صلاتنا الخاشعة

صلاتنا الخاشعة

صلاتنا الخاشعة

اللغة: العربية
إعداد: عبد الكريم بن عوض السلمي
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

صلاتنا الخاشعة

تأليف

عبد الكريم بن عوض السلمي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فلا يخفى على أحد من المسلمين أهمية الخشوع في الصلاة، وأن الصلاة الخاشعة هي الصلاة المقامة، وهي الصلاة المأمور بها في كتاب الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ، ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2] والنبي عليه الصلاة والسلام علم الأمة الصلاة الخاشعة وقال: "وَصَلُّوا ‌كَمَا ‌رَأَيْتُمُونِي ‌أُصَلِّي" ([1])، وعندما رأى أحد الصحابة يصلي صلاة غير خاشعة أمره بإعادتها ليطمئن ويخشع فيها. [1] رواه البخاري (5/ 2238) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

والصلاة الخاشعة تعتمد على عاملين رئيسيين:

الأول: الطمأنينة في أفعال الصلاة وأقوالها.

الثاني: حضور قلب المصلي معه في صلاته ووعيه بما يقول ويفعل.

وبالصلاة الخاشعة المقامة ينال المصلي ثلاثة أمور هي في غاية الأهمية:

الأول: كثرة الحسنات، ومحو السيئات، فإن ذلك يتحقق بالخشوع في الصلاة، وليس على مجرد أداء الصلاة.

الثاني: لذة الصلاة والارتياح بها.

الثالث: أثر الصلاة في حياته توفيقًا واستقامةً في كل شؤون حياته - الدنيوية والأخروية -.

فحري بكل مسلم أن يجاهد نفسه في كل صلاة يصليها لتكون صلاة خاشعة، يرضي بها ربه تعالى ويسعد بها في الدنيا والآخرة.

وهذا كتيب بعنوان" صلاتنا الخاشعة "يوضح للقارئ الكريم كيف تكون صفة الصلاة الخاشعة؛ ابتداءً من الطهارة والوضوء والقيام وتكبيرة الإحرام وحتى التسليم والخروج منها ([2]). [2] وسوف تجد في خاتمة الكتاب (باركود) مقطعًا مختصرًا بعنوان صلاتنا الخاشعة.

الاستعداد والقيام

أول ما يقوم به المصلي بعد الطهارة والوضوء هو: القيـام لله، قال تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238].

فالقيام مع القدرة هو ركن من أركان الصلاة، فيقوم المسلم لله تبارك وتعالى استعدادًا لمناجاته جل وعلا، وتكبيره، وتعظيمه واستغفاره، والدخول في الصلاة، فيناسب مع القيام أن يستعد المسلم ويشعر عندما يقوم في الصلاة بعظم هذا الموقف بين يدي الله تعالى، وهو مستقبل الكعبة - بيت الله الحرام -كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ﴾ [البقرة: 150]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكا وَهُدى لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]، فيتوجه المصلي ببدنه تجاه الكعبة وبقلبه لمناجاة الله تبارك وتعالى.

التكبير

فيبدأ بأقوال الصلاة، فأول قول يقوله المصلي بعد أن يقوم ويستقبل الكعبة: هو "الله أكبر"، وهذه تكبيرة الإحرام، ومعناها: أنه بهذه التكبيرة دخل في حرمة الصلاة، فأصبح ما كان حلالًا له قبلها صار حرامًا عليه بعدها، فأصبح ينشغل في هذا الوقت بكل ما أمر الله به في الصلاة، وما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال، فلا يفعل ولا يقول إلا ما هو مناسب لهذا الموقف العظيم.

هذا القول الذي هو تكبيرة الإحرام -"الله اكبر"- ويدرك أنه إذا قاله: فإنه يعظم الله تبارك وتعالى، ويعترف أنه أكبر من كل شيء يخطر بباله، وما لم يخطر بباله، فهو يعتقد أن الله تبارك وتعالى من أسمائه الكبير، ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23]، ﴿عَٰالِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9].

فإذا قال المصلي "الله أكبر" بلسانه يستشعر هذه العظمة لله تبارك وتعالى، مع هذا القول الذي يقوله بلسانه " الله أكبر "؛ يبدأ فعل من أفعال الصلاة: وهو رفع اليدين، فيرفع يديه حيال أذنيه أو حذو منكبيه، ويتذكر أنه عندما يرفع يديه يعظم الله تبارك وتعالى، لأن رفع اليدين فيه معنى التعظيم والإجلال، فرفع اليدين إشارة إلى تعظيم من هو أمامك، فالله تبارك وتعالى هو الأحق بالتعظيم، فترفع له اليدين سبحانه وتعالى، ورفع اليدين في الصلاة زينة لهيئة الصلاة، وعبودية لليدين، كعبودية سائر الجوارح في الصلاة، وكل ذلك اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الاستفتاح

ثم يضع يده اليمين على يده الشمال على صدره، أو يقبضها، و ينظر إلى موضع سجوده، ثم يستفتح الصلاة بأحد أدعية الاستفتاح التي جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وردت عدت صيغ كثيرة، فله أن يختار أحدها ومن ذلك أن يقول: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ "([3])، وهذا الاستفتاح فيه: معنى التوبة، والاستغفار، وتذكر الذنوب. [3] متفق عليه رواه البخاري (1/ 149) ومسلم (1/ 419) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فالمصلي إذا قال هذا الذكر واستفتح صلاته، فالعبادة القلبية التي ينبغي أن تكون في القلب: هي الشعور بطلب المغفرة والتوبة، ولا شك أن المصلي قبل صلاته قد يكون أخطأ نظر نظرة، أو تكلم بكلام، أو فعل شيئًا أو ما شابه ذلك، فإذا جاء للصلاة واستفتح صلاته بهذا الدعاء، ليعلم أن هذه توبة، وأنه الآن يتوب ويطلب من الله تبارك وتعالى أن يتوب عليه إذا استفتح بهذا الاستفتاح، وله أيضا أن يستفتح بصيغة أخرى جاءت بغير طلب التوبة والاستغفار، كأن يستفتح بقوله: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرَكَ" ([4])، وهذا الاستفتاح يختلف عن الاستفتاح الأول في أن المعنى الذي فيه هو: التعظيم لله تبارك وتعالى وتنزيه الله عن النقص، فيقول " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ " يعني: ينزه الله تبارك وتعالى مستصحبا حمده، "وَتَبَارَكَ اسْمُكَ" فيذكر بركة اسم الله تبارك وتعالى، " وَتَعَالَى جَدُّكَ " والجد: هو العظمة "وَلَا إِلَهَ غَيْرَكَ" إعلان التوحيد. [4] رواه أبو داود (1/ 206) وصححه الالباني.

فهذه المعاني غير المعاني التي كانت في الاستفتاح السابق، ولهذا ينبغي للمصلي أنه إذا اختار أي صيغة من صيغ الاستفتاح، عليه أن يعلم المعنى المقصود بها، لأنه عندئذ يحضر قلبه إذا أدرك هذا المعنى الذي يقوله، وله أيضًا: أن يستفتح بعدد من الاستفتاحات الأخرى التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الاستعاذة

ثم بعد أن يستفتح يقول : "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ([5]) يعني يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى الاستعاذة هنا: يعني الالتجاء والاعتصام بالله تبارك وتعالى، فالمصلي يعتصم بالله ويلجأ إليه تبارك وتعالى من الشيطان، والشيطان هنا: يشمل كل أنواع الشياطين، ويشمل الشيطان الذي في الصلاة، لأن في الصلاة شيطانًا يوسوس للمصلي ليفسد عليه صلاته، فالمصلي قبل أن يبدأ في مناجاة الله تبارك وتعالى بالفاتحة، يتذكر هذا المعنى فيلتجئ الى الله تبارك وتعالى قائلا: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". [5] عملاً بعموم قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، وله أن يستعيذ بالصيغة الأخرى " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه".

البسملة

بعد الاستعاذة يبدأ في البسملة قائلًا: " بسم الله الرحمن الرحيم" ويستحضر معنى البسملة وأنه يبدأ مستعيناً "بسم الله الرحمن الرحيم " في قراءته لهذه السورة العظيمة التي هي سورة الفاتحة.

سورة الفاتحة

ثم يبدأ في قراءة سورة الفاتحة، والفاتحة هي الصلاة كما جاء في الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام "قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ، صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" ([6]). [6] رواه مسلم (1/ 296) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فالفاتحة هي: المناجاة وليعلم المصلي أنه يناجي الله، وأن الله تبارك وتعالى يجيبه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ" ([7]). [7] رواه البخاري (1/ 90)

والمناجاة هي: حديث بين اثنين سراً، فالمصلي عندما يقول: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، ليعلم أن الله تبارك وتعالى يقول "حَمِدَنِي عَبْدِي"، وجاءت السنة بالوقوف على رؤوس الآيات حتى يستشعر المصلي أن الله تبارك وتعالى يجيبه، ويرد عليه حمده وتمجيده، فعندما يقول المصلي: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، هو يثبت أن الحمد لله فيحمد الله تبارك وتعالى بكل أنواع المحامد وله الحمد في الأولى والآخرة، والله حمد نفسه سبحانه وتعالى، والحمد هذا يستمر مع المسلم في كل حياته، بل إن الحمد هو: العبادة الأولى التي عُبد الله بها من آدم، كما جاء في الحديث " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا آدَمُ"([8]). [8] رواه الترمذي (5/ 453) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الالباني.

فهنا المؤمن يستشعر الحمد، وأنه لله، والحمد هو: وصف المحمود بصفات الكمال والجلال والجمال مع الشعور بمحبته وتعظيمه، فالمصلي يعلن هذا الحمد، ولذلك سورة الفاتحة جاء من أسمائها سورة الحمد، لأنها بُدأت بالحمد، فالمصلي عندما يبدأ صلاته بالحمد لله؛ ينبغي له أن يستحضر أنه تشرف للدرجة التي وصل فيها إلى أن يناجي الله تبارك وتعالى فيحمده سبحانه.

يقول الله تبارك وتعالى اذا قال له العبد: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ يقول: "حَمِدَنِي عَبْدِي" فهذا شكر من الله للعبد بهذه العبودية التي قدمها وهي الحمد، أن الله يشكر له ذلك فيعطيه لقب العبودية، فيقول "حَمِدَنِي عَبْدِي" ويتكرر في الفاتحة سبع مرات ينال المؤمن شرف العبودية من الله تعالى، أن يقول الله عز وجل له عبدي ثم بعدها يقول: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ ويقف مستشعرًا إجابة الله له "أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي"، ويتذكر فيها المؤمن صفة الرحمة وأن الله رحمن في ذاته، ورحيم بخلقه، ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ، عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ [الرحمن: 1-2]، ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، فهو الرحمن في ذاته، والرحيم بخلقه، ويتذكر المصلي أن من رحمة الله به أن رحمه بهذه الصلاة التي هو فيها، لأن الصلاة رحمة من الله رحم بها هذه الأمة المحمدية، فيقول الله عز وجل إذا قال له العبد: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ : "أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي" لأن هذا ثناء بعد الحمد، أولا الحمد ثم يثني بعد ذلك على الله؛ بأن يثبت له صفة الرحمة في ذاته والرحمة لخلقه.

ثم بعدها يقول: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾، والمالك هو: الذي يملك يوم الدين، فلا أحد يوم القيامة يملك شيئاً إلا الله ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾.

فالمصلي في وقوفه بين يدي ربه تبارك وتعالى يمجده، أي: يعترف أنه هـــو الذي له الملك يوم القيـــــامــة، فيقول: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ وهنا يتذكر المصلي يوم الدين، ويتذكر يوم القيامة، فيزداد خشيةً وهيبة لله، لأنه كما وقف بين يديه في الدنيا في هذا الموقف سوف يقف بين يديه في الاخرة- في يوم الدين-.

فهذه الآيات: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ، ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ، مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4] اشتملت على أركان العبادة الثلاثة: المحبة من الحمد، والرجاء من تذكر الرحمة، والخوف من تذكر يوم الدين.

فإذا قال المصلي: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ يجيبه الله فيقول "مَجَّدَنِي عَبْدِي" فالاعتراف بملك الله ليوم الدين تمجيد لله فله المجد والملك الكامل يوم القيامة، فيقول الله تبارك وتعالى "مَجَّدَنِي عَبْدِي" فينال المسلم المصلي هذا الشرف وهذا الوسام -وسام العبودية وشرف العبودية- من ربه تبارك وتعالى للمرة الثالثة في هذه السورة.

ثم بعدها يبدأ الإعلان: إعلان التوحيد إعلان الاخلاص إعلان المحبة الكاملة، والخضوع التام لإعلان العبودية لله الواحد الأحد، إذا قال المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾.

العبادة والتعبد: هي الخضوع التام وهي أعلى درجة من درجات الحب والمحبة، فالمصلي عندما يحمد ويثني ويمجد، يعلن مباشرةً أنه لا يعبد إلا الله وأنه لا يستعين الا بالله، ويدخل في ذلك كل أنواع العبادات التي يقوم بها المصلي فهو لا يصوم الا لله، ولا يزكي الا لله، ولا يحج الا لله، ولا يتصدق إلا لله، ولا يعمل الاعمال الصالحة كلها التي يبتغي أجرها من الله الا لله الواحد الأحد، ومن ذلك هذه الصلاة التي هو فيها؛ فهو الآن في حالة عبودية، بل إنه يصل إلى أعلى مرتبة من مراتب الدين وهي: مرتبة الاحسان.

فيقول لربه تبارك وتعالى مخاطبًا إياه بأسلوب الخطاب ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ وتقديم إياك هنا: على الفعل، للإشارة إلى التخصيص، وأن هذه العبادة، وهذه الاستعانة لا تكون إلا لله وبالله.

وهنا أيضًا: يستحضر المسلم الإخلاص لله تبارك وتعالى، وأن الصلاة تعطيه هذا المعنى أن يخلص لله هذه العبادة التي هو فيها، وفي سائر عباداته، ولذلك مما يساعد المسلم على الإخلاص في أعماله؛ إقامة الصلاة ذاتها لأنه في كل يوم يكرر أكثر من سبع عشرة مرة ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، فيتذكر إخلاصه للمعبود تبارك وتعالى إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، يجيبه الله تبارك وتعالى بقوله "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" ومعنى قوله "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي" يعني هذه الفاتحة منقسمة لقسمين:

قسم: تمجيد وثناء لله تبارك وتعالى له وإعلان العبودية له.

وقسم: للعبد هو سؤال الله الهداية فيما يأتي من الآيات التي بعد هذه الآية، ومن المعاني في معنى ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي" أن هذا الذي هو العبادة والاستعانة بين المصلي وبين ربه.

فالعبادة أمر قلبي لا يعلمه الناس فهو بين المصلي وبين ربه، فإذا قام العبد بأي أمر أو عبادة لا أحد يعلم أنه في عبادة أو لا إلا الله تعالى، لأنه قد يقوم بهذا العمل مُرَآةٌ للناس وهو يقوم بعبادة في الظاهر، فالذي يعلم أنه يعبد أو لا هو الله جل وعلا، فالعبادة بينك وبين الله لا يعلمها أحد، ولهذا جاء المعنى هنا "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي"، عندما يقول المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ فالله تبارك وتعالى يقول "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي".

ثم يقول الكريم سبحانه وتعالى: "وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" فيأتي السؤال: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ وهذا هو أعظم سؤال يسأله المسلم في يومه وليلته؛ أن يهديه الله تبارك وتعالى الصراط المستقيم.

والهداية المقصودة هنا في بيان الصراط المستقيم تشمل هداية البيان والدلالة والإرشاد وهداية التوفيق، فالمصلى يسأل الله جل وعلا أن يبين له الطريق المستقيم حتى يعرفه، هذه هداية بيان وعلم ودلالة ثم يسأله تبارك وتعالى أن يهديه لأن يكون على الصراط المستقيم يعني هداية التوفيق.

والصراط المستقيم: هو الطريق الواضح البين الموصل إلى رضوان الله تبارك وتعالى، وهو يشمل الإسلام كله، والأوامر والنواهي، وكل ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وذلك هو التوفيق في الحياة.

وسؤال الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن: سؤال التوفيق في أقواله وفي أفعاله وفي مراداته وفي أفكاره وفي تصوراته في حياته كلها، فهو يبدأ صلاة الفجر بأن يسأل الله تبارك وتعالى: أن يوفقه في يومه ذلك إلى الصراط المستقيم، وفي كل صلاة هو يسأل ربه تبارك وتعالى التوفيق فيما بعدها من أعمال.

والانسان محتاج في كل لحظة أن يكون على الصراط المستقيم، والله جل وعلا هو الذي يهدي فلا هادي إلا الله، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰط مُّسۡتَقِيم﴾ [الحج: 54].

فالهداية الى الصراط المستقيم يسألها المصلي ربه في كل صلاة قائلا: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ ثم يعرف هذا الصراط: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ والذين أنعم الله عليهم: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، كما قال الله تعالى ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقا، ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء: 69-70].

فالمؤمن المصلي يريد هذا الصراط، يريد أن يكون مع الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين ويكرر هذا المعنى.

.. ولا تسأل عن الهمة العالية التي يأخذها المسلم إذا طلب أن يكون على ذلك الصراط المستقيم

.. ولا تسأل عن القوة النفسية الكبيرة جدًا له في العلم والدعوة والتربية والحياة عمومًا، إذا تذكر أنه يريد أن يكون على ذلك الصراط المستقيم.

﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل.

﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾، فهناك قسم آخر غير الذين أنعم الله عليهم قسم غضب الله عليهم، وقسم ضلوا عن الصراط المستقيم.

القسم الذي غضب الله عليه: هو الذي عنده علم فلم يعمل به مثل: اليهود.

والقسم الذي ليس عنده علم وإنما عبد الله على جهالة: هم الضالون مثل: النصارى.

فالمسلم في كل حياته لا يريد أن يكون مثل اليهود، ولا مثل النصارى.

فإذا قال العبد: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ يقول الله تبارك وتعالى "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" الله أكبر ما هو هذا!!

الهداية تكون لهذا العبد الذي سأل الله عز وجل هذا الامر، ولذلك العبادة القلبية التي ينبغي أن يستصحبها المصلي هنا هي عبادة الرجاء، والرجاء: هو ظن حصول ما فيه مسرة للعبد، يعني: أن يظن أن الأمر الذي يطلبه كأنه قد حصل عليه.

فإذا قال المصلي: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ يسأل الله عز وجل الهداية ويعلم أن الله كريم لا يرده، وأنه مجيب سوف يجيبه، وأنه سميع يسمع دعاءه، وأن الله قريب منه تبارك وتعالى فيضع في قلبه أن الله سوف يعطيه هذه الهداية،

فكيف تكون قراءة الفاتحة عندئذ!!

وكيف تكون هذه الركعة!!

عندما يستشعر المصلي فيها أنه مهتدٍ وأنه على الصراط المستقيم، وأن الله تبارك وتعالى سوف يهديه لا شك لأنه يرجو الكريم، والكريم قال "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" ثم يقول: أمين، وهي ليست من الفاتحة، ومعناها: اللهم استجب، يقولها وهو يعلم أن هذا دعاء وانه يؤمن عليه.

قراءة ما تيسر من القرآن

بعد الفاتحة يقرأ المصلي سورة أو ما تيسر من القرآن، والقرآن كلام الله جل وعلا ﴿وَإِنۡ أَحَد مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّه﴾ [التوبة: 6].

فعندما يقرأ المصلي سورة كاملة بعد الفاتحة أو ما تيسر من القرآن، وهو يعلم أن الله تبارك وتعالى تلقاء وجهه، وأنه يسمع تلاوته وأنه تبارك وتعالى يعطيه ويجيبه ويكرمه، لابد أن يصاحب ذلك تدبر ما يتلوه المصلي واستحضار هذه الحالة؛ حالة الصلاة أنه الآن قريب، وقريب جدًا من الله تبارك وتعالى.

فالمصلي كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ المُــــــؤْمِنَ إِذَا كَـــــانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِـــــي رَبَّهُ" ([9]). [9] متفق عليه رواه البخاري (1/ 90) ومسلم (1/ 390).

فقراءته في الصلاة غير قراءته خارجها، لأنه الآن قريب من ربه تبارك وتعالى كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ" ([10]) فهذه الفرائض الصلوات: هي حالات القرب من الله، فالقرآن في الصلاة له شأن آخر، لأن المصلي في داخل الصلاة في مناجاة مع الله تبارك وتعالى فعندما يقرأ كلامه يستحضر معانيه يتدبر ما يتلوا ويقرأ. [10] رواه البخاري (8/ 105)

الركوع

ثم بعد أن يقرأ سورة أو ما تيسر من القرآن يكبر، لينتقل إلى ركن الركوع بالتكبير، رافعًا يديه تعظيمًا وإجلالًا قائلًا: "الله أكبر" ويبدأ في الركوع.

والركوع هو: هيئة يظهر فيها التعظيم لله تبارك وتعالى ولذلك جاء الذكر الذي فيه: "سبحان ربي العظيم" ([11]). [11] رواه مسلم (1/ 536) من حديث حذيفة اليمان رضي الله عنه.

والتسبيح هو: التنزيه، والتنزيه نفي النقص عن الله سبحانه وتعالى.

فإذا قال العبد "سبحان ربي العظيم" يعلم أنه هو الآن ينزه الله تبارك وتعالى عن كل نقص، ويثبت له كمال الحمد، فيقول: "سبحان ربي العظيم"، وله أن يقول كما جاءت في أذكار الركوع: منها "سبحان ربي العظيم وبحمده" ([12]) يعني يستصحب الحمد مع التسبيح. [12] رواه أبو داود (1/ 230) من حديث عبقة بن عامر رضي الله عنه وصححه الالباني.

وله أيضًا: أن يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" ([13]) أو أن يقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" ([14]). [13] متفق عليه وراه البخاري (1/ 163) ومسلم (1/ 350) من حديث عائشة رضي الله عنها. [14] رواه مسلم (1/ 353) من حديث عائشة رضي الله عنها.

فهذه كلها من الأذكار التي في الركوع تعطي معنى التعظيم بهذه الهيئة التي هي هيئة الركوع.

الاعتدال

ثم يرفع قائلًا "سمع الله لمن حمده" ([15])، ومعنى سمع: استجاب، أي: استجاب الله لمن يحمده. [15] رواه البخاري (1/ 148) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

فهذا الحمد الذي بعد الرفع من الركوع هذا حمد مستجاب، ولذلك بعد أن يرفع ويعتدل يقول: " اللهم ربنا لك الحمد " ([16]) أو " ربنا ولك الحمد " ([17]) أو "ربنا لك الحمد" ([18]) أو " اللهم ربنا ولك الحمد " ([19]). [16] رواه البخاري (1/ 158) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [17] المرجع السابق. [18] رواه البخاري (1/ 157) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [19] رواه البخاري (1/ 274) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وله أيضًا: أن يطيل في هذا الحمد والثناء بأن يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" ([20]) [20] رواه أبو داود (1/ 224) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، صححه الألباني.

هذه الحالة - حالة الاعتدال - هي ركن من أركان الصلاة، فكما أن الركوع ركن، والرفع منه ركن، فحالة الاعتدال أيضًا: ركن من أركان الصلاة، فيجب فيها الطمأنينة الكاملة، ويجب فيها الحمد والثناء على الله تبارك وتعالى حال القيام مرة أخرى، لأن المصلي ركع لله وعظمه ثم يرفع بعد ذلك يثني عليه تبارك وتعالى بهذا الثناء، فينبغي أن يستصحب الأقوال التي يقولها في الحمد والثناء شعور عظيم بالقلب، ولهذا لابد أن يطيل هذا الركن الذي هو ركن الاعتدال، كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

السجود

ثم ينتقل بعد الاعتدال من الركوع إلى الركن الأعظم وهو ركن السجود، ينتقل بالتكبير قائلًا: "الله أكبر" ثم يسجد على الأعضاء السبعة، كما جاءت في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وحالة السجود هي: حالة القرب من الله، حيث يكون المصلي في منتهى الذل للواحد الأحد، فيضع أشرف شيء فيه - وهو أنفه وجبهته -، يضعهما في الأرض في الأسفل للأعلى سبحانه وتعالى، ولهذا يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ([21]). [21] رواه مسلم (2/ 186) من حديث حذيفة رضي الله عنه.

وله أيضًا: أن يقول: "سُبْحَانَكَ ‌اللَّهُمَّ ‌رَبَّنَا ‌وَبِحَمْدِكَ، ‌اللَّهُمَّ ‌اغْفِرْ ‌لِي" ([22]) أو أن يقول: "‌سُبُّوحٌ ‌قُدُّوسٌ، ‌رَبُّ ‌الْمَلَائِكَةِ ‌وَالرُّوحِ" ([23]). [22] متفق عليه وراه البخاري (1/ 163) ومسلم (1/ 350) من حديث عائشة رضي الله عنها. [23] رواه مسلم (1/ 353) من حديث عائشة رضي الله عنها.

والعبد في حالة السجود: ينزه الله تبارك وتعالى وينفي عنه النقص، ويثبت له كمال الحمد، فيقول "سبحان ربي الاعلى"، ويتذكر أن الله تبارك وتعالى هو: الأعلى، فالمصلى في الأسفل، فيتذكر علو الله جل وعلا، والله تبارك وتعالى هو العلي الأعلى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى، ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ [الأعلى: 1-2].

فالمصلي في هذه الحالة يتذكر علو الله جل وعلا، فإذا تذكر هذا وعلم ما يقوله من التسبيح، تذكر أنه قريب من الله، وحالة السجود هي القرب الأعظم من الله.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"([24]) وقال عليه الصلاة والسلام: "وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" ([25]) لأن المصلي إذا كان قريبًا من الله تبارك وتعالى، يشعر بأنه قريب من الكريم .. قريب من الغني.. قريب من الجواد.. قريب من الوهاب سبحانه تعالى، فيتذكر سؤاله لله فيسأل الله جل وعلا، يسأله كل حاجاته - ما يريده في الدنيا والآخرة-. [24] رواه مسلم (1/ 350) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [25] رواه مسلم (1/ 348) من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

وله أن يسأل أيضًا: بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من أدعية في الصلاة مثل أن يقول: " اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" ([26])، وله أن يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ" ([27])، وله أن يطلب ما يشاء من حاجاته، فهو في حالة قرب من ربه جل وعلا. [26] رواه البخاري (1/ 166) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. [27] رواه مسلم (1/ 350) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

الجلسة بين السجدتين

ثم يرفع من سجوده إلى الجلسة بين السجدتين، يرفع بأن يقول: "الله أكبر" يرفع بالتكبير، لأن التكبير يعيد العظمة، ويعيد تذكر عظمة الله جل وعلا في قلب المصلي، فيقول "الله أكبر" حالة الرفع من السجود، ثم يجلس الجلسة بين السجدتين.

والجلسة بين السجدتين: هي ركن من أركان الصلاة يجب فيها الطمأنينة الكاملة، ويجب أن يكون القلب حاضرًا، لأنه في حالة جلسة عظيمة بين يدي الله تبارك وتعالى واضعًا يديه على فخذيه، ويسأل ربه تبارك وتعالى.

يسأل الله جل وعلا الذي هو قريب منه، يراه.. يسمعه.. يعطيه سؤله.. يكرمه سبحانه وتعالى.

فيبدأ يسأل سؤال المغفرة يقول: رب اغفر لي ربي اغفر لي ([28]). [28] رواه النسائي (1/ 336) من حديث حذيفة رضي الله عنه، صححه الألباني.

والمغفرة تعني: الستر، ستر الذنوب والعيوب والصفح عنها، وعدم المؤاخذة بها وعدم المحاسبة عليها في الآخرة، وعدم الفضيحة بها.

فالإنسان في خارج الصلاة يرتكب كثيرًا من الذنوب والأخطاء التي يراها الله تبارك وتعالى، ويعلمها والتي تكتبها الملائكة على العبد، فإذا جاء في صلاته في جلسته بين السجدتين، تذكر تلك الذنوب، وتذكر حاجته للمغفرة، فيسأل الله جل وعلا أن يغفر له، ولذلك جاء أكثر ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس بين السجدتين أن يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي([29]) يكرر هذا، وله أيضًا: أن يطلب في هذه الجلسة العظيمة مع المغفرة الرحمة الرزق ويطلب العافية ويطلب الهداية ويطلب الرفعة ويطلب جبر النقص، وقد جاء هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام في أدعية الجلوس بين السجدتين: "رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي" [وَعَافِنِي]([30]) [29] رواه ابن ماجه (1/ 289) من حديث حذيفة رضي الله عنه، صححه الألباني. هذا الذكر في الجلسة بين السجدتين ورد في حديثين: روى أحمد (3/ 468) ستة ألفاظ في حديث واحد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وروى أبو داود (1/ 224) لفظة " عافني" في حديث مستقل عن ابن عباس أيضًا، كلاهما صححه الألباني، قال النووي في المجموع (3/ 437): فالاحتياط والاختيار أن يجمع بين الروايات، ويأتي بجميع ألفاظها؛ وهي: سبعة.

فهذا الدعاء بهذه الطلبات السبعة تفصيل لإجمال ما يريده المسلم من ربه تبارك وتعالى، فهذه المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق وجبر النقص والرفعة تشتمل على كل ما يريده الإنسان في دنياه وأُخراه، ولذلك إذا غفر الله لك ورحمك وهداك وعافاك ورزقك وجبر نقصك ورفعك فقد أعطاك سعادة الدنيا والآخرة.

وهذا الجلوس العظيم نقتدي فيه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في حالة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم بين السجدتين يقول: "وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَوْهَمَ " ([31])، يعني من إطالته وطمأنينته فيها حتى الصحابة رضي الله تعالى عنهم يظنون أنه قد وَهِم أي: قد نسي - وهو ما نسي صلى الله عليه وسلم- لكنه في هذا الركن العظيم يُعَلِّم الأمة ويعلمنا أن نغتنم هذه اللحظات الثمينة في صلاتنا. [31] رواه مسلم (1/ 344) من حديث أنس رضي الله عنه.

ثم يكبر المصلي مرة أخرى، ويسجد مسبحًا ربه الأعلى ثم يرفع ويقوم إلى الركعة الثانية، فيفعل بها كما كان يفعل في الركعة الأولى مستحضرًا ومستشعراً كل ما يقول ويفعله حتى يحضر قلبه فيشعر بلذة الصلاة.

التشهد

ثم يجلس جلسة التشهد أو التحيات، وهي: جلسة تحية وإجلال، فالمصلي يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، وهذه فيها تعظيم الله وإجلاله سبحانه وتعالى.

فالتحيات: جمع تحية ومعناها التعظيم، والمصلي يعترف أن التحيات كلها لله، (الألف واللام) في لفظ التحيات للاستغراق، فتستغرق جميع أنواع التحايا، فكل تكبيرٍ وتسبيحٍ وركوعٍ وسجودٍ لله، فكل أنواع التحيات التي يستحضرها المسلم إنما تكون لله تبارك وتعالى.

والصلوات: فكل أنواع الصلوات الفرائض والنوافل بكل ما فيها هي تعظيم لله تبارك وتعالى.

المصلي يعترف بها فيقول: الصلوات لله، يعني أن الصلوات التي يصليها، والصلوات التي يصليها غيره، والصلوات التي تصليها كل المخلوقات، إنما هي لله تبارك وتعالى.

فهنا الصلوات الألف واللام للاستغراق، كل أنواع الصلوات.

والطيبات: كلها لله ﴿إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ﴾ [فاطر: 10] فالمصلي هنا يعظم الله تبارك وتعالى باعترافه أن الطيبات كلها له.

ثم يقول: بعدها "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وهذه تحية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا شك أن أعظم من تكون له المحبة هو الله، وبعد محبة الله جل وعلا تأتي محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه المحبة تتجدد في كل صلاة يصليها المسلم، يتجدد حبه لله تعالى وحبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31]

فمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تظهر في الصلاة وتتجدد مع كل صلاة بالشعور بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم.

فالمصلي يسلم على رسول الله يقول: "السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فالمعنى: أن يستحضر المصلي أنه يسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، بمعنى يدعو له، فعندما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي" هذا دعاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ودعاء لدعوته، ودعاء لأمته ودعاء له أن يسلمه الله.

وهذا أيضًا: دعاء بالرحمة أن تكون رحمة الله مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون عليه، وأن يرحم أمته.

"ورحمة الله وبركاته"، والبركة: التي هي كثرة الخيرات، فالمصلي يدعو الله تبارك وتعالى الذي هو السلام بالبركة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولأمته، فتكون أمته مباركة، وأن تكون دعوته مباركة، فعندما يستحضر أنه في كل صلاة يصليها يسلم على رسوله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، ويسلم على رسوله صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني، ماذا يكون حال المصلي الذي يكثر من السلام على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة؟

لا شك أن هذا الأثر العظيم الذي هو: أثر زيادة محبة النبي صلى الله عليه وسلم، يجعل المصلي بعد الصلاة يكون متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهديه ولسنته، لأنه أكثر من إعلان محبته بالسلام، فينبغي له أن يكثر من تحري هديه صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة.

ثم بعدها يقول "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" السلام هو الله، فالمصلي يقول السلام علينا، يعني: المصلي نفسه ومن معه، فيقول "السلام علينا" يعني الله تبارك وتعالى الذي هو السلام يكون معي يسلمني، يهديني، يسددني، يوفقني، يستشعر معنى: الأمان والاطمئنان بأن يقول: "السلام علينا" ولا شك أن المسلم إذا شعر في صلاته أن الله تبارك وتعالى معه؛ شَعُر بطمأنينة عظيمة، وسلام وأمان داخلي عظيم، لأنه يستشعر أن السلام تبارك وتعالى معه.

ثم بعد تعظيم الله بالتحيات لله والصلوات له والطيبات والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام، يسلم الانسان على نفسه ويسلم على عباد الله الصالحين، فالمسلم ليس عنده أنانية يريد أن يكون الله معه ومع جميع العباد الصالحين، فإذا قال هذه الدعوة أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، من الملائكة والمؤمنين من الجن والأنس.

فالمؤمن يزداد حبًا في نشر الخير ونشر السلام، فيستحضر محبته لكل من يشترك معه في صفة الصلاح.

ثم بعد هذه التحايا والتعظيم والمحبة والدعاء بالسلام للنفس وللآخرين يأتي إعلان التوحيد والشهادة، فيقول بعدها "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" وهذه الشهادة هي: الاعتراف والاعتقاد الجازم بأنه لا إله إلا الله.

وقول "أشهد": إشارة إلى أن المصلي وصل بهذه العبادة إلى درجة الإحسان، فهو يَقِرُّ ويعترف يقينًا للدرجة التي كأنه يشاهد أنه لا إله لهذا الكون ولا رب له إلا الواحد الأحد سبحانه وتعالى، فيستحضر معنى التوحيد الخالص لله جل وعلا، والاعتقاد الجازم بأنه لا اله إلا الله.

ثم يقول المصلي: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهنا يتذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويثبت له الشهادة بأنه رسول من الله، أرسله للناس بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

وبهذا يعلم أن المصلي في كل صلاة يجدد توحيده لله جل وعلا، فأول ركن من أركان دين الاسلام هو أن يقول: أشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،

فالمصلى في كل صلاة إذا جلس في تحياته وتشهده يعلن هذا التوحيد وهذا التشهد، وينبغي للمسلم أن يلاحظ في صلاته أن إسلامه يتجدد، ويجدد العهد على التوحيد مع الله تبارك وتعالى في كل صلاة يصليها.

التشهد الأخير

ثم يشرع المصلي في التشهد الأخير بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه من زيادة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المصلين يصلون عليه.

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الثناء عليه في الملأ الأعلى فيقول المصلي: "اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" فهنا المصلي يطلب من الله تبارك وتعالى أن يثني عليه وعلى آله بالرحمة لهم في الملأ الاعلى، ويستحضر نبي الله إبراهيم عليه السلام أنه كما أن الله تعالى صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فالمؤمن يقول: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصل على محمد وعلى آله.

"وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".

والبركة تعني: كثرة الخيرات، فالمصلي يطلب من الله الكريم سبحانه وتعالى أن يبارك في نبيه صلى الله عليه وسلم وفي أمته ودعوته، وأن يبارك في أهله فتكثر الخيرات لهذه الأمة، والاعتراف بأن الله تبارك وتعالى حميد وحامد لعباده تبارك وتعالى، له الحمد كله، وأنه مجيد والمجد هو: العظمة وكمال السلطان.

الدعاء في آخر الصلاة

ثم يختم المصلي جلسة التحيات والتشهد بالدعاء قبل السلام، فيدعو الله تبارك وتعالى بما شاء، قال النبي عليه الصلاة والسلام "ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ"([32]) أو "يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ"([33]) فيدعو بما ورد ويستعيذ قائلًا: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ"([34]). [32] رواه مسلم (1/ 301) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [33] رواه البخاري (1/ 167). [34] رواه مسلم (1/ 412).

فهذا الدعاء جمع أصول الفتن العظام كلها جهنم أجارنا الله وإياكم منها: والقبر وعذابه، وفتنة المحيا - ما يكون للإنسان من فتن في حياته-، وفتنة الممات: وهو ما يحصل له عند الموت، ومن فتنة المسيح الدجال.

فهنا هذه الاستعاذة ينبغي أن يصاحبها حالة الرجاء، أن الإنسان إذا استعاذ بالله يغِّلب أن الله تبارك وتعالى سوف يعيذه من هذه الأمور.

ولا تسأل عن حالة المصلي وسعادته إذا شعر في كل صلاة أنه سوف ينجو من النار، ويؤمن من الفتن في الدنيا ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، فيعيش حياته معتصمًا بالله تبارك وتعالى، مستوثقًا بقدرة الله جل وعلا وبحبله المتين.

وله أيضًا: أن يدعو بما جاء من أدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" ([35]) وهذا يشمل خيرات الدنيا والآخرة. [35] متفق عليه رواه البخاري (6/ 28) ومسلم (4/ 2071).

وله أن يدعو أيضًا: بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ"([36]). [36] رواه أبو داود (2/ 86) صححه الألباني.

وهذا الدعاء فيه من المعنى الشيء العظيم، يجعل المسلم دائمًا مرتبطًا بصلواته وبدعائه وعبادته، لأنه يريد من الله الذي وفقه لهذه الصلاة وهو في ختامها أن يعيده مرة أخرى لصلاته، وأن يعينه على الذكر، وأن يعينه على الشكر، وأن يعينه على إحسان العبادة، فالله تبارك وتعالى هو الذي يعين.

التسليم

ثم يختم المصلي صلاته بالسلام قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".

من معاني السلام: نية الخروج من الصلاة بالسلام، وأيضًا: نية السلام على من بجواره من المصلين، ونية السلام على الملائكة الذين معه، والملائكة الذين يحضرون صلاته.

خاتمة

فما مضى هو حديث عن صلاتنا الخاشعة، وهناك أسباب خارج الصلاة تحقق للمسلم الخشوع ليصلي الصلاة الخاشعة منها:

زيادة العلم بالله، وبتعظيم قدر الصلاة، وأن حقيقة الصلاة هي الوقوف بين يدي الله لمناجاته فكلما زاد المسلم علمًا بربه وأسمائه وصفاته، زادت خشيته له وكان أكثر خشوعاً في صلاته.

الدعاء وسؤال الله تعالى الخشوع.

الإكثار من الاستغفار، والبعد عن المخالفات الشرعية.

الإكثار من ذكر الله تعالى.

المجاهدة في أن يصلي المسلم صلاةَ مودعٍ فكل صلاة قد تكون هي الأخيرة بالنسبة له.

الاطلاع المتكرر على المواضيع المتعلقة بالصلاة والخشوع فيها، سواء كانت كتب أو رسائل أو وسائط إلكترونية لحاجة المسلم للتذكير والاستزادة من العلم بالصلاة وأحكامها.