محاضرات تعظيم قدر الصلاة

محاضرات تعظيم قدر الصلاة

محاضرات في تعظيم قدر الصلاة

اللغة: العربية
إعداد: عبدالكريم بن عوضي السُلمي
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

محاضرات في تعظيم قدر الصلاة

تأليف

عبدالكريم بن عوضي السُلمي

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر:18]

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا 70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا 71﴾ [الأحزاب:70-71]

فإن منزلة الصلاة عند الله عظيمة، فهي ثاني أركان دين الإسلام، ومبانيه العظام، هي عماد الدين الذي لا يقوم دين المسلم إلا به، هي أول ما يحاسب به العباد يوم القيامة، هي قرة عيون المحبين، وراحة نفوس المؤمنين، جعل الله تعالى لها من المكانة والتشريف والتعظيم والتقديس ما ليس لغيرها من العبادات، ففرضها فوق سبع سماوات، وأوصى بها جميع أنبيائه ورسله الكرام، وهي الوصية الأخيرة لخاتم النبيين وإمام المرسلين.

تجد أخي القارئ الكريم في هذا الكتاب ما وفق الله جل وعلا لجمعه في تعظيم هذه الشعيرة العظيمة، والتذكير بأهميتها وبيان أثرها في حياة المسلمين.

أسأل المولى الكريم أن يجعله ذخرًا لنا، ولمن تعاون معنا في إعداده ونشره والإفادة منه.

مكة المكرمة عبد الكريم بن عوض السلمي

18/06/1442ه

مفردات الكتاب

أولا: التعظيم في اللغة: مصدر عظَّم بمعنى التفخيم والتبجيل، وتعظيم الشيء: تفخيمه، وتكبيره، وتوقيره [1]. [1] العين (2/ 91) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 417).

ثانياً: الصلاة في اللغة: اسم مصدر من قولهم: صلى صلاةً [2]، ولفظ الصلاة يأتي على ثلاثة معان: [2] المفردات في غريب القرآن (ص: 491).

يأتي بمعنى الدّعاء: ومنه قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة: 103] أي: وادع لَهُم فَإِن دعاءك لَهُم تسكن إِلَيْهِ نُفُوسهم وتطيب بِهِ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فليصل " [3] أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة. [3] رواه الترمذي (3/ 141) وصححه الألباني.

وسميت: الصلاة دعاءً لأن من أجزائها الدعاء [4]. [4] العين (7/ 153) تهذيب اللغة (12/ 166) النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 50)

ويأتي بمعنى الرحمة والبركة والاستغفار: ومنه قوله تعالى : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ﴾ [الأحزاب: 56]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم صل على آل فلان " [5] أي: تَرَحَّم عَلَيْهِمْ [6]. [5] رواه البخاري (2/ 129). [6] لسان العرب (14/ 465).

ومنه قوله "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ، إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ، فَلْيُقِلَّ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ " [7] أي: تترحم عليه وتستغفر. [7] رواه ابن ماجه (1/ 294) وحسنه الألباني.

ويأتي بمعنى الثناء: ومنه قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ﴾ [البقرة: 157] أي: الثناءُ عليهم من اللَّه تعالى.

ثالثاً: الصلاة في الاصطلاح: عبادةٌ ذات أقوالٍ وأفعالٍ مفتتحةٌ بالتكبير مختتمةٌ بالتَّسليم [8]. [8] كشاف القناع عن متن الإقناع (1/ 221) الشرح الممتع على زاد المستقنع (4/ 89)

رابعاً: المقصود بتعظيم قدر الصلاة: هو المعرفة بمنزلتها وأهميتها، وزيادة حبها في القلب، وإقامتها كما أراد الله تعالى.

من آيات الصلاة في القرآن

جاءت آيات الصلاة في القرآن الكريم على عدة معاني منها:

آيات الأمر بإقامة الصلاة والمحافظة عليها:

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43].

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 110﴾ [البقرة: 110].

﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة:238].

قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا 77﴾ [النساء: 77]

قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا 103﴾ [النساء: 103]

قال تعالى: ﴿وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 72﴾ [الأنعام: 72]

قال تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 87﴾ [يونس: 87]

قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ 114﴾ [هود: 114]

قال تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ 31﴾ [إبراهيم: 31]

قال تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا 78﴾ [الإسراء: 78]

قال تعالى: ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ 14﴾ [طه: 14]

قال تعالى: ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ 78﴾ [الحج: 78]

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 56﴾ [النور: 78]

قال تعالى: ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ 45﴾ [العنكبوت: 45]

- قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 31﴾ [الروم: 31].

وقال تعالى: ﴿وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ﴾ [الأحزاب: 33].

وقال تعالى: ﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 13﴾ [المجادلة: 13]

قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ 20﴾ [المزمل:20].

قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ 5﴾ [البينة:5].

قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ 2﴾ [الكوثر:2].

آيات في بيان أثر إقامة الصلاة:

أخبر الله تبارك وتعالى أن الصلاة أمنٌ من الخوف والخزن.

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 277﴾ [البقرة:277].

ينال المصلي رحمة الله تعالى له، واستغفار الملائكة له، ويخرجه الله من الظلمات إلى النور.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا 41 وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا 42 هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا 43 تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا 44﴾ [القلم: 41- 44]، قال الطبري في معنى قوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ أي: صلوا له غدوة صلاة الصبح، وعشيًّا صلاة العصر [9]. [9] تفسير الطبري (20/ 279)

أن الصلاة موجبة لدخول الجنة والنجاة من النار، ولنيل الدرجات العلى.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 2 ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3 أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ 4﴾ [الأنفال: 2- 4].

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ 22 جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ 23﴾ [الرعد: 22-23].

قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 1 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ 2 وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ 3 وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ 4 وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ 5 إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ 6 فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ 7 وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ 8 وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ 9 أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ 10 ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 11﴾ [المؤمنون: 1 - 11].

علق الله الفلاح بها.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 77﴾ [الحج: 77].

قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 1 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ 2﴾ [المؤمنون: 1-2].

قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14 وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ 15﴾ [الأعلى: 14-15].

بيان أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر.

قال تعالى: ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ 45﴾ [العنكبوت: 45].

أنها تُعَوِّدُ المصلي على العزم من الأمور التي هي من مظاهرها: علو الهمة، وقوة الإرادة والرجولة والمروءة والنشاط والنبل.

قال تعالى على لسان لقمان: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 17﴾ [لقمان: 17].

أن الصلاة من علامات الولاية بين المؤمنين وشرط للأخوة في الدين.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ 55﴾ [المائدة: 55].

قال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 11﴾ [التوبة: 11].

أن الصلاة وسيلة من وسائل مغفرة الذنوب، وإزالة آثارها على النفس والإنسانية.

قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ 114﴾ [هود: 114].

ومدح المؤمنين المصلين الراكعين والساجدين وبشرهم.

فقال تعالى: ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 112﴾ [التوبة: 112].

﴿إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ 15﴾ [السجدة: 15].

آيات أشارت إلى صلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم السابقة:

أخبرنا الله تبارك وتعالى في القران العظيم أنه افترض هذه الصلوات على سائر الأمم والأنبياء قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

قال تبارك وتعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا 58 فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا 59 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا 60﴾ [مريم: 58 - 60].

إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

أخبرنا الله تعالى أنه افترضها على إبراهيم عليه السلام، وأن إبراهيم لما أسكن ذريته في مكة اختار من الأدعية له ولذريته إقامة الصلاة فقال تعالى مخبراً عن دعائه: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ 40﴾ [إبراهيم: 40].

﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ 37﴾ [إبراهيم: 37].

إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط عليهم السلام.

أخبر الله أنه أوحى إلى إبراهيم عليه السلام، وإلى ولده إسحاق ويعقوب، وابن أخيه لوط إقامة الصلاة، فقال تعالى ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ 73﴾ [الانبياء: 73].

إسماعيل عليه الصلاة والسلام.

وأخبر عن وصية إسماعيل عليه السلام لأهله فقال الله عنه: ﴿وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا 55﴾ [مريم: 55].

موسى وهارون عليهما السلام وبنوا إسرائيل.

أخبرنا الله جل وعلا عن موسى عليه السلام حين أوحى إليه، فأول ما أوحِي إليه بعد التوحيد الصلاة فقال تعالى: ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ 14﴾ [طه: 14].

وأخبر أنه أوحي إليه وأخيه هارون بإقامة الصلاة.

فقال تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 87﴾ [يونس: 87].

﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ 83﴾ [البقرة: 83].

﴿وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [المائدة: 12].

داود عليه السلام.

أخبرنا الله عن ركوعه: ﴿قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ 24﴾ [ص: 24].

زكريا عليه السلام.

أخبرنا الله عن زكريا عليه السلام لما جاءته الملائكة تبشره بيحيى:

﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 39﴾ [آل عمران:39].

يونس عليه السلام.

أخبرنا الله تبارك وتعالى عن تسبيح يونس عليه الصلاة والسلام وصلاته: ﴿فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ 143 لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 144﴾ [الصافات: 143-144] قال المفسرون في معنى المسبحين في الآية أي: من المصلين [10]. [10] تفسير الطبري (21/ 109)

مريم عليها السلام.

﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 42 يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [آل عمران:42-43].

عيسى عليه السلام.

أخبرنا الله أنه أوصى عيسى عليه السلام بالصلاة فقال مخبراً عنه أنه لما عرَّفَ نفسه في المهد لبني إسرائيل: ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا 30 وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا 31﴾ [مريم: 30-31].

شعيب عليه السلام

شعيب عليه السلام لما رآه قومه أنه يعظم قدر الصلاة، أنكروا عليه ذلك، قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ 87﴾ [هود: 87].

لقمان عليه السلام

وأخبر عن لقمان عليه السلام أنه كان يأمر ابنه بالصلاة: فقال مخبراً عنه ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 17﴾ [لقمان:17].

﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ 30 إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ 31 فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ 32 رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ 33﴾ [سورة ص: 30 - 33] أخبر الله تبارك وتعالى عن سليمان عليه السلام حين شغلته الخيل عن صلاة العصر حتى فاتته، ضرب أعناقها وتصدق بها.

محمد صلى الله عليه وسلم

فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل طلوع الشمس، وركعتين بالعشي في أول الأمر قال تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ 55﴾ [غافر: 55].

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر " [11]. [11] رواه البخاري (1/ 79)

ثم فرض على النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ 1 قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا 2 نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا 3 أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا 4﴾ [المزمل:1-4].

قالت عائشة رضي الله عنها: "فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة " [12]. [12] رواه مسلم (1/ 513)

ثم فرض الصلوات الخمس قال تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا 78﴾ [الإسراء: 78].

وأخبر الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ووصفهم بكثرة الصلاة، والتي أجل أركانها الركوع والسجود فقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا 29﴾ [الفتح:29].

آيات في بيان صفة من صفات الصلاة أو نوع من أنواعها:

جاءت ذكر الصلوات الخمس في القران الكريم

قال تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا 78﴾ [الإسراء: 78].

قال السعدي رحمه الله تعالى ودلوك الشمس: ميلانها إلى الأفق الغربي، فيدخل في ذلك صلاة الظهر، وصلاة العصر.

غسق الليل: ظلمته، فيدخل في ذلك صلاة المغرب، وصلاة العشاء.

وقرآن الفجر: أي صلاة الفجر، وسميت قرآناً لمشروعية إطالة القراءة فيها [13]. [13] تيسير الكريم الرحمن (ص: 464)

وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ﴾ [هود: 114].

وقال السعدي أيضاً: ﴿طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا، صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، ﴿وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ﴾ ويدخل في ذلك، صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، فإنها مما تزلف العبد، وتقربه إلى الله تعالى [14]. [14] تيسير الكريم الرحمن (ص: 391)

الأمر بالمحافظة على الصلوات الخمس، والصلاة الوسطى خصوصاً وهي صلاة العصر.

فقال تعالى ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة:238]. وصلاة الوسطى: جاءت مفسرة في الحديث الصحيح على أنها العصر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا " [15]. [15] رواه مسلم (1/ 437)

بيان قصر الصلاة في السفر

قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا 101﴾ [النساء:101].

صلاة الخوف

يبين الله تبارك وتعالى صفة صلاة الخوف: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا 102﴾ [النساء:102]

وجاءت الإشارة إلى صلاة الخوف حال القتال والتحام الحرب:

﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238 فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ 239﴾ [البقرة:238-239].

صلاة الليل

جاءت ذكر صلاة الليل وقيامه كثيرة منها:

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ 1 قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا 2 نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا 3 أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا 4﴾ [المزمل:1-4]، حين كان قيام الليل واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم قبل فرض الصلوات الخمس.

وجاء الأمر بقيام الليل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا 26﴾ [الانسان:26].

لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالتوكل وصف حاله في الليل:

﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ 217 ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ 218 وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ 219 إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 220﴾ [الشعراء:217-220].

مدح الله عباده المؤمنين الذين يقيمون صلاة الليل:

﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا 64﴾ [الفرقان:64].

وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 16﴾ [السجدة:16].

وقال تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ 17 وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ 18﴾ [الذاريات:17-18].

وقال تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 9﴾ [الزمر:9].

صلاة الجمعة

أمر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة والمبادرة إليها، من حين ينادى لها والسعي إليها، من حين ينادى لها.

فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 9 فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 10 وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ 11﴾ [الجمعة:9-11].

صلاة الجماعة

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43].

قال تعالى: ﴿قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ 29﴾ [الأعراف:29].

صلاة الضحى

يبين الله سبحانه وتعالى صلاة داود عليه السلام وإنابته، وأن الله سخر الجبال يسبحن معه في صلاة العشاء والضحى: ﴿ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ 17 إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ 18﴾ [سورة ص:17-18]..

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) وكنت أقول: أين صلاة الإشراق، ثم قال: بعدهنّ صلاة الإشراق [16]. [16] تفسير الطبري (21/ 169)

قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 36﴾ [النور: 36].

سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن صلاة الضحى فقال إنها لفي كتاب الله ولا يعوض عنها الأعواض ثم قرأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 36﴾ [النور: 36] [17]. [17] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 298)

سنة الطواف

﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 125﴾ [البقرة: 125].

صلاة الجنازة

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ 84﴾ [التوبة:84].

عَنْ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه، يَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القَائِلِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ - يَعُدُّ أَيَّامَهُ - قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ﴾ [التوبة: 80] لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ "، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ: فَعُجِبَ لِي وَجُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ 84﴾ [التوبة:84]، قَالَ: فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ [18]. [18] رواه الترمذي (5/ 279) وصححه الألباني.

صلاة العيد

إشارة إلى صلاة عيد الفطر قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14 وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ 15﴾ [الاعلى:14-15].

قال أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14﴾ قَالَ: أعْطى صَدَقَة الْفطر قبل أَن يخرج إِلَى الْعِيد ﴿وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ 15﴾ قَالَ: خرج إِلَى الْعِيد فصلى [19]. [19] انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (8/ 485)

إشارة إلى صلاة عيد الأضحى قال تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ 2﴾ [الكوثر:2].

قال أنس بن مالك رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر [20]. [20] تفسير الطبري (24/ 653)

آيات أشارت إلى شروط الصلاة وأركانها:

شروط الصلاة

شرط العقل:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43].

شرط الطهارة:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 6﴾ [المائدة:6].

أمر الله تعالى الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بتطهير البيت: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 125﴾ [البقرة:125].

﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 26﴾ [الحج:26].

شرط ستر العورة:

﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 31﴾ [الأعراف:31].

شرط دخول الوقت:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا 103﴾ [النساء:103].

شرط استقبال القبلة:

﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ 144﴾ [البقرة:144].

أركان الصلاة

ركن القيام:

﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة:238].

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ [المائدة:6].

﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 191﴾ [آل عمران:191].

﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا 64﴾ [الفرقان:64].

﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 39﴾ [آل عمران:39].

ركنا الركوع والسجود:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 77﴾ [الحج:77].

﴿وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب 19﴾ [العلق:19].

من أحاديث الصلاة

جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الصلاة ومنزلتها في الدين

من ذلك:

أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن الصلاة هي أعظم أركان الإسلام ودعائمه بعد الشهادتين: عن عبد الله بن عمر رضي اللَّهُ عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ " [21] هذه أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها دين الإسلام، أولها التوحيد وهو إعلان الشهادة ثم بعدها إقامة الصلاة. [21] متفق عليه رواه البخاري (1/ 11)، مسلم (1/ 45).

أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن الصلاة عماد الدين الذي لا يقوم دين المرء إلا به: عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ" [22]، والعمود يعني: الأمر الذي يبنى عليه غيره، وإذا سقط العمود سقط ما بني عليه. [22] رواه الترمذي (5/ 12) صححه الألباني.

أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام عن أمر الحساب في الأخرة، وأن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته، فصلاح العمل وفساده بصلاح صلاته وفسادها:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ وَإِنْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ" [23] وفي رواية عنه "أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنْظَرُ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ، وفي رواية "وَأَنْجَحَ "[24] وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ" [25]. [23] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (2/ 240) صححه الألباني [24] رواه الترمذي (2/ 270) عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني. [25] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (4/ 127) صححه الألباني.

فإذًا من عظمة الصلاة أن ننظر إلى أمر الحساب في الآخرة، وإن أول ما نحاسب عليه في الآخرة من أعمالنا هو الصلاة، وأن قبول الصلاة وهو سبب لقبول الأعمال كلها.

أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن آخر ما يفقد من الدين هو الصلاة، وإذا ذهب آخر الدين لم يبقى شيء منه:

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا: الحكم، وآخرهن: الصلاة " [26] ، وفي رواية عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة ورب مصل لا خلاق له عند الله " [27] فهذه أخبار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عظمة الصلاة، وأن آخر ما يبقى من دين المسلم. [26] رواه ابن حبان (15/ 111) صححه الألباني. [27] رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ص: 1122) صححه الألباني.

نجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه أن آخر وصية أوصى بها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أمته الصلاة:

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كَانَ مِنْ آخِرِ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَجْلِجُهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ [28]، فننظر إلى عظمة هذه الوصية العظيمة لهذه الشعيرة شعيرة الصلاة " الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ". [28] رواه أحمد (44/ 84) صححه الألباني في الارواء.

عندما نتذكر في فرضية الصلاة كيف فرضت الصلاة، نتذكر عظمة الصلاة، وأن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يفرض هذه الصلاة على أمته، لم يفرضها بالوحي عن طريق جبريل عليه السلام، وإنما افترضها بالمباشرة، فأسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء السابعة، ففرض الله تبارك وتعالى عليه خمسين صلاة، وهذا يدل كما قال بعض العلماء على محبة الله جل وعلا للصلاة في بادئ الأمر[29] خمسين صلاة، ثم خفف الله جل وعلا عن عباده، ففرض خمس صلوات في اليوم والليلة، فهي خمسون في الميزان وخمس في العمل، وهذا يدل على عظم مكانتها عند الله جل وعلا، كما جاء في الحديث: "قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي "[30]. [29] منزلة الصلاة في الإسلام (ص: 15). [30] رواه البخاري (4/ 111) في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآباء والأمهات وأبنائهم ويعلمونهم الصلاة منذ بلوغ سبع سنوات:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ "[31] [31] رواه أحمد (6/ 295) وأبو داود (1/ 133) واللفظ له وحسنه الالباني في الارواء.

فننظر في تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الشعيرة العظيمة في جانب تربية النشء على تعظيم قدر الصلاة، وأن الآباء والامهات مأمورون وموجهون أن يأمروا أبنائهم ويعلموهم الصلاة منذ يبلغون هذا السن " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ".

الصلاة من عظمها أُمر بها الناسي والنائم، أُمِروا بقضاء الصلاة وهذا يؤكد على أهميتها:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ " [32] وفي رواية "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا "[33] وهذه إشارة إلى عظم قدر الصلاة، في أنها لا تسقط عن المرء أبدًا، من نسي صلاة لظرف أو نام عنها لظرف، فإنه إذا قام يصليها فإنها لا تسقط. [32] متفق عليه رواه البخاري (1/ 122) ومسلم (1/ 477). [33] رواه مسلم (1/ 477).

يذكر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة رضي الله تعالى عنه في تعظيم قدر الصلاة كلما سنحت فرصة: فيذهب عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر، فقال: "من صاحب هذا القبر؟ " فقالوا: فلان. فقال: "ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم "[34]. -الله أكبر! - عندما يسمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا التذكير، بأن ركعتين فقط تكون خيراً لهذا الميت من الدنيا؛ يعني لو أنه خُيِّرَ بين أن يعاد للحياة وأن يعطى مُلْك الدنيا كلها أو أن يترك له فرصة ليصلي ركعتين فقط، لاختار أن يصلي الركعتين فقط وهذا والله من عظم أمر الصلاة عند الله جل وعلا. [34] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (1/ 282) قال الألباني في السلسلة: إسناد صحيح على شرط مسلم.

أن النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الصحابة مما هو في بيئتهم بما تؤثره الصلاة من خوف من الله جل وعلا في القلوب:

عن عقبة بن عمار رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ "[35] فهذه هذه جملة من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التذكير بعظمة الصلاة ومنزلتها عند الله، علمها النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام، فالصحابة نقلوا إلى التابعين، والتابعين نقلوا إلى تابعي التابعين وهكذا الأجيال ينقلون هذه الأحاديث التي وصلت إلينا، فنتواصى نحن وإياكم على الوعي بتعظيم قدر الصلاة وتذكير الناس بهذه الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، الدالة على عظم الصلاة ومكانتها. [35] رواه أبو داود (2/ 4) صححه الألباني.

من ثمرات الصلاة وآثارها وفضائلها

أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الشهادتين:

الصلاة هي أفضل عمل يتقرب بها العباد إلى الله جل وعلا بعد أن يتشهد شهادة التوحيد كما جاء في عدد من الأحاديث، عندما يُسْأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال؟ فيقول الصلاة على وقتها، فهي أفضل الأعمال بعد الشهادتين.

فكل من أراد التقرب إلى الله تبارك وتعالى ويبحث عن أفضلية، فينبغي له أن أول ما يتبادر إلى ذهنه تقربا إلى الله جل وعلا، أن يتقرب الى الله تبارك وتعالى بالصلاة.

فالصلاة تربط المؤمن بالله تبارك وتعالى مباشرة، لأن أعظم مقصد من إقامة الصلاة هو ذكر الله جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ 14﴾ [طه: 14] يعني أقم الصلاة لتذكرني بها، لأن الصلاة أعظم ما يذكر بالله تبارك وتعالى فهي أفضل الأعمال على الإطلاق، والذي ينبغي للمصلي إذا ذهب إلى الصلاة، أن يستشعر أنه الآن في عمل هو يعمله لله تبارك وتعالى، راكعاً سجداً داعياً مستغفراً معظماً لربه تبارك وتعالى، فأعظم ثمرة من ثمرات الصلاة أن الصلاة هي أفضل الأعمال بعد الشهادتين.

ثانياً: تنهى عن الفحشاء والمنكر:

كما جاء في قوله تعالى: ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45] فالذي يقارف السيئات والمخالفات علاجه في إقامة الصلاة لأن من أقامها وحافظ عليها، فلا شك أنها سوف تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فمن ثمراتها وفضائلها في إصلاح حال العبد أنها تبعده عن المخالفات الشرعية.

ثالثاً: تغسل الخطايا وتحط الذنوب:

كما جاء في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟" قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا " [36]، فهذه الصلوات تغسل الخطايا، تغسل متى؟ الخطايا التي يقترفها العبد بين الصلوات كما جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " تَحْتَرِقُونَ، تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَنَامُونَ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَسْتَيْقِظُونَ "[37]. تحترقون يعني: تخطئون وتنسون وتقصرون فإذا صليتم الظهر غسلتها، والإشارة الى تحترقون والخطايا كأنها نار وفيها شعل وحرارة، فإذا جاءت الظهر غسلتها، وهذا فيه إشارة أيضا إلى دعاء "اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ "[38]، فالخطايا فيها الحرارة وهذه الصلوات تبرد هذه الحرارة وتغسلها، فمن أعظم ثمرات الصلاة: أنها تغسل الخطايا التي يقترفها العبد. [36] متفق عليه، رواه البخاري (1/ 112) ومسلم (1/ 462) [37] رواه الطبراني في المعجم الصغير (1/ 91) وصححه الألباني. [38] رواه مسلم (1/ 419)

رابعاً: نور لصاحبها في الدنيا والآخرة:

الصلاة نور كما قال النبي صلى الله عليه واله وسلم في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا " [39] [39] رواه مسلم (1/ 203)

فالصلاة نور يستضيء به المؤمن في الدنيا بوضوح طريق الحق، ووضوح طريق الخير أمامه، فالذي يحافظ على هذه الصلوات ما يضل، وستنير له صلاته الطريق أمامه، فيرى الحق حقا ويرزقه الله اتباعه ويرى الباطل باطلا ويرزقه الله تبارك وتعالى اجتنابه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام "وَالصَّلَاةُ نُورٌ " رواه مسلم [40]، كما أنه إذا خرج من بيته يسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل في قلبه نوراً، وفي سمعه نوراً، وفي بصره نوراً، وعن يمنيه نوراً، وعن شماله نوراً، ومن فوقه نوراً، ومن تحته نوراً، وأن يجعله نوراً. [40] رواه مسلم (1/ 203)

خامساً: ترفع درجات العبد:

يرفع الله تبارك وتعالى بها الدرجات ويحط بها الخطايا، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار السجود خاصة، عن ثوبان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال الى الله؟ فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً " [41]، فكلما زاد المسلم من السجدات وزاد من الصلوات فلا شك أن الصلوات ترفعه عند الله تبارك وتعالى فيرفع الله بها الدرجات ويحط بها الخطايا، فالذهاب للمسجد ترتفع به الدرجات وتحط السيئات، فكل من أراد أن يرتفع في هذه الدنيا درجات عند الله، فأول ما يتبادر الى ذهنه أن يكثر من الصلوات النوافل بعد أن يحافظ ويتقن ويقيم المكتوبات التي كتبها الله تبارك وتعالى. فمن أراد أن يرتفع درجات عند الله فليكثر من الصلوات في غير أوقات النهي وليعلم أنه كلما صلى صلاةً ارتفع درجات عند رب العالمين سبحانه وتعالى. [41] رواه مسلم (1/ 353)

سادساً: الضيافة والنزل في الجنة لمن ذهب إلى المسجد أو راح:

كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ " [42]. [42] متفق عليه رواه البخاري (1/ 133) ومسلم (1/ 463)

سابعاً: زيادة القرب من الله ومحبته:

كلما صلى المؤمن كلما كان أكثر قرباً من ربه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ” [43]. [43] رواه مسلم (1/ 350)

تعظيم الصلاة عند الصحابة رضوان الله عليهم

ربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة على محبة الله تعالى وعلى تعظيمه، وعلى تعظيم شعائره سبحانه وتعالى، ونذكر فيما يلي نماذج من أحوال بعض الصحابة مع الصلاة ومنها.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه

عندما نراجع في سيرته، كيف كان اهتمامه وعنايته، خاصة بالصلاة قبل الهجرة في مكة، عندما كان المسلمون يعانون من أذى كفار قريش واضطهادهم.

كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه متمسكًا بالصلاة، حتى جاء في سيرته أنه ابتنى في داره مصلًا يصلي فيه، - اتخذ في بيته مسجداً ليصلي فيه - وكان رجلًا إذا قرأ القرآن لا يتمالك نفسه من البكاء، فكان يصلي ويقرأ مما كان سببًا في دعوة نساء المشركين وأولادهم، حينما يمرون يلاحظون أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في صلواته، كما كانت تحدث عائشة رضي الله عنها وهي تصف حرصه رضي الله تعالى عنه على هذه الصلاة، في تلك الفترة الزمنية قبل الهجرة [44]. [44] السيرة النبوية لابن كثير (2/ 64)

ثم أيضاً: نلاحظ تعظيم أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه للصلاة وخشوعه في صلاته من وصف عائشة رضي الله تعالى عنه، حينما أمر النبي عليه الصلاة والسلام باستخلافه بالصلاة إماماً، كأنها رضي الله تعالى عنها اعترضت على ذلك، بذكر أنه كان رضي الله عنه رجلاً أسيفاً، إذا قرا القران لا يتمالك نفسه، لكن مع ذلك فقد صلى رضي الله تعالى عنه بالناس الصلاة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم [45]. [45] انظر: صحيح البخاري (1/ 133)

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

فعمر رضي الله تعالى عنه من تعظيمه للصلاة لما طعن وأُخذ من المسجد إلى بيته، قال المسور بن مخرمة ليلة طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخلت وابن عباس عليه فلما أصبح بالصلاة من الغد، فَزَّعوه فقالوا الصلاة.. ففزع قال: نعم ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فصلى والجرح يثعب دما [46]. [46] انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (44/ 419) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 263) سير أعلام النبلاء (راشدون/ 92)

عمر رضي الله تعالى عنه من تعظيمه لقدر الصلاة في حالته التربوية وتنشئته لأسرته، كان يُنشِّط أسرته على الصلاة وعلى تعظيمها والأمر بها، كما جاء عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم الصلاة، الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ 132﴾ [طه: 132] [47]. [47] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (4/ 466)

فعمر رضي الله تعالى عنه قد أثر عنه آثار عظيمة وعديدة في تعظيمه لقدر الصلاة.

قال ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خرج عمر رضى الله عنه إلى حائط له فرجع، وقد صلى الناس العصر فقال: إنما خرجت إلى حائطي فرجعت وقد صلى الناس، حائطي على المساكين صدقة [48]. [48] مسند الفاروق (1/ 162).

فانظروا كيف أنه تصدق بهذا الحائط الذي كان سبباً لتأخيريه لهذه الفريضة العظيمة، وهذا يدل على تعظيمه رضي الله تعالى عنه لقدره الصلاة.

قال الحسن رحمه الله: "كان عمر يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبكي حتى يسقط ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضا ".

عن يحيى بن جعدة، قال: قال عمر رضي الله عنه: " لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لقيت الله: لولا أن أضع جبهتي لله، أو أجلس في مجالس ينتقى فيها طيب الكلام كما ينقى جيد التمر، أو أن أسير في سبيل الله عز وجل " [49]. [49] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 51).

عثمان بن عفان رضي الله عنه

دخل عبيد الله بن عدي على عثمان بن عفان رضي الله عنه، - وهو محصور - فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج؟ فقال: "الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس، فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم" [50]. [50] رواه البخاري (1/ 141).

وأيضاً أنه كان يختم القران في ركعة، عن ابن سيرين قال: قالت امرأة عثمان حين قتل عثمان رضي الله عنه: لقد قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة [51]. [51] الطبقات الكبير لابن سعد (3/ 72).

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه شديد الاهتمام بأمر الصلاة، فقد كان يمر في الطريق مناديًا: الصلاة، الصلاة، كان يوقظ بذلك الناس لصلاة الفجر، قال الحسن رضي الله عنه، عن خروجه اليوم الذي طعن فيه من بيته حيث يقول: فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس! الصلاة الصلاة، وكذلك كان يصنع كل يوم، ومعه درته، فاعترضه الرجلان، فضربه ابن ملجم على دماغه [52]. [52] تاريخ الطبري (3/ 157).

عدي بن حاتم رضي الله عنه

كان يقول ما جاء وقت صلاة إلا وأنا لها بالأشواق [53]، إشارة إلى عظم اشتياقه للصلاة وحبه لها. [53] حياة الصحابة (4/ 125).

أنس بن مالك رضي الله عنه

كان يصف في كثير من أحاديثه صلوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان اقتداءه العظيم للرسول عليه الصلاة والسلام في كل أفعال الصلاة وكل أقوالها.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم يعني أنس بن مالك.

قال حفيده ثمامة بن عبد الله بن أنس: كان أنس رضي الله عنه يصلي حتى تفطر قدماه دما، مما يطيل القيام رضي الله عنه [54] [54] سير أعلام النبلاء (3/ 400)

قال الزهري رحمه الله: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم. وفي رواية وهذه الصلاة قد ضيعت- يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع.

أرسله عمر بن الخطاب في غزوة تستر فقال رضي الله عنه لم نُصَلِّ يَوْمَئِذٍ الغداة حتى انتصف النهارُ فما يسُرُّني بتلك الصلاة الدنيا كلها [55]. [55] البداية والنهاية (9/ 89)

ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه

يأتي بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه واله وسلم ويسأله عن أمر عظيم يريد أن يرافقه في الجنة، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم أعني على نفسك بكثرة السجود، كما ورد في قصة ربيعة بن كعب الاسلمي رضي الله عنهم، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: "أو غير ذلك" قلت: هو ذاك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" رواه مسلم [56]، فهذه وصية من الوصايا التربوية العظيمة والتوجيهات النبوية التي كان بها يوجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الى هذه الصلاة والمحافظة عليها وإلى تعظيم قدرها. [56] رواه مسلم (1/ 353)

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

نجد أن تعظيم قدر الصلاة قد أثر في الصحابة جميعاً: فهذا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو قادم من سفر كما جاء في سيرته رضي الله عنهما نعي له موت ابن من أبنائه، فنزل من على راحلته، فصلى ركعتين فقال فعلنا ما أمرنا الله به، إشارة إلى قوله جل وعلا ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ 45﴾ [البقرة: 45] [57]. [57] رواه البيهقي في شعب الإيمان (12/ 173)

مفهوم الكفاية الإلهية

الكفاية في اللغة: كَفَى يَكْفِي كِفايةً إِذا قَامَ بالأَمر، وَيُقَالُ: كفاه الشّيءُ: سدّ حاجتَه، وجعله يستغني به عن غيره [58]. [58] لسان العرب (15/ 225) القاموس المحيط (ص: 1712)

الإلهية في اللغة: اسم منسوب إلى لفظ (إله)، وهي اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه المعبود بحق: ﴿قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ [الأنعام: 19] [59]. [59] لسان العرب (13/ 467) مقاييس اللغة (1/ 127)

معنى الكفاية الإلهية: هو أن يعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا أن الله تبارك وتعالى يكفيه كل شيء، وأن كل ما نريده هو عند الله سبحانه وتعالى، وإذا أراد الله جل وعلا أن يعطيه شيئاً، فلا يمكن لأي أحد كائن من كان أن يمنعه من ذلك، وإذا منع الله بشيء، فلا يمكن لأي أحد أن يعطيه ذلك الممنوع، يعني: أن يعتقد المسلم أن الحاجات التي يردها، والمرادات التي هو يسعى إليها، والطلبات التي يريد الوصول اليها، أنها كلها الذي يملكها في الحقيقة هو الله تبارك وتعالى.

الكفاية الإلهية: أن يكتفي بالله تبارك وتعالى، ويزداد يقينه واعتقاده بهذا الأمر، أن كل الحاجات مهما صغرت، ومهما عظمت، الذي يملكها هو الله الواحد الأحد، مالك الملك الغني سبحانه وتعالى.

ما علاقة هذا بالصلاة؟

علاقة هذا بالصلاة أن حقيقة الصلاة: وقوف العبد بين يدي الله تبارك وتعالى الذي بيده كل شيء له، أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أنما تريده أنت، الذي يملكه هو الله، ثم إذا جاءت الصلاة تعلم أنك أنت الآن تذهب وتقف بين يدي مَنْ كل أمورك التي تحتاجها بيده تبارك وتعالى وعنده هو.

هذا الاعتقاد كلما زاد يزداد الاقبال على الصلاة ويتغير مفهوم الصلاة عند المؤمن ، وتصبح الصلاة عالماً آخر، الإنسان بطبعه هو محتاج، وكما يذكر العلماء أن الانسان دائماً يسعى لتحقيق ما يريد، فالإنسان في حياته اليومية، منذ ان يصبح إلى أن يمسي وهو يسعى إلى تحقيق مرادات يريد الحصول عليها، والوصول إليها، فإذا زاد عنده هذا الأمر الذي هو موضوع الكفاية الألهية، وأن هذه الحاجات كلها الذي يملكها هو الله جل وعلا، وأنه في الصلاة يكون بين يدي من كل الحاجات عنده، عند إذٍ يتغير إقباله للصلاة، ويصبح للصلاة معنًى متجدد، عندئذ إذا احتاج أول ما يتذكر تذكر الصلاة، لماذا لأنه في الصلاة بين يدي الله تبارك وتعالى، والله تبارك وتعالى هو الذي عنده ما يريد، وإذا دخل في الصلاة في مواطن الدعاء يتذكر الحاجات التي يريدها فيسأل الله تبارك وتعالى تلك الحاجات.

عندما نأتي إلى النصوص التي تشير إلى هذا وتدل عليه: أول ما نتذكر أن الله تبارك وتعالى في كتابه أمرنا بالاستعانة (بالصبر والصلاة) ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ45﴾ [البقرة: 45]، وأخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه هو وحده الذي يكفي عباده ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ﴾ [الزمر: 36] وأخبرنا سبحانه وتعالى أن منتهى الكفاية إليه ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا 31﴾ [الفرقان: 31] والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام دلتنا سنته على تطبيقه لهذا الأمر فيما يتعلق بالصلاة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلما فزع وكلما احتاج وحزبه أمر فزع إلى الصلاة، كما جاء ذلك في الحديث الثابت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى " [60] يعني: أسرع وبادر إليها، لوجود هذا المعنى الكفاية الإلهية أنه يكتفي بالله تبارك وتعالى وأن مصدر القوة والإعانة والسداد في هذا هو الله تبارك وتعالى فيستعين به. [60] رواه أبو داود (2/ 35) وحسنه الألباني

ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن الله جل وعلا: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " [61] أكفك: كفاية كاملة. [61] رواه الترمذي (2/ 340) من حديث أبي ذر وأبي الدرداء رضي الله عنهما، صححه الألباني.

ثم انظر أيضًا: في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ” [62] [62] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (4/ 229) وصححه الألباني.

فانطروا في ذمة الله يعني: في رعاية الله، في حفظ الله تبارك وتعالى في يومه ذلك، أن الله تبارك وتعالى يحفظه ويهديه ويتكفل بتحقيق ما يريد، هذا كله مرتبطة بصلاة الفجر كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام.

عندما نأتي لتنزيل هذا المفهوم من الناحية العملية في الصلاة نجد أن في الصلاة مواطن خاصة بالدعاء، وجاءت الإشارة فيها إلى الاكثار منه، مثل السجود وقبل السلام، في السجود النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن قرب المصلي من ربه حال سجوده، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ " [63] وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم " [64] يعني: حري أن يستجاب لكم، وأن حالة السجود هذه التي تكون فيه المسلم المصلي قريباً جداً من الله تبارك وتعالى، ويعلم أن الله يكفي ويعلم أن الحاجات التي يريدها بعد الصلاة عند الله تبارك وتعالى الذي يسجد له، هنا يدعو ويشعر بالرجاء في حالة الطلب هذه، أن الله تبارك وتعالى سيحقق له ما يريد ويعطيه ما سأل. [63] رواه مسلم (1/ 350). [64] رواه مسلم (1/ 348).

ثم أيضًا: الدعاء قبل السلام الذي جاء عنه عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد في آخر الصلاة، ثم قال صلى الله عليه وسلم " ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء أو ما أحب " [65] وفي رواية "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ " [66] يعني: ما يريد ويفضّل، وكل ما يتمنى ويطلب من خيري الدنيا والأخرة. [65] رواه مسلم (1/ 302). [66] رواه البخاري (1/ 167).

وقد وردت أذكار عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة فيها الطلبات، وفيها طلب المغفرة وطلب التوبة من الله تبارك وتعالى، حري بالمسلم المصلي أن يبحث عن هذه الدعوات المأثورة التي جاءت في السنة سواءاً في السجود أو قبل السلام ويحفظها ويرددها.

وأيضًا: له أن يختار من الدعاء قبل السلام من خيري الدنيا والآخرة، لأن الدعاء هنا جاء بالإطلاق فقال: ليتخير من الدعاء ما شاء، وليتخير من الدعاء أعجبه إليه هذا الموطن الثاني من مواطن الدعاء.

الموطن الثالث: هو خاص بالطلب من الله تبارك وتعالى، وليس فيه حمد أو ثناء أو تسبيح أو ما شابه ذلك، هذا الطلب هو في الجلوس بين السجدتين، الجلسة بين السجدتين هي ليست للفصل بين السجدتين، جلسة مخصوصة يعني هي ركن من أركان الصلاة مثل السجود مثل القيام من الركوع، هذه الجلسة خاصة بالطلبات التي يريدها المصلي، فمن أعظم ما يريد المصلي طلب المغفرة، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام تكرار ربي غفر لي ربي اغفر لي ربي اغفر لي.

ما علاقة طلب المغفرة بتحقيق الحاجات؟ لا شك أن طلب المغفرة مرتبط بتحقيق الحاجات كما قال تعالى: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا 10 يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا 11 وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا 12﴾ [نوح: 11- 12]

أيضًا: مما جاء في الجلوس بين السجدتين إضافة إلى طلب المغفرة طلب الرحمة والعافية والرزق والهداية وجبر نقص والرفعة في الدنيا والآخرة في الدعاء: عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السَّجدتينِ: "اللهمَّ اغفِر لي، وارحَمني، وعافِني، واهدِني، وارزُقني "[67]وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي [68]. [67]رواه أبو داود (1/ 224) حسنه الألباني. [68]رواه الطبراني في المعجم الكبير (12/ 20) وأحمد (5/ 460) جود الألباني الإسناد.

هذه الطلبات السبع تشتمل على كل ما يحتاجه الإنسان كفاية في الدنيا والآخرة، إذا غفر الله له ورحمه وهداه وعافاه ورزقه وجبر نقصه ورفعه، هذه شمولية كفاية الله تبارك وتعالى لعبده في ما يحتاجه، اذًا عندما نعود إلى الصلاة بهذا المعنى -تعلمون أيها الإخوة- يحدث ارتباط في الصلاة، لأن الإنسان دائمًا مرتبط بالحاجات، وكلما زاد ربطه بين هذه الحاجات وبين صلاته زاد تحقيق غاية العبودية في الصلاة، وزاد الخضوع والذل لله تبارك وتعالى، فإذا زاد الخضوع والذل حصل المقصود الأعظم من إقامة الصلاة، والتعلق بالله تبارك وتعالى.

مفهوم الهداية

الهداية في اللغة: من الهُدى ضِدُّ الضَّلَالِ، وهو إِخراج شَيْءٍ إِلى شَيْءٍ، والهدى الرَّشادُ، والطاعة والورع، ويجمع: هدايات، يقال: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ هِدَايَةً، أَيْ: إِذا دَلَّه عَلَى الطَّرِيقِ [69]. [69] العين (4/ 77)، لسان العرب (15/ 355)، مقاييس اللغة (6/ 42)

الهادي: هو الله تبارك وتعالى ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 54﴾ [الحج: 54] المؤمن عندما يسمع كلمة الهداية يرتاح، لأنه يريد الهداية، وكلٌ يريد الهداية يريد أن يهتدي.

عندما نتأمل في الهداية في القرآن الكريم نجد أن العلماء رحمهم الله ذكروا أربع مراتب لهداية الله تبارك وتعالى لخلقه جاءت في القرآن:

المرتبة الأولى: الهداية العامة لكل الخلق، يعني أن الله تبارك وتعالى هدى كل الخلق، كما قال تعالى ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ 50﴾ [طه: 50]، وقال تبارك وتعالى ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى 1 ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ 2 وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ 3﴾ [الأعلى: 1 - 3] فالله تبارك وتعالى هدى الخلق لما خلقوا من أجله، فهدى الشمس وهدى الجبال وهدى العين وهدى اليدين، وهدى كل ما خلق سبحانه وتعالى، هذه الهداية المتربة الأولى التي يسميه العلماء الهداية العامة.

المرتبة الثانية: هداية ليست عامة وإنما هي هداية خاصة بالمكلفين من الجن والإنس، يعني الله تبارك وتعالى هدى المكلفين من عباده الجن والإنس، هداهم هداية: هي هداية البيان الدلالة وتوضيح الحق من الباطل، والخير من الشر، والصواب من الخطأ، هذه الهداية ليست لكل الخلق إنما هي هداية خاصة للمكلف من الجن والإنس، كما قال تعالى ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا 3﴾ [الإنسان: 3]، وكما قال تعالى ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ 10﴾ [البلد: 10] يعني بيان طريق الخير من طريق الشر.

المرتبة الثالثة: هداية التوفيق للحق والخير، وهذه الهداية لبعض المكلفين من الجن والانس، يعني الذين هدوا هداية بيان ليس كلهم اهتدوا هداية التوفيق، الآن مثلا يسكن الأرض ما يقارب سبعة مليارات من البشر، ليس كل هؤلاء وُفِّقُوا للإسلام والدين الحق الذي هو دين الإسلام ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19].

هذه الهداية للإسلام هي: هداية التوفيق، فهدى الله تبارك وتعالى إليها بعض عباده المكلفين من الجن والإنس.

المرتبة الرابعة: ليست في الدنيا وإنما هي في الآخرة لدخول الجنة كما قال تعالى: عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 43﴾ [الأعراف: 43] هذه مراتب الهداية.

أما مصادر الهداية وأركانها كما جاءت في القرآن الكريم

فإننا نجد أن الله تبارك وتعالى ذكر مصادر وأركان وأسس للهداية كل من تمسك بها اهتدى، كل من اقترب منها اهتدى وهي ثلاثة:

المصدر الأول: القرآن الكريم: كلام الله جل وعلا، والله تبارك وتعالى هو الهادي ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، فكل من اقترب من القرآن اهتدى، وله من الهداية على قدر قربه من القرآن.

الفرد، الأسرة المسلمة، المجتمع الإسلامي، الأمة الإسلامية، كلما كانوا قريبين من القرآن تلاوتًا.. وتدبرًا.. ومدارسةً.. ومعايشةً.. اهتدوا، والبعد عن القرآن بعدٌ عن مصدر الهداية.

المصدر الثاني: سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: عن نبيه عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 52﴾ [الشورى: 52]، وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 54﴾ [النور: 54]، فاتباع النبي عليه الصلاة والسلام اتباع السنة هداية، فعلى قدر القرب من السنة، من تعلمها وتطبيقها، من آدابها النبوية، من معاشيها تكون الهداية، والبعد عنها بعد عن مصادر الهداية، فالفرد المسلم والاسرة المسلمة والمجتمع الإسلامي على قدر من السنة يكون قربة من الهداية والاهتداء.

المصدر الثالث: البيت الحرام؛ الكعبة المشرفة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ 96 فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ﴾ [آل عمران: 96، 97] فالكعبة المشرفة هي بيت الله، وقال الله تعالى: ﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 26﴾ [الحج: 26] فالكعبة بيت الله والله تبارك وتعالى هو الهادي.

هذه المصادر الثلاث نجد أن إجمالها في الصلاة

فالصلاة تتحقق فيها قراءة القرآن بل فيها طلب الهداية في سورة الفاتحة في قوله تعالى ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6﴾ [الفاتحة: 6]، فالصلاة تتضمن المصدر الأول من مصادر الهداية الذي هو القرآن الكريم، والصلاة يجب أن تصلى كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي لقوله عليه الصلاة والسلام من حديث مالك رضي الله عنه: "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " [70] والصلاة أيضاً: يجب أن تكون باتجاه الكعبة المشرفة؛ البيت الحرام ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: 144]، الذي يصلي يهتدي، الهداية في الحياة على قدر إقامة الصلاة، فكل من كان أكثر إقامة للصلاة كان أكثر هداية في حياته، ولذلك جاء التكرار اليومي في الصلاة في الفاتحة لطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6 صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ [الفاتحة: 6-7]، فهذه الهداية التي في الفاتحة التي في الصلاة: هي هداية بيان وهداية التوفيق، يعني أن المؤمن يسأل الله جل وعلا أن يبين له الحق وأن يجعله مريدًا له، فاعلًا له، وأن يثبته عليه. [70] رواه البخاري (1/ 128)

فلذلك كانت الصلاة مرتبطة بالتوفيق، فكل من أراد التوفيق فليراجع أمر إقامته للصلاة، فكل من كان أكثر إقامة للصلاة كان أكثر توفيقًا في حياته.

الهدايات التي يريدها الانسان متعددة، ذكر العلماء رحمهم الله أنواع الهدايات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته [71]: [71] انظر: أسرار الصلاة (ص: 51).

النوع الأول: هداية العلم.

النوع الثاني: هداية الإرادة.

النوع الثالث: هداية الفعل.

النوع الرابع: هداية الثبات.

النوع الأول: هداية العلم

بمعنى أن هناك أمور لا يعرفها الإنسان ولا يظهر له الوجه والحق فيها، ويريد أن يتبين الحق فيها، وأن يكون عنده علم بها، فيعلم أن الذي يهديه ذلك هو الله جل وعلا، فيلجأ إلى الله تبارك وتعالى في صلاته في سجوده وقبل سلامه في مواطن الدعاء، أن يعلمه الله تبارك وتعالى الحق، وأن يلهمه إياه، وأن يرشده إلى الصواب من حيث العلم والمعرفة.

النوع الثاني: هداية الإرادة

قد يكون عند الإنسان علم بأمر ما، لكن ليس عنده رغبة أو إرادة وعزيمة على الفعل ويعلم أن قلبه الذي هو محل الإرادة، أنه بيد ربه تبارك وتعالى الذي يقف بين يديه يناجيه، والذي يركع له ويسجد له ويدعوه، فيلجأ إلى ربه تبارك وتعالى أنه كما علمه هذا الحق؛ أن يجعله مريدًا له وأن يرزقه هداية الرغبة والعزيمة لفعله.

النوع الثالث: هداية الفعل

والمقصود من هداية الفعل: أن الإنسان يوفق لأن يفعل الحق الذي أراده، لأن بعض الناس قد يعلم الحق يريده لكنه لا يوفق لفعله.

هداية الفعل: أن يجعلك الله فاعلًا، وأن يعينك، وأن يجعلك قادرًا على أن تقوم بهذا الأمر، فتدعو الله تبارك وتعالى في صلاتك.

النوع الرابع: هداية الثبات

الثبات على الحق، الثبات على الخير، الثبات على العمل الصالح، الثبات على الحق الذي علمك الله إياه، وجعلك مريدًا له قادرًا على فعله؛ تسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتك عليه، إجمال هذه الهداية: هي في الهداية إلى الصراط المستقيم، فكل من اهتدى إلى الصراط المستقيم فقد بين الله له الحق، وجعله مريدًا له، وأعانه على فعله، ثم يثبته عليه.

مفهوم الهم الأكبر ومركز الحياة

الهَمُّ في اللغة: مَصْدَرُ هَمَمْت بِالشَّيْءِ هَمّاً، والهَمُّ: مَا هَمَّ بِهِ فِي نَفْسِه، تَقُولُ: أَهَمَّنِي هَذَا الأَمرُ، والهم: الحُزْن، وَجَمْعُهُ هُمُومٌ [72]. [72] العين (3/ 357) لسان العرب (12/ 619) مقاييس اللغة (6/ 13).

الإنسان يعيش في هموم مختلفة ومتعددة يشكل بعضها مركزًا لحياته، فيكون هو الهم الأكبر الذي يكون له تأثيرٌ كبيرٌ جدًا في حياته، ويشكل دافعيته، ويكون مؤثرًا له في قضاء أوقاته، وتكوين علاقاته، وإنفاق أمواله، فهذا يسمى الهم الأكبر ومركز الحياة، يعني أن الإنسان يتمركز حول هذا الهم الكبير الذي هو يعيش فيه.

نجد أن الناس يتفاوتون في همومهم ومراكز حياتهم، فبعض الناس مركز حياته المال يعني الهم الأكبر عنده المال، وبعضهم الوظيفة، وبعضهم الزوجة والأولاد، وبعضهم العلاقات والجاه وتكوين الصداقات.

طبعا لا شك أن هذه كلها هموم لها أهمية ومكانة، لكن الذي نقصده أن الخلل عندما تكون هي فقط الهم الأكبر ويتمركز حياة الانسان حولها، ما الذي ينبغي للمؤمن أن يكون له همه الأكبر، وما الذي ينبغي أن تكون حياته مُرَكَّزةً حوله، هذا لا نجتهد فيه، وإنما نتذكر ماذا قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عن الهم الأكبر؟ ماذا قال عن الهم؟ ما هو الهم الذي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينبغي أن يكون عليه المؤمن؟ ووجهه عليه الصلاة والسلام الأمة إليه؟

نجد في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له " [73] فهذا الحديث: يوضح أن الهم الأكبر الذي ينبغي أن يكون للمؤمن هو الآخرة، يقول الله تبارك وتعالى عن الآخرة: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ﴾ [العنكبوت: 64] ومعنى الحيوان: الحياة الكاملة التي يعيشها المؤمن هي حياة الآخرة، أما الحياة الدنيا فذكر الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ 185﴾ [آل عمران: 185] وأنها وقت قليل زائل. [73] رواه الترمذي (4/ 642) وصححه الألباني.

ماذا يعني أن الهم هو الآخرة؟

كل من قرأ هذا الحديث واطلع عليه يريد أن يكون همه الآخرة، لأنه يريد أن يغنيه الله تبارك وتعالى ويجمع له شمله، وتأتيه الدنيا وهي راغمة، فما معنى أن الآخرة هم؟

معنى أن الآخرة هم: هو حضور غالب للآخرة في ذهن المؤمن، فهو يتذكر الآخرة في أوقاته، ويتخذ من حياته تذكيرًا لها، فعندما يرى منظرًا جميلًا أو يعيش حياةً سعيدةً، يرتبط ذهنه مباشرة بالجنة والآخرة والنعيم المقيم، ويسأل الله من فضله، وعندما يشاهد النار أو يلمس شيئًا ساخنًا يتذكر الآخرة، ويسأل الله تبارك وتعالى النجاة من عذاب النار فيها، فهو مرتبط بالآخرة، وليس شرطًا أن يقول الآخرة.. الآخرة.. بلسانه، لكن هم الآخرة هم غالب عليه، ويتذكر الآخرة بشكل غالب ومستمر.

من لديه أمر معين ويتذكره في السنة مرة واحدة أو مرتين، فهذا لا يعتبر عنده ذلك الأمر مهم، فمتى يعتبر هذا الأمر هم بالفعل؟ إذا كان في تذكرٍ غالبٍ وكان حاضرًا في ذهنه، فهم الآخرة هو حضور الآخرة في الذهن.

هل الآخرة هم؟

الآخرة هم لأن في حياتنا مراحل مرتبطة بالآخرة في انتظارنا...

أولًا: الخاتمة، اللحظات الوداعية التي سوف نودع بها الحياة، نحن لا نعلم كيف تكون؟ ولا نعلم مع من تكون؟ ولا في أي حالة تكون؟ ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن ختامنا، ورجاءنا فيه حسن، يكون ظن المؤمن بالله تبارك وتعالى حسن، والله تبارك وتعالى قال في الحديث القدسي "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي "[74]، فالمؤمن يحسن الظن بالله لكن في نفس الأمر لا يعلم كيف تكون خاتمته، ثم لما يدرك أن الخاتمة ستكون بعد صلاة أو في صلاة، -لأن كل من مات من المصلين فهو إما أن يموت في صلاة، أو إما أن يموت بعد صلاة قد صلاها، فهو أما أن يموت في الضحى بعد الفجر، أو في آخر الليل بعد صلاة العشاء، أو في العصر بعد صلاة العصر، فهناك حتمًا صلاة هي آخر صلاة لكل واحد مِنَّا، لكن لا ندري أي صلاة هذه، ولذلك جاء التوجيه النبوي بأن نصلي صلاة مودع، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه "إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع " [75]، وجاء التوجيه بأن نَذْكُرَ الموت في صلاتنا، لأن كل صلاةٍ قد تكون هي الصلاة الأخيرة، وحري بنا أن من صلى الصلاة على أنها صلاة مودع أن يحسن صلاته، جاء في الحديث عن أنس بن مَالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اذكر الْمَوْت فِي صَلَاتك، فَإِن الرجل إِذا ذكر الْمَوْت فِي صلَاته لحري أَن يحسن صلَاته، وصل صَلَاة رجل لَا يظنّ أَن يُصَلِّي صَلَاة غَيرهَا " [76] [74] متفق عليه، رواه البخاري (9/ 121) ومسلم (4/ 2061). [75] رواه ابن ماجه (2/ 1396) وحسنه الالباني. [76] رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (1/ 431) حسنه الألباني.

فهذه الخاتمة لا نعلم متى تكون؟ ثم الحياة البرزخية الطويلة التي سوف نعيشها لا ندري كيف تكون؟ أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، لكن لا نعلم كيف تكون؟ فنسأل الله أن تكون قبورنا رياض من رياض الجنة.

ثانياً: يوم القيامة، اليوم العظيم الذي هو خمسون ألف سنة، وتدنو الشمس فيه من رؤوس الخلائق حتى يتعرقون في العرق لا ندري كيف يكون وضعنا في ذلك اليوم؟ نحن نعلم أن هناك من يظلهم الله تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله، هو نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا منهم، لكن في نفس الأمر لا نعلم كيف يكون وضعنا؟

ثالثاً: المرور على الصراط في يوم القيامة، والناس يتفاوتون في المرور، فمنهم كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم من يحبوا حبوًا، ومنهم من تتخطفه الكلاليب فيسقط في النار، نحن لا نعلم هذه الأمور، النجاة من النار أو العذاب في النار والحرمان من الجنة، هذه كلها أمور مخيفة وهي هموم، فهذه الأمور كلها أمامنا، فلابد للإنسان أن تكون الآخرة همه ويهتم بها.

ما علاقة الصلاة بالموضوع؟

علاقتها أن الصلاة جاءت لتذكرنا الآخرة، نحن في حياتنا في لهونا، وفي أعمالنا، وفي شهواتنا بين الصلوات نغفل، فإذا أذن المؤذن ذكرنا الله، ونذهب للمسجد ونقوم للصلاة التي هي الوقوف بين يديه فَنَذْكُره تبارك وتعالى، ونذكر أننا كما نقف الآن بين يديه في الدنيا سنقف بين يديه في الآخرة، ثم إذا قرأنا الفاتحة قرأنا ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ ويوم الدين هو يوم القيامة، زاد وَعْيُنا بأمر الآخرة، ثم إذا ختمنا الصلاة استعذنا بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، كلها في الآخرة، فزيادة الوعي بهذه الأمور تُحْضِر أمر الآخرة في ذهن الإنسان، هذا إذا كانت الآخرة مرة أو مرتين، فكيف إذا كانت باستمرار، أن المؤمن في كل صلاة - صلاة الفجر والظهر

والعصر والمغرب والعشاء والنوافل- هذه الأمور تكون حاضرة في الذهن، ولا شك أن من عظم قدر الصلاة وأقامتها، وجهد نفسه في الخشوع فيها، والوعي بما يقول فيها، لا شك أن أهمية الآخرة تزداد عنده، ويزداد ذكره لما سوف يكون في الآخرة، ويكون تعلقه بنعيم الآخرة أكثر، ويكون حرصه على النجاة من عذاب الله في الآخر هو الأعظم، ﴿فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ 185﴾ [آل عمران: 185]

عندئذٍ (إذا زاد الهم بالآخرة) فإن حياة الدنيا تأخذ وضعها الطبيعي، فيعيش فيها كما قال تعالى: ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [القصص: 77] فهو يعمل للآخرة ولا ينسى الدنيا، لكن تأخذ الدنيا وضعها كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء " [77] فالصلاة تربطنا بالآخرة. [77] رواه الترمذي (4/ 560) وصححه الألباني.

مفهوم الإصلاح الشامل

الإصلاح في اللغة: مصدر أصلح، يقال أصْلَح الشيءَ بَعْدَ فَسَادِهِ: أي: أَقامه وأَصْلَحَ الدَّابَّةَ: أَحسن إِليها فَصَلَحَتْ [78] [78] العين (3/ 117) لسان العرب (2/ 516) مقاييس اللغة (3/ 303)

عندما نتحدث عن الإصلاح الشامل، وشمولية الإصلاح في حياة الإنسان، تبرز لنا الصلاة لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه "أول ما يحاسب به العبد صلاته فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت صلاته فسد سائر عمله " [79] [79] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (2/ 240) صححه الألباني.

ولا شك أن الإنسان يسعى لإصلاح أعماله وحياته، فالصلاة فيها هذه الشمولية لإصلاح العمل، نتأمل في موجبات الإصلاح نجد أن الذي يقابلها هو الفساد، والفساد بالاتفاق أن أسبابه هي المخالفات الشرعية والمنكرات، والذي ينهى تحديدًا عن المنكرات والمخالفة الشرعية هو الصلاة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ 45﴾ [العنكبوت: 45] فالصلاة تحديدًا تنهى عن الفحشاء والمنكر.

فالمرء المسلم إذا أقام الصلاة يزداد في قلبه تعظيم الله جل وعلا، وزيادة التعظيم في القلب ينشأ عنها أمران:

الأمر الأول: ينشأ زيادة المحبة لله تبارك وتعالى.

والأمر الثاني: زيادة الخوف من عذاب الله جل وعلا.

فإذا زاد هذا التعظيم في القلب زاد الحب لله تبارك وتعالى، فأقبل المسلم على كل ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه، وزاد الخوف من الله جل وعلا، فيبتعد المسلم عن كل ما لا يحبه الله تبارك وتعالى ولا يرضاه، فإذا كانت إقامة الصلاة ضعيفة، والخشوع فيها ضعيف، وفي المحافظة عليها ضعيفة، فإنها لا تثمر.

علاقة زيادة تعظيم الله جل وعلا في القلب: بإقامة الصلاة، فينتهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، يقترب من الصالحات، الصلاة من أولها إلى آخرها يظهر فيها تعظيم الله جل وعلا.

التكبيرات المتكررة، والأذكار المتتابعة كلها في تعظيم الله جل وعلا، فإذا قال المسلم أذكار الصلاة وأقوالها، وهو يعي ما يقول من معاني، لا شك أنها سوف تحدث له زيادة في تعظيم الله جل وعلا، هذه الفرائض التي نصليها سبع عشرة ركعة، تشتمل على أربع وتسعين تكبيرة، يعني كل يوم أقل ما يقوله المسلم المصلي(الله اكبر) أربعة وتسعين مرة، فإذا لم يحدث هذا التكبير وهذا التكرار لكلمة (الله أكبر) في كل يوم، إذا لم يحدث في القلب تعظيمًا لله تبارك وتعالى، وزيادة في محبته، والإقبال عليه، وخوفاً من عقابه، فما هو الأمر الآخر الذي عساه أن يزداد به المرء تعظيمًا لله.

فالصلاة إذًا هي أعظم ما يغرس الهيبة والخوف الإجلال والتعظيم لله تبارك وتعالى، التي ينشأ عنها البعد عن المخالفات الشرعية والمنكرات، والقرب من محبة الله تبارك وتعالى وطاعته.

فإذًا نأخذ من هذا أن الصلاة فيها إصلاح شخصي وإصلاح أسري وإصلاح مجتمعي ولذلك الفرد المسلم اذا أراد أن يعرف مدى صلاحه، فلينظر إلى صلاته، لأنه كلما زاد في إقامة الصلاة زاد صلاحه وقل فساده، وقلت المخالفات الشرعية والمنكرات عنده بشكل شخصي، فإذا أقام الصلاة ابتعد عن المنكرات، كذلك الأسرة المسلمة إذا كانت الأسرة محافظة على الصلوات، فإن هذه الصلاة تنهى أفرادها عن المخالفات الشرعية والمنكرات، فيزداد صلاحهم فتكون أسرة صالحة لمحافظتها على الصلاة، كذلك المجتمع إذا فشا فيه الأمر بالصلاة وإقامتها، لا شك أن صلاح هذا المجتمع يكون أكثر من المجتمعات الأخرى التي يقل فيها الأمر بالصلاة.

ما علاقة الصلاة بالنهي عن الفحشاء والمنكر؟

أن الإنسان يعمل الأعمال بعد إرادتها إرادةً قلبيةً، وينشأ عنها عمل الإنسان أو سلوكه، فالإنسان ينوي ويريد قبل أن يبدأ بالسلوك (سواءً الأعمال الطيبة أو الخبيثة) ويعزم عليه، فجانب القلب جانب أساسي في توليد الأعمال أو السلوكيات التي يقوم به الإنسان، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه "وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ " [80]. هذا القلب إذا عمر بمحبة الله تبارك وتعالى وذكره وتعظيمه، كانت الإيرادات المنبعثة منه للأعمال أو السلوكيات هي إرادات نحو فعل الخير والطاعة والقربات، وهذا القلب -نسأل الله السلامة والعافية- إذا فسد القلب كانت الإيرادات المنبعثة منه هي نحو الشر والأعمال السيئة. [80] متفق عليه، رواه البخاري (1/ 20) ومسلم (3/ 1219)

فتغذية القلب أعظم ما تكون بالصلاة كما قال الله تبارك وتعالى ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ 14﴾ [طه: 14] فأعظم مقصد من مقاصد إقامة الصلاة، هو ذكر الله جل وعلا، فالقلب يعلق بذكر الله تبارك وتعالى وتعظيمه فينشأ عنه أمره للجوارح بالأعمال الطيبة والأعمال الصالحة، ولذلك نجد هذا التلازم الكبير جدًا بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب، فإن الإنسان إذا مارس أعمال الجوارح الطيبة هي تغذي قلبه وكذلك إذا عمر قلبه بذكر الله تبارك وتعالى وتعظيمه ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له سبحانه وتعالى، أثرت هذه العبادات القلبية في أعماله وجوارحه، ولذلك تجد أن من يحافظ على الصلاة يعينه الله تبارك وتعالى في جميع أعماله ويسدده، فهو متصل مرتبط بربه جل وعلا والله تبارك وتعالى هو الذي يعين الإنسان على إصلاح الحال، ولذلك لا عجب أن نعايش هذه المعاني المرتبة بإصلاح أحوال الانسان جميعًا وإقباله على صلاته فيها، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا في الحديث "أول ما يحاسب به العبد صلاته فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت صلاته فسد سائر عمله " [81] [81] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (2/ 240) صححه الألباني.

كذلك هذا الإصلاح ينتقل إلى المجتمع، فالمجتمع الذي يفشو فيه الأمر بالصلاة وإقامتها، نجد فيه كثير من القيم الاجتماعية من الأخوة والألفة والمحبة التآلف والتعاون والتآزر يكون بين المسلمين الذين يدركون عظمة الصلاة، ولا سيما صلاة الجماعة التي فيها هذه القيمة الاجتماعية العالية، فالمؤمن مع إخوانه في صلاة الجماعة هو يراهم ويتحدث معهم ويدعو لهم، ويسلم عليهم، ويهش في وجوههم، ويستبشر باللقاء بهم، ويتذكر بأخوتهم هذه بإخوته في الجنة مع العباد الصالحين.

مفهوم الطهارة والجمال

الطهارة في اللغة: مصدر طهُرَ، والطهر خِلَافُ الدَّنَسِ، وَالتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَنِ الذَّمِّ وَكُلِّ قَبِيحٍ [82]. [82] لسان العرب (4/ 504) مقاييس اللغة (3/ 428)

الجمال في ا للغة: مصدر الجميل، والفعل منه جمل يجمل قال الله تعالى: ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون أي: بهاء وحسن [83]. [83] العين (6/ 142) مقاييس اللغة (1/ 481)

الطهارة والجمال في الصلاة

من عظمة الصلاة أنه يشترط لها أكمل حالة من حالات العبد يكون فيها -في طهارته وزينته ونظافته وتهيئه-، لماذا؟ لأنه في الصلاة يناجي الله تبارك تعالى، فلابد ويجب أن يكون بهذه الحالة التي أكمل حالة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ " [84] والله تبارك وتعالى يقول ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: 31]، فحالة السجود التي هي حالة الصلاة إجمالًا لابد أن يستصحب المؤمن فيها معنى الطهارة والزينة والجمال. [84] متفق عليه، البخاري (1/ 90) ومسلم (1/ 390).

والصلاة تشتمل على جميع أنواع الطهارة: الحسية، والمعنوية، والقلبية، بل ويأخذ المسلم من صلاته الجمال والزينة، وتزداد روحه جمالاً كلما صلى وناجى ربه، وزاد له تكبيرًا وحمدًا وثناءً وتعظيمًا سؤالًا ودعاءً، لأن هذا غذاء للروح، والروح إذا غدي زاد جمالها وقوتها.

الصلاة تشتمل على أنواع الطهارة الحسية، فيُشترط للصلاة الطهارة الحسية في البدن، وفي البقع التي يصلي فيها، وفي الثوب، ولا تصح إلا بطهارة كاملة، فهذا الوضوء المتكرر اليومي يعطي معنى النقاء والصفاء والزينة الكاملة التي يأخذها المسلم.

أيضا: الطهارة المعنوية من الخطايا يعني: الذنوب والمعاصي السيئة، نحن بين صلواتنا نخطئ كثيرًا وننسى ونقع في الخطيئة، وتأتي هذه الصلوات طهارة، إذا كان الوضوء نفسه تحط خطايا كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله الصنابحي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجْتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ " [85]، فهذه الخطايا تخرج بالوضوء كيف الصلاة نفسها؟! فالصلاة مكفرة عظيمة للخطايا، ومطهرة لها ولذلك جاء في الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " تَحْتَرِقُونَ، تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَنَامُونَ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَسْتَيْقِظُونَ "[86] [85] رواه النسائي (1/ 74) وصححه الألباني. [86] رواه الطبراني في المعجم الصغير (1/ 91) وصححه الألباني.

هذه الطهارة التي يأخذها المسلم من الخطايا والذنوب والسيئات طهارة معنوية فهي إضافة إلى الطهارة الحسية يكسبها المسلم المحافظ على صلاته طاهرةٌ المعنويةٌ.

أيضًا: الصلاة تعطي الطهارة القلبية، الطهارة من أمراض القلوب من الحسد والكبر والعجب والرياء، ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن إياك نعبد هذه علاج لمرض الرياء، لأن المسلم قال ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ هو يجدد التوحيد، ويجدد قصد الله بالعبادة، وإذا قال العبد ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ يتذكر أنه يستعين بالله تبارك وتعالى على عبادته وعلى جميع أمور حياته، فلا يعجب بنفسه [87]. [87] مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/ 263)

وأيضاً: عندما يردد المسلم ويكرر يوميًا حمده لله تبارك وتعالى، وأن الله هو رب العالمين، ويعلم أن هذه النعم التي أعطاها الله هو من عند رب العالمين عندئذ لا يحسد أحدًا على أمر ما، فالصلاة تعطي الطهارة القلبية للمسلم الذي المحافظ عليها، ويعرف هذه الأمور -يتطهر من الرياء، فلا يرائي بأعماله، ويتطهر قلبه من العجب فيعلم أن الله هو الذي يعين، ويتطهر من الحسد فلا يحسد أحدًا فيعلم أن هذه الأعمال كلها من عند رب العالمين-.فإذا علم ذلك عندئذٍ تكون الصلاة طهارةً ونقاءً وصفاءً ويزداد جمالًا كلما صلى ووُجد أثر هذه الصلاة زينةً وارتياحًا وانشراحًا في صدره، إضافةً إلى القيم الجمالية التي يأخذها المسلم من هيئات الصلاة يأخذ النظام الجميل، فالنظام: هو وضع كل شيء في موضعه، والمسلم إذا صلى وضع كل شيء في موضعه، وكأن الصلاة جاءت تعلمنا النظام وتدربنا عليه، ونستصحب أثر الصلاة في جمال النظام في سائر حياتنا، فيضع المسلم كل شيء في موضعه في خارج الصلاة استنباطًا من هذه العبادة العظيمة.

أيضًا: المؤمن يتذكر جمال صلاة الجماعة وجمال الصف، وجمال القيادة في الصلاة، " إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ [88] "، فالمأمومون كلهم مأمورون بتسوية الصفوف، يقفون في هذا الموقف الجميل، وينقادون للإمام الذي يقودهم لهذه العبادة الجميلة، إذا أقمنا الصلاة وأدركنا هذه المعاني الجميلة في الصلاة، ازددنا طهارةً وصفاءً وزينةً ونقاءً في جميع أمور حياتنا، واستنبطنا هذه القيم الجمالية من عباداتنا، كيف ونحن نتذكر أن الله تبارك وتعالى أمر بأخذ الزينة عند كل صلاة ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: 31] فحري بمن عظم قدر الصلاة أن يعي هذا المعنى إذا جاء لها، يتذكر أنه يأخذ الزينة، وإذا أتى للصلاة أن يأتيها بأجمل زينة وبأبهى حلة، فيما يتعلق بطهارة بدنه وثوبه والبقعة التي يصلي فيها، ويحرص على أن يأخذ من الصلاة جمالها في قلبه طهارةً من الرياء والعجب والحسد. [88] رواه البخاري (1/ 85) ومسلم (1/ 308) من حديث أنس رضي الله عنه.

مفهوم علو الهمة

الهمة في اللغة: ما هَمَمْتَ بهِ من أَمْرٍ لتَفْعَلَهُ، يُقالُ: إنّه لعَظيمُ الهِمَّةِ [89]، والهمة العالية مطلب لجميع الناس والله تبارك وتعالى "يحب معالي الأمور " كما جاء على النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سهل الساعدي رضي الله عنه "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا " [90]. [89] العين (3/ 357) لسان العرب (12/ 621) [90] رواه الطبراني في معجم الأوسط (3/ 210) وصححه الالباني.

فالناجحون في الحياة يسعون دائمًا إلى أن تكون هممهم عالية، ويسعون إلى أن يصلوا إلى أقصى ما يمكنهم الوصول إليه، هذه الهمة العالية التي هي القوة النفسية التي يأخذها المسلم من عبادته وصلته بربه تبارك وتعالى، فإذا ضعف الإنسان تذكر القوي سبحانه وتعالى فيزداد به قوةً، وإذا افتقر تذكر الغني فيقوم ويقف بين يديه، إذا جهل تذكر العالم علام الغيوب فيطلب منه العلم.

فالصلاة تعطي المسلم قوةً نفسيةً هائلةً فلا يتطرق إليه ضعف ولا فتور، فإذا فهم المؤمن أنه يستمد قوته وهمته من الصلاة كلما ضعف وفتر في أي جانب من الجوانب (جانب العلم -جانب الدعوة -جانب الحياة) يتذكر أنه عما قريب أنه سوف يصلي فيعيد همته ويزداد نشاطه، كيف وقد جاء في الصلاة نفسها ما يعطي هذا المعنى.

من الوسائل العملية للوصول إلى الهمة العالية وزيادتها وجود نماذج أو قدوات، لأن المعنى إذا كان مجرد معرفة أو معلومة نظرية ولم يوجد من عمل بتطبيقها ربما يستصعبه الإنسان، لكن إن وجد نموذج أو قدوة قام بهذا الأمر وعمل بتطبيقها، فإنها تُسِهِّلُ على الإنسان الفعل بهذا المعنى مهما كان عظيمًا.

نحن في الصلاة نسأل الله جل وعلا أن يهدينا الصراط المستقيم، فيقول المسلم في صلاته ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6 صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾، هذا الصراط المستقيم الذي يريد المسلم أن يحياه، ويريد أن يكون عليه، -هذا ليس صراطًا عاديًا، ولا طريقًا لأي أحد، وليس منهجًا لأي شخص- بل هو طريق أعظم قدواتٍ ونماذجٍ مرت على تاريخ البشرية من الموفقين من أصحاب الهمم العالية -هم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين-، هذه الأربعة الأصناف هي التي يريد المسلم أن يكون على طريقها في كل صلاة، وهؤلاء الأربعة الذين أنعم الله عليه ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا 69 ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا 70﴾ [النساء: 69-70]

إذا تذكر المؤمن في صلاته هؤلاء القدوات -تذكر الأنبياء وتذكر الصديقين وتذكر الشهداء وتذكر الصالحين-، وعلم أنه في كل صلاة يريد أن يكون على طريقهم، ويسأل الله تبارك وتعالى أن يكون على الصراط المستقيم الذي ساروا عليه، يبدأ هو يراجع حياته، هؤلاء الذين أنعم الله عليهم كيف كانت حياتهم؟ كيف كانت هممهم؟ كيف كانت أوقاتهم؟ كيف كانت عبادتهم؟ كيف كانت أخلاقهم؟ كيف كانت تعاملات؟ كيف كانت حياتهم إجمالاً؟ فيستضيء بهذه المعاني في طريقه في الحياة، فيزداد همةً، ويأخذ من هؤلاء هذا التَشَبُّه

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم*** إن التشبه بالكرام فلاح [91] [91] ديوان السهروردي المقتول ص 14.

فالصلاة حقيقةً ترفع همة المؤمن إلى أقصى درجةٍ ممكنة، كيف وهو الصلاة يتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الأعظم، يتذكره وبالسلام عليه عندما يقول في جلسة التحيات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فهو يتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتذكر أنه له القدوة ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا 21﴾ [الأحزاب: 21] كيف ويريد منها المسلم أن ترفعه إلى تلك الدرجات العالية، ترفعه إلى وراثة الفردوس، فعندما يكون المصلي من الخاشعين ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 1 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ 2﴾ [المؤمنون: 1-2]، يريد من صلاته هذه أن تصل به إلى أقصى درجة ممكنة في الدار الآخرة، وأن يتنعم برؤية الله تبارك وتعالى عندما يحافظ على صلوات ويكون فيها من الخاشعين.

الصلاة تعطي المؤمن الهمة العالية في قوة صلته بالله التي يتقوى بها في حياته، وتعطيه الهمة العالية في طريق الأنبياء والصديقين والشهداء فيتشبه بهم، وتعطيه الهمة العالية لتذكره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم القدوة الأعظم، فكلما جاء وقت الصلاة يتذكر عمومًا أن صلاته هذه سبب في علو همته إلى الدرجة التي يريد، وإذا تذكر فيها دار الخلود والجنات التي يريد أن يكون فيها مع الأنبياء والصديقين والشهداء لا شك أنه تزداد به الهمة.

فوصيتي للمسلمين أن نربط دائمًا بين الهمة العالية وبين إقامة الصلاة، وأنه إذا فتر الإنسان وضعف في جانب العلم، أو جانب الدعوة، أو الجانب الاجتماعي، أو جانبًا من الجوانب، يتذكر عما قريب أنه سوف يصلي فيستعيد بها نشاطه وهمته.

مفهوم الراحة وقرة العين

الراحة في اللغة: راحَ يَرَاحُ رَوْحاً أي بَرَدَ وطابَ، والراحةُ ضِدُّ التَّعَبِ، يقال وَجَدْتُ لِذَلِكَ الأَمر رَاحَةً أَي خِفَّةً، وَفِي الْحَدِيثِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمُؤَذِّنِهِ بِلَالٍ: أَرِحْنا بِهَا أَي أَذّن لِلصَّلَاةِ فنَسْتَريحَ بأَدائها مِنَ اشْتِغَالِ قُلُوبِنَا بِهَا [92]. [92] العين (3/ 293) لسان العرب (2/ 461).

القرة في اللغة: قَرَّ يَقِرُّ قٌرَّةً وقُرورًا وقَرَّةً، والقُرُّ: البَرْدُ، يقال: فلان قَارٌّ أي: ساكن والقَرارُ: المستقر من الأرض، وقُرَّة العَيْن: ما يصادف المرء به سرورًا، فلا تطمح العين إلى ما سواه، ومنه قوله تعالى: ﴿قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ﴾ [القصص: 9] وفي الحديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " [93]. [93] العين (5/ 21) لسان العرب (5/ 82) معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 1796).

كيف تكون الصلاة راحة؟

وما هي أوجه الراحة والنعيم والتنعم بالصلاة؟

عندما نتذكر الصلاة والارتياح بها، نتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يقول في حديث سلمان بن خالد رضي الله عنه: " يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا " [94]. [94] رواه الطبراني (6/ 277) صححه الألباني.

أيها القارئ أول ما تقرأ هذا الحديث تجد أن ارتباط الراحة بالصلاة ظاهرًا جدًا، لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام لبلال "أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا " [95] يعطينا دلالة هذا الحديث أن الصلاة مريحة، وأن فيها راحة، وأن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كان يرتاح بالصلاة، فبقي على المسلم أن يجاهد نفسه في حالة الوصول للارتياح بالصلاة، لأنه يعلم علمًا يقينًا أن الصلاة راحة والدليل على ذلك هذا الحديث، الذي ذكر فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الصلاة راحة وكان يقول لبلال "أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا ". [95] رواه أبو داود (4/ 296) وصححه الألباني.

لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام المحببات له من الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام في حديث أنس رضي الله عنه: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ " [96]. [96] رواه النسائي (7/ 61) وصححه الألباني.

قرة العين: الأمر الذي تقر به العين، والعين دائمًا تتحرك ودائمًا تتطلع إلى ما هو أعلى وإلى ما هو أفضل، فتظل العين تتطلع حتى تصل إلى شيء لا أعلى منه، الأمر الذي لا أعلى منه في هذه الحياة جهة النعيم هو الصلاة، ولذلك قرت عين النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم في الصلاة.

أوجه التنعم بالصلاة والارتياح بها يظهر هذا الأمر عندما نعلم أن الصلاة تكفر الخطايا والذنوب والسيئات، والخطايا والسيئات والذنوب تثقل الإنسان، فإذا صلى المسلم صلاة خاشعة تساقطت خطاياه وذنوبه وسيئاته، فأصبح بعد هذه الصلاة خفيفًا، فهو ارتاح بالصلاة ورَيَّحَتْهُ الصلاة من هذه الخطايا والذنوب والسيئات.

أيضًا: نجد أن الصلاة فيها التنعم بمناجاة الله تبارك وتعالى، لما كان أهل الجنة أعظم نعيم يتنعم بها هو رؤية الله تبارك وتعالى، والفوز برضوانه كما جاء في الحديث عن صهيب بن سنان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ " [97]، فما أعطوا نعيمًا أعظم من ذلك النعيم، ولا لذةً أعظم من تلك اللذة، فهذا أعظم ما يتلذذ به المؤمن وهو الزيادة، ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ [يونس: 26]، في الدنيا لا سبيل إلى رؤية الله تبارك وتعالى والتنعم برؤيته جل وعلا، لكن هناك سبيل إلى مناجاته والوقوف بين يدي، وهذا ما يحدث للمصلي في صلاته، إذا قام المصلي فإنما يناجي ربه قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: " إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ " [98]. [97] رواه مسلم (1/ 163) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [98] متفق عليه رواه البخاري (1/ 90) ومسلم (1/ 390) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

وإذا تذكرنا أنه إذا قرأ الفاتحة فقال: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ ، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3﴾ ، يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ ، يقول الله تعالى: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6 صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " [99] [99] رواه مسلم (1/ 296).

فيتنعم المؤمن بهذه المناجاة في الصلاة، وهو يتذكر ويربط بينها وبين النعيم المقيم في دار الخلود برؤية الله والفوز برضوانه.

ثم إن مما يتنعم به المؤمن في الصلاة هو التسبيح والذكر، فأهل الجنة في الجنة يتنعمون بالتسبيح قال الله تعالى عن أهل الجنة ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 10﴾ [يونس: 10]، والمؤمن في صلاته يسبح الله تبارك وتعالى، يستفتح صلاته بالتسبيح تارة، ويسبح الله جل وعلا في ركوعه قائلًا: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ويسبح الله في سجوده سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، فإذا علم المصلي أن أهل الجنة يتنعمون ويتلذذون بالتسبيح جاهدًا نفسه أنه كلما سبح في صلاته تذكر ذلك النعيم فتنعم به وهو في صلاته.

أيضًا: يكثر في الصلاة (السلام) وفي الآخرة في الجنة يتنعم المؤمن بالسلام من الرب الرحيم، ﴿سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ 58﴾ [يس: 58] ، ﴿تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ﴾ [الأحزاب: 44]، ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ﴾ [يونس: 10]، ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ﴾ [الأعراف: 43]، فأهل الجنة بهذه الهداية في الآخرة يتنعمون بالسلام، المصلي إذا جلس بين يدي ربه تبارك وتعالى في جلسة التحيات يتذكر السلام، فيقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات) فهو يعظم الله تبارك وتعالى، ثم يسلم على رسوله قائلًا: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، ثم يسلم على نفسه (السلام علينا)، ويذكر أن السلام هو الله، فعلم أن الله معه فيطمئن ويتنعم ويهدأ، وحاله: يشعر بهذا الارتياح وهذه الطمأنينة إذا قال (السلام علينا)، ثم يسلم على الجميع العباد (وعلى عباد الله الصالحين).

وأيضًا: يخرج من صلاته بالسلام، فما أكثر السلام الذي في الصلاة، السلام الذي يعطي معنى الأمان والطمأنينة والسعادة والارتياح، والمؤمن في يومه يكثر من السلام وهو يأمل أن يدخل دار السلام، ﴿لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم﴾ [الأنعام: 127].

شروط الصلاة وأركانها وواجباتها وسننها وعلاقتها بتعظيم قدر الصلاة

يشترط للصلاة تسعة شروط:

وهذه الوقفة حقيقةً تعطي المسلم مزيدًا من العناية بأهمية الصلاة، وعظم قدرها عند الله جل وعلا، والله تبارك وتعالى اشترط لها هذه الشروط المتعددة أكثر من العبادات الأخرى للدالة على عظم قدر الصلاة.

أول شرط من شروط الصلاة: الإسلام

فالإسلام يشترط لجميع العبادات، فالإسلام هو الشرط الأول للصلاة، كما جاء في بناء أركان الإسلام في قول النبي عليه الصلاة والسلام: " بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ " [100]، وكذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام عندما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له عليه الصلاة والسلام "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ " [101]. [100] متفق عليه رواه البخاري (1/ 11) ومسلم (1/ 45) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. [101] متفق عليه رواه البخاري (2/ 104) ومسلم (1/ 50) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

فهذا بيان أن الإسلام هو الشرط الأول والأهم من شروط الصلاة.

الشرط الثاني: العقل.

من عظمة الصلاة أن المجنون لا يُمَكَّنُ من الصلاة، لأنه لا يدري ما يقول وموقف الصلاة موقف عظيم، يشترط أن يكون الإنسان فيه عاقلًا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ " [102] فالجامع بينهم وجود العقل. [102] رواه أبو داود (4/ 141) من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه صححه الألباني.

الشرط الثالث: التمييز.

فالطفل الصغير الذي لا يميز لا يُمَكنُ من الصلاة، فشرط من شروط الصلاة أن يكون الصبي مميزًا، والنبي عليه الصلاة والسلام حدد السن الذي يؤمر الصبي بالصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: "مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا” [103] فهذه السن التي يبدأ فيها الطفل يميز في حياته، فيؤمر عندئذٍ بالصلاة، ويعلم الصلاة. [103] رواه أبو داود (1/ 133) من حديث سبرة الجهني رضي الله عنه حسنه الألباني.

الشرط الرابع: الطهارة من الحدث.

موقف الصلاة موقف عظيم، موقف المناجاة لرب العالمين سبحانه وتعالى، هذه القداسة العظيمة للصلاة لابد لها من الطهارة من الحدث، فإذا أحدث الإنسان لا يصح له أن يصلي ولا أن يقوم للصلاة، بل يجب عليه أن يتطهر ويتوضأ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول " لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ " [104]، ولذلك جاء من عظمة الصلاة أن الذي فقد الماء يجب عليه أن يتطهر ولو بالتيمم، فهذه من عظمة الصلاة عند رب العالمين سبحانه وتعالى. [104] رواه مسلم (1/ 204) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

الشرط الخامس: اجتناب النجاسة.

موقف الصلاة لا يناسبه أن يكون في ثوبه نجاسة، ولا في البقعة التي يصلي فيها، فيجب عليه أن يجتنبها والله تبارك وتعالى قال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4﴾ [المدثر: 4] فيشمل التطهير الكامل من النجاسة التي لا تناسب الصلاة من عظمتها وجلال ما يقوم فيها العبد لمناجاة الله تبارك وتعالى.

الشرط السادس: استقبال القبلة.

يجب على المؤمن في صلاته أن يستقبل القبلة التي هي الكعبة المشرفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ 96 فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ﴾ [آل عمران: 96-97] القبلة هي الكعبة والله تبارك وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ﴾ [البقرة: 144] فهذا الأمر بتولية الوجه شطر المسجد الحرام اتجاه الكعبة، فإذا كان الإنسان قريبًا من الكعبة فهو يتجه الى عين الكعبة، وإذا كان في مكة فهو يتجه إلى الحرم، وإذا كان خارج مكة يتجه إلى مكة حيث الكعبة المشرفة.

والوقفة مع اشتراط استقبال الكعبة والصلاة ظاهر؛ لأن الكعبة هي بيت الله، والله تبارك وتعالى قال ﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ﴾ [الحج: 26] عندما يتوجه المؤمن إلى القبلة أول ما يتذكر أن هذه الكعبة هي بيت الله تبارك وتعالى، فهو يستقبلها بجهته (اتجاه الكعبة)، ويستقبل مناجاة الله تبارك وتعالى بقلبه، فيكون ذلك أدعى لحضور القلب أثناء الصلاة، وهذا والله من عظمة الصلاة وعلو شأنها عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

الشرط السابع: ستر العورة.

فموقف الصلاة موقف مهيب موقف عظيم، لا يناسبه أن يأتي الإنسان كيف ما اتفق وبأي لباس شاء، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 31﴾ [الأعراف: 31] فهذا أمر بأخذ الزينة، وبين النبي عليه الصلاة والسلام هذه الزينة المقصودة للمصلين بستر العورة.

الشرط الثامن: هو النية.

نية العبادة.. نية الصلاة.. نية التقرب إلى الله تبارك وتعالى بهذه العبادة بأقوالها وأفعالها، فيفرِّق الإنسان بين اعتياده على القيام والجلوس أو حتى قول الأذكار وبين كونه في الصلاة بهذه النية، فهو ينوي التقرب إلى الله تبارك وتعالى، وينوي التعبد له بهذه الأقوال والأفعال، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " [105] فينوي المصلي بتحديد صلاته فرضًا أو نفلًا، والتعبد لله تبارك وتعالى بكل ما يقوله في الصلاة. [105] متفق عليه رواه البخاري (1/ 6) ومسلم (3/ 1515) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الشرط التاسع: دخول الوقت.

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا 103﴾ [النساء: 103] وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ يَعْنِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ” ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ” [106] هذه إشارة إلى أن هذه الصلوات وهذه الأوقات كانت معظمة عند جميع الأنبياء قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، هذه شروط الصلاة وقد لاحظنا مدى الارتباط الكبير جداً بين تعظيم قدر الصلاة وبين اشتراط هذه الشروط، وتفصيلاتها الفقهية ليس هذا مجال ذكرها. [106] رواه أبو داود (1/ 107) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وحسنه الألباني.

عندما نتناول أركان الصلاة وواجباتها وسننها نتناول أجزاء الصلاة ذاتها، وهذه المصطلحات التي اصطلح الفقهاء رحمهم الله عليها بتسميتها أركان وواجبات وسنن، هي المعمول بها لدى الفقهاء، وتناقلتها العلماء بعضهم عن بعض، وقد يكون هناك اختلاف في بعضها ببعض عند المذاهب وقد بين العلماء تلك الأحكام، ولن نتطرق لها، ولكن نذكر ما هو مقرر في المذهب [107] الذي ندرسه في أحكام الصلاة. [107] مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

الركن: هو ما لا يقوم ذات الشيء إلا به، يعني هو الجزء الأقوى في الشي، فعندما نحدث عن الأركان نتحدث عن الأجزاء الأساسية المهمة في الصلاة.

ذكر العلماء أن أركان الصلاة أربعة عشر ركناً:

- القيام: واحترز له العلماء القيام مع القدرة، يعني القيام ركن إذا كان قادرًا، فيسقط مع عدم القدرة، فالقيام مع القدرة هو الركن الأول من أركان الصلاة.

- تكبيرة الاحرام التكبير في بداية الصلاة: بقول:(الله أكبر) هذه التكبيرة الأولى التي هي تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة.

- قراءه سورة الفاتحة في الصلاة: سورة الفاتحة هي الصلاة كما جاء في الحديث القدسي في قول الله جل وعلا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِــي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَـــيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَـــأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَـــمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3﴾ ، قَـالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي "وَإِذَا قَــالَ: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ ، قَالَ: مَجَّــــدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً فَــــوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي- فَــــــإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ قَـــالَ: هَـــــذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَــــا سَــــأَلَ، فَــــإِذَا قَالَ: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6 صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ قَالَ: هَـذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"[108] فقراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة ولا تصح الصلاة إلا بها. [108] رواه مسلم (1/ 296)

- الركوع، وفيه تعظيم الله جل وعلا.

- الرفع من الركوع، فيه تنبيه على استجابة الله لمن يحمده.

- الاعتدال قائماً بعد الرفع من الركوع، لحمد الله والثناء عليه.

- السجود على الاعضاء السبعة، القرب من الله تعالى والذل له.

- الرفع من السجود، تنبيه إلى تعظيم الله بتكبيره.

- الجلوس بين السجدتين، لطلب المغفرة.

- الطمأنينة في جميع الأركان.

- الترتيب، ترتيب هذه الأركان.

- التشهد الأخير والجلوس له وفيه عدد من العبادات القلبية.

- الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير، استحضار محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

- التسليم من الصلاة، بيان الخروج من الصلاة والسلام على المصلين.

فهذه أركان الصلاة إجمالًا التي لا تصح الصلاة إلا بها، وإذا سقط ركن من هذه الأركان يحب الاتيان به.

واجبات الصلاة التي ذكرها الفقهاء ثمانية:

جميع التكبيرات غير تكبيرة الاحرام، وقد مر معنا أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، فكل التكبيرات الأخرى واجبة من واجبات الصلاة.

الأقوال التي تكون داخل الأركان.

مثل القول في الركوع: " سبحان ربي العظيم ".

وقول " سمع الله لمن حمده " عند الرفع من الركوع.

وقول " ربنا ولك الحمد "

وقول "سبحان ربي الأعلى " في السجود.

قول "ربي اغفر لي " والتشهد الأول، والجلوس له.

تشترك الواجبات والأركان في لزوم الإتيان بها والفرق بينهما:

إذا نسي المصلي ركناً من أركان الصلاة يجب عليه أن يأتي به، لكن إذا نسي واجبًا من واجباتها فإنه يجبره بسجود السهو ولا يلزمه أن يأتي به، وما عدا الأركان والواجبات مما يقال في الصلاة فهو سنن.

سنن الصلاة تنقسم إلى قسمين: سنة قولية، وسنة فعلية.

السنة القولية: هي كل ما جاء في الأحاديث غير الركن والواجب، مثل: الاستعاذة في الصلاة، والبسملة، والتأمين، قراءة سورة بعد الفاتحة، وما زاد على المرة في تسبيح الركوع والسجود ونحو ذلك مما جاءت به السنة القولية عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يرتق إلى الواجب ولم يكن ركن من أركان الصلاة.

السنة الفعلية: وهي هيئات أفعال الصلاة أي: كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وكيفية وضع اليمين على الشمال على الصدر، وكيفية قبض الأصابع في حال الركوع على الركبتين وهكذا، فصفة الهيئة في الصلاة، هي السنن الفعلية وذِكْرها وتحديدها في أبواب الفقه المعلومة.

أركان الصلاة وواجباتها وسننها علاقتها أو ربطها في معنى أو قيمة أو تعظيم قدر الصلاة، عظيم جدًا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى وقال في حديث مالك الحويرث رضي الله عنه "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "[109]، فالصلاة إذًا لها هيئة محددة معلومة واضحة، بينها النبي عليه الصلاة والسلام لصحابته الكرام رضي الله تعالى عنه، وعلم الصحابة التابعين وعلمها التابعون لمن بعدهم، حتى وصلت إلينا هذه الأركان والواجبات والسنن، فالتقسيمات هذه لدراسة الصلاة لكن إذا جاء الإنسان يصلي لا يتعمد ترك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم بدعوى أنها سنة، وإنما يتقيد بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما جاءه، وصلوا عنده، علمهم الصلاة، وقال "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، فجدير بكل من يتعلم الصلاة، أن يتعلم الصلاة كاملة بأركانها وواجباتها وسننها، ويكون محافظًا أشد المحافظة عليها حتى ينال الأجر العظيم عند الله الكريم سبحانه وتعالى. [109] رواه البخاري (1/ 128)

المدخل إلى العبادات القلبية في الصلاة

ينبغي للمسلم أن يستصحب العبادات القلبية في الصلاة، ويتعرف عليها حتى يعيش حياة الصلاة وروحها، فلا بد من المعرفة أولًا بأهمية عبادة القلب، ربما يكون الإنسان قد تعود وتعلم العبادات بشكلها الظاهري، لكنه إذا علم أن العبادة لها جزآن:

1- جزء الظاهري: هو أعمال الجوارح ما يقوم به اللسان والجوارح.

2- جزء قلبي: هو ما يتعلق بعبادة القلب، فيعلم أن كل عبادة من العبادات لا بد لها من هاتين الصورتين: الصورة الخارجية: صورة الجوارح، وصورة داخلية: صورة القلب، فهذه المعلومة لابد أن يستصحبها الإنسان في كل عبادة من العبادات في الذكر والصلاة والصيام والزكاة والحج وفي سائر العبادات، لا بد أن يقف المسلم هذه المعلومة ويستصبح بها، حتى يعيش هذه العبادة التي يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى، ويحسن فيها ويأخذ أجرها الكامل.

وقد أُمِرنا نحن المسلمين بالإحسان في العبادات، والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وإحسان العبادات الذي هو بهذه الصورة، وبهذه الدرجة العالية لا بد أن يسبقه هذا العلم الذي هو استصحاب عبادة القلب مع عبادة الجوارح.

فإذًا سوف يأتي معنا أن المصلي في صلاته أن لسانه يتحرك بالتكبير وبالذكر وبالتسبيح وبالاستغفار وبالحمد والثناء والدعاء، وأن يديه تتحرك للتكبير، وأن جسده الكامل يخضع لله تبارك وتعالى في ركوعه، فينحني لله جل وعلا ويسجد ويقترب من الأرض خضوعاً وذلاً لله جل وعلا، فكما أن هذه الجوارح تقوم بهذه العبادات فلا بد للقلب أن يكون له عبادات مصاحبة لأفعال الجوارح، ولهذا بعض العلماء يفرق في المصطلحات بين العبادة والعبودية، فالعبادة: هي أفعال الجوارح، والعبودية: هي أعمال القلب.

إذا أردنا أن يكون للعبادة أثر فلا بد أن يصاحبها عبودية، إذا أردنا أن يكون للعبادة تأثير ويكون لها حسناتًا وأجرًا، فلا بد أن يستصحب المسلم حال القيام بالعبادة عبودية القلب، ولذلك كانت النية من أعظم شروط الصلاة، لأن النية محلها القلب، والنية المقصود بها في الصلاة هي نية العبادة والتعبد لله تبارك وتعالى، ولذلك يعرف بعض أهل العلم الصلاة: بأنها التعبد لله تبارك وتعالى بأقوال وبأفعال مخصوصه تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، فكلمة (التعبد لله) هذه تلامس جانب القلب، وليكن مِن هَم المصلي إذا دخل في صلاته أنه كيف يُعمِلَ قلبه في أثنائها، وما هي العبادات القلبية التي سوف ينزلها القلب أثناء قيام الجوارح بأفعالها، ولهذا جاء في الصلاة عدد من العبادات القلبية فيها التعظيم والإجلال لله، وكمال المحبة له، وكمال الذل له، ورجاء ثوابها، والهيبة، والخوف منه، وإحسان الظن به في إجابة الدعاء، والحياء واستشعار التقصير في حقها، وعظم ما لله من حقوق على العباد، والعبد في حال عبادته وتقربه له، فيستصحب قلب المسلم هذه العبادات أثناء قيامه بعبادة الجوارح.

وسوف يأتي معنا بشكل مستقل ومنفصل معاني أقوال الصلاة وأفعالها، وعلاقتها بعبودية القلب، لكن نركز على أهمية استحضار المصلي كما أنه يجتهد في أن يقول الأقوال وأن يفعل الأفعال عليه أن يتهيأ بقلبه أنه سوف يدخل في مناجاة لله تبارك وتعالى وتعظيمه ومحبته رجائه، والحياء، والخوف منه، وإدخال المعنى في دائرة العلم بالشيء.

فعلى المصلي أن يروض نفسه على هذا الامر، وأن يستصحب نية التعبد لله تبارك وتعالى في كل ما يقوله ويفعله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام يقول "إنما الأعمال بالنيات " [110]، والصلاة كلها أعمال من أولها إلى آخرها، فالعبادة والعبودية تقترن في حالة العبادات عمومًا، وفي حالة الصلاة بشكل أخص. [110] رواه البخاري (1/ 6)

أقوال الصلاة وأفعالها وعلاقتها بالمعاني القلبية

أول ما يقوم به المصلي هو القيام لله تبارك وتعالى، ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة: 238]، فالقيام مع القدرة هو ركن من أركان الصلاة، فيقوم المسلم لله تبارك وتعالى استعدادًا لمناجاته جل وعلا، وتكبيره، وتعظيمه واستغفاره، والدخول في الصلاة، فيناسب مع القيام أن يستعد المسلم ويشعر عندما يقوم في الصلاة بعظم هذا الموقف بين يدي الله تعالى، وهو مستقبل الكعبة بيت الله الحرام كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 26﴾ [الحج: 26]، وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ 96﴾ [آل عمران: 96] فيتوجه المصلي ببدنه اتجاه الكعبة وبقلبه لمناجاة الله تبارك وتعالى.

فيبدأ بأقوال الصلاة فأول قول يقوله المصلي بعد أن يقوم ويستقبل الكعبة: هو "الله اكبر "، وهذه تكبيرة الإحرام، ومعناها: أنه بهذه التكبيرة دخل في حرمة الصلاة، فأصبح ما كان حلالًا له قبلها صار حرامًا عليه داخلها، فأصبح ينشغل بهذا الوقت الذي يقضيه في الوقوف بين يدي الله بكل ما أمر الله به في الصلاة، وما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال، فلا يفعل ولا يقول إلا ما هو مناسب لهذا الموقف العظيم، هذا القول (الذي هو تكبيرة الإحرام) يقول "الله اكبر " ويدرك أنه إذا قاله يعني: أنه يعظم الله تبارك وتعالى، ويعترف أنه أكبر من كل شيء يخطر بباله، وما لم يخطر، فهو يعتقد أن الله تبارك وتعالى الكبير، والله جل وعلا من أسمائه الكبير، ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 23﴾ [سبأ: 23] ، ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ 9﴾ [الرعد: 9] فإذا قال المصلي "الله أكبر " بلسانه يستشعر هذه العظمة لله تبارك وتعالى، مع هذا القول الذي يقوله بلسانه "الله أكبر "؛ يبدأ فعل من أفعال الصلاة: وهو رفع اليدين، فيرفع يديه حيال أذنيه أو حذو منكبيه، ويعتقد أنه عندما يرفع يديه يعظم الله تبارك وتعالى، لأن رفع اليدين فيه معنى التعظيم والإجلال، فرفع اليدين إشارة إلى تعظيم من هو أمامك، فالله تبارك وتعالى هو الأحق بالتعظيم، فترفع له اليدين سبحانه وتعالى، ورفع اليدين في الصلاة زينة لهيئة الصلاة، وعبودية لليدين كعبودية سائر الجوارح في الصلاة، وكل ذلك اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم يضع يده اليمين على يده الشمال على صدره، ينظر إلى موضع سجوده، أو ينظر تجاه القبلة، ثم يبدأ يستفتح الصلاة بأحد أدعية الاستفتاح التي جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وردت عدت صيغ للاستفتاح، فله أن يختار أحدها ومن ذلك أن يقول: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ "[111]، هذا الذكر وهذا الاستفتاح فيه: معنى التوبة، وفيه معنى الاستغفار، وفيه معنى تذكر الذنوب. [111] متفق عليه رواه البخاري (1/ 149) ومسلم (1/ 419) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فالمصلي إذا قال هذا الذكر واستفتح صلاته بهذا الاستفتاح، فالعبادات القلبية التي ينبغي أن يكون فيها القلب: هو الشعور بطلب المغفرة والتوبة، ولا شك أن المصلي قبل صلاته قد يكون أخطأ -نظر نظرة، أو تكلم بكلام، أو ما شابه ذلك من الخطايا والذنوب، فإذا جاء للصلاة واستفتح صلاته بهذا الدعاء، ليعلم أن هذه توبة، وأنه الآن يتوب ويطلب من الله تبارك وتعالى أن يتوب عليه إذا استفتح بهذا الاستفتاح، وله أيضًا أن يستفتح بصيغة أخرى جاءت بغير طلب التوبة والاستغفار، وهي "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرَكَ "[112]، هذا الاستفتاح يختلف عن الاستفتاح الأول في أنه المعنى الذي فيه هو معنى: التعظيم لله تبارك وتعالى وتنزيه الله عن النقص، فيقول " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ " يعني: ينزه الله تبارك وتعالى مستصحبًا حمده، "وَتَبَارَكَ اسْمُكَ " فيذكر بركة اسم الله تبارك وتعالى، " وَتَعَالَى جَدُّكَ " والجد: هو العظمة "وَلَا إِلَهَ غَيْرَكَ " إعلان التوحيد، فهذه المعاني غير المعاني التي كانت في الاستفتاح السابق، ولهذا ينبغي للمصلي أنه إذا اختار أي صيغة من صيغ الاستفتاح، عليه أن يعلم المعنى المقصود بها، لأنه عندئذ يحضر قلبه إذا أدرك هذا المعنى الذي يقوله، وله أيضًا أن يستفتح بعدد من الاستفتاحات الأخرى التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. [112] رواه أبو داود (1/ 206) وصححه الألباني.

ثم يقول بعد أن يستفتح "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "[113] يعني يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى الاستعاذة هنا: يعني الالتجاء والاعتصام بالله تبارك وتعالى، فالمصلي يعتصم بالله و يلجأ إليه تبارك وتعالى من الشيطان، والشيطان هنا: يشمل كل أنواع الشياطين، ويشمل الشيطان الذي في الصلاة، لأن في الصلاة شيطانٌ يوسوس للإنسان في صلاته ليفسدها عليه، فالمصلي قبل أن يبدأ في مناجاة الله تبارك وتعالى بالفاتحة يتذكر هذا المعنى فيلتجئ إلى الله تبارك وتعالى قائلًا: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، بعد الاستعاذة يبدأ في البسملة قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم ويستحضر معنى البسملة وأنه يبدأ مستعينًا "بسم الله الرحمن الرحيم " في قراءته لهذه السورة العظيمة التي هي سورة الفاتحة. [113] عملًا بعموم قول الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98].

ثم يبدأ في قراءة سورة الفاتحة، والفاتحة هي الصلاة كما جاءت في الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ [الفاتحة: 2]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3﴾ [الفاتحة: 3]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ [الفاتحة: 4]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6 صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ [الفاتحة: 7] [114]. [114] رواه مسلم (1/ 296) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فالفاتحة هي: المناجاة وليعلم المصلي أنه يناجي الله وأن الله تبارك وتعالى يجيبه سبحانه وتعالى، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ " [115]، والمناجاة هي: حديث بين اثنين سرًا، فالمصلي عندما يقول ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ [الفاتحة: 2]، ليعلم أن الله تبارك وتعالى يقول "حَمِدَنِي عَبْدِي "، وجاءت السنة بالوقوف على رؤوس الآيات حتى يستشعر المصلي أن الله تبارك وتعالى يجيبه، ويرد عليه حمده وتمجيده، فعندما يقول المصلي: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ [الفاتحة: 2]، هو يثبت أن الحمد لله، فيحمد الله تبارك وتعالى بكل أنواع المحامد وله الحمد في الأولى والآخرة، والله حَمِدَ نفسه، والحمد هذا يستمر مع المسلم في كل حياته، بل إن الحمد هو: العبادة الأولى التي عُبد الله بها من آدم عليه السلام، كما جاء في الحديث " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا آدَمُ "[116] فهنا المؤمن يستشعر الحمد، وأنه لله، والحمد هو: وصف المحمود بصفات الكمال والجلال والجمال مع الشعور بمحبته وتعظيمه، فالمصلي يعلن هذا الحمد ولذلك سورة الفاتحة جاء من أسمائها سورة الحمد، لأنها بُدأت بالحمد، فالمصلي عندما يبدأ صلاته بالحمد لله ينبغي له أن يستحضر أنه تشرف للدرجة التي وصل فيها إلى أن يناجي الله تبارك وتعالى فيحمده سبحانه. [115] رواه البخاري (1/ 90). [116] رواه الترمذي (5/ 453) حسنه الألباني.

يقول الله تبارك وتعالى إذا قال له العبد: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ [الفاتحة: 2] يقول: "حَمِدَنِي عَبْدِي " فهذا شكر من الله للعبد بهذه العبودية التي قدمها وهي الحمد، أن الله يشكر له ذلك فيعطيه لقب العبودية، فيقول "حَمِدَنِي عَبْدِي " ويتكرر في الفاتحة سبع مرات ينال المؤمن شرف العبودية من الله تعالى، أن يقول الله عز وجل له عبدي ثم بعدها يقول: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3﴾ [الفاتحة: 3] ويقف مستشعراً إجابة الله له "أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي "، ويتذكر فيها المؤمن صفة الرحمة وأن الله رحمان في ذاته، ورحيم بخلقه، ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ 1 عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ 2﴾ [الرحمن: 1-2]، ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ 5﴾ [طه: 5]، فهو الرحمن في ذاته، والرحيم بخلقه، ويتذكر المصلي أن من رحمة الله به أن رَحِمَهُ بهذه الصلاة التي هو فيها، لأن الصلاة رحمة من الله رحم بها هذه الأمة المحمدية، فيقول الله عز وجل إذا قال له العبد: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3﴾ [الفاتحة: 3] "أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي " لأن هذا ثناء بعد الحمد، أولًا الحمد ثم يثني بعد ذلك على الله بأن يثبت له صفة الرحمة في ذاته والرحمة لخلقه، ثم بعدها يقول: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ [الفاتحة: 4] والمالك هو: الذي يملك يوم الدين، فلا أحد يوم القيامة يملك شيئًا إلا الله تبارك وتعالى ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ 16﴾ [غافر: 16].

فالمصلي في وقوفه بين يدي ربه تبارك وتعالى يمجده، أي: يعترف أنه هو الذي له الملك يوم القيامة، فيقول ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ [الفاتحة: 4] وهنا يتذكر المصلي يوم الدين، ويتذكر يوم القيامة فيزداد خشيةً، لأنه كما وقف بين يديه في الدنيا في هذا الموقف سوف يقف بين يديه في الآخرة- في يوم الدين- ولهذا من العلماء من ذكر أن الحمد فيه: اعتراف ومحبة، وأن ذكر رحمة الله فيه الرجاء لما عند الله، وأن الله يملك يوم الدين، وفيه إعلان الخوف منه، فشملت هذه الآيات: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2 ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3 مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ [الفاتحة: 2-4] على أركان العبادة الثلاثة: المحبة من الحمد، والرجاء من تذكر الرحمة، والخوف من تذكر يوم الدين، فيقول المصلي: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾ [الفاتحة: 4] يجيبه الله فيقول "مَجَّدَنِي عَبْدِي " فالاعتراف بملك الله ليوم الدين تمجيدٌ لله، فله المجد والملك الكامل يوم القيامة، فيقول الله تبارك وتعالى "مَجَّدَنِي عَبْدِي " فينال المسلم المصلي هذا الشرف، وهذا الوسام -وسام العبودية وشرف العبودية- من ربه تبارك وتعالى للمرة الثالثة في هذه السورة.

ثم بعدها يبدأ الإعلان: إعلان التوحيد إعلان الإخلاص إعلان المحبة الكاملة، والخضوع التام لإعلان العبودية لله الواحد الأحد، إذا قال المصلي ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5]، العبادة والتعبد: هي الخضوع التام وأعلى درجة من درجات الحب والمحبة، فالمصلي عندما يحمدْ ويثني ويمجدْ يعلن مباشرةً أنه لا يعبد إلا الله وأنه لا يستعين إلا بالله، ويدخل في ذلك كل أنواع العبادات التي يقوم بها المصلي فهو لا يصوم إلا لله، ولا يزكي إلا لله، ولا يحج إلا لله، ولا يتصدق إلا لله، ولا يعمل الأعمال الصالحة كلها التي يبتغي أجرها إلا من لله الواحد الأحد، ومن ذلك هذه الصلاة التي هو فيها، فهو الآن في حالة عبودية بل إنه يصل إلى أعلى مرتبة من مراتب الدين وهي: مرتبة الإحسان.

فيقول لله تبارك وتعالى مخاطبًا إياه بأسلوب الخطاب ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5]، وتقديم إياك هنا على الفعل، للإشارة إلى التخصيص، والخصوص أن هذه العبادة وهذه الاستعانة لا تكون إلا لله وبالله، فيقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5] وهنا أيضًا: يستحضر المسلم الإخلاص لله تبارك وتعالى، وأن الصلاة تعطيه هذا المعنى، المعنى أن يخلص فيه هذه العبادة التي هو فيها، وفي سائر عباداته، ولذلك مما يساعد الإنسان على الإخلاص في غير الصلاة هو إقامة الصلاة، لأنه في كل يوم يكرر أكثر من سبع عشرة مرة ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5]، فيتذكر إخلاصه للمعبود تبارك وتعالى.

إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5]، يجيبه الله تبارك وتعالى بقوله "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " ومعنى قوله "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي " يعني هذه الفاتحة منقسمة لقسمين:

قسم: تمجيد لله تبارك وتعالى وثناء له وإعلان العبودية له.

وقسم: للعبد هو سؤال الله الهداية فيما يأتي من الآيات التي بعد هذه الآية، ومن المعاني في معنى ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5] "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي " أن هذا الذي هو العبادة والاستعانة بين المصلي وبين ربه، فالعبادة أمر قلبي لا يعلمه الناس فهو بين المصلي وبين ربه، فإذا قام العبد بأي أمر أو عبادة لا أحد يعلم أنه يعبد إلا الله، لأنه قد يقوم بهذا العمل مُرَآةٌ للناس، فالذي يعلم أنه يعبد أو لا هو الله جل وعلا، فالعبادة بينك وبين الله لا يعلمها أحد، ولهذا جاء المعنى هنا "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي "، عندما يقول المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة: 5] فالله تبارك وتعالى يقول "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي "، ثم يقول الكريم سبحانه وتعالى: "وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " فيأتي السؤال: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6﴾ [الفاتحة: 6] وهذا هو أعظم سؤال يسأله الإنسان في يومه وليلته بتكرار. أن يهديه الله تبارك وتعالى الصراط المستقيم، والهداية المقصودة هنا في بيان الصراط المستقيم تشمل هداية البيان والدلالة والإرشاد وهداية التوفيق، فالمصلى يسأل الله جل وعلا أن يبين له الطريق المستقيم حتى يعرفه، هذه هداية بيان وعلم ودلالة ثم يسأله تبارك وتعالى أن يهديه لأن يكون على الصراط المستقيم يعني هداية التوفيق.

والصراط المستقيم: هو الطريق الواضح البين الموصل إلى رضوان الله تبارك وتعالى، وهو يشمل الإسلام كله، والأوامر والنواهي، وكل ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وذلك هو التوفيق في الحياة.

وسؤال الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن سؤال التوفيق في أقواله وفي أفعاله وفي إيراداته وفي أفكاره وفي تصوراته في حياته كلها، فهو يبدأ صلاة الفجر بأن يسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقه في يومه ذلك إلى الصراط المستقيم، وفي كل صلاة هو يسأل ربه تبارك وتعالى التوفيق فيما بعدها من أعمال، والإنسان محتاج في كل لحظة أن يكون على الصراط المستقيم، والله جل وعلا هو الذي يهدي فلا هادي إلا الله، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 54﴾ [الحج: 54] فالهداية إلى الصراط المستقيم يسألها المصلي ربه في كل صلاة قائلًا: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6﴾ [الفاتحة: 6] ثم يُعَّرِفْ هذا الصراط: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الفاتحة: 7] والذين أنعم الله عليهم: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون كما قال الله تعالى في سورة النساء ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا 69 ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا 70﴾ [النساء: 69-70] فالمؤمن المصلي يريد هذا الصراط، يريد أن يكون مع الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين ويكرر هذا المعنى.

ولا تسأل عن الهمة العالية التي يأخذها المسلم إذا طلب أن يكون على ذلك الصراط المستقيم، ولا تسأل عن القوة النفسية الكبيرة له في العلم والدعوة والتربية والحياة عمومًا، إذا تذكر أنه يريد أن يكون على ذلك الصراط المستقيم، ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6 صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ [الفاتحة: 7]، فهناك قسم آخر غير الذين أنعم الله عليهم قسم غضب الله عليهم، وقسم ضلوا عن الصراط.

القسم الذي غضب الله عليهم: هم الذين عندهم علم فلم يعملوا به مثل: اليهود.

والقسم الذي ضلوا عن الصراط: هم الذين ليس عندهم علم وإنما عبد الله على جهالة مثل: النصارى، فالمسلم في كل حياته لا يريد أن يكون مثل اليهود، ولا النصارى.

فإذا قال العبد: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ [الفاتحة: 7] يقول الله تبارك وتعالى "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " الله أكبر ما هو هذا؟ الهداية تكون لهذا العبد الذي سأل الله عز وجل هذا الأمر.

ولذلك العبادة القلبية التي ينبغي أن يستصحبها المصلي هنا هي عبادة الرجاء، والرجاء: هو ظن حصول ما فيه مسرة للعبد، يعني: أن يظن أن الأمر الذي يطلبه كأنه قد حصل عليه، فإذا قال المصلي: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ [الفاتحة: 7] يسأل الله عز وجل الهداية ويعلم أن الله كريم لا يرده، وأنه مجيب سوف يجيبه، وأنه سميع يسمع دعاءه، وأن الله قريب منه تبارك وتعالى فيضع في قلبه أن الله سوف يعطيه هذه الهداية، فكيف تكون قراءة الفاتحة عندئذ!؟، وكيف تكون هذه الركعة!؟ عندما يستشعر المصلي فيها أنه مهتدٍ وأنه على الصراط المستقيم، وأن الله تبارك وتعالى سوف يهديه لا شك لأنه يرجوا الكريم والكريم قال "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " ثم يقول: أمين، وهي ليست من الفاتحة، ومعناها: اللهم استجب، يقولها وهو يعلم أن هذا دعاء وأنه يؤمن عليه.

بعد الفاتحة يقرأ المصلي سورة أو ما تيسر من القرآن، والقرآن كلام الله جل وعلا ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 6] فعندما يقرأ المصلي يعلم أن الله تبارك وتعالى تلقاء وجهه، وأنه يسمع تلاوته، وأنه تبارك وتعالى يعطيه ويجيبه ويكرمه، لابد أن يصاحب ذلك تدبر ما يتلوه، واستحضار هذه الحالة حالة الصلاة أنه الآن قريب من الله تبارك وتعالى، فالمصلي كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ المُــــــؤْمِنَ إِذَا كَـــــانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِـــــي رَبَّهُ " [117]. [117] متفق عليه رواه البخاري (1/ 90) ومسلم (1/ 390).

فقراءته في الصلاة غير قراءته خارجها، لأنه الآن قريب من ربه تبارك وتعالى كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ " [118] فهذه الصلوات: هي حالات القرب من الله، فالقرآن في الصلاة له شأن آخر، لأن المصلي في داخل الصلاة في مناجاة مع الله تبارك وتعالى فعندما يقرأ كلامه يستحضر معانيه يتدبر ما يتلوا ويقرأ. [118] رواه البخاري (8/ 105).

ثم يكبر، ينتقل إلى ركن الركوع بالتكبير، رافعًا يديه تعظيمًا وإجلالًا قائلًا: "الله أكبر " ويبدأ في الركوع.

والركوع هو: هيئة التعظيم لله تبارك وتعالى، ولذلك جاء الذكر الذي فيه "سبحان ربي العظيم " [119]، والتسبيح هو: التنزيه، والتنزيه نفي النقص عن الله سبحانه وتعالى، فإذا قال العبد "سبحان ربي العظيم " يعلم أنه هو الآن ينزه الله تبارك وتعالى عن كل نقص، ويثبت له كمال الحمد، فيقول: "سبحان ربي العظيم " [120]وله أن يقول كما جاءت في أذكار الركوع "سبحان ربي العظيم وبحمده "[121]يعني يستصحب الحمد مع التسبيح وله أيضًا: أن يقول ما جاءت من أذكار أخرى مثل: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي "[122]ومثل: " سبوح قدوس رب الملائكة والروح "[123]فهذه كلها من الأذكار التي في الركوع تعطي هذا المعنى الذي هو فيه معنى التعظيم بهذه الهيئة هيئة الركوع. [119] رواه ابن ماجه (1/ 287) من حديث حذيفة اليمان رضي الله عنه. [120] رواه مسلم (1/ 536) من حديث عائشة رضي الله عنها. [121] رواه أبو داود (1/ 230) وصححه الألباني. [122] متفق عليه رواه البخاري (1/ 163) ومسلم (1/ 350) من حديث عائشة رضي الله عنها. [123] رواه مسلم (1/ 353) من حديث عائشة رضي الله عنها.

ثم يرفع قائلًا "سمع الله لمن حمده "، يعني استجاب الله لمن يحمده، فهذا الحمد الذي بعد الرفع من الركوع هذا حمدٌ مستجابٌ، ولذلك بعدها بعد أن يرفع ويعتدل يقول: "اللهم ربنا لك الحمد " أو "ربنا ولك الحمد " أو "ربنا لك الحمد " وله أيضًا أن يطيل في هذا الحمد والثناء "اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السماء ومن الأرض ومن ما بينهما ومن ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " هذه الحالة حالة الاعتدال هي ركن من أركان الصلاة، فكما أن الركوع ركن، والرفع منه ركن، فحالة الاعتدال هي ركن من أركان الصلاة، فيجب فيها الطمأنينة الكاملة، ويجب فيها الحمد والثناء على الله تبارك وتعالى حال القيام مرة أخرى، لأن المصلي ركع لله وعظمه ثم يرفع بعد ذلك يثني عليه تبارك وتعالى بهذا الثناء، فينبغي أن يستصحب الأقوال التي يقولها في الحمد والثناء شعور عظيم بالقلب، ولهذا لابد أن يطيل في هذا الركن كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم ينتقل بعد الاعتدال من الركوع إلى الركن الأعظم وهو ركن السجود، ينتقل بالتكبير قائلًا: "الله أكبر " ثم يسجد على الأعضاء السبعة كما جاءت في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحالة السجود هي: حالة القرب من الله، حيث يكون المصلي في منتهى الذل للواحد الأحد، فيضع أشرف شيء فيه وهو أنفه وجبهته، يضعهما في الأرض في الأسفل؟! للأعلى سبحانه وتعالى، ولهذا يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى ".

والعبد في حالة السجود: ينزه الله تبارك وتعالى، وينفي عنه النقص ويثبت له كمال الحمد، يقول "سبحان ربي الاعلى وبحمده " ويتذكر أن الله تبارك وتعالى هو: الأعلى، فالمصلى في الأسفل والله جل وعلا الأعلى، فيتذكر علو الله جل وعلا ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى 1 ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ 2﴾ [الأعلى: 1-2]

فالمصلي في هذه يتذكر علو الله جل وعلا فإذا تذكر هذا وعلم ما يقوله من التسبيح تذكر أنه قريب من الله، وحالة السجود هي القرب الأعظم من الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله عنه "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ "[124] وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ " [125] لأن المصلي إذا كان قريبًا من الله تبارك وتعالى، ويشعر بأنه قريب من الكريم، قريب من الغني، قريب من الجواد، قريب من الوهاب سبحانه تعالى، فيتذكر سؤاله لله فيسأل الله جل وعلا، يسأله بكل حاجاته - ما يريده في الدنيا والآخرة- وله أن يسأل أيضًا: بما جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أدعية مثل أن يقول: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " [126] وله أن يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وعلانيته وسره " [127] وله أن يطلب من حاجاته، فهو في حالة قرب. [124] رواه مسلم (1/ 350). [125] رواه مسلم (1/ 348). [126] رواه البخاري (1/ 166) [127] رواه مسلم (1/ 350)

ثم يرفع من سجوده إلى الجلسة بين السجدتين يرفع بأن يقول: "الله أكبر " يرفع بالتكبير، لأن التكبير يعيد العظمة في قلب المصلي، فيقول "الله أكبر " حالة الرفع من السجود، ثم يجلس الجلسة بين السجدتين، وهي ركن من أركان الصلاة يجب فيها الطمأنينة الكاملة، ويجب أن يكون القلب حاضرًا لأنه في جلسة عظيمة بين يدي الله تبارك وتعالى جاثيًا على ركبتيه وواضعًا يديه على فخذيه، ويسأل ربه تبارك وتعالى الذي هو قريب منه، يراه.. يسمعه.. يعطيه سؤله.. يكرمه.

فيبدأ العبد يسأل سؤال المغفرة يقول رب اغفر لي ربي اغفر لي ربي اغفر لي.

والمغفرة تعني: الستر، ستر الذنوب والعيوب والصفح عنها، وعدم المؤاخذة بها وعدم المحاسبة عليها في الآخرة، وعدم الفضيحة بها.

فالإنسان في خارج الصلاة يرتكب كثيرًا من الذنوب والأخطاء التي يراها الله تبارك وتعالى ويعلمها، والتي تكتبها الملائكة عليه، فإذا جاء في صلاته في جلسته بين السجدتين، تذكر تلك الذنوب، وتذكر حاجته للمغفرة، فيسأل الله جل وعلا أن يغفر له، ولذلك جاء أكثر ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس بين السجدتين أن يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي[128] يكرر هذا، وله أيضًا: أن يطلب في هذه الجلسة العظيمة مع المغفرة الرحمة ويطلب الرزق ويطلب العافية ويطلب الهداية ويطلب الرفعة ويطلب جبر النقص وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في طلبات الجلوس بين السجدتين: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي وَارْفَعْنِي [129] فهذا الدعاء بهذه الطلبات السبعة تفصيل لإجمال ما يريده المسلم من ربه تبارك وتعالى، فالمغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق وجبر النقص والرفعة، تشتمل على كل ما يريده الإنسان في دنياه وأُخراه، ولذلك إذا غفر الله لك، ورحمك، وهداك، وعافاك، ورزقك، وجبر نقصك، ورفعك فقد أعطاك سعادة الدنيا والآخرة. وهذا الجلوس عظيم في أن تجلس بين يدي الله تبارك وتعالى سائلًا، وأن تقتدي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، تسأله بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول أنس رضي الله تعالى عنه في حالة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم بين السجدتين يقول: "وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَوْهَمَ "[130]، يعني من إطالته وطمأنينته فيها حتى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يظنون أنه قد أوهم أي قد نسي -وما نسي صلى الله عليه وسلم؛ لكنه في هذا الركن العظيم يُعَلِّم الأمة ويعلمنا أن نغتنم هذه اللحظات الثمينة في صلاتنا. [128] رواه ابن ماجه (1/ 289) وصححه الألباني. [129] رواه أحمد (31/ 479) وأبو داود (1/ 224) وابن ماجه (1/ 290) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وجود إسناده الألباني. [130] رواه مسلم (1/ 344) من حديث أنس رضي الله عنه.

ثم يكبر المصلي مرة أخرى، ويسجد مسبحًا ربه الأعلى ثم يرفع ويقوم إلى الركعة الثانية، فيفعل بها كما كان يفعل في الركعة الأولى مستحضرًا ومستشعرًا كل ما يقوله ويفعله حتى يحضر قلبه فيشعر بلذة الصلاة.

ثم يجلس جلسة التشهد أو جلسة التحيات وهي جلسةُ تحيةٍ وإجلالٍ فالمصلي يقول التحيات لله والصلوات والطيبات، وهذه فيها تعظيم الله وإجلال له، فالتحيات جمع تحية ومعناها التعظيم، والمصلي يعترف أن التحيات كلها لله، الالف واللام في لفظ التحيات للاستغراق، فتستغرق جميع أنواع التحايا، فكل تكبير وتسبيح وركوع وسجود لله، فكل أنواع التحيات يستحضرها المسلم أنها إنما تكون لله تبارك وتعالى.

يقول العبد التحيات لله والصلوات والطيبات: فكل أنواع الصلوات (الفرائض والنوافل) بكل ما فيها تعظيمٌ لله تبارك وتعالى.

المصلي يعترف بها فيقول الصلوات لله، والصلوات التي تصليها كل المخلوقات إنما هي لله تبارك وتعالى. فهنا الصلوات الالف واللام للاستغراق كل أنواع الصلوات.

يقول العبد التحيات لله والصلوات والطيبات: والطيبات كلها لله ﴿إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ﴾ [فاطر: 10] فالمصلي هنا يعظم الله تبارك وتعالى باعترافه أن الطيبات كلها له، ثم يقول بعدها "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " وهذه تحية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا شك أن أعظم من تكون له المحبة هو الله، وبعد محبة الله جل وعلا تأتي محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه المحبة تتجدد في كل صلاة يصليها المسلم، يتجدد حبه لله تعالى وحبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 31﴾ [آل عمران: 31] فمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تظهر في الصلاة وتتجدد مع كل صلاة بالشعور بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم، فالمصلي يسلم على رسول الله يقول: "السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته فالمعنى أن يستحضر أنه يسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، والسلام: هو الله، فعندما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي " هذا دعاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعاء لدعوته، ودعاء لأمته، ودعاء له أن يسلمه الله، فيقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله " أيضًا: دعاء بالرحمة أن تكون رحمة الله مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يرحم دعوته، "ورحمة الله وبركاته " البركة: التي هي كثرة الخيرات، فالمصلي يدعو الله تبارك وتعالى الذي هو السلام أن البركة على نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أمته وعلى دعوته، فتكون أمته مباركة وتكون دعوته مباركة، وهذا لا شك أن المسلم يشعر بالسلام عليه بمزيد من المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستحضر أنه في كل صلاة يصليها يسلم على رسوله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، ويسلم على رسوله صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني، ماذا يكون حال المصلي الذي يكثر من السلام على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة!؟ لا شك أن هذا الأثر العظيم الذي هو أثر زيادة محبة النبي صلى الله عليه وسلم، يجعل المصلي بعد الصلاة يكون متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهديه ولسنته، لأنه أكثر من إعلان محبته بالسلام، فينبغي له أن يكثر من تحري هديه صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة.

ثم يقول بعدها "السلام علينا " السلام هو الله، فالمصلي يقول السلام علينا، يعني: المصلي نفسه ومن معه، فيقول "السلام علينا " يعني الله تبارك وتعالى الذي هو السلام يكون معي يسلمني، يهديني، يسددني، يوفقني، يستشعر معنى: الأمان والاطمئنان بأن يقول "السلام علينا " ولا شك أن المسلم إذا شعر في صلاته أن الله تبارك وتعالى معه شَعُرَ بطمأنينة عظيمة، وسلام وأمان داخلي عظيم، لأنه يستشعر أن السلام تبارك وتعالى معه.

ثم بعد تعظيم الله بالتحيات لله، والصلوات له، والطيبات له والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام يسلم الإنسان على نفسه، فالمسلم ليس عنده أنانية يريد أن يكون الله معه، ومع جميع العباد الصالحين، فإذا قال هذه الدعوة أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، من الملائكة والمؤمنين من الجن والأنس، فالمؤمن يزداد حبًا في نشر الخير ونشر السلام، فيستحضر محبته لكل من يشترك معه في صفة الصلاح.

ثم بعد هذه التحايا والتعظيم والدعاء بالسلام للنفس وللآخرين يأتي إعلان التوحيد والشهادة، فيقول بعدها "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله " وهذه الشهادة هي الاعتراف والاعتقاد الجازم بأنه لا إله إلا الله، وقول "أشهد " إشارة إلى أن المصلي وصل بهذه العبادة إلى درجة الإحسان، فهو يَقِرُّ ويعترف يقينًا أنه لا إله لهذا الكون، ولا رب له إلا الواحد الأحد سبحانه وتعالى، فيستحضر معنى التوحيد الخالص لله جل وعلا والاعتقاد الجازم بأنه لا إله إلا الله.

ثم يقول المصلي وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهنا يتذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويثبت له الشهادة بأنه رسول من الله، أرسله للناس بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

وبهذا يعلم أن المصلي في كل صلاة يجدد توحيده لله جل وعلا، فأول ركن من أركان دين الإسلام هو أن يقول أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فالمصلى في كل صلاة إذا جلس في تحياته وتشهده يعلن هذا التوحيد وهذا التشهد، وينبغي للمسلم أن يلاحظ في صلاته أن إسلامه يتجدد، ويجدد العهد على التوحيد مع الله تبارك وتعالى.

ثم يشرع المصلي في التشهد الأخير بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه من زيادة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المصلين يصلون عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الثناء عليه في الملأ الأعلى فيقول المصلي: "اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " فهنا المصلي يطلب من الله تبارك وتعالى أن يثني عليه وعلى آله بالرحمة لهم في الملأ الأعلى، ويستحضر نبي الله إبراهيم عليه السلام أنه كما أن الله تعالى صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فالمؤمن يقول : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصل على محمد وعلى آله. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" والبركة تعني: كثرة الخيرات، فالمصلي يطلب من الله الكريم سبحانه وتعالى أن يبارك في نبيه صلى الله عليه وسلم وفي أمته وفي دعوته، وأن يبارك في أهله فتكثر الخيرات لهذه الأمة، والاعتراف بأن الله تبارك وتعالى حميد وحامد لعباده تبارك وتعالى، له الحمد كله، وأنه مجيد والمجد وهو: العظمة وكمال السلطان.

ثم يبدأ المصلي يدعو الله تبارك وتعالى بما شاء، قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء "[131] أو "يتخير من الدعاء أعجبه إليه "[132] فيدعو بما ورد ويستعيذ "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال"[133] فهذا الدعاء جمع أصول الفتن العظام كلها جهنم أجارنا الله وإياكم منها، والقبر وعذابه، وفتنة المحيا ما يكون للإنسان من فتن في حياته، وما يحصل له عند الموت، ومن فتنة المسيح الدجال، فهنا هذه الاستعاذة ينبغي أن يصاحبها حالة الرجاء، أن الإنسان إذا استعاذ بالله يغِّلب أن الله تبارك وتعالى سوف يعيذه من هذه الأمور، ولا تسأل عن حالة المصلي وسعادته إذا شَعُرَ في كل صلاة أنه سوف ينجو من النار، ويؤمن من الفتن في الدنيا ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، فيعيش حياته معتصمًا بالله تبارك وتعالى مستوثقًا بقدرة الله جل وعلا وبحبله المتين. وله أيضًا أن يدعو بما جاءت من أدعية مثل "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " [134] وهذا يشمل خيرات الدنيا والآخرة. [131] رواه مسلم (1/ 301) [132] رواه البخاري (1/ 167) [133] رواه مسلم (1/ 412) [134] متفق عليه رواه البخاري (6/ 28) ومسلم (4/ 2071).

وله أن يدعو أيضًا: بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما قال: يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك "[135] وهذا الدعاء فيه من المعنى الشيء العظيم، يجعل المسلم دائمًا مرتبطًا بصلواته وبدعائه وعبادته، لأنه يريد من الله الذي وفقه لهذه الصلاة وهو في ختامها أن يعيده مرة أخرى لصلاته، وأن يعينه على الذكر وأن يعينه على الشكر، وأن يعينه على إحسان العبادة، فالله تبارك وتعالى هو الذي يعين. [135] رواه أبو داود (2/ 86) صححه الألباني.

ثم يختم المصلي صلاته بالسلام قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله " ومن معاني السلام نية الخروج من الصلاة بالسلام وأيضًا نية السلام على من بجواره من المصلين، ونية السلام على الملائكة الذين معه والملائكة الذين يحضرون صلاته.

المصادر

القرآن الكريم.

كتاب العين، المؤلف: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170هـ) المحقق: د مهدي المخزومي،

د إبراهيم السامرائي الناشر: دار ومكتبة الهلال عدد الأجزاء: 8.

المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (المتوفى: نحو 770هـ) الناشر: المكتبة العلمية – بيروت عدد الأجزاء: 2.

المفردات في غريب القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: 502هـ) المحقق: صفوان عدنان الداودي الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت الطبعة: الأولى - 1412 هـ.

تهذيب اللغة، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ) المحقق: محمد عوض مرعب الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعة: الأولى، 2001م، عدد الأجزاء: 8.

النهاية في غريب الحديث والأثر، المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: 606هـ) الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، 1399هـ - 1979م تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي عدد الأجزاء: 5.

صحيح البخاري، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ عدد الأجزاء: 9.

لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)، الناشر: دار صادر – بيروت - الطبعة: الثالثة - 1414 هـ، عدد الأجزاء: 15.

صحيح مسلم، المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، عدد الأجزاء: 5.

مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م.

المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، الطبعة: الثانية، 1406 – 1986، عدد الأجزاء: 9.

السنن الكبرى، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م

سنن الترمذي المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ) تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م، عدد الأجزاء: 5.

سنن ابن ماجه، المؤلف: ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي، عدد الأجزاء: 2.

كشاف القناع عن متن الإقناع، المؤلف: منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، عدد الأجزاء:6.

الشرح الممتع على زاد المستقنع، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)، دار النشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الأولى، 1422 - 1428 هـ، عدد الأجزاء: 15.

المعجم الأوسط، المؤلف: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين – القاهرة، عدد الأجزاء: 10.

المعجم الكبير، المؤلف: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية د/ سعد بن عبد الله الحميد ود/ خالد بن عبد الرحمن الجريسي، عدد الأجزاء: 2.

شعب الإيمان، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، 1423 هـ - 2003 م، عدد الأجزاء: 14.

صحيح ابن حبان، المؤلف: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الثانية، 1414 – 1993، عدد الأجزاء: 18.

نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، المؤلف: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (المتوفى: نحو 320هـ)، المحقق: عبد الرحمن عميرة، الناشر: دار الجيل – بيروت، عدد الأجزاء: 4.

صحيح الترغيب والترهيب، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتَبة المَعارف لِلنَشْرِ والتوزيْع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م، عدد الأجزاء: 3.

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ) الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف)، عدد الأجزاء: 6

صحيح الجامع الصغير وزياداته المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي عدد الأجزاء: 2.

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420هـ)، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية 1405 هـ - 1985م، عدد الأجزاء: 9.

سنن أبي داود، المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، عدد الأجزاء: 4.

السيرة النبوية، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، عام النشر: 1395 هـ - 1976 م.

تاريخ دمشق، المؤلف: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: 571هـ)، المحقق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 هـ - 1995 م، عدد الأجزاء: 80

سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ / 1985 م، عدد الأجزاء: 2.

مسند أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقواله على أبواب العلم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، المحقق: عبد المعطي قلعجي، دار النشر: دار الوفاء – المنصورة، الطبعة: الأولى، 1411هـ - 1991م، عدد الأجزاء: 2.

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394هـ - 1974م، عدد الأجزاء: 10.

الطبقات الكبرى، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (المتوفى: 230هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1410 هـ - 1990 م، عدد الأجزاء: 8.

تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، (صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)، الناشر: دار التراث – بيروت، الطبعة: الثانية - 1387 هـ، عدد الأجزاء: 11.

حياة الصحابة، المؤلف: محمد يوسف بن محمد إلياس بن محمد إسماعيل الكاندهلوي (المتوفى: 1384هـ) حققه، وضبط نصه، وعلق عليه: الدكتور بشار عوّاد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م، عدد الأجزاء: 5.

الروض الداني (المعجم الصغير)، المؤلف: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، المحقق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، الناشر: المكتب الإسلامي، دار عمار - بيروت، عمان، الطبعة: الأولى، 1405 – 1985عدد الأجزاء: 2.

تفسير الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1422 هـ - 2001 م، عدد الأجزاء: 26.

الفردوس بمأثور الخطاب، المؤلف: شيرويه بن شهردار بن شيرو يه بن فناخسرو، أبو شجاع الديلميّ الهمذاني (المتوفى: 509هـ)، المحقق: السعيد بن بسيوني زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986م، عدد الأجزاء: 5.

مجموع الفتاوى، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: 1416هـ/1995.

المصنف، المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211هـ)، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي- بيروت الطبعة: الثانية، 1403، عدد الأجزاء: 11.

منزلة الصلاة في الإسلام - المفهوم، والحكم، والمنزلة، والخصائص، وحكم الترك، والفضائل في ضوء الكتاب والسنة، المؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني الناشر: مطبعة سفير، الرياض توزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض عدد الأجزاء: 1.

السيرة النبوية (من البداية والنهاية لابن كثير)، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، عام النشر: 1395 هـ - 1976 م.

البداية والنهاية، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م، سنة النشر: 1424هـ / 2003م، عدد الأجزاء:21.

القاموس المحيط، المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادى (المتوفى: 817هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الثامنة، 1426 هـ - 2005 م، عدد الأجزاء: 1.

معجم مقاييس اللغة، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ - 1979م، عدد الأجزاء: 6.

أسرار الصلاة، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية، المتوفى: 751ه، المحقق: أبي عبيدة الوليد بن محمد بن سلامة بن عبد الغني، الناشر مكتبة المسلم، ومكتبة ابن الإسلام، القاهرة – مصر، الطبعة: الأولى 1428-2007، عدد الأجزاء1.

ديوان السهروردي، لشهاب الدين أبو الفتوح يحي بن حبش السهروردي، تحقيق كامل مصطفى الشيبي، الناشر: مطبعة الرفاه 2005م، عدد الأجزاء: 1.

معجم اللغة العربية المعاصرة، المؤلف: د أحمد مختار عبد الحميد عمر (المتوفى: 1424هـ)، الناشر: عالم الكتب، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م، عدد الأجزاء: 4.

الدر المنثور، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، الناشر: دار الفكر – بيروت، عدد الأجزاء: 8.