تعريف عام بدين الإسلام وما جاء به الرسل
تعريف عام بدين الإسلام وما جاء به الرسل لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
تعريف عام بدين الإسلام وما جاء به الرسل لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله عزوجل بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وهو الإسلام الذي بعث الله به الرسل جميعًا حيث قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران:19]، وقال سبحانه: (وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ) [آل عمران:85].
فالإسلام هو: دين الله الذي بعث به جميع المرسلين من أولهم نوح إلى آخرهم وخاتمهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كان عليه أبونا آدم، فإن الله بعثه لنفسه وذريته نبيًّا على شريعة علَّمه إياها وشرعها له فاستقام عليها وذريته حتى بعث الله نوحا عليه الصلاة والسلام.
فالإسلام هو استسلام لله وانقياد لله بطاعة أوامره وترك نواهيه هذا هو الإسلام.
وأصل دين الإسلام وأساسه هو توحيد الله عزوجل، وإخلاص العبادة له وحده سبحانه وتعالى، هذا هو أصل دين الإسلام: أن تكون العبادة لله وحده من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك يكون لله وحده، وبهذا بعث الله الرسل جميعًا، كما قال عزوجل: (وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ ) [النحل:36].
اُعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحِّدوا الله (خصُّوه بالعبادة)، (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) يعني اتركوا عبادة ما سوى الله، والطاغوت كل ما عُبِد من دون الله من شجر أو حجر أو صنم أو ميت أو مَلَك أو كوكب أو غير ذلك، كله طاغوت.
لكن إذا كان المعبود لا يرضى بذلك كالأنبياء والملائكة والصالحين، فالطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزيَّنها للناس وهم بُراء من ذلك.
فأصل دين الإسلام هو هذا: إخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه والكفر بعبادة غيره، يعني إنكار عبادة غيره واعتقاد بطلانها وأنها شرك بالله جل جلاله.
هكذا بعث الله جميع الرسل، من أولهم نوح إلى آخرهم وخاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا علَّم الله آدم وشرع له، فعَبَدَالله وحده، وهكذا ذريته على دينه عليه الصلاة والسلام، حتى وقع الشرك في بني آدم في عهد نوح عليه الصلاة والسلام.
وكل رسول بلَّغ أمته أنه مبعوث لهم ليأمرهم بتوحيد الله والإخلاص له. فنوح عليه السلام قال لقومه: (ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ) [الأعراف:59].
وهكذا هود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وغيرهم، كلهم قالوا لقومهم: (ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ) [الأعراف:65 - 73- 85- هود: 50-61-84، المؤمنون: 23].
وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام قال لقومه: (ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ) [الأعراف:59]، (إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا) [طه:98]، وهكذا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام قال لقومه ذلك قال: (مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚمْ) [المائدة:117].
وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله قال لقومه: (ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ)، وكان يعلمهم ويقول لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" [1]. أخرجه الإمام أحمد، في مسند المكيين، حديث ربيعة بن عباد الديلي رضي الله عنه برقم 15593 بلفظ: ''يا أيها الناس...''، وابن حبان 14/ 6562
فهذه دعوة الرسل جميعًا، إنهم دعوا الأمم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وتوجههم إليه سبحانه بجميع حاجاتهم، في توكلهم في خوفهم في رجائهم في طلب الجنة، وطلب النجاة من النار، وطلب الرزق، وطلب العافية، وهكذا يخافونه ويرجونه ويصلون له ويصومون ويذبحون وينذرون؛ يرجون ثوابه ويخشون عقابه.
ومكث محمد صلى الله عليه وسلم في قومه في مكة عشر سنين، يدعوهم إلى توحيد الله قبل كل شيء، وينهاهم عن الشرك وهو التعلق بغير الله من الأشجار والأحجار والأصنام ونحو ذلك، ويقول لهم: (يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) [2]. سبق تخريجه.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن ما يتعلق بالأسباب الحسية ليس داخلا في الشرك ولا في منافاة التوحيد، ما يتعلق بالأسباب الحسية مع الناس الحاضرين الموجودين ليس من الشرك في شيء، فإذا قال الإنسان لأخيه أو لشخص آخر من الناس: افعل كذا، ساعدني في كذا، اعمل لي كذا، كأصلح سيارتي، اعمل في مزرعتي، أحضر لي كذا وكذا، احمل هذا الشيء الثقيل، وهو يَقدِر على ذلك ويعلم أنه يَقدِر على ذلك، هذه أمور حسية ليس فيها شرك وليس فيها محظور، وإنما المراد بدعوة الله وحده وخوفه ورجائه ونحو ذلك فيما لا تعلق له بالأسباب الحسية مع الحاضر القادر الموجود، فإذا كان شخص حاضر موجود فكلَّمه أخوه أو صاحبه أو من يحتاج إليه من الناس يقول له: افعل كذا وافعل كذا بأجر أو بغير أجر فليس هذا من الشرك، وليس هذا منافيا للتوحيد بل هذه أمور حسية جائزة، فعلها الرسل وفعلها المسلمون فليست من الشرك، فإذا قال: يا فلان افعل كذا، ادع الله لي، استغفر لي، ساعدني في كذا، أعني على كذا، مما هو يَقدِر عليه أو يسمعه، أو بمكاتبة أو بالهاتف عن طريق الهاتف أو التلكس، في أمور يَقدِر عليها، ليس هذا من الشرك.
وإنما الشرك أن يدعو ميتا أو جمادا أو حيا يعتقد أنه يتصرف في الكون أو أن له قدرة وخاصية يتصرف في الكون دون الله، هذا هو الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه والتحذير منه، أما الأمور الحسية المعلومة التي يفعلها الإنسان مع الشخص الآخر الحاضر الحي الذي يقدر عليها بالمشافهة أو من طريق الكتابة أو التلكس أو الهاتف فهذه أمور جائزة حسية لا محظور فيها وليست من الشرك في شيء، كما قال الله تعالى في سورة القصص: (فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ) [القصص:15]. فينبغي التنبه لهذا؛ لأن بعض الجهلة يشتبه عليه هذا الأمر.
ومما يلزم أن يُعلم أنه داخل في أصل الإسلام: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله بعثه الله إلى الناس عامة، وهكذا جميع المرسلين الماضين لا بد في صحة الإسلام واعتبار أن المنتسب إليه مسلم لا بد أن يقر ويؤمن بالرسل الماضين. ففي عهد نوح لا بد أن يؤمن بنوح، وفي عهد هود لا بد أن يؤمن بهود مع التوحيد لله والإخلاص لله وعبادته وحده. وفي عهد صالح كذلك، وفي عهد شعيب كذلك، وفي عهد إبراهيم كذلك، وفي عهد لوط كذلك، وفي عهد يوسف وإسحاق ويعقوب كذلك، وهكذا في عهد موسى وهارون اللذين أنزل الله عليهما التوراة، لا بد من الإيمان بهما مع توحيد الله والإخلاص له واعتقاد أن موسى وهارون أنبياء من أنبياء الله ورسل الله، فلو وحد الله وعبده وحده وأدى أمره ولكن لم يؤمن بالأنبياء ما صح إسلامه.
ثم بعد بعث عيسى كذلك، لما بعث الله عيسى ابن مريم فلا بد من الإيمان به، فاليهود الذين لم يؤمنوا بعيسى صاروا كفارا؛ لأنهم ما آمنوا بعيسى ولو وحدوا الله ولو عبدوه ولو صاموا وصلوا ما يكونون مسلمين، حتى يؤمنوا بالرسول الذي أدركوه وعلموا أنه جاء من عند الله، لا بد من الإيمان به كعيسى عليه الصلاة والسلام.
ثم بعد عيسى لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وجب الإيمان بمحمد، ومن لم يؤمن به فهو كافر ولو آمن بجميع الرسل الماضين، لا بد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما بعثه الله به إلى الناس عامة من الجن والإنس، لا بد من توحيد الله وإخلاص العبادة لله، لا بد من الإيمان بجميع المرسلين، ومن جملتهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، لا بد من الإيمان به واعتقاد أنه رسول الله حقا إلى الجن والإنس (إلى جميع الثقلين) وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، فلا يثبت الإسلام إلا بهذا في حق من كان بعد محمد صلى الله عليه وسلم (من كان في عصره أو بعده) فلا يكون مسلما إلا بإيمانه بجميع الأنبياء من عهد آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
لا بد من الإيمان بهم واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم أنبياء الله وأوحى الله إليهم وبلغوا ما أوحي إليهم، بلغوه وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة ولم يقصروا، لا بد من الإيمان بهذا وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.
لا بد من الإيمان بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وأدى ما عليه، عليه الصلاة والسلام، حتى توفاه الله، وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى جميع الثقلين من المكلفين أن يؤمنوا به وأن يتبعوا شريعته عليه الصلاة والسلام. فلا يكونون مسلمين ولا يكون هناك إسلام إلا بهذا.
يقول الله سبحانه: (قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ) [البقرة:136].
بيَّن سبحانه أن الواجب على المكلفين من هذه الأمة أن يقولوا هذا، يعني أن يؤمنوا بجميع المرسلين وما جاءوا به، وقال سبحانه وتعالى: (وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ، ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ) [الأعراف:156، 157]
ثم قال: (قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا) [الأعراف:158]، وفي آية أخرى: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا ) [سبأ:28] فدل ذلك على أن الرسل يجب الإيمان بهم جميعًا، وأن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين، كما قال سبحانه: (رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) [النساء:165] وهم رسل إلى الخلق، كل رسول إلى قومه لينذرهم ويبشرهم، يبشرهم بالجنة إذا أطاعوا واستقاموا وينذرهم بالنار إذا لم يستجيبوا، وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله الله بشيرا ونذيرا يبشر الأمة إذا استجابوا لدعوته بالجنة والسعادة والعز والتمكين، وينذرهم النار والخيبة والخسران والذل والهوان إذا خالفوا أمره ولم يستقيموا على ما جاء به عليه الصلاة والسلام.
فعُلِم بهذا أن الواجب تصديق جميع المرسلين والإيمان بهم، وأن على من أدرك محمدًا صلى الله عليه وسلم، أن يؤمن به وأن يصدقه وأن ينقاد لشرعه، وبهذا يكون قد دخل في الإسلام؛ لأن الإسلام انقياد لأمر الله وتصديق له ولهذا قيل له إسلام: (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ ) [آل عمران:19] يعني انقيادا، يقال: أسلم فلان لفلان انقاد له وذل له وأطاع أمره.
فالمسلمون هم المنقادون لأمر الله المطيعون لأمر الله الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودل عليه كتابه القرآن، فلا يكون إسلام إلا بهذا، لا يكونون مسلمين ولا يكون لهم إسلام إلا بهذا، يعني إلا بتصديقهم بالرسل الماضين وإيمانهم بما جاءوا به وتصديقهم محمدًا صلى الله عليه وسلم وإيمانهم به وانقيادهم لما جاء به من الشرع المطهر عن محبة وعن إخلاص وعن صدق وعن رغبة ورهبة لا عن كذب ولا عن رياء ولا عن نفاق.
وكل رسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، كل رسول بلغ أمته كل خير يَعْلَمه لهم ونَصَحَهم في ذلك وأرشدهم، كما أنه بلَّغهم كل شر يَعْلَمه لهم. هكذا كل رسول؛ لأن الرسل أنصح الناس وأكثرهم وأكملهم إيمانا، فكل رسول بلَّغ أمته ودعاها إلى كل خير يَعْلَمه لها في دينها ودنياها ونهاها عن كل شر يَعْلَمه لها في دينها ودنياها. كما ثبت عن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم) [3]. خرجه الإمام مسلم في صحيحه. أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول برقم 1844.
هكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بلغ هذه الأمة كل ما يعلمه لهم من خير، وأنذرهم كل ما يعلمه لهم من شر، فدعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأنذرهم سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال، كالرسل قبله عليهم الصلاة والسلام، يقول عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) [4] ، وفي اللفظ الآخر: (لأتمم مكارم الأخلاق) فبعثه الله ليدعو الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وينذرهم سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال. أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين، باقي مسند أبي هريرة برقم 8729.
وكانت الرسل عليهم الصلاة والسلام إذا بينوا للناس صفة ربهم وخالقهم وتوحيده والإخلاص له والإيمان بالمرسلين بلغوهم أيضًا ما أعد الله لهم في الجنة، وما أعد لمن عصاه في النار. هذا كله من تمام العقيدة التي هي عقيدة الإسلام، فالرسل يبينون مع بيانهم حق الله وتوحيده وبيانهم صفاته سبحانه وأسمائه مع ذلك يبينون ما يلزم في العقيدة من الإيمان بملائكة الله التي خلقها لعبادته، وهم من النور خلقهم من النور كلهم عبيد مكرمون كما قال تعالى: (بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ) [الأنبياء:26]، فالله خلقهم ليعبدوه ويطيعوه وخلقهم من النور وجعلهم سبحانه وتعالى ينفذون أوامره في عباده، فالرسل بلغوا عنهم حتى يؤمن بهم العباد وأنهم ملائكة كرام، خلقهم الله لطاعته وتنفيذ أوامره من النور، وخلق بنو آدم من الطين، وخلقت الجن من النار، وهم أصناف ثلاثة: الملائكة من النور، والجن من النار، وبنو آدم من التراب.
فالرسل بينوا هذا وجاءت بذلك الكتب السماوية: كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وبينت الرسل أيضًا ما يتعلق بالكتب المنزلة من التوراة والإنجيل وغيرها.
وبينوا أيضًا مع ما يتبع ذلك من أمر الآخرة والبعث والنشور والحساب والجزاء والوقوف بين يدي الله يوم القيامة، وأن الناس يخرجون من قبورهم ويجازون بأعمالهم، فمن أطاع واتبع ما جاءت به الرسل فله الجنة يوم القيامة، وهي دار كريمة، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، دار أعدها الله لأهل طاعته، فيها كل خير، وكل نعيم، وفيها حياة دائمة، لا كدر فيها، ولا مرض، ولا موت، ولا حزن، بل نعيم دائم، ولا بول وغائط بل نعيم دائم، وحياة دائمة لمن اتقى الله وأطاع الرسل. وهناك دار أخرى هي دار النار (دار الهوان، دار العذاب) أعدها الله لمن خالف الرسل ولم ينفد لما جاءوا به ولم يتبع الرسل، هؤلاء لهم الدار الأخرى وهي: دار الهوان، دار العذاب، دار النكال، أهلها في عذاب دائم (لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ) [فاطر:36]، أما أهل الجنة فهم في نعيم دائم وخير دائم وصحة دائمة كما قال عزوجل: (إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ) [الحجر:45-48].
وفي النار قال: (إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ) [الزخرف:74-77]، أي مقيمون في دار الهون (دار النار) وقال في الآية الأخرى: (لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ) [فاطر:36]، وقال عنهم أيضًا سبحانه: (إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ) [طه:74].
فالله سبحانه بين على أيدي الرسل مصير المتقين المتبعين للرسل وهو الجنة والكرامة في دار أعدها الله لهم فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من الأنهار والحور العين واللحوم والمشارب الطيبة والملابس الطيبة إلى غير ذلك من أنواع النعيم.
وأعد دارا أخرى بيَّنها الرسل وبيَّنها الله في كتبه، هي دار الهوان، هي دار الشقاء والعذاب، هذه الدار أعدت لمن خالف الرسل ولم يتبع ما جاءوا به، فلا يتم الإسلام إلا بهذا الإيمان، ولا يتم الإسلام ولا يكون العبد مسلما سواء كان رجلا أو امرأة إلا بهذا الإيمان. الإيمان بالبعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، وأن الجنة أعدها الله لمن اتبع الرسل، والنار أعدها الله لمن خالفهم.
ومن تمام هذه الأصول التي يجب الإيمان بها، وجاءت بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من تمام هذه الأصول: الإيمان بالقدر، وأن الله علم الأشياء قبل وجودها، وكتبها عنده جل جلاله، وأحصاها، وأنه خالق الأشياء وموجدها، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا قدر يشمل أمورا أربعة:
الإيمان بأن الله علم كل شيء قبل وجود الأشياء وكتبها عنده جل جلاله، وهو الخالق لما أوجد منها بمشيئته جل جلاله وقدرته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه أمور أربعة كلها تابعة للقدر:
1- الإيمان بأن الله سبحانه علم كل شيء، وهو العالم بجميع ما كان وما يكون (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [العنكبوت:62]. (لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا) [الطلاق:12].
2- كتابته لهذه الأشياء، فقد كتب كل شيء سبحانه وتعالى، كما قال عزوجل: (أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ) [الحج:70]. وقال سبحانه: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ) [الحديد:22].
3- أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) [الأنعام:112].
4- أنه خالق الأشياء وموجدها، سبحانه وتعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)ٍ [الزمر:62]
هذا كله داخل في الإيمان بالقدر، وهو أصل ثابت من أصول الإيمان التي تقدم شرحها، وقد أخبر النبي عن هذا لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) [5] اليوم الآخر تقدم أنه أخبر فيه عن الوقوف بين يدي الله والحساب والجزاء والجنة والنار، كل هذا داخل في اليوم الآخر (وبالقدر خيره وشره) [6] يعني: أن الله علم الأشياء وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه وتعالى خالق كل شيء ورب كل شيء. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان برقم 8. صحيح مسلم، الإيمان (8)، سنن النسائي، الإيمان وشرائعه (4990)، سنن أبي داود، السنة (4695)، سنن ابن ماجه، المقدمة (63)، مسند أحمد (1/ 28).
هذه الأصول الستة لا بد في حق المسلم أن يؤمن بها ويقتنع بها، وأنه جل جلاله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم سبحانه وتعالى.
ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالقدر، وأن الله كتب كل شيء. سألوه قالوا: يا رسول الله إذا كان الله كتب كل شيء ففيم العمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام قوله تعالى في سورة والليل إذا يغشى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10]) [7]. أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب (فسنيسره للعسرى)، برقم 4949، ومسلم في كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه برقم 2647.
هكذا بين لهم صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أن الله قدر الأشياء وكتبها، وأنه سبحانه الموفق والهادي لمن يشاء. فعلى العبد أن يعمل ويجتهد ويسأل الله التوفيق، ويأخذ بالخير، لأن الله تعالى أعطاه عقلا يميز به بين الخير والشر، والهدى والضلال، وميزه عن البهائم بهذا العقل العظيم، فعليه أن يختار وله مشيئة وله إرادة، فعليه أن يختار الخير، ويسأل ربه الهداية إليه ويأخذ به، وعليه أن يبتعد عن الشر، ويسأل ربه العافية منه ويحذره ويحذر غيره.
هكذا أمر الله تعالى العباد على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام أن يأخذوا بالخير ويلتزموه، ويسألوا الله الهداية له والتوفيق لأخذه والتمسك به، وعليهم أن يحذروا الشر ويبتعدوا عنه، ويسألوا الله العافية منه، هكذا علمهم صلى الله عليه وسلم.
ونكتفي في هذه الحلقة بهذا التعريف العام عن الإسلام، وفي الحلقة الأخرى -إن شاء الله- يكون فيه البحث عن شرائع الإسلام التي جاءت بها الرسل وعلموها الناس بعدما أخبروهم بالعقيدة التي يلزمهم أن يعتقدوها في الله عزوجل، وفيما أخبرت به الرسل عليهم الصلاة والسلام على وجه عام.
أما التفصيل في الشرائع من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغيرها من الشرائع، وما شرعه الله من ترك المحارم، هذا له حلقة أخرى -إن شاء الله تعالى- نبين فيها جنس الشرائع، وأن الرسل بدأت بالعقائد التي تتعلق بالقلوب وبالإيمان، ثم بينوا شرائع الإسلام التي جاءت بها الرسل، وبينوها لهم عن أمر الله سبحانه وتعالى، ليعملوا بها ويأخذوا بها، وهي ما بين أفعال وأقوال يأخذ بها المكلف، وبين أعمال وأقوال يتركها.
فالشرائع: أفعال وتُرُوك، أشياء تُفعل، وأشياء تُترك. وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بأكملها وأتمها، وبعثه بما يتمم مكارم الأخلاق، ويأتي البحث فيها -إن شاء الله- في الحلقة الآتية.
وأسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعًا، وأن يهدينا صراطه المستقيم إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه[8]. كلمة توجيهية لسماحته صدرت برقم 2350/ خ في تاريخ 19/ 12/ 1419هـ. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 28/ 76).
أسئلة:
س1/ شخص نصراني يسأل يقول كيف أتأكد أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، وأن ما جاء به هو دين الحق وأنه من عند الله ؟
ج1 / يحصل التأكد من ذلك بأمور كثيرة منها ، خبره صلى الله عليه وسلم الذي أخبر به عن أنه خاتم الأنبياء، وأعظم من ذلك وقبل ذلك خبر الله في كتاب العظيم. فإن من آمن بأنه رسول الله، وأن الكتاب حق، أيقن بأنه خاتم الأنبياء لأن القرآن قال أنه خاتم الأنبياء ولأنه قال أنا خاتم الأنبياء، قال الله جل وعلا:
(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ) [الأحزاب : الآية ٤٠]
وتواترت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي» فمن آمن بأنه رسول الله للمعجزات التي عرضها، والقرآن أعظم معجزة، القرآن نفسه أعظم معجزة الدالة على صدقه: لأن مثله لا يقوله بشر، ولا يأتى به أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يأتي به كاتب أيضاً، ولا قارىء، لما فيه من الأحكام العظيمة والأخبار المغيبة ولما فيه من كمال البلاغة وكمال البلاغة هو الإحكام والإتقان، وما فيه من أخبار عن يوم القيامة والآخرة. لا يُقدم عليها إلا من هو صادق مُعَلم من جهة الله عز وجل. ثم ما جرى على يديه من المعجزات العظيمة من انشقاق القمر، هذا من أعظم الآيات التي خصه الله بها، وهكذا ما جرى على يديه من نبوع الماء من بين أصابعه وشاهده المئات من الناس والجمع الغفير من الناس مرات، والبركة في الطعام الذي دعا فيه فصار-وهو قليل جداً- يكفي المئات من الناس والجمع الغفير من الناس، وهو شيء يسير لا يكفي إلا الإثنين والثلاثة ونحو ذلك، ومع أشياء أخرى من المعجزات التي جرت على يديه عليه الصلاة والسلام، فمن آمن بنبوته صدَّق بأنه خاتم الأنبياء وصدَّق بأن القرآن كلام الله لأنه معجزة الأمة.
س /٢ يسأل يقول: تقولون إن المسلم يؤمن برسل الله جميعاً ولا يفرق بينهم، ولكن في الشهادة التي يدخل بها الإنسان إلى الإسلام يقول المسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله . أليس في ذلك رفض للأنبياء الآخرين؟
ج 2/ هذا يقوله أول ما يُسلم الإنسان، لأن هذا هو الرسول الأخير، أمر بأن يصدقه قبل أن يتكلم في الباقين، لأنه هو الرسول المبعوث إليه في زمانه، فعليه أن يُسلم بهذه الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك يعلم ما يتعلق بالرسل جميعاً حتى يؤمن بهم، كما يُعلم بالملائكة والكتب والجنة والنار بعد ذلك.
فالشهادة بأن محمداً رسول الله لابد منها مع شهادة أن لا إله إلا الله حتى يُخْتم بإسلامه، ثم بعد ذلك يعلم بقية أمور الدين، وهكذا في عهد عيسى يُعلم بعيسى وما جاء به، ثم بعد ذلك يعلم بالأنبياء الماضين حتى يؤمن بهم، وهكذا في عهد موسى، وهكذا في عهد من قبله، يعلم برسوله المرسل إليه في زمانه ويؤمن به مع التوحيد ثم يؤمن بالبقية (ببقية الرسل)، وبقية ما يؤمر به من الإيمان من الجنة والنار والملائكة والكتب، هذا بعد إيمانه برسوله الذي في وقته، (الذي بعث اليه). ومحمد صلى الله عليه وسلم له هو الرسول الأخير (هو الخاتم) فوجب على الأمة التي في زمانه وبعد زمانه أن يؤمنوا به أولاً مع الـتـوحـيـد، حتى بعد إيمانهم به يصدقون بالرسل الذين قبله لأنه هو الذي خبر بهم ، فلا يمكن تصديق الماضين إلا بتصديق الحاضر الذي بلغ بهم ، وهو الذي بلغ عنهم وأخبر عن الرسل الماضين فإذا صدقه المصدق حينئذ يصدق بالماضين.