ينبغي لمن أراد أن يتعبَّد للَّه تعالى بعبادة أن يتعلَّم هَدْيَ النبي ﷺ فيها؛ ليكون عمله موافقًا للسُّنَّة، وقد كان النبي ﷺ يَحُثُّ الناس على اتِّباعِهِ والاهتِداءِ بِهَديِه؛ فعن مالك بن الحُوَيرِثِ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [5].[5] رواه البخاري، برقم (6008).
وعن جابرٍ رضي الله عنه قال:«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» [6].[6] رواه مسلم، برقم (1297).
***
ثالثًا: فَضلُ العُمرَة
للعمرة فضلان: عامٌّ وخاصٌّ
فالعام:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:«الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» [7].[7] رواه البخاري، برقم (1773)، ومسلم، برقم (1349).
فمن مَرَّ بأحدِها ناويًا الحجَّ أو العمرة: وجب عليه الإحرام منه، ولم يَجُزْ له تجاوزه دون إحرام.
ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المَواقِيت: فإنَّ ميقاته مكانه؛ فيُحرِمُ منه للحجِّ والعمرة.
وأمَّا أهل مكة ومن نَوَى الإحرام منها: فيُحرِمونَ للحجِّ من مكة، وأمَّا العمرة: فإنَّهم يخرجون إلى الحِلِّ ويُحرِمونَ منه، كالتَّنعِيمِ ونحوه.
ومن كان في طائرة: فإنَّه يُحرِمُ إذا حَاذَى المِيقات، فيتأهَّبُ ويلبس ثياب الإحرام قبل مُحاذاةِ المِيقات، فإذا حاذاهُ نَوَى الإحرام في الحال، ولا يجوز له تأخيره إلى أن يَهبِطَ في المطار، ويمكن له أن يحتاط فَيُلَبِّيَ قبل مُحاذاة المِيقات خَشيَةَ فوات مكان التَّلبية؛ لسرعة الطائرة.
ثانيًا: صِفَةُ الإحرامِ وأحْكامُه:
يُشرَعُ لِمُرِيدِ الإحرامِ ما يلي:
1. الاغتسال، وهو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ في حقِّ الرجال والنساء حتى الحائض والنُّفَساء.
2. التَّطَيُّبُ بأطيَبِ ما يجد من دُهنِ عُودٍ أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام. وأمَّا المرأة فلا يجوز لها التَّطَيُّبُ بما له رائحة؛ لئلَّا يَشُمَّها الرجال الأجانب.
3. لبس ثياب الإحرام، وهي إزارٌ ورِداءٌ، والسُّنَّةُ أن يكونا أبيضين نظيفين أو جديدين. وتُحرِمُ المرأة فيما شاءت من اللِّباس غير مُتَبَرِّجَةٍ بزينة، إلَّا أنَّها تجتنب لبس النِّقاب والقُفَّازَين، وتُغَطِّي وجهها ويديها بغير ذلك.
4. ويُسَنُّ الإحرام عَقِبَ صلاةٍ فريضة كانت أو نافلة.
فيقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمرَة)، وإذا كان معتمرًا عن غيره فيقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمرَةً عَن فُلان).
وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائقٍ يعوقه عن إتمام نُسُكِهِ فينبغي له أن يشترط عند الإحرام فيقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمرَةً، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي) فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نُسُكِهِ فإنَّه يَحِلُّ ولا شيء عليه.
ثمَّ يُكثِرُ من التَّلبية: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ)[11]، يرفع الرجل صوته بذلك، وكذلك المرأة؛ ما لم تكن بحضرة رجال أجانب. وينبغي للمُحرِمِ أن يكثر من التلبية خصوصًا عند تغير الأحوال والأزمان مثل أن يعلو مرتفعًا، أو ينزل منخفضًا، أو يُقبِلَ اللَّيل أو النَّهار.[11] معنى قول الإنسان: (لبيك) أي إجابة لك يا رب، مرَّة بعد أخرى، ومعناها: إجابة الإنسان ربه وأقامته على طاعته. "إنَّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك" الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فإذا كرَّر صار ثناء. والنِّعمة: هي ما يتفضل الله به على عباده من حصول المطلوب ودفع المكروه، وقوله: (المُلك) يعني والملك لك، فاللَّه تبارك وتعالى هو المالك وحده، وقوله: (لا شريك لك) أي لا أحد يشاركك بما يختص باللَّه عزَّ وجلَّ من صفاته الكاملة بما في ذلك انفراده بالملك والخلق والتدبير والألوهية. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (22/ 96) ملخَّصًا.
التَّلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبتدئ بالطواف.
يجب على المُحرِمِ الحذر من الوقوع في شيء من محظورات الإحرام حتى يتحلَّلَ من إحرامه.
ثالثًا: صِفَةُ الطَّواف
إذا دخل المُحرِمُ المسجد الحرام سُنَّ له أن يقدِّم رجله اليمنى ويقول دعاء دخول المسجد، ومِن أصحِّ ما ورد في ذلك أن يقول: "اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وهذا الدعاء يقوله عند دخول أي مسجد، وليس خاصًا بالمسجد الحرام.
فإذا أراد أن يَشرَعَ في الطواف فإنَّه يقطع التلبية، ويَضْطَبِع، وصفة الاضْطِباع: أن يجعل وسط ردائه داخل إبطِهِ الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف؛ لأنَّ الاضْطِباع محلُّه الطواف فقط.
ثمَّ يتقدَّم إلى الحجر الأسود فيستلم الحجر بيده اليمنى ويُقَبِّلُه، فإن لم يتيسَّر له تقبيله استلمه بيده، وقَبَّلَ يده، فإن لم يتيسَّر له استلامه بيده، استلمه بشيء معه كعصى ونحوها وقَبَّلَه، فإن لم يتيسَّر له فإنَّه يستقبِل الحجر ويشير إليه بيده إشارة ولا يُقَبِّلُها، والأفضل ألَّا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذَّى بهم.
ويقول عند استلام الحجر أو الإشارة إليه: (اللهُ أَكْبَرُ).
ثمَّ يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره، فإذا بلغ الرُّكن اليَمانِي استلمه من غير تقبيل، فإن لم يتيسَّر فلا يزاحم عليه، ولا يُشِير إليه.
ويقول بين الرُّكن اليَمانِي وبين الحجر الأسود:﴿... رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾[البقرة:201].
وكلما مَرّ بالحجر الأسود أشار إليه بيده وقال: (اللهُ أَكْبَرُ).
ويقول في بقيَّة طوافه ما أحبَّ من ذِكرٍ ودُعاءٍ وقراءة قرآن.
والسُّنَّةُ أن يَرْمُلَ في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والرَّمَلُ: إسراعُ المشي مع مقاربة الخطوات، وأمَّا الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رَمَلٌ، وإنَّما يمشي كعادته.
ثمَّ ينزل من الصفا إلى المروة ماشيًا، فإذا بَلَغَ العَلَم الأخضر سعى سعيًا شديدًا، فإذا بلغ العلم الأخضر الثاني مشى كعادته، ولا يُشرَعُ السعي الشديد للنساء.
فإذا وصل إلى المروة شُرِعَ له أن يفعل ما فعله على الصفا (فقرة رقم 2).
ثمَّ ينزل من المروة إلى الصفا ماشيًا، فإذا بَلَغَ العَلَم الأخضر سعى سعيًا شديدًا، فإذا بَلَغَ العَلَم الأخضر الثاني مشى كعادته.
وهكذا حتى يُكمِل سبعة أشواط، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر.
ويقول في سعيه ما أحبَّ من ذِكرٍ ودُعاءٍ وقراءة.
خامسًا: صِفَةُ الحَلْقِ والتَّقْصِير:
فإذا أتمَّ المعتمر طوافه وسعيه وجب عليه أن يحلق رأسه أو يُقَصِّرَ منه إن كان رجلاً، والسُّنَّةُ أن يكون الحلق أو التقصير شاملاً لجميع الرأس.
والحلق أفضل من التقصير، إلَّا أن يكون وقت الحجِّ قريبًا بحيث لا يتَّسع لِنَبات شعر الرأس؛ فإنَّ الأفضل الاقتصار على التقصير.
وأمَّا المرأة فإنَّها تُقَصِّرُ من أطراف شعرها قَدْرَ أُنْمُلَة.
مَحظوراتُ الإِحرام
مَحظوراتُ الِإحرامِ هي:
1. حَلْقُ الشَّعْرِ أو قَصُّهُ أو نَتْفُهُ، مِن أيِّ مَوضِعٍ مِن بَدَنِه.
2. قَصُّ الأظْفارِ كُلِّها أو بَعضِها مِنَ الرِّجلينِ أو اليَدَين.
3. تَغطِيَةُ الرَّأسِ بِمُلاصِقٍ له، مِثلِ: الطَّاقِيَّةِ، والغُتْرَةِ، والعِمامَةِ، وَوَضْعِ الرِّداءِ على رَأسِهِ، أو وَضعِ مِندِيلٍ، أو بَطَّانِيَةٍ، أو كَرْتُونٍ، أو غَيرِ ذلكَ مِمَّا يُقصَدُ بِهِ التَّغطِيَةُ. وهذا خاصٌّ بِالرِّجالِ دُونَ النِّساء.
أ. لُبسُ النِّقابِ أو البُرْقُعِ أو اللِّثامِ المُشابِهِ لِلنِّقابِ، ويجبُ عليها تَغطِيَةُ وجْهِها عند الرِّجالِ الأجانِبِ بِالغِطاءِ المُعتادِ لِلوجه؛ ولو مَسَّ الغِطاءُ وجْهَها، ولا يُشْرَعُ لها وَضْعُ عِصابَةٍ – أو نحوها- على رأسِها لِغرضِ عدم مُماسَّةِ الغِطاءِ لِلوَجه؛ لِعدمِ ما يَدُلُّ على مَشرُوعِيَّةِ ذلك.
ب. لُبسُ القُفَّازَيْنِ في يَدَيها، ويجب عليها تغطية يديها عند الرِّجالِ الأجانِبِ بِوَضْعِها داخل عَباءَتِها.
5.التَّطَيُّبُ في البَدَنِ، أو لِباسِ الإحرام.
6. قَتلُ صَيدِ البَرِّ، أو اصطِيادُهُ وإن لَم يَقْتُلْه.
7. الخِطْبَةُ، لِنَفسِهِ أو لِغَيرِه.
8. عَقْدُ النِّكاح.
9. المُباشَرَةُ فيما دون الفَرْجِ؛ كَتَقبِيلٍ، ولَمسٍ بشهوة.