رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام

رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام

رَسُولُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

اللغة: العربية
إعداد: اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

رَسُولُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ

عيسى ابن مريم عليه السلام من أعظم أنبياء الله ورسله، أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل.

وُلد عليه السلام بمعجزة إلهية خارقة، من أمٍّ بلا أب، إذ أمر اللهُ تعالى المَلَك جبريل عليه السلام أن ينفخ الروح في مريم البتول الطاهرة، فحملت بعيسى عليه السلام من غير أن يمسها بشر، كانت تلك الولادة العجيبة تكريمًا لمريم وتجلّيًا لقدرة الله المطلقة الذي يقول للشيء كن فيكون.

لكنَّ هذه المعجزة لم تكن دليلًا على ألوهية عيسى كما زعمت النصارى، بل كانت برهانًا على قدرة الله وحده، فهو سبحانه خلق آدم من غير أبٍ ولا أم، وخلق حواء من رجلٍ بلا امرأة، وخلق عيسى من امرأةٍ بلا رجل، وذلك لأنه على كل شيء قدير.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ59﴾ [آل عمران: 59]

والمعنى: أن خلق عيسى عليه السلام من أمٍّ بلا أب ليس أعجب من خلق آدم عليه السلام من غير أبٍ ولا أم، فكلاهما خُلقا بأمر الله "كن"، ليظهر الله قدرته المطلقة على الخلق من غير الأسباب المعتادة.

الله جلَّ جلاله واحدٌ لا شريك له، لا والد له ولا ولد، منزَّهٌ عن كل نقص، متفرِّدٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، والقول بأن لله ولدًا يناقض التوحيد والعقل معًا؛ لأن الإله الحق لا يحتاج إلى ولدٍ ولا معين، ولا يمكن أن يشاركه أحد في ألوهيته، إذ لو كان معه إلهٌ آخر لفسدت السماوات والأرض.

قال الله تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ91﴾ [المؤمنون:91]

والمعنى: أن الله سبحانه منزَّه عن أن يكون له ولد أو شريك؛ لأن وجود أكثر من إله يؤدي إلى فساد النظام الكوني، ولو كان هناك آلهة متعددة لتنازعوا وتغالبوا، لكن الله واحد لا شريك له، له الخلق والأمر، سبحانه وتعالى عمَّا يصف المشركون.

وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ35﴾ [مريم:35]

والمعنى: أن الله سبحانه منزَّه عن اتخاذ الولد؛ لأن ذلك من صفات المخلوقين المحتاجين، أما الله تعالى فهو الغني الكامل، الخالق لكل شيء، لا يحتاج إلى ولدٍ ولا شريك، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، دلالةً على كمال قدرته وعظمته.

عيسى عليه السلام لم يدّعِ الألوهية قط، ولم يقل للناس: "اعبدوني"، بل قال كما أخبر القرآن الكريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا30﴾ [مريم:30]

وهذه الآية من أوضح الأدلة على بشرية عيسى عليه السلام، وأنه عبدٌ لله ورسولٌ من عنده، لا إله ولا ابن إله كما يزعم النصارى، فهو عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويذكّرهم بسنة الأنبياء من قبله، موسى وإبراهيم وسائر المرسلين.

كانت رسالته تجديدًا للتوحيد الذي جاء بها كل الأنبياء قبله، وتأكيدًا على أن الله وحده هو المستحق للعبادة.

المسلمون يحبون عيسى ويؤمنون بنبوته ويعتقون أنه من أفضل الأنبياء الذين أرسلهم الله، وأن الله أيده بكثير من المعجزات التي تثبت صدق نبوته، لكنهم يضعونه في مكانه الحق: نبيٌّ كريم، عبدٌ لله، أرسله لهداية قومه.

وقد بيَّن رسول الله محمد ﷺ أن عيسى عليه السلام سيعود في آخر الزمان ليكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويقيم العدل في الأرض، فيكون من أتباع شريعة الإسلام التي جاء بها محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين.

إنّ من أحبَّ عيسى عليه السلام حقًا فعليه أن يتّبع دعوته الحقيقية: عبادة الله وحده دون شريك، والإيمان بجميع أنبيائه، ومنهم خاتمهم محمد ﷺ الذي أنزل الله عليه القرآن كتابًا مصدقًا لما قبله من الكتب ومهيمنًا عليها، وعلى من يحب عيسى عليه السلام أن يدخل في الإسلام؛ لأن الإسلام هو دين التوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام وجميع الأنبياء.

قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ75﴾ [المائدة: 75]

والمعنى: أن المسيح عيسى ابن مريم ليس إلا رسولًا من عند الله، قد سبقه رسل كثيرون، وأمّه امرأة صِدِّيقة طاهرة، وهما بشران يأكلان الطعام كسائر الناس، وهذا دليل على بشريتهما واحتياجهما، فمن احتاج إلى الطعام احتاج بالضرورة إلى إخراج ما يأكله، وهذه سِمَةُ المخلوق الضعيف، فكيف يُعقَل أن يكون من له حاجات بشرية إلهًا يُعبد؟!

فالمسيح عليه السلام بشرٌ يأكل ويشرب وينام، ويصلي، ولا يعقل أن الرب سيتصف بصفات النقص؛ فالرب له الغنى المطلق، لا يحتاج إلى النوم ولا الطعام ولا الولد، له صفات الكمال والجلال؛ لكنَّ النصارى غيَّروا رسالة عيسى عليه السلام، وحرَّفوا الكتاب الذي أُنزل عليه، فاختلط الحق بالباطل، وتعدَّدت نُسَخ ما يُسمَّى اليوم بالكتاب المقدس، واختلفت تراجمُه، فظهرت بينهم عقائد متناقضة بعيدة عن الوحي الإلهي؛ فمنهم من جعل عيسى هو الله، ومنهم من قال هو ابن الله، ومنهم من اعتقد بالتثليث، وكل ذلك مناقض للتوحيد الذي دعا إليه جميع الأنبياء.

فبعث الله خاتم أنبيائه محمدًا ﷺ ليجدد دعوة التوحيد، وينذر من ضلَّ من أهل الكتاب عن الطريق المستقيم، ويحذِّرهم من هذه المعتقدات الباطلة.

قال الله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا4 مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا5﴾ [الكهف:4–5].

وقد جاء القرآن الكريم بدعوة النصارى إلى ترك الغلو في عيسى، والواجب على كل عاقل أن يستجيب لنداء خالقه، ويتبع الحق الموافق للعقل والفطرة، تأمل معي قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا171﴾ [النساء: 171].

والمعنى: أن عيسى عليه السلام رسولٌ من عند الله، خلقه الله بكلمته، أي: بأمره وقوله سبحانه: كن فيكون، ووصفه الله بأنه "روحٌ منه" أي: روح مخلوقة من عنده، أضافها الله إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ وتكريم، كما يقال: "بيت الله" و"ناقة الله" للتشريف والتعظيم، لا بمعنى أن الروح جزء من ذات الله، بل دلالةً على شرف المصدر وعظمة المخلوق؛ لأنه ولد بقدرة الله بدون أن يكون له أب، فالله سبحانه منزَّه عن الحلول في مخلوقاته أو التجسّد في أحدٍ من خلقه، وليس له شريك ولا مثيل ولا صاحبة ولا ولد.

فإن أردت أن تؤمن بعيسى الإيمان الذي يحبه الله ويرضاه فعليك أن تؤمن بما قاله الله في القرآن، وتدخل في الإسلام، وتقول هذه الشهادة مؤمنًا بها من قلبك: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه".

وبذلك تكون مسلمًا على دين التوحيد الذي جاء به عيسى وجميع المرسلين عليهم السلام.