التفسير المحرر
وهو موسوعة تفسيرية ضخمة مطبوعة في 44 مجلدا من إصدار المؤسسة وقد اعتمد منهجيّة التّفسير ثلّةٌ من المتخصّصين في مجال الدّراسات القرآنيّة وعلومها،
الفاتحة
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أي أبدأ قراءتي وتلاوتي متبركًا باسم الله، الرَّحْمَن: ذو الرَّحمة الواسِعة لجميع خلقه، والرَّحِيم: ذو رحمةٍ خاصَّة، يختصُّ بها عبادَه المؤمنين.
الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ
الحَمْدُ: هو وصفُ المحمود سبحانه بالكَمال، مع محبَّته، وتعظيمِه جلَّ وعلا فجميعُ المحامد له سبحانه، لا يستحقُّها إلَّا الله وحده، فهو السيِّد، والمالِك، والمدبِّر لجميع خلقه.
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمَن: ذو الرَّحمة الواسِعة لجميع خلقه، والرَّحِيم: ذو رحمةٍ خاصَّة، يختصُّ بها عبادَه المؤمنين.
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
المتصرِّف في جميع خلْقِه بالقول والفِعل يوم الجَزاء والحِساب.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
لا نعبُد إلَّا أنت، متذلِّلين لكَ وحْدَك لا شريكَ لك، ولا نستعين إلَّا بك وحْدَك لا شريكَ لك.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
دُلَّنا على الطَّريق الواضِح الذي لا اعوجاجَ فيه، ووفِّقنا لسلوكه، وثبِّتنا عليه.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
طريق الذين أَنعمَ الله تعالى عليهم بالهِداية، وهم الذين علِموا الحقَّ وعمِلوا به؛ فهم ليسوا كاليهود الذين غضب الله عليهم، وليسوا كالنَّصارى الذين جهِلوا الحقَّ، فعبَدوا الله تعالى بغير عِلم.
البقرة
الم
هذه الحروفُ المقطَّعة التي افتُتِحَت بها هذه السُّورة وغيرها، تأتي لبيان إعجازِ القرآن؛ حيث تُظهِر عجْزَ الخَلْق عن معارضته بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروف العربيَّة التي يتحدَّثون بها
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
هذا القرآن، لا شكَّ في أنَّه حقٌّ في ذاته، وأنَّه نزَل من عند الله تعالى، كما أنَّه لا يتضمَّن ما يوجب الرَّيْب وهو هدًى من الضلالة، ونورٌ وتبيان للذين يتَّقون غضبَ الله تعالى وعقابَه، بامتثال ما أَمَر الله تعالى به، واجتنابِ ما نَهَى عنه
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
ومِن صفات المتَّقين أنَّهم يُصدِّقون ويُقِرُّون بالغيب، كالإيمانِ بالله تعالى، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِر، ويؤدُّون الصَّلوات بحدودِها، وفروضِها، وواجباتها، كما أمَر الله عزَّ وجلَّ، ويُخرِجُون من طيِّب ما أعطاهم ربُّهم من الأموال
والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
ومن صِفات المتقين أيضًا، أنَّهم يؤمنون بالقرآن الذي أُنزل إلى محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ويُؤمنون أيضًا بجميع الكتُب السماويَّة السابقة، من قَبل بَعثةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ويؤمنون إيمانًا لايتطرَّق إليه شكٌّ بالبعث والنُّشور، والثواب والعِقاب، والحِساب والميزان، وغير ذلك ممَّا أعدَّ الله تعالى لخلْقِه يومَ القِيامة
أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
إنَّ المتَّصفين بجميعِ ما تقدَّم ذِكرُه من صِفات المتقين، على نورٍ وبُرهانٍ وبصيرةٍ من ربِّهم سبحانه وهم أيضًا فائزونَ بإدراك ما طلَبوا، وبالنَّجاة ممَّا منه هرَبوا
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
إنَّ الذين كفروا، يتساوى في حقِّهم كِلا الأمرين، الإنذارُ وعدمه، فهم في كِلا الحالين لا يؤمنون بما جِئتَهم به- يا أيُّها الرسولُ- من الحقِّ
خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ
طَبَع اللهُ على قلوبهم، فلا يَنتفعون بهُدى، وعلى أبصارهم غِطاء، فلا يُبصرون هُدًى، ولهم عذابُ النَّار
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
إنَّ المنافقين يقولون بألسنتهم: آمنَّا بالله، وبالبعث يومَ القيامة، قولًا مجرَّدًا ليس معه إيمانٌ حقيقيٌّ
يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ
هؤلاء المنافقون يخادعون الله والمؤمنين بإظهارِهم الإيمانَ، وإبطانهم الكفرَ وإنَّهم في الحقيقة هم المخدُوعون بصَنيعهم الذي يَحسَبون أنهم يخادعون به ربَّهم والمؤمنين، وذلك بخِذلان الله تعالى لهم في الدُّنيا والآخِرة، وهم مع ذلك لا يَدرُون بأنَّهم مخدوعون
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
في قلوب هؤلاء المنافقين شكٌّ ونفاق؛ فزادهم اللهُ تعالى شكًّا ونفاقًا. ولهم عذابٌ مؤلِم بسبب كذَبِهم في دعواهمُ الإيمانَ، وبسبب تكذيبهم لله تعالى ورسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
إذا قيل للمنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالنِّفاق والكفر ومعصية الله، واتِّخاذ الكافرين أولياء، والصَّدِّ عن سبيل الله،... إلى غير ذلك- ادعوا أنَّ ما يفعلونه من الفَساد، إصلاحٌ
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لَّا يَشْعُرُونَ
ألا إنهم هم المخالِفون في الحقيقة أمرَ الله عزَّ وجلَّ بالكُفر والمعاصي، ولكن لا يَدْرُون ولا يَفطنون إلى أنَّ ما يفعلونه هو فسادٌ في الحقيقة
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لَّا يَعْلَمُونَ
وإذا قِيل للمنافقين: آمنوا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وبما جاءَ به من عند الله عزَّ وجلَّ، كما آمن أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وكلُّ مَن آمن به- يقولون: أنؤمِنُ كما آمَن ذوو الجهل وضعف الرأي وقلة المعرفة بالمصالح والمفاسد فنكون نحن وإيَّاهم على طريقةٍ واحدة، يعنون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ألا إن هؤلاء المنافقين هم السُّفهاء في الحقيقة، حيث يُفسِدون في الأرض، ويظنُّون أنَّ ذلك هو عينُ الإصلاح، وهذا هو السَّفَه
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ
وإذا لقِي المنافقون المؤمنين، أظْهَروا لهم الإيمانَ نفاقًا. وإذا انصَرفوا إلى رُؤسائهم، من سادات الكفَّار والمشركين والمنافقين، خالِين بهم قالوا نحن معكم على دِينكم، إنما نحن ساخرون بهم بقولنا لهم: آمَنَّا بالله وَبِاليَومِ الآخِرِ
اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
الله تعالى يستهزئ بهم فيجرى لهم ما للمؤمنين من الأحكام الظاهِرة، كعِصمة دِمائهم وأموالهم، لكنَّه سبحانه يُميِّز بينهم وبين المؤمنين في الآخِرة، ويُلقي بهم في الدَّرك الأسفل من النار، وهذا من الله سبحانه مقابلة لهم على استهزائهم بالمؤمنين. ويَزيدهم -على وجه الإملاءِ، والتَّرْك لهم- في عتوِّهم وتمرُّدهم بالكُفر، يتردَّدون حيارَى ضُلَّالًا، ولا يجدون إلى المخرَج من ذلك سبيلًا
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
أُوْلَـئِكَ المنافقون الَّذِينَ استعاضوا بالضَّلالة عن الهُدَى فخسِروا بأخْذهم الضَّلالةَ، وتركِهم الهُدى؛ وما كانوا راشدين بصَنيعهم هذا
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ
مثَل المنافقين الذين آمَنوا أو أظهروا الإيمان ثم كفَروا، كمثَل مَن أوقَد نارًا؛ لتضيءَ له، وينتفعَ بها، فلما أنارتِ النارُ ما حولَ المستوقِد، فأبصر بها ما ينفعُه وما يَضرُّه، انطفأ النور، فذهب عنهم ما يَنفعُهم وهو النور، وبقِي لهم ما يضرُّهم وهو الإحراقُ والدُّخَان؛ وبقُوا في عِدَّة ظلمات، منها: ظُلمة اللَّيل، والظُّلمة الحاصِلة بعد فقْد النور، وهي أشدُّ من الظُّلمة الأُولى، والمراد بذلك أنَّ المنافقين أبصَروا الحقَّ، أو أنهم انتفعوا به انتفاعًا مؤقَّتًا، حيثُ حقنوا دماءَهم، وأحرزوا أموالَهم، فكفروا بعد إيمانهم، فبقِيت في قلوبهم حرارةُ الكفرِ والشُّكوكِ وبقُوا في ظُلمات الكُفر، والشُّكوك، والنِّفاق
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
لا يَسمعون هُدًى، ولا يَنطِقون به، ولا يُبصرونَه بقلوبِهم ولا يَعودُون إلى الهُدى الذي باعوه بالضَّلالة
أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
أو مثل المنافقين كمطر نازل من السماء والمرادُ به: القرآنُ الذي نزَل من عند الله تعالى، والذي يُظهر المنافقون بألسنتِهم إيمانَهم به، مع هذا المطر ظلمات هي ظُلمة اللَّيل، وظُلمة السَّحاب، وظُلمة المطر، والمرادُ: ما عليه المنافقون من الشكِّ، والكُفر، والنِّفاق، ومعه رعد: والمراد به: وعيدُ القرآن وزواجره، وأوامِره ونواهيه، وبرق: والمراد به: حُججُ القرآن وبراهينه التي تُبهرهم. يضعون أصابعَهم في آذانِهم؛ كي يتَّقوا سماعَ أصوات الصَّواعق، والمرادُ بالصَّواعق: آياتُ القرآن التي تتضمَّن التكاليفَ الشرعيَّة، والوعيدَ، وغيرَه، والمرادُ: أنَّهم يتَّقون سماعَ زواجر القُرآن الكريمِ ووعيده، وحذرًا من حلول الوعيد الذي توعَّدهم اللهُ به في القُرآن، وإشفاقًا من حلول عُقوبةِ الله بهم على نِفاقِهم؛ إمَّا عاجلًا في الدُّنيا، وإمَّا آجلًا في الآخِرة. والله محيط بالكافرين قدرةً وعلمًا، فلا يُعجِزونه، ولا يُغني عنهم حذرُهم شيئًا
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يوشك البَرقُ من شِدَّة لَمَعانه، وقوَّة ضيائه -مع ضَعْف أبصارهم- أنْ يذهب بها فيُعميها، والمرادُ: أنَّ شِدَّة نور القرآن- بما يحويه من حُججٍ وبراهينَ ساطعة، يرَون معها الحقَّ واضحًا جدًّا- لا تتحمَّله بصائرُهم الضَّعيفة وإذا ظهر لهم نورُ الحقِّ، ولَمَع في قلوبِهم مشَوْا على ضوئِه، وخطَوا خُطواتٍ يسيرةً، لكنَّه لا يستقرُّ في قلوبهم المظلِمة بالشُّبهات والشكوك القويَّة، فلا يلبَث أن ينطفِئ، فيقفون حائرين! عائدين إلى تَكذيبهم، فهُم في هذه الحال في شكٍّ وتردُّد وهذا تهديدٌ ووعيدٌ لهم بإذهاب أسماعِهم وأبصارهم؛ عقوبةً لهم على نِفاقهم وكُفرهم، والله ذو قُدرةٍ على إيقاع ما أوعد به هذا الصِّنفَ من المنافقين، فلْيحذروا نِقمةَ الله وعذابَه عاجلًا أو آجلًا؛ فإنَّه سبحانه وتعالى لا يُعجزه شيءٌ أبدًا
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
يا أيُّها الناس اعبُدوا اللهَ تعالى؛ لأنَّه هو الذي أوجدكم أنتم ومن قبلكم من العدم؛ وذلك من أجل أن تصلوا إلى مرتبة التقوى
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
اعبُدوا ربَّكم أيضًا؛ لأنه هو الذي جعَل لكم الأرض ممهَّدةً كالفِراش، موطأةً مثبَّتةً يستقرُّ عليها الإنسان، وجعَل لكم السماء سقفًا وأَنزل من السَّحاب مطرًا؛ فأنبت للناس بسببه أنواعًا متعدِّدةً من الثِّمار؛ رزقًا لهم. فلا تتَّخذوا لله أمثالًا ونظراءَ بزعمكم، وهو الذي خلَقَكم ورزقكم؛ فهو المستحقُّ لأنْ تُخلصوا له العبادة وحده لا شريكَ له، وأنتم تعلمون أنَّه إلهٌ واحدٌ، لا ندَّ له ولا شريكَ له في الخَلْق والرَّزْق وغير ذلك.
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
إذا كنتم- أيُّها الكفَّار والمنافقون- في شكٍّ من نزول القرآن من عند الله سبحانه على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتُوا من عندكم بسورةٍ من مِثل القرآن، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من غير الله عزَّ وجلَّ، من كل من يشهد لكم فيوافقكم على عدم الإقرار بنزول هذا القرآن من عند الله تعالى، وذلك كأعوانكم وشركائكم، إن كنتم محقِّين في دعواكم أنَّ القرآن كلامٌ مختلَق تقوَّله بشر
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
فإنْ لم تأتوا بسورةٍ من مِثل القرآن، ولن تأتوا بها أبدًا، فاجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقايةً بفِعل أوامره سبحانه، واجتناب نواهيه؛ لتنقذوا أنفسكم من النَّارِ التي يُلقَى فيها العصاةُ من الناس، والحجارةُ؛ لإيقادِها وإضرامِها، وقد جُهِّزت وهُيِّئت مسبقًا لكلِّ مَن كفر فترك التصديقَ بالحقِّ والإقرار به والانقياد إليه وَالْحِجَارَةُ قيل: هي حجارةُ الكِبريت، وهي أشدُّ الأحجار حَرًّا إذا حَمِيتْ، وقيل المراد بها: الأصنام
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
أخْبِر يا أيُّها الرَّسولُ، الذين آمَنوا بالله عزَّ وجلَّ، وآمَنوا بك، وبما جِئتَ به من عند الله تعالى، وصدَّقوا إقرارَهم ذلك بأعمالهم الصالحة- أخْبِرْهم خبرًا يسرُّهم، بأنَّ لهم في الآخرة جنات، تجري الأنهارُ من تحت أشجارها وغُروسِها وغُرَفها. كلَّما أُعطوا أيَّ ثمرةٍ من أشجار الجَنَّة، ظنُّوا أنَّها نفس الثَّمرة التي أُعطوها سابقًا في الدنيا؛ لمشابهتها إيَّاها في المنظر، أو أنها التي أُعطوها في وقتٍ سابقٍ في الجنة، وإنَّما أُعطُوا الذي رُزِقوا من ثمارِ الجنَّةِ متشابهًا في اللَّون والمنظَر، لكنَّ الطعم مختلفٌ وإنَّ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات، لهم في الجنَّاتِ زوجاتٌ مطهَّرات من كلِّ أذًى ومكروه ورِيبة، طهارةً حِسيَّةً ومعنويَّة وهم باقونَ في الجنَّات على الدَّوام، آمِنون من الموت، وانقطاع النَّعيم
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ
إنَّ الله تعالى لا يَمنعه الحياء أن يضرب المثل بأيِّ شيءٍ كائنًا ما كان، ولو كان في الحقارة والصِّغر كالبعوضة فما فوقَها ممَّا هو أكبرُ منها، أو دونها في الصِّغر؛ وذلك لاشتمال الأمثال على الحِكمة، وإيضاح الحقِّ فأما الذين أقرُّوا وصدَّقوا بقلوبهم وجوارحهم، فيَعلَمون أنَّ هذا المثَل المضروب حقٌّ، فيؤمنون به ويتفكرون فيه وأما الذين كفروا فيعترضون ويتحيَّرون، ويقولون ما الذي أراد الله بهذا المثل؟ وإنَّ ضرب المثل في القرآن بالشيء الحقير اختبار يتميَّز به المؤمن من الكافر، فهو إضلالٌ لكثيرٍ من الناس، وهم المنافقون والكفَّار، وهدايةٌ لكثيرٍ من الناس، وهم المؤمنون. ولا يُضلُّ اللهُ سبحانه بهذا المَثَل المضروبِ إلَّا الخارجين عن طاعتِه من أهل الكفر والنِّفاق، وهذا ما تقتضيه حِكمتُه وعدلُه
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
يصِف اللهُ تعالى الفاسقين الذين يَضلُّون بالمَثل المضروب، فيُخبر أنَّهم الذين يَنْقُضونَ العهدَ الذي أخذ عليهم من بعد تأكيدِه. وهو وصيةُ الله تعالى بالإيمان به سبحانه وبجميع رُسله- ومنهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- كما عهد إلى بني إسرائيل بذلك فنقضه كفارهم. ويَقطعون كلَّ ما أمر الله تعالى بوَصلِه، كالأرحام، والتَّصديق بالأنبياء، وغير ذلك من شرائع الدِّين ويفسدون في الأرض بالكُفر والمعاصي وإنَّهم بكُفرِهم وأفعالِهم التي يرتكبونها قد ضلُّوا، فحَرَموا أنفسهم من الرِّبحِ الحقيقيِّ بنَيلِ رحمة الله تعالى، والحصولِ على الفوزِ الأبديِّ
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
كيف يحصل منكم الكفر بالله وقد كنتم عدما فأنشأكم وخلقكم من العدم؛ وأخرجكم إلى الدنيا وأنعم عليكم بأصناف النعم؛ ثم يميتكم عند استكمال آجالكم؛ ثم يحييكم بعد موتكم للبعث والنشور ثم ترجعون إليه؛ فيجازيكم على أعمالكم
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
الله سبحانه هو الذي أوجَد لكم- من فَضله وكرمِه- جميعَ ما على الأرض؛ للانتفاعِ به، والاستمتاعِ، والاعتبار وبعد أنْ خلَقَ اللهُ تعالى الأرض ، علا وارتفع قاصدًا إلى خَلْقِ السَّموات، فخلَقها بإحكامٍ وإتقانٍ، وهو العليم بما يَخلُق، وكيف يَخلقُه، كما أنَّ عِلمه سبحانه محيطٌ بجميع ما خلَق.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
واذكر يا محمَّد، حين قال ربُّك للملائكة أنَّه سيجعل في الأرض خليفةً، وهو آدَمُ عليه السَّلام، وذُريتُه من بعده، يَخلُف بعضُهم بعضًا، جيلًا بعد جِيل فقال الملائكةُ لربَّهم مُستَعْلمين لا مُعْتَرِضين: ما الحِكمةِ من إقامة ذُرِّية آدَم في الأرض، والحال أنَّهم سيُفسدون فيها، ويُعمِلون القَتلَ بينهم، ولم نُستخلفْ نحن في الأرض مع أنَّنا دائمون على تسبيحك تسبيحًا مصحوبًا بالحمدِ لك ودائمون على التقديس لك بوصفك بالطهارة من جميع الأدناس؟ قال الله للملائكة: إني أعلم ما خفِي عليكم ممَّا يحصُل بخَلْق البَشَر من المصالِح والحِكم، ومِن ذلك: أنَّه يكونُ منهم الرُّسُل والأنبياء والصِّدِّيقون وغيرُهم ممَّن يُحقِّق عبوديةَ الله تبارك وتعالى
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
وعَلَّم الله تعالى آدَمَ عليه السَّلام أسماءَ كلِّ شيء وأظْهَر الله تعالى تلك المسمَّياتِ للملائكة، وامتحنهم تحديًا لهم، فأمَرهم أن يُخبروه بأسماء ما عَرَض عليهم، إنْ كانوا حقًّا صادقين في دَعواهم بأنَّهم على علمٍ بالأشياء، ومستحَقُّون للأفضلية على آدَم
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قالت الملائكة: تنزيهٌ لك فلا علم لنا بأي شيءٍ، إلَّا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم بغير تعليم، الحكيم الذي يضَعُ الأشياءَ مواضعَها، فهو حكيمٌ في خَلْقه وأمْره، وفي تعليم مَن يشاء
قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
قال اللهُ تعالى: يا آدَمُ أخبر الملائكةَ بأسماء الأشياء التي لم يعرفوها، فلمَّا أخبرهم آدَمُ بتلك الأسماء، فسمَّى كلَّ شيء باسمه، ظهَر فضلُه وشرفُه عليه السَّلامُ على الملائكة، فقال الله تعالى مقرِّرًا بأنه قد قال لهم من قَبلُ بأنَّه يعلم كلَّ ما يَغيب عن الخلْق، سواء في السموات أو في الأرض، كما يعلم سبحانه ما يُظهِره الملائكة، وما يُخفونه
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
واذكر إذ قلنا لجميع الملائكة اسجدوا لآدم -إكرامًا وتعظيمًا له وعبوديةً لله تعالى- فبادَروا جميعًا بالسجود، إلا إبليس امتنع من السجود، وتَكبَّر على أمر الله تعالى، وعلى آدَم، وكان من الكافرين
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ
وقال الله: يا آدم اسكن أنت وحواء الجنة وكلَا منها رِزقًا واسعًا هنيئًا، لا عناءَ فيه ، تنالانِه فيها حيثُ شئتما من أصناف الثمار والفواكه ولا تقربا هذه الشجرة التي نهيتكما عن الأكل منها فتكونا من الظالمين بعصيان ما أمرتكم به.
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ
فأوقعهما الشَّيطانَ في المعصية والزَّلل، فأبعدهما عن الجَنَّة وأخرجهما من الرِّزق الواسع، والعيش الهنِيء، الذي كانَا ينعمان به فيها، وذلك بأكْلِهما من الشجرة. وقال الله تعالى لآدَمَ وحواءَ وإبليس: اهبطوا إلى الأرضِ؛ بعضكم لبعض عدو. تستقرُّون على ظهرها أحياءً، متمتِّعين بما أرزُقكم، إلى أجَلٍ مُعيَّن، وهو انقضاءُ أعمارهم، وتستقرُّون في بطنها مقبوريِنَ إلى وقتٍ مُحدَّد، وهو قيام السَّاعة
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
فلقَّن الله عزَّ وجلَّ آدَمَ كلماتٍ تحصُل بها توبتُه، فتلقَّفَها آدَمُ عليه السَّلامُ متلقِّيًا لها بالقَبول، فاعترَف بذنبه، وسألَ اللهَ تعالى مغفرتَه ورحمتَه، فَتَابَ الله عليه ورحِمه، فهو كثير التَّوْب، يوفق عبده للتوبة أولًا، ويقبلها منه ثانيًا، وهو الرَّحيمُ بعباده المؤمنين، يختصُّهم برحمته سبحانه
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
قال الله تعالى لآدَمَ وحواءَ وإبليسَ: اهبطوا من الجَنَّة، مُجتمِعين في هُبوطكم فإنْ جاءكم وذرياتكم في أيِّ وقت كتابٌ أو رسول يبيِّن لكم الطريقَ، ويرشدكم إليه، واتَّبعتموه في ذلك، فإن لكم الأمنَ التامَّ، والسرور الدائم، فلا تخافون ممَّا تستقبلون، ولا على ما فاتكم من أمور الدُّنيا تحزنون
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
والذين كفروا فلم يتَّبعوا هُدى الله عزَّ وجلَّ وجَحَدوا الحقَّ، وكذَّبوا بالآيات الشرعيَّة أو الكونيَّة، فأولئك أهل النارِ الملازمين لها على الدَّوام، لا يَخرُجون منها أبدًا
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
يا بَنِي يعقوب اذكروا نِعمَ الله عليكم، ومنها النِّعم التي سيأتي ذِكرُها في هذه السُّورة الكريمة، وذِكرُ هذه النعمِ يستوجب منهم القيامَ بشُكر الله عليها، بالدُّخول في دِينه ومتابعة رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام. ولا تُخالفوا وصيةَ الله تعالى التي عَهِدَ بها إليكم من الإيمان به سبحانه، وبرسلِه، ومنهم محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، وإقامةِ شرْعه، وبيان الحقِّ الذي تعرفونه، فإنَّكم إن أنفذتُم وصيةَ الله تعالى لكم، أمضَى لكم ما وعدَكم به، وهو تكفيرُ السيئاتِ، ودخولُ الجنَّة، وإياي فخافون
وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
وآمنوا بالقرآن الذي أنزله الله على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، موافقا ما لديكم من التَّوراة ولا تكونوا أوَّلَ مَن يكفُر به وبمَن أُنزِل عليه، وهو محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ ولا تستبدلوا آياتِي بعرض من الدنيا يسير كالإبقاء على المناصب والأموال وغير ذلك فتترُكوا الإيمانَ بي ، ومتابعةَ رسولِي من أجْل الدُّنيا وشهواتها، وإياي لا غيري فاتقون فإن ذلك يوجب تقديمَ الإيمان بآيات الله على كلِّ شهوةٍ فانية
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
ولا تخلْطوا الحقَّ الذي أنزله الله تعالى بالباطِل الذي افتَرَيتموه، بحيث لا يتمايزان، أو تظهروا الباطلَ في صورة الحق، ولا تكتموا الحقَّ -ومن ذلك نبوَّةُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ-، والحال أنَّكم تعلمونه، وتعلمون ما في صَنيعكم هذا من الضَّرر العظيم على الناس
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
وأدُّوا الصلاة بأركانها، وواجباتِها على أحسنِ وجه، وأعطوا الصَّدقةَ المفروضة أهلَها المستحقِّين لها، وصلُّوا مع المصلين- ومنهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه رضي الله عنهم- وكونوا من جملتهم
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
أتأمرون الناس بالإيمانِ والخيرِ، وتتركون أنفسكم لا تأمرونها بذلك، والحالُ أنَّكم تقرؤون التوراةَ وتتدارسونها بينكم، وتعلمون منها ما أُمِرتم به من الخير، وما عليكم إنْ قصَّرتم. أوَليس لكم عقولٌ تدركون بها ضلالكم، وتزجركم عن الوقوع في ذلك
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ
واطلبوا العونَ على جميع أمور الدُّنيا والآخِرة بالصَّبر والصَّلاة، وإن الصَّلاة ثقيلةٌ وذات مشقَّة على الأنفُس، لكنَّها سهلةٌ وخفيفةٌ على مَن خشَع، وخضَع لله تعالى، وظهرَ أثرُ ذلك الخشوعِ على جوارحهِ
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
وهؤلاءِ الخاشعون هم الذين يوقنون بعودتهم إلى الله تعالى، والحشرِ إليه يوم القِيامة
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ
يا بَنِي يعقوب اذكُروا نِعم الله عليكم ذِكرًا يحملكم على شُكرها، ومن ذلك الدُّخول في دِينه، واتِّباع رسولِه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّمَ. واذكُروا تفضيلي لكم على سائرِ الأمم من أهل زَمانِكم، بإرسال الرُّسُل منكم، وإنزال الكتُب عليكم، وغير ذلك من النِّعم الخاصَّة
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
واتخذوا وقاية من يوم لا تَقضِي فيه نفْسٌ عن نفْس حقًّا وجَب عليها لغيرها، ولا يُغني فيه أحدٌ- كائنًا من كان- عن أيِّ أحدٍ ولو كان من عَشيرته الأقرَبِين شيئًا، ولو كان قليلًا جدًّا. ولا يُقبَل من أيِّ نفْسٍ شفاعةٌ لنفْسٍ أخرى إذا كانت كافرةً على الإطلاق. أمَّا المؤمنة فتُقبل منها، بإذن الله تعالى للشافع، ورِضاه عن المشفوعِ له. ولا يُقبَل منها فِداءٌ وليس لهم أحدٌ يُنقِذهم من عذابِ الله تعالى
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
واذْكُروا يا بني إسرائيل، نِعمتي عليكم بإنجاءِ آبائكم من شِيعة فِرعونَ وقومِه وملئِه، الذين كانوا يُذيقونهم سيئ العذاب وشديده، بذبْح الأبناء الذُّكور، واستبقاء الإناثِ أحياءً؛ لإذلالهنَّ، وإهانتهنَّ، واستضعافهنَّ، وإنجاءُ الآباء إنجاءٌ لهم؛ وفي إنجائِنا لآبائكم من عدوِّكم نعمةٌ عظيمةٌ لكم من ربِّكم
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
واذكُروا يا بني إسرائيلَ إذ فلقنا بكم البحر وفَصَلنا بعضَه عن بعض؛ لتسلكوا طريقًا يابسًا بيْن أجزاء البحر، فأنقذكم اللهُ تعالى بذلك من فِرعونَ وقومِه، وأغْرَقهم الله تعالى جميعًا، وأمكَن بني إسرائيل من النَّظر إليهم بأبصارهم وهم يَغرَقون
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
واذكُروا يا بني إسرائيلَ مواعدتَنا لموسى تمامَ أربعين ليلةً، ثم عِبادتكم العِجلَ من بعد أنْ فارقَكم موسى متوجِّهًا إلى الموعِد، وأنتم ظالمون بوضعِ العبادةِ في غير موضعها
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ثم تجاوزْنا عنكم بمحوِ أثر ذنبِكم بعبادة العِجل، فلم نعاقبْكم؛ لتكونوا من الشاكِرين نعمةَ الله تعالى عليكم بالعَفوِ
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
واذكُروا إعطاءَنا موسى التوراةَ، التي تُفرِّق بين الحقِّ والباطل؛ لتهتدوا بها باتِّباع الحقِّ الذي فيها
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
واذكُروا حين نادَى موسى عليه السَّلام قومَه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العِجلَ إلهًا تعبدونه؛ ولذا فقد وجَبتْ عليكم التوبةُ فتوبوا من هذا الجُرم الشنيع، في حقِّ مَن أَوجدكم من العدَم، فهو من يستحقُّ أن يُعبَد وحده، وذلك بأنْ يَقتُل بعضُكم بعضًا، فذلك خيرٌ لكم عند الله تعالى، فتاب عليكم؛ فهو كثير التوبة ذو الرحمة الواسعة
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
واذكُروا حين قلتُم لموسى عليه السَّلام، لن نصدِّقك ولن نُقرَّ بما جئتَنا به، حتى نرى الله عِيانًا، ننظُر إليه بأبصارنا فعاقَبَكم الله تعالى بالصَّعْقِ فمتُّم، ينظرُ بعضكم إلى بعضٍ حينَ أخذَكم الموتُ
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ثم أحييناكم من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم؛ لتشكروني على نعمتي عليكم بإحيائكم
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وجعلنا السَّحاب الأبيض الرَّقيق يظلكم؛ لنَقِيَكم حرَّ الشَّمس في التِّيه وأنزَلنا عليكم رِزقًا طيِّبًا سهلًا: المنَّ والسَّلوى. والمنُّ قيل هو كل ما امتن الله تعالى به عليهم من الطعام والشراب، مما ليس في تحصيله كلفة ولا مشقة وقيل: هو شيءٌ يُشبِه العسلَ الأبيض حُلوٌ ينزِلُ على الشَّجر كالندى. والسَّلوى طائر، قيل: هو السُّمَانَى، وقيل: يُشبه السُّمَانَى و قلنا لهم: كُلوا من طيِّبات ما رزقناكم، كهذا المنِّ والسَّلوى، فلم يقابلوا نِعمَنا بالشُّكر فظلموا أنفسهم؛ حيثُ عرَّضوها لسَخَطِ الله عزَّ وجلَّ وعِقابه وما ظلمونا فالله سبحانه وتعالى لا تضرُّه معاصي خَلْقه، ولا تنفعُه طاعاتُهم
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
واذكُروا إذ قلنا لبني إسرائيل ادخلوا بيت المقدِس، وكُلوا منها من أيِّ مكان فيها رِزقًا واسعًا هنيئًا وادخلوا أحدَ أبواب بيت المقدس رُكَّعًا متواضعين، واطلُبوا من الله تعالى أن يضَعَ عنكم ذُنوبَكم وخطاياكم وإذا فعلتُم يا بني إسرائيل، ما أمَرتكم ، فسأستُر عليكم ذنوبَكم، وأتجاوز عنها، وسأَزيد إيمانًا، أو حسناتٍ من فَضلِي- عاجلًا أو آجلًا- مَن أحْسَن في عبادة الله تعالى، ومَن أحسن للخَلْق بوجوه الإحسان المختلِفة
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
فغيَّر الظالمون منهم القولَ الذي أُمِروا أن يقولوه بقولٍ غيرِه، فقالوا بدَلَ حِطَّة: حَبَّة في شَعرة، وإذا بدَّلوا القول مع خِفَّته، فتبديلُهم للفِعل من باب أَوْلى وأحرى؛ ولهذا دخَلوا يَزحَفون على أَدبارِهم فأنزل الله تعالى على هؤلاء- الذين استبدلُوا بالقولِ الذي أُمِروا به قولًا غيرَه- عذابًا من السَّماء؛ بسبب خروجهم عن طاعةِ الله تعالى إلى معصيتِه
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
واذكُروا حين طلَب منَّا موسى ماءً لبني إسرائيل يَشرَبون منه فقلنا له اضرِب بعصاك الحجر، ففَعَل ذلك، فخَرجتْ من الحَجر اثنتَا عَشرةَ عينًا من المياه العَذْبة؛ تيسيرًا لهم، وإنعامًا من اللهِ تعالى عليهم وإنَّ كلَّ قبيلةٍ من قبائل بني إسرائيل الاثنتي عَشرة، قد عرَفَتْ محلَّها الذي تَشرَبُ منه من هذه الأعين الخارجة من الحَجر، فلا يُزاحم بعضُهم بعضًا، بل يَشربونه متهنِّئين, قال تعالى: كُلُوا واشْربوا من رزقِ الله، ولا تَسْعَوْا في الأرضِ بالفَسادِ
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
واذكُروا يا معشرَ بني إسرائيل حين أخبرتُم موسى عليه السَّلام بضجرِكم وكراهيتِكم للمَنِّ والسَّلوى، فقلتم لا طاقةَ لنا بحَبْس أنفسِنا على تناوُل هذا الطَّعام فادعُ لأجْلِنا يا موسى، ربَّك؛ كي يُخرجَ لنا بعض ما تنبته الأرضُ من البَقل والقِثَّاء والفُوم، ومن العَدَس والبَصَل فقال لهم موسى: أتأخُذون الذي هو أخسُّ قِيمةً وقدرًا من العيش، بدلًا بالذي هو خيرٌ منه قيمةً وقدرًا وهذه الأطعمةُ التي طلبتُم ليستْ بأمرٍ عزيز، بل هي كثيرةٌ؛ ففي أيِّ بلد دخلتموه ستجدون هذا العيشَ الذي تطلُبون وأصبح الهوانُ والصَّغار مفروضًا عليهم، وأصبح أثرُ مسكنة الفقر والحاجة والحِرص لازمًا لهم، كما أنَّه قد حلَّ عليهم غضبٌ من الله تعالى و هذا الذي جازيناهم به بسبب كفرهم بآياتِ الله تعالى الكونيَّةَ والشرعيَّة، واعتدَائهم على أنبياء الله تعالى بالقَتْل بلا وجه حقٍّ. وذلك الجزاء الذي جُوزوا به، أو ذلِك الكفر بآيات الله، والقتْل لأنبيائه، إنَّما سببُه هو عصيانُهم لله تعالى -إمَّا بارتكاب المحظور، وإمَّا بترْك المأمور- واستمرارُهم على تجاوُز حدود الله تعالى.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
إنَّ الذين آمنوا -وهم أُمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- واليهود أتباعُ موسى عليه السَّلام قَبل نَسْخ دِينهم، وقبل تحريفِه، والنصارى أتباعُ عيسى عليه السَّلام قَبل نسْخ دِينهم، وقبل تحريفه، والصابئين والمراد الصَّابئة الحُنفاء، الذين بَقُوا على فِطرتهم بتوحيد الله عزَّ وجلَّ، وتحريم الظُّلم والفواحِش، وغير ذلك، من غير تقيُّد بمِلَّة ولا نِحلة، ودون أن يُحدِثوا كُفرًا. فمَن أحسن مِن هذه الأُمم السالِفة، وأطاع، فإنَّ لهم الثوابَ من عند الله عزَّ وجلَّ، ولهم السَّعادة الأبديَّة، فلا خوفَ عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يُخلِّفونه.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
واذكُروا حِين أخْذنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بالإيمان به وبرُسله، والالتزام بشَرْعه، ورَفعْنا فوقكم الجبلَ لتخويفكم؛ كي تُقرُّوا بما عُوهِدتم عليه، وتَعمَلوا به وقُلنا لكم: تلقَّوُا التوراةَ التي أعطيناكم إيَّاها، بهمَّةٍ وحَزمٍ، وجدٍّ ونشاط، واذكُروا ما فيها بأنْ تتلوها، وتتعلَّموا ما فيها، وتتدبَّروها، وتعمَلوا بمقتضاها، من أجل أن تكونوا من المتَّقين
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
ثم أعرضتُم بعد هذا المِيثاق المؤكَّد، ونقضتموه بترْك العمل به ولولا أنْ أكرمكم الله تعالى، فتداركَكم بالتوبةِ وإرسالِ الرُّسل، وآخِرهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، لكُنتم من الهالِكين في الدُّنيا والآخِرة
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
ولقد عرفتُم يا معشرَ اليهود، ما حلَّ بمَن جاوزوا منكم ما أُمِروا به مِن ترْك صيدِ البحر يومَ السَّبت، فاحتالوا على هذا الأمر، مُتعدِّين حدود الله عزَّ وجلَّ ولَمَّا فَعلوا ذلك، مَسخَهم اللهُ تعالى، فصيَّرهم بقُدرته سبحانه في صورة القِرَدة، حَقيرينَ ذَليلِين
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
فجعَلْنا هذه العقوبةَ رادعًا لِمَن وقعت في زمنهم ومن بعدهم، وتذكرةً نافعةً للمتَّقين؛ لينزجِروا بها ويَعتبِروا
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ
واذكروا يا بني إسرائيل، حين قال موسى عليه السَّلام لآبائكم إن الله يأمركم أن تذَبْحوا بقرة؛ كي يضربوا القتيل بجزء منها، فيَحيا، ويُخبرهم بقاتله، قالوا: أتستهزئ بنا قال موسى عليه السَّلام أعتصم بالله أن أكون جاهلا أتكلم بما لا فائدة فيه، أو أستهزئ بالنَّاس.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ
قال قوم موسى متعنتين ومشددين على أنفسهم: اسأل لنا ربَّك يا موسى يوضح لنا صفة هذه البقرة. قال لهم موسى عليه السَّلام: إن الله تعالى يقول: إنَّ البقرة التي سألتُم عنها ليستْ في سِنِّها بالكبيرة الهَرِمة، وليست بالصَّغيرة، بل هي متوسِّطة في السِّنِّ بين الكبيرة جدًّا، والصغيرة جدًّا. أَمَا وقد أتاكم العلمُ، فاذبحوا البقرةَ التي أُمرتم بذَبْحها؛ لتصِلوا إلى قاتل قتيلكم
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
قال قوم موسى له: اسأل لنا ربَّك يوضح لنا لون البَقرة المطلوب ذبْحها، قال موسى: إن الله يقول: إنَّها بقرةٌ صفراءُ صافية، شديدةُ الصُّفرة، تُدخِل السُّرورَ على مَن نظَر إليها؛ لشِدَّة حُسنها وجمال منظرها
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ
قالوا: اسأل لنا ربَّك يا موسى يوضح لنا المزيدَ من صفات البقرة المطلوبِ ذبحُها، فإن البقر التبس واشتبه أمره علينا، وإننا إن شاء الله لمهتدون إلى هذه البقرة
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ
قال لهم موسى عليه السَّلام: إنَّ الله تعالى يقول: إنَّ البَقرة التي أمرتكم بذَبْحها ليستْ مُذلَّلة بالعمَل، فليست بالتي أُعِدَّت لتقليبِ الأرض للحَرْث، أو سَقي الزَّرع، كما أنَّها سليمةٌ من كلِّ عيب، ولا يخالط لونَ جلدها الأصفر الفاقِع أيُّ لون آخَر قالوا الآن قد اتَّضح الحقُّ في أمْر البقرة، وجئتَ لنا يا موسى بصِفاتها التي تُميِّزها عن غيرِها، فنستطيع معرفتَها، فوجدوها وذبَحوها، وقد أوشكوا على ترك ذبْحها
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
واذكُروا يا بني إسرائيل، حين قتلتم نفسًا، فتنازعتُم واختلفتم فيها، كلٌّ يَدفَع قتْلَها عن نفْسه والله تعالى مُظهِرٌ ما كنتم تخفونه من أمر القتل وتعيين القاتل
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
فقلنا: اضربوا القتيلَ ببعض البقرة فضَربوه، فحيِيَ بإذن الله عزَّ وجلَّ، وأخبرهم بقاتله وكما أحيا اللهُ تعالى هذا القتيلَ في الدُّنيا، فكذلك يُحيي الموتى بعد مَماتِهم، فيبعثهم يومَ القِيامة ويُظهر اللهُ تعالى لكم العلاماتِ الواضحةَ على كمال قُدرته في إحيائه الموتى، وبَعثِهم بعد موتهم؛ كي تعقلوا فتنزجِروا عمَّا يضرُّكم، وتمتنعوا عن عِصيانه جلَّ وعلا
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
ثم غلُظت قلوبُكم من بَعدِ ما عاينتم إحياء القتيل وغيره من الآيات، فقلوبكم في غِلظتها وشدَّتِها كالحجارة، أو أشدُّ صلابةً من الحجارة وإنَّ الحجارةَ مع قسوتها أفضلُ من قلوبِ أولئك القومِ التي لا تَلين ولا تخشع؛ ذلك بأنَّ هناك أنواعًا من الحجارة تَسيل منها أنهارٌ من المياه، ومنها أنواعٌ تلين وتتصدَّع فيَخرُج منها الماء، ومنها ما يَتردَّى من علوٍّ إلى سُفول؛ من خَشيةِ الله تبارك وتعالى وإنَّ الله سبحانه غيرُ غافلٍ عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساهٍ عنها، بل هو حافظٌ لها، وسيُجازيهم على ذلك أتمَّ الجزاء
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أفترجون أيها المؤمنون أن يصدقكم اليهود بما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم والحال أنَّ جماعةً منهم كانوا يَسمعون كلام الله يُتلَى في كتابه التوراة ثم يبدلونه، ويغيرونه، ويصرفون معانيه إلى معانٍ أُخرى على غيرِ مُرادِ الله تعالى وهم يعلمون أنَّهم مُبطِلون، ومفترون على الله تعالى الكذبَ
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
وإذا قابَل منافقو اليهود، المؤمنين - النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابه- قالوا آمنا بألسنتهم نفاقا، وبينوا لهم أن النبي المنتظر المبشر به قد انطبقت صفاته الموجودة في كتبهم على هذا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وحين ينصرِفُ هؤلاء المنافقون من اليهود، خالين بأصحابِهم قال من لم ينافق منهم مُنكِرا على الذين نافقوا منهم: أُتخبِرون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابَه، بما أعْلَمَنا الله تعالى به في التوراة وحكم به علينا؟! فيكون ذلك الإقرارُ حُجَّةً لهؤلاء المؤمنين علينا عند الله تعالى يوم القيامة، أنَّنا عَرَفْنا الحقَّ وترَكْنا العمل به أليس لكم إدراكٌ بعقولكم؛ فتفهموا أنَّه لا ينبغي لكم إخبارُهم بذلك حتى لا يكون حُجَّةً لهم عليكم.
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
أيقولون مِثل هذا ولا يعلمون أنَّ إسرارَهم وإعلانهم عند الله جلَّ وعلا سواءٌ؟! فالله تعالى يعلم ما يُسرُّه اليهود من الكفر والتكذيب، وما يُخفونه من التلاوم بينهم على إظهارِهم ما أظهروا للمؤمنين من الإقرار، كما يَعلم ما يُعلنونه للمؤمنين بقولهم لهم: آمنَّا
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
وإنَّ من اليهود مَن لا يحسن القراءة والكتابة، وليسوا على عِلمٍ بالتوراة، وإنَّما لديهم مجرَّد أحاديث وأمنيات باطلة اختلقوها من تِلقاء أنفسهم، كقولهم: لن يدخُل الجنة إلَّا من كان هودًا أو نصارى، وكقولهم أيضًا: لن تمسَّنا النار إلا أيَّامًا معدودات، إلى غير ذلك، وليس معهم إلَّا مجرَّد ظنون.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
هلاكٌ عظيم، وعذابٌ هائِل سيحُلُّ بالذين يُحرِّفون التوراة، فيخطُّون بأيديهم أشياءَ باطلةً مُختلَقة، ثم يدَّعون زُورًا وبهتانًا أنَّها حقٌّ من عند الله تبارك وتعالى؛ لأجْل الحصولُ على مكاسبَ دُنيويَّة فلهم عذابٌ شديد، وهلاكٌ عظيم؛ جرَّاءَ ما كتبتْه أيديهم من الكذب والافتراء على الله عزَّ وجلَّ، ولهم العذابُ والهلاك أيضًا؛ جزاءً على أخْذهم الحرامَ عوضًا على ما عملتْه أيديهم من التَّزوير والتحريف
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ الله عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ
وقالت اليهود: لن تلاقي أجسادنا نار الآخِرة، إلَّا أيامًا قليلةً، ثم ننجُوا منها. قُلْ يا محمَّد، لأولئك اليهود الذين ادَّعوا لأنفسهم ما ادَّعوا: هل عندكم مِن الله تعالى ميثاقٌ يُثبت صحَّةَ دعواكم؛ فإنْ كان قد وقَع عهد، فلكم العُذر فيما قلتم؛ فإنَّ الله تعالى لا ينقُض ميثاقه، ولا يُخلِف وعده أوْ هلْ تتقوَّلون على الله تعالى الباطِل، وتَختلِقون الكذبَ جَراءةً عليه سبحانه
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
ليس الأمر كما تمنَّيتُم يا معشرَ اليهود، ولكن من أشرك بالله تعالى وأحدقت ذنوبُه وخطاياه به من كلِّ جانب، فليس له منفذٌ للخروج منها، ومات عليها قَبلَ التوبة منها فأولئك الملازِمون للنار على الدَّوام، لا يخرجون منها أبدًا
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
والذين صَدَّقوا وأقرُّوا بألسنتهم وقلوبهم، وصدَّقوا ذلك بجوارحهم، فعمِلوا الأعمالَ الصالحاتِ بإخلاصٍ لله تعالى، ومتابعةٍ للرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ هؤلاء هم أهلُ الجنة المقيمون فيها على الدَّوام، لا يخرجون منها أبدًا
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
واذكُروا يا معشر اليهود، حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بعبادة الله وحْدَه لا شريكَ له والإحسان إلى الوالدين، قولا وفعلا، وكذلك الإحسان إلى أنواع القَرابات كافَّةً، وإلى اليتامى -وهم من فقدوا آباءهم قبلَ البلوغ، ذكورًا كانوا أم إناثا- وإلى المساكين، وهم الفقراء. وأحسنوا القول إلى النَّاس عمومًا، فكلموهم بكلام طيب لين، ويدخل فيه الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعفو والصفح، وأقيموا الصَّلاة تامَّةً بحقوقها الواجبة عليكم، وأعطوا الزكاةَ مستحقِّيها بما فرَض الله تعالى عليكم في أموالِكم. ثم ترَكتم ما أخذ الله تعالى عليكم من المواثيق التي ذُكرت في الآية، وراءَ ظهوركم، فنقضتموها وأعْرَضتم عنها عن عمْد بعد العِلم بها، عدا عددٍ قليل منكم قد وفوا بتلك العهود
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
واذكروا حين أخَذْنا عليكم وعلى آبائكم من قبل، ألَّا يقتل بعضُكم بعضًا، ولا يُخرِج بعضُكم بعضًا من دِيارهم بغير حقٍّ وبعد أخْذ هذا الميثاق عليكم، بقيتُم عليه، وقد أقررتُم بمعرفته وصحَّته، وشهدتُم عليه، فهو لديكم باقٍ، لم يغبْ عنكم، ولم تُنكِروه
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
ثم إنكم بعد ذلك الميثاقِ، والإقرارِ به، والشهادة عليه، نقَضتم الميثاقَ الذي أُخذ عليكم؛ فقتل بعضكم بعضًا، وأخرج بعضكم بعضًا من دِيارهم بغير حقٍّ وتعاونتم على أهلِ ملَّتكم بمعصية الله تعالى، وتجاوز حدودِه. وإن يأتوكم أسارى سعيتم في تحريرهم من الأسر، بدفع الفدية امتثالًا لما أُمِرتم به في كتابِكم من افتداءِ الأَسرى منكم، مع أنَّه قد حُرِّم عليكم في كِتابكم أيضًا إخراجُهم من دِيارهم وقتلهم. أفتؤمنونَ ببعضِ أحكام التوراة وتكفرونَ ببعضها فليس لِمَن وقَع في ذلك منكم معشرَ اليهود، سوى الذلِّ؛ عقابًا عاجلًا في الدنيا. ومن ذلك: تسليطُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ عليهم، فقَتَل منهم مَن قتَل، وسبَى مَن سبَى، وأجْلَى البقيةَ من دِيارهم. ويوم القيامة يرجع هؤلاء الذي فعَلوا ذلك منكم- أيُّها اليهود- من ذلِّ الدنيا إلى أعظم العذاب في الآخرة والله تعالى لكمالِ عِلمه ومراقبتِه لا يَخفى عليه شيءٌ، ولا يَنسى شيئًا سبحانه وتعالى، بل هو حافظٌ عليكم أعمالَكم، ومحصيها لكم؛ ليجازيَكم بها.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
أولئك الذين استبدلوا نَعيمَ الدُّنيا الفاني بنَعيمِ الآخِرة الباقي فلا يُخفَّف عنهم من عذاب يوم القيامة شيءٌ، لا زَمنًا ولا شدَّةً ولا يَستنقِذهم أحدٌ من عذاب الله تعالى
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ
ولقد أعطينا موسى عليه السَّلام التوراة، ومِن بعدِه أرسلنا أنبياءَ إلى بني إسرائيل، فأتْبعنا بعضهم بعضًا على منهاج موسى وشريعته. وأعطَينا عيسى عليه السَّلام، معجزاتٍ تُظهر صِدقَه، وتُثبت نبوَّتَه، كإحياء الموتى، وإبراء المَرضَى، وغير ذلك وأيَّدناه بجبريل عليه السَّلام، يُقوِّيه ويُعينه. أفكلَّما جاءَكم يا بني إسرائيل نبيٌّ منكم؛ ليلزمَكم بأحكام تُخالِف أهواءكم، شقَّ ذلك عليكم، فتجبَّرتم وبغيتم عليهم، مقدِّمين هواكم على هُداهم، فكذَّبتم طائفةً منهم، وقتَلتم طائفةً آخرين
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ
وقالت اليهود معتذرين عن عدم الإيمان: قلوبِنا داخلة في غِلاف وأَغطيةٍ فلا تَفهم وليس الأمرُ كما ادَّعى هؤلاء كذبًا بل حقيقة الأمر أنَّ الله تعالى قد طردَهم من رحمته بسبب كفرهم فإنَّهم آمنوا بشيءٍ يسيرٍ مما وجب عليهم الإيمان به، لكنه إيمانٌ لا ينفعهم
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ
لَمَّا جاء اليهودَ القرآنُ الذي أَنزله الله تعالى على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، والمشتمِل على تصديق ما معهم من التوراة و قد كانوا من قَبلِ مجيء الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالقرآن يستنصرون بمجيئِه على أعدائهم من المشركين إذا قاتَلوهم، ويتوعَّدونهم بقتْلهم معه فلَمَّا أتاهم ما يعرفونه من الحقِّ وصِفةِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، كفروا به وكذبوه بغيا وحسدا فَلَعْنَةُ اللهِ عليهم فبسبب ذلك الكُفر؛ طرَدَهم الله تعالى وأبْعَدهم من رحمتِه، وهذا الحكم يعمُّ كلَّ كافر
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
بئس الشيءُ باعوا به أنفسَهم الكفرُ، فقد اختاروا الكفرَ وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنَّار؛ لعلمهم بصِدق محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّ مَن كذَّبه فالنار عاقبتُه، فاختاروا الكُفر وسلَّموا أنفسهم للنار والذي حمَلهم على ذلك بغيهم وحسدُهم لمن شاء الله تعالى أن يَخصَّه بفضله العظيم مِن دون عبادِه، فحسَدوا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ لكونه من ولد إسماعيل، ولم يكُن من بني إسرائيل ورجَع اليهودُ مستوجبين ومستصحبين غضبًا آخَرَ من الله تعالى عليهم؛ بسبب جحودِهم رسالةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، إضافةً إلى الغضب الأوَّل الذي اكتسبوه لذنوبٍ سلَفتْ منهم، وللجاحدين نبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ من الناس كلِّهم عذابٌ من الله يُهانون فيه ويُذلَّون
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وإذا قيل لليهود الذين كانوا على عهد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: آمِنوا بالقرآن الذي أَنزلَه اللهُ تعالى، قالوا يَكفينا الإيمانُ بالتوراة ويَجحدون بما بعد التَّوراة من كتُب الله تعالى التي أنزلها إلى رُسلِه عليهم الصَّلاة والسَّلام، والحال أنَّ ما أنزله الله عزَّ وجلَّ هو الحقُّ الموافِق لِمَا عندهم من التوراة؛ فَلِمَ يؤمنون بما أُنزل عليهم، ويَكفُرون بنظيره؟! فكُفرهم بالقرآن، كُفرٌ بما في أيديهم. قلْ يا محمَّد لهؤلاء اليهود: إنْ كنتم صادقين في دَعواكم الإيمانَ بالتوراة، فَلِمَ قَتلتُم-والمقصود أسلافُهم- الأنبياءَ الذين جاؤوكم، وأنتم تعلمون صِدقَهم، وقد أمرَكم في التوراة باتِّباعهم وطاعتهم؟! وهذا تكذيبٌ لهم في قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
ولقد جاءكم يا معشرَ اليهود، موسى عليه السَّلام، بالآيات الواضحاتِ، والأدلَّة القاطعة على صِدقه، كالعصا واليَد، وغيرهما من المُعجِزات ثم إنَّكم كفرتُم بما جاءكم به موسى عليه السَّلام من توحيدِ الله تعالى، فجعلتُم العِجل إلهًا تَعبُدونه، من بعد ذَهاب موسى إلى الطُّور لمناجاة ربِّه، وأنتم بهذا قد تَعدَّيتم حدودَ الله عزَّ وجلَّ، فليس في التوراة- التي تَدَّعون تمسُّككم بها فحسبُ- أمرُكم بعبادة العِجل؛ فدعواكم أنَّكم مؤمنون بالتوراة، باطلةٌ
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
واذكُروا يا معشر اليهود، حين أَخذْنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بالإيمان بالله سبحانه وبرُسله، والالتزام بشرعِه، ورَفعْنا فوقكم الجبلَ لتخويفكم؛ كي تقرُّوا بما عُوهِدتم عليه، وتعملوا به وقلنا لهم: تلقَّوُا التوراة التي أعطيناكم إيَّاها، بهِمَّةٍ وحزمٍ، وجِدٍّ ونشاط، واسمعوا لكلام الله تعالى سماعَ قَبول واستجابة وانقياد وكان جوابهم على ما سبق أنْ قالوا: سمِعْنا بآذاننا قولَك، وعصينا بأفعالِنا ما أُمِرْنا به وخالَط حبُّ العِجل وعبادته قلوبهم، وتغلغل في أعماقها، وإنَّما وقع لهم ذلك؛ بسبب كفرهم وجُحودِهم الحقَّ قل - يا محمد- لهؤلاء اليهود الذين يدعون الإيمان بما أنزل عليهم-: بئس الشيء الذي يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ الله خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
قلْ يا محمَّد، لهؤلاء اليهود: إنْ كان نعيم الآخرة مقصورًا عليكم وحدكم دون بقيَّة الناس- كما تزعمون- فاطلبوا الموت وسلوه إن كنتم صادقين في زعمكم
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
ولن يتمنى اليهود الموت أبدا بسبب ما اكتسبوه من كُفرٍ ومعاصٍ، ومن ذلك تكذيبهم النبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام، وكتمانهم صفتَه الموجودة في توراتهم والله عليم بالظالمين، ليس بغافل عنهم ولا ساهٍ، بل هو حافظٌ لأعمالهم، وسيجازيهم على ظُلمهم.
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
مِن المؤكَّد يا محمَّد، أن تجِد هؤلاء اليهودَ أشدَّ الناس حرصًا على البقاء في الحياة الدُّنيا، وأشدَّهم كراهةً للموت؛ لعِلمهم بما لهم في الآخِرة من العذاب، وأن تجد حبَّهم للمُكث وطولِ العُمر في الدُّنيا فاق حتى أولئك المشركين. يودُّ أحدهم قيل: أي أحدُ اليهود- وقيل: أي أحدُ المشركين- مِن حِرصه على المُكث في هذه الحياة الفانية، أن يَطولَ عُمُرهُ حتى يبلغَ ألْفَ سَنةٍ، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور، لم يغن عنهم شيئا ولا دفع عنهم من العذاب شيئا والله تعالى يرَى كلَّ ما يفعلونه، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك وسيجازيهم عليه.
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
قلْ يا محمَّد، لهؤلاء اليهود الذين زعَموا أنَّ الذي منَعَهم من الإيمان برسالتك، أنَّ وليَّك جبريلُ عليه السَّلام مع أنه عدوهم - قل لهم: مَن عادى جبريلَ عليه السَّلام، فليعلمْ أنه هو الذي نزَل بالقرآن على قلبِك، وجبريل إنَّما ينزل بأمْر الله تعالى، وهذا يَعني أنَّهم بقولهم ذلك يُعادُون الله تعالى في الحقيقة وإنَّ القرآن نزَل والحال أنَّه متطابق مع الكتُب الإلهيَّة الأخرى التي سبقتْه كالتوراة، وموافِق لها، وهو دَلالة على الحقِّ، وبُشرى من الله تعالى للمؤمنين خاصَّةً، ومن بشاراته لهم ما أعْلمَهم الله تعالى فيه بما أعدَّ لهم في الآخِرة من النَّعيم المقيم
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ
إنَّ مَن عادى الله تعالى، أو أحدًا ممَّن ذُكروا من الملائكة عمومًا، أو جِبريل وميكال خصوصًا، أو مِن بقيَّة رُسل الله الكِرام من البَشر كمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، مَن عاداهم أو أحدًا منهم فإنَّه كافر، والله تعالى يتَّخذه عدوًّا له؛ لأنَّه سبحانه يُعادي كلَّ كافر
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ
قد أنزلنا إليك- يا محمَّد- فيما أُوحي إليك من القُرآن، آياتٍ هي دلائل واضحة على صِدق نبوَّتك وهذه الآيات البيِّنات قد بلَغتْ من الوضوح والدَّلالة على الحقِّ، مَبلَغًا عظيمًا، ووصلتْ إلى حال لا يكفر بها ويجحدها إلَّا مَن خرَج عن طاعة الله، وامتنع من الالتزام بشريعته
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
أكلما وعَد اليهود بالالتزام بعهدٍ من العهود، نقَضَه جماعةٌ منهم وطرَحوه، تاركين الوفاءَ به وإنَّ أكثرَ اليهود غير مصدِّقين بالحقِّ اعتقادًا وقولًا وعملًا، وعدَم إيمانهم هو الذي حمَلَهم على نبْذ العهود ومن ذلك نبذهم للعهد بالإيمان بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ واتِّباعه
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
ولَمَّا أتى اليهودَ رسولٌ مرسَلٌ من قِبل الله عزَّ وجلَّ، وهو محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقد جاءهم بصفته الموافقة لِما في التوراة، ترَك طائفةٌ من اليهود أصحابِ التوراة، العملَ بالتوراة التي أنزلها الله تعالى عليهم، بالدُّخول في دِين محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ترَكوا ذلك متجاهلين، وكأنَّهم لا يعلمون ما في التوراة من البشارة بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والأمر باتِّباعه
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
واتَّبع اليهود ما تختلقُه الشياطينُ وتتقوَّلُه، من السِّحر على عهد سليمان، وتَنسُبه إليه، حيث أخرجت الشياطين للناس السِّحر، وزعَموا كذبًا أنَّ سليمان عليه السَّلام كان يستعمله، وأنه حصَل له به المُلك العظيم وإنَّ سليمانَ عليه السَّلام لم يكُن كافرًا يمارس السِّحر، أو يُعلِّمه للآخرين؛ فالسِّحر كُفر، بل الذين كفروا بسبب السِّحر في الحقيقة هم الشياطين الذين يُعلِّمونه للناس؛ إضلالًا لهم واتَّبع اليهود أيضًا السِّحرَ، الذي أُنزل على الملَكين: هاروت وماروت، في بابل من أرضِ العِراق وما يعلِّم هذانِ الملَكانِ السِّحرَ لأحدٍ من الناس، حتى يَنصحاه فيقولَا له: إنَّما نحن هنا لتعليم السِّحر؛ اختبارًا وابتلاءً لبني آدم، فلا تَكفُرْ بالله؛ بسبب تعلُّم السِّحر وممارسته فيتعلَّم الناسُ السِّحرَ من المَلَكينِ بما يَتصرَّفون به تصرُّفاتٍ مذمومةً، من أعظمِها التفريقُ بين الزَّوجين، مع ما بينهما من المودَّة والرَّحمة وما هؤلاء المتعلِّمون السِّحرَ من الملَكيْن، وفاعِلو تلك الأفعال القَبيحة، بضارِّين بذلِك أحدًا من الخَلْق، إلَّا بإذن الله تعالى الكوني، أي: بقُدرته ومشيئته سبحانه وإنَّ السِّحرَ الذي يتعلَّمه هؤلاء المشتغِلون به ضررٌ محضٌ عليهم في الدنيا، ليس فيه نفْعٌ مطلقًا وقد علِم أولئك اليهودُ أنَّ مَن استبدل السِّحرَ بكتاب الله تعالى ومتابعةِ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، أنَّه ليس له في الآخِرة حظٌّ ولا نصيبٌ من الجَنَّة ولبئس البديلُ السِّحرُ الذي تعلَّموه، بديلًا عن كِتاب الله تعالى، ومتابعة رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، لو كانوا يَعلمون أنَّهم إنَّما باعُوا أنفسَهم، وحظَّهم من الآخِرة بما يَضرُّهم في الدُّنيا أيضًا، ولا ينفعهم
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
ولو أنَّهم اختاروا الإيمانَ والتقوى بدلَ السِّحرِ، لكان اللهُ يثيبُهم على ذلك ما هو خيرٌ لهم ممَّا طلبوه في الدُّنيا لو كانوا يَعلمون ذلك لآمنوا واتقوا
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا لنبيكم رَاعِنَا. فهم وإن كانوا يعنون بها طلبَ المراعاة إلا أن اليهود كانوا يقولونها يعنون بها الرُّعونةَ؛ سخريةً من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فنهاهم الله عنها سدا لهذا الباب ولكن قُولُوا انْظُرْنَا أي: انتظرنا وأمهِلْنا حتى نفهم عنك ونتعلم منك. واسمعوا لأوامره سَماعَ استجابةٍ وطاعةٍ وللكافرين من اليهود ومِن غيرهم في الآخرة عذاب مؤلِم موجِع
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
لا يحبُّ الكفَّارُ من أهل الكتاب، أو مِن المشركين أن يُنزِّل الله تعالى على المؤمنين أيَّ خيرٍ منه سبحانه، ومِن ذلك القرآن المنزَّل على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ. والله يُؤثِر برحماته مَن شاء مِن عباده بعِلمه وحِكمته، ومن ذلك منْح النبوَّة والرِّسالة لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فهو رحمة له ولغيره، وهو سبحانه ذو العَطاء الواسِع الكثير
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ما نرفع من حكم آيةٍ فنبدِّله ونغيِّره أو ما نُزِلْه من الآيات؛ فنَمْحُه من قلبِ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم نأتِ بخيرٍ من الذي نسخناه أو محوناه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أو بمثله في خيريَّته ووجوه نفْعه . وقد علمت وتبين لك قدرة الله على كل شيء، ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء ويُثبت ما يشاء، ويَحكُم بما يشاء
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
قد علمت أنَّ الله تعالى مالكٌ لجميع خلْقه، ومتصرِّف فيهم بما يَشاء؛ إذ له الخَلْق والأمر، فكذلك يحكُم في عباده بما يَشاء ولا مُعقِّب لحُكمه. وما لكم سوى الله عزَّ وجلَّ أيُّ أحدٍ يتولَّاكم، فيَجلِب لكم الخير، وليس لكم سوى الله تعالى أيُّ أحدٍ ينصرُكم، فيدفع عنكم الشرَّ
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
أتريدون أن تسألوا رسولكم محمَّدا صلَّى الله عليه وسلَّمَ- الذي أُرسل للناس كافَّةً- أسئلةَ تعنُّتٍ أو اعتراض، أو اقتراحٍ للآيات، كما كان سلَف اليهود يَسألون موسى عليه السَّلام أسئلةً من هذا القَبيل ومَن يأخذ الكفر عِوضًا عن الإيمان، فقد حادَ عن وسَط الطريق، وانحرَف إلى جوانبه التي تُفضِي به إلى طُرق الهلاك
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تمنى كثير من اليهود والنَّصارى أن يرتدَّ المؤمنون عن دِينهم، فيَكفروا وقد سعَوا في ذلك، وأعمَلوا المكايد، وتلك الأمنية سببُها الحسدُ المتمكِّن في نفوسهم للمؤمنين على ما آتاهم اللهُ تعالى من فَضلِه، بالهداية إلى دِينه القويمِ، وهذا الحسَد إنَّما صدَر منهم بعدَ أن تبيَّن لهم الحقُّ المبِين فاتركوا عِقابَ أهلِ الكِتاب على مساوئ كلامِهم، وغلِّ قلوبهم، ومكْر أعمالهم؛ واترْكُوا لَومَهم ومعاتبتهم، وأَعْرِضوا عن ذلك كلِّه، وكأنَّ شيئًا لم يكُن حتى يُحدِث اللهُ تعالى لكم من أمْره فيكم ما يشاء، ويَقضي فيهم ما يُريد، بما يَشفِي غليلَكم، ويُذهِب غيظَ قلوبِكم . إنَّ الله تعالى على كل شيء قدير، ولا يُعجِزه شيءٌ أبدًا
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
وأقيموا الصَّلاة بحدودها وفروضها تامَّةً كما أمَر الله عزَّ وجلَّ، وأعطوا الزَّكاة كما شُرعت، ومهما فعَلتم من خير، فلن يَضيعَ، بل هو محفوظٌ ومدَّخَرٌ لهم عند البصير العليم، الذي لا تَخفى عليه خافيةٌ من أعمالكم الظاهِرة والباطِنة
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
وقالت اليهودُ: لن يَدخُلَ الجنَّةَ إلَّا مَن كان يهوديًّا، وقالت النَّصارى: لن يَدخُل الجَنَّةَ إلَّا مَن كان نصرانيًّا. تلك الدَّعاوى التي يُطلقها اليهودُ والنَّصارى، إنَّما هي مجرَّدُ أباطيل وأمانيِّ نفوسٍ كاذبة، يتمنَّونها على الله تعالى بغير حقٍّ. قل لهم يا محمَّدٍ: أحضروا الحُجَّة على دَعواكم تلك، إنْ كنتم محقِّين فيما تزعمون
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
ليس الأمرُ كما زعموا، ولكن مَن أخلص العملَ لله تعالى وحْدَه لا شريكَ له، وهو مع إخلاصه فيه مُتَّبِع لشريعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فله ثوابه على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ، فهم أهل الجَنَّة وحْدهم، لا خوفَ عليهم ممَّا يستقبلونه من أمور الآخِرة، وهم في سُرور دائم؛ فلا يَحزنون على ما فاتهم من أمور الدُّنيا
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وقالت اليهود: دِين النصارى باطل، ليس فيه شيءٌ من الحقِّ مطلقًا. وقالت النصارى: دِين اليهود باطل، ليس فيه شيءٌ من الحقِّ مطلقًا. والحال أنَّ هؤلاء المدَّعين من اليهود والنصارى، يَقرؤون كتُبَهم ويعلمون ما فيها من الحقِّ، فيقرأ اليهود التوراة وهي تتضمَّن التبشيرَ بعيسى وصِحَّة نبوَّته ، ويقرأ النَّصارى الإنجيل وهو يَتضمَّن صِدقَ موسى وتقريرَ التوراة، فكيف يدَّعي كلٌّ منهما أنه ليس في دِين الآخر شيءٌ من الحقِّ مطلقًا. وكما قال هؤلاء قال أهل الجهل من مشركي العرب وغيرهم قالوا للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه: لستم على شيء. فالله تعالى يقضيَ ويَفصِل بين هؤلاءِ المختلِفين- القائِلِ بعضُهم لبعض: لستُم على شيء من الحقِّ- يومَ القيامة، وسيَجزي كلَّ مبطل على باطله
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
لا أحدَ أظلم ممَّن منَعَ العبادة في بيوت الله تعالى، واجتهد وبذَل وُسعَه في إفسادها حسيًّا ومعنويًّا وقد منَع اللهُ تعالى أولئك الذين يسعَون في خراب بيوت الله تعالى حسيًّا ومعنويًّا، منْ أنْ يدخلوها إلَّا وقلوبهم وجِلة؛ خوفًا من عقوبة إلهيَّة تحلُّ بهم، أو خوفًا من المؤمنين أن يعاقبوهم. أولئك لهم ذلٌّ وعارٌ يحلُّ بهم في الدُّنيا، من قَتْلٍ، أو سَبيٍ، أو جزيةٍ، أو فضيحةٍ، أو غير ذلك، أمَّا في الآخرة فلهم عقوبةٌ عظيمة وعذاب شديد
وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
ولله تبارك وتعالى مُلكَ الجِهة التي تطلُع منها الشَّمس، ومُلك الجِهة التي تَغيب منها، وله مُلك جميع ما بينهما من الجِهات والمخلوقات وإنَّكم حيثما كنتم وتوجَّهتم في صلاتكم نحو الجهة التي شرعها الله تعالى، فإنكم تتَّجهون إلى الله عزَّ وجلَّ في الحقيقة؛ لأنَّ المصلِّي إذا توجَّه إلى القبلة، فقد استقبل وجه الله سبحانه حقيقةً إن الله عزَّ وجلَّ واسعُ الرَّحمة والمغفرة والعِلم، واسع الجُود والعطاء، وغير ذلك من صِفاته الحُسنى، وهو ذو عِلمٍ محيطٍ بكلِّ شيء، لا يَغيب عن عِلمه شيء أبدًا
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ
وقالوا اتخذ الله لنفسه ولدا. فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى: المسيح ابن الله وقال المشركون: الملائكة بنات الله. تنزَّه الله وتعالى علوًّا كبيرًا عن أن يكون له ولد، وليس الأمر كما افتروا، فهو سبحانه مالك جميع ما في السموات وجميع ما في الأرض، وهو خالقهم ومصرفهم كيف شاء، والجميع عبيد له بلا استثناء خاضعون له تحت تدبيره، فكيف يكون له ولد منهم؟!
بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
خالق السَّمواتِ والأرضَ مِن العدم، على غيرِ مِثالٍ سابقٍ؛ فكيف يدعون له الولد ويجعلون له نظيرًا وشريكًا وجزءًا مِنه سُبحانه جلَّ شأنُه؟! وإنَّه سبحانه إذا أراد شيئًا، فحسبُه أن يقول له: كن، فيكون ذلك الشيء على وَفقِ ما يُريد الله تبارك وتعالى، ومن ذلك خَلْق المسيح عيسى عليه السَّلام، فقد خلَقَه بكلمة كن
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وقال الجهلة -قيل: هم مُشرِكو العرب وقيل: اليهود والنصارى-: هلَّا كلمنا الله بتصديق رسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؟ أو تأتينا معجزةٌ دالَّة على صِدق ما جاء به؟ وهذا الطَّلب قد صدَر منهم على سبيل التعنُّت والعِناد، وإلَّا فقد جاءتْهم آيات كثيرة دالَّة على صِدق بِعثة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها القرآن الكريم وقد طابق قولهم ذلِك قول مَن قَبلهم من الأُمم السابقة من اليَهود والنصارى وغيرِهم. تشابهت قلوبُ الكفَّار في ردِّ الحق، والعِناد والتعنُّت؛ ولذا جاءتْ أقوالهم متوافقةً، وإن اختلفت مذاهبُهم وأساليبهم في ذلك. قد أَظهَرْنا ووضَّحنا العلاماتِ الدالَّاتِ على صِدق الرُّسل عليهم السَّلام- ومنهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ-، ولكنْ ذلك لِمَن كان اليقين من خِصالهم الدَّائمة؛ فهؤلاء هم الذين تنفعهم الآيات لا من شك فيها
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119).
إنا قد أرسلناك بالحق يا محمد، فبِعثتُك حقٌّ، وما جئت به من عند الله عزَّ وجلَّ حقٌّ، والحال أنَّك مبشِّر مَن أطاعك بنيل السَّعادة في الدنيا والآخِرة، ومحذِّر ومُخوِّف مَن عصاك بالشَّقاوة في الدُّنيا والآخِرة، وإنَّك لستَ مؤاخَذًا يا محمَّد، على بقاء الكفَّار -أصحاب النار الملازِمين لها- على كُفرهم؛ فلن تُسألَ عنهم بعد أنْ بلَّغتَهم بالحقِّ؛ فإنَّما عليك البلاغ فحسبُ، وحِسابهم على الله عزَّ وجلَّ.
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120).
ولن تَرضى عنك اليهودُ، حتى تترُكَ دِينَ الإسلام وتعتنقَ دِينَهم، ولن ترضَى عنك النَّصارى، حتى تترُكَ دِينَ الإسلام وتعتنقَ دِينهم. قل يا محمَّد- إجابةً لهم في عدَم اتِّباع ملَّتهم-: ليس الهُدى ما أنتم عليه كما تدَّعون، بل الذي أُرسلتُ به هو هُدَى الله الحقيقيُّ؛ فإنَّه الدِّينُ المستقيم، والصَّحيح، والكامِل ويُخاطِب اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ- والأمَّة تبَعٌ له في ذلِك قائلا: لئن اتبعتَ أهواءَهم يا محمَّد، فاعلمْ بأنَّه ليس لك حينذاك أيُّ أحدٍ يتولَّى أمرَك؛ فيجلِب لك خيرًا، أو أيُّ نصيرٍ ينصرُك من الله تعالى؛ فيَدفَع عنك شرًّا
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121).
يمدح الله تعالى من أقام كتابَه من أهل الكتاب فيقول: الذين أعطيناهم الكتاب يتبعونه حقَّ الاتباع، ولا يجترئون على تحريفه، وإنكار ما يحمله من البشارة بمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، المذكور فيه بصفته ونعته، أولئك يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإنَّ مَن يكفُر من أهل الكتاب بكتابه الذي أُوتيه من عند الله عزَّ وجلَّ- ومِن الكفر به: تحريفُه وتبديلُه، وجَحْد نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ الثابتة فيه- فقد بخَس نفْسَه حظوظَها من رحمة الله عزَّ وجلَّ
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122).
يا بَنِي يعقوب اذكُروا نِعمي على آبائكم ذِكرًا يحملكم على شُكرها بالخضوع لله تعالى، وذلك بالدُّخول في دِينه، واتِّباع رسولِه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها النِّعم المذكورة في هذه السُّورة الكريمة، واذكُروا تفضيلي لكم على سائرِ الأمم من أهل زَمانِكم، بإرسال الرُّسُل منكم، وإنزال الكتُب عليكم، وغير ذلك من النِّعم الخاصَّة
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123).
واجعلوا بينكم وبين يوم القيامة وقاية تقِيكم من عذابِ الله سبحانه، فلا تَقضِي في يوم القِيامةِ نفْسٌ عن نفْسٍ حقًّا وجَب عليها لغيرها، ولا يُغني فيه أحدٌ- كائنًا من كان- عن أيِّ أحدٍ - ولو كان من عَشيرته الأقرَبِين- شيئًا، ولو كان قليلًا جدًّا. ولا يُقبَل منها فِداءٌ ولا تنفعُ من أيِّ نفْسٍ شفاعةٌ لنفْسٍ أخرى إذا كانت كافرةً على الإطلاق وأمَّا المؤمنة فتُقبل منها، بإذن الله تعالى للشافع، ورِضاه عن المشفوعِ له. وليس لهم أحدٌ يُنقِذهم من عذابِ الله تعالى
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124).
واذكُر يا محمَّد، إذ اختبر الله خليله إبراهيمَ عليه السَّلام بتكاليفَ فرَضها عليه، فأدَّاها إبراهيمُ عليه السَّلام على وجهٍ تامٍّ، قال الله له: إنِّي مُصيِّرك يا إبراهيم، إمامًا يأتمُّ بك الناسُ، ويَقتدون بك قال إبراهيم: رب واجعل من ذُريَّتي أئمَّة قال الله تعالى: لا تحصل مرتبة الإمامة في الدِّين لأحد من الظالِمين من ذريَّتك.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125).
واذكُر يا محمَّد، إذ جعلنا البيت الحرام محلًّا يَشتاقُ إليه الناسُ على الدوام، فيَرجعون إليه، ولو تردَّدوا إليه عِدَّةَ مرَّات، وجعلناه أمنا لهم يأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم، وحتى الحيوانات والجمادات تكون آمنةً فيه واجعَلوا من مقامات إبراهيمَ عليه السَّلام، وهي شعائرُ الحجِّ، كعرفةَ ومزدلفةَ، ورمْي الجمرات، وغيرها- اجعلوها أماكنَ للعِبادة والذكر والدُّعاء، ومن ذلك أداءُ ركعتَي الطَّواف خَلْفَ مقام إبراهيمَ عليه السَّلام. وأوْحَيْنا إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بوصيةٍ مؤكَّدة، أن طهرا بيت الله تعالى من الشِّرك، والكُفر والأوثان، ومِن الرِّجس والنَّجاسات لأجْل مَن يطوفون بالكعبة، ومَن يعتكفون في المسجد الحرام، ومن يصلون فيه
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126).
واذكُر إذ قال إبراهيم عليه السَّلام رب اجعل مكَّةَ بلدا يأمن فيه أهله من الخوف وارزق مؤمني أهل مكة من أنواع الثمار المختلفة. قال الله تعالى: وإنَّ الكافر ينال رزقه الدنيويَّ أيضًا لكنَّه قليلٌ زمنًا ووصفًا، بالنسبة لنعيم الآخرة الكامل، والدائم بلا انقطاعٍ ولا نهاية. ثم أُلجئه وأَدفعه وهو مُكرَه إلى النار، وبئس المرجع عذابُ النار
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127).
واذكر إذ يرفع إبراهيم أسس الكعبةِ، وإسماعيلُ يُعاونه بنقْل الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا بِناءنا البيتَ؛ إنك أنت السميع لأقوالنا، العليم بأعمالنا ونيَّاتِنا
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128).
ربنا واجعلنا على الدَّوام، خاضعَينِ لك سبحانك بطاعتك، ومنقادَينِ لحُكمك، ومستسلمَينِ لأمْرك، واجعل من بعض ذريتنا جماعةً مستسلمة لك، طائعةً لأمرك، وخاضعةً لحُكمك جلَّ وعلا، وبيِّن لنا مشاعرَ الحجِّ، ومواضعَ العبادة فيه، وعرِّفها لنا؛ فنراها، ووفِّقنا للتوبة، فنرجع من معصيتك إلى طاعتك؛ فأنت وحْدَك سبحانك التوَّاب؛ بتوفيقِ عبدك للتوبة أولًا، وقَبولها منه ثانيًا، وأنت وحْدَك الرَّحِيم؛ فتختصُّ برحمتك عبادَك المؤمنين
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129).
ربنا وابعث في ذريتنا رسولًا منهم يقرأ عليهم كتابَك الذي تُوحيه إليه، ويُعلِّمهم معاني القرآن، ويُعلِّمهم السُّنة، ويُطهِّرهم من الشِّرك بالله، ويُنمِّي أخلاقهم بتوحيد الله تعالى وطاعته، إنك أنت وحْدَك العزيز الذي لا يُعجِزه شيءٌ أراده، فأعطِنا وذريتنا ما طلبناه منك، وأنت وحْدَك الحكيم، الذي يَضعُ كلَّ شيء في موضعه اللائِق به، فأعطِنا ما يَنفعُنا وينفع ذُريتَنا
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130).
لا أحدَ يعدِل عن الحنيفيَّة؛ دِينِ إبراهيم الخليل عليه السَّلام، إلَّا مَن كانت نفسُه جاهلة، طائشةً، غير راشدة، ولقد اخترنا إبراهيم واجتبيناه في الدُّنيا، وإنَّه من الفائزين السُّعداء في الدار الآخِرة، وفي الرَّفيق الأعلى مع إخوانه المرسَلين والأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131).
واذكر إذ قال لإبراهيم ربه تعالى: أخلص دِينَك وتوحيدَك لي، وانقد إليه بكل ذلٍّ وخضوعٍ ومَحبَّة، فأجاب إبراهيمُ إلى ذلك على الفور قائلا أسلمت لله خالق العباد ورازقهم ومدبر أمورهم
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132).
وعهِد إبراهيمُ عليه السَّلام بهذه الكلمة أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ، والتي تمثِّل الملَّةَ الحنيفيَّة، عهِد بها إلى أبنائه، وكذلك فعَل حفيدُه يعقوب بن إسحاق، فعهِد بها إلى أبنائه إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد اجتبَى لكم هذا الدِّين الذي تعرِفونه، فلا تُفرِّطوا فيه، ولا تُفارقوه في حياتِكم، بل الْزَموه وقُوموا به؛ ليرزقَكم الله تعالى الوفاةَ عليه
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133).
هل كنتم يا معشرَ اليهود، المكَذِّبين بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، شهودًا حاضرين حين أتتْ أباكم يعقوبَ عليه السَّلام مقدِّماتُ الموت، وهل شهدتُم يعقوب، وهو يسأل أبناءَه مختبرًا لهم: أيَّ شيءٍ ستعبُدون من بعد وفاتي، قالوا: نعبد الله معبودَك ومعبودَ آبائك: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق عليهم السلام- وهو الذي لا مَعبودَ بحقٍّ سواه، لا نشرِك به في عبادته أحدًا من دونه، ونحن له مُستسلِمون ومنقادون لأمْره، خاضِعون لعبادتِه
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134).
تلك جماعةٌ قد مضَتْ فلا يَنفعُكم الانتسابُ إليهم يا معشرَ اليهود والنَّصارى إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم فكلٌّ منكم له عملُه الذي يخصُّه، من خيرٍ أو شر، ولا يَلحق الآخَر من ذلك شيءٌ، ولا تُحاسَبون بأعمال سَلفِكم، وإنَّما تُحاسَبون بأعمالكم
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).
وقالت اليهود للمؤمنين: كونوا هودًا، تَهتدوا، وقالت النَّصارى لهم: كونوا نصارى، تَهتدوا، قلْ لهم يا محمَّد: إنَّ الهداية ليستْ في دِينكم من اليهوديَّة، أو النصرانيَّة، وإنَّما الهداية الحقيقيَّة في اعتناق دِين إبراهيم عليه السَّلام، الذي حقيقتُه الاستقامةُ على طريق التوحيد، والميلُ عن طريق الشِّرك. ولم يكُن إبراهيمُ عليه السَّلام من عبَّاد الأصنام، ولم يكُن يهوديًّا ولا نصرانيًّا.
قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136).
قولوا -أيُّها المؤمنون- آمنَّا بالله وبالقرآن الذي أنزل إلينا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأنبياء من ذريَّة يعقوب، وبما أعطاه اللهُ تعالى لموسى من التوراة والمعجِزات، وما أعطاه لعيسى من الإنجيل والمعجزات، وما أعطيه بقيَّة الأنبياء عليهم السَّلام، لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان فنُؤمِن ببعضٍ ونكفُر ببعض، بل نحن بالجميعِ مؤمنون، ونحن للهِ تعالى وحْدَه دون مَن سواه مستسلِمون ظاهرًا وباطنًا، وله خاضِعون بالطَّاعة، ومذعِنون بالعبوديَّة
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137).
فإنْ آمَن اليهودُ والنَّصارى إيمانًا مماثلًا من كلِّ الوجوه لإيمانكم- أيُّها المسلمون- ومِن ذلك الإيمانُ بجميعِ كتُب الله تعالى، وبجميع رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام- فقد رَشَدوا ووُفِّقوا للحقِّ والخير، وإنْ أعرَضوا عن الحقِّ بعد إقامة الحُجَّة عليهم، فلم يُؤمِنوا بمِثل إيمانكم، فاعلموا- أيُّها المؤمنون- أنَّهم يَقصِدون المخالفةَ والمنازعةَ والعداوةَ لكم، فإنَّ الله تعالى سيَكفيك يا محمد أمْرَهم، ويَدفع أذاهم عنك وينصُرك عليهم؛ فهو سبحانه السميعُ لِمَا يقولون، والعالِمِ بما يُبطنون وما يُظهرون، من المكائدِ وأنواع الشُّرور
صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138).
الْزَموا دِينَ الله تعالى الإسلام، وقوموا به خيرَ قِيام، فلا أحَدَ أحسنُ من الله تعالى دِينًا، ونحن له سبحانه دون مَن سواه، مخلِصون، خاضِعون، ومتذلِّلون، مع المحبَّةِ الواجِبة له سبحانه
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي الله وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139).
قل يا محمَّد، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى: هل تُجادِلوننا وتُخاصموننا في توحيدِ الله تعالى لإبطالِ دِين الإسلام، بزعْم أنَّكم أَوْلَى بالله منَّا؟! وكيف تدَّعون ذلك وربُّ الجميعِ واحد، فهو ربَّنا وربكم، ولكلٍّ منا ومنكم أعمالُه التي اكتسبها وسيُجازيه الله تعالى بها؛ فأنتم لستم بأفضلَ منَّا، بل نحن أَوْلى بالله منكم؛ لأنَّنا لا نُشرِك به شيئًا في عبادته، وأنتم تُشرِكون
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140).
أم تقولون يا أهل الكتاب: إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأنبياء من ذرية يعقوب كانوا على مِلَّتكم، إمَّا اليهوديَّة وإمَّا النصرانيَّة، زاعمين بذلك أنَّكم أَوْلى بأولئك الرُّسُل الكِرام من المسلمين، قل لهم: يا محمَّد -إنِ ادَّعوا ذلك: هل أنتم أعلمُ بالدِّين الذي كانوا عليه، أم اللهُ، ولا أحدَ أشدُّ ظلمًا في كتمان الشهادة، ممَّن كتَموا ما أنزله الله تعالى في كتُبه، من أنَّ هؤلاء الأنبياء المذكورين كانوا مُسلِمين واللهُ تعالى ليس بساهٍ عنكم، بل هو مُطَّلعٌ على أعمالِكم، وقد أحصاها صغيرَها وكبيرَها، لا تخفَى عليه منكم خافيةٌ وسيجازيكم عليها
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141).
تلك جماعةٌ قد مضَتْ فلا يَنفعُكم الانتسابُ إليهم يا معشرَ اليهود والنَّصارى إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم فكلٌّ منكم له عملُه الذي يخصُّه، من خيرٍ أو شر، ولا يَلحق الآخَر من ذلك شيءٌ، ولا تُحاسَبون بأعمال سَلفِكم، وإنَّما تُحاسَبون بأعمالكم