَ عقيدتَه، فإذا لُقِّنَ هذه الكلمةَ العظيمة، ونَطَقَ بها؛ فإنَّ ذلك يطرُدُ الشيطان، ويذَكِّرُه بعقيدةِ التوحيد.
ومن هذه الأحكام: أنه إذا ماتَ يُسرَعُ في تجهيزِهِ: من تغسيله وتكفينه، والصلاة عليه، ونقله إلى قبره؛ لقولِ النبي ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ أَهْلِهِ» [رواه أبو داود: 3159].
قال الإِمام ابنُ القيم رحمه الله: "وكانَ من هَدْيهِ ﷺ الإِسراعُ بتجهيزِ الميت إلى الله، وتطهيره، وتنظيفه، وتطييبه، وتكفينه في الثياب البِيض" [زاد المعاد 1/ 481].
قال: "وكانَ يأمُرُ بغَسْلِ الميت ثلاثًا أو خمسًا أو أكثرَ بحسب ما يراهُ الغاسلُ، ويأمرُ بالكافورِ في الغَسْلةِ الأخيرة، وكان يأمرُ مَنْ وَلِيَ الميتَ أن يُحْسِنَ كفنَه، ويُكفِّنَه بالبياض، وينهى عن المغالاة في الكفنِ" [زاد المعاد 1/ 483].
والرجلُ يتولَّى تغسيلَه الرجالُ، والمرأةُ يتولَّى تغسيلَها النساءُ.
ويجوزُ للرجل أن يغسلَ زوجتَه.
وللمرأةِ أن تغسلَ زوجَها.
ومن تعذَّرَ غسلُه لعدمِ الماء، أو لكونِ جسمه محترقًا، أو متقطعًا، لا يتحملُ الماءَ؛ فإنه يُيَمَّم بالترابِ، وإن تعذَّرَ غَسْلُ بعضِه؛ غُسِلَ ما أمكنَ غسلُه منه، ويُمِّمَ عن الباقي.
والسقْطُ إذا كان له أربعةُ أشهُرٍ غُسِلَ، وصُلِّيَ عليه؛ لقولِه ﷺ: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» [رواه أبو داود: 3180].
فإذا غُسِلَ الميتُ وكُفِّنَ؛ فإنه يصلَّى عليه، والصلاةُ عليه جماعةً أفضلُ؛ لفِعله ﷺ، وفعلِ أصحابه.
قال الإِمام ابنُ القيم رحمه الله: "ومقصودُ الصلاةِ على الجنازة هو الدعاء للميت" [زاد المعاد 1/ 486].
وقالَ شيخُ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ...﴾ [التوبة:84]: "لمَّا نهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين؛ كان دليلًا على أن المؤمنَ يُصَلَّي عليه قبلَ الدفن، ويقامُ على قبرِهِ بعدَه" [مجموع الفتاوى 24/ 330].
ودلَّت الآية أيضًا على أنَّ الصلاةَ على المسلمين من أكبرِ القُربات، وأفضلِ الطاعات، ورتَّبَ الشارعُ عليها الجزاءَ الجزيل، كما في الصحاح، وغيرِها.
ودلَّت الآيةُ على أنَّ الصلاةَ على الميت كانت عادةَ النبي ﷺ في المسلمين، وأمرًا متقررًا عند المسلمين.
وكُلَّما كَثُرَ المصلُّون كان أفضلَ؛ لِما ثبت عن النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَيْتٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» [رواه مسلم: 947].
ومَنْ فاتته الصلاةُ على الميت قبلَ دفنه؛ صَلَّى على قبره؛ لِما في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ صلَّى على قبرٍ، وذلك أنَّ امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجدَ، ففقَدَها رسولُ الله ﷺ فسأَلَ عنها، فقالوا: ماتت، فقال: «أَفَلَا كُنتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» قَالَ: فَكُأنَّهِم صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. [رواه البخاري: 460، ومسلم: 956].
ثم بعدَ الصلاةِ على الميتِ يبادرُ بحملِهِ إلى قبره.
ويُستَحَبُّ للمسلمِ حضورُ الصلاة على أخيه المسلم، وتشييعُ جنازته إلى قبره، بسكينة وأدبٍ، وعدمِ رفع صوت، لا بقراءة ولا ذكر، ولا غير ذلك، فعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» [رواه البخاري: 1325، ومسلم: 945].
ويُسَنُّ توسيعُ القبر وتعميقه، ويوضَعُ الميتُ فيه موجَّهًا إلى القبلة على جنبهِ الأيمن، ويُسَدُّ اللَّحْدُ عليه سدًّا مُحْكَمًا، ثم يُهالُ عليه الترابُ.
ويُرْفَعُ القبر عن الأرضِ قدرَ شِبْرٍ، ويكونُ مُسنَّمًا، أي: محدَّبًا، وذلك ليُرى فيُعْرَفَ أنه قبر فلا يُوطأ، ولا بأسَ أن يُجعلَ علامةٌ عليه، بأن يوضَعَ عليه حجرٌ ونحوه، ليعرِفَهُ مَنْ يريدُ زيارته للسلام عليه، والدعاء له.
ولا تجوزُ الكتابةُ على القبر، لا كتابة اسم الميت، ولا غيرها.
ولا يجوزُ تجصيصُه، ولا البناءُ عليه.
ولا تجوز إضاءةُ المقابر بالأنوار الكهربائية، ولا غيرها؛ لحديثِ جابر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» [رواه مسلم: 970].
قال الإِمامُ ابن القيم رحمه الله: "ولم يكن من هَدْيِهِ ﷺ تعليةُ القبور، ولا بناؤُها بآجُرٍّ، ولا بحجرٍ ولَبِنٍ، ولا تشييدُها، ولا تطيينُها، ولا بناء القِبابِ عليها، فكلُّ هذا بدعةٌ مكروهة مخالفةٌ لهَدْيِهِ ﷺ، وقد بَعَثَ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن أن لا يَدَع تمثالًا إلَّا طَمَسَه، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّاه" [رواه مسلم: 969].
فسنتُه تسويةُ هذه القبورِ المشرفة كلها، ونهى أن يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُبنَى عليه، وأن يُكتبَ عليه، وكانت قبورُ أصحابِهِ لا مشرفةً ولا لاطئةً (أي: لا مرتفعة أكثر من شبر ولا ملتصقة بالأرض)، وهكذا كانَ قبرُهُ الكريم، وقبرا صاحبيه.
فقبرُهُ ﷺ مُسَنَّم مبطوحٌ ببطحاء العرصةِ الحمراء (أي: أُلقي فيه البطحاء وهو الحصى الصغار، والعرصة جمعها عرصات وهي كل موضع واسع لا بناء فيه، والحمراء صفة للبطحاء أو العرصة)، لا مبنيٌّ ولا مُطَيَّنٌ، وهكذا كانَ قبرا صاحبيه.
وكانَ يُعَلِّمُ قبرَ مَنْ يريدُ تعرُّفَ قبرهِ بصخرةٍ.
ونهى ﷺ عن اتخاذِ القبورِ مساجدَ، وإيقادِ السُّرُجِ عليها، واشتدَّ نهيُه في ذلك، حتى لَعَنَ فاعِلَه، ونهى عن الصلاةِ إلى القبور، ونَهَى أُمَّتَه أن يتخذوا قبرهَ عيدًا، ولَعَنَ زوَّاراتِ القبور.
وكان هديُه: أَنْ لا تُهانَ القبورُ وتوطأ، وألا يُجْلَسَ عليها ويُتَّكَأَ عليها، ولا تُعَظَّمَ بحيثُ تُتَّخَذُ مساجدَ، فيُصَلَّى عندها وإليها، أو تتخذُ أعيادًا وأوثانًا.
وكان إذا زارَ قبورَ أصحابه يزورُها للدعاء لهم، والترحُّم عليهم، والاستغفارِ لهم.
وهذه هي الزيارةُ التي سنَّها لأمته، وشَرَعَ لَهُم وأمرَهُم أن يقولوا إذا زاروها: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» [رواه مسلم: 975].
وكانَ هديُهُ: أن يقولَ ويفعَلَ عند زيارتها من جنسِ ما يقولُه عند الصلاة على الميت من الدعاء والترحُّمِ والاستغفار.
فأبى المشركون إلا دعاء الميت، والإِشراك به، والإِقسام على الله به، وسؤال الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه.
بعكس هَدْيِهِ ﷺ، فإنه هديُ توحيدٍ وإحسانٍ إلى الميت، وهَدْيُ هؤلاءِ شِرْكٌ وإساءةٌ إلى نفوسهم، وإلى الميتِ.
وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميتَ، أو يدعو به أو عندَه، ويرَوْنَ الدعاءَ عنده أوجبَ وأولى من الدعاء في المساجد"
[زاد المعاد 1/ 504- 507].
أيها المسلمون: ومن البدعِ المُحْدَثَةِ: القراءة عند الجنائز، أو عند القبور، قراءةُ الفاتحة أو قراءة شيءٍ من القرآن.
يزعُمون أنَّ ذلك ينفَعُ الميتَ، وهذا بدعةٌ؛ لأنَّه لم يكن من سنةِ الرسولِ ﷺ.
ومن عوائدِ الكُفَّار، ومَنْ يُقَلِّدُهم من جهلةِ المسلمين، إلقاء أكاليل الزُّهورِ على القبور.
ومن عوائدِ الكُفَّار ومَنْ يُقَلِّدُهم من جهلة المسلمين اليومَ: إعلانُ الإِحدادِ على الأمواتِ، ولُبْسُ السواد، وتنكيسُ الأعلام، وتعطيلُ الأعمال الرسمية من أجلِ ذلك، والوقوفُ والصمتُ بضعَ دقائق لروح الميت، وما أشبهَ ذلك من عوائدِ الجاهلية الباطلة.
فيجبُ على المسلمين الحذرُ من تقليدهم، والتشبه بهم.
أيها المسلمون: إن الذي ينفَعُ الميتَ بعد موته، هو ما شَرَعَهُ الرسولُ ﷺ من المبادرةِ بقضاء ديونه، فإن المسلم مرتهَنٌ بدَيْنِهِ حتى يُقْضَى عنه، وتنفيذِ وصاياه الشرعية، والدعاءِ له، والتصدُّقِ عنه، والحجِّ والعمرة عنه، قالَ ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه مسلم: 1631].
ومما يجبُ أن يُعْلَمَ: أنه يحرُمُ على النساء اتباعُ الجنائزِ، وزيارةُ القبور؛ لحديثِ أم عطية رضي الله عنها قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» [رواه البخاري: 1278، ومسلم: 938].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» [رواه الترمذي: 320 وحسنه].
فالمرأةُ لا تزورُ القبور، لا قبرَ النبي ﷺ، ولا قبرَ غيره، وإنما زيارةُ القبور خاصةٌ بالرجال.
فاتقوا الله -عبادَ الله-، ولا تَنْسَوُا الموتَ، فتغفُلوا عن العمل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ9 وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ10 وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ11﴾ [المنافقون:9-11].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمدُ لله ربِّ العالمين: ﴿...خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ...﴾ [الملك:2].
وأشهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خَلَقَ الخلقَ ورزقهم، ولم يتركْهُم هَمَلًا، بل أنزلَ عليهم الكتبَ، وأرسلَ إليهم رسلًا، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين تمسَّكُوا بسنَّتِهِ، ولم يرتَضُوا بها بدلًا، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعدُ:
فيا أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلَموا أنَّ الله شَرَعَ الصبرَ عند المصائب، ووعدَ الصابرين بجزيلِ الثواب، ونَهَى عن التسخُّطِ والجَزَعِ، وتوعَّدَ على ذلك بأليمِ العقاب، فنهى سبحانه عن عادةِ الأمم التي لا تؤمنُ بالبعث والنشور؛ من لطمِ الخدود، وشَقِّ الجيوب، وحلقِ الرؤوس، ورفعِ الصوت بالندب، والنياحة، وتوابعِ ذلك.
أمَّا البكاءُ الذي لا صوتَ معه، وحُزْنُ القلب، فلا بأسَ بهما، وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ» [رواه البخاري: 1303، ومسلم: 2315].
وتُستحبُّ تعزيةُ المصاب بالميتِ، وحثُّه على الصبرِ والاحتساب.
ولفظُ التعزية: أن يقولَ: أعظمَ الله أجركَ، وأحسنَ عزاءَك، وغَفَرَ لميتِك.
ولا ينبغي الجلوسُ للعزاءِ، والإِعلان عن مكانِ الجلوس للعَزاءِ.
قال الإِمام ابنُ القيم رحمه الله: "وكان من هَدْيهِ ﷺ: تعزيةُ أهل الميت، ولم يكن من هَدْيِهِ أن يجتمعَ للعَزاءِ، ويقرأَ له القرآنَ، لا عندَ قبره ولا غيره، وكلُّ هذا بدعةٌ حادثة مكروهة.
وكانَ من هَدْيهِ: السكونُ والرضا بقضاءِ الله، والحمدُ لله، والاسترجاعُ.
ويبرأُ مِمَّنْ خَرَقَ لأجل المصيبةِ ثيابَه، أو رَفَعَ صوتَه بالندب والنياحة، أو حَلَقَ لها شعره.
وكانَ من هَدْيِهِ: أَنَّ أهلَ الميت لا يُكَلَّفُونَ الطعام للناس، بل أمرَ أن يصنَعَ الناسُ لهم طعامًا يرسلونه إليهم، وهذا من أعظمِ مكارم الأخلاق، والشِّيَمِ، والحمل عن أهل الميت، فإنهم في شُغلٍ بمُصابِهم عن إطعامِ الناس.
وكان من هَدْيِهِ ﷺ: تركُ نعي الميت، بل كان يَنْهَى عنه، ويقول هو عملُ الجاهلية.
وقد كَرِهَ حذيفةُ: أن يُعلِم به أهلُه الناسَ إذا مات، وقال: "أخافُ أن يكون من النعي" [رواه الترمذي: 986، وحسنه]" [زاد المعاد 1/ 508].
فهذا الذي حَذَّرَ منه ابنُ القيم يفعَلُه كثيرٌ من الناس اليوم، يجتمعون للعزاء، ويُعلنون عن مكانه في الصحف.
وبعضُهم يهيِّئُونَ مكانًا لاجتماع الناس، ويصنعونَ الطعامَ، ويستأجرون المُقرئين.
فعن جرير بن عبد الله قال: "كُنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحةِ" [رواه ابن ماجه: 1612، وصححه البوصيري].
فلا ينبغي جلوسُ المُصابِ في مكان لأجلِ العزاء، بل يخرجُ لعملِه كعادته قبل المصيبة، ومَنْ لَقِيَه في طريقه، فإنه يُعزيه التعزيةَ المشروعة، أو في أي مكان.
ويُذكر أنه في بعضِ الجهات يأتي الناسُ من بعيدٍ وقريب لأجل التعزية، ويأتُونَ معهم بأغنام وأكياس من الطعام، تُجْمَعُ عند المصاب، فيُذْبَحُ من الأغنام، ويُطبخُ منها ومن الطعام، ويُقَدَّمُ للناس مدةً معينة من الأيام.
وهذا العملُ بدعةٌ ومنكَرٌ، لا يجوزُ فعلُه، وصرفٌ للأموال والأوقات بغير فائدةٍ.
والواجبُ: العمل بسنة الرسول ﷺ في هذا وفي غيره.
فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهَدْيِ هديُ محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها.
***
عنوان الخطبة
إيتاء الزكاة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي من علينا بدين الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الكرام.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا 70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب: 70-71].
أيها المسلمون: فريضة عظيمة وركن من أركان الإسلام ومبانيه العظام، بها تدفع النقم وتستجلب النعم، هي برهان صدق الإيمان، وسبب في النماء والبركة وعدم النقصان؛ إنها الزكاة قرينة الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ...﴾، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَالزَّكَاةُ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْفَلاَحِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ1 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ2 وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ3 وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ4﴾ [المؤمنون: 1-4].
والزكاة من أعظم الأسباب في دخول الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هٰذَا شَيْئًا أَبدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هٰذَا» [متفق عليه].
وهي تطهير لصاحبها من الذنوب والمعاصي، وتزكية له في الدنيا والآخرة، وتطهير لماله، وسبب في زيادته وبركته، قال الله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ103﴾ [التوبة: 103].
والزكاة سبب في حماية المجتمعات من الفساد والجرائم التي تتولد عن الفقر والحاجة، وفيها توطيد لدعائم المحبة والمودة والألفة بين أبناء المجتمع المسلم؛ والذي مثله كمثل البنيان يشد بعضه بعضًا.
أيها المسلمون: كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز مكنوز؛ تنزع بركته، ويمنع خيره وأجره، ويكون وبالًا على صاحبه في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ35﴾ [التوبة:35].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ (يَعْنِي شِدْقَيْهِ) ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾». [رواه البخاري (1403)].
يقول ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» [رواه البخاري (2887)]، وفي الحديث أيضًا: «يُنَادِي فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءِ مَلَكَانِ: اللهمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنفِقٍ خَلَفًا، وَكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا» [متفق عليه].
عباد الله يجب علينا أن نتعلم أحكامَ الزكاة وشروطهَا ومصارفهَا، ومستحقيهَا وكيفيةَ إخراجها، وهي ميسرة ولله الحمد.
فالزّكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وتجِب في الذّهب والفضّة، وما يلحَق بهما من الأوراق الماليّة التي جعلها الناس أثمانًا وأقيامًا، كما تجب في الخارجِ من الأرضِ مِن كلّ حبّ وثمَر يُكال ويدَّخر، كما تجِب في بهيمةِ الأنعام وعروض التّجارة وهي كلّ ما أُعِدّ للبيع والاكتساب أيًّا كان نوعُها، سواء كانت من العقارات كالأراضي والدّور أو الأسهم أو كانت من غيرها، فإذا حال الحولُ على هذه العروض قوِّمت قيمةَ السوق وأخرَج مالكها زكاتَها من مقدار قيمتِها ربعَ العشر، أمَّا من أعدَّ عقارًا للإيجار لا للبَيع والاتِّجار فالزَّكاة في أجرةِ العقار إذا حال عليها الحول.
وتصرف الزكاة في مستحقيها الثمانية الذين ذكرهم الله بقوله تعالى: ﴿۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ60﴾ [التوبة: 60].
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب؛ فإنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أَمَّا بَعْدُ: فيا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: حريٌ بنا أن نتعلم أحكامَ الزكاة والصدقات ومصارفَها، وكيفيةَ إخراجها، وأن نَتَّصِفَ بِصِفَةِ الإِحْسَانِ وَالْجُودِ، بِدَفْعِ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ لِمُسْتَحِقِّيهَا، وأن نتفقد من حولنا من المحتاجين من الأقارب والجيران وغيرهم، وأن نتولى دَفْعَ الزكاة بأنفسنا وهو الأفضل أَوْ عَبْرَ الْجِهَاتِ الْمُصَرَّحِ لَهَا بِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَالتَّبَرُّعَاتِ، وأن نحذر مِنَ التساهل في دفعها لغير مستحقيها أو إلى أشخاص أو جهات غير معروفة.
عباد الله: ﴿...وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [المزمل: 20].
عباد الله: اذكروا الله العلي العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
***
عنوان الخطبة
منزلة الزكاة في الإسلام
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب: 70- 71].
أيها المسلمون:
اعلموا رحمكم الله أن الله جل وعلا فرض الزكاة في أموال الأغنياء من المسلمين؛ ولعظم منزلتها قرنها الله تعالى بالصلاة في القرآن الكريم سبعًا وعشرين مرة، وذكرها سبحانه وتعالى منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع، فهذه ثلاثون مرة ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز.
وجاءت الزكاة بلفظ الصدقة، والصدقات في كتاب الله تعالى في مواضع من كتاب الله تعالى كقوله سبحانه: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...﴾ [التوبة: 103].
وقوله تعالى: ﴿۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ...﴾ [التوبة: 60]. والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام ودعائمه العظام؛ لقول النبي ﷺ: «بُنيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّٰهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّٰهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» [متفق عليه].
ولعظم شأن الزكاة؛ جاءت سُنَّة النبي ﷺ بالتفاصيل في أحكامها، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة في العناية بالزكاة، والأمر بإخراجها، وبيان فرضيَّتها، وبيان أصناف الأموال الزكوية: من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وأوضحت النُّصُب ومقاديرها، وبيَّنت السُّنة أحكام الزكاة بيانًا واضحًا، وفصَّلت أصناف أهل الزكاة الثمانية، وقد جاء في السنة أكثر من مائة وعشرة أحاديث في الزكاة.
ولعظم شأنها مَدَحَ الله القائمين بها في آيات كثيرة: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا54 وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا55﴾ [مريم: 54- 55].
وقال تعالى: ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ...﴾ [النور: 37].
وذمَّ التاركين لها وتارك إطعام المسكين؛ ولعظم شأنها أمر الله بها أمرًا مطلقًا في مكة، ثم فُرضت في السنة الثانية للهجرة: الزكاة ذات النُّصُب والمقادير، ويدل على عظم منزلتها: أن إمام المسلمين يقاتل من منعها، قال عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّٰهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّٰهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَٰلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّٰهِ» [متفق عليه].
وقال أبو بكر رضي الله عنه في مَنْ مَنَعَ الزكاة: «وَاللَّهُ لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنَعِهِ».
وفي رواية: «وَاللَّهُ لَوْ مَنَعُونِي عِناقًا...» [متفق عليه]، ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة أن من جحد وجوبها كفر؛ ولعظم شأنها ومنزلتها جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها، كقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ34 يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ35﴾ [التوبة: 34- 35].
وقال النبي ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَىٰ بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَىٰ بَيْنَ الْعِبَادِ فُيُرَىٰ سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، ثُمَّ ذَكَرَ الإِبِلَ، وَالْغَنَمَ وَالْبَقَرَ» [متفق عليه].
وقال ﷺ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ - يَعْنِي شَدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنزُكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ180﴾ [آل عمران: 180] [أخرجه البخاري (1403)].
ومن عظم شأنها أن إمام المسلمين يعزر من تهاون بأداء الزكاة.
وأما فوائد الزكاة فكثيرة جدًا، منها: أن إسلام العبد لا يتم إلا بأدائها، ويحصل بها تنفيذ أمر الله رجاء ثوابه وخشية عذابه، وتُثبّت أواصر المحبة بين الغني والفقير، وتطهِّر النفس وتزكِّيها، وتعوِّد المسلم على الجود، وتحفظ النفس من الشح، وتُستجلب بها البركة ﴿...وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ [سبأ: 39].
وقال ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ» [رواه مسلم (2588)].
وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» [متفق عليه].
وهي برهان على صدق إسلام مخرجها، وتشرح صدر المسلم، وتُلحقه بالمؤمن الكامل، وهي من أسباب دخول الجنة، وتُنجي من حرِّ يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ: «كُلُّ إِمْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفَصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» [أخرجه أحمد (١٧٣٣٣)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠) وصححه الألباني].
وتجعل المجتمع كالأسرة الواحدة، وسبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات؛ لحديث عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ وفيه: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا..» [أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩)، والطبراني في الأوسط (٤٦٧١)، والحاكم (٨٦٢٣) وصححه الألباني].
وهي تطفئ الخطايا وتكفِّرها، قال ﷺ: «... وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» [أخرجه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والنسائي في الكبرى (١١٣٣٠)، وأحمد (٢٢٠٦٩) وصححه الألباني]، وهي وقاية لصاحب المال من العذاب، وتطهِّر المال والنفس، وتحفظ المال من الفساد، وأداؤها من أسباب الرحمة والنصر، ومن أعظم أنواع الإحسان.
عباد الله:
أدُّوا زكاة أموالكم؛ فإن ذلك من أسباب نجاتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله التواب الغفور الرحيم، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: إن الله قد أوجب عليكم زكاة في أموالكم طُهرة لأموالكم ولأنفسكم، وبركة في أموالكم، وقد أعطاكم الكثير، وأمركم بإخراج القليل، ووعدكم بالخلف والبركة. والزكاة تَجِبُ على المسلم، الحُرِّ، الذي مَلَكَ نصابًا مِلكًا مستقرًّا، ودار عليه الحول سنة كاملة، والأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف:
الصنف الأول: السائمة الراعية من بهيمة الأنعام:
وهي الإبل: وأقلُّ نصابها خمس من الإبل فيها شاة، والبقر: أقل نصابها ثلاثون فيها تبيع أو تبيعة لها سنة، والغنم: أقل نصابها أربعون، فيها شاة، والمسلم الذي عنده شيء من هذا المال يسأل أهل العلم عن ذلك.
والصنف الثاني: زكاة الخارج من الأرض: كالحبوب والثمار، وأقل النصاب خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ، يجب في ذلك نصف العشر إذا كان يُسقى بالسواني أو المكائن أو غير ذلك، أما ما كان يُسقى من المطر أو العيون ففيه العشر كاملًا، ومن كان عنده شيء من ذلك فليسأل أهل العلم.
والصنف الثالث: الذهب والفضة، والأوراق النقدية: كالريالات، والدراهم، والدولارات، والليرات، وغير ذلك من أنواع الأوراق النقدية، فإذا بلغت قيمة هذه الأوراق نصاب الذهب أو الفضة، وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، ومقدارها بالغرامات: اثنان وتسعون جرامًا. وأما الفضة فنصابها مائتا درهم، تساوي مائة وأربعين مثقالًا ونصابها بالغرامات تقريبًا ستمائة وأربعة وأربعون جرامًا، وإذا بلغت قيمة الأوراق النقدية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛ فإن حكمها حكم النقدين: من الذهب والفضة، والواجب في الذهب والفضة ربع العُشر أي في المائة اثنان ونصف، وفي الألف خمسة وعشرون.. وهكذا.
الصنف الرابع من الأموال: عروض التجارة، وهي كل ما أُعدَّ للبيع والشراء من أجل الربح، من عقارٍ، وحيوان، وطعام، وآلات، ففي عروض التجارة ربع العشر إذا حال عليها الحول، تقوَّم بالنقود ثم تُزكَّى قيمتها إذا اكتمل النصاب بقيمة الذهب والفضة، والتقويم يكون على رأس الحول من كل سنة.
واعلموا عباد الله أن الزكاة حق الله تعالى لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعًا، أو يدفع بها عن نفسه شرًّا، ولا أن يقي بها ماله، أو يدفع بها عنه مذمَّة؛ بل يجب دفعها لأهلها ابتغاء مرضاة الله وثوابه.
هذا وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله ﷺ.
***
عنوان الخطبة
صوم رمضان
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الرحيم الرحمن، الكريم المنان؛ امتن على عباده بالإسلام والإيمان والإحسان، وشرع لهم الصيام والقيام وقراءة القرآن، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار التائبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ اختص هذه الأمة برمضان، وأنزل فيه القرآن، وجعله ميدانًا وسوقًا لفعل الخيرات، وتنويع الطاعات، واكتساب الحسنات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ كان يفرح بقدوم رمضان، ويبشر أصحابه به صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وأحسنوا استقبال الشهر الكريم بتجديد التوبة، وتطهير القلوب، وتهيئة النفوس، والعزم على الاستفادة من رمضان بكثرة الطاعات، ومجانبة المحرمات، وحفظ الجوارح، وصيانة الصيام، وحسن التلاوة والقيام، فما هي إلا أيام معدودة ثم تنقضي، فيسعد برمضان من ربح، ويشقى به من خسر، فأروا الله تعالى من أنفسكم خيرًا. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ183﴾ [البقرة: 183].
أيها المسلمون: ما من عبد يعبد الله تعالى إلا وهو يتمنى أن يقبل عمله، ويشكر سعيه، فيجزى عليه الجزاء الأوفى، فمن أراد القبول في أي عمل يعمله -ومنه الصيام والقيام- فعليه أن يجعل نصب عينيه أمورًا ستة، ويجتهد في تحصيلها:
أولها: الإخلاص لله تعالى في الصيام والقيام، وجميع الأعمال؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...﴾، وقال ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
وثانيها: النصيحة لله تعالى في صيامه وسائر عمله؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِنَبِيِّهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [رواه مسلم: 55، وأحمد: 16945، واللفظ له].
فمن النصيحة لله تعالى: إتقان العمل الذي يعمل لأجله؛ فإذا صام حفظ صيامه عما يبطله ويخدشه، وإذا صلى أو دعا أو قرأ القرآن أو ذكر الله تعالى؛ فعل ذلك بتدبر وخشوع، وإذا تصدق أو أطعم أو أنفق بذل من أحب ماله إليه، وابتعد عن المنة والأذى، وعن الرياء والفخر ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ...﴾، وهكذا في كل عمل يعمله يستحضر النصح لله تعالى فيه، ويجتهد في إتقانه.
وثالثها: متابعة النبي ﷺ في صيامه وقيامه وصدقته وعمرته وسائر عمله؛ قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ31﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21]، وقال ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» [رَوَاهُ أبو داود: 2676، وأَحْمَدُ: 17144 وصححه الألباني].
فيتحرى سنة النبي ﷺ في صيامه وأعماله، ويسأل عنها ويتعلمها ليعمل بها.
ورابعها: مراقبة الله تعالى، فيصوم حين يصوم وهو يراقب الله تعالى، ويعمل ما يعمل من أعمال صالحة في رمضان وهو يراقبه سبحانه في كل ما يعمل وما يترك؛ قال الله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾، وقال ﷺ: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وخامسها: استحضار منة الله تعالى عليه فيما يعمل؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ164﴾ [آل عمران: 164]، وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ17﴾ [الحجرات: 17]، فالله تعالى هو الذي هدى العبد للإيمان ولأعمال الإيمان من صلاة وزكاة وصيام وحج وسائر الأعمال، ولولاه سبحانه لضل كما ضل أكثر البشر؛ وقد قال النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا…» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
والله تعالى هو الذي علم العبد فريضة الصيام وأحكامها، وسائر الشرائع والأعمال، ولولا تعليم الله تعالى له لما عرف كيف يعبد الله تعالى: ﴿...فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ239﴾ [البقرة: 239].
وكذلك استحضار منة الله تعالى على العباد فيما رتب على الصيام وسائر الفرائض والأعمال الصالحة من الأجر والثواب؛ كما في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] فالله تعالى هدى العبد للإيمان والصيام، وعلمه الشرائع والأحكام، وأعانه عليها والقيام بها، ثم هو سبحانه يجزيه عليها أعظم الجزاء، فالفضل والمن في ذلك كله لله تعالى.
وسادسها: استشعار العبد تقصيره في كل عمل يعمله؛ لعلمه بعظمة الله تعالى، وأن العبد مهما عمل من الصالحات فلن يوازي عمله عظمة ربه سبحانه؛ بل كل عمل عمله العبد من الصالحات لا يوازي نعمة واحدة من نعم الله تعالى عليه، فكيف إذا كانت الأعمال الصالحة من نعمة الله تعالى على العبد؛ إذ وفقه لها، ولولاه سبحانه لما عمل صالحًا، وإذا استشعر العبد تقصيره في حق الله تعالى لعظمته سبحانه، ولإنعامه عز وجل عليه؛ صغر عمله في عينه ولم يستعظمه، وزاده ولم ينقصه، وحسن ظنه بربه سبحانه، وساء ظنه بنفسه وبعمله، وحمل هم القبول، وخشي الرد.
نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان، وأن يوفقنا فيه للصيام والقيام وصالح الأعمال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه، وتقربوا له بالأعمال الصالحة؛ لتجدوها أمامكم ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ94﴾ [الأنبياء: 94].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
على المؤمن أن يضبط هذه الأمور الستة في كل عمل صالح يعمله، ويجتهد في تحصيلها؛ ليكون عمله مقبولًا، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله تعالى فيه، ومتابعة الرسول ﷺ فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله تعالى عليه فيه، وشهود تقصيره فيه.
ورمضان على الأبواب، وهو ميدان للعمل الصالح كبير، وفرصة للمؤمن عظيمة، وفيه من الفضائل شيء كثير، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ].
فحري بأهل الإيمان أن يستعدوا لرمضان، وأن يلزموا القرآن، وأن يكثروا من صالح الأعمال. وأن لا ينساقوا خلف من يفسدون عليهم رمضان في مجالس اللهو والغفلة والخسران، أو خلف الشاشات التي تعرض المحرمات، وتقذف خبيث الشبهات والشهوات؛ فإن من أسلم نفسه ودينه وقلبه وعقله إليهم خسر خسرانًا مبينًا. ومن أسلم أهله وولده إليهم فقد غشهم ولم يحفظ أمانة الله تعالى فيهم، قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [رواه الشيخان].
فاتقوا الله ربكم في أنفسكم وفي أهلكم وأولادكم، وانصحوا لهم، وعظموا رمضان في نفوسهم، ودلوهم على العمل الصالح فيه؛ ليكونوا قرة أعين لكم.
اللهم بارك لنا في رمضان، ووفقنا فيه للتقوى والبر والإحسان.
عنوان الخطبة
في استقبال رمضان
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي منّ على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم بذلك الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، وليضاعف لهم بذلك الثواب، ويرفع لهم الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسع العطايا وجزيل الهبات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل المخلوقات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله ربكم، واعبدوه، واشكروه على ما أنعم به عليكم، واحمدوه، واعرفوا نعمته عليكم بمواسم الخيرات التي تتكرر عليكم كل عام ليتكرر بها عليكم من الله الفضل والإنعام، وتجددوا النشاط على صالح الأعمال واجتناب الآثام.
عباد الله: لقد أظلكم شهر عظيم، وموسم كريم تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات، إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، إنه شهر الصيام والقيام، شهر الصدقات والبر والإحسان، شهر تفضل الله به على هذه الأمة بخمس خصال لم تعطها أمة من الأمم:
الخصلة الأولى: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
الثانية: تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا.
الثالثة: يزين الله فيه كل يوم جنته.
الرابعة: تصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره.
الخامسة: يغفر الله لهذه الأمة في آخر ليلة منه، شهر من صامه إيمانًا بالله واحتسابًا لثواب الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّهُ تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِندَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ» [متفق عليه]، يفرح عند فطره بأمرين، باستكمال صوم اليوم الذي من الله عليه بصيامه، وقوَّاه عليه، ويتناول ما أحل الله له من طعام وشراب، ويفرح عند لقاء ربه بما يجده عند ربه مدخرًا له من أجر الصيام.
عباد الله: إن شهر رمضان شهر مغنم وأرباح، فاغتنموه بالعبادة، وكثرة الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والعفو عن الناس، والإحسان، وأزيلوا العداوة، والبغضاء بينكم، والشحناء، فإن الأعمال تعرض على الله عز وجل يوم الاثنين والخميس، فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب، فيتاب عليه، ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا، ويصطلحوا، واستكثروا في شهر رمضان من أربع خصال اثنتان ترضون بهما ربكم، واثنتان لا غنى لكم عنها، فأما اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار، واحرصوا على الدعاء عند الإفطار، فإن في الحديث أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد.
واعلموا أن الصيام إنما شرع ليتحلى الإنسان بالتقوى، ويمنع جوارحه من محارم الله، فيترك كل فعل محرم من الغش، والخداع، والظلم، ونقص المكاييل والموازين، ومنع الحقوق، والنظر المحرم، وسماع الأغاني المحرمة، فإن سماع الأغاني ينقص أجر الصائم، كل قول محرم من الكذب والغيبة والنميمة والسب والشتم، وإن سابه أحد أو شاتمه أحد، فليقل: إني صائم، ولا يرد عليه بالمثل، فلا تجعل أيها المسلم يوم صومك ويوم فطرك سواء، قال النبي ﷺ: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رواه البخاري (1903)].
وصَوِّموا أولادكم الذكور والإناث إذا كانوا يطيقون الصيام ليتعودوا على ذلك، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُصَوِّمون أولادهم وهم صغار حتى كان الصبي ربما يبكي من الجوع، فيعطونه لعبة يتلهى بها حتى يفطروا، وأجر الصيام يكون لهم بأنفسهم لكن الوالدين أو الأولياء لهم أجر التأديب والتوجيه.
ولا يصومن أحدكم تطوعًا قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا من كان له عادة بصيام شيء من الأيام، فوافق قبل الشهر بيوم أو يومين، فلا بأس من صيامه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ183﴾ [البقرة: 183].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله المتفضل بالجود والإحسان المنعم على عباده بنعم لا يحصيها العد والحسبان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصروه، وأعانوه، فنعم الأنصار هم، ونعم الأعوان، وعلى التابعين لهم بإحسان ما توالت الدهور والأزمان، وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى: واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعم وافرة سابغة خصوصًا في هذا الشهر الكريم شهر رمضان، ففيه أنزل الله كتابه المبين رحمة للعالمين، ونورًا للمستضيئين، وهدى للمتقين، وعبرة للمعتبرين، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، من تمسك به نجا، ومن طلب الهدى منه اهتدى، ومن أعرض عنه وقع في الهلاك والردى، فبؤسًا للمعرضين الهالكين.
وفي هذا الشهر غزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها عساكر الإيمان وجنود الرحمن، وهزم فيها جنود الشيطان وأنصار الشرك والطغيان، وفي هذا الشهر المبارك فتح الله مكة البلد الأمين على يد خليله ونبيه محمد أفضل النبيين، وطهرها من الأصنام والمشركين، وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على عباده بفرض الصيام، وجعله أحد أركان الإسلام، وجعل ثواب من صامه إيمانًا واحتسابًا أن يكفر عنه ما تقدم من الآثام.
وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على العباد بمشروعية القيام، فمن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة.
وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على هذه الأمة بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
وبركات هذا الشهر كثيرة وفيرة، فاحمدوا الله على ما أنعم به عليكم فيه، وإياكم أن تضيعوا فرص أيامه ولياليه، فلو علمتم ما فيها لتمنيتم أن تكون السنة كلها شهر رمضان.
***
عنوان الخطبة
قراءة القرآن وآداب الصيام
مقدمة الخطبة الأولى
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ 1 قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا2 مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا3 وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا4 مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا5﴾ [الكهف: 1 - 5]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد، فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأكثروا من قراءة القرآن في هذا الشهر يعظم الله لكم بذلك الأجر؛ لأن في كل حرف من القرآن عشر حسنات، وقد وردت الأحاديث بفضل تلاوة القرآن عمومًا وبعض السور خصوصًا، ففي صحيح مسلم: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتِهِمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمْ تَقْرَأْ حَرْفًا مِنْهَا إِلَّا أُوتِيتَهُ» [رواه مسلم (806)]، وقال ﷺ: «الْبَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ لَا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ» [رواه مسلم (780)].
وكان أسيد بن حضير رضي الله عنه يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، وله ابن قريب منها، فجالت الفرس، فسكت، فسكنت، فقرأ، فجالت الفرس مرة ثانية، فسكت، فسكنت، ثم قرأ، فجالت الفرس مرة ثالثة، فخاف أن تصيب ابنه، فانصرف، ثم رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فإذا مثل الظلمة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: «أَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى فِيهِمْ» [رواه البخاري (5018)].
وأخبر النبي ﷺ أن سورة البقرة وآل عمران تظللان صاحبهما يوم القيامة، وتحاجان عنه. [رواه مسلم (805)] ونزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ بمكة، ومعها من الملائكة نحو سبعين ألف ملك ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح، والأرض ترتج بهم، ورسول الله ﷺ، يقول: «سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» [رواه البيهقي في شعب الإيمان (2434) والطبراني في المعجم الأوسط (3317) وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (3/228)].
وثبت أنه ﷺ قال: «إِنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تُعَادِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أُحِبُّهَا، قَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» [متفق عليه]، وقال رجل آخر إنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» [متفق عليه]، وقال ﷺ لرجل من أصحابه: «أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ1﴾ [الفلق: 1]، و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ1﴾ [الناس: 1]» [النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٧٢٥) وأحمد (١٧٢٩٦) وحسنه الألباني].
فاقرؤوا القرآن بتدبر وتفهُّم، وإذا مررتم بآية رحمة، فاسألوا الله من فضله، وإذا مررتم بآية وعيد، فتعوذوا بالله من عقابه، وإذا مررتم بآية سجدة، فاسجدوا في أي وقت كان، فالسجود للتلاوة لا نهي عنه؛ لأنه تابع للتلاوة، وإذا سجدتم، فكبروا، وقولوا: سبحان ربي الأعلى في السجود، وإذا رفعتم من السجود، فلا تكبروا، ولا تسلموا؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ، إلا إذا سجد القارئ وهو يصلي، فإنه يكبر للسجود، وللرفع منه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ29 لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ30﴾ [فاطر: 29 - 30]
اللهم بارك لنا في القرآن العظيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله الذي شرع لعباده الشرائع لحكم بالغة وأسرار، ورتَّب على صيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا مغفرة الذنوب والأوزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الغفار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار، وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد فيا أيها الناس: اعبدوا ربكم، وصلوا فرضكم، وصوموا شهركم، واعلموا أن مِن حِكَم الصيام وأسراره أن يكون عونًا للعبد على طاعة الله وتقواه، فيجتهد في فعل الخيرات واجتناب المحرمات، فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، اعمروا أوقات هذا الشهر الفاضل بالذكر والقراءة والصلاة، وتعرَّضوا فيه لنفحات المولى بكثرة الدعوات، وكثرة الإحسان إلى الخلق والعفو عنهم، فإن الله يحب المحسنين، ويحب العفو عن المسيئين، وجُودوا على الفقراء في هذا الشهر بالزكاة والصدقات، فإن الله جواد يحب الجود، ولقد كان نبينا ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، واتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن الرجل ليتصدق بعدل تمرة من كسب طيب، فيربيها الله له حتى تكون مثل الجبل، واعلموا، رحمكم الله، أن للصيام سننًا ينبغي مراعاتها، فمنها السحور، فقد أمر النبي ﷺ به وقال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» [متفق عليه].
والأفضل تأخير السحور في آخر الليل، وإذا قدَّم أحدُكم السحور، وفرغ قبل طلوع الفجر، ونوى الصيام، ثم اشتهى أن يأكل فلا بأس أن يأكل حتى يطلع الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿... وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ...﴾ [البقرة: 187] والخيط الأبيض النهار، والأسود الليل، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِاللَّيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» [رواه البخاري (622)]. فإذا تبين الفجر، فإنه لا يجوز أن يتناول الصائم شيئًا مما يفطره، وإن الواجب على المؤذنين أن يتحروا، فلا يؤذنوا حتى يطلع الفجر، وإذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد، فليفطر على ماء، فإن لم يجد، فلينو الفطر بقلبه مثل أن تغرب الشمس، وهو خارج البلد، وليس عنده طعام ولا شراب، فينوي الفطر، ولا يحتاج أن يمص إصبعه، كما يقول بعض العوام، وينبغي عند الفطر أن يحرص على الدعاء، فإن للصائم عند فطره دعوة لا ترد.
واسألوا الله تعالى القبول لأعمالكم، فإن المعول عليه، ولقد كان إبراهيم الخليل وولده إسماعيل يرفعان القواعد من البيت، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وإن من علامة القبول أن يوفق العبد للتقوى، فإنما يتقبل الله من المتقين، فمن اتقى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا كان حريًا بالإجابة.
واعلموا أن من المفطرات الأكل والشرب والجماع، وإخراج الدم بالحجامة، فقد أفطر الحاجم والمحجوم، وإخراج القيء عمدا، وإذا خرج الدم منه بغير حجامة مثل أن يحصل له رعاف، أو ينقلع سنه، أو ينجرح شيء من بدنه، فيخرج الدم، فلا يفطر بذلك، ولا يفطر أيضًا إذا غلبه القيء، أو داوى عينه، أو أذنه، أو قطر فيهما.
وتفطر المرأة إذا خرج منها دم الحيض، وهي صائمة، وإذا طهرت في أثناء النهار، وجب عليها قضاء اليوم الذي طهرت فيه، ولا يفطر الصائم بالسواك، ويستحب له السواك كغيره في كل وقت في أول النهار وآخره.
نسأل الله أن يعيننا على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وأن يتقبل منا صالح الأعمال.
***
عنوان الخطبة
مبطلات الصوم
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين جعل صيام رمضان أحد أركان الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نادى عباده فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ...﴾ [البقرة:183]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وصام، صلى الله عليه وعلى آله البررة الكرام وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمة الإسلام، إن الله سبحانه وتعالى فرض صيام شهر رمضان على هذه الأمة، وجعله أحد أركان الإسلام، فصيام رمضان فريضة على كل مسلم، بالغ، عاقل، من أول الشهر إلى آخره، ﴿...فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ...﴾ [البقرة:184]، والناس لهم حالات عند شهر رمضان، فالصحيح المقيم يجب عليه صيام رمضان أداءً كل يوم، وأما المريض الذي يشق عليه الصيام أو يحتاج إلى الإفطار؛ فإنه يفطر ويقضي من أيام أخر، وكذلك المسافر الذي يباح له القصر وهو من تبلغ مسافة سفره ثمانين كيلًا فأكثر؛ فإنه يفطر ويقضي من أيام أخر؛ لقوله تعالى: ﴿...فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ...﴾ [البقرة:184]، وأما من لا يطيق الصيام لهرم أو كبر أو مرض مزمن لا يستطيع معه الصيام ولا يقدر على القضاء في المستقبل؛ فهذا يطعم عن كل يوم مسكينًا، قال تعالى: ﴿...وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ...﴾ [البقرة:184]، فهذه أحوال الناس مع الصيام.
والصيام لغة معناه: الإمساك، وأما في الشرع: فالصيام هو الإمساك بنيةٍ عن المفطرات الحسية والمعنوية من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، قال تعالى: ﴿...وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ...﴾ [البقرة:187]، ولا بد من النية في جميع النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، تكون النية معه دائمًا، لقوله ﷺ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ» وفي رواية: «لِمَن لَمْ يُجْمِعْ النِّيَّةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ» [رواه الترمذي: ٧٣٠، والنسائي: ٢٣٣٤، وابن ماجه: ١٧٠٠]، فلا بد من النية في الصيام، فلو أنه أمسك عن الطعام والشراب و المفطرات من غير نيةٍ؛ فإنه لا يسمى صائمًا شرعًا.
واعلموا رحمكم الله أن الصيام له مبطلات يجب على الصائم أن يتجنبها:
أولًا: ما يدخل إلى الجوف من أي موضع كان، ما يُدخل إلى الجوف من أي موضع كان؛ فإنه يفطر الصائم، وذلك كالأكل والشرب متعمدًا، أما من نسي وأكل أو شرب فإن صيامه باقٍ وهو معذور، لقوله ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّٰهُ وَسَقَاهُ» [متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، ومنها تناول الأدوية التي يبتلعها الصائم، أو تحقن فيه وتصل إلى الجوف، مثل: الحبوب والسوائل والمحاليل الطبية التي تصل إلى جوفه، فإنه بذلك يبطل صيامه، وكذلك الإبر المغذية تبطل الصيام؛ لأنها بمعنى الطعام والشراب، أو الإبر التي تؤخذ عن طريق الوريد؛ لأنها تختلط بالدم وتسير في الجسم، فهي أيضًا تفطر الصائم، أما الإبر التي تؤخذ تحت الجلد أو تؤخذ تحت العضل؛ فهذه لا تؤثر على الصيام، وكذلك من المفطرات ما يُستخرج من المعدة وذلك كالاستفراغ عن طريق الفم بأن يستفرغ الصائم ما في معدته عن طريق الفم، فإذا استفرغ فإنه يبطل صيامه، أما إذا غلبه القيء والاستفراغ وليس له اختيار في ذلك فهذا لا يؤثر على صيامه.
وكذلك من المفطرات إنزال المني بجماع أو بعادة سرية أو بنظر، يكرر النظر إلى النساء فيحصل منه الإنزال؛ لأن هذا نوع من الجماع الذي هو استفراغ الشهوة بسبب من قِبل العبد، استفرغها بسبب من قِبله فتُبطل صيامه؛ لأن مما يصام عنه الشهوة، قال الله تعالى في الحديث القدسي عن الصائم: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» [متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، فكما أنه يترك الطعام والشراب فكذلك يترك استفراغ الشهوة؛ لأنها من المفطرات التي تُبطل الصيام.
وكذلك من مفسدات الصيام الحجامة، وهي سحب الدم بقصد العلاج؛ لأنها تُضعف الصائم وتخرج قوّته، قال ﷺ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» [أخرجه الترمذي: ٧٧٤، وأحمد: ١٥٨٦٦ وصححه غير واحد من أهل العلم]، ومثل الحجامة سحب الدم بالطرق الطبية لإسعاف مريض أو للتبرع به؛ فإن هذا يبطل الصيام لأنه مثل الحجامة، يُستخرج به دم كثير، أما الدم اليسير كالذي يُستخرج للتحليل وهي يسيرة فهذه لا تؤثر على الصيام.
وكذلك من مبطلات الصيام ما يصيب النساء من دم الحيض فإنه أيضًا يُضعف المرأة، يُضعف قوتها فلذلك منعها الله من الصيام وأوجب عليه القضاء ﴿...فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ...﴾ [البقرة:184]، وأما الاستحاضة وهي دم النزيف الذي يخرج من المرأة في غير مواعيده فإنه لا يؤثر على الصيام، فالمستحاضة تصوم لأنها في حكم الطاهرات، كذلك لو انجرح الإنسان وسال منه دم، فإنه لا يؤثر على صيامه؛ لأنه بغير اختياره، فحافظوا على صيامكم رحمكم الله من سائر المفطرات.
وكذلك مما يجب على الصائم استصحاب النية كما ذكرنا، فلو نوى الصائم الإفطار بطل صيامه ولو لم يتناول شيئًا، إذا نوى الإفطار في صيام الفرض فإنه يبطل صيامه؛ لقطعه النية، وحتى لو لم يأكل ويشرب، فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على صيامكم من المفسدات والمنقصات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ183 أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ184 شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ185﴾ [البقرة:183-185].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد عباد الله اتقوا الله تعالى، ومن المفطرات أيضًا ما يُستعمل لغسيل الكلى، أو ما يُستعمل لغسيل المعدة من المحاليل التي تُدخل إلى الجوف وتُسحب منه فإنها أيضًا تفطر الصائم، وكذلك يتجنب الصائم الغِيْبة والنميمة والسباب والشتم وقول الزور، ويحفظ لسانه عن كل ما يجرح صيامه، فليس الصيام مجرد ترك الطعام والشراب وترك المباحات؛ ولكنه مع ذلك ترك المحرمات التي يجب تركها في كل الأوقات، وفي حق الصائم آكد؛ لأنها تجرح صيامه، وتنقّص ثوابه أو تذهب بأجره فيكون حظه من صيامه الجوع والعطش وليس له فيه أجر بسبب أنه لم يحفظ لسانه عن هذه الأمور، وكذلك يحفظ سمعه فلا يستمع إلى المعازف والمزامير، ولا يستمع للغيبة والنميمة، ولا يستمع إلى ما يلهيه عن ذكر الله عز وجل مما يبث ويُنشر في وسائل الإعلام كالمسلسلات الهابطة والساخرة فلا يضيّع وقته معها فإنه آثمٌ بذلك، كذلك يحفظ بصره ويغضه عما حرّم الله من الصور الفاتنة والمشاهد الفاتنة في الشاشات والفضائيات التي تعرض النساء العاريات أو شبه العاريات، عليه أن يحفظ بصره عما يجرح صيامه، فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على صيامكم من كل مُوهن ومن كل مفسد، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب:56]، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واصرف عنا كيده، واجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره إنك على كل شيء قدير، اللهم قنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم احفظ لنا ديننا الذي به عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، واجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم أصلح بطانتهم، وأبعد عنهم بطانة السوء والمفسدين، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ادفع عنا من البلاء ما لا يدفعه سواك، نعوذ بك من فجأة نقمتك ومن تحول عافيتك ومن جميع سخطك لا إله إلا أنت، أنت مولانا فنعم المولى ونعم النصير وحسبنا الله ونعم الوكيل.
عباد الله ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ90 وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ91﴾ [النحل:90-91]، فاذكروا اللهَ يذكرْكم، واشكُروه على نِعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
***
عنوان الخطبة
ليلة القدر وأحكام زكاة الفطر
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بمواسم الخيرات، ووَفَّق من شاء منهم لاغتنام هذه المواسم بفعل الخيرات، وخذل من شاء منهم، فكان حظه التفريط والخسران والندامات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات وواسع الكرم والجود والهبات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل المخلوقات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الدهور والأوقات، وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واغتنموا مواسم الخير بعمارتها بما يقرب إلى ربكم، واحذروا من التفريط والإضاعة، فستندمون على تفريطكم وإضاعتكم.
إخواني من لم يربح في هذا الشهر الكريم، ففي أي وقت يربح، ومن لم ينب فيه إلى مولاه، ففي أي وقت ينيب، ويصلح، ومن لم يزل متقاعدًا عن الخيرات، ففي أي وقت تحصل له الاستقامة، ويفلح، فبادروا يرحمكم الله فرص هذا الشهر قبل فواتها، واحفظوا نفوسكم عما فيه شقاؤها وهلاكها، ألا وإن شهركم الكريم قد أخذ بالنقص والاضمحلال، وشارفت لياليه، وأيامه الثمينة على الانتهاء والزوال، فتداركوا أيها المسلمون ما بقي منه بصالح الأعمال، وبادروا بالتوبة من ذنوبكم لذي العظمة والجلال، واعلموا أن الأعمال بالخواتيم، فأحسنوا الختام لقد مضى من هذا الشهر الكريم الثلثان، وبقي منه الثلث وقت العشر الحسان، فاغتنموها بالعزائم الصادقة، وبذل المعروف والإحسان، وقوموا في دياجيها لربكم خاضعين ولبره وخيراته راجين ومؤملين ومن عذابه وعقابه مستجيرين مستعيذين، فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وهو الذي يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ186﴾ [البقرة: 186] وهو الذي ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيعرض على عباده الجود والكرم والغفران يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟
وفي هذا العشر ليلة القدر المباركة التي يُفْرَق فيها كل أمرٍ حكيم، ويقدر فيها ما يكون في تلك السنة بإذن العزيز العليم الحكيم تنزل فيها الملائكة من السماء، وتكثر فيها الخيرات والمصالح والنعماء، من قامها إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من الذنوب، ومن فرط فيها، وحرم خيرها فهو الملوم المحروم، أبهمها الله تعالى في هذه العشر، فلم يبين عينها ليتزود الناس في جميع ليالي العشر من التهجد والقراءة والإحسان، وليتبين بذلك النشيط في طلب الخيرات من الكسلان، فإن الناس لو علموا عينها لاقتصر أكثرهم على قيام تلك الليلة دون ما سواها.
ولو علموا عينها ما حصل كمال الامتحان في علو الهمة وأدناها، فاطلبوها رحمكم الله بجِدٍ وإخلاص، واسألوا الله فيها الغنيمة من البر والخيرات والسلامة من الإفلاس، فإذا مررتم بآية رحمة، فاسألوا الله من فضله، وإذا مررتم بآية وعيد، فتعوذوا بالله من عذابه، وأكثروا في ركوعكم من تعظيم ذي العظمة والجلال، وأما السجود، فاجتهدوا فيه بعد التسبيح بالدعاء بما تحبون، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ويجوز للإنسان أن يدعو لنفسه ولوالديه وذريته وأقاربه ومن أحب من المسلمين، وأطيلوا القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين لتتناسب أركان الصلاة من القيام والركوع والجلوس والسجود والقيام بعد الركوع محل حمد وثناء، فأكثروا فيه الحمد والثناء والجلوس بين السجدتين محل دعاء بالمغفرة والرحمة، فأكثروا فيه من الدعاء، وافتتحوا قيام الليل بركعتين خفيفتين؛ لأن الشيطان يعقد على قافية العبد إذا نام ثلاث عقد، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا تطهر انحلت الثانية، ثم إذا صلى انحلت الثالثة، ولكن إذا جاء أحدكم المسجد وقد أقام الإمام، فليدخل معه، ولو لم يفتتح القيام بركعتين خفيفتين؛ لأن متابعة الإمام أهم، وهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن بعض الناس يجعل فرجة في الصف للمؤذن أو القارئ بعد الشروع في الصلاة، وهذا خلاف المشروع، فإن المشروع سد فرج الصفوف والمراصة إذا شرعت الصلاة، فإذا جاء المؤذن أو القارئ دخل حيث ينتهي به الصف.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى في فضل ليلة القدر: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ1 وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ 2 لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ3 تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ 4 سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ5﴾ [القدر: 1 - 5]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله الذي من علينا بشريعة الإسلام، وشرع لنا ما يقرب إليه من صالح الأعمال، والحمد لله الذي أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى، وزكى، وحج، وصام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا.
نص الخطبة الثانية
أما بعد فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وفكروا في أمركم ماذا عملتم في شهركم الكريم، فإنه ضيف كريم قارب الزوال، وأوشك على الانتهاء والارتحال، وسيكون شاهدًا لكم، أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فابتدروا أيها المسلمون ما بقي منه بصالح الأعمال والتوبة إلى الله والاستغفار لعل ذلك يجبر ما حصل من التفريط والإهمال لقد كانت أيام هذا الشهر الكريم معمورة بالصيام والذكر والقرآن ولياليه منيرة بالصلاة والقيام وأحوال المتقين فيه على ما ينبغي، ويرام، فمضت تلك الأيام الغرر، وتلك الليالي الدرر كالساعة من نهار، فيا أسفًا على تلك الليالي والأيام لقد مضت أوقات شهرنا سراعًا، وكان كثير منها في التفريط مضاعًا، فنسأل الله تعالى أن يخلف علينا ما مضى منها، وأن يبارك لنا فيما بقي منها، وأن يختم لنا شهرنا بالعفو والغفران والقبول والعتق من النار وبلوغ المأمول، وأن يعيد أمثاله علينا في خير وأمن وإيمان.
أيها المسلمون: لقد شرع لنا ربنا الكريم في ختام هذا الشهر عبادات جليلة يزداد بها إيماننا، وتكمل بها عباداتنا، وتتم بها علينا نعمة ربنا شرع لنا ربنا في ختام هذا الشهر زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد، فأما زكاة الفطر فهي صاع من طعام صاع من البُرّ أو الرز أو التمر أو غيرها من قوت الآدميين، قال أبو سعيد رضي الله عنه: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» [متفق عليه]، وكلما كان من هذه الأصناف أطيب وأنفع للفقراء، فهو أفضل وأعظم أجرًا، فطيبوا بها نفسًا، وأخرجوها من أطيب ما تجدون، فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وهي ولله الحمد قدْرٌ بسيط لا يجب في السنة إلا مرة واحدة، فكيف لا يحرص الإنسان على اختيار الأطيب مع أنه الأفضل عند الله وأكثر أجرا. ويجوز للإنسان أن يوزع الفطرة الواحدة على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين فأكثر؛ لأن النبي ﷺ قدَّر الفطرة بصاع، ولم يبين قدر من يعطي، فدل على أن الأمر واسع، وعلى هذا لو كال أهل البيت فطرتهم، وجمعوها في كيس واحد، وصاروا يأخذون منها للتوزيع من غير كيل، فلا بأس.
وزكاة الفطر فرض على جميع المسلمين على الصغير والكبير والذكر والأنثى، فأخرجوها عن أنفسكم، وعمن تنفقون عليه من الزوجات والأقارب، ولا يجب إخراجها عن الحمل الذي في البطن، فإن أخرج عنه فهو خير، والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ولا تجزئ بعد صلاة العيد إلا إذا كان الإنسان جاهلًا لا يدري مثل أن يأتي العيد بغتة، ولا يتمكن من أدائها قبل الصلاة أو يظن أنه لا بأس بتأخيرها عن الصلاة، فهذا تجزئه بعد الصلاة، ولا يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في وقتها.
وأما التكبير فقد أمر الله به تعالى في كتابه، فقال: ﴿...وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ...﴾ [البقرة: 185] أي: على ما وفقكم له من الصيام، والقيام وغيرهما من الطاعات في هذا الشهر، فكبروا أيها المسلمون من غروب شمس ليلة العيد إلى الصلاة قولوا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قولوا: ذلك جهرا في المساجد، والأسواق، والبيوت، إلا النساء، فإنهن يكبرن سرًا لا جهرًا.
وأما الصلاة فقد أمر بها رسول الله ﷺ حتى النساء، فاخرجوا رحمكم الله إلى الصلاة رجالًا ونساء كبارًا وصغارًا، ولتخرج النساء غير متجملات، ولا متطيبات، وتعتزل الحائض المصلى؛ لأن مصلى العيد مسجد، أما الرجال، فالسنة أن يخرجوا متطيبين لابسين أحسن ثيابهم بعد الاغتسال والتنظيف، والسنة أن يأكل الإنسان قبل خروجه إلى الصلاة تمرات وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو نحوها من الوتر.
نسأل الله أن يتقبل منا سائر طاعاتنا في هذا الشهر الفضيل وأن يغفر لنا كل زلاتنا وخطايانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، والحمد لله رب العالمين.
***
عنوان الخطبة
يوم العيد وأيام التشريق
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء: 1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب: 70 - 71].
نص الخطبة الأولى
أما بعد، فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، قفوا عند حدوده وعظموا حرماته، ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ32﴾ [الحج: 32].
أيها المسلمون، ما إن انقضت الأيام المعلومات بخيراتها وبركاتها وحسناتها، حتى أعقبها الله بيوم العيد وهو ختام العشر، ثم أيام التشريق المعدودات، قال عليه الصلاة والسلام: «أَعظَمُ الأَيَّامِ عِندَ اللهِ يَومُ النَّحرِ، ثم يَومُ القَرِّ» [أخرجه أبو داود: ١٧٦٥، وابن خزيمة: ٢٩١٧ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ].
أما يوم النحر فهو يومنا هذا، أعظم الأيام عند الله، سماه في كتابه يوم الحج الأكبر؛ لما اجتمع فيه للحجاج من أعمال الحج، ففيه رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير وذبح الهدي، وطواف الإفاضة والسعي، وفيه يشارك المقيمون إخوانهم الحجاج بصلاة العيد وذبح الأضاحي والتكبير وذكر الله.
وأما يوم القر فهو أول أيام التشريق، الأيام التي يستكمل فيها الحجاج مناسك حجهم ويذبحون هداياهم، ويذبح فيها المقيمون ما تبقى من ضحاياهم، فيأكل الجميع ويشربون، ويذكرون الله عز وجل على ما رزقهم وما هداهم إليه، قال ﷺ: «أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ للهِ» [رَوَاهُ مُسلِمٌ: 1141].
والذكر المشروع والمأمور به في أيام التشريق -أيها المسلمون- يشمل ذكره جل وعلا عقب الصلوات المكتوبة، بالتكبير المقيد بعد السلام، وذكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك من هدي أو أضحية، وذكره على الأكل والشرب، بالتسمية في أولهما وحمد الله في آخرهما، وفي الحديث عنه ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيَرضَى عَنِ العَبدِ أَن يَأكُلَ الأَكلَةَ فَيَحمَدَهُ عَلَيهَا، أَو يَشرَبَ الشَّربَةَ فَيَحمَدَهُ عَلَيهَا» [رَوَاهُ مُسلِمٌ: 2734].
ومن ذكر الله عز وجل في هذه الأيام المباركة، ذكره بأداء المناسك فيها، من الوقوف بالمشاعر المقدسة، والطواف والسعي، ورمي الجمار والمبيت وغير ذلك، قال تعالى: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ28﴾ [الحج: 28].
وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ203﴾ [البقرة: 203].
وَقَالَ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ...﴾ [البقرة: 200] وإنه لحقيق بنا -عباد الله- إذا أنعم الله علينا بهذه النعم العظيمة، من صحة المعتقد والأمن في الأوطان، وسلامة العقول والعافية في الأبدان، وكثرة الآلاء والنعم التي لا تحصى بالعد، إنه لحقيق بنا أن نتذكر إخواننا المسلمين في كل مكان، بدعوة صادقة أن ينصرهم الله على أعدائهم الكافرين، أو بصدقة نخفيها ونخلصها لوجه الله؛ فحقيقة الشكر وتمامه أن يجتمع فيه قول اللسان واعتراف القلب، والاستعانة بالنعم واستعمالها في طاعة المنعم سبحانه وأما استخدام النعم في المعصية أيًا كانت، فهو كفر للنعمة وجحود للمنعم، ألا فلنداوم ذكر الله وشكره في هذه الأيام المعدودات، ولنحذر الغفلة عن الذكر والإعراض عن الطاعة والشكر، ولنشارك الحجاج طلب الثواب وابتغاء الأجر، فإن أبواب الخير كثيرة وافرة، وعطاء الله أكثر وأوفر، والعاقل من اغتنم مواسم الخيرات والبركات، واستوعبها بالطاعات والحسنات، وأكثر من النوافل والمستحبات، وابتعد عن المعاصي والسيئات، وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتي يَبطِشُ بِهَا، وَرِجلَهُ الَّتي يَمشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَني لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ استَعَاذَني لأُعِيذَنَّهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ: 6502].
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ34 ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 35 وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 36 لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ37﴾ [الحج: 34 - 37].
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأُومِن به وأتوكَّل عليه ولا أكفُره، وأُعادِي مَن يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، مَن يُطِع الله ورسوله ﷺ فقد رشَد، ومَن يعصِ الله ورسوله فقد غوَى، وضَلَّ ضلالًا بعيدًا.
نص الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تعالى حَقَّ تُقَاتِهِ، وَسَارِعُوا إِلى مَغفِرَتِهِ وَمَرضَاتِهِ ﴿...وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا2 وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ...﴾ [الطلاق: 2- 3].
أيها المسلمون، إنكم في أيام يستحب فيها الأكل والشرب للتقوي بهما على ذكر لله وطاعته، ولهذا جاء النهي عن صيامها، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تَصُومُوا هَذِهِ الأَيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ». [أخرجه النسائي في السنن الكبرى: ٢٨٨٣، وابن ماجه: ١٧١٩، وأحمد: ١٠٦٦٤ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ].
وعند البخاري عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: لم يُرَخَّصْ في أَيَّامِ التَّشرِيقِ أَن يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَن لم يَجِدِ الهَديَ.
فكلوا واشربوا وتهادوا وتصدقوا، وتواصلوا وتراحموا، وتزاوروا وتسامحوا، وصلوا أرحامكم واحذروا القطيعة، واجعلوا أيام عيدكم أيام فرح وسرور وحبور، ولا تغرنكم الدنيا أو تلهينكم أو تفرقنكم؛ فإنما هي دار عبور ومرور.
أيها الإخوة، إن ربنا عز وجل واسع المن جزيل العطاء، لا يحد فضله ولا يحصر في مكان أو زمان، فمن لم يستطع الحج لمانع، فليحافظ على بقية الأركان والشرائع، ومن فاته الوقوف بتلك المشاعر العظام، فليقف مع الله على الدوام، ومن لم يستقبل البيت حاجا، فليقبل عليه في كل وقت مخبتًا، وليدعه في كل الآناء خائفًا وجلًا، وليحسن فيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين الخلق؛ فَـ ﴿...إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].
***
عنوان الخطبة
أحكام الذكاة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومن تبعهم واكتفى وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران:102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب:70-71].
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله؛ فإن تقوى الله عز وجل من أجل المقامات، وأعظم الدرجات، وهي الوصية التي لا يمل سماعها ولا تكرارها، فهي وصية ربنا سبحانه وتعالى لنا: ﴿...وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ...﴾ [النساء:131].
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين، وأوليائه الصالحين؛ إنه سميع مجيب.
أيها الإخوة في الله: لما كان من شرط حِل الحيوان البري أن يكون مذكى الذكاة الشرعية، وأن ما لم تجر عليه تلك الذكاة كان ميتة حرامًا؛ كان بحث الذكاة ومعرفة ما يلزم لها مهمًّا جدًّا.
والتذكية: هي إزهاق رُوح الحيوان البرِّيِّ المأكول اللحم، بنَحرِه في اللَّبَّة (وهي أسفل الرَّقبة) إنْ كان إبلًا، أو ذبحه في الحلق إنْ كان بقرًا أو غنمًا أو نحوهما، أو جرحه في أيِّ موضعٍ من بدنه، كالصيد والشارد من البهائم إذا كان لا يقدر عليه إلَّا بذلك.
والحكمة من التذكية:
إظهار العبوديَّة لله تعالى بذبحها على اسمه، وإظهار شُكرِه على إنعامه بها، وتطييب الحيوان من الرُّطوبات والفَضلات الضارَّة (كالدم ونحوه)، وتمييزه عن الميتة.
شروط التذكية وآدابها:
للتذكية شروطٌ وآدابٌ تنبَغِي مُراعَاتها والتقيد بها، ومنها ما يتوقَّف حلُّ المذكَّى عليها، ومن ذلك:
أولًا: قصد التذكية، بأنْ يكون المذكِّي مميزًا عاقلًا، بحيث يمكن منه قصدُ التذكية؛ لقوله تعالى: ﴿...إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ...﴾ [المائدة: 3]، فمَن لا يُمكِن منه القصد؛ كالشيخ الهرم (الخَرِف)، والطفل دون التمييز، والمجنون، والسكران ونحوهم؛ لا يمكن منهم قصدُ التذكية؛ فلا تحلُّ ذبيحتهم.
ثانيًا: أن يكون الذابح مسلمًا، ولو امرأةً، أو فاسقًا فِسقًا غير مكفِّر، أو كتابيًّا؛ لقوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ...﴾ [المائدة: 5].
وحكَى غيرُ واحدٍ من أهل العلم إجماعَ المسلمين على حلِّ ذبائح أهل الكتاب، إلَّا ما تبيَّن لنا مُخالفتهم فيه التذكية المشروعة.
ثالثًا: ألَّا تكون لغير الله؛ كما يُذبح تقرُّبًا للأصنام والأوثان ونحو ذلك ممَّا يفعله أهل الشرك؛ فإنَّه لا يحلُّ، ولو ذُكر عليه اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ...﴾، إلى قوله: ﴿...وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ...﴾ [المائدة: 3].
وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» [رواه مسلم: 1978].
وكذلك ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسم الله من نبي أو وليٍّ، أو زعيم أو عظيم، فإنَّه لا يحلُّ ولو ذُكِّي؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ...﴾ إلى قوله: ﴿...وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ...﴾ [المائدة: 3]، وذكَر ابنُ كثيرٍ الإجماعَ على تحريم ما أُهِلَّ لغير الله به [تفسير ابن كثير: 3/ 17].
رابعًا: أنْ يُسمِّي الله على الذبيحة؛ فإنَّه ﷺ سمَّى وكبَّر كما ثبَت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وقد قال تعالى: ﴿...فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ...﴾ [الأنعام: 118]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ...﴾ [الأنعام: 121]، وعن رافع بن خَدِيج رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا» [رواه البخاري: 2488، ومسلم: 1968]، فشرَط لحلِّ الأكل أمرين:
• إنهار الدَّم: وهو إسالته.
• وذكر اسم الله عليه.
والظاهر أنَّ ما لم يُذكَر اسم الله عليه ولو جَهلًا أو نِسيانًا، لا يحلُّ أكلُه، فكما أنه لو لم ينهر الدم جَهلًا أو نِسيانًا أو عَمدًا، لا تحلُّ ذبيحته، فكذلك مَن لم يذكر اسم الله لا تحلُّ ذَبِيحته عند الذبح.
خامسًا: أنْ تكون التذكية بمحدَّدٍ من سكِّين وحجر ونحوه (غير سن وظفر)؛ لحديث رافع بن خَدِيج رضي الله عنه السابق أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ».
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
فيا أيها المسلمون: نستكمل ما بدأناه في الخطبة الأولى من الكلام على شروط التذكية وآدابها، فنقول وبالله التوفيق:
سادسًا: أنْ ينهر الدَّم (أي: يَسِيل الدم بقوَّة وكثْرة)، وفي ذلك تفصيلٌ:
1- فإنْ كان ما يُراد تذكيته مقدورًا عليه لكونه يمكن إحضارُه للذبح، فلا بُدَّ أنْ يكون إنهار الدَّم في مَوضعٍ معيَّن، هو الرقبة كما سبق، قال ابن عباس: "الذكاة في الرَّقبة - يعني: البقرة والغنم ونحوهما - واللَّبَّة - يعني: في الإبل" [رواه البخاري معلقًا: 7/ 93]، وقال عَطاء: "لا ذكاة ولا نحر إلَّا في المذبح والمنحر" [رواه البخاري معلقًا: 7/ 93]، ويكون بالقَطع أو الجرح الشديد لكُلٍّ من:
• الحلقوم: وهو مَجرَى النَّفَس.
• المرِّيء: وهو مَجرَى الطعام والشراب.
• الودجَيْن: وهما عرقان غليظان مُحِيطان بالحلقوم والمرِّيء.
ففي ذلك إفراغ الدَّم الذي به بَقاء حَياة الحيوان، وتنقيته من انحِباس الدَّم وغيره من الرُّطوبات الضارَّة والمُستَخبَثة.
2- وإنْ كان الحيوان الذي يُراد تذكيته غير مقدور عليه؛ لكونه شاردًا، أو واقعًا في بِئرٍ، أو يدخل مقدمه في غار، ونحو ذلك ممَّا لا يمكن معه الوصول إلى رقبته لنَحرِه أو ذبحه فيَكفِي في هذه الحالة إنهارُ الدم منه في أيِّ موضعٍ كان في بدنه حتى يموت، والأَوْلَى تحرِّي أسرع موضعٍ في جسمه لإزهاق رُوحِه؛ لقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "ما أعجزك من البهائم ممَّا في يدك فهو كالصيد. وفي بعيرٍ تَردَّى في بئر: من حيث قدرت عليه فذكِّه" [رواه البخاري معلقًا: 7/ 93].
وسنَدُه في ذلك ما ثبَت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ كان وأصحابه رضي الله عنهم في غزوةٍ فأصابوا إبلًا وغنمًا، فندَّ - أي: شرد منها - بعيرٌ، فرَماه رجلٌ بسهمٍ فحبسَه، فقال ﷺ: «إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» [رواه البخاري: 5503، ومسلم: 1968].
نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا اتباع سنة سيد المرسلين ﷺ.
هذا وصلُّوا وسلِّموا على نبيكم محمد بن عبد الله؛ فقد أمركم ربكم بهذا في كتابه فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب:56].
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم: 384].
***
عنوان الخطبة
أحكام السفر
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله، خلق الخلق ليعبدوه، ورزقهم ليشكروه، أحمده سبحانه على عظيم نعمه، وأشكره على تتابع مِنَنِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خزائن السماوات والأرض بيده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ما من خير إلا دل أمته عليه، وما من شر إلا حذرها منه، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى وأطيعوه وراقبوه في حِلِّكم وتِرْحالكم؛ فهو سبحانه على كل شيء رقيب، وبكل شيء عليم، ﴿إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا54﴾ [الأحزاب: 54].
عباد الله: ترون من الناس حرصًا على التنقُّل والأسفار وخاصة في مواسم الإجازات، فمنهم من يحزم حقائبه في رحلة طويلة، لربما ينقضي فيها معظم الصيف، ولنا مع هذا الموضوع في خطبة اليوم وقفات؛ فللسفر آداب وأحكام:
أولًا: ينبغي لمن عزم على السفر أن يصحح وجهته ورغبته من هذا السفر، والمتأمل في حال كثير من المسافرين يجد عجبًا وفَرْقًا شاسعًا في أهدافهم؛ فمنهم من سفره في طاعة الله، ومنهم من سفره لمعصية الله، وفرق بين مُشَرِّق في الخير والمعروف، ومُغَرِّب في المنكرات والشبهات، وشتان بين مُشَرِّق ومُغَرِّب، من المسافرين اليوم قوم أرادوا بسفرهم رضى الله والدار الآخرة، يَمَّمُوا مراكبهم إلى كل جميل وهدى، فلم يدفعهم حب الجمال والسياحة للخروج لأماكن المنكرات، ولم يجالسوا أهل الفساد والموبقات، فسياحتهم مضبوطة بتعاليم الإسلام، وأخلاقهم وآدابهم من آداب القرآن، حريصون في أسفارهم على كل خير وهدى. وفي جدول سفرهم زيارة الأقارب والأرحام، وأثناء سفرهم يتنقلون بين أنواع الطاعات، ويشاركون في فعل الخيرات، متمتِّعين بكل خير ومباح، ومحتسبين الأجر في ذلك كله؛ فهم كالغيث أينما حَلَّ نفع، فهنيئًا لهم يوم كانت سياحتهم في رضا الله، وفي حدود الشرع وآدابه.
وصنف آخر من المسافرين وللأسف: قوم زلَّت أقدامهم وساءت مقاصدهم؛ فطاروا في سماء الله وساروا على أرض الله لا ليطيعوه، كلا..فمرادهم من سفرهم أن يعصوه! سافروا لبلاد لِيُكْثِروا فيها الفساد، وليس لهم هدف إلا تلبية الرغبات بما لا يرضي رب الأرض والسماوات، فضيَّعوا في سفرهم الصلوات، واتبعوا الشهوات، ووقعوا في الموبقات، نعوذ بالله من حال أولئك الذين أضاعوا دينهم ودنياهم في أسفارهم.
أيها المسافرون: اعلموا أن النار حُفَّت بالشهوات فلا يَكْلِمَنَّ الشيطان دينَكم بدعوى الترفيه والسياحة في بقاع شائكة بما فيها من شهوات وشبهات، واتقوا الله في حِلِّكم وتِرْحالكم وأقيموا دينكم كما يحب ربكم لا كما تحبون، وحافظوا على فرائضكم، وابتعدوا عما حرَّم الله أينما كنتم، واعلموا أن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء من أمركم في كل مكان وزمان، وتأملوا جيدًا في قول الله جل جلاله: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ18﴾ [الحاقة: 18].
عباد الله: اعلموا أن الشريعة قد جاءت بآداب وأحكام للمسافرين ينبغي أن يعلمها كل مسافر قبل سفره.
ومن تلك الآداب والأحكام:
أولًا: الحرص على دعاء السفر في الذهاب والعودة، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبَّر ثلاثًا ثم قال: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آئِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» [رواه مسلم: 1342].
ثانيًا: ينبغي للمسافر أن لا ينسى ذكر الله أثناء سفره، خصوصًا في المرتفعات، والمنخفضات، قال جابر رضي الله عنه: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» [رواه البخاري: 2993].
ثالثًا: على المسافر أن يغتنم حال سفره بكثرة الدعاء، فيدعو لنفسه وأهله ولعموم المسلمين؛ فللمسافر -كما تعلمون- دعوة مستجابة، كما في الحديث: «ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجَابَاتٌ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الوَالِدِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ» [رواه الترمذي: 1905 وحسَّنه].
رابعًا: من الأحكام في السفر أن المسافر يجوز له قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، ويجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، على حسب ما تيسَّر من حاله؛ إما جمع تقديم، أو جمع تأخير، أما السنن الرواتب فإن من السنة في السفر تركها، كما كان يفعل ﷺ.
خامسًا: ومن الأحكام أن المسافر له أن يتطوع وهو على راحلته فيصلي وهو على راحلته، وعند الركوع والسجود يومئ إيماء، ويجتهد في القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم لا يضره لو تغيَّر الاتجاه.
سادسًا: من الأحكام في السفر جواز الفطر للصائم، وكذلك له المسح على الخف والجورب إلى ثلاثة أيام بلياليها، بدلًا من يوم وليلة، كما هو في حق المقيم، وهذه الأحكام وغيرها من أحكام السفر تبدأ بمفارقة البنيان بنية السفر.
ومن انتهى من سفره فليعجِّل بالرجوع إلى أهله؛ لقول النبي ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيَعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» [رواه البخاري: 1804، ومسلم: 1927].
ويستحب لمن قدم من سفر أن يبدأ بالمسجد أولًا قبل دخول البيت، وهذه سنة مهجورة قلَّ من يفعلها، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ «كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» [رواه البخاري: 3088، ومسلم: 2769].
وإذا أطال المسافر الغيبة عن أهله وأراد أن يعود فلا ينبغي له أن يفاجئهم برجوعه، بل ينبغي أن يخبرهم بعودته، وقد نهى النبي ﷺ «أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ» [رواه البخاري: 5079، ومسلم: 715].
هذه بعض الآداب والأحكام للمسافرين، ذكَّرت نفسي وإياكم بها، أسال الله أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الثانية
عباد الله، على المسافر أن يستحضر في حال سفره تقوى الله سبحانه فيما يأتي ويذر، وعليه بالنية الطيبة والصحبة الصالحة والتوسعة على من معه في سفره، وإدخال السرور عليهم، وليكن سفرُه سفرَ طاعة يتقرب به إلى الله عز وجل، وليحذر من سفر إلى معصية الله، أو يبقى في أماكن يكرهها الله عز وجل.
أيها الناس، ينبغي لكل من نوى سفرًا من أسفار الدنيا طال أم قصر ذلك السفر، أن يتذكر بسفره ذلك السفر الطويل إلى الدار الآخرة، وليتأمل محطة الوصول بعد سفر الدنيا، وليتذكر بها محطة الوصول بعد سفر الآخرة، أهي جنة عرضها السماوات والأرض، أم نار تلظَّى، نعوذ بالله من جهنم وعذابها، وعلينا جميعًا أن نخفِّف على أنفسنا من الذنوب والآثام، ولنتحلَّل ممن ظلمناه، ولنرد لأهل الحقوق حقوقهم قبل سفر الآخرة؛ ففي الحديث: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِن كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنهُ بِقَدْرِ مُظْلَمَتِهِ، وَإِن لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ» [رواه البخاري: 2449].
هذا وصلُّوا وسلِموا على خير المتقين، وسيد المرسلين، كما أمركم بذلك العليم الخبير، فقال عز من قائل عليم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب:56].
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم: 384].
عنوان الخطبة
التذكير بالموت
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأُومِن به وأتوكَّل عليه ولا أكفُره، وأُعادِي مَن يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسَلَه بالهدى ودين الحقِّ والنور والموعظة على فترةٍ من الرُّسل، وقلَّة من العلم، وضلالةٍ من الناس، وانقِطاع من الزمان، ودنوٍّ من الساعة، وقربٍ من الأجل، مَن يُطِع الله ورسوله ﷺ فقد رشَد، ومَن يعصِ الله ورسوله فقد غوَى وفرَّط، وضَلَّ ضلالًا بعيدًا.
نص الخطبة الأولى
أمَّا بعدُ:
فأُوصِيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإنَّ خيرَ ما أوصى به المسلم نفسَه وأخاه المسلمَ أنْ يحضَّه على الآخِرة، وأنْ يأمُرَه بتقوى الله، فاحذَرُوا ما حذَّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل منه ذكرى، وإنَّه تقوى لِمَن عمل به على وَجَلٍ ومَخافة، وعون صدق على ما تبتَغُون من أمر الآخِرة، ومَن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السرِّ والعلانية، لا ينوي بذلك إلاَّ وجه الله؛ يكن له ذكرٌ في عاجل أمرِه، وذخرٌ فيما بعد الموت حين يفتَقِر المرء إلى ما قدَّم، وما كان سوى ذلك؛ ﴿...تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30].
والذي صدق قوله وأنجز وعدَه لا خلف لذلك؛ فإنَّه يقول تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ29﴾ [ق: 29].
أيها الناس:
اتَّقوا الله في عاجل أمرِكم وآجِلِه في السرِّ والعلانية؛ فقد قال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا2 وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا3﴾ [الطلاق: 2 - 3]، وقال: ﴿...وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا﴾ [الطلاق: 4]، وقال: ﴿...وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا﴾ [الطلاق: 5].
إنَّ تقوى الله تَقِي مقته وعقوبته وسخطه، وتبيض الوجه، وتُرضِي الرب، وترفع الدرجة.
أيُّها الناس:
توبوا إلى ربِّكم قبل أنْ تموتوا، وبادِروا بالأعمال الصالحة قبل أنْ تشغلوا، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربِّكم بطاعته وكثرة ذكره تسعدوا، وأكثِرُوا الصدقة تُرزَقوا، وأمروا بالمعروف تُخْصَبوا، وانهوا عن المنكر تُنصَروا.
أيها الناس:
إنَّ أكيسكم أكثركم للموت ذكرًا، وإنَّ أحزمكم أحسنكم له استعدادًا، ألا وإنَّ من علامة العقل التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، والتزوُّد لسكنى القبور، والتأهُّب ليوم النُّشور.
أيها الناس:
حَلُّوا أنفسكم بالطاعة، والبسوا قناع المخافة، واجعَلوا آخرتكم لأنفسكم، وسعيكم لمستقرِّكم، واعلَموا أنَّكم عن قليلٍ راحلون، وإلى الله صائرون، فلا يُغنِي عنكم هناك إلَّا عمل صالح قدَّمتموه، أو حسن ثواب حُزْتموه، وإنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلَفتم فلا تخدعنَّكم زخارف دنيا دنيَّة عن مراتب جنة عليَّة، فكأن قد كُشف القناع، فارتفع الارتياب، ولاقى كلُّ امرئٍ مستقرَّه، وعرف مثواه ومقيله.
أيها الناس:
خذوا بحظِّكم ولا تفرطوا في جنب الله؛ فقد علَّمَكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله؛ ﴿...فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3].
فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه؛ ﴿...وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ...﴾ [الحج: 78].
﴿إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ42﴾ [الأنفال: 42].
ولا قوَّة إلَّا بالله، فأكثِرُوا ذكرَ الله، واعمَلُوا لما بعد الموت؛ فإنَّه مَن أصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأنَّ الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الناس:
النادم ينتظر من الله الرحمة، والمُعْجَب ينتظر المقت، واعلَموا عبادَ الله أنَّ كلَّ عامِل سيُقدِم على عمله، ولا يخرُج من الدنيا حتى يرى حسن وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيَّتان، فأحسِنوا السير عليهما.
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَنا جميعًا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستَغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم من كلِّ ذنب، فاستَغفِروه يَغفِر لكم إنَّه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد للـه حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أيها الناس:
إنَّ مَن في الدنيا ضيف، وما في يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مردودة، ألا وإنَّ الدنيا عرضٌ حاضر يأكُل منه البرُّ والفاجر، والآخِرة وعد صدق يحكُم فيها ملكٌ قاهر، فرَحِم الله امرءًا نظَر لنفسه، ومهَّد لرمسه، ما دام رسنه مرخى، وحبلُه على غارِبِه مُلقَى، قبل أنْ ينفد أجلُه، فينقطع عملُه.
ابن آدم:
أقلل من الشهوات؛ يسهُلْ عليك الفقر، وأقلل من الذُّنوب؛ يسهُلْ عليك الموت، وقدِّم مالَك أمامَك؛ يسرك اللحاق به، واقنَع بما أوتيتَه؛ يخفَّ عليك الحساب، ولا تَتشاغَل عمَّا فرَض الله عليك بما قد ضمن لك، إنَّه ليس بفائتك ما قسم لك، ولست بلاحق ما زُوِي عنك، فلا تكنْ جاهدًا فيما يصبح نافدًا، واسعَ لملكٍ لا زَوال له، في منزلٍ لا انتقالَ منه، فإنَّ الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان؛ فطالب الآخِرة تَطلُبه الدنيا حتى يستَكمِل رزقَه وطالِبُ الدنيا تَطلُبه الآخِرة حتى يأخُذ الموت بعنقه، فيُصبِح في بطن مُوحِشة غَبْراء، مُدلَهمَّة ظَلماء، لا يستَطِيع أنْ يزيد في حسنةٍ ولا ينقُص من سيِّئة، ثم يُنشَر فيُحشَر، إمَّا إلى جنَّة يدوم نعيمُها، أو إلى نارٍ لا ينفد عذابُها.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
***
عنوان الخطبة
الحث على كسب الحلال والبعد عن الكسب الحرام
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا معاشر المؤمنين عباد الله، اتقوا الله فإنّ من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، ثم اعلموا رعاكم الله أن نعم الله عز وجل علينا كثيرة لا تُحصى، عديدة لا تُستقصى، وإنَّ من نعمه سبحانه: تمكينه لعباده في الأرض، وتهيئته لهم من أنواع الرزق وطيب الثمار ما يقتاتون به، وتتغذى به أبدانهم؛ ليتناولوا من الطيب المباح، ويحمدوا الربَّ الكريم، ويشكروه على منّه وعطائه وفضله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ10﴾ [الأعراف: 10]، والواجب على المسلم في هذا الباب أن يعي هذه الحقيقة جيدًا، وأن يعلم أن الرب الكريم والرزّاق المحسن سبحانه هيَّأ في هذه الأرض وجوه المكاسب الطيبة، وأنواع الأرزاق المباحة، وهيأ لهم السبل؛ يقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ15﴾ [الملك: 15]، وَقِفْ هنا أيها المسلم متأملًا في ختم الله تبارك وتعالى لهذه الآية بقوله: ﴿... وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ [الملك: 15] أي: المرجع والمآب، فأنت في هذه الحياة لك أمد محدود، ووقت معدود، من بعده تنتقل إلى الله عز وجل، وتقف بين يديه سبحانه، ويسألك عما قدمت في هذه الحياة، وإن مما سيسألك الله عنه يوم القيامة: مالك، ومطعمك، ومشربك، يسألك عن ذلك كله إذا وقفت بين يديه، وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ»، وَذُكِرَ مِنْهَا: «عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ» [رواه الترمذي (2417) والدارمي (537) وحسنه الألباني]، فيا أيها المسلم الراشد، ويا أيها المؤمن الناصح: انصح لنفسك وأنت في هذه الحياة قبل الوقوف بين يدي الله جل وعلا، وأَعِدَّ للسؤال جوابًا، وأعد للجواب صوابًا، فإنك والله مسؤول أمام الله جل وعلا.
وإن من نعمة الله على عباده معاشر المؤمنين أن هيَّأ لهم أنواع المكاسب الطيبة، ووجوه الأرباح المباحة، وجعل أمر الحلال بيّنًا وأمر الحرام بيّنًا، وتأمل هذا فيما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ؛ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعَرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ؛ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالْرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يَوْشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» [متفق عليه].
عباد الله:
ما أعظم هذا الحديث، وما أروعَ بيانَه، وما أكمل ما فيه من نصح ودلالة وإرشاد، وقد قسّم النبي ﷺ فيه الأمور إلى ثلاثة أقسام:
قسم حِلٌّ بيِّنٌ، أي: يَعرف حِلَّه كلُّ مسلم، ولا يشتبه أمره على أحد، أي: واضح حِله لا اشتباه فيه.
والقسم الثاني عباد الله: وصفه النبي ﷺ بالحرام البين، أي: الواضح حرمته لكل أحد، فلا يشتبه على مسلم حرمته، وهذا يتناول أنواع المحرمات التي جاءت الأدلة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ دالة على حرمتها، مبينةً سوء خطرها وسوء مغبَّتها، فهي أمور محرمة بيِّنٌ حرمتها.
وقسم ثالث عباد الله: وصفه النبي ﷺ بأنه مُشْتَبِهٌ، مشتبهٌ ليس على الناس كلهم، وعلى المسلمين جميعهم، وإنما هو مشتبهٌ على كثير من الناس، أمور مشتبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس، جُهَّال المسلمين وعوامهم ومن ليس عندهم علم ولا فقه ولا بصيرة في دين الله، فإن أمثال هؤلاء تشتبه عليهم بعض الأمور، وتلتبس عليهم بعض الأشياء، فلا يدرون أهي حلال بين أم حرام بين؟ وهاهنا عباد الله يظهر مقام العلماء ومكانتهم الرفيعة ومنة الله عليهم بزوال الاشتباه واتضاح الأمور وعدم التباسها، "لا يعلمهن كثير من الناس" أي: أن من الناس من يعلمهنَّ وهم العلماء الراسخون والفقهاء المحققون الذين لا غنى للمسلمين عن نصحهم وبيانهم وسؤالهم واستفتائهم والاسترشاد بعلومهم وفقههم، فما أعظم أثرهم على الناس، وما أوسع نفعهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء.
عباد الله:
ولقد بين النبي ﷺ في هذا الحديث الطريقة السديدة والمسلك الرشيد عند اشتباه الأمور والتباسها، إلى ماذا يصير الإنسان وماذا يفعل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعَرْضِهِ» من اتقى الشبهات أي: ابتعد عنها ولم يقاربها؛ فإنه بذلك يستبرئُ لدينه، أي: فيما بينه وبين الله، ويستبرئُ لعرضه، أي: ما بينه وبين الناس، أي: يطلب البراءة لدينه وعرضه، وبهذا يُعْلَمُ معاشر المؤمنين أن طلب البراءة للعرض والدِّين إنما يكون باتقاء الشبهات والبعد عنها، أما إذا كان الإنسان يقارف الشبهات ويستهين بها، ويستخفُّ من شأنها؛ فإنها يوم من الأيام ولابد ستنقله إلى الحرام البين وتوقعه في حظيرته، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعَرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» أي: أن الشبهات تنقل من يقع فيها إلى الحرام البَيِّن، «فَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالْرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» حِمى الله عز وجل التي حرمها على عباده هي المحارم، وهي الأمور التي نهى عباده عنها، والحصافة هنا والكياسة والفطنة أن يكون العبد بعيدًا عن المحرمات أشد البعد، وبعيدًا في الوقت نفسه عن الوسائل المفضية والأسباب المؤدية إلى الوقوع في الحرام، ومن ذلك التهاون في الأمور المشتبهات.
عباد الله:
إن الفقه في هذا الباب تمس إليه الحاجة، ولاسيما في هذا الزمان الذي اختلط فيه الحابل والنابل، والتبست فيه كثير من الأمور على الناس، والواجب على المسلم أن يطلب دائمًا وأبدًا البراءة لدينه وعرضه؛ ليلقى الله عز وجل بحالة طيبة، ويبعد عن المحرمات وأسبابها ووسائلها، روى الإمام أحمد في مسنده عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ فقال: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ؟» قُلتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «اِسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ الْبِرُّ مَا اَطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» [رواه أحمد (18028) والدارمي (2533) وحسنه لغيره الشيخ الألباني].
وروى الإمام مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَخَشِيتَ أَوْ كَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» [مسلم (2553)].
وعندما تستريب أيها المؤمن من أمر أهو من الحلال البَيِّن أم من الحرام البين؟ فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ، ففي الترمذي والنسائي من حديث أبي محمد الحسن بن علي سِبْط رسول الله ﷺ رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» [رواه الترمذي (2518) والنسائي (5711) وأحمد (1723) وصححه الألباني].
اللهم فقهنا في دينك، وبصرنا بسنة نبيك ﷺ، ووفقنا اللهم للمال الطيب والكسب المباح، وباعد بيننا وبين المحرمات، ووفقنا لاتقاء المشتبهات، واجعلنا إلهنا ممن يأكلون الطيبات، ويحمدونك على نعمك ويشكرونك على آلائك ومننك؛ إنك سميع الدعاء وأنت أهل الرجاء، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله:
وإن من كمال حال الصحابة في هذا الباب ما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كانَ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه رَجُلٌ يَأْتِيهِ بِالْخَرَاجِ، أَي: عَبْدٌ لَهُ يُخْرِجُ لَهُ خَرَجًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَآتَاهُ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَ رضي الله عنه مِنْ أَكْلِهِ، قَالَ لَهُ ذَٰلِكَ الرَّجُلُ: أَتَدْرِي مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: هَذَا مَالٌ أَعْطَانِيَهُ رَجُلٌ كُنتُ تَعَامَلْتُ مَعَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْكَاهِنَةِ، وَكُنتُ لَا أُحْسِنُ الْكَاهِنَةَ، وَإِنَّمَا خَدَعْتُهُ وَتَكَهَّنْتُ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَانِي هَذَا الْمَالَ، فَأَعْطَيْتُكَ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَٰلِكَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه أَدْخَلَ أَصْبَعَهُ فِي فَمِهِ وَاسْتَفْرَغَ جَمِيعَ مَا فِي جَوْفِهِ رضي الله عنه وَأَرْضَاهُ» [البخاري (3842)].
انظروا إلى هذه الصورة، شيء دخل في جوفه على أصل الحل والإباحة، ولما تبينت له الحرمة، واتضح له حال هذا المال؛ أخرجه من جوفه وتقيّأه، فكيف بمن يبتلعون أموالًا يعرفون حرمتها، ويتضح لهم عدم حلِّها، يدخلونها في أجوافهم ويملؤون بها أجوافهم، وأجواف أبنائهم وأهليهم، ألا يتقون الله ألا يتقون الله.
اللهم أطب مكاسبنا، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
***
عنوان الخطبة
الكسب الطيب والكسب المحرم
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا..
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102].
نص الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون..
إنَّ حبَّ المالِ طبيعةٌ في البشر، وجِبِلَّةٌ في الإنسان؛ قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ...﴾ [آل عمران: 14].
وإنَّ البحثَ عنِ الرزقِ الحلالِ الطيبِ مأمورٌ به شرعًا؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ 15﴾ [الملك: 15].
وعنِ الْمِقْدَامِ بنِ معدِي كَرِبَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري (2072)].
فالسعيُ في الأرضِ وطلبُ الرزقِ أمر محمودٌ، وإنما يكونُ محمودًا إنْ كانَ طالبهُ يسلُكُ الطُرُقَ المشروعةَ، ويتجنّبُ الطُرُقَ الممنوعةَ.
ولَقَد كانَ رسولُ اللهِ ﷺ وصحابتُهُ والصالحونَ مِنْ أُمتِهِ يتحرَّزونَ من كسبِ ما فيهِ شُبهة، فضلًا عَنْ كَسبِ الحرامِ.
روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كِخْ كِخْ. لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» [متفق عليه]
وهذا الصدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه يَجيئُهُ غُلامُهُ بشيءٍ فيأكلُه، فيقولُ الغلامُ: أتدرِي ما هُوَ؟ تكهَّنتُ في الجاهليَّةِ لإنسانٍ، وما أُحسِنُ الكِهانة، لكني خَدَعتُهُ، فَلقِيَني فأعطانِي بذلك، فهذا الذي أكلتَ. فأدخلَ أبو بكرٍ رضي الله عنه يدَه في فمِه، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنِه.
وفي روايةٍ أنه قال: «لَوْ لَمْ تَخْرُجْ إِلَّا مَعَ نَفْسِي لَأَخْرَجْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا حَمَلَتِ العُرُوقُ وَخَالَطَتِ الأَمْعَاءُ» [أخرجه البخاري (3842)].
وهذا عمرُ بنُ عبدِالعزيزَ رحمه الله رأى ابنَهُ يَأخُذُ تُفاحةً مِنْ تُفَّاحٍ يَقسِمُهُ بَينَ المُسلمينَ فَانتَزَعَهَا مِنْهُ، فَبَكَى الولدُ وَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَلَمَّا عَاتَبَت زَوجَهَا عَلَى ذَلِكَ قال: "واللهِ لَقَدِ انتزَعتُها وَكَأَنِّي أَنتَزِعُهَا مِنْ قَلبِي، وَلَكِنِّي كَرِهتُ أَنْ أُضِيعَ نَفسِي عِندَ اللهِ عز وجل بِتُفَاحَةٍ مِنْ فَيءِ المُسلمينَ".
وتِلكَ امرأةٌ صالحةٌ تُوصِيِ زوجَها وهو خارجٌ لِكَسبِ الرزقِ فتقولُ: "يا هذا! اتقِ اللهَ في رِزقِنا؛ فإننا نصبِرُ على الجوع ولا نصبِرُ على النار".
هكذا يتورَّعُ المؤمنون؛ صيانةً لدينِهم، وتقوَى لربِّهم، وبُعدًا عن الشُّبُهات، فضلا عن المحرمات.
فكيف بمن يَعمَدُ إلى الحرامِ يملأُ به جوفَه وجوفَ أهلِه والعياذُ بالله؟!
يقول النبي ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ» [رواه البخاري (2059)].
أيها المؤمنون..
أرأيتم ذلك الرجلَ الذي ذكرهُ النبيُّ ﷺ، وقال عنه: «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [رواه مسلم (1015)].
لقد استجمع هذا الرجلُ من صفاتِ التذلُّلِ والمسكنة، والحاجةِ والفاقة، ما يدعو إلى رِثَاءِ حالِه، ويؤكدُ شدَّةَ افتقارِه، ويؤهلُّهُ لاستجابةِ دعوتِه، فقد طالَ عليه السفرُ، وتغرَّبت به الديارُ..، ولكنَّه قطعَ صلتَهُ بالله، وحرَمَ نفسَهُ من مَدَدِ خالِقِهِ ومولاه، فلا يكادُ يُجابُ دعاؤه؛ لأنَّه أكَلَ الحرامَ، وشَرِبَ الحرام، واكتسى مِنَ الحرام، ونبتَ لحمُهُ مِنَ الحرام، فرُدَّتْ يداهُ خائبتين، وأيُّ لحمٍ نَبَتَ مِن سُحتٍ -أي حرام- فالنارُ أولى به. -نسأل الله العافية-.
أيها المؤمنون..
عليكم بتحرِّي الرزقِ الحلال، والبعدِ عن الحرامِ والمشتبِهِ؛ ليَسلَمَ لكم دينُكُم وتُحفظَ أعراضُكُم..
اِحفظوا حقوقَ الناس، وأَنجِزوا أعمالَهم، وأوفوا بالعقودِ والعهود.
واجتنبوا الغشَّ بجميع أنواعه وحالاتِه، فقد قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ غَشَّنا فَليْسَ مِنَّا» [متفق عليه].
فالذي يبيعُ البضائعَ المُقلَّدَةَ على أنها أصليّة؛ فقد غشَّنا.
والذي يجعلُ طيِّبَ الطعامِ في الأعلى، ورديئَهُ في الأسفل؛ فقد غشّنا.
احذروا الرِّشوةَ فقد لعَنَ رسول الله ﷺ: الراشي والمرتشي.
احذروا الرِّبا قليلَهُ وكثيرَه، فقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278 فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ 279﴾ [البقرة: 278- 279]
احذروا أكلَ أموالِ اليتامى، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا 10﴾ [النساء: 10]
احذروا تطفيفَ المكاييلِ والموازين، يقول الله تعالى: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ 1 ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ 3﴾ [المطففين: 1 - 3]
احذروا ظُلمَ الناسِ وأكلَ أموالِهم بالباطل، يقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ...﴾ [النساء: 29].
ويقول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ (أي: بِالْحَلِفِ كَذِبًا)، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكِ» [رواه مسلم (137)].
احذروا المماطلةَ في سدادِ الدِّيُون؛ فهو ظُلمٌ وعُدوان، يقول النبي ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» [رواه البخاري (2387)].
احذروا تأخيرَ أجورِ العُمَّالِ والموظفين، يقول النبي ﷺ: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» [رواه ابن ماجه (2443) وصححه الألباني].
عباد الله..
إنَّ تحرِّي أكلَ الحلالِ، والبُعدَ عنِ الحرامِ والمُشتَبِه، مِن أعظمِ الخِصالِ التي يتحلَّى بها المؤمن.
يقول النبي ﷺ: «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَعَفَّةُ مَطْعَمٍ» [رواه أحمد (6652) والطبراني (14120) وصححه الألباني] أي: التزامُ الحَلالِ في المَأْكلِ والمَشْربِ.
اللهم اكفِنا بحلالك عن حرامك، وأغنِنَا بفضلك عمّن سواك.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه..
نص الخطبة الثانية
أما بعدُ، فيا أيها المؤمنون..
يقول الإمامُ ابنُ القيِّم في كتابه [الوابل الصيب]: "والظُّلمُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ له دواوينُ ثلاثة: ديوانٌ لا يغفرُ الله منه شيئًا، وهو الشركُ به؛ فإنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَك به.
وديوانٌ لا يتركُ اللهُ تعالى منهُ شيئًا، وهو ظُلمُ العبادِ بعضُهم بعضًا؛ فإن اللهَ تعالى يستوفيهِ كلَّه.
وديوان لا يعبأُ الله به شيئًا، وهو ظُلمُ العبدِ نفسَهُ بينَهُ وبينَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، فإن هذا الديوانَ أخفُّ الدواوينِ وأسرعُهَا مَحوًا؛ فإنهُ يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسناتِ الماحيةِ، والمصائبِ المُكَفِّرةِ، ونحوِ ذلك. بخلافِ ديوانِ الشركِ؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد. وديوانِ المظالمِ لا يُمحى إلا بالخروجِ منها إلى أربابِها واستحلالِهم منها" انتهى كلامُهُ رحمه الله.
أيها المؤمنون..
اعلموا -رحمكم الله- أنَّ بابَ التوبةِ مفتوحٌ لكلِّ من عصى اللهَ إذا توفرت شروطُها، يقول اللهُ تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 110﴾ [النساء: 110] ويقول تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 39﴾ [المائدة: 39].
وشروطُ التوبةِ كما ذكرها العلماء:
أن يُقلِعَ عن الذنب.
وأن يندمَ على ما قد مضى.
وأن يَعزِمَ في على ألا يعود إليه في المستقبل.
وإذا كان الأمرُ يتعلقُ بحقوقِ الناسِ، سواءً بأموالِهم، أو أعراضِهم، أو أبدانِهم، فعليه أن يطلبَ المسامَحةَ مِمَّن له عليه حَق، أو يؤدي الحُقُوقَ إلى أهلها.
نسأل الله تعالى أن يُعيذَنا من الظلم بشتى أنواعِه، وأن يجعلنا ممن سَلِمَ المسلمون من لِسانِهِ ويَدِه.
ثم صلوا وسلِّموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه.
***
عنوان الخطبة
أهوال يوم القيامة
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران:102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا1﴾ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا71﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نص الخطبة الأولى
أما بَعدُ، فَـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ21﴾ [البقرة: 21].
أيها المسلمون، يوم القيامة يوم عظيم، ذو أهوال شديدة وعظائم مهولة، ولو لم يكن فيه إلا تغير العالم علويه وسفليه لكفى، فكيف بالعرض والحساب، والبعث والصراط، والميزان والحوض، وتطاير الصحف وأهوال النار، حيث يجاء بها على عظمها إلى الموقف يجرها ملائكة غلاظ شداد؛ في مشهد مروع ومنظر فظيع، قال عزوجل: ﴿وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ...﴾ [الفجر: 23]، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «يُؤتَى بِجَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لَهَا سَبعُونَ أَلفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» [رَوَاهُ مُسلِمٌ (2842)]
في يوم القيامة – أيها المسلمون - تنشق السماء وتنفطر، وتنكدر النجوم والكواكب تنتثر، وتوقد البحار وتفجر، ويبعث من في القبور وتبعثر، وهنالك تعلم كل نفس ما تقدم منها وما تأخر ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ 13 وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ 14 فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ 15 وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ 16 وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ 17 يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ 18﴾ [الحاقة: 13-18].
في يوم القيامة يتغير لون السماء فتصير كالوردة وكالدهان، وتصبح واهية ضعيفة كالمهل، وتكور الشمس والقمر وسائر النجوم، ثم تطوى السماوات ﴿يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ...﴾ [الأنبياء: 104]، ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ 7 وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ 8 وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ 9 يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ 10﴾ [القيامة: 7-10] إنه يريد الخلاص ويبغي النجاة، ولكن لا مفرَّ ولا ملجأ لأحد دون الله ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ 11 إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ 12 يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ 13﴾ [القيامة: 11-13] يا له من يوم عظيم، تعطل فيه العشار وتهمل، وتجمع الوحوش وتحشر ليقتص لبعضها من بعض، والنار أوقدت، والجنة أعدت وقربت، إنه اليوم الذي تشخص فيه الأبصار وتخشع، وتفرغ القلوب وتفزع، وتجف مما يحيط بها من الهم والغم والخوف والهلع ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ 43 مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ 44﴾ [إبراهيم: 43-44] ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا 26﴾ [الفرقان: 26].
ومع كل هذا فيوم القيامة يوم طويل، مقداره خمسون ألف سنة، ومع طوله تدنو الشمس فيه من الخلائق حتى تكون من رؤوسهم على مقدار ميل؛ فيعرقون عرقًا عظيمًا، يتفاوتون فيه بحسب أعمالهم وما قدموا، قال ﷺ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَومَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعمَالِهِم فِي العَرَقِ، فَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلى كَعْبَيهِ، وَمِنهُم مَنْ يَكُونُ إِلى رُكبَتَيهِ، وَمِنهُم مَنْ يَكُونُ إِلى حِقْوَيهِ، وَمِنْهُم مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلجَامًا» [رَوَاهُ مُسلِمٌ (2864)]
ومع تلك الأهوال العلوية في السماء والنجوم، فلا استقرار للأرض ولا للجبال، لأنها تضطرب يوم ذاك وتدك وتزلزل، قال سبحانه: ﴿كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا 21﴾ [الفجر:21]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ 13 وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ 14 فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ15﴾ [الحاقة: 13-15]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا 105 فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا 106 لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا 107﴾ [طه: 105-107] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا 14﴾ [المزمل: 14]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ 8 وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ 9﴾ [المعارج: 8-9].
ما أشدها من أهوال! وما أعظمها من أمور ثقال! جبال راسيات تدك حتى تصير كالصوف أو كالرمال، الله المستعان – يا عباد الله – يوم القيامة يتغير كل شيء، فلا الناس بالناس الذين كانوا، ولا الأرض بالأرض التي كانت ﴿يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ 4 وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ5﴾ [القارعة: 4-5]، ﴿يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا 108 يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا 109 يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا 110 ۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا 111﴾ [طه: 108-111]، ويكفي في وصف أهوال يوم القيامة ما جاء في القرآن من أنه يوم عبوس قمطرير، شره مستطير، وأنه يوم ثقيل، وأنه يجعل الولدان شيبًا، وأنه يوم الحسرة ويوم التغابن ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا 1 وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا 2 وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا 3 يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا 4 بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا 5 يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ 6﴾ [الزلزلة: 1-6]، ألا فلنتق الله – إخوة الإيمان – فإنما هي إحدى نتيجتين ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ 7 وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ8﴾ [الزلزلة: 7-8]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ 1 يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ2﴾ [الحج: 1-2]، وأقول هذا القول وأستغفر الله فاستغفروه، إنه كان للأوابين غفارًا.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيِّبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
أما بعد، فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ولا تعصوه.
أيها المسلمون، وصف يوم القيامة وما فيه من الشدائد والأهوال، كثير في كتاب الله، وقد أخبر جل وعلا أنه يوم لا ريب فيه، ليقوى يقين الناس بلقاء الله، فتستيقظ بذلك القلوب وتحيا الضمائر، وتملأ الصدور بخشية الله والخوف منه، ويقف الإنسان عند حدود الله ولا يتعداها، ويعمر الأرض بعبادة الله، ويمضي في حياته سائرًا على منهج الله، حتى يكون في ذلك اليوم العظيم ومع تلك الأهوال الشديدة فيه، داخلًا تحت رحمة الله وفي ظل عرشه، وحتى يخفف عليه ذلك اليوم الذي طوله خمسون ألف سنة، حتى يغدو كأنه لحظات أو ساعات.
قَالَ ﷺ: «يَومُ القِيَامَةِ عَلَى المُؤمِنِينَ كَقَدرِ مَا بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ». [أخرجه الحاكم (٢٨٣)، والديلمي في «الفردوس» (٨٩٩٣) وصححه الألباني]
وَقَالَ ﷺ: «سَبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلَّّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَالشَّابُّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللهِ اجتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَينَاهُ» [متفق عليه].
وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «اقرَؤُوا القُرآن؛ فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصحَابِهِ، اقرَؤُوا الزَّهرَاوَينِ البَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا تَأتِيَانِ يَومَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَو فِرقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن أَصحَابِهِمَا» [رَوَاهُ مُسلِمٌ (805)]
ومما يقي أهوال ذلك اليوم برحمة الله الوفاء بالنذور والعهود، وإطعام الطعام والاكثار من الصدقات، وإنظار المعسرين والوضع عنهم، يفعل ذلك كله لوجه الله، قال سبحانه في وصف الأبرار من عباده: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا 7 وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا 8 إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا 9 إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا 10 فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا 11﴾ [الإنسان: 7-11]، وَقَالَ ﷺ «كُلُّ امرِئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقضَى بَينَ النَّاسِ» [أخرجه أحمد (١٧٣٣٣)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠) وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ]، وَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَنظَرَ مُعسِرًا أَو وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ تَحتَ ظِلِّ عَرشِهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ» [أخرجه الترمذي (١٣٠٦)، وأحمد (٨٧١١( بسند صحيح]
كما أن من رحمة الله بالمؤمنين من هذه الأمة خاصة أن سبعين ألفًا منهم يدخلون الجنة بغير حساب، ألا فلنتق الله – إخوة الإيمان – ولنعمل صالحًا، ولنتمسك بديننا وعقيدتنا، ولنحافظ على صلواتنا، ولنخش الله في خلواتنا، ولنأتمر بأمر الله وأمر رسوله، ولنحذر من مخالفة ما جاء في الكتاب والسنة، والحذر الحذر من البدع والمحدثات والتراجع عن الحق بعد الأخذ به؛ فإن ذلك من أسباب العذاب والحرمان، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي عَلَى الحَوضِ أَنظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنكُم، فَوَاللهِ لَيُقتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِم» [رَوَاهُ مُسلِمٌ (2294)].
***
عنوان الخطبة
ذكرى الاحتضار
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله المتفرد بالبقاء، ذي المجد والثناء، والعظمة والكبرياء، أحمده على الآلاء، وأستعينه على البلاء، وأشهد ألا إله إلا الله فاطر الأرض والسماء، وجاعل النور والظلماء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الحنفاء، وسيد الأولياء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجهم وأحسن الاقتفاء.
نص الخطبة الأولى
أما بعد، فاتقوا الله - عباد الله - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 18﴾ [الحشر: 18].
أيها المؤمنون: الدنيا ساعات محدودة، وأنفس معدودة، سريعًا ما تمضي وتنقضي، أيام مراحل؛ كل مرحلة تسلمنا لأختها حتى نقف على شفير دار وعتبة أخرى، وتحل بنا ساعة لن نستقدم عنها ولن نستأخر؛ إنها ساعة الاحتضار، ونزول الموت، وخروج الروح، ووداع الدنيا، واستقبال الآخرة، وصفها الله وصفًا تنخلع له القلوب وتَذرف به الدموع فقال: ﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ 19﴾ [ق: 19]، وقال: ﴿فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ 83 وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ 84 وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ 85 فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ 86 تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 87﴾ [الواقعة: 83 - 87]، وقال: ﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ 26 وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ 27 وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ 28 وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ 29 إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ 30﴾ [القيامة: 26 - 30].
أيها المسلمون!
الاحتضار سكرات ذات كرب شديد، تغشّت النبيَّ ﷺ، فجعل يدخل يده في ركوة ماء ويمسح بها وجهه الشريف ويقول: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ» [رواه البخاري (6510)].
وصف هذه السكراتِ كعبُ الأحبار رحمه الله حين سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: "حدثنا عن الموت"، فقال كعب: "نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، غُصْنٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ أُدْخِلَ فِي جَوْفِ رَجُلٍ، فَأَخَذَتْ كُلُّ شَوْكَةٍ بِعِرْقٍ، ثُمَّ جَذَبَهُ رَجُلٌ شَدِيدُ الْجَذْبِ، فَأَخَذَ مَا أَخَذَ، وَأَبْقَى مَا أَبْقَى" [رواه ابن أبي شيبة (36793)].
وقال سفيان الثوري: "ما من موطن من المواطن أشدَّ علي من سكرة الموت؛ أخاف أن يشدد علي، فأسألَ التخفيف، فلا أُجاب؛ فأفتن".
ومن شدة لحظة الاحتضار هول المطلع بعدها، قال ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه حِينَ طُعِنَ، فَقُلْتُ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ - يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ -، أَسْلَمْتَ حِينَ كَفَرَ النَّاسُ، وَجَاهَدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ خَذَلَهُ النَّاسُ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي خِلَافَتِكَ اثْنَانِ، وَقُتِلْتَ شَهِيدًا، فَقَالَ: "أَعِدْ عَلَيَّ"، فَأَعَدتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَوْ أَنَّ لِي مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ!" [رواه ابن أبي شيبة في المصنف (34494) وأحمد في الزهد ص154وسنده إليه صحيح].
وبكى الحسن البصري عند موته، وقال: "نفس ضعيفة، وأمر مهول عظيم؛ إنا لله وإنا إليه راجعون".
ولما نزل الْمَوْت بِسُلَيْمَان التَّيْمِيّ قيل لَهُ: أبشر؛ فقد كنت مُجْتَهدًا فِي طَاعَة الله تعالى، فَقَالَ: لَا تَقولُوا هَكَذَا؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي مَا يَبْدُو لي من الله عزوجل؛ فَإِنَّهُ يَقُول سُبْحَانَهُ: ﴿... وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ47﴾ [الزمر: 47].
عباد الله:
ومن شدة ساعة الاحتضار ختم الأعمال بها، والبعث عليها، يقول رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا» [رواه البخاري (6493)]، ويقول: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» [رواه مسلم (2878)].
وذاك ما أزعج قلوب الصالحين، بَكَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَيْلَةً إِلَى الصَّبَاحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ لَهُ: كُلُّ هَذَا خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ؟ فَأَخَذَ تِبْنَةً مِنَ الْأَرْضِ، وَقَالَ: الذُّنُوبُ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَبْكِي مِنْ خَوْفِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ.
قال ابن القيم رحمه الله: "وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْفِقْهِ: أَنْ يَخَافَ الرَّجُلُ أَنْ تَخْذُلَهُ ذُنُوبُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَتَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَاتِمَةِ الْحُسْنَى".
أيها الإخوة في الله:
في ساعة الاحتضار تنقشع الغشاوة، وتنجلي الحقائق التي طالما غيبتها الدنيا بملاذها وسكرها؛ ولذا باتت وصايا المحتضرين من نفيس القول، وعميق معناه، وبالغ عظاته؛ لصدورها من صِدقِ نفسٍ، وثُقب نظر.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا
نص الخطبة الثانية
أيها المؤمنون:
إن لساعة الاحتضار أعمالًا تشرع، تحسن بها الخاتمة، وتزكو بها الروح، ومن تلك الأعمال: الاستعداد لذلك المضطجع بالعمل الصالح، والتحرز من المظالم والمآثم، ومداومة التوبة وتجديدها. قال القعقاع بن حكيم: "قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة"، واحتضر بعضُ الصَّالِحين فَبَكَتْ امْرَأَته، فَقَالَ: مَا يبكيك؟ قَالَت: عَلَيْك أبْكِي، قَالَ: إِن كنت باكية فابكي على نَفسك، فَأَما أَنا فقد بَكَيْتُ على هَذَا الْيَوْم مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة.
وبسالف الاستعداد بالصالحات يحب المؤمن لقاء ربه، يقول رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ؛ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ؛ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» رواه البخاري ومسلم.
وعند نزول الموت يُغلَّبُ الرجاء على الخوف، ويُحسّن الظن بالله تعالى، يقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ» [رواه مسلم (2877)]، ودخل عَلَى رجل وَهُوَ فِي النزع فَقَالَ: كيف تجدُكَ؟ قال: أرجو اللهَ يا رسولَ اللهِ! وإنِّي أخافُ ذنوبي، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَأَمَّنَهُ مِّمَّا يَخَافُ» [أخرجه الترمذي (٩٨٣)، وابن ماجه (٤٢٦١) والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٠١) وصححه الألباني].
والتلفظ بشهادة التوحيد نطقًا وتلقينًا خير أعمال الختام، يقول النبي ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ» [رواه مسلم (917)]، ويقول: «مَن كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رواه أبو داود (3116) وأحمد في المسند (22534) وصححه الألباني].
نسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير، وأن يغفر لنا ويتجاوز عنا بمنه وكرمه.
***
عنوان الخطبة
عذاب القبر ونعيمه
مقدمة الخطبة الأولى
﴿لۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ1﴾ [سبأ: 1]، أحمَدُه سبحانه على ما أسداه وأولاه من الإنعام والإكرام والخير الكثير، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا وَلَدَ ولا ظهير، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه السراجُ المنير والبشيرُ النذير، اللهُمَّ صلِّ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن على سبيله إلى الله يسير، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعدُ:
فيا أيها الناسُ اتقوا اللهَ حقَّ تقواه، وسارعوا إلى مغفرته ورضاه، فقد خلقكم لأمرٍ عظيمٍ، وهيَّأكُم لشأنٍ جسيمٍ، خلَقَكُم لمعرفتهِ وعبادته، وأمَرَكُم بتوحيدِه وطاعته، وأخذَ على هذا مواثيقكم، وارتهَنَ بحقِّه نُفوسكم، ووكَّلَ بكم ﴿كِرَامٗا كَٰتِبِينَ 11 يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ 12﴾ [الانفطار: 11- 12]، ويكتبون ما تعملون.
أيها المسلمون:
إن الإيمان بعذاب القبرِ ونعيمِه للرُّوح والجَسَدِ مَعًَا، وسؤالِ الملَكين للميِّت في قبره من أُمور العقيدة الْمُجمع عليها عند أهل السنةِ والجَمَاعة، بدليل القرآنِ الكريمِ، والسنةِ النبويةِ المباركة، وإجماع علماءِ المسلمين.
في هذه الخطبة إن شاء الله نتحدَّث عن بعض الأدلة في سُنة النبيِّ ﷺ، فقد أخبرَ النبيُّ ﷺ أن «القَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ» [رواه الترمذي (2308) وابن ماجه (4267) وصححه الشيخ الألباني]، وأن القبر هو أفظعُ وأشدُّ وأشنعُ مَنظرٍ في الدُّنيا، فقال النبيُّ ﷺ: «مَا رَأيْتُ مَنظَرًا قَطُّ إلَّا القَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ» [رواه الترمذي (2308) وابن ماجه (4267) وصححه الشيخ الألباني].
عباد الله: روى عن رسول الله ﷺ في عذاب القبر ونعيمه تسعة وأربعون صحابيًا.
فمنها: أنه أُوحيَ إلى النبيِّ ﷺ بفتنة القبر بعد الهجرة، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ؟» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» [رواه مسلم (584)].
ومنها: إخبارُه ﷺ برؤيته لفتنة هذه الأمة في القبور في صلاة الخسوف، قال ﷺ: «إني قد رَأَيتُكُم تُفتَنُونَ في القُبُورِ كفِتنَةِ الدَّجَّالِ» [رواه البخاري (1049) مختصرًا ومسلم مطولًا (903)].
ومنها: أن رسول الله ﷺ كان يتعوَّذ بالله من عذاب القبر في كلِّ صلاة، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «دخَلَتْ علَيَّ عجُوزَانِ من عُجُزِ يَهُودِ المدينةِ، فقالَتَا لي: إنَّ أهلَ القُبُورِ يُعذَّبُونَ في قُبُورِهِم، فكَذَّبْتُهُما، ولم أُنْعِمْ أنْ أُصدِّقَهُما، فخَرَجَتا، ودَخَلَ عليَّ النبيُّ ﷺ فقُلتُ لهُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ عَجُوزَيْنِ، وذَكَرْتُ لهُ، فقالَ: «صَدَقَتا، إنهُم يُعذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البهَائِمُ كُلُّهَا»، فمَا رَأَيتُهُ بعدُ في صلاةٍ إلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» [متفق عليه].
ومنها: أمرُه ﷺ بالاستعاذة بالله من عذاب القبر في التشهد الثاني في الصلاة، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» [رواه مسلم (588)].
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُعَلِّمُهُم هذا الدُّعاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ منَ القُرآنِ، يقُولُ قُولُوا: «اللهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بكَ من عذابِ جهَنَّمَ، وأعُوذُ بكَ مِن عذابِ القبرِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنَةِ المسيحِ الدَّجَّالِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنَةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ»، قالَ مُسلِمُ بنُ الحجَّاجِ: بلَغَني أنَّ طَاوُسًا قالَ لابنِهِ: أَدَعَوْتَ بهَا في صلاتِكَ؟ فقالَ: لا، قالَ: أَعِدْ صلاتَكَ، لأَنَّ طَاوُسًا رواهُ عن ثلاثةٍ أو أربَعَةٍ، أو كَمَا قَالَ» [رواه مسلم (590)].
ومنها: ذِكْرُه ﷺ سبب عدم دعائه بأن نسمع عذاب القبور خشية أن يُفضي إلى ترك دفننا للموتى، فعن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه قالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشْرَاكِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» [رواه مسلم (2867)].
ومنها: ذِكْرُه ﷺ بعض أسباب عذاب القبر، فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «مَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على قَبْرَيْنِ، فقالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ، أمَّا هذا: فكَانَ لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِهِ، وأمَّا هذا: فكَانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ» [رواه البخاري (1361)].
مقدمة الخطبة الثانية
إِنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه.
نص الخطبة الثانية
أمَّا بعدُ:
فيا أيها المسلمون: لقد أجمعَ السلف الصالح على أن عذابَ القبرِ ونعيمَهُ حقٌّ، وأكَّد العلماءُ على مرِّ العُصور إثبات ذلك، ووجوب الإيمان به، والرَّدِّ على مَن أنكره من الملاحدة والفلاسفة والزنادقة، وبعض الفرق الضالة المنحرفة، وبيَّنوا أن ذلك يتضمَّن تكذيب ما تواترت النصوص الشرعية على إثباته، وما أجمع المسلمون على إقراره والإيمان به.
عباد الله:
وقد دلَّت السُّنَّة على أن للقبرِ ضغطة أو ضمَّة على كلِّ ميِّتٍ، صغيرًا أو كبيرًا، قال ابن حجر: "وصَحَّ أن القبرَ يُضمُّ على كلِّ ميت" انتهى.
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ قالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمًا إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ سَبَّحْتَ؟ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ ﷺ: «لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ» [رواه النسائي في الكبرى (8224) والإمام أحمد (14916) وحسَّن إسناده محققو المسند].
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه «أأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ صَبِيَّةٍ فَقَالَ: «لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ» [رواه عبد الله في السنة (1435) والطبراني في الأوسط (2753) وصححه الحافظ ابن حجر].
نسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير وأن يغفر لنا ويتجاوز عنا بمنه وكرمه.
***
عنوان الخطبة
لباس المرأة المسلمة
مقدمة الخطبة الأولى
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه، كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا المتكاسلة عمَّا أمِرت به، السِّراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر، خلق الإنسان وبصَّره بما في الحياة من خير أو شر: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا3﴾ [الإنسان:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها دار حصنٍ عزيز، تمنع أهلها، وتحرز من لجأ إليها، وبها تُقطع حُمَة الخطايا، فهي النجاة غدًا، والمنجاة أبدًا بفضل الله.
أيها الناس! إن البشر بعامة محكومون بحدودٍ وأعلام، يتقاسمها في الأساس فطرة الله التي فطر الناس عليها، وشريعة من الأمر أُمِر الناس باتباعها على هدىً وبصيرة، وهم إبَّان ذلك قد يضعفُون أمام تلك الحدود والمعالم إلى درجة الخِذلان المنبثق من التهاون واللامبالاة، أو قد يشتدون مع منافع زهرة الحياة الدنيا إلى حد الطغيان: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ 6 أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ7﴾ [العلق:6-7] والمؤمن الكيِّس مطلوب منه التماسك والرباطة على حالَيه كلتَيهما، إذ أن ترامي الغرائز يمنة ويسرة يتقاذفها ريح الهوى في كل اتجاه، دون أن تخضع مذعنة لحدود الفطرة والشرع، هي لا بد منتهية بأصحابها إلى بلاءٍ عريض، فإن الباري جلَّ وعلا لم يخلق الغرائز لبني آدم لتكون محلًا للسطو أو الختل أو التلفظ بأعراض الآخرِين، ولا خلقها ليتعبد بعضَ الناس بقتلها والعبث بها دونما سياج وحماية يحكمان محالَّها.
المرء الإنسي في هذه الحياة تتبدى له عورتان اثنتان، يتجاذب الاهتمام بسترهما والحرص على مواراتهما: ﴿... فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ ...﴾ [الروم:30] والتي يتم تنشيطها والإحسان بتمامها نداءات حية من شريعتنا الغراء.
ومن هذا المنطلق حرص الإنسان السوي على أن يواري عورتَيه وسَوءتَيه أشد المواراة، عورته الجسدية وعورته النفسية أو المعنوية.
وأصل البشرية أبَوان كريمان، ابتدأ الامتحان بالعورات بهما، وأين هذا الامتحان؟ إنه في جنة الخلد: ﴿... وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ﴾ [طه:120]، ﴿فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا...﴾ [الأعراف:20].
لقد حرص الشيطان على أن يقضي ابتداءً على عنق الزجاجة ومكمن الحياء، وهو الستر: ﴿فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ...﴾ [طه:121] يخصفان عليهما خجلًا من تعريهما، إذ لا يتعرى ويتكشف إلا من فقد فطرته!
ويا لله لقد نسي آدمُ فنسِيَت ذريتُه.
أيها المسلمون! إن الستر فطرة تجعل المجبول عليها لا يأذن للعوادي أن تكشفه كائنة ما كانت، ولو اضطر يومًا ما على أن يُبدي سوأته الجسدية لِضُرٍ أَلَمَّ به، فسيكون ذلك على استحياءٍ وخجلٍ شديدَين أمام طبيبٍ أو نحوه، الضرورة كامنة وراء استسلامه بذلك، وقولوا مثل ذلك في العورة القلبية وما يكون من أحوال مشينة تصدر من نفس المرء ويخشى أن يطلع عليها غيره، على حد قول النبي ﷺ: «وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» [رواه مسلم (2553)]
وجماع الأمر في العورَتين -عباد الله- هو قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ26﴾ [الأعراف:26].
لقد امتن الله جلَّ وعلا على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش الذي يوارون به سوءاتهم.
فباللباس تستر العورات عن أعين بني آدم.
باللباس يُكْبَحُ جماح الشهوة الطاغي، ويُكَفْكَفُ اللحظ ومُماداة البصر عن أن ينطلق إلى ما لا يُرضي الله.
باللباس -أيها الناس- تستر المرأة أنوثتها، وتحفظ كيانها عن أن تكون عِلْكًَا ملتصقًا بأحذية لصوص المرأة وأيدي العابثين، حتى تصبح جوهرة في صدفة لا ينظر إليها إلا الخواص وهم الأزواج.
باللباس والستر يقدم المرء رِجْلًا أو يؤخرها إذا ما امتدت نفسه إلى خِطبة امرأة بحلال.
باللباس -أيها المسلمون- يُعرف الذكور والإناث عن مدى احتشامهم واستقامتهم وحبهم للستر مظهرًا ومخبرًا، وبه تُعرف الأسر المصونة من غيرها.
باللباس والستر قد يُحمى ركنٌ أساس مما أجمع عليه الأنبياء والرسل قاطبة، وهو حماية العرض والنسب.
ثم إنه بالريش والرياش يتجمل الإنسان ظاهرًا، إذ لباسه من الضروريات الجسدية، والريش والرياش من التحسينيات والزيادات التي يتمتع بها المرء وفق ما شرعه الله له دونما إسراف على حد قوله ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبِسُوا وَتَصَدَّقُوا مِنْ غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى نِعْمَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ» [أخرجه النسائي (٢٥٥٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥) واللفظ له، وأحمد (٦٦٩٥) وحسنه الألباني]
وذكر البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "كلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيْلَةٌ". [علقه البخاري في أول كتاب اللباس، وأخرجه ابن أبي شيبة 8/405 وابن ماجه (3605)]
ولا غروَ -أيها المسلمون- في مقابل نعمة اللباس والامتنان بها أن يشرع الحمد مِن قِبَل المرء على ما يكسو به معيبه، ويواري به سوأته.
والأمر -عباد الله- ليس حكرًا على ستر العورة الحسية الجسدية فحسب، بل إنَّ لباس التقوى وستر التقوى خير ما يتجمل به المرء؛ إذ ما عسى ستر البدن أن ينفع إذا كان القلب عاريًا؟!
استيقظ رسول الله ﷺ ذات يوم، «فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! كَمْ فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ الْيَوْمَ؟! أَيقظُوا صُوَيْحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري (5844)].
أيها المسلمون! الفِطَر السليمة والأنفس السوية تجفل بطبعها من ظهور السوأتين، وتحرص أشد الحرص على مواراتهما، والذين يحاولون في تبعيتهم النكوص عن هذه الحقيقة على علم أو جهل بما يطلقون من دعوات هنا وهناك عبر ألسنتهم وأقلامهم ومقدراتهم لتأصيل هذه المعرَّة، هم الذين يريدون سلب خصائص فطرة الإنسان، وهم الذين ينفِّذون بالحرف الواحد المآرب الصهيونية الرهيبة عبر مقرراتهم المرقومة؛ لإشاعة الانحلال بين بني الإسلام.
وإن تعجبوا -عباد الله- فعجبٌ أن اليهود هم أول من شنَّ الحرب على نزع الستر وإظهار السوأة منذ أن تآمر رجلان منهم في سوق بني قينقاع على نزع حجاب امرأة وكشف سوأتها، حينما كانت جالسة في السوق، فربطوا خمارها بطرف ثوبها، فلما قامت واقفة بدت سوأتها للناس، فاستغاثت بمن حولها، ثم توالت بعد ذلك أحداث شبيهة
كما ذكر ابن الأثير في كامله عن شابين من قريش رأوا امرأة جميلة من بني عامر في سوق عكاظ، وسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت، فامتهنها أحدُهم، فاستغاثت بقومها حتى كان ذلك سببًا في اليوم الثاني من أيام حروب الفجار المشهورة.
العري -أيها المسلمون- سِمة حيوانية بهيمية، ولا يميل إليه إلا من هو أدنى من الإنسان، ومتى رؤي العُري والتعرِّي جمالًا وذوقًا وتقدمًا ومسايرةً لركب الغافلين فقولوا على الفطرة: السلام، ولتبدأ الآذان صاغية في سماع ما يُبكي ويُحزن من مآسي الفتن، والتنويع في الانسلاخ، والتجرد عن قيم الإسلام، ناهيكم عن سوء العواقب المخزية، وحينئذٍ فإنا واقعون ولا محالة فيما حذرنا منه الباري بقوله: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ...﴾ [الأعراف:27].
عباد الله! إنَّ لنا في كل يوم أجناسًا من الذكور والإناث تنمو غضة رقيقة، لا يتعهدها أحدٌ بسقي ولا رعاية، حتى تصيبها الجائحة فتجف وتذبل، كما أن عواقب التغريب والاستسلاخ والاستنساخ أوزارها تحطم أعراقًا متينة من الستر والحشمة طالما أظلت وسقت حتى اجتُثت، فلا بواكي لها.
وفي الوقت نفسه! تزهر أفئدة من بني الجنسَين، ثم تُؤتي أُكُلها ثمرًا ناضجًا حلوًا، فلا يُوجد في بعض الجمهور مستبشرًا بها، غير سالم من وكزات دعاوى التخلف، ومعرَّة ما يُسمى: مشي الرجوع على حد زعمهم!
لقد صعدت أجيال تنكَّرت لماضيها وأعراقها التي أصلتها وحكَمَتها شريعة الإسلام.
أقحم أناس أنفسهم في الميدان، وجعلوا التحسين والتقبيح خاضعًا لممارسات الحضارة الغربية وطيشها، تبدل الوزَّان وبقي الميزان مختلًا وقطبه مائلًا، وصناجه ضائع، حتى إن أحدنا ليجد بين الأم وبنتها، أو بين الأب وابنه في صورة اللباس وما يُشاكله من البَون الشاسع ما يُعادل قرنًا كاملًا من الزمان.
ألا ما أكثر الأحياء فينا وهم قتلى؟! ذكور وإناث يلبسون لباسًا لم يُفصَّل لهم، ولم يُقَس عليهم، وإنما خِيْطَ لغيرهم، فأخذوه بلا إصلاح، ومشوا به فرحين كما يمشي الطفل بحُلة أبيه، يتعثر بها، فيسقط سقطات يكون بها محلًا للضحك والتندُّر.
إن الخلل الذي تعيشه جملة من الشعوب الإسلامية في قضية اللباس والستر، إنما كان منشأه من ممارسات خاطئة في كيفية التعامل مع الحضارة المدنية في كافة شئونها الحياتية، وفي المفاهيم المغلوطة لمعاني التقدم الحية، مما علق مواهبهم وقدراتهم عن تسخيرها باقتدار، حتى التحقوا بالركب المتقدم عن طريق التشبه به، والاقتباس منه، وعذرهم في ذلك أنهم يريدون النهوض بأنفسهم وأمتهم من وهدة النمو إلى مصاف الأمم المتحضرة، ولم يعد للشرع ولا للفطرة في بعض الأفئدة إلا النسبة الأساس.
وإذا رأيت ثوب المفتون بهم يستر بعض العورة فاعلم أنه صورة لما عندهم من الأنموذج الجديد.
إن الإصابة بحمى اللباس ليست على درجة واحدة بين المسلمين، إذ منهم من شمل السفور والحسور والتشبه، نساءه ورجاله، أو الكثرة منهم، ومنهم من ظهر فيهم واستعلن، وإن لم يعم ويشمل، ومنهم من بدأ يقرع أبوابهم ويضع إحدى قدميه، إن لم تكن وُضِعَتا كلتاهما.
حدثوا -أيها المسلمون- ولا حرج! عن انهماك (المجوع) بما يسمى على لغة العصر: الموضة؛ حيث يتلاعب مصممو اللباس بنفسيات الجنسَين في جذب أنظارهم تجاه كل لباس مستحدَث، مهما كان انسلاخه من معاني الرجولة، أو سمات الأنوثة العفيفة المصونة، استنزاف للأموال، واستخفاف بالرعاع، ونشر للفاحشة كيفما نشر، بعرض المفاتن، وسبل الإغراء، حتى أصبحت الموضة متكئًا للإثراء ووأد العفاف لدى كثير من الشعوب.
والزمن كفيل في أن يثير جمهور اللاهثين في قبول الإحداث المتجدد المتراوح بين انتشار ما يُلبس دون الركبة أو فوقها، أو ما يُفتح من الجانبَين ليبدو ما يتمنى المرء المسلم معه الموت ولا أن يرى يومًا ما شيئًا من ذلك في محارمه أو أقاربه، ولا أن يكون ضحية لمشاهدة ما يستفز العيون من محاجرها، مشرئبة لتتقد كوامن الشهوة كالنار المتأججة في الصدر، والتي يُتَرْجم عوارها عبر جوارح المغفلين.
إنه التفنن في إذابة الأعراف وإغراء الشعوب بما يُبعدهم عن ربهم وخالقهم، التفنن في تعويد المرأة على أن تبدو سافرة، وعلى أن تقنع نفسها بأن حياتها ومستقبلها مُرتهن بما تبديه من إغراء، وتفنن في عرض التقاسيم البدنية عبر مدارك الأزياء المتجددة، التي ربما كان المشي بها أصعب من مشي على حبل مما بها من ضيق، أو كمشي المجندل بالحديد، ولن تستطيع صعود درجة إلا بكشف ساقيها، والمتحجبة منهن ربما تفننت في تقشيب الحجاب وإحالته إلى وضع أشد فتنة من ثوبها وصورة وجهها، ولطالما فتنت بعض العباءات السود ألبابَ الرجال؛ فكم من عباءة هي في الحقيقة أشد ما تكون إلى عباءة أخرى تسترها؟!
وأما الشباب فحدثوا ولا حرج عن تململهم بلباسهم الرجولي، وغدَوا في إشفاق مشين بلباس أهل الفن والمجون، حتى لقد أصبح المرء الغيور يرى من أحوالهم ما يحترق به بصره مرة تلو الأخرى أهكذا زي شباب المسلمين؟!
إن أحدنا ليضع كفه على ذقنه ويقرع سنه حيرةً، يُسائل نفسه: لِمَ، ومم، ولأي شيء يستنكف الناس لنداءات الفطرة، وحدود شرعة الله ومنهاجه؟!
إن مردَّ ذلك كله إلى إفساد البنت والشاب؛ إذ معظم ممتهني دور التصاميم والأزياء هم من اليهود في عواصم الغرب، فهم بيوت الألبسة ومصمموها، وهم أساتذة التجميل ودكاكينه.
بل لَمْ يكتفِ أولئك بعقلاء الجنسَين حتى امتدت مآربهم إلى مَن هُم قبل سن التكليف من صبيان وبنات، فأُشربوا من خلال ملابس الأطفال المنتشرة في المعمورة، والتي لا تمت للحشمة بصِلَة، أشكال وألوان من الضيق تارة، ومن العاري أخرى، ومن القصير الفاضح كرَّات وتارات! هي ملأى بالصور أو بالعبارات الرقيعة، قد لا يفهم جُلَّ اللابسين المراد منها، ولا تسألوا بعد ذلك عن حال الطفل أو الطفلة بعد الكبر، إنَّ كُلًّا منهما لَمْ يُعَوَّد يومًا ما على الستر الشرعي.
إن الأب والأم إن كُتِبَ لهما الوعي والحرص بعد ذلك على سترهما سيجدان المرارة والعي في الإقناع به، وللأبوَين نقول:
اليدان أوكتا والفم نفخ!
وعند سؤال المكابرين منهم يقولون: ماذا نفعل؟! هكذا يلبس الناس، وهكذا يريد الناس، ولَعَمْرُ الله -أيها المسلمون- كم يجلس الغيور الصادق يبحث جاهدًا لأطفاله، متسوقًا في كل مجمع، يعز عليه أن يجد المكسي من الثياب، ويعيه طِلابه، فالله المستعان!
إن هذه المفاهيم والأخطار المدلهمة ينبغي ألا يُفهم إنكار المصلحين لها على أنهم يريدون بها التحجيم أو الإبقاء على القديم من كل وجه؛ بحيث يظن البعض أن المراد هو الإلزام بكل ما كانت تلبسه أمهاتنا ومَن وَلَدْنَهُم، أو آباؤنا ومَن وَلَدُوهم، كلا.
إن الشرع لم يلزم بذلك، وإنما منع من كشف العورات، ومن لبس ما يخدش الحياء أو يبرز المفاتن، وترك لنا في الجملة اختيار الزي الذي يلائمنا ويسترنا مهما تجددت صورتُه؛ ولكن علينا ألا نرى الستر عيبًا والعفاف عارًا، وحسبنا تذكيرًا برؤوس غيرنا، ونظرًا بعيون عدونا المترمدة.
وقد سأل رجل ابن عمر: "ماذا ألبس من الثياب؟ فقال: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء" [رواه الطبراني في المعجم الكبير (13051)]
ثم اعلموا -أيها المسلمون- أننا لو جمعنا ألف شاب، وأجلبنا لهم عشرات الوعاظ ليلقنوهم الصيانة عامًا كاملًا، ثم يُجلب لهم كاسية عارية تترامى مفاتنها في كل اتجاه لَهَدَمَت في ثوانٍ معدودة ما بناه أولئك في عام.
فاتقوا الله معاشر المسلمين! والحذار الحذار من الوقوع في فتنة اللباس، والخروج به عن مقصوده ومبتغاه، ولا يغوينكم الشيطان بزخرف من القول والعمل: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 32﴾ [الأعراف:32].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة، أقول ما سمعتم، إن صوابًا فمن الله، وإن خطًا فمن نفسي والشيطان؛ وأستغفر الله
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه.
نص الخطبة الثانية
أما بعد:
فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن للباس والزينة شأنًا عظيمًا في ملة الإسلام، وما جاء في ذلك من الكتاب والسنة ليحل محلًا كبيرًا في الأسفار والتصاميم، فقد عقد أهل العلم في كتبهم أبوابًا وفصولًا مستقلة تخص اللباس وحده، ومن خلال الاستقراء والتتبع وُجد أن الأسباب الداعية إلى تحريم بعض الألبسة لا تخرج عن واحد مما سيأتي:
فمن ذلك: التحريم بسبب ما يُفضي إليه من فتنة:
كظهور عورة المرأة، أو تجسيد جسمها وتقسيمه، أو إخراج العينين، أو الوجه، أو الكفين أو نحو ذلك مما هي مأمورة بستره، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ...﴾ [الأحزاب:59]، قال ابن كثير رحمه الله: "الجلباب هو: الرداء فوق الخمار".
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن حاجة أن يغطين وجوههن فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة" [تفسير الطبري 20/324]
وبهذا يُعلم -أيها المسلمون- أن ما تقوم به جملة من النساء اليوم من تغطية الوجه مع إخراج العينين وما جاورهما من الحواجب وطرف الأنف وشيء من الخدين أن هذا كله خطأ واضح، ومسلك مشين.
فيا لَلَّه ماذا أبقت المرأة من جمالها حينئذٍ؟! إنها بمثل هذا ربما سترت القبيح، وأبرزت الحسن، والشارع الحكيم أذن لها بإبراز إحدى العينين لترى بها الطريق، لا أن يراها أهل الطريق.
وسبب آخر من أسباب التحريم، وهو: ما يكون لأجل الشهرة والتباهي والخيلاء:
لقوله ﷺ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أخرجه أبو داود (٤٠٢٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٩٥٦٠)، وابن ماجه (٣٦٠٧)، وأحمد (٦٢٤٥) وصححه الألباني]
وكذا إسبال الثياب وجرها أسفل الكعبين سواءً أكان ذلك خيلاءً أو لم يكن، ولا ينبغي أن يُفَرَّق بين من يُسبل لأجل الخيلاء ومن يسبل بلا خيلاء، والجواب الصحيح في ذلك: هو أن ما أسفل الكعبين إذا لم يكن خيلاء فهو في النار، وأما إذا كان خيلاء فإن العذاب يكون أشد؛ لقوله ﷺ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيْلَاءً لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه الشيخان]، وفي رواية: «مَا أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» هذا في حق الرجل، وأما في حق المرأة فإنها تسبل ثوبها حتى يغطي قدميها؛ لأن القدمين عورة بالنسبة لها.
وسبب ثالث من أسباب التحريم، وهو: التشبه: كتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء في اللباس، أو التشبه بالأعاجم وأهل الكفر في زيهم، يقول عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما:
«رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَطَّرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ ثِيَابُ الْكَفَارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا» [رواه مسلم (2077)].
وفي الصحيحين: أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب لوُلاته: «وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلُبُوسَ الْحَرِيرِ» [رواه مسلم (2096)]
ومما قاله الفقهاء: يحرم من اللباس ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعاداتهم.
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينًا لهذه القاعدة العظيمة فيقول: "إن المشاركة في الهدي الظاهر تُؤلِف تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهَين، يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال، فلابس ثياب أهل العلم -مثلًا- يجد في نفسه نوع انضمامٍ إليهم وهكذا بالنسبة لثياب الجند المقاتلة، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى ألا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط".
وقولوا مثل ذلك -عباد الله- في مشابهة الفسقة من مغنين وفنانين من أهل الكفر وغيرهم ممن ليسوا على طريق الحق.
فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن الواجب والمسئولية على كل عاتقٍ نصيبه منها، من ولاة وعلماء ودعاة وأولياء أمور الأسر، كما أن على التجار مسئولية عُظمى تجاه ذلك؛ إذ عليهم أن يوجدوا البديل المباح، وأن يكفوا عن بيع ما يخدش الحياء، أو يكشف العورات، وليحذروا مغبة فعلهم، وليعلموا أن عليهم إثم ما يبيعونه، وإثم من يلبسه إلى قيام الساعة، من غير أن ينقص من أوزار من يلبسه شيء، وليحذروا الوقوع عن أن يكونوا بفعلهم هذا ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأنهم مسئولون عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيمَ أنفقوها؟
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.
***