المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم
المَعْلُومُ مِنْ وَاجِبِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الحَاكِمِ وَالمَحْكُومِ
المَعْلُومُ مِنْ وَاجِبِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الحَاكِمِ وَالمَحْكُومِ
لسماحة الشيخ العلامة
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَازٍ
رحمه الله
بيان حقوق ولاة الأمور على الأمة بالأدلة من الكتاب والسنة وبيان ما يترتب على الإخلال بذلك [1]
[1]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (9/93).
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّهِ ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيِّدنا محمَّد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فلا ريب أنَّ الله جلَّ وعلا أمر بطاعة ولاة الأمر والتعاون معهم على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، فقال جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النِّسَاء: 59].
هذا هو الطريق؛ طريق السعادة، وطريق الهداية، وهو طاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة ولاة الأمور في المعروف من طاعة الله ورسوله؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ...﴾ فطاعة ولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، فإن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء، والواجب طاعتهم في المعروف، أما إذا أمروا بمعصية الله سواء كان أميرًا أو ملكًا أو عالمًا، أو رئيس جمهورية، أو غير ذلك، فلا طاعة له في ذلك كما قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [2]، والله يقول: ﴿...وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ...﴾ يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول الله عز وجل: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡ...﴾ [التّغَابُن: 16] فالله أمر بالتقوى، والسمع، والطاعة، يعني: في المعروف؛ لذا فإن النصوص يشرح بعضها بعضًا، ويدل بعضها على بعض، فالواجب على جميع المكلفين التعاون مع ولاة الأمور في الخير، والطاعة في المعروف، وحفظ الألسنة عن أسباب الفساد، والشر، والفرقة، والانحلال؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿...فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ...﴾ [النِّسَاء: 59] أي: ردوا الحكم في ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله ﷺ في اتباع الحق والتلاقي على الخير والتحذير من الشر، هذا هو طريق أهل الهدى، وهذا هو طريق المؤمنين. [2]أخرجه البخاري من حديث علي رضي الله عنه، برقم (7257)، ومسلم برقم (1840).
أما من أراد دفن الفضائل والدعوة إلى الفساد والشر، ونشر كل ما يقال مما فيه قدح بحق أو باطل؛ فهذا هو طريق الفساد، وطريق الشقاق، وطريق الفتن، أما أهل الخير والتقوى فينشرون الخير ويدعون إليه ويتناصحون بينهم فيما يخالف ذلك، حتى يحصل الخير ويحصل الوفاق والاجتماع والتعاون على البر والتقوى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ...﴾ [المَائدة: 2] ويقول سبحانه: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ 1 إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ 3﴾ [العَصر: 1-3].
ومعلوم ما يحصل من ولاة الأمر المسلمين من الخير والهدى والمنفعة العظيمة من إقامة الحدود، ونصر الحق، ونصر المظلوم، وحل المشاكل، والقصاص، والعناية بأسباب الأمن، والأخذ على يد السفيه والظالم، إلى غير هذا من المصالح العظيمة، وليس الحاكم معصومًا؛ إنما العصمة للرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يبلغون عن الله عز وجل، لكن الواجب التعاون مع ولاة الأمور في الخير والنصيحة فيما قد يقع من الشر والنقص، هكذا فهم المؤمنون، وهكذا أمر الرسول ﷺ.
أمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور، والنصيحة لهم، كما قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَسْخَطُ ثَلَاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ» الحديث [3]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» – ثَلَاثًا – قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [4]، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» [5] ولمَّا سئل عن ولاة الأمر الذين لا يؤدون ما عليهم قال ﷺ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ» [6] فكيف إذا كان ولاة الأمور حريصين على إقامة الحق، وإقامة العدل، ونصر المظلوم، وردع الظالم، والحرص على استتباب الأمن، وعلى حفظ نفوس المسلمين ودينهم وأموالهم وأعراضهم، فيجب التعاون معهم على الخير وعلى ترك الشر، ويجب الحرص على التناصح والتواصي بالحق حتى يقل الشر ويكثر الخير. [3]أخرجه أحمد (14/400، 8799) عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن حبان (3388)، وصححه سماحة الشيخ كما في مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (12/352) (27/475). [4]أخرجه مسلم (55) من حديث تميم الداري رضي الله عنه. [5]أخرجه مسلم (1855) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه. [6]أخرجه البخاري (7052)، والترمذي (2190) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وقد منَّ الله على هذه البلاد بدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ومناصرة جد هذه الأسرة الإمام محمد بن سعود رحمه الله لهذه الدعوة، وحصل بذلك من الخير العظيم ونشر العلم والحق، ونشر الهدى، والقضاء على الشرك، وعلى وسائل الشرك، وعلى قمع أنواع الفساد من البدع والضلالات ما يعلمه أهل العلم والإيمان ممن سبر هذه الدعوة، وشارك فيها، وناصر أهلها.
فصارت هذه البلاد مضرب المثل في توحيد الله والإخلاص له، والبعد عن البدع والضلالات، ووسائل الشرك حتى جرى ما جرى من الفتنة المعلومة التي حصل بسببها العدوان على هذه الدعوة وأهلها، ثم جمع الله الشمل على يدي الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود والد الإمام فيصل بن تركي رحمة الله على الجميع، ثم على يد ابنه فيصل بن تركي، ثم على يد ابن ابنه عبد الله بن فيصل بن تركي، ثم حصلت فجوة بعد موت الإمام عبد الله بن فيصل رحمه الله، فجاء الله بالملك عبد العزيز ونفع الله به المسلمين، وجمع الله به الكلمة، ورفع به مقام الحق، ونصر به دينه، وأقام به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحصل به من العلم العظيم والنعم الكثيرة، وإقامة العدل، ونصر الحق، ونشر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، ثم سار على ذلك أبناؤه من بعده في إقامة الحق، ونشر العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة التعاون مع هذه الدولة في كل خير، وهكذا كل من يقوم بالدعوة إلى الله ونشر الإسلام والدعوة إلى الحق يجب التعاون معه في المشارق وفي المغارب، فكل دولة تدعو للحق، وتدعو إلى تحكيم شريعة الله، وتنصر دين الله يجب التعاون معها أينما كانت.
وهذه الدولة السعودية دولة مباركة نصر الله بها الحق، ونصر بها الدين، وجمع بها الكلمة، وقضى بها على أسباب الفساد وأمن الله بها البلاد، وحصل بها من النعم العظيمة ما لا يحصيه إلا الله، وليست معصومة، وليست كاملة، كل فيه نقص؛ فالواجب التعاون معها على إكمال النقص، وعلى إزالة النقص، وعلى سد الخلل بالتناصح والتواصي بالحق والمكاتبة الصالحة، والزيارة الصالحة، لا بنشر الشر والكذب، ولا بنقل ما يقال من الباطل؛ بل يجب على من أراد الحق أن يبين الحق ويدعو إليه، وأن يسعى في إزالة النقص بالطرق السليمة وبالطرق الطيبة وبالتناصح والتواصي بالحق هكذا كان طريق المؤمنين وهكذا حكم الإسلام، وهكذا طريق من يريد الخير لهذه الأمة، أن يبين الخير والحق وأن يدعو إليه، وأن يتعاون مع ولاة الأمور في إزالة النقص، وإزالة الخلل، هكذا أوصى الله جل وعلا... فالدين النصيحة، فمن أهم الواجبات التعاون مع ولاة الأمور في إظهار الحق، والدعوة إليه، وقمع الباطل والقضاء عليه، وفي نشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة بالطرق الشرعية.
ويجب على الرعية التعاون مع ولاة الأمور، ومع الهيئات، ومع كل داع إلى الحق، يجب التعاون على الحق وعلى إظهاره والدعوة إليه، وعلى ترك الفساد والقضاء عليه، هذا هو الواجب على جميع المسلمين، بالطرق التي شرعها الله في قوله سبحانه: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ...﴾ [النّحل: 125]، وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا...﴾ [فُصّلَت: 33].
وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ...﴾ [العَنكبوت: 46]، وفي قوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَ...﴾ [آل عِمرَان: 159] الآية.
وفي قوله عز وجل لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ44﴾ [طه: 44]، أما ما يقوم به الآن محمد المسعري وسعد الفقيه وأشباههما من ناشري الدعوات الفاسدة الضالة فهذا بلا شك شر عظيم، وهم دعاة شر عظيم، وفساد كبير، والواجب الحذر من نشراتهم، والقضاء عليها، وإتلافها، وعدم التعاون معهم في أي شيء يدعو إلى الفساد والشر والباطل والفتن؛ لأن الله أمر بالتعاون على البر والتقوى لا بالتعاون على الفساد والشر، ونشر الكذب، ونشر الدعوات الباطلة التي تسبب الفرقة واختلال الأمن إلى غير ذلك، وهذه النشرات التي تصدر من الفقيه، أو من المسعري أو من غيرهما من دعاة الباطل ودعاة الشر والفرقة يجب القضاء عليها وإتلافها وعدم الالتفات إليها، ويجب نصيحتهم وإرشادهم للحق، وتحذيرهم من هذا الباطل، ولا يجوز لأحد أن يتعاون معهم في هذا الشر، ويجب أن ينصحوا، وأن يعودوا إلى رشدهم، وأن يدعوا هذا الباطل ويتركوه.
ونصيحتي للمسعري والفقيه وابن لادن وجميع من يسلك سبيلهم أن يَدَعُوا هذا الطريق الوخيم، وأن يتقوا الله ويحذروا نقمته وغضبه، وأن يعودوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى الله مما سلف منهم، والله سبحانه وعد عباده التائبين بقبول توبتهم، والإحسان إليهم، كما قال سبحانه: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ53﴾ [الزُّمَر: 53] وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ54﴾ [الزُّمَر: 54 ] وقال سبحانه: ﴿...وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النُّور: 31] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والمقصود أن الواجب على جميع المسلمين التعاون مع ولاة الأمور في الخير والهدى والصلاح حتى يحصل الخير، ويستتب الأمن، وحتى يقضى على الظلم، وحتى ينصر المظلوم، وحتى تؤدى الحقوق، هذا هو الواجب على المسلمين التعاون مع الولاة، ومع القضاة، ومع الدعاة إلى الله، ومع كل مصلح في إيجاد الحق، والدعوة إليه، وفي نصر المظلوم، وردع الظالم وإقامة أمر الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، والتخلص من الباطل، ويجب التعاون والتناصح لمن حاد عن الخير فينصح ويوجه إلى الخير وأسباب النجاة حتى يحصل الخير العظيم، والمصالح العامة، وحتى يقضى على الفساد والشر والاختلاف بالطرق الشرعية، والناس في خير ما تناصحوا وتعاونوا على البر والتقوى، فإذا تعاونوا على الباطل وعلى الشر والفساد؛ ساد البلاء، ونزع الأمن، وانتصر الباطل، ودفن الحق، وهذا هو الذي يحبه الشيطان، والذي يدعو إليه شياطين الإنس والجن، فالواجب الحذر مما يدعو إليه شياطين الإنس والجن، والتواصي بكل أسباب الأمن، وبكل أسباب الخير والهدى، والتواصي بالتعاون مع ولاة الأمور في كل خير، ومع كل من يدعو إلى الخير، وإقامة أمر الله، وفي نصر الحق، وفي إقامة المعروف، والتعاون مع كل مصلح فيما يدحض الباطل، وفي التحذير من الباطل، والتحذير من أسباب الفرقة والاختلاف.
هذا هو الواجب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 2﴾ [المَائدة: 2] وقال جل وعلا: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ 1 إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ 3﴾ [العَصر: 1-3] وقال سبحانه: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ...﴾ [آل عِمرَان: 103] هذا هو الذي فيه النجاة، والإيمان الصادق، والعمل الصالح، والعاقبة الحميدة، وبهذا يكثر الخير، ويحصل التعاون على البر والتقوى، ويدحض الشر، وتأمن البلاد، ويستتب الأمن، ويحصل التعاون على الخير، ويرتدع السفيه المفسد، وينتصر صاحب الحق وصاحب الهدى.
ونسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفق الجميع للخير، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، وأن يعيذنا وإياهم من شرور النفس، وسيئات الأعمال واتباع الهوى، وأن يعيذنا جميعًا من مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن ينصر بهم الحق، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق أعوانهم للخير، وأن يعيذهم من كل ما يخالف شرع الله، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين.
كما نسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
وجوب الطاعة لولي الأمر في المعروف [7]
[7]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (9/ 103).
[روى] الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي» [8]، والله يقول في كتابه العظيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ...﴾ [النِّسَاء: 59] الآية. [8]أخرجه البخاري (2957) واللفظ له، ومسلم (1835) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
لكن هذا مطلق قيدته السنة، فالسنة والقرآن يقيد بعضهما بعضًا، فالمطلق في كتاب الله تقيده السنة، وهكذا المطلق في السنة يقيده القرآن والسنة، وهذا من المواضع التي قيدت بالسنة فالله قال: ﴿...وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ...﴾، وجاء في السنة الصحيحة: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [9]، فلا يطاع ولاة الأمور إلا في المعروف، وهكذا الوالد، والزوج، وغيرهما لا يطاعون إلا في المعروف، وهكذا شيخ القبيلة لا يطاع إلا في المعروف، للحديث المذكور، ولقوله ﷺ في الحديث الآخر: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» [10] ولما قال رسول الله ﷺ للصحابة رضي الله عنهم: «إِنَّهُ سَيَلِي عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، تَعْرِفُونَ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا اللهَ الَّذِي لَكُمْ» [11]، وفي اللفظ الآخر، قال: «فُوا لَهُم» [12]، وفي اللفظ الآخر قال: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [13]، وفي اللفظ الآخر قال: «مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ»[14]، فالسمع والطاعة لولاة الأمور مقيدة في الأحاديث الصحيحة بالمعروف. [9]سبق تخريجه. [10]أخرجه ابن أبي شيبه (33717) عن الحسن. [11]سبق تخريجه. [12]أخرجه أحمد (23372) عن حذيفة رضي الله عنه. [13]أخرجه البخاري (7055)، ومسلم (1709) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. [14]أخرجه مسلم (1855) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه.
سؤال: هناك من يرى أن اقتراف بعض الحكام للمعاصي والكبائر موجب للخروج عليهم ومحاولة التغيير، وإن ترتب عليه ضرر للمسلمين في البلد، والأحداث التي يعاني منها عالمنا الإسلامي كثيرة، فما رأي سماحتكم؟ [15] [15]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/202-207).
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد للَّه رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أمَّا بعد:
فقد قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النِّسَاء: 59]، فهذه الآية نص في وجوب طاعة أولي الأمر، وهم: الأمراء والعلماء، وقد جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ تبين أنَّ هذه الطَّاعة لازمة، وهي فريضة في المعروف.
والنُّصوص من السُّنَّة تُبيِّن المعنى، وتقيد إطلاق الآية بأن المراد: طاعتهم في المعروف، ويجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف، لا في المعاصي، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها؛ لقوله ﷺ: «أَلَا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» [16]، ولقوله ﷺ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [17]، وقال ﷺ: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [18]. [16]سبق تخريجه. [17]أخرجه مسلم (1848) عن أبي هريرة رضي الله عنه. [18]أخرجه البخاري (2955) ومسلم (1839) من حديث ابن عمر.
وسأله الصحابة رضي الله عنهم لما ذكر أنه يكون أمراء تعرفون منهم وتنكرون، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟، قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِى عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِى لَكُمْ» [19]. [19]أخرجه البخاري (3603)، ومسلم (1843) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [20]. [20]سبق تخريجه.
فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم، إلا أن يروا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادًا كبيرًا وشرًا عظيمًا؛ فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصر المظلوم، وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير، إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان؛ لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شرًا أكثر فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة.
والقاعدة الشرعية المجمع عليها: «أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه»، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا عندها قدرة تزيله بها، وتضع إمامًا صالحًا طيبًا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين، وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال... إلى غير هذا من الفساد العظيم، فهذا لا يجوز، بل يجب الصبر، والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير.
هذا هو الطريق السّوي الذي يجب أن يسلك؛ لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
مشروعية البيعة لولي الأمر على مقتضى الكتاب والسنة
قال سماحة الشيخ رحمه الله [21]: [21]فتاوى نور على الدرب (3/176).
الله شرع سبحانه أن يبايع ولي الأمر، على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وفي الأثرة على المبايع، كما بايع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم نبينا عليه الصلاة والسلام، فالبيعة تكون لولاة الأمور، على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يقولوا بالحق أينما كانوا، وألا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفرًا بواحًا، عندهم من الله فيه برهان.
وقال رحمه الله [22]: [22]فتاوى نور على الدرب (3/178).
البيعة من باب التأكيد على التزام الحق الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ، وهكذا ولاة الأمر بعده، الصديق وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، يلزم الرعية أن يطيعوهم في المعروف وإن لم يكن بيعة، لكن البيعة من باب التأكيد، ومن باب الإلزام بالحق؛ لهذا الذي ولاه الله أمر المسلمين، حتى يكون ذلك حافزًا للمبايع على السمع والطاعة بالمعروف، وعلى التزام الحق.
منهج السلف في نصح الولاة [23]
[23]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/210).
ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير.
أمّا إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل: فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله، فذلك واجب؛ لعموم الأدلة، ويكفي إنكار المعاصي، والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها، لا حاكمًا ولا غير حاكم.
ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه، قال بعض الناس لأسامة بن زيد رضي الله عنه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ افْتَتَحَهُ» [24]. [24]أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989).
ولما فتح الخوارج الجهال باب الشر في زمان عثمان رضي الله عنه، وأنكروا على عثمان علنًا؛ عظمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي رضي الله عنهما بأسباب ذلك، وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني، وذكر العيوب علنًا، حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه، وقد روى عياض بن غنم الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ»[25]. [25]أخرجه الإمام أحمد (15333)، والطبراني في مسند الشاميين (977)، وفي السنة لابن أبي عاصم (1096-1097).
نسأل الله العافية والسلامة لنا ولإخواننا المسلمين من كل شر، إنه سميع مجيب.
بيعة بعض الفرق المعاصرة لأمرائها وهم تحت ولاة الأمراء الشرعيين الطاعة
قال سماحة الشيخ رحمه الله [26]: هذه البيعة باطلة ولا يجوز فعلها؛ لأنها تفضي إلى شق العصا، ووجود الفتن الكثيرة، والخروج على ولاة الأمور بغير وجه شرعي، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [27]، وصح عنه ﷺ أنه قال: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطّاعَةُ فِيما أَحَبَّ وكَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [28]، وقال ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [29]، وقال ﷺ: «مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» [30]. [26]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (28/250). [27]أخرجه أبو داود (4607) واللفظ له، وابن ماجه (43) عن العرباض بن سارية، وأحمد (17185)، وصححه ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (1/136). [28]سبق تخريجه. [29]سبق تخريجه. [30]سبق تخريجه.
والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا، كلها دالة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، وعدم جواز الخروج عليهم، إلا أن يأتوا كفرًا بواحًا عند الخارجين عليهم فيه من الله برهان.
ولا شك أن وجود البيعة لبعض الناس يفضي إلى شق العصا، والخروج على ولي الأمر العام فوجب تركه، وحرم فعله [ولا أعلم من الشرع المطهر بيعة لغير ولاة الأمور، على السمع والطاعة] [31]، ثم إنه يجب على من رأى من أميره كفرًا بواحًا أن يناصحه حتى يدع ذلك، ولا يجوز الخروج عليه، إذا كان الخروج يترتب عليه شرًا أكثر؛ لأن المنكر لا يُزال بأنكر منه، كما نص على ذلك أهل العلم رحمهم الله، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم رحمة الله عليهما، والله ولي التوفيق. [31]فتاوى نور على الدرب (3/ 177).
مسألة: هناك من أبناء أهل السنة والجماعة من يرى هذا فكرًا انهزاميًا، وفيه شيء من التخاذل، وقد قيل هذا الكلام؛ لذلك يدعون الشباب إلى تبني العنف في التغيير [32]. [32]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/204-206).
الجواب: هذا غلط من قائله، وقلة فهم؛ لأنهم ما فهموا السنة ولا عرفوها كما ينبغي، وإنما تحملهم الحماسة والغيرة لإزالة المنكر على أن يقعوا فيما يخالف الشرع كما وقعت الخوارج والمعتزلة، حملهم حب نصر الحق أو الغيرة للحق، حملهم ذلك على أن وقعوا في الباطل حتى كفروا المسلمين بالمعاصي كما فعلت الخوارج، أو خلدوهم في النار بالمعاصي كما تفعل المعتزلة.
فالخوارج كفَّروا بالمعاصي، وخلدوا العصاة في النار، والمعتزلة وافقوهم في العاقبة، وأنهم في النار مخلدون فيها، ولكن قالوا: إنهم في الدنيا بمنزلة بين المنزلتين، وكله ضلال.
والذي عليه أهل السنة ـ وهو الحق ـ أن العاصي لا يكفر بمعصيته ما لم يستحلها، فإذا زنا لا يكفر، وإذا سرق لا يكفر، وإذا شرب الخمر لا يكفر، ولكن يكون عاصيًا ضعيف الإيمان فاسقًا تقام عليه الحدود، ولا يكفر بذلك إلا إذا استحل المعصية، وقال: إنها حلال، وما قاله الخوارج في هذا باطل، وتكفيرهم للناس باطل؛ ولهذا قال فيهم النبي ﷺ: «إِنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ»[33]. [33]أخرجه البخاري (3344)، ومسلم (1064)، من حديث أبي سعيد الخدري، وفي لفظ للبخاري: «ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ».
هذه حال الخوارج بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، فلا يليق بالشباب ولا غير الشباب أن يقلدوا الخوارج والمعتزلة، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفوا مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة، بالطرق الطيبة الحكيمة، وبالجدال بالتي هي أحسن، حتى ينجحوا، وحتى يقل الشر أو يزول ويكثر الخير.
هكذا جاءت النصوص عن رسول الله ﷺ، والله عز وجل يقول: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَ...﴾ [آل عِمرَان: 159].
فالواجب على الغيورين للَّه وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا حدود الشرع، وأن يناصحوا من ولاهم الله الأمور، بالكلام الطيب، والحكمة، والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى الله، وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم الله الأمر بشتى الطرق الطيبة السليمة، مع الدعاء لهم بظهر الغيب: أن الله يهديهم، ويوفقهم، ويعينهم على الخير، وأن الله يعينهم على ترك المعاصي التي يفعلونها وعلى إقامة الحق.
هكذا يدعو المؤمن الله ويضرع إليه: أن يهدي الله ولاة الأمور، وأن يعينهم على ترك الباطل، وعلى إقامة الحق بالأسلوب الحسن وبالتي هي أحسن، وهكذا مع إخوانه الغيورين ينصحهم ويعظهم ويذكرهم حتى ينشطوا في الدعوة بالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة، وبهذا يكثر الخير، ويقل الشر، ويهدي الله ولاة الأمور للخير والاستقامة عليه، وتكون العاقبة حميدة للجميع.
مسألة: يرى البعض: أن حال الفساد وصل في الأمة لدرجة لا يمكن تغييره إلا بالقوة وتهييج الناس على الحكام، وإبراز معايبهم؛ لينفروا عنهم، وللأسف فإن هؤلاء لا يتورعون عن دعوة الناس لهذا المنهج والحث عليه [34]. [34]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/213).
الجواب: هذا مذهب لا تقره الشريعة؛ لما فيه من مخالفة للنصوص الآمرة بالسمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، ولما فيه من الفساد العظيم والفوضى والإخلال بالأمن.
والواجب عند ظهور المنكرات إنكارها بالأسلوب الشرعي، وبيان الأدلة الشرعية من غير عنف، ولا إنكار باليد إلا لمن تخوله الدولة ذلك؛ حرصًا على استتباب الأمن وعدم الفوضى، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ على ذلك، ومنها: قوله ﷺ: «مَن وُلِّيَ عليه والٍ، فَرَآهُ يَأْتي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ ما يَأْتي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طاعَةٍ» [35]، وقوله ﷺ: «عَلى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وكَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ» [36] . [35]سبق تخريجه. [36]سبق تخريجه.
وقد بايع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وعلى ألا ينزعوا يدًا من طاعة، إلا أن يروا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والمشروع في مثل هذه الحال: مناصحة ولاة الأمور، والتعاون معهم على البر والتقوى، والدعاء لهم بالتوفيق والإعانة على الخير، حتى يقل الشر ويكثر الخير.
نسأل الله أن يصلح جميع ولاة أمر المسلمين، وأن يمنحهم البطانة الصالحة، وأن يكثر أعوانهم في الخير، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده، إنه جواد كريم.
واجب التعاون مع ولاة الأمور بالحكمة
قال سماحة الشيخ رحمه الله [37]: الواجب على العلماء أن يرشدوا الناس إلى توحيد الله وطاعته، ويتعاونوا مع ولاة الأمور بالحكمة، والأسلوب الحسن، والكلام الطيب، والنصيحة الطيبة وبالمشافهة والمكاتبة، واجتناب الألفاظ والوسائل التي قد تنفر من الحق، وقد تضر الدعوة، يجب على العلماء أينما كانوا أن يكونوا بصيرين في أمر الدعوة، وأن يتحروا الأسباب والوسائل التي يرجى من ورائها حصول المطلوب، وأن يحذروا كل سبب، وكل وسيلة يخشى من ورائها عدم حصول المطلوب، أو حصول ضده. [37]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (9/ 218).
وقال رحمه الله [38]: من أهم التقوى التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، واتحاد العلماء واجتماع كلمتهم على الحق، وإرشادهم العامة إلى أسباب النجاة، وتحذيرهم من أسباب الهلاك، ومناصحتهم ولاة الأمور وإعانتهم على الخير. [38]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (7/ 253).
وقال رحمه الله [39]: الواجب على ولاة الأمور العناية بالشريعة، وبذل الجهود في تطبيقها في كل شيء حتى يتحقق للعباد الأمن والسعادة والحياة الكريمة في هذه العاجلة، ويتحقق لهم بعد ذلك في الأخرى الأمن أيضًا من النار، والفوز بدار الكرامة والنعيم المقيم، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يحرض الناس دائمًا على القيام بأمر الله، ويحذرهم من ركوب محارمه، ويأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر لهم عاقبة من نفذ أمر الله، وعاقبة من تساهل بأمره جل وعلا؛ ليتعظوا وليتذكروا، ويبتعدوا عن محارم الله، ويحذروا عواقبها الوخيمة، التي وعد بها من عصى ربه، وركب محارمه سبحانه وتعالى. [39]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (2/ 269).
مسألة: يظن البعض أن مجافاة الكفار، ممن هم مستوطنون في البلاد الإسلامية أو من الوافدين إليها من الشرع، ولذلك يستحل قتلهم وسلبهم إذا رأوا منهم ما ينكرون [40]. [40]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/ 207).
الجواب: لا يجوز قتل الكافر المستوطن أو الوافد المستأمن الذي أدخلته الدولة آمنًا، ولا قتل العصاة ولا التعدي عليهم، بل يحالون فيما يحدث منهم من المنكرات للحكم الشرعي، وفيما تراه المحاكم الشرعية الكفاية.
مسألة: وإذا لم توجد محاكم شرعية؟
الجواب: إذا لم توجد محاكم شرعية، فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم حتى يحكموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده فيقتل أو يضرب فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التّغَابُن: 16]؛ لأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب يترتب عليه شر أكثر وفساد أعظم بلا شك ولا ريب لكل من سبر هذه الأمور وعرفها.
مسألة: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالذات التغيير باليد حق للجميع، أم أنه حق مشروط لولي الأمر ومن يعينه ولي الأمر [41]؟ [41]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/ 207).
الجواب: التغيير للجميع حسب استطاعته؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [42]. [42]أخرجه مسلم (49)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
لكن التغيير باليد لا بد أن يكون عن قدرة لا يترتب عليه فساد أكبر وشر أكثر، فليغير باليد في بيته: على أولاده، وعلى زوجته، وعلى خدمه، وهكذا الموظف في الهيئة المختصة المعطى له صلاحيات، يغير بيده حسب التعليمات التي لديه، وإلا فلا يغير شيئًا بيده ليس له فيه صلاحية؛ لأنه إذا غير بيده فيما لا يدخل تحت صلاحيته يترتب عليه ما هو أكثر شراً، ويترتب بلاء كثير وشر عظيم بينه وبين الناس، وبينه وبين الدولة.
ولكن عليه أن يغير باللسان، كأن يقول: (اتق الله يا فلان، هذا لا يجوز)، (هذا حرام عليك)، (هذا واجب عليك)، يبين له بالأدلة الشرعية باللسان، أما باليد فيكون في محل الاستطاعة، في بيته، أو فيمن تحت يده، أو فيمن أذن له فيه من جهة السلطان أن يأمر بالمعروف، كالهيئات التي يأمرها السلطان ويعطيها الصلاحيات، يغيرون بقدر الصلاحيات التي أعطوها على الوجه الشرعي الذي شرعه الله لا يزيدون عليه، وهكذا أمير البلد يغير بيده حسب التعليمات التي لديه.
مسألة: هناك من يرى أن له الحق في الخروج على الأنظمة العامة التي يضعها ولي الأمر كالمرور والجمارك والجوازات. إلخ، باعتبار أنها ليست على أساس شرعي؟ [43] [43]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/208).
الجواب: هذا باطل ومنكر، وقد تقدم: أنه لا يجوز الخروج ولا التغيير باليد، بل يجب السمع والطاعة في هذه الأمور التي ليس فيها منكر، بل نظمها ولي الأمر لمصالح المسلمين، فيجب الخضوع لذلك، والسمع والطاعة في ذلك؛ لأن هذا من المعروف الذي ينفع المسلمين، وأما الشيء الذي هو منكر، كالضريبة التي يرى ولي الأمر أنها جائزة؛ فهذه يراجع فيها ولي الأمر؛ للنصيحة والدعوة إلى الله، وبالتوجيه إلى الخير، لا بيده يضرب هذا، أو يسفك دم هذا، أو يعاقب هذا بدون حجة ولا برهان، بل لا بد أن يكون عنده سلطان من ولي الأمر يتصرف به حسب الأوامر التي لديه وإلا فحسبه النصيحة والتوجيه، إلا فيمن هو تحت يده من أولاد وزوجات ونحو ذلك ممن له السلطة عليهم.
من مقتضى البيعة الدعاء لولي الأمر [44]
[44]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/209).
من مقتضى البيعة النصح لولي الأمر، ومن النصح: الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلاح البطانة؛ لأن من أسباب صلاح الوالي، ومن أسباب توفيق الله له: أن يكون له وزير صدق يعينه على الخير، ويذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، هذه من أسباب توفيق الله له.
فالواجب على الرعية وعلى أعيان الرعية التعاون مع ولي الأمر في الإصلاح وإماتة الشر والقضاء عليه، وإقامة الخير بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، والتوجيهات السديدة التي يرجى من ورائها الخير دون الشر، وكل عمل يترتب عليه شر أكثر من المصلحة لا يجوز؛ لأن المقصود من الولايات كلها: تحقيق المصالح الشرعية، ودرء المفاسد، فأي عمل يعمله الإنسان يريد به الخير ويترتب عليه ما هو أشر مما أراد إزالته وما هو منكر لا يجوز له.
وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى إيضاحًا كاملًا في كتاب «الحسبة» فليراجع لعظم الفائدة.
[نسأل الله أن يوفق ولاة الأمور، من الأمراء والعلماء لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يعينهم على كل خير ويصلح لهم البطانة، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وإيانا وسائر إخواننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله] [45]. [45]فتاوى نور على الدرب (2/ 228).
مسألة: من يمتنع عن الدعاء لولي الأمر؟ [46] [46]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/209).
الجواب: هذا من جهله، وعدم بصيرته؛ لأن الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة للَّه ولعباده، والنبي ﷺ لما قيل له: إن دوسًا [47] عصت وهم كفار، قال: «اللهمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ»[48] فهداهم الله وأتوه مسلمين. [47]دوس: قبيلة الطفيل بن عمرو وأبي هريرة رضي الله عنهما وهم بنو دوس بن عدنان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نضر الأزدي، والأزد من قحطان، وبلاد دوس تقع الآن في منطقة عسير جنوب المملكة العربية السعودية. [48]أخرجه البخاري (2937) ومسلم (2524)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فالمؤمن يدعو للناس بالخير، والسلطان أولى من يدعى له؛ لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء، ومن أهم النصح: أن يوفق للحق وأن يعان عليه، وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء، فالدعاء له بالتوفيق والهداية، وبصلاح القلب والعمل، وصلاح البطانة من أهم المهمات، ومن أفضل القربات، وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: «لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان» [49]، ويروى ذلك عن الفضيل بن عياض رحمه الله [50]. [49]روى الخلال في السنة (ص83) عن الإمام أحمد أنه قال: «وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأرى له ذلك واجباً علي». [50]شرح السنة للإمام البريهاري (ص 108).