خطب تعظيم قدر الصلاة
خطب تعظيم قدر الصلاة
خطب تعظيم قدر الصلاة
تأليف
عبدالكريم بن عوض السُلمي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذه خطب متنوعة في معاني تعظيم قدر الصلاة، وعددها (12) خطبة بعدد أشهر العام، تمكن لخطيب المسجد أن يخصص في كل شهر خطبة واحدة عن الصلاة بموضوع متجدد.
وقد روعي في اعدادها شمولية المعاني التي يزداد بها المسلم تعظيماً لقدر الصلاة والمجاهدة في إقامتها، وقد تم إعدادها وفق المنهجية العلمية في بناء القيمة، فتتضمن كل خطبة معلومات للمجال العقلي، ومشاعر للتأثير على العاطفة والوجدان، وكذلك تضمنت الجانب العملي السلوكي الذي يطلب من المستمع أن يقوم به بعد سماع الخطبة.
ونحسب أن هذه المنهجية - بعد توفيق الله وإعانته - ستؤثر في المستمعين، وتحقق أهداف الخطبة.
أدعو الله تعالى أن يجعلها ذخراً لي يوم ألقاه، ولكل من شارك وساهم في مراجعتها أو طباعتها،
أو ترجمتها، والحمد لله أولاً وآخراً.
عبد الكريم بن عوض السلمي
26/05/1442ه
مكة المكرمة
تعظيم وإجلال
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
ثم أما بعد:
فيا عباد الله: لقد عظم ربنا جل وعلا هذه الصلاة، وأجل شأنها، ورفع منزلتها، وشرف أهلها، وخصهم وحدهم بمناجاته والقرب منه.
فاختارها من بين سائر الأعمال للتذكير به ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾ [طه:14]، وجعلها الركن الأقوم لأركان دينه العظيم وعموده المستقيم "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" متفق عليه [1]. [1] رواه البخاري (1/ 11) ومسلم (1/ 45).
من شرفها عنده سبحانه وتعالى أنه فرضها في السماء، حيث أسرى بعبده وعرج به إليه، فقربه وناداه وبلغه وحباه، وهذه الفريضة أهداه "خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ" متفق عليه [2] أمضى فريضته وخُفِّفَتْ عن عباده. [2] رواه البخاري (1/ 79) ومسلم (1/ 148).
من عظمتها عنده جل وعلا أن فرضها وأوجبها على سائر الأنبياء والمرسلين، فقال لموسى عليه السلام: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾ [طه:14].
وقال لموسى وهارون: ﴿وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ ﴾ [يونس:87]، وأوصى عيسى بها فأنطقه في المهد صبيا: ﴿وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا﴾ [مريم:31]، وجعل دعاء خليله إبراهيم لنفسه وذريته بإقامة الصلاة وجعلها أعلى أمنيةٍ عنده: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾ [إبراهيم:40]، وشَرَّف بلده الحرام مكة المكرمة بأن جعل الغاية من سكناها إقامة الصلاة له: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ [إبراهيم:37]، وميز بها نبيه شعيب عليه الصلاة والسلام حتى تعجب قومه منه: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [هود:87]
وكافأ عباده الداعين إليها والآمرين بها بالرضا عنهم: ﴿وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا﴾ [مريم:55] فمن كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة يكون عند ربه مرضيا.
من شرفها وكمالها وعظمتها عنده تعالى ومن جمالها وحبه تعالى لها، يريد من عباده أن يأتوا بها كاملة غير ناقصة، ولذا أمر بإقامتها وإحسانها والمحافظة عليها في أوقاتها التي وقتها لها ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء:103]
وأكثر من الأمر بإقامتها في كتابه الكريم ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [البقرة:43].
الصلاة يا عباد الله: عند ربنا تعالى لها المنزلة العلية، والدرجة الرفيعة السنية، فهي عنده علامة على الإيمان: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:3]، وسماها إيماناً ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ﴾ [البقرة:143].
وذم من تكاسل بها من عباده وسلب منه صفة الإيمان وألحقه بأهل النفاق: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 142].
من عظم الصلاة عند الله أنه لم يسقطها عن عباده في جميع الظروف والأحوال، بل يحب أن يصلوا له بحسب طاقتهم وقدرتهم ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 103]، ولعلم العدو بأن الصلاة هي صلة العباد بربهم، كان أكبر همه أن يصدهم عنها، فقد أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم أن الصلاة هي أعظم ما يريد أن يصد الشيطان عنه العباد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]
من مكانة الصلاة العظيمة عند الله تعالى، أنه تكفل بالرزق لمن أقام الصلاة وأمر أهلها بها وصبر وصابر على ذلك ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [طه: 132].
وأخبر تبارك وتعالى في القرآن العظيم أن الصلاة هي شرط العفو عن المقاتلين الكافرين إن تابوا وأقاموا الصلاة: كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5] فإذا تاب المقاتلون بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة فهنا الأمر بتخلية سبيلهم فالله تبارك وتعالى غفور رحيم.
أكرم الله المحافظين عليها المقيمين لها بالفوز المبين والفلاح العظيم ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ، ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، وأبعد عنهم الخوف والحزن وأبدلهم الأمان والسعادة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 277]
ألا ما أعظم الصلاة، وما أجلها، وما أشرفها، وما أكرمها على الله تعالى، حيث جعلها بهذه المنزلة، فأحبها وأحب أهلها المقيمين لها والمحافظين عليها والداعين إليها، ويا حسرة على المفرطين فيها، وندامة المقصرين في تعظيمها المضيعين لها.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه وتوبوا إليه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
عباد الله: لما كانت الصلاة في دين الإسلام بهذه المنزلة، ولها هذه المكانة العظيمة عند ربنا المتعال سبحانه وبحمده، فيجب أن يكون لها الأولوية في حياتنا، ويجب أن نعظم ما عظم الله، فإن ذلك من تمام توحيده وتعظيمه والإيمان به، ويجب أن نتواصى بذلك، يوصي بعضنا بعضا، ويذِّكر بعضنا بعضًا، وينبغي أن نتذاكر مع أبنائنا وبناتنا وأزواجنا ما يقوي عظمة الصلاة في نفوسنا، وذلك بحفظ ما تيسر من الآيات الدالة على تعظيم الصلاة عند ربنا تعالى وقراءة تفسيرها، ودراسة أحاديث الصلاة وفضائلها، ونشر العناية والاهتمام بها، فإن ذلك مما يقوي مكانتها في القلوب، ومما يُقَرِّبُ من علام الغيوب، وإنه لمن أجمل ما تقضى فيه الأوقات مدارسة العلم بالصلاة، وبتعظيمها وبتعلم ما يساعد على إقامتها وإتقانها والخشوع فيها، وإن من ذلك التذكير المستمر بشأنها وخطرها، وعظم شأن تركها أو التكاسل فيها والإضاعة لها، فهي أعظم حق لله بعد توحيده، وهي دلالة صدق الإيمان به جل وعلا، وإن من نصح الوالدين لأبنائهما أن يربوهم على تعظيم قدر الصلاة منذ الصغر، وأن يختاروا من الوسائل والأساليب ما يناسب أحوالهم، ويحبب لهم عبادة ربهم والتقرب إليه.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجنا وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
الوصية الأخيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
فيا عباد الله: إن أمر الصلاة كما هو عظيم عند الله تعالى فهو عظيم عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام في شأن الصلاة وتعظيمها وبيان منزلتها، وما لها من خصائص وفضائل ومزايا وثمرات أحاديث كثيرة، وتوجيهات عديدة، تبين فضلها وتجلي مكانتها، وترغب في المحافظة عليها، وتصف شأن المقيمين لها، وما أعده الله لهم من الخيرات والبركات في الدنيا وفي الآخرة، وتوضح شأن المفرطين فيها، وما أعد لهم من سوء المعاش في الدنيا مع ما ينتظرهم من عذاب أليم في الدار الآخرة.
إنها الصلاة يا عباد الله: ركن الدين الأقوم، وعموده الذي لا يقوم إلا به، من عظمتها أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها آخر ما يفقد من الدين، فقد جاء من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال "لَتُنْتَقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتُقِضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا: الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ: الصلاة" رواه ابن حبان [3] وصححه الألباني. [3]رواه ابن حبان (15/ 111).
وهي الوصية الأخيرة التي أوصى بها رسول الله أمته في اللحظات الأخيرة، وهو يودع هذه الحياة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغرغر بها في صدره وما كان يفيض بها لسانه: "الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ" رواه ابن حبان [4] وصححه الألباني. [4]رواه ابن حبان (14/ 571).
وإن أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لبناء دولة الإسلام هو تعظيم قدر الصلاة، ببناء المسجد الذي يجتمع المسلمون فيه لإقامة الصلاة.
وكان عليه الصلاة والسلام يعظم قدر الصلاة في نفوس أصحابه، بتعليمهم صفتها وتدريبهم على إقامتها، كما صلى ذات مرة على المنبر ليرى الصحابة صفة صلاته وقال: "إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي" رواه البخاري [5] من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، وقال لمالك بن الحويرث رضي الله عنه "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" رواه البخاري [6]. [5]رواه البخاري (2/ 9). [6]رواه البخاري (8/ 9).
ومن عظيم ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة أن تركها كفر، فقال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" رواه مسلم [7] من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. [7]رواه مسلم (1/ 88).
وأنها موجبة للجنة فقد قال عليه الصلاة والسلام: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" رواه مسلم [8] من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه [8]رواه مسلم (1/ 209)
وأنها أحب عمل إلى الله، فعندما سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أحب الأعمال إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام: " الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا " متفق عليه [9]. [9]رواه البخاري (1/ 112) ومسلم (1/ 90)
وأخبر أنها نور وبرهان ونجاة يوم القيامة لمن حافظ عليها: " ومن لمِ يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعونَ وهامانَ وأُبيِّ بن خلفٍ" رواه أحمد [10] صححه الارناؤوط من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. [10]رواه أحمد (6/ 150) وصححه الارناؤوط.
وحتى يزداد وعي الصحابة رضي الله عنهم بتعظيم الصلاة، كان عليه الصلاة والسلام يعظهم بما يكون سبباً في ذلك.
فقد جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال من صاحب هذا القبر قالوا فلان، قال: "رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ" رواه الطبراني [11] وصححه الألباني. [11]رواه الطبراني في المعجم الأوسط (1/ 282)
وربما حدثهم بما هو في بيئتهم وقريب منهم، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: " يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ " رواه أبو داود [12] وصححه الألباني من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه. [12] رواه أبو داود (2/ 4)
أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام عن أمر الحساب في الآخرة، وأن أول ما سنحاسب عليه من أعمالنا صلاتنا، فصلاح العمل وفساده بصلاح الصلاة وفسادها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ وَإِنْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ" رواه الطبراني [13] وصححه الألباني، وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ بِصَلَاتِهِ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ " رواه النسائي[14] وصححه الألباني. [13] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (2/ 240) [14] رواه النسائي (1/ 232)
فإذًا من عظمة الصلاة يا عباد الله أن ننظر إلى أمر الحساب في الآخرة، وإن أول ما نحاسب به في الآخرة من أعمالنا هو صلواتنا، وأن قبول الصلاة وهو سبب في قبول الأعمال جميعها دقيقها وجليلها.
عباد الله: لقد كانت الصلاة تملأ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت حياته متصلة بربه تعالى، ذكرًا وشكرًا وتسبيحًا واستغفارًا، فكان من أول ما نزل قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ، قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [المزمل:1-2]. حتى بلغ مجموع عدد ركعاته في كل يوم وليلة أربعين ركعة، الفرائض الخمس مع السنن الرواتب مع قيام الليل، وكانت الصلوات حاضرة في غزواته صلى الله عليه وسلم، يفزع إليها ويستعين بها، فإذا حزبه أمر صلى صلوات ربي وسلامه عليه.
والصلاة هي التربية العملية على مبادئ الإسلام التي تربى عليها الصحابة رضوان الله عليهم مباشرةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن عظم الصلاة التربية عليها منذ الصغر فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام الآباء والأمهات أن يعلموا أبناءهم الصلاة منذ بلوغ سبع سنوات كما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" رواه أبو داود [15] وحسنه الألباني. [15]رواه أبو داود (1/ 133)
فانظر في تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الشعيرة العظيمة في جانب تربية النشء على تعظيم قدر الصلاة، وأن الآباء والأمهات مأمورون وموجهون أن يأمروا أبنائهم ويعلموهم الصلاة منذ بلوغهم هذه السن.
والصلاة من عظمتها أُمر بها الناسي والنائم، أُمِروا بقضاء الصلاة، وهذا يؤكد على أهميتها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ " رواه البخاري [16] وفي رواية: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا " رواه مسلم [17] وهذه إشارة إلى عظم قدر الصلاة، في عدم سقوطها عن المرء أبداً. [16]رواه البخاري (1/ 123) [17]رواه مسلم (1/ 477)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
معاشر المؤمنين: وإن مما نزداد به حباً وتعظيماً لهذه الشعير العظيمة أن ندرك أن التنعم في الجنة برؤية وجه ربنا الكريم جل جلاله يتحقق بمحافظتنا على صلواتنا، جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة - يعني البدر - فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾ [ق: 39] رواه البخاري [18]. [18] رواه البخاري (1/ 115)
لقد كان من هدي حبيبنا رسول الله صلى الله وسلم عليه وهو أعظم من عظم الصلاة، أنه يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إليها كما حدثت بذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رواه البخاري [19]. [19] البخاري (8/ 14)
وإن المبادرة إلى الصلاة عند سماع الأذان علامة على تعظيم هذه الشعيرة، ودليل على محبتها وقوة التعلق بها، وذلك موافقة لهدي نبينا الكريم قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، قال أنس بن مالك رضي الله عنه معنى الآية: وسارعوا إلى إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام [20]. [20] تفسير القرطبي (4/ 203)
ولا شك أن من كان مسارعاً إلى تكبيرة الإحرام فهو مسارع للخيرات ومسابق للطاعات في سائر حياته، فالصلاة هي رأس الطاعات وأم القربات.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
شروط الصلاة
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
لنعلم معاشر المؤمنين أن الله تعالى أمرَ بإقامةِ الصلاة، وأثنى على الذينَ يُقيمونها، ووعدهم بجزيلِ الثواب والسلامة من العقاب، ومعنى إقامة الصلاة: الإِتيانُ بها كما أمرَ الله، وأن تكونَ مستوفيةً لشروطِها وأركانها وواجباتها، وما تيسَّرَ من سُنَنِها، وذلك مما يستدعي ويؤكِّد علينا تعلمُ أحكامِها، ومعرفةُ ما يُشْرَعُ فيها، وما يُخِلُّ بها أو يُنقصها.
عباد الله: وإنَّ من أهمِّ ما يجبُ علينا: أن نعرفَ شروطَ صحة الصلاة، التي إذا اختلَّ شرطٌ منها لغيرِ عُذْرٍ شرعي بَطَلَتِ الصلاةُ؛ لأنَّ المشروطَ تتوقف صحتُه على تحقق وجودِ الشرط.
وللصلاةِ تسعةَ شروط هي: الإِسلام، والعقل، والتمييز، والطهارة من الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ودخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية.
فالإِسلام شرطٌ لصحةِ كل عبادة، لأن الكافر لا يَصِحُّ منه عملٌ، ولا تُقبل منه عبادةٌ، ومَنْ زال عقلُه بجنون أو إغماء أو نوم أو سكر، فإنه لا تَصِحُّ منه صلاة في هذه الحالة، والطفلُ غير المميز، وهو من دونِ السابعة لا يؤمَرُ بصلاةٍ، ولا تَصِحُّ منه لو صَلَّى.
وأما المميِّزُ، فإنه يؤمَرُ بالصلاة، وتَصِحُّ منه نافلةً، قال صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" رواه أبو داود [21] وحسنه الألباني. [21] رواه أبو داود (1/ 133)
ومن شروطِ صحةِ الصلاة: الطهارةُ، وذلك بالوضوء من الحدث الأصغر، والاغتسال من الحدث الأكبر، وذلك بالماء الطهور، فمَنْ لم يجد الماءَ، أو وجده وعَجَزَ عن استعمالِهِ لمرضِ ونحوه، فإنه يتيمَّمُ بالتراب، بأن يضربَ بيديه على الأرض، أو على شيءٍ له غبارٌ طاهر، ويمسح بهما وجهه وكفيه، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ﴾ [المائدة:6].
ومن شروطِ صحةِ الصلاة: إزالةُ النجاسة من البدن والثوب والبقعة التي يُصَلِّي فيها؛ قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ﴾ [المزمل:4].
ومن شروطِ الصلاة: ستر العورة، والعورة: ما يُسْتَحَى منه ويقبحُ ظهوره، وحدها: من السرة إلى الركبة، قال تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف:31]، فأمرَ الله بستر العورة عند كُلِّ صلاة، وسمَّاه زينةً، فأمَرَ بالتزيُّنِ باللباس للصلاة، وذلك زائدٌ على سترِ العورة.
فينبغي للمسلم: أنْ يلبَسَ أحسنَ ثيابه وأجملها للصلاة؛ لأنه سيقفُ فيها بين يدي الله تعالى، كما تُسَنُّ له النظافة في ثوبه وبدنه في الصلاة وغيرها، وأما المرأةُ الحرة، فكلُّها عورة في الصلاة إلا وجهَها، فإنه يباحُ لها كشفه في الصلاة، ولا بد أن يكونَ ما تسترُ به العورة ضافياً عليها يسترُ جميع بدنها، وأن يكون ساتراً لِما تحته، لا يُرى من ورائه لونُ الجلد ولا يكونَ ضيّقاً يبين تقاطيع بدنها، فإن الصلاة لا تصح إلا مع الستر الكامل للعورة حسب الاستطاعة.
ومن شروطِ صحة الصلاة: دخولُ وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء:103] أي: مفروضة في أوقات معينة لا يصحُّ فعلها في غيرها، فمَنْ صَلَّى قبل دخول الوقت، لم تَصِحَّ صلاته، وكذا لا يجوزُ تأخير الصلاة عن وقتها من غير عُذْرٍ شرعي، ولهذا شَرَعَ الله الأذانَ إعلاماً بدخولِ الوقت.
ووقتُ الظهر يبدأُ بزوال الشمس، ووقتُ العصر يبدأُ بمصير ظلِّ الشيء مساوياً له، ووقتُ المغرب يبدأ بغروب الشمس، ووقتُ العشاء يبدأ بمغيب الشفق الأحمر، ووقتُ الفجر يبدأُ بطلوع الفجر الثاني.
وهذه علاماتٌ واضحة يعرفُها العامي والمتعلم، ويجبُ على المسلمين التقيدُ بها، والمحافظةُ على أداءُ الصلاة فيها، وصلاة المسلمين جميعاً في المساجد فيها ضمانٌ للمحافظة على أدائها في أوقاتها، فهذا من أعظم فوائد صلاة الجماعة.
ومن شروطِ الصلاة: استقبالُ القبلة، وهي الكعبة المشرفة، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ﴾ [البقرة:144]، فمَنْ كانَ يرى الكعبةَ وَجَبَ عليه استقبالُ نفس الكعبة بجميع بدنه، ومن كان قريباً منها لكنه لا يراها لحائلٍ بينَه وبينها، فإنه يجتهدُ بالتوجه إليها وإصابتِه لها مهما أمكنَه ذلك، ومَنْ كان بعيداً عنها في أي جهة من جهات الأرض، فإنه يستقبلُ الجهة التي فيها الكعبة، وهذا من تيسيرِ الله لهذه الأمة، قال تعالى: ﴿وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ﴾ [البقرة:144] أي: أين وُجِدتم في بر أو بحر أو جو، فاتجهوا في الصلاة إلى الجهة التي فيها الكعبة، ولا يضر الميل اليسير.
ومن شروط صحةِ الصلاة: النيةُ، وهي القصد والعزم على فعل العبادة، تقرُّباً إلى الله تعالى، وهي شرطٌ لصحة كل العبادات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأعمالُ بالنيات وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوَىَ" رواه البخاري [22]. ومحلُّها القلب. [22] رواه البخاري (1/ 6)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين، ويا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى فإن أجسادكم على النار لا تقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
أما بعد:
فإن لشروط الصلاة دلائل ومعاني عظيمة، ينبغي للمصلي معرفتها، ليتحقق له مزيداً من العلم بالصلاة، وإقامتها على الوجه الأكمل، وذلك بأن يدرك أن هذه الشروط جاءت لعظم الصلاة ومكانتها، وإن اشتراطُ تسعة شروط لهذه العبادة يدل على منزلتها وشرفها، وأن مَنْ وفقه الله للصلاة فقد نال ذلك الشرف الكبير.
فالهداية للإسلام ليست لكل أحد، فأكثر الناس في كل زمان غير مسلمين ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنعام:116]، ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يوسف:103]، ويدخل الإنسان في الإسلام بالنطق بالشهادتين: شهادة ألا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، وهذه الشهادة لا تصح الصلاة بدونها، فلا يمكن من لم يشهد شهادة الحق من الصلاة لأنه غير مهيأ لها، والعقل: هو مناط التكليف، والمصلي سيقف في موقف المناجاة مع الله تعالى، فلا يصح أن يُمَكَّنَ من ذلك الموقف إلا من كان معه عقله، وكذلك الصبي الصغير غير المميز فإن موقف الصلاة يتطلب وعياً وإدراكاً للصلاة بأقوالها وأفعالها، والطفل غير المميز لا يدرك ذلك، وأما الطهارة: فلأن الصلاة حضور، ومناجاة للرب العظيم سبحانه، فلا يصح أن يأتي إليها من هو غير طاهر، ولا مَنْ في ثوبه أو في بدنه نجاسة، وكذلك اشتراط أخذ الزينة وستر العورة فإن مقابلة العظماء لا يصلح أن تكون بأي لباس، ولتحديد الأوقات للصلوات المفروضة حِكَمٌ عظيمة يعلمها الحكيم الخبير، وفي استقبال القبلة موافقة للاتجاه بالقلب نحو مناجاة الله تعالى، وبالبدن نحو بيته المعظم، حيث الهداية والقداسة والجلال، وأما اشتراط النية: فإن النية هي علامة الصدق في العبادة، وهي دليل توجه القلب وحضوره وقصده للعبادة.
عباد الله: إن إدراك مقاصد اشتراط هذه الشروط من مقاصد الصلاة ذاتها، وإن الوعي بها ومدارستها ومذاكرتها، والتربية عليها مما يحتاجه كل مسلم، فيحتاجه المعلم مع طلابه، والأب مع أبنائه، وإمام المسجد مع جماعته، فالعلم بالصلاة وبشروطها، وأحكامها له أثر عظيم في إقامة الصلاة، وأدائها على الوجه الذي يريده ربنا تبارك وتعالى.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
رحلة الجمال.. الوضوء والطهارة
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
فإن منزلة الوضوء في الإسلام منزلةٌ عالية، فهو نصف الإيمان كما في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الطَهور شطر الإيمان " [23]، والوضوء عبادةٌ وقربةٌ، فالأمر ليس مجرد غسلٍ للأطراف، وإزالةٍ للأقذار؛ إنه أعلى وأجل، فالوضوء محوٌ للذنوب، وكفارةٌ للخطايا، ورفعةٌ للدرجات، وسببٌ لدخول الجنة. [23] رواه مسلم (1/ 203)
والوضوء: هو الوضاءة والنظافة والحُسْن، فالوضوء نظافةٌ وطهارةٌ وحسنٌ وجمال، هو طهارة للجسد من القذارة والأدران، وطهارة للقلوب من الذنوب والمعاصي والآثام، والله عز وجل يحب المتطهرين: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة:222].
أمر الله به في كتابه الكريم، وبين لعباده فروضه، رحمة بهم وبياناً لأهمية هذه العبادة، فالوضوء مفتاح الصلاة، والصلاة مفتاح الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة:6].
وقد جاء في السنة النبوية فضائل وآداب وأحكام للوضوء تعليماً وترغيباً وبياناً فمن ذلك: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ" رواه مسلم[24]. [24]رواه مسلم (1/ 215)
وبسبب الوضوء تفتح أبواب الجنان، فيا فوز من إذا توضأ وأحسن وضوءه، وتشهد شهاد الحق، ودعا الله أن يكون من المتطهرين، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ " رواه الترمذي[25] وصححه الألباني. [25]رواه الترمذي (1/ 78)
وتتجدد التوبة مع كل وضوء، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ" رواه مسلم [26]، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ" رواه مسلم [27]. [26]رواه مسلم (1/ 216) [27]رواه مسلم (1/ 206)
والمداومة على الوضوء صفةٌ من صفات الكمال للمؤمنين، لا يصبر على الاتصاف بها إلا هم، قال عليه الصلاة والسلام: " اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ " رواه الإمام أحمد [28] صححه الألباني. [28]رواه أحمد (37/ 110)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآياتِ والبيان، أقول هذا القولَ، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
أما بعد:
أيها المسلمون وصفة الوضوء الكامل هي: أن ينوي الطهارة تعبداً لله، ثم يُسمي عند وضوئه، ويغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه مرة واحدة، يبل يديه ثم يمرهما من مقدم الرأس إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، ثم يمسح أذنيه فيدخل سباحتيه في صماخيهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ".
وإن مما ينبغي التنبيه عليه -يا عباد الله- أن الآباء والأمهات عليهم العناية بتعليم أولادهم الوضوء بصفته الصحيحة، عند تعليمهم الصلاة منذ الصغر، وألا يتركوا ذلك لغيرهم فهم أولى من يعلمهم ويدربهم، ولأن الوضوء يصاحبهم في حياتهم كلها، فيجب أن يكون الاهتمام به كبيراً والعناية به عظيمة، فهو مفتاح الصلاة، والصلاة مفتاح الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
كما رأيتموني أصلي
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
عباد الله: الصلاة في اللغة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ ﴾ [التوبة:103]، وفي الاصطلاح هي: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعالٍ مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، جاءت الصلاة بصفة محددة واضحة، نزل بصفتها أمين السماء جبريل عليه السلام، على أمين الأرض محمد عليه الصلاة والسلام، عقيب رحلة الإسراء والمعراج، حيث فرضت الصلوات الخمس، قال عليه الصلاة والسلام: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ" رواه الترمذي [29] وصححه الألباني، فاقتدى النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة جبريل في قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه وسلامه، ثم علم النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة هذه الصفة وأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلي، جاء في حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقًا، فلما ظن أنَّا قد اشتهينا أهلنا - أو قد اشتقنا - سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا، - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" رواه البخاري [30] [29] رواه الترمذي (1/ 279) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. [30] رواه البخاري (1/ 129)
ومن عناية النبي عليه الصلاة والسلام بتعليم الصحابة صفة الصلاة الصحيحة، علمهم وهو على المنبر كما جاء في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة "انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا" فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد، حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي" متفق عليه [31]، وذلك كله لأن الطريقة الصحيحة في تعليم الصلاة تكون بالمحاكاة والتدريب. [31] رواه البخاري (2/ 9) ومسلم (1/ 386)
وأخذ الصحابة رضي الله عنهم ينقلون هذه الصفة التي رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلي بها للتابعين، ونقلها التابعون لمن بعدهم حتى وصلت إلينا.
وممن نقل وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدقة بالغة أبو حميد الساعدي رضي الله عنه قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا كَبّرَ جعلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيه، وإذا رَكَعَ أمْكنَ يديهِ من ركبتيْهِ، ثمَّ هَصَرَ ظهرَهُ، فإِذ رفعَ رأسهُ استَوى حتى يعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فإذا سجدَ وضَعَ يديْهِ غَيْرَ مُفْترشٍ ولا قابِضِهِما، واستقبل بأطرافِ أصابع رجْليْه القِبْلة، وإذا جلس في الرَّكْعتين جلس على رجْله اليُسرى ونَصَبَ الْيُمنى، وإذا جلس في الرَّكْعةِ الأخيرة قدَّمَ رجْلهُ اليُسْرَى ونَصَبَ الأُخْرى، وقعدَ على مَقْعَدَتِهِ رواه البخاري [32]. [32] رواه البخاري (1/ 165)
وقد تواترت الأحاديث عن الصحابة رضوان الله عليهم في بيان ما كان يقوله النبي عليه الصلاة والسلام ويفعله في صلاته، فتلقت الأمة صفة صلاته بأقوالها وأفعالها وهيئاتها كاملة.
قال الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم أعدل صلاة، وأكمل صلاة -عليه الصلاة والسلام-، فيقول: صلوا كما رأيتموني أصلي، كان يصلي صلاةً فيها: الطمأنينة، وفيها الركود، والخشوع.
يبدؤها بالتكبير رافعاً يديه: الله أكبر، ثم يستفتح قبل القراءة، والأغلب يستفتح بقوله: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، هكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سأله عن سكوته بعد التكبير فقال: إنه يقول هذا الدعاء، في صلاة الفريضة وهكذا النوافل، وإن استفتح بالحديث الآخر: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك فحسن، كله طيب.
ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة؛ يقرؤها قراءة مرتلة ومطمئنة، يعطي الحروف حقها، فإذا قال: ﴿ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ﴾ [الفاتحة:7]، قال: آمين في الجهرية، يجهر كالمغرب والعشاء والفجر والجمعة، وفي السر يسرها بينه وبين نفسه، ثم يقرأ ما تيسر من السور أو الآيات، كان يطول في الفجر، يقرأ من طوال المفصل، وربما قرأ بالستين آية والمائة الآية في الركعتين، وربما قرأ بـ(ق) وأشباهها، كالطور، والذاريات في الفجر، وربما قرأ بـ ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ﴾ [المؤمنون:1] في الركعتين.
وفي المغرب تارة بالطوال فقد قرأ بـ [الطور] في المغرب، وقد قرأ بـ[الأعراف] في الركعتين في بعض الأحيان، وقرأ بـ[المرسلات] في المغرب، والغالب يقرأ بالقصار قصار المفصل مثل: [إِذَا زُلْزِلَتِ] [وَالْعَادِيَاتِ] [وإِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ] [وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ] [وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا]، فالمؤمن يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم تارة يطول وتارة يقرأ بالقصار في المغرب.
وفي العشاء والظهر والعصر بالأوساط، يقرأ بالأوساط مثل: [لَمْ يَكُنِ] و [وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ] و[إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ] و[عَبَسَ وَتوَلَّى] وأشباه ذلك في العشاء.
وفي الظهر وفي العصر، وتكون الظهر أطول بعض الشيء من العصر، هذه سنته عليه الصلاة والسلام.
وفي الركوع يطمئن ولا يعجل، يأتي بالتسبيح: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم" خمس مرات، أو سبع مرات، "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" في الركوع، "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" ويركد يضع يديه على ركبتيه، يسوي رأسه مع ظهره معتدل مطمئن، ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده" إذا كان إماماً أو منفرداً، وإن كان مأموم يرفع يقول: "ربنا ولك الحمد" أو "اللهم ربنا لك الحمد"، ثم يكمل: "حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد"، وربما زاد عليه الصلاة والسلام بعد هذا: "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، يعني: يطول في هذا الركن يعتدل ويطمئن.
ثم يسجد ويعتدل في السجود على أعضائه السبعة: أطراف قدميه، وركبتيه، وكفيه، وجهه يجعل جبهته وأنفه على الأرض، ويعتدل يرفع بطنه عن فخذيه، يجافي عضديه عن جنبيه، يرفع ذراعيه عن الأرض يعتمد على كفيه، يطمئن ويقول: سبحان ربي الأعلى، ويكررها خمسًا أو سبعًا أو عشرًا "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره"، "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في السجود ويقول: " أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم يعني" رواه مسلم [33]، أي: حري أن يستجاب لكم، ويقول عليه الصلاة والسلام: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم [34] [33]رواه مسلم (1/ 348) [34]رواه مسلم (1/ 350)
فالسنة أن يطمئن في السجود ويكثر من الدعاء مع قوله: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، أو خمس أو سبع، في الركوع: سبحان ربي العظيم، مع الدعاء مع قوله: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، "سبوح قدوس رب الملائكة والروح"، "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، لا يعجل.
ثم يجلس بين السجدتين ويطمئن ويركد ولا يعجل، يقول: "رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي، اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني وعافني وارفعني "، بين السجدتين يطمئن، ويجلس على رجله اليسرى يفرشها، ويجلس عليها وينصب اليمنى إذا استطاع ذلك، ثم يسجد الثانية مثل الأولى يطمئن فيها، ويقول فيها مثلما قال في الأولى، هكذا صلاة النبي عليه الصلاة والسلام.
وفي آخرها بعد الركعتين الثنتين يجلس للتحيات، يقرأ التحيات "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
ثم ينهض إلى الثالثة، وإن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فهو أفضل، النبي صلى الله عليه وسلم ربما نهض، وربما صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهض إلى الثالثة، ثم يقرأ في الثالثة الحمد فقط، هكذا روى أبو قتادة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقرأ في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب في الثالثة والرابعة، وهكذا في الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء بالفاتحة، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر بعض الشيء زيادة بعض الأحيان فلا بأس، ثم يجلس بعد الثالثة في المغرب، وبعد الرابعة في الظهر والعصر والعشاء، وبعد الثانية في الفجر، يقرأ التحيات ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويكثر من الدعاء أيضاً، يكثر من الدعاء: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" "اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا ومن عذاب القبر" وإن دعا بغير ذلك فالحمد لله يدعو ما تيسر، "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم يدعو، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، وهذا من دعواته عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير قبل أن يسلم، "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"، ثم بعد ذلك يجتهد في الدعاء بما تيسر، ثم يسلم تسليمتين: "السلام عليكم ورحمة الله" عن يمينه، "السلام عليكم ورحمة الله" عن يساره، هذا تمام الصلاة، يفتحها بالتكبير ويختمها بالتسليم،
فينبغي للمؤمن والمؤمنة تحري هذا، وأن يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. اللهم صل عليه وسلم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين وفيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
أما بعد:
عباد الله، إن إتقان صفة الصلاة الثابتة عن رسول الله والحرص على ذلك أمر عظيم، فالصلاة المقامة، والصلاة المأمور بها هي الصلاة التي صفتها صحيحة في أركانها وواجباتها وأقوالها، وإن أثر الصلاة على المصلي، وحصول جميع ثمراتها إنما هو للصلاة التي يتتبع فيها المصلي هدي رسول الله في صلاته، ألا فكل من أراد هدايات الصلاة وتوفيقها وأنوارها ونعيمها وأثرها في حياته، فليتقن الصلاة وليحسنها في صفتها، وليجتهد في أن تكون موافقة لصفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإنه يجب على المسلم أن يكون حريصاً على إتقان صفة الصلاة الصحيحة، وذلك بتعلمها ومراجعتها بين الحين والآخر، وإن ما ينبغي التنبيه عليه -يا عباد الله - هو تعليم الأبناء والبنات صفة الصلاة الصحيحة منذ نشأتهم حتى ينشؤوا على الصلاة بطريقة صحيحة، ولا يكتفى بما يتعلمونه في مدارسهم، فإن تعليم الوالدين له أثر عظيم مستمر في حياة أبنائهم، ولهذا جاء التوجيه النبوي من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للآباء والأمهات بتعليم أبنائهم الصلاة وأمرهم بها منذ الصغر، منذ بلوغ سن السابعة من أعمارهم "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" رواه أبو داود [35] وحسنه الألباني. [35]رواه أبو داود (1/ 133)
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
كن مطمئنا
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
فيا عباد الله: كم نحن بحاجة إلى الطمأنينة في هذه الحياة؟ كم يسعى الواحد منا صباح مساء، لأن يعيش سعيدًا هادئًا مرتاح البال، وهو في عصر متسارع الأحداث، متتابع المتغيرات، إن طمأنينة النفس وسكينتها وارتياحها مطلب عظيم يتفق عليه جميع البشر.
ألم يخطر ببالنا يا عباد الله أن الطمأنينة والارتياح، ولحظات السعادة قريبةٌ جدًا منا، وليست بعيدة المنال؛ بل إننا في مصاحبة مستمرة لها؛ فقط نحتاج أن نعيد حساباتنا، ونراجع أنفسنا نحن -المؤمنين- في أعمالنا اليومية، وفي ساعات أيامنا وليالينا وكيف نقضيها، وما علاقة ذلك بالارتياح والطمأنينة.
لنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل أثّرَ زمن السرعة علينا في حياتنا؟ كل شيء سريع، المواصلات، الأجهزة، الأعمال، حتى المأكولات، هل وصل تأثير التسارع الحضاري والتقني المعاصر إلى سائر أعمالنا اليومية -حتى وصل إلى العبادات!؟
لماذا نستعجل ونركض في كل شؤوننا ونحاول في كل شيء أن نلحق بالذي بعده، حتى في صلواتنا ما أن يقف المصلي قائماً بين يدي ربه إلا ويستعجل للركوع ثم يستعجل للرفع ثم يسارع للسجود، وكأن شيئا ما يدفعنا دفعا لهذا الاستعجال، هل هناك ما هو أهم من صلاتنا ومناجاتنا لربنا سبحانه؟ هل هناك أعظم من هذا الشرف الكبير الذي نحن فيه
ما حالنا في الطمأنينة في صلاتنا؟ ونحن نعلم أن من اطمأن في صلاته فقد أحسنها، ومن لم يطمئن فقد أساء فيها، ومن أساء صلاته فماذا سيحسن؟ ومن لم يطمئن في صلاته ففي أي حال سيطمئن؟
عباد الله: يقضي المؤمن في كل يوم ما يقارب "الساعتين" من يومه في صلواته الخمس " (الصبح، الظهر، العصر، المغرب، العشاء) وسننها القبلية والبعدية وصلاة الضحى وقيام الليل والوتر، في هذا الوقت المخصص للصلاة، يترك كل شيء، يتخلى عن أي شيء، ليقبل على الله تعالى، موجهًا وجهه لله معظمًا مكبرًا مسبحًا مناجيًا مستغفرًا؛ داعيًا بالسلام والأمان والطمأنينة لنفسه ولعباد الله الصالحين، هذه الحالات تظهر فيها الطمأنينة.
الطمأنينة في الصلاة ليست عملاً شاقًا يصعب القيام به، الطمأنينة في الصلاة هي: الاستقرار والسكون عند القيام بأفعال الصلاة، وذلك بإعطاء كل ركن من الأركان، حقه من الوقت الكافي، وعدم العجلة في الانتقال إلى الركن الذي يليه، وتدبر أقوال ذلك الركن بكل تأن وسكينة.
إليك أخي الكريم: هذا الحديث الذي يحكي قصة ذلك الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ولم يحسن صلاته ولم يطمئن في أركانها، حتى سمى العلماء هذا الحديث حديث المسيء صلاته، فانظر -رعاك الله- ماذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف علمه: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل، فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد وقال: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» متفق عليه [36]. [36]رواه البخاري (1/ 152) ومسلم (1/ 298).
ثلاث مرات ورسول الله صلى الله عليه وسم يأمره بالرجوع ليصلي، لأنه لم يطمئن في صلاته، فمن لم يطمئن في صلاته لم يصل، ومن هذا الحديث أخذ العلماء: أن أحد أركان الصلاة الطمأنينة في جميع الأركان.
عباد الله: إن لحظات الصلاة هي أغلى لحظات الحياة، وأطيبها وأحلاها وألذّها للمؤمن، إن الدقائق التي نقضيها من حياتنا وأعمارنا في صلواتنا؛ قائمين.. راكعين.. ساجدين.. جالسين، إنها لحظات لا تساويها في العظمة والقداسة والجلال والجمال أي دقائق أخرى تقضى في أعمال الحياة.
إذًا تأمل أعمالنا اليومية سنجد أن أحبها إلى قلوبنا، وأنفعها لنا في حياتنا ومعادنا هي صلاتنا ألا تستحق صلواتنا -والتي هي أحب عمل إلى قلوبنا- أن نطمئن في أركانها وواجباتها وسننها وأن نعطيها الوقت الكافي للتدبر والتأني.؟ !!
أليست هي الراحة.. أليست هي قرة العين..
ألا يجد المصلي في صلاته الأنس بالله والطمأنينة بذكره، والشوق إلى لقائه..
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين ويا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
أما بعد:
فأدعوكم إخواني من هذه اللحظة مستعينين بالله تعالى، أن نراجع أمر الطمأنينة في صلواتنا متذكرين، أن الطمأنينة في الحياة والسعادة فيها، تعتمد على طمأنينتا في صلواتنا، فمن اطمأن في صلاته اطمأن في حياته.
الطمأنينة في الصلاة يصل بها المؤمن إلى حالة الرضا والأنس بذكر الله، والاستعداد للآخرة، واستصحاب معية الله في كل حين.. وعندما يأنس القلب بذكر الله ويطمئن به ويتوكل عليه، فقد نال الرضا وذاق طعم السعادة وحلاوة الإيمان.
فهذا التكرار اليومي للصلوات والتدريب العملي على الطمأنينة فيها، وإحسانها والأنس بمناجاة الله تعالى فيها، وكثرة ذكره سيظهر أثره على حياة المصلي -ولا شك- في سائر شؤون حياته، طمأنينة وسعادة وارتياحاً.
وإن مما يعينك على الطمأنينة في الصلاة بعد الاستعانة بالله، ودعائه المستمر -أخي الكريم- اتباع الخطوات العملية الآتية:
أولاً / التركيز في الركن الذي أنت فيه متناسيًا الركن الذي بعده، حتى تصل إليه فإذا كنت راكعًا استغرق وقتك في الركوع، ولا تتذكر الرفع حتى تنهي أذكار الركوع، لأن ورود الرفع على ذهنك أثناء ركوعك يتسبب في العجلة وعدم الطمأنينة، وكذا سائر الأركان.
ثانياً / تدبر معاني ما تقول في ذلك الركن وتفهم مقاصد الذكر الذي تردده بلسانك.
ثالثاً / احرص على اتباع السنة في إتقان هيئة الركن الذي أنت فيه متذكراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري [37] [37]رواه البخاري (1/ 129)
رابعاً / نوّع في الأذكار التي تقولها في كل ركن، فالتنوع في أقوال الصلاة يساعد على التركيز، وحضور القلب فتتحقق الطمأنينة.
خامساً / تذكّر أن الله سبحانه وتعالى يراك ويسمعك ويعلم حالك ﴿ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ، إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الشعراء:218-220]، فمن علم أن الله يرى أفعاله، ويسمع أقواله حال قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه حري به أن يطمئن ويحسن صلاته.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم طمأنينة الصلاة، وحلاوة الإيمان، ونعيم الدنيا والآخرة.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
صلاة القلوب والجوارح
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
فإن غاية خلق الجن والإنس هي: تحقيق العبودية لله رب العالمين قال الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾[الذاريات:56]، والعبادة هي: كمال المحبة والخضوع لعلام الغيوب سبحانه وتعالى، ولما كانت هذه المعاني من المحبة والخضوع والذل، معان قلبية، وعبادات باطنة لا تظهر على الجوارح، وإنما مشاعر تقوم في قلب المسلم، وهي مقصود العبادات الظاهرة، لما كان الأمر كذلك يا عباد الله لزم الأمر أن يكون هناك عناية خاصة بصلاة القلوب مع صلاة الجوارح، وعناية بما ينبغي أن يقوم به القلب أثناء قيام الجوارح بالعبادة والتعبد لله تعالى، فالقلب هو: محل نظر الرب جل وعلا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" رواه مسلم[38] وهذا يعتمد على الفهم الصحيح لحقيقة العبادة. [38]رواه مسلم (4/ 1987)
وحقيقة الصلاة أنها ثلاثة أقسام لا يقوم كمالها إلا بها:
أولها: أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود وجلوس.
وثانيها: أقوال الصلاة من القراءة والتكبير والتسبيح والحمد والدعاء.
وثالها: هو معاني هذه الأقوال والأفعال التي ينبغي أن يشعر بها المصلي حال قيامه بأداء هذه العبادة العظيمة.
والسبيل إلى معرفة هذه المعاني والشعور بهذه المشاعر القلبية هو: العلم الصحيح والأداء الصحيح، العلم الصحيح بمعاني الأقوال ودلالات الأفعال.
والأداء الصحيح لها وفق سنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام القائل: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري [39]. [39] رواه البخاري (1/ 129)
فعندما يقوم المصلي لصلاته يستشعر معنى عظم هذ القيام، وأنه قيام لمناجاة خالقه وسيده، ويعينه في ذلك القيام تذكره استقبال القبلة -الكعبة المشرفة بيت الله جل وعلا- حيث الهداية والأمن والأمان ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران:96]، ثم يدخل في حرم الصلاة بتكبيرة الإحرام مكبراً بلسانه قائلاً: " الله أكبر" وبحاله حيث يرفع يديه تعظيمًا وتكبيراً واستسلامًا لربه جل وعلا، مدركاً أنه يقف بين يدي الكبير الذي هو: أكبر من كل شيء، وكل ما عداه فهو أصغر، ويستفتح صلاته تارة بمزيد من التعظيم والتسبيح والتنزيه بقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا اله غيرك، وتارة بالدعاء والتوبة وطلب المغفرة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من ذنوبي وخطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطياي بالماء والثلج والبرد، وغيرها من أذكار الاستفتاح.
ثم يستعيذ بالله من الشيطان عدوه الأول الذي يريد أن يفسد عليه صلاته بوساوسه وخطراته فيقول من قلبه: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ويدرك معناها في تلك اللحظة أنه يلتجئ ويعتصم بربه تعالى من هذا العدو الرجيم، ثم يقرأ الفاتحة مستعيناً بسم الله الرحمن الرحيم، ويستشعر بقلبه مناجاة الله، والمناجاة هي: الحديث الخفي بين اثنين، فعندما تكون في صلاتك؛ فأنت في حديث بينك وبين الله لا يعلمه أحد من الخلق، تقول حامداً ربك تعالى على نعمه التي أنعم بها عليك في حاضرك وفي ماضيك وفي مستقبلك " الحمد لله رب العالمين " تستشعر بأن الله تعالى يجيبك من فوق سماوته قائلاً " حمدني عبدني " الله أكبر ما هذا الشرف العظيم الذي نصل إليه بصلواتنا يا عباد الله، إن الصلاة شرف لا يناله كل أحد من البشر.
ثم تثني على ربك بصفة الرحمة قائلاً " الرحمن الرحيم " فتشعر بإجابته لك أثنى علي عبدي، ثم تمجده تعالى بقولك " مالك يوم الدين " تقول ذلك متذكراً ليوم الدين يوم الجزاء والحساب، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، فيجيبك تعالى بقوله " مجدني عبدي ".
وبعد هذا الحمد والثناء والتمجيد يقترب قلبك من ربك حتى كأنه يراه يخاطبه، فتقول معلنا كمال المحبة وكمال الإخلاص وكمال التوحيد " إياك نعبد وإياك نستعين " فيأتي الجواب " هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل " فتنال هذه الخصوصية بينك وبين ربك فقط، لا أحد من الخلق يكون بينك وبين ربك تعالى، فهو الذي يعلم صدق عبادتك واستعانتك وهو الذي يعلم ما تريد وهو الذي يعلم بوقوفك بين يديه في تلك اللحظة.
ثم بعد هذا القرب يأتي السؤال الأعظم، يأتي السؤال الأهم، يأتي السؤال الأكبر، إنه سؤال الهداية، طلب التوفيق، طلب المعية الإلهية، طلب أن يهديك الله في حياتك، أن يجعلك على الصراط المستقيم، على الطريق القويم، الطريق الذي يوصلك الى رضوانه جل وعلا، إنه التوفيق في الحياة، ولك أخي المصلي أن تتذكر رحمة الله بك وكرمه وإحسانه إليك أن أوقفك هذا الموقف في كل يوم سبع عشرة مرة لتستهديه لتطلب منه التوفيق فما أكرم الله، وما أعظم الله، وما أرحم الله بنا.
ثم تزداد تأكيداً لهذا الطريق الذي تريد أن تكون عليه فتقول " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " فهذا الطريق الذي تريد أن تكون عليه طريق واحد طريق واضح طريق مميز، إنه طريق السعداء والموفقين، طريق الناجين المفلحين، طريق الأنبياء والصديقين، طريق الشهداء والصالحين، هؤلاء الذين تريد أن تكون معهم وفي زمرتهم وفي معيتهم، ولا تريد أن تكون مع غيرهم ممن غضب الله عليهم، وأضلهم عن سواء السبيل.
إنه طريق ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا، ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا﴾ [النساء:69-70]
ثم تؤَمِّنُ على هذا الطلب وهذا الدعاء قائلًا: "آمين" بمعنى اللهم يا ألله استجب دعائي واهدني إلى صراطك المستقيم.
وبعدها تقرأ ما تيسر من القرآن تاليًا متدبرًا كلام ربك الذي أنت واقف بين يديه، فما أعظمها من تلاوة، وما أجملها من قراءة عندما يتلو المصلى كلام ربه وهو واقف بين يديه، يعلم أن ربه يراه فهو البصير سبحانه ويسمعه فهو السميع الذي وسع سمعه جميع الأصوات باختلاف اللغات.
بعد القراءة تنتقل مكبرًا بلسانك وحالك رافعًا يديك قائلاً " الله أكبر"، وأنت تتذكر أنك بين يدي الكبير، فتركع تعظيمًا للكبير قائلا: "سبحان ربي العظيم " متذكرًا ربوبية العظيم سبحانه، تركع له منزهًا له عن كل نقص، ومثبتًا له كل كمال وجلال وجمال، وتكرر ذلك التسبيح مستشعرا عظمة ربك جل وعلا.
ثم ترفع رأسك قائلا: "سمع الله لمن حمده" مستشعرًا سمع الله لك واستجابته لحمدك وثنائك، معترفًا أن الحمد كله له داعيًا بتمام الاستجابة لهذا الحمد " اللهم ربنا لك الحمد"، وتثني عليه حبًا فيه تعالى فتعتدل قائمًا قائلًا: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
وبعد هذا القيام بالمناجاة والتعظيم بالركوع والثناء في القيام بعده تزداد حبًا له، ثم تخر ساجدًا على أعضائك السبعة جميعها مسبحًا منزهًا مستشعرًا قربك منه ﴿ ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ، إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الشعراء:218-220] فتكرر تسبيحك له " سبحان ربي الأعلى " " سبحان ربي الأعلى " وتدعوه وتطلب منه وتسأله حاجاتك في الدنيا والآخرة.
ولحظات السجود هي لحظات القرب من الله، فما من حالة يحب الله تعالى أن يرى عبده عليها ﴿وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب﴾ [العلق:19] القلب في حالة السجود يكون قريب جدًا من الله؛ بل أقرب حالة " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم [40] وفي رواية له أيضاً " وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" رواه مسلم [41]، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ﴾ [البقرة:186] [40] رواه مسلم (1/ 350) [41]رواه مسلم (1/ 348)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى فإن أجسادكم على النار لا تقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
أما بعد:
فمع هذه الرحلة العظيمة التي بدأنا بتكبيرة الإحرام، ثم الاستفتاح والاستعاذة والبسملة والمناجاة بتلاوة الفاتحة، وقراءة ما تيسر من القرآن ثم التعظيم بالركوع، والثناء على الله وحمده بعد الركوع، ثم الشعور بذلك القرب العظيم في السجود وصلنا إلى الجلوس بين السجدتين.
الجلسة بين السجدتين -يا عباد الله- هي: ركن من أركان الصلاة، تجب الطمأنينة فيها كسائر الأركان وهيئتها هي هيئة السؤال والطلب، قال أنس رضي الله عنه يصف جلوس رسول الله بين السجدتين، فكان " يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم" رواه مسلم [42]، الجلوس بين السجدتين لطلب المغفرة، والمغفرة بها تتحقق الحاجات، وتفرج الكربات، وترفع الدرجات، وتنال بها الأرزاق والخيرات، ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا، يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا، وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا﴾ [نوح:10-12] [42]رواه مسلم (1/ 344)
وفي الجلسة بين السجدتين يطلب المصلي مع المغفرة: الرحمة والرزق والعافية والهداية وجبر النقص والرفعة وهذه هي: مطالب السعادة والنجاح.
فإذا غفر الله لك ورحمك وهداك وعافاك ورزقك وجبر نقصك ورفعك، فماذا بقي؟! إنها الصلاة -يا عباد الله- إنها صلتك بربك الذي يسعد حياتك وبيده فوزك ونجاحك.
وبعد إتمام المصلي الركعتين يجلس للتشهد والتحيات، وجلسة التشهد -يا عباد الله- ينزل فيها القلب منازل عالية رفيعة، ويترقى في درجات الرفعة والسمو درجات سامية منيفة، ففيها يَصِلُ المصلي لأن يُحَيِّ الله قائلًا: التحيات لله والصلوات والطيبات، فيزداد قلبه تعظيمًا وإجلالاً لله، ثم يسلم على رسول الله قائلًا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فيزداد محبةً لرسول الله، ثم يسلم على نفسه، ويشعر بالطمأنينة تملأ قلبه وروحه، وعلى العباد الصالحين، فيشعر بالمحبة لهم، فيقول :السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم يعلن شهادة التوحيد الخالدة قائلًا: أشهد ألا إله الا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وفي حالة التشهد الأخير، يعلن زيادة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيصلي عليه الصلاة الإبراهيمية يطلب فيه المصلي من ربه تعالى أن يثني على نبيه في الملأ الأعلى، وأن تتنزل الرحمة والبركة عليه، وعلى أمته ودعوته، كم هو جميل هذا الشعور القلبي الذي يشعر به المصلي، ويدعو لرسول الله وللأمة جميعاً في كل صلاة يصليها، هكذا تكون الصلاة عندما يكون القلب حاضراً غير غائب ولا شارد.
ويختم المصلي صلاته بالاستعاذة واللجوء إلى ربه تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فيستعيذ من عذاب جهنم: وهو العذاب الحاصل بها، ومن عذاب القبر وهو: عذاب الحياة البرزخية، ومن فتنة المحيا وهي: فتن الحياة بشهواتها وشبهاتها، وفتنة الممات وهي: ما يحصل للعبد عند لحظات وفاته، ومن فتنة المسيح الدجال، ثم يدعو ربه تعالى بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ويخرج من صلاته بالسلام وهو: دعاء من المصلي لإخوانه المصلين عن يمينه وشماله وسلام على الملائكة الكرام.
هذه صلاة القلوب والجوارح -يا عباد الله-، ينبغي أن نتعلمها ونعلمها أبنائنا وبناتنا وأهلنا، فإن الصلاة ليست أفعال وأقوال للجوارح وإنما معانٍ قلبية، يجب أن تقوم بقلب المصلي، وبذلك يكون القبول، قال عليه الصلاة والسلام " إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنهَا إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنهَا، سُبعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبعُهَا، ثلُثهَا نِصْفُهَا " رواه أحمد [43] وصححه الألباني. [43]رواه أحمد (31/ 189)
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل: 91].
خشوع وخضوع
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
فإن الخشوع في الصلاة -يا عباد الله- هو روحها الذي تحيا به، وهو عمودها الذي تقوم عليه، وهو الجوهر الذي إذا فٌقِدَ فقدت الصلاة حقيقتها، والصلاة بلا خشوع كجسد ميت بلا روح، الخشوع في الصلاة مطلب لابد منه، لمن أراد أن يمتثل الأمر الرباني بإقامة الصلاة، فقد جاء الحث عليه في كتاب الله تعالى، ببيان حال الخاشعين، وصفاتهم وما أعده الله لهم من منازل عالية في جنات الخلود.
قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ، ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ، وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ، وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ، وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ، إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ، وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ، وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ، أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ، ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [المؤمنون:1-11].
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ، ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة:45-46]، وجاء الحث النبوي على الخشوع في الصلاة كما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» رواه أبو داود [44] وصححه الألباني، والخشوع في الصلاة هو دليل على امتلاء القلب بمحبة الله وتعظيمه، ودليل على المعرفة به تبارك وتعالى وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى. [44]رواه أبوداود (1/ 115)
فمن أدرك وعلم وأيقن واستشعر، وحضر قلبه عند قيامه لله في الصلاة، وأنه يقوم بين يدي الإله العظيم الذي تألهه القلوب محبةً وتعظيماً، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، والسميع: الذي يسمع كل شيء، والعليم: الذي وسع علمه ما في السموات وما في الأرض وهو بكل شيء عليم، والبصير: الذي لا تخفى عليه خافيه، ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ، ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ، إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الشعراء:217-220]، من علم وحضر قلبه أنه إذا قام للصلاة قام يناجي ربه الرحمن الرحيم الذي يملك يوم الدين، والذي منه الهداية وبه الاستعانة، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، وأن شغله ووظيفته في صلاته هو القيام تعظيماً وتكبيراً لهذا الرب العظيم، وتسبيحاً وتنزيهاً لخالقه الكريم، وحمداً وثناءً، واستغفاراً وطلباً ودعاءً بتحقيق الحاجات والطلبات في الدنيا وفي الآخرة، متى ما علم المصلي ذلك وقوي علمه بربه، زاد إقباله عليه وخضوعه وتَذَلـله له.
سئل الحسين بن علي بن الحسين عن تغير وجهه عند استعداده للصلاة فقال: " تَدْرُوْنَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أَقُوْمُ وَمَنْ أُنَاجِي " [45] إنه العلم بالله، يا عباد الله فمن كان بالله أعرف كان له أخشع وكان له أحب. [45]سير أعلام النبلاء (4/ 392)
فيا من تريد أن تخشع في صلاتك كيف معرفتك بربك؟ ماذا تعرف من أسمائه وصفاته؟
يا من تريد أن تخشع في صلاتك كيف حالك مع ذكرك لربك قبل صلاتك في صباحك ومسائك؟
يا من تريد أن تخشع في صلاتك هل تفكرت في هذا الكون الفسيح فزادك تعظيمًا وتذكيراً؟
يا من تريد أن تخشع في صلاتك كيف أنت مع كلام ربك قراءةً وتدبراً ليدلك على عظمته وجلاله وعزته وكماله؟
يا من تريد أن تخشع في صلاتك أين أنت من شكر النعم، والثناء بها على المنعم سبحانه وتعالى؟
يا من تريد أن تخشع في صلاتك كيف أنت والبعد عن المعاصي والسيئات والذنوب والمنكرات؟ كيف تقواك لربك إذا عرضت عليك الشهوة والشبهة، إذا وقعت في الذنب وقارفت الخطأ، هل تعود إليه هل ترجع إليه، هل تتوب إليه ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴾ [النور:31].
عباد الله: خشوع القلب في الصلاة وسكونه؛ تابع لحضوره فمتى ما حضر القلب واستشعر عظمة ربه تعالى سكن وهدأ، وخشع وخضع، ولا يحضر القلب إلا مع إدراك أهمية ما هو فيه، ويدرك أهمية ما هو فيه بإدراك تحقيق مراده وصلاحه وفلاحه وتوفيقه ونجاته، وأن كل ذلك مرتبط بصلاته، فإذا علم المصلي أن الصلاة يتحقق له بها كل ما يريده في دنياه وأخراه، وكل ما يطلبه ويتمناه؛ جاهد نفسه في حضور قلبه، وسعى جاهداً في البحث والسؤال عن الوسائل والأسباب التي يزداد بها حضورًا وخشوعاً.
عباد الله: الخشوع هو: حالة سكون يشعر بها المصلي عندما يدرك معنى ما يقوله ويفعله في صلاته، فإذا أدرك المصلى معاني أقوال الصلاة وأفعالها، وكان حاضر القلب فيها خشع لا محالة، لأن موقف الصلاة موقف عظيم رهيب مهيب يقتضي أن يصل بالمصلي إلى درجة السكون والخشوع لربه علام الغيوب.
وإن مما يقوي المجاهدة في تحقيق الخشوع هو معرفة الثمرات العظيمة التي تتحقق للمصلي من خشوعه، امتثالاً لأمر الله جل وعلا واتباعا لهدي رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.
فأولى تلك الثمرات هي: كسب الحسنات وتكفير السيئات، فإن أجر الصلاة وحسناتها على قدر الخشوع فيها، وللمصلي من حسنات على قدر خشوعه في صلاته، قال عليه الصلاة والسلام " إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا نِصْفُهَا " رواه أحمد [46] وصححه الألباني. [46] رواه أحمد (31/ 189)
ولا شك أن الخسارة كل الخسارة أن يفرط العبد في صلواته التي هو يصليها، وإن من الخسران الكبير أن يأتي يوم القيامة يوم الحساب والجزاء؛ وإذا بصلواته التي صلاها الذي كتب له منه القليل، لأنه لم يخشع ولم يجاهد نفسه في الخشوع فيها.
إن العلم بهذا -يا عباد الله- يجعل الواحد منا يجاهد نفسه في كل صلاة أن يخرج بأكبر ما يمكنه من الحسنات، وأن يكفر عنه أكبر ما يمكن من السيئات.
وثاني هذه الثمرات هو: لذة الصلاة وحلاوتها والارتياح بها، والتنعم بها كل ذلك مرتبط بالخشوع فيها، فسيرتاح بالصلاة من خشع فيها، ويتنعم بالصلاة من كان قلبه حاضرًا عند مناجاة ربه، وسيجد نعيم الصلاة من شعر بالقرب من ربه جل وعلا.
فيا من تريد الارتياح بالصلاة.. ويا من تريد أن تقر عينك بالصلاة وتتلذذ بها إن البوابة لذلك هو الخشوع فيها.
ذاق حلاوة الصلاة ونعيمها التابعي الجليل ثابت البناني بمجاهدة مستمرة، فقد كان يقول: "كَابَدْتُ الصَّلَاةَ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَنَعَّمْتُ بِهَا عِشْرِينَ سَنَةً"[47]. [47]حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 321)
وثالث هذه الثمرات هو أثر الصلاة، نَعَمْ يا عباد الله فإن أثر الصلاة من الإقبال على الله وكثرة ذكره، والهداية والتوفيق، وإصلاح النفس واستقامتها، والبعد عن الفحشاء والمنكر، ليس بمجرد أداء الصلاة، وإنما بالخشوع فيها، فإن الصلاة الخاشعة هي الصلاة المقامة وهي الصلاة التي يظهر أثرها في حياة المصلي.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت:45]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى فإن أجسادكم على النار لا تقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- وإنما يتقبل الله من المتقين، وإن من تقوى الله جل وعلا اتقان الصلاة والخشوع فيها، والحرص والجد والاجتهاد في إحسانها وإكمالها على الوجه الذي يرضي ربنا جل وعلا.
ألا وإن هناك من التحديات والعوائق ما يواجهنا في سبيل تحقيق خشوعنا في الصلاة، وعلى المصلى أن يسعى لعلاج ذلك، ومن العوائق التي تحول بين المصلي وخشوعه: وسوسة الشيطان الذي لا يريد لنا الصلاة، ولا يريد لنا طاعة الله، والذي أخذ على عاتقه النية والعزم على أن يحول بيننا وبين عبادتنا لربنا، بيننا وبين هدايتنا للصراط المستقيم، ﴿لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ، ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ﴾ [الأعراف:16]
والشيطان الذي يوسوس للمصلي في صلاته ويبعده عن خشوعه، جاء خبره في حديث الصحابي الجليل عتبة بن أبي العاص رضي الله عنه لما اشتكى للنبي عليه الصلاة والسلام من وسوسة الشيطان في الصلاة، فأخبره النبي أن "ذاك شيطان يقال له خنزب" رواه مسلم [48]، ثم أرشده إلى كيف يصنع حتى يتخلص من وسوسته، بأن يستعيذ بالله منه وينفث عن يساره ثلاث مرات، ففعل عتبة ذلك فأبعد الله عنه الشيطان. [48]رواه مسلم (4/ 1728)
وإن من سنن الصلاة القولية: الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة: وهي قول " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أو "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"، فإنها حصن حصين من الشيطان في بداية الصلاة، وعلى حسب قوة الاستعاذة وضعفها يكون بُعْدُ الشيطان عن المصلي وإشغاله عن صلاته.
ومن العوائق والتحديات التي يضعف معها الخشوع: هوى النفس، ومحبوبات القلب، فإن القلب إذا كثرت عليه المحبوبات تشتت في طلبها والتفكير فيها، وإن النفس كلما زادت أهوائها ورغباتها أشغلت ذهن الإنسان وتفكيره، فأصبح مشتت الذهن، شارد البال، كثير الخواطر، وهذا ما يحصل للمصلي في صلاته إن لم يبادر لعلاج ذلك، والبحث عما يقاوم به هذا التشتت ويداوي به هذا البلاء.
ولنعلم يا عباد الله أن القلب يتبع محبوبه، فقلوبنا إن فقدناها في صلواتنا فهي ليست ضائعة، وإنما هي في المكان الذي تحب، فما أشبع عبد قلبه من حب الدنيا وشهواتها وملذاتها وأموالها إلا أثر ذلك في تشتته في صلاته، وشرود ذهنه في عبادته، وحرم من لذة المناجاة وحلاوة الوصال مع ربه ومولاه.
وإن علاج ذلك في السعي إلى تقوية محبة الله جل وعلا في القلب، وإخراج حب الدنيا منه، وذلك بزيادة المعرفة بالله من خلال معرفة أسمائه وصفاته، والتفكر والتدبر في آياته، والإكثار من شكره وذكره، والمسارعة إلى محبوباته، واتباع هدي نبيه وخليله صلى الله عليه وسلم، ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ، قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران:31-32]
ومن العوائق والتحديات التي تواجهنا في رحلة الخشوع في الصلاة، ما يتعلق بخصائص عمل دماغ الانسان مع التكرار، فإن من خصائص دماغ الإنسان أنه لا يركز في العمل إذا اعتاد عليه، وإنما يقوم به بدون وعي، لقدرته الفائقة على التفكير، فإن لم يجد ما هو جديد أخذ ينشئ أفكارًا جديدة، وهذا الذي يفسر كثرة الشرود الذهني عن الصلاة، وتذكر أعمالًا هي خارج الصلاة تستدعي التفكير فيها، بل ربما استغرق ذلك وقت الصلاة كلها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وللتغلب على هذا العائق، والخروج من هذه الحالة العصيبة، التي بسببها خلت صلاة الكثيرين من الخشوع، ينبغي العلم بأن الصلاة ليست تكرارًا، وأن كل صلاة نصليها هي جديدة، وأنها تقع في وقت لن يتكرر عليك إلى يوم القيامة، وأن الواجب عليك القيام بالتعبد لله فيه بشكل خاص، وأن لكل وقت من الأوقات الخمسة في يومك وليلتك صلاة تخصه.
فإذا علم المصلي هذا اجتهد في أن يركز في كل صلاة يصليها، ثم إن مما يعين على التغلب على هذا العائق أيضًا تكبيرات الانتقال بين أركان الصلاة، فإنها تعمل كالمنبه لعقل المصلي إن انشغل خارج الصلاة أن يعود إلى الله وإلى مناجاته وتسبيحه وذكره ودعائه.
عباد الله:
إن الطريق للخشوع في الصلاة يبدأ من زيادة الوعي بتعظيم قدر الصلاة، وإدراك حقيقتها، والمجاهدة العملية لتحصيل ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69]، والبحث عن الأسباب التي توصل إلى محبة الله تعالى وامتلاء القلب بتعظيمه بمعرفته، والإكثار من ذكره وشكره، والبعد عن كل ما لا يحبه الله تعالى، والمسارعة في محاب الله ومراضيه.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل: 91].
كفاية وملاذ
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
كل إنسان في هذه الحياة له مطالب يسعى لطلبها، وحاجات يسعى لتحقيقها، ولا تنتهي طلباته وحاجاته، إلا بمغادرة هذه الدار إلى الدار الآخرة، فالإنسان حارث وهمام، مادام أنه حي يرزق فهو بحاجة الى الرزق، والصحة، والهداية، وبحاجة الى تحقيق جميع مصالحه الدينية والدنيوية.
وقد جعل ربنا جل وعلا لكل مطلب وحاجة ولكل مصلحة ومنفعة؛ سبباً تتحقق به، ووسيلة توصل إليه، وهذه الأسباب إما كونية مادية، أو أسباباً شرعية معنوية، والمسلم مطالب بالبحث عن الأسباب التي توصله إلى ما يريد من المصالح.
غير أن المسلم يختلف عن غيره، بإيمانه بالله تعالى خالق الأسباب وموجد المسببات، ويعلم أن هذه الأسباب لا توجد مسببتاها بذاتها، وإنما بإذن الله تعالى ومشيئته وقدرته. وعندما يزداد يقينه بالله تعالى وقدرته والإيمان بعزته وكفايته، يبدأ المسلم في صدق اعتماده على الله في كل شيء، ويبدأ في صدق توكله على ربه تعالى في تحقيق حاجاته ومتطلباته ومصالح دينه ودنياه. ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة:23] عند ذلك تكون طمأنينة الحياة وراحة البال وسعادة الأبد.
الكفاية الإلهية -يا عباد الله- هي أن يعتقد المسلم اعتقاداً جازماً لا شك فيه أن الله تبارك وتعالى يكفيه كل شيء، وأن كل ما يريده عند الله سبحانه، وإذا أراد الله جل وعلا أن يعطيه شيئا فلا يمكن لأي أحد كائن من كان أن يمنعه من ذلك، وإذا منعه من شيء فلا يمكن لأي أحد أن يعطيه ذلك الممنوع.
الكفاية الإلهية تعني: أن يعتقد المسلم أن الحاجات التي يريدها، والمرادات التي هو يسعى إليها، والطلبات التي يسعى للوصول اليها، كلها من يملكها حقيقة هو الله تبارك وتعالى.
الكفاية الإلهية: أن نكتفي بالله تبارك وتعالى، ونزداد يقينًا واعتقادًا بهذا الأمر، أن كل الحاجات مهما صغرت، ومهما عظمت، الذي يملك ذلك كله هو الله الواحد الأحد، مسبب الأسباب مالك الملك الغني سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران:23]، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يقربهم منه، وما به يتواصلون معه لقضاء حاجاتهم في دينهم ودنياهم.
إن حقيقة الصلاة يا عباد الله: وقوف العبد بين يدي ربه تبارك وتعالى الذي بيده كل شيء له، يقف مكبرًا معظمًا مناجيًا سائلاً متذللاً قريبًا من ربه، يسمع تسبيحه، واستغفاره ويجيب سؤاله،
" أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ " رواه مسلم [49] [49]رواه مسلم (1/ 350)
معاشر المؤمنين: لنعلم أنه إذا زاد اليقين بكفاية الله تعالى للعبد، واستحضر دائمًا حقيقة الصلاة، تجدد مفهوم الصلاة عنده، وتغير إقباله عليها، وله نصيب من حال الصحابي الجليل عدي بن حاتم رضي الله عنه إذ يقول: "مَا جَاءَتِ الصَّلاَةُ قَطُّ إِلاَّ وَأَنَا إلَيْهَا بِالأَشْوَاقِ" [50] [50]رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (7/ 193)
الانسان بطبعه هو محتاج، ودائماً يسعى لتحقيق ما يريد، منذ أن يصبح إلى أن يمسي في كل يوم هو في سعي إلى تحقيق ما يريد، فإذا أيقن بكفاية الله له، وأن هذه الحاجات كلها الذي يملكها هو الله جل وعلا، وأنه في الصلاة إذا قام فإنه يكون بين يديه يطلب منه كل الحاجات، عندئذ يتغير إقباله للصلاة، ويصبح للصلاة معنًى متجدداً عنده، فكلما احتاج أول ما يتذكر.. يتذكر الصلاة، وإذا صلى فيتذكر حاجاته في مواضع الدعاء فدعا ربه تعالى بتحقيقها.
قال بكر بن عبد الله المزني: "مَنْ مِثْلُكَ يَا ابْنَ آدَمَ خُلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمِحْرَابِ وَالْمَاءِ كُلَّمَا شِئْتَ دَخَلْتَ عَلَى اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" [51]. [51]الزهد لأحمد بن حنبل (1/ 510)
أخبرنا الله تعالى في كتابه: أنه يكفي عباده ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥ﴾ [الزمر: 36]
وأخبرنا سبحانه وتعالى: أن منتهى الكفاية إليه، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا﴾ [الفرقان: 31]
وأمرنا بالاستعانة به: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 54] والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام دلتنا سنته على أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، كما جاء ذلك في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى" رواه أبو داود [52] وحسنه الألباني. [52]رواه أبو داود (2/ 35)
واسمع رعاك الله إلى هذا الحديث القدسي العظيم يقول الله جل وعلا: " ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ " رواه الترمذي [53]وصححه الألباني، أكفك: كفاية كاملة، وهذه الركعات هي أو ما يبدأ به المسلم يومه بركعتي الفجر، السنة وركعتي الفريضة. [53]رواه الترمذي (2/ 340)
ثم اسمع أيضاً تأكيدًا لذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه رضي الله عنهما: "مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ" رواه الطبراني [54] وصححه الألباني. [54]رواه الطبراني في المعجم الأوسط (4/ 229)
في ذمة الله يعني: في رعاية الله، في حفظ الله تبارك وتعالى في يومه ذلك، فالله تبارك وتعالى يحفظه ويهديه ويتكفل بتحقيق ما يريد، هذا كله مرتبط بصلاة الفجر، بصلاة فريضة واحدة فما بالك بالفرائض الخمس جميعها.
وتتحقق الكفاية بالصلاة يا عباد الله أيضاً عندما يفطن المصلي لمواطن الدعاء والطلب في السجود حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بقرب المصلي من ربه حال سجوده، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم [55] وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" رواه مسلم [56]، يعني: حري أن يستجاب لكم، وأن حالة السجود هذه هي الحالة التي يكون فيها المسلم المصلي قريب جداً من الله تبارك وتعالى، فما من حالة يحب الله تعالى أن يرى فيها عبده مثل أن يراه مُعْفِرًا جبهته في التراب، هنا يدعو ويطلب ويشعر بالرجاء في حالته هذه، وأن الله سيحقق له ما يريد ويعطيه ما سأل، موقنًا بالإجابة متذكرًا قول حبيبه عليه الصلاة والسلام "ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ" رواه الترمذي[57] وحسنه الألباني. [55]رواه مسلم (1/ 350) [56]رواه مسلم (1/ 348) [57]رواه الترمذي (5/ 517)
وأيضاً في دعائه قبل السلام من الصلاة كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما علمه النبي عليه الصلاة والسلام التشهد في آخر الصلاة، ثم قال صلى الله عليه وسلم " ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ " رواه مسلم [58] وفي رواية "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ" رواه البخاري [59] يعني: ما يريد ويفضل، وكل ما يتمنى وما يطلب من خيري الدنيا والأخرة. [58]رواه مسلم (1/ 302) [59]رواه البخاري (1/ 167)
-الله أكبر يا عباد الله- والله إن هذا لكنز عظيم، قد أعرض عنه بعض الناس، إما للجهل به، وإما للانشغال عنه، وأخذ بعضهم يبحث يمينًا وشمالًا عما يستعين به، ويلتجئ إليه، ويستقوي به من ضعف، ويهتدي به من ضلال، وقد صدق فيه قول القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ*** والماء فوق ظهورها محمول [60] [60]ديوان عبد الغني النابلسي (ص: 426)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ﴾ [الزمر: 36]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه وتوبوا إليه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
فاتقوا الله عباد الله، وعلقوا قلوبكم بربكم الكريم، الغني الجواد الوهاب، من بيده خزائن السماوات والأرض، الشافي الكافي، رب الأرباب ومسبب الأسباب وخالق خلقه من تراب.
معاشر المؤمنين: والموضع الثالث الذي تتجلى فيه الكفاية الإلهية هو: الجلوس بين السجدتين، الجلسة بين السجدتين يا عباد الله هي: ليست للفصل بين السجدتين، وإنما جلسة مخصوصة، هي ركن من أركان الصلاة مثل السجود، مثل القيام من الركوع، هذه الجلسة خاص بالطلبات التي يريدها المصلي، فمن أعظم ما يريد المصلي طلب المغفرة، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام تكرار قوله: "ربي غفر لي ربي اغفر لي ربي اغفر لي.
وطلب المغفرة سبب في تحقيق الحاجات كما قال تعالى: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا، يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا، وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا﴾ [نوح:10-12]
أيضا: ًمما جاء في الجلوس بين السجدتين إضافة إلى طلب المغفرة؛ طلب الرحمة والعافية والرزق والهداية وجبر نقص ورفعة في الدنيا والآخرة في الدعاء: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني واجبرني وارفعني هذه الطلبات السبعة تشتمل على كل ما تحتاجه في الدنيا والآخرة، إذا غفر الله لك، ورحمك، وهداك، وعافاك، ورزقك، وجبر نقصك، ورفعك فماذا بقي مما تريد في هذه الحياة؟
وما أجمل وصف ابن القيم رحمه الله لثمرات الصلاة ومنافعها عندما قال: الصلاة: مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن [61]. [61]زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 304)
عباد الله فلنفزع للصلاة عند الشدائد، ولنستعن بالصلاة في النوائب، ولتكن صلاتنا هي ملجأنا وملاذنا دائماً وأبداً، فنعم الملجأ ونعم المعين، ولنربي أبنائنا على ذلك نعلمهم ونرشدهم ليستعينوا بالصلاة، ويلجأوا إلى الله، كلما احتاجوا وكلما ضاقت بهم سبل الحياة وظروفها، ذكروا الصلاة فاستعانوا بها ففيها الهداية وفيها الكفاية.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
هداية وتوفيق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
الهداية لفظ مريح، وكلمة محببة للنفوس، ما إن تصل أسماعنا إلا وقد استبشر أحدنا وفرح، ولامس معناها القلب فانشرح، ذلك أن الهداية مطلب للجميع، فما من أحد إلا يريد الهداية، يريد التوفيق، يريد أن يكون من المهتدين ومع المهتدين، يريد أن يسلك سبيل الهداية إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قالَ لي رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: "قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ، بالهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ، سَدَادَ السَّهْمِ" رواه مسلم [62]. [62]رواه مسلم (4/ 2090)
إن الهادي هو الله تبارك وتعالى، وقد هدى خلقه جميعاً ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه:50]، ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى، ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ، وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلى:1-3] .
فهدايته عامة لجميع خلقه، قد هداهم لمصالحهم ومعاشهم ووظائفهم، وهدى بعض خلقه المكلفين من الجن والانس هداية خاصة ببيان الخير من الشر، وبيان الحق من الباطل، ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:50] وهدى بعض عباده المكلفين هداية توفيق إلى صراطه المستقيم في الدنيا، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الحج:54]، ويهديهم إلى دخول الجنة في الآخرة ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف:43]
والهداية للصراط المستقيم منحة ربانية، وهدية إلهية، يختص بها الله من يشاء من عباده، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
هدى إليها عباده المرسلين فقال عن موسى وهارون عليهما السلام: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الصافات:118].
وهدى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم صراطه المستقيم ﴿وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ [الفتح:2]، وجعله تعالى هادياً إلى صراطه المستقيم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ، صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [الشورى:52-53]، وجعل كل الهداية في طاعته ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ﴾ [النور:118]
وأخبر عزو جل أن الهداية في كلامه جل وعلا، ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء:9]
وأخبرنا أيضاً أن الهداية في اتباع سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الشورى:52]
وأخبرنا أنه جعل بيته الحرام الكعبة المشرفة هداية للعالمين ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران:96]
وجاءت هذه الصلاة يا عباد الله شاملة لأركان الهداية متضمنة أصولها، ففي الصلاة كلام الله الهادي، وفي الصلاة اتباع لسنة النبي الكريم التي بها نهتدي، وفي الصلاة التوجه نحو القبلة حيث الهداية.
الهداية في الحياة على قدر إقامة الصلاة، من كان أكثر إقامة للصلاة فهو أكثر هداية وتوفيقاً في حياته.
جاءت هذه الصلاة يا عباد الله ليهتدي بها المسلمون إلى الصراط المستقيم، كل مصل في كل صلاة يردد: ﴿ ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾﴾ ، إن الطلب المتكرر في كل صلاة يصليها المسلمون هو طلب الهداية، سبع عشرة مرة في كل يوم، يلجأ المسلمون إلى ربهم طالبين منه الهداية، يطلبون منه التوفيق، فما ظننا بربنا الكريم عندما يكون هذا الطلب وهذا الدعاء بألسنة صادقة وقلوب خاشعة، إن حسن ظننا بربنا ونحن ندعوه صباحًا مساءً أن يحقق لنا سؤلنا، وأن يجيب دعاءنا وهو القائل سبحانه: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60] والقائل: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة:186]، وأن يرزقنا الهداية وأن يدخلنا في زمرة عباده الذين هدى ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر:18] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ ﴾ [الأنعام:90] ، والمسلم يا عباد الله محتاج للهداية في كل شؤون حياته، فيحتاج إلى هداية علم وبيان في أمور لا يعرفها، ولا يعرف وجه الحق فيها، فمن الهداية للصراط المستقيم أن يهديه الله إلى معرفة ذلك.
ويحتاج إلى هداية رغبة وإرادة لأمور يعرفها؛ لكن ليس لديه الرغبة في فعلها فمن الهداية إلى الصراط المستقيم أن يهدى الى الرغبة فيها وإرادتها.
ويحتاج إلى الهداية إلى فعل ما يرغب فيه والتمكين له من ذلك، والهداية للصراط المستقيم توفيق إلى فعل الخير وإعانة عليه.
وهو بحاجة إلى الثبات على ما هو فيه من خير وعمل صالح، والهداية إلى الصراط المستقيم هداية إلى ذلك.
عباد الله ما أحوجنا للهداية، ما أحوج أمتنا للهداية في كل مجالات الحياة، إننا بحاجة لهداية الله لنا في معرفة الحق من الباطل من هذا الزخم الإعلامي المبثوث في الفضاء، إننا بحاجة للهداية في معرفة الصواب من الخطأ من هذا الأفكار التي تطرح هنا وهناك، إننا بحاجة لهداية الله في معرفة الحلول والوسائل التي نواجه بها تحديات الحياة المعاصرة التي أشغلتنا وأشغلت أبناءنا وبناتنا عما خلقوا من أجله.
وإننا بحاجة إلى هداية الرغبة والإرادة نحو محاب الله ومرضاته، أن يقذف الله في قلوبنا محبته ومحبة طاعته، وإرادة الخير لأنفسنا ولغيرنا، نريد هداية لأنفسنا يسهل معها توجيها وتسخيرها في تحقيق مراد الله جل وعلا، وإننا بحاجة لهداية التوفيق لفعل الخير في حياتنا، فليس كل من عرف الخير فعله، وليس كل من أراد العمل الصالح وفق للقيام به.
نريد هداية التوفيق للقيام بالفرائض وإتقانها، والنوافل وإكمالها، نريد التوفيق للأعمال الصالحات والمزيد من الطاعات والقربات، ونحن بحاجة لهداية الثبات على ما نحن فيه من إسلام وإيمان، فقد كان أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" رواه الترمذي [63] وصححه الألباني، وأخبر عليه الصلاة والسلام "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ" رواه الترمذي [64] وصححه الألباني. [63]رواه الترمذي (4/ 448) [64]رواه الترمذي (4/ 449)
لقد كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب الهداية في صلاته فقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام في صيغ استفتاحه للصلاة أن يقول في دعائه "اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ وَسَيِّئَ الْأَخْلَاقِ لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ" رواه النسائي [65] وصححه الألباني. [65]رواه النسائي (2/ 129)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه وتوبوا إليه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
ثم أما بعد:
فإن مما يؤكد عظم شأن طلب الهداية من الله جل وعلا في حياة المسلم، حتى في أمور معاشه في الدنيا ما جاء في مشروعية صلاة الاستخارة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا الاستخارة في أمورنا كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يَقُولُ: " إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي " قَالَ: «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» رواه البخاري [66] [66]رواه البخاري (2/ 57)
عباد الله: إن هذه الصلاة كنز عظيم بين أيدينا، هدانا الله إليها، وأهداها إلينا، ورحمة منه سبحانه وتعالى رحمنا بها، وشرف عظيم شرفنا به.
ألا فلنربي أنفسنا وأبناءنا وبناتنا على تعظيم قدر الصلاة، وعلى ترغيبهم فيها وتحبيبهم فيها، ولنوضح لهم بكل بيان ووضوح أن التوفيق في الحياة مرتبط بإقامة الصلاة، وأن من أراد الهداية في كل أمور حياته فليستعن بصلواته، وليكن ممن أقام الصلاة وحافظ عليها، واجتهد في إكمالها وإحسانها على الوجه الذي يريده ربه جل وعلا.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
الراحة وقرة العين
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
فإن من طبيعة الإنسان في هذه الحياة أن يسعى لسعادته وراحته، بل ويحب أن يستمتع بحياته، ويتلذذ بما أباح الله له من اللذائذ الحسية والمعنوية، وقد أباح الله لعباده ذلك، ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ [الأعراف:32]، وجعل الله تعالى السعادة والحياة الطيبة في الإيمان به وطاعته ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل:97]
قال ابن كثير رحمه الله: " هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا، وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا العمل مشروع من عند الله، بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت " [67] انتهى كلامه رحمه الله. [67]تفسير ابن كثير (4/ 516)
وكل عبادة وعمل صالح يؤديه المسلم ففيه سعادة ولذة على قدر إتقانه وإحسانه، فكلما كان العمل أكثر إحسانًا وأكمل إتقانًا كانت السعادة الحاصلة منه أتم، والراحة به أكبر، لأن ربنا تبارك وتعالى شكور لعباده، يشكر لعباده عملهم في الدنيا، بنعيم يجدونه في العمل الصالح، قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ﴾ [الإنفطار:13]، وهذا النعيم شامل للنعيم في الدنيا وللنعيم في الآخرة.
وقد أخبرنا نبي الهدى عليه الصلاة والسلام بحاله ومقاله أن للعبادات لذة وحلاوة، فكان يطيل في صلاته النافلة ما شاء الله أن يطيل، وكان يقول " وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ " رواه النسائي [68] وصححه الألباني، ويقول: " يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا " رواه أبوداود [69] وصححه الألباني. [68]رواه النسائي (7/ 61) [69]رواه أبو داود (4/ 296)
وأخبر أن للإيمان حلاوة " ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ " متفق عليه [70]. [70]متفق عليه البخاري (1/ 12) ومسلم (1/ 66)
وأن للإيمان والعمل الصالح طعم يتذوقه المؤمن " ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا" رواه مسلم [71]. [71]رواه مسلم (1/ 62)
وإن أكثر العبادات راحة ونعيماً، وسروراً ولذة، هي عبادة الصلاة، ذلك أن الصلاة مشتملة على معاني الدين كله، فهي عماد الدين الذي لا يقوم الدين إلا به، وفيها التوحيد وإعلان الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وفيها تزكية النفس وتطهيرها، وفيه الانقطاع عن الشهوات من المأكل والمشرب والصيام عنها، وفيها قصد الكعبة المشرفة بالتوجه إليها، ويقوى إيمان المصلي بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويتذكر اليوم الآخر، ويزداد تسليمه لقضاء الله وقدره، ويصل المصلي في صلاته إلى أعلى مراتب الدين، بإحسانه في صلاته وقربه من ربه قائلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5.]
والمصلي عندما يقوم بين يدي الله فهو يعلن عبوديته الكاملة لله تعالى، وهو بهذا يرضي ربه جل وعلا، وعلى قدر إتقانه لهذه العبادة يكون رضا الله عنه، وينال من رضوان الله ومن النعيم واللذة والسرور والسعادة على قدر إحسانه في صلاته، فإن ما يتحقق بالصلاة من ذكر لله ومناجاة له وأنس به، وشوق إلى ما عنده جل وعلا، يجعل من الصلاة جنة يتنعم بها المصلي كلما قام إليها، وإن ذلك النعيم ليتفاوت فيه المصلون بحسب حضورهم في صلاتهم وخشوعهم فيها.
عباد الله: لما كان أعظم نعيم يتنعم به أهل الجنة هو: رؤية وجه الكريم الجميل الملك العظيم ذو الجلال والإكرام، عندما ينادي منادي يا أهل الجنة يا أهل الجنة إن لكم موعداً عند الله يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا -اللهم بيض وجوهنا يا رب العالمين- ويغفر ذنوبنا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار، فتكشف لهم الحجب فيرون الله تعالى، فما أعطوا نعيماً أعظم من ذلك النعيم، ولا لذة أعظم من تلك اللذة، فيقول لهم: " اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً "، لما كان ذلك النظر وتلك الزيارة أعظم نعيم أخروي، أعطي المؤمن أعظم نعيم دنيوي هو: مناجاته والوقوف بين يديه، وتكبيره وحمده وتسبيحه والثناء عليه وتعظيمه وسؤاله، والركوع له والسجود بين يديه سبحانه وتعالى.
يا عباد الله: إن من فرغ قلبه لصلاته ويفهم ما يقوله ويفعله، ويجاهد قلبه في حضوره ليدرك تلك اللذة ويشعر بذلك النعيم، إن في الصلاة تفرغ كامل لهموم الدنيا ومشاغلها، إن في الصلاة تركيز على ما ينفع العبد، ويحقق له مصالحه، إن في القيام للصلاة تذكير للمسلم بالجنة التي يترقب دخولها، الجنة التي هي وعد الله تعالى لعباده ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة:72.] ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ﴾ [الرعد:35.]
والمصلي يتذكر الجنة عندما يستقبل الكعبة المشرفة حيث الحجر الأسود، والمقام وهما ياقوتتان من ياقوت الجنة، وتذكره للجنة يعني نسيانه هموم الدنيا ومشغلاتها ومنغصاتها، تذكره للجنة مع حسن ظنه بربه الكريم الرحيم يساعده في تفريغ قلبه وحضوره لمناجاة الله تعالى.
وإن في الشعور بحمد الله والثناء عليه وتمجيده، وإعلان محبته، والإخلاص له، وتوحيد الاستعانة به، وسؤاله هداية الصراط المستقيم، وتذكر الـمـُـنْعَمِ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، إن في الشعور بهذه المعاني عند قراءة الفاتحة لشغل عظيم، يشغل المصلي عن كل أفكار الدنيا وشهواتها وملذاتها، وقد أخبر الحبيب المصطفى فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام
"إِنَّ فِي الصَّلاَةِ لَشُغْلًا" رواه البخاري [72]. [72]رواه البخاري (2/ 66)
وعندما يحضر قلب المصلي في تسبيحه لله تعالى في ركوعه وسجوده، متذكراً أن أصحاب الجنة يسبحون الله تعلى بكرة وعشيا، ويلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، وهو يشاركهم هذا المعنى، وعندما يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته يتذكر حبه لرسول الله ومرافقته في الجنة، وعندما يسلم على الملائكة الكرام يستحضر سلامهم عليه في الجنة، فإن أهل الجنة تسلم عليهم الملائكة ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ، سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد:23-24]، ويسلمون عليهم عند استقبالهم عند أبواب الجنة ﴿وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ﴾ [الزمر:73.]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه وتوبوا إليه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
ثم أما بعد:
فإن البوابة الكبرى التي يدخل منها المسلم إلى رحاب اللذة والسعادة والراحة والنعيم في صلاته، هي قوة محبته لله تعالى، فكلما زادت محبة الله تعالى في القلب زاد الارتياح بذكره، والتنعم بشكره والتلذذ بطاعته والعمل لأجله، وقوة المحبة تابعة لزيادة العلم به سبحانه، فمن عرف الله أحبه لامحالة، ومن أحبه اشتاق للقائه وارتاح في عبادته، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، ومن أحب أحداً فرح بوصله ووصاله، وأسعده تواصله وكلامه.
والعلم بالله تعالى ومعرفته تزداد بمعرفة أسمائه وصفاته، والتفكر في آياته والتدبر فيها، والإكثار من ذكره وشكره، والمسارعة في محبوباته تبارك وتعالى.
ألا فلنجاهد أنفسنا ونربي من تحت أيدينا على محبة الله تعالى والاستجابة له، والمسارعة في الخيرات تأسياً برسل الله وأنبيائه ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء:90.]
وكان من دعاء حبيبنا صلى الله عليه وسلم في صلاته: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ " رواه الترمذي [73] وصححه الألباني. [73]رواه الترمذي (5/ 367)
ولنبحث عن الوسائل والسبل التي نزداد بها راحةً وسروراً في عبادتنا لربنا تعالى، فإن الهناء والسعادة والنعيم والراحة والطمأنينة في طاعته واتباع أمره.
ولنعلم -يا عباد الله- أن ما عند الله تعالى لا ينال بمعصيته ومخالفة أمره، فلنبتعد عن المنكرات والفواحش ما ظهر وما بطن، فإن لها تأثيراً في استقامة أحوال العبد وسعادته، فمن لم يحافظ على جوارحه وتمادى في المخالفات الشرعية فأنى له أن يذوق طعم العبادة ونعيمها؛ بل قد يحرم من التوفيق إليها، قال أحد السلف: حرمت قيام الليل بذنب أصبته [74]، قال ربنا في محكم التنزيل: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا، قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ [طه:124-126.] وليكن لنا -يا عباد الله- حظاً ممن جعلت قرة عينه في الصلاة. [74]حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 17)
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
مع الذين أنعمت عليهم
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا، يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:7-71].
أما بعد:
النجاح في الحياة، وتحقيق الأمنيات، وتجاوز العقبات، والتغلب على التحديات، مما يثار، ويكثر الحديث حوله هنا وهناك، كيف الوصول إلى حياة الناجحين؟ وما الوسائل المعينة للفوز والظفر والدرجات العلى؟ وما الطرق لتحقيق أكبر المكاسب والمنافع؟ وما سبيل تحقيق الريادة والسيادة؟ والناس في ذلك مختلفون، وللوصول لتلك الأحوال العالية متباينون، وهكذا هي الحياة ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ [هود:118-119]
والمسلم -يا عباد الله- يعلم علم اليقين أنه جاء لهذه الحياة لفترة محدودة، ومدة معدودة، وسيغادرها ولا شك، سيقضي فيها ما قدر الله له من عمر مكتوب، وأجل محسوب، سينتقل إلى الدار الآخرة دار البقاء والخلود، والنعيم المقيم والسعادة الأبدية.
ومما يؤثر في حياة المسلم تأثيرًا بالغاً، ويأخذ بيده إلى الدرجات العلى هو: همته العالية التي تقوده إلى معالي الأمور، والله تبارك وتعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، وإن مما يعلي همة المسلم، ويرفع من سقف تطلعاته، ويعظم في نفسه أمنياته، هو أن يعايش أصحاب الهمم العالية، والنفوس الكبيرة، والانجازات العظيمة، ينظر في أحوالهم، يتتبع أخبارهم، يمعن النظر في صفاتهم وأخلاقهم،
وهو في سبيل ذلك يصبر ويصابر ويجتهد ويجاهد:
ومن تكن العلاء همة نفسه *** فكل الذي يلقاه فيها محبب [75] [75]ديوان البارودي (1/56)
وهذا الطلب اليومي المتكرر والذي يردده كل مسلم في صلاته سبع عشرة مرة في كل يوم، طلب الهداية إلى صراط الذين أنعم الله عليه، وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، هذا التكرار اليومي وهذا التأكيد وهذا الإصرار يرفع الهمة عالياً كلما صلى المسلم، ودعا أن يكون مع أولئك الـمنْعَم عليهم أصحاب الهمم العالية.
الصلاة -يا عباد الله- ترتفع بها الهمة إلى أقصى درجة ممكنة، إذ لا أعلى همة ولا أكثر نجاحاً وإنجازاً، ولا أكثر توفيقاً وسعادة، من هؤلاء المنعم عليهم، فماذا عسى أن يكون نصيب من اقتدى بهم، وأدام التذكر لهم، وعاش يومه وليلته وهو يتذكر أولئك الأخيار، مَنْ اصطفاهم الله وفضلهم واختارهم وأنعم عليهم، ما هو شعور المسلم عندما يردد في كل يوم وليلة طلبه أن يكون مع الأنبياء، مع الصديقين، مع الشهداء، مع الصالحين، ماذا سيؤثر ذلك في نفسه، بأي همه سيواجه الحياة، وكيف يتعامل مع ظروفه النفسية والاجتماعية.
المسلم -يا عباد الله- عندما يتذكر أحوال الصفوة تسمو نفسه ويتألق فؤاده، وينشرح صدره لعمل الصالحات، بل يكون ذلك وقوداً لشعلة عالية من الهمة التي لا تدانيها همة.
فهو يتذكر نبي الله نوح عليه السلام وقد عمر أكثر من ألف سنة إلا خمسين عامًا كلها همة عالية ودعوة إلى الله تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ﴾ [يونس:71]
وقد دعا قومه ليلًا ونهارا، وسرًا وجهارا، صباحًا ومساء، لبث فيهم القرون الطويلة، والأزمنة المديدة داعيًا صابرًا محتسبًا، ومن حرص نوح عليه السلام على استمرار ذريته على ما كان هو فيه من همة عالية جمع ابنه عند موته فقال "إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ " رواه أحمد والبخاري في الأدب [76] وصححه الألباني. [76]رواه أحمد (11/ 150) والبخاري في الأدب المفرد (ص: 192)
وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام بلغت به همته العالية في توحيده وإيمانه بربه وتصديقه بوعده ووعيده، أن قَرَّبَ فلذة كبده وثمرة فؤاده قرباناً يتقرب به لربه ﴿فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ، وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ﴾ [الصافات:103-104]، وبلغت به همته في دعائه وابتهاله ومناجاته أن يختار الدعاء بدوام القرب من الله، وحسن الصلة به بإقامة الصلاة له ولذريته ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾ [إبراهيم: 40]، ولما اسكن ذريته في مكة أخبر أنه أسكنهم ليكونوا أكثر قرباً من الله بإقامة الصلاة ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ [إبراهيم: 37] ومن عظيم همة إبراهيم عليه السلام، وصيته لذريته بعد موته وشفقته عليهم ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]
ومن ذرية إبراهيم إسماعيل الذي كان من همته دعوة أهله للصلاة والزكاة حتى كان عند ربه مرضيا، وكذلك يكون عند ربه مرضيا، كل من كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، جعلنا الله وإياكم منهم.
وعلى هذا الطريق القويم كانت همة جميع أنبياء الله ورسله، وتلك هي الحجة التي رفع الله بها جميع الأنبياء ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: 83]
وعليها إسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وإسماعيل واليسع ويونس ولوط وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وقبل ذلك نوح وهود وصالح وشعيب.
هؤلاء الذين هداهم الله هؤلاء هم: أولوا الألباب، وهؤلاء هم أصحاب الهمم العالية، وخير البشرية، وخير من وطئ الثرى، وهم من أمر الله بالاقتداء بهم والسير على طريقهم ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ ﴾ [الأنعام:90]، أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم، وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل، وممن هداهم الله واجتباهم وممن أمرنا أن نسير على هديهم وطريقهم وصراطهم.
ومن بعد هؤلاء جاء النور المبين، وسيد المرسلين وخاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله وأتباعه أجمعين، فهو الأسوة الحسنة والقدوة المثلى، في علو الهمة ومكارم الأخلاق، ففي الشجاعة والإقدام، قاد خلال عشر سنين، سبعاً وعشرين غزوة، وكان يقول عليه الصلاة والسلام " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ " رواه البخاري [77]، وكان القدوة العظمى في العبادة، كما أخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال " أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا " رواه البخاري [78]. [77]رواه البخاري (4/ 17) [78]رواه البخاري (6/ 135)
وهو صاحب الهمة العليا في اختيار ما عند الله تعالى، لما خير بين الدنيا أو لقاء الله فاختار لقاء الله وكان يقول "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" رواه الترمذي [79] وصححه الألباني. [79]رواه الترمذي (4/ 588)
وهو صاحب الهمة العليا في الصبر والمصابرة، فقد آذاه أعداؤه أشد الأذى في نفسه وفي أهله وفي أصحابه، وكان يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ" رواه البخاري [80]. [80]رواه البخاري (4/ 175)
وهو صاحب الهمة العليا في التعامل وحسن الخلق في الحلم والصدق والكرم والوفاء والسماحة والحياء.
هو البحر من أي النواحي أتيته*** فلجته المعروف والجود ساحله [81] [81]أخبار أبي تمام (1/103)
﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء:69]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه وتوبوا إليه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ألا فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، تفوزوا وتفلحوا في الآخرة والأولى.
ثم أما بعد:
فإن سادة الصديقين والصالحين والشهداء هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وآله الكرام ومن تبعهم بإحسان، فقد بلغت هممهم المقامات العالية، والقمم السامية في العبادة والجهاد ومكارم الأخلاق والفضائل الحسان.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: تعلو همته للدرجة التي لا يطمح أن يدخل من باب واحد من أبواب الجنة فحسب بل يريد أن يدخل من أبواب الجنة الثمانية جميعاً، قال صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: "نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ" متفق عليه[82] ، إنها همة الذين أنعم الله عليهم يا عباد الله. [82]رواه البخاري (5/ 6) ومسلم (2/ 711)
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد، وهو بين أبي بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ النساء فانتهى إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اسْأَلْ تُعْطَهْ، اسْأَلْ تُعْطَهْ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، لِيُبَشِّرَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ مُحَمَّدٍ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ، ثُمَّ جَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عُمَرُ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَكَ، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، مَا سَبَقْتُهُ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ، إِلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ. رواه أحمد [83] وصححه الألباني. [83]رواه أحمد (7/ 360) وصححه الألباني.
وهذا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه تحدثنا سيرته الذاتية العطرة عن همته العالية، عندما أتيحت له فرصة ثمينة ليطلب، ويتمنى ويسأل ما يريد، لما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم: سلني يا ربيعة، يعني اطلب ما تريد يا ربيعة، أبت عليه همته العالية أن يسأل شيئاً من الدنيا، ولو سأل لجاز له ذلك، ولكن أصحاب الهمم، والنفوس العظيمة دائماً، يريدون الأحسن والأبقى والأفضل، فقال جازماً متأكداً: " أسألك مرافقتك في الجنة يا رسول الله "[84]، نعم إنها الهمة العالية يا عباد الله التي تجاوز بها ربيعة حدود الدنيا، وطلبات الدنيا وزخرف الدنيا، وحتى في الجنة ذاتها، فهو لا يريد أي مكان وإنما يريد مرافقة الحبيب المصطفى في الفردوس الأعلى، تحت عرش الرحمن جل جلاله، أرأيتم كيف تصنع الهمة بصاحبها، أرأيتم كيف يكون أصحاب الهمم العالية. [84]رواه مسلم (1/ 353).
فلنكمل مع ربيعة قصته، ولنتذكر ذلك الحوار المؤثر، الذي جاء عند استعداد رسول الله للصلاة، وقد جهز له ربيعة رضي الله عنه وضوءه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ربيعة أو غير ذلك، أتريد شيئاً غير مرافقتي في الجنة، قال هو ذاك يا رسول الله، فقال إذن فأعني على نفسك بكثرة السجود. الله أكبر -يا عباد الله- انظروا لكثرة السجود أين يصل بالمسلم.
الله أكبر- يا عباد الله- انظروا لكثرة الصلوات، إلى أي درجة يرتفع بها المؤمن.
يا عبد الله إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة.
وارتفعت همة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعد رؤيا رآها فعبرها له رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال " نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ " متفق عليه [85]، فما ترك صلاة الليل بعدها، بل كان يكثر من الصلاة حتى إنه ليحي ما بين الظهر إلى العصر صلاة. [85]رواه البخاري (5/ 24) ومسلم (4/ 1927)
أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بمنكبي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال " كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ " رواه البخاري [86]، فأخذ عبد الله بن عمر بالوصية حتى كان يقول " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك " رواه البخاري [87] [86]رواه البخاري (8/ 89) [87]رواه البخاري (8/ 89)
أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ*** أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ [88] [88]ديوان الفرزدق (ص: 360)
وأما خالد بن الوليد رضي الله عنه: سيف الله المسلول، فبلغت بهمته إلى أن قال قولته الشهيرة: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ يُهْدَى إِلَيَّ فِيْهَا عَرُوْسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيْدَةِ البَرْدِ، كَثِيْرَةِ الجَلِيْدِ، فِي سَرِيَّةٍ أُصَبِّحُ فِيْهَا العَدُوَّ "[89] [89]الجهاد لابن المبارك (ص: 91)
عباد الله: إن صلواتنا هذه التي نصليها لتذكرنا بأولئك القوم، إن عبداً يذكر نبيه ويسلم عليه ويشهد برسالته في كل يوم أكثر من ثلاثين مرة، حري به أن يتأسى به، وأن يكون على طريقه، وأن يزداد له حباً وشوقاً، وإن المسلم لما يذكر خليل الرحمن، وصاحب الحنيفية السمحة، والملة العظمى أبو الأنبياء، وإمام الموحدين، لما يذكره في كل يوم أكثر من عشرين مرة، لَتَرتفع همته، وتسمو نفسه إلى ذلك الكمال الابراهيمي العظيم.
ومن تذكر عباد الله الصالحين في كل يوم مرات عديدة بالسلام عليهم " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " وهو يأمل أن يكون معهم وعلى صراطهم وطريقهم، حري به أن يكون سيره وفكره وسلوكه وعمله موافقا لما يطلب ويتمنى، وأن يأخذ من هديهم ودلهم وسيرتهم، ما يحفزه للمكارم ويرفع همته إلى المعالي.
عباد الله: إنها دعوة صادقة لنعيش معاني صلواتنا، ونستمد منها حياتنا، ونربي على هذه المعاني العظام أبناءنا، فما أعظم هذه الصلوات، وما أرحم الله بنا يوم فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، ترفع هممنا وتُعلي شأننا، وتُنير لنا الطريق، وتجمعنا مع صفوة البشرية من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وارض اللهم عنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الاكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأصلح أحوال جميع إخواننا المسلمين، ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك، واغفر لنا ولوالدينا، وأزواجهم وذرياتنا والمسلمين أجمعين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ، وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:90- 91].
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
صحيح البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، 1422هـ، عدد الأجزاء: 9.
صحيح مسلم، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، عدد الأجزاء: 5.
صحيح ابن حبان، المؤلف: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ)، بترتيب ابن بلبان، المحقق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الثانية، 1414 – 1993، عدد الأجزاء: 18.
مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م، عدد الأجزاء: 45.
المعجم الأوسط، المؤلف: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين – القاهرة، عدد الأجزاء: 10.
سنن أبي داود، المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، عدد الأجزاء: 4.
السنن الصغرى للنسائي (المجتبى من السنن)، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، الطبعة: الثانية، 1406 – 1986، عدد الأجزاء: 9.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ - 1964 م، عدد الأجزاء: 20.
سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م، عدد الأجزاء: 5.
سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ / 1985 م، عدد الأجزاء: 25.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394هـ - 1974م، ثم صورتها عدة دور منها1 - دار الكتاب العربي – بيروت، 2 - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 3- دار الكتب العلمية- بيروت (طبعة 1409هـ بدون تحقيق)، عدد الأجزاء: 10.
الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، المؤلف: أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235هـ)، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة: الأولى، 1409، عدد الأجزاء: 7.
الزهد، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م، عدد الأجزاء: 1.
ديوان عبد الغني النابلسي، المؤلف: عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي، عدد الأجزاء: 1.
زاد المعاد في هدي خير العباد، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة: السابعة والعشرون , 1415هـ /1994م، عدد الأجزاء: 5.
تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، المحقق: سامي بن محمد سلامة، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ - 1999 م، عدد الأجزاء: 8.
ديوان محمود سامي البارودي، المؤلف: محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري، عدد الأجزاء: 1.
الأدب المفرد، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار البشائر الإسلامية – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1409 – 1989، عدد الأجزاء: 1.
أخبار أبي تمام، المؤلف: أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي (المتوفى: 335هـ)، عدد الأجزاء: 1.
ديوان الفرزدق، المؤلف: أبي فراس همّام بن غالب بن صعصعة ابن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، ولقب بالفرزدق لجهامة وجهه وضخامته، (38 هـ - 658 م) (110 هـ - 728 م)، شرحه وضبطه وقدّم له: الأستاذ علي فاعور، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى (1407 هـ - 1987 م)، عدد الأجزاء: 1.
الجهاد لابن المبارك، المؤلف: أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التركي ثم المرْوزي (المتوفى: 181هـ)، حققه وقدم له وعلق عليه: د. نزيه حماد، الناشر: الدار التونسية – تونس، تاريخ النشر: 1972م، عدد الأجزاء: 1.
أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع – الرياض، الطبعة: الأولى 1427 هـ - 2006 م، عدد الأجزاء: 3.
صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256هـ)، حقق أحاديثه وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: دار الصديق للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، 1418 هـ - 1997 م، عدد الأجزاء: 1.
هذا الكتاب
لما كان للصلاة هذه المنزلة العظيمة في دين الله، احتاج المسلمون إلى التذكير المستمر بأهميتها وصفتها والخشوع فيها وأثرها في حياتهم
وهذا الكتاب يحوي عدد (12) خطبة جمعة على عدد أشهر العام .. يستأنس بها الخطيب ويقتبس منها ما يساهم في تذكير المسلمين ووعظهم للقيام بإقامة الصلاة كما أراد الله سبحانه وتعالى.