قاموس الكبائر

قاموس الكبائر

كتاب "كبائر الذنوب" يتناول أهم الذنوب الكبيرة التي حذر منها الإسلام وعواقبها الخطيرة على الأفراد والمجتمعات. يبدأ الكتاب بتعريف الكبائر وبيان الفرق بينها وبين الصغائر، ثم يعرض أمثلة على هذه الكبائر مثل الشرك بالله، والكذب على الله ورسوله، والبدعة، والرياء، وترك الصلاة. يوضح الكتاب الأدلة الشرعية على تحريم كل من هذه الكبائر وتأثيراتها السلبية في الدنيا والآخرة، بالإضافة إلى سبل الوقاية والعلاج من الوقوع فيها، محذراً من خطورة التساهل فيها وضرورة التوبة والابتعاد عنها.

اللغة: العربية
إعداد: اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
الإصدار: 3.0
ترجمات 9
أذري فرنسي هنجاري (مجري) إندونيسي +5
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

قَامُوسُ الكَبَائِرِ

اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله الذي هدى عباده إلى صراطه المستقيم، وجعل التقوى حِصنًا منيعًا من عذابه الأليم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن من أسمى ما يطمئن القلب ويهدئ النفس هو التأمل في تعاليم الإسلام السامية، والوقوف عند أوامر الله ونواهيه، وخاصة ما يتعلق بعظائم الذنوب وكبيره التي حذر الله منها في كتابه المبين، وحذر منها رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة؛ لعظيم خطرها وأثرها على الفرد والمجتمع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى 31 ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ...﴾ [النجم: 31-32].

وقال النبي ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» [1]. [1] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).

والكبائر تشمل كل الذنوب العظيمة في حق الله أو في حق عباده، وقد جاءت الشريعة الغراء محذرة من الوقوع فيها، وبيّنت عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.

على أنَّ رحمة الله الواسعة فتحت باب التوبة لكل من تاب وأناب، فقد قال عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا...﴾ [طه: 82].

من أجل ذلك؛ جاء هذا الكتاب ليبين حقيقة الكبيرة وآثارهَا، مستندًا إلى نصوص القرآن والسنة، مع بيان سبيل التوبة والخلاص منها.

وقد أعدَّ هذا العمل اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات بالتعاون مع جمعية الدعوة وتوعية الجاليات بالربوة، حرصًا منهم على نشر هذا العلم القيم، مع مراعاة مناسبته للترجمة لغير الناطقين بالعربية، إيمانًا بأهمية إيصال رسالة الإسلام للجميع.

نسأل الله تعالى أن يكتب هذا الجهد في ميزان الحسنات، وأن ينفع به جميع الناس.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن أصل الشر في العالم كله هو الذنوب، فهي سبب كل خزي وهوان وذلة وخسران ودمار، فما أهبط آدم وذريته من الجنة إلا بسببها، وما أهلك قوم نوح بالطوفان إلا بسبب معصية الله، ولا أرسل الله الريح على عاد ولا الصيحة على ثمود إلا بسبب معاصيهم وتكذيبهم رسل ربهم، فهي سبب كل بليَّة ومنشأ كل رزيَّة، وهذا يعم كل ذنب، لكن أثر الكبائر في ذلك أعظم من غيرها.

تعريف الكبيرة والصغيرة:

الكبيرة: هي كل ذنب قُرِن به وعيد أو لعن أو حدٌّ بنص من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، أو عُلِم أن مفسدته كمفسدة ما قُرِن به وعيد أو حدٌّ أو لعن، أو كان أكثر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه.

وعليه فالصغيرة: هي كل ذنب لم يدخل في الحد السابق للكبيرة، فهي ما لم يتوعَّد عليه بعذاب، وما لم يقترن به حدٌّ أو لعن أو وعيد، وما لم يُشعِر بتهاون مرتكبه بأمر الشرع.

الفرق بين الكبيرة والصغيرة:

1- الكبيرة مقترن بها وعيد أو حد أو لعن ونحو ذلك، والصغيرة لم يقترن بها شيء من ذلك.

2- الكبيرة تُشعِر بتهاون مرتكبها بأمر الشرع، والصغيرة ليست كذلك.

3- الكبائر يحتاج فاعلها إلى توبة حتى تُكفَّر عنه، أما الصغائر فتُكفَّر بالتوبة، أو باجتناب الكبائر، أو بالمصائب التي تصيب الإنسان، أو بالأعمال الصالحة.

قال تعالى: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا 31﴾ [النساء: 31]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ 114﴾ [هود: 114].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» [2]. [2] رواه البخاري برقم (5649)، ومسلم برقم (2572).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَ الكَبَائِرُ» [3]. [3] رواه مسلم برقم (233).

مخاطر وأضرار الكبائر الدينية والدنيوية:

ارتكاب الكبائر مؤدٍّ إلى مخاطر وأضرار كثيرة في الدنيا والآخرة، منها:

- أن الكبائر تعرض صاحبها أن يكون متوعَّدًا بعدم دخول الجنة؛ فعن ‌جبير بن مطعم رضي الله عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ ‌الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [4]. أي: قاطع رحم. [4] رواه البخاري برقم (5984)، ومسلم برقم (2556).

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» [5]. أي: نمام. [5] رواه البخاري برقم (6056)، ومسلم برقم (105).

- أن بعضها سبب لعذاب القبر؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»[6]. [6] رواه البخاري برقم (218)، ومسلم برقم (292).

- أنها من أسباب شدة العذاب في الآخرة؛ فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»[7]. يضاهون: يشابهون، والمراد: المصورون. [7] رواه البخاري برقم (5954) ، ومسلم برقم (2107).

- أنها سبب للَّعن مِن قِبَل الله ورسوله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النَّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[8]. [8] رواه البخاري برقم (5885).

وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ» [9]. [9] رواه مسلم برقم (1597).

- أنها من أسباب حبوط العمل وبطلانه؛ فعن بريدة رضي الله عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» [10]. [10] رواه البخاري برقم (553).

- أنها تؤدي إلى إقامة الحدود الشرعية على مرتكبها إن كانت من الذنوب التي فيها حد، كما قال تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 38﴾ [المائدة: 38]، وقال عز وجل: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖ...﴾ [النور: 2]، وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 4﴾ [النور: 4].

- أنها سبب لزوال النعم وتغيرها قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ...﴾ [الأنفال: 53].

قال السعدي رحمه الله: "﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذبين وأزال عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإن الله لم يَكُ مغيِّرًا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم منها، إن ازدادوا له شكرا ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ من الطاعة إلى المعصية، فيكفروا نعمة الله ويبدلوها كفرًا، فيسلبهم إياها ويغيِّرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم، ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم" [11]. [11] تفسير السعدي (ص: 324).

- أنها سبب لظهور الفساد في الأرض؛ فإنه يظهر بسبب المعاصي، ومن باب أولى ما كان منها كبيرة، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 41﴾ [الروم: 41].

- أنها من أسباب حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقُّد ذكائه، وكمال فهمه؛ فقال: "إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية" [12]. [12] ينظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 104).

- أنها من أسباب تعسير الأمور على مرتكبها، فلا يتوجَّه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسِّرًا عليه، وهذا كما أنَّ من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطَّل التقوى وارتكب الكبائر جعل له من أمره عسرًا، قال تعالى: ﴿فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا 160 وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 161﴾ [النساء: 160-161].

- أنها تسبب ظلمة في قلب مرتكبها، يحسُّ بها كما يحس بظلمة الليل، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسِّية لبصره، فإنَّ الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلَّما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، فَعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الفِتَنَ؟ فَقَالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ، قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، ‌نُكِتَ ‌فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، ‌نُكِتَ ‌فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» [13]. [13] صحيح مسلم برقم (144).

- أنها سبب وقوع العداوة والبغضاء وتسلط العدو، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ 14﴾ [المائدة: 14]، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وارتكبوا ما نهى الله عنه، وقعت بينهم العداوة والبغضاء وتسلط عليهم الأعداء [14]. [14] ينظر: مجموع الفتاوى (3/ 421).

- أنها سبب لفساد المجتمع لما فيها من تفشي الأخلاق الذميمة مثل: الكذب، والبهتان والغيبة، والنميمة، والغش، والخداع، والكبر، والفخر، وأكل الناس أموال بعضهم البعض بالباطل، وفساد الحياة، وانتشار الأذية بين الناس كما في السحر ونحوه، وتفشي الفواحش أيضًا مثل: الزنى، واللواط، والتخنث، والتشبه بين الرجال والنساء[15]. [15] ينظر: الداء والدواء لابن القيم (1/ 132).

موقف أهل السنة من مرتكب الكبيرة وأحاديث الوعد والوعيد:

ذهب أهل السنة إلى أن مرتكب الكبيرة والتي هي دون الشرك والكفر الأكبر أنه مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا يُسلب اسم الإيمان منه بالكلية ولا يُعطى اسم الإيمان بإطلاق، فهو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وحكمه في الآخرة أنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وأدخله الجنة بلا سابقة عذاب، وإن شاء عذبه بقدر جُرمه ثم يخرجه ويدخله الجنة مع المؤمنين، وقد يتطهر في الدنيا قبل الآخرة من الكبيرة، وذلك بالتوبة النصوح، أو بإقامة الحد عليه، أو بالمصائب، أو بكثرة الأعمال الصالحة فيأتي يوم القيامة ولا عذاب عليه.

وأما ما جاء من الأحاديث في الوعيد لأهل الكبائر، مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[16]. فالمقصود أنه يزول عنه مسمى الإيمان الكامل ويبقى الإسلام، إلى أن يترك هذا الذنب ويتوب منه فيعود له الإيمان مرة ثانية، فالإيمان الكامل منفي عنه حال ارتكابه هذه الكبائر فقط، لكن يبقى له أصل الإيمان؛ لأنه قد وردت أحاديث أخرى في الوعد بدخول الجنة لمن مات لا يشرك بالله شيئًا وإن زنى وإن سرق، مثل حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» [17]. [16] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (57). [17] رواه البخاري برقم (1237)، ومسلم برقم (94).

كيفية التصدي للكبائر ومعالجتها:

- نشر التوعية بين أفراد المجتمع بخطورة المعاصي وخصوصًا الكبائر، وأنها سبب نزول العقوبات والبلايا على المجتمع كله، كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 25﴾ [الأنفال: 25].

- تعلم العلم الشرعي؛ فإن في تعلمه زجرًا للنفس عن المعاصي؛ لأن من وقف على العقوبات المترتبة على هذه الذنوب انزجرت نفسه عن الوقوع فيها.

- القيام بواجب النهي عن المنكر، عن طريق نهي الفسقة وزجرهم عن الكبائر، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» [18]. [18] رواه البخاري برقم (2493).

قوله: «القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ» أي: المستقيم مع أوامر الله تعالى ولا يرتكب ما نهى الله تعالى عنه، والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. «الوَاقِعِ فِيهَا» التارك للمعروف المرتكب للمنكر. «اسْتَهَمُوا» اقترعوا ليأخذ كل منهم سهمًا أي: نصيبًا. «أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ» منعوهم من خرق السفينة.

- التربية الإيمانية السليمة من الأسرة، ومراقبة الآباء لأبنائهم خصوصًا في مرحلة المراهقة، مما يترتب عليها بناء جيل من الشباب الصالح المصبغ بالصبغة الإيمانية المنطبع بالأخلاق السوية.

- إيجاد البديل المشروع للمعاصي، فإن الله تعالى لم يحرم شيئًا إلا جعل فيما أحله كفاية عما حرمه، فمثلًا الزنى يكون علاجه بالتزويج المبكر للشباب، والسرقة تعالج بإيجاد فرص العمل للأفراد، والغيبة والوقوع في أعراض الناس بشَغْل الفراغ بالطاعة أو بما شرعه الله من المباحات، وهكذا يكون الأمر في كل معصية أو كبيرة.

- استغلال طاقات الشباب وتوجيهها إلى ما ينفع الأمة في أمور الدين والدنيا، كتعلم العلم الشرعي، ونشر الدعوة الإسلامية، وتعلم العلوم النظرية والتطبيقية التي تفيد في أمور الدنيا، كالطب والهندسة والتجارة وما إلى ذلك، وكذا تعلم بعض الصناعات والحرف المفيدة كالنجارة والحدادة وغير ذلك، فإن النفس إن لم تنشغل بالطاعة انشغلت بالمعصية.

- تعاهد المسلم لإيمانه باستمرار؛ فإن الإيمان يبلى في القلب كما يبلى الثوب، فينبغي تعاهده بالإكثار من الطاعات التي تزيد الإيمان في القلب.

- أن يبتعد المسلم عن كل ما يدعوه إلى المعصية، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع التي تنشر الفجور والإلحاد وكل ما يغضب الله، فينبغي على المسلم ألا يفتح على نفسه بابًا من أبواب الشر على نفسه، فإن من فتحه دخله، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ (أَيْ: تَدْخُلْهُ)، وَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» [19]. [19] رواه أحمد برقم (17634).

- قيام ولاة الأمر ومن لهم ولاية على المسلمين بواجب حفظ الدين، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالته، وإقامة الحدود، ونحو ذلك، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه مرفوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ؛ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» [20]. وقال ﷺ: «مَنْ ‌رَأَى ‌مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [21]. وهذه المرتبة لمن كان له قوة وسلطة أو ولاية. [20] رواه البخاري برقم (٧١٥٠) ، ومسلم برقم (١٤٢) واللفظ له. [21] رواه مسلم برقم (٤٩).

وختامًا نسأل الله أن يحفظ قلوبنا وجوارحنا على طاعته، وأن يجنبنا الذنوب ما ظهر منها وما بطن، كبيرها وصغيرها.

الشرك بالله

الشرك بالله هو أعظمُ ذنبٍ عُصِيَ اللهُ تعالى به على الإطلاق، وهو مُنافٍ للإيمانِ باللهِ وتَوْحيدِهِ، قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ 13﴾ [لقمان: 13]، وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِندَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [22]. والنِدُّ: الشَّريك. [22] رواه البخاري برقم (4477)، ومسلم برقم (86).

وحقيقةُ الشركِ: هو اتخاذ الشريك أو الند مع الله جل وعلا في الربوبية أو في العبادة أو في الأسماء والصفات، وأن يصرف العبد حقًا من حقوق الله أو نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، فكل اعتقاد، أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع؛ فصرفُه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفُه لغيره شرك وكفر.

فيدخل في الشرك دعاء الأموات، وطلب الحوائج منهم، والنذر لهم والاستعانة بهم، وكذلك السجود لغير الله، والذبح لغير الله، وشبه ذلك.

وأدلة تحريم الشرك وبيان شناعته وعِظَم جُرمه كثيرة؛ منها:

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا 48﴾ [النساء: 48]، وقال سبحانه: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ 72﴾ [المائدة: 72]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65 بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 66﴾ [الزمر: 65 - 66].

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» [23]. [23] رواه البخاري برقم (4477)، ومسلم برقم (86).

وللشرك أضرار كثيرة منها:

- أن الشرك مُحبِطٌ لجميع الأعمال، قال تعالى: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 88﴾ [الأنعام: 88].

- أن مَن مات عليه ولم يتب منه؛ فهو خالدٌ مُخلَّد في النار، فعن جابر رضي الله عنه قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» [24]. [24] رواه مسلم برقم (93).

- أن المشرك غير معصوم الدم والمال؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [25]. [25] رواه البخاري برقم (25)، ومسلم برقم (22).

- أن المشرك لا يجد عونًا ولا مددًا من الله على ما يلقاه من مصائب الدنيا، وتستولي عليه الشياطين من كل جانب، ويعيش في قلق واضطراب، وخوف دائم وحزن لازم، قال تعالى: ﴿...وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ﴾ [الحج: 31].

يقول السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "...كذلك المشرك، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة، ومن ترك الإيمان بمنزلة الساقط من السماء، عُرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطَّفته الشياطين من كل جانب، ومزقوه، وأذهبوا عليه دينه ودنياه" [26]. [26] تفسير السعدي (ص: 538).

-أن المشرك لا يغسَّل، ولا يكفَّن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.

سبل الوقاية من الشرك:

يحمي المسلم نفسه من الوقوع في الشرك بأن:

- يتعلم التوحيد والعقيدة الصحيحة، ويعمل بموجب ما تعلَّمه، قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّه...﴾ [محمد: 19]، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّه...﴾، فالعلم بوحدانيته تعالى، وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن يعبد بموجبها ومقتضاها، فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته، وأيضًا فإن العلم من أفضل أنواع العبادات" [27]. [27] مفتاح دار السعادة (1/ 178).

- أن يتجنب الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وتوكلت على الله وعليك، ونحو ذلك، فإن الشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر.

- أن يعرف صور الشرك وأنواعه المنتشرة بين الناس كي يجتنبها ولا يقع فيها.

- أن يدعوَ الله عز وجل أن يثبِّته على التوحيد وأن يجنِّبه الشرك، قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ 35﴾ [إبراهيم: 35]، وقد كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [28]. [28] رواه الترمذي برقم (2140).

الكذب على الله ورسوله

الكذب بوجه عام من كبائر الذنوب، ومن أشنع وأبشع أنواع الكذب: الكذب على الله ورسوله ﷺ، قال السعدي: "لا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جُرمًا، ممن كذب على الله، بأن نسب إلى الله قولًا أو حكمًا وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق؛ لأن فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها، وفروعها، ونسبةُ ذلك إلى الله ما هو من أكبر المفاسد" [29]. [29] تفسير السعدي (ص: 265).

ومن أنواع الكذب أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله؛ لأن المقصود من الكلام معناه، فإذا قال: أراد الله بكذا كذا وكذا، فهو كاذب على الله، شاهد على الله بما لم يرده الله عز وجل، وكذا إذا فسر كلام رسوله ﷺ بغير ما أراد.

وأدلة تحريم الكذب على الله ورسوله وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

قال تعالى: ﴿قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 68 قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 69 مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ70﴾ [يونس: 68 - 70].

فمن كذب على الله تعالى وزعم أن له زوجة أو ولدًا أو شريكًا فهو كافر بالله تعالى.

وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ60﴾ [الزمر: 60].

قال السمعاني: "ومعنى كذبوا على الله، أي: زعموا أن الله اتخذ ولدًا أو شريكًا، ويقال: هو عام في كل كذب على الله" [30]. [30] تفسير السمعاني (4/ 478).

وقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ18﴾ [هود: 18].

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 116 مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ117﴾ [النحل: 116-117].

قال ابن حجر الهيتمي: "ولا ريب أن تعمُّد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض" [31]. [31] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 162).

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [32]. [32] رواه البخاري برقم (1291)، ومسلم برقم (933).

قال النووي: "فيه تعظيم تحريم الكذب عليه ﷺ، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء" [33]. [33] شرح مسلم (1/ 69).

وقال ابن القيم: "الكذب على رسول الله ﷺ موجبًا لدخول النار، واتخاذ منزلًا منها مُبوَّءًا، وهو المنزل اللازم الذي لا يفارقه صاحبه" [34]. [34] مدارج السالكين (1/ 379).

وللكذب على الله ورسوله أضرار كثيرة، منها:

- الكذب على الله هو سبيل المشركين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 116 مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 117﴾ [النحل: 116- 117].

قال ابن كثير: "نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الذين حلَّلوا وحرَّموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البَحِيرَةِ والسَّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والْحَامِ، وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم" [35]. [35] تفسير ابن كثير (4/ 609).

- الكذب على الله ورسوله سبب تبديل التشريع الإلهي من تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله.

- يؤدي إلى البدع ومحدثات الأمور، قال ابن كثير: "ويدخل في هذا – أي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾- كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" [36]. [36] تفسير ابن كثير (4/ 609).

سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الكذب على الله ورسوله:

- العلم قبل القول والعمل.

- لزوم سنة النبي ﷺ، واجتناب البدع؛ فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (أَيْ: الأَضْرَاسِ)، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [37]. [37] رواه أبو داود برقم (4607).

- تحري الصدق، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [38]. [38] رواه البخاري برقم (6094)، ومسلم برقم (2607).

- النظر في عاقبة الكذب على الله ورسوله في الدنيا والآخرة.

- وجود علماء يدافعون ويدفعون الكذب عن الله ورسوله ﷺ.

البدعة

الابتداع في الدِّين من كبائر الذنوب، وما عُصي الله تعالى بذنب بعد الشرك أحبُّ إلى إبليس من البدعة، قال ابن القيم رحمه الله: "يريد الشيطان أن يظفر بالعبد في عَقَبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها:

العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلم معه نور الإيمان، طلبه على العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، التي لا يقبل الله منها شيئًا" [39]. [39] مدارج السالكين (1/ 237).

وحقيقة البدعة: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه [40]. [40] الاعتصام للشاطبي (1/50).

والبدعة المنهي عنها ما كانت في أمور الدين، أما أمور الدنيا مثل اختراع الناس السيارات أو الطائرات أو الحاسب الآلي أو شبه ذلك مما اخترعه الناس أو الهاتف أو غير ذلك، كل ذلك لا يسمى بدعة، وإن سمي بدعة من حيث اللغة.

وقد تركَنا النبي ﷺ على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وما من خير إلا وحثنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه، فلم يدَع ﷺ لقائل مقالًا؛ ولهذا فمن أحدث شيئًا في دين الله تعالى لم يأذن به الله، ولم يشرعه رسوله فلا خير فيه، بل هو مردود على صاحبه، فكل أمر لم يكن عليه النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون، وصحابته المرضيون، فلا يصح التعبد لله تعالى به؛ فلنرضَ لأنفسنا ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، ‌وببصر ‌نافذ كفُّوا.

واعلم أن كل بدعة في الدين محرمة وضلالة، والضلال وأهله في النار، والأدلة على تحريمها كثيرة، نذكر منها:

قال الله تعالى محذرًا من اتباع غير كتابه وسنة نبيه: ﴿‌ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ 3﴾ [الأعراف: 3].

وقال سبحانه: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ...﴾ [الشورى: 21].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [41]. [41] رواه البخاري برقم (2697)، ومسلم برقم (1718).

- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، ‌وَخَيْرُ ‌الهُدَى ‌هُدَى ‌مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [42]. [42] رواه مسلم برقم (867).

وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنهما قال: "كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا تَعَبَّدُوهَا، فَإِنَّ الأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلآخِرِ مَقَالًا، فَاتَّقُوا اللهَ يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" [43]. [43] الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: 16).

وعن سفيان الثوري رحمه الله قال: "البِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ المَعْصِيَةِ، وَالمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا، وَالبِدْعَةُ لَا يُتَابُ مِنْهَا" [44]. [44] رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (ص: 238).

وللبدعة عدة محاذير وأضرار، منها:

- أنه قد عُلم بالتجارب والخبرة السارية في العالم مِن أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها، وبالتالي لابد من شرع يسير عليه الإنسان الذي خلقه ربه، وهو أعلم بمصالحه ومضاره، فإذا لم يسِر على مراد ربه أضرَّ بنفسه وعرَّضها لمواطن الهلَكة.

- المبتدع متبع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع، لم يبق له إلا الهوى والشهوة، والله تعالى يقول لعبده داود عليه السلام: ﴿...وَلَا تَتَّبِعِ ‌الْهَوَى ‌فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].

-أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ فقد قال الله تعالى: ﴿‌...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، فمن ابتدع في الدين فقد زعم أن الشريعة ناقصة، وأن النبي ﷺ كتم شيئًا من الوحي.

- أن المبتدع معاند للشرع، ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين للتعبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعدِّيها، إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخرى، وليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عيَّنه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع، فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.

الوقاية:

ومن سبل الوقاية من الوقوع في هذه الكبيرة العظيمة:

- الاعتصام بالكتاب والسنة، بالإضافة إلى نشر ذلك وتبليغه للناس على أكبر قدر ممكن، قال الله تعالى: ﴿‌وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ...﴾ [آل عمران: 103]، وحبل الله: الإسلام والقرآن والسنة.

- الاعتماد على الكتاب والسنة فقط في أمور العقيدة التي لا مجال للاجتهاد والاستحسان والقياس فيها، وترك الخوض في المتشابه؛ لأن الخوض فيه علامة على أهل الزيغ والبدع، وسبب كل بلاء ومصيبة دخلت على المسلمين.

- تطبيق السنة في سلوك الفرد وسلوك المجتمع، وذلك بتطبيق ما عَلِمه الإنسان من السنة على سلوكه في جميع مجالات الحياة، فتطبيق السنة يجعل البدعة أمرًا منكرًا في المجتمع، تظهر ملامحها البشعة ومظهرها السيء، وتدل بنفسها على ما تحمله من قبح وتهديد للإسلام والمسلمين.

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالبدع في بدايتها تكون صغيرة ثم تكبر، يبتدعها فرد وسرعان ما يلتف حوله أهل الأهواء، فإذا قام الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر بدورهم في المجتمع أماتوا البدع وأحيوا السنن.

- الرد على ما يوجَّه إلى الدين من حملات ظاهرة أو خفية، وكشف مظاهر الابتداع، وتسليط الضوء عليها من القرآن والسنة لمنعها من التغلغل والانتشار، والاحتراز من كل خروج عن حدود السنة مهما قل أثره أو صغر أمره.

- منع العامة من القول في الدين بغير علم وعدم اعتبار آرائهم المخالفة للشرع مهما كانت مناصبهم.

الرياء

الرياء كبيرة من كبائر الذنوب التي تُحبط العمل؛ إذ هو أحد أنواع الشرك التي حذر منها الشرع، فقد قال ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ...» [45]. [45] رواه أحمد برقم (23630).

وحقيقة الرياء: أن يعمل العبدُ العملَ لا يبتغي به وجهَ الله وحده، سواء كان عمله للناس وحدهم، أو كان لله وابتُغي معه أيضًا نظر الناس إليه، فكلاهما رياء.

وقد يكون الرياء في أصل الإيمان فيكون كفرًا ونفاقًا، وقد يكون في بعض الأعمال التي ليست من أصل الإيمان فيكون شركًا أصغر.

الأدلة:

وقد وردت الأدلة على تحريم الرياء، ومنها:

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ...﴾ [البقرة: 264].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ...﴾ [النساء: 142].

وقال تبارك وتعالى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا 110﴾ [الكهف: 110]. أي: لا يشرك ولا يُرائي بعمله أحدًا.

وقال سبحانه: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5 ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ 6﴾ [الماعون: 4 - 6].

الأضرار:

أضرار الرياء:

-الرياء سبب للخلود في النار إذا وقع في أصل الإيمان؛ إذ هو حينئذ كفر ونفاق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ 14﴾ [البقرة: 14]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا 145﴾ [النساء: 145].

-الرياء سبب لحبوط عمل صاحبه، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [46]. [46] رواه مسلم برقم (2985).

فالمرائي ليس له في الآخرة من أجر على أعماله التي عملها من أجل الناس، فعن محمود بن لبيد رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً» [47]. [47] رواه أحمد برقم (23630).

- الرياء سببٌ لدخول النار، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» [48]. [48] رواه مسلم برقم (1905).

- الرياء سبب للفضيحة يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فعن جندب رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» [49]. ومعنى يرائي الله به، أي: يُنَادى عليه يوم القيامة بأنه كان مُسمِّعًا مُرائيًا. [49] رواه البخاري برقم (6499).

الوقاية:

سبل الوقاية من الرياء:

-أن يعلم أن الله مطلع على سريرته، ويعلم ما يخفيه صدره، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ 78﴾ [التوبة: 78].

- - استحضار مراقبة الله تعالى للعبد، وهي منزلة "الإحسان" التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل، وهي «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [50]. [50] رواه مسلم برقم (97).

- أن يحقق الإخلاص في كل أقواله وأعماله، ويبتغي بها كلها وجه الله تعالى.

- أن يعلم أن الناس لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا، وأنه إذا أخلص العمل لله رضيَ الله عنه وأحبه، فيوضع له القبول ويحبه الناس بلا حاجة منه إلى مُراءاتهم؛ فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» [51]. [51] رواه البخاري برقم (3209)، ومسلم برقم (2637).

- أن يستعيذ العبدُ بالله تعالى من الرياء، وفي الحديث عن النبي ﷺ قوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ لَهُ: مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ، وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ» [52]. [52] رواه أحمد برقم (١٩٦٠٦).

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا" [53]. وعن علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه كان يدعو الله فيقول: "اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَصَدْرِي مِنَ الغِلِّ، وَأَعْمَالِي مِنَ الرِّيَاءِ" [54]. [54] رواه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (2951). [53] مجموع فتاوى ابن تيمية (1/99).

- الاستعانة بالله تعالى على التخلص من الرياء، قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة ٥].

- إخفاء العبادة وعدم إظهارها؛ إلا ما كان يشرع إظهاره من العبادات كالأذان وصلاة الجماعة وما أشبههما مما لا يُمكن ولا يُشرع إخفاؤه.

ترك الصلاة

الصلاة لها مكانة عالية في الإسلام، فهي عمود الدين، وهي أول عبادة بعد الشهادتين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [55]. [55] رواه البخاري برقم (8)، ومسلم برقم (21).

وترك الصلاة من أعظم الذنوب، وصاحبه يُخشى عليه من الكفر، فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، تَرْكَ الصَّلَاةِ» [56]. [56] رواه مسلم برقم (134).

الأدلة:

وأدلة تحريم ترك الصلاة وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا 59﴾ [مريم: 59] أي: يلقون عذابًا مضاعفًا شديدًا، ويذكر المفسرون أن إضاعة الصلاة إما بتركها بالكُلِّيَّة، وإما بتأخيرها عن أوقاتها [57]. [57] ينظر: تفسير ابن كثير (5/ 243).

وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ 42 قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ 43﴾ [المدثر: 42 - 43]، فترك الصلاة من أسباب دخول جهنم، أعاذنا الله منها.

وقال عز وجل: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5﴾ [الماعون: 4 - 5].

قال السعدي: "﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أي: الملتزمون لإقامة الصلاة، ولكنهم ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي: مضيِّعون لها، تاركون لوقتها، مفوِّتون لأركانها، وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيَّعوا الصلاة، التي هي أهم الطاعات، وأفضل القربات" [58]. [58] تفسير السعدي (ص: 935).

وعن بريدة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» [59]. [59] رواه الترمذي برقم (261).

وعن شقيق بن عبد الله -وهو أحد التابعين- قال: "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ" [60]. [60] رواه الترمذي برقم (2622).

الأضرار:

ولترك الصلاة أضرار كثيرة، منها:

- ضياع شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام الظاهرة.

- تارك الصلاة معرَّض لأن يقع في الكفر عياذًا بالله، فقد اختلف الفقهاء: هل هو كافر تجري عليه أحكام الكفار؟ أم هو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب؟

- تارك الصلاة لا حظَّ له في الإسلام، فعن المِسْوَرِ ابْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا، فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: عُمَرُ: "نَعَمْ، وَلَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" فَصَلَّى عُمَرُ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا"[61]. يثعب دمًا: يجري ويتفجر. [61] موطأ مالك برقم (51).

قال الباجي رحمه الله: "قول عمر: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) يعني: أنه لا نصيب له في الإسلام، ولا تُقبل منه أعماله؛ إذ الصلاة أول أعمال الإسلام قبولًا وأرفعها شأنًا، فمن ترك الصلاة بطل نصيبه من سائر أعمال الإسلام، ولم ينتفع بها، ولم يكن له نصيب منها" [62]. [62] المنتقى شرح الموطأ (1/ 86).

- ترك الصلاة خيبة وخسران يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» [63]. [63] رواه الترمذي برقم (413).

قال عون بن عبد الله رحمه الله: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ، أَوَّلَ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ جَازَتْ لَهُ نُظِرَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ تُجَزْ لَهُ لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعْدُ" [64]. [64] الكبائر للذهبي (ص: 20).

- من ترك صلاة واحدة غضب الله عليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" [65]. [65] الكبائر للذهبي (ص: 20).

- أُمر النبي ﷺ بقتال تاركي الصلاة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [66]. [66] رواه البخاري برقم (25)، ومسلم برقم (22).

- حرمان النور الذي أخبر عنه النبي ﷺ حيث قال: «الصَّلاةُ نُورٌ» [67]. [67] رواه مسلم برقم (223).

- ترك الصلاة يشيع في المجتمع المسلم الفواحش والمنكرات؛ لأن محافظة المسلمين على الصلاة يقيهم ويقي المجتمع من الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿...وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...﴾ [العنكبوت: 45].

الوقاية:

سبل الوقاية من الوقوع في كبيرة ترك الصلاة:

- معرفة عظيم قدر الصلاة في الإسلام، وتعلُّم ذلك من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

- تعلُّم صفة صلاة النبي ﷺ، فعن مالك بن الحُويرث رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [67]. [67] رواه البخاري برقم (631)، ومسلم برقم (674).

- المحافظة على أداء الصلوات المفروضة في المسجد مع جماعة المسلمين، ولا يجعل المسلمُ شيئًا يشغله عن الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 9﴾ [المنافقون: 9]، قال ابن حجر الهيتمي: "قال جماعة من المفسرين: المراد بذكر الله هنا الصلوات الخمس، فمن اشتغل عن الصلاة في وقتها بماله كبيعه أو صنعته أو ولده كان من الخاسرين" [68]. [68] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 220).

- البعد عن أصدقاء السوء وأهل المعاصي الذين يضيَّعون الصلوات.

- تعويد الأطفال على الصلاة في الصغر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ» [69]. [69] رواه أبو داود برقم (495).

- الإكثار من نوافل الصلوات؛ لأنها تجبر الخلل الموجود في الفرائض؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكْمَلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» [70]. [70] رواه الترمذي برقم (413).

- معرفة الأجر الكبير المُتحصِّل عند أداء الصلاة؛ فهي أحبُّ عمل يؤدِّيه المسلم؛ طاعةً لله، كما أنَّها الوسيلة التي يتَّصل من خلالها العبد بخالقه، فيدعوه، ويطلب معونته.

- الحرص والتنبُّه إلى ضرورة المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، ويمكن استخدام الوسائل التي تُعين على ذلك، كضبط المُنبه، أو طلب التذكير من صديق، أو متابعة شيء يتضمن أوقات الصلاة بدقة، وغيرها من الوسائل.

منع الزكاة

الزكاة ركن من أركان الإسلام، وصدقة واجبة تؤخذ من الغني وتعطى للفقير، ومنعها من كبائر الذنوب التي نفى الله عن أهلها الإيمان، وتوعدهم بألوان الوعيد، وتهددهم بأنواع العذاب الشديد في الحياة وبعد الممات، من الهلاك في الدنيا والشقاء والخسران في الآخرة، فمنع الزكاة شؤم على من بخل بها، وعلى المجتمع الذي يُقرُّه على ذلك، ولا ينكر عليه سوء صنيعه.

ومن منع الزكاة جحودًا لا شك في كفره وخروجه من ملة الإسلام، بخلاف من منعها بخلًا بها وشحًّا، فهذا ذنبه عظيم جسيم؛ لما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على أن منعها من كبائر الذنوب التي رتب الله تعالى عليها العقوبات الدنيوية والأخروية.

الأدلة:

وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة للترهيب من منع الزكاة، منها:

قول الله تعالى: ﴿‌...وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 34 يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ 35﴾ [التوبة: 34- 35].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ‌يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ180﴾ [71]. [آل عمران: 180] [71] رواه البخاري برقم (1403).

وعن أبي هريرة رضِي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهٍَب وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَاٍر، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوٍْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنٍَة، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» [72]. [72] رواه مسلم برقم (987).

وها هو تصرف الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه مع هؤلاء الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ، حيث قاتلهم حتى تابوا وأدوا زكاة أموالهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاستخَلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنْ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟» قال أبو بكر: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا (هي الأنثى من ولد المعز التي لم تبلغ سنة) كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ [73]. [73] رواه البخاري برقم (1399)، ومسلم برقم (20).

الأضرار:

ومن أضرار منع الزكاة:

- أن منع الزكاة من أوصاف المشركين، فالمانع للزكاة متشبه بهم، ومن تشبه بقوم، فهو منهم؛ قال تعالى: ﴿‌...وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ 6 ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ...﴾ [فصلت: 6- 7].

-البخل بالزكاة من أمارات النفاق وموجِباته، قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿...وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا ‌وَهُمْ ‌كَارِهُونَ 54﴾ [التوبة: 54].

‌- الابتلاء بمنع المطر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ: «...وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، ‌وَلَوْلَا ‌البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» [74]. [74] رواه ابن ماجه برقم (4019).

- يؤدي إلى مَحْق المال وذهابه بأنواع موجبات الهلاك وأسباب التلف.

- منع الزكاة يؤدي إلى نشر البغضاء في المجتمع بين الفقراء والأغنياء.

الوقاية:

من سبل الوقاية من الوقوع في هذه الكبيرة:

- أن يعلم المسلم أن المال مال الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فالله جل وعلا هو الذي وهب وله ما أعطى، وهو الذي أمره بأداء تلك الفريضة إلى ذويها المحتاجين إليها، وما أنت إلا مُستخلَف على ذلك المال، فإن شاء الله تعالى أعطاك وإن شاء منعك.

- أن يستحضر المؤدي لها فضل أدائها، وعقوبة منعها، فإذا علم أن الله سيخلف له وهو خير الرازقين، وأنه يربيها له وينميها حتى تصير كجبل أحد من الحسنات، وأن مؤديها بشَّره الله بأنه لا خوف عليه في الدنيا، ولا هو بالذي يحزن في الآخرة، سارع إليها واستبق الخيرات، وإذا علم عقوبة مانعها خاف من عذاب الله الدنيوي والأخروي، وامتثل أمر الله تعالى فرجَا ثوابه، وخاف عقابه.

- أن يستعيذ بالله تعالى من البخل، فقد كان رسول الله ﷺ يأمر بالاستعاذة منه، عن مصعب بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يأمر بخمس، ويذكرهن عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بهن: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» [75]. [75] رواه البخاري برقم (6365).

الزنا

الزنا كبيرة عظيمة تدل على فساد الدين والأخلاق، ويتعدى ضررها إلى الشعوب والمجتمعات بالضعف والفساد والزوال، وأخبر النبي ﷺ أن كثرة الزنا وانتشاره هو أحد علامات الساعة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» [76]. [76] البخاري برقم (80)، ومسلم برقم (2671).

الأدلة:

وأدلة تحريم الزنا وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا 32﴾ [الإسراء: 32].

وقال سبحانه: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 2﴾ [النور: 2].

وقال تبارك وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [77]. [77] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (100).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» [78]. [78] رواه البخاري برقم (4477)، ومسلم برقم (86).

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» [79]. [79] رواه مسلم برقم (1690).

والزنا كله محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، لكن بعض أنواع الزنا أشد غضبًا ومقتًا عند الله من بعض، فمن أشد أنواع الزنا وأبغضها إلى الله:

- زنا المحارم: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «لَقِيتُ عَمِّي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ» [80]. [80] رواه أبو داود برقم (4457).

- الزنا بزوجة الجار: عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنِ الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ» [81]. [81] رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (103).

- الزنا بنساء المجاهدين: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجٍُل مِنَ القَاعِدِينَ يُخْلِفُ رَجُلًا مِنَ المُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلَّا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟» [82]. [82] رواه مسلم برقم (1897).

- زنا الشيوخ كبار السن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» [83]. [83] رواه مسلم برقم (172).

الأضرار:

وللزنا أضرار كثيرة، منها:

- يرتفع الإيمان عن العبد في حال وقوعه في الزنا، فإذا تاب رجع إليه الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ» [84]. [84] رواه أبو داود برقم (4690).

- الزنا يسبب غضب الله ومقته وعذابه.

- يستوجب العقوبة الشرعية في الدنيا، وهو الرجم حتى الموت إذا كان متزوجًا، أو الجلد مائة جلدة إذا كان بكرًا.

- الزنا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فتتفكك الأسر، وتقع الوحشة بينهم، وينهار المجتمع.

- ظهور أمراض لم تكن في العصور السابقة، مثل مرض الإيدز.

- الزنا يُذهب الحياء والأمانة.

الوقاية:

سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الزنا:

- الزواج من أقوى أسباب الوقاية من الزنا، فمن لم يستطع الزواج فعليه بالصوم؛ روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [85]. [85] رواه البخاري برقم (1905)، ومسلم برقم (1400).

- حفظ الجوارح، وغض البصر، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ 30 وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...﴾ [النور: 30-31]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» [86]. [86] رواه البخاري برقم (6612)، ومسلم برقم (2657).

- عدم الخلوة بامرأة أجنبية؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأٍَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» [87]. [87] رواه البخاري برقم (3006)، ومسلم برقم (1341).

- التزام المرأة المسلمة بالحجاب الذي أمر الله به في سورة النور والأحزاب، وتجنب التبرج الذي نهى الشرع عنه.

- عدم الدخول للمواقع الإباحية، أو التواصل مع أصدقاء السوء من رجال ونساء.

- الترغيب في التوبة بشروطها الثلاثة (الإقلاع عن الزنا - الندم - العزم ألا يعود إليها)، قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿...وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].

السرقة

السرقة كبيرة من كبائر الذنوب التي تخل بأمانة الإنسان ودينه، وقد أوجب الله تعالى فيها الحد، وهو قطع اليد متى توفرت شروطه، ونفى الإيمان عن صاحبها حال ارتكابه هذه الكبيرة، وأوجب عليه اللعن.

وهناك أنواع أخرى لها تعلق بالسرقة وإن اختلف الحكم فيها، منها، الاختلاس، والنهب، والنشل، وكل واحد من هذا الأعمال القبيحة له حكمه وجزاؤه.

الأدلة:

وأدلة تحريم السرقة وبيان شناعتها وعِظَمِ جُرمها كثيرة، منها:

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 38﴾ [المائدة: 38].

قال ابن شهاب الزهري: "نَكَّلَ اللهُ بالقَطْعِ في سَرِقَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَاللهُ عَزِيزٌ في انتِقَامِهِ مِنَ السَّارِقِ، حَكِيمٌ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ" [88]. [88] الكبائر للذهبي (ص: 97).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [89]. [89] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (75).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» [90]. [90] رواه البخاري برقم (6810)، ومسلم برقم (1687).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ: «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [91]. [91] رواه البخاري برقم (6789)، ومسلم برقم (1684).

وعن عروة بن الزبير، أنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا، تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ العَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: "فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" [92]. [92] رواه البخاري برقم (4304)، ومسلم برقم (1688).

وهذا الحد الشديد وهو قطع اليد سببه التعدي على مال الغير، وهو حدٌّ رادع فيه عبرة لمن تُحدِّثه نفسه بسرقة أموال الناس، وهو أيضًا تطهير للسارق من ذنبه، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع، وحفظ لأموال الناس.

الأضرار:

وللسرقة أضرار كثيرة، منها:

-السرقة تنافي كمال الإيمان، للحديث السابق: «وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمٌِن».

- السارق متوعَّد بالعذاب في الآخرة إن لم يتب، إضافة على ما يلاقيه من عار في الدنيا.

- أنها سبب لقطع يد السارق.

- يُحرم السارق من إجابة الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [93]. [93] رواه مسلم برقم (1015).

- أنها دليل على دناءة النفس وحقارة الشأن.

- الناس لا يأمنون السارق على شيء ولو كان تافهًا.

الوقاية:

سبل الوقاية من الوقوع في السرقة:

- تطبيق الحد بقطع يد السارق من أقوى أسباب علاج السرقة في المجتمع.

- الترغيب بحفظ الأمانة والترهيب من الخيانة بالسرقة ونحوها.

- تذكُّر بركة الرزق الحلال على الأسرة كلها، وشؤم السرقة وتأثيرها على جميع الأسرة.

- تربية الأطفال على التعفف وعدم الاعتداء على حقوق الغير وممتلكاتهم، وتوفير ما يلزم الطفل من احتياجاته الأساسية حتى لا يوسوس له الشيطان بالسرقة، وإبعاده عن أصدقاء السوء الذين يزينون له مثل هذه السلوكيات.

- الاكتفاء بالحلال من الحرام من الرزق وأبوابه والسعي في ذلك، ودعاء الله عز وجل، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» [94]. [94] رواه الترمذي برقم (٣٥٦٣).

شرب الخمر

الخمر من الخبائث التي حرَّمتها الشريعة، ولعنت من يتعاطاها أو يشارك فيها بصُنعٍ أو ببيعٍ أو بحملٍ أو بسقيٍ أو غير ذلك، فشرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب التي تُعرِّض صاحبها للوعيد الشديد في الآخرة، مع ما يصيب مقترفها من عواقب سيئة في الدنيا.

وأخبر النبي ﷺ أن انتشار شرب الخمر وذيوعه هو أحد علامات يوم القيامة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيُثْبَتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» [95]. [95] البخاري برقم (80)، ومسلم برقم (2671).

ويدخل في حكم الخمر، كل ما أسكر وغيَّب العقل، مثل جميع أنواع المخدرات والحشيشة، فكلها حرام، لا يجوز تعاطي شيء منها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا وَلَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ» [96]. [96] رواه مسلم برقم (2003).

الأدلة:

وأدلة تحريم شرب الخمر وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 90 إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾ [المائدة: 90-91].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَاٍد يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ» [97]. [97] رواه البخاري برقم (2464)، ومسلم برقم (1980).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [98]. [98] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (100).

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ‌قال: قال رسول الله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» [99]. [99] رواه أبو داود برقم (3674).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي ﷺ: «لَا تَشْرَبِ الخَمْرَ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» [100]. [100] رواه ابن ماجه برقم (3371).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ، مُدْمِنُ خَمْرٍ» [101]. [101] رواه ابن ماجه برقم (3376).

الأضرار:

ومن العقوبات والمخاطر المترتبة على تلك الكبيرة:

- من شرب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الخَبَالِ» قِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَمَا نَهْرُ الخَبَالِ؟ قَالَ: نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ [102]. [102] رواه الترمذي برقم (1862).

- إن مات شاربها ولم يتب منها حَرُمت عليه في الآخرة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ» [103]. [103] رواه البخاري برقم (5575)، ومسلم برقم (2003).

- أنها توقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتهدم كثيرًا من الأُسر، فكثير من حالات الطلاق وتشتت الأولاد هو بسبب إدمان شرب الخمر، فالذي يشرب الخمر ويغيِّب عقلَه يصبح بلا وعي؛ وقد يرتكب من الموبقات ما تقشعر منه الأبدان، فالخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر.

- أنها تستهلك أموال متعاطيها فيما يضر ولا ينفع، وسوف يُسأل الإنسان عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [104]. [104] رواه الترمذي برقم (2417).

- الخمر تزيد الهموم همومًا، والمشاكل تعقيدًا، لا كما يقول البطَّالون: إنها تجلب المسرة والفرح، وإن كان فهو فرح مزيَّف مغشوش، وسُرور كاذب، سرعان ما يذهب، ويعقبه ندم وحسرة، وهم وغم لأوقات طويلة.

- تناول المسكر يؤدي إلى كثير من الأضرار الحسية والمعنوية، ويكفي من ضرره أنه يذهب العقل الذي شرف الله تعالى به الإنسان.

الوقاية:

ومن سبل الوقاية من تعاطيها وإدمانها:

- تعظيم أمر الله ونهيه، وسرعة امتثال الأمر واجتناب النهي؛ ذلك أن الإنسان إذا اعتقد بكمال رحمة الله وحكمته فيما خلق وقدر، وفيما أمر ونهى، رضي بكل تعاليم ربه وأحكامه، وتقبلها بقبول حسن، وسارع إلى تنفيذها دون ضجر أو حرج.

- العلم بما ينتج عن تعاطي المسكرات من نتائج سيئة، وتصرفات مخزية، وذل ومهانة، وخزي وندامة.

- الإرادة والإصرار على التغيير، فلابد من العزم وبذل الوسع.

- الابتعاد عن أصدقاء السوء، ومصاحبة الطيبين الصالحين، وسوف يجد منهم العون الكثير بإذن الله.

- توجد بعض العلاجات الطبية التي تُساعد في علاج من أدمن الخمر، أو المخدرات، فيمكن الاستفادة منها والذهاب إلى الأطباء والمراكز المتخصصة.

الربا

الربا كبيرة من أعظم الذنوب، وهي محاربة لله ولرسوله ﷺ، وتُعرِّض صاحبها لأضرار شديدة في الدنيا والآخرة، كما أنها تفسد الحياة الاقتصادية، وتؤثر على الفرد والمجتمع.

والربا هو الزيادة على الدَّين مقابل الأجل مطلقًا، وهو أيضًا الزيادة في مبادلة شيئين يجري فيهما الربا، ويسمى ربا الفَضْل، وأما ربا النَّسِيئة فهو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفَضْل.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ» [105]. [105] رواه البخاري برقم (2177)، ومسلم برقم (1584).

ومعاملات وطرق الربا كثيرة، فعلى المسلم أن يعرفها ويحذر منها، ويبتعد عنها، وأن لا يُقدِم على أي معاملة إلا بعد أن يتعلم حكمها.

الأدلة:

ولقد ورد في التحذير من الربا نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، منها:

قول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 275﴾ [البقرة: 275].

وقال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278 فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ...﴾ [البقرة: 278- 279].

وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 130﴾ [آل عمران: 130].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» (أي: المُهْلِكات)، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» [106]. [106] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ، بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُ الرِّبَا» [107]. [107] رواه البخاري برقم (2085)، ومسلم برقم (2275).

الأضرار:

والتعامل بالربا له أضرار كثيرة، منها:

- آكل الربا متوعد بالوعيد الشديد والعذاب الأليم في الآخرة، وقد آذنه الله تعالى ورسوله ﷺ بالحرب، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ...﴾ [البقرة: 279].

- أنه قد تعرض للعنة رسول الله ﷺ؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» [108]. [108] رواه مسلم برقم (1598).

- أنه أكلٌ لأموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ...﴾ [النساء: 29]، والمعنى كما قال الطبري: "لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حُرِّم عليه من ‌الربا والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها إلا أن تكون تجارة" [109]. [109] تفسير الطبري (6/ 625).

- أن الأموال المكتسبة من الربا ممحوقة البركة، قال تعالى: ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ 276﴾ [البقرة: 276]، قال السعدي: "﴿يمحق الله ‌الربا﴾ أي: يُذهبه ويُذهب بركته ذاتًا ووصفًا، فيكون سببًا لوقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وإن أنفق منه لم يؤجر عليه، بل يكون زادًا له إلى النار" [110]. [110] تفسير السعدي (ص117).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» [111]. [111] رواه ابن ماجه برقم (2279).

- أن الربا يزرع الأحقاد في القلوب، وينزع منها الرأفة والرحمة، وبذلك تموت الأخوة، وتتفكك بنية المجتمع.

- أن الربا جريمة اجتماعية إذا تفشت في مجتمع من المجتمعات دمرته وقوَّضت بنيانه.

الوقاية:

سبل الوقاية من التعامل بالربا:

- تحقيق الإيمان، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗ...﴾ [آل عمران: 130]، وهذا يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي؛ لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح [112]. [112] ينظر تفسير السعدي (ص148).

- تحقيق التقوى: قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 130﴾ [آل عمران: 130].

- الحرص على نيل رحمة الله، قال الله تعالى بعد النهي عن الربا: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 132﴾ [آل عمران: 132].

- استحضار الموت، وما يكون يوم القيامة من أهوال، قال تعالى بعد آيات الربا: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 281﴾ [البقرة: 281].

- الخوف من النار، قال الله تعالى بعد النهي عن الربا: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 131﴾ [آل عمران: 131].

- تعلُّم الأحكام الشرعية، ومنها أحكام البيوع وأحكام الربا، قال عمر بن الخطاب: "لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ" [113]. وفي لفظٍ: "وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَوْ أَبَى" [114]. [113] رواه الترمذي برقم (487). [114] الترغيب والترهيب للأصبهاني (810).

- الاكتفاء بالحلال من الحرام من الرزق وأبوابه، ودعاء الله عز وجل، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» [115]. [115] رواه الترمذي برقم (٣٥٦٣).

عقوق الوالدين

عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ومن أخطرها بعد الشرك بالله تعالى؛ لذا جمع الله بين حقه وحق الوالدين في أكثر من آية، منها قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا...﴾ [النساء: 36]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14﴾ [لقمان: 14].

وحقيقة عقوق الوالدين: هو أن يصدر من الإنسان ما يتأذى به والداه من قول أو فعل، أو ترك الإحسان إليهما، ويدخل في ذلك عصيانهما فيما يأمرانه به، إلا في حالة أن يأمراه بالشرك أو بمعصية الله تعالى، فلا يطعهما في هاتين الحالتين؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع الترفق بهما والإحسان إليهما، قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا...﴾ [لقمان: 15].

وقد سئل كعب الأحبار رحمه الله عن عقوق الوالدين ما هو؟ قال: "هُوَ إِذَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَهُمَا، وَإِذَا أَمَرَاهُ بِأَمْرٍ لَمْ يُطِعْ أَمْرَهُمَا، وَإِذَا سَأَلَاهُ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِمَا، وَإِذَا ائْتَمَنَاهُ خَانَهُمَا" [116]. [116] الكبائر للذهبي (ص: 41).

الأدلة:

وأدلة تحريم عقوق الوالدين وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا 23 وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا 24﴾ [الإسراء: 23- 24].

عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ» [117]. [117] رواه البخاري برقم (2654)، ومسلم برقم (87).

وعن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر، فقال: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» [118]. [118] رواه البخاري برقم (2653)، ومسلم برقم (144).

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ...» [119]. [119] رواه البخاري برقم (2408)، ومسلم برقم (593).

الأضرار:

ولعقوق الوالدين أضرار كثيرة، منها:

- عقوق الوالدين من أسباب حرمان العبد من نظر الله إليه يوم القيامة، وحرمان له من دخول الجنة؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: العَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمَرْأَةُ المُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: العَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمُدْمِنُ عَلَى الخَمْرِ، وَالمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى» [120]. [120] رواه النسائي برقم (2562).

- العاق كافر بنعمة الله سبحانه وبإحسان والديه، قال تبارك وتعالى: ﴿...أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14﴾ [لقمان: 14].

- عقوق الوالدين من أسباب سخط الله تعالى، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوَالِدِ" [121]. [121] رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (2).

- العقوق يحدث زعزعة في الأسرة وبالتالي في المجتمع بأسره، فمن لا يبر والديه لا يبره أبناؤه، ولا يبر جيرانَه ومجتمعه.

الوقاية:

سبل الوقاية من عقوق الوالدين:

- تحاشي إيذاء الوالدين بأدنى أذية فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ﴾، وهذا أدنى مراتب الأذى نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية، ﴿وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ أي: لا تزجرهما ولا تتكلم لهما كلامًا خشنًا، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ بلفظ يحبانه، وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما، وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان [122]. [122] ينظر تفسير السعدي (ص: 5).

- معرفة أن الوالدين هما أحق الناس بحسن الصُّحبة والمعاملة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» [123]. [123] رواه البخاري برقم (5971)، ومسلم برقم (2548).

- أن يعلم أنه مهما أحسن إلى والديه فإنه لم يجزهما حقهما، وأن حقهما أعظم من جميع إحسانه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» [124]. أي: لا يقوم ولد بما لأبيه عليه من حق، ولا يكافئه بإحسانه به، إلا أن يصادفه مملوكًا فيعتقه. [124] رواه مسلم برقم (1510).

"وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَجُلًا قَدْ حَمَلَ أُمَّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِهَا حَوْلَ الكَعْبَةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عُمَرَ، أَتَرَانِي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَلْقَاتِهَا، وَلَكِنْ قَدْ أَحْسَنْتَ، وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى القَلِيلِ كَثِيرًا" [125]. [125] ينظر الكبائر للذهبي (ص: 42).

- مجاهدة النفس في إرضاء الوالدين، وهو نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [126]. [126] رواه البخاري برقم (3004)، ومسلم برقم (2549).

- اتِّقاء سبِّ الرجل لوالدَي مَن يتشاجر معه؛ فيدفع ذلك خصمه لسب والديه، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» [127]. [127] رواه البخاري برقم (5973)، ومسلم برقم (90).

- الحرص على عدم إحزان الوالدين، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: «ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» [128]. [128] رواه أبو داود برقم (2528).

- تعليم الصغار بر الوالدين منذ الصغر.

قطيعة الرحم

قطيعة الرحم، والإساءة إلى الأرحام، أو التهرب من أداء حقوقهم؛ صفة من صفات الخاسرين الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، بل إن ذلك جريمة وكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يفعل مثل هذا الجُرم إلا من قسا قلبه وقلَّت مروءته وانعدم إحساسه بالمسؤولية.

والأرحام: هم الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم، وقطيعة الرحم تكون بهجرهم، والإعراض عن الزيارة المستطاعة لهم، وعدم مشاركتهم في مسراتهم، وعدم مواساتهم في أحزانهم، كما تكون بتفضيل غيرهم عليهم في الصِّلات والعطاءات الخاصة، التي هم أحق بها من غيرهم.

الأدلة:

وأدلة تحريم قطع الرحم كثيرة، منها:

قال الله تعالى: ﴿‌فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ 22 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ 23﴾ [محمد: 22- 23].

وقال تبارك وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ 25﴾ [الرعد: 25].

﴿...وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ...﴾

أي: ويقطعون الرحم التي أمرهم الله بوصلها [129]. [129] تفسير الطبري (13/ 514).

- عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [130]. يعني قاطع رحم. [130] رواه مسلم برقم (5984).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ (مَوْضِعِ شَدِّ الإِزَارِ)، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ» قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿‌فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ 22﴾ [131]. [محمد: 22] [131] رواه البخاري برقم (4830)، ومسلم برقم (2554).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» [132]. [132] رواه البخاري برقم (5989)، ومسلم برقم (2555).

الأضرار:

ومن أضرار وعقوبات هذه الكبيرة:

- قاطع الرحم ملعون في كتاب الله تعالى، كما في الآيات السابقة.

- وقد جعل الله من صفات الفاسقين الخاسرين قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومن ذلك صلة الأرحام، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27﴾ [البقرة: 27].

- قاطع الرحم تُعجَّل له العقوبة في الدنيا، مع ما يُدَّخر له من العقوبة في الآخرة؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [133]. [133] رواه أبو داود برقم (4902).

- ومن أعظم العقوبات التي يعاقَب بها قاطع الرحم أن يُحرم من دخول الجنة، فعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [134]. [134] رواه البخاري برقم (5984)، ومسلم برقم (2556).

- لا يُرفع لقاطع الرحم عمل ولا يقبله الله منه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» [135]. [135] رواه أحمد برقم (10272).

الوقاية:

وسبل الوقاية من الوقوع في مخاطر هذه الكبيرة هي:

- أن يتذكر المسلم فضل صلة الرحم، فيكون باعثًا له على المحافظة عليها، ومنها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ (أَيْ: يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ)، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [136]. [136] رواه البخاري برقم (2067)، ومسلم برقم (2557).

-مُقابلة الإساءة بالإحسان، والقطع بالوصل؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [137]. [137] رواه البخاري برقم (5991).

- قبول الأعذار والصفح عن الإساءة، فهي من أخلاق الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، ويُضرب المثل في ذلك بيوسف عليه السلام رغم ما فعله إخوته به؛ إلا أنه عفى عنهم وتجاوز عن فعلتهم ليبقي حبل الود موصولًا بينهم.

- الجود بالنفس والمال على الأرحام دون انتظار المقابل منهم، واجتناب المنة عليهم وتحميلهم ما لا طاقة لهم به، والتواضع وحسن الخلق معهم، والصبر والترفع عن أخطائهم وزلاتهم، وإحسان الظن بهم، وعدم الإكثار من لومهم ومعاتبتهم.

- الحرص على تجميع الأقارب فيما بينهم؛ كدعوتهم في المناسبات والولائم، وزيارتهم، والتواصل معهم على الهاتف.

- تعويد الأطفال وتربيتهم على أهمية صلة الرحم؛ ليقتدوا بذلك ويطبقوه عندما يكبروا.

- حل المشكلات العائلية بالمشورة واللطف، خاصة ما يتعلق بقضايا الميراث.

- ترك التكلف مع الأقارب الذي يؤدي إلى القطيعة.

الكهانة والعِرافة والتنجيم وإتيان من يتلبس بهذه المنكرات

الكهانة والعِرافة والتنجيم ذنوب عظيمة تقدح في عقيدة صاحبها؛ فهو إما أنه يدَّعي معرفة الغيب، أو يُرْجِع الأمورَ إلى النجوم، وكل هذا قادح في التوحيد.

والكاهن هو الذي يُخبِر عن المغيَّبات في المستقبل، وقيل: الذي يُخبِر عما في الضمير.

والعرَّاف هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.

والمنجِّم هو الذي يستخدم علم التنجيم والتأثير، فيقول مثلًا: إذا ظهر نجم كذا والْتَقى بنجم كذا، فمعناه أنه سيحدث كذا وكذا، أو إذا وُلد لفلان ولد في برج كذا، فإنه سيحصل كذا وكذا له من الغنى والفقر أو السعادة والشقاوة ونحو ذلك، فيستدلون بحركة النجوم على حال الأرض وحال الناس فيها [138]. [138] ينظر تيسير العزيز الحميد (ص351).

ويشمل هذا مَن يُخبِر عن المغيَّبات، أو يدعي معرفة الأمور الغائبة، أو الشخص الذي يستنتج الأمور الغيبية بواسطة الأبراج أو رسم الخط على الرمال أو بالحصى أو بالنظر في الفنجان أو قراءة الكف ونحوها، فكل من ادَّعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل المذكورة أو غيرها فهو كاذب كافر [139]. [139] ينظر عقيدة التوحيد للفوزان (ص: 97).

ويجب التنبه إلى أن إتيان الكُهان والعرَّافين ونحوهم من الدجالين من الذنوب العظيمة التي ورد التحذير منها، ويترتب على الوقوع فيها كثير من المفاسد في أمور الدين والدنيا.

الأدلة:

وقد دلت الأدلة على حرمة الكهانة والعِرافة والتنجيم وإتيان من يتلبس بهذه المنكرات، منها:

قول الله تعالى: ﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ 10 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ 11 يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ 12﴾ [الذاريات: 10 - 12].

أي: لُعِنَ المُتَكَهِّنُون الذين يَتَخَرَّصُون (والخرص هو الكذب والتخمين) الكذبَ والباطلَ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "هُمُ ‌الكَهَنَةُ" [140]. [140] ينظر تفسير الطبري (21/ 492).

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِرِزْقِ اللَّهِ وَبِفَضْلِ اللَّهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي» [141]. [141] رواه البخاري برقم (4147)، ومسلم برقم (71).

في هذا الحديث انقسم العباد إلى قسمين:

القسم الأول: مؤمن بالله جل وعلا، وهو الذي نسب هذه النعمة وأضافها إلى الله وشكر الله عليها، وعرف أنها من عند الله، وحمد الله وأثنى عليه بها.

والقسم الثاني: كافر بالله، والكافرون نوعان:

النوع الأول: من كفر كفرًا أصغر، كمن يقول: مطرنا بنوء أو بنجم كذا وكذا، يعتقد أن النوء والنجم والكوكب سبب في المطر، فهذا كفره كفر أصغر؛ لأنه لم يعتقد التشريك والاستقلال، ولكنه جعل ما ليس سببًا سببًا، ونسب النعمة إلى غير الله، فقوله من أقوال أهل الكفر، وهو كفر أصغر بالله جل وعلا.

والنوع الثاني: كافر الكفر الأكبر، وهو الذي اعتقد أن المطر أثر من آثار الكواكب والنجوم، وأنها هي التي تفضَّلت بالمطر، وهي التي تحرَّكت بحركٍة لما توجَّه إليها عابدوها فأنزلت المطر إجابة لدعوة عابديها، وهذا كفر أكبر بالإجماع؛ لأنه اعتقاد ربوبية وإلهية لغير الله جل وعلا [142]. [142] ينظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح آل الشيخ (ص: 356).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» [143]. أي: كلما ازداد تعلمًا للتنجيم ازداد توغُّلًا في السحر، وازداد بالتالي ذنبه وإثمه. [143] رواه أبو داود برقم (3905).

وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» [144]. وحُلْوان الكاهن: أجرته على كهانته. [144] رواه البخاري برقم (2237)، ومسلم برقم (1567).

وعن معاوية بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه قال: قلت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الكُهَّانَ قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» [145]. [145] رواه مسلم برقم (537).

وعن صفية، عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [146]. [146] رواه مسلم برقم (2230).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمدٍ» [147]. [147] رواه الترمذي برقم (135).

قال القرطبي في شأن الكهان: "ويجب على من وَلِيَ الحِسْبة (وهو الذي يُشرف على مراقبة الأسواق وأمور الآداب) أن يقيمهم من الأسواق ويُنكر عليهم أشدَّ النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك" [148]. [148] المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (5/ 633).

الأضرار:

ومن أضرار الكهانة والعِرافة والتنجيم وإتيان من يتلبس بهذه المنكرات:

- أن صاحبها داخل في مُسمَّى الطاغوت، وإتيان هؤلاء نوع من التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا 60﴾ [النساء: 60] ذكر الطبري عن قتادة ما يفيد أن هذه الآية نزلت في رجلين: رجل من الأنصار ورجل من اليهود في منازعة كانت بينهما في حق، فلجئا إلى ‌كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبي الله ﷺ، فعاب الله عز وجل ذلك [149]. [149] تفسير الطبري (7/ 191).

- أنها من أفعال أهل الجاهلية الأولى، قال البخاري: "قال جابر: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ..." وَقَالَ عِكْرِمَةُ: " الجِبْتُ: بِلِسَانِ الحَبَشَةِ شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ" [150]. [150] صحيح البخاري (6/ 45).

- أنها من افتتان الإنس بالإنس، والإنس بالجن؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيٍْء»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» [151]. [151] رواه البخاري برقم (7561)، ومسلم برقم (2228).

أي: يكذب الكاهن مع الكلمة التي ألقاها إليه وليُّه من الشياطين مائة كذبة، أو يكذب الشيطان مع الكلمة التي استرقها من السماء مائة كذبة، ويخبر بالجميع وليه من الإنس، فيفتتن الإنسُ بالإنسِ الكاهن، ويفتتنان بوليِّهما من الشياطين، ويقبلون ما جاءوا ‌به ‌من ‌الصدق ‌والكذب، ‌لكونهم ‌قد ‌يَصْدقون ‌فيما ‌يأتون ‌به ‌من ‌خبر ‌السماء [152]. [152] ينظر تيسير العزيز الحميد (ص223).

- أن من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة، كما ورد في الحديث السابق.

الوقاية:

وللوقاية من الكهانة والعِرافة والتنجيم ونحوهم أسباب منها:

- اليقين التام أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ...﴾ [النمل: 65]، وقال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 31 قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ 32﴾ [البقرة: 31، 32]، فلم يكن لهم إلا الإقرار بالعجز أن يعلموا إلا ما علمهم بقولهم: ﴿سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآ...﴾ فكان في ذلك أوضح الدلالة وأَبين الحجة على كذب مقالة كل من ادَّعى شيئًا من علوم الغيب من الكهنة المنجِّمة [153]. [153] تفسير الطبري (1/ 527، 528).

- تحقيق العبودية لله تعالى مع الكفر بالطاغوت، ومَنِ ادَّعى معرفة الغيب أو أرجع الأمور إلى النجوم وأنها مؤثرة بذاتها فقد تعدَّى وطغى وجاوز الحدَّ وكفر وصار طاغوتًا، قال تعالى: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]، عن سعيد بن جبير قال: "الطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ" [154]. [154] تفسير الطبري (4/ 557).

- تعلم التوحيد وتعليمه ومعرفة ما يضاده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العقوبات الشرعية على من يعمل هذه الأعمال الشيطانية.

صنع التماثيل

صُنع التماثيل من الكبائر التي حذر منها الشرع، ولعن فاعلها، وتوعَّد عليها بالعقاب الشديد، وهي من أكبر أسباب عبادة الأوثان والشرك بالله تعالى.

وحقيقة صنع التماثيل: أن يصنع العبد صورة يماثل بها ما خلقه الله من ذوات الأرواح؛ سواء كانت من حجر أو طين أو حديد أو نحاس أو غيرها من المواد.

وقد أجمع العلماء على تحريم صنع التماثيل وتحريم اقتنائها [155]. [155] ينظر فتح الباري (10/ 391).

قال النووي رحمه الله: "وأجمعوا على منع ما كان له ظِلٌّ ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك" [156]. [156] شرح مسلم (14/82).

الأدلة:

ووردت نصوص كثيرة في السنة في التحذير من التصوير وصنع التماثيل، منها:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» [157]. [157] رواه البخاري برقم (5607)، ومسلم برقم (2108).

وعن مسلم بن صبيح قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير، فرأى في بيته تماثيل، فقال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» [158]. [158] رواه البخاري برقم (5950)، ومسلم برقم (2109).

وعن أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة رضي الله عنه في دار مروان فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله عز وجل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» [159]. [159] رواه البخاري برقم (7559)، ومسلم برقم (2111).

وعن سعيد بن أبي الحسن قال: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا»، فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً (أَيْ: عَلَا نَفَسُهُ وَضَاقَ صَدْرُهُ وَذُعِرَ وَامْتَلَأَ خَوْفًا)، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْحَكَ، إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ [160]. [160] رواه البخاري برقم (2225)، ومسلم برقم (2110).

وعن أبي طلحة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» [161]. قال البخاري: يريد التماثيل التي فيها الأرواح. [161] رواه البخاري برقم (4002)، ومسلم برقم (2106).

وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ" [162]. [162] رواه مسلم برقم (969).

قال ابن تيمية: "فأمره بمحو التمثالين الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره، فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا" [163]. [163] مجموع الفتاوى (17/462).

الأضرار:

ولصنع التماثيل أضرار كثيرة منها:

- أنها سبب للشرك بالله تعالى، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا 23﴾ [نوح: 23]، قال: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا (أي: تماثيل) وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ" [164]. [164] رواه البخاري برقم (4920).

- أن فيه منازعة لله تعالى ومشاركة له في صفة من أعظم صفاته، وهي صفة الخلق.

- أنه سبب لغضب الله تعالى على العبد يوم القيامة، فالمصوِّرون شرار الخلق عند الله، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» [165]. [165] رواه البخاري برقم (427)، ومسلم برقم (528).

- أنه سبب لأن يحق على فاعله لعنة النبي ﷺ، فعن أبي جحيفة رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ ‌المُصَوِّرَ» [166]. [166] رواه البخاري برقم (2238).

- أنه سبب للعذاب الشديد يوم القيامة، كما سبق في الأحاديث.

- أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة أو تمثال كما في حديث سابق.

- أنه مشابهة للكفار من النصارى وغيرهم.

الوقاية:

سبل الوقاية من هذه الكبيرة:

- أن يستحضر العبدُ غضبَ الله عليه يوم القيامة وتكليفه أن ينفخ الروح في هذا التمثال وليس بمستطيع أن ينفخ، وكونه قد تحق عليه لعنة نبيه.

- أن يعلم إذا كان ممن يتخذ صنع التماثيل مهنة له أنَّ من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه في الدنيا والآخرة؛ فإنه إذا ترك ذلك لله رزقه الله رزقًا حلالًا من حيث لا يحتسب.

وليتذكر أثر الكسب المحرم في عدم استجابة دعائه وعدم صلاح أولاده ونجابتهم.

وأما إن كان ممن يرتكب هذا الفعل من باب الترفيه عن النفس أو ما يسمونه بالهواية فهو أجدر أن يتركه لله تعالى، ويستبدله بغيره مما أحله الله من زينة الحياة الدنيا، فإن أبى إلا أن يفعله فليصنع تماثيل لما ليس فيه روح كالشجر والبنايات والجمادات.

-إزالة التماثيل وكسرها ممن له سلطة كالجهات المسؤولة والمختصة، والرجل في بيته.

اللواط

اللواط وهو إتيان الذكور في الدبر كبيرة من كبائر الذنوب، وهي تنكيس للفطرة السليمة التي خلق الله الناس عليها، فتهدم الأخلاق، وتمحق الرجولة، وتقطع النسل، وتفسد المجتمع، وتستوجب غضب الله تعالى والعذاب الشديد، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ 82 مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ 83﴾ [هود: 82 - 83].

الأدلة:

وأدلة تحريم اللواط وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

قال تعالى مخبرًا عن قول لوط عليه السلام لقومه: ﴿أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 165 وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ 166﴾ [الشعراء: 165- 166]، ﴿عَادُونَ﴾ أي: تتجاوزون ما أباح لكم ربكم، وأحله لكم من الفروج إلى ما حرم عليكم منها [167]. [167] تفسير الطبري (17/ 630).

وقال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 80 إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ 81﴾ [الأعراف: 80 - 81].

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ» [168]. [168] رواه أبو داود برقم (4462).

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ» [169]. [169] رواه الترمذي برقم (1457).

الأضرار:

وللواط أضرار كثيرة، منها:

- صاحبه معرَّض للوعيد الشديد في الآخرة.

- قلة النكاح الحلال، وكثرة العنوسة.

- تقليل النسل أو انقطاعه تمامًا، وذلك بوأد ماء الحياة، فهو كمن يبذر الحب في أرضٍ لا تصلح للزراعة.

"واللواط يُحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول" [170].

- قال ابن القيم رحمه الله: [170] زاد المعاد (4/ 241 - 242) باختصار.

وأيضًا: فإنه يسوِّد الوجه ويُظلم الصدر ويطمس نور القلب.

وأيضًا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد.

وأيضًا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادًا لا يكاد يُرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.

وأيضًا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم.

وأيضًا: فإنه يُذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده.

وأيضًا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه.

- ظهور أمراض لم تكن في العصور السابقة، مثل مرض الإيدز.

- يؤدي إلى السحاق أو الزنا، فباستغناء الرجال بالرجال يستغني النساء بالنساء، أو ربما لجأت المرأة إلى غير زوجها؛ لتشبع غريزتها.

الوقاية:

سبل الوقاية من الوقوع في جريمة اللواط:

- الزواج من أقوى أسباب الوقاية من اللواط، فمن لم يستطع الزواج فعليه بالصوم؛ روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [171]. [171] رواه البخاري برقم (1905)، ومسلم برقم (1400).

- عدم نظر الرجل إلى عورة الرجل؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي المَرْأَةُ إِلَى المَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ» [172]. [172] رواه مسلم برقم (338).

- عدم الدخول إلى المواقع الإباحية، أو التواصل مع أصدقاء السوء من رجال ونساء.

- التفريق بين الأولاد الصغار في المضاجع –سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا- إذا بلغوا عشر سنين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ» [173]. [173] رواه أبو داود برقم (495).

- التخويف من عاقبة كبيرة اللواط في الدنيا والآخرة.

- الحرص التام على غرس العقيدة الصحيحة، وتثبيت دعائمها وتعهدها دائما في نفوس الأفراد والمجتمعات: فالانحراف السلوكي إنما هو ناتج عن خلل في العقيدة في كثير من الأحيان.

إفطار يوم من رمضان بغير عذر

فرض الله صيام شهر رمضان على المؤمنين، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾ [البقرة: 183].

وصيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [174]. [174] رواه البخاري برقم (8)، ومسلم برقم (16).

فمن تعمَّد إفطار شهر رمضان أو يوم منه بلا عذر فقد عصى الله تعالى، وتعدى على ركن من أركان الدين، واقترف كبيرة من كبائر الذنوب.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "وعند المؤمنين مقرر: من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض؛ فإنه شر من الزاني والمكَّاس ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال" [175]. [175] ينظر فيض القدير (4/ 311).

الأدلة:

وأدلة تحريم إفطار يوم من رمضان بغير عذر وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:

عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَانْطَلَقَا بِي، فَإِذَا قَوْمٌ مُعَلَّقُونَ بِعَرَاقِيبِهِمْ (أَيْ مُؤَخَّرِ القَدَمِ)، مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ (أَيْ جَانِبُ الفَمِ) تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ» [176]. [176] رواه النسائي في الكبرى برقم (3273) مختصرًا.

وقد وردت عدة آثار تفيد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعاقبون من أفطر في رمضان بغير عذر، منها: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أُتي بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال: "لِلْمَنْخِرَيْنِ لِلْمَنْخِرَيْنِ –وَهُوَ صَوٌت يَخْرُجُ مِنْ مِنْخَرِ الْحِمَارِ– وَوِلْدَانُنَا صِيَاٌم –يَعْنِي صِغَارَنَا صِيَامٌ وَأَنْتَ مُفْطِرٌ-، ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَمَانِينَ، وَصَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ".

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أُتي برجل قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم ضربه من الغد عشرين، وقال: "ضَرَبْنَاكَ العِشْرِينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ، وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ".

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولَ الدَّهْرِ".

- وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ" [177]. [177] ينظر لهذه الآثار المحلى لابن حزم (4/ 311).

الأضرار:

وللإفطار في رمضان بغير عذر أضرار كثيرة، منها:

- ترك ركن من أركان الإسلام.

- الاستهانة بأوامر الله تعالى.

- الجرأة على مخالفة فرض الله تعالى والإفطار أمام الناس، وهذه تستوجب عدم عفو الله تعالى عنه، ولا يمكن معرفة إفطار هذا المتجرئ على الله إلا إذا جهر هو بقوله أو بفعله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافى إِلَّا المُجَاهِرِيْنَ» [178]. [178] رواه البخاري برقم (6069)، ومسلم برقم (2990).

- تشجيع غيره على إشاعة هذه المعصية، والله توعد على ذلك بالعذاب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 19﴾ [النور: 19].

الوقاية:

سبل الوقاية من الوقوع في الفطر في رمضان بغير عذر:

- التعود على الصيام منذ الصغر؛ فعن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنها قالت: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَار «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيَصُمْ» قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ -أَيْ الصُّوفِ-، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ [179]. [179] رواه البخاري برقم (1960)، ومسلم برقم (1136).

- تربية النفس على الصبر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» [180]. [180] رواه البخاري برقم (1960)، ومسلم برقم (1136).

- ترغيب النفس فيما عند الله من الثواب العظيم على الصيام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [181]. [181] رواه البخاري برقم (1904)، ومسلم برقم (1151).

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» [182]. [182] رواه البخاري برقم (1896)، ومسلم برقم (1152).

السخرية والاستهزاء

إن سخرية المسلم من أخيه المسلم واستهزاءه به كبيرة من الكبائر، وهي من صفات الكفار والمنافقين، وفاعلها متوعَّد بالعقاب الشديد، ويزداد إثم هذه الكبيرة إذا وقعت في حق عباد الله الصالحين.

وسخرية المسلم من أخيه واستهزاؤه به لها صور شتى، منها: استحقاره والاستهانة به، والتنبيه على عيوبه ونقائصه ليُضْحَكَ منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة بالفعل أو القول أو الإشارة، أو الضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط، أو على صنعته، أو على قبيح صورته، وغير ذلك مما فيه تنقص.

الأدلة:

الأدلة على تحريم السخرية والاستهزاء بالمسلم:

قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ 212﴾ [البقرة: 212].

قال السعدي رحمه الله: "يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله، ولم ينقادوا لشرعه، أنهم زُيِّنت لهم الحياة الدنيا، فزُيِّنت في أعينهم وقلوبهم، فرضوا بها، واطمأنوا بها وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا على تحصيلها، وعظموها، وعظموا من شاركهم في صنيعهم، واحتقروا المؤمنين، واستهزأوا بهم وقالوا: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟" [183]. [183] تفسير السعدي (ص: 95).

وهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر، فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران، بل المؤمن في الدنيا، وإن ناله مكروه، فإنه يصبر ويحتسب، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره.

وإنما الشأن كل الشأن، والتفضيل الحقيقي، في الدار الباقية، فلهذا قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور، والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة، والشقاء السرمدي، الذي لا منتهى له، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين، ونعي على الكافرين.

وقال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 79﴾ [التوبة: 79].

قال ابن كثير رحمه الله: "هذا من صفات المنافقين، لا يَسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يَسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير على قدر جهده وطاقته قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر بهم، انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا" [184]. [184] تفسير ابن كثير (4/ 184) بتصرف واختصار.

وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ 109 فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ 110 إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 111﴾ [المؤمنون: 109 - 111].

وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 11﴾ [الحجرات: 11].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ 29 وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ 30 وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ 31 وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ 32 وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ 33 فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ 34 عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ 35 هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 36﴾ [المطففين: 29- 36].

قال السعدي رحمه الله: "أخبر تعالى أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين، ويستهزئون بهم، ويضحكون منهم، ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارًا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ صباحًا أو مساء ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي: مسرورين مغتبطين. وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرؤًا على القول عليه بلا علم.

قال تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي: وما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم، حتى يحرصوا على رميهم بالضلال، وما هذا منهم إلا تعنت وعناد وتلاعب، ليس له مستند ولا برهان، ولهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حين يرونهم في غمرات العذاب يتقلبون، وقد ذهب عنهم ما كانوا يفترون، والمؤمنون في غاية الراحة والطمأنينة ﴿عَلَى الأرَائِكِ﴾ وهي السُّرر المزينة ﴿يَنْظَرُونَ﴾ إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم [185]. [185] تفسير السعدي (ص: 916).

﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: هل جُوزوا من جنس عملهم؟ فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال. نعم، ثوبوا (أي: جُوزوا) ما كانوا يفعلون، عدلًا من الله وحكمة، والله عليم حكيم"

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ...» [186]. [186] رواه البخاري برقم (30)، ومسلم برقم (1661).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [187]. [187] رواه مسلم برقم (2564).

الأضرار:

أضرار السخرية من المسلم والاستهزاء به:

- أنها معصية لله تعالى، وكبيرة من الكبائر.

- أن فاعل ذلك يصير فاسقًا، وهذا يترتب عليه رد شهادته، قال القرطبي بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ...﴾ إلى قوله: ﴿...بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِ...﴾ [الحجرات: 11] قال: "قيل: المعنى أن من لقَّب أخاه أو سَخِرَ منه فهو فاسق" [188]. [188] تفسير القرطبي (16/ 328).

- أنها من أخلاق الكفار والمنافقين، فإن دأبهم الاستهزاء بأهل الإيمان في كل عصر.

- أنها تؤدي إلى انشغال الساخر والمستهزئ بمن يسخر منه ويستهزئ به حتى ينسى ما افترضه الله عليه من عبادته وذكره، كما قال تعالى: ﴿فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي...﴾ [المؤمنون: 110].

- أنها كثيرًا ما تقترن بالغيبة المحرمة؛ فهي سبيل للوقوع فيها ولا بد؛ فإن المستهزئ أكثر ما يستهزئ بغيره ويسخر منه في غيبته.

- أن كثيرًا ما يكون الاستهزاء والسخرية نتيجة لاحتقار الناس، وهو من الكبر المذموم المتوعَّد صاحبه بالعقاب الأليم، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» [189]. بطر الحق: دفعه وإنكاره ترفُّعًا وتجبُّرًا. غمط الناس: احتقارهم. [189] رواه مسلم برقم (91).

- أنها من أكبر أسباب انتشار العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، وربما كانت سببًا للاقتتال بين أفراده.

- أنه قد يكون فيها استهزاء بخِلقة الله؛ خصوصًا إذا سخر المرء من غيره لأجل شيء في خِلقته كصورته أو صوته أو لونه.

- السخرية والاستهزاء تفقد الساخر الوقار، وتسقط عنه المروءة.

الوقاية:

سبل الوقاية من السخرية والاستهزاء:

- خشية الله عز وجل والخوف من بطشه المترتب على معصيته.

- أن يشغل الإنسان نفسه بما ينفعه في أمر دينه ودنياه؛ حتى لا يترك لنفسه مجالًا للانشغال بعيوب إخوانه.

- ترك الكبر واحتقار الناس؛ فإن كثيرًا ممن يسخرون من غيرهم إنما حملهم على ذلك تكبرهم على إخوانهم واحتقارهم لهم.

- ترك صحبة السوء التي ربما كانت سببًا في ذلك؛ فإن مجالسهم لا تخلو من السخرية من الناس، التي يرون فيها سبيلًا من سبل الفكاهة.

- أن يعلم أن ما به من نعم فمن الله، وأن الله قادر على أن يسلبه ما هو فيه ويصيِّره إلى حالة أسوأ ممن يسخر منه.

- أن يزجر الإنسان غيره إذا ما رآه يسخر من إخوانه ولا يوافقه في فعله؛ حتى لا يتمادى في هذا الأمر.