الحقيقة المُبْهِرَة في العلاقة بين الإسلام والإنسان

الحقيقة المُبْهِرَة في العلاقة بين الإسلام والإنسان

الحقيقة المُبْهِرَة

اللغة: العربية
إعداد: د. علي بن مقبول العَمْري
الإصدار: 1.0
ترجمات 4
إنجليزي فرنسي فلبيني تجالوج صيني
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

الحقيقة المُبْهِرَة

في العلاقة بين الإسلام والإنسان

د. علي بن مقبول العَمْري

بسم الله الرحمن الرحيم

المقـدمــة

الحمد لله الذي كرَّم الإنسان بالنطق والبيان، والصلاة والسلام على النبي محمد وعلى سائر الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى بني الإنسان.

هذا كتاب سميته: (الإسلام والإنسان)، أهديه إلى جميع العقلاء .. وسيجدون فيه بيان تلك العلاقة القوية بين الإسلام وبين الإنسان .. وهي العلاقة التي بدأت منذ بداية خلق أب البشر آدم عليه الصلاة والسلام، لترسم لنا علاقة أبدية، لا تنقطع ولا في مرحلة واحدة من مراحلها، فهي تسير في صحبة دائمة .. بل إن صلاح الإنسان لا يكون إلا باستمرارية هذه العلاقة، والتي بدونها لن يتميز بتلك المميزات العظيمة التي أكرم الله تعالى بها الإنسان.

وقد حرصت أن أرسم هذه العلاقة الأبدية في محطات محسوسة، يعرفها جميع الناس، وهي محل اتفاق جميع العقلاء.

وقد قصدت من تأليف هذا الكتاب أن يكون مرشداً إلى كل من أراد أن يعرف العلاقة بين الإسلام والإنسان، بمفهومها الواسع، وقصدت مخاطبة جميع العقلاء، الذي أكرمهم الله تعالى بالعقول، التي هي من أعظم النعم التي أكرم الله بها الإنسان.

وبما أن الإسلام دين شامل، ودين يتميز بالمرونة؛ فإنه يصلح لكل زمان، ولكل مكان، وهذه الشمولية، وهذه المرونة؛ هما اللذان يقوم عليهما هذا الكتاب، وهما اللذان تتأسس عليهما العلاقة بين الإسلام والإنسان.

وسيجد القارئ لهذا الكتاب أن العلاقة بين الإسلام والإنسان ليست محصورة في التشريعات، والأحكام التي يحتاجها الإنسان لإصلاح حياته؛ بل تجاوزت ذلك إلى بناء العقل الإنساني بأسس التفكير الصحيح، والإشباع الروحي، الذي يزرع في النفس الطمأنينة، والشعور بالسعادة.

وحرصت أن يكون الكتاب في مجمله داعياً إلى التأمل والتفكير العميق في العلاقة القوية بين الإسلام والإنسان، وهي العلاقة الأبدية التي دعا إليها الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

راجياً التوفيق إلى الصواب لنفسي، ولكل عاقل يسترشد بالإسلام، الذي هو الدين الحق.

على بن مقبول العَمْري

جدة – جوال: 0505698764

العلاقة بين الإسلام والإنسان

ومن هنا تبدأ الحقيقة المبهرة بين الإسلام والإنسان ..

فإن العلاقة بين الإسلام والإنسان علاقة عظيمة، فإن الإسلام أوضح أن وحدة الأصل البشري؛ أن الله خلق الناس جميعاً من نفس واحدة، وأبوهم آدم عليه الصلاة والسلام وأمهم حواء، ووجود الاختلاف بينهم دافع إلى التعارف والتعاون والتكامل، وليس دافعاً للنزاع.

وعلاقة الإسلام بالإنسان علاقة شمولية، تهدف إلى تحقيق الخير والسعادة للإنسان، في الدنيا والآخرة.

فالإسلام يكرِّم الإنسان، ويعتبره مخلوقاً مميزاً، وقد جاء في القرآن: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ...﴾ [1]، ويؤكد على حقوقه، بغض النظر عن لونه، أو جنسه، أو عرقه. الإسراء: 70

والإسلام يعزِّز العلاقة بين الإنسان وخالقه، ويحث الإنسان على التوازن بين الدنيا والآخرة، ويحثه على السعي بتحقيق ذلك في الدنيا، مع التركيز على أن يكون هذا النجاح مرتبطاً بالقيم والأخلاق، مع الاستعداد للحياة الآخرة، جاء في القرآن: ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ ...﴾[2]. القصص:77

والإسلام يرسِّخ مبدأ العدل والمساواة بين الناس، ويحث على نبذ الظلم والاستبداد.

والإسلام يعتني بحاجات الإنسان الجسدية، والنفسية، والعقلية.

والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه خليفة الله في الأرض، مطالَباً بعمارتها بالخير والعمل الصالح، مع تحقيق الانسجام بين الجوانب الروحية والمادية في حياته.

والإسلام هو دين الله الذي بعث به جميع المرسلين، من أولهم نوح إلى آخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، قال الله في القرآن: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ...﴾[3]، فهو الدين الذي كرَّم الله به الإنسان. آل عمران: 19

والعلاقة بين الإسلام والإنسان تظهر في جميع مظاهر الحياة، سواء الحياة الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية، وتبدأ هذه العلاقة منذ أول يوم خلق الله فيه أب البشر آدم عليه الصلاة والسلام، حيث كرَّمه، وأمر ملائكته بالسجود له، ولمّا نزل إلى الأرض لم يتركه هملاً، بل أنزل عليه تشريعاً يضبط حياته، وجعل في ذريته الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكلهم يدعو إلى شرع الإسلام في شموليته، والتي ظهرت في كل ما يحتاجه الإنسان من الهداية إلى التصرفات الصحيحة.

وهكذا فإن علاقة الإسلام بالإنسان حاضرة في كل أموره الضرورية، وفي كل مكان يحتاج فيه الإنسان إلى المرشد الذي يقوده إلى الطريق الصحيح.

بل هي علاقة تمتد إلى ما بعد الحياة الدنيا، فالإسلام جاء بإصلاح حياة الإنسان في تلك الحياة الأبدية التي يسعد فيها أهل السعادة، ويشقى فيها أهل الشقاء، حيث جاء في القرآن: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ97﴾[4]. النحل: 97

الإسلام وتكريم الإنسان

(1)

لقد جاء الإسلام بالحقيقية المبهرة، وهو يدلل على كرامة الإنسان صريحاً في القرآن، والذي هو المصدر الأول للإسلام ..

ينظر الإسلام للإنسان بأنه خليفة الله في الأرض، كما جاء في القرآن: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ30﴾[5]. البقرة: 30

وكذلك ينظر الإسلام إلى الإنسان بأنه أكرم مخلوق على الأرض، كما جاء في القرآن: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا70﴾[6]. الاسراء: 70

والإسلام يشهد للإنسان بالتميز عن جميع المخلوقات بالعقل، الذي يميز به بين الصواب والخطأ، وبين النافع والضارـ ولذلك جعل مناط التكليف به، وأوضح الإسلام أن وحدة الأصل البشري هي: أن الله خلق الناس جميعاً من نفس واحدة، وجاء في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ ...﴾[7]. النساء: 1

وقد ظهر تكريم الإسلام للإنسان في أروع صوره، وفي بيان بليغ وواضح في أعظم مصادر الإسلام، وهو القرآن .. ومن صور تكريم الإنسان في الإسلام:

الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام:

لقد كانت هذه أعظم كرامة للإنسان، كما جاء في القرآن، حيث أمر الله تعالى ملائكته عليهم السلام بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، فسجد جميع الملائكة، ولم يمتنع عن السجود إلا إبليس، الذي كان جزاؤه الطرد من رحمة الله، والطرد من الجنة .. قال الله تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ34﴾[8] . البقرة: 34

التكريم ببعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:

ثم جاء في القرآن كيف وسوس الشيطان لآدم عليه الصلاة والسلام؛ حتى أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، فجاء أمر الله بنزوله إلى الأرض .. ولكن في الأرض كانت هنالك كرامة أخرى تنتظره، إذ جعله خليفته في الأرض، وأكرم مخلوقاته، وسخَّر له كل شيء في الأرض .. ثم كانت الكرامة الكبرى بأن جعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من ذريته، وأكرمهم الله بالكتب التي أنزلها عليهم ليسترشدوا بها، حتى تستقيم حياتهم في الأرض، ليقوموا بوظيفة الخلافة كاملة من غير إخلال.

فقد جاء في القرآن: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا8﴾[9]. النساء: 165

تفضيل الإنسان على جميع الخلق:

وهذه من صور الكرامة العظيمة التي دلّ عليها الإسلام، وجاءت صريحة في القرآن، بل إنك تجد في جميع ما جاء به الإسلام تكريماً للإنسان، كما ستراه في ثنايا هذا الكتاب.

وتكريم الإنسان على سائر الخلق جاء في القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا9﴾[10]. الإسراء: 70

تسخير جميع ما في الكون:

وهذه كرامة عظيمة لهذا الإنسان، وقد جاءت الإشارة إلى هذه الكرامة في القرآن في أكثر من موضع؛ للتنبيه على شرف الإنسان وكرامته.

ومنها: قول الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ32* وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ33﴾[11]. إبراهيم: 32- 33

ومنها: قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ13﴾[12] . الجاثية: 13

التكريم بمكارم الأخلاق:

لقد جاء الإسلام بالدعوة إلى الفضائل ومكارم الأخلاق، فالإنسان في الإسلام هو ذلك المخلوق الذي يحب الفضائل، ويكره الرذائل.

وقد جاء في القرآن وصف رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام بجمال الأخلاق، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ4﴾[13]. القلم: 4

بل قد جاء صريحاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام أن الإسلام الذي يدعو إليه يقوم على مكارم الأخلاق، التي هي أساس تكريم الإنسان، وتفضيله على الحيوان .. كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق) [14]. رواه البيهقي والحاكم في المستدرك.

هذه هي أسس تكريم الإنسان في الإسلام، ويظهر لك من خلالها المكانة العظيمة للإنسان في الإسلام، وأنه محور المخلوقات في هذا الكون.

الإسلام وشمولية حياة الإنسان

(2)

تظهر الحقيقة المبهرة في الإسلام ..

في ذلك المنهج المتكامل .. الشامل لكل مجالات الحياة، فهو إيمان، وعمل، وعقيدة، وشريعة، وعبادة، ومعاملة، وفكر، وعاطفة، وأخلاق، وعمران، واقتصاد، وسياسة، وإصلاح لكل مجالات الحياة.

ونقصد بالشمولية هنا القواعد، والقوانين، والنظم، التي تنظم حياة الفرد، والأسرة، والمجتمع، والعالم كله، وهذا المنهج هو الذي يحقق السعادة للبشرية.

ومن أعظم صور شمولية الإسلام: بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى جميع الناس، كما جاء في القرآن: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ158﴾[15]. الأعراف: 158

وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ28﴾[16]. سبأ: 28

ومن صور شمولية الإسلام: شمول أحكام الإسلام لشؤون الحياة: لقد جاء الإسلام بشريعة كاملة لكل ما يتعلق بمصالح الإنسان الدنيوية والأخروية. شؤونه الدنيوية: في بيته، وفي عمله، وفي سوقه، وفي إقامته، وفي سفره، وفي علاقاته مع الناس، وفي كل شؤونه، بل حتى في أطواره منذ أن كان في بطن أمه إلى أن خرج طفلاً، ثم شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وهكذا في جميع شؤونه.

ومن صور شمولية الإسلام: شمولية الخطاب الإنساني: لقد خاطب الإسلام الإنسان بدون تحديد لفئة بعينها، فقد جاء الخطاب في القرآن كثيراً بصيغة النداء: (يا أيها الناس)، وبصيغة: (يا بني آدم)، وقد أخبر القرآن عن تكريم جميع بني آدم في قول الله تعالى: ﴿ َلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾[17] . الإسراء:70

وفي هذه الآية جاء الخطاب إلى جميع الناس، من غير تمييز بدين، أو عِرق، أو لون، وذكرت الآية الخصائص التي يشترك فيها جميع بني آدم، وفي هذا بيان لشمولية الإسلام في خطابه الإنساني عندما يقتضي الحال العموم.

ومن صور شمولية الإسلام: شمولية التكافل الاجتماعي: ويظهر ذلك في حض الإسلام على التراحم، والبر، والإحسان للفقراء والضعفاء، بل حتى الإحسان إلى الحيوان، ويظهر هذا بوضوح في قصة الرجل الذي سقى الكلب في الصحراء، وبعد أن قص رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام قصته على أصحابه رضي الله عنهم، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لنا في البهائمِ أجرًا؟ فقالَ: (في كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ). [18]. رواه البخاري ومسلم.

وإذا كان هذا في الحيوان؛ فإن الإحسان إلى الإنسان يكون أعظم في الثواب، ويدخل في هذا التكافل جميع الخلق، وهو برهان على شمولية الإسلام في التكافل الاجتماعي.

ومن صور شمولية الإسلام: شمولية التنمية الاقتصادية: لقد حض الإسلام على عمارة الأرض، وهذه العمارة يستفيد منها جميع الناس، وهي عون للإنسان على القيام بوظيفته التي خلقه الله من أجلها، وهي: العبادة.

وجاء في القرآن: ﴿... هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا...﴾[19]. هود: 61

وكذلك تنمية موارد الإنسان الاقتصادية؛ ليعيش حياة طيبة كريمة، مليئة بالإنجاز والعمل.

ومن خلال هذه الصور يظهر لك أن شمولية الإسلام جاءت لتكريس سعادة الإنسان، وتهيئة الظروف الملائمة ليقوم بوظيفته العظمى، وهي: عبادة الله تعالى.

الإسلام واستمرارية الوجود الإنساني

(3)

تتجلَّى الحقيقة المبهرة في الإسلام ..

وهو يؤسس لتلك المحطة الضرورية .. التي ينطلق منها الوجود الإنساني في هذا الكون ..

إنه ذلك الرباط المقدس، الذي جعله الإسلام البداية الصحيحة لوجود الإنسان .. ومن خلال هذا الرباط سنرى كيف أن الإسلام حدد للإنسان بداية ضرورية عند الرغبة في تكوين الأسرة.

وقد جاء في القرآن الإشارة إلى هذا بوضوح في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ ...﴾[20] . النساء: 1

وقد جعل الإسلام الطريق الوحيد لوجود جنس الإنسان هو التزاوج المشروع؛ لأن في ذلك سعادة الإنسان نفسه، إذ أكرمه ولم يجعله كالحيوانات التي تتكاثر من غير زواج، وكان هذا من تكريم الإسلام للإنسان، كما جاء في القرآن: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا1﴾[21] . الإسراء: 70

وفي قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾؛ دليل صريح على تفضيل جنس الإنسان على جميع المخلوقات، وهذا شرف عظيم لهذا الإنسان، نجد أن الإسلام أشار إليه بوضوح.

ولهذه المكانة العظيمة للإنسان في الإسلام؛ فقد أراد له أن يكون وجوده في الأرض بوسيلة صحيحة، تحفظ له إنسانيته، وفضله على باقي المخلوقات.

فكان الزواج في الإسلام هو الطريق الصحيح لهذا التكريم .. ووضع الإسلام لهذا الزواج ضوابط، وحقوقاً، وواجبات، حتى تكون الثمرة منه ناضجة وصالحة.

ولذا نجد أن الإسلام جعل للزواج أهمية عظيمة كما جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ21﴾[22]. الروم:21

وفي هذه الآية تجد أن الإسلام لم يجعل الغاية من الزواج مجرد الشهوة الجنسية، بل جاء في الآية أن في الزواج سكن، ومودة، ورحمة، للزوجين، يسعدان بحياة مربوطة بعقد مقدس، يجب على الزوجين احترامه.

ولمَّا كان الزواج في الإسلام بهذه الأهمية؛ فقد جعل من أول شروطه الكفاءة في الدين والأخلاق، ولذا قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ؛ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِیضٌ) [23]. رواه الترمذي.

وإذا كان هذا في الزوج، فكذلك جاء نفس هذا الشرط في الزوجة، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (تُنْكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، ولحَسَبِها، ولجمالِها، ولدينِها، فاظفرْ بذاتِ الدينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) [24]. رواه البخاري ومسلم.

وبهذا تجد أن الإسلام أراد للإنسان بداية صحيحة لزواجه الذي سيكون نواة لتكوين الأسرة، والتي بصلاحها يصلح المجتمع، وإذا لم تكن البداية صحيحة فإن العلاقة بين الرجل والمرأة لن تكون صحيحة ولا سعيدة.

وحتى يتميز الإنسان بزواجه عن باقي المخلوقات؛ فقد اهتم الإسلام بالعلاقة الزوجية بين الزوجين، ولم يجعلها مجرد علاقة للرغبة الجنسية .. فقد جعل الإسلام حقوقاً للزوج على الزوجة، وحقوقاً للزوجة على الزوج، كما جاء في القرآن : ﴿... وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ ...﴾[25]. البقرة: 228

وقد جعل رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام من زواجه نموذجاً صادقاً للعلاقة الزوجية الصحيحة؛ عندما قال: (خَيْرُكُم خَيْرُكُم لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لِأَهْلِي) [26]. رواه أبو داود والترمذي.

ثم إن الإسلام أحاط الزواج بحصن قوي من الأحكام المتعلقة بالزوج: كالطلاق، والمهر، والنفقة، والسكن، والمبيت، وغيرها من الحقوق، وكذلك أحكام تتعلق بالزوجة: كطاعة الزوج، وحفظ مال الزوج وفراشه، وأحكام الحيض والنفاس، وغيرها من الأحكام.

وهكذا نجد أن الإسلام أكرم الإنسان بحياة منضبطة في التكاثر والتزاوج، وتجانس بديع في حياة زوجية رائعة وسعيدة .. ولذلك ستجد الحب والمودة بين الأسرة .. من زوج، وزوجة، وأبناء، وجد، وجدة، وأقارب وأرحام .. وبهذا التجانس تنضبط حياة البشر.

الإسلام والإنسان طفلاً

(4)

تظهر الحقيقة المبهرة للإسلام .. في ذلك البناء العجيب، الذي جعله الإسلام أساساً لتكاثر الإنسان في الأرض ..

فإن إنجاب الأبناء هو من أعظم ثمار الزواج، والذي جعله الإسلام هو الطريق الصحيح لتكاثر الإنسان.

وتكريم الإسلام للإنسان يجعل هذه الثمرة ليست كثمرة غيره من المخلوقات .. إذ إن الإسلام جعل من شرط هذه الثمرة أن تكون بزواج صحيح، وجعل لذلك التزامات، مثل: تحريم إجهاضه، ونسب الابن إلى أبيه، ووجوب النفقة عليه، واختيار الاسم الحسن، والفرح بقدومه، والتربية الحسنة، وحق الميراث من مال أبيه.

وبعد أن يخرج المولود إلى الدنيا؛ فإن الإسلام جعل له حماية كاملة في أسرة ترعى مصالحه حتى يكبر .. بل إن هذه العلاقة لا تنقطع حتى بعد أن يتزوج .. حيث تبقى علاقته القوية مع والديه، يبرهما إذا كبرا، وينفق عليهما إذا كانا فقيرين .. وكذلك العلاقة مع إخوته، حيث يسود بينهم المودة والمحبة، والتعاون ..

وإذا تزوج كانت هنالك علاقة أخرى، وحياة جديدة، حيث حقوق الزوجة، وحقوق الأبناء .. وهكذا تجد أن الإسلام شيَّد صرح الأسرة على التراحم، والتعاون ..

وتظهر عناية الإسلام بالطفل في أمور ضرورية يحتاج إليها الطفل، منها:

أولاً: الحنان والرحمة: فقد كان رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، إذا دخلت عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها؛ قامَ إليها فأخذ بيدها، وقَبَّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت فأخذت بيده فقبَّلته، وأجلسته في مجلسها[27]. رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

ثانياً: حق الرضاعة: وجعل له حق الرضاعة، ولأهميتها نزل الأمر بذلك في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ ...﴾[28]. البقرة: 233.

ثالثاً: العدل بين الأبناء: وقد ظهر هذا في أعلى صوره عندما أوجب الإسلام العدل بين الأبناء في كل شيْ حتى في التقبيل، فإذا قبَّل أحد أطفاله وأخوه موجود فيجب عليه أن يقبِّل الآخر، وأما العدل في عطية المال فقد ظهر بوضوح في قصة أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ عندما أراد أن يعطي أحد أبنائه عطية لم يعط مثلها لإخوته، وأراد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يشهد على هذه العطية، فقال له: (يا بشير، ألَكَ ولد سوى هذا)؟ قال: نعم، فقال: (أكُلُّهم وهبتَ له مثل هذا)؟ قال: لا، قال: (فَلَا تُشْهِدْني إِذاً، فَإِنِّي لَا أَشهد عَلَى جَوْر)، وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم) [29]. رواه البخاري ومسلم.

رابعاً: النفقة والتربية: أما النفقة: فقد أمر الإسلام الأب أن ينفق على أبنائه، ولا يهملهم، حتى قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (كفى بالمرء إثماً أن يُضيِّع من يقوت)[30]. رواه أبو داود.

وأما التربية: فيجب تربية الطفل على الصدق، ومكارم الأخلاق، وقد ظهر هذا واضحاً في إرشاد رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام لتلك المرأة التي دعت ابنها، وقالت له: ها تعال أعطيك، فقال لها: (وما أردت أن تعطيه)؟ قالت: أعطيه تمراً، فقال لها: (أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليك كذبة) [31]. رواه أبو داود.

خامساً: رحمة الطفل والإشفاق عليه: لقد راعى الإسلام إنسانية الإنسان منذ الطفولة، حيث جاء الأمر برحمة الطفل الصغير في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا) [32]. رواه الترمذي.

سادساً: تقدير رأي الطفل: لقد جعل الإسلام للطفل قيمة نفسية وشخصية، ولم يهمله، وقد ظهر هذا عندما قدَّموا للنبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة قدحاً، فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: (يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ)؟ قال: ما كنت لأؤثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله. فأعطاه إياه. [33]. رواه مسلم وابن ماجه.

سابعاً: حق الطفل في اللعب البريء: أباح الإسلام للطفل الاستمتاع بطفولته، ورفع عنه التكاليف حتى يبلغ، وقد رأينا هذا في نموذج صادق في تعامل رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، مع الأطفال، فقد كان يصلي ذات مرة، فجاء أحد أبناء ابنته فاطمة رضي الله عنها، فركب في ظهره وهو ساجد، فأطال السجود، فسألوه بعد الصلاة: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظَهْرَانَيْ صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظنَنّا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحَى إليك؟! قال: (كل ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني، فكرهت أن أعْجِله حتى يقضي حاجته)[34]. رواه النسائي وأحمد.

وهكذا فإن الإسلام حفظ للطفل إنسانيته قبل أن يخرج من بطن أمه، وبعد أن خرج إلى الدنيا، فوفَّر له الرعاية الجسدية، والرعاية الأخلاقية، والرعاية النفسية، ووفَّرَ له الأسرة، وهي المحضن الصالح الذي ينشأ فيه نشأة سليمة وسعيدة.

الإسلام والوالدان

(5)

ومع الحقيقة المبهرة في الإسلام .. تتجلى صورة من أروع الصور في رعاية المشاعر الإنسانية .. عندما جاء الإسلام بتلك الأحكام، والوصايا، والآداب .. من أجل رعاية الوالدين، اللَّذَيْن هما سبب وجود الإنسان ..

لقد تعددت صور البرّ بالوالدين في الإسلام، وأعظم هذه الصور النهي عن أن ينطق بأقل لفظ فيه أذى لهما، ونرى ذلك في القرآن: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا23 وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا24﴾ [35]. الإسراء: 23- 24.

وقد جمعت هاتان الآيتان خمسة معان أعطت للوالدين فضلاً عظيماً.

المعنى الأول: ربط الله تعالى الأمر بعبادته بالإحسان للوالدين، وهذا شرف عظيم للإنسان.

المعنى الثاني: نهى الله عن قول: أف، وهي عبارة تُستخدم عند الضجر والضيق، وفي هذا تأديب عظيم، لأن النهي عن قول: أف؛ يدل على أن الكلام الذي يؤذيهما؛ خطيئة عظيمة.

المعنى الثالث: الأمر بمخاطبتهما بالكلام اللين والجميل.

المعنى الرابع: طاعتهما والخضوع لهما فيما يأمران.

المعنى الخامس: الدعاء لهما بالرحمة جزاء ما قاما به من التربية والعناية.

وإليك صور أخرى رائعة تكشف لك عناية الإسلام بالوالدين، والذي فيه أعظم عناية بالإنسان.

من هذه الصور: استئذان الوالدين عند إرادة السفر الطويل: وهذا من حفظ الإسلام لخاطرهما من التكدير بفراق الابن. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، فقال له: (ارجع إليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما)[36]. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

ومن هذه الصور: الإنفاق عليهما: وفيه رد لجميلهما، وهذا قليل في حقهما، وقد جعل الإسلام الابن وماله ملكاً لأبيه، في تكريم عظيم لحق الوالد .. فقد جاء رجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً وولدًا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال له: (أنت ومالك لأبيك) [37]. رواه أبو داود وابن ماجه.

ومن هذه الصور: الدعاء لهما في حياتهما وبعد موتهما: فقد جاء في الآية السابقة: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾، وفيها الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما .. وجاء رجل إلى رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، هل بقي من برّ أبَوَيَّ أُبِرُّهُما به بعد موتهما؟ قال: (نعم، الصَّلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عَهدِهما من بعدِهما، وصِلةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إلَّا بهما، وإكرامُ صديقِهما) [38]. رواه أبو داود.

وفي هذا الحديث نجد عدة صور: منها: تنفيذ وصيتهما بعد موتهما، ومنها: صلة الرحم والقرابة المتصلة بهما، ومنها: إكرام صديقهما والإحسان إليه.

بل إن من أعظم صور عناية الإسلام بالوالدين: أنه جعل برهما طريقاً إلى رضا الله تعالى، ودخول الجنة: فقد قال نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم: (رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد) [39]. رواه الترمذي وابن حبان والحاكم.

وقال عليه الصلاة والسلام: (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه)، قيل: من يا رسول الله؟! قال: (من أدرك والديه عند الكبر؛ أحدهما، أو كليهما؛ ثم لم يدخل الجنة)[40]. رواه مسلم.

وبهذه الصورة الواضحة فإنك تجد أن الإسلام حفظ للوالدين مكانة عالية، تناسب رسالتهما في إيجاد الإنسان الذي به تكون عمارة الأرض وخلافتها .. وقد فهم المسلمون هذه الرسالة التي يقوم بها الوالدان؛ فترجموا ما جاء في القرآن، وفي حديث نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام إلى أفعال .. ليدوم الدور العظيم الذي يؤديه الوالدان في بقاء نسل الإنسان الذي أكرمه الله تعالى على سائر خلقه.

الإسلام وصلة رحم الإنسان

(6)

وفي صورة من صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. يتجلى ذلك الرباط العجيب .. الذي يربط الإنسان بقريبه؛ من أخ، أو أخت، أو عم وعمة، وأبنائهم، أو خال أو خالة وأبنائهم، وفي هذا الرباط تأكيد لمعنى الحب، والتعاون، والتآلف، وهذا من مقاصد الإسلام العظيمة.

ولأهمية صلة الرحم في بناء المجتمع الإنساني؛ فإن الإسلام حرص كثيراً، بل وتشدَّد في تأكيد هذا الرباط، والذي بدونه لن تكون هنالك وحدة متناسقة في المجتمع الإنساني، ويظهر لنا هذا في الآتي:

أولاً: جاء تأكيد الإسلام على صلة الرحم في أشد صوره في هذا الحديث،

قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (الرحم معلقة بالعرش، تقول: مَن وصلني وصله الله، ومَن قطعني قطعه الله)[41]. رواه مسلم.

وقال أيضاً: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)[42]. رواه البخاري ومسلم.

وفي هذين الحديثين نجد أن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام؛ يخبرنا عن المكانة العظيمة لصلة الرحم، ففي الحديث الأول: علو منزلتها حتى كانت في عرش الرحمن عز سلطانه، وفي الحديث الثاني: تحريم دخول الجنة على قاطع الرحم، وهذا فيه وعيد شديد، وبيان عظيم لأهمية صلة الرحم.

ثانياً: وإذا كانت قطيعة الرحم سبب في الحرمان من دخول الجنة؛ فإن صلة الرحم سبب في دخول الجنة .. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)[43]. رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الحديث فإن صلة الرحم مذكورة مع ثلاثة من أركان الإسلام، وفي هذا بيان لعظيم شرف منزلة صلة الرحم في الإسلام.

وكل هذا يدعو إلى الاهتمام بصلة الرحم التي هي ركن عظيم من أركان التآلف والمحبة بين البشر، وبدونها فإن الناس سيعيشون في تنافر وتباعد، وعدم تراحم.

الإسلام والجوار بين الناس

(7)

ومن خلال هذا المعنى السامي .. تظهر الحقيقة المبهرة في الإسلام .. لترسم لنا خارطة الجوار، حيث جارك، الملاصق لحائط بيتك، والذي يسكن معك في الحي .. حيث جاءت الدعوة في الإسلام إلى الإحسان إلى الجار، والقيام بحقوقه ..

فإن الإنسان لا يستغني عن مخالطة الناس، ومساكنتهم، ولا تستقيم حياته بالعزلة عنهم بعيداً عن جوارهم.

وإذا كان التركيب الإنساني مجبول على الاجتماع والمخالطة؛ فإن الجوار يكون أحد ركائز هذه المخالطة التي لا محيد عنها.

وقد تعددت في الإسلام صور الاهتمام بالجار، وبعض هذه الصور تحث على حسن الجوار، وأنه من الأعمال الصالحة الجليلة، وبعض الصور تحذر من أذى الجار، وشديد العقوبة لصاحبه.

وإذا أردت أن تعرف عظيم مكانة الجوار في الإسلام؛ فيكفي أن تسمع قول نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثُهُ)[44]. رواه أبو داود والترمذي وأحمد.

وجبريل عليه السلام هو المَلَك الذي كان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي.

وقد جاءت صور الإحسان إلى الجار في الإسلام متوافقة مع حاجة الإنسان، وشاملة لجميع الجوانب التي يحتاج فيها الإنسان إلى مخالطة الناس.

وابتداءً بالوصية بحسن الجوار، وانتهاءً بالتحذير من أذى الجار؛ فإنك ستجد الإسلام قد استوفى صوراً جميلة، يرضاها جميع العقلاء، ولا تنكرها أي ديانة.

وأول هذه الصور: الإحسان إلى الجار والبشاشة في وجهه: ويكون هذا بالقول، وبالفعل، قال نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: (وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسـلمًا)[45]. رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق.

وقال أيضاً: (وخير الجيران عند الله تعـالى خيرهـم لجـاره)[46]. رواه الترمذي وأحمد.

والصورة الثانية: الإهداء للجار: والهدية للجار تزيد من المحبة بين الجيران، وتزرع الأُلفة بين الناس، وقد حث الإسلام على الإهداء إلى الجار حتى ولو كان غير مسلم، فقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أحد أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام: أنه ذبح شاة، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثُهُ).

وقد أوصى رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام إذا صنع الإنسان طعاماً من اللحم أن يكثر من المرق؛ حتى يغرف منه للجيران، فقال: (إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق أو الماء، فإنه أوسع أو أبلغ للجيران)[47]. رواه أحمد.

والصورة الثالثة: إعطاء الجار ما يحتاجه: لا يستغني الجيران عن بعضهم البعض في مصالحهم، حتى إن الجار قد يحتاج للملح من جاره، ولا يجوز للجار أن يمنع جاره ما يحتاجه، وقد جاء في هذا وعيد شديد، قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب، سل هذا لم أغلق بابه دوني ومنعني فضله)[48]. رواه البخاري في الأدب المفرد.

والصورة الرابعة: الانتفاع بالمرافق: قد يحتاج الجار إلى جزء من حائط جاره ليبني عليه شيئاً، أو ليغرز فيه خشبة، فلا يجوز لجاره أن يمنعه، وفي هذا يقول النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خَشَبَهُ في جداره فلا يمنعه)[49]. رواه البخاري ومسلم.

وقال أيضاً: (من سأله جاره أن يدعم على حائطه فليدعه)[50]. رواه ابن ماجه وأحمد.

والصورة الخامسة: تفَقُّد الجار الفقير: وإذا كان الجار فقيراً؛ فقد أوجب الإسلام على جاره الغني أن يتفقد حاجته من الطعام، فقد جاء عن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جـائع إلى جنبه)[51]. رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم.

والصورة السادسة: حفظ الجار في عِرضه وماله: لقد جاء الإسلام بالتنفير الشديد من الزنا بزوجة الجار، وكذلك سرقة ماله، أما الأولى: فإن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام عندما سألوه عن أكبر الذنوب؟ ذكر منها: (تُزَانِي بحليلة جارك)[52]. رواه البخاري ومسلم.

والصورة السابعة: الكف عن أذى الجار: هو من كبائر الذنوب التي جاء فيها الوعيد الشديد، فقد جاء النهي الشديد من رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام عن أذى الجار، ومن ذلك قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)[53]. رواه البخاري ومسلم.

وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله، إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل وتَصَّدَّق غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: (لا خير فيها، هي من أهل النار)، فقالوا: يا رسول الله، فإن فلانة تصلي المكتوبة، وإنها تَصَّدَّق بالأثْوَار من الأقِط، ولا تؤذي أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هي من أهل الجنة)[54]. رواه البخاري في الأدب المفرد وأحمد.

ومعنى الأثْوَار من الأقِط: القطعة من اللبن المجفف من الجبن.

وهكذا فإنك تجد الإسلام قد رعى حقوق الجوار رعاية عظيمة، وفيه رعاية لصلاح الإنسان، واستقرار مصالحه، إذ إن الجار ملازم للإنسان، ويتأثر به في أمور حياته، وبصلاحه سيصلح حاله، وبفساده ستفسد مصالحه، ولذا فقد جاء عن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ..)[55]. رواه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان.

وهكذا فإن تشريع الإسلام في الجوار؛ فيه صلاح عظيم للمجتمع الإنساني، ودعوة للمحبة، والتآلف، والتعاون.

الإسلام وحقوق الإنسان

(8)

تظهر تلك الحقيقة المبهرة في الإسلام في أعظم صورها، وهو ينظر إلى الإنسان تلك النظرة الجليلة .. التي جعلت من الإنسان أفضل المخلوقات .. خلق الله تعالى هذا الكون من أجله .. ليقوم بتلك الوظيفة العظيمة، وهي: إفراد الله بالعبادة، وهي الوظيفة التي خلق الله الإنسان من أجلها.

ومن أجل هذه الوظيفة فقد جعل الله للإنسان من الحقوق والتكريم ما جعله به متميزاً عن سائر المخلوقات.

وقد جاء الإسلام بكامل هذه الحقوق للإنسان؛ حافظاً بها كرامته، وتشريفه.

وأول هذه الحقوق: حق الحياة: فإن للنفس البشرية مكانة عظيمة في الإسلام، فقد جاء القرآن مشدداً على حفظها، ومحذراً من قتلها، وكذلك جاء مثل ذلك في أحاديث رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام.

ومما جاء في هذا في القرآن قول الله تعالى: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ32﴾ [56]. البقرة: 32.

ثانياً: ومن حقوق الإنسان في الإسلام: حق التعليم: لقد حث الإسلام على العلم، وجعل للعلماء منزلة عالية، ومدحهم وأثنى عليهم، وفي هذا بيان لحق الإنسان في العلم.

فقد جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ...﴾ [57]. المجادلة: 11.

فقد استفاد علماء المسلمين من حث الإسلام لهم على العلم، فأسهموا إسهامات عظيمة، في علوم الطبيعة، والفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والطب.

ثالثاً: ومن حقوق الإنسان في الإسلام: حق العدالة: فقد أسس الإسلام مبدأ العدالة على قواعد راسخة، ودعا إليها بأساليب مختلفة، بل جعلها أساس كل تعامل بين الناس.

وقد جاء الأمر بالعدل صريحاً في القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ90﴾ [58]. النحل: 90.

رابعاً: ومن حقوق الإنسان في الإسلام: حق التملُّك: ولأن حب التملُّك طبيعة في الإنسان؛ فقد أعطاه الإسلام هذا الحق، وأباح له حرية التصرف فيما يملكه، حيث جاء في القرآن: ﴿...لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ...﴾ [59]. النساء: 32.

ولكن الإسلام ضبط هذا الحق بضوابط صارمة؛ حتى لا يكون فيه اعتداء على حق الغير.

فقد جاء في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ...﴾ [60]، وفي تأكيد العقوبة الشديدة في الاعتداء على حق الغير؛ يقول النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (كل لحم نَبَتَ من سُحْت فالنار أَوْلَى به)[61]. النساء: 29. رواه الطبراني في الأوسط.

خامساً: ومن حقوق الإنسان في الإسلام: حق العمل: فإن العمل في الإسلام حق مشاع للجميع، وقد حض الإسلام على العمل، إذ هو وسيلة الإنتاج والرخاء، فأباح الإسلام للإنسان البيع، والعمل في الصناعة، وجميع المهن؛ من زراعة، ونجارة، وحدادة، وبناء، وغيرها من المهن.

وجاء في القرآن الأمر بالسعي في الأرض من أجل العمل وطلب الرزق، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ15﴾ [62]. الملك: 15.

وقال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (لأَن يأخُذَ أحدُكم حبلَه فيأتي الجبل فيجيء بحزمةِ الحطب على ظهره، فيبيعها فيكفَّ الله بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطَوه أو منعُوه)[63]. رواه البخاري ومسلم.

وهكذا فإنك تجد أن الإسلام صان للإنسان حقوقه التي لا يستغني عنها، بل وجعل عقوبات رادعة على مَن يعتدي على هذه الحقوق، وفي كل هذا حفظ لكرامة الإنسان ومنزلته التي أرادها الله له.

الإسلام وحق الإنسان في العدل

(9)

حق الإنسان في العدل، هو أحد صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. والتي يظهر جمالها عندما جعل الإسلام العدل مطلباً قامت من أجله السماوات والأرض ..

لأن صلاح الإنسان وصلاح الأرض يكون بالعدل؛ فقد جاء الإسلام بتقريره على أحسن وجوه التقرير .. فجاءت آيات القرآن بالأمر به، وتأكيده، وكذلك جاء الأمر به في حديث رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، بل جاء في سيرته نماذج صادقة في بيان عدله عليه الصلاة والسلام، وكذلك في سيرة خلفائه الراشدين الذين جاؤوا من بعده، بل وفي سيرة ملوك الإسلام الذين اشتهروا بالعدل في الرعية.

وقد جاء الأمر بالعدل في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ90﴾[64]، || وفي غيرها من الآيات. النحل: 90.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وتعدل بين الاثنين صدقة)[65]. رواه مسلم.

وعندما تولّى الخلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد موت النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ قام في الناس خطيباً، وقال: (الضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أُرجع عليه حقَّه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله).

وقد جاء العدل في الإسلام بصور متعددة، تحكي لنا حرص الإسلام على العدل.

ومن صور العدل في الإسلام: العدل في الأقليات: لقد حفظ لنا التاريخ ما كانت تجده الأقليات غير المسلمة من العدل في دولة الإسلام، وكان هذا تنفيذاً لهدي القرآن، وهدي نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام.

أما القرآن: فقد جاء فيه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ8﴾ [66]. المائدة: 8.

وأما هدي نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: فقد حذَّر تحذيراً شديداً من ظلم الأقليات، وجاء ذلك صريحاً في قوله عليه الصلاة والسلام: (ألَا مَن ظلم مُعاهَدًا، أو انتقَصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغَير طِيب نفس؛ فأنا حَجِيجه يوم القيامة)[67]. رواه أبو داود.

ومعنى حجيجه: أي خصمه.

ومن صور العدل في الإسلام: عدل الحاكم: يجب في الإسلام على الحاكم أن يعدل في رعيته، ولا يحابي في العدل أحداً من الرعية، حتى ولو كان على نفسه.

ومن صور العدل في الإسلام: العدل في الأبناء: العدل بين الأبناء من أسباب استقرار الأسرة، ورسوخ المحبة بين الأبناء، وعكسه فإن عدم العدل سيكون سبباً في العداوة بين الأبناء، بل سيكون سبباً في بغض الابن المظلوم للأب نفسه، ولذا فقد شدَّدَ الإسلام في الأمر بالعدل بين الأبناء، كما جاء في قصة الصحابي الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهد له على إعطائه هبة لأحد أبنائه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (يا بشير، ألَكَ ولد سوى هذا)؟ قال: نعم، فقال: (أكُلُّهم وهبتَ له مثل هذا)؟ قال: لا، قال: (فَلَا تُشْهِدْني إِذاً، فَإِنِّي لَا أَشهد عَلَى جَوْر)، وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم)[68]. رواه البخاري ومسلم.

ومن صور العدل في الإسلام: عدل القاضي بين المتخاصِمَيْن: لقد جاء الإسلام بتقرير أحكام القضاء، والقضاة، ومن هذه الأحكام: وجوب عدل القاضي بين المتخاصمَيْن، حتى في المجلس، فلا يميِّز أحدهما بمكان أعلى، وكذلك العدل بينهما في الإقبال عليهما، فلا يخص أحدهما بمزيد من العناية، وقد جاء الوعيد الشديد للقاضي الظالم، والثواب بالجنة للقاضي العادل، كما في قول النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة؛ رجل قضى بغير الحق، فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاضٍ لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق، فذلك في الجنة)[69]. رواه الترمذي.

هذه بعض صور العدل في الإسلام، وغيرها مما يشبهها؛ تبين أن الإسلام أكرم الإنسان في أعظم ما يحتاج إليه، وبه قوام حياته، ليسعد بنعمة العدل التي إذا شاعت في مكان عمَّهُ الرخاء والأمن.

الإسلام والمساواة بين الناس

(10)

عندما يدعو الإسلام إلى المساواة بين المسلمين؛ هنا تظهر الحقيقة المبهرة، وهي تعبِّر عن هذا المفهوم العظيم .. حيث تتوحَّد في دولة الإسلام العرقيات، والألوان، في ظل نظام ديني فريد، فهناك أخوة حقيقية بين المسلمين، وجاء في القرآن الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ13﴾ [70]. سورة الحجرات: 13.

فالإسلام لا يحتفظ بأي جزء من تعاليمه، ويجعله حكراً لطائفة خاصة من الناس.

بمعنى أن الإسلام لا يُوجد فيه كهنوت، ولا رجال دين، كطبقة منفصلة، متميزة، ولها امتيازاتها، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات، بل لقد حث الإسلام على التواضع، فالعالم في الإسلام يتواضع للناس، ولا يتكبر عليهم بعلمه، ولذا قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ على أحد)[71]. رواه مسلم.

والتعاليم الإسلامية موجهة إلى كافة البشر، وهي بسيطة وسهلة، يستطيع كل إنسان أن يفهمها.

ومبدأ المساواة في الإسلام لا يُوجد له مثيل، فالناس جميعاً سواسية كأسنان المشط، فتجد المسلم الصيني، أو المسلم العربي، أو الأوروبي، أو الأمريكي، أو الإفريقي، كلهم إخوة، وجاء في القرآن: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ [72] وفي صف واحد في الصلاة، يعبدون ربّاً واحداً، وتجد أماكن العبادة: (المساجد) مفتوحة للجميع، سواء كان غنيّاً أو فقيراً، أبيض أو أسود، ملكاً أو عاملاً، فالكل سواسية. سورة الحجرات: 10.

وقد ظهر هذا في أخلاق رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، فكان لا يتميز عن أصحابه، حتى كان الرجل الغريب إذا جاء لا يعرفه، فيسأل: أيُّكُم محمد؟!

وكان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام يتواضع للجميع من غير تمييز، ويلبي دعوة الجميع إذا دعاه إلى بيته، بل كان يهتم بأمر الجميع، ويسأل عن الذي يغيب، فقد كان رجل أسود أو امرأة سوداء ينظف مسجده، فسأل عنه ذات مرة عندما لم يره، فقالوا له: مات، فقال: (أفلا كنتم آذَنْتُمُوني به، دُلُّوني على قبره، أو قبرها)، فأتى إلى القبر فصلى عليه[73]. رواه البخاري ومسلم.

وبهذه القواعد ساوى الإسلام بين الناس، من غير تمييز في اللون، أو العِرق، أو الجاه والمكانة.

الإسلام وحقوق المرأة

(11)

المرأة في الإسلام هي ذلك المخلوق الذي يستحق التعظيم والتقدير .. لتظهر من خلال ذلك تلك الحقيقة المبهرة للإسلام .. عندما جعل المرأة جزءاً من خلقة الرجل، كما جاء في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ...﴾[74]. النساء: 1.

فإن هذه الآية صريحة في أن أم البشر حواء قد خلقها الله من ضلع آدم عليه الصلاة والسلام، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة عن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما النساء شقائق الرجال)[75]. رواه أبو داود.

ومعنى شقائق الرجال: أي مثلهم في الطباع والخلق، كأنّ المرأة شُقّت من الرجل.

وهذه الآية وهذا الحديث يوضحان التجانس والتقارب بين الرجل والمرأة، وقد كانت بداية هذا التجانس منذ زمن بعيد، أي منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام .. وجاء الإسلام لتأكيد هذه العلاقة القوية، ولذا فإنك ترى في القرآن أن الله يقرن بين الرجال والنساء في عدة مواضع، بل إن هنالك سورة في القرآن اسمها: سورة النساء .. وهذا دليل صريح على تعظيم قدر المرأة، والذي سيؤدي إلى معرفة حقوقها، وإنصافها.

ويظهر لك هذا بصورة أوضح وأجمل عندما جاء الأمر بمعاشرة النساء بالمعروف، وأنه ليس كل ما يكرهه الرجل من زوجته هو مذموم، كما جاء في القرآن: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا19﴾ [76]. النساء: 19.

وقد جاء تأكيد هذا أيضاً في قول رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، وهو يوصي بالنساء، فيقول: (اسْتَوصوا بالنساء خيراً)[77]، وقال: (خيرُكُم خيرُكُم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)[78]. رواه البخاري ومسلم. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

وبهذه المثابة فإن المرأة في الإسلام هي نصف المجتمع، وقد صانها الإسلام لتكون مربية الأجيال، ومنجبة العظماء .. وبهذا فقد أكرم الإسلام إنسانيتها، فجعل لها حقوقاً عظيمة.

ومن هذه الحقوق: حق الحياة: فحرّم الإسلام ما كان يصنعه أهل الجاهلية قبل الإسلام من قتل البنات، كما جاء في القرآن: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ8* بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ9﴾[79]. التكوير: 8- 9.

وكما يوجد في بعض دول العالم من قتل المرأة إذا مات زوجها.

ومن هذه الحقوق: حق الأمومة: فلها الحق الكامل أن تكون أمّاً، وقد جاء في الإسلام الأمر الشديد ببر الأم، وفيه حفظ لكامل حقها في هذه المرحلة، وقد مرت الأدلة الدالة على الوصية بالزوجة، والإحسان إليها. بل إن الإسلام حفظ لها حقها بعد الطلاق، وجاء في القرآن آيات كثيرة في بيان أحكام النساء وحقوقهن.

ومن هذه الحقوق: حق التعليم والتربية: فقد جاء الإسلام بالحض على الإحسان للبنات، وجعل في ذلك الثواب العظيم، كما جاء في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام#| (مَن كان له ثلاث بنات، فصبر عليهنَّ، وأطعمهنَّ، وسقاهنَّ، وكساهنَّ من جِدته؛ كُنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة)[80]. ومعنى جِدته: غناه. رواه ابن ماجه وأحمد.

ومن هذه الحقوق: الحقوق المالية: لقد أعطى الإسلام المرأة جميع الحقوق المالية التي أعطاها للرجل .. فلها أن تستثمر مالها، كما جعل لها حقّاً ماليّاً على زوجها عند الزواج، وهو المهر، وإذا مات زوجها جعل لها الحق أن تأخذ من ماله نصيبها الذي جاء ذكره في القرآن.

وكرامة الإسلام للمرأة تعددت صورها كما ترى، وفي كل هذا دليل على أهميتها للإنسانية، ودورها العظيم في المجتمع .. وقد رعاها الإسلام طفلة، وبنتاً، وزوجة، وأمّاً، وجدة .. وفي كل هذا حفظ للإنسان، ودورة وجوده التي تشارك المرأة في نصفها.

الإسلام والإنسان يتيماً

(12)

وفي واحدة من صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. الجميع يستحق الحقوق الكاملة، والرعاية التي تليق به، مهما كان موقعه في المجتمع .. وقد ظهرت هذه الحقيقة المبهرة في رعاية اليتيم .. وهو ذلك الصغير الذي مات أبوه، فافتقد معه حنان الأب، وعطفه، ورحمته، والعناية به.

واليتيم هو جزء من جنس الإنسان الذ ي جاء الإسلام بتكريمه، وتفضيله على جميع المخلوقات .. وهذا يقتضي أن ينال اليتيم نصيبه من هذا التكريم والعناية.

وقد جاء الإسلام بكل ما يصلح اليتيم، ويجبر بخاطره، ويجعل منه عضواً فاعلاً في المجتمع.

وتجد أن الإسلام دعا إلى الإحسان إلى اليتيم بأساليب ناجحة، تجعل اليتيم يشعر بعناية مجتمعه به، فيشعر بالأمان، والتعويض عن فقد الأب.

وقد تعددت صور الإحسان إلى اليتيم في الإسلام، وكلها تبرهن لك الاهتمام الشديد باليتيم.

وأول هذه الصور: الدعوة إلى الإحسان لليتيم: وقد جاء القرآن يدعو إلى ذلك بأسلوب قوي، وذلك عندما قرن الله تعالى الأمر بالإحسان إلى اليتيم بتوحيده، الذي هو أعظم المطالب، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَى...﴾[81]. سورة النساء: 36.

ومن أساليب الإسلام في الدعوة إلى الإحسان إلى اليتيم ما تخبرك به هذه الصورة: فقد جاء رجل إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يشكو قسوة قلبه، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك، وتُدرك حاجتك)[82]. رواه أبو نعيم في الحلية.

وقد عمل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بتعاليمه هذه، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يأكل طعاماً إلا وعلى مائدته يتيم.

والصورة الثانية في رعاية الإسلام لليتيم: كفالة اليتيم: وهي صورة تقوم على القيام بمصالح اليتيم، من نفقة، وتربية، وتعليم، وهي من أعظم أساليب الإسلام في التخفيف على اليتيم .. ولأنها صورة صادقة في الإحسان إلى اليتيم فقد جاء الإسلام بعظيم فضلها، والذي جاء صريحاً في حديث رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)، وأشار -بأصبعيه - بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئاً [83]. رواه البخاري.

والصورة الثالثة في رعاية الإسلام لليتيم: الوعيد الشديد على أكل مال اليتيم: قد يترك أب اليتيم لابنه مالاً، فيتولى ولي اليتيم حفظ هذا المال حتى يكبر اليتيم فيأخذ ماله .. ولأن المال فتنة فقد يتصرف ولي اليتيم في المال بطريقة غير صحيحة، فيكون سبباً في ضياع مال اليتيم، وحتى يصون الإسلام مال اليتيم فقد جاء القرآن بالوعيد الشديد في أكل مال اليتيم، وذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا10﴾ [84]. النساء: 10.

والصورة الرابعة في رعاية الإسلام لليتيم: حفظ مال اليتيم حتى يبلغ: أمر الإسلام ولي اليتيم بحفظ ماله حتى يبلغ، ويستطيع القيام بمصالحه، ولا يجوز للولي أن يأكل من مال اليتيم إذا كان غنيّاً، وأما إذا كان فقيراً أكل منه بالمعروف، وكان ما أكله قرضاً ودَيْناً عليه.

وإذا بلغ اليتيم، وعرف الولي أنه يستطيع القيام بمصالحه؛ دفع إليه ماله، وأتى بشهود يشهدون له بأنه قد دفع إليه ماله. وقد جاء الأمر بكل هذا في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا6﴾ [85]. النساء: 6.

وهكذا فإن الإسلام وضع قواعد عظيمة لرعاية اليتيم، والعطف عليه، وتربيته، وتعليمه، وفي كل هذا حفظ لإنسانيته التي أكرمه الله بها، والتي تُوجب أن يعيش كغيره من الناس، ولا يشعر بأنه أقل منهم.

الإسلام والإنسان فقيراً

(13)

وكما ظهرت تلك الحقيقة المبهرة في رعاية اليتيم .. تتجلّى في الإسلام حقيقة أخرى مبهرة .. وهي تنادي برعاية أحد أفراد المجتمع، وهو: الفقير، والذي هو جزء من نسيج المجتمع الإنساني، ولا يخلو مجتمع من الفقراء .. ولكن يتفاوت الناس في تعاملهم مع الفقير، كما أن واقع الفقير يتفاوت في كل مجتمع.

ولكن نجد أن الإسلام اهتم بالفقير، ولم يجعله منبوذاً، بل هو جزء من المجتمع، ويجب أن يعيش كغيره من الناس، وينال جميع حقوقه .. بل إنك تجد في القرآن – والذي هو المصدر الأول في الإسلام – آيات كثيرة عن حفظ حقوق الفقير، والدعوة إلى رعايته والإحسان إليه .. كقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ...﴾ [86]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ32﴾ [87]. التوبة: 60. النور: 32.

وحتى يكون الفقير جزءاً من المجتمع الإنساني، وتكون له كرامته الإنسانية؛ فنجد أن الإسلام أكرمه ورعاه .. وقد ظهرت رعاية الإسلام للفقير في عدة صور:

منها: كان رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام محبّاً للفقراء والمساكين، وكان يحب مجالستهم، بل كان يسأل الله في دعائه أن يجعله محبّاً للمساكين، كما في دعائه عليه الصلاة والسلام: (اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين)[88]. رواه الترمذي.

ويقول أبو ذر رضي الله عنه، وهو أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين، والدنو منهم ..).

ومن صور رعاية الإسلام للفقير: كان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام يثني على الفقراء، ويذكر ما لهم من الفضل عند الله تعالى، حتى يخفف ما بهم ويسليهم.

ومن صور رعاية الإسلام للفقير: مراعاة خاطره ومشاعره: وتظهر في هذا إنسانية الإسلام، فالفقير إنسان له مشاعره التي يجب مراعاتها، ولا يجوز في الإسلام احتقاره، ومعاملته بأنه دون غيره .. ولذا فقد جاء في القرآن أن لا يتصدق الإنسان إلا مما يحبه، ولا يجوز أن يعطي الفقير من شيء لا يحبه، قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ92﴾[89]. آل عمران: 92.

وجاء في القرآن أيضاً: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ267﴾ [90]. البقرة: 267.

ومن صور رعاية الإسلام للفقير: تفقُّده والسؤال عنه: لقد جاء الوعيد الشديد في حق من بات شبعان وجاره جائع .. قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جـائع إلى جنبه)[91]. رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم.

وفيه وجوب تفقُّد الفقير المحتاج .. وقد جاء عن نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان يتفقد الفقراء والمساكين حتى في مرضهم، فيعودهم إذا مرضوا، وإذا مات أحدهم شهد جنازته.

ومن صور رعاية الإسلام للفقير: تحفيزه على العمل: وقد جاء هذا من خلال صورة عملية من فعل رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، وهي: أن رجلاً من أصحابه أتى يشكو إليه الحاجة، فقال له: (أما في بيتك شيء)؟ فقال الرجل: بلى، حِلْس - يعني: كساء غليظ يوضع على ظهر البعير- نلبس بعضه ونبسط بعضه، هو بساطنا وهو لباسنا، وقعب – يعني قدح - نشرب فيه من الماء، قال: (ائتني بهما)، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: (مَن يشتري هذين)؟ قال رجل: أنا، آخذهما بدرهم، قال: (مَن يزيد على درهم)؟ مرتين أو ثلاثاً، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الفقير، وقال: (اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فأتني به)، فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال له: (اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينَّك خمسة عشر يوماً)، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة)[92]. رواه أبو داود.

وهكذا فإنك تجد أن الإسلام رعى الفقير ليكون فرداً من المجتمع الإنساني، ويعيش بينهم مكرّماً كما كرَّمه الله بإنسانيته، التي لا يجوز تحقيرها .. وبهذه الرعاية سيشعر الفقير بإنسانيته، وانتمائه إلى مجتمعه.

الإسلام ونظافة الإنسان

(14)

النظافة صورة من صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. وتتجلَّى هذه الحقيقة في كل مناحي الحياة، الخاصة والعامة .. حيث اهتم الإسلام بنظافة الإنسان الشخصية، من نظافة للجسم، والملابس، والمنزل، وحتى تكتمل دورة النظافة نجد أن الإسلام أمر بالنظافة العامة، وهي نظافة المرافق العامة، التي يشترك الناس في الاستفادة منها.

واهتمام الإسلام بالنظافة سواء النظافة الشخصية، أو النظافة العامة، ظهر في الآتي:

أولاً: النظافة الشخصية: وظهر هذا في الآتي:

الأمر بنظافة البدن: وقد جاء هذا صريحاً في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ)[93]. رواه مسلم.

ومعنى البراجم: عُقَد الأصابع ومفاصلها كلها، ومعنى انتقاص الماء: الاستنجاء بعد قضاء الحاجة.

وقال النبي محمد ﷺ أيضاً: (طهروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس من عبد يبيت طاهراً إلا بات معه في شعاره ملك، لا ينقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك فإنه بات طاهراً)[94]. رواه الطبراني في الأوسط.

وكذلك نجد من مظاهر النظافة الشخصية في الإسلام: الأمر بالوضوء خمس مرات من أجل الصلاة.

وكذلك الأمر بالغسل يوم الجمعة، ولبس الملابس النظيفة، ومسح الشعر بالدهن، والتطيُّب بالعطر.

وكذلك الأمر بالسواك، لتنظيف الفم، حتى قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ)[95]. رواه البخاري ومسلم.

وكذلك كان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام إذا خرج من قضاء الحاجة يدلك يده بالأرض. [96]. رواه النسائي.

وكذلك جاء في الإسلام الاهتمام بنظافة الثياب، فقد رأى النبي محمد عليه الصلاة والسلام رجلاً عليه ثياب وسخة، فقال: (أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه)[97]. رواه أبو داود.

بل وجاء الإسلام بالأمر بتنظيف الآنية إذا ولغ فيها الكلب، وفيه التأكيد على النظافة، ويزداد هذا التأكيد في عدد المرات التي يغسل فيها الإناء الذي ولغ فيه الكلب، حيث قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ؛ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ)[98]. رواه البخاري ومسلم.

ثانياً: النظافة العامة: لقد أمر الإسلام بالنظافة العامة، لكي تكتمل دورة النظافة في جميع مناحي الحياة، ويعيش الإنسان حياته من غير مشاكل صحية، ومن مظاهر اهتمام الإسلام بنظافة المرافق العامة:

الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق: من حجر، أو شوك، أو زجاج، أو حديد جارح، وكل ما يؤذي الإنسان، فقد قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ)[99]. رواه مسلم.

وكذلك جاء الأمر بأن لا يبول الإنسان في طريق الناس، أو في الظل الذي يستظلون تحته، حيث حذر رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام بأن فعل ذلك يتسبب في لعن الناس لمن يفعله، فقال: (اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ)، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ)[100]. رواه مسلم.

وكذلك جاء النهي في الإسلام عن البول في الماء الراكد الذي لا يجري، لما فيه من تنجيسه، وإلحاق الأذى بمن يستعمله، حيث قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)[101]. رواه البخاري ومسلم.

وهكذا فإن الإسلام اهتم بالنظافة من أجل حماية الإنسان من الأمراض التي تحدث بسبب عدم النظافة، فكان في ذلك وقاية من الجراثيم، والفيروسات، والبكتريا، التي تجد في عدم النظافة البيئة الملائمة.

الإسلام وعمارة الإنسان للأرض

(15)

يراعي الإسلام مصالح الإنسان .. ليرسم تلك الحقيقة المبهرة ليتهيأ الإنسان لعمارة الأرض .. وهي الرسالة التي بدونها لن يكون هنالك فرق بينه وبين الحيوان .. فإن الحيوان إذا لم يجد أسباب معيشته؛ لا يستطيع إيجادها بالعمل، وأما الإنسان فإنه يوفِّر أسباب معيشته بالعمل؛ فيزرع، ويحفر الآبار، ويبني المباني لتحميه من الحر والبرد، ويصنع الملبوسات ليستر ويحمي بها جسمه، بل إن الإنسان بعد ظهور التقنية الحديثة؛ صار يتفنن في أساليب معيشته وراحته.

ونجد أن الإسلام لكي يوفر للإنسان أقصى الاستفادة من العمل؛ لم يكتف بمشروعية العمل، بل جعل للعمل ضوابط وأحكاماً تتصل بصاحب العمل، وبالعامل، وببيئة العمل.

ونجد في الإسلام تحريم كل عمل فيه ضرر للناس، وهذا أصل عظيم لحفظ نسل الإنسان ..

ونجد في الإسلام الحث الشديد على العمل، حتى صار العمل كالعبادة، وجاء في القرآن الأمر بالسفر من أجل التجارة، كقول الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ15﴾[102]. الملك: 15.

وجاء في الإسلام بيان فضل الله تعالى على الناس، وكيف سخّر لهم ما في الأرض، وتمكينهم من الاستفادة التي لا تكون إلا بالعمل .. فالمزارع لا يستطيع أن يستخرج نبات وثمار الأرض إلا بالزراعة والحراثة، والصياد لا يستطيع أن يستخرج السمك من البحر إلا بالصيد بالشبكة، وركوب القارب والسفينة، وصاحب البناء لا يستطيع البناء إلا باستغلال ما في الأرض من الأمور المعينة على البناء، ومصانع الحديد لا تستطيع توفيره إلا باستخراجه من الأرض وصهره، وتشكيله، وكذلك تجار المعادن النفيسة كالذهب، والفضة، والجواهر، وغيرها من المعادن النفيسة؛ لا يستخرجونها إلا بالعمل .. وقد جاء كل هذا وغيره في القرآن، حتى نعلم أن الله تعالى هيأ للإنسان في الأرض كل الأسباب التي تعينه على الخلافة في الأرض، وأن العمل هو السبيل الوحيد للاستفادة من كل هذه الخيرات .. قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ19 وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ20 وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ21﴾[103]. الحجر: 19- 21.

وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ71 وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ72 وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ﴾[104]. يس: 71- 73.

بل ونجد أن الإسلام أمر بالعمل بعد الفراغ من العبادة، وفيه لفت الانتباه إلى أهمية العمل وضرورته، كما جاء في القرآن في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ9 فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ...﴾[105]. الجمعة: 9- 10.

وحتى لا يترك الناس العمل؛ نجد أن الإسلام ذمَّ سؤال الناس، وجاء في هذا التنفير الشديد، كما جاء في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يلقى الله يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعَة لحم)[106] ، ومعنى مزعة: قطعة. رواه البخاري: 1405، ومسلم: 1040.

وعندما حث الإسلام على العمل فهو بهذا يعالج مشكلة البطالة، والتي هي من المشاكل العظيمة في المجتمع الإنساني، والتي ينتج عنها مفاسد كثيرة تهدد الأمن والاستقرار في المجتمعات الإنسانية ..

ونجد أن الإسلام يراعي مشاعر الإنسان عند حاجته إلى العمل ولا يجده، فيضطر إلى سؤال الناس ليسد حاجته، فنجد أن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، قد دعا إلى العمل؛ ليصون الإنسان نفسه عن ذل السؤال، فقال عليه الصلاة والسلام: (لأَن يأخُذَ أحدُكم حبلَه فيأتي الجبل فيجيء بحزمةِ الحطب على ظهره، فيبيعها فيكفَّ الله بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطَوه أو منعُوه)[107]. رواه البخاري: 1401، ومسلم: 1042.

وحتى ينتفع جميع الناس من ثمرة العمل؛ نجد من وسائل الإسلام في هذا تحفيز الناس على العمل بتملُّك الأرض إذا أحياها الإنسان بالزراعة، وفي هذا يقول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق).[108] رواه البخاري: 2335.

وكان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعطي الفلاحين من بيت المال حتى يزرعوا أرضهم.

ولم يقف الإسلام عند الحث على العمل، بل تجاوزه إلى الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة التي يقوم عليها العمل، حتى لا يحدث الغش، والكذب، فتفسد مصالح الناس .. ولأن العمل النافع يقوم على الإتقان؛ فنجد أن الإسلام أمر بإتقان العمل، وفي هذا يقول النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) [109]. رواه الطبراني في الأوسط: 987.

ويتفرع عن الإتقان: الأمانة: ويدخل تحتها الكثير من الصور التي يحتاجها الإنسان في الانتفاع بالعمل، كالأمانة على أموال صاحب العمل، والأمانة في توظيف الأكفاء، وغيرها من الأمور التي تمنع الغش والكذب .. ونجد في القرآن أن الله تعالى أمر المؤمنين بحفظ جميع الأمانات، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ8﴾[110]. سورة المؤمنون: 8.

وهكذا فإنك ترى أن الإسلام حريص على العمل، ويظهر هذا الحرص في الحث الشديد على العمل، بل والسفر من أجل العمل، والتنفير الشديد من سؤال الناس .. حتى ينضم جميع الناس إلى العمل، فيحدث تعمير الأرض الذي هو غاية عظيمة من أجل تحقيق خلافة الإنسان في الأرض.

الإسلام وحقوق الإنسان عاملاً

(16)

إذا كانت عمارة الإنسان للأرض صورة من صور الحقيقة المبهرة للإسلام؛ فإن حماية الإسلام لحقوق العامل الذي يعمِّر الأرض صورة أخرى من صور الحقيقة المبهرة، التي رعاها الإسلام بأحكام صارمة .. فإن حقوق العامل ركن عظيم في عمارة الأرض؛ لأن التقصير في حقوق العامل سيكون سبباً في تقصيره في العمل، والتقصير في العمل يؤثر على الإنتاج، وعلى سير الحياة .. وتصوَّر لو أن جميع العمال في أحد البلاد أضربوا عن العمل وجلسوا في بيوتهم، كيف سيكون حال هذا البلد؟! بل لو أضرب عُمّال النظافة؛ لتراكمت الأوساخ في الشوارع، وانتشرت الأمراض .. وكل هذا يكشف لك قيمة العامل في بناء حياة البشر.

ولذا اهتم الإسلام بالعامل، وعرف له قدره وحقوقه، إلى درجة أن رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام قال: (أعطوا الأجير أجرَه قبل أنْ يجفَّ عرقه)[111]. وهذا فيه حرص شديد على إعطاء العامل حقوقه، ولن تجد في نصوص القوانين والأنظمة أبلغ من هذا الكلام في الاهتمام بحقوق العمّال. رواه ابنُ ماجه.

وفي حفظ حقوق العمال تكريم للإنسان الذي أكرمه الله تعالى، ومَيَّزَهُ عن باقي المخلوقات.

ومن أجل هذا التكريم؛ فإننا نجد أن الإسلام اهتم بالعامل، وظهر هذا الاهتمام بوضوح في عدة صور:

أولها: التشديد على دفع أجور العمّال: وقد ظهر هذا بوضوح في الكلام السابق لنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام؛ عندما أمر أن يُعطَى العامل أجره قبل أن يجف عرقه.

بل إن الاهتمام بحقوق العمال في الإسلام تجاوز مجرد الأمر بإعطائه حقه إلى ما هو أعظم، وهذا كما جاء في الحديث القدسي الذي يرويه نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام عن ربه تعالى ثناؤه، وفيه: يقول الله عز جل: (ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدَر، ورجل باع حُرًّا فأكل ثمنَه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعطِه أجره)[112]. رواه أبو داود والترمذي.

والصورة الثانية في أداء حقوق العمال: نصرة العامل الضعيف: وقد جاء الإسلام بالأمر بنُصرة المظلوم، والعامل الضعيف الذي لا يستطيع الوصول إلى حقوقه هو مظلوم، ويجب في الإسلام الوقوف معه حتى يأخذ حقوقه.

والصورة الثالثة في أداء حقوق العمال: الوفاء بالعقود: لقد جاء الإسلام بالتشديد على الوفاء بالعهود، والمواثيق، في جميع المعاملات التي تكون بين الناس، ومنها حقوق العمال، فيجب على صاحب العمل أن يفي للعامل بجميع ما جاء في عقد العمل، وقد جاء في القرآن الأمر بالوفاء في العقود في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ...﴾ [113]. سورة المائدة: 1.

وفي الحديث الذي يرويه النبي محمد عليه الصلاة والسلام عن ربه عز وجل: (يا عبادي، إنِّي حرَّمت الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظالَمُوا)[114]. رواه مسلم.

وفي كل هذا فإنك تجد أن الإسلام حفظ للعمال حقوقهم، وهو بهذا يحفظ لهم إنسانيتهم التي أكرمهم الله بها؛ لأن في ظلم العمّال احتقار لهذه الإنسانية، وتقصير في معرفة قدرها.

الإسلام وحقوق الإنسان صاحب العمل

(17)

وتتصل الحقيقة المبهرة معنا .. لتضمن حقوق صاحب العمل كما ضمنت حقوق العامل .. في تكامل يعكس شمولية الإسلام ..

فإن أصحاب العمل عليهم مدار الاقتصاد، ونماء المجتمع الإنساني .. ووقوع الظلم عليهم يتسبب في تقصيرهم في رسالتهم الاقتصادية التي يقوم عليها نماء الإنسان.

ولذا فقد جاء الإسلام بحفظ حقوقهم، كما حفظ حقوق العمّال ..

ونجد أن الإسلام رعى حقوق أصحاب العمل بعدة صور: منها:

أولاً: الوفاء بالعقود: عقود أصحاب العمل يقوم عليها العمل، وهذه العقود قد تكون بين الأفراد وبين صاحب العمل، وقد تكون بين الدولة وبين صاحب العمل، وقد تكون بين الشركات فيما بينها .. وفي كل هذه الصور يجب على الجميع الوفاء لصاحب العمل بما جاء في هذه العقود، ولا يجوز الإخلال في ذلك، وقد وصف الإسلام الذي لا يفي بالعهود بالنفاق، وهو من أقبح الأوصاف، كما جاء في قول النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)[115]. رواه البخاري ومسلم.

ثانياً: الأمانة: لقد جاء الإسلام بتهذيب الأخلاق والسلوك، حتى يعيش الناس فيما بينهم بسلام، ومحبة، وأُلْفة .. والأمانة ركن عظيم من أركان محاسن الأخلاق، وهي التي تحفظ حقوق الناس فيما بينهم، وتستقيم بها حياتهم.

وجاء في القرآن الأمر بالأمانة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا...﴾ [116]، وفيه أيضاً: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [117]. النساء: 58. سورة الأنفال: 27.

فيجب على العمال، وعلى كل مَن تعاقد مع صاحب العمل أن يصدق معه، ولا يغشه، أو يتلاعب بشروط العقد.

ثالثاً: إتقان العمل: إن من حق صاحب العمل أن يخلص العامل معه في عمله، فلا يقصر فيه، ويقوم بإتقان جميع عمله الذي تعاقد معه فيه، ويدخل في هذا جميع المنتجات التي يستلمها صاحب العمل من شركات تعاقد معها على إنتاج مُنتَج بمواصفات محددة، فلا يجوز الإخلال بهذه المواصفات .. وقد جاء الإسلام بالأمر بإتقان العمل، وجاء أيضاً بتحريم الغش، كما في قول نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلَا أَنْ يُتْقِنَهُ)[118]. وقال عليه الصلاة والسلام: (مَن غشَّنا؛ فليس مِنَّا)[119]. رواه الطبراني في الأوسط. رواه مسلم.

رابعاً: لا يجوز استغلال المنصب: لقد ائتمن صاحب العمل العامل على عمله، فلا يجوز له خيانته في هذه الأمانة باستغلال منصبه لصالحه، سواء في ربح أرباح خاصة به، أو المحاباة في توظيف معارفه وأصدقائه، من أجل المعرفة والصداقة، وليس من أجل الكفاءة .. وفي كل هذا إفساد لمصالح صاحب العمل، وقد جاء الإسلام بتحريم جميع أنواع الفساد، وجاء بتحريم استغلال المنصب، كما في هذه القصة التي هي نموذج صادق من سيرة نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، وهي قصة الرجل الذي أرسله النبي عليه الصلاة والسلام لجمع الصدقة، ولما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، فقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام على المنبر، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: (ما بالُ العامل نبعَثُه، فيأتي يقول: هذا لك، وهذا لي؟ فهلاَّ جلَس في بيت أبيه، وأمِّه، فينظر أيُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيءٍ إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إنْ كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَرُ)، ثم رفَع يديه عالياً، وقال: (ألاَ هل بلغت)، ثلاثًا [120]. رواه البخاري ومسلم.

وهكذا حفظ الإسلام حقوق صاحب العمل من الضياع والإهدار، حتى تسير قافلة الإنتاج والاقتصاد بأمان، وتكتمل دورة مصالح الإنسان في الحياة.

الإسلام ووقاية الإنسان من العنصرية

(18)

وتظهر الحقيقة المبهرة في الإسلام .. لتحمي نسيج المجتمع من التمزق، والفتن .. في تشريع متين يحمي أفراده من داء العنصرية، التي تنادي بالتمييز بين الناس في عنصرهم، وأصلهم، ولونهم.

وقد حاربها الإسلام منذ أول يوم جاءت فيه رسالة السماء إلى رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، عندما كان الولاء بصدق الانتساب إلى الدين، وليس بالجنس، أو اللون.

وقد نشأ النبي محمد عليه الصلاة والسلام في مجتمع يقوم على التمييز في عنصرية الجنس، واللون، ويعيش الناس فيه طبقات متفاوتة، ومعيار التفضيل هو الجنس، واللون، وكثرة المال، فلا مساواة بين الناس، ولا احترام للإنسانية.

وعندما جاءت رسالة السماء إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام كان أكثر أتباعه من الضعفاء، والفقراء، وبعضهم من طبقة العبيد، وكان المجتمع يقوم على الأشراف، من أصحاب الطبقة الارستقراطية، وقد لاحظت هذه الطبقة التي لم تؤمن به؛ أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام لا يميز بين أصحابه، والجميع عنده في درجة واحدة، فاستغربوا كيف يكونون متساوين مع طبقة أقل منهم، بل وفيهم بعض عبيدهم! فطلبوا منه أن يطرد هؤلاء الفقراء والعبيد ليكونوا من أتباعه، وقالوا له: إذا أردت منا أن ندخل في الإسلام؛ فاطرد هؤلاء الضعفاء، والعبيد.

ولكن جاء القرآن من الله تعالى يأمره بأن لا يطرد أصحابه الصادقين من أجل هؤلاء الأشراف، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ52﴾ [121]، و كذلك قوله تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا28﴾ [122]. الأنعام: 52. الكهف: 28.

وهكذا جاء الأمر من الله تعالى للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، بأن يكون مع هؤلاء الضعفاء والفقراء، ويترك أولئك العنصريين، الذين يحبذون طرد جميع الذين ليس مثلهم في الجنس، واللون، والمال.

وقد جاء الإسلام بالدعوة إلى تكريم الإنسان من غير تمييز بين الناس، وأن جميع الناس عند الله متساوون، ولا تفاضل بينهم إلا في صدق الإيمان، وطاعة الله تعالى، ويدل على هذا بعض آيات القرآن، وأحاديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كهذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ13﴾[123]. الحجرات: 13.

وقد أرشد نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام إلى مبدأ المساواة بين الناس في قوله: (الناس بنو آدم، وآدم خُلِقَ من تراب)[124]. رواه الترمذي.

وانطلاقاً من مبدأ المساواة، ومحاربة العنصرية كانت جميع مراحل حياة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، وظهر تطبيق ذلك من خلال أفعاله، وأقواله، فكان لا يتميز عن أصحابه رضي الله عنهم، حتى كان الرجل الغريب إذا أتى يقول: أيكم محمد؟! وكان بلال الحبشي رضي الله عنه يدخل عليه ليخبره بوقت الصلاة، ويدخل عليه في أوقات لا يدخل فيها أحد من أشراف قبيلته، وبلال هذا كان عبداً لأحد أهل مكة قبل الإسلام.

وكان النبي محمد عليه الصلاة والسلام يقضي حاجة الجميع من غير تمييز، حتى إن المرأة الضعيفة تكلمه فيما تحتاجه فيسمع كلامها، ويقضي لها حاجتها، وكان يحكم بين أصحابه إذا اختصموا بالعدل، من غير مراعاة إلى طبقتهم في المجتمع، وكان إذا جاء وقت الصلاة اصطف المسلمون وراءه صفوفاً لا تمييز بينهم في جنس، أو لون، ويكون أقرب الناس إليه في الصلاة الذي يأتي مبكراً قبل أصحابه، وكان إذا دعاه أحد أصحابه إلى بيته يلبي دعوته، ويرضى بما يقدمه له من الطعام مهما كان قليلاً، ويلبي دعوة الجميع، بدون تمييز ولا عنصرية، وكان إذا سمع أحد أصحابه ينادى باسم قبيلته وجنسه يقول: (دعوها فإنها منتنة)[125]. رواه ابن حبان.

وهكذا فإن الإسلام راعى كرامة الإنسان، فالناس في الإسلام جميعهم سواسية، لا تمييز بينهم بجنس، ولا بلون، ولا بمال، وإنما يكون التمايز والتفاضل عند الله بالتقوى.

الإسلام وأخلاق الإنسان

(19)

وهذه صورة صادقة من صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. عندما يبني الإسلام الأخلاق كأجمل بناء ..

فإن مكارم الأخلاق من أعظم أركان البناء للمجتمع الإنساني .. فإن الإنسان بدون أخلاق لا فرق بينه وبين البهائم .. والإنسان بدون أخلاق لن يشعر بإنسانيته التي أكرمه الله تعالى بها.

ومع مكارم الأخلاق يسود بين الناس السلام، والطمأنينة.

ومن أجل ذلك جاء الإسلام بالدعوة إلى مكارم الأخلاق، بل إن رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام جعل مكارم الأخلاق رسالته التي يقوم عليها الإسلام، وذلك عندما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).[126] رواه البيهقي في السنن والحاكم في المستدرك.

وقد كانت دعوة نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام إلى مكارم الأخلاق بأفعاله، فقد كان القدوة الكبرى للمسلمين في مكارم الأخلاق، وبلغ في هذا حتى إن أعداءه كانوا يعترفون بأمانته، وصدقه، ووفائه بوعوده، ويثقون به ثقة شديدة .. وأعظم ثناء على أخلاقه هو ما جاء في القرآن، حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ4﴾ [127]. القلم: 4.

فإن هذا أعظم ثناء؛ فهو ثناء من الله تعالى ثناؤه، خالق الخلق، ومالك المُلْك، الذي يعلم عن خلقه قبل خلقهم، ويعلم سرهم وجهرهم.

وقد وصفت لنا عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام أخلاقه وصفاً دقيقاً، كما جاء في الآية السابقة، عندما سألوها عن أخلاقه عليه الصلاة والسلام، فقالت: قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾، خُلُقُ محمد القرآن. [128]. رواه أبو يعلى.

وإذا كان هذا هو رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام على درجة عالية من مكارم الأخلاق؛ فإن هذا يعني أن الإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق .. وقد ظهر هذا في أكثر من صورة:

أولها: كما مرّ من وصف أخلاق رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أنه هو القدوة العليا للمسلمين.

ثانياً: لقد جاء الأمر من الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام؛ أن يكون لطيفاً رقيقاً في معاملته للناس، وأن لا يكون غليظاً، حتى لا ينفر عنه الناس، وجاء هذا في قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ159﴾[129]. آل عمران: 159.

ثالثاً: لقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكارم الأخلاق، وذكر ما في ذلك من الأجر والثواب العظيم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنّ من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؛ أحاسنكم أخلاقاً)[130]. رواه الترمذي.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)[131]. رواه أبو داود.

وقال عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمن ليدرك بحُسْن خُلُقه درجة الصائم القائم)[132]. رواه أبو داود.

رابعاً: بالتحذير من مساوئ الأخلاق: وقد جاء ذلك في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللَّعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء)[133]. رواه الترمذي.

خامساً: وبمصاحبة الأخيار: فقد حض الإسلام على مصاحبة الأخيار، ونهى عن مصاحبة الأشرار، وذلك لتأثر الصديق بصديقه، وهو مشاهد في الواقع، وقد جاء ذلك في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء؛ كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك؛ إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة)[134]. رواه البخاري ومسلم.

وهكذا سعى الإسلام إلى ترسيخ مكارم الأخلاق، التي هي من أسباب تجانس المجتمع الإنساني، وانتشار السلام والطمأنينة، وسعادة الإنسان بأخيه الإنسان.

الإسلام وصدق الإنسان

(20)

لقد جعل الإسلام الصدق في أرفع الدرجات .. فكان تلك الحقيقة المبهرة، التي تجلَّت في أجمل صورة، ليرسم للإنسان المسار الصحيح .. والذي يحتاج إليه كحاجته إلى الطعام والشراب .. وإذا كانت حياة الإنسان لا تقوم إلا بالطعام والشراب؛ فإن الصدق كذلك تقوم عليه كل حياته .. وبدون الصدق؛ فإن الإنسان أسوأ من البهيمة، لأن البهائم نفسها لا تحب الكذب .. وبدون الصدق؛ كيف سيكون تعامل الناس فيما بينهم؟! فهم يحتاجون إلى العهود والمواثيق، ويحتاجون إلى الصدق في الأقوال والأفعال، ويحتاجون إلى الصدق في البيع والشراء، بل ويحتاجون إلى الصدق في نقل الأخبار، ويحتاجون إلى الصدق مع الأبناء حتى ينشؤوا صالحين، ويحتاجون إلى الصدق في شهادات المحاكم.

وأعظم من هذا كله؛ الصدق مع الله تعالى في عبادته وطاعته، وطلب مرضاته، فإن هذه هي الغاية العظمى التي خلق الله الإنسان من أجلها.

وكل هذا جعل للصدق مكانة كبيرة في الإسلام، ولذا تجد ذِكْر الصدق في القرآن كثيراً، إلى درجة أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا دائماً مع الصادقين، كما في قوله تعالى ثناؤه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ119﴾ [135]. التوبة: 119.

وعندما جاء مدح أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام في القرآن؛ كان مدحهم بالصدق، كما قال الله تعالى: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا23﴾[136]. الأحزاب: 23.

ومفهوم الصدق في الإسلام هو مفهوم شامل، يدخل فيه جميع معاملات الناس، من أقوال وأفعال، ويظهر هذا في الآتي:

أولاً: الصدق في الإسلام من أجل نشر الطمأنينة في المجتمع الإنساني: والطمأنينة عامل ضروري للاستقرار النفسي والاجتماعي للإنسان، بل والاستقرار الاقتصادي والسياسي، ولذلك قال رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)[137]. رواه الترمذي.

ثانياً: الترغيب الشديد في الصدق، والتحذير الشديد من الكذب: وفي هذا يقول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالصدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويَتَحَرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كَذَّاباً)[138]. رواه البخاري ومسلم.

ثالثاً: لقد أمر الإسلام بالصدق حتى مع الأطفال: فلا يجوز الكذب عليهم والاعتذار بأنهم صغار لا يتأثرون بالكذب، بل إنّ في هذا تعليمهم الكذب، ولذا فإن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام حذّر من الكذب على الأطفال، كما جاء في قصة المرأة التي دعت ابنها، وقالت له: ها تعال أعطيك، فقال لها النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (وما أردت أن تعطيه)؟ قالت: أعطيه تمراً، فقال لها: (أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتِبت عليكِ كذبة)[139]. رواه أبو داود.

رابعاً: لا يجوز التحديث ونقل الأخبار في كل شيء: بل يجب التحري من صدق ما ينقله إليك غيرك، ولا يجوز في الإسلام الكذب من أجل إضحاك الناس، فقد جاء النهي عن كل هذا في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)[140]. وقال أيضاً: (ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له)[141]. رواه مسلم. رواه أبو داود والترمذي.

خامساً: وجاء الإسلام بالصدق في البيع والشراء: ومعلوم أن مصالح الناس تتضرر بالغش والكذب في البيع والشراء، ولذا فقد جاء الإرشاد الصريح في هذا من النبي محمد عليه الصلاة والسلام، عندما قال: (البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا- أو قال: حتى يتفرقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنَا؛ بُورِك لهما في بيعهما، وإنْ كَتَمَا وكَذَبَا مُحِقَتْ بركة بيعهما)[142]. رواه البخاري ومسلم.

سادساً: وجاء في الإسلام الأمر بالصدق في العمل: فلا يجوز الغش في أي سلعة، سواء في صناعتها، أو عند عرضها، بل لا يجوز للعامل إذا عمل عملاً أن يتهاون فيه بأي نوع من أنواع التقصير، وقد جاء الأمر في كل هذا في قول رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).[143] رواه الطبراني في الأوسط.

سابعاً: وجاء الأمر في الإسلام بالصدق حتى مع الأعداء: فلا يجوز الكذب عليهم، بل يجب الصدق عند الشهادة عليهم إذا كانوا يستحقون ذلك، كما جاء الأمر به في القرآن، في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا135﴾ [144]. النساء: 135.

وهكذا تجد أن الإسلام يريد أن يكون الصدق منتشراً في الأفراد، وفي الأسرة، وفي المجتمع، وفي جميع شؤون الإنسان؛ حتى يسعد الإنسان بالطمأنينة، وتستقيم مصالحه، فإن الصدق هو قلب الحياة الإنسانية السعيدة.

الإسلام والرفق واللين بين الناس

(21)

وفي صورة من صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. نجد اهتمام الإسلام بما يصلح الناس، ويحارب جميع أنواع العداوة والبغضاء ..

حيث دعا الإسلام إلى الرفق واللين، الذي هو ضد العنف والقسوة .. وإذا كان العنف ينشر بين الناس العداوة، والبغضاء، وضياع حقوق الضعفاء؛ فإن الرفق واللين ينشر بين الناس الرحمة، والمحبة، وإنصاف المظلوم.

ولذا فقد أمر به الإسلام، ووصفه رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: (مَن يُحرم الرفق يُحرم الخير كله)[145]. رواه مسلم وأبو داود.

وهكذا فإن الرفق في الإسلام هو الخير كله، وهذا يعني أنه مأمور به في جميع المعاملات بين الناس .. وكذلك ترى أهمية الرفق واللين في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانَه﴾ [146]. وكذلك في قوله: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف...)[147]. وقال أيضاً: (حُرِّم على النار؛ كل هيّن، ليّن، سهل، قريب من الناس)[148]. رواه مسلم. رواه البخاري ومسلم. رواه أحمد في المسند.

وقد ظهر الرفق واللين في الإسلام في أكثر من صورة، منها:

جاء في القرآن الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام بالرفق واللين: كما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ159﴾[149]. آل عمران: 159.

وجاء في القرآن قصة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام: مع فرعون الطاغية، الذي استكبر في الأرض، وادعى أنه إله ورب الناس، وكان شديد البطش ببني إسرائيل، ومع هذا فقد أمر الله تعالى نبيه موسى وأخاه هارون عليهما الصلاة والسلام أن يقولا له قولاً لَيِّناً ليس فيه غلظة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ43 فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ44﴾[150]. طه: 43- 44.

بل إن الإسلام أمر بالرفق حتى مع الحيوان: فلا يجوز في الإسلام أذى الحيوان وتعذيبه، وقد ظهر هذا بوضوح في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام للرجل الذي كان لا يطعم جمله، ويتعبه في العمل: (أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله؟! إنه اشتكى إليَّ أنك تُجِيعُهُ، وتُدْئِبُهُ)[151]. رواه أبو داود.

وكذلك جاء الأمر بالرفق بالحيوان المذبوح فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)[152]. رواه مسلم والترمذي.

وهكذا فإن الإسلام دعا إلى الرفق واللين في كل الأحوال، ومع الجميع، حتى الحيوان .. وفي هذا صلاح للإنسان، لأن الرفق واللين سيزرع الرحمة والمحبة بين الجميع، وتزول العداوة والعنف.

الإسلام والتسامح بين الناس

(22)

التسامح واحد من صور الحقيقة المبهرة في الإسلام .. فإن من أجمل صفات النفس الراقية القوية، والحياة بين الناس لا تستقيم إلا بالتسامح؛ لأن الإنسان مخالط لأخيه الإنسان، وفي أثناء هذه المخالطة تحدث أخطاء من أحد الطرفين، وليس كل خطأ يستحق الغضب والعقاب، فينبغي التسامح؛ لتستمر العلاقة الجميلة بين الناس.

ولأهمية التسامح في حياة الإنسان؛ فقد جاء بذلك الإسلام على أشكال متعددة، لكي تشمل الأقوال والأفعال ..

ودائرة التسامح في الإسلام دائرة واسعة، يدخل فيها: الرحمة، والعفو، والتساهل، والبر، والإحسان، ويدخل تحت هذه العناوين أشياء كثيرة.

ولأن التسامح يحتاج إلى الصبر، وضبط النفس، وترك التهور؛ فقليل أولئك الذين يتصفون بهذه الصفة الجميلة؛ لأن التسامح يعني الاتصاف بجميع الأخلاق الفاضلة، وليس كل أحد يتهيأ له ذلك.

وتظهر قيمة التسامح في الإسلام من خلال آيات كثيرة في القرآن، تدعو إلى التسامح والعفو، وكذلك أحاديث رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، والذي كان من أعظم الناس تخلُّقاً بالتسامح والعفو.

أما القرآن:

فقد قال الله تعالى مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿...فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [153]. المائدة: 13.

وقال له أيضاً: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ...﴾ [154]. آل عمران: 159.

وقال الله تعالى في وصف المتقين، وهم أعلى الناس درجة: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ117﴾ [155]. آل عمران: 134.

وفي الترغيب في التسامح يقول الله تعالى: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ40﴾ [156]. الشورى: 40.

وغيرها من الآيات ..

وأما حديث رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام:

فقد جعل التسامح من أفضل الإيمان، كما جاء في قوله: (أفضل الإيمان الصبر، والسماحة)[157]. رواه الديلمي.

والسماحة سبب في النجاة من النار يوم القيامة: كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (حَرُمَ على النار كل هيِّن، ليِّن، سهل، قريب من الناس)[158]. رواه أحمد.

والسماحة بكف الغضب سبب في النجاة من العذاب: قال عليه الصلاة والسلام: (مَن كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه، ومَن خَزَنَ لسانه ستر الله عورته .. )[159]. رواه أبو يعلى.

بل وجاء الترغيب في السماحة في البيع، والشراء، وقضاء الدَّيْن، والمطالبة بالمال من المقترض، وكل ذلك في حديث رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (رحم الله عبدا سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى)[160]. رواه البخاري.

وكان عليه الصلاة والسلام سمح التعامل مع أصحابه، حليماً لا يغضب لنفسه مهما ناله من الأذى، فقد جذبه ذات مرة رجل من رداء كان على عنقه جذبة شديدة، حتى ظهر أثر الرداء في العنق، ثم قال الرجل: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك؟ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضَحِكَ، ثم أمر له بعطاء[161]. رواه البخاري ومسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه رضي الله عنهم بالعفو والصفح في كل شيء فيه حق.

وهكذا فإن الإسلام دعا إلى التسامح بين الناس حتى في العفو عن الدماء، وهذا فيه نشر للمحبة والتآلف بين الناس، وفي هذا أساس الحياة السعيدة للإنسان.

الإسلام والستر بين الناس

(23)

وتتجلّى الحقيقة المبهرة في الإسلام في أجمل صورها؛ عندما يدعو الإسلام إلى الستر .. والستر هو عدم كشف عيوب الناس وأخطائهم للناس، حتى يبقى الاحترام والتقدير بين الناس، ولا يعيِّر بعضهم بعضاً بالأخطاء، لأنه لا يخلو مجتمع عن أخطاء وذنوب يقع فيها البعض .. وكذلك لا تخلو هذه المجتمعات عن عقوبة مرصودة لهذه الأخطاء .. ولكن تتفاوت درجات هذه الأخطاء والذنوب، فهنالك أخطاء لا يتجاوز ضررها صاحبها، وهنالك أخطاء تنحصر بين شخصين، وهنالك أخطاء يصل ضررها إلى مجتمع بعينه، وهنالك أخطاء يصل ضررها إلى جميع الناس.

وكما تفاوتت أضرار الأخطاء والذنوب، كذلك تتفاوت عقوبتها حسب نسبة الضرر ..

ولأن الإنسان يعيش في هذا الكون مع أخيه الإنسان؛ فيجب مراعاة مصلحة الجميع، وهذا هو الذي راعاه الإسلام عندما أتي بالعقوبات عن الإضرار بمصالح الناس.

ولكن مع تشريع هذه العقوبات فقد كان الإسلام مرناً، فراعى حتى مصلحة المخطئ إذا لم يكن هنالك ضرر في هذه المراعاة .. ويظهر لنا هذا في مبدأ الستر الذي دعا إليه الإسلام، بل وجعل عليه ثواباً عظيماً من الله تعالى.

وينطلق مبدأ الستر في الإسلام من التعامل الخاص بين الناس، حيث ينحصر الخطأ في دائرة ضيقة، لا تتجاوز المخطئ، وإذا اتسعت تنحصر في المخطئ والعارف بما فعله المخطئ .. وفي كلا الحالين نجد أن الإسلام دعا إلى مبدأ الستر.

أما الحالة الأولى: فيستر على نفسه ولا يجاهر بمعصيته بين الناس.

وأما الحالة الثانية: فيستر فيها العارف بما فعله المخطئ صاحب الخطأ، ويكتفي بنصيحته وزجره عن المعصية، ولا يرفع أمره إلى الحاكم.

الحالة الأولى: جاء فيها قول رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: (كل أمتي مُعَافىً إلّا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)[162]. رواه البخاري ومسلم.

وأما الحالة الثانية: فتتعلّق بجميع أفراد المجتمع، حيث الترابط والتداخل بين الناس، فيصادف أن يقع نظر أحدهم على خطأ أخيه، فماذا يفعل؟ هل يستره وينصحه، أم يرفع أمره إلى الحاكم؟

وهنا نجد أن الإسلام يحض بشدة على الستر، مراعاة لمصلحة المخطئ، حتى لا يفتضح أمره أمام الجميع، إلا إذا كان المخطئ من المجاهرين بالذنوب، والساعين إلى نشر الفاحشة، أما مستور الحال، الذي لا يجاهر بالذنوب؛ فينبغي الستر عليه، وزجره بالنصيحة الخاصة.

وجاء في صورة أخرى: بيان أن الذي يستر على المذنب؛ سيجازيه الله بمثل فعله؛ فيستره في الدنيا وفي الآخرة، وقد جاء هذا في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)[163]. رواه مسلم وأبو داود.

وبهذه الشمولية لمفهوم الستر نجد أن الإسلام حفظ مصالح جميع الناس، وراعى مشاعرهم وخصوصياتهم، وفي كل هذا تماسك لبناء المجتمع الإنساني، وحفظ له من فوضى المتتبعين لأخطاء الناس بغرض نشر الفضائح في المجتمع.

الإسلام وجبر خاطر الإنسان

(24)

وفي جبر الخواطر تظهر الحقيقة المبهرة للإسلام .. وهي تراعي حتى المشاعر والعواطف .. ويظهر هذا في إدخال السرور على النفوس بالمعروف، ماديّاً، أو معنويّاً، وتطييب القلوب بالكلمة الطيبة، فإن جبر الخواطر ضرورة لابد منها من الإنسان إلى أخيه الإنسان، ما دام أنهما يعيشان في مجتمع يجمع بينهم .. وجبر الخواطر هو الضامن لتقارب القلوب، والتي بتقاربها تكون المحبة بين الناس، وإحسان بعضهم إلى بعض، وأن يحب بعضهم لبعض الخير والسعادة.

ولأن الإسلام دين السلام، ودين الرحمة؛ فنجده قد اهتم بمبدأ جبر الخواطر ..

وقد ظهرت صور عملية صادقة في سيرة رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام تدعو إلى جبر الخواطر، وفي كل هذه الصور يظهر لنا رفق ورحمة رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، الذي قال له ربه تعالى في القرآن: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾[164]. الأنبياء: 107.

كان النبي عليه الصلاة والسلام عظيم النفس، يجبر بخاطر الصغير، والكبير.. وكان من خُلُقه أنه لا يواجه أحداً بشيء يكرهه، ولا ينتصر لنفسه إلا أن تُنتهك حرمات الله، وكان لا يختار إلا أيسر الأمرين، وكان دائم البسمة، وكان لا يقطع حديث أحد في مجلسه حتى يكمل كلامه، وكان إذا كره شيئاً يتغير وجهه فيعرف أصحابه كراهته لهذا الشيء، وكان إذا أهداه أحدهم شيئاً كافأه على هديته، وكان يلاعب الصغار ويمازحهم.. وكل هذه الأخلاق يظهر فيها جبر الخواطر في أسمى معانيه.

وجاء في القرآن في سورة الضحى درس بليغ؛ فقد أمر الله فيها النبي محمداً عليه الصلاة والسلام أن يجبر بخاطر اليتيم، والمسكين، فقال له: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ9 وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ10﴾[165]. الضحى: 9- 10.

ومن جبر الخواطر في الإسلام مواساة المهموم في همومه؛ فتخفف عنه بكلمة طيبة، تزرع في نفسه الأمل، والسرور..

فقد دخل النبي محمد عليه الصلاة والسلام ذات مرة المسجد، فوجد رجلاً من أصحابه يقال له أبو أمامة، فقال له: (يا أبا أمامة، ما لي أراك في المسجد في غير وقت صلاة)؟! فقال: يا رسول الله، هموم وديون لازمتني، قال: (أفلا أعلِّمك حديثاً إذا أنت قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك)؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: (قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرجال)، قال أبو أمامة: فقلته، فأذهب الله غمي وهمي، وقضى عني ديني[166]. رواه أبو داود.

بل حتى الأطفال الصغار فإنهم وجدوا مكاناً في قلب نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، ليجبر خواطرهم..

يخبرنا أنس بن مالك رضي الله عنه، فيقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقاً، وكان يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى: أبا عمير، وكان له نُغَر يلعب به، فمات، فدخل عليه رسول الله ﷺ ذات يوم فرآه حزيناً، فقال: (ما شأنه)؟! قالوا: مات نُغَره، فقال: (يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيْر)؟ وجعل عليه الصلاة والسلام يمازحه، وهو يمسح رأسه. [167]. رواه البخاري ومسلم.

والنُّغَيْر: تصغير النُّغَر، وهو طير صغير أحمر المنقار.

وهكذا تجد مبدأ جبر الخواطر في الإسلام قد جاء تطبيقه العملي في أعلى درجات التطبيق، وذلك في سيرة رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، المبعوث من أجل سعادة الإنسان.

الإسلام والتيسير على الإنسان

(25)

وتصاحب الإنسان تلك الحقيقة المبهرة للإسلام .. ليتم مراعاة ضعف الإنسان البدني بمرض أو غيره ..

وقد راعى الإسلام ضعف الإنسان في كل الأحوال، وجاء تأكيد ضعف الإنسان في القرآن، فقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾[168]. النساء: 28.

والتخفيف المذكور في الآية: هو التيسير الذي يقوم عليه الإسلام كله؛ لأنه دين من عند الله تعالى خالق الإنسان، فهو يعلم حقيقة هذا الإنسان، وما يحتاجه هذا الإنسان، ولذلك جاء التيسير في شرائع الإسلام، وجاء في القرآن: ﴿...يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ...﴾[169]. البقرة: 185.

ولأن في تشريع الله صلاح الإنسان، فقد جعل الله تشريعه منسجماً مع قدرة الإنسان وطاقته، وتكليف الإنسان بما لا طاقة له فيه سيجعله يبغض تكاليف الدين، ولذا جاء في القرآن الآية السابقة، وجاء فيه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ...﴾ [170]، وجاء فيه: ﴿...لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا﴾[171]. البقرة: 286. الطلاق: 7.

وهكذا فإن مبدأ التيسير هو الوصف العام لتشريعات الإسلام، ولا مكان فيه للمشقة، كما جاء في القرآن: ﴿...وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ...﴾[172]. الحج: 78.

وفي سيرة رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام صورة تطبيقية لمبدأ التيسير، كما أخبرتنا زوجته عائشة رضي الله عنها، قالت: (وما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ ‌أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه)[173]. رواه البخاري ومسلم.

وتنسجم شريعة الإسلام مع الإنسان عند المرض، فتجد فيها التخفيف عنه في الصلاة، وفي الطهارة التي تقوم عليها الصلاة، وفي الصيام، وكذلك في السفر، وذلك لمشقته على الإنسان، وفي كل هذا تيسير على الإنسان؛ لأنه ضعيف .. ومع هذا التيسير ينشط الإنسان للقيام بوظائف الدين حسب ما يستطيع، فتستمر الروحانية، والعبودية لله تعالى، ولا تنقطع إلا بالموت ..

والتيسير في الإسلام: يشمل قصر الصلاة في السفر، وجمعها للحاجة المستدعية له، كالمرض، والسفر، والمطر الشديد.

والتيسير في الإسلام: يكون أيضاً في الصيام، ومن مظاهره: إباحة الفطر للمريض، والمسافر، والحامل، والمرضع، وجاء في القرآن: ﴿...فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ...﴾ [174]. البقرة: 184.

والتيسير في الإسلام: يكون أيضاً في الحج، من اشتراط الاستطاعة بأنواعها، المالية، والبدنية، وأمن الطريق، وكذلك امتلاك نفقة الحج، ونفقة أهله.

وليس المقصود من العبادة حصول المشقة، وإنما حصول جوهر العبادة.

ومن ثمار التيسير: تحقيق الراحة والسعادة، والطمأنينة للفرد، وتحقُّق المحبة، والترابط بين المجتمع، لما يحصل من التيسير في المعاملات المالية.

الإسلام وأمن الإنسان

(26)

يتجلَّى الإسلام في صورة صادقة للحقيقة المبهرة للإسلام .. عندما يسعى إلى ضمان أمن الإنسان .. الذي هو أساس الحياة السعيدة..

وما زال الإنسان منذ القدم إلى زماننا يسعى لترسيخ الأمن في حياته، سواء كان فرداً أو حكومات .. ولن يعيش الإنسان سعيداً في مجتمع تسوده الفوضى والاضطراب، ولن تكون حضارة ولا رقي في مجتمع ليس فيه أمن.

ولذلك نجد أن الإسلام حرص على الأمن، ونبَّهَ على أهميته منذ بداية رسالة رسول الإسلام محمد عليه الصلاة السلام، فقد جاء في القرآن تذكير قومه من قريش بنعمة الأمن، حيث قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ4﴾ [175]. قريش: 4.

وقد سعى الإسلام لتعزيز مفهوم الأمن من أجل إسعاد الإنسان بقواعد راسخة، وهي كما يلي:

أولاً: تعزيز الإيمان: الإيمان بالله تعالى هو أغلى ما يمتلكه الإنسان، لأنه هو حياة روحه، والتي بدون حياتها لا قيمة لحياة البدن .. والإيمان الصادق إذا رسخ في القلب؛ فإنه يمنع الإنسان عن الجرائم، وسفك الدماء، وهي من أخطر مهددات الأمن، فالإيمان يهذّب النفس، ويرتقي بالأخلاق، ولذا جاء في القرآن: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ82﴾[176]. الأنعام: 82.

ثانياً: العقوبات: جاء الإسلام بالردع عن الجريمة، من اجل أمن الإنسان، ولذا شرع الإسلام العقوبات الرادعة عن الجريمة، ليعيش المجتمع في أمان، كما جاء في القرآن: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ179﴾ [177]. البقرة: 179.

ثالثاً: تأمين الأموال: حرص الإسلام على التشريعات التي تحفظ الأموال، فجاء بالتشريعات التي تنعش المال بالطريقة الصحيحة، وكذلك جاءت التشريعات التي ترشد إلى الطريقة الصحيحة في إنفاقه، وتجد أن أطول آية في القرآن جاءت لحفظ الأموال، وابتدأت هذه الآية بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ..﴾ [178]. البقرة: 282.

ففي هذه الآية الأمر بتوثيق الديون بالكتابة، وإشهاد الشهود، والأمر بكتابة الديون حتى وإن كانت صغيرة، وفي كل هذا حفظ لأموال الناس، وتأمين لها من أيدي العابثين.

رابعاً: الأمن الغذائي: لقد جاء في الإسلام الحث على العمل، والكسب من عمل اليد، ويدخل في عمل اليد الزراعة، والتي هي أساس الأمن الغذائي، وقد جاء في القرآن التنبيه على أهمية الزراعة في أكثر من آية، كقول الله تعالى: ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ33 وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ34 لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ35﴾ [179]. يس: 33- 35.

وحث رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام على الزراعة في أكثر من حديث، ومنها: (ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة؛ إلّا كان له به صدقة)[180]. رواه البخاري ومسلم.

بل وبلغ من حث الإسلام على الزراعة؛ الأمر بالزرع حتى آخر ساعة من الدنيا، كما جاء في قول النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها)[181]. رواه أحمد في المسند.

والفسيلة: هي النخلة الصغيرة.

خامساً: الأمن الأسري: الأسرة هي أساس المجتمع، ولذا جاء الإسلام بالاهتمام بها، وحمايتها من التفكك.

ويدخل في حماية أمن الأسرة: حماية الحياة الزوجية: وذلك بتشريع ما يكون سبباً للحفاظ على العلاقة الزوجية بين الزوجين، وذلك باحترامهما لبعضهما البعض، ومعرفة كل واحد لحقوق الآخر عليه.

ومن حماية أمن الأسرة رعاية الأبناء: ويكوم ذلك بالرعاية الصحيحة، وذلك بالتربية السوية، والنفقة عليهم، وعدم تضييعهم، مع العطف عليهم، والعدل بينهم، حتى لا يكون هنالك عداء بين الأبناء، وقد جاء في الإسلام التحذير الشديد من عدم العدل بين الأبناء، وقد راعى الإسلام التدرج في رعاية الأبناء منذ الطفولة وحتى البلوغ.

وهكذا تجد أن الإسلام بهذه القواعد وما يتفرع عنها؛ قد حرص على أمن الإنسان في جميع مراحل الحياة ومناحيها، ليضمن الاستقرار والطمأنينة للإنسان.

الإسلام وانضباط الإنسان

(27)

والانضباط واحد من صور الحقيقة المبهرة .. التي يجعل الإسلام منه معياراً لضبط السلوك والتصرف، والقيام بالواجبات دون الحاجة إلى رقيب، وعدم العشوائية ضروري للإنسان في تنظيم حياته، بل هو ضروري لانتظام حياة المجتمع .. فإن عقارب الساعة لا تتوقف، ويجب أن يكون هنالك عمل مضبوط للإنسان ما دام أن الزمن لا يتوقف.

وقد دعا الإسلام إلى الانضباط حتى في التفكير، فلا مكان للفوضى .. بل يطالعنا القرآن بأن هذا الكون كله خلقه الله تعالى مضبوطاً بمقدار ليس فيه خلل، حيث قال الله تعالى: 2 ﴿...وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [182]. الفرقان: 2.

وينبهنا القرآن إلى انضباط حركة الكون بنظام دقيق، قال الله تعالى: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ38 وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ39 لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ40﴾ [183]. يس: 38- 40.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية المعاصرة صدق ذلك، فكان ذلك معجزة ظاهرة في صدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

وتجد في الإسلام: تعليم الله لعباده ضبط أوقاتهم، وضبط أوقات عبادتهم في زمن محدود، حيث جاء في القرآن: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ...﴾ [184]. البقرة: 189.

وجاء في الإسلام ضبط الصلوات الخمس: حيث جعل لها زمناً، وهنالك علامات تضبط دخول وقت الصلاة، وخروج وقتها، فإذا دخل الفجر دخل وقت صلاة الفجر، وإذا طلعت الشمس ذهب وقت الفجر، وهكذا باقي الصلوات مضبوطة بوقت محدود. بل يصحبك الانضباط في الصلاة حتى في طريقة الصفوف أثناء الصلاة، فلا يجوز أن يتقدم أمام الصف، أو يتأخر، وعليه أن يحاذي منكبه مع منكب أخيه، وكذلك يحاذي كعب رِجْله مع كعب رِجْل أخيه، وكذلك الاتجاه إلى قبلة واحدة في أي مكان في الأرض. وكذلك الانضباط في متابعة الإمام في صلاة الجماعة، فيركع بعد ركوع الإمام، ويسجد بعد سجود الإمام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعل الإمام ليؤتم به، إذا ركع فاركعوا، إذا رفع فارفعوا، إذا سجد فاسجدوا)[185]. رواه البخاري ومسلم.

وفي شهر رمضان: إذا طلع الفجر أمسك المسلم عن الطعام والشراب، وإذا غربت الشمس جاز له الأكل والشرب.

وكذلك الانضباط في الحج: إذا طاف حول الكعبة يطوف سبعة أشواط، من غير زيادة ولا نقصان، وتكون بداية كل شوط من الحجر الأسود، ونهاية الشوط عند الحجر الأسود، ويجعل الحجر الأسود عن يساره، والجميع يطوف حول الكعبة بهذا الانسياب، وكذلك عند السعي بين الصفا والمروة، يسعى سبعة أشواط، وتكون بداية الشوط من الصفا، ونهايته عند المروة. وكذلك إذا رمى الجمرات الثلاث، يبدأ بالصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، ولا يجوز أن يعكس ذلك، ويرمي كل جمرة بسبع حصيات، ولا يجوز أن يزيد على هذا العدد.

بل جاء الإسلام ليربي الإنسان حتى على ضبط لسانه: فإن كل كلمة تخرج من اللسان يجب أن تخرج مضبوطة، حتى صار للكلمة قيمة عند البيع والشراء، وعند الزواج، وعند الطلاق، فإن كلمة واحدة مضبوطة هي التي ستحدد قبولك بالبيع، أو بالشراء، أو بالزواج، أو وقوع الطلاق.

وكذلك الانضباط مع الأسرة: فالزوجة لها حق معلوم من المبيت، والنفقة، والسكن، وكذلك مقدار الميراث من مال الزوج بعد موته، وبالعكس إذا ماتت الزوجة. وكذلك الأبناء لهم حقوق مضبوطة في الميراث بعد موت أحد الوالدين، ولهم حق مضبوط في حياتهما، ولا يجوز تفضيل أحدهم في العطية والهبة، وهذا ميزان العدل، الذي هو من أضبط الموازين، ونفس هذا الميزان يكون حتى في تقبيل الأبناء، فيجب أن يعدل بينهم حتى في عدد مرات التقبيل.

والانضباط في الأكل والشرب: فقد جاء الإسلام بالنهي عن الإسراف في الأكل والشرب، حيث جاء في القرآن: ﴿...وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ...﴾ [186]. الأعراف: 31.

وقال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، حَسْبُ ابن آدم أكلاتٌ يُقمْنَ صُلْبَهُ فإن كان لا محالةَ فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه)[187]. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

وهكذا يصحب الانضباط في الإسلام الإنسان في كل زاوية من زوايا الحياة، لينظم للإنسان حياته، فلا فوضى ولا عشوائية.

الإسلام وحفظ وقت الإنسان

(28)

والوقت في الإسلام هو في أعلى درجات تلك الحقيقة المبهرة .. إذ إن له قيمة عظيمة .. وهو النعمة التي ينبغي للإنسان أن يشكر الله عليها .. وتجد في الإسلام أن كل ساعة يعيشها الإنسان هي فرصة للإنجاز، والعمل الصالح.

وقد ظهرت قيمة الوقت في الإسلام أنه قد جاء في القرآن أن الله أقسم بالوقت، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ1 وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ2﴾ [188]، وقال تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ [189]، وقال تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ﴾ [190]. الليل: 1- 2.. الضحى: 1- 2. العصر: 1- 2.

وإذا أردت أن تعرف قيمة الوقت في الإسلام؛ فتأمل في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصّحة، والفراغ)[191]. رواه البخاري.

والمغبون هو الذي يشتري بأضعاف الثمن، أو يبيع دون سعر المِثل.

والمعنى: مَن كان صحيح البدن، ومتفرِّغاً عن الأشغال؛ ولم يستفد من وقته فيما ينفعه؛ فإن حاله كالمغبون في البيع، أي الخاسر.

وقد ربى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام أصحابه رضي الله عنهم على معرفة قيمة الوقت، حتى قال أحد أصحابه: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزِد فيه عملي)، ومن شدة حرصهم على الوقت وصفهم بعض مَن عاصرهم، فقال: (أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم).

وقد ظهرت قيمة الوقت في جميع مراحل تاريخ المسلمين، حتى حفظ لنا التاريخ نماذج رائعة من حفظ المسلمين للوقت، وعدم إضاعته فيما لا ينفع، ومن هذه النماذج: كان الفتح بن خاقان وزير الخليفة العباسي المتوكل على الله؛ يحمل الكتاب في كُمّه، فإذا قام من بين يدي المتوكل لحاجة أو الصلاة؛ أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة؛ أخرج الكتاب من كُمّه وقرأه في مجلس المتوكل إلى وقت رجوعه.

واستثمار الوقت وحفظه في الإسلام من أجل سعادة الدنيا والآخرة، فإن الهدف من حفظ الوقت في الإسلام يتجاوز مجرد إنجاز عابر، أو متعة يجدها من يستثمر وقته، بل هي غاية سامية، يطلب صاحبها من ورائها الجمع بين سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة.

وهكذا ينظم الإسلام حياة الإنسان في جميع مراحل حياته؛ ليربطه بأعمال نافعة، بعضها منحصرة في الأفراد، وبعضها لجميع المجتمع؛ ليقطف الجميع ثمرة العمر في الدنيا والآخرة.

الإسلام والحب بين الناس

(29)

مفهوم الحب في الإسلام يصور لك تلك الحقيقة المبهرة في صورة متميزة .. فالحب مشاعر سعيدة يشعر بها الإنسان، تدخل في نفسه البهجة والسرور، وهو من أعظم أسرار السعادة.

والحب بين الناس هو الذي يزرع الأمن والطمأنينة، وينشر السلام، وعكسه وهو: البغض، فإنه ينشر العداوة، والبغضاء، بل الحروب والشرور.

والإسلام دين الحب والوفاء .. ومفهوم الحب في الإسلام مفهوم واسع، يدخل فيه كل ما يجده الإنسان من أسرار سعادة الحب الصادق.

وليس الحب في الإسلام مجرد مشاعر حميمية وغرامية عابرة، بل هو مشاعر صادقة دائمة.

ولذا فإن الإسلام انطلق من قواعد راسخة، تؤسس لمفهوم شامل للحب، وليس محصوراً في حب عابر، قد يختلط بأمور غير صحيحة، قادحة في الحب الصادق.

وأول مراتب الحب في الإسلام وأعظمها: حب الله تعالى، وحب رسوله عليه الصلاة والسلام: فهو الحب الذي يسعد به صاحبه في الدنيا والآخرة، بل هو الحب الذي يجد به الإنسان حلاوة الإيمان.

فحب الله تعالى هو بلسم الحياة الحقيقي، فإن كل سعادة مقرونة به.

وكيف لا يحب الإنسان من هو به، وسبب بقائه منه، وتدبيره بيده، ورجوعه إليه، وكل مستحسن محبوب هو من صنعه، فالمحب له يعيش لذة الحياة الحقيقية، وهو مطمئن البال، لا يطمع في غير رزقه، ولا ييأس عند البلاء، ويتطهَّر قلبه من أدران الحسد، والغل، والحقد، وهذه هي السعادة في الحياة الدنيا، مع ما ينتظر صاحبها من حسن الجزاء يوم القيامة، كما جاء في القرآن: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ97﴾[192]. النحل: 97.

وكذا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أيضاً بلسم الحياة، وسر السعادة، لأنه استنقذ العباد من ظلمات الحياة إلى النور والضياء، ومن سجن المادة المجردة، إلى فضاء حرية الروح، التي تسبح في ملكوت الله، وتستمتع بحلاوة الإيمان.

والحب في الإسلام يبرز في أحلى صوره: فتراه في حب الأزواج لبعضهم البعض: وجاء التعبير عنه في القرآن بأجمل صورة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ21﴾[193]. الروم: 21.

وعبَّر عنه رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام بأصدق عبارة؛ عندما سأله أحد أصحابه: يا رسول الله، مَن أحبّ الناس إليك؟ قال: (عائشة)[194]. رواه البخاري ومسلم.

ومن مظاهر الحب في الإسلام: حب الأبناء: والذي ظهر في أجمل صورة من فعل رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، حيث يخبرنا أحد أصحابه، قال: طرقت النبي ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج رسول الله ﷺ وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلمَّا فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟! قال: فكشفه، فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: (هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللهم إني أُحِبُّهُما فأحِبَّهُما، وأحِبَّ مَن يُحِبُّهُما)[195]. رواه الترمذي وابن حبان وأحمد.

ومن مظاهر الحب في الإسلام: الحب بين الإخوان: فقد جاء هذا في نموذج صادق، عندما أخذ رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام ذات يوم بيد أحد أصحابه، وقال له: (يا معاذ، والله إني لأحبك)، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك، قال: (أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)[196]. رواه أبو داود والنسائي.

ومن مظاهر الحب في الإسلام: حب الفقراء والمساكين: وهو أحد أنواع الحب الجميلة في الإسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين..)[197]. رواه الترمذي.

وهكذا يُضفي الإسلام بلسم الحب الشافي لأوجاع الحياة، فيشعر الإنسان بالسعادة عندما يبادله قلب آخر بمشاعر الحب..

ولم تذهب النظريات البشرية بعيداً عن تقرير الإسلام أن الحب هو بلسم الحياة، وسر سعادتها.. ففي دراسة استمرت خمساً وسبعين عاماً، أجرتها جامعة هارفارد الأمريكية، يقول روبرت والدنغار، أستاذ التحليل النفسي في جامعة هارفارد، ومدير برنامج: (غرانت) لدراسة أسباب السعادة: (إن دراسة أجراها خبراء في البرنامج عبر السنين، أثبتت أن الحب، وليس المال، هو سر السعادة)! وهذا المشروع هو أطول برنامج لدراسة النفس البشرية، وكان قد بدأ في عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت.

وهكذا نسفت هذه الدراسة السائد عند الناس أن المال هو سر السعادة في الدنيا.

وإذا كانت السعادة محلها القلب؛ فإن الإسلام جاءت تشريعاته بإصلاح هذا القلب، وإنعاشه بمواد حياته الحقيقية؛ ليسعد صاحبه، وفي هذا يقول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إنَّ في الجسد مُضْغة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسَدتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّه؛ ألا وهي القلب)[198] رواه البخاري ومسلم.

لقد كانت هذه أبرز صور الحب الصادق في الإسلام، والتي ينبغي للإنسان أن يبني عليها مشاعره الصادقة، بعيداً عن ادعاءات الحب التي تمر عابرة في حياته، ولا يكون لها أثر دائم في نفسه كأثر هذه الصور الصادقة.

الإسلام ووفاء الإنسان للإنسان

(30)

الوفاء في الإسلام هو تلك الصورة الجميلة، التي تعكس الحقيقة المبهرة للإسلام ..

فالوفاء في الإسلام هو ذلك المعنى العريض .. فإن من الناس مَن يحفظ معروفاً وإن كان يسيراً، ومن الناس مَن يرعى مجرد بسمة أو سلام تهديه إليه، ومن الناس مَن إذا واسيته بكلمة واحدة رأى أن لك عليه معروفاً عظيماً.. ولكن من الناس صنف آخر لو ألقمته عسلاً لعضَّ أصبعك!

ومفهوم الوفاء في الإسلام مفهوم شامل، يكون بين الأفراد، وبين الأفراد والمجتمع، وبين المجتمع والأفراد، وبين الدول.

وأعظم الوفاء هو الوفاء مع الله تعالى، الذي خلق الإنسان، وأكرمه بالخلافة في الأرض، وسخَّر له كل شيء، فكان جزاء هذا أن يفرد الله تعالى بالتوحيد والعبادة، ويفرده بالشكر على نعمه وآلائه.

ولذلك جاء في القرآن ذكر وفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم أعظم الناس توحيداً لله تعالى، وإخلاصاً في عبوديته، حيث قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ37﴾ [199]. رواه الترمذي وأحمد.

ويدخل في مفهوم الوفاء الشامل في الإسلام؛ الوفاء بالوعد، والوفاء بالعهود والمواثيق، والوفاء بين الأزواج، والوفاء بين الأصدقاء والأصحاب.

أما الوفاء بالوعد: فقد جاء في القرآن الثناء على نبي الله إسماعيل عليه الصلاة والسلام؛ أنه كان وفيّاً في وعده، قال الله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا54﴾[200]. مريم: 54.

ولأهمية الوفاء بالوعد فقد جاء في هذه الآية تقديمه على النبوة والرسالة.

وقد جاء في الإسلام التنفير الشديد من عدم الوفاء بالوعد، حيث جاء وصف صاحبه بالمنافق، كما في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان﴾[201]. رواه البخاري ومسلم.

وأما الوفاء بالعهود والمواثيق: فقد أمر الله تعالى المؤمنين في القرآن أن يوفوا بالعهود والمواثيق، فقال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ...﴾[202]. المائدة: 1.

وقال الله تعالى أيضاً: ﴿... وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾[203]. الإسراء: 34.

وجاء في القرآن الثناء على الذين يوفون بعهدهم، وأن ذلك من صفات عباد الله الأبرار والمتقين، قال الله تعالى: ﴿...وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ...﴾[204]. البقرة: 177.

وقد كان رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام من أشد الناس حرصاً على الوفاء بالعهود والمواثيق، فعندما عقد مع خصومه قريش صلح الحديبية، كان من ضمن العقد الذي بينه وبينهم؛ أن يرد لهم كل مَن جاء مسلماً من أهل مكة، فوفى لهم بذلك عندما جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فرده إليهم، وكان ذلك شديداً على المسلمين وهم يسمعون صياحه وقد أخذه قومه، وهو يقول: يا معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهداً، وإنَّا لا نغدر بهم).

وأما الوفاء بين الأزواج: فإن من المعلوم أن رباط الزوجية يقوم على المحبة، والإخلاص بين الزوجين، وكلما صدق الزوجان في الوفاء لبعضهما؛ كان في ذلك دوام للمحبة بينهما، وكان فيه صلاح للأسرة، وعاشا في سعادة وطمأنينة، وإذا اختل هذا الميزان، ولم يقم الزوجان بحقوق رباط الزوجية؛ كان الجفاء، والخلاف، واضطراب أمور الأسرة.

ولنا في سيرة رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام أصدق نموذج في الوفاء بين الزوجين، فقد تزوج النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن تأتيه رسالة النبوة من الله تعالى بخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فكان بينهما الحب والوفاء، ثم إن هذا الحب والوفاء لم ينقطع بعد وفاة زوجته خديجة، بل كان يثني عليها كثيراً، وبلغ وفاؤه لها بأنه كان يكرم صاحباتها، فقد جاءته ذات مرة امرأة عجوز، فرحَّبَ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وقال لها: (كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا)؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وبعد أن خرجت؛ قالت عائشة رضي الله عنها، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، تُقْبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: (إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)[205]. رواه الطبراني والحاكم والبيهقي في شُعَب الإيمان.

وكان إذا جاءته هدية، أو ذبح شاة يقول: (اذهبوا به إلى فلانة؛ فإنها كانت صديقة خديجة، اذهبوا به إلى بيت فلانة؛ فإنها كانت تحب خديجة)[206]. رواه الطبراني والحاكم وابن حبان.

وهكذا لم ينقطع وفاء النبي عليه الصلاة والسلام لزوجته خديجة رضي الله عنها، حتى بعد موتها، وهذا من أرفع درجات الوفاء بين الأزواج.

وأما الوفاء بين الأصدقاء والأصحاب: وهو وفاء يكون عندما يصدق الصديق مع صديقه، ويجده معه وقت الشدة، ولنا في هذا أصدق نموذج في الإسلام، وهو: وفاء النبي محمد عليه الصلاة والسلام لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والذي كان أول من آمن بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وصبر معه في أيام الشدة، وهي الأيام الأولى في الإسلام، عندما كانت قريش في مكة تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام وتكذبه، ولم يكتف أبو بكر بالتصديق، بل كان ينفق من ماله من أجل نُصرة النبي عليه الصلاة والسلام. وبعد أن انتشر الإسلام، وقوي المسلمون، لم ينس النبي عليه الصلاة والسلام صدق صحبة صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان هو جليسه المقرَّب إليه، وأثنى عليه أمام الناس بأعظم ثناء، فقال: (إِنَّ أمَنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبوبكر، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خُلَّة الإسلام ومودته، لا يبقَيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ، إلّا باب أبي بكر)[207]. رواه البخاري ومسلم.

وبهذه الصور المختصرة تجد أن الوفاء في الإسلام يلامس حاجة الإنسان في بيته، وفي مجتمعه، ومع أصحابه، بل ومع خصومه.

الإسلام وتفاؤل الإنسان

(31)

التفاؤل هو ذلك المعنى الجميل .. وهو واحد من الصور الجميلة للحقيقة المبهرة في الإسلام ..

والتفاؤل في الإسلام هو من درجات الإيمان التي لا يليق بالمسلم إلا أن يتخلَّق بها، وجاء في القرآن من كلام يعقوب عليه الصلاة والسلام لأبنائه: ﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ87﴾[208]، و كان ذلك بعد أن غاب عنه ابنه يوسف عليه الصلاة والسلام سنين طويلة، ولكن لم يفقد الأمل والتفاؤل.. وقد أخبرنا القرآن أن جزاء هذا التفاؤل كان الجلوس على عرش مصر مع ابنه الذي فقده طويلاً، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ100﴾[209]. يوسف: 87. يوسف: 100.

والمتفائل في الإسلام على درجة عالية من درجات التوكل على الله تعالى، فالمتفائل أحسن الظن بالله، فهو على يقين أن الله لا يقدِّر له إلا خيراً، وجاء في الحديث القدسي: (قال الله تعالى: أنا عند ظَنّ عبدي بي، إنْ ظَنَّ بي خيراً فله، وإنْ ظَنَّ شرّاً فله)[210]. رواه أحمد.

والمتفائل في الإسلام تجده لا ييأس، فهو يعلم أن الله لن يضيعه، ولذا تجده دائم الثقة بالله تعالى، ويرفع يديه بالدعاء كثيراً يطلب من الله الذي يملك كل شيء، وجاء في القرآن: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ...﴾ [211]، وقال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ...﴾ [212]. غافر: 60، النمل: 62.

بل تجد المسلم يثق بأن اليسر مقرون بالعسر، ومهما اشتدت عليه المصائب فهو يعلم أن اليسر سيأتي بعد العسر، لأنه يؤمن بما جاء في القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا5 إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا6﴾[213]. 5- 6.

وقد جاء عن رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، أنه كان يحب التفاؤل، ويكره التشاؤم، الذي هو ضد التفاؤل، وكان يقول: (لا طِيَرة، وأحب الفأل الصالح)، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: (الكلمة الحسنة)، وفي رواية: (الكلمة الطيبة)، وفي رواية: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)[214]. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يتفاءل حتى بالاسم الحسن، ومن شدة حبه للتفاؤل بالاسم الحسن؛ كان يغيِّر الأسماء التي تدل على التشاؤم بأسماء أحسن منها تدل على التفاؤل.

فالإسلام يقول للإنسان: كن متفائلاً دائماً واطرد التشاؤم بعيداً.

والإسلام يقول للإنسان: كن واثقاً بالله تعالى، وأنه لن يضيعك.

والإسلام يقول للإنسان: التوكل على الله هو طريقك إلى الطمأنينة، والراحة النفسية.

والإسلام يقول للإنسان: اليسر مقرون بالعسر، وبعد ظلام الليل سيأتي ضوء النهار.

وهكذا فإن الإسلام أراد للإنسان أن يعيش حياته متفائلاً دائماً ليسعد بحياته، ولا يكدر حياته شيء من التشاؤم، الذي يكون سبباً في شقاء الكثيرين، الذين لا ينظرون إلى الحياة إلا بعين التشاؤم.

الإسلام والإنسان المعاق

(32)

وفي صورة إنسانية عظيمة .. تظهر لك الحقيقة المبهرة في الإسلام .. وأنت ترى الإسلام يهتم بالمعاق، ويحرص أن يكون جزءاً كاملاً في المجتمع ..

ومهما تفاوتت درجات الإعاقة؛ فإن الإسلام جعل للجميع حق الرعاية الكاملة، والتمتع بالحقوق المعنوية، والمادية ..

وتظهر لك تلك الحقيقة المبهرة في تعامل الإسلام مع المعاق في الآتي:

أولاً: المعاق في الإسلام إنسان كامل: المعاق في الإسلام فرد من المجتمع، وهو إنسان محترم الإنسانية، ولا يؤثر في ذلك عجزه عن خدمة المجتمع مثل السليم؛ لأنه سيكون في المكان المناسب الذي يستطيع أن يخدم من خلاله المجتمع.

وقد ظهر هذا المعنى منذ بداية الإسلام عندما جاء رجل أعمى إلى رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، وهو يدعو إلى الإسلام جماعة من أشراف قريش في مكة، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلِّمه الإسلام، فلم يلتفت إليه لانشغاله بهؤلاء الأشراف، الذين لو أسلموا ففي إسلامهم مصلحة كبيرة، ولكن نزل الوحي على محمد عليه الصلاة والسلام يعاتبه على إعراضه عن هذا الأعمى، حيث جاء في القرآن: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ1 أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ 2 وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ3 أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ 4 أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ 5 فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ 6 وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ 7 وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ 8 وَهُوَ يَخۡشَىٰ 9 فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ10 كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ11 فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ12﴾[215]. عبس: 1- 12.

وفي هذه الآيات يُذَكِّر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بأن الغاية هي الهداية، وليس الأشخاص، فإن هداية هذا الرجل الأعمى هي أفضل من أشراف وسادة قريش في مكة؛ لأنهم معاندون، ويرفضون الإسلام، وآذوا النبي عليه الصلاة والسلام، والمسلمين الذين دخلوا في الإسلام.

وهذا الأعمى اسمه: عبد الله بن أم مكتوم، وقد أصبح بعدها من المقرَّبين إلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، إلى درجة أنه كان أحياناً يستخلفه للصلاة بالمسلمين في المدينة إذا خرج في سفر. بل وكان مؤذناً للنبي عليه الصلاة والسلام، يؤذِّن للصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد التوحيد.

ثانياً: دمج المعاق في المجتمع: كما مر معك أن المعاق في الإسلام له العضوية الكاملة في المجتمع، لا فرق بينه وبين السليم إلا في نوع الوظائف التي يؤديها السليم، والتي لا تتلاءم مع المعاق.

وهذا الدمج يكون بإفساح المجال للمعاق بأن يساهم في مجتمعه بما يستطيع، ومن شدة اهتمام الإسلام بالمعاق فقد جاء في القرآن بأن الله تعالى يعذره في عدم استطاعته لبعض الأعمال، كعدم قدرته على القتال، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ...﴾[216]. الفتح: 17.

وقد ظهر في الإسلام علماء كبار كانوا معاقين، ولكن لم تمنعهم الإعاقة من المساهمة فيما ينفع المجتمع، فقد اندمجوا في المجتمع، وجلسوا في أرفع مجالس العلم، مثل: عطاء بن أبي رباح، وهو تلميذ ابن عباس الذي هو أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان عطاء هذا من أعظم فقهاء المسلمين، وكان أعور، مشلولاً، أعرج، ولم تمنعه الإعاقة من الاندماج في مجتمعه، فكان هو الذي يقوم بوظيفة التعليم والفتوى في المسجد الحرام، في مكة، إلى درجة أن المنادي كان ينادي في موسم الحج: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح.

ثالثاً: مراعاة الجانب النفسي: من المعلوم أن المعاق يحتاج إلى رعاية نفسية خاصة، وقد راعى الإسلام هذا الجانب، فلا يجوز في الإسلام أن يعيب أحد على المعاق إعاقته، أو يستهزئ به، مثل أن يقول له: يا أعرج، يا أعور، يا مشلول، فقد جاء في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ...﴾[217]. الحجرات: 11.

بل جاء الإسلام بتلبية رغبة المعاق إذا رغب في أداء عمل لا يلائمه، مراعاة للجانب النفسي، كما جاء في قصة عمرو بن الجموح رضي الله عنه، وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فقد جاء إليه يطلب المشاركة في القتال، وكان رجلاً أعرج، فقال: إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة! فأذِنَ له النبي عليه الصلاة والسلام بالمشاركة في القتال، بعد أن أخبره أنه معذور.

رابعاً: الأجر العظيم على الإعاقة: لقد جاء في الإسلام الوعد بالأجر العظيم على الإعاقة يوم القيامة، وفي ذلك تسلية عظيمة للمعاق، وتخفيف عنه، عندما يعلم أن ضرر إعاقته لن يذهب من غير مقابل عظيم .. فقد جاء في ذلك قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر واحتسب؛ لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة)[218]. ومعنى حبيبتيه: أي عينيه. رواه البخاري والترمذي وأحمد.

بل جاء في الإسلام الوعد بالثواب والأجر على كل بلاء، ويدخل في هذا جميع الإعاقات، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمَن رَضِيَ فله الرضا، ومَن سَخِطَ فله السخط)[219]. رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد.

وهكذا فإن الإعاقة في الإسلام لا تعطِّل عن الإنسان حقوقه، ولا تنقص من إنسانيته التي أكرمه الله بها، فيشعر المعاق بقيمته في مجتمعه، فيحيا حياته بدون متاعب، ولا شعور بالنقص.

الإسلام والإنسان كبيراً

(33)

وتظهر لك تلك الحقيقة المبهرة للإسلام .. عندما يرعى كبير السن، الذي خدم مجتمعه في أيام قوته .. فكان من حقه أن يخدمه المجتمع عندما يضعف ..

ومعلوم أن الإنسان يمر بمراحل في حياته، وفي كل مرحلة يعيش بما يتلاءم معها، فعندما يشتد عوده يبدأ في العمل، وفي هذه المرحلة يسعى لتأمين عيشه وعيش أبنائه، وإذا لم يكن له أبناء فهو في خدمة مجتمعه.

ولكن قوة الإنسان تنقص بالتدريج مع مرور السنين، حتى يبلغ العمر الذي تضعف فيه قوته عن العمل، بل قد يحتاج إلى مَن يساعده في أموره الخاصة، وهنا تأتي مهمة الأبناء والمجتمع لرد الجميل له، حيث يستحق الرعاية والاهتمام، فقد أفنى شبابه وقوته في السعي من أجل أبنائه ومجتمعه.

وجاء الإسلام بتأكيد حقوق كبار السن في الرعاية، والإحسان، وقد ظهر هذا في الآتي:

أولاً: توقير الكبير: لقد دعا الإسلام إلى توقير الكبير، وهو بهذا يلفت الأنظار إلى قيمة كبار السن، لأن التوقير هو أول مراتب الاهتمام والرعاية، وقد جاء هذا صريحاً في قول رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: (ليس منا مَن لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا)[220]﴾ رواه الترمذي.

بل إن الإسلام جعل توقير الكبير من إجلال الله وتعظيمه، وفيه تأكيد شديد على وجوب توقير الكبير، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من إجلال الله؛ إكرام ذي الشيبة المسلم)[221]. رواه أبو داود.

ثانياً: تقديم الكبير: وهذا يدخل في تعظيم الكبير واحترامه، حيث يتم تقديمه على الصغير، وهذا من تعظيم الإسلام للكبير، وقد جاء الأمر بتقديم الكبير في أعظم محفل يجمع المسلمين، وهو الصلاة، فقد أمر رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام؛ بأن يكون خلفه في الصلاة الكبار، وذلك في قوله: (ليليني منكم أولو الأحلام، والنُّهَى)[222]. رواه مسلم.

وكذلك جاء الأمر بأنّ الكبير له الأولوية في الإمامة في الصلاة، وذلك بعد أن تتوفر شروط الإمامة في أكثر من واحد، وذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء؛ فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فليؤمهم أكبرهم سناً)[223]. وهذا الحديث صريح في تعظيم الإسلام للكبير، عندما جعل كبر السن معياراً مرجحاً في استحقاق الإمامة في الصلاة. رواه مسلم.

بل وبلغ من عناية الإسلام بالكبير أنه ألزم الصغير بأن يبدأه بالسلام إذا مر به، كما جاء في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير)[224]. رواه البخاري ومسلم.

ثالثاً: بر الوالدين: لقد جاء الإسلام بالتشديد على بر الوالدين، والإحسان إليهما، وقد ظهر هذا بوضوح في أنّ الأمر بذلك جاء في القرآن، الذي هو أوثق المصادر وأقواها في مصادر التشريع في الإسلام، وعندما جاء ذلك في القرآن جاء مقروناً مع الأمر بتوحيد الله تعالى، الذي هو أعظم أركان الإسلام، وفي هذا تنبيه على فضل بر الوالدين، قال الله تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا23 وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا24﴾ [225] الإسراء: 23- 24.

وفي هذه الآية التأكيد على بر الوالدين بتأكيدات قوية، وهي:

جاء الأمر ببرهما مقروناً بالتوحيد، الذي هو أعظم أركان الإسلام.

النهي أن يقول لهما: أُف، وهو لفظ ليس معه كلام، يكون عند الضجر، وفيه أن اللفظ يكون أشد نهياً.

النهي عن نهرهما، بل يجب عليه أن يخاطبهما بأدب واحترام، ولا يرفع صوته على صوتهما.

أن يقول لهما عند مخاطبتهما قولاً جميلاً، ليس فيه أي جفاء.

أن يرحمهما ويشفق عليهما، لأنهما كبرا ويحتاجان منه إلى الرحمة والعطف، كما كانا يعطفان عليه وهو صغير، بل حتى عندما كبر.

أن يدعو الله لهما في حياتهما وبعد موتهما بالرحمة والغفران.

وهكذا فإن الإسلام راعى حقوق الإنسان في جميع مراحله، ابتداء من الطفولة، بل وفي بطن أمه، ومروراً بمرحلة الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ليحفظ على الإنسان الكرامة التي أكرمه الله تعالى بها.

الإسلام ومرض الإنسان

(34)

رعاية الإسلام للمريض؛ هي واحدة من صور تلك الحقيقة المبهرة للإسلام .. وتظهر عناية الإسلام بالمريض في الآتي:

أولاً: العناية المعنوية: من المعلوم عند الأطباء المختصين أن للجانب المعنوي والنفسي دور كبير في الشفاء من المرض، وبالعناية المعنوية يستطيع المريض التعايش مع المرض، ومقاومته، وعدم الاستسلام، والصبر وعدم الجزع، وهذا كله سيساهم كثيراً في الشفاء.

وأعظم ما جاء به الإسلام في هذا؛ أنه ربط المريض بالله تعالى، فهو الذي بيده الشفاء، ومن خلال هذا الرباط نجد أن الإسلام خفَّف عن المريض بربطه بثواب الله تعالى له، وأن المرض فرصة لتكفير الذنوب، فكل معاناة يجدها المريض يقابلها أجر وثواب عظيم، وقد جاء هذا صريحاً في قول رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المسلم من نَصَب، ولا وَصَب، ولا هَمّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كَفَّرَ الله بها من خطاياه)[226] رواه البخاري ومسلم.

ويدخل في العناية المعنوية بالمريض: الترغيب في زيارته، للتخفيف عنه، وقد جاء في هذا الوعد بالثواب العظيم يوم القيامة، قال نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: (مَن عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله؛ ناداه منادٍ: أنْ طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأتَ من الجنة منزلاً)[227] رواه الترمذي.

ثانياً: العناية العلاجية: وهي امتداد للعناية المعنوية، لأن أثر العلاج مع الأثر المعنوي من أعظم أسباب الشفاء .. وقد أرشد رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام إلى صور من العناية العلاجية، تدل على عناية الإسلام بالمريض، ومن هذه الصور:

ما جاء في علاج الحمى بالماء: وفي هذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء)[228]. رواه البخاري.

العلاج بالعسل: لقد أرشد القرآن إلى أن العسل شفاء للأمراض، وقد ثبت صدق ذلك في الأبحاث الطبية المعاصرة، جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿ووَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ68 ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ69﴾[229]. النحل: 68- 69.

وجاء التطبيق العملي لهذه الآية من رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، فقد جاءه رجل، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: (اسقه عسلاً)، ثم أتى الثانية، فقال: (اسقه عسلًا)، ثم أتاه الثالثة، فقال: (اسقه عسلاً)، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً)، فسقاه، فبرأ[230]. رواه البخاري ومسلم.

ونكتفي بهاتين الصورتين، فهنالك الكثير من الصور العملية في علاج الأمراض، قد جاءت في حديث رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.

ثالثاً: التخفيف عن المريض في العبادات: الإسلام دين يقوم على اليسر والتيسير، وقد كان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام؛ يحب التخفيف على الناس، ولا يكلفهم إلا بما يطيقونه، حتى إنه ترك بعض العبادات التي لا يطيقها كل أحد؛ حتى لا تُفرض على المسلمين.

ولأنّ المرض يُضعف من قوة المريض؛ فقد جاء التخفيف عنه في أداء العبادات التي تحتاج إلى قوة بدنية، مثل الصلاة، والصيام في شهر رمضان، والقتال، أما الصلاة: فقد قال رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)[231]. رواه البخاري.

وأما الصيام: فيجوز للمريض أن يفطر في شهر رمضان، ويقضي صيامه بعد شفائه، كما جاء في القرآن: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾[232]. البقرة: 185.

وكما جاءت في هذه الآية الرخصة للمريض بالإفطار في شهر رمضان؛ لمشقة الصيام عليه، كذلك جاء فيها رخصة الإفطار للمسافر لمشقة السفر.

وهكذا تجد أن الإسلام اهتم بالمريض ابتداءً من الجانب المعنوي، وانتهاءً بالتخفيف عنه في أداء بعض العبادات؛ وفي كل هذا مراعاة لحال الإنسان في المرض، كمراعاة حاله في الصحة، ولأن الإنسان ضعيف فيحتاج إلى مثل هذه العناية؛ حتى تكون عوناً له على الشفاء، ليعود إلى أداء رسالته كاملة، والتي أعظمها عبادة الله تعالى.

أركان الإسلام والإنسان

(35)

وتظهر الحقيقة المبهرة في الإسلام في أعلى صورها في أركان الإسلام .. التي هي كالأساس للبنيان، وبدون الأساس لن يثبت البنيان ..

وأركان الإسلام هي أعمال الإنسان الظاهرة، من القول، والعمل، وهي أصول العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه.

ولا يكتمل دين المسلم حتى يأتي بها كاملة.

الركن الأول من أركان الإسلام: أن يشهد لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذه الشهادة هي الإقرار، وهي أن تنفي جميع ما يُعبد من دون الله، وأن تثبت العبادة لله وحده، ويشهد أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبهذا يكون الإنسان مسلماً.

ثم يكمل الإنسان بقية أركان الإسلام، وهي:

الركن الثاني: الصلاة: هي عمل بدني، وهي اتصال بين الله وبين المسلم، تربط المسلم بالله تعالى، ويعيش معها في راحة نفسية عظيمة، ولذلك كان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام يقول: (يا بلال، أقم الصلاة، أرِحنا بها)[233]. رواه أبو داود.

والصلاة يتصل فيها المسلم بربه تعالى من غير واسطة، فيتجه إليه بقلبه، ويسأله ما شاء من حوائجه، فهو واقف أمام باب ملك الملوك تبارك وتعالى. ويعيش المسلم هذه اللحظات السعيدة في اليوم والليلة خمس مرات، ويتهيأ لها بالوضوء والطهارة، ونظافة المكان، ولبس الملابس اللائقة.

والركن الثالث: الزكاة: عمل مالي يأتي في السنة مرة واحدة، وهي تطهر المال وتنمِّيه، وقد ربط الإسلام بين أفراده وجعلهم إخوة، يحب بعضهم بعضاً، ويعطف بعضهم على بعض، ويكون بينهم الإحسان، والرأفة، والمحبة، والرحمة، ولذلك أوجب جزءاً بسيطاً جداً من المال يؤخذ من الأغنياء ويُعطى للفقراء، حتى يكون المجتمع مترابطاً، وفي هذا تحريك اقتصادي للمال؛ لأن الفقراء يشترون بهذا المال السلع. وفي الزكاة علاج لمشكلة الحسد والحقد التي قد تصيب الفقراء تجاه الأغنياء، فالزكاة تجعلهم يشعرون بأن إخوانهم الأغنياء يواسونهم من أموالهم.

والركن الرابع: صوم شهر رمضان: عمل بدني يأتي مرة واحدة في السنة، وحقيقته هو إمساك عن شهوة البطن، والفرج، فإن شهر رمضان الذي فرضه الله على المسلم؛ يجعله يشعر بحرمان الفقراء والمحتاجين؛ عندما يعيش بعض الوقت مع الجوع والعطش، فيحرِّكه هذا إلى مساعدة المحتاجين، فشهر رمضان هو شهر الصدقة والجود، وقد كان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام كثير الكرم والجود في شهر رمضان. وفي ليالي شهر رمضان يعيش المسلم لحظات سعيدة مع صلاة التراويح، فهي تغذية نفسية؛ لأنها تمد النفس بطاقة روحية لجميع السنة. ويختم المسلم صيامه بإخراج زكاة الفطر، وتكون قبل يوم العيد، وهي امتداد للمقصود العظيم من الصيام، وهو مساعدة الفقراء بالطعام، حتى لا يحتاجوا لسؤال الناس في يوم العيد، وكذلك فإن زكاة الفطر هي تعبير عن الفرحة بختم صيام شهر رمضان.

والركن الخامس: الحج: وهو عمل مركب بدني ومالي، ويكون مرة واحدة في العمر، وهو في حقيقته قصد البيت الحرام ومكة بنية العبادة، وهي عبادة تقوم على إنعاش البدن بغذاء روحي من نوع لا يتكرر في العام إلا مرة واحدة، حيث سيجد المسلم نفسه أمام الكعبة التي هي القبلة التي يصلي ناحيتها الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وكذلك يقوم الحج على بذل المال وهو تكلفة سفره إلى مكة، وفيه تعويد النفس على بذل المال في طاعة الله تعالى، وفي الحج سيعيش المسلم لحظات لا تتكرر؛ لأنه سيرى أمامه المسلمين الذين توافدوا من جميع أنحاء العالم، وفي الحج درس عظيم في المساواة، فالجميع هنا يلبسون زيّاً واحداً لا تمييز في المظهر، والجميع يؤدون مناسك الحج في مكان واحد، يقفون أمام الله تعالى وكلهم عبيده. وقد أباح الإسلام في الحج التجارة، وفي هذا مصلحة اقتصادية، حيث تزدهر المبيعات في أسواق مكة والمدينة، والمدن المجاورة، وقد نبه القرآن إلى الجمع في الحج بين العبادة، وبين المنفعة الدنيوية، ومواساة الفقراء، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ28﴾ [234]. الحج: 28.

أركان الإيمان والإنسان

(36)

وتتصل الحقيقة المبهرة للإسلام .. ليكتمل للإنسان جانب الإيمان، وجانب العمل .. ويقوم الإسلام على الاثنين .. ولا يتحقق إسلام الإنسان إلا بهما ..

وأركان الإيمان هي أعمال باطنة، محلها القلب، وهي ستة:

أولاً: الإيمان بالله: أي التصديق بوجود الله مالك الكون كله، والمتصرف فيه، وعبادته سبحانه وحده، والإيمان بكل ما أثبته الله لنفسه من صفات، والانقياد التام لأوامره واجتناب نواهيه.

ثانياً: الإيمان بالملائكة: الإيمان بأن الله خلق الملائكة من نور، وهم غير محتاجين للأكل والشرب، وهم مسخرون لطاعته، ومن مهامهم: أنهم وسطاء بين الله تعالى وأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام ينزلون بالوحي.

ثالثاً: الإيمان بالكتب السماوية: الإيمان بأنها كلام الله ووحيه، التي أنزلها على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، مع الإيمان بأن القرآن آخر تلك الكتب السماوية، وهو الكتاب الذي نسخ الكتب السماوية السابقة، والفرق بينه وبينها أن الكتب السابقة اختلطت بكلام البشر، وفكرهم، وأما القرآن فهو كلام الله، لم يختلط بكلام البشر، وجاء في القرآن: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ ...﴾[235]. المائدة: 48.

رابعاً: الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام: التصديق بجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، إجمالاً، وتفصيلاً بالذين جاء ذكرهم في القرآن، وهم خمسة وعشرون، وجاء في القرآن: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ285﴾[236]. البقرة: 285.

خامساً: الإيمان باليوم الآخر: وهو اليوم الذي يُحدّد فيه مصير الخلائق، والإيمان بكل ما جاء في القرآن، وعن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، من أخبار غيبية، منها علامات الساعة، ومرحلة ما بعد الموت، وبعث الخلائق ومسيرها إلى أرض المحشر، ووقوفها للعرض والحساب، ثم وضع الميزان، والصراط، ثم المصير الأخير إلى الجنة أو النار.

سادساً: الإيمان بالقدر خيره وشره: التصديق بأن الله قَدَّرَ كل شيء، منذ بداية الخلق إلى قيام الساعة، وهو عالم بكل ما يكون ويحدث، لأن كل ما يقدِّره يكون بمشيئته، قال الله تعالى: ﴿...وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [237]. الفرقان: 2.

الإسلام وإيمان الإنسان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

(37)

وهنا تظهر لك الحقيقة المبهرة في الإسلام .. إذ يتميز الإسلام بالدعوة الصريحة والتأكيد على وجوب الإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ..

جاء الإسلام بالإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، ووجوب تصديقهم، وفي تشبيه بديع نجد أن محمداً عليه الصلاة والسلام شبه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالإخوة الذين أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، فقال: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بَيْنِي وبينَه نَبيٌّ، والأنبياءُ أولاد عَلاتٍ؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد)[238]. رواه البخاري ومسلم.

وفي الإسلام نجد أن القرآن ذكر أن رسالة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وأنه المستحق وحده للعبودية.

وقد حرص الإسلام على تعليم أتباعه ضرورة الإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعدم التفريق بينهم، ولأهمية هذا الأمر نزل به القرآن بصورة واضحة، بل وربطه بالإيمان بالله تعالى، لأنه هو الذي أرسل جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال الله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ285﴾[239]. البقرة: 285.

وما دام أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً مبعوثون من الله تعالى؛ فهم متساوون في التصديق والإيمان بهم، لأن المصدر واحد، ومَن لم يؤمن بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو واقع في تناقض عظيم، فإن حاله في هذا كحال رجل جاءه خبر صادق من جماعة بأن هنالك حَدَثٌ قد حَدَثَ، فقال: أنا أصدق فلاناً وفلاناً، ولكن لا أصدق فلاناً وفلاناً! فنقول له: هذا جهل وتناقض منك، فإن الخبر واحد، وجميعهم نقل إليك نفس الخبر، فلا معنى لعدم تصديقك لواحد منهم، فإن هذا سخف لا يرضى به عاقل لنفسه.

وسعادة الإنسان مربوطة بهذا التصديق، لأنه سيكون متصلاً بمصدر واحد، وهو الله تعالى الذي أرسل جميع هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وتجد في الإسلام أن الإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو من أركان الإيمان الستة، والتي هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

وفي الإسلام يجب تعظيم جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحترامهم، وإذا ذكرناً واحداً منهم نقول: عليه الصلاة والسلام، وقد جاء الثناء في القرآن على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ33 |@| ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ34﴾[240]. آل عمران: 33- 34.

وجاء في القرآن الثناء على نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا30 وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا31 وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا 32 وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا﴾[241]. سورة مريم: 30-33.

وجاء في القرآن الثناء على نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا51﴾[242]. مريم: 51.

بل إن الإسلام دافع عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ضد المكذبين، وضد الذين كان يؤذونهم، وهذا تأكيد على مكانتهم في الإسلام، وأنهم جميعاً يستحقون التصديق والاحترام، حيث جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿... أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾[243]، وجاء أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾[244]. سورة البقرة: 87. سورة الأنعام: 10، سورة الأنبياء: 41.

بل إنك تجد في القرآن أن ذكر بعض الأنبياء جاء أكثر من ذكر اسم النبي محمد عليهم الصلاة والسلام، والذي جاء ذكر اسمه في القرآن أربع مرات، بينما جاء ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام في القرآن ستة عشر مرة، وجاء ذكر موسى عليه الصلاة والسلام في القرآن مائة وأربع وعشرون مرة.

بل وجاء في القرآن ذكر مريم عليها السلام ثلاثين مرة، ولم يأت ذكر أي واحدة من أمهات أو زوجات النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وهكذا فإنك تجد الإسلام يدعو الإنسان إلى الإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتعظيمهم وتوقيرهم، لأن في ذلك دعوة إلى وحدة سعادة الإنسانية، والتي لا تتحقق إلا بمتابعة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتصديقهم.

الإعجاز العلمي في القرآن والإنسان

(38)

الحقيقة المبهرة التي جاء بها الإسلام؛ هي إخبار القرآن الكريم بحقائق علمية، أثبتها العلم التجريبي أخيراً، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية، في زمن بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام قبل أكثر من أربع عشرة قرناً، وسنذكر منها:

تطورات الجنين في بطن أمه: لقد جاءت الحقيقة المبهرة في القرآن، وهو يفصِّل في مراحل تكون الجنين في بطن أمه، قبل مئات السنين من ظهور وسائل التقنية الحديثة، وقد اعترف بهذا أحد كبار علماء الأجِنة في العالم، الكندي كيث مور، في كتابه المعتمد في كليات الطب حول العالم، فقال: (إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي ذكر قبل زمننا المعاصر بدقة متناهية مراحل تطور الجنين).

وقد جاءت مراحل الجنين في القرآن بترتيب أثبتته الأبحاث العلمية، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12- 14]، وقد ابتدأت الآية بخلق آدم عليه الصلاة والسلام، وهو أصل البشر، ثم ذكرت الآية خلق ذريته، وهذا الخلق يبدأ بالنطفة، ثم العلقة التي تَعلُق بغشاء الرحم، ثم المضغة، وهي تشبه العجينة الممضوغة، وتكون بعد بضعة أسابيع، ومن هذه المضغة تتكوّن العظام قبل اللحم، كما أثبته علم الأجنة الحديث، وقد جاء في القرآن أيضاً الإشارة إلى أن الجنين يكون في ظلمات ثلاث، قال الله تعالى: ﴿... يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [الزمر:6]، وقد أثبت علم الأجنة الحديث هذه الحقيقة المبهرة، حيث يُحاط الجنين بظلمات ثلاث: ظلمة جدار البطن، وظلمة جدار الرحم، وظلمة أغشية المشيمة.

الماء والحياة: جاء في القرآن التصريح بأن الماء أصل الحياة لكل حيّ، كما قال الله تعالى: ﴿... وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]، وقد أثبتت الأبحاث العلمية هذه الحقيقة المبهرة، فالماء هو الوسيط الذي يحمل الأملاح والمواد الغذائية للجسم، والنبات، ولولاه لم يبق حيّ في الأرض، فإن الإنسان وهو جنين في بطن أمه، بعد ثلاثة أيام من تكوُّنه فإن 97% من وزنه يكون من الماء، وبعد ثلاثة شهور تكون النسبة: 91%، وبعد ولادته تكون النسبة: 80%، وبعد سنة من ولادته تكون النسبة: 66%، وتتفاوت نسبة الماء في أعضاء الجسم، فخلايا الدماغ: 70%، وتبلغ النسبة في الدم: 82%، وفي الرئتين: 90%، وأثبتت الأبحاث العلمية أن المادة الكيميائية الأساسية للأحياء لا تتكون إلا بالماء، وكذلك الشفرات الجينية الوراثية في التربة لا تتفاعل إلا بالماء، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة العلمية، قال الله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ ...﴾ [الزخرف: 11].

الفرث والدم في علم تشريح الأنسجة: جاء في القرآن: ﴿ وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ66﴾ [النحل: 66]، فقد كشفت هذه الآية حقيقة علمية مبهرة، كان نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام يعلمها قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ولم يعلم بها العلم الحديث إلا في القرن العشرين، إنها حقيقة اللبن الذي يشربه الإنسان، ويشربه الحيوان، فقد جاء في الآية السابقة أن هذا اللبن يخرج من بين الفرث والدم، والفرث هو: ما يكون في الكرش قبل خروجه، فاللبن يخرج من هذا الفرث ومن الدم بعد عملية الامتصاص، وهي عملية معقدة، حيث يتم ضخ الدم إلى الغدد اللبنية في ضرع الحيوان، لتوفير العناصر الغذائية، التي يمتصها الدم من الفرث، ثم يوصلها إلى الغدد اللبنية، وتمتص هذه الغدد مكونات اللبن من الدم، دون أن يبقى أثر للفرث والدم، ثم يُضاف إليه من حويصلات اللبن مادة سكر اللبن، ليكون سائغاً للشاربين، وهو الذي عبَّرَ عنه القرآن في الآية السابقة: ﴿ خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ﴾، وهذه الحقيقة المبهرة لم يصل إليها العلم الحديث إلا في القرن العشرين، وبعد اكتشاف أجهزة التشريح.

انخفاض نسبة الأكسجين عند الصعود إلى الأعلى: جاء في القرآن: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ...﴾ [الأنعام: 125]، جاء في هذه الآية ذكر الصدر، الذي هو موضع الرئتين، وبهما يتنفس الإنسان، وجاء التمثيل في الآية بأن الإنسان الضال، الذي لا ينشرح صدره لقبول الحق؛ هو مثل الذي يصعد إلى ناحية السماء، حيث ينعدم الأكسجين، فيضيق صدره من نقص انعدام الأكسجين، وهذه حقيقة علمية مبهرة، اكتشفها العلم الحديث، وهي: بأن الإنسان كلما ارتفع إلى أعلى أحس بضيق الصدر، وصعوبة التنفس، حيث يقل الضغط الجوي والأكسجين، وكذلك يقل وزنه، وهذا مشاهد في رواد الفضاء، الذي يراهم الناس في داخل مركباتهم الفضائية يطيرون في داخلها كالورق الخفيف الذي يحمله الهواء، وقد ارتدوا ملابس الفضاء التي تحفظ نسبة ضغط الهواء حول أجسامهم، وفيها أجهزة تساعدهم على التنفس.

الأمواج الداخلية في أعماق البحار: جاء في القرآن: ﴿ أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ ...﴾ [النور: 40]، الأمواج الداخلية، هي الحقيقة المبهرة التي لم يعرفها العلم الحديث إلا قبل مائة سنة، حيث اكتشفوا أن هنالك أمواج تتولّد على امتداد السطح الفاصل بين طبقتين من المياه المختلفة من حيث الكثافة، والضغط، والحرارة، والمد والجز، وهذه الأمواج الداخلية تشبه الأمواج السطحية، ولا يمكن مشاهدتها بسهولة من السطح، وتكون هذه الأمواج في البحر والمحيط العميق، كما جاء تعبير القرآن: ﴿ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ﴾، وتعبير الآية يخبرنا عن حجب الموج السطحي، والموج الداخلي لضوء الشمس، وكذلك السحاب، ثم كثافة الماء كلما ازداد عمق الماء، وهي كما جاءت في الآية: ﴿ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ﴾.

الظلمات المتعددة في أعماق البحار السحيقة: جاء في الآية السابقة: ﴿ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ﴾ [النور: 40]، أخبرتنا هذه الآية عن ظلمات البحار، وأنها ظلمات بعضها فوق بعض، وهي الحقيقة المبهرة التي اكتشفها العلم في القرن العشرين، حيث اكتشف أن البحار والمحيطات مغطاة بسحب ركامية كثيفة، تحجب الكثير من ضوء الشمس، ويعكس الماء أيضاً جزءاً من ضوء الشمس، ويمتص ماء البحر المتبقي من ضوء الضوء، والذي يضعف كلما زاد عمق البحر، وكذلك فإن ألوان الطيف تتلاشى كلما نفذت إلى الأعماق، وقد عبّر القرآن بلفظ: (ظلمات)، ليدل على أن هذه الظلمات ليست ظلمة واحدة، وعن طريق جهاز سيتشي يستطيع العلم الحديث معرفة عمق الماء.

وقد جاء القرآن بهذه الحقيقة المبهرة قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة لقوم يعيشون في الصحراء، ولا يعرفون السباحة، وهنا تظهر معجزة القرآن العلمية.

طبيعة الجبال كأوتاد في علم الجيولوجيا: جاء في القرآن: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا6 وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا7﴾ [النبأ: 6- 7]، هذه الآية تخبرنا بأن الله جعل الجبال للأرض كالأوتاد التي تُثَبِّت أركان الخيمة، ولقد ثبت علميّاً بأن الغلاف الصخري للأرض ممزق، على شكل ألواح صخرية، تطفو على طبقة شبه منصهرة، تنشط بها التيارات الحرارية، وتقوم هذه التيارات بدفع ألواح الغلاف الصخري باستمرار، ولا يهدأ نشاط هذه التيارات إلا بسلسلة جبلية، تحيط بأطراف القشرة الأرضية، كما تحيط أوتاد الخيمة بالخيمة لتثبيتها، وهو المعنى الذي جاء في الآية السابقة، وقد أثبتت الدراسات الجيوفيزيقية أن الجبال لها امتداد في باطن الأرض يزيد على خمس أو عشر من طولها فوق الأرض، حتى يصل هذا الامتداد إلى منطقة الحمم البركانية.

وفي كل هذه الحقائق المبهرة لفت لانتباه الإنسان إلى ما أكرمه الله به من تسخير هذه الكون البديع، فالجميع يحيط بالإنسان في تجانس عجيب، يشهد بأن الله تعالى هو المستحق وحده للتعظيم والعبادة.

الخاتمـــــــــــــة

لقد ظهرت تلك العلاقة القوية بين الإسلام والإنسان، والتي كان من نتيجتها: أن الإسلام جاء من أجل إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن أجل أن يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح .. وهذا الطريق هو الذي سيجعله سعيداً بحياته؛ عندما يعلم أن وجوده في هذا الكون الكبير لم يكن عبثاً، وإنما كان لغاية عظيمة، ووظيفة هي أعلى وظيفة يجب على الإنسان أن يؤديها بصدق وإخلاص، ولا يتردد في أداء هذه الوظيفة، وهذه الوظيفة هي: توحيد الله وعبادته.

وعندما يعلم الإنسان أن لهذا الكون خالق ومدبر يستحق العبادة، وتجب طاعته؛ فإنه سيجد نفسه يعيش من أجل غاية عظيمة، وهذه الغاية هي التي ستجعل حياته متزنة، وسعيدة، وبعيدة عن الفوضى والعشوائية.

وعندما تترسخ معرفة الإنسان بربه تعالى، وأنه هو الخالق للكون، وأنه هو المتفرد بالألوهية، وهو الذي يستحق الطاعة المطلقة؛ عندها سيشعر بضرورة الانقياد إلى الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم هم الذين سيوصلونه إلى الله تعالى، وعن طريقهم سيعرف الطريق الصحيح الذي ينبغي أن يسير عليه، حتى لا يتخبط في سيره، كحال الكثيرين الذين ضلوا عن معرفة الله تعالى.

وفي هذا الكتاب كان بيان تلك العلاقة الوثيقة بين الإسلام والإنسان .. وهي العلاقة التي تنادي بإصلاح باطن الإنسان وظاهره .. وهي العلاقة التي ستهدي إليه السعادة، لكي يعيش حياة مستقرة مطمئنة روحيّاً، وماديّاً .. وهي العلاقة التي ستجعله يشعر بقيمته، وأنه من أشرف المخلوقات، أكرمه الله بالعقل، وسخَّرَ له كل شيء في الكون من أجل إسعاده .. وهي العلاقة التي ستميزه بالأخلاق الفاضلة التي يجب أن يتخلق بها جميع العقلاء .. وهي العلاقة التي سيشعر من خلالها أنه إنسان أكرمه الله تعالى بدورة حياة كريمة؛ تبدأ بالحياة الزوجية السويَّة، والتي تقوم على التراحم والتعاون بين الزوجين، والنتيجة من هذه الحياة الزوجية الأبناء، الذين سيقوم الزوجان بالعناية بهم، في تعاون بين الزوجين .. وهي العلاقة التي يستشعر الإنسان منها كيف أن الإسلام حفظ حقوق الجميع، حتى الجنين في بطن أمه قبل أن يخرج إلى الدنيا .. وهي العلاقة التي يستشعر منها ذلك الرباط الوثيق بين الوالدين وأبنائهم، والعناية بالوالدين وبرهما إذا كبرا .. وهي العلاقة التي يرى من خلالها الترابط الأسري، والتواصل بين الأقرباء .. وهي العلاقة التي حفظت حتى حقوق الجيران، والإحسان إليهم .. وهي العلاقة التي حفظت حقوق الإنسان التي تضمن له إنسانيته .. وهي العلاقة التي جعلت من العدل ميزاناً لحياة لا يجوز فيها الظلم .. وهي العلاقة التي حفظت للمرأة حقوقها، وجعلتها كالجزء من الرجل .. وهي العلاقة التي جعلت لليتيم الذي فَقَدَ والديه كامل الرعاية من المجتمع .. وهي العلاقة التي جعلت للفقير حقوقاً على الأغنياء، وعلى الدولة .. وهي العلاقة التي سيشعر من خلالها بأهمية النظافة الشخصية والعامة .. وهي العلاقة التي يرى فيها حتمية العناية بعمارة الأرض، وحقوق العمَّال، وحقوق أصحاب العمل، والوقاية من العنصرية .. وهي العلاقة التي ترسِّخ مكارم الأخلاق، والصفات الحميدة، والتيسير على الناس، والحرص على أمنهم .. وهي العلاقة التي تدعو إلى الانضباط، وحفظ الوقت، والحب بين الناس، والوفاء، والتفاؤل، والعناية بالمعاقين، وكبار السن، والمرضى ..

وكانت خاتمة الكتاب: بيان ضرورة أركان الإسلام، وأركان الإيمان، والإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، للتذكير بأهمية هذه الأمور، وأنها تلازم الإنسان في حياته كلها.