فتاوى المرضى

فتاوى المرضى

أحكام الشريعة الإسلامية جاءت بكل ما يحتاجه المسلم في جميع أحواله، ومن ذلك ما يتعلق بطهارة المريض وصلاته وصيامه، وما يترتب على المرض من أجر وفوائد، وكيفية علاجه ورقيته، وأيضا بعض المسائل التي تهم المريض أو تخص المرأة. فصيغت هذه المادة بطريقة ميسرة وسهلة، وعلى طريقة السؤال والجواب، ومناسبة للترجمة لغير الناطقين بالعربية لكثرة عددهم في هذا الزمان.

اللغة: العربية
إعداد: الفريق العلمي بجمعية المحتوى الإسلامي للغات
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

بسم الله الرحمن الرحيم

الـمُقَدِّمَة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الشريعة الإسلامية جاءت بكل ما يحتاجه المسلم في جميع أحواله، ومن ذلك ما يتعلق بطهارة المريض وصلاته وصيامه، وما يترتب على المرض من أجر وفوائد، وكيفية علاجه ورقيته، وأيضا بعض المسائل التي تهم المريض أو تخص المرأة.

ولذا أعدت هذه المادة بطريقة ميسرة وسهلة، وعلى طريقة السؤال والجواب، ومناسبة للترجمة لغير الناطقين بالعربية لكثرة عددهم في هذا الزمان.

واشتمل على تسعة فصول:

الفصل الأول: أحكام الطهارة للمريض.

الفصل الثاني: أحكام الصلاة للمريض.

الفصل الثالث: أحكام الصيام للمريض.

الفصل الرابع: أحكام ومسائل تختص بالمرأة.

الفصل الخامس: أحكام التداوي.

الفصل السادس: أحكام الرقية الشرعية.

الفصل السابع: من أسباب الشفاء.

الفصل الثامن: من فوائد المرض.

الفصل التاسع: مسائل وأحكام وآداب عامة.

وقد قام على إعداد هذه المادة الفريق العلمي بجمعية المحتوى الإسلامي للغات.

فنسأل الله أن يجعل ما بذل في موازين الحسنات، وأن ينفع بهذا الجهد جميع الأنام.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الفصل الأول: أحكام الطهارة للمريض

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض في طهارته، واشتمل الإجابة على إحدى عشر مسائلة، وهي:

الطهارة للمريض إذا أراد الصلاة، وكيف يتطهر؟

كيفية استنجاء المريض أو استجماره لإزالة النجاسة قبل الوضوء.

صفة التيمم، وهل يكفي لأكثر من فريضة، وبماذا يبطل التيمم؟

أحكام المسح على اللصق أو الجبيرة.

كيف يتطهر المريض المصاب بسلس البول؟

كيف يتطهر المريض المصاب بخروج الغازات؟

كيف يتوضأ المريض المركب له كيس للبول؟

كيفية طهارة من ابتُلي بالبواسير.

كيفية وضوء من به شَلَلٌ.

كيف يغتسل المريض من الجنابة.

حكم من لم يستطع الوضوء أو التيمم.

المسألة الأولى: الطهارة للمريض إذا أراد الصلاة، وكيف يتطهر؟

يجب على المريض ما يجب على الصحيح من الطهارة بالماء من الحدثين الأصغر والأكبر، فيتوضأ من الحدث الأصغر ويغتسل من الحدث الأكبر.

ولابد قبل الوضوء من الاستنجاء بالماء، أو الاستجمار بالحجارة أو ما يقوم مقامها في حق من بال أو أتى الغائط؛ لتتم الطهارة والنظافة.

فإذا لم يستطع المريض استعمال الماء؛ لعجزه أو لخوفه من زيادة مرضه أو تأخر شفائه، فإنه يتيمم.

ويجب على المريض إذا أراد أن يصلي أن يجتهد في طهارة بدنه وثيابه ومكان صلاته من النجاسات، فإن لم يستطع صلى على حاله ولا حرج عليه. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (24/ 405) الفتوى رقم (17798)))).

المسألة الثانية: كيفية استنجاء المريض أو استجماره لإزالة النجاسة قبل الوضوء.

الاستنجاء أو الاستجمار واجب لكل خارج من السبيلين كالبول والغائط. وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء، إنما عليه الوضوء؛ لأن الاستنجاء إنما شُرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هاهنا.

والاستجاء يكون بالماء والاستجمار يكون بالحجارة أو ما يقوم مقامها، ولا بد فيه من ثلاثة أحجار طاهرة، لِمَا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من استجمر فليوتر» (((رواه البخاري: 161، ومسلم: 237، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)))، ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب –أي: يستنجي- بهن، فإنها تجزئ عنه» (((رواه أبو داود: 40، من حديث عائشة رضي الله عنها)))، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار (((رواه مسلم: 262، من حديث سلمان رضي الله عنه))).

ولا يجوز الاستجمار بالرَّوث والعظام والطعام؛ وكل ما له حُرمة. والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة وما أشبهها كالمناديل، ثم يُتبعها الماء؛ لأن الحجارة تزيل عين النجاسة، والماء يطهِّر المحل، فيكون أبلغ. والإنسان مخير بين الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة وما أشبهها.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوةً من ماء فيستنجي بالماء (((رواه البخاري: 150، ومسلم: 271))).

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لجماعة من النساء: مرن أزواجكن أن يستطيبوا –أي: يستنجوا- بالماء فإني أستحييهم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله (((رواه الترمذي: 19، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم))).

وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يطهِّر المحل ويزيل العين والأثر وهو أبلغ في التنظيف، وإن اقتصر على الحجر أجزأه ثلاثة أحجار إذا نَقِي بهن المحل، فإن لم تكف زاد رابعًا وخامسًا حتى يَنْقى المحل، والأفضل أن يكون على وتر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استجمر فليوتر» (((رواه البخاري: 161، ومسلم: 237، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه))).

ولا يستنجي ولا يستجمر باليد اليمنى؛ لقول سلمان رضي الله عنه في حديثه: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحدنا بيمينه (((رواه مسلم: 262)))، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه» (((رواه البخاري: 154، ومسلم: 267 من حديث أبي قتادة رضي الله عنه))).

وإن كان أقطع اليد اليسرى أو بها كسر أو مرض ونحوهما استجمر بيمينه للحاجة ولا حرج في ذلك. (((ينظر: «أحكام صلاة المريض» للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (ص: 4-7)))).

المسألة الثالثة: صفة التيمم، وهل يكفي لأكثر من فريضة، وبماذا يبطل التيمم؟

إذا كان المريض يتضرر باستعمال الماء، أو كان لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه وليس عنده من يوضئه، أو لم يكن واجدا للماء فإنه يتيمم؛ لقوله سبحانه: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43].

والتيمم هو: أن يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه. وإذا كان في يديه جبس مسح بالتراب على الجبس.

وحد الوجه في التيمم كالوضوء، من أعلى الجبهة إلى اللحية، ومن الأذن إلى الأذن، ويمسح يديه ظاهرهما وباطنهما من مفصل الكف إلى أطراف الأصابع.

ويجوز أن يتيمم على كل شيء طاهر له غبار، ولو كان على غير الأرض، كأن يتطاير الغبار مثلًا على جدار أو نحوه فيجوز أن يتيمم عليه.

وإن بقي على طهارته من التيمم الأول صلى به كالوضوء، ولو عدة صلوات، ولا يلزمه تجديد تيممه؛ لأنه بدل الماء، والبدل له حكم المُبدَل.

ويبطل التيمم بكل ما يُبْطِل الوضوء، وبالقدرة على استعمال الماء أو وجوده إن كان معدومًا. (((ينظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (10/ 194)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (24/ 406) الفتوى رقم (17798)))).

المسألة الرابعة: أحكام المسح على اللصق أو الجبيرة.

الجبيرة في الأصل ما يُجبَر به الكسر، وهي ما يوضع على موضع الطهارة لحاجة، مثل الجبس الذي يكون على الكسر، أو اللصقة التي تكون على الجرح، أو على ألم في الظهر أو ما أشبه ذلك، فالمسح عليها يُجزئ عن الغسل.

فإذا فرضنا أن بذراع المتوضئ لصقة على جرح يحتاج إليها، فإنه يمسح عليها بدلًا عن الغسل وتكون هذه الطهارة كاملة، بمعنى أنه لو فُرض أن هذا الرجل نزع هذه الجبيرة أو اللصقة، فإن طهارته تبقى ولا تنتقض؛ لأنها تمت على وجه شرعي. ونزع اللصقة ليس هناك دليل على أنه ينقض الوضوء أو ينقض الطهارة.

ونستطيع أن نقول: إنه إذا وُجد جرح في أعضاء الطهارة، فله مراتب:

المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفًا ولا يضره الغسل، ففي هذه المرتبة يجب عليه غسله.

المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفًا ويضره الغسل دون المسح، ففي هذه المرتبة يجب عليه المسح دون الغسل.

المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفًا ويضره الغسل والمسح، فهنا يتيمم له بعد أن يغسل الأعضاء الصحيحة.

المرتبة الرابعة: أن يكون مستورًا بلصقة أو شبهها محتاج إليها، وفي هذه المرتبة يمسح على هذا الساتر، ويغنيه عن غسل العضو ولا يتيمم. (((«مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين» (11/ 171)))).

المسألة الخامسة: كيف يتطهر المريض المصاب بسلس البول؟

سلس البول هو: استمرار خروجه بدون إرادة من الإنسان، وهو من الأمراض التي قد تُعالج ويَشفي الله المريض منها، ولهذا ننصح من حصل له ذلك أن يعرض نفسه على الطبيب أولًا وقبل كل شيء، فلعل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في ذلك شفاء ورحمة.

وعليه أن يستنجي ويتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويغسل ما يصيب بدنه وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبًا طاهرًا إن لم يشق عليه، ويحتاط لنفسه احتياطًا يمنع انتشار البول في ثوبه أو جسمه أو مكان صلاته بوضع حافظ على رأس الذكر.

ووضوؤه صحيح حتى ولو خرج منه شيء أثناء الوضوء أو بعده؛ لأنه لا طاقة له في منع هذا الخارج، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا﴾ [البقرة: 286]، وقال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (24/ 408) الفتوى رقم (17798)، و«فتاوى نور على الدرب» للعثيمين (7/ 2، بترقيم الشاملة آليا)))).

المسألة السادسة: كيف يتطهر المريض المصاب بخروج الغازات؟

المريض الذي لا يتمكن من حبس الغازات، بمعنى أنها تخرج بغير اختياره، فإذا كانت مستمرة معه، فإن حكمها حكم من به سلس البول، يتوضأ للصلاة عند دخول وقتها ويصلي، وإذا خرج منه شيء أثناء الصلاة فإن صلاته لا تبطل بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]. (((«مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (11/ 197)))).

المسألة السابعة: كيف يتوضأ المريض المركَّب له كيس للبول؟

المريض المركب له كيس للبول يتوضأ إذا دخل الوقت، ويصلي على حاله، ولا يضره ما يخرج منه أثناء صلاته، وإن شق عليه الوضوء تيمم وصلى؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]. (((ينظر: «فتاوى عاجلة لمنسوبي الصحة» للشيخ ابن باز (ص14)))).

المسألة الثامنة: كيفية طهارة من ابتلي بالبواسير.

البواسير منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، فإن كان الباسور خارجيًّا: فلا ينقض الوضوء، وهو يشبه حكم الدمامل، وعليه تنظيف ثيابه وبدنه، فإن شق ذلك عليه فلا يلزمه غسل الثياب ولا تبديلها دفعًا للحرج والمشقة.

وما كان داخليّاً ويسيل للخارج: فإن كان متقطعًا فهو ناقض للوضوء. وإن كان مستمرًّا فحكمه حكم سلس البول، فيتوضأ بعد دخول الوقت، ويصلي على حاله. لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16].

المسألة التاسعة: كيفية وضوء من به شَلَلٌ.

المريض الذي يعجز عن الحركة ولا يستطيع جلب الماء والوضوءَ له: إن كان يجد مَن يُحضِر له الماء في وقت الصلاة، ويساعده على وضوئه، فالوضوء واجب في حقه. وله أن يجمع بين الصلاتين للمشقة.

وإن خاف خروج الوقت قبل مجيء من يساعده على الوضوء، فله أن يتيمم، ولا إعادة عليه.

وإن كان لا يجد من يُعينه على وضوئه، ولو بأجرة، جاز له التيممُ حينئذٍ، ويأخذ حكم عادم الماء.

ومن كان يستطيع غسلَ بعض أعضاء الوضوء، ويمنعه مرضُه من غسلِ بقيتها، فالواجبُ عليه أن يغسلَ ما استطاع من أعضاء الوضوء، ويتيمَّم عمَّا تركه. (((ينظر: «المغني» لابن قدامة (1/ 176)))).

المسألة العاشرة: كيف يغتسل المريض من الجنابة.

من رحمة الله تعالى بهذه الأمة، وتخفيفه عنها، ما لم يخفف عن الأمم التي قبلها أن رخص الله تعالى للمريض الذي يعجز عن استعمال الماء، أو يشق استعماله عليه مشقة لا يحتملها: أن يتيمم، فالمريض الذي به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء فأجنب – يجوز له التيمم، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك وتيمم للباقي. (((ينظر: «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» للشيخ ابن باز رحمه الله (12/ 240)))).

المسألة الحادية عشر: حكم من لم يستطع الوضوء والتيمم.

العاجز عن استعمال الماء والتيمم معذور، وعليه أن يصلي في الوقت بغير وضوء ولا تيمم؛ لقوله سبحانه: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (((رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وينظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (10/ 194)))).

الفصل الثاني: أحكام الصلاة للمريض

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض في صلاته، واشتمل الإجابة على إحدى عشر مسائلة، وهي:

حكم صلاة المريض.

هل يصح أن يصلي أحد عن المريض؟

كيفية صلاة المريض.

شرط استقبال القبلة للمريض.

كيفية صلاة من به شَلَلٌ.

صلاة الجماعة للمريض.

جمع الصلاتين للمريض

حكم صلاة المريض الذي لا يتحكم في خروج النجاسة.

حكم تأخير الصلاة عن وقتها بسبب الغسيل الكلوي.

هل يصلي المريض قبل إجراء العملية والوقت لم يحن بعد أم يؤخر الصلاة حتى يكون قادرا على أدائها؟

قضاء الصلوات الفائتة على المريض.

المسألة الأولى: حكم صلاة المريض.

لا يجوز لمسلم ترك الصلاة المفروضة حتى يفوت وقتها، ولو كان مريضًا، ما دام عقله ثابتًا، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته، وأما ما يفعله بعض المرضى من تأخير الصلاة حتى يُشفى من مرضه فهو أمر لا يجوز، ولا أصل له في الشرع المطهر.

وإن شق على المريض فِعلُ كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير، حسبما تيسر له، أما الفجر فلا تُجمع لما قبلها ولا لما بعدها؛ لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (24/ 410) الفتوى رقم (17798)))).

المسألة الثانية: هل يصح أن يصلي أحد عن المريض؟

الصلاة لا ينوب فيها أحد عن أحد، فإن كان المريض عاجزًا عن الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، فإذا عجز عن القعود صلى على جنبه، فإذا عجز عن الجنب صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، هذا هو الواجب عليه.

أما من عجز عن الصلاة عجزًا كليًّا بمعنى أنه قد تغير عقله بسبب خرف، أو صار كبير السن لا يعي، فلا صلاة عليه ولا يُصلَّى عنه، وهكذا لو كان معتوهًا مجنونًا فليس عليه صلاة، أما العاقل المكلَّف فعليه الصلاة على حسب حاله؛ قائمًا أو قاعدًا أو على جنبه أو مستلقيًا، هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (((رواه البخاري: 1117)))، وقد قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16] ((( ينظر«فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن باز رحمه الله، بعناية الشويعر (12/ 474)))).

المسألة الثالثة: كيفية صلاة المريض.

يجب على المريض أن يصلي قائمًا قدر استطاعته، فإن لم يستطع صلى جالسًا، والأفضل أن يكون متربِّعًا في كل القيام. فإن عجز عن الصلاة جالسًا صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، والمستحب أن يكون على جنبه الأيمن. فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة.

ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائمًا ويومئ بالركوع، ثم يجلس ويومئ بالسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع.

فإن كان لا يستطيع الإيماء برأسه: كبر وقرأ ونوى بقلبه جميع أفعال الصلاة. أما ما يفعله بعض المرضى من الإشارة بالإصبع فلا أصل له.

ومتى قدر المريض في أثناء صلاته على ما كان عاجزًا عنه وجب عليه الإتيان به، وبنى على ما مضى من صلاته.

وإذا نام المريض أو غيره عن صلاة أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه من النوم أو حال ذِكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]» (((رواه البخاري: 597، ومسلم: 684 واللفظ له. وينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (24/ 409) الفتوى رقم (17798)))).

المسألة الرابعة: شرط استقبال القبلة للمريض.

من شروط صحة الصلاة: استقبال القبلة، ولا تصح الصلاة إلا به؛ لأن الله تعالى أمر به وكرر الأمر به في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُ﴾ [البقرة: 150]. أي: جهته.

لكن المريض إذا كان عاجزًا عن استقبال القبلة، كأن يكون وجهه إلى غير القبلة ولا يستطيع التحول إلى القبلة، ولا يوجد من يحوِّله، فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقوله سبحانه: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (((رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وينظر: «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (12/ 433)))).

المسألة الخامسة: كيفية صلاة مَن به شَلَلٌ.

المريضُ المصابُ بالشّللِ يجب عليه أن يأتي بأركان الصلاة التي يستطيعها؛ لأن العاجز عن الفعل لا يكلَّفُ به، فمن عجز عن القيام صلى قاعدًا، فإن عجز عن الصلاة جالساً صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، ... وهكذا كما سبق في كيفية صلاة المريض. (((ينظر: «المنتقى من فتاوى الفوزان» (4/ رقم 27)))).

المسألة السادسة: حكم صلاة الجماعة للمريض.

المريض الذي تلحقه مشقة بذهابه إلى المسجد يُعذر في تركه صلاة الجماعة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، وقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286].

ولقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة» (((رواه مسلم: 654))).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر» قيل لابن عباس: ما هو العذر؟ قال: خوف أو مرض (((رواه أبو داود: 551))).

ويجوز للمريض الذي لا يستطيع الصلاة في المسجد أن يصلي جماعةً مع امرأته في البيت، لكن تكون خلفه، ما تكون عن يمينه ولا عن شماله، يكون موقفها خلفه في الفريضة أو النافلة. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب» لابن باز بعناية الشويعر (6/ 144، 355)))).

المسألة السابعة: حكم جمع الصلاتين للمريض.

المريض الذي يشق عليه أداء الصلاة في وقتها يجوز له الجمع بين الصلاتين، فيجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، تقديمًا أو تأخيرًا حسب الأيسر له؛ فإن المشقة الحاصلة بسبب المرض من الأعذار المبيحة للجمع بين الصلاتين، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة المستحاضة وهي التي ينزل منها الدم في غير أيام عادتها، رخص لها أن تجمع بين الصلاتين. (((رواه الترمذي: 128، من حديث حمنة بنت جحش، وقال أحمد بن حنبل والترمذي: هذا حديث حسن صحيح))) والاستحاضة نوع مرض.

ويجب التنبيه على أن المريض الذي جاز له الجمع بين الصلاتين، يصلي كل صلاة تامة من غير قصر، فإن القصر لا يجوز إلا للمسافر. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» السؤال الثالث من الفتوى رقم (16340) (6/ 358)، «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (12/ 145)))).

المسألة الثامنة: حكم صلاة المريض الذي لا يتحكم في خروج النجاسة.

المريض الذي لا يستطيع أن يتحكم في خروج النجاسة من بدنه حكمه حكم من به سلس دائم، فيجوز لمن ابتُلي بهذا أن يجمع بين الصلاتين إن شقَّ عليه أداء كل صلاة في وقتها، على أن يكون وضوؤه للظهر والعصر بعد دخول الوقت، وهكذا المغرب والعشاء يكون وضوؤه لهما بعد دخول الوقت‏، وهذا من اليسر ورفع الحرج الذي جاءت به الشريعة. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» السؤال الرابع من الفتوى رقم (5440) (8/ 85)))).

المسألة التاسعة: حكم تأخير الصلاة عن وقتها بسبب الغسيل الكلوي.

الواجب على المريض أداء الصلاة في وقتها قبل إجراء الغسيل أو بعده إن تمكن من ذلك؛ إذ لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها ولا أداؤها قبل دخول وقتها، فإن كان الغسيل بعد دخول وقت الصلاة فيبدأ بالصلاة قبل الغسيل، وإن خشي فوات وقت الصلاة الثانية، أو كان يشق عليه أداؤها بعد الغسيل جمعها إليها، فيجمع الظهر مع العصر جمع تقديم في وقت الظهر، وكذلك يجمع المغرب مع العشاء جمع تقديم في وقت المغرب.

أما إن كان الغسيل قبل دخول وقت الصلاة أو في أوله، ولا يتمكن فيه من أداء الصلاة فإنه يؤخرها بعد الغسيل فيصليها مع ما بعدها إن كانت تُجمع معها، فيصلي الظهر مع العصر جمع تأخير، ويصلي المغرب مع العشاء جمع تأخير.

فإن دعت الضرورة إلى إجراء الغسيل قبل التمكن من أدائها في وقتها ولا ينتهي الغسيل إلا بعد خروج وقتها، وليست مما تُجمع إلى ما بعدها، كمن أجرى الغسيل بعد دخول وقت العصر أو قبل دخول وقت الفجر فإنه يجوز له أن يؤخرها، فيقضيها بعد الغسيل، ولو بعد خروج وقتها للضرورة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شُغل يوم الأحزاب بقتال المشركين عن صلاة العصر أخَّرها إلى ما بعد المغرب ثم صلى المغرب بعدها. (((رواه البخاري: 2931، ومسلم: 627 من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» الفتوى رقم (21552) (9/ 106)))).

المسألة العاشرة: هل يصلي المريض قبل إجراء العملية والوقتُ لم يحن بعدُ أم يؤخر الصلاة حتى يكون قادرًا على أدائها؟

الواجب أوَّلًا على الطبيب أن ينظر في الأمر؛ فإذا أمكن أن يتأخر بدء العملية حتى يدخل الوقت، مثل الظهر فيصلي المريض الظهر والعصر جميعًا إذا دخل وقت الظهر... وهكذا في الليل يصلي المغرب والعشاء جميعًا إذا غابت الشمس قبل بدء العملية.

أما إذا كانت العملية ضحى فإن المريض معذور، فإذا أفاق قضى ما عليه ولو بعد يوم أو يومين، متى أفاق قضى ما عليه والحمد لله، ولا شيء عليه، مثل النائم إذا أفاق وانتبه ورجع إليه وعيه صلى الأوقات التي فاتته على الترتيب، يرتبها ظهرًا ثم عصرًا وهكذا حتى يقضي ما عليه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] (((رواه البخاري: 597، ومسلم: 684 واللفظ له))).

والإغماء بسبب المرض أو العلاج حكمه حكم النوم إذا لم يطل، فإن طال فوق ثلاثة أيام سقط عنه القضاء، وصار في حكم المعتوه حتى يرجع إليه عقله، فيبتدئ فعل الصلاة بعد رجوع عقله إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق» (((رواه الترمذي: 1423 من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال: حديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه))). ولم يذكر القضاء في حق الصغير والمجنون، وإنما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بالقضاء في حق النائم والناسي. والله ولي التوفيق. (((ينظر: «أحكام صلاة المريض» للشيخ ابن باز رحمه الله (ص: 17)))).

المسألة الحادية عشر: قضاء الصلوات الفائتة على المريض؟

المريض الذي فاتته الصلاة بسبب فقده لوعيه فيه تفصيل:

فإن كان قد فقد وعيه بغير اختياره، كالمغمى عليه بحادث ونحوه، والإغماء ثلاثة أيام أو أقل: قضى، وإن كان أكثر من ذلك لم يقض.

أما إذا غاب عن الوعي باختياره، كمن أخذ البنج أو المادة المنوِّمة لإجراء عملية مثلًا، فهذا يلزمه القضاء. (((ينظر: «أحكام صلاة المريض» للشيخ ابن باز رحمه الله (ص: 17)، «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (12/ 15)))).

الفصل الثالث: أحكام الصيام للمريض

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض في صيامه، واشتمل الإجابة على تسع مسائل، وهي:

المرض الذي يبيح الفطر للصائم.

هل الفطر أفضل للمريض أو الصوم؟

حكم من عليه قضاء من رمضان ولا يستطيع الصيام بسبب المرض.

بعض الأدوية أو العلاجات غير المفطرة.

أثر الإغماء على الصوم.

صيام المريض المصاب بالفشل الكلوي.

حكم من أفطر وأطعم بسبب مرض مزمن ثم شفاه الله.

أنواع أدوية الربو وحكم تناولها في نهار رمضان.

متى يعتبر خروج الدم من الجسد مفسدًا للصوم؟

المسألة الأولى: المرض الذي يبيح الفطر للصائم.

يقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: 184].

المريض الذي يضره الصوم يحرم عليه الصوم، والفطر واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ [النساء: 29]، والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر.

والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما صلى بأصحابه وعليه جنابة، ولكنه خاف البرد فتيمم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: يا رسول الله ذكرت قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] وإني خفت البرد، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. (((ذكره البخاري في «صحيحه» (1/ 77) معلقًا بصيغة التمريض لكونه اختصره، ووصله أبو داود: 334))).

والمريض له أحوال:

الأول: ألا يتأثر بالصوم، مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر.

الحال الثانية: إذا كان يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا يُكره له أن يصوم، ويُسَنُّ له أن يُفطر.

الحال الثالثة: إذا كان يشق عليه الصوم ويضره، كرجل مصاب بمرض الكلى وما أشبه ذلك، فالصوم عليه حرام.

وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين من المرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا، فنقول: إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله عز وجل، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ [النساء: 29]. (((ينظر: «الشرح الممتع على زاد المستقنع» للشيخ ابن عثيمين رحمه الله (6/ 340)))).

المسألة الثانية: هل الفطر أفضل للمريض أو الصوم؟

إذا كان المريض يشق عليه الصوم فالأفضل له أن يفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها، ولا يستحب له أن يصوم مع المشقة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» (((رواه أحمد: 5866، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما))).

بل يُكره للمريض أن يصوم مع مشقة الصيام عليه، وقد يكون صومه حرامًا إذا خشي أن يحصل له ضرر بسبب الصوم. وإذا أخذ الإنسان الرخصة طاعة لله وعملًا بما شرع سبحانه وتعالى فهو مأجور ولا إثم عليه. (((ينظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (15/ 217)))).

المسألة الثالثة: حكم من عليه قضاء من رمضان ولا يستطيع الصيام بسبب المرض؟

إن كان المرض يُرجى حصول الشفاء منه، فعليه بعد الشفاء منه أن يقضي الأيام التي أفطرها من رمضان ولو تعددت؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: 184].

وإن كان المرض مزمنًا لا يُرجى الشفاء منه، فعلى المريض أن يُطعم عن كل يومٍ أفطره مسكينًا نصف صاع من بُر أو تمر أو أرز أو نحو ذلك مما يطعمه أهله، وليس عليه صيام، مثل الداخل في غيبوبة، وكذلك إصابات الرأس التي تفقد المصاب خلل في الإدراك أو الذاكرة، أو المريض بالسرطان؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ﴾ [البقرة: 184].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا" (((رواه البخاري: 4505))). والمريض الذي لا يُرجى شفاؤه حكمه حكم الشيخ الكبير. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» - المجموعة الأولى (10/ 160)، «فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن باز رحمه الله بعناية الشويعر (16/ 103، 105)))).

المسألة الرابعة: الأدوية أو العلاجات غير المفطرة.

ذكر العلماء عددًا من الأشياء المستعملة في المجال الطبي وهي غير مُفطِّرة، منها:

1- قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

2 - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

3 - ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.

4 - إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.

5 - ما يدخل الإحليل -أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى- من قسطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.

6 - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك، وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

7 - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

8 - الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.

9 - غاز الأوكسجين.

10 - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.

11 - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد؛ كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.

12 - إدخال قسطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين؛ لتصوير أو علاج أوعية القلب، أو غيره من الأعضاء.

13 - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.

14 - أخذ عينات من الكبد أو غيره من الأعضاء، ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.

15 - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.

16 - دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي.

17 - القيء غير المتعمد، بخلاف المتعمد (الاستقاءة). (((«مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (10/ 913، بترقيم الشاملة آليًّا، قرار رقم: 99/ 1/ د 10).

المسألة الخامسة: أثر الإغماء على الصوم.

المريض إذا أغمي عليه جميع النهار –أي من قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس- لم يصح صومه، وعليه القضاء. وإذا أفاق في أي جزء من النهار صح صومه. (((ينظر: «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (19/ 167)، «الشرح الممتع على زاد المستقنع» (6/ 352)))). وإذا كان الإغماء مدة يسيرة كاليوم أو اليومين أو الثلاثة على الأكثر فلا بأس بالقضاء احتياطًا، وأما إذا طالت المدة فهو كالمعتوه لا قضاء عليه. (((مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 15/ 209)))

المسألة السادسة: حكم صيام المريض المصاب بالفشل الكلوي.

غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة (كلية صناعية) تتولى تنقيته ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، ويتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم؛ لذا فإن غسيل الكلى يفسد الصيام.

ويلزم المريض أن يمسك بقية يومه الذي أجرى فيه الغسيل، إلا إذا دعت الحاجة لإفطاره بقية يومه من أجل مرضه، فإنه يجوز له الإفطار بقية يومه.

وحينئذ فإذا كان الإنسان مبتلى بذلك أبد الدهر يكون ممن مرض مرضًا لا يُرجى شفاؤه، فيطعم عن كل يوم مسكينًا بمقدار كيلو ونصف من البر أو الأرز أو نحوهما مما يقتاته أهل البلد.

وأما إذا كان في وقت دون آخر فيفطر في وقت الغسيل ويقضيه بعد ذلك. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» المجموعة الثانية (9/ 107)))).

المسألة السابعة: حكم من أفطر وأطعم بسبب مرض مزمن ثم شفاه الله.

إذا كان الأطباء الذين نصحوه بعدم الصوم دائمًا هم من الأطباء المسلمين الموثوقين العارفين بجنس هذا المرض، وذكروا له أنه لا يُرجى برؤه فليس عليه قضاء، ويكفيه الإطعام، وعليه أن يستقبل الصيام مستقبلًا. (((«فتاوى الشيخ ابن باز» (15/354)))).

المسألة الثامنة: أنواع أدوية الربو وحكم تناولها في نهار رمضان؟

من أشهر أدوية وعلاجات الربو: البخاخ، والأكسجين، والتبخير، والكبسولات.

أما البخاخ فليس أكلاً ولا شربًا ولا شبيهًا بهما، وإنما هو هواء فيه شيء من دواء خفيف يعطيهم شيئًا من الراحة، فلا حرج من استعماله في نهار رمضان.

وأما الأكسجين فهو أيضًا ليس أكلًا ولا شربًا ولا في معناهما؛ لأنه لا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى أفواه العروق التي تتفتح ليسهل النفس، وإذا كان كذلك فيمكن استعماله أثناء الصيام دون أي حرج.

لكن هناك نوعًا من الحبوب يُعطى لأصحاب الربو، وهي عبارة عن كبسولة فيها دقيق (بودرة)، ولها آلة تضغط ثم تنفجر في نفس الفم، ويختلط هذا الدقيق بالريق، فهذا لا يجوز استعماله في الصيام الواجب؛ لأنه إذا اختلط بالريق وصل إلى المعدة، وحينئذ يكون مفطرًا.

فإذا كان الإنسان مضطرًّا إلى استعماله في بعض الأوقات، فإنه يفطر ويقضي بعد ذلك.

فإن كان مضطرًّا إليه في جميع الوقت فإنه يفطر ويفدي، فيطعم عن كل يوم مسكينًا بمقدار كيلو ونصف من الأرز أو نحوه مما يقتاته أهل البلد. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب لابن باز» بعناية الشويعر (16/ 94) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (19/ 212- 213)))).

المسألة التاسعة: متى يعتبر خروج الدم من الجسد مفسدًا للصوم؟

الدم المفسد للصوم هو الدم الذي يخرج بالحجامة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم» (((رواه الترمذي: 774، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، وقال: حديث حسن صحيح))).

ويقاس على الحجامة ما كان بمعناها مما يفعله الإنسان باختياره، فيخرج منه دم كثير يؤثر على البدن ضعفًا، فإنه يفسد الصوم كالحجامة؛ لأن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين الشيئين المتماثلين، كما أنها لا تجمع بين الشيئين المفترقين.

أما ما خرج من الإنسان بغير قصد كالرعاف، وكالجرح للبدن من السكين عند تقطيع اللحم، أو وطئه على زجاجة، أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يفسد الصوم ولو خرج منه دم كثير.

كذلك لو خرج دم يسير لا يؤثر كتأثير الحجامة كالدم الذي يؤخذ للتحليل لا يفسد الصوم أيضًا. (((«مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» للشيخ ابن باز رحمه الله (15/ 272)))).

الفصل الرابع: أحكام ومسائل تخص المرأة

في هذا الفصل الجواب عن ما تحتاجه المرأة من مسائل خاصة بها في الدورة الشهرية ونحو ذلك، واشتمل الإجابة على إحدى عشرة مسائلة، وهي:

ما الذي يترتب على زيادة الدورة بسبب حبوب منع الحمل أو اللولب.

حكم توقف الدم وانقطاعه خلال فترة الدورة الشهرية.

حكم الإفرازات التي تخرج من المرأة.

ما الذي يجب على المرأة الحائض أو النفساء إذا طهرت في وقت الصلاة.

حكم منع الحمل منعًا مستمرًّا.

حكم تعاطي الحبوب المنشطة للحمل.

ما الذي يترتب على خروج النزيف من المرأة الحامل.

حكم الدم النازل على المرأة إذا حصل لها إسقاط الحمل.

حكم الماء والدم النازل من المرأة الحامل قبل الولادة.

حكم إجراء عملية ولادة قيصرية.

ما يجب على المرأة إذا ولدت بعد دخول وقت الصلاة.

المسألة الأولى: ما الذي يترتب على زيادة الدورة بسبب حبوب منع الحمل أو اللولب.

إن استعمال هذه الحبوب لمنع الحيض أو منع الحمل أمر غير مرغوب فيه، وهو من الناحية الطبية مضر، وإذا كان كذلك فإنا ننصح أخواتنا بعدم استعمال هذه الحبوب.

ومن مساوئ هذه الحبوب أنها توجب إضطراب العادة على المرأة فتوقعها في الشك والحيرة، وكذلك توقع المفتين في الشك والحيرة؛ لأنهم لا يدرون عن هذا الدم الذي تغير عليها أهو حيض أم لا؟ وعلى هذا إذا كان من عادتها أن تحيض خمسة أيام مثلًا، واستعملت الحبوب التي لمنع الحمل، ثم زادت عادتها، فإن هذه الزيادة تبع الأصل، بمعنى أنه يحكم بأنه حيض ما لم تتجاوز خمسة عشر يومًا، فإن تجاوزت خسمة عشرة يومًا صارت استحاضة، وحينئذ ترجع إلى عادتها الأولى التي هي خمسة أيام. (((«فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن عثيمين (7/ 2، بترقيم الشاملة آليًّا)))).

المسألة الثانية: حكم توقف الدم وانقطاعه خلال فترة الدورة الشهرية.

المرأة التي يأتيها الحيض يلزمها أن تترك الصلاة والصيام، ولكن إذا انقطع الدم يومًا واحدًا أو ليلة ‌واحدة ‌أثناء ‌أيام ‌حيضها ‌فعليها ‌أن ‌تغتسل وتصلي الصلوات التي أدركت وقتها وهي طاهرة؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أما إذا رأت الدم البحراني (أي الكثير والغليظ) فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل ولتصل" ((((رواه الدارمي: 827))).

وروى أن الطهر إذا كان أقل من يوم لا يلتفت إليه؛ لقول عائشة رضي عنها: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" تريد بذلك الطهر من الحيضة (((رواه البخاري (1/ 71) معلقًا بصيغة الجزم، ووصله مالك في «الموطأ» (1/ 59))))، ولأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه، كما لو انقطع أقل من ساعة. (((من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كما في «مجلة البحوث الإسلامية» (12/ 102)))).

المسألة الثالثة: حكم الإفرازات التي تخرج من المرأة؟

السائل الخارج من المرأة (الإفرازات) إذا كان لا يخرج من المثانة وإنما يخرج من الرحم فهو طاهر، ولكنه ينقض الوضوء وإن كان طاهرًا؛ لأنه لا يشترط للناقض للوضوء أن يكون نجسًا، فها هي الريح تخرج من الدبر وليس لها جرم، ومع ذلك تنقض الوضوء.

وعلى هذا إذا خرج من المرأة وهي على وضوء، فإنه ينقض الوضوء وعليها تجديد الوضوء.

فإن كان مستمرًّا، فإنه لا ينقض الوضوء، ولكن لا تتوضأ للصلاة إلا إذا دخل وقتها، وتصلي في هذا الوقت الذي تتوضأ فيه فروضًا ونوافل وتقرأ القرآن، وتفعل ما شاءت مما يباح لها، كما قال أهل العلم نحو هذا فيمن به سلس البول. هذا هو حكم السائل من جهة الطهارة فهو طاهر، لا ينجس الثياب ولا البدن.

وأما حكمه من جهة الوضوء، فهو ناقض للوضوء، إلا أن يكون مستمرًّا عليها، فإن كان مستمرًّا فإنه ينقض الوضوء، لكن على المرأة أن لا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول الوقت وأن تتحفظ.

أما إن كان متقطعًا وكان من عادته أن ينقطع في أوقات الصلاة، فإنها تؤخر الصلاة إلى الوقت الذي ينقطع فيه ما لم تخش الوقت، فإن خشيت خروج الوقت، فإنها تتوضأ وتتلجم (تتحفظ) وتصلي. ولا فرق بين القليل والكثير، لأنه كله خارج من السبيل فيكون ناقضًا قليله وكثيره.

وعلى المرأة أن تتقي الله وتحرص على طهارتها، فإن الصلاة لا تقبل بغير طهارة ولو صلت مائة مرة، بل إن بعض العلماء يقول: إن الذي يصلي بلا طهارة يكفر؛ لأن هذا من باب الاستهزاء بآيات الله سبحانه وتعالى. (((«مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (11/ 284)))).

المسألة الرابعة: ما الذي يجب على المرأة الحائض أو النفساء إذا طهرت في وقت الصلاة؟

إذا طهرت المرأة من الحيض أو النفاس وجب عليها أن تصلي الصلاة التي أدركت وقتها وتصلي معها الصلاة التي قبلها إن كانت تُجمع معها.

فمن طهرت قبل غروب الشمس لزمتها صلاة العصر والظهر، ومن طهرت قبل طلوع الفجر الثاني لزمتها صلاة العشاء والمغرب، ومن طهرت قبل طلوع ‌الشمس ‌لزمتها ‌صلاة ‌الفجر. (((«فتاوى اللجنة الدائمة» المجموعة الأولى (6/ 161)))).

المسألة الخامسة: حكم منع الحمل منعًا مستمرًّا.

جاءت الشريعة الإسلامية بالترغيب في النكاح وزيادة النسل تكثيرًا للأمة الإسلامية، وتحقيقاً لمباهاة النبي صلى اللَّه عليه وسلم سائر الأمم يوم القيامة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» (((رواه أحمد: 13569))).

وتمشياً مع الفطرة الإنسانية، حتى إن أنبياء الله تعالى ورسله صلوات الله وسلامه عليهم قد دعوا الله تعالى أن يرزقهم الذرية الصالحة، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [آل عمران: 38].

وعلى هذا فإن منع الحمل منعًا دائمًا يعتبر أمرًا محرمًا، غير أنه يستثنى من ذلك ما دعت إليه الضرورة، كما هي قاعدة الشريعة في جميع المحرمات أنها تباح للضرورة وتقدر بقدرها، قال الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119].

فإذا كانت المرأة ضعيفة أو مريضة يضرها الحمل أو يُخشى عليها بسببه جاز لها أن تستعمل ما يمنع الحمل.

فإذا كان ما يصيبها بسبب الحمل إنما هو أمر عارض بسبب مرض أو ضعف يُرجى زواله، فإنها تمنع الحمل منعًا مؤقتًا حتى يعافيها الله تعالى.

وأما إن كان أمراً مستمراً لا يُرجى زواله فلا حرج – إن شاء الله – من منعها الحمل منعًا دائمًا. والله تعالى أعلم. (((ينظر: «مجلة البحوث الإسلامية» (5/127)))).

المسألة السادسة: حكم تعاطي الحبوب المنشطة للحمل.

الأمر يرجع إلى استشارة الطبيب في هذا، فإذا قال: إن تناول هذه الحبوب المنشطة للحمل لا يضر؛ فإنه ينبغي استعمالها تحصيلًا للحمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (((رواه أحمد: 13569، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه))).

المسألة السابعة: ما الذي يترتب على خروج النزيف من المرأة الحامل؟

الحامل لا تحيض في أصح قولي العلماء، فإذا كانت حاملًا فالنزيف الذي معها يعتبر دمًا فاسدًا، تصلي وتصوم وتتحفَّظ بالقطن ونحوه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، ولا تقضي، كالمستحاضة؛ لأن هذا النزيف دم فساد، هذا هو الصحيح، فإذا استمر معها فإنها تتحفظ بالقطن ونحوه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي كما يصلي غيرها من الطاهرات.

وإن شق عليها ذلك فلا بأس أن تجمع بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر كالمريضة؛ لأنه نوع من مرض، وصومها صحيح وصلاتها صحيحة، لكن لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت. (((«فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن باز رحمه الله، بعناية الشويعر (16/ 158)))).

المسألة الثامنة: حكم الدم النازل على المرأة إذا حصل لها إسقاط الحمل.

إذا أسقطت المرأة فلا يعتبر الدم النازل منها دم نفاس إلا إذا أسقطت ما تبين فيه خلق الإنسان.

ومعنى التخليق أن تظهر في السقط آثار تخطيط الجسم كالرأس والأطراف ونحو ذلك.

والتخليق لا يظهر في الحمل قبل ثمانين يومًا، فإذا حصل الإسقاط قبل ثمانين يومًا من الحمل فالدم النازل ليس بدم نفاس، بل هو دم عرق فيكون حكمها حكم المستحاضة، فلا يمنعها من الصلاة والصوم، وعليها أن تتوضأ لكل صلاة.

وإن كان الإسقاط والإجهاض بعد مائة وعشرين يومًا من الحمل -يعني بعد نفخ الروح في الجنين- فالدم النازل دم نفاس قطعًا.

وإن كان الإسقاط بعد ثمانين يومًا وقبل تمام مائة وعشرين فإنها تنظر في السقط فإن ظهر فيه تخليق فالدم النازل نفاس، وإن لم يكن فيه تخليق فالدم النازل استحاضة. (((ينظر: «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (11/ 291)))).

المسألة التاسعة: حكم الماء والدم النازل من المرأة الحامل قبل الولادة.

الذي يخرج من الحامل قبل الولادة:

1- إن كان دماً، وخرج قبل الولادة بيومين أو ثلاثة، مع أمارة من ألم أو وجع (طلق)، فهو دم نفاس، وإلا فهو دم فساد لا تترك معه الصوم والصلاة.

2- وإن كان ماء لا دما، فحكمه حكم إفرازات الفرج، فهو طاهر لخروجه من الرحم، وينقض الوضوء، ولا يمنع الصلاة والصيام؛ لأنه لا يعتبر نفاساً. (((ينظر: «الكنز الثمين في سؤالات ابن سنيد لابن عثيمين» (ص: 28)، و«فتاوى نور على الدرب» للعثيمين (7/ 2، بترقيم الشاملة آليا)))).

المسألة العاشرة: حكم إجراء عملية ولادة قيصرية.

الولادة القيصرية هي عملية جراحية يتم فيها شق البطن؛ لإخراج الطفل من الأم، وهذه الطريقة يستعملها الناس الآن بكثرة، عندما تحس المرأة بالطلق تذهب إلى المستشفى ويُصنع لها عملية قيصرية؛ وهذا من وحي الشيطان، وضرر هذا أكثر بكثير من نفعه؛ لأن المرأة لابد أن تجد ألمًا عند الطلق، لكن ألمها هذا تستفيد منه فوائد:

الفائدة الأولى: أنه تكفير للسيئات.

الثانية: أنه رفعة للدرجات إذا صبرت واحتسبت.

والثالثة: أن تعرف المرأة قدر الأم التي أصابها مثلما أصاب هذه المرأة.

والرابعة: أن تعرف قدر نعمة الله تعالى عليها بالعافية.

والخامسة: أن يزيد حنانها على ابنها؛ لأنه كلما كان تحصيل الشيء بمشقة كانت النفس عليه أشفق، وإليه أحن.

والسادسة: أن هذا الحمل يخرج من مخارجه المعروفة المألوفة، وفي هذا خير له وللمرأة.

والسابعة: أنها تتوقى بذلك ضرر العملية؛ لأن العملية تضعف غشاء الرحم وغير ذلك، وربما يحصل له تمزق، وقد تنجح وقد لا تنجح.

والثامنة: أن التي تعتاد العملية القيصرية لا تكاد تعود إلى الوضع الطبيعي لأنه لا يمكنها، وخطر عليها أن تتشقق محل العمليات.

والتاسعة: أن في إجراء العمليات تقليل للنسل، وإذا شُق البطن ثلاث مرات من مواضع مختلفة وهن وضعف وصار الحمل في المستقبل خطيرًا.

والعاشرة: أن هذه طريقة من طرق الترف؛ لأن فيه اجتناب ألم المخاض الطبيعي، وهذا نوع من الترف. والترف إذا لم يكن معينًا على طاعة الله فهو إما مذموم أو على الأقل مباح.

والترف سبب للهلاك، كما قال الله تعالى في أصحاب الشمال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45].

فالواجب على المرأة أن تصبر وتحتسب وأن تبقى تتولد ولادة طبيعية فإن ذلك خير لها في الحال وفي المآل.

وعلى الرجال أيضًا هم بأنفسهم أن ينتبهوا لهذا الأمر، وما يدرينا فلعل أعداءنا هم الذين سهلوا علينا هذه العمليات من أجل أن تفوتنا هذه المصالح ونقع في هذه الخسائر. (((ينظر: «لقاء الباب المفتوح» للشيخ ابن عثيمين رحمه الله (86/ 28 بترقيم الشاملة آليا)))). ولا يلجأ إلى العلملية القيصرية إلا عند الضرورة، بأن تتعذر الولادة الطبيعية، أو يكون فيها خطر على الأم أو على الجنين.

المسألة الحادية عشرة: ماذا يجب على المرأة إذا ولدت بعد دخول وقت الصلاة؟

إذا ولدت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فليس عليها قضاؤها إذا كانت لم تفرط، أما إن كانت أخرتها حتى ضاق الوقت ثم ولدت فإنها تقضيها بعد الطهر من النفاس، كالحائض إذا أخرت الصلاة إلى آخر وقتها، ثم نزل بها الحيض، فإنها تقضيها بعد الطهر؛ لكونها قد فرطت بتأخيرها. (((«مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» للشيخ ابن باز رحمه الله (10/ 229)))).

الفصل الخامس: أحكام التداوي

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض في أحكام التداوي، واشتمل الإجابة على ثمان مسائل، وهي:

حكم التداوي، وحكم الامتناع عن تناول الدواء.

استعمال الأدوية لا ينافي التوكل على الله.

حكم أخذ إذن المريض قبل العلاج.

حكم استعمال البنج والمواد المخدرة لإجراء العمليات الجراحية.

حكم الأدوية المخلوطة بالكحول.

حكم عمليات التجميل.

حكم التداوي بالفصد والحجامة.

حكم التبرع بالدم.

المسألة الأولى: حكم التداوي، وحكم الامتناع عن تناول الدواء.

المؤمن يعتقد أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل، وأن التداوي والعلاج من الأخذ بالأسباب المشروعة التي لا تنافي التوكل، وجمهور أهل العلم على أن التداوي مشروع مستحب للمريض لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَداوَوْا عباد الله؛ فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد الهرم» أي: كِبَر السن (((رواه الترمذي: 2038، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

ويختلف حكم التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص:

- فيجب على المريض إذا كان تركه يفضي إلى تلف أو عجز كلي أو جزئي، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المُعدية.

- ويكون مندوبًا إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن فقط.

- ويكون مباحًا إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.

- ويكون مكروهًا إذا خشي أن يترتب عليه حدوث مضاعفات أشد من المرض الحالي المراد إزالته. (((ينظر: «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (7/ 1645 بترقيم الشاملة آليا، قرار رقم: 69/5/7).

المسألة الثانية: استعمال الأدوية لا ينافي التوكل على الله.

التوكل من أهم الواجبات على المؤمن، والله سبحانه يقول: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]، ويقول جل وعلا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ﴾ [الطلاق: 3].

فالتوكل عبادة عظيمة، وهو التفويض إلى الله، والاعتماد عليه، والثقة به سبحانه، مع تعاطي الأسباب، تعلم أنه مسبِّب الأسباب، وأنه مصرف الأمور، وأن كل شيء بيده، جل وعلا، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، هو النافع الضار، هو المعطي المانع.

ولكنك مع هذا تأخذ بالأسباب التي تفيدك، فتأكل عند الجوع، وتشرب عند الظمأ، وتتزوج، وتكسب الكسب الحلال، بالبيع والشراء أو بغير ذلك، لا تُعطِّل الأسباب، وأنت مع هذا متوكل على الله، تعلم أنه لن يصيبك إلا ما قدر الله لك، وأنك لن تنجح إلا بتوفيقه وتيسيره سبحانه وتعالى، فتأخذ بالأسباب وتعمل بها مع الثقة بالله والاعتماد عليه.

فتعالج المريض، وأنت متوكل على الله، تعلم أنه هو الذي يشفي المريض، تعالجه تذهب به إلى الطبيب، وتفعل ما قال الطبيب من إعطائه دواء، كما أنك تبيع وتشتري وأنت متوكل على الله في ذلك، تعلم أنه لن يحصل لك إلا ما كتب الله لك، تؤجر ما عندك من العمارات، على من يرغبها منك لتنتفع بالأجرة، تسقي حرثك، تسقي دوابك، تعلفها حتى تستفيد منها، وأنت متوكل على الله في كل شيء.

فيجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب في كل شيء، مع الثقة بالله والاعتماد عليه، وأنه هو مسبب الأمور ومصرفها، وهو النافع الضار، المعطي المانع، وأنت إنما تفعل الأسباب المأمور بها، كما أنك تسافر إلى الحج، وإلى العمرة وللتجارة، أخذًا بالأسباب وأنت تعلم أن الله سبحانه هو المسبِّب، وهو الذي بيده إيصالك إلى الحج، وبيده إعانتك على مناسك الحج، وبيده إعانتك على مقاصد التجارة، والرجوع من السفر، إلى غير ذلك. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن باز رحمه الله (4/ 17)))).

المسألة الثالثة: حكم أخذ إذن المريض قبل العلاج.

إذا كان المريض بالغًا عاقلًا، فلا بد من أخذ إذنه في العلاج، فإن لم يكن بالغًا عاقلًا يستأذن وليه حسب ترتيب الولاية الشرعية بما يحقق مصلحته ورفع الأذى عنه. ولولي الأمر الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال، كالأمراض المعدية والتحصينات الوقائية.

أما في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر فلا يتوقف علاج المريض فيها على إذنه. (((ينظر: «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (7/ 1645 بترقيم الشاملة آليًّا، قرار رقم: 69/5/7).

المسألة الرابعة: حكم استعمال البنج والمواد المخدرة لإجراء العمليات الجراحية.

ذهب جمهور العلماء إلى جواز تناول البنج للضرورة، كقطع عضو أو إجراء عملية جراحية ونحو ذلك، والبنج لا يُعَدُّ مسكرًا؛ لأن السكر هو زوال العقل على وجه اللذة والطرب، والذي يُـبَنَّـجُ لا يتلذذ ولا يطرب.

وهذا بخلاف الخمر، فإنه لا يجوز شرب الخمر لا للتداوي ولا لغيره، فعن طارق بن سويد الجعفي رضي الله عنه، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه -أو كره- أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء». (((رواه مسلم: 1984. وينظر: «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (17/ 30)))).

المسألة الخامسة: حكم الأدوية المخلوطة بالكحول.

لا يجوز خلط الأدوية بالكحول المسكر (الخمر)، وذلك لأن الخمر يجب إراقتها، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وقلت: إنه ليتيم، فقال: «أهريقوه» (((رواه الترمذي: 1263، وقال: حديث حسن))).

أما إذا كان الدواء مخلوطًا بالكحول فعلًا، فإن كان شُرْب الكثير منه يُسكر، حرم تناوله، وإن كان شُرْب كثيره لا يُسكر؛ وإنما جعلت فيه مادة الكحول من أجل حفظه؛ جاز تناوله لأن مادة الكحول ليس لها أثر فيه. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (22/ 110)، المجموعة الأولى، ولقاء الباب المفتوح، وقرارات مجمع الفقه الإسلامي))).

المسألة السادسة: حكم عمليات التجميل.

الجراحات التجميلية تنقسم إلى قسمين:

جراحة التجميل الضرورية: وهي التي تكون لإزالة العيوب الناتجة عن مرض أو حوادث سير أو حروق أو غير ذلك، أو إزالة عيوب خَلقية وُلِد بها الإنسان، كبتر إصبع زائدة، أو شق ما بين الإصبعين الملتحمين، ونحو ذلك. فهذا النوع من العمليات جائز.

وقد جاء في السنة ما يدل على جوازه، وهو ما ذكره عرفجة بن أسعد قال: أُصيب أنفي يوم الكُلاب في الجاهلية –وهو يوم وقعت فيه حرب في الجاهلية- فاتخذت أنفًا من وَرِق -أي فضة- فأنتن عليَّ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ أنفًا من ذهب. (((رواه الترمذي: 1770، وقال: هذا حديث حسن))).

جراحة التجميل التحسينية: وهي جراحة تحسين المظهر في نظر فاعلها، مثل تفليج الأسنان (وهو تحديدها وتبعيد ما بينها)، وتجميل الأنف بتصغيره، وتجميل الثديين بتصغيرهما أو تكبيرهما، فهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجية، بل غاية ما فيه هو التحسين والتجميل، فهذا محرم لا يجوز فعله؛ لأنه تغيير لخلق الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا * لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا * وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ} [النساء: 117 - 119]. فالشيطان هو الذي يأمر العباد بتغيير خلق الله.

وقد لعن رسول الله من يغير خلق الله، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». (((رواه البخاري: 5943، ومسلم: 2125. وينظر: «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (17/ 22)))).

المسألة: السابعة: حكم التداوي بالفصد والحجامة.

يجوز الفصد -وهو إخراج الدم من العروق- للتخلص من الدم الفاسد؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفاء في ثلاث: في شربة عسل، وشرطة محجم، وكية بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكي» (((رواه البخاري: 5680))).

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شرطة المحجم سبب من أسباب الشفاء، وهي عامة تشمل الفصد والحجامة، وثبت أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره» (((رواه البخاري: 2279، ومسلم: 1202))).

وثبت عن أنس رضي الله عنه، أن أبا طيبة حجم النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بصاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه من ضريبته (أي غلته)» (((رواه البخاري: 2277، ومسلم: 1577))).

فدل فعله صلى الله عليه وسلم على الجواز، كما دل عليه قوله.

وينبغي أن يتولى ذلك خبير بشؤون الفصد؛ ليفصد من يحتاج إلى هذا النوع من العلاج في الموضع المناسب من جسده، وفي الوقت المناسب، ويراعي ظروف المريض وأحواله. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» - المجموعة الأولى (25/ 8)))).

المسألة الثامنة: حكم التبرع بالدم.

يجوز التبرع بالدم عند الضرورة، إذا كان لا يضر الإنسان؛ لأن الدم يعوَّض سريعًا بخلاف التبرع بالأعضاء، فالأعضاء لو تبرعت بها ما عُوِّضت مرة ثانية.

لكن لا يجوز أخذ العوض على بذل الدم، سواء كان العوض عينًا أو نقدًا، لحديث أبي جحيفة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم (((رواه البخاري: 2238))).

الفصل السادس: أحكام الرقية الشرعية

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض في أحكام الرقية الشرعية، واشتمل الإجابة على تسع مسائل، وهي:

حكم الرقية.

الحكمة من إخراج الذين يسترقون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

الطريقة الصحيحة للرقية.

شروط الرقية الصحيحة.

هل يغني الاستماع للرقية من جهاز التسجيل عن الرقية نفسها أم لا؟

هل يجوز أخذ الأجرة على الرقية؟

حكم رقية الحائض والجنب.

حكم كتابة الآيات القرآنية وتعليقها على المريض.

ما الذي ينفع من الأدوية الشرعية في علاج السحر والعين؟

المسألة الأولى: حكم الرقية.

الرقية مشروعة للمسلم، يرقي نفسه ويرقي غيره ولو لم يُطلب منه، فقد رقى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، كما روت عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث - تفل بريق خفيف أو بدون ريق- فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها. (((رواه البخاري: 5016، ومسلم: 2192))).

وكان صلى الله عليه وسلم يرقي غيره، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (((رواه البخاري: 5743، ومسلم: 2191))).

أما طلب الرقية من الغير فالأفضل تركها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في صفات السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أنهم «الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» (((رواه البخاري: 5752، ومسلم: 220، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما))).

قوله: «لا يسترقون» يعني: لا يطلبون من الناس أن يرقوهم، فترك الاسترقاء أفضل، إلا من حاجة، فإذا كان هناك حاجة فلا بأس أن يطلب الرقية، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين. (((رواه البخاري: 5738، ومسلم: 2195)))، فأمرها بالاسترقاء.

وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية بوجهها سفعة -يعني صفرة- فقال: «استرقوا لها، فإن بها النظرة» يعني: أصابتها العين. (((رواه البخاري: 5739، ومسلم: 2197))).

فطلب الرقية عند الحاجة لا بأس به، لكن تركه أفضل إذا تيسر علاج آخر. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب» لابن باز (1/ 67)))).

المسألة الثانية: الحكمة من إخراج الذين يسترقون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون» (((رواه البخاري: 5752، ومسلم: 220))).

وهؤلاء إنما يدخلون الجنة بغير حساب؛ لكمال توحيدهم، وكمال توكلهم على الله، واستغنائهم عن الناس.

ولا يدخل من يطلب الرقية ضمن أولئك السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب؛ لما في طلب الرقية من نوع افتقار وحاجة إلى الراقي، ومن كمال التوكل والتوحيد أن لا يسأل المسلم الناس شيئا.

فقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا -وأسر كلمة خفية- ولا تسألوا الناس شيئًا». فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه (((رواه مسلم: 1043))).

فطلب الرقية من الغير فيه سؤال واحتياج إلى المخلوق، وهو ينافي الدرجة العليا من كمال التوكل والاعتماد على الله في دفع الضر، لكن يبقى أن طلب الرقية من الغير ليس بمحرم، ولكنه خلاف الأفضل والأكمل. (((ينظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (1/ 83 وما بعدها- المجموعة الثانية)))).

المسألة الثالثة: شروط الرقية الصحيحة.

ذكر العلماء أن الرقية حتى تكون صحيحة مقبولة لا بد لها من ثلاثة شروط:

الأول: أن لا يعتقد الراقي أو المرقي أن الرقية تنفع بنفسها، فهذا شرك بالله؛ بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.

الثاني: أن لا تكون الرقية مشتملة على مخالفة شرعية؛ كدعاء غير الله، أو الاستغاثة بالجن والشياطين، وما أشبه ذلك، فتكون شركًا والعياذ بالله.

الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت مشتملة على طلاسم وشعوذة، فإنها لا تجوز.

فإذا سلمت الرقية من هذه المخالفات صحت بأي شكل كانت، فلو قرأ على المريض مع النفث، أو بدون نفث، أو قرأ على ماء وشربه المريض، أو زيت وادَّهن به المريض، أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز، وهو نافع بإذن الله وفضله. (((ينظر: «القول المفيد على كتاب التوحيد» للشيخ ابن عثيمين رحمه الله (1/ 187)))).

المسألة الرابعة: الطريقة الصحيحة للرقية.

الطريقة الصحيحة للرقية هي بما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:

الرقية بفاتحة الكتاب، عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: نزلنا منزلا، فأتتنا امرأة، فقالت: إن سيد الحي سليم (لدغ) فهل فيكم من راق؟ فقام معها رجل منا، ما كنا نظنه يحسن رقية، فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوه غنمًا، وسقونا لبنًا، فقلنا: أكنت تحسن رقية؟ فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب، قال: قلت: لا تحركوها (أي: الغنم) حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: «ما كان يدريه أنها رقية؟! اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم». (((رواه البخاري: 5749، ومسلم: 2201))).

الرقية بآية الكرسي، وهي قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (((رواه البخاري: 3275))).

الرقية بالآيتين من آخر سورة البقرة، وهما قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخر السورة [البقرة: 285- 286].

عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه» (((رواه البخاري: 4008، ومسلم: 807))).

وقوله: «كفتاه» معناه: حفظتاه من الشر ووقتاه من المكروه، وقيل: حفظتاه من الشيطان، وقيل: أغنتاه عن قيام الليل، ويحتمل أن يراد به الجميع. ينظر: «شرح مسلم» للنووي (6/ 91).

الرقية بسورة الإخلاص: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوِّذتين: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ﴾ ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾.

عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث - تفل بريق خفيف أو بدون ريق- فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها. (((رواه البخاري: 5016، ومسلم: 2192))).

عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال: خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا، قال: فأدركته، فقال: «قل» فلم أقل شيئًا، ثم قال: «قل»، فلم أقل شيئًا، قال: «قل»، فقلت: ما أقول؟ قال: «قل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوِّذتين حين تُمسي وتُصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» (((رواه الترمذي: 3575، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه))).

قول: «أعوذ بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة».

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة» (((رواه البخاري: 3371))).

قوله: «التامة» الكاملة في فضلها وبركتها ونفعها. «هامة» كل حشرة ذات سم، وقيل: كل مخلوق يَهُمُّ بسوء. «لامة» العين التي تصيب بسوء وتجمع الشر على الإنسان، وقيل: هي كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل. (((ينظر: «فتح الباري» لابن حجر (6/ 410)، و«مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» للقاري (3/ 1127)))).

قول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق».

عن خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» (((رواه مسلم: 2708))).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة قال: «أما لو قلتَ حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك» (((رواه مسلم: 2709))).

قول: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم» ثلاث مرات.

عن أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، فيضره شيء» وكان أبان، قد أصابه طرف من الفالج –أي: الشلل-، فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليُمضي الله عليَّ قدرَه» (((رواه الترمذي: 3388، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب))).

قول: «بسم الله» ثلاثًا، ثم قول: «أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» سبع مرات.

عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأُحاذِر» (((رواه مسلم: 2202))).

قول: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك باسم الله أرقيك»

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: «نعم» قال: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» (((رواه مسلم: 2186))).

قول: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا، بإذن ربنا».

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثم رفعها «باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا، بإذن ربنا» (((رواه البخاري: 5745، ومسلم: 2194))).

قال الإمام النووي رحمه الله: "ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح والله أعلم" (((«شرح مسلم» (14/ 184)))).

قول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما».

عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سَقَمًا» (((رواه البخاري: 5743، ومسلم: 2191))).

قول: «أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك» سبع مرات.

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من عبد مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عُوفي» (((رواه الترمذي: 2083، وقال: هذا حديث حسن غريب))).

ويستحب مسح الجسم أثناء القراءة، أو القراءة بين الكفين ثم النفث فيهما بريق خفيف ومسح البدن أو ما تصل إليه اليد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل قبيل النوم.

ولا حرج في القراءة في الماء والزيت في علاج المريض والمسحور والمجنون، ولكن القراءة على المريض بالنفث عليه أولى وأفضل وأكمل، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لثابت بن قيس بن شماس في ماء وصبه عليه. (((رواه أبو داود: 3885))).

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا» (((رواه مسلم: 2200، من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه))) وهذا الحديث الصحيح يعم الرقية للمريض على نفسه وفي الماء والزيت ونحوهما. (((ينظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (9/ 409)))).

المسألة الخامسة: هل يغني الاستماع للرقية من جهاز التسجيل عن الرقية نفسها أم لا؟

سماع الرقية والأدعية المسجلة نافع ومفيد، وقد استفاد من ذلك كثيرون، وقراءة سورة البقرة من الراديو تطرد الشيطان من البيت بإذن الله.

لكن الأفضل أن يقرأ الإنسان القرآن بنفسه، أو يقرأ عليه غيره؛ لأن الرقية عمل يحتاج إلى اعتقادٍ ونية حال أدائها، ومباشرةٍ للنفث على المريض، والجهاز لا يتأتى منه ذلك. (((ينظر: «مجموع فتاوى الشيخ ابن باز» (24/413)، «فتاوى اللجنة الدائمة» (1/ 93- المجموعة الثانية)))).

المسألة السادسة: هل يجوز أخذ الأجرة على الرقية؟

لا حرج في أخذ الأجرة على رقية المريض؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يُضيِّفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تُضيِّفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا-يعني أجرة- فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فكأنما نُشِط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبة-يعني: علة-، قال: فأوفوهم جُعْلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: «وما يدريك أنها رقية»، ثم قال: «قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا» فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. (((رواه البخاري: 2276، ومسلم: 2201، وينظر: «مجموع فتاوى الشيخ ابن باز» (9/ 408)))).

المسألة السابعة: حكم رقية الحائض والجنب.

يشترط لقارئ القرآن الطهارة من الحدث الأكبر الذي يوجب الغسل كالجنابة والحيض، وأما المريض فالأكمل أن يكون طاهراً أيضاً، لكن إذا مرضت الحائض وتضررت جازت القراءة عليها زمن الحيض للحاجة، سواء كان المرض بالمس أو السحر أو العين، وقد ورد عن السلف شيء من ذلك؛ فعن ابن أبي مليكة رحمه الله أن عائشة رضي الله عنها كانت ترقي أسماء وهي عارك. أي: حائض. (((رواه الدارمي: 1036، وينظر: «فتاوى الشيخ ابن جبرين» (64/ 13، بترقيم الشاملة آليًّا))).

المسألة الثامنة: حكم كتابة الآيات القرآنية وتعليقها على المريض.

كتابة الآيات على جسد المريض أو تعليقها عليه، كل هذا غير مشروع، إنما المشروع أن يُقرأ عليه، وينفث عليه ويُدعى له بالشفاء والعافية، يقرأ عليه بعض الآيات على بعض من جسده، ويُدعى له، هذا لا بأس به؛ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- رَقى ورُقي، وقال: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (((رواه مسلم: 2200، من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه))).

أما أن تُكتب الآيات وتُعلَّق في رقبة المريض أو في يده فهذا ليس من الشرع، أو يُكتب له أحاديث، أو دعوات، أو مسامير، أو طلاسم، أو حروف مقطعة، أو أشباه ذلك، كل هذا لا يجوز، حتى القرآن لا يُعلق؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودَّع الله له» (((رواه أحمد: 17404))).

قال السندي: "من تعلق تميمة: المراد ما يحتوي على رقى الجاهلية أو الخرزات التي تعلقها العرب على أولادهم يتقون بها العين، فأبطله الإسلام. فلا أتم الله له: كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، فأبطل ذلك.

ودعة: واحد الودع، وهي خرز أبيض تخرج من البحر بيضاء شقها كشق النوى، تُعلَّق لدفع العين.

فلا ودع: أي لا جعله في دعة وسكون، أو لا دفع عنه ما يخافه" (((ينظر: حاشية «مسند أحمد» (28/ 624) باختصار))).

فالحجب والحروز والأشياء التي يفعلها بعض الناس، يعلقونها على المرضى في أعناقهم، أو يعلقونها في أيديهم أو في غير ذلك، هذا لا يجوز، فلا يعلق لا قرآن ولا غيره؛ كل هذا ليس بعلاج وليس مشروعا، بل منهي عنه. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب» لابن باز (1/ 356)))).

المسألة التاسعة: ما الذي ينفع من الأدوية الشرعية في علاج السحر والعين؟

من أنفع علاجات السحر والعين الاستشفاء بالرقية الشرعية المعتمِدة على الكتاب والسنة والأدعية الصحيحة المفهومة، سواء رقى المرء نفسه وهذا الأحسن، أو ذهب إلى من يرقيه بشرط أن يكون الراقي من أهل الصلاح والاستقامة واتباع السنةـ هذا هو الطريق الصحيح لعلاج العين والسحر، مع ملازمة دعاء لله، والمحافظة على الصلوات والطاعات، والابتعاد عن المنكرات والمخالفات، وطلب الشفاء والعافية منه سبحانه فهو الذي قدَّر البلاء، وهو الذي بيده أن يرفعه. هذا من حيث الإجمال.

أما من حيث التفصيل، فالأمور المشروعة التي يُتقى بها خطر السحر قبل وقوعه كثيرة منها:

قراءة آية الكرسي عند النوم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (((رواه البخاري: 3275))).

وآية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم، وهي قوله سبحانه: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

ومن ذلك قراءة: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾.

عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث – أي: تَفَل بريق خفيف أو بدون ريق- فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها. (((رواه البخاري: 5016، ومسلم: 2192))).

وقراءة هذه السور الثلاث ثلاث مرات في أول النهار بعد صلاة الفجر وفي أول الليل بعد صلاة المغرب، عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال: خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا، قال: فأدركته، فقال: «قل» فلم أقل شيئًا، ثم قال: «قل»، فلم أقل شيئًا، قال: «قل»، فقلت: ما أقول؟ قال: «قل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوِّذتين حين تُمسي وتُصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» (((رواه الترمذي: 3575، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه))).

ومن ذلك قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل، وهما قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: 285، 286].

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه» (((رواه البخاري: 4008، ومسلم: 807، من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه))). والمعنى والله أعلم: كفتاه من كل سوء.

ومن ذلك الإكثار من قول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البناء أو الصحراء أو الجو أو البحر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» (((رواه مسلم: 2708، من حديث خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها))).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة قال: «أما لو قلتَ حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك» (((رواه مسلم: 2709))).

ومن ذلك أن يقول المسلم في أول النهار وأول الليل ثلاث مرات: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» للترغيب في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك سبب للسلامة من كل سوء، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، فيضره شيء» (((رواه الترمذي: 3388، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب))).

وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور، لمن حافظ عليها بصدق وإيمان وثقة بالله واعتماد عليه وانشراح صدر لما دلت عليه، وهي أيضًا من أعظم السلاح لإزالة السحر بعد وقوعه، مع الإكثار من الضراعة إلى الله وسؤاله سبحانه أن يكشف الضرر ويزيل البأس.

ومن الأدعية الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في علاج الأمراض من السحر وغيره وكان صلى الله عليه وسلم يرقي بها أصحابه: ما صح عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (((رواه البخاري: 5743، ومسلم: 2191))).

ومن ذلك الرقية التي رقى بها جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهي قوله: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» (((رواه مسلم: 2186، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه))).

ومن علاج السحر بعد وقوعه أيضًا، وهو علاج نافع للرجل إذا حُبس من جماع أهله: أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر فيدقها بحجر أو نحوه، ويجعلها في إناء ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل، ويقرأ فيها آية الكرسي و ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ و ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ وآيات السحر التي في سورة الأعراف، وهي قوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ} [الأعراف: 117 - 119]، والآيات التي في سورة يونس وهي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ * فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ * فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ * وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [يونس: 79 - 82]، والآيات التي في سورة طه: ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ * قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ * فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ * قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ * وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ} [طه: 65 - 69].

وبعد قراءة ما ذُكر في الماء يشرب منه ثلاث مرات، ويغتسل بالباقي، وبذلك يزول السحر إن شاء الله، وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر فلا بأس حتى يزول السحر.

ومن علاج السحر أيضًا وهو من أنفع علاجه: بذل الجهود في معرفة موضع السحر في أرض أو جبل أو غير ذلك، فإذا عُرِف واستُخرِج وأُتْلِف بطل السحر. هذا ما تيسر بيانه من الأمور التي يُتقى بها السحر ويُعالج بها.

وأما علاجه بعمل السحرة الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات فهذا لا يجوز؛ لأنه من عمل الشيطان، بل من الشرك الأكبر، فالواجب الحذر من ذلك.

كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين واستعمال ما يقولون؛ لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم كذبة فجرة يدَّعون علم الغيب ويلبسون على الناس، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن النشرة؟ فقال: «هي من عمل الشيطان» (((رواه الإمام أحمد: 14135، وأبو داود: 3868، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وإسناده جيد))).

والنشرة هي حل السحر عن المسحور، ومراده صلى الله عليه وسلم بكلامه هذا النشرة التي يتعاطاها أهل الجاهلية وهي سؤال الساحر ليحل السحر، أو حله بسحر مثله من ساحر آخر.

أما حله بالرقية والمعوذات الشرعية والأدوية المباحة فلا بأس بذلك. (((ينظر: «مجموع فتاوى الشيخ ابن باز» (3/ 277)))).

الفصل السابع: من أسباب الشفاء

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض من أسباب الشفاء، واشتمل الإجابة على تسع مسائل، وهي:

معنى "حسن الظن بالله" ومواضعه ومنزلته العظيمة.

معنى التوكل وأهميته وفضله وعلاقته بالأخذ بالأسباب.

تكرار الدعاء والإلحاح فيه؟ ولماذا تتأخر الإجابة.

أهمية الاستغفار للمريض وغيره وفضائل الإكثار منه.

الاستشفاء بالقرآن.

أهمية التداوي بالأدوية والأوراد الشرعية.

الاستشفاء بماء زمزم.

أثر الصدقة والعمل الصالح في الشفاء من المرض.

فضائل التوبة وأهميتها للمريض والصحيح.

المسألة الأولى: معنى "حسن الظن بالله" ومواضعه ومنزلته العظيمة.

حسن الظن بالله تعالى عبادة قلبية جليلة، والمراد به: اعتقاد ما يليق بالله تعالى من أسماء وصفات وأفعال، واعتقاد ما تقتضيه من آثار جليلة، كاعتقاد أن الله تعالى يرحم عباده المستحقين، ويعفو عن المذنبين إن هم تابوا وأنابوا، ويقبل منهم طاعاتهم وعبادتهم، واعتقاد أن الله تعالى له الحِكَم الجليلة فيما قدَّره وقضاه.

فإذا عمل الإنسان عملًا صالحًا فإنه يحسن الظن بربه أنه سيقبل منه، وإذا دعا الله عز وجل يحسن الظن بالله أنه سيقبل منه دعاءه ويستجيب له، وإذا أذنب ذنبًا ثم تاب إلى الله ورجع من ذلك الذنب يحسن الظن بالله أنه سيقبل توبته، وإذا أجرى الله تعالى في الكون مصائب يحسن الظن بالله، وأنه جل وعلا إنما أحدث هذه المصائب لحكم عظيمة بالغة.

فيحسن الظن بالله في كل ما يقدره الله عز وجل في هذا الكون، وفي كل ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعتقد أنه خير ومصلحة للخلق، وإن كان بعض الناس لا يدرك هذه المصلحة، ولا يدرك تلك الحكمة مما شرع، ولكن علينا جميعًا التسليم بقضاء الله تعالى شرعًا وقدرًا، وأن نحسن به الظن؛ لأنه سبحانه وتعالى أهل الثناء والمجد. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب» للشيخ العثيمين رحمه الله (4/ 2، بترقيم الشاملة آليا)))).

ثبت في «الصحيحين» من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي» (((رواه البخاري: 7505، ومسلم: 2675)))، وفى رواية: «إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله» (((رواها أحمد: 9076)))، وفى رواية أخرى: «فليظن بي ما شاء» (((رواها أحمد: 16016، من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه))).

والمعنى: أنا أعامله على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر.

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسن الظن من حسن العبادة» (((رواه أبو داود: 4993))).

والمعنى: أن حسن الظن بالله تعالى من جملة العبادات الحسنة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، كما أن سوء الظن معصية من معاصي الله تعالى. (((ينظر: «عون المعبود» (13/ 230)))).

وكلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه، فإن الله لا يخيب أمله فيه البتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل (((ينظر: «مدارج السالكين» (1/ 469)))).

وينبغي أن يكون مع حسن ظن العبد بربه: فاعلًا للواجبات، تاركًا المحرمات، ليسلم من الغرور، والرجاء المذموم، والأمن من مكر الله، فمن أحسن الظن أحسن العمل.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله، ويثيبه عليها، ويتقبلها منه. فالذي حمله على العمل حسن الظن، وكلما حسن ظنه حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله». (((رواه أحمد: 17123، والترمذي: 2459، وقال: «هذا حديث حسن، ومعنى قوله: "من دان نفسه": يقول حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة»، وكلام ابن القيم في «الداء والدواء» (ص: 48)))).

ومن ظنَّ أن حسن الظن بالله تعالى ليس معه عمل: فهو مخطئ ولم يفهم هذه العبادة على وجهها الصحيح، ولا يكون حسن الظن مع ترك الواجبات، ولا مع فعل المحرمات، ومن ظنَّ ذلك فقد وقع في الغرور، والرجاء المذموم، والأمن من مكر الله، وكلها طوام ومهالك. فتبين بهذا الفرق بين حسن الظن وبين الغرور.

فيجب على المؤمن أن يُحسن الظنَّ بالله تعالى، وأكثر الحالات التي يجب أن يكون فيها إحسان الظن بالله: عند نزول المصائب، وعند اشتداد المرض، واقتراب الأجل، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» (((رواه مسلم: 2877))).

والمعنى: أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن ظنكم بالله عند الموت; فإن من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عند الموت. فالخوف والرجاء كالجناحين للسائر إلى الله سبحانه وتعالى، لكن في الصحة ينبغي أن يغلب الخوف ليجتهد في الأعمال الصالحة، وإذا جاء الموت وانقطع العمل ينبغي أن يغلب الرجاء وحسن الظن بالله؛ لأن الوفادة حينئذ إلى ملك كريم رءوف رحيم. (((ينظر: «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (3/ 1159)))).

المسألة الثانية: معنى التوكل وأهميته وفضله وعلاقته بالأخذ بالأسباب.

التوكل على الله عبادة قلبية عظيمة، وحقيقته: تمام الاعتماد على الله في جلب النفع ودفع الضر، تعلم أنه مقدر الأمور ومسبب الأسباب، وأن كل شيء بقضائه وقدره، وعدم التفات القلب إلى أحد من المخلوقين أو الأسباب الحسية، يقول سبحانه: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23] ويقول عز وجل: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]، ويقول جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ﴾ [الطلاق: 3].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرُزِقتم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (((رواه الترمذي: 2344، وقال: «هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه»))).

والمعنى: أن الطير تغدو صباحًا وهي جياع، وتروح عشاء وهي ممتلئة البطون.

يقول الإمام البيهقي: "وليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق؛ لأن الطير إذا غدت فإنما تغدو لطلب الرزق، وإنما أراد -والله تعالى أعلم-: لو توكلوا على الله تعالى في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومِن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير تغدو خماصًا، وتروح بطانًا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم ويغشون ويكذبون، ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل" (((«شعب الإيمان» (2/ 405)))).

فيبذل العبد الأسباب الشرعية المطلوبة، ومنها التداوي دون أن يعتمد عليها، بل يؤمن بأن الله تعالى هو مسبب الأسباب، فلا يسال إلا الله، ولا يستعين إلا بالله مع اعتقاده أن ما يختاره الله -ولو كان ظاهره شرًّا- فهو خير له قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216]. (((«فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن باز رحمه الله بعناية الشويعر (4/ 15 وما بعدها)))).

المسألة الثالثة: تكرار الدعاء والإلحاح فيه؟ ولماذا تتأخر الإجابة؟

تكرار ‌الدعاء أمر مطلوب، كلما كرر الإنسان الدعاء كان ذلك أفضل، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا دعا، دعا ثلاثًا (((رواه مسلم: 1794، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه))) هذا في غالب الأحيان، وعلى هذا فتكرار الدعاء لا بأس به؛ لأن الدعاء عبادة لله عز وجل.

وليعلم أن الداعي بصدق وإخلاص لابد أن يغنم؛ إما أن يستجيب الله تعالى له ما أراد، وإما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخر له الأجر يوم القيامة؛ لأن الدعاء عبادة، فلابد فيه من خير.

والواجب على الإنسان أن يحسن الظن بالله تعالى، والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به، فإذا أحسن الظن بربه، وهو جل وعلا محل إحسان الظن، ومحل الثناء، فإن ذلك أقرب إلى الإجابة، ولا تقنط من رحمة الله؛ فإنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، عليك بالرجاء، وإن تأخرت الإجابة. (((«فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن عثيمين (24/ 2 بترقيم الشاملة آليا)))).

المسألة الرابعة: أهمية الاستغفار للمريض وغيره وفضائل الإكثار منه.

يستحب للمسلم الإكثار من الاستغفار، لا سيما في حال المرض؛ فقد انحبس عن الدنيا فليتفرغ للعمل الصالح من قراءة القرآن والذكر والاستغفار، فقد يكون قد اقترب أجله وهو لا يشعر.

وقد ورد الأمر بالاستغفار، والثناء على المستغفرين في مواضع كثيرة في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: 199]، وقال جل وعلا: ﴿ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ﴾ [آل عمران: 17]، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴾ [المائدة: 74]، وقال عز وجل: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ﴾ [غافر: 55]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [فصلت: 6]، وقال جل وعلا: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ﴾ [محمد: 19].

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد مائة مرة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن كنا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة، من قبل أن يقوم: «رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم» (((رواه الترمذي: 3434، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب))).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (((رواه البخاري: 6307))).

وقد وعد الله في القرآن المستغفرين بالتوبة وسعة الرزق وزيادة القوة، وكثرة المال والولد، غير ما يدخره الله لهم يوم القيامة من الأجر العظيم، ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون، فقال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3].

وقال سبحانه مخبرًا عن هود عليه السلام: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾ [هود: 52].

وقال عز وجل مخبرًا عن نوح عليه السلام: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا * يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا * وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا} [نوح: 10- 12].

المسألة الخامسة: الاستشفاء بالقرآن.

القرآن الكريم هدى وشفاء ورحمة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 57]، وقال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، وقال عز وجل: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44].

فأخبر الله سبحانه وتعالى أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا ريب أن المقصود الأول هو شفاء ما في الصدور من أمراض الجهل والشرك والكفر والنفاق والأخلاق الرديئة كالحسد والغش.

ولكنه مع ذلك شفاء للأمراض العضوية كالصداع وسائر الأوجاع التي تعرض للبدن، كما دلت على ذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال للذي رقى اللديغ بسورة الفاتحة: «وما يدريك أنها رقية» (((رواه البخاري: 2276، ومسلم: 2201)))، وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث – وهو التفل بريق خفيف أو بدون ريق- فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها. (((رواه البخاري: 5016، ومسلم: 2192))).

وكلما كان العبد قريبًا من ربه، تاليًا لكتابه، عاملًا به، قائمًا به، كان انتفاعه به أعظم، وقد ثبت في السنة الشفاء بقراءة سورة الفاتحة والمعوذات فهي من خير ما يرقى به، وكذلك قراءة سورة البقرة ولها أثر عظيم في الشفاء من الأمراض البدنية والنفسية مع صدق التوكل وحسن الظن بالله.

المسألة السادسة: أهمية التداوي بالأدوية والأوراد الشرعية.

لا تعارض بين استعمال الأدوية الحسية المباحة التي يصفها أطباء الأجساد، وبين الأدوية الإيمانية التي وصفها خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم، كالرقية والتعويذات الشرعية والأدعية الصحيحة، فيمكن الجمع بينهما كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنه استعمل هذا وهذا، وقال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (((رواه مسلم: 2664، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه))).

وقال صلى الله عليه وسلم: «تَداوَوْا عباد الله؛ فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد الهرم» أي: كِبَر السن (((رواه الترمذي: 2038، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

وقد ثبت في السنة والتاريخ والواقع أن هذه الأدوية النبوية من خير ما تُعالج به الأمراض الواقعة، وتُدفع به الآفات المتوقعة، فينبغي للعبد أن يحرص على هذه الأذكار والرقى، مع الثقة وحسن الظن بالله أشد من حرصه على الأدوية الحسية.

ومن أراد التعرف على بعض تلك الأذكار، فليرجع إلى ما كتبه العلماء في ذلك ومن أنفعها كتاب «الأذكار» للإمام النووي رحمه الله، وكتاب «الكلِم الطيب» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب «الوابل الصيِّب» للإمام ابن القيم رحمه الله، وغيرها من الكتب الموسعة والمختصرة.

المسألة السابعة: الاستشفاء بماء زمزم.

ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرًا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنها مباركة، إنها طعام طُعم» (((رواه مسلم: 2473، من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه)))، زاد في رواية: «وشفاء سقم» (((رواها أبو داود الطيالسي في «مسنده»: 459))).

وورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ماء زمزم لِمَا شُرِب له» (((رواه أحمد: 14849، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما))).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوة يجامع بها أهله، ويصوم ويطوف مرارًا". (((«زاد المعاد في هدي خير العباد» (4/ 361)))).

فيشرع للعبد أن يشرب منه حتى يرتوي، وينوي ما يحب، ويدعو بما يريد، مع اصطحاب حسن الظن بالله، وصدق التوكل واللجوء إلى الله تعالى.

المسألة الثامنة: الصدقة والعمل الصالح في الشفاء من المرض.

ورد في الحديث الذي حسنه جماعة من العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «داووا مرضاكم بالصدقة» (((رواه أبو داود في «المراسيل»: 105، من مرسل الحسن البصري، ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (10196) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه))).

فهذا الحديث يدل على أن الصدقة على اختلاف أنواعها سبب من أسباب الشفاء بإذن الله، إذا صاحبها إخلاص النية، وخرجت من كسب طيب، بل جميع الأعمال الصالحة -خاصة الإكثار من ذكر الله وتسبيحه- لها أثرها في نفع الإنسان وطيب حياته في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

فالصدقة ‌علاج نافع مفيد، يشفي الأمراض، ويخفف الأسقام، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (((رواه أحمد: 15284، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما)))، فلعل بعض الأمراض تحدث عقوبةً على ذنبٍ أصابه المريض، فمتى تصدق عنه أهله زالت الخطيئة فزال سبب المرض، أو أن الصدقة تُكتب له بها حسنات، فينشط قلبه بها، ويخف مع ذلك ألم المرض. (((ينظر: «الفتاوى الشرعية في المسائل الطبية» للشيخ ابن جبرين رحمه الله (سؤال رقم: 15)))).

المسألة التاسعة: فضائل التوبة وأهميتها للمريض والصحيح.

التوبة النصوح من أجل الأعمال وأنفع القربات التي يقوم بها العبد، وذلك أن الله تعالى عفو كريم، تواب رحيم، يحب التوبة من عباده ويثيبهم عليها؛ لذا فقد أمر جميع المؤمنين بالتوبة النصوح ليفوزوا برحمة الله وجنته فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 8].

ورحمة الله وسعت كل شيء، فإذا عظمت ذنوب العبد، وأسرف على نفسه في المعاصي والآثام، ثم تاب فإن الله يتوب عليه، ويغفر ذنوبه مهما بلغت، كما قال سبحانه: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

وباب التوبة مفتوح للعبد، ما لم تبلغ روحه الحلقوم، حتى ولو كان مرضه ميئوسًا منه، فلو تاب توبة صادقة بشروطها، فإن الله وعده بالقبول والمغفرة كرمًا منه ورحمة، كما قال جل شأنه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنعام: 54]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (((أخرجه الترمذي: 3537، وقال: هذا حديث حسن غريب))).

أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض. (((«قوت المغتذي على جامع الترمذي» للسيوطي (2/ 955)))).

بل إن الله سبحانه يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا، كما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم، سقط على بعيره –أي: صادفه من غير قصد -، وقد أضله –أي: فقده- في أرض فلاة» أي: صحراء (((رواه البخاري: 6309، ومسلم: 2747))). فسبحانه وتعالى ما أجله وأكرمه وأرحمه.

وتتأكد التوبة في حق المريض؛ فإن الله قد ابتلاه لكي يرجع إليه ويتوب، فينبغي عليه أن يسارع إلى التوبة، فإنه لا يدري لعله قد اقترب أجله وهو لا يشعر.

وشروط التوبة ثلاثة:

الأول: الندم على الماضي مما فعلت ندمًا صادقًا.

الثاني: الإقلاع من الذنوب، ورفضها وتركها طاعة لله وتعظيمًا له.

الثالث: العزم الصادق ألا تعود إلى تلك الذنوب.

هذه أمور لا بد منها، فإن كان عندك حقوق للناس، أموال أو دماء أو أعراض فأدها إليهم، هذا أمر رابع من تمام التوبة، عليك أن تؤدي الحقوق التي للناس: إن كان قصاصًا تمكِّن من القصاص إلا أن يسمحوا بالدية، إن كان مالًا ترد إليهم أموالهم، إلا أن يسمحوا.

وإن كان عرضًا يعني: تكلمت في أعراضهم واغتبتهم، تستسمحهم، وإن كان استسماحهم قد يفضي إلى شر فلا مانع من تركه، ولكن تدعو لهم وتستغفر لهم، وتذكرهم بالخير الذي تعلمه منهم في الأماكن التي ذكرتهم فيها بالسوء، ويكون هذا كفارة لهذا.

وعليك البدار بالتوبة قبل حضور الأجل، قبل أن ينزل بك الموت، عليك البدار والمسارعة، ثم الصبر والصدق، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].

قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا} يعني: لم يقيموا على المعاصي، بل تركوها وتابوا وندموا، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، انتقل بعد ذلك سبحانه إلى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ [آل عمران: 136] هذا جزاء التائبين الذين أقلعوا ولم يصروا، لهم الجنة، فأنت –أيها التائب- إن شاء الله منهم إذا صدقت في التوبة. (((ينظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (28/ 447)))).

الفصل الثامن: فوائد المرض

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض عن فوائد المرض، واشتمل الإجابة على تسع مسائل، وهي:

علاقة المصائب بالقضاء والقدر.

ماذا يقول المؤمن ويفعل عند حدوث المصائب؟

ما أجر الصبر والاحتساب عند المصائب والأمراض؟

الحكمة من الابتلاء وفضله وعظيم أجره عند الله.

ما الذي يخفف من وقع المصائب على المسلم ويهونها عليه؟

خطورة التسخط على قدر الله وحُكمه وبعض ما يُعتبر من التسخط على قدر الله.

أجر من صبر على فقد أحد أبنائه أو أحد أقاربه.

بعض الأمراض التي ينال من مات بها منزلة الشهداء.

حال السلف في الصبر على البلاء والمرض.

المسألة الأولى: علاقة المصائب بالقضاء والقدر.

المؤمن الصادق يعلم أن كل شيء إنما هو بقدَر الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وبذا يطمئن قلبه، ويعلم أن لا مجال للأسى والحزن في حياته؛ لأن أمر الله سبق، ومشيئته نفذت.

قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].

وقال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ * لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ} [الحديد: 22، 23].

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هاتين الآيتين: "يقول تعالى مخبرًا عن عموم قضائه وقدره: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ} وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كُتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوَّفوا إليه؛ لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فَرَحَ بَطَر وأَشَر؛ لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومَنِّه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودَفَع النقم، ولهذا قال: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه". (((تيسير الكريم الرحمن (ص: 842)))).

وإذا علم العبد أن المصائب كلها إنما بقضاء الله وقدره، فما عليه إلا التسليم والصبر، والصبر جزاؤه الجنة كما قال سبحانه: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]. وقال سبحانه: ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد ٢٤].

والمؤمن مأجور في السراء والضراء؛ فإنه إذا شكر في السراء أعطاه الله تعالى ثواب الشاكرين، وإذا صبر في الضراء أعطاه ثواب الصابرين؛ فعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» (((رواه مسلم: 2999))).

المسألة الثانية: ماذا يقول المؤمن ويفعل عند حدوث المصائب؟

المشروع للمسلم عند وقوع المصائب المؤلمة الصبر والاحتساب، وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. أو يقول: قدر الله وما شاء فعل.

لقول الله سبحانه: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (((رواه مسلم: 2664، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه))).

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها. إلا أخلف الله له خيرا منها». قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسل إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له. (((رواه مسلم: 918))).

وقد جعل الله كلمات الاسترجاع -وهي قول المصاب: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ملجأً وملاذًا لذوي المصائب، وعصمةً للممتحَنين من الشيطان؛ لئلا يتسلط على المبتلى فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيِّج ما سكن، ويُظهر ما كمن، فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة نجى من كل شر وفاز بكل خير.

فإن قوله: {إنا لله} توحيد وإقرار بالعبودية والملك لله تعالى، وقوله: {وإنا إليه راجعون} إقرار بأن الله يميتنا ثم يبعثنا، فهو إيمان بالبعث بعد الموت، وهو إيمان أيضًا بأن لله الحكم في الأولى وله المرجع في الأخرى، فهو من اليقين أن الأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه. (((«تسلية أهل المصائب» للمنبجي (ص11)))).

ويجب على المسلم المبتلى أن يحذر الجزع وإظهار السخط والتلفظ بالكلام المنكر؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري». قالت: إليك عني، فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (((رواه البخاري: 1283، ومسلم: 926))).

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية» (((رواه البخاري: 1294، ومسلم: 103، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه))).

وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: وجع أبو موسى وجعًا فغُشِي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة. (((رواه البخاري: 1296، ومسلم: 104))).

والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.

وأن يتيقن أن مع العسر يسرًا، وأن مع الكرب فرجًا، وأن الله سبحانه هو الذي يكشف ضره، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [الأنعام: 17]، وقال سبحانه: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107].

وليعلم أنه ستشمله رحمة الله تعالى قال سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28]، ويقول سبحانه: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7]، ويقول تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا} [الشرح: 5، 6]. || (((ينظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (5/ 414)، و«نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم» (1/ 37)))).

المسألة الثالثة: ما أجر الصبر والاحتساب عند المصائب والأمراض؟

المؤمن إذا نزل به البلاء تفكَّر في الأجر، ولا سبيل إلى الأجر إلا بالصبر، ولا سبيل إلى الصبر إلاَّ بعزيمةٍ إيمانيةٍ وإرادةٍ قوية، وليتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» (((رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه))).

وعلى المسلم إذا أصابته مصيبة أن يسترجع ويدعو بما ورد، فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها. إلا أخلف الله له خيرا منها» (((رواه مسلم: 918، من حديث أم سلمة رضي الله عنها))).

فما أجمل تلك اللحظات التي يلجأ فيها العبد إلى ربه ويعلم أنه وحده هو مفرِّج الكرب، وما أعظم الفرحة إذا نزل الفرج بعد الشدة، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

وقد أوصى الله عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة في أمرهم كلها، فقال تعالى: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].

قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخَّطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبَّر يصبِّره الله، وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يستعان بها على كل أمر من الأمور" (((«تيسير الكريم الرحمن» (ص: 51)))).

وأخبر الله عز وجل أن الصبر خير لأهله؛ فقال تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126].

وأخبر سبحانه أنه مع الصابرين يُثبِّتهم ويحفظهم ويؤيدهم وينصرهم، قال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

وعلَّق الفلاح بالصبر والتقوى، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].

وعلَّق المغفرة والأجر الكبير بالعمل الصالح والصبر، وذلك يسير على من يسَّره الله عليه، فقال تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ [هود: 11].

وأخبر أن الصبر جزاؤه الجنة، قال سبحانه: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96].

المسألة الرابعة: الحكمة من الابتلاء وفضله وعظيم أجره عند الله.

المصائب والبلايا امتحانٌ للعبد، ولها حكم عظيمة وفوائد جليلة، فمن عظيم حكمة الله تعالى في الابتلاء والمصائب التي يصاب بها العبد:

تحقيق العبودية لله رب العالمين؛ فإن الابتلاء يبيِّن مَن يعبد الله حق عبادته ومَن يعبد هواه؛ فإن بعض الناس عبيد لأهوائهم ليسوا عبيدًا لله، وإن ادَّعوا أنهم عبيد لله، ولكن إذا ابتلوا نكصوا على أعقابهم، خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله: "هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر". (((ينظر: «تفسير ابن كثير» (5/ 401)))).

البلاء درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل، يُطْلعك عمليًّا على حقيقة نفسك؛ لتعلم أنك عبد ضعيف، لا حول لك ولا قوة إلا بربك، فتتوكل عليه حق التوكل، وتلجأ إليه حق اللجوء، حينها يسقط الجاه والكبر والعجب والغرور والغفلة، وتعلم أنك مسكين يلوذ بمولاه، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "لولا مِحَن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أمراض الكبر والعُجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حميةً له من هذه الأمراض، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه.

فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المِحَن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان، على قدر حاله يستفرغ به من الأمراض المهلكة، حتى إذا هذَّبه ونقاه وصفاه أهَّله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه". (((«زاد المعاد في هدي خير العباد» (4/ 179) بتصرف))).

الابتلاء يذكِّر العبد بذنوبه ليتوب منها، فهو يعلم أن ما أصابه لعله بسبب ذنوبه، يقول الله عز وجل: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ﴾ [النساء: 79]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ [الشورى: 30].

فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر يوم القيامة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]، والعذاب الأدنى هو نكد الدنيا ونغصها وما يصيب الإنسان من سوء وشر، يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا.

وإذا استمرت الحياة هانئة، فسوف يصل الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر، ويظن نفسه مستغنيًا عن الله، فمن رحمته سبحانه أن يبتلي الإنسان حتى يعود إليه.

الابتلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وفناءها وأنها متاع الغرور، وأن الحياة الباقية الكاملة تكون بعد هذه الدنيا، في حياة لا مرض فيها ولا تعب، يقول تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي: الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد. وقوله: {لو كانوا يعلمون} أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى". (((«تفسير ابن كثير» (6/ 294)))).

أما هذه الدنيا فنكد وتعب وهمٌّ: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4].

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم، وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد.

ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، يقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك فإنه لم يشكر الله على هذه النعمة العظيمة، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل" (((تيسير الكريم الرحمن (ص: 925)))).

الابتلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك بالصحة والعافية؛ فإن هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان معنى الصحة والعافية التي كنت تمتعت بهما سنين طويلة، ولم تتذوق حلاوتهما، ولم تقدِّرهما حق قدرهما، فالمصائب تذكرك بالنعم وبالمنعِم، فتكون سببًا في شكر الله سبحانه وحمده على نعمه.

ومن عظيم فضل البلاء وأجره:

البلاء علامة لحب الله تعالى للعبد؛ إذ هو كالدواء، فإنَّه وإن كان مُرًّا إلا أنَّـك تقدمه على مرارته لمن تحب، ولله المثل الأعلى، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (((رواه الترمذي: 2396/2، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه))).

ولذا كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (((رواه الترمذي: 2398، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

نزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» (((رواه الترمذي: 2396))).

تكفير الذنوب، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (((رواه الترمذي: 2399، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

حصول الأجر ورفعة الدرجات قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً». رواه مسلم.

ولله در الحسن البصري رحمه الله إذ يقول: "لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تحبه فيه عَطَبُك" أي: هلاكك (((ينظر: «تفسير القرطبي» (3/ 39)))).

ويُروى أن الفضل بن سهل رحمه الله برئ من مرض ألمَّ به، فجلس للناس، وهنوه بالعافية، فلما فرغ الناس من كلامهم، قال الفضل: "إن في العلل –أي: الأمراض- لَنِعَمًا لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وتذكير بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحض على الصدقة" (((ينظر: «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (1/ 169)))).

فهذه بعض الحكم والمصالح والفضائل المترتبة على حصول البلاء، والله تعالى أعلم.

المسألة الخامسة: ما الذي يخفف من وقع المصائب على المسلم ويهوِّنها عليه؟

هناك أمور إذا تأملها من أصيب بمصيبة هانت عليه مصيبته وخفَّت، منها:

أن العبد وأهله وماله ملكٌ لله عز وجل حقيقة، وقد جعلها عند العبد عارية، فإذا أخذها منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير، وهذا معنى: «إنا لله» في قولنا عند المصيبة: «إنا لله وإنا إليه راجعون».

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: اشتكى ابن لأبي طلحة، فخرج أبو طلحة إلى المسجد فتوفي الغلام، فهيأت أم سليم الميت، وقالت لأهلها: لا يُخبِرنَّ أحد منكم أبا طلحة بوفاة ابنه، فرجع إلى أهله، ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه. قال: ما فعل الغلام؟ قالت: خير ما كان، فقرَّبت إليهم عشاءهم، فتعشوا وخرج القوم، وقامت المرأة إلى ما تقوم إليه المرأة، فلما كان آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طُلِبت كأنهم كرهوا ذاك. قال: ما أنصفوا، قالت: فإن ابنك كان عارية من الله تبارك وتعالى، وإن الله قبضه. فاسترجع وحمد الله، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: «بارك الله لكما في ليلتكما» ... فحملت أم سليم تلك الليلة، قال: فتلد غلاما، ... فسمي عبد الله بن أبي طلحة. قال: فخرج منه رجل كثير، قال: واستشهد عبد الله بفارس الحديث (((رواه البخاري: 1301، وأحمد: 12028، واللفظ له))).

أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يُخلِّف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات. فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته، فكيف يفرح بموجود، أو يحزن على مفقود! وهذا معنى قولنا: «وإنا إليه راجعون».

أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ * لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ} [الحديد: 22، 23].

أن ينظر إلى ما أصيب به، فيجد أن الله عز وجل قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه، وادَّخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.

أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة؟ وأنه لو فتَّش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرَّت يومًا ساءت دهرًا.

أن يعلم أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض.

أن يعلم أن فوات ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله لأهل الصبر والاسترجاع في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] يعلم أن فوات هذا الثواب المضمون أعظم من المصيبة في الحقيقة.

أن يعلم أن الجزع يُشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويُضعف نفسه. وإذا صبر واحتسب أغاظ شيطانه ورده خاسئًا، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وعزى إخوانه قبل أن يعزوه. فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والسخط على المقدور.

أن يعلم أن ما يجده العبد بعد الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، ويكفيه من ذلك "بيت الحمد" الذي يُبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه، فعن أبي سنان رحمه الله قال: دفنت ابني سنانًا، وأبو طلحة الخولاني جالس على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي، فقال: ألا أبشرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى، فقال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» (((رواه الترمذي: 1021، وقال: هذا حديث حسن غريب))).

فلينظر أي المصيبتين أعظم: المصيبة الواقعة، أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد؟ ورُوي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهلُ البلاءِ الثوابَ لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض» أي قطعت بما يقص (((رواه الترمذي: 2402، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه))).

وقال بعض السلف: "لولا مصائب الدنيا لقدمنا على الله مفاليس" (((رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 164) من كلام إبراهيم المغربي))).

أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تُحدِثه له، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. فحظ العبد منها ما أحدثته له، فليختر خير الحظوظ أو شرها:

فإن أحدثت له سخطًا وكفرًا –عياذًا بالله- كُتب في ديوان الهالكين.

وإن أحدثت له جزعًا وتفريطًا في ترك واجب أو فعل محرم كُتب في ديوان المفرِّطين.

وإن أحدثت له شكوى وعدم صبر كُتب في ديوان المغبونين الخاسرين.

وإن أحدثت له اعتراضًا على الله وقدحًا في حكمته، فقد قرع باب الزندقة أو دخله.

وإن أحدثت له صبرًا وثباتًا كُتب في ديوان الصابرين.

وإن أحدثت له الرضى عن الله كُتب في ديوان الراضين.

وإن أحدثت له الحمد والشكر كُتب في ديوان الشاكرين، وكان تحت لواء الحمد مع الحمَّادين.

وإن أحدثت له محبة واشتياقًا إلى لقاء ربه كُتب في ديوان المحبين المخلصين.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (((رواه الترمذي: 2396/2، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه))).

أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه به، وإنما ابتلاه به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرعه وابتهاله، وليراه طريحًا ببابه، لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعًا الشكوى إليه.

أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبدَ من أمراض الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يبتليه في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه. (((ينظر: «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن القيم (4/ 270)))).

المسألة السادسة: خطورة التسخط على قدر الله وحُكمه وبعض ما يُعتبر من التسخط على قدر الله.

التسخط على قدر الله، من كبائر الذنوب، وقد يؤدي بصاحبه إلى الكفر والردة عياذًا بالله تعالى، والله تعالى له الحكمة البالغة فيما يفعل ويقدِّر، وهو تعالى: ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (((رواه الترمذي: 2396/2، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه))).

والتسخط أنواع:

النوع الأول: يكون بالقلب، كأن يتسخط على ربه، يغتاظ مما قدَّره الله عليه، فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله: "هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر". (((ينظر: «تفسير ابن كثير» (5/ 401)))).

النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل والهلاك وما أشبه ذلك، وهذا حرام.

النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية» (((رواه البخاري: 1294، ومسلم: 103، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه))).

وبعض الألفاظ تعتبر من التسخط مثل:

لماذا يفعل الله معنا نحن هكذا من دون الناس؟

أو إذا حصل أذى للإنسان قيل: "والله ما يستاهل".

أو يقال: مسكين. يعني: لماذا يحصل له هذا؟

فلا يجوز استعمال مثل هذه الألفاظ؛ لأنها اعتراض على الله جل وعلا في حكمه وقضائه، إذ معناها: أن ما أصاب فلانًا من مرض أو محنة أو موت ونحو ذلك لا يستحقه، وهذا طعن في حكمة الله سبحانه. (((ينظر: «فتاوى أركان الإسلام» للشيخ ابن عثيمين رحمه الله (ص126)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (26/ 360)))).

المسألة السابعة: أجر من صبر على فقد أحد أبنائه أو أحد أقاربه.

من تأمل في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وجد فيهما ما تقر به الأعين، وتطمئن به القلوب، وتسكن له الجوارح مما يمنحه الله تعالى لمن صبر ورضي واحتسب على فقد أحد أبنائه أو أحد أقاربه، فمن ذلك:

قال تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (((رواه الترمذي: 2399، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

وعن أبي سنان رحمه الله قال: دفنت ابني سنانًا، وأبو طلحة الخولاني جالس على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي، فقال: ألا أبشرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى، فقال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» (((رواه الترمذي: 1021، وقال: هذا حديث حسن غريب))).

وعن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: إن رجلًا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحبه؟» فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل ابن فلان؟» قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: «أما تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟» فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أو لكلنا؟ قال: «بل لكلكم» (((رواه الإمام أحمد في «المسند»: 20365))).

وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيه –أي: حبيبه المصافي له كالولد والأخ وكل من يحبه الإنسان ويتعلق به- من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة» (((رواه البخاري: 6424))).

المسألة الثامنة: بعض الأمراض التي ينال من مات بها منزلة الشهداء.

قد أكرم الله تعالى هذه الأمة، فلم يجعل أجر الشهيد لمن يُقتل في المعركة فحسب، بل جعله أيضًا لأناس آخرين، لكن أفضلهم شهيد المعركة في سبيل الله عز وجل.

أقسام الشهداء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» (((رواه البخاري: 653، ومسلم: 1914))).

المطعون هو الذي يموت بالطاعون.

والمبطون الذي يموت بمرض في البطن كالإسهال.

والغريق الذي يموت في الماء.

وصاحب الهدم الذي يموت بالهدم، يسقط عليه جدار أو سقف، وفي حكمه من يموت بدهس السيارات، وانقلاب السيارات، وصدام السيارات.

وكذلك صاحب ذات الجنب شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة.

عن جابر بن عتيك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد» (((رواه أبو داود: 3111))).

صاحب ذات الجنب: هي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تُفتح ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك، ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال وهي في النساء أكثر.

وصاحب الحريق: هو الذي يموت بالحرق.

والمرأة تموت بجُمْع: هي التي تموت وفي بطنها ولد، وقيل: التي تموت بكرًا. (((ينظر: «عون المعبود» (8/ 262)))).

وكذلك من قُتل وهو يدافع عن دينه أو ماله أو أهله أو دمه.

عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد» (((رواه الترمذي: 1421، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

كل هذه أنواع من الشهادة، لكن أفضلهم: شهيد المعركة، وهو الذي لا يُغسل، ولا يُصلى عليه، أما البقية فيُغسلون ويُصلى عليهم، وإن كانوا شهداء.

المسألة التاسعة: حال السلف في الصبر على المرض والبلاء.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن‌‌ أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر ‌كان ‌من ‌الرجال ‌كان ‌كريما" (((«الصبر والثواب عليه» لابن أبي الدنيا (ص24)))).

وقال شريح القاضي: "‌إني ‌لأصاب ‌بالمصيبة، ‌فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني". (((«الفرج بعد الشدة» للتنوخي (1/ 158)))).

وروي أنه اشتكى ولد لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فاشتد حزنه عليه، حتى قال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام حدث. وشاء الله، فمات الغلام، فخرج ابن عمر في جنازته، وما رجل أبدى سروراً إلا ابن عمر، فقيل: ما هذا، قد خشينا عليك يا ابن عمر؟! قال: إنما تلك كانت رحمة به؛ فلما وقع أمر الله رضينا به. (((«الرضا عن الله بقضائه» لابن أبي الدنيا (ص113)))).

وأصيب عروة بابن له يقال له محمد في ذلك السفر، دخل بالليل إسطبل دوابٍّ ليبول، فركضته بغلة فقتلته، وكان من أحب ولده إليه، فلم يُسمع من عروة في ذلك كلمة حتى رجع، فلما كان بوادي القرى قال: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحدًا وأبقيت لي ستة، وكانت لي أطراف أربعة فأخذت مني طرفًا وأبقيت لي ثلاثة، وإنك لئن ابتَليت لقد عافيتَ ولئن أخذتَ لقد أبقيتَ، فلما قدم المدينة جاءه رجل من قومه فقال: يا أبا عبد الله، والله ما كنا نحتاج أن نُسابق بك ولا نُصارع بك، ولكنا كنا نحتاج إلى رأيك والأنس بك، فأما ما أُصِبتَ به فهو أمر ذخره الله لك، وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقي. (((ينظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (40/ 261)))).

وقال علي بن الحسن: كان رجل بإحدى قرى بالشام ذاهب نصفه الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب، فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى الله عز وجل، مالي إليه من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام. (((«الرضا عن الله بقضائه» لابن أبي الدنيا (ص89)))).

وعن خلف بن إسماعيل قال: سمعت رجلًا مبتلي من هؤلاء الزَّمني -أي الذين لازمهم المرض طوال حياتهم- يقول: وعزتك لو أمرت السباع فقطَّعتني قِطعًا ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبرًا، وعنك بمنِّك وحمدك إلا رضا. قال خلف بن إسماعيل: وكان الجزام قد قطع يديه ورجليه، وعامة بدنه. (((«الصبر والثواب عليه» لابن أبي الدنيا (ص52)))).

الفصل التاسع: مسائل وأحكام وآداب عامة

في هذا الفصل الجواب عن ما يحتاجه المريض مسائل وأحكام وآداب عامة عن عيادة المريض ومرافقته ونحو ذلك، واشتمل الإجابة على إحدى عشر مسائلة، وهي:

ما معنى عيادة المريض وحكمها؟

فضل عيادة المريض.

ما يقوله المسلم إذا عاد مريضًا.

آداب عيادة المريض.

أجر مرافقة المريض والقيام على حوائجه.

آداب مرافق المريض.

الآداب العامة في التعامل مع المريض.

أحكام وآداب ستر العورة.

وصايا مهمة للمرضى.

التنبيه على أخطاء يقع فيها كثير من المرضى.

كيف يستثمر المريض وقته؟

المسألة الأولى: ما معنى عيادة المريض وحكمها؟

العيادة مأخوذة من العَود، وهو الرجوع للشيء مرة بعد أخرى، فسُمِّيت عيادة لأنها تتكرر، والمرض قد يطول فيحتاج الإنسان إلى تكرار الزيارة، وعيادة المريض هي زيارته.

والمريض الذي يحتاج إلى عيادة هو من مرض مرضًا حبسه عن شهود الناس والجماعة، وأما إذا كان مريضًا ولكنه يخرج ويشهد الناس، فلا يحتاج إلى عيادة؛ لأنه يشهد الناس ويشهدونه.

وعيادة المريض سنة مؤكدة عند أكثر أهل العلم، وذهب بعض العلماء إلى أنها فرض كفاية؛ لما ثبت عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس» (((رواه البخاري: 1239، ومسلم: 2066))).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (((رواه البخاري: 1240، ومسلم: 2162))).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكوا العاني -يعني: الأسير-، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» (((رواه البخاري: 3046))).

فهذه الأحاديث يؤخذ منها أنها فرض كفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها من حق المسلم على المسلم، فيجب على عموم المسلمين أن يعودوا مرضاهم.

وليس من محاسن الإسلام أن يمرض الواحد منا ولا يعوده أحد، وكأنه مرض في صحراء خالية، فلو علمنا أن رجلًا مريضًا لا يعوده أحد؛ فإنه يجب على من عَلم بحاله وقدر أن يعوده، فليست عيادة المريض خاصة بمن يعرفه الإنسان فقط، بل هي مشروعة لمن يعرفه ومن لا يعرفه.

وعيادة المريض مع كونها من أداء الحقوق على المسلم لأخيه، ففيها جلب مودة وألفة لا يتصورها إلا من مرض ثم عاده إخوانه، فإنه يجد من المحبة لهؤلاء الذين عادوه شيئًا كثيرًا، فتجده يتذوقها، ويتحدث بها كثيرًا، ففيها مع الأجر تثبيت الألفة بين المسلمين.

والاتصال بالهاتف لا يغني عن العيادة، لاسيما مع القرابة، أما إن كان بعيداً يحتاج لسفر فإنها تُغني. (((ينظر: «الشرح الممتع على زاد المستقنع» (5/ 236 وما بعدها)))).

المسألة الثانية: فضل عيادة المريض.

عيادة المريض فضلها عظيم، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها:

عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عاد مريضًا لم يزل في خُرفة الجنة»، قيل: يا رسول الله، وما خُرفة الجنة؟ قال: «جناها» (((رواه مسلم: 2568))).

أي: من زار مريضًا كان مصيره إلى الجنة واجتناء ثمارها.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضًا، لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها» (((رواه أحمد: 14260))).

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنًا على الله: «من عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيًا في سبيل الله، أو دخل على إمام يريد بذلك تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته فيسلم الناس منه ويسلم من الناس» (((رواه أحمد: 22093))). أي: ضامنًا على الله أن يدخله الجنة ويعيذه من النار. (((ينظر: «فيض القدير» (3/ 457)))).

المسألة الثالثة: ما يقوله المسلم إذا عاد مريضًا.

ينبغي أن يدعو الزائر للمريض بقوله: «لا بأس، طهور إن شاء الله»؛ فقد ثبت في السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله» (((رواه البخاري: 3616))).

قوله: «لا بأس»: لا شدة عليك ولا عذاب أي: رفع الله عنك ذلك. «طهور»: طهور لك من ذنوبك، أي: تكفير للذنوب.

ويدعو له بالشفاء ثلاثًا، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وقال: «اللهم اشف سعدًا» ثلاث مرات (((رواه البخاري: 5659، ومسلم: 1628))).

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو للمريض بقوله: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (((رواه البخاري: 5743، ومسلم: 2191، من حديث عائشة رضي الله عنها))).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من عبد مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي» (((رواه الترمذي: 2083، وقال: هذا حديث حسن غريب».

المسألة الرابعة: آداب عيادة المريض.

ينبغي للمسلم أن يعود إخوانه المرضى سواء كانوا في المستشفيات أو كانوا في بيوتهم؛ لما في ذلك من إدخال السرور عليهم، وإدخال السرور على المريض نصف الدواء في الواقع؛ لأن نفسه تنبسط وصدره ينشرح وينسى الألم، لا سيما إذا كان العائد له ذو قيمة في المجتمع فإن العيادة تتضاعف أجرها.

ولعيادة المريض آداب ينبغي للعائد أن يتحلى بها، منها:

* أن يختار الوقت المناسب للعيادة، مع مراعاة حال المريض والأرفق به، والآن قد جعلت المستشفيات للزيارة وقتًا محددًا، فالواجب التقيد به.

* أن لا يطيل الجلوس عند المريض، بل تكون الزيارة خفيفة حتى لا يشق عليه، أو يشق على أهله، إلا إن علم أن المريض يحب منه طول الجلوس عنده.

* أن يسأله عن حاله، وعن كيفية وضوئه وصلاته ويعلمه ذلك، وأن يذكِّره بالتوبة من المعاصي، وأداء الحقوق إلى أهلها، ويحسن أن يذكره بالتوبة بصفة لا يشعر فيها المريض أنه يعني دنو أجله، مثل أن يقول له: أنت الآن -والحمد لله- وإن انحبست عن الدنيا فقد تفرغت للعمل الصالح من قراءة القرآن والذكر والاستغفار، وما أشبه ذلك من الكلمات التي تفيده، بدون أن يشعر بأنك ترى دنو أجله.

* أن يُوسِّع للمريض في الأمل، بمعنى ألا يقول له: إن مرضك هذا خطير، وإن مرضك هذا مات منه فلان وفلان، بل يقول: أنت على خير، وأنت اليوم خير من أمس، وينوي بهذه الكلمة أنه خير من أمس باعتبار أنه ازداد أجرًا على الأمس لأنه صبر مدة أربعة وعشرين ساعة.

* أن يوصيه بالصبر لما فيه من جزيل الأجر، ويحذِّره من اليأس ومن الجزع.

* أن يهون عليه ما يجد، ويبشره بحصول الشفاء والعافية إن شاء الله تعالى، فإن ذلك يطيب نفس المريض.

* ألا يُكثر من سؤال المريض؛ لأن ذلك يثقُل عليه ويُضْجِرُهُ.

* ألا يتكلم العائد أمام المريض بما يُقلِقُهُ ويُزعجُهُ، وأن يُظهِر له من الرِّقة واللطف ما يُطيِّبُ به خاطره.

* أن يُذكِّره بالوصية، فيقول: يا فلان، إن كان لك وصية بقضاء دين عليك، أو زكاة، أو كفارة، أو ما أشبه ذلك، فيخبره بما يجب عليه في هذا. (((ينظر: «فتاوى نور على الدرب» للعثيمين (9/ 2)، (24/ 2) بترقيم الشاملة آليا))).

المسألة الخامسة: أجر مرافقة المريض والقيام على حوائجه.

إن من أفضل الأعمال عند الله تعالى، وأحبها إليه، وأعلاها منزلة، وأكرمها مروءة: الإحسان إلى الضعفاء والمرضى والقيام على حوائجهم وشؤونهم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه –أي: لا يتركه إلى الظلم-، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة، فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (((رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580))).

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: "في هذا فضل إعانة المسلم، وتفريج الكرب عنه، وستر زلاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها: من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته" (((«شرح مسلم» (16/ 135)))).

ومُرافق المريض والقائمُ على رعايته والعناية به قد أحسن إليه بخدمته ورعايته، والله تعالى يقول: ﴿وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

وإعانة المريض وخدمته صدقة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وتُعِين الرجلَ في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة» (((رواه البخاري: 2989، ومسلم: 1009))).

وكذلك إذا أعان المريض، فحمله أو أعانه في مشيه أو نومه أو دوائه، كان له بذلك صدقة.

وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولئن أمشي مع أخ لي في حاجةٍ أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا» (((رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (13646)))).

ولما مرضت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يبقى عندها ليُمرِّضها، وتخلَّف عن غزوة بدر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه» (((رواه البخاري: 3130، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)))).

وعن الحسن البصري قال: "لأن أقضي لمسلم حاجةً أحب إليَّ من أن أصلي ألف ركعة" (((رواه ابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» (ص: 48 رقم 37)))).

وقال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتنامًا لأجر ذلك، منهم عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان.

وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلًا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا مِن شَرطي فيغسله، وإذا رأى مَن يريد أن يغسل رأسه قال: هذا مِن شرطي فيغسله. (((«لطائف المعارف» (ص: 232)))).

فهنيئًا لمن وفقه الله تعالى لتقديم يد العون إلى الضعيف والمريض والمحتاج، وهنيئًا لمن يبذل عمره ووقته وجهده في صنائع المعروف، ونرجو أن يعامله الله بالرحمة والعفو والرضوان.

المسألة السادسة: آداب مرافق المريض.

* مرافق المريض لا بد أن يتصف بالصبر، لما يتكبده من مشقة في سهره، ومراقبته وملاطفته للمريض، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10].

* ولا بد أن يكون رحيمًا، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (((رواه الترمذي: 1924، وقال: هذا حديث حسن صحيح)))، والمريض أحوج ما يكون لمن يرحمه، ويعامله بكل شفقة ورأفة.

* أن يحتسب الأجر في عمله هذا.

* عليه التزام الهدوء، وعدم إزعاج المرضى الآخرين برفع الصوت، وكثرة الكلام، أو الضحك والإزعاج، أو بأصوات الأجهزة كالتلفاز والمذياع والجوالات.

* ألا يفعل شيئًا دون مشاورة الطبيب المختص، فبعض اجتهادات المرافقين قد تودي بحياة المريض.

* العناية بالنظافة سواء نظافة المريض الشخصية، ونظافة المكان، والمَرَافق التي يتم استخدامها.

* الالتزام بكافة الأوامر والتعليمات التي يُمليها المُمَرِّض أو الطبيب على المرافق.

* على المرافق عدم إيذاء المسلمين بالقول أو الفعل، وعليه احترام المكان الذي يتواجد فيه المرضى.

* على المرافقة ألا تتزين في الأماكن العامة للرجال، ويحرم عليها التعطر والتزين.

* يتجنب النساء الاحتكاك بالرجال في الأماكن العامة، والذهاب إليها من دون حاجة.

المسألة السابعة: الآداب العامة في التعامل مع المريض.

الواجب تجاه المريض، الشعور بألمه ومراعاة حاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (((رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586))).

ومن الآداب في التعامل مع المريض:

* السعي لتخفيف الألم والحزن عنه.

* الأخذ بالأسباب في عرضه على الأطباء.

* تذكيره بقضاء الله تعالى وقدره، وفضل الصبر على ما قدره الله تعالى، وتذكيره بمنازل الصابرين في الآخرة.

* مواساته بقصص غيره، ممن ابتلاهم الله تعالى فصبروا، وشفوا أيضا.

* أن يمنح المريض إحساسًا بالأمل والرجاء، وأن يبعث في نفسه الطمأنينة، فإن ذلك يساعده على الشفاء من مرضه، والطمأنينة والسكينة تقوي جهاز المناعة عند المريض، وتشد من عزيمته، وترفع معنوياته.

* الدعاء بشفائه باستمرار، وعدم اليأس من الدعاء.

* الصدقة بنية شفائه.

* مساعدته في تلبيه احتياجاته، وعدم إحراجه.

* التلطف في العبارة والتعامل معه بكل رفق.

* حفظ أسرار المريض.

المسألة الثامنة: أحكام وآداب ستر العورة.

سدت الشريعة كل الأبواب المؤدية لافتتان كل واحد من الجنسين بالآخر، فأمرت بغض البصر، وحفظ الفرج، وستر العورة؛ لأن النظر للجنس الآخر وخاصة مكان العورة مدعاة للافتتان، قال تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30، 31].

وإن مما عمَّت به البلوى في هذا الزمان التساهل في كشف العورات في العيادات والمستشفيات، من قبل النساء والرجال، وخاصة في غرف التخدير والعمليات، وخلال نقل المريض من غرفة التنويم إلى غرفة العمليات، وتجهيزه للعملية وإعادته بعدها إلى غرفته، أو غرفة العناية المركزة، فالواجب التنبه لذلك، وأخذ الحيطة والحذر.

والواجب على الطبيب أن لا ينظر إلى عورة المريض، إلا إذا دعت الضرورة أو الحاجة المُلِحَّة.

وينبغي أن يعالج المرضى الذكور الأطباءُ، وأن يعالج المرضى الإناث الطبيباتُ، إلا إذا دعت الضرورة خلاف ذلك.

المسألة التاسعة: وصايا مهمة للمرضى.

من الوصايا المهمة لكل مريض لَزِمَ الفراش:

* أن يوقن أن ما أصابه من المرض بقضاء الله وقدره، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولن يصيب العبد إلا ما كتب الله له، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].

* أن يحسن الظن بربه، فإنه أراد به خيرًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يُصِب منه» (((رواه البخاري: 5645))).

أي: يبتلِه بالمصائب؛ ليطهره من الذنوب في الدنيا، فيلقى الله تعالى نقيًّا، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي هذه الحديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك غالبًا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تُكفِّر ذنوب من تقع له" (((«فتح الباري» (10/ 108) بتصرف يسير))).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (((رواه الترمذي: 2399، وقال: هذا حديث حسن صحيح))).

* أن يحرص على سماع وقراءة القرآن فإنه شفاء، قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، مع المواظبة على الأذكار والأدعية الشرعية، لاسيما أذكار الصباح والمساء.

* عدم تمني الموت لألم المرض، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (((رواه البخاري: 5671، ومسلم: 2680))).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يتمنين أحدكم الموت: إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب» (((رواه البخاري: 5673))).

يستعتب: يتوب ويرد المظالم ويطلب رضا الله عز وجل ومغفرته.

* أن يحرص المريض على الاستشفاء بالرقى الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة.

* أن يتوب توبة صادقة، وليعلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، كما ثبت عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» (((رواه مسلم: 2759))).

* أن يكثر من الاستغفار، فمن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

* أن يكثر من الدعاء، وليعلم أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل له في الدنيا، وإما أن تُدَّخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.

* المبادرة بكتابة الوصية، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (((رواه البخاري: 2738، ومسلم: 1627))).

المسألة العاشرة: التنبيه على أخطاء يقع فيها كثير من المرضى.

* التقصير في تعلم الأحكام الشرعية المتعلقة بوضعه الصحي، والإفتاء لنفسه ولغيره من المرضى دون علم شرعي.

* بعض المرضى إذا لم يجد من يساعده على الطهارة ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، والواجب أن يصلي على حاله فهو بمنزلة فاقد الطهورين.

* التكاسل عن صلاة الجماعة مع القدرة عليها، ووجود المساجد والمصليات في المستشفيات.

* بعض المرضى ينهاهم الطبيب عن استعمال الماء في عضو معين، فيترك الوضوء بالكلية ويتيمم، وهذا خطأ، فالواجب استعمال الماء، وتجنب العضو الذي نهاه عنه الطبيب فقط، ويتيمم عنه.

* صلاة المريض جالسًا مع قدرته على القيام، وهذا يعرض صلاته للبطلان.

* عدم الصبر على البلاء واستعجال الشفاء.

* عدم التوبة النصوح والإقلاع عن الذنوب أثناء عملية العلاج.

* التهاون في أمر العلاج وعدم تطبيق برنامجه بشكل جيد.

* التساهل في كشف العورات وعدم الاعتناء بالستر، وكشف أكثر مما يحتاج إليه.

* التهاون في الحديث الرجال مع النساء، وكذلك النظر دون ضروروة أو حاجة، وخصوصا إذا طالت فترة المريض بالمستشفى.

* أن لا يتساهل المريض الموظف في أخذ الإجازات المرضية له أو للمرافق مع عدم استحقاقه له؛ فإنه سيأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما انفقه.

المسألة الحادية عشر: كيف يستثمر المريض وقته؟

ينبغي للمريض أن يشغل وقته بذكر الله تعالى، فإن بعض المرضى يستبدل الذكر بالتشكي والتسخط والأنين، ونسي أن الله تعالى يقول: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، ويقول: ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ [آل عمران: 191].

وينبغي للمريض أن يكثر من قراءة القرآن وسماعه؛ ليكثر أجره، ويقل وزره، ويرتفع قدره، ويحفظ وقته، ويزول مرضه.

ويداوم على الصلاة في أوقاتها، ويصليها على حسب استطاعته، فإنه لا يجوز له تركها ما دام عقله معه، فهي عمود الإسلام، وهي أول ما يحاسب عليه العبد، ومن حفظها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

وهكذا جميع الأعمال الصالحة يداوم عليها؛ فإن المرض لا يقطع العمل، وإنما يرقِّق القلب، ويزيد الإيمان، ويرغب في اللجوء إلى الله تعالى، ويزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة.

وعليها كذلك أن يشتغل بما ينفعه في أمور دنياه من أعماله الخاصة، وأن لا يفرط فيها ويستاهل في أدائها.

نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، وأن يكتب لهم الأجر والعافية.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.