الحديث زاد 4

الحديث زاد 4

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على نخبة من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاة من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

كتاب الحديث:

يحتوي هذا الكتاب على نُخبةٍ من أهم الأحاديث النبوية، التي تُمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاة من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

الحديث (4)

المحـتويات

حديث: الدِّين النصيحةُ ...

حديث: إن الدِّين يسرٌ ...

حديث: البرُّ حسنُ الخلقِ ...

حديث: إن الله فرضَ فرائض ...

حديث: إن الله كتب الإحسانَ ...

حديث: من رأى منكم منكرًا ...

حديث: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ ....

حديث: لا ضررَ ولا ضرارَ ...

حديث: لو يعطى الناسُ بدعواهم ...

حديث: إياكم والجلوسَ في الطرقات ...

حديث: لا تغضبْ ...

حديث: من حسنِ إسلامِ المرءِ ...

حديث: إن الله يرضى لكم ثلاثًا ...

حديث: أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا ...

حديث: لا تحاسدوا ...

حديث: إن الله طيبٌ ...

حديث: لا طاعةَ في معصية الله ...

حديث: لعن رسولُ الله المتشبِّهين ...

حديث: عُذبت امرأةٌ في هرة ...

حديث: لا يتمنين أحدُكم الموتَ …

الحديث الأول

الحديث الأول: «الدِّين النصيحة»...

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنا: لِمَنْ؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتابِهِ وَلِرسولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ». رواهُ مسلِمٌ.

راوي الحديث

تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بنِ خارِجَةَ الدَّارِيُّ، كانَ نصرانيًّا، وَأسلَمَ سنةَ 9 هـ في وَفْدٍ منْ قومِهِ بني الدَّارِ منْ لَخْمٍ، جاء إلى النَّبيِّ محمَّدٍ ﷺ، ولَهُ في الإسلامِ مَناقِبُ عَديدَةٌ، اشتُهِرَ بعِبادَتِهِ وقراءَتِهِ للقُرآن، رُوي أنَّهُ كانَ يختمُ القُرآنَ في سَبْعٍ، ماتَ بالشَّامِ سنةَ 40 هـ.

شرح المفردات

«النَّصيحَة»: النَّصيحَةُ في اللُّغَة: اسْمٌ «مصدرٌ» منْ الفعل «نَصَحَ»، فيُقالُ: نصَحَه نُصْحًا ونُصُوحًا ونَصِيحَةً، ويُقالُ: نَصَحَ الشَّيءُ: خَلَصَ، والنَّاصِحُ: الخالِصُ من العَسَلِ وغَيْرِهِ، وكلُّ شيءٍ خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ، فشَبَّهوا تخليصَ القولِ منَ الغِشِّ بتخليصِ العَسَلِ ممَّا يشُوبُهُ.

فالنُّصْحُ في اللُّغة: تَخْليصُ الشَّيءِ منْ شوائِبِ الفَسادِ.

والنَّصيحةُ اصْطِلاحًا: كلمةٌ جامعةٌ تتضمن قيام الناصح للمَنصوح لَهُ بوجوه الخير إرادةً وفعلًا.

فهُوَ من وَجِيزِ الأَسماءِ ومختَصَر الكلامِ.

الشرح الإجمالي للحديث

قالَ بعْضُ العُلَماء: «هذا الحَدِيثُ رُبْعُ الإِسْلام، وهُوَ أحَدُ الأحادِيثِ الَّتي نصَّ العُلَماءُ على أنَّها منْ جوامِعِ الكَلِمِ، ومنْ أُصولِ الدِّين؛ إذْ تَرْجِعُ إليها جميعُ مسائِلِ الدِّين».

وهو يدلُّ على أهمِّيَّةِ النَّصيحَةِ، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث في السُّنن تكرارُ الوصيةِ بالنصيحةِ؛ إِرْشادًا للأُمَّةِ حتَّى يعلمُوا يقينًا أنَّ الدِّينَ كُلَّه - ظاهرَهُ وباطِنَهُ - مُنحَصِرٌ في النَّصيحةِ.

قالَ تعالَى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﮢ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].

وعَنْ جَرِيرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: «بايَعْتُ رسولَ الله ﷺ على إِقامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». مُتَّفَقٌ عليه.

أهمِّيَّةُ النَّصيحةِ في هذِهِ المواضِعِ المذكورة في الحديث؛ وذلِكَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَها الدِّينَ.

1- فمنَ النَّصيحَةِ للهِ تعالى:

تَعْظيمُه وخَشْيَتُه ورَجاؤُهُ ومحبَّتُهُ.

إخلاصُ النِّيَّةِ في عبادَتِهِ.

تنزِيهُهُ عنْ جميعِ النَّقائِصِ والعُيوب.

إِثْباتُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ على الوَجْهِ اللَّائِقِ بهِ.

تَوْحيدُهُ في أفعالِهِ وأفعالِ الخَلْقِ بالتَّأَلُّهِ لهُ، وعدمُ الإشراكِ بهِ.

تحْكيمُ شرعِهِ، والقيامُ بطاعتِهِ، واجتنابُ معصيَتِهِ.

الحُبُّ فيهِ والبُغضُ فيه.

2- منَ النَّصيحةِ لكتابِ الله تعالى:

الإيمانُ بأنَّهُ كلامُ الله حقيقةً، ليْسَ مَخْلوقًا، نزلَ بهِ جبريلُ على رسولِ الله محمَّدٍ ﷺ.

تعظيمُهُ وتلاوتُهُ حقَّ التِّلاوةِ.

التَّصديقُ بأَخْبارِهِ.

الوُقوفُ عنْدَ أحكامِهِ.

الإيمانُ بِمُتَشابِهِه والعملُ بمُحْكَمِهِ.

تعلُّمُهُ وتعليمُهُ.

صيانَتُهُ من تَحْريفِ المُبتدِعينَ وغُلُوِّ الغالِين.

3- منَ النَّصيحةِ لرَسولِ الله ﷺ:

الإيمانُ بهِ وتصديقُ أخبارِهِ.

طاعةُ أوامِرِهِ واجتنابُ نواهِيهِ.

تَوْقيرُهُ وتعظيمُهُ.

الذَّبُّ عنْ سُنَّتِهِ.

الرَّدُّ على كُلِّ من أساءَ إليهِ وآذاهُ.

تقديمُ محبَّتِهِ على محبَّةِ النَّفسِ والولَدِ والنَّاسِ أجمعين.

اعتقادُ أنَّهُ سيِّدُ الخلْقِ وخاتمُ الأنْبياءِ.

عدمُ إطْرائِهِ والغُلُوِّ فيهِ، وعدمُ رفْعِهِ فوْقَ منزلَتِهِ الَّتي أنزَلَهُ الله تعالى.

4- منَ النَّصيحَةِ لأئمةِ المُسْلِمِينَ:

السَّمْعُ والطَّاعَةُ لهم.

مُعاوَنَتُهم على الحقِّ، وتذكيرُهم بهِ.

إعلامُهُم بما غَفَلُوا عنْهُ أوْ لم يبلُغْهم منْ حقوقِ المسلمين.

تَرْكُ الخُروجِ عليهم.

تَأْليفُ قلوبِ المسلمِينَ على طاعَتِهم.

الدُّعاءُ لهمْ بظَهْرِ الغَيْبِ.

الصَّبْرُ على أذاهُمْ وجَوْرِهم.

قالَ رُسولُ الله ﷺ: «ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ صَدْرُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُناصَحَةُ أُولِي الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ». رواه أحمدُ والتِّرْمِذيُّ، وحسَّنَهُ الأَرْنؤُوط.

وقالَ ﷺ: «عَلَيْكَ السَّمْعَ والطَّاعَةَ في عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ». أخرجَهُ مسلمٌ.

ويدخل في النَّصيحةَ لأئمةِ المسلمِينَ: النَّصيحَةُ للعُلماءِ، ومنَ النُّصْحِ لهم:

مَحَبَّتُهم. معرفةُ قَدْرِهم. إنزالُهم منازِلَهُم. التَّأدُّبُ في مُعامَلَتِهم. عدَمُ التَّعَصُّبِ لأحَدٍ منْهُم. عدم رفعِ أَحَدٍ منهم فوْقَ منزِلَتِه. الاعتقادُ أنَّهم ليسُوا مَعْصُومِين. الانتفاعُ بعُلُومِهم.

5- ومنَ النَّصيحَةِ لعامَّةِ المسْلِمِينَ:

أنْ يشمَلَ بالنُّصح عُمومَ المسلِمِينَ؛ الرِّجالَ والنِّساءَ، الأغْنِياءَ والفُقَراءَ، الكِبارَ والصِّغارَ.

ومنَ النَّصيحَةِ للمُسلمِينَ أنْ تُحبَّ لهم منَ الخيرِ ما تُحبُّهُ لنفْسِكَ، وتكرَهُ لهم منَ الشَّرِّ ما تكرَهُهُ لنفسِك.

بذلُ الإحسانِ إليهم. كَفُّ الأَذَى عنْهُم.

السَّعْيُ فيما يعودُ نفعُهُ عليهم. تعليمُهم ما ينفَعُهم.

نشاط

1- هذا الحَدِيثُ منْ جوامِعِ كَلِمِ النَّبيِّ ﷺ، بَيِّنْ ذلِكَ، واذْكُرْ أربعَةَ أحادِيثَ من جوامِعِ كَلِمِه ﷺ

2- بيِّنْ بعضَ مظاهِرِ النَّصيحَةِ ﷲِ ولرسولِهِ ﷺ، وبمَ تُوجِّهُ مَنْ يُخالِفُ هديَ النَّبيِّ ﷺ في ضَوْءِ هذا الحَدِيثِ؟

الحديث الثاني

الحديث الثاني: «إنّ الدِّين يُسر...»

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ منَ الدُّلْجَةِ». رَواهُ البُخاريُّ. وفي لفْظٍ لهُ: «والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا».

راوي الحديث

أبو هُرَيْرَةَ: عبْدُ الرَّحمنِ بنُ صَخْرٍ الدَّوْسِيُّ، راوِيَةُ الإسلام، لَزِمَ النَّبيَّ ﷺ ودعا له بقوة الحفظ فكان أكثر الناس رواية عنه ﷺ، ولَّاهُ أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ البَحْرَيْن (الأحساء)، وَوَلِيَ المدينةَ سنواتٍ في خلافةِ بني أُميَّة، تُوفِّي سنةَ 59هـ.

شرح المفردات

«الدِّين» أي: دِين الإسلام ، الَّذي بُعِثَ به مُحمَّدٌ ﷺ.

«وَلَنْ يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلبَهُ» أي: عَجَزَ ذلِكَ المُشادُّ عن مُقاوَمَةِ الدِّينِ؛ فيغْلِبُهُ ويرُدُّهُ إلى الاعْتِدالِ.

«فَسَدِّدُوا» أي: الزَمُوا السَّدادَ، وهُوَ الصَّوابُ منْ غيرِ إفْراطٍ ولا تَفْريطٍ.

«وَقارِبُوا» أي: إنْ لم تستطيعوا الأَخْذَ بالأَكمَلِ، فاجْتَهِدُوا أنْ تقْتَرِبُوا منْهُ.

«وَأَبْشِرُوا» أي: بالثَّوابِ علَى العملِ الدَّائمِ وإنْ قلَّ.

«واسْتَعِينُوا» أي: على مُداوَمَةِ العبادةِ بإيقاعِها في أوقاتِ النَّشاطِ، كأوَّلِ النَّهارِ، وبعْدَ الزَّوالِ، وآخرِ اللَّيل.

«الغَدْوَة»: السَّيرُ أوَّلَ النَّهار.

«والرَّوْحَة»: منَ الرَّواحِ، وهوَ السَّيرُ في النِّصفِ الثَّاني منَ النَّهار.

«الدُّلْجَة»: السَّيرُ آخرَ اللَّيل.

وأنشدُوا لعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه قولَهُ:

وَفِي الرَّواحِ على الحاجاتِ والبُكَرِ

اصْبِرْ على السَّيْرِ والإِدْلاجِ في السَّحَرِ

«والقَصْدَ القَصْدَ» أي: الزَمُوا الوَسَطَ المعْتَدِلَ في الأُمُور، وَكرَّرَ القَصْدَ للتَّوكِيد.

«تَبْلُغُوا» أي: مَقْصِدَكُمْ وبُغْيَتَكُمْ.

الشرح الإجمالي للحديث

ما أعظمَ هذا الحَدِيثَ، وأجمَعَهُ للخيرِ والوصايا النَّافعةِ، والأُصولِ الجامِعَةِ! فقَدْ أَسَّسَ النَّبيُّ ﷺ في صدره هذا الأَصْلَ الكَبِيرَ، فقالَ: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ» أي: مُيَسَّرٌ مُسَهَّلٌ، في عقائِدِهِ وأخلاقِهِ وأعمالِهِ، وفي أفعالِهِ وتُروكه.

ثُمَّ وصَّى ﷺ بالتَّسديدِ والمُقاربَةِ، وتقويةِ النُّفوسِ بالبِشارَةِ بالخيرِ، وعَدَمِ اليَأْس.

ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ ثمرةَ هذا التَّيسيرِ، وأنَّهُ لا يتَعَمَّقُ أحدٌ في الأعمالِ الدِّينيَّةِ، ويترُكُ الرِّفقَ إلَّا عَجَزَ وانقطَعَ، فَيُغْلَب.

وقدْ رَوى الإِمامُ أحمدُ عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِــلُوا فيهِ بِرِفْــقٍ». قال الشَّيخُ الأَرْنَؤُوط: حديثٌ حَسَنٌ بشَواهِدِهِ.

وليسَ المرادُ من الحديثِ مَنْعَ طلبِ الأَكْمَلِ في العبادةِ، فإنَّه منَ الأُمورِ المحمُودَةِ، بلِ المرادُ منعُ الإفراطِ المؤدِّي إلى المَلَلِ، أوِ المبالغةِ في التَّطوُّعِ المفضي إلى تَرْكِ الأَفْضلِ، أو إخْراجِ الفَرْضِ عنْ وقتِهِ، معَ انشغالِهِ بالنَّفْلِ من الطَّاعاتِ.

ثُمَّ ختَمَ الحديثَ بوصيَّةٍ خفيفةٍ على النُّفوسِ، وهيَ في غايةِ النَّفعِ، فقالَ: «واسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ منَ الدُّلْجَةِ». فهذِهِ الأوقاتُ الثَّلاثةُ كما أنَّها سببٌ لقطْعِ المسافاتِ القريبةِ والبَعيدَةِ في الأسْفارِ الحسِّيَّةِ بيُسْرٍ وسُهولَةٍ ولُطْفٍ، فهِيَ كذلِكَ سببٌ وطريقٌ لقطعِ السَّفَرِ الأُخْرَوِيِّ، وسُلوكِ الصِّراطِ المسْتَقيمِ، والسَّيرِ إلى الله سَيْرًا جميلًا.

فدلَّ هذا الحدِيثُ العَظيمُ علَى عدَّةِ أمورٍ مُهِمَّةٍ:

الأُولَى: التَّيْسيرُ الشَّاملُ للشَّريعةِ على وجْهِ العُمومِ.

الثَّانية: أنَّ المَشَقَّةَ تجلبُ التَّيْسير.

الثَّالثة: تنشيطُ أهلِ الأعْمالِ، وتبْشِيرُهمْ بالخيرِ والثَّوابِ.

الرَّابِعة: الوَصيَّةُ الجامعةُ في كيفيَّةِ السَّيرِ والسُّلُوكِ إلى الله تعالى.

1- أنَّ دينَ الإسلامِ مبْناهُ علَى اليُسْرِ ونفْيِ الحَرَجِ، ونفْيِ العُسْرِ، وهَذا أصلٌ في دِينِ الله ، وقَدْ دلَّتْ عليْهِ نُصوصٌ كَثيرةٌ منْ كتابِ الله وسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ: قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وقال النَّبيُّ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

2- أنَّ بُرْهانَ هذا الحديثِ في سِيرَةِ النَّبيِّ ﷺ، فما خُيِّرَ بيْنَ أمرَيْنِ إلَّا اخْتارَ أيْسرَهُما ما لَمْ يكُنْ إِثْمًا، وكانَ الأمرُ بالتَّيْسِيرِ وَصيَّتَهُ إِلى رُسُلِه الذينَ بعثَهُم بتَبْلِيغِ الدِّين.

3- أنَّ يُسْرَ الشَّريعةِ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فيه، ولكنَّهُ ليْسَ دليلًا على التَّفَلُّتِ منْ تكالِيفِها، والتَّلاعُبِ بأحْكامِها، وإنَّما هوَ التِزامٌ بأحْكامِها بطَريقٍ وسَطٍ بينَ الغُلُوِّ والتَّفريطِ، فمَنْ تمسَّكَ بها فإنَّهُ على نَهْجِ الاعْتِدالِ واليُسْرِ والسَّماحة.

4- أنَّ الحَرَجَ والمشقَّةَ منفيَّانِ عنِ الشَّرعِ، فليْسَ في أحكامِ هذا الدِّينِ حُكْمٌ لا يُطاقُ فعْلُهُ، ولا يُستَطاعُ امْتِثالُهُ.

والمشقَّةُ نوْعانِ:

مشقَّةٌ مُعتادَةٌ، تكونُ وَصْفًا لازِمًا لأيِّ نوْعٍ منَ التَّكاليفِ الشَّرْعيَّةِ، وغَيْرِ الشَّرْعيَّةِ، فهذِهِ المشَقَّةُ غيْرُ مؤثِّرةٍ في الحُكْمِ، وامتِثالُ الأمْرِ مُمكِنٌ مَعَها.

مشقَّةٌ غير معتادة: تعُودُ بالضَّرِر علَى العامِلِ في نَفْسِهِ، أوْ وَلَدِهِ، أو مالِهِ، فهذِهِ مَشقَّةٌ منْفِيَّةٌ عنْ دِينِ الإسْلامِ، وتجلبُ تيسيرًا في الحكمِ بحسَبهِ.

أنواعُ المشقَّة

1- مَشقَّةٌ مُعتادَة

2- مَشقَّةٌ غير معتادة

5- الغُلُوُّ هوَ الخُروجُ عنْ حدِّ الاعْتِدالِ، والغالِي في الدِّين لا تثْبُتُ قدَمُهُ علَى سبيلِ الطَّاعَةِ ثُبُوتًا دائمًا، فأَحبُّ العملِ إلى الله ما داومَ عليْهِ صاحبُهُ، فعَنْ عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا أَيُّها النَّاسُ عَلَيْكُمْ منَ الأَعْمالِ ما تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمالِ إلى الله ما دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ». قالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: وَكانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ. مُتَّفَقٌ عليْهِ.

6- وجُوبُ التَّوَسُّطِ في الاسْتِقامَةِ على طاعةِ الله ؛ لأنَّه لا سبيلَ إلى الثَّباتِ على الاستِقامَةِ إلَّا بسلوكِ المنْهَجِ الوَسَطِ، الَّذي لا غُلُوَّ فيهِ ولا جَفاء، وهوَ ما تَأْلَفُهُ النُّفوسُ، وتسْتَطيعُهُ الأبْدانُ.

7- أنَّ الإنسانَ في سَيْرِهِ إلى الدَّارِ الآخرَةِ، كالمُسافِرِ الَّذي يقْطَعُ المراحِلَ في سَفَرِه، ولمَّا كانَ سيْرُ النَّهارِ كُلِّه واللَّيلِ كُلِّهِ غَيْرَ مُمكنٍ، نبَّهَ النَّبيُّ ﷺ إلى الأَوْقاتِ الفاضِلَةِ، الَّتي يجدُ السَّائِرُ فيها عَوْنًا منْ نفْسِهِ على سَيْرِهِ، ويَعْظُمُ فيها ثوابُهُ.

نشاط

1- بيِّنْ مظاهِرَ التَّيسِيرِ في الشَّريعَةِ الإسلاميَّةِ، وما ضَوابِطُهُ؟ اسْتَعِنْ بقِراءاتٍ خارجيَّة.

2- يرى البَعْضُ أنَّ التَّمسُّكَ بالشَّريعةِ الإسلاميَّةِ منَ التَّنطُّعِ في الدِّينِ، وَجِّهْ هؤلاءِ على ضَوْءِ دراسَتِكَ.

3- يُعدُّ هذا الحديثُ منْ قواعدِ التَّيسيرِ في الإسلامِ. اشْرَحْ ذلِكَ، معَ بيانِ عَلاقتِهِ بقاعدَةِ «المَشقَّةُ تجلبُ التَّيسِيرَ».

الحديث الثالث

الحديث الثالث: «البّر حُسُن الخلق...»

عَنِ النَوَّاسِ بْنِ سَمْعانَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». رَواهُ مُسلِم.

راوي الحديث

النَّوَّاسُ بنُ سَمْعانَ الكِلابِيُّ، صَحِبَ النَّبيَّ ﷺ، وكانَ حريصًا على طَلَبِ العلمِ، وقدْ قال: «أقمْتُ معَ رسولِ الله ﷺ بالمدينةِ سنةً ما يمنعُنِي منَ الهِجْرَةِ إِلَّا المَسْأَلَةُ» سكَنَ الشَّامَ وماتَ بها سنَةَ 50 هـ رضي الله عنه.

شرح المفردات

«البِرُّ»: اسمٌ جامعٌ لأنواعِ الطَّاعاتِ والأَعْمالِ المُقرِّبات.

«حُسْنُ الخُلُق» أي: حُسْنُ الخُلُقِ، سَواء مَعَ الله ، أمْ معَ عبادِ الله .

«ما حاكَ في نَفْسِكَ» أي: تَرَدَّد، وصِرْتَ منْهُ في قَلَق.

«وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»؛ لأنَّهُ محلُّ ذمٍّ وعيبٍ، فتجدُكَ مُتَردِّدًا فيه، وتكْرَهُ أنْ يطَّلِعَ النَّاسُ علَيْك.

وهذِهِ الجملةُ إنَّما هيَ لمَنْ كانَ قلبُهُ صافيًا سليمًا، فهذا هو الَّذي يَحِيكُ في نفْسِهِ ما كانَ إثمًا، ويكْرَهُ أنْ يطَّلعَ عليْهِ النَّاسُ، أمَّا المتمرِّدونَ الخارجونَ عنْ طاعةِ الله ، الَّذينَ قسَتْ قُلوبُهم، فهؤلاءِ لا يُبالُونَ، بلْ رُبَّما يتبَجَّحونَ بفعلِ المُنْكرِ والإِثْمِ.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديثِ يُخبِرُنا النَّبيُّ ﷺ أنَّ البِرَّ في حُسْنِ الخُلُق، وأنَّ خيْرَ النَّاسِ أحسَنُهُمْ أخلاقًا؛ لما في حُسْنِ الخُلقِ منَ المصالِحِ العامَّةِ لكُلِّ فردٍ ومُجتَمَعٍ، وصغيرٍ وكبيرٍ، وذَكَرٍ وأُنْثَى.

وأنَّ البِرَّ ما سَكَنَ إليه القَلْبُ، وأنَّ الإِثْمَ لَهُ علامتانِ:

الأُولَى: ما حاكَ في صدْرِكَ، وتردَّدَ في نفْسِكَ، ولم يطمئِنَّ قلبُكَ إلى حِلِّه، والإِقْدامِ على فعلِهِ.

الثَّانيةُ: أنْ تكْرَهَ أنْ يظْهَرَ ويسْتَبِينَ عملُكَ لهذا الإثمِ؛ خَشْيَةَ أنْ تُذَمَّ وتُلامَ على فعْلِهِ.

1- أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُعْطِيَ جوامِعَ الكَلِمِ، يتكلَّمُ بالكلامِ اليَسِيرِ، الَّذي يحْمِلُ معانيَ كثيرةً؛ فقولُه ﷺ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ» كلمةٌ جامعةٌ مانعَةٌ.

2- الحثُّ على حُسْنِ الخُلُقِ، وأنَّكَ متَى حسَّنْتَ خُلُقَكَ فإنَّك في بِرٍّ، وحُسْنُ الخُلُقِ له صُورٌ، منها:

الكَلِمةُ الطَّيِّبةُ تُدخِلُ بها السُّرورَ على أخيكَ المسلِم.

مُراعاةُ خواطِرِ النَّاس، فلا تجْرَحْ بقولٍ أوْ فعْلٍ.

كَظْمُ الغَيْظ، وعدَمُ إنفاذِ العُقوبةِ عنْدَ القُدْرةِ.

العَفْوُ عنْدَ المقدِرَةِ.

كَفُّ الأذى عنِ النَّاس.

أَبُنَيَّ إِنَّ البِرَّ شَيْءٌ هَيِّنُ وَجْهٌ طَلِيقٌ وَلِسانٌ لَيِّنُ

قالَ شيْخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «وجِماعُ الخُلُقِ الحسَنِ معَ النَّاسِ أنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ بالسَّلامِ، والإِكْرامِ، والدُّعاءِ لَهُ، والاسْتِغْفارِ، والثَّناءِ عليْهِ، والزِّيارةِ لَهُ، وتُعْطِيَ مَنْ حرَمَكَ منَ التَّعليمِ والمنفعَةِ والمالِ، وتَعْفُوَ عمَّنْ ظلَمَكَ في دمٍ، أوْ مالٍ، أو عِرْضٍ، وبعْضُ هذا واجبٌ، وبعْضُهُ مُسْتَحَبٌّ».

3- أنَّ المؤمنَ الَّذي قَلبُهُ صافٍ سَلِيمٌ يحيكُ في نفْسِهِ الإثمُ، وإنْ لم يعْلَمْ أنَّهُ إثْمٌ، لكنْ لسلامةِ صدْرِهِ يتردَّدُ في نفْسِهِ.

الصُّوفيَّةُ وأشباهُهُمْ استدلُّوا بهذا الحَدِيثِ على أنَّ الذَّوْقَ دليلٌ شَرْعيٌّ يُرجَعُ إليه، وهذا لا يُمْكِنُ؛ لأنَّ الله تعالى أنْكَرَ على مَنْ شَرَعوا دينًا لم يأْذَنْ بهِ الله ، ولا يُمْكنُ أنْ يكونَ ما أنْكَرَهُ الله حقًّا أبدًا.

ثُمِّ إنَّ الخطابَ هنا لرجُلٍ صَحابيٍّ حريصٍ على تطبيقِ الشَّريعةِ، فمثلُ هذا يؤيِّدُهُ الله عز وجل ويهدي قلْبَهُ، حتَّى لا يطْمَئِنَّ إلَّا إلى أمْرٍ محبوبٍ عنْدَ الله ِ عز وجل.

4- أنَّ الرَّجُلَ المؤمنَ يكْرَهُ أنْ يطَّلعَ النَّاسُ على آثامِهِ، أمَّا الرَّجلُ الفاجِرُ المتمرِّدُ فلا يكْرَهُ أنْ يطَّلعَ النَّاسُ على آثامِهِ، بلْ منَ النَّاسِ مَنْ يفتخِرُ ويفاخِرُ بالمعصيةِ، كما يوجَدُ في الفَسَقَةِ الَّذينَ يذهبونَ إلى بِلادٍ كُلُّها فجُورٌ وخُمورٌ، ثُمَّ يأتي مُفتخِرًا ويتبَجَّحُ بما وصفَهُ الله تعالى بأنَّهُ فاحشةٌ.

5- أنَّ المدارَ في الشَّريعةِ على الأدلَّةِ، لا على ما اشْتَهَرَ بيْنَ النَّاسِ؛ لأنَّ النَّاسَ قد يشْتَهِرُ عنْدَهُم شيءٌ ويُفتونَ بِهِ وليْسَ بحقٍّ، فالمدارُ على الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ.

نشاط

1- تكلَّمْ عنْ خُطُورةِ المُفْتِينَ الضَّالِّينَ في ضَوْءِ هذا الحديث.

2- وجَّهَ النَّبيُّ ﷺ إلى الرُّجوعِ إلى القَلْبِ في الفَتْوى، اشْرَحْ هذا التَّوْجِيهَ.

3- اكتُبْ كلمةً موجَزَةً في فَضِيلةِ حُسنِ الخُلُقِ.

الحديث الرابع

الحديث الرابع: «إن الله عز وجل فرض فرائض...»

عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله عزوجل فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها، وَحَّدَ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وَسَكَتَ عَنْ أَشْياءَ رَحْمَةً لَكُمْ منْ غَيْرِ نِسْيانٍ، فَلا تَبْحَثُوا عَنْها». رَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وحسَّنَهُ النَّوَوِيُّ.

راوي الحديث

أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، منسوبٌ إلى خُشَيْن، وهُوَ بَطْنٌ منْ قُضاعَةَ، مشهُورٌ بكُنْيَتِهِ، واختُلِفَ في اسْمِهِ واسْمِ أبيهِ، كانَ ممَّنْ بايعَ تحتَ الشَّجَرةِ، وأرسلَهُ رسولُ الله ﷺ إِلى قَوْمِهِ فأسلَمُوا، وكانَ منْ عُبَّادِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، نزلَ الشَّامَ وماتَ بها سنةَ 75هـ.

شرح المفردات

«فَرَضَ» أي: أوْجَبَ أشياءَ، وجعَلَ فرْضَها حتْمًا لازِمًا.

«فَرائِض» مثلُ: الصَّلواتِ الخَمْسِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحَجِّ، وبرِّ الوالدَيْنِ، وصلةِ الأرحام.

«فَلا تُضَيِّعُوها» أي: لا تُهملُوها فتضيعَ، بلْ حافظوا عليها.

«فَلا تَنتَهِكوها» أي: فلا تَتَجَرَّؤُوا عليْها وتفْعَلُوها، مثلُ: الزِّنا، وشُرْبِ الخمرِ، والقَذْفِ، والسَّرِقةِ.

«وَحَدَّ حُدودًا فَلا تَعتَدُوها» الحدُّ في اللُّغةِ: المَنْعُ، ومنْهُ الحدُّ بيْنَ الأراضِي؛ لِمَنْعِهِ منْ دخولِ أحدِ الجارَيْنِ على الآخَرِ.

وفي الاصطلاح: المرادُ بالحدودِ الواجِباتُ والمُحَرَّماتُ، فالواجِباتُ حُدودٌ لا تُتَعَدَّى، والمُحرَّماتُ حدُودٌ لا يُقْتَرَبُ منْها، كالمواريثِ الَّتي بيَّنها الله عز وجل في كتابِهِ، فَلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يتعَدَّاها، أوْ أنْ يأتيَ بقِسْمةٍ تخالِفُها.

«وَسَكَتَ عَنْ أَشْياءَ» المسكوتُ عنْهُ، هو ما لمْ يُذْكرْ حُكْمُهُ بتحْليلٍ ولا إِيجابٍ ولا تحْرِيمٍ، فيكونُ مَعْفُوًّا عنْهُ، لا حرَجَ على فاعِلِهِ.

«منْ غَيْرِ نسيان» أي: أنَّه عز وجل لم يتْرُكْها ناسيًا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، ولكنْ رحمةً بالخَلْقِ؛ حتَّى لا يُضَيِّقَ عليْهِم.

«فَلا تَبحَثوا عَنها» البحثُ: مأخوذٌ منْ بَحْثِ الطَّائِرِ في الأرْضِ وتنقيبه فيها، أي: لا تسألوا ولا تُنَقِّبُوا عنْها، بلْ دَعُوها.

الشرح الإجمالي للحديث

يُرشدُنا هذا الحَدِيثُ إلى أُمُورٍ أربعةٍ:

الأوَّل: أنَّ الله عز وجل فرَضَ علينا فرائِضَ، وألْزَمَنا بالقيامِ بها والمحافظَةِ عليْها، فلا نخالِفُ أوامِرَ الله فنتْرُكَها، أوْ نتهاوَنَ بِها فنُدْخِلَ عليها النَّقْصَ والخَلَلَ، فَلا نؤدِّيَها كامِلَةً.

الثَّاني: أنَّ الله تعالى حَرَّمَ عليْنا أشياءَ، فلا يجوزُ لنا تناولُها ولا القُرْبُ منْها.

الثَّالث: أنَّ الله سبُحانَهُ حدَّ حُدودًا، وأمرَنا ألَّا نتجاوَزَها ونتعدَّاها إلى ما لا يجوزُ لنا ارتكابُهُ.

الرَّابع: أنَّهُ سبحانَهُ سكَتَ عنْ أشياءَ، فلَمْ يذْكُرْ لها حُكمًا في حِلٍّ ولا حُرْمَةٍ، ليْسَ نسيانًا لبيانِ أحكامِها، فالله سُبحانَهُ لا يضلُّ ولا يَنْسَى، ولهذا نُهي الصحابةرضي الله عنهم عن البحث عن هذا النوع من الأسئلة، قال ﷺ: «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ على النَّاسِ منْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ». مُتَّفقٌ عليه.

قالَ ابْنُ رَجْبٍ: «فَحَدِيثُ أَبي ثَعْلَبَةَ قَسَّمَ فيهِ أَحْكامَ الله أَرْبَعَةَ أَقْسامٍ: فَرائِضُ، وَمَحارِمُ، وَحُدُودٌ، وَمَسْكُوتٌ عَنْهُ. وَذَلِكَ يَجْمَعُ أَحْكامَ الدِّينِ كُلَّها».

فوائد الحديث

1- إثْباتُ أنَّ الأَمْرَ ﷲِ عز وجل وحدَهُ، فهُوَ الَّذي يفْرِضُ، وهوَ الَّذي يوجِبُ، وهُوَ الَّذي يُحرِّمُ، فالأَمْرُ بيدِهِ، لا أحدَ يستطِيعُ أنْ يُوجِبَ ما لم يوجِبْهُ الله ، أو يحرِّمَ ما لم يحرِّمْه الله .

2- أنَّ الله عزوجل حدَّ حدُودًا، بمعنى أنَّهُ جعَلَ الواجِبَ بيِّنًا والحرامَ بيِّنًا، كالحدِّ الفاصِلِ بيْنَ أراضي النَّاس.

3- أنَّهُ لا يجوزُ تَجاوزُ الحدِّ في العُقوباتِ، فالزَّاني مثلًا إذا زنا وكانَ بِكْرًا، فإنَّه يُجلدُ مائةَ جلدةٍ ويُغرَّبُ عامًا، ولا تجوزُ الزِّيادَةُ على ذلِكَ.

4- أنَّ ما سَكَتَ الله عنْهُ فلَمْ يفْرِضْهُ، ولم يَحُدَّهَ، ولم ينْهَ عنْهُ فهوَ الحلال، لكنْ هذا في غيرِ العبادات، فالعباداتُ قدْ حرَّمَ الله عز وجل أنْ يُشَرِّعَ أحدُ النَّاسِ عبادةً لم يأْذَنْ بَها، فتدخل في قولِهِ: «حَرَّمَ أَشياءَ فَلا تَنتَهِكُوها».

مَنِ ابْتَدَعَ في دينِ الله ما ليْسَ منْهُ، في عقيدةٍ أو قولٍ أو عملٍ، فقدِ انْتَهَكَ حُرُماتِ الله ، ولا يُقالُ: هذا ممَّا سَكَتَ الله عز وجل عنْهُ؛ لأنَّ الأصْلَ في العباداتِ المنْعُ، حتَّى يقومَ دليلٌ عليها، وغيرُ ذلِكَ الأصلُ فيهِ الإباحَةُ.

أنَّه لا ينْبَغِي البحثُ عمَّا سكَتَ الله تعالَى عنْهُ ورسولُهُ ﷺ.

مثلُ: السُّؤالِ عنِ الحجِّ أفي كلِّ عامٍ؟ والَّذي أنْكَرَهُ الرَّسولُ ﷺ على السَّائِلِ، ثُمَّ قال: «ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ على أَنْبِيائِهِمْ، فَإِذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا منْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». أخرجَهُ مسلم.

وكالسُّؤالِ عنْ تحريمِ شيْءٍ لم يُحرَّمْ، فيُحرَّمُ بسببِ السُّؤالِ.

5- إثباتُ رحمةِ الله عز وجل في شَرْعِهِ، لقولِهِ: «رَحمَةً بِكُم»، وكلُّ الشَّرعِ رحمةٌ لأنَّ جَزاءَهُ أكثرُ بكثيرٍ منَ العمل، فالحسَنَةُ بعشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِمائةِ ضِعْفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ، ومعَ ذلِكَ فالله عز وجل خفَّفَ عنِ العبادِ، وسَكَتَ عنْ أشياءَ كثيرةٍ لم يمْنَعْهُمْ منها ولَمْ يلزِمْهُمْ بها.

6- انتِفاءُ النِّسيانِ الله عزوجل، وقدْ جاءَ ذلِكَ في القُرآنِ الكريمِ، فقالَ الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، وقال تعالى علَى لسانِ موسى عليه السلام : ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52].

مسأَلَـةٌ:

ما الجَوابُ عنْ قولِ اللهِ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، فقَدْ أثْبَتَ اللهُ تعالى لنفْسِهِ النِّسْيانَ؟

فالجواب: أنَّ المرادَ بالنِّسيانِ هنا نسيانُ التَّركِ والإِعْراضِ، يعني: تَرَكُوا الله وأعْرَضوا عنْهُ، فأعْرَضَ عنْهُمْ.

أمَّا النِّسْيانُ الَّذي هُوَ الذُّهولُ عنْ شيْءٍ معلومٍ، فهذا لا يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ الله عز وجل بِهِ، بلْ يُوصَفُ بهِ الإنسان.

7- حُسْنُ بيانِ النَّبيِّ ﷺ حيثُ ساقَ الحديثَ بهذا التَّقسِيمِ الواضحِ البَيِّن.

نشاط

1- في هذا الحدِيثِ اسْتَعْملَ النَّبيُّ ﷺ طريقةً في العَرْضِ، وهيَ التَّقسيم، هاتِ أمثلَةً منَ السُّنَّة لهذِهِ الطَّريقَةِ. اسْتَعِنْ بمصادِرَ خارجيَّة.

2- اكتُبْ ضابطًا فيما يُحمَدُ السُّؤالُ فيهِ وما يُذمُّ في الشَّرع.

3- إذا أضافَ الله تعالى لنَفْسِهِ النِّسيانَ، فما معناهُ؟

الحديث الخامس

الحديث الخامس: «إنّ الله كتب الإحسان...»

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله كَتَبَ الإِحْسانَ على كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَواهُ مُسْلِم.

راوي الحديث

شَدَّادُ بنُ أَوْسِ بنِ ثابِتٍ الخَزْرَجِيُّ الأَنْصاريُّ، صحابيٌّ منَ الأُمَراءِ، ولَّاُه عُمرُ بنُ الخطَّابِ على حِمْصَ، ولمَّا قُتِلَ عثمانُ بنُ عفَّانَ رضي الله عنه اعْتزَلَ الوِلايَةَ، وعَكَفَ على العِبادةِ، كانَ فصِيحًا حَلِيمًا حَكِيمًا، قال عنْهُ أبُو الدَّرْداءِ رضي الله عنه وأرضاه : «لكُلِّ أمَّةٍ فقِيهٌ، وفقيهُ هذِه الأُمَّةِ شدَّادُ ابنُ أَوْسٍ»، تُوفِّي في القُدْسِ سنَةَ 58هـ.

شرح المفردات

«إِنَّ الله كَتَبَ الإِحْسانَ»: كَتَبَ بمعنى: أَوْجَبَ.

والإحسانُ لُغةً: بذلُ المنْفَعةِ والخير.

واصطلاحًا: يُطلَقُ على أمرين:

1- إيصالُ النَّفعِ إلى الآخَرِين.

2- إتْمامُ العبادةِ وإتْقانُها.

إِطلاقاتُ الإحْسان:

إيصالُ النَّفع للآخَرِين

إتمامُ العبادَةِ وإتقانُها

وقوله: «عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» أي: إلى كُلِّ شيْءٍ.

«القِتْلَةَ» بكسْرِ القاف، وهيَ هيْئَةُ وحالةُ القَتْل، وبفتْحِ القافِ هيَ المرَّة من القَتْل. وإِحْسانُ القَتْلِ في البهائِمِ: اختيارُ أسْهَلِ الطُّرُقِ، وأقلِّها أَلَمًا بما يتوافق مع توجيه النبي ﷺ.

«وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ» أي: يَسنُّ سِكِّينَه.

«وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» بإِحْدادِ السِّكِّينِ، وتَعْجيلِ إمْرارِها، وغيرِ ذلِكَ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ منَ الأْحاديثِ الجامِعَةِ لقواعِدِ الإسلام، وهوَ شاملٌ لسائِرِ أبْوابِ الدِّينِ وفرُوعِهِ، وهوَ يُرشدُ إلى أهمِّيَّةِ الإحسانِ؛ الإحسانُ في عبادَةِ الخالِقِ بأَنْ يَعْبُدَ العبدُ الله تعالى كأنَّهُ يراهُ، فإن لم يكُنْ يراهُ فإنَّ الله يراهُ، والإحْسانُ إلى جميعِ الخَلْقِ، وإلى كلِّ شيْءٍ، حتَّى الحَيَوانات.

فوائد الحديث

1- رأْفَةُ الله عز وجل بالعبادِ، وأنَّهُ كتبَ الإحسانَ في كُلِّ شيْءٍ، وإلى كُلِّ شيْءٍ، وما ذَكَرَهُ النَّبيُّ ﷺ منَ القَتْلِ والذَّبحِ مُجرَّدُ أمثلةٍ.

2- وجُوبُ إِحْسانِ القِتْلةِ؛ لأنَّ هذا وَصْفٌ للهَيْئَةِ لا للْفِعْل، وإحسانُ القِتلةِ على القولِ الرَّاجِحِ: هوَ اتِّباعُ الشَّرعِ فيها، سواءٌ كانَتْ أصْعَبَ أوْ أَسْهَلَ، ولا يرِدُ علينا إقامَةُ الحُدُودِ، كحَدِّ الزِّنا أوِ السَّرقةِ أو القصاصِ، فهيَ -وإنْ بَدَتْ قاسيةً- لكنَّها منْ إحسانِ الشَّرعِ للمُجتَمَعِ ككُلٍّ.

3- إرشادُ الشَّرعِ للذَّبْحِ بالآلَةِ الحادَّة؛ لترْتاحَ الذَّبيحَةُ وتُزْهَقَ نَفْسُها بسُرعةٍ، قال الإمامُ أحمدُ: «تقادُ إلى الذَّبْحِ قوْدًا رفيقًا، وتُوارَى السِّكينُ عنْها، ولا تظْهَرُ السِّكينُ إلَّا عنْدَ الذَّبْح، أمرَ رَسولُ الله ﷺ بذلِكَ أنْ تُوارَى الشِّفارُ».

4- كِتابَةُ الله تعالى نَوْعانِ:

كِتابةٌ كونيَّةٌ: وهيَ ما يقَعُ قَدَرًا لا محالةَ. قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21].

كِتابَةٌ شرعيَّةٌ: وهيَ ما أمَرَ الله بهِ وشَرَعَهُ لعبادِهِ. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183].

صُورُ الإحسان:

للوالدَيْنِ: ببرِّهما بالمعْرُوفِ، وطاعَتِهما في غيْرِ معصيةِ الله ، والدُّعاءِ والاستغفارِ لهما، وإِنْفاذِ عهْدِهما، وإكْرامِ صديقِهما.

للأقاربِ: ببرِّهِمْ ورَحْمتِهم وصِلَتِهم والعَطْفِ عليْهِم، وترْكِ ما يُسِيءُ إليْهِم.

لليَتامَى: بالمحافَظِةِ على أموالهم، وصيانَةِ حقوقِهِم، والمسْحِ على رُؤُوسِهِمْ.

للمَساكِينِ: بسَدِّ جوعِهِم، وستْرِ عَوْرَتِهم، وعدمِ احتقارِهِم وازدِرائِهم.

لابْنِ السَّبيلِ: بقضاءِ حاجَتِهِ، وسَدِّ خَلَّتِهِ، وبإرشادِهِ إنِ اسْترشَدَ، وهدايتِهِ إنْ ضلَّ.

للخادِمِ: بإيتائِهِ أجرَهُ قبْلَ أنْ يجِفَّ عَرَقُهُ، وبعدَمِ إلزامِهِ ما لا يلْزَمُهُ، أو تكليفِهِ بما لا يُطيق.

لعُمومِ النَّاسِ: بالتَّلطُّفِ في القولِ لهم، ومجامَلَتِهِم في المعاملَةِ، وبإرْشادِ ضالِّهم، وتعلِيمِ جاهلِهِم.

للحَيَوانِ: بإطعامِهِ إنْ جاعَ، ومُداواتِهِ إنْ مَرِضَ، وبعدَمِ تكليفِهِ ما لا يُطيقُ، وبالرِّفْقِ بهِ إنْ عَمِل.

في الأعمالِ البدنيَّة: بإِجادَةِ العَمَلِ، وإتْقانِ الصَّنْعةِ، وبتَخْليصِ سائرِ الأعمالِ منَ الغشِّ، وهكذا.

الحديث الخامس: «إنّ الله كتب الإحسان...»

المقطع للاطلاع فقط

أعْظَمُ الإحسانِ الإحْسانُ في عبادَةِ الله ، وهوَ أنْ تعْبُدَ اللَه كأنَّكَ تراهُ فإن لم تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ.

نشاط

1- «الإحسانُ» منْ أعظمِ ما أمرَ بهِ الإسلامُ. في سياقِ هذا المعْنَى أَجِبْ مَنْ يُلْحقُ الإرْهابَ بالإسْلامِ.

2- اكتُبْ خطواتٍ عمليَّةً من اقتراحِكَ ليصِلَ بها العَبْدُ إلى مرتبَةِ الإحسان.

3- اكتُبْ بحثًا مُختصَرًا في أنواعِ كتابةِ الله تعالى، مُبيِّنًا صُورَها في القُرآنِ والسُّنَّةِ.

الحديث السادس

الحديث السادس: «من رأى منكم منكرًا...»

عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى منْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

راوي الحديث

أبو سعيد الخدري، سعْدُ بنُ مالكِ بنِ سِنانٍ الأَنْصارِيُّ، من صِغارِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم وخيارِهِم، كانَ منَ المُكثرِينَ للرِّوايةِ عنِ النَّبيِّ ﷺ، فَقِيهًا مُجْتهدًا مُفْتيًا، شَهِدَ معَ النَّبيِّ ﷺ الخَنْدَقَ وما بعْدَها.

شرح المفردات

«مُنْكَرًا» المرادُ أنْ يكونَ مُنْكَرًا واضحًا يتَّفقُ عليهِ الجميع، أمَّا إذا كانَ منْ مسائِلِ الاجتهادِ فإنَّهُ لا يُنكِرُهُ.

وكلُّ ما نَهَى الله تعالَى عنْهُ فهُوَ مُنْكَرٌ.

«فَبِلِسانِهِ» أي: فلْيُنْكِرْهُ بلسانِهِ، ويكونُ ذلِكَ بالتَّوبيخِ والزَّجْرِ وما أشبَهَ ذلِكَ، ولكِنْ لا بُدَّ من استعمالِ الحكْمَةِ.

«فَإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» أي: فلْيُنْكِرْ بقلبِهِ، أي: يكرَهُهُ ويبغِضُهُ ويتمنَّى أنْ لم يكُنْ.

خَطَرُ ترْكِ الأمْرِ بالمعرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ:

عنْ قَيْسِ بنِ أبي حازِمٍ، قال: قامَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قال: «يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﭰ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، وَإِنَّا سَمِعْنا رسولَ الله ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذا رَأَوُا المُنْكَرَ لا يُغَيِّرُونَهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقابِهِ» أخرجَهُ أبو داوُدَ وابنُ ماجَه واللَّفظُ له، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

وعنْ حُذيفَةَ بنِ اليَمانِ رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابًا منْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ». أخرجَهُ التِّرمذيُّ وحسَّنَهُ.

الشرح الإجمالي للحديث

ترتَبِطُ خيريَّةُ هذهِ الأُمَّةِ ارتباطًا وثيقًا بدعْوَتِها للحقِّ، وحمايَتِها للدِّينِ، ومحاربَتِها للباطِلِ؛ ذَلِكَ أنَّ قيامَها بهذا الواجِبِ يُحقِّقُ لها التَّمْكِينَ في الأرض، ورَفْعَ رايةِ التَّوحيدِ، وتَحْكِيمَ شَرْعِ الله وَدِينه، وهذا هُوَ ما يُميِّزُها عنْ غيرِها من الأُمَمِ، ويجعلُ لها منَ المكانةِ ما ليْسَ لغيْرِها؛ ولذلِكَ امتَدَحَها الله تعالى في كتابِهِ العزيزِ حينَ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

ولقَدْ بيَّنَ الحَدِيثُ أنَّ إنكارَ المُنْكَرِ على مراتِبَ ثَلاثٍ: التَّغْيِير باليَدِ، والتَّغْيير باللَّسانِ، والتَّغْيير بالقَلْب.

وهذِهِ المراتبُ مُتعلِّقةٌ بطبيعةِ هذا المنكرِ ونوعِهِ، وطبيعةِ القائِمِ بالإنْكارِ وشخْصِهِ، فمنَ المُنكَراتِ ما يُمكِنُ تغييرُهُ مُباشرَةً باليدِ، ومنَ المنكراتِ ما يعْجِزُ المرْءُ عنْ تغييرِهِ بيدِهِ دُونَ لسانِهِ، وثالثَةٌ لا يُمْكنُ تغْييرُها إلَّا بالقْلَبِ فحَسْبُ.

فوائد الحديث

1- أنَّ النَّبيَّ ﷺ وَجَّه جميعَ الأُمَّةِ إذا رأَتْ مُنْكرًا أنْ تغيِّرَهُ، وهذا على مراتِبَ كما جاءَ في الحدِيثِ.

شُرُوطُ تغْيِيرِ المُنْكَرِ:

أنْ يكُونَ الإنسانُ عالِمًا بالمعرُوفِ والمُنْكَر.

أنْ تُوقِنَ أنَّ هذا الرَّجُلَ فاعِلٌ للمُنْكَر، ولا تأخذِ النَّاسَ بالتُّهْمَةِ أو بالظَّنِّ.

ألَّا يُزالَ المُنكَرُ بما هو أعظمُ منْهُ.

أنْ يكونَ النَّاهي عنِ المنكرِ قاصدًا إصْلاحَ الخَلْقِ وإقامَةَ شرْعِ الله ، لا الانْتِقامَ من العاصِي، أو الانْتِصارَ لنفْسِهِ.

أنْ يكونَ المُنكرُ ظاهِرًا بغيرِ تجسُّسٍ، فمَنْ ستَرَ معاصيَهُ في دارِهِ، وأغلَقَ عليْهِ بابَهُ، فإنَّهُ لا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يتجسَّسَ عليْهِ، ما لم يُظهِرْ شيئًا منْ ذلِكَ.

2- أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يكونَ المُنْكَرُ مُنكرًا بالاتِّفاقِ، فإنْ كانَ منَ الأُمُورِ الخلافيَّةِ، فإنَّهُ لا يُنكِرُ على منْ يَرَى أنَّهُ ليْسَ بمُنْكَرٍ، إلَّا إذا كانَ الخلافُ ضعيفًا لا قيمةَ لَهُ، فإنَّهُ يُنْكَرُ على الفاعِل.

3- تكْمُنُ خطورةُ التَّفريطِ في الأَمْرِ بالمعرُوفِ والنَّهيِ عنِ المنكَرِ في أنْ يَأْلَفَ النَّاسُ المنكرَ، ويَزُولَ عنْ قلُوبِهِمْ بُغضُهُ، ثمَّ ينتَشِرَ ويسْرِيَ فيهم، ويضِيعَ المجتمَعُ المسلِمُ، وينْهَدِمَ صرْحُهُ.

4- المتأَمِّلُ في أحوالِ الأُمَمِ الغابِرَةِ، يجدُ أنَّ بقاءَها كانَ مَرْهونًا بأداءِ هذِهِ الأمانَةِ، وهي التآمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78، 79].

5- أنَّ الإنسانَ إذا لمْ يستَطِعْ أنْ يُغيِّر باليدِ ولا باللِّسانِ فلْيُغيِّرْ بالقَلْبِ، وذلِكَ بكراهةِ المنْكَرِ، وعزيمَتِهِ علَى أنَّهُ متى قَدَرَ على إنكارِهِ بلسانِهِ أوْ يدِهِ فَعَل.

هلْ يكْفِي في الإنْكارِ بالقَلْبِ أنْ يجلِسَ الإنسانُ إلى أهلِ المُنْكرِ، ويقولَ: أنا كارِهٌ بقلْبِي؟

الجوابُ: لا؛ لأنَّهُ لوْ صَدَقَ في أنَّهُ كارِهٌ بقلبِهِ ما بقيَ معهُمْ، ولَفارَقهم.

نشاط

1- اكتُبْ عنْ أهمِّيَّةِ الأمْرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَرِ ودرجاتِهِ وضوابِطِهِ.

2- تحدَّثْ عنْ كيفيَّةِ تفعيلِ الأمْرِ بالمعرُوفِ والنَّهيِ عنِ المنكرِ في واقِعِنا المعاصِر.

3- من شرُوطِ إنكارِ المنكرِ أنْ يُعْلَنَ بِالمنْكَرِ، تكلَّمْ عنْ هذا الشَّرْطِ، مُسْتعِينًا بكتاباتٍ خارجيَّةٍ.

الحديث السابع

الحديث السابع: «إنّ الله قد تجاوز عن أمتي...»

عَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفارِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله قَدْ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، والنِّسْيانَ، وَما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». رَواهُ أحمدُ وابْنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

راوي الحديث

أبُو ذَرٍّ جُنْدُبُ بنُ جُنادَةَ الغِفارِيُّ، رابعُ منْ دخلَ في الإسْلامِ، وقيلَ: الخامِسُ، قَدِمَ على رسولِ الله ﷺ وهوَ بمكَّةَ فأسلَمَ، ثمَّ رجعَ إلى قومِهِ، تُوفِّي في الرَّبَذَةِ سنةَ 32 هـ.

شرح المفردات

«تَجاوَزَ» أي: عَفا ورَفَعَ.

«أُمَّتِي» أمَّةُ مُحمَّدٍ ﷺ أُمَّتانِ: أُمَّةُ دَعْوةٍ، وأُمَّةُ إجابَةٍ.

فأُمَّةُ الدَّعوةِ: هُمْ كلُّ إِنْسِيٍّ وجِنِّيٍّ منْ وقْتِ بعثَتِهِ  إلى قيامِ السَّاعةِ.

وأُمَّةُ الإجابةِ: هُم الَّذينَ وَفَّقَهُم الله للدُّخولِ في دِينِهِ الحنيفِ، وصارُوا منَ المسلمِين.

والمرادُ بالأُمَّةِ في هذا الحَدِيثِ أُمَّةُ الإجابَةِ.

«الخَطَأ» أنْ يرتكِبَ الإنسانُ العَمَلَ عنْ غيرِ عَمْدٍ.

«النِّسْيان» ذُهُولُ القَلْبِ عنْ شيءٍ معلومٍ منْ قَبْلُ.

«وَما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» الإِكْراهُ: إلجاءٌ واضطرارٌ على قولٍ أو فِعْلٍ.

وقَدْ جاءَتْ نُصوصُ القُرآنِ بعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بهذِهِ الثَّلاث:

قالَ الله عزوجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. قال الله : «قَدْ فَعَلْتُ». أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وقالَ تعالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].

وَقالَ تعالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحدِيثِ البُشْرى العظيمةُ لأُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ، حيثُ إنَّ الله عزوجل رَفَعَ إثْمَ الخطأِ والنِّسيانِ وما يُكْرَهُ عليْهِ العبْدُ، فلا يُؤاخِذُ الله بهذِهِ الأمورِ الثَّلاثَةِ، وهذا منْ لُطْفِ الله ورحمتِهِ بعبادِهِ، أنْ جعلَ الدِّينَ يُسْرًا، ليْسَ فيهِ عسْرٌ، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].

فوائد الحديث

1- سعَةُ رحمةِ الله عز وجل ولُطفِهِ بعبادِهِ؛ حيثُ رفَعَ عنْهُم الإثْمَ إذا صدَرَتْ منْهُم المعصيةُ على هذهِ الوجُوهِ الثَّلاثَةِ، ولَوْ شاءَ الله لعاقَبَ مَنْ خالفَ أمرَهُ على كلِّ حالٍ.

2- قولُه: «أُمَّتِي» يدلُّ على أنَّ ذلِكَ منْ خصائِصِ هذهِ الأُمَّةِ المحمَّديَّةِ، ففيهِ بيانُ شرفِ هذِهِ الأُمَّةِ على غيرِها، وقدْ كانتِ الأُمَمُ السَّابقةُ تُؤاخَذُ على أخطائِها، في حينِ أنَّ هذِهِ الأغلالَ قدْ رُفِعتْ عنْ هذِهِ الأُمَّة، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286].

3- هذا الحدِيثُ يدخُلُ في مختلفِ أبوابِ العِلْمِ، وأحْكامِ الشَّريعةِ، قال النَّووِيُّ: «وهذا الحَدِيثُ اشتمَلَ على فوائِدَ وأمورٍ مُهمَّةٍ، لَوْ جُمِعَتْ لبَلَغَتْ مُصنَّفًا». وصدَقَ رحمَهُ الله ؛ لأنَّنا إذا تأمَّلنا أفعالَ العبادِ فإنَّها لا تخلُو منْ حالَيْنِ:

أنْ تكونَ صادِرَةً عن قصْدٍ واختيارٍ منَ المُكلَّفِ، وهذا هوَ الفعلُ العمْدُ الَّذي يُؤاخَذُ به.

ألَّا يكونَ عملُهُ مبنيًّا على القصْدِ والاختيارِ، وهذا يشمَلُ الإكْراهَ والنِّسيانَ والخطَأَ، وهوَ ما جاءَ الحدِيثُ ببيانِهِ.

4- هُناكَ فرْقٌ بيْنَ الجهلِ بالحُكْمِ وبيْنَ الجهلِ بالعُقوبَةِ، فالجهْلُ بالعقوبةِ لا يُعذَرُ به الإنسانُ، والجهْلُ بالحُكْمِ يُعذَرُ بهِ الإنسانُ.

فلَوْ شرِبَ الإنسانُ مُسْكِرًا، يظنُّ أنَّهُ لا يُسْكِرُ، أو يظنُّ أنَّهُ ليْسَ بحرامٍ فإنَّهُ ليْسَ عليْهِ شيْءٌ، «فهذا جهْلٌ بالحُكْم».

ولَوْ عَلِمَ أنَّهُ مُسْكِرٌ وأنَّهُ حرامٌ، ولكِنْ لا يدْرِي أنَّهُ يُعاقَبُ عليْهِ، فعليْهِ العُقوبةُ، ولا تسْقُط، «فهذا جهْلٌ بالعُقوبة».

الفَرْقُ بيْنَ فعْلِ المحظُورِ وترْكِ الواجِبِ في العُذْرِ بالخطأِ والنِّسيانِ والجَهْلِ والإكراه:

فرَّق العلماء بيْنَ فعلِ المحظورِ وترْكِ الواجباتِ؛ فأما في حقوق الله فيُعذَرُ المُكلَّفُ في فعْلِ المحظُورِ بالخطأِ والنِّسيانِ والجهْلِ والإكْراهِ، فلا إثم عليه ولا يلزمه شيء، ولو ترك الواجبات بالنسيان والجهل والإكراه فإنه لا إثم عليه لكن يلزمه أن يأتي به.

أمثلةٌ:

تكلَّمَ أثناءَ الصَّلاةِ خطأً. يُعْذَر. (لأنه فعل محظورًا).

أكلَ وهُوَ صائِمٌ نِسيانًا. يُعْذَر. (لأنه فعل محظورًا).

وضعَ عِطرًا وهُو مُحرِمٌ جهلًا. يُعْذَر. (لأنه فعل محظورًا).

ترَكَ ركْعَةً منَ الصَّلاة نِسيانًا. لا بُدَّ منَ الإتيانِ بركْعَةٍ، ثمَّ سُجود السَّهو. (لأنه ترك واجبًا).

نَسِيَ صلاةً. يجبُ عليْهِ أنْ يأتيَ بها. (لأنه من باب ترك الواجب).

لم يطُفْ للإفاضةِ مُكْرَهًا. لا بُدَّ أنْ يأتيَ بالطَّوافِ. (لأنه ترك واجبًا).

أما حقوق العباد فلا يعتبر الخطأُ والنِّسيانُ والجهْلُ والإكراهُ عذرا في إسقاط الضمان، بلْ يُطالَبُ به، ولذلِكَ أوْجَبَ الله تعالى الدِّيَةَ في القَتْلِ الخَطَأ.

نشاط

1- الطَّوائِفُ المُبتَدِعَة، منْ أيِّ الأُمَّتَيْنِ في أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ، ولِمَ؟

2- فرَّقَ العُلماءُ بيْنَ فعْلِ المحظور وترْكِ الواجِبِ في العُذْرِ بالخطأِ والنِّسيانِ والجهْلِ والإكْراهِ، تكلَّمْ عنْ ذلِكَ.

3- ما الفَرْقُ بيْنَ الخطأِ والنِّسيانِ والإكْراهِ، وما وجْهُ العُذْرِ بهِنَّ؟

الحديث الثامن

الحديث الثامن: ... قضى أنْ لا ضرر ولا ضرار...

عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ. أخرجه أحمد ومالك في الموطأ، وصححه الألباني.

راوي الحديث

عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ بنِ قَيْسٍ الخَزْرَجِيُّ الأنْصارِيُّ، شَهِدَ بيْعَةَ العَقَبَةِ الأُولى والثَّانية، آخَى رَسولُ الله ﷺ بينَهُ وبينَ أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ رضي الله عنه، وشَهِدَ بدْرًا وأُحُدًا والخَنْدَقَ والمشاهِدَ كُلَّها معَ رسولِ الله ﷺ، تُوفِّي سنةَ 34هـ.

شرح المفردات

«لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ» الضَّرَر: خِلافُ النَّفْعِ.

وقدِ اخْتُلِفَ في معنى هذا الحديثِ كثيرًا:

فقيل: لا ضرَرَ ابتداءً، ولا ضرَرَ جَزاءً ومُقابَلَةً.

وقيل: المرادُ أنَّ الإنسانَ لا يجُوزُ لهُ أنْ يضُرَّ بنفسِهِ، ولا يَضُرَّ بغيرِهِ.

وقيل: إنَّ نفيَ الضَّررِ قُصِدَ به عدمُ وُجودِ الضَّررِ فيما شرَعَهُ الله لعبادِهِ منَ الأحْكامِ. ونفْيُ الضِّرارِ أُريدَ بهِ نهْيُ المؤمنِينَ عنْ إحْداثِ الضَّررِ أوْ فعْلِهِ.

وقيل: الضَّررُ: ما كانَ عنْ غيرِ قصْدٍ. والضِّرارُ: ما كانَ بقصْدٍ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ دلَّ على أصْلٍ منْ أُصولِ الشَّريعةِ، وهوَ منْعُ الضَّررِ والمُضارَّةِ، وهو يشملُ أنواعَ الضررِ كلِّهِ، والحديثُ بنصِّهِ أحَدُ القواعِدِ الكُلِّيَةِ الخمْسَةِ في الفِقْهِ الإِسلامِيِّ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ». ويُعبَّرُ عنْها أحيانًا بقولِهم: الضَّررُ يُزال.

والضَّررُ يرْجعُ إلى أحدِ أمْرينِ: إمَّا تَفْوِيتُ مَصْلحَةٍ، أوْ إِيقاعُ مَضَرَّةٍ.

فالضَّررُ لا يجوزُ إلحاقُهُ بالنَّاسِ، بلْ يجبُ على المسلِمِ أنْ يمْنَعَ ضررَهُ وأذاهُ عنْ جميعِ الخلْقِ، منْ جميعِ الوُجُوهِ.

ويدْخُلُ في الضَّررِ المُحرَّمِ: التَّدليسُ والغِشُّ في المُعامَلاتِ وكَتْمُ العُيوبِ فيها، والمكْرُ والخِداعُ والنَّجْشُ، وبيعُ المسلِمِ على بَيْعِ أخيهِ والشِّراءُ على شرائِهِ، والخِطْبَةُ على خِطْبَتِهِ.

ويدخلُ في ذلِكَ: مُضارَّةُ الشَّريكِ لشريكِهِ، والجارِ لجارِهِ؛ بقولٍ أو فِعْلٍ.

ويدخُلُ في ذلِكَ: إضرارُ الزَّوجِ بزوجتِهِ، والزَّوجَةُ بزوجِها، والمُعلِّمُ بطُلَّابِهِ، والمُديرُ بموظَّفيهِ.

ويدخُلُ فيه: الوقيعَةُ في النَّاسِ عنْدَ الوُلاةِ والأُمَراءِ؛ ليُغْرِيَهُمْ بعقوبتِهِمْ وإلحاقِ الضَّررِ بِهِم.

ويدخُلُ فيه: تَرْويعُ المسلِم، ولو على وجْهِ المَزْح.

ويدخُلُ فيهِ: السُّخْريةُ منَ الخَلْق، والاستهْزاءُ بِهِم، والوَقيعَةُ في أعْراضِهِم، والتَّحْرِيشُ بينَهُمْ.

فوائد الحديث

1- هذا الحَدِيثُ يُعتَبَرُ قاعدةً من قواعِدِ الشَّريعَةِ.

2- أنَّ الضَّررَ يُزالُ، وينْبَنِي على ذلِكَ كثيرٌ منَ الأحكام.

3- في الحَدِيثِ دليلٌ على تحْرِيمِ الخُمورِ والمُخَدِّراتِ وشرب الدُّخانِ ونحوِها ممَّا يضرُّ البَدَنَ، أوْ يعودُ بالضَّرِر على الأَبْناءِ ومَنْ يعيشُ معَهُ، فالضَّررُ ممنوعٌ شرعًا.

4- منْعُ الإنْسانِ منَ التَّصرُّفِ في ملكِهِ بما يتعدَّى ضررُهُ إلى غيرِهِ.

5- أنَّ الإسلامَ حَرَّمَ الضِّرارَ بكُلِّ صورِهِ، وجميعِ أشكالِهِ، قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:282]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:231].

نشاط

1- اكتُبْ بحثًا توضِّحُ فيهِ الفَرْقَ بيْنَ الضَّررِ والضِّرارِ منْ واقِعِ قراءاتِك.

2- لهذا الحدِيثِ أثرٌ كَبِيرٌ على المجتَمَعِ المسلِمِ، بيِّنْ ذلِكَ.

3- كيْفَ يُمكِنُ توظيفُ هذا الحدِيثِ في دَفْعِ كثيرٍ منَ الجرائِمِ؟

الحديث التاسع

الحديث التاسع: «لو يعطى الناس بدعواهم...»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُمْ لادَّعَى رِجالٌ أَمْوالَ قَوْمٍ وَدِماءَهُمْ، وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ على المُدَّعِي، واليَمِينَ على مَنْ أَنْكَرَ». رَواهُ البَيْهَقِيُّ بسَنَدٍ حسنٍ، وبعضُهُ في الصَّحيحَيْنِ.

راوي الحديث

عبْدُ الله بنُ عبَّاسِ بنِ عبْدِ المُطَّلِبِ الهاشِمِيُّ، حَبْرُ الأُمَّةِ وتَرْجُمانُ القُرآنِ، أسْلَمَ صغيرًا، ولازَمَ النَّبيَّ ﷺ، كانَ الخُلفاءُ يُجلُّونَهُ، وكُفَّ بصرُهُ في آخرِ عُمرِهِ، كانَ يجلِسُ للعلْمِ، فيجعَلُ يومًا للفقْهِ، ويومًا للتَّفسير، ويومًا للسيرة والمَغازِي، ويومًا للشِّعرِ، ويومًا لوقائِعِ العرَبِ، تُوفِّي بالطَّائِفِ سنةَ 68هـ.

شرح المفردات

«بِدَعْواهُم» أي: بادِّعائِهم الشَّيءَ، سواءٌ كانتِ الدَّعْوى بالحقِّ أم بالباطِل.

«لادَّعَى رِجالٌ» أي: رجالٌ لا يخافُونَ الله تعالى، ويدخُلُ فيه النِّساء.

«البَيِّنَة» وهي كلُّ ما يبِينُ به الحقُّ ويَظْهَرُ، منْ شهودٍ وقَرائِنَ وغيرِهِ.

«واليَمينُ على مَنْ أَنكَرَ» أي: اليمينُ تجبُ في جانبِ مَنْ أنكَرَ دعْوَى المُدَّعِي، وهوَ المُدَّعَى عليْهِ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ عظيمُ القدْرِ، وهوَ أصْلٌ كبيرٌ منْ أصُولِ القضاءِ والفَصْلِ بيْنَ النَّاسِ والأَحْكامِ، بيَّنَ ﷺ فيهِ أصلًا يفضُّ النِّزاعَ بيْنَ النَّاسِ، ويتَّضحُ بهِ المُحِقُّ منَ المُبطِلِ، فمَنِ ادَّعَى عينًا منَ الأعْيانِ، أو دَيْنًا، أوْ حقًّا على غيرِهِ، وأنكَرَهُ ذلِكَ الغيرُ فالأصْلُ معَ المُنْكِر، فإنْ أتى المُدَّعي ببيِّنةٍ تُثبتُ ذلِكَ الحقَّ ثَبَتَ لهُ، وقُضِي بها على المُدَّعَى عليْهِ، وإنْ لَمْ يأتِ ببيِّنةٍ فليْسَ لهُ علَى الآخَرِ إلَّا اليَمِينُ، فإنْ حَلَفَ بَرِئتِ ذِمَّتُهُ، وإنِ امْتَنَعَ ونَكَلَ عنِ اليَمِينِ، قُضيَ عليْهِ بالنُّكُولِ، وأُلْزِمَ بما ادَّعاهُ المُدَّعِي.

وإنَّما كانَتِ البيِّنةُ على المُدَّعِي؛ لأنَّهُ يدَّعي خلافَ الظَّاهِرِ، والأَصْلُ براءَةُ الذِّمَّة.

وإنَّما كانَ اليَمِينُ في جانِبِ المُدَّعَى عليْهِ؛ لأنَّهُ يوافِقُ الأصلَ، وهوَ براءَةُ الذِّمَّة.

مَنِ ادَّعى مَحبَّةَ الله ورَسولِهِ ﷺ، فبيِّنتُه علَى هذِهِ الدَّعْوَى أنْ يتَّبعَ الرَّسولَ ﷺ، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: «أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أنَّ البَيِّنَةَ على المُدَّعِي، واليَمِينَ علَى المُدَّعَى علَيْهِ».

فوائد الحديث

1- هذا الحَدِيثُ دالٌّ على أنَّهُ لا يُقبلُ قَولُ أحدٍ فيما يدَّعِيهِ لِمُجَرَّدِ دَعْواهُ، بلْ يَحتاجُ إلى البَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقِ المُدَّعَى عليْهِ، فإنْ طلَبَ يمِينَ المُدَّعَى عليْهِ فلَهُ ذلِكَ.

2- هذا الحَدِيثُ أصْلٌ عظيمٌ في القَضاءِ ينتَفِعُ بهِ القاضِي، وينْتَفِعُ بهِ المُصلِحُ بيْنَ اثنَيْنِ، وما أشْبَهَ ذلِكَ.

3- أنَّ الشَّريعَةَ جاءَتْ لحمايةِ أموالِ النَّاسِ ودمائِهِم منَ التَّلاعُبِ.

4- أنَّ البيِّنَةَ على المُدَّعِي، والبيِّنَةُ أنواعٌ، منها: الشَّهادَةُ، وظاهِرُ الحالِ، والقرائِنُ.

ومنَ العَمَلِ بالقَرائِنِ قصَّةُ سُليمانَ عليه السلام مَعَ المرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ادَّعَتْ كلٌّ منْهُما الوَلَدَ لها.

5- أنَّهُ لوْ أنْكَرَ المُنْكِر، وقالَ: لا أَحْلِفُ، فإنَّهُ يُقضى عليْهِ بالنُّكولِ؛ ووجْهُ ذلِكَ أنَّه إذا أَبَى أنْ يحْلِفَ فقدِ امْتَنَعَ ممَّا يجِبُ عليْهِ، فيُحْكَمُ عليْهِ بموجبِ هذا الامْتِناع، وهوَ ما يُعَبَّرُ عنْهُ بقولِهم: «يُقْضَى عليْهِ بالنُّكُولِ».

النُّكولُ في اللُّغة: هوَ الامْتِناع.

وفي اصطلاح الفقهاء: الامْتِناعُ من حَلِفِ اليَمِينِ المطلُوبَةِ شَرْعًا.

نشاط

1- بيِّنْ كيْفَ كانَ هذا الحَدِيثُ أصْلًا في القَضاءِ؟

2- أوْضَحَ العُلماءُ لمَ كانتِ اليَمينُ في جانِبِ المُدَّعَى عليْهِ، اذْكُرْ ذلكَ مُستعينًا بمصادِرَ خارجيَّةٍ.

3- تناوَلْ هذا الحدِيثَ بالشَّرْحِ والتَّوضيحِ باختِصارٍ.

الحديث العاشر

الحديث العاشر: «إيّاكم والجلوس بالطرقات...»

عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ بِالطُّرُقاتِ» فَقالُوا: يا رسولَ الله ، ما لَنا منْ مَجالِسِنا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فيها، فَقالَ: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قالُوا: وَما حَقُّ الطَّرِيقِ يا رسولَ الله ؟ قال: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، والأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

شرح المفردات

«إِيَّاكُمْ»: أُحذِّرُكُمْ.

«بُدٌّ»: أي: غِنًى عنْهُ.

«المَجْلِس»: الجُلُوسُ في تلْكَ المَجالِس.

«حَقَّهُ»: ما يَلِيقُ بِها منْ آدابٍ.

«غَضُّ البَصَرِ»: أي: خَفْضُ النَّظرِ عمَّن يمُرُّ في الطَّريقِ منَ النِّساءِ.

«كَفُّ الأَذَى»: عدمُ التَّعرُّضِ لأحدٍ بقوْلٍ أو فِعْلٍ يتأذَّى به.

الشرح الإجمالي للحديث

يهدفُ الإِسلامُ إلى الرُّقيِّ بالمجتمَعِ المسلِمِ إلى معالي الأُمُورِ، وسُمُوِّ الأخلاقِ، وعُلُوِّ الآدابِ، ويَنْأَى بأفرادِهِ عن كلِّ خُلُقٍ سيِّئٍ أو عمَلٍ شائِنٍ، ويُريدُ أنْ يكونَ المجتمَعُ مجتمعَ محبَّةٍ وأُلْفَةٍ، تربطُ بيْنَ عناصِرِهِ الأُخوَّةُ والمودَّةُ، ألا ترى إلى تلْكَ المناقشَةِ الهادفَةِ بيْنَ قائِدِ الأُمَّةِ وأفرادِها، حولَ ظاهرَةٍ اجتماعيَّةٍ مهمَّةٍ، لوْ بقِيَتْ على وضعِها لأفسَدَتِ المُجتمعَ، فدلَّهُمْ صلواتُ الله وسلامُهُ عليْهِ إِلى الوَضْعِ الصَّحيحِ تجاهَها، فأرشدَهُمْ إلى غَضِّ البَصَرِ، وَكَفِّ الأَذَى، وَرَدِّ السَّلامِ، والأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

1- النَّهْيُ الوارِدُ في الحدِيثِ ليْسَ لنَفْسِ المَجالِسِ، وإنَّما منْ أجلِ حُقوقِ الطَّريقِ الَّتي يتعَرَّضُ لها الجالسُ؛ وقدْ يُقصِّرُ فيها، فيبُوءُ بإثْمِها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّه إذا أَبَيْتُمْ إلَّا هذهِ المجالسَ، فأعطُوا الطَّريقَ حقَّه.

2- الأصْلُ في الطَّريقِ والأَفْنِيةِ العامَّةِ أنَّها ليْسَتْ للجُلُوسِ؛ لأنَّهُ يترتَّبُ على الجُلوسِ فيها أضرارٌ، منها:

التَّعرُّضُ للفِتْنَةِ.

إيذاءُ الآخرِينَ بالسَّبِّ والغَمْزِ واللَّمْزِ.

الاطِّلاعُ على الأحْوالِ الخاصَّةِ للنَّاس.

ضياعُ الأوْقاتِ بما لا فائِدةَ منْهُ.

3- اشتَمَلَ هذا الحَدِيثُ على جُمْلةٍ منَ الآدابِ الشَّرعيَّةِ العظيمَةِ:

الأوَّل: غضُّ البَصَر:

وقَدْ أمرَ الله تعالى بغضِّ البَصَرِ، فقالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 30-31].

الثَّاني: كَفُّ الأَذَى

بجميعِ أنواعِهِ، كبيرًا أو صغيرًا، فمنَ الاعْتداء: كلامُ السُّوء، كالسِّبابِ والشَّتائِمِ، والغِيبة، والاسْتِهْزاءِ، والسُّخريةِ، والنَّظَرِ في بُيوتِ الآخرِينَ دونَ إِذْنِهِم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله ، إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ منْ كَثْرَةِ صَلاتِها وَصِيامِها وَصَدَقَتِها غَيْرَ أَنَّها تُؤْذِي جِيرانَها بِلِسانِها، قال: «هِيَ في النَّارِ». أخرجَهُ أحمدُ والحاكمُ، وصحَّحَ إسنادَه.

ومنْ كَفِّ الأَذَى: إِماطَةُ الأذى عنِ الطَّريقِ؛ فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «بينَما رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ على الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

وممَّا يُعينُ علَى غضِّ البَصَر:

استحْضارُ اطِّلاعِ الله عليْكَ، ومراقَبَةِ الله لك.

الاستعانَةُ بالله ودعاؤُه.

مجاهدَةُ النَّفسِ وتعويدُها على غضِّ البَصَرِ، والصَّبْرُ على ذلِكَ.

اجتنابُ الأماكنِ الَّتي يخْشَى الإنسانُ فيها منْ فتنَةِ النَّظر، إذا كان لَهُ عنْها مَنْدُوحَةٌ.

أنْ تعلَمَ أنَّ كلَّ نعمَةٍ عندَكَ هيَ منَ الله تعالى، وهيَ تحتاجُ منْكَ إلى شُكْرٍ، فنعْمَةُ البصرِ منْ شُكرِها حفْظُها عمَّا حرَّمَ الله .

الإكثارُ من نوافلِ العباداتِ؛ فإنَّ الإكثارَ منْها معَ المحافَظَةِ على القيامِ بالفرائِضِ سببٌ في حفْظِ جوارِحِ العَبْد.

تذكُّرُ الألمِ والحسْرَةِ الَّتي تعقبُ هذهِ النَّظْرَةَ.

الخوْفُ منْ سُوءِ الخاتمَةِ، ومنَ التَّأسُّفِ عنْدَ الموتِ.

الثَّالِثُ: رَدُّ السَّلامِ؛

وقَدْ أمَرَ الله تعالى بِرَدِّ السَّلامِ، فقالَ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، فرَدُّ السَّلامِ واجبٌ، وأمَّا ابْتِداؤُهُ فهوَ سُنَّةٌ.

والسُّنَّةُ في السَّلامِ: أنْ تُسلِّمَ على مَنْ عَرَفْتَ ومن لم تَعْرِفْ، وفي الصَّحيحَيْنِ أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ: أَيُّ الأَعْمالِ خَيْرٌ؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ على مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».

كما أنَّ السَّلامَ سببٌ لنَشْرِ المحبَّةِ والوِئامِ بيْنَ المسلمِينَ؛ ففي الحدِيثِ قال ﷺ: «لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمنُوا، وَلا تُؤْمنُوا حَتَّى تَحابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إِذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بينَكُمْ». أخرَجَهُ مُسلِمٌ.

الرَّابِعُ: الأَمْرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنْكَرِ؛

وقدْ تَضافَرَتْ نُصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ على أهمِّيَّةِ الأمرِ بالمعْرُوفِ والنَّهيِ عنِ المنكر، وقدْ تقَدَّمَ طَرَفٌ من ذَلِك.

نشاط

1- اشتَمَلَ هذا الحدِيثُ على جُملةٍ عظيمَةٍ منَ الآدابِ، اكتُبْ مختصرًا في ذلِكَ.

2- الإسلامُ دِينٌ يُعنَى بالمسلِمِ في شتَّى مناحِي الحياةِ، في ضَوْءِ دراسَتِكَ للحدِيثِ بيِّنْ ذلِكَ.

4- كَفُّ الأذَى خُلُقٌ عظِيمٌ أرشَدَ إليْهِ الحديثُ، كيْفَ توظِّفُ هذا الخُلُقَ في حلِّ المشاكِلِ بيْنَ المسلِمِينَ؟

الحديث الحادي عشر

الحديث الحادي عشر: «لا تغضب»

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قال لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي، قال: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرارًا، قال: «لا تَغْضَبْ». رَواهُ البُخارِيُّ.

شرح المفردات

«قالَ: يا رسولَ الله أَوصِنِي» الوَصِيَّةُ: هيَ العَهْدُ إلى الشَّخْصِ بأمْرٍ مُهِمٍّ.

«قالَ: لا تَغْضَبْ» الغَضَبُ: حالةٌ نفسيَّةٌ، تبْعَثُ على هياجِ الإنْسانِ وثَوْرَتِهِ قولًا أوْ عَمَلًا، وهوَ مِفتاحُ الشُّروِر ورأسُ الآثام.

«مِرارًا» أي: كرَّرَ الرَّجلُ طلبَهُ للوصيَّةِ عدَّةَ مرَّاتٍ، والنَّبيُّ ﷺ يوصيه بنفْسِ الوصيَّةِ، وهيَ عدمُ الغَضَبِ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ ينْهَى فيهِ النَّبيُّ ﷺ عنِ الغَضَبِ، بكلمَةٍ جامعَةٍ، منْ جوامِعِ كَلِــمِه ﷺ، وهيَ تحمِلُ وصيَّةً غاليَةً نَفِيسَةً، تجمعُ الخيْرَ كُلَّه، وتنْفِي عنِ العَبْدِ الشَّرَّ كُلَّهُ، وهيَ مُتضَمِّنَةٌ لأَمْرَيْنِ عظِيمَيْنِ:

أحدُهُما: الأَمْرُ بفِعْلِ الأسْبابِ، والتَّعوُّدُ على حُسْنِ الخُلُق، والحلمِ والصَّبرِ، وتَوْطِينُ النَّفْسِ على ما يُصيبُ الإنسانَ منَ الخَلْق؛ منَ الأَذَى القوليِّ والفِعْلِيِّ.

الثَّاني: ألَّا يُنْفِذَ غَضَبَه؛ فإذا غَضِبَ منَعَ نفسَهُ منَ الأقْوالِ والأفعالِ المُحرَّمَةِ.

فقولُه ﷺ: «لا تغضب» منْ حيثُ البدايةُ، ومنْ حيْثُ إِنْفاذُ الغَضَبِ.

أنواعُ الغضبِ

غضبٌ مذمومٌ؛ وهو ما كان في الباطل

غضبٌ محمودٌ؛ وهو ما كان لله تعالى

أَنْواعُ الغَضَبِ: الغَضَبُ نَوْعانِ:

الأوَّلُ: الغضَبُ المَحْمُودُ:

وهوَ ما كانَ لله تعالى عندَما تُنْتَهَكُ مَحارِمُهُ، وهذا النَّوعُ ثمرةٌ منْ ثمراتِ الإيمان؛ إذْ إنَّ الَّذي لا يغضَبُ في هذا المحلِّ ضعيفُ الإيمانِ، فعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «ما ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً، ولا خادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجاهِدَ في سَبِيلِ الله ، وَما نِيلَ منْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ منْ صاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ منْ مَحارِمِ الله ، فَيَنْتَقِمَ ﷲ عزوجل». رَواهُ مُسْلِم.

قالَ شَوْقِي في مَدْحِ النَّبيِّ ﷺ:

للحَقِّ لا ضِغْنٌ وَلا شَحْناءُ

فَإِذا غَضِبْتَ فَإِنَّما هِيَ غَضْبَةٌ

الثَّاني: الغَضَبُ المَذْمُومُ:

وهوَ ما كانَ في سَبِيلِ الباطِلِ والشَّيْطانِ، كالحَمِيَّةِ الجاهلِيَّةِ، والانتصارِ للنَّفْسِ، أوْ لأمرٍ منْ أُمُورِ الدُّنيا الزَّائِلَةِ، وهوَ أكْثَرُ ما يَغْضَبُ عليْهِ النَّاسُ، وهوَ الَّذي تُوَجَّهُ إليْهِ النُّصوصُ النَّاهيةُ عنِ الغَضَبِ.

وقدْ أخرَجَ مُسلِمٌ في صحِيحِهِ عنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ أنَّ أباهُ رضي الله عنه حدَّثَهُ قال: إِنِّي لَقاعِدٌ مَعَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ جاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقالَ: يا رسولَ الله ، هَذا قَتَلَ أَخِي، فَقالَ رسولُ الله ﷺ: «أَقَتَلْتَهُ؟» -فَقالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ- قال: نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قال: «كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟» قال: كُنْتُ أَنا وَهُوَ نَخْتَبِطُ منْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالفَأْسِ على قَرْنِهِ [جانِبِ الرَّأْسِ]، فَقَتَلْتُهُ ... الحديث.

قالَ الشَّاعرُ:

وَلَمْ أرَ في الأَعْداءِ حِينَ اخْتَبَرْتُهُمْ

عَدُوًّا لِعَقْلِ المَرْءِ أَعْدَى منَ الغَضَبْ

فوائد الحديث

1- حِرْصُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على ما يَنْفَعُ؛ لقولِهِ: «أَوصِنِيْ»، والصَّحابَةُ رضي الله عنهم إذا عَلِمُوا الحقَّ لا يقتَصِرُونَ على مُجرَّدِ العِلْمِ، بلْ يعْلَمُونَ، ثُمَّ يعْمَلُون، وكثيرٌ منَ النَّاسِ اليومَ يسألُونَ عنِ الحُكْمِ فيعْلَمُونَهُ، ولكِنْ لا يعْمَلُونَ به!

2- النَّهيُ عنِ الغَضَبِ منْ محاسِنِ الدِّينِ الإسلامِيِّ، الَّذي ينْهَى عنْ مساوئِ الأَخْلاقِ؛ فإِنَّ كُلَّ خُلقٍ كريمٍ يَأْمُرُ بِهِ الشَّرْعُ، وكلَّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ ينْهَى عنْهُ الشَّرْعُ.

عِلاجُ الغَضَبِ

لعِلاجِ الغَضَبِ والتَّخَلُّصِ منْهُ ومنْ آثارِهِ السَّيِّئَةِ عدَّةُ طُرُقٍ، منها:

1- الاسْتِعاذةُ بالله منَ الشَّيْطانِ؛ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200].

2- السُّكُوتُ؛ قال رسولُ الله ﷺ: «إِذا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ». رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

3- التَّغْيِيرُ منَ الهَيْئَةِ؛ قال رَسولُ الله ﷺ: «إِذا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ». أخرجَهُ أحمدُ وأبو داوُد، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

4- الأخذُ بوصيَّةِ الرَّسولِ ﷺ بعدَمِ الغَضَبِ «لا تَغْضَبْ»، كما في الحديث.

5- تَذَكُّرُ ثوابِ مَنْ يَكْظِمُ غيظَهُ؛ قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133، 134].

6- تَذَكُّرُ فضْلِ الحِلْمِ والعَفْوِ؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37].

7- مَعْرِفَةُ معيارِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ الحقيقِيَّةِ، وأنَّهُ في امْتِلاكِ النَّفْسِ عنْدَ الغَضَبِ؛ قال رسولُ الله ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». مُتَّفقٌ عليْهِ.

8- التَّأَسِّي بهَدْيهِ ﷺ في الغَضَبِ؛ ففي الصَّحِيحَيْنِ عنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ النَّبيِّ ﷺ [وهو ما بين العُنُقِ والكَتِف] قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حاشِيَةُ الرِّداءِ منْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قال: مُرْ لِي منْ مالِ الله الذي عِنْدَكَ، فالتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ.

وكانَ منْ دعائِهِ ﷺ: «أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا». أخرجَهُ أحْمَدُ.

والمعنى: أنَّ الإنسانَ لا يقولُ سِوَى الحَقِّ، سَواء غَضِبَ أوْ رَضِيَ.

نشاط

1- ماذا تفْهَمُ من تَكرارِ النَّبيِّ ﷺ الوَصِيَّةَ بعدَمِ الغَضَبِ؟

2- اكتُبْ طُرُقًا عمليَّةً شرعيَّةً لعلاجِ الغضَبِ، اسْتَعِنْ بمصادِرَ خارجيَّةٍ.

3- لم كانَ النَّبيُّ ﷺ يدْعُو بهذا الدُّعاءِ: «أسْأَلُكَ كلِمَةَ الحقِّ في الغَضَبِ والرِّضا»؟

الحديث الثاني عشر

الحديث الثاني عشر: «من حُسُن إسلام المرء...»

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «منْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ». رَواهُ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجَه، وحسَّنَهُ الألبانيُّ.

شرح المفردات

«ما لا يَعْنِيهِ» العِنايَةُ: شدَّةُ الاهتمامِ بالشَّيْءِ، يُقالُ: عَناهُ يَعْنِيهِ: إذا اهْتَمَّ بهِ وطَلَبَهُ، فما لا يَعْنِيهِ، أي: ما لا يُهِمُّهُ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحَدِيثُ أصْلٌ عظيمٌ منْ أُصولِ الأَدَبِ، وقدْ حكَى أهلُ العِلْمِ أنَّ جِماعَ آدابِ الخيرِ تتفرَّعُ منْ أرْبَعَةِ أحاديثَ: قولُ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ كانَ يُؤْمنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

وقولُه ﷺ: «منْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ». أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.

وقولُه ﷺ: «لا تَغْضَبْ». أخرجَهُ البخاريُّ.

وقولُه ﷺ: «لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

وقالَ الشَّاعرُ:

عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنا كَلِماتٌ

أَرْبَعٌ منْ كَلامِ خَيْرِ البَرِيَّهْ

اتَّقِ الشُّبُهاتِ وازْهَدْ وَدَعْ ما

لَيْسَ يَعْنِيكَ واعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ

فحُسْنُ إسلامِ المرْءِ يقْتَضِي تركَ ما لا يعنِيهِ كلِّه؛ منَ المُحرَّماتِ والمُشْتَبِهاتِ والمَكْرُوهاتِ، وفُضُولِ المُباحاتِ الَّتي لا يحْتاجُ إليْها، وَينْدَرجُ فيهِ التَّوسُّعُ في الدُّنيا، وطلبُ المناصِبِ والرِّياسَةِ، وحبُّ المَحْمَدَةِ والثَّناءِ، وغيرُ ذلك ممَّا لا يحتاجُ إليْهِ المرْءُ في إصلاحِ دينِهِ، وكِفايَتِهِ منْ دُنياهُ.

ومفْهُومُ الحدِيثِ: أنَّ مَنْ لم يترُكْ ما لا يَعْنِيهِ فإنَّهُ مُسيءٌ في إسلامِهِ، وذلِكَ شاملٌ للأقوالِ والأفعالِ المنهيِّ عنْها نَهْيَ تحْرِيمٍ أوْ نَهْيَ كَراهةٍ.

جاءَ عنْ بَعْضِ السَّلفِ ما يدلُّ على هذا الأَدَبِ:

قالَ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ: «مَرَّ رَجُلٌ بِلُقْمانَ والنَّاسُ عِنْدَهُ، فَقالَ لَهُ: أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلانٍ؟ قال: بَلَى، قال: الذي كُنْتَ تَرْعَى عِنْدَ جَبَلِ كَذا وَكَذا؟ قال: بَلَى، فَقالَ: فَما بَلَغَ بِكَ ما أَرَى؟ قال: صِدْقُ الحَدِيثِ وَطُولُ السُّكُوتِ عَمَّا لا يَعْنِينِي».

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «منْ عَلامَةِ إِعْراضِ الله تعالى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فيما لا يَعْنِيهِ».

وقالَ مُوَرِّقٌ العِجْليُّ: «أَمْرٌ أَنا في طَلَبِهِ مُنْذُ كَذا وَكَذا سَنَةً لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَلَسْتُ بِتارِكٍ طَلَبَهُ أَبَدًا، قالُوا: وَما هُوَ؟ قال: الكَفُّ عَمَّا لا يَعْنِينِي».

فوائد الحديث

1- أنَّ الإسْلامَ جمعَ المحاسِنَ كلَّها، وكلُّ محاسِنِ الإسلامِ تجتَمِعُ في قولِ الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

2- أنَّ ترْكَ ما لا يعْنِي هوَ صِفَةُ الجادِّينَ المحسنِينَ، كما قال تعالى في وَصْفِ المؤمنينَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].

فالمُعرِضُونَ عنِ اللَّغْوِ مُعرضونَ عنِ العَبَثِ واللَّهْوِ والفُضُولِ والتَّكلُّفِ والتَّنطُّعِ، وكلُّها يدخلُ في معانِيها الانْشِغالُ بما لا يَعْنِي.

3- أنَّ منِ اشْتَغَلَ بما لا يَعْنِيهِ فإنَّ إسلامَهُ ليْسَ بذاكَ الحَسَنِ، وهذا يقعُ كثيرًا لبعْضِ النَّاسِ، فتجدُهُ يتكلَّمُ في أشياءَ لا تَعْنِيهِ، أوْ يأَتْي لإنسانٍ يسألُهُ عنْ أشياءَ لا تَعْنِيهِ، ويتدخَّلُ فيما لا يَعْنِيهِ، وكلُّ هذا يدلُّ على ضعْفِ إسلامِهِ.

4- أنَّهُ ينْبَغِي للإنسانِ أنْ يسْعَى لتحْسينِ إسلامِهِ، فيتركَ ما لا يعْنِيهِ ويسْتَرِيحَ؛ لأنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بأمورٍ لا تُهِمُّهُ ولا تَعْنِيهِ، فَقَدْ أتْعَبَ نفْسَهُ.

مَسْأَلَةٌ: هلْ يتْرُكُ العبْدُ الأمْرَ بالمعرُوفِ والنَّهيَ عنِ المنكَرِ؛ لأنَّهُ ممَّا لا يَعْنِيهِ؟

الجوابُ: لا؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عنِ المنكرِ ممَّا يَعْنِي المسلمَ، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، فلوْ رأيْتَ إنسانًا على مُنكَرٍ وقلْتَ لَهُ: يا أخي هذا منْكَرٌ لا يجوزُ، فهذا مما يعنيك.

وكذلِكَ: ما يتعلَّقُ بالأهْلِ والأبْناءِ والبناتِ فإنَّهُ يعنِي راعِيَ البَيْتِ، وعليه أنْ يدُلَّهم على الخيرِ، ويأمُرَهُمْ بهِ، ويحذِّرَهُمْ منَ الشَّرِّ وينهاهُمْ عنْهُ.

قالَ الله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].

قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رحمه الله: مَنْ عَدَّ كَلامَهُ منْ عَمَلِهِ، قَلَّ كَلامُهُ إِلَّا فيما يَعْنِيهِ.

وَهُوَ كَما قالَ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا منَ النَّاسِ لا يَعُدُّ كَلامَهُ منْ عَمَلِهِ، فَيُجازِفُ فيهِ، وَلا يَتَحَرَّى، وَقَدْ سأل مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ النَّبيَّ ﷺ فَقالَ: أَنُؤاخَذُ بِما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ على مَناخِرِهِمْ في النَّارِ إِلَّا حَصائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» أخرجه أحمدُ والتِّرمذيُّ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

نشاط

1- بَيِّنْ منزلَةَ حديث: «من حسن إسلام المرء...» كأصْلٍ في آدابِ التَّعامُلِ معَ النَّاس؟

2- اكتُبْ في فضْلِ ترْكِ المسلمِ ما لا يعْنِيهِ، وانشغالِهِ بما يعْنِيهِ.

3- منْ واقِعِ فَهْمِكَ للدَّرسِ، اكتُبْ ضوابطَ فيما يَعْنِي العَبْدَ وما لا يَعْنِيه.

الحديث الثالث عشر

الحديث الثالث عشر: «إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا...»

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضاعَةَ المالِ». رَواهُ مُسْلم.

شرح المفردات

«قِيلَ وقالَ» أي: الاشْتِغالُ بما لا يَعْنِي منْ أقاوِيلِ النَّاس.

«إِضاعَة المال» بإنْفاقِهِ في المعاصِي، أو الإِسْرافِ فيهِ في المُباحاتِ.

«وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله » بما جاءَ بهِ النَّبيُّ ﷺ، كتابًا وسُنَّةً.

الشرح الإجمالي للحديث

هَذا الحَدِيثُ منْ آدابِ الإسْلامِ العَظِيمَةِ، إذا امْتَثَلَهُ المسلمُ حَفِظَ بِهِ عُمُرَهُ، ومالَهُ، وجُهدَهُ، ووَقاهُ منْ شرِّ النَّفسِ ونوازِعِ التَّفْريطِ والضَّياعِ.

وقدْ بيَّنَ فيهِ رَسولُ الله ﷺ ما يَرْضاهُ الله لعَبْدِهِ وما يَكْرَهُهُ منْهُ؛ فإنَّ الله جل جلاله منْ كرَمِهِ على عبادِهِ يرْضَى لهُمْ ما فيهِ مصلحتُهُم وسعادتُهُم، في العاجِلِ والآجِلِ، وذلِكَ بالقيامِ بعبادَةِ الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وإخْلاصِ الدِّينِ له، وعدَمِ الشِّرْكِ بالله سبحانَهُ في كُلِّ صُورِ العبادَةِ، والاعْتِصامِ بحبْلِ الله وصِراطِهِ المستَقِيمِ، وألَّا يحْصُلَ شِقاقٌ ولا تَنازُعٌ بيْنَ الأُمَّةِ؛ فإنَّهُ كلَّما تنازَعِتِ الأُمَّةُ كانَ أدْعَى لسُقُوطِها، وضَياعِ هيبَتِها وقُوَّتِها، وفَشَلِها، قال تعالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

كما فيهِ النَّهْيُ عنْ جُملةٍ منَ الأخْلاقِ السَّيِّئةِ، وهِيَ:

كثرَةُ القِيلِ والقال: والمرادُ تتبُّعُ أخبارِ النَّاسِ وأحْوالِهِم للتَّحَدُّثِ بها وإشاعَتِها، ورُبَّما كانَ في شيْءٍ منْها ما يُغْضِبُ المَقُولَ فيهِ، منْ أُمورٍ كانَ يَودُّ إخفاءَها، وأسرارٍ لا يحبُّ إذاعتَها، فتنْشَأُ العَداوةُ وتنْمُو الضَّغينَةُ ويعمُّ الفسادُ والأَذَى.

فكثْرَةُ القِيلِ والقالِ منْ أسبابِ وُقوعِ الفِتَنِ، وتنافُرِ القُلوبِ، وهوَ منَ الاشْتِغالِ بالأُمورِ الضَّارَّةِ عنِ الأُمُورِ النَّافعَةِ، وَقلَّ أنْ يسْلَمَ أحدٌ منْ ذَلِك.

أضفْ إلى ذَلِكَ ما يُوصَمُ بهِ مَنْ كانَتْ هذِهِ صفَتَهُ منَ المذلَّةِ والصَّغارِ، وما يلقاهُ منَ النَّاسِ منَ الإهانَةِ والاحْتِقارِ.

كثْرَةُ السُّؤالِ: وقدْ ذكَرَ العُلَماءُ في المرادِ بِها وُجوهًا عدِيدَةً، منْها:

1- سُؤالُ النَّاسِ أمْوالَهُم، وبذلُ ماءِ الوجْهِ في سبِيلِ ذلِكَ.

2- سُؤالُ العُلماءِ عنِ المسائِلِ العَوِيصَةِ الَّتي لا تنْفَعُ المسلِمِينَ.

3- السُّؤالُ عنِ المسائِلِ الَّتي يندُرُ وقُوعُها أوْ يسْتَحِيلُ؛ لما فيهِ منَ التَّنَطُّعِ والتَّكَلُّفِ، وقدْ كرِهَ النَّبيُّ ﷺ المسائِلَ، وعابَها، كما في الصحيحين.

4- كَثْرةُ السُّؤالِ عنْ أخبارِ النَّاسِ وأحْداثِ الزَّمانِ.

5- سُؤالُ السَّائلِ عمَّا لا يَعْنِيهِ، ولا شَأْنَ لَهُ به، منْ أمُورِ وأحْوالِ المسْؤُولِ.

وأمَّا السُّؤالُ عنِ العُلُومِ النَّافعَةِ على وَجْهِ الاسْترشادِ أوِ التَّعَلُّمِ، فهذا محمُودٌ مأمُورٌ بهِ.

إضاعَةُ المالِ: وذلكَ بترْكِ حفْظِهِ حتَّى يضِيعَ، أوْ بإهمالِهِ وعدَمِ إعْمارِهِ، أوْ بإنْفاقِهِ في الأُمُورِ الضَّارَّةِ، أو غيرِ النَّافِعَةِ، أو إنفاقِهِ في المعاصِي، والاستِعانَةِ بهِ على ما يُغضِبُ الله ؛ كإنْفاقِهِ في الدُّخانِ، وشراءِ المحرَّماتِ منْ معازِفَ ومَسْمُوعاتٍ مُحرَّمَةٍ، فكلُّ هذا داخِلٌ في إضاعَةِ المالِ.

وتمامُ النِّعمَةِ في المالِ أنْ يُصرَفَ فيما خُلِقَ لهُ، منَ المنافِعِ، والأُمُورِ الشَّرعيَّةِ، والمنافِعِ الدُّنيَويَّةِ.

فوائد الحديث

1- إِثْباتُ صفةِ الرِّضا لله عز وجل، على الوَجْهِ اللَّائقِ بالله ، وقدْ أثبَتَها الله تعالى لنفْسِهِ في عدَّةِ مواضِعَ منْ كتابِهِ، قال تعالى: ﴿ رضي الله عنهمْ﴾ [المائدة: 119]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18].

2- إثْباتُ كراهة الله تعالى لبعض الأعمال، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:46].

3- أعْظَمُ ما يُحبُّهُ الله تعالى أنْ يُعبَدَ وحْدَهُ، ولا يُشركَ بهِ شيْئًا، وهذا هوَ أعظَمُ الواجِباتِ الَّتي أوْجَبَها الله تعالى علَى العِبادِ.

4- على العَبْدِ أنْ يحْرِصَ على تصْفِيَةِ وتنْقِيَةِ عبادَتِهِ، منْ كُلِّ شوائبِ الشِّرْكِ، فهوَ أخْطَرُ ما يقَعُ فيهِ العَبْدُ، ويكْفِي في التَّحْذِيرِ منْهُ أنَّ الله لا يغفرُهُ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﮯ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48].

5- الدَّعْوَةُ إلى الاعْتِصامِ والتَّمسُّكِ بحبْلِ الله المتينِ، قال تعالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، كما نَهَى عنِ التَّفرُّقِ، فقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: 105].

6- أنَّ التَّفرُّقَ وعدمَ الاعتصامِ سبيلُ الفَشَلِ والضَّياعِ والسُّقُوطِ، قال تعالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

7- أنَّ الله تعالى يكْرَهُ للمُسْلمِ هذهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، وهي: القِيلُ والقالُ، وكثْرَةُ السُّؤالِ، وإضاعَةُ المالِ.

8- علَى المسلمِ أنْ يحْفَظَ نفْسَهُ عنْ مجالِسِ القِيلِ والقالِ على وجْهِ الخُصوصِ؛ لسُهولَتِها وخِفَّتِها وكثرَتِها وخطورَتِها، فهيَ مجالسُ غِيبةٍ وكذبٍ وبُهتانٍ، وتتبُّعِ عوْراتِ المسلمين، وخَوْضٍ في الباطلِ؛ منْ أخبارِ صُحُفٍ وإنْتَرْنِت وغيرِه.

9- أنَّ الشَّريعةَ الإسلاميَّةَ تعمَلُ على حفْظِ المالِ بكُلِّ الطُرُقِ؛ إذْ هوَ منَ الضَّروراتِ الخَمْسِ الواجِبِ الحفاظُ عليْها.

10- إذا كانَ حفظُ المالِ عنِ المباحاتِ والإسْرافِ فيها واجبًا، فحفظُهُ عنِ الضَّياعِ في المُحرَّماتِ أشَدُّ وأعْظَمُ.

11- حرِيٌّ بالمسْلِمِ ألَّا يسأَلَ إلَّا فيما فيهِ مصْلَحةٌ شرعيَّةٌ أو منْفَعةٌ حقيقيَّةٌ في الدين أو الدنيا.

تنبيه:

وَصْفُ الله تعالى بعض الأفعال بأنها مكروهة، لا يقتضي عدم تحريمها بل قد تكون حراما وقد تكون دون ذلك، ولَيْسَ المرادُ الكَراهَة في اصطلاح عُلماءِ أصُولِ الفِقْهِ، قال تعالى بعْدَ أنْ ذَكَرَ جُملةً منَ الكبائر والمحرَّماتِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38].

نشاط

1- ثُبوتُ صِفَتَيِ الرِّضا والكُرْهِ ﷲِ تعالى هوَ مذْهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ، اكتُبْ في ذلِكَ.

2- منْ خِلالِ هذا الحَدِيثِ تكلَّمْ عنْ أهمِّيَّةِ التَّوْحيدِ.

3- ما وجْهُ الجمْعِ في هذا الحديث بيْنَ هذهِ الخصالِ الثَّلاثِ المبغُوضةِ ﷲِ تعالى؟ استَعِنْ بمصادِرَ خارجيَّةٍ.

الحديث الرابع عشر

الحديث الرابع عشر: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا...»

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنهما أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، وَمَنْ كانَتْ فيهِ خَصْلَةٌ منْهُنَّ كانَتْ فيهِ خَصْلَةٌ منَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَها؛ إِذا اؤْتُمنَ خانَ، وَإِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا خاصَمَ فَجَرَ». مُتَّفقٌ علَيْهِ.

راوي الحديث

عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أسلم قبل أبيه، كان مجتهدًا في العبادةِ، غزيرَ العلمِ، وكان من أكثر الصَّحابة رضي الله عنهم حديثًا، استأذن النبيَّ ﷺ في كتابةِ ما كان يسمعُهُ منه فأذن له، فكتب، وكان يُسمي صحيفتَه تلك (الصَّادقةَ).

شرح المفردات

«مُنافِقًا خالِصًا» أي: اسْتَجْمَعَ صفاتِ النِّفاقِ.

والنِّفاقُ لُغةً: مأخوذٌ منْ نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وهو حيوان له جحران، أحدهما: النَّافِقاء، وهو موضِعٌ يُرقِّقُهُ بحيثُ إذا ضَرَبَ رأسَهُ عليْهِ ينشَقُّ، وهوَ يكتُمُه ويُظْهِرُ غيرَهُ، فإذا أتَى الصَّائِدُ إليْهِ من قبل القاصعاء، وهُوَ جُحْرُهُ الظَّاهرُ، ضَرَبَ النَّافِقاءَ برأسِهِ فانْتَفَقَ، أي: خرج، فكما أنَّ اليربُوعَ يكتُمُ النَّافِقاءَ ويُظْهِرُ القاصعاءَ، فكذلِكَ المنافِقُ يكتمُ الكُفرَ ويظهرُ الإِيمانَ، أو يدخلُ في الإِيمانِ من بابٍ ويخرُجُ منْ آخرَ.

والنِّفاقُ اصْطِلاحًا: ستْرُ الكُفْرِ وإظهارُ الإسْلامِ.

قالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: «وَهُوَ اسْمٌ إِسْلامِيٌّ لَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ بِالمَعْنَى المَخْصُوصِ بِهِ، وَهُوَ الذي يَسْترُ كُفْره وَيُظْهِرُ إيمانَه؛ وَإِنْ كانَ أَصله في اللُّغَةِ مَعْرُوفًا».

«خَصْلَةٌ» صِفَةٌ.

«يَدَعها» أي: يَتْرُكها، ويُخَلِّص نفْسَهُ منْها.

«غَدَرَ» أي: نقَضَ العَهْدَ، وترَكَ الوَفاءَ بما عاهَدَ عليْهِ.

«خاصَمَ»: نازَعَ وجادَلَ.

«فَجَرَ»: مالَ عنِ الحقِّ، واحتالَ في رَدِّه.

الشرح الإجمالي للحديث

أنواعُ النِّفاق

أصْغَرُ عملِيٌّ

أكبرُ اعتقادِيٌّ

هذا الحديثُ يوضِّحُ صِفاتِ المُنافِقِ، والنِّفاقُ نَوْعانِ:

الأوَّلُ: النِّفاقُ الأكْبَرُ الاعْتِقاديُّ: الَّذي يُظْهِرُ صاحبُهُ الإسْلامَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ، وهذا النُّوعُ مُخرِجٌ منَ الملَّةِ، ونزَلَ القُرآنُ بذَمِّ أهلِهِ وتكْفِيرِهِمْ، قال تعالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145].

الثَّاني: النِّفاقُ الأَصْغَرُ العَمَلِيُّ: وهوَ انْحِرافٌ في السُّلوكِ يجعَلُ صاحِبَهُ شبيهًا بأصْحابِ نفاقِ العقيدَةِ؛ لأنَّهُ يُبْطنُ خلافَ ما يُظهر، وهُوَ منْ كبائِرِ الإثْمِ والمعاصِي، وهوَ المقصُودُ بهذا الحدِيثِ.

ومنِ اجتَمَعَتْ فيهِ هذِهِ الخصالُ الأرْبَعُ فقدِ اجتَمَعَ فيهِ الشَّرُّ؛ فإنَّ الصِّدْقَ والقيامَ بالأماناتِ والوفاءَ بالعُهودِ والورعَ عنْ حقُوقِ الخَلْقِ وعدمَ الفُجورِ عنْدَ الخُصومةِ هيَ جِماعُ الخيرِ، ومنْ أخَصِّ أوصافِ المؤُمنينَ، فمَنْ فقَدَ واحدَةً منْها فهُوَ على خَطَرٍ، يَكادُ يقترِبُ منَ المنافِقِ الحقيقيِّ، فكيْفَ بفَقْدِ جميعِها؟!

فوائد الحديث

1- في هذا الحدِيثِ: تحذيرٌ شديدٌ من هذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ: الخيانةِ في الأمانَةِ، والكذبِ في الحدِيثِ، والغَدْرِ بالعَهْدِ، والفُجُورِ في الخصُومةِ.

أوَّلًا: حرمةُ خيانةِ الأمانةِ: أي: حُرْمَةُ التَّصرُّفِ في الأمانةِ على خِلافِ الشَّرعِ، ونقْصِ ما ائتُمنَ عليْهِ، وعدم أدائه كما هو.

وأداءُ الأمانةِ ممَّا أمرَ بهِ الله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:58]، وعنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «أَدِّ الأَمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خانَكَ». أخرَجَهُ أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمِذيُّ، وصحَّحهُ الألبانيُّ.

قالَ القُرْطُبيُّ: «والأَمانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وَظائِفِ الدِّينِ».

ثانيًا: التَّحْذِيرُ منَ الكَذِبِ: فلا يَجُوزُ للإنسانِ أنْ يكْذِبَ، والكذِبُ منْ أقبحِ الذُّنوبِ الَّتي يرتكبُها بنو آدَمَ، فعَنْ عبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا». مُتَّفقٌ عليْهِ.

ثالثًا: الغَدْرُ في العَهْدِ: فإذا أعْطَى عَهْدًا على أيِّ شيْءٍ منَ الأشْياءِ غدَرَ بهِ، ونقَضَ العَهْدَ، وهذا يشمَلُ المعاهدَةَ معَ الكُفَّارِ، والمعاهدَةَ معَ المسْلِمِ، وفي الحديثِ عنْ عبْدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال: «لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيامَةِ، يُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ». مُتَّفقٌ عليْهِ. وهذا يدلُّ على أنَّ الغَدْرَ من كبائِرِ الذُّنوبِ.

قالَ ابْنُ بطَّالٍ: «دلَّ علَى أنَّ الغَدْرَ حرامٌ لجمِيعِ النَّاسِ، بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ؛ لأنَّ الغَدْرَ ظُلْمٌ، وظُلْمُ الفاجِرِ حرامٌ كظُلْمِ البَرِّ التَّقِيِّ».

الرَّابِعَةُ: إذا خاصَمَ فَجَرَ: والفُجُورُ في الخُصُومَةِ نوْعانِ؛ الأوَّلُ: أنْ يَدَّعِيَ ما لَيْسَ له. الثَّاني: أنْ يُنْكِرَ ما يجِبُ عليْهِ.

ويُطلَقُ الفُجورُ بمعْنَى التَّطاوُلِ علَى الشَّخْصِ عنْدَ خُصومَتِهِ، والطَّعْنِ فيهِ، والتَّشْهيرِ بِهِ، ونحْوِهِ.

2- أنَّ الإنسانَ قدْ يجتمعُ فيهِ خِصالُ إيمانٍ وخِصالُ نفاقٍ، وهذا مذْهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: أنَّ الإنسانَ قد يكونُ فيهِ خَصْلَةُ نفاقٍ وخصْلَةُ فُسوقٍ، وخصلَةُ عدالَةٍ وخَصْلَةُ وِلايَةٍ ...، فليْسَ بالضَّرورَةِ أنْ يكونَ الإنسانُ كافرًا خالصًا أوْ مُؤمنًا خالصًا، بلْ قدْ يكونُ مؤمنًا فيهِ خصالٌ منَ الكُفْرِ.

3- تحْرِيمُ هذهِ الخصالِ الأربعَةِ، وهيَ الكذِبُ، والغَدْرُ في العَهْدِ، والخيانةُ في الأمانَةِ، والفُجورُ في الخُصومَةِ.

قالَ النَّوِويُّ: «وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَماءُ على أَنَّ مَنْ كانَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ وَلِسانِهِ وَفَعَلَ هَذِهِ الخِصالَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ، وَلا هُوَ مُنافِقٌ يُخَلَّدُ في النَّارِ».

نشاط

1- عَرِّفِ النِّفاقَ لُغةً واصْطِلاحًا، مُبَيِّنًا العَلاقَةَ بيْنَ المعنَى اللُّغويِّ والاصْطِلاحيِّ.

2- في هذا الحديثِ بيانٌ لكوْنِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ تَرْعى الأخلاقَ الكريمَةَ، وتدْعُو إليْها، بيِّنْ ذلِكَ.

3- اذْكُرْ رابطًا بيْنَ هذِهِ الخِصالِ الذَّميمَةِ المذكورةِ في الحدِيثِ.

الحديث الخامس عشر

الحديث الخامس عشر: «لا تحاسدوا...»

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبادَ الله إِخْوانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هاهُنا» وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ منَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرامٌ؛ دَمُهُ وَمالُهُ وَعِرْضُهُ». رَواهُ مُسلِمٌ.

شرح المفردات

«لا تَحاسَدُوا» الحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، وهو محرم، من كبائر الذنوب.

«وَلا تَناجَشُوا» أي: لا يَنْجُشُ بعضُكُمْ على بعْضٍ، وهوَ نَوْعٌ منَ الغِشِّ والخدِيعَةِ في المعامَلات، ويدخُلُ في النِّكاحِ كذلِكَ.

النَّجْشُ: قال أهلُ اللغةِ: «نَجَشَ الرَّجُلُ يَنْجُشُ نَجْشًا، إِذا زادَ في سِلْعَةٍ أَكْثَرَ منْ ثَمَنِها، وَلَيْسَ قَصْدُهُ أَنْ يَشْتَرِيَها، بَلْ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ، فَيُوقِعَهُ فيها».

«وَلا تَباغَضُوا» أي: لا يبْغَضْ بعضُكُمْ بعْضًا، فلا تَسْعَوْا في أسبابِ البَغْضاءِ، وإذا وَقَعَ في قلُوبِكُمْ بغْضٌ لإخوانِكُمْ فاحْرِصُوا علَى إزالَتِهِ منَ القُلُوبِ.

«وَلا تَدابَرُوا»: يحتملُ معنَيِيْنِ:

الأَوَّل: حِسِّيٌّ، بأنْ يُوَلِّي بعضُكُمْ ظهْرَ بعْضٍ.

الثَّانِي: معنويٌّ، أي: لا تَدابَرُوا في الرَّأْيِ.

«وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُم على بَيعِ بَعضٍ»: وهذا يَحْرُمُ بعْدَ تمامِ الصَّفْقَةِ.

كأنْ يَرَى أحدُهم شَخْصًا باعَ لِآخَرَ سِلْعَةً بعَشرَةٍ، والصفقة انتهت، فيأتي إلى المُشْتَرِي ويقول: أنا أُعْطِيكَ مِثلَها بتسْعَةٍ، أوْ أُعْطِيكَ خَيْرًا منْها بعشرةٍ، فهذا بَيْعٌ علَى بَيْعِ أخِيه ، وهُوَ حَرامٌ.

«وَكُونُوا عِبادَ الله إِخْوانًا» أي: صِيرُوا مثْلَ الإِخْوَةِ، ومعلُومٌ أنَّ الإِخْوَةَ يُحبُّ كُلُّ واحدٍ منْهُمْ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لنفْسِهِ.

وقولُهُ: «عِبادَ الله » جملةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، المقْصُودُ منْها الحَثُّ على هذِهِ الأُخُوَّةِ.

«المُسلِمُ أَخو المُسلِمِ» أي: مثْلُ أَخِيهِ في الوَلاءِ والمحبَّةِ والنُّصْحِ وغيرِ ذلِكَ.

«لا يَظلِمُهُ» أي: لا يظلِمُهُ في مالِهِ، ولا في عِرْضِهِ، ولا في أهْلِهِ، بلْ يَعْدِلُ معَهُ، ويكونُ خليفَتَهُ في مالِهِ وأهلِهِ وعرْضِهِ.

«وَلا يَخذُلُهُ» أي: لا يَهْضِمُهُ حقَّهُ في مَوْضِعٍ كانَ يحبُّ أنْ ينتَصِرَ لهُ فيهِ.

قالَ العُلماءُ: الخُذْلانُ: ترْكُ الإعانَةِ والنَّصْرِ، ولازِمُهُ أنَّهُ إذا اسْتَعانَ بهِ في دَفْعِ ظالِمٍ ونحوِهِ وَجَبَتْ إعانَتُهُ إذا أمْكَنَهُ.

«وَلا يَحْقِرُهُ» أي: لا يسْتَصْغِرُهُ ويسْتَقِلُّهُ، ويرى نفْسَهُ أكْبَرَ منْهُ، وأنَّ أخاهُ لا يُساوي شَيْئًا.

«التَّقْوَى هاهُنا» أي: تَقْوَى الله عز وجل أساسها في القَلْبِ، والأَعْمالُ الظَّاهرَةُ دليل على ما يقَعُ في القَلْبِ من عظَمَةِ الله وخشْيَتِهِ ومراقَبَتِهِ، لكن لا يكفي الاقتصار على عمل اللسان والجوارح دون القلب.

«وَيُشيرُ إلى صَدرِهِ ثَلاثَ مَراتٍ» تأكيدًا لقولِهِ، ولكَوْنِ القلبِ هوَ الَّذي عليْهِ مدارُ العَمَلِ والقَبُولِ.

«بِحَسْبِ امْرِئٍ منَ الشَّرِّ»: «بحَسْبِ» بمعنى: كافٍ، والمعنى: يكْفِي الإنسانَ منَ الإثْمِ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ.

«كُلُّ المُسلِمِ على المُسْلِمِ حَرامٌ؛ دَمُهُ وَمالُهُ وَعِرضُهُ»: فَلا يجوزُ انْتِهاكُ دَمِ المسْلِمِ ولا مالِهِ ولا عِرْضِهِ وسُمْعَتِهِ، فكلُّ المُسلمِ على المُسْلِمِ حَرامٌ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحَدِيثُ أصْلٌ في حقِّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ، وفيما ينْبَغِي أنْ يكُونَ بيْنَ المُسلمِينَ منْ أنْواعِ التَّعامُلِ.

ففِي الحَدِيثِ يُرشِدُ النَّبيُّ الكريمُ ﷺ إلى ما يجِبُ عليْنا معْشَرَ المُسلِمِينَ منْ أنْ نكونَ مُتحابِّينَ مُتآلِفِينَ مُتعامِلِينَ فيما بيْنَنا مُعامَلَةً حسَنَةً شرْعِيَّةً، تهْدِينا إلى مكارِمِ الأَخْلاقِ، وتُبْعِدُنا عنْ مَساوِئِها، وتُذْهِبُ عنْ قُلوبِنا البَغْضاءَ، وتجْعَلُ معامَلَةَ بعضِنا لبَعْضٍ مُعامَلَةً سامِيَةً خاليَةً منَ الحَسَدِ والظُّلْمِ والغِشِّ وغيْرِ ذلِكَ ممَّا يَسْتَجْلِبُ الأَذَى والتَّفَرُّقَ؛ لأنَّ أذيَّةَ المُسلِمِ لأخِيهِ حرامٌ، فكُلُّ المُسلِمِ على المُسْلِمِ حرامٌ، ثُمَّ بيَّنَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ مدارَ التَّقْوَى علَى ما قامَ في القَلْبِ، وأنَّ الأعْضاءَ تابِعَةٌ لَهُ، ودَلِيلٌ عليْهِ.ﷺ

فوائد الحديث

1- تحريمُ الحَسَدِ، حيث جاء النَّهْيُ عنه، وقد وَرَدَ ذَمُّهُ في غيرِ موضعٍ في الشَّرعِ.

وَمنَ الحسَدِ أنْ يعْتَقِدَ أنَّ هذا الَّذي أنْعَمَ الله عليْهِ ليْسَ بأَهْلٍ لهذِهِ النِّعْمَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ فضْلَ الله ، وهذا منْ أسْوَأِ صُورِ الحسَدِ، فهُوَ اعتِراضٌ علَى قضاءِ الله، وعَلَى قَدَرِهِ ونعْمَتِهِ وحكمته؛ كما أنه ينطَوِي على اعْتِقادٍ خبيثٍ، وسُوءِ ظَنٍّ بالله تعالَى.

ومنْهُ قولُ البَعْضِ:

حَرامٌ أنْ يُعْطَى فلانٌ كَذا وكَذا! حَرامٌ أنْ تكُونَ عنْدَهُ هذِهِ النِّعْمَةُ! حرامٌ أنْ يكُونَ عنْدَهُ هذا المالُ!!

2- تَحْريمُ المُناجَشَةِ؛ لما فيها منَ العُدْوانِ علَى الغَيْرِ ومُخادَعَتِهِ، وكونِها سببًا كبيرًا للتَّباغُضِ.

3- تَحْرِيمُ التَّدابُرِ، وهُوَ أنْ يُولِّيَ لأخِيهِ ظهْرَهُ، ولا يُلْقِيَ لَهُ بالًا، وَلا يَهْتَمَّ بهِ عندَ حديثِهِ معَهُ؛ لأنَّ هذا كلَّهُ ضدُّ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ.

وكَذا التَّدابُرُ في الرَّأيِ، فكُلَّما أمْكَنَ الائْتِلافُ في الرَّأْي، وترْكُ النِّزاعِ والاخْتِلافِ كانَ أقْرَبَ للشَّرْعِ، وأبْعَدَ عنْ وجُودِ الشَّحْناءِ بيْنَ المُسْلِمِينَ.

اسْتِدْبارُ المَأْمُومِينَ بَعْدَ الصَّلاةِ:

ذكرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ الإمامَ لا يَنْبَغِي أنْ يبْقَى مُسْتدْبِرًا المأْمُومِينَ إنِ انْتَهَى منَ الصَّلاةِ، قال زَيْنُ الدِّينِ بْنُ المُنَيِّرِ رحمه الله: «اسْتِدْبارُ الإِمامِ المَأْمُومِينَ إِنَّما هُوَ لِحَقِّ الإِمامَةِ، فَإِذا انْقَضَتِ الصَّلاةُ زالَ السَّبَبُ».

قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدارَ ما يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمنْكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإِكْرامِ». رَواهُ مُسْلِم.

4- تحْرِيمُ هجْرِ المُسْلِمِ لأخِيهِ المُسْلِمِ ومقاطَعَتِهِ؛ لأنَّ التَّدابُرَ نوْعٌ منَ القَطِيعَةِ والهُجْرانِ.

لكِنْ ليْسَ منَ البَيْعِ علَى بَيْعِ أخِيهِ: أنْ يعرض الرَّجُلُ السِّلْعَةَ بعَشرةٍ ولَهُ جارٌ يبِيعُها بأَحَدَ عشرَ، فهذا جائِزٌ، وليْسَ داخِلًا في النَّهْيِ.

5- تحْرِيمُ البَيْعِ علَى البَيْعِ، ومثلُهُ الشِّراء علَى الشِّراء، والخِطْبَة على الخِطْبَة، والإِجارَة على الإجارة، وغَيْر ذلِكَ منْ الحقوق.

أقسامُ الهَجْر

هَجْرٌ لأجْلِ الدِّين

هَجْرٌ لغَرَضٍ دُنْيَويٍّ

والهَجْرُ قِسْمانِ:

الأوَّلُ: الهَجْرُ لأَمْرِ الدِّينِ، فيجوزُ هجْرُ المسلِمِ لأجْلِ الدِّينِ إذا كانَ فيْهِ مَصْلَحَةٌ، وهذا كَما هجَرَ النَّبيُّ ﷺ الُمخَلَّفِينَ الثَّلاثَةَ في غزْوَةِ تَبُوكَ.

الثَّاني: الهَجْرُ لغَرَضٍ دُنْيوِيٍّ، كأنْ يهْجُرَ أخاهُ المُسلِمَ لشيْءٍ وقَعَ في قلْبِهِ منْ أمْرِ الدُّنيا، فللمُسلمِ أنْ يهْجُرَ أخاهُ إلى ثلاثَةِ أيَّامٍ، وما بعْدَها فحَرامٌ عليْهِ أنْ يَهْجُرَهُ.

6- الحرص على تنْمِيَةِ الأُخُوةِ الإِيمانيَّةِ، وأنَّ على المُسلِمِ ألَّا يظْلِمَ أخاهُ المُسلِمَ، ولا يخذُلَهُ ولا يَحْقِرَهُ.

7- أنَّ محلَّ التَّقْوى هوَ القَلْبُ، فإذا اتَّقى القَلْبُ اتَّقَتِ الجَوارِحُ تبعا له.

«التَّقْوَى هاهُنا»

هَذِهِ الكَلِمَةُ يقولُها بعْضُ النَّاسِ إذا عَمِلَ مَعْصِيةً وَأُنْكِرَ عليْهِ، فيقُولُ: «التَّقْوَى هاهُنا» ويُشِيرُ إلى قَلْبِهِ!

ويجابُ عليْهِ: أنَّهُ لوْ كانَ في قَلْبِهِ تَقْوى لصلُحَتْ جوارِحُهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ». مُتَّفَقٌ علَيْه.

8- تحْرِيمُ احْتِقارِ المُسْلِمِ، بأنْ يعْتَقِدَ أنَّ هذا الشَّخْصَ وَضِيعٌ، أوْ أَقَلُّ قَدْرًا منْهُ، إمَّا لأَجْلِ نَسَبٍ، أوْ لِأَجْلِ صِناعةٍ، أو لِأَجْلِ جِنْسِيَّةٍ، فالإِسْلامُ رَفَعَ المُسْلِمَ، وجَعَلَهُ مُكَرَّمًا.

9- تَحْريمُ دَمِ المُسْلِمِ ومالِهِ وعِرْضِهِ وهَذا هوَ الأَصْلُ، وقدْ توجَدُ أسْبابٌ شَرْعِيَّةٌ تُبِيحُ ذلِكَ؛ ولهذا قال الله عز وجل : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، وقال تعالى : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126].

10- أنَّ الأُمَّةَ الإسْلاميَّةَ لوْ أخَذَتْ بهذِهِ التَّوْجيهاتِ لنالَتْ سعادَةَ الدُّنيا والآخِرَةِ؛ لأنَّها كُلَّها آدابٌ عظِيمةٌ عاليةٌ راقِيةٌ، تَحْصُلُ بها المصالِحُ وتُكَفُّ بها المفاسِدُ.

11- إبْطالُ النَّعَراتِ القَومِيَّةِ والحِزْبِيَّةِ، فالمُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، بقطْعِ النَّظَرِ عنْ جِنْسِيَّتِهِ أوْ لُغَتِهِ أوْ لَوْنِهِ.

نشاط

1- في قولِهِ ﷺ: «المُسلِمُ أخو المُسْلِمِ» تَنْبِيهاتٌ عظيمةٌ، بيِّنْها.

2- اشتَمَلَ الحدِيثُ على جُملَةٍ منَ الأُمُورِ المُحرَّمةِ، بيِّنْها.

3- اسْتَعْمِلْ هذا الحَديثَ في الرَّدِّ علَى أدْعِياءِ القَوْمِيَّةِ والعُرُوبَةِ.

الحديث السادس عشر

الحديث السادس عشر:

«أيّها النّاس، إنّ الله طيب لا يقبل إلا طيبًا...»

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ المُؤْمنِينَ بِما أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﮨ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51] وَقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ يا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرامِ، فَأَنَّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟». رَواهُ مُسْلِمٌ.

شرح المفردات

«إِنَّ الله تعالى طَيِّبٌ» أي: مُنَزَّهٌ عنِ النَّقائِصِ، لا يَعْتَرِيهِ الخُبْثُ بأيِّ حالٍ منَ الأَحْوالِ.

فهُوَ عز وجل طيِّبٌ في ذاتِهِ، وطيِّبٌ في أسْمائِهِ، وطيِّبٌ في صِفاتِهِ، وطيِّبٌ في أحْكامِهِ، وطيِّبٌ في أفْعالِهِ، وطيِّبٌ في كلِّ ما يَصْدُرُ منه.

«لا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» فهُوَ الله عز وجل لا يقْبَلُ إلَّا الطيِّبَ منَ الأقْوالِ والأفْعالِ والأمْوالِ وكلِّ شيْءٍ، وكُلُّ رَدِيءٍ فهُوَ مَرْدُودٌ عنْدَ الله عز وجل.

«ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ» هذِهِ الجُملَةُ من كَلامِ الرَّاوِي.

«أَشْعَث أَغْبَر» أَشْعَثَ؛ أي: ثائِرَ الشَّعْرِ غَيْرَ مَمْشُوطٍ. أَغْبَر، أي: منَ التُّرابِ، أي: أنَّهُ لا يهْتَمُّ بنَفْسِهِ.

«يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ»: ومدُّ اليَدَيْنِ إلى السَّماءِ منْ أسْبابِ إجابَةِ الدُّعاءِ، كما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ الله حَيِيٌّ كَرِيْمٌ يَسْتَحِيي منْ عَبْدِهِ إِذا رَفعَ يَديْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا». أخرجَهُ أحمَدُ وأبو داودَ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

«يا رَبِّ يا رَبِّ» هذا نداءٌ بتَكْرارِ ذِكْرِ الرُّبُوبيَّة؛ لأنَّ ذلِكَ وسيلَةٌ لإجابَةِ الدُّعاءِ، لأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ منْ مُقْتضياتِ الرُّبُوبِيَّة.

«وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ وَمَشرَبُهُ حَرامٌ» أي: طعامُهُ الَّذي يأكلُهُ حَرامٌ، وشرابُهُ الَّذي يشرَبُهُ حَرامٌ.

«وغُذِيَ بالحَرامِ» أي: تَغَذَّى جسَدُهُ بالحَرامِ.

«فَأَنَّى» اسْمُ اسْتِفْهامٍ، والمرادُ بهِ الاسْتِبْعاد.

أي: يَبْعُدُ أنْ يُسْتَجابَ لهذا، معَ أنَّ أسْبابَ الإجابَةِ موجُودَةٌ: إطالةُ السَّفر- التَّبذُّلُ في اللِّباس والهيْئَةِ- مَدُّ يدَيْهِ إلى السَّماء- الإلْحاحُ على الله بتكْرِيرِ ذكْرِ رُبوبيَّتِهِ.

الشرح الإجمالي للحديث

أفادَ هَذا الحَدِيثُ أنَّ اللَه سبحانَهُ مُنزَّهٌ عنِ النَّقائِصِ والعُيُوبِ، مَوْصُوفٌ بصفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ سبحانَهُ لا يُتقرَّبُ إليْهِ بصدَقَةٍ منْ حَرامٍ، أوْ ما فيهِ شُبْهَةٌ، وأنَّ الله قدْ أباحَ للمُؤمنينَ الأكْلَ منَ الطَّيِّباتِ، كما أباحَهُ للْمُرْسلِينَ معَ المُطالَبَةِ بالعمَلِ الصَّالِحِ والشُّكْرِ لله علَى نِعَمه.

ثُمَّ ذكَرَ شيْئًا كالمثالِ تحْذِيرًا لأُمَّتِهِ منَ الحَرامِ، وهوَ الرَّجلُ يُطيلُ السَّفرَ- أي: في وُجُوهِ الطَّاعاتِ منْ حَجٍّ وجِهادٍ واكْتِسابِ معِيشَةٍ، - أشعْثُ الرَّأْسِ مُغْبَرُّ اللَّوْنِ منْ طولِ سَفَرِهِ، يَمُدُّ يديْهِ إلى السَّماءِ بالدُّعاءِ إلى الله ، والتَّضَرُّعِ إليهِ والتَّذَلُّلِ بيْنَ يدَيْهِ، ومعَ ذلِكَ لا يُستجابُ لَهُ؛ لِعَدَمِ طيبِ كَسْبِهِ، فإنَّ مطعَمَهُ ومشْرَبَهُ حرامٌ، فلْيَحْذَرْ كلُّ مُؤْمنٍ أنْ يكونَ بهذِهِ الصِّفَةِ المانِعَةِ منَ الدُّعاءِ.

فوائد الحديث

1- أنَّ منْ أسْماءِ الله تعالى الطَّيِّبَ، وأسْماؤُهُ سبحانَهُ كلُّها حُسْنَى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180].

وَهُوَالله عز وجل طَيِّبٌ في صِفاتِهِ: فكُلُّ صفاتِ الله تعالى طَيِّبَةٌ، ليْسَ فيها نقْصٌ بوجْهٍ منَ الوُجُوهِ، وكذلِكَ طَيِّبٌ في أفعالِهِ؛ فأفعالُ الله تعالى كلُّها خَيْرٌ، وأحكامُهُ كذلِكَ كلُّها مُتضَمِّنةٌ لمصلَحَةِ العبادِ في معاشِهِمْ ومعادِهِمْ؛ ولِذا فهيَ طيِّبةٌ صالحةٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ وحالٍ.

2- أنَّ التَّعامُلَ بالمالِ الحَرامِ أكْلًا ولِباسًا وتغْذِيةً مانعٌ منْ إِجابَةِ الدُّعاءِ، مهْما توفَّرتْ أسبابُ الإِجابَةِ؛ منَ السَّفَرِ وإظْهارِ الضَّعْفِ ورَفْعِ الأيْدِي والإِلْحاحِ وغيرِها. قال بعْضُ السَّلَفِ: «لا تَسْتَبْطِئِ الإجابَةَ، وقَدْ سَدَدْتَ طُرُقَها بالمعاصِي».

3- أنَّ الرُّسُلَ عليهم السلام يُؤْمَرُونَ ويُنْهَوْنَ، فهُمْ أكمَلُ العبادِ عِبادةً ﷲِ عز وجل .

4- أنَّ مَنِ امْتَنَعَ عنِ الطَّيِّباتِ تعبُّدا فهو مذْمُومٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].

5- توجِيهُ الأَمْرِ لمنْ هوَ متَّصِفٌ به، لقولِهِ: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51] فوجَّهَ الأَمْرَ بالعَمَلِ الصَّالِحِ للْمُرْسَلِينَ معَ أنَّهم يعمَلُونَ الصَّالِحاتِ ولا شَكَّ، وهذا كقولِهِ تعالَى لرَسولِهِ مُحمَّدٍ ﷺ: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1]، مَعَ أنَّهُ ﷺ أَتْقَى النَّاسِ لله عز وجل.

6- تحْريمُ الخبائِثِ؛ لقولِهِ: ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: 51]. والخَبِيثُ: هوَ ما اسْتَخْبَثَهُ الشَّرْعُ.

7- أنَّ الصَّدَقَةَ لا تُقبلُ إلَّا منْ مالٍ حَلالٍ، وقدْ ثَبَتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «لا يَقْبَلُ الله صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةً منْ غُلُولٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الصَّحيحَيْنِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ منْ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ الله إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ».

الصَّدقَةُ بالمالِ الحَرامِ قِسْمانِ:

الأوَّلُ: أنْ يتَصَدَّقَ السَّارقُ أوِ الغاصِبُ عن نفْسِهِ بالمالِ المَسْرُوقِ، فهذا لا يُقبَلُ منْهُ، بلْ يأثَمُ بتَصرُّفِهِ في مالِ غيْرِهِ بغيْرِ إذْنِهِ.

الثَّانِي: أنْ يتصدَّقَ بهِ عنْ صاحبِهِ، إذا عَجَزَ عنْ رَدِّهِ إليْهِ أوْ إِلى ورَثَتِهِ مباشرةً، فهَذا جائزٌ عنْدَ أكْثَرِ العُلماء.

8- أنَّ السَّفَرَ منْ أسبابِ إجابَةِ الدُّعاءِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ذَكَرَه في سِياقِ أسْبابِ قبولِ الدُّعاءِ، ولا سِيَّما إذا أطالَ السَّفَرَ وبَعُدَ عنِ الوَطَنِ؛ فإنَّ قلبَهُ يكونُ أشدَّ انكِسارًا ولُجُوءًا إلى الله عز وجل، وقَدْ وَرَدَتْ أحادِيثُ في أنَّ المُسافِرَ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ.

الدُّعاءُ: منْ أعظَمِ أنْواعِ العبادَةِ، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﭢ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﯯ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﯵ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].

وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «الدُّعاءُ هوَ العِبادَةُ». رَواهُ أبو داودَ والتِّرمذيُّ وصحَّحهُ، وابنُ ماجَه.

آدابُ الدُّعاءِ: يُستَحَبُّ للعَبْدِ إذا دَعا أنْ يتحَلَّى بآدابٍ، منْها:

الطَّهارَةُ -اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ- حُضُورُ القَلْبِ، وإقبالُهُ على الله تعالى -رَفْعُ اليَدَيْنِ إلى السَّماءِ- الحَمْدُ والثَّناءُ عَلى الله تبارَكَ وتعالَى عنْدَ ابْتِداءِ الدُّعاءِ -الصَّلاةُ علَى النَّبيِّ ﷺ الإِلْحاحُ علَى الله - إظْهارُ الفَقْرِ والحاجَةِ والاضْطِرارِ بيْنَ يدَيِ الله تعالَى.

نشاط

1- ما المُرادُ بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ الله طَيِّبٌ»؟

2- في الحَديثِ «إِنَّ الله تعالى لا يقبَلُ إلَّا طيِّبًا»، كيْفَ تُوجِّهُ آكِلِي الرِّبا والمُرْتَشِينَ ونَحْوَهُمْ بهذا الحَدِيثِ؟

3- علَى ضوْءِ دِراسَتِكَ للحَدِيثِ بيِّنْ أسبابَ إجابَةِ الدُّعاءِ، ومتى تَتَخَلَّفُ الإِجابَةُ؟

الحديث السابع عشر

الحديث السابع عشر: «لا طاعة في معصية الله ...»

عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا طاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله ، إِنَّما الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

راوي الحديث

عليُّ بنُ أبي طالِبٍ الهاشِمِيُّ، رابعُ الخُلفاءِ الرَّاشِدِينَ بإجماعِ الأُمَّةِ، وابن عم النَّبيِّ ﷺ، زوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطمةَ رضي الله عنها، وَلِيَ الخلافَةَ بعْدَ مَقْتَلِ أميرِ المؤمنينَ عُثْمانَ رضي الله عنه، وقُتِلَ بالكُوفَةِ سنةَ 40هـ.

شرح المفردات

«إِنَّما الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ» أي: الطَّاعَةُ للمَخْلُوقِ في أمْرٍ عُرِفَ بالشَّرْعِ، فالمعْرُوفُ هوَ ما أقرَّهُ الشَّرْعُ، ولمْ يتَنافَ معَهُ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ أصْلٌ في أنَّهُ لا يجوزُ طاعةُ أحدٍ في معصِيةِ الله ، سواءٌ في ذلكَ الأُمراءُ والعُلماءُ والمشايخُ.

فوائد الحديث

1- وُجوبُ طاعَةِ وُلاةِ الأُمُورِ من المسلمين في غَيْرِ معْصيةِ الله ، وقَدْ وَرَدَ في هذا الأَمْرِ جُمْلةٌ منَ الآثارِ، منْها:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَنْ أَطاعَنِي فَقَدْ أَطاعَ الله وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى الله ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصانِي». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فيما أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طاعَةَ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

وقالَ النَّوَوِيُّ: «وَأَمَّا الخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتالُهُمْ فَحَرامٌ بِإِجْماعِ المُسْلِمِينَ، وَإِنْ كانُوا فَسَقَةً ظالِمِينَ، وَقَدْ تَظاهَرَتِ الأَحادِيثُ بِمَعْنَى ما ذَكَرْتُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لا يَنْعَزِلُ السُّلْطانُ بِالفِسْقِ».

قالَ عبْدُ الله بنُ المُبارَكِ:

إِنَّ الجَماعَةَ حَبْلُ الله فاعْتَصِمُوا

منْهُ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقَى لِمَنْ دانا

كَمْ يَدْفَعُ الله بالسُّلْطانِ مَظْلَمَةً

فِي دِينِنا رَحْمَةً منْهُ وَدُنْيانا

لَوْلا الخَلِيفَةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنا سُبُلٌ

وَكانَ أَضْعَفُنا نَهْبًا لِأَقْوانا

2- أنَّ الطَّاعَةَ لأصْحابِ الوِلاياتِ الشَّرعيَّةِ، قال تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59].

قالَ الشَّيخُ ابنُ بازٍ: «وَأُولُو الأَمْرِ هُم: العُلماءُ وأُمَراءُ المُسلِمِينَ، يُطاعُونَ في طاعَةِ الله إذا أَمَرُوا بطاعَةِ الله ، وليسَ في معْصِيةِ الله ، فالعُلماءُ والأُمَراءُ يطاعُونَ في المعْرُوفِ؛ وبهذا تستقِيمُ الأحوالُ ويحصُلُ الأمْنُ وتُنفَّذُ الأوامِرُ ويُنْصَفُ المظلومُ ويُردَعُ الظَّالمُ، أمَّا إذا لم يُطاعُوا فسَدَتِ الأُمورُ وأكَلَ القَويُّ الضَّعيفَ».

3- لا طاعَةَ مُطْلَقَةً إلَّا للرُّسُلِ عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قال شيْخُ الإسْلامِ: «وقَدِ اتَّفَقَ المُسلِمُونَ علَى أنَّهُ ليْسَ منَ المَخْلُوقِينَ مَنْ أَمْرُهُ حَتْمٌ علَى الإِطْلاقِ إلَّا الرُّسُلَ الَّذينَ قال الله فيهِمْ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]».

هَلْ يُطاعُ الوالِدانِ في تَرْكِ الصلاة وخلع الحجاب؟

قالَ الله تعالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:8]، وقَدْ فسَّرَ العُلَماءُ الآيةَ بأنَّهُ لا طاعةَ للوالِدَيْنِ في معْصِيةِ الله ، سَواءٌ في الشِّرْكِ أوْ غيْرِهِ.

قالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: «وَيَلْزَمُ الإِنْسانَ طاعَةُ والِدِيهِ في غَيْرِ المَعْصِيَةِ وَإِنْ كانا فاسِقَيْنِ ... وَهَذا فيما فيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُما وَلا ضَرَرَ».

3- أنَّهُ لا طاعَةَ واجِبَةً علَى المرْأَةِ لزوْجِها في حضور الحفلات الماجنة، أوْ ترْكِ صلاتِها، أو صَوْمِ رمضان ونحوِهِ، ولا طاعةَ علَى المُوظَّفِ لمُدِيرِهِ في أخذ الرشاوي ودفعها وتمرير الصفقات المحرمة ونحْوِهِ.

نشاط

1- اذْكُرْ صُورًا منْ طاعَةِ المخْلُوقِ في معْصِيَةِ الخالِقِ، مَعَ التَّوْجيهِ، مُستَنِدًا لما وَرَدَ في الحَدِيثِ.

2- اكتُبْ بحْثًا مُختصَرًا في ضَوابِطِ طاعَةِ وُلاةِ الأُمُورِ والزَّوْجِ والمُدِيرِ وكُلِّ مَنْ لَهُ سُلْطَةٌ.

3- بيِّنْ خطَرَ الخرُوجِ علَى وُلاةِ الأَمْرِ، وارْبِطْ بيْنَ الخُرُوجِ والتَّوْجِيهِ النَّبَويِّ في الحَدِيثِ.

الحديث الثامن عشر

الحديث الثامن عشر: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين...»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المُتَشَبِّهِينَ منَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتِ منَ النِّساءِ بِالرِّجالِ». رَواهُ البُخارِيُّ.

شرح المفردات

«لَعَنَ» اللَّعْنُ هو: الإِبْعادُ والطَّرْدُ منْ رحمَةِ الله ، وهُوَ دُعاءٌ منْ رُسولِ الله ﷺ علَى مَنْ فعَلَ هذا الفِعْلَ بالطَّرْدِ والإِبْعادِ عنْ رَحْمَةِ الله ، وأنْ يَسْحَقَهُ الله تعالَى وَيُخْزِيَهُ.

«المُتَشَبِّهِينَ... والمُتَشَبِّهاتِ» أي: يقصِدُونَ التَّشَبُّهَ في شيْءٍ من خصائصِ الجِنْسِ الآخَرِ، في اللِّباسِ والزِّينَةِ والأَخْلاقِ والأَفْعالِ والحَرَكاتِ ونحْوِ ذلِكَ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ يُشِيرُ إلى أصْلٍ عظِيمٍ، وهُوَ أنَّ الله تعالى فَطَرَ كُلًّا منَ الذَّكَرِ والأُنْثَى علَى فِطْرَةٍ مُعيَّنَةٍ، وخَصَّصَ لكُلِّ واحدٍ منْهُما ما يناسِبُهُ منَ الأَعْمالِ، وَهيَّأَهُ للقِيامِ بها، والخُرُوجُ عنْ هذِهِ الفطْرَةِ الَّتي فطَرَها العَلِيمُ الخَبيرُ يُسبِّبُ فسادًا عظيمًا في الأَرْضِ؛ لذا فالواجِبُ على كُلٍّ منَ الجِنْسَيْنِ الالتِزامُ بما فُطِرَ عليْهِ.

من صُور التَّشَبُّهِ المُعاصِرَة المُحرَّمَة:

نَمْصُ الرَّجلِ وجْهَهُ وحواجِبَه.

وَضْعُ الرَّجُلِ أحْمَرَ الشِّفاهِ والماكياج في الوَجْهِ.

لُبْسُ الفَتَياتِ الغُتْرَةَ، أوْ ثَوْبَ الرِّجالِ أوْ نِعالَ الرِّجالِ.

مُمارسَةُ النِّساءِ الرِّياضاتِ الخاصَّةَ بالرِّجالِ، مثلَ: كمالِ الأَجْسامِ، وتقْوِيةِ العضلاتِ ورفعِ الأَثْقالِ.

قيامُ بعْضِ المُمَثِّلِينَ الرِّجالِ بدَوْرِ النِّساءِ، والعَكْسُ!

منْ أعْظَمِ صُورِ التَّشبُّهِ سعيُ أحدِ الجِنْسَيْنِ إلى تَغْييرِ جِنْسِهِ، بإجْراءِ عمليَّةٍ جراحيَّةٍ!

أمَّا الأُمُورُ الَّتي يَقَعُ فيها التَّشابُهُ بيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فهيَ ثلاثَةُ أقْسامٍ:

الأوَّلُ: مُشْتَرَكٌ بيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ منْ أَصْنافِ اللِّباسِ وغَيْرِه، فهذا جائِزٌ للنَّوْعَيْنِ؛ لأنَّ الأصلَ الإِباحَةُ، ولا تَشَبُّهَ فيه.

الثَّانِي: مُخْتصٌّ بالرِّجالِ، فَلا يحِلُّ للنِّساءِ، كالغُتْرَةِ والطَّاقِيَّةِ، والرِّياضاتِ الخاصَّةِ بالرِّجالِ، كرَفْعِ الأَثْقالِ والمُصارَعَةِ، وكَتفخيم وتخشين الصَّوتِ في الحَدِيثِ، ونحوِهِ.

الثَّالِثُ: مُخْتَصٌّ بالنِّساءِ، فلا يَحِلُّ للرِّجالِ، كالفُسْتانِ والعَباءَةِ النِّسائِيَّةِ، ولُبْسِ الأَساوِرِ والأَقْراطِ والسَّلاسِلِ، ونَحْوِهِ.

الحِكْمَةُ في النَّهْيِ عنِ التَّشَبُّهِ:

أنَّ الله تعالى جعَلَ للرِّجالِ على النِّساءِ دَرَجَةً، وجعَلَهُم قَوَّامِينَ علَى النِّساءِ، وميَّزَهُمْ بأمورٍ قَدَريَّةٍ، وأُمورٍ شرعيَّةٍ، فثُبُوتُ هذِهِ الفَضِيلةِ مَقْصودٌ شَرْعًا وعَقْلًا، وتَشَبُّهُ الرِّجالِ بالنِّساءِ يَهْبِطُ بهِمْ عنْ هذِهِ الدَّرَجَةِ، وكذلِكَ العَكْسُ.

أنَّ تشبُّهَ الرِّجالِ بالنِّساءِ في الكَلامِ واللِّباسِ ونحْوِ ذلِكَ منْ أسبابِ التَّخَنُّثِ، وسُقوطِ الأَخْلاقِ، وكذلِكَ العْكُسُ؛ فهُوَ بالنِّسبَةِ للمَرْأةِ منْ أسْبابِ خُشُونَتِها، ولذلِكَ جاءَ في الحديثِ عنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالتْ: لَعَنَ رسولُ الله ﷺ الرَّجُلَةَ منَ النِّساءِ. أخْرَجَهُ أحمْدُ وأبُو داوُدَ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

قالَ شيْخُ الإِسْلامِ: «المُشابَهَةُ في الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ تُورِثُ تَناسُبًا وَتَشابُهًا في الأَخْلاقِ والأَعْمالِ، وَلِهَذا نُهِينا عَنْ مُشابَهَةِ الكُفَّارِ، وَمُشابَهَةِ الأَعاجِمِ، وَمُشابَهَةِ الأَعْرابِ، وَنَهَى كُلًّا منْ الرِّجالِ والنِّساءِ عَنْ مُشابَهَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ».

فوائد الحديث

1- تحْرِيمُ تشبُّهِ الرِّجالِ بالنِّساءِ، والنِّساءِ بالرِّجالِ؛ لما في ذلِكَ منَ الخُروجِ عنِ الفِطْرَةِ الَّتي فطرَ اللُه تعالى عليْها الخَلْقَ، وسَواءٌ كانَ التَّشبُّهُ في اللِّباسِ أمْ في الهَيْئَةِ أمْ في أيِّ شيْءٍ ممَّا اختصَّ بهِ الطَّرفُ الآخَرُ، فعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لَعَنَ النَّبيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ منَ الرِّجالِ، والمُتَرَجِّلاتِ منَ النِّساءِ، وَقالَ: «أَخْرِجُوهُمْ منْ بُيُوتِكُمْ». رَواهُ البُخارِيُّ.

2- أنَّ تَشَبُّهَ الرَّجُلِ بالمرْأَةِ، وتشبُّهَ المرْأَةِ بالرَّجُلِ منْ كبائِرِ الذُّنُوبِ؛ إذْ لا يَرِدُ الوَعِيدُ الشَّديدُ واللَّعْنُ والإِبْعادُ عنْ رحمةِ الله إلَّا على كَبيرَةٍ منْ كبائِرِ الذُّنُوبِ.

لعنُ المعيَّن من المتشبِّهين:

هَلْ يجوزُ لَعْنُ المُعَيَّنِ إذا تَشَبَّهَ بالنِّساءِ؟ كأَنْ تَرَى شَخْصًا مُعيَّنًا مُتَشَبِّهًا بالنِّساءِ، فهَلْ يجوزُ أنْ تَلْعَنَهُ بعَيْنِهِ؟

الجوابُ: لَعْنُ المُعيَّنِ لا يَجُوز، حتَّى لوْ كانَ كافِرًا، فكَيْفَ إذا كانَ فاسِقًا! لكِنْ يُقالُ: مَنْ تَشَبَّهَ منَ الرِّجالِ بالنِّساءِ فهُوَ مَلْعُونٌ، ومَنْ تَشَبَّهَ منَ النِّساءِ بالرِّجالِ فهيَ مَلْعُونَةٌ، يُقالُ علَى سَبيلِ العُمومِ، ويُوعَظُ هذا الشَّخْصُ، ويُخْبَرُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ المُتشَبِّهينَ منَ الرِّجالِ بالنِّساءِ.

3- أنَّ التَّشَبُّهَ يكونُ بالأَقْوالِ والأَفْعالِ والهَيْئاتِ واللِّباسِ

فَلَوْ حصلَتِ المُشابَهَةُ بغَيْرِ قصْدٍ فإنَّها تَحْرُمُ أيضًا، ولكِنْ ليْسَ كحُكمِ مَنْ قصَدَ التَّشَبُّهَ وتَعَمَّدَهُ من جهة الإثم، ودليلُ ذلِكَ حديثُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، أن النَّبيّ ﷺ رَأَى عَلَيه ثَوْبينِ مُعَصْفَرَيْنِ [أي: مَصْبُوغَيْنِ بالعُصْفُرِ]، فأنْكَرَ عليْهِ ﷺ . أخرَجَهُ مُسْلِمٌ، معَ أنَّ عبْدَ الله رضي الله عنه لمْ يقْصِدِ التَّشَبُّهَ بالنِّساءِ قَطْعًا.

نشاط

1- اكتُبْ بحْثًا مُخْتصَرًا تُبَيِّنُ فيهِ خُطُورَةَ التَّشَبُّهِ بالغَرْبِ.

2- اعْتَنَى الإِسْلامُ بشَخْصِيَّةِ المُسْلِمِ، وهذا لَهُ مَظاهِرُ عدِيدَةٌ، اذْكُرْ طرَفًا منْ ذلِكَ.

3- هناكَ صُورٌ كثِيرَةٌ لتشَبُّهِ الرِّجالِ بالنِّساءِ والعَكْسِ، اذْكُرْ صُورًا غيْرَ ما دَرَسْتَ.

الحديث التاسع عشر

الحديث التاسع عشر: «عُذِّبت امرأة في هرة...»

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حَتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْها وَلا سَقَتْها إِذْ حَبَسَتْها، وَلا هِيَ تَرَكَتْها تَأْكُلُ منْ خَشاشِ الأَرْضِ». مُتَّفَقٌ علَيْهِ.

شرح المفردات

«فِي هِرَّةٍ» أي: بِسَبِبها، ومنْهُ قولُهُ تعالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68].

«خَشاش»: هَوامُّ الأرضِ، وحشَراتُها.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحَدِيثِ أخْبَرَ الرَّسولُ ﷺ عنِ امْرَأةٍ حَبَسَتْ هِرَّةً في مكانٍ حتَّى ماتَتْ جُوعًا، فَلا هيَ قدَّمَتْ لها طعامًا وشرابًا، ولا هيَ أطْلَقَتْها تأكلُ منْ هَوامِّ الأرضِ وحشَراتِها، كالفِئْران ونحْوِها، فَعَذَّبَها الله لذلِكَ.

ففِي الحدِيثِ تَوعُّدٌ بالعذابِ الشَّديدِ لمَنْ يُؤْذِي الحيوانَ، ويُوجِبُ أحد أمرين: إما الإنفاقَ عليْهِ، أوْ تَرْكَهُ يسْعَى في رزْقِهِ.

فوائد الحديث

1- أنَّ الواجِبَ علَى العبْدِ التَّحَرِّي والتَّنبُّهُ لصغارِ الذُّنوبِ.

2- أنَّ كلَّ رُوحٍ إذا عَذَّبَها الآدَمِيُّ كانَ آثِمًا، وإذا رحِمَها ورَفَقَ بها طالبًا رضا الله تعالى كانَ لَهُ أجْرٌ.

3- جوازُ اتِّخاذِ الهِرَّةِ في البيْتِ، وكذَلِكَ غيرُها منَ الطُّيورِ؛ كالعصافيرِ ونحوِها، بشَرْطِ العنايَةِ بأكْلِها وشُرْبِها، ويُؤيِّدُ هذا حدِيثُ أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه: إِنْ كانَ النَّبيُّ ﷺ لَيُخالِطُنا، حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يا أَبا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» مُتَّفق عليهِ. والنُّغَيْر: طائِرٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ العُصفورَ، كانَ يلْعَبُ بهِ أخُو أنَسٍ، وقد ماتَ هذا الطَّائِر، فكانَ النَّبيُّ ﷺ يداعِبُهُ بذلِكَ.

تَنْبِيهٌ:

يَنْبَغِي أنْ يُنَبَّهَ على ما يَفْعَلُهُ بعْضُ النَّاسِ منْ شِدَّةِ العنايَةِ بالقِطَطِ أوِ الكِلابِ، والمبالَغَةِ في تَزْيينِها، والإنْفاقِ عليْها ببَذَخٍ شدِيدٍ، بلْ رُبَّما أنزَلُوها في فنادِقَ فخْمَةٍ، ووَرَّثُوها الأَمْوالَ الطَّائِلَةَ! ممَّا يدلُّ على ضَعْفِ العَقْلِ، ورِقَّةِ الدِّينِ، والمُبالَغَةِ في التَّرَفِ، مَعَ وجودِ مَلايينِ المُحتاجِينَ منَ المُسلِمِينَ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها.

قالَ ابنُ قُدامَةَ: «وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً، لَزِمَهُ القِيامُ بِها، والإِنْفاقُ عَلَيْها ما تَحْتاجُ إلَيْهِ، منْ عَلْفِها، أَوْ إقامَةِ مَنْ يَرْعاها، [ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الحدِيثَ] ... فَإِنِ امْتَنَعَ منَ الإِنْفاقِ عَلَيْها، أُجْبِرَ على ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ، أُجْبِرَ على بَيْعِها، أَوْ ذَبْحِها إنْ كانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ».

4- تَحْرِيمُ تَعْذِيبِ الهِرَّةِ وغيْرِها منَ الحيوانِ الَّذي لا يُؤْذِي؛ لأنَّهُ إذا كانَ مَنْ لا يُطعِمُها ولا يَسْقِيها يُعذَّبُ، فكَيْفَ بِمَنْ يُؤذِيها ويَضرُّها؟!

قالَ أهْلُ العِلْمِ: «إنَّ منْ أعْظَمِ الإِساءَةِ إلى الدَّابَّةِ أنْ يَضْرِبَها صاحِبُها ضَرْبًا مُوجِعًا بغَيْرِ حقٍّ، أوْ يَحْبِسَها، أوْ لا يَقُومَ بِكِفايَتِها، أوْ يُحَمِّلَها فَوْقَ الطَّاقَةِ».

الإِحْسانُ إلى الحَيَوانِ:

هذا الحَدِيثُ أصلٌ في وُجوبِ الإِحسانِ إلى الحَيَوانِ، وله نظائِرُ:

النَّهيُ عنْ قتْلِ الحيوانِ صَبْرًا:

فقدْ نهَى الشَّارعُ عنْ قتْلِ الحيَوانِ صَبْرًا؛ بمعنى: أنْ يُحبَسَ وهوَ حَيٌّ، ويُتَّخذَ هدَفًا يُرْمى، فَفِي الحَدِيثِ مَرَّ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجاجَةً يَتَرامَوْنَها، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْها، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: «مَنْ فَعَلَ هَذا؟ إِنَّ رسولَ الله ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذا». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

ونَهَى رسولُ الله ﷺ أَنْ يُتَّخَذَ الرُّوحُ غَرضًا. رَواهُ مُسْلمٌ.

النَّهيُ عنِ التَّمثيلِ بالحَيَوانِ:

كذلِكَ نَهتِ الشَّريعةُ عنِ التَّمثيلِ بالحيَوانِ، بقطْعِ بعْضِ أطرافِهِ وغيرِ ذلِكَ وهُوَ حيٌّ؛ قال ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: «لَعَنَ النَّبيُّ ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالحَيَوانِ». أخرَجَهُ البُخاريُّ.

تحْريمُ لعْنِ الحيَوانِ:

فيحْرُمُ لعْنُ الحيوانِ والدُّعاءُ عليْهِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ عليْهِ طلبٌ للضُّرِّ لَهُ، وقدْ نهَى عنْهُ النَّبيُّ ﷺ، فقدْ كانَ في بعضِ أسْفارهِ، وامْرَأَةٌ منَ الأَنْصارِ على ناقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْها، فَسَمِعَ ذَلِكَ رسولُ الله ﷺ فَقالَ: «خُذُوا ما عَلَيْها وَدَعُوها؛ فَإِنَّها مَلْعُونَةٌ». رَواهُ مُسلمٌ. قال النَّوويُّ رحمه الله: «إِنَّما قال هَذا زَجْرًا لَها [أي: المرأة] وَلِغَيْرِها ... فَعُوقِبَتْ بِإِرْسالِ النَّاقَةِ».

5- تَفْخِيمُ شَأْنِ الذَّنْبِ ولَوْ كانَ صَغِيرًا، وأنَّ الإِصْرارَ على الصَّغائِرِ يُلْحِقُها بالكَبائِرِ.

6- التَّنْبيهُ علَى العِنايَةِ بالسُّجناءِ والإِحْسانِ إليْهِم، قال ابْنُ القيِّم: «وَإِذا كانَتِ امْرَأَةٌ قَدْ دَخَلَتِ النَّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حَتَّى ماتَتْ جُوعًا وَعَطَشًا ... فَكَيْفَ عُقُوبَةُ مَنْ حَبَسَ مُؤْمنًا حَتَّى ماتَ بِغَيْرِ جُرْمٍ؟».

قرَّرَ مَجْمَعُ الفِقْهِ الدَّولِيُّ تَحْرِيمَ ما يَقَعُ في بَعْضِ البِلادِ منَ التَّحْرِيشِ بينَ الحَيَواناتِ؛ كالجِمالِ والكِباشِ والدِّيَكَةِ وغَيْرِها حتَّى يَقْتُلَ أَوْ يُؤْذِيَ بَعْضُها بَعْضًا.

نشاط

1- اكتُبْ بَحْثًا مُوضِّحًا فيهِ رحمَةَ الإِسْلامِ بالحَيَوانِ.

2- اذْكُرِ الشُّبُهاتِ الَّتي يُوجِّهُها أعْداءُ الإِسْلامِ بخُصوصِ حُقوقِ الإِنْسانِ والحَيَوانِ، وكيف تردُّ عليْها؟

3- هذا الحَدِيثُ منْ أشْهَرِ الأَدِلَّةِ علَى أنَّ الإسلامَ أوَّلُ مَنْ أعْطَى الحَيواناتِ حَقًّا، اذْكُرْ شَواهِدَ منَ الشَّرْعِ علَى ذلِكَ.

4- كيفَ تَسْتَدِلُّ بهذا الحَدِيثِ علَى جَوازِ اتِّخاذِ الحَيواناتِ والطُّيُورِ في البُيُوتِ؟ ادْعَمْ هذا بما تَحْفَظُ منَ السُّنَّةِ.

5- لِتَكْريمِ الحَيَوانِ صُورٌ كَثيرةٌ في الإِسْلامِ، اكتُبْ بحثًا مُخْتَصَرًا في ذلِكَ.

الحديث العشرون

الحديث العشرون: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت...»

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال النَّبيُّ ﷺ: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ منْ ضُرٍّ أَصابَهُ، فَإِنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي». مُتَّفَقٌ علَيْهِ.

راوي الحديث

أَنَسُ بنُ مالِكِ بنِ النَّضْرِ الأَنْصارِيُّ، خادِمُ رُسُولِ الله ﷺ، خدَمَهُ إلى أَنْ قُبِضَ، ثُمَّ رَحَلَ إلى دِمَشْقَ، وَمنْها إلى البَصْرَةِ، فَماتَ بِها، وهُوَ آخِرُ مَنْ ماتَ في البصرة منَ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم سَنَةَ 93هـ.

شرح المفردات

«لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ» هذا نَهْيٌ عنْ تمنِّي الموتِ للضُّرِّ ينْزِلُ بالعَبْدِ، منْ مرَضٍ أوْ فاقَةٍ أوْ مِحْنَةٍ أوْ نحوِ ذلِكَ منْ مشاقِّ الدُّنيا.

«لا بُدَّ فاعِلًا» أي: مُتَمَنِّيًا للمَوْتِ.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحَدِيثِ ينهَى النَّبيُّ ﷺ عنْ تمنِّي الموَتِ للضُّرِّ ينزِلُ بالعَبْدِ؛ لما في ذلِكَ منْ عدَمِ الرِّضا بقضاءِ الله ، فإنَّ المؤْمنَ يجِبُ عليْهِ الصَّبْرُ، فإِذا صَبَرَ على الضَّرَّاءِ نالَ شَيْئَيْنِ:

الأوَّل: تكْفِير الخطايا، ففي الحَدِيثِ قال ﷺ: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، منْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إِلَّا كَفَّرَ الله بِها منْ خَطاياهُ». مُتَّفَقٌ عليْهِ.

الثَّانِي: إذا وُفِّقَ لِاحْتِسابِ الأَجْرِ منَ الله وصَبَرَ يبتَغِي بذلِكَ وجْهَ الله ؛ فإنَّهُ يُثابُ، وقدْ قال الله تعالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

مَفاسِدُ تَمَنِّي المَوْت:

جاءَتِ الشَّريعَةُ الإسلاميَّةُ بالنَّهْيِ عنْ تمنِّي الموت؛ لما فيْهِ منْ مَفاسِدَ عظِيمَةٍ، منْ أهمِّها:

أنَّهُ يُؤْذِنُ بالتَّسَخُّطِ والتَّضَجُّرِ منَ الحالَةِ الَّتي أُصِيبَ بها.

أنَّهُ يُضْعِفُ النَّفْسَ، ويُحدِثُ الخَوَرَ والكَسَلَ، ويُوقِعُ في اليَأْسِ.

أنَّهُ جهْلٌ وحُمْقٌ؛ فإنَّهُ لا يَدْرِي ما يكُونُ بعْدَ الموْتِ، فرُّبَما كانَ كالمُسْتَجِيرِ منَ الضُّرِّ إلى ما هُوَ أفْظَعُ منْهُ؛ من عذابِ البَرْزَخِ وأهْوالِهِ.

أنَّ الموْتَ يقْطَعُ علَى العَبْدِ الأَعْمالَ الصَّالحَةَ التي هُوَ بصَدَدِ فعْلِها والقِيامِ بها، فكَيْفَ يَتَمَنَّى انقِطاعَ عَمَلٍ، الذَّرَةُ منْهُ خيرٌ منَ الدُّنيا وما علَيْها؟!

ذكَرَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الحكْمَةَ منَ النَّهْيِ عنْ تمنِّي الموْتِ، ما جاءَ في حَدِيثِ أُمِّ الفَضْلِ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ على العَبَّاسِ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَتَمَنَّى المَوْتَ، فَقالَ: «يا عَبَّاسُ، يا عَمَّ رسولِ الله ، لا تَتَمَنَّ المَوْتَ، إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا تَزْدادُ إِحْسانًا إلى إِحْسانِكَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ خَيْرٌ لَكَ، فَلا تَتَمَنَّ المَوْتَ». أخرَجَهُ أحْمَدُ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

لطائِفُ في طُولِ العُمرِ:

قالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قال: «مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» قال: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قال: «مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ». رَواهُ أحمدُ والتِّرْمِذيُّ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

قالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: «إِنَّ الأَوْقاتَ والسَّاعاتِ كَرَأْسِ المالِ لِلتَّاجِرِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ فيما يَرْبَحُ فيهِ، وَكُلَّما كانَ رَأْسُ مالِهِ كَثِيرًا كانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ، فَمَنِ انْتَفَعَ منْ عُمُرِهِ بِأَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ فَقَدْ فازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ أَضاعَ رَأْسَ مالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا».

ولِذلِكَ قيلَ لبعْضِ السَّلفِ: طابَ الموتُ! قال: يا ابْنَ أخِي، لا تَفْعَلْ؛ لساعَةٌ تعِيشُ فيها تسْتغفِرُ الله خيرٌ لكَ منْ مَوْتِ الدَّهْرِ!

وَقِيلَ لِشَيْخٍ كَبيرٍ: أتُحبُّ الموْتَ؟ قال: لا؛ قَدْ ذَهَبَ الشَّبابُ وشَرُّهُ، وجاءَ الكِبَرُ وخَيرُهُ، فإِذا قُمْتُ قُلْتُ: باسْمِ الله ، وإذا قَعَدْتُ قُلْتُ: الحَمْدُ ﷲِ؛ فأنا أُحبُّ أن يَبْقَى هذا!

وكانَ كَثِيرٌ منَ السَّلَفِ يبْكِي عِنْدَ موتِهِ أسفًا على انْقِطاعِ أَعْمالِهِ الصَّالِحَةِ.

وَلأجْلِ ذلِكَ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عنْ تمنِّي المَوْتِ؛ لأنَّهُ يَحْرِمُ المؤمنَ منْ خيْرِ الطَّاعةِ، ولذَّةِ العِبادَةِ، وفُرْصَةِ التَّوبَةِ، واسْتِدْراكِ ما فاتَ.

فوائد الحديث

1- في الحَدِيثِ دلِيلٌ علَى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ، وهُوَ أمْرٌ مَعْلُومٌ، والثَّوابُ علَيْهِ عَظِيمٌ، وقَدْ مَدَحَ الله الصَّابرينَ في آياتٍ كثيرَةٍ، قال تعالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﭪ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10].

2- فِي قولِهِ ﷺ: «منْ ضُرٍّ أَصابَهُ» إرْشادٌ إلى أنَّهُ إذا كانَ لغيْرِ الضرر الدنيوي بل لخوْفِ ضرر أو فِتْنَةٍ في الدِّينِ؛ فإنَّهُ لا بأْسَ بهِ.

3- التَّوْجِيهُ النَّبويُّ السَّديدُ بأنْ يَكِلَ الإِنْسانُ أَمْرَهُ إِلى الله ؛ لأنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، فيَكِلَ الأمرَ إلى عالِمِهِ عز وجل؛ لأنَّ الله سُبحانَهُ يعلَمُ ما سَيكونُ، أمَّا الإِنْسانُ فلا يَعْلَم، كما قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: 34] فأنْتَ لا تَدْرِي قدْ تكُونُ الحياةُ خيرًا لكَ، وقد تكونُ الوَفاةُ خيرًا لكَ.

هَلْ يَجُوزُ تمنِّي المَوْتِ خَوْفًا منَ الفِتْنَةِ؟

اسْتَثْنَى كثيرٌ منْ أهْلِ العِلْمِ جَوازَ تمنِّي الموْتِ؛ خَوْفًا منَ الفتْنَةِ، وجعَلُوا منْ هَذا قولَ مَرْيمَ رضي الله عنها: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: 23] فإنَّها تمنَّتِ المَوْتَ؛ خشْيَةَ هذِهِ الفِتْنَةِ الَّتي ستَتَعرَّضُ لها حينَما يظْهَرُ حَمْلُها.

هلْ قولُ يُوسُفَ عليه السلام : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:101] منْ تمنِّي المَوْتِ؟

الجوابُ: هذا لَيْسَ منْ تمنِّي الموَتِ؛ فإنَّ نبيَّ الله يوسفَ عليه السلام لم يتَمَنَّ الموتَ، وإنَّما سأَلَ الله الثَّباتَ علَى الإسلامِ، حتَّى يتوفَّاهُ مُسْلِمًا، كما يسأَلُ العَبْدُ ربَّهُ حُسْنَ الخاتِمَةِ.

4- أنَّ العَبْدَ إذا خافَ ولَمْ يصْبِرْ على حالِهِ في بَلْواهُ بالمَرَضِ ونحْوِهِ فَلْيَقُلْ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي»، والأَفْضَلُ الصَّبْرُ والسُّكونُ للقَضاءِ.

نشاط

1- لِمَ ينهَى الإِسْلامُ عنْ تمنِّي المَوْتِ؟ تَوسَّعْ في الجَوابِ.

2- متى يكُونُ تمنِّي الموتِ جائِزًا؟ اسْتَدِلَّ لما تقولُ.

3- هذا الحَدِيثُ منَ الأُصُولِ الدَّالَةِ على أنَّ الإسْلامَ دينُ التَّفاؤُلِ وعدَمِ الحُزْنِ والإِقْدامِ، بيِّنْ ذلكَ.

المصادر

شرح صحيح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي.

فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني.

شرح النووي على مسلم لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي.

الإفصاح عن معاني الصحاح لمحمد بن هبيرة الذهلي الشيباني.

إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي.

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للقاضي ناصر الدين عبدالله بن عمر البيضاوي.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح لعمر بن علي بن أحمد الأنصاري ابن الملقن.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن للحسين بن عبدالله الطيبي.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري.

فيض القدير لعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن زين العابدين المناوي.

جامع العلوم والحِكَم لعبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي.

التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية لإسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري.

التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة لعبدالرحمن ابن ناصر السعدي.

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبدالرحمن بن ناصر السعدي.

شرح الأربعين النووية لمحمد بن صالح العثيمين.

شرح رياض الصالحين لمحمد بن صالح العثيمين.

عشرون حديثًا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها لعبدالمحسن العباد.

صحيح البخاري، شرح وتعليق د. مصطفى ديب البغا.

واللهُ وليُّ التوفيقِ

فهرس المحاضرات

رقم المحاضرة

بداية المحاضرة

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

الحديث الأول

الأسبوع الأول

من النصيحة لرسول ﷺ

الأسبوع الأول

الحديث الثاني

الأسبوع الثاني

الحديث الثالث

الأسبوع الثاني

الحديث الرابع

الأسبوع الثالث

الحديث الخامس

الأسبوع الثالث

الحديث السادس

الأسبوع الرابع

الحديث السابع

الأسبوع الرابع

الحديث الثامن

الأسبوع الخامس

الحديث التاسع

الأسبوع الخامس

الحديث العاشر

الأسبوع السادس

الحديث الحادي عشر

الأسبوع السادس

الحديث الثاني عشر

الأسبوع السابع

الحديث الثالث عشر

الأسبوع السابع

الحديث الرابع عشر

الأسبوع الثامن

الحديث الخامس عشر

الأسبوع الثامن

تحريم الحسد، حيث جاء النهي عنه، وقد ورد ذمه في غير ...

الأسبوع التاسع

الحديث السادس عشر

الأسبوع التاسع

أن التعامل بالمال الحرام أكلا...

الأسبوع العاشر

الحديث السابع عشر

الأسبوع العاشر

الحديث الثامن عشر

الأسبوع الحادي عشر

الحديث التاسع عشر

الأسبوع الحادي عشر

الحديث العشرون

الأسبوع الثاني عشر

«ذكر بعض أهل العلم أن الحكمة من النهي عن تمنِّي الموت...»

الأسبوع الثاني عشر

فهرس المحتويات

الحديث الأول

الحَدِيث (1): الدِّين النَّصِيحَةُ ...

تَرْجَمَةُ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه

الحديث الثاني

الحَدِيث (2): إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ...

تَرْجَمَةُ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه

أنواعُ المشقَّة

الحديث الثالث

الحَدِيث (3): البرُّ حُسْنُ الخُلُقِ ...

تَرْجَمَةُ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعانَ رضي الله عنه

الحديث الرابع

الحَدِيث (4): إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرائِضَ ...

تَرْجَمَةُ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رضي الله عنه

هَلِ الفَرْضُ والواجِبُ بمعنًى واحدٍ؟

الجَوابُ عنْ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

الحديث الخامس

الحَدِيث (5): إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسانَ ...

تَرْجَمَةُ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رضي الله عنه

صُورُ الإِحْسانِ

الحديث السادس

الحَدِيث (6): مَنْ رَأَى منْكُمْ مُنْكَرًا ...

تَرْجَمَةُ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه

خَطَرُ ترْكِ الأمْرِ بالمعرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ

شُرُوطُ تغْيِيرِ المُنْكَرِ

حُكمُ قَولِ: أنا كارِهٌ بقلْبِي؟

الحديث السابع

الحَدِيث (7): إنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ...

تَرْجَمَةُ أَبي ذَرٍّ الغِفارِيِّ رضي الله عنه

الفرْقُ بيْنَ الجهلِ بالحُكْمِ والجهلِ بالعُقوبَةِ

العُذْرُ عَلى فعْلِ المحظُورِ والعُذْرُ عَلى ترْكِ الواجِبِ

الحديث الثامن

الحَدِيث (8): لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ

تَرْجَمَةُ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه

الحديث التاسع

الحَدِيث (9): لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُمْ ...

تَرْجَمَةُ عبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسِ رضي الله عنهما

الحديث العاشر

الحَدِيث (10): إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ بِالطُّرُقاتِ...

ممَّا يُعينُ علَى غضِّ البَصَر

الحديث الحادي عشر

الحديث (11): لا تَغْضَبْ

عِلاجُ الغَضَبِ

الحديث الثاني عشر

الحَدِيث (12): منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ...

هلْ يتْرُكُ العَبْدُ الأمْرَ بالمعرُوفِ لأنَّهُ ممَّا لا يَعْنِيهِ؟

الحديث الثالث عشر

الحَدِيث (13): إنَّ اللهَ يَرْضى لَكُمْ ثَلاثًا ...

الحَدِيث (14): أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ ...

تَرْجَمَةُ عَبْدِاللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما

أنْواعُ النِّفاقِ (اعْتِقادِيٌّ وعَمَلِيٌّ)

الحديث الرابع عشر

الحديث الخامس عشر

الحَدِيث (15): لا تَحاسَدُوا ...

اسْتِدْبارُ المَأْمُومِينَ بَعْدَ الصَّلاةِ

أَقْسامُ الهَجْرِ

الحديث السادس عشر

الحَدِيث (16): إنَّ اللهَ طيبٌ ...

حُكمُ الصَّدقَةِ بالمالِ الحَرامِ

آدابُ الدُّعاءِ

الحديث السابع عشر

الحَدِيث (17): لا طاعَةَ في مَعْصِيةِ اللهِ ...

تَرْجَمَةُ عليِّ بنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه

هَلْ يُطاعُ الوالِدانِ في تَرْكِ الصَّلاةِ وخَلْعِ الحِجاب؟

الحَدِيث (١٨): لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهينَ...

منْ صُورِ التَّشَبُّهِ المُعاصِرَةِ المُحرَّمَةِ

لعنُ المعيَّنٍ منَ المُتشبِّهين

الحديث الثامن عشر

الحديث التاسع عشر

الحَدِيث (19): عُذِّبتِ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ ...

الإِحْسانُ إلى الحَيَوانِ

الحديث العشرون

الحَدِيث (20): لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ ...

تَرْجَمَةُ أَنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه

مَفاسِدُ تَمَنِّي المَوْت

لطائِفُ في طُولِ العُمرِ

حُكمُ تمنِّي المَوْتِ خَوْفَ الفِتْنَةِ

هلْ قولُ يُوسُفَ عليه السلام : ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ منْ تمنِّي المَوْتِ؟

فهرس المحتويات