آداب السفر وأحكامه
آداب السفر وأحكامه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
آداب السفر وأحكامه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في آداب السفر وأحكامه، حرصنا فيها على بيان غالب ما يحتاج إليه المسافر.
واللهَ نسأل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها عموم المسلمين.
اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات
أولا: آداب السفر
ينبغي لمن سافر للحج أو غيره من العبادات أن يعتني بما يلي:
1. يستخير اللَّه سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق، وجهة الطريق إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح، وأما الحج والعمرة؛ فإنهما خير لا شك فيه، وصفة الاستخارة: أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
2. يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه اللَّه تعالى، والتقرب إليه، وأن يحذر قصد حطام الدنيا أو المفاخرة أو حيازة الألقاب أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110] وفي الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [1]. [1] رواه مسلم، برقم (2985).
3. على الحاج والمعتمر التَّفَقُّه في أحكام العمرة والحج، وأحكام السفر قبل أن يسافر؛ لئلا يترك واجبًا أو يقع في محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [2]. [2] رواه البخاري، برقم (3116)، ومسلم، برقم (100).
4. على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه وعمرته؛ لأن اللَّه طيِّبٌ لا يقبل إلا طيّبًا؛ ولأن المال الحرام سبب عدم إجابة الدعاء.
5. التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وإن كان عنده للناس مظالم ردّها وتحللهم منها، سواء كانت: عرضًا أو مالاً، أو غير ذلك.
6. يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [3] ويُشهد عليها، ويقضي ما عليه من الديون، ويرد الودائع إلى أهلها أو يستأذنهم في بقائها. [3] رواه البخاري، برقم (2738)، ومسلم، برقم (1627).
7. يُستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح، ويحرص أن يكون من طلبة العلم الشرعي؛ فإن هذا من أسباب توفيقه وعدم وقوعه في الأخطاء في سفره وفي حجه وعمرته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» [4]؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» [5]. [4] رواه أبو داود، برقم (4833). [5] رواه أبو داود، برقم (4832)، والترمذي، برقم (2395).
8. يُستحب للمسافر أن يُودِّع أهله، وأقاربه، وجيرانه، وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ فَلْيَقُلْ لِمَنْ يُخَلِّفُ: أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا يُضِيعُ وَدَائِعَهُ» [6]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُوَدِّع أصحابه إذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: «أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ»[7]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمن طلب منه أن يوصيه من المسافرين: «زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُ مَا كُنْتَ» [8] وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد سفرًا فقال: يا رسول اللَّه أوصني، فقال: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» فَلَمَّا مَضَى قَالَ: « اللَّهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» [9]. [6] رواه الطبراني، برقم (823). [7] رواه أحمد في مسنده، برقم (4524). [8] رواه الترمذي، برقم (3444). [9] رواه أحمد في مسنده، برقم (9724).
9. لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ» [10]. [10] رواه مسلم، برقم (2113).
10. إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن فأي زوجة وقعت عليها القرعة خرجت معه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» [11]. [11] رواه البخاري، برقم (2593)، ومسلم، برقم (2770).
11. يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار إن تيسر له ذلك؛ لفعله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك رضي الله عنه: «لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ» [12]. [12] رواه البخاري، برقم (2949).
12. يستحبُّ له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل عند السفر وغيره، فيقول عند خروجه: «بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» [13]. [13] رواه أبو داود، برقم (5094).
13. يستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب دابته، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَقُولُ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ [14] السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المنظر[15]، وسوء الْمُنْقَلَبِ[16] فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ..» [17]. [14] وعثاء السفر: هي شدته. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 284). [15] سوء الهيئة والانكسار من الحزن. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 284). [16] (المنقلب): هو الرجوع. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 284). [17] رواه أحمد في مسنده، برقم (6374).
14. يستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» [18]. [18] رواه البخاري، برقم (2998).
15. يؤمِّر المسافرون أحدَهم؛ ليكون أجمعَ لشملهم، وأدعى لاتفاقهم، وأقوى لتحصيل غرضهم، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» [19]. [19] رواه أبو داود، برقم (2608).
16. أن يحرص على القيام بما أوجب الله عليه من الطاعات واجتناب المحرمات وأن يتخلق بالأخلاق الفاضلة، فيُعين من يحتاج إلى العون والمساعدة، ويبذل العلم لطالبه والمحتاج إليه، ويكون سخيًا بماله، فيبذله في مصالح نفسه ومصالح إخوانه وحاجاتهم.
17. ينبغي أن يُكثر من النفقة وحاجات السفر، لأنه ربما تعرض الحاجة وتختلف الأمور.
18. ينبغي أن يكون في ذلك كله طَلْقَ الوجه، طيب النفس، حريصًا على إدخال السرور على رفقته؛ ليكون أليفًا مألوفًا.
19. ينبغي أن يصبر على ما يحصل من جفاء رفقته ومخالفتهم لرأيه، ويداريهم بالتي هي أحسن، ليكون محترمًا بينهم، مُعظّمًا في نفوسهم.
20. يستحب إذا نزل المسافرون منزلاً أن ينضمّ بعضهم إلى بعض، فقد كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ» [20]، فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط عليهم ثوب لوسعهم. [20] رواه أحمد في مسنده، برقم (17736).
21. يستحبّ إذا نزل منزلاً في السفر أو غيره من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» [21]؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. [21] رواه مسلم، برقم (2708).
22. يستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية، قال جابر رضي الله عنه: "كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا" [22]، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» [23]. [22] رواه البخاري، برقم (2994). [23] رواه البخاري، برقم (2993).
23. يستحبّ له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ««عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» [24]. [24] رواه أبو داود، برقم (2571).
24. يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» [25]. [25] رواه أحمد في مسنده، برقم (10771).
***
ثانيا: الطهارة في السفر
يجب على المسافر أن يعتني بطهارته، فيتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الجنابة.
فإن لم يجد الماء، أو كان معه ماء قليل يحتاجه لطعامه وشرابه، فإنه يتيمم.
وكيفية التيمم: أن يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه.
وطهارة التيمم طهارةٌ مؤقتة، فمتى وجد الماء بَطلت ووجب عليه استعماله، فإذا تيمم عن جنابة ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال عنها، وإذا تيمم من الغائط ثم وجد الماء وجب عليه الوضوء عنه. وفي الحديث: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» [26]. [26] رواه البزار في مسنده، برقم (10068).
المسح على الخُفَّيْن مشروع بالكتاب، والسنة وإجماع أهل السنة.
ويشترط للمسح على الخفين وما في معناهما شروط:
1. أن يكون الخُفَّان أو الجوربان مباحين طاهرين.
2. أن يلبسهما على طهارةٍ.
3. أن يكونا ساترين لمحل الفرض.
4. أن يكون المسح في الحدث الأصغر، فلا يجوز المسح في الجنابة ولا فيما يوجب الغسل.
5. أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر.
ويبطل المسح عليهما بأحد ثلاثة أمور:
1. إذا حدث ما يوجب الغسل كالجنابة بطل المسح ولا بد من غسل.
2. إذا خلعهما بعد المسح عليهما.
3. إذا انقضت المدة المعتبرة شرعاً بطل المسح.
***
ثالثا: أحكام قصر الصلاة في السفر:
القصر في السفر أفضل من الإتمام؛ ولكن لو أتم المسافر الصلاة الرباعية أربعًا فصلاته صحيحة ولكنه خالف الأفضل.
يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فله قصرها؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها.
وأما الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فهو سنة للمسافر عند الحاجة إليه، إذا جَدَّ به السير واستمر به، فيفعل ما هو الأرفق به من جمع التقديم أو التأخير.
وأما إذا لم يكن المسافر محتاجًا للجمع فلا يجمع، مثل أن يكون نازلاً في مكان لا يريد أن يرتحل منه إلا بعد دخول وقت الثانية، فالأولى عدم الجمع؛ لأنه غير محتاج إليه، ولذلك لم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم حين كان نازلاً في منى في حَجّة الوداع؛ لعدم الحاجة إليه.
وأما صلاة التطوع، فيتطوع المسافر بما يتطوع به المقيم، فيصلي صلاة الضحى وقيام الليل والوتر وغيرها من النوافل سوى راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة أن لا يُصليها.
يصح التطوع على المركوب في السفر: من طائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز.
صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم.
***
رابعًا: آداب العودة من الحج والعمرة أو السفر
ينبغي أن يتعجّل في العودة ولا يطيل المكث في السفر لغير حاجة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» [27]. [27] رواه البخاري، برقم (1804)، ومسلم، برقم (1927).
فإذا أراد الرجوع إلى بلده فإنه يقرأ دعاء السفر عند ركوبه على مركوبه، ويزيد عليه: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» [28]. [28] رواه البخاري، برقم (1797)، ومسلم، برقم (1342).
يستحبّ له أن يقول أثناء رجوعه من سفره ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قفل من غزوٍ، أو حجٍّ، أو عمرةٍ، يكبِّر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» [29]. [29] رواه البخاري، برقم (4116).
يستحبّ له إذا رأى بلدته أن يقول: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» [30]، ويردِّد ذلك حتى يدخل بلدته؛ لفعله صلى الله عليه وسلم. [30] رواه البخاري، برقم (1797)، ومسلم، برقم (1342).
لا يَقْدُمُ على أهله ليلاً إذا أطال الغَيْبة لغير حاجة إلا إذا بلَّغهم بذلك، وأخبرهم بوقت قدومه ليلاً؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا» [31]، ومن الحكمة في ذلك ما فسَّرته الرواية الأخرى: «حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ [32]، وَتَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ» [33]، وفي أخرى: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ» [34]. [31] رواه مسلم، برقم (715). [32] (الشعثة): التي طال عهدها بالدهن والمشط، و (الاستحداد): استعمال الحديد، و (المغيبة): التي غاب زوجها.التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني (ص292). [33] رواه النسائي، برقم (9099). [34] رواه مسلم، برقم (715).
يستحبّ للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد الذي بجواره ويُصلِّي فيه ركعتين؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطَّف بالوِلْدَان من أهل بيته وجيرانه ويحسن إليهم إذا استقبلوه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة استقبله أُغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه والآخر خلفه. وقال عبد اللَّه بن جعفر رضي الله عنه: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِنَا، قَالَ: فَتُلُقِّيَ بِي وَبِالْحَسَنِ أَوْ بِالْحُسَيْنِ، قَالَ: فَحَمَلَ أَحَدَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْآخَرَ خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ" [35]. [35] رواه مسلم، برقم (2428).
تستحبّ الهدية، لما فيها من تطييب القلوب وإزالة الشحناء، ويستحب قبولها، والإثابة عليها، ويكره ردّها لغير مانع شرعي؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» [36]. والهدية سبب من أسباب المودة بين المسلمين. [36] رواه البيهقي في السنن الكبرى، برقم (11946).
إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة؛ لما ثبت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أنس رضي الله عنه: "كانوا إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا" [37]. [37] رواه الطبراني في الأوسط، برقم (97).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.