المختصر في صفة الحج

المختصر في صفة الحج

المختصر في صفة الحج الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللغة: العربية
إعداد: اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات
الإصدار: 3.0
ترجمات 44
أمهري آسامي أذري بامبارا +40
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

المختصر في صفة الحج الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذه رسالة مختصرة في صفة الحج، حرصنا فيها على بيان غالب ما يحتاج إليه الحاج.

واللهَ نسأل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها عموم المسلمين.

اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات

تمهيد

شروط قبول العبادة:

العبادة لا تكون مقبولة عند الله تعالى إلا بشرطين:

الإخلاص، وذلك بأن يَقْصِدَ بها وجه الله والدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ...﴾[1]"، [البينة: 5]. [1] أي: مقبلين عليه وعلى عبادته، معرضين عما سواه. تفسير السعدي (ص538)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّمَا ‌الْأَعْمَالُ ‌بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [2]. [2] رواه البخاري، برقم (1)، ومسلم، برقم (1907).

اتباع النبي فيها قولًا وعملًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌مَنْ ‌أَحْدَثَ ‌فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» [3]. وفي رواية: ‌«مَنْ ‌عَمِلَ ‌عَمَلًا ‌لَيْسَ ‌عَلَيْهِ ‌أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [4]. [3] رواه البخاري، برقم (2697)، ومسلم، برقم (1718). [4] رواه مسلم، برقم (1718)

***

أولاً: أحكام المواقيت:

المواقيت: هي الأمكنة التي عيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم لِيُحْرِمَ منها من أراد الحج أو العمرة.

فمن مرَّ بأحدها ناويًا الحج أو العمرة: وجب عليه الإحرام منه، ولم يَجُز له تجاوزه دون إحرام.

ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت: فإن ميقاته مكانه؛ فيُحرم منه للحج والعمرة.

وأما أهل مكة والمقيمون فيها: فيحرمون للحج من مكة، وأما العمرة: فإنهم يخرجون إلى الحل ويُحرمون منه، كالتنعيم ونحوه.

ومن كان في طائرة: فإنه يحرم إذا حاذى الميقات، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه نوى الإحرام في الحال، ولا يجوز له تأخيره إلى أن يهبط في المطار، ويمكن له أن يحتاط فيلبي قبل محاذاة الميقات خشية فوات مكان التلبية؛ لسرعة الطائرة.

ثانيًا: أنواع الأنساك، وأحكامها:

الأنساك ثلاثة: تمتُّع، وإفراد، وقِران.

والتمتع أفضلها لمن لم يَسُقِ الهدي، وهو: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويطوف ويسعى ويتحلل، ثم يحرم بالحج من العام نفسه.

والإفراد: أن يُحرم بالحج وحده، فإذا وصل مكة سُنّ له أن يطوف للقدوم ثم يسعى للحج، ولا يحلق ولا يقصر، ولا يحل من إحرامه، بل يبقى محرمًا حتى يحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد. وإن أخَّر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.

والقِران: أن يحرم بالعمرة والحج جميعًا، فيقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمرةً وَحَجًّا).

وعمل القارن كعمل المفرد سواء، إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد لا هدي عليه.

ثالثًا: صفة الإحرام وأحكامه:

يُشْرَعُ لِمريد الإحرام ما يلي:

1. الاغتسال، وهو سنة مؤكدة في حق الرجال والنساء حتى الحائض والنفساء.

2. التطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام. وأما المرأة فلا يجوز لها التطيب بما له رائحة؛ لئلا يشمها الرجال الأجانب.

3. لبس ثياب الإحرام، وهي إزار ورداء، والسنة أن يكونا أبيضين نظيفين أو جديدين. وتحرم المرأة فيما شاءت من اللباس غير متبرجة بزينة، إلا أنها تجتنب لبس النقاب والقفازين، وتغطي وجهها ويديها بغير ذلك.

4. الإحرام عقب صلاة مشروعة، فريضة كانت أو نافلة، وليس ذلك بواجب.

فيقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً) إن كان معتمرًا، أو (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ حَجًّا) إن كان مفردًا، أو (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً وَحَجًّا) إن كان قارنًا.

وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه فيجوز له أن يشترط عند الإحرام فيقول: (... وَإِن حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي) فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه فإنه يحل ولا شيء عليه.

ثم يكثر من التلبية: (‌لَبَّيْكَ ‌اللَّهُمَّ ‌لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ)[5]، يرفع الرجل صوته بذلك، وكذلك المرأة؛ ما لم تكن بحضرة رجال أجانب. وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل أو النهار. [5] معنى قول الإنسان: (لبيك) أي إجابة لك يا رب، مرة بعد أخرى، ومعناها إجابة الإنسان ربه وأقامته على طاعته. "إن الحمد والنعمة لك والملك " الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فإذا كرر صار ثناء. والنعمة: هي ما يتفضل الله به على عباده من حصول المطلوب ودفع المكروه، وقوله: (الملك) يعني والملك لك، فالله تبارك وتعالى هو المالك وحده، وقوله: (لا شريك لك) أي لا أحد يشاركك بما يختص بالله عز وجل من صفاته الكاملة بما في ذلك انفراده بالملك والخلق والتدبير والألوهية. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (22/ 96) ملخصًا.

التلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبتدئ بالطواف، وفي الحج من الإحرام إلى أن يبتدئ برمي جمرة العقبة يوم العيد.

يجب على المحرم الحذر من الوقوع في شيء من محظورات الإحرام حتى يتحلل من إحرامه.

رابعًا: مَحظوراتُ الإِحرامِ

محظوراتُ الإحرامِ هي:

1. حلقُ الشعرِ أو قصُّه أو نتفُه، مِن أي موضعٍ مِن بدنِه.

2. قصُّ الأظفار كلها أو بعضها من الرجلين أو اليدين.

3. تغطيةُ الرأس بملاصِقٍ له، مِثل: الطاقية، والغترة، والعمامة، ووضع الرداء على رأسه، أو وضع منديلٍ، أو بطانية، أو كرتون، أو غير ذلك مما يُقصَد به التغطية. وهذا خاص بالرجال دون النساء.

4. لبسُ اللِّباس المعتاد المفصَّل على قدر البدن؛ بهيئته المعتادة، مِثلُ: الثوبِ المفصَّلِ، والسراويلَ، والقميصِ، والجَورَبين، والقُفَّازَينِ. وهذا خاص بالرجال دون النساء؛ فإنها إنما تنهى عن:

أ. لبس النِّقاب أو البُرقع أو اللِّثام المشابه للنقاب، ويجب عليها تغطيةُ وجهها عند الرجال الأجانب بالغطاء المعتاد للوجه؛ ولو مسَّ الغِطاء وجهَها، ولا يُشرع لها وضعُ عِصابةٍ – أو نحوها- على رأسها لغرض عدم مماسَّة الغِطاء للوجه؛ لعدم ما يدل على مشروعية ذلك.

ب. لبس القُفَّازين في يديها، ويجبُ عليها تغطيةُ يديها عند الرِّجال الأجانب بوضعها داخل عباءَتها.

5. التطيُّبُ في البَدنِ، أو لِباس الإحرامِ.

6. قتلُ صَيد البَرِّ، أو اصطيادُه وإن لم يقتُله.

7. الخِطبةُ، لنَفسِه أو لغيرِه.

8. عَقدُ النِّكاح.

9. المباشَرةُ فيما دونَ الفرج؛ كتقبيلٍ، ولَمْسٍ بشهوةٍ.

10. الجِماع، وهو الوَطءُ في الفَرْج.

***

خامسًا: صفة الطواف

إذا دخل المحرم المسجد الحرام سُن له أن يقدم رجله اليمنى ويقول دعاء دخول المسجد، ومن أصح ما ورد في ذلك أن يقول: "اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وهذا الدعاء يقوله عند دخول أي مسجد، وليس خاصًا بالمسجد الحرام.

فإذا أراد أن يشرع في الطواف فإنه يضطبع، وصفة الاضطباع: أن يجعل وسط ردائه داخل إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف؛ لأن الاضطباع محله الطواف فقط.

ثم يتقدم إلى الحجر الأسود فيستلم الحجر بيده اليمنى ويُقَبِّلُهُ، فإن لم يتيسر له تقبيله استلمه بيده، وقبّل يده، فإن لم يتيسر له استلامه بيده، استلمه بشيء معه كعصى ونحوها وقبله، فإن لم يتيسر له فإنه يستقبل الحجر ويشير إليه بيده إشارة ولا يقبّلها، والأفضل ألا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم.

ويقول عند استلام الحجر أو الإشارة إليه: (اللهُ أَكْبَرُ).

ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه من غير تقبيل، فإن لم يتيسر فلا يزاحم عليه، ولا يشير إليه.

ويقول بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

وكلما مرَّ بالحجر الأسود أشار إليه بيده وقال: (اللهُ أَكْبَرُ)

ويقول في بقية طوافه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة قرآن.

والسنة أن يَرمُلَ في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والرَمَلُ: إسراع المشي مع مقاربة الخطوات، وأما الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رمل، وإنما يمشي كعادته.

فإذا أتم الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿...وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗى...﴾، [البقرة: 125] ثم صلى ركعتين خلفه إن تيسر، وإلا صلاهما في أي مكان من المسجد، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ويقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾. [الإخلاص: 1]

سادسًا: صفة السعي:

إذا انتهى من الطواف وركعتيه فإنه يخرج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...﴾ ثم يقول: «أَبْدَأُ ‌بِمَا ‌بَدَأَ اللهُ بِهِ» [6]. [6] رواه مسلم، برقم (1218).

ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة أو جهتها فيستقبلها، فيوحد الله، ويكبره، ويقول: «‌لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، ‌أَنْجَزَ ‌وَعْدَهُ، ‌وَنَصَرَ ‌عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [7]. [7] رواه مسلم، برقم: (1218).

ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشيًا، فإذا بلغ العَلَم الأخضر سعى سعيًا شديدًا، فإذا بلغ العَلَم الأخضر الثاني مشى كعادته، ولا يشرع السعي الشديد للنساء.

فإذا وصل إلى المروة شُرع له أن يفعل ما فعله على الصفا (فقرة رقم 2).

ثم ينزل من المروة إلى الصفا ماشيًا، فإذا بلغ العلم الأخضر سعى سعيًا شديدًا، فإذا بلغ العلم الأخضر الثاني مشى كعادته.

وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر.

ويقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة.

سابعًا: صفة الحلق والتقصير

فإذا أتم المعتمر طوافه وسعيه وجب عليه أن يحلق رأسه أو يقصّر منه إن كان رجلاً، والسنة أن يكون الحلق أو التقصير شاملاً لجميع الرأس.

والحلق أفضل من التقصير، إلا أن يكون وقت الحج قريبًا بحيث لا يتسع لنبات شعر الرأس؛ فإن الأفضل الاقتصار على التقصير.

وأما المرأة فإنها تقصر من أطراف شعرها قدر أنملة.

وأما المحرم بالحج مفردًا كان أو قارنًا فلا يأخذ من شعره إلا يوم العيد بعد رمي جمرة العقبة.

وبهذا يكون المعتمر قد أنهى عمرته، وكذلك الحاج المتمتع نسك عمرته.

صفة الحج

أولاً: الإحرام بالحج:

السنة لمن يريد الحج أن يحرم ضحى يوم التروية وهو يوم الثامن من ذي الحجة من مكانه الذي أراد الحج منه، إن كان في مكة أو دون المواقيت، وإلا فمن الميقات الذي يمر به.

ويفعل عند إحرامه بالحج ما فعله عند إحرامه بالعمرة؛ من الغُسل والطيب والصلاة، فينوي الإحرام بالحج ويلبي، وصفة التلبية في الحج كصفة التلبية في العمرة إلا أنه يقول هنا: (لَبَّيْكَ حَجًّا) بدل قوله (لَبَّيْكَ عُمْرَةً).

وإذا كان خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه فيجوز له أن يشترط عند الإحرام فيقول: (...وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي) فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه فإنه يحل ولا شيء عليه.

ثم يكثر من التلبية: (‌لَبَّيْكَ ‌اللَّهُمَّ ‌لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ)، يرفع الرجل صوته بذلك، وكذلك المرأة؛ ما لم تكن بحضرة رجال أجانب. وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل أو النهار.

والتلبية مشروعة من الإحرام إلى أن يبتدئ برمي جمرة العقبة يوم العيد.

يجب على المحرم الحذر من الوقوع في شيء من محظورات الإحرام حتى يتحلل من إحرامه.

***

ثانيًا: المبيت بمنى:

ثم يسن له أن يخرج إلى منى في اليوم الثامن؛ فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر؛ قصرًا من غير جمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَقصُرُ بمنى، ولا يَجمَع.

ثالثاً: الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة:

فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع يوم عرفة سار من منى إلى عرفة فنزل بنمرة إلى الزوال إن تيسر له، وإلا فلا حرج؛ لأن النزول بنمرة سنة.

فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمع تقديم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، ويدعو بما أحب رافعًا يديه مستقبلاً القبلة.

وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم: "‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌اللَّهُ، ‌وَحْدَهُ ‌لَا ‌شَرِيكَ ‌لَهُ، ‌لَهُ ‌الْمُلْكُ، ‌وَلَهُ ‌الْحَمْدُ، ‌وَهُوَ ‌عَلَى ‌كُلِّ ‌شَيْءٍ ‌قَدِيرٌ".

فإن حصل له تعب وأراد أن يستَجِمَّ بالتحدث مع أصحابه بالأحاديث النافعة أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة خصوصًا فيما يتعلق بكرم الله وجزيل هباته؛ ليَقوَى جانب الرجاء في ذلك اليوم كان ذلك حسنًا، ثم يعود إلى التضرع إلى الله ودعائه، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء، فإن خير الدعاء دعاء يوم عرفة.

فإذا غربت الشمس من يوم عرفة سار إلى مزدلفة.

فإذا وصلها صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين جمعًا.

وإن كان يخشى ألا يصل مزدلفة إلا بعد نصف الليل فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل.

ويبيت بمزدلفة، فإذا تبين الفجر صلى الفجر مبكراً بأذان وإقامة.

ثم يقصد المشعر الحرام، فيوحد الله ويكبره ويدعو بما أحب حتى يسفر جدًا، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «‌وَقَفْتُ ‌هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» [8]، ويكون حال الذكر والدعاء مستقبلاً القبلة رافعاً يديه. [8] رواه أبو داود، برقم (1936).

رابعًا: أعمال يوم العيد:

إذا أسفر جدًا دفع من مزدلفة - قبل أن تطلع الشمس - إلى منى، ويسرع في وادي محسّر.

فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة، وهي الأخيرة مما يلي مكة، بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، كل واحدة بقدر نواة التمر تقريبًا، يكبر مع كل حصاة.

ثم يذبح هديه إن تيسر.

ثم يحلق رأسه أو يقصر إن كان رجلًا، والحلق أفضل، وأما المرأة فيشرع لها التقصير دون الحلق.

فإذا رمى وحلق فقد تحلَّل التحلُّلُ الأول، فيحل له كل شيء إلا النساء.

ثم ينزل إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يسعى سعي الحج إن كان متمتعًا، أو كان مفردًا أو قارنًا ولم يسع بعد طواف القدوم، وله أن يؤخر الطواف والسعي إلى الليل أو اليوم الثاني حسب ما تيسر له.

خامسًا: أعمال أيام التشريق

فإذا رمى وحلق وطاف وسعى فقد تحلَّلَ الحِلُّ كله، وحَلَّ له كل شيء حتى النساء.

فيرجع إلى منى فيبيت بها ليلة اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إن كان متأخرًا.

ويرمي الجمرات الثلاث إذا زالت الشمس.

فيرمي في اليوم الحادي عشر الجمرة الأولى -وهي أبعد الجمرات عن مكة وأقربها إلى مسجد الخيف -بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، ويكبر مع كل حصاة. ثم يتقدم قليلاً ويدعو دعاء طويلاً بما أحب، فإن شق عليه طول الوقوف والدعاء دعا بما يسهل عليه ولو قليلاً ليحصل السنة.

ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك ويدعو بعدها.

ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، إلا أنه ينصرف ولا يدعو بعدها.

ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني عشر مثل اليوم الحادي عشر؛ فإذا أتم رمي الجمار، فإن شاء تَعَجَّلَ ونزل من منى.

وإن شاء تأخر فبات بها ليلة الثالث عشر ورمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق، والتأخر أفضل.

ولا يجب التأخر إلى اليوم الثالث عشر إلا أن تغرب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو بمنى؛ فإنه يلزمه التأخر حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال.

لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره مثل أن يكون قد ارتحل وركب لكن تأخر بسبب زحام السيارات ونحوه؛ فإنه لا يلزمه التأخر؛ لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره.

سادسًا: طواف الوداع:

فإذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع.

إلا الحائض والنفساء فليس عليهما وداع، ولا ينبغي أن يقفا عند باب المسجد الحرام للوداع؛ لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويجعل طواف الوداع آخر عهده بالبيت إذا أراد أن يرتحل للسفر.

فإن بقي بعد الوداع لانتظار رفقة أو تحميل حقائبه أو اشترى حاجة في طريقه فلا حرج عليه، ولا يُعيد الطواف إلا أن ينوي تأجيل سفره، مثل أن يريد السفر في أول النهار فيطوف للوداع، ثم يؤجل السفر إلى آخر النهار مثلاً، فإنه يلزمه إعادة الطواف ليكون آخر عهده بالبيت.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.