الصراط المستقيم

الصراط المستقيم

كتاب "الصراط المستقيم إلى الحقيقة" يُعِدّه القسم العلمي بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي، يهدف إلى توجيه الناس إلى الطريق الصحيح الموصل للسعادة الحقيقية والنجاة في الدنيا والآخرة. يقدم الكتاب إجابات شاملة للأسئلة الوجودية الكبرى مثل: من الذي خلقنا؟ ولماذا جئنا؟ وأي دين هو الحق؟ كما يوضح مقومات الطريق المستقيم ويبين النتائج المترتبة على اتباعه أو الانحراف عنه. الكتاب يعتمد على الأدلة العقلية والنقلية لتأكيد وجود الله وربوبيته وألوهيته، مستعرضًا الآيات القرآنية والبراهين الفطرية والعقلية الدالة على ذلك.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 5.0
ترجمات 5
إنجليزي هندي سنهالي تايلندي +1
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

الصراط المستقيم إلى الحقيقة

إعداد القسم العلمي

بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات

1445 هـ

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذا الكتاب نحاول أن يكون مرشداً إلى الطريق الصحيح، موصلاً إلى الحقيقة التي تكون بها النجاة في الدنيا والآخرة، وإلى السعادة المنشودة التي يبحث عنها العقلاء، وفيه عرض لعلامات هذا الطريق، ومقوماته الأساسية، وبيان للمكتسبات الجميلة التي سيحصل عليها الإنسان إذا سار في هذا الطريق المبهج الموصل إلى السلام والأمان، وفيه بيان للعاقبة المهلكة، والخسارة الفادحة حال الانحراف عن هذا الطريق.

ولأن الإنسان يخرج من بطن أمه لا يعرف شيئاً؛ لكن الله سبحانه وتعالى رزقه السمع والبصر والفؤاد، وجعلها وسائل يكتسب من خلالها المعارف، وجعله الله عز وجل كائناً مفكراً عاقلاً، يظل يبحث عن الهدى والرشاد، ويتلمس الحق، وفطره الله سبحانه وتعالى على محبة الخير، وكراهية الشر.

لذا يظل يفكر ويوازن بين الأمور، ويقارن ويحاول ربط الأسباب بالمسببات، ويحاول معرفة النتائج قبل حصولها، ويجتهد في أن يتقي المخاطر، ويدفع الشر عن نفسه، وخلال ذلك تتوارد عليه الأسئلة الوجودية المحيرة.

وفي هذا الكتاب ستجد –بإذن الله-الإجابة الصحيحة لكل الأسئلة الوجودية المحيرة، مثل:

من الذي خلقنا؟

من الذي خلق هذا الكون من حولنا؟

لماذا جئنا؟

كيف أتينا؟

وإلى أين المصير؟

هل يجب علينا أن نعتنق دينًا من الأديان؟

هل الحق موجود في كل هذه الأديان؟ أو في دين واحد فقط؟

وأين الحقيقة؟ أي دين هو الحق؟ وأي الطرق والأديان يحقق السعادة في الدنيا والآخرة؟

وكيف أميز بين الدين الحق والدين الباطل؟

وهل يوجد اليوم كتاب إلهي صحيح يتضمن بيان الحق والهدى والدين الذي ارتضاه الله لخلقه؟

وهل يجب عليَّ أن أعرف الدين الحق، وأن أصل إليه؟

من هو الخالق، وما صفاته؟

كيف نتصل به وكيف نتقرب إليه؟

أي المصلحين كان على الحق؟ وأيهم كان طريقه هو الطريق المستقيم؟

كيف نميز بين النبي المرسل من الله عز وجل، وبين الدعي الكاذب؟

هل للأفعال الحسنة والسيئة التي نقوم بها أثر علينا؟ وهل سنحاسب على هذه الأفعال؟

هل الحساب سيكون في دورات حياة متكررة أم في عالم منفصل عن عالم الحياة وهي الحياة الآخرة؟

وتختلف الفلسفات والأديان حول الإجابة على هذه الأسئلة، وكل محاولات الجواب على هذه الأسئلة من قبل الأديان المحرفة أو الوضعية والفلسفات تظل دون الحقيقة، إذًا ما هي الحقيقة؟ وما الجواب الشافي لكل ذلك؟

وإنا لنرجو أن تجد في هذا الكتاب جوابًا شافيًا لكل الأسئلة السابقة. وقد سميناه (الصراط المستقيم إلى الحقيقة)؛ لأن الطريق المستقيم هو أفضل الطريق، وهو الذي يوصل إلى الغاية بأسرع وقت، ولأن كل الطرق التي يسلكها الإنسان للوصول إلى الحقيقة غير طريق المرسلين هي طرق معوجة.

والآن ننتقل إلى أعظم مسألة حصل فيها اللبس عبر التاريخ، وهي مسألة وجود الرب عز وجل وربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نوفق في تحقيق ذلك، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

الفصل الأول: الرب جل جلاله ربوبيته وأسماؤه وصفاته وألوهيته

المبحث الأول: دلائل وجود الرب المستلزمة لربوبيته

وجود الرب عز وجل أظهر من أن يقام عليه دليل، وإذا احتاج الإنسان إلى دليل لإثبات وجود الرب فهذا يدل على أن لديه خللاً في فهم هذه المسألة العظيمة؛ ذلك لأن وجود الرب مسألة ضرورية، بمعنى أن الإنسان الذي سلمت فطرته من الانحراف؛ يجد الإيمان بوجود الله أمراً متحتماً ضرورياً لا يستطيع دفعه أو رفعه من عقله وقلبه.

وهي كذلك مسألة فطرية فُطر الناس عليها، فكل الناس فطروا على الإيمان بوجود الرب عز وجل وربوبيته وألوهيته، والعقول الصحيحة السالمة من الانحراف توقن بوجود الرب عز وجل، بل إن أعظم حقيقة في الوجود هي وجود الرب جل وعلا، وأنه خالق وما سواه مخلوق، وأعظم فرية افتراها البشر هي دعوى أن مع الله شريكاً، وأعظم منها إنكار وجود الرب جل وعلا، ومع ذلك سنقدم بعض الأدلة الدالة على وجود الرب جل جلاله؛ لأن بعض القراء قد لتبس عليهم هذا الأمر؛ بسبب ما يشاع في الثقافات المعاصرة من لوثات إلحادية، ومن هذه الأدلة ما يلي:

الأول: أن الله سبحانه وتعالى هو بذاته أكبر شاهد، وأعظم شاهد على وجوده، قال تعالى: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ﴾ [سورة الأنعام: 19] ، فإذا عميت القلوب والأبصار عن معرفته، ورؤية شواهد وجوده وربوبيته فبأي شيء تستدل على معرفة الله والإيمان به، ولذا قالت الرسل عليهم الصلاة والسلام لأقوامهم كما أخبر الله عنهم: {أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [سورة إبراهيم: 10] ،فالله لا شك في وجوده وربوبيته، ولا يشك في ذلك إلا من فسدت فطرته، واختلت موازين عقله. إن كل مخلوق شاهد على وجود الخالق، وفي كل شيء له آية دالة على ربوبيته، فكيف تعمى الأبصار والقلوب عن رؤية آلاف الشواهد والدلائل؟

الثاني: أن دلالة وجود المخلوقات من أعظم الدلائل على وجود الخالق، وهو الرب عز وجل، فكيف يخلق المخلوق نفسه؟ أم كيف يوجد المخلوق من غير خالق؟ فمن أبدع صنعه، وأتقن هيئته، وجعله على أحسن صورة، وأودع فيه عقلاً وقلباً وسمعاً وبصراً، فهل هذا يكون بدون خالق أو صانع!؟ وهذا معلوم لكل أحد، فإنه لم يخلق نفسه، ولا يمكن وجودهم بغير خالق؛ فلم تبق إلا حقيقة واحدة وهي: وجود خالق قادر على ذلك وهو الرب سبحانه وتعالى، ولهذه الدلالة الحاسمة والبرهان القاطع قرر الله ذلك في القرآن بقوله تعالى: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [سورة الطور: 35-36] ، فقد تضمنت الآية أسئلة ملجئة ومحرجة للإنسان الذي يدعي عدم وجود خالق وهي:

-هل خُلق الإنسان وسائر الخلق من غير خالق؟

-هل هم الخالقون لأنفسهم وهل خلقوا هذه العوالم المخلوقة؟

-هل خلقَ الإنسانُ السمواتِ والأرضَ؟

الجواب: لا، بل لهم خالق خلقهم وخلق السموات والأرض وهو الرب عز وجل.

وهذه الحقيقة البدهية: (أي أن للخلق خالقاً) حقيقة ضرورية فطرية لا يمكن دفعها أو تجاهلها.

الثالث: أن من أعظم الأدلة الدالة على وجود الرب سبحانه وتعالى- خلق السموات والأرض، وما فيهما من مخلوقات عظيمة لا يحاط بها، وما بينهما من العوالم التي لا يزال الإنسان يحاول أن يكتشفها ويتعرف عليها، ولذا حمِد الرب جل جلاله نفسه فقال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام: 1] ، وقال تعالى: ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة غافر: 57] ، فإذا لم تكن هذه المخلوقات العظيمة دالة على الله عز وجل، وشاهدة على وجوده، فما الذي سيستدل به العقل لمعرفة من خلقه وأوجده؟

الرابع: الناظر في هذا الكون العظيم؛ يجد أنه قد أعده الرب جل جلاله إعداداً مبهراً يدل على وجود خالق عالم قادر مريد، وهذا الإعداد ذكره الله في محكم كتابه فقال تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا * وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا * وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا * وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا * وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا * وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا * وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا * وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا * وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا * لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا * وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا} [سورة النبأ: 6-16]

فنجد في هذه الآيات الكريمات أن المكان قد أعده الله للإنسان قبل أن يخلقه، فجعل الأرض مهاداً، ثم ذكر خلق الإنسان، وهيأ له سبل الراحة بالنوم، وجعل له النهار مجالاً للكسب، وبنى فوق مسكنه سقفاً وهو السماء، وجعل فيها الكوكب المنير، ثم أنزل من السماء ماءً، وأخرج به للإنسان والأنعام ما يأكلون، فقد أعدّ الرب السكن قبل خلق الساكن. ثم مع هذا كله، ينكر الإنسان -الذي فسدت فطرته-وجود الرب جل جلاله.

الخامس: أن كل ما في الكون شاهد على وجود الرب عز وجل، وبين يديك دليل قريب منك تتعامل معه كل يوم، وموضوع هذا الدليل لا تستغني عنه، ألا وهو الطعام الذي تأكله. انظر كيف أرشد الله العقل إلى تفاصيل إيجاد الطعام في الوجود؛ وجعله شاهداً على وجوده وربوبيته، قال تعالى: ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ * أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا * ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا * فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا * وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا * وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا * وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا * وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا * مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ} [سورة عبس: 24-32]

فمن الذي صب الماء من السماء؟

ومن الذي شق الأرض ليدخل فيها الماء، ويخرج منها النبات؟

ومن الذي أنبت فيها أنواع المزروعات والثمرات؛ لتكون طعاماً لنا ولأنعامنا؟ ماذا لو لم ينزل الله الماء؟ وماذا لو جعل الله عز وجل الأرض صخرة صماء لا يدخلها الماء ولا تنبت النبات؟ وماذا لو كانت طبيعة الأرض تفني كل البذور التي تلقى فيها؟ وماذا لو منع الله النبات والمزروعات من أن تنتج الثمرات؟ كيف سيتغذى الإنسان والحيوان؟ ولكن هذا صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه، أفلا يكون هذا الخلق المتقن، وهذا الشاهد المفحِم من أبلغ الشواهد على وجود الرب عز وجل وربوبيته؟

السادس: جادل رجل متكبر جبار نبيَ الله إبراهيم عليه السلام منكراً وجود الرب عز وجل كما في هذه الآية، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ﴾ [سورة البقرة: 258] ، فهذا المكابر المنكر لوجود الرب، أنكر الدليل الباهر الدال على وجود الرب، وهو أن الله هو الذي يحيي ويميت. فقال: أنا أحيي وأميت، وقال أخرج رجلاً من السجن محكوم عليه بالموت فأطلقه فكأنني أحييته، وأقتل آخر فأنا الذي أمته، فلما سمع إبراهيم عليه السلام عناده ومكابرته جاءه بدليل لا يستطيع رده فقال كما أخبر الله عنه: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [سورة البقرة: 258] ، فمن الذي يأتي بالشمس من المشرق؟ فإن أنكر المنكر ذلك؛ فليأت بها من المغرب، ومن الذي خلق هذه الأجرام والكواكب؟ ومن الذي يسيرها ويجعلها تعمل بنظام محكم لو اقتربت الشمس احترقت الأرض، ولو ابتعدت لتجمدت الأرض، ولو اقتربت هذه الكواكب بعضها من بعض لتصادمت وتناثرت وتغير الكون من حولنا، ولفسد نظامه واختل بناؤه. فالرب عز وجل هو الذي خلق كل ذلك.

السابع: أن فرعون ادعى الربوبية فسأل نبي الله موسى عليه السلام سؤال تعنت، فقال كما أخبر الله عنه: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [سورة طه: 49] ، فأجابه موسى عليه السلام جواباً مفحماً لا يستطيع دفعه، فقال: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [سورة طه: 50] ، فموسى عليه السلام احتج عليه بأن الله هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هداه، فمن الذي خلق الخلق وأوجده؟ ومن الذي علم كل مخلوق كيف يعيش ويتناسل ويتكاثر ويحصّل قوته، ويدفع عنه الأذى، ويجتهد في تدبير أمره، ونحن نرى كل المخلوقات -عدا الإنسان- تخرج للحياة وهي مكتملة المعارف، فمن الذي علم الطير يخرجُ من البيضة أو الحشرة تخرج من البيض ولم تر أمها وتصنع كما تصنع أسلافها في كل شؤونها؟

ومن الذي أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئاً وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً ليكتسب المعارف، ويبدع ويهتدي ويهدي غيره، ويطور الحياة وأدواتها ووسائلها؟ من الذي علمه وألهمه إلا الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. أفيكون الله يهدي الإنسان لكل ما يحتاج إليه، وإلى كل ما يصلحه-ثم يعجز الإنسان أن يهتدي إلى الرب عز وجل؟

الثامن: أن كل إنسان يمر بكرب عظيم يعجز عن دفعه بالوسائل المعتادة، كإعلان حالة الطوارئ في الطائرة وهي في الجو، أو أن تنزل بالإنسان مصيبة لا يستطيع دفعها، هنا يجد الإنسان نفسه مضطرة للجوء إلى الرب عز وجل، مهما كان إيمانه بالله، أو بعده عنه، حتى الملحد إذا وقع في الكرب لجأ إلى الله وهذه ضرورة لا يدفعها الإنسان عن نفسه، أعني أنه إذا أصابه الضر والبلاء وجد نفسه تلجأ من حيث لا يشعر إلى الرب جل جلاله، أفلا يكون هذا اللجوء الاضطراري –الذي يجده كل منا في نفسه- خير شاهد على وجود الرب جل جلاله؟ قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ * قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ} [سورة الأنعام: 63-64]

وبعد أن ذكرنا بعض البراهين الدالة على وجود الرب جل جلاله، نذكر بعض أدلة ربوبيته، وكل دليل دال على الوجود فهو دليل على الربوبية، وكل دليل من أدلة الربوبية فهو شاهد ودليل على وجود الرب عز وجل.

وسنكتفي بأربعة أدلة هي:

الأول: أن من أعظم الدلائل والشواهد على ربوبية الرب عز وجل خلْق الخلق، فالخلق شاهد على موجده وباريه، والخلق شاهد على أن من أوجده رب عليم قدير مريد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال تعالى: ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [سورة لقمان: 11] ، وهذا تحدٍ بالغ، فمن زعم أن مع الله خالقاً آخر فليدلنا على مخلوقات هذا الخالق المزعوم، وحيث لا يوجد خلْق لخالق غير الله، بل كل ما في الوجود خلقه؛ تعين ألّا خالق غيره، ولا رب سواه، ولا معبود بحق غيره، وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 17] ، فهذا سؤال من الرب عز وجل للخلق: هل يستوي من يخلق مع من لا يخلق؟ فهل من العقل والعدل أن يسوى بين الخالق القادر، والعاجز الذي لا يخلق شيئاً؟ بل لم يخلق نفسه، بل لا يستطيع أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضراً.

الثاني: ذكَرَ الربُ عز وجل أن من آياته الدالة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة: خلق السموات والأرض، واختلاف ألسنة الخلق وتعدد لغاتها، وتنوع ألوانهم، رغم أن أباهم جميعاً واحد وهو آدم، وأمهم واحدة وهي حواء، ومن آياته –أيضاً- هذا النوم العجيب الذي دبره العليم القدير الذي يعلم أن الإنسان ضعيف لا يستطيع أن يظل مستيقظاً طيلة عمره، وجعل الليل وقتاً للنوم، وجعل النهار وقتاً لطلب الرزق؛ أفلا يدل ذلك على خالق عظيم عليم قادر يستحق أن يعبد وحده، ولا يكون معه شريك في عبادته والاستعانة به؟ قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ} [سورة الروم: 22-23]

الثالث: أن خلْق الإنسان وجعله يخلف بعضه بعضاً، وجعل السماء بناءً وسقفاً، والأرض فراشاً ومهاداً، وإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات من نبات الأرض؛ رزقاً للعباد- لهو أعظم دليل على ربوبية الله لخلقه، واستحقاقه العبادة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [سورة البقرة: 21-22] ، فهذه الآية تضمنت دعوة الناس لعبادة الله؛ لأنه هو وحده الخالق الرازق، عز وجل.

الرابع: العلم التام للرب جل جلاله بما كان وبما سيكون، أعظم دليل على ربوبية الرب جل جلاله، قال تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سورة الأنعام: 59] ، وعلمه سبحانه محيط بكل شيء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ [سورة ق: 16] كل ذلك دليل باهر، وحجة بالغة على ربوبية الله، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له عز وجل، قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [سورة الطلاق: 12] ، بل إن جهل الإنسان التام حتى لا يعلم إلا ما علمه الله؛ دليل على علم الرب جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [سورة النحل: 78]

المبحث الثاني: صفات الرب عز وجل وأسماؤه الحسنى

هل للرب عز وجل صفات وأسماء وأفعال؟ ومن الذي وصفه وسماه، وهل لنا أن نصفه أو نسميه من عند أنفسنا؟ وهل الرب يحب أحداً من خلقه ويتودد إليهم؟ وهل يكره الرب أحداً من خلقه؟ وما سبب محبته لهؤلاء، وبغضه لهؤلاء؟ وهل تنفعه أفعال العباد وعباداتهم؟

سنجيب على هذه الأسئلة بإذن الله، فنقول: إن الرب عز وجل له الصفات العلى، وله الأسماء الحسنى التي بلغت الغاية في الحسن، وليس شيء أحسن منها، وكل اسم من أسمائه الحسنى يشتق له منه صفة وفعلاً.

فمثلاً من أسمائه: الله أي المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له سبحانه، الذي لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه.

ومن أسمائه: الرحيم الرحمن، أي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، الذي كتب على نفسه الرحمة، وهو أرحم الراحمين، الذي وسعت رحمته كل شيء، وبها يتراحم الخلائق بينهم، فالاسم الرحيم، والصفة الرحمة، والفعل أن الله يرحم عباده، وخلق فيهم الرحمة، فيتراحم الخلق فيما بينهم، وهذا من آثار رحمة الله.

ومن أسمائه: العلي الأعلى، ذو العلو على كل شيء، وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه، الذي علا على خلقه في ذاته وصفاته وقدره وقهره، فله العلو التام سبحانه وتعالى.

ومن أسمائه: القدوس الذي اتصف بصفات الكمال، وتقدس عن كل نقص ومحال، وتعالى عن الأمثال والأنداد.

ومن أسمائه: العليم الذي أحاط علمه بجميع المعلومات من ماض وآت ظاهر وخفي، ومتحرك وساكن، وجليل وحقير. علِم بسابق علمه عدد أرزاق خلقه وأعمالهم وآجالهم وحركاتهم وسكناتهم، قال تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سورة الأنعام: 59]

ومن أسمائه: اللطيف بعباده معافاة وإعانة وعفواً ورحمة وفضلاً وإحساناً، ومن معاني لطفه إدراك أسرار الأمور؛ حيث أحاط بها خبرة: تفصيلاً وإجمالاً، وسراً وإعلاناً، الخبير بأحوال مخلوقاته وأقوالهم وأفعالهم، ماذا عملوا، وكيف عملوا، وأين عملوا، ومتى عملوا، حقيقة وكيفية ومكاناً وزماناً.

ومن أسمائه: الحليم فلا يعاجل أهل معصيته بالعقاب، بل يعافيهم ويمهلهم ليتوبوا فيتوب الله عليهم إنه هو التواب العظيم.

ومن أسمائه: الحكيم في خلقه وتدبيره إحكاماً وإتقاناً، والحكيم في شرعه وقدره عدلاً وإحساناً، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، فهو العدل، وحكمه عدل، وشرعه عدل، وقضاؤه عدل.

ومن أسمائه: الصمد الذي تصمد إليه جميع الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، فهو المقصود إليه في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، فإليه منتهى الطلبات، ومنه يسأل قضاء الحاجات، وهو الذي لا تعتريه الآفات، فهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والعظيم الذي قد كمل في عظمته.[1] معارج القبول بشرح سلم الوصول (1/ 3-7).

وليست هذه فقط هي أسماء الله عز وجل، بل أسماؤه كثيرة جداً لا يحاط بها، وهي دالة على كماله وعظمته وجلاله.

والرب عز وجل هو الذي سمى نفسه بأسمائه الحسنى، ووصف نفسه بصفاته العلا، وأخبرت الرسل عليهم السلام أممهم بذلك، ولا يجوز لأحد أن يسمي الله أو يصفه بغير ما سمى ووصف به نفسه، أو سماه ووصفه به أنبياؤه عليهم السلام.

وأما هل الرب يحب أحداً من خلقه ويتودد إليهم؟ وهل يكره الرب أحداً من خلقه؟ وما سبب محبته لهؤلاء وبغضه لهؤلاء؟ فنقول: نعم إن الله يحب من الناس المؤمنين الذي يؤمنون به، ويعبدونه، ويصدقون أنبياءه عليهم السلام، ويحب المحسنين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الذين يعملون الخير، ويحبون الخير للخلق، وتكون أخلاقهم حسنة، فهؤلاء يحبهم ويثيبهم في الدنيا والآخرة، ويتودد إليهم، ويجعل لهم القبول في الأرض وفي السماء، ويبغض الكافرين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويجحدونه ولا يعبدونه، بل يعبدون معه آلهة أخرى، ويكذبون رسله عليهم السلام، ويؤذون الخلق، وتكون أخلاقهم سيئة مذمومة.

وهل تنفع الرب أفعال العباد وعباداتهم؟ فنقول: إن الله غني بذاته عن خلقه، والطاعات لا تزيد الرب كمالاً ولا جلالاً، كما أن المعاصي لا تنقصه ولا تضره سبحانه وتعالى، وأفعال العباد وطاعاتهم تنفعهم فقط، ولا يضر الإنسان العاصي إلا نفسه. فعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه).[2] صحيح مسلم (2577).

وهناك بعض المسائل المتعلقة بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا لابد من بيانها وهي:

أولاً: أن الله موصوف بصفات الكمال والجلال والجمال، فكل صفاته عز وجل صفات كمال وجلال وجمال، ولا نقص فيها بوجه من الوجوه، وكل كمال لا نقص فيه فهو أولى به، أما الكمال الذي يدل على حاجة من اتصف به إلى هذا الكمال، كالولد للوالد، وحاجة كل من الزوجين للآخر، فهذا لا يوصف به الرب جل جلاله؛ لأن المخلوق محتاج للولد والزوج، بخلاف الرب عز وجل فهو الغني عن خلقه، بل له ملك السموات والأرض.

ثانياً: أن الرب جل جلاله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أسمائه، فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، كما قال عن نفسه عز وجل: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: 11] ، فصفاته لا تماثل صفات الخلق، وكذلك أسماؤه لا تماثل أسماء الخلق؛ فالرب عز وجل لا يماثل خلقه، بل له الكمال المطلق كما قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [سورة الروم: 27] . والرب جل جلاله لم يلد، ولم يولد، ولا ند له ولا شريك، بل هو الله الواحد الأحد الصمد، الذي تصمد إليه كل المخلوقات في جميع شؤونها.

ثالثاً: أن الرب جل جلاله، له العلو المطلق: علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القدر والقهر، فهو فوق خلقه سبحانه، مستو على عرشه، والعرش المجيد فوق السموات، لا يخالط خلقه، ولا يحلّ في خلقه، ولا يحلّ أحد من خلقه في ذاته سبحانه وتعالى، ولا يتحد مع أحد من خلقه، تعالى شأنه؛ لأن المتحد محتاج إلى من اتحد معه، والله ليس كذلك. بل هو غني بذاته عن كل شيء. وله سبحانه العلو في أسمائه وصفاته. وهو مع علوّه عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما توسوس به النفوس، وما تخفيه الصدور، فهو مع علوه قريب من خلقه بعلمه وإحاطته وقدرته، يجيب السائل، ويغيث الملهوف، ويفرج كربة المكروب، سبحانه وتعالى.

رابعاً: أن الرب جل جلاله خالق، وما سواه مخلوق، وهو الرب لجميع الخلق، وما سواه مربوب، وهو الملك المالك لكل شيء وما سواه مملوك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فالجميع سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين أو من سائر الناس، الكل عبيد مملوكون للرب عز وجل، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وكلهم يخافونه ويرجونه، ويتوكلون عليه، وإذا مسهم الضر لجأوا إليه.

خامساً: أن صفات كل المعبودات من دون الله مستلزمة للنقص والعجز والفقر، فكلهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً؛ حتى خلقهم الله وأوجدهم، ومنحهم الأسماع والأبصار والأفئدة، وإذا انتهت آجالهم حكم عليهم بالموت، فكلهم مخلوقون، وكلهم فقراء محتاجون للرب جل جلاله.

وكل ما عبد من دون الله، فلا يستطيع أن ينفع نفسه، أو يزيد في عمره، أو يدفع الضر النازل عليه، بل كل من عُبد من دون الله، نزلت به النوازل، وربما قُتل أو طرد من وطنه، أو ناله أذى أعدائه، فلم يستطع دفعها عن نفسه، وهو أيضاً لا يستطيع أن ينفع من عَبَدَه، ولا أن يكشف الضر عمن استغاث به، بل هم أموات لا يسمعون من يستغيث بهم، ولو كانوا أهلاً للعبادة لمنعوا الموت عن أنفسهم، ودفعوا الضر عن أنفسهم وعمن يستغيث بهم، ولكنهم لا يستجيبون لمن دعاهم، فكيف يرجوهم أو يخافهم من عبدهم؟

المبحث الثالث: ربوبية رب العالمين مستلزمة لألوهيته

ذكرنا فيما مضى بعضاً مما يوضح بعض جوانب ربوبية الرب عز وجل، وفي هذا سنذكر أعظم معاني الربوبية للرب جل جلاله التي توجب على الإنسان أن يعبد الله وحده لا شريك له، ومن ذلك:

أولاً: أن الرب عز وجل هو الذي خلق الخلق، فهو الموجد لهم من عدم، وهو الذي يرزقهم، وهو الذي سخر لهم ما في السموات والأرض، وهذا مستقر في فطرة الإنسان قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ * ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ * وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ} [سورة العنكبوت: 61-63] . فإذا كان الرب هو وحده هو المستقل بالخلق والرزق، فهو الإله المألوه الذي يستحق أن يُعبد وحده، وإذا كان غيره مما يعبد من دون الله لا يخلق شيئاً ولا يرزق أحداً، فكيف يُعبد من دون الله، أو يُتخذ شريكاً مع الرب عز وجل؟

ثانياً: أن الرب جل جلاله هو الذي يدبر أمر الخلق كلهم، وهو المالك لهم، وله ملك السموات والأرض سبحانه، فكل ما سواه مُدبر مملوك، خاضع لربوبية الله وقهره، وهو الذي يغيث الملهوف، ويجيب دعوة المضطر، وهو الذي يحيي ويميت، فلا أحد يستطيع أن يحيي ميتاً، والله هو وحده الذي يميت من يشاء، ويحيي من يشاء، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة يونس: 104] ، وقال تعالى: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} [سورة النحل: 70]

كما أنه سبحانه وتعالى لا يشفع عنده أحد من الخلق لغيره في هذه الدنيا، أما يوم القيامة فيأذن الرب جل جلاله للأنبياء والملائكة وأهل الشفاعة أن يشفعوا لمن شاء بإذنه، بعد أن يأذن الرب للشافع ويرضى عن المشفوع له، فإذا استقر هذا؛ علمنا أنه لا أحد مما يُعبد من دون الله من نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو روح من أرواح الأجداد والأسلاف، أو كوكب، أو كائن معظم بحق أو بباطل، أو آلهة مزعومة- علمنا أنه لا أحد من هؤلاء يدبر أمراً من دون الله، أو يشفع لأحد من الخلق في هذه الحياة، أو يحيي أو يميت، أو يفرج كربة، أو يغيث ملهوفاً، أو يمنح رزقاً أو يعطي الوالد ولداً، أو ينزل في قلبه السكينة والطمأنينة، بل كل ذلك لا يقدر عليه إلا الرب عز وجل، وهذا معلوم عند أكثر الخلق، إلا من التبس عليه الأمر بسبب التنشئة والثقافة المحيطة، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة الزمر: 38]

ثالثاً: أن كل إنسان يجد في نفسه رغبة عظيمة في التدين والتعبد، وهذا أمر فطري لا يُدفع، ولذا لا تخلو أمة من أن تعظم معبوداً تتجه إليه، لأن في النفس افتقار ذاتي للخالق عز وجل، يريد أن يركن الإنسان إليه في السراء والضراء، في السراء شاكراً ومستنزلاً المزيد من نعمه، وفي الضراء مستدفعاً ما وقع به من بلاء، ولن يتحقق له ذلك إلا إذا لجأ الى الرب جل جلاله وهذا اللجوء والافتقار الذي يجده كل منا في نفسه دليل على أن الجميع مربوبون مفتقرون للرب جل وعلا، وإن عظّموا مخلوقاً مثلهم، كان عدماً ثم صار إلى عدم، ثم يبعث الله سبحانه وتعالى الجميع يوم القيامة، ويحاسبهم على أعمالهم، وهناك يتخاصمون فيما بينهم، كما سيمر معنا في الحديث عن يوم القيامة، بإذن الله.

رابعاً: أن الرب جل جلاله هو الذي أنزل الدين، وهو الذي شرع الشرائع للخلق، وهو الذي يهديهم إلى دينه، وأقام الحجج والبراهين الدالة على أن دينه هو الحق، وأنه هو الطريق الأقوم، والصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [سورة النساء: 165]

والله يبشر المؤمنين المتبعين لأوامر الله بالخير العظيم في الدنيا، والنعيم الدائم في الدار الآخرة، ويحذر من مخالفة دينه وشرعه، وهو الذي يحل الحلال ويبينه، ويحرم الحرام ويحذر منه، ويبين عقوبة من اقترفه أو خالف شرعه، قال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [سورة النحل: 89]

وليس لأحد من الخلق أن يشرع شريعة، أو يؤسس ديناً، فمن شرع ديناً، أو أسس ملة؛ فقد افترى إثماً عظيماً، وجعل نفسه شريكاً للرب جل جلاله، وليس أحد من الخلق –كائناً من كان- شريكاً لله، بل من جعل نفسه شريكاً لله، فقد كفر بالله، والله يتولى الانتقام منه في الدنيا والآخرة، ويصليه ناراً خالداً فيها، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [سورة هود: 18] ، وقال الله تعالى مخبراً عن فرعون وقومه: ﴿ وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ﴾ [سورة هود: 99] ، أي وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة، وفي الآخرة تنتظرهم لعنة أخرى، والعياذ بالله.

ولأن الله هو الذي أنزل الدين وشرع الشرائع فهو يخلق ما يشاء ويختار، فيختار سبحانه من الأمكنة والأزمنة ما يشاء ويجعله معظماً ووقتاً ومكاناً للعبادة كمكة وشهر رمضان، ويختار من الخلق من يشاء فيهديهم لدينه، ويصرف من شاء عن دينه ممن استكبر عنه وأعرض وجحد، وليس لأحد من الخلق -كائناً من كان-أن يقدس زماناً أو مكاناً أو أشخاصاً أو أعمالاً أو أحوالاً، فالناس كلهم سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح ومن صلح وتزكى فإنما يتزكى لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وبهذا يعلم أن كل من ادعى لنفسه، أو ادعى له غيره شيئاً من الاختصاص بتشريع الدين، وابتداع العبادات؛ أنه مفتر كاذب.

خامساً: أن الرب عز وجل له الحكمة التامة فيما شرع من الشرائع، وفيما فرض من الحدود، وشَرْعه في غاية الإحكام والاتقان، فأباح كل ما فيه مصلحة للإنسان، أو فيه بقاء نسله، وقيامه بأعظم مهمة كُلف بها وهي عبادة الله وحده، ومن عبادة الله وحده عمارة الأرض بالخير، وحرم عليه كل ما يضاد ذلك من الشرك والقتل والفواحش والآثام والبغي وظلم الخلق، وهذه الشرائع والحدود تحفظ للناس أديانهم وأموالهم، وتحقن دماءهم، وتكفل لهم سلامة عقولهم وبقاء نسلهم، وتكون مناسبة للإنسان في كل مكان وزمان، وتطبق على الناس كافة بالعدل التام لا تحابي غنياً لغناه، أو ذا سلطان لمكانته، أو ذا شرف نسب لشرف نسبه، بل الجميع أمام شرع الله وحكمه سواء.

واليوم يظن الإنسان أنه بلغ أوج الكمال الإنساني، ومع ذلك فكل دولة لها قانونها الخاص، ولا ترتضي قانون غيرها، وكل هذه القوانين لم تحقق السلم العام، ولم تمنح الإنسان الأمن على دينه ووطنه ودمه ونسله وعقله وماله، وهذا يؤكد حاجة الإنسان إلى شريعة إلهية أنزلها الرب لجميع خلقه، ولم يضعها إنسان يحابي قوماً أو فئة على حساب الآخرين.

المبحث الرابع: ألوهية الرب جل جلاله

الرب جل جلاله –كما مر معنا- هو الخالق الرازق المدبر المالك لكل ما في السموات وما في الأرض، وهو الذي يحيي ويميت، وإذا كان الرب هو وحده الذي يفعل ذلك؛ فهو المستحق وحده للعبادة، وكل ما عُبد من دون الله فهو لا يستحق أن يُعبد؛ لأنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا يدبر الأمر، ولا يملك أي شيء ملكًا مستقلاً، ولا يحيي ولا يميت، ولا ينفع ولا يضر، وعبادة كل ما يُعبد من دون الله عبادة باطلة لا تنفع صاحبها، بل هي خسارة عليه في الدنيا والآخرة، خسارة في الدنيا؛ لأنه أضاع عمره في أمر لا ينفعه، وأنفق ماله فيما لا يعود عليه بالنفع، ولن تتحقق له بركة العبادة وثمرتها، وفي الآخرة يعذبه الله عذاباً شديداً؛ لأنه عبد غيره.

وألوهية الرب عز وجل تعني أمرين:

الأول: أن يجعل الإنسانُ عباداته كلها لله رب العالمين، ولا يصرف منها شيئاً لغير الله، ولا يجعل أحداً شريكاً مع الله في العبادة، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [سورة الأنعام: 161-163]

الثاني: أن يعتقد أن كل ما عُبد من دون الله فعبادته باطلة، وأنه لا يستحق أن يُعبد، وأن من عبد غير الله فهو مشرك بالله العظيم.

وهذان المعنيان هما معنى لا إله إلا الله، فهي تنفي استحقاق العبادة الحقة عن كل ما عبد من دون الله. وتثبت العبادة الحقة لله وحده لا شريك له، فمعناها: لا معبود بحق إلا الله، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [سورة الحج: 62]

والعبادة هي: كل ما أمر الله به من الطاعات والعبادات القولية والفعلية الظاهرة والباطنة، مثل التوحيد، والخوف والرجاء والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، وترك ما نهى الله عنه من المحظورات والمنهيات كالشرك والقتل والظلم والزنى والإفساد في الأرض، ويكون كل ذلك على سبيل الذل والخضوع والمحبة لله رب العالمين، فلا تنفع العبادة مع الاستكبار والإعراض، ولا تنفع مع كراهية المعبود أو العبادة.

وإذا علمت أن العبادة هي أعظم مراتب الخضوع حباً وخضوعاً وذلاً، علمت أن من قصد غير الله بشيء من العبادة، أو أثبت له بعض خواص الرب سبحانه وتعالى؛ فقد اتخذه رباً وإلهاً، سواء أطلق عليه اسم الإله أم لم يطلقه.[3] صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (451).

والعبادة هي الغاية من الخلق، وهي التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: 56]

أما الأدلة على وجوب إفراد الله بالعبادة فكثيرة ذلك أنه دل عليها العقل، وإجماع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وجاءت آيات كثيرة في القرآن تثبت ذلك.

أما دلالة العقل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فإن العقل يوجب عبادة من بيده الرزق وله الخلق والأمر، وله ملك السموات والأرض، وبيده النفع والضر، وهو الذي يحيي ويميت، ويرفض العقل رفضاً شديداً أن يعبد الإنسانُ إنساناً مثله، أو حجراً أو شجراً أو حيواناً أو ميتاً منذ آلاف السنين لا ينفع ولا يضر، ولا يملك شيئاً، ولا يسمع من دعاه، ولا يغيث من لجأ إليه، بل هذا المعبود من دون الله لا يدفع عن نفسه الضر، فكيف يدفع عن غيره، إن العقل الصحيح يرى أن بقاء الإنسان بلا عبادة صحيحة خير له من عبادة باطلة؛ لأن العبادة الباطلة خسارة في الدنيا والآخرة كما بينا ذلك سابقاً.

أما إجماع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام على وجوب عبادة الله، فهذا مما تعرفه جميع الأمم، فما من أمة إلا وقد جاءها رسول من رب العالمين، وأمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عن عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النحل: 36] . وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء: 25]

أما الأدلة الدالة على ألوهية الرب جل جلاله من القرآن العظيم فكثيرة منها:

الأول: أن الرب جل جلاله هو الخالق وحده، وما سواه مخلوق، ومن يخلق هو الذي تجب عبادته وهو الذي يستحق أن يعبد، ومن لا يخلق -بل هو مخلوق مربوب عاجز- فكيف يُعبد من دون الله، وهل يستويان؟ قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 17]

الثاني: أن الرب سبحانه وتعالى هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3] ، وأن الرب عز وجل لذلك هو المستحق للعبادة، فالاحتجاج بخلق هذه الأجرام وما فيها وما بينها، أظهر دليل وأقربه للعيان، فكيف يسير على أرضه، ويستظل بسمائه، ويأكل من خيره ورزقه، ثم يعبد غيره؟ إن الإنسان لظلوم جهول.

الثالث: أن الرب عز وجل هو الذي أنزل من السماء ماءً لنشرب منه، وأنبت لنا به الزروع والثمار، وهو الذي سخر لنا ما في السموات والأرض والليل والنهار والشمس والقمر، وهو الذي سخر للإنسان البحر يأكل منه لحماً طرياً، وسخره لتجري عليه السفن، ولو شاء لجعله مضطرباً لا يستقر على ظهره شيء، قال تعالى: ﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الجاثية: 12-13] ، وتسخيرها للإنسان.

إن هذه الآيات العظيمة، والمظاهر البديعة، والاحتياجات التي سخرها الرب للإنسان شاهد- وأي شاهد- على أن الرب هو الذي يستحق العبادة وحده، وكل ما عُبد من دون الله فهو لا ينفع ولا يضر، ولا يرزق، ولا يسخر، ولا يعطي ولا يمنع، فكيف يعبد مع الله؟ أو يجعل نداً لله، تعالى الله عما يشركون. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ * وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ * وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ} [سورة النحل: 10-16]

واحتج الحق سبحانه وتعالى على تسخيره لهذه الكواكب باستحقاقه للعبادة وحده دون ما سواه، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ * أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} [سورة لقمان: 29-31] . وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ * يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ * إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ} [سورة فاطر: 12-14]

الرابع: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان وأوجده من عدم، قال تعالى: ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا * إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا} [سورة الإنسان: 1-3] ، فيجب عليه أن يعبد من أوجده، فكيف يخلقه ربه ثم يعبد مخلوقاً مثله، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] . وهذا دليل باهر، وحجة قاطعة على وجوب عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.

وبعد أن ذكرنا بعض الأدلة الدالة على استحقاق الرب جل جلاله للعبادة، أذكر بعضاً من الأمثال التي ذكرها الله في القرآن العظيم التي تؤكد وجوب عبادة الله، وتمنع عبادة ما سواه، ومن هذه الأمثال ما يلي:

المثل الأول: الوارد في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [سورة النحل: 76] ، قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره: ( وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه، فقال تعالى ذكره: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ﴾ يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئاً، ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضر عنه، وهو كلّ على مولاه، يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كلّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله، ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كلّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم ﴿أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ﴾ يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم، ولا يُفهم عنه، فكذلك الصنم، لا يعقل ما يقال له، فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهى، يقول الله تعالى: ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ﴾ يعني: هل يستوي هذا الأبكم الكلّ على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه، ومن هو ناطق متكلم، يأمر بالحق، ويدعو إليه وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ يقول: وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحق في دعائه إلى العدل، وأمره به مستقيم، لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه)[4] جامع البيان ت شاكر (17/ 262).

المثل الثاني: الوارد في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة الزمر: 29] ، قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: (ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلاً} أي: عبداً {فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ} فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور، وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ {وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ} أي: خالصاً له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} أي: هذان الرجلان {مَثَلا} ؟ لا يستويان. كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع. والموحد مخلص لربه، قد خلصه الله من الشِرْكَة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة)[5]. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: 724).

ونحن نرى في عالم الأديان اليوم من يعتقد بثلاثة آلهة كثالوث الهندوسية والنصرانية، وغيرها، فإلى من يتوجه إليه إذا نزل به الكرب؟ وبمن يستغيث، ومن يعبد منها.

المثل الثالث: الوارد في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 41] ، ومعنى هذا المثل: أن الذي يتخذ إلهاً يعبده من دون الله، كالعنكبوت التي تتخذ بيتاً تريد منه أن يحميها ويدفع عنها، فإذا هو أوهن البيوت وأضعفها، وكذلك من اتخذ إلهاً من دون الله فقد اتخذ معبوداً ضعيفاً لا ينصره ولا يدفع عنه.

وقال الشيخ السعدي رحمه الله: (فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفاً، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفاً إلى ضعفهم، ووهناً إلى وهنهم؛ فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل. فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرأوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله)[6] تيسير الكريم الرحمن (ص: 631).

المثل الرابع: الوارد في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ [سورة الحج: 73] ، ومعنى هذا المثل أنه لو اجتمع كل ما يدعى من دون الله وتعاونوا على خلق ذباب وهو من أحقر المخلوقات لما استطاعوا، ومن ضعفهم جميعاً أن الذباب لو يسلبهم شيئاً من طعامهم ما استطاعوا استنقاذه منه، فكيف يُعبد من دون الله من لا يستطيع أن يستنقذ حقه من الذباب، أو يمنع نفسه عن أن يجني عليه الذباب، وهذا المثل يكشف حماقة من يعبد غير الله، فكيف يترك عبادة من خلق السموات والأرض ومن فيهما، ويقوم عليهم بأرزاقهم وجميع شؤونهم- ثم يعبد من يغلبه الذباب.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: (هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع... {ضَعُفَ الطَّالِبُ} الذي هو المعبود من دون الله {وَالْمَطْلُوبُ} الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين)[7]. تيسير الكريم الرحمن (ص: 546). بتصرف يسير.

المبحث الخامس: تنزيه الرب عز وجل عن الشريك والمثيل وإبطال ألوهية ما سواه

الرب جل جلاله واحد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ليس له شريك في ربوبيته ولا في أسمائه وصفاته ولا في ألوهيته، خالق وما سواه مخلوق مربوب، ومخلوقاته التي نعلمها هي: السموات والأرض والكواكب، وهذه جمادات، أو نبات أو حيوان، أو مخلوقات عاقلة وهي: الملائكة والإنس والجن، والملائكة خلقٌ خلقهم الله لطاعته –كما سيمر معنا- والإنس والجن مخلوقون مربوبون مكلفون، والإنس فيهم الأنبياء والمرسلون عليهم السلام والمصلحون والصالحون، والملائكة والإنس هم أشرف الخلق. وكل من في السموات والأرض ومن عليهما محتاجون للرب قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [سورة الحج: 65] والجميع مفتقرون إليه، يخافونه ويرجونه، وهو الذي يحفظهم ويرزقهم، ويدبر أمرهم، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، بل لو تخلى عنهم لحظة واحدة لهلكوا، وهو قادر على أن يهلكهم في لحظة واحدة، وإذا كان ذلك كذلك؛ فكيف يتخذ الناس لهم آلهة من دون الله.

والآلهة المعبودة من دون الله أنواع فمنها:

أن تكون كوكباً في السماء، وقد بين العلم الحديث أن جميع الكواكب المستقلة أو المنضوية في مجموعة لا تتحرك بنفسها؛ بل هي مسيرة مدبرة، وليس لها أي تأثير على غيرها، فكيف يعتقد الإنسان أن النجم أو البرج مؤثر في الأرض أو في من سكن فيها وتعتقد بعض الأمم أن الأبراج تؤثر في المواليد، وتُكسبهم صفاتها، وهذا وهم كبير، ومما يسقط هذا الوهم أن الأمم التي تعتقد في الأبراج قد منحت هذه الأبراج مسميات، ثم اعتقدت أن صفات كل برج هي صفات الاسم الذي سُمّي به البرج، كالعقرب والثور والأسد، ولكن هذه الأبراج تختلف الأمم في تسمياتها وفي عددها، فعددها عند الصينيين ومسمياتها، غير عددها ومسمياتها عند غيرهم، فكيف يعتقد أن صفاتها واحدة، وأنها مؤثرة في الخلق، والأمم مختلفون في أسمائها وصفاتها وعددها؟

أن تكون شجرة أو بقرة أو نهراً أو صنماً معظماً ... فكيف يعبد الإنسان العاقل شجرة أو حيواناً لا يعقل، أو صنماً مصنوعاً من خشب أو غيره من المواد. وهذه المعبودات من حيث مقارنتها بالمعبودات الأخرى هي أحط ما عبد من دون الله، ولكن إذ غاب العقل، وعظّم الناس الخرافة؛ صدقوا أن صنماً ينفع، أو نهراً يمنح البركة والرزق، أو أن بقرة تحقق للإنسان القداسة والطهارة؟

أن يكون المعبود آلهة لا وجود لها، بل يظن الإنسان أن الآلهة مكونة من جماعة من الآلهة أب وابن وأم وقد يزيدون فيبلغون تسعة كما في عدد الآلهة عند الفراعنة والصينيين القدماء، وقد يكونون ثلاثة كما عند النصارى وبعض أتباع الأديان الشرقية. وهذه أوهام لا حقيقة لها، فليست هناك آلهة حقيقة تُعبد من دون الله، بل البشر يختلق الفرية ويصدقها، ويسمي له آلهة ثم يقدسها كما سيمر معنا –بإذن الله-في نقض الشرك.

أن يكون المعبود إنسانًا كمن يعبد العزير من اليهود، وكمن يعبد المسيح عليه السلام من النصارى، وكمن يعبد بوذا، وكمن يعبد زرادشت، وكمن يعبد كونفشيوس، وغيرهم كثير في تاريخ الأمم، وهؤلاء المعبودون من دون الله بشر من البشر، كانوا عدماً فخلقهم الله، وخرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، وتعرضوا في حياتهم لما يتعرض له سائر الناس من الفرح والحزن والمصائب والمرض، وتسلط عليهم أعداؤهم وأخيراً نزل بهم الموت الذي لا يستطيع أن يرده أحد عن نفسه. فإذا كان ذلك كذلك فكيف تُعتقد فيهم الألوهية؟ وكيف يُعبدون من دون الله؟ وبعض هؤلاء المعبودين كان يُحذّر من الشرك بالله في حياته، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [سورة المائدة: 72] ، بل إن المسيح عليه السلام لم يُعبد إلا بعد موته بزمن طويل.

والعقل السليم، والنظر الصحيح يمنع أن يعبد الإنسان إنساناً مثله يتعرض لما يتعرض له البشر، ويأكل الطعام، ولو فقد الطعام أو الشراب لهلك، فكيف يعبد من هذا حاله من النقص والضعف؟

وبعد أن عرضنا جانباً من المعبودات التي عبدها البشر عبر التاريخ، نورد بعض الأسئلة التي لن يجد لها المشركون جواباً شافياً، وهذه الأسئلة وردت في القرآن العظيم ومنها:

السؤال الأول: قال تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [سورة فاطر: 40]

والمعنى: هؤلاء الشركاء الذين تزعمون أنهم شركاء لله كـ(براهما وبوذا والمسيح) عليه السلام بينوا لنا ماذا خلقوا من الأرض؟ أم هل هم شركاء لله في خلق السموات؟ أم أن الله آتاكم كتابا من عنده ينطق ويثبت أنهم شركاؤه، فأنتم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب؟ وإذا لم يبرز العابدون الأعيان والموجودات التي خلقها هؤلاء المعبودون؛ وإذا لم يثبتوا أنهم شركاء لله في خلق السموات، وإذا لم يقدموا للناس كتاباً أنزل عليهم من الله يبرر اتخاذهم أنداداً من دون الله، ثبت قطعاً أنهم ليسوا شركاء، وأن عبادتهم باطلة، وأن من عبدهم فهو على ضلال عظيم.

السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [سورة النمل: 64] ، وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ [سورة يونس: 34] . في هذا السؤال تحدٍ لكل من عُبد من دون الله: هل يستطيع أن يبدأ الخلق؟ هل يستطيع أن يوجد خلقاً من عدم؟ فليبرز العابدون مخلوقات من عبدوهم؟

وإذا فني الخلق بالموت هل يستطيع هذا المعبود من دون الله أن يعيده، هؤلاء أتباعهم يفنيهم الموت، هل يستطيعون أن يعيدوهم للحياة؟ هل يستطيعون أن يعيد هؤلاء المعبودون آباءهم أو أمهاتهم أو أولادهم أو زوجاتهم الذين أفناهم الموت؟ وهل يستطيعون أن يعيدوا الأجداد والجدات الذين لهم مكانة في قلوب أتباعهم؟

وتضمنت الآية سؤالاً آخر وتحدياً آخر وهو: من يرزقكم أيها العابدون؟ هل يستطيع هؤلاء المعبودون رزق أتباعهم؟ ونحن نرى في أتباعهم الفقر والجوع وتسلط الأعداء، فهل أغنوهم ورزقوهم من دون الله؟

السؤال الثالث: قال تعالى: ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ * وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ} [سورة الأعراف: 191-193] ، يتكون هذا السؤال من سؤال وتحدٍ، فالسؤال: أتعبدون من دون الله ما لا يخلق شيئاً، وهو مخلوق مربوب ضعيف عاجز.

والتحدي: أنه لا يستطيع أن ينتصر لنفسه ممن قصده بالأذى، ولا ينتصر لعابديه، فأي معبود هذا الذي اتخذوه شريكاً مع الله؟ وهو لا يخلق، ولا ينصر ولا ينتصر، بل عابده أكمل منه، قال ابن كثير رحمه الله: (هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئاً من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تنصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك).[8] تفسير ابن كثير (3/ 529).

السؤال الرابع: قال تعالى: ﴿أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ﴾ [سورة الرعد: 33] ، قال الإمام الطبري رحمه الله: (أفالرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك، قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم، لا يعزب عنه شيء أينما كانوا، كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئاً، ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضراً، ولا يجلب إليهما نفعاً؟ كلاهما سواء؟ أنا القائم بأرزاق هؤلاء المشركين، والمدبر أمورهم، والحافظ عليهم أعمالهم، وجعلوا لي شركاء من خلقي يعبدونها دوني، قل لهم يا محمد: سموا هؤلاء الذين أشركتموهم في عبادة الله، فإنهم إن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الواحد القهار لا شريك له (أم تنبؤونه بما لا يعلم في الأرض) يقول: أتخبرونه بأن في الأرض إلهاً، ولا إله غيره في الأرض ولا في السماء؟).[9] جامع البيان ت شاكر (16/ 362-365).

وتضمن هذا السؤال الوارد في الآية ثلاث موقظات للعقل:

الموقظة الأولى: إيقاظ للعقل لينظر ويقارن بين رب عظيم قادر غني قائم على كل نفس بما كسبت، وبين معبود عاجز، الرب جل جلاله هو الذي خلقه وأوجده، وهو القائم على رزقه وكسبه، وإذا شاء أهلكه ومن يعبده، فكيف يعبد العاقلُ المألوهَ العاجز؟

الموقظة الثانية: أن الله قال لنبيه محمد قل لهم: سموا هؤلاء المعبودين؛ لأنه لا وجود لهم على الحقيقة، أي لا يوجد إله حقيقي يستحق العبادة غيري، فإذا ادعيتم شركاء فسموهم، وكيف تدّعون شركاء لا يعلمهم الله، وأنتم تقرون أنه يعلم ما في السموات والأرض، وحاصل هذا أنكم إنما اتخذتم شركاء تعبدونهم ولا وجود لهم على الحقيقة.

الموقظة الثالثة: إذا كان لا وجود لآلهة على الحقيقة تستحق العبادة؛ فدعوى اتخاذ الشركاء هي مجرد دعوى، وقول لا يسنده دليل ولا يقبله العقل، بل هي دعوى كسائر الدعاوى التي يرددها المدّعون، وهم يعلمون أنهم كاذبون في دعواهم.

السؤال الخامس: قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ [سورة الروم: 28] ومعنى هذا المثل أن الإنسان لا يرضى بأن يشاركه أحد فيما يملك، حتى لو كان ولده أو أخاه، فكيف إذا كان هذا المشارك عبداً مملوكاً للمالك الحقيقي، فإذا كان الإنسان لا يرضى ذلك لنفسه، فكيف يرضى أن يجعل لله شركاء يعبدهم مع الله، وهم في الأصل مملوكون لله على الحقيقة بل هم عبيده ومماليكه، وإذا كان ذلك كذلك؛ فكل ما عُبد من دون الله فهو عبد مملوك للرب جل جلاله، والعقل يستنكف أن يعبد مخلوقاً مصنوعاً مملوكاً، ويترك عبادة الخالق الرازق سبحانه وتعالى.[10] ينظر تفسير ابن كثير (6/ 312).

وبعد أن استعرضنا بعض الأسئلة التي وردت في القرآن العظيم موجهة لمن عبد مع الله آلهة أخرى، نبين معنى الشرك، ثم نسوق بعض الأدلة على بطلان الشرك.

الشرك هو: هو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وهو أن يصرف الإنسان شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، سواء كان هذا الغير، ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو رجلاً صالحاً حياً أو ميتاً، أو كان صنماً معبوداً أو متوهماً، أو كان فلكاً أو كوكباً، أو قوى طبيعية، أو كان غير ذلك، فكل هذا من الشرك العظيم.

وحقيقة الشرك بالله: أن يُعبد الإنسان مخلوقاً كما يعبد الله، أو يُعظمه كما يعظم الله، أو يسويه بالله في خصائص الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات.

أما الأدلة على بطلان الشرك فهي:

الدليل الأول: قال تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا﴾ [سورة الإسراء: 42] ، والمعنى: أن الذين يعتقدون بعدد من الآلهة، ويجعلون لكل إله صفات معينة، ويقصده الخلق بأمور محددة، وقد يقصدون الآلهة لتقربهم إلى الرب جل جلاله، ذي العرش العظيم، وقد أكذبهم الله، وبين لهم أن الآلهة لو كانت تستطيع أن تنفع غيرها وتقربه إلى الله؛ لقربت نفسها إلى الله ذي العرش العظيم، ولا اتخذت لها مكانة أرفع وأعظم عند الله، فلما لم تفعل ذلك لنفسها فكيف يعقل أن تُعبد، وأن يطلب منها الإنسان أن تقربه للرب عز وجل.

الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 91] ، يبين الرب جل جلاله أنه يستحيل عقلاً أن يتخذ الرب ولداً؛ ويستحيل أيضاً أن يكون معه إله آخر، ولو كان فيه أكثر من إله لاستقل كل إله بمخلوقاته، ولتغالبوا، والمغلوب لا يكون إلهاً وقال ابن جرير في تفسيره رحمه الله: (ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته (من إله إذاً لذهب) يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم (بما خلق) من شيء، فانفرد به، ولتغالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القوي منهم الضعيف؛ لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها، لمن عقل وتدبر)[11]. جامع البيان ت شاكر (19/ 66).

وقال الشيخ السعدي رحمه الله: (ولهذا نبه تعالى على الدليل العقلي، على امتناع إلهين فقال: {إِذًا} أي: لو كان معه آلهة كما يقولون {لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} أي: لانفرد كل واحد من الإلهين بمخلوقاته، واستقل بها، ولحرص على ممانعة الآخر ومغالبته، {وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فالغالب يكون هو الإله، وإلا فمع التمانع لا يمكن وجود العالم، ولا يتصور أن ينتظم هذا الانتظام المدهش للعقول، واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت، وهي تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللا ولا تناقضا، ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك، تقدير إلهين ربين؟).[12] تيسير الكريم الرحمن (ص: 558).

الدليل الثالث: قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء: 22] ، قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: (وبيان ذلك: أن العالم العلوي والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب، ولا ممانعة، ولا معارضة، فدل ذلك، على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، وتقوضت أركانه، فإنهما يتمانعان ويتعارضان وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معاً، ووجود مراد أحدهما دون الآخر، يدل على عجز الآخر، وعدم اقتداره، واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور، غير ممكن، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من غير ممانع ولا مدافع، هو الله الواحد القهار).[13] تيسير الكريم الرحمن (ص: 521).

الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ * وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ} [سورة سبأ: 22-23] ، ومعنى هذا الدليل: أن الله أمر نبيه محمداً أن يقول لهؤلاء المشركين مع الله آلهة أخرى: ادعوا هؤلاء المعبودين من دون الله العاجزين عن أي خير-إن كنتم تزعمون أنهم ينفعون من يدعوهم- هل يملكون ملكاً مستقلاً من السموات أو الأرض، ولو كان حجم ما يملكونه بمقدار مثقال ذرة؟

ثم تنزل معهم لما دون ذلك، فهل هم إذا لم يملكوا أي شيء، فهل هم شركاء لله في أي شيء مهما كان صغيراً أو حقيراً؟

وإذا كانوا لا يمكون ملكاً مستقلاً، وليسوا بشركاء لله، فهل هم معاونون لله ومساعدون لله؟ حتى يكون لهم يد عند الله؛ فيجيب دعاءهم بسبب مساعدتهم له، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

أو يشفعون عنده لمن عبدهم، وكل إنسان يعلم علم اليقين أنه لا يوجد أحد -مهما علا شأنه-يملك ملكاً مستقلاً من دون الله، وليس شريكاً ولا مساعداً لله رب العالمين، وليس أحد شفيعاً عند الله بغير إذنه، وإذا كان ذلك كذلك؛ فكيف يدعى من لا يملك أي شيء، وليس شريكاً في شيء، وليس معيناً في شيء، ولا شفيعاً؟ فكيف يدعى من هذه حاله من العجز والفقر والذلة!؟ كيف يدعو الفقيرُ فقيراً مثله، بل أفقر منه!؟[14] ينظر جامع البيان (20/ 394)، وتيسير الكريم الرحمن (ص: 678).

ومن المعلوم أن الذي يدعو معبوداً فإنما يدعوه لتحصيل نفع أو دفع ضر، إذا كان يعتقد أن فيه خصلة من هذه الخصال الأربع: إما مالكاً لما يريده عبّاده منه، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك، فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً، فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده.

فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا، متنقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة[15]. مدارج السالكين (1/351). بتصرف.

الدليل الخامس: قال تعالى: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ﴾ [سورة فاطر: 13] ، في الدليل السابق بين الرب جل جلاله فقر المدعوين من دون الله، الذين يتخذهم المشركون شركاء لله رب العالمين، وفي هذا الدليل يبين الرب عز وجل جانباً من كماله وعظمته وتدبيره لهذا الكون، فهو الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويسخر الشمس والقمر، ويسيرهما إلى أجل مسمى، وهذا يدل على أنه حكيم قدير عليم، وهو الإله الذي لا رب غيره، ولا معبود بحق سواه، فهذا بعض ما يدبره الرب جل جلاله في هذا الكون، فأين تدبير من دونه من الآلهة ممن يتخذها المشركون شركاء لله. ثم حكم الله على هؤلاء المعبودين من دونه أنهم فقراء، بل في أشد حالات الفقر، بحيث لا يملك الواحد منهم قطميراً، وهو قشر نواة التمرة.

ثم تحداهم الرب عز وجل تحدياً يوقظ العقل، ويكشف عجز الآلهة فقال عز وجل: ﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ [سورة فاطر: 14] ، أي هؤلاء الآلهة لا يسمعون دعاء من يدعوهم؛ لأنهم جماد لا أرواح فيها، ولو فُرض أنهم يسمعون، فلا يستجيبون لمن دعاهم، والمصيبة أن المدعوين من دون الله يتبرؤون يوم القيامة ممن عبدوهم، فهم لم ينفعوهم في الدنيا، والآخرة يكونون ضدهم، فأي مكسب حصل عليه المشركون من هذه الآلهة؟

الدليل السادس: قال تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ * قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [سورة المائدة: 75-76] ، ادعت النصارى في المسيح عليه السلام أنه ابن الله، وعبدوه كما يعبدون الله عز وجل، فبين الله جل جلاله في هذه الآية أموراً إذا تدبرها العاقل خرج بيقين أن المسيح عليه السلام عبد من عباد الله، وأنه مولود ولادة بشرية من امرأة، وأن حياته تعتمد على ما يعتمد عليه سائر البشر من الطعام والشراب، ومن كانت هذه حاله فليس إلهاً وليس ابن إله، ولا يصلح أن يُعبد من دون الله، إذ لو فقد الطعام والشراب لهلك كما يهلك سائر البشر ثم بين الرب عز وجل أنه لا يملك لمن عبده ضراً ولا نفعاً، ولو كان يملك النفع أو الضر لنفع نفسه، وسلم من أذى اليهود الذين آذوه وكادوا يقتلونه.

وهذا الدليل المفحم للنصارى الذي لا يستطيعون نقضه وإبطاله، مبطل عبادة كل معبود من البشر اتخذه الناس إلهاً من دون الله، سواء كان العزير أو بوذا أو كونفوشيوس أو غيرها مما يعبدها البشر، فكل هؤلاء ولدتهم أمهاتهم، وكانوا يأكلون ويشربون، ولا يملكون لأتباعهم نفعاً ولا ضراً، وإذا نقص أحوالهم، وحاجتهم إلى ما يقيم حياتهم من طعام وشراب؛ تبين حينئذ فساد عبادتهم، فكيف يتخذهم الناس أنداداً للرب جل جلاله؟ ويتركون عبادة الرب السميع العليم بأحوال عباده، وهو القادر على دفع الضر عنهم، وجلب الخير لهم.

الدليل السابع: قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة الزمر: 38] ، في هذه الآية سؤال تقريري لكل من عبد غير الله: من خلق السموات والأرض؟ فحتماً سيقول: الله، وهنا يتفرع عليه سؤال آخر وهو: أفرأيتم هذه الآلهة التي تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر في بدني أو ضيّق علي رزقي، أو أرادني برحمة من سعة الرزق وكثرة المال والولد، هل تستطيع هذه الآلهة أن تكشف ضري، أو تمنع عني الرحمة التي أنزلها الله عليّ؟ والجواب الذي يعلمه كل عابد لهذه الآلهة: أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تمنع ولا تعطي، ولا تكشف كرباً، ولا تمنع خيراً، وإذا كان كذلك فكيف تُعبد من دون الله؟ ومعلوم أن تسوية ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يقدر على شيء، مع من بيده الخير كله، المتصرف بكل ما شاء -لا تصدر إلا ممن لا عقل له.

الدليل الثامن: قال تعالى: ﴿۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾ [سورة الكهف: 51] ، قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئاً، ولا أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها ومدبرها ومقدرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير).[16] فإذا كانوا لم يشهدوا خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، إذا هؤلاء الأنداد والآلهة كانوا عدماً فخلقهم ربهم، فكيف تتخذونهم آلهة من دونه!؟ تفسير ابن كثير (5/ 153).

الدليل التاسع: أن الرب عز وجل تكفل برزق كل نفس مخلوقة في هذا الكون، فهو الخالق الرازق، وما سواه مخلوق مرزوق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [سورة العنكبوت: 60] ، وقال تعالى: ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سورة هود: 6] ، فمن الذي تكفل برزق كل دابة أو طائر أو غيره، فهل هذه الدواب هي التي ترزق نفسها؟ أو تحمل معها متاعها أينما توجهت؟ وهل يزعم أحد أن هذه الآلهة هي التي خلقت هذه الدواب ورزقتها، فإذا لم يكن أحد خلقها وأوجد رزقها، تعيّن أن الرب جل جلاله هو الرازق، وإذا كان هو الرازق وحده؛ فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ﴾ [سورة الحجر: 20] ، أي وجعل لكم في الأرض سبل حياة من مسكن وملبس ومطعم، وخلق لدوابكم وأنعامكم طعامها وشرابها، فماذا لو لم يخلق الله لهذه الأنعام والدواب طعامها، فكيف سيستفيد منها الإنسان؟ هل يستطيع أن يخلق لها طعامها؟ وهل تستطيع هذه الآلهة أن ترزق الإنسان وما يملك من دواب وأنعام؟ وإذا كانت كذلك فكيف تعبد من دون الله!؟

الدليل العاشر: قوله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾ [سورة الفرقان: 3] ، تضمنت هذه الآية من البراهين العظيمة على فساد ألوهية من عُبد من دون الله ما يلي:

الأول: أن من عُبد من دون الله لا يخلق شيئاً وهو مخلوق، فكيف يعبد الإنسانُ مخلوقاً مثله.

الثاني: أن من عُبد من دون الله لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يملك لغيره النفع أو يدفع عنه الضر؟

الثالث: أن من عُبد من دون الله لا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، أي لا يستطيع أن يحيي ميتاً، ولا يميت حياً، ولا ينشر الخلائق يوم القيامة، ومن كان هكذا فكيف يُعبد من دون الله؟

الدليل الحادي عشر: قال تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [سورة فاطر: 40] ، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: (يقول تعالى مُعجِّزًا لآلهة المشركين، ومبيناً نقصها، وبطلان شركهم من جميع الوجوه {قُلْ} يا أيها الرسول لهم: {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني عن شركائكم {الذين تدعون من دون الله} هل هم مستحقون للدعاء والعبادة، فـــ {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ} هل خلقوا بحراً أم خلقوا جبالاً أو خلقوا حيواناً، أو خلقوا جماداً؟ سيقرون أن الخالق لجميع الأشياء هو الله تعالى، أَمْ لشركائكم شِرْكٌة {فِي السَّمَاوَاتِ} في خلْقها وتدبيرها؟ سيقولون: ليس لهم شركة.

فإذا لم يخلقوا شيئا، ولم يشاركوا الخالق في خلقه، فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم؟ فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم، ودل على بطلانها.

ثم ذكر انتفاء دلالة الوحي على عبادتها، فلهذا قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا} يتكلم بما كانوا به يشركون، يأمرهم بالشرك وعبادة الأوثان {فَهُمْ} في شركهم ﴿عَلَىٰ بَيِّنَةٖ﴾ من ذلك الكتاب الذي نزل عليهم في صحة الشرك؟ ليس الأمر كذلك؟ فإنهم ما نزل عليهم كتاب).[17] تيسير الكريم الرحمن (ص: 691)

فليس للمشركين أي دليل عقلي أو دليل شرعي من الوحي يدل على صحة عبادتهم للأوثان والأنداد.

وبعد أن ذكرنا جملة من الأدلة التي تبطل عبادة الآلهة التي تُعبد من دون الله، سواء كانت بشراً أو حجراً أو صنماً، سنذكر عدداً من الأمور التي تحدى الله بها البشر؛ فظهر عجزهم وعجز آلهتهم التي يدعون من دون الله، وهذه التحديات هي:

التحدي الأول: ورد في قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ} [سورة الأنعام: 40-41] ، والمعنى كما قال ابن عطية في تفسيره: (أرأيتم إذا خفتم عذاب الله، أو خفتم هلاكاً، أو خفتم الساعة، أتدعون أصنامكم وتلجئون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة؟ بل تدعون الله الخالق الرزاق؛ فيكشف ما خفتموه إن شاء، وتنسون أصنامكم أي تتركونهم، فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ذهول وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حاله في الشدائد والأزمات؟).[18] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/ 290).

وهذا الأمر الذي لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه، أنه إذا نزل البلاء أو نزلت الحوادث المفجعة فإن البشر يلجؤون إلى الرب جل جلاله، وينسون ما كانوا يعبدون من دونه، فيكشف عنهم البلاء، ويرفع عنهم الكرب، إذا شاء، ثم لِم لا يكون هذا الحدث واللجوء موقظاً لعقولهم للعودة إلى عبادة ربهم وخالقهم ورازقهم؟

التحدي الثاني: ورد في قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ﴾ [سورة الأنعام: 46] ، فالله هو المتفرد بخلق الخلق، وهو الذي جعل لهم الأسماع والأبصار والأفئدة التي يعقلون بها، وهو القادر على سلبها منهم، فمن الذي يستطيع أن يعيد للإنسان ما فقد منها إن سلبها الله منه، وإذا كان هو الواهب لها، والقادر على سلبها؛ فهو المستحق للعبادة، وإذا كانت الآلهة التي تُعبد من دون الله لم تهب سمعاً ولا بصراً ولا فهماً، ولا تقدر على سلب ذلك من الإنسان، فكيف تُعبد من دون الله؟

التحدي الثالث: ورد في قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ * قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [سورة القصص: 71-72] . تحدى الله البشر بأمر يتكرر عليهم كل يوم، وهو أعظم تغيّر يومي يحدث في الكون، ومع عظمته فقلّ أن تتنبه له العقول، أو تتأمله لتكراره، بينما الأصل أن تكراره يوجب ملاحظته، وعبادة من أجراه وتفضل به، وملخص هذا التحدي لو أن الله جعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتينا بنهار؟ وكذلك لو جعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتينا بليل نسكن فيه؟ فهل يستطيع البشر كلهم وكل آلهتهم التي يدعونها من دون الله أن يغيروا في نظام الكون، ونحن نرى الكسوف يحدث كل عام تقريباً فلا يستطيع أحد -مهما كان- أن يعيد الشمس أو القمر إلى حاله قبل الكسوف، ولكن الرب جل جلاله هو القادر وهو المستحق للعبادة وحده.

قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله : (ومن أبدع الاستدلال (أي في القرآن) أن اختير للاستدلال على وحدانية الله هذا الصنع العجيب المتكرر كل يوم مرتين، والذي يستوي في إدراكه كل مميز، والذي هو أجلى مظاهر التغير في هذا العالم وهو مما يدخل في التكيف به جميع الموجودات في هذا العالم، حتى الأصنام فهي تظلم وتسودّ أجسامها بظلام الليل، وتشرق وتضيء بضياء النهار، وكان الاستدلال بتعاقب الضياء والظلمة على الناس أقوى وأوضح من الاستدلال بتكوين أحدهما لو كان دائماً لأن قدرة خالق الضدين وجاعل أحدهما ينسخ الآخر كل يوم أظهر منها لو لم يخلق إلا أقواهما وأنفعهما، ولأن النعمة بتعاقبهما دوماً أشد من الإنعام بأفضلهما وأنفعهما؛ لأنه لو كان دائما لكان مسؤوماً، ولحصلت منه طائفة من المنافع، وفقدت منافع ضده)[19]. التحرير والتنوير (20/168-169). بتصرف يسير.

وقال ابن جرير رحمه الله في مناسبة ختم الآية بقوله: {أَفَلاَ تُبْصِرُون}، (أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم؛ رحمة من الله لكم، وحجة منه عليكم، فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره، ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك)[20]. جامع البيان (19/ 613).

التحدي الرابع: ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 18] ، وقال تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ﴾ [سورة الملك: 30] ، وقال تعالى: ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ﴾ [سورة الحجر: 22] ، في هذه الآيات يبين الله عظيم نعمته على خلقه بأن خلق لهم هذا الماء الذي به حياة كل حي، وأنه هو القادر وحده على أن يذهب به، أو أن يجعله غائراً في الأرض فلا يستطيع الخلق أن يستخرجوه، وإذا لم يستطيعوا إنزال الماء من السماء، ولا استخراجه من الأرض، ولا يستطيعون خزنه إذا نزل؛ فهم هالكون لا محالة إن قدّر الرب جل جلاله الذهاب به، وإذا ذهب به فلا تستطيع كل الآلهة التي تُعبد من دون الله أن تمنحهم الماء، وإذا كانت عاجزة عن أن تهب الماء لعابديها؛ فهي لا تستحق أن تعبد، وتبين بهذا أن عبادتها من دون الله ضلال وخسران مبين.

التحدي الخامس: وهو التحدي العظيم وهو أن كل من عبد معبوداً من دون الله من حجر أو شجر أو بشر- فقد زعم أن معه دليلاً على استحقاق معبوده وآلهته للعبادة، وليس معهم جميعاً أي حجة أو برهان أو دليل من الوحي أو العقل على صحة دعواهم، بل كل الذي معهم خرص وتخمين وظن كاذب، ولذا تحداهم الله فقال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 24] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [سورة النمل: 64] ، وليس مع المشرك دليل على شركه، بل غاية جهده قصص وأساطير وخرافات متوارثة لا تغني من الحق شيئاً. ونحن اليوم نقول لكل من عبد معبوداً من دون الله: هاتوا برهانكم على استحقاق معبودكم وآلهتكم للعبادة، ولن يقدموا برهاناً ولا دليلاً، لأن الباطل يستحيل أن يدل عليه دليل صحيح.

الفصل الثاني: الخلق

المبحث الأول: حال الوجود قبل بدء الخلق وخلق الماء والسموات والأرض

كان الله ولم يكن شيء معه، وكان الله ولم يكن شيء قبله، وخلق الماء، ثم خلق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 30] ، قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى منبهاً على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، فقال: أولم ير الذين كفروا، أي الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره؟ أو يشرك به ما سواه؟ ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً أي كان الجميع متصلاً بعضه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السموات سبعاً، والأرض سبعاً، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء).[21] تفسير ابن كثير (5/ 297).

فهذا بدء خلق السموات والأرض، ثم فصّل الرب في الزمن الذي خلقهما فيه فقال تعالى: ﴿۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِين * ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ * [سورة فصلت: 9-12] . فالرب جل جلاله خلق الأرض ثم أتمها بما تحتاج إليه، وبما يحتاج إليه من سيسكنها ويعيش عليها، ثم استوى إلى السماء فخلقها وأحسن خلقها.

وتمّ خلق الله للسموات والأرض في ستة أيام من أيام الله جل جلاله قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا﴾ [سورة الفرقان: 59]

وإذا كان الله هو الخالق لكل هذه العوالم، وهو الذي أعدها وسخرها لمن سيعيش عليها، فكيف يُشرك معه آلهة أخرى، وكيف يتخذ الناس الأنداد والآلهة مع الله؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والآلهة لم تخلق أي شيء مهما كان حقيراً، وهذا بإجماع الناس كلهم أن الآلهة المزعومة لم تخلق أي شيء، فكيف تعبد من دون الله؟

المبحث الثاني: خلق الملائكة

الرب سبحانه وتعالى هو الخالق وما سواه مخلوق، وأخبر رسول الله محمد أن الله خلق الملائكة من نور، خلقهم لعبادته، لذلك لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩} [سورة النحل: 49-50] ، وقال الله تعالى عن الملائكة: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [سورة التحريم: 6]

والملائكة خلق كثير لا يحصيهم إلا الله الذي خلقهم، وجعل خلقهم متفاوتاً، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [سورة فاطر: 1] ، والملائكة لهم مقامات عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ * وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ} [سورة الصافات: 164-166] ، وأشرف الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل، وجبريل هو الموكل بإنزال الوحي إلى الرسل والأنبياء عليهم السلام، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومنهم خزنة الجنة والنار، إلى غير ذلك من أعمالهم الجليلة التي وكلها الرب إليهم.

المبحث الثالث: خلق الجن والشياطين

خلق الله الشياطين والجن من مارج من نار، قال تعالى: ﴿وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ﴾ [سورة الحجر: 27] ، وقال قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ [سورة الرحمن: 15] ، والجن أمة خلقها الله وكلفها بالعبادة كما كلف الناس، ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ومنهم المؤمنون ومنهم الكفار، فمن كان منهم مؤمناً فمآله إلى الجنة كمآل المؤمنين من الناس، ومن كان منهم متمرداً على الله فهو شيطان رجيم، وأعظم الشياطين تمرداً على الله هو إبليس، وهو رأس الشياطين، ورأس الرذيلة والشر، ومآل الشياطين الكافرين النار ولما خلق الله آدم -كما سيأتي معنا بإذن الله- أمر الملائكة وأمر إبليس بالسجود لآدم عليه السلام، وهذا السجود عبادة لله؛ لأنه من أمْره، فسجد الملائكة لآدم طاعة لله، وعصى إبليس واستكبر عن السجود، معللاً رفضه بأنه أفضل من آدم عليه السلام؛ لأن آدم خلقه الله من الطين، والشيطان خلقه الله من النار، فزعم إبليس أن النار أفضل من الطين وأن المخلوق منها أفضل من المخلوق من الطين، فغضب الله عليه ولعنه وطرده من رحمته، وبدلاً من أن يعتذر ويستغفر ويتوب إلى الله، لجّ في طغيانه، وتوعد أن يغوي آدم وذريته ويصدهم عن طريق الحق والهدى، وطلب من الله أن يمهله إل يوم القيامة، فأمهله الله، وقطع الشيطان عهداً على نفسه ليغوين بني آدم، وليضلنهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ * وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ * وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ * فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ * إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ * قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ * قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ * قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ * وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ * قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [سورة الحجر: 26-43] ، ففي هذه الآيات أخبرنا الرب عز وجل عن قصة خلق آدم وخلق إبليس، وأمْرِه للملائكة وإبليس بالسجود، وتمرد إبليس، ووعْده بإضلال بني آدم، لكنه –كما رأيت- لا يستطيع إضلال المؤمنين بالله، المخلصين لله في العبادة.

والشياطين كثيرون، وكلهم تحت لواء إبليس يأمرهم ويطيعونه، وينفذون أوامره بإضلال بني آدم وإغوائهم، لذا فكل كفر وشرك وطغيان وفساد في الأرض فهو بتزيينه للناس، وهو ثمرة للعهد الذي قطعه على نفسه بأن يضل بني آدم، لكنه يوم القيامة يتخلى عنهم، ويقول لهم: لم يكن لي عليكم سلطان؛ إنما أمرتكم فاستجبتم لي،كما سيتضح من الجدال الذي سيكون بين إبليس وأتباعه في النار يوم القيامة، وهذا الجدال ستراه مبسوطاً فيما سنكتبه عن يوم القيامة في هذا الكتاب، بإذن الله. وهذا مما أخبرنا الرب عنه في الكتاب العظيم القرآن الكريم.

المبحث الرابع: خلق الله آدم عليه السلام من تراب وخلق ذريته من ماء مهين

لما قضى الرب عز وجل خلق الإنسان، أخبر ملائكته أنه سيخلق لهذه الأرض مخلوقاً مختلفاً عن الملائكة، يعبد الله في هذه الأرض ويعمرها، وتتكاثر ذريته من بعده، قال عز وجل: ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ * فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ * إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [سورة ص: 71-74]

وأخبرنا الرب جل جلاله أنه خلق الله لآدم عليه السلام زوجاً من نفسه، وأنه بث من هذين الزوجين ذريتهما، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [سورة النساء: 1]

وأخبرنا الله في القرآن العظيم عن الغاية التي خلق من أجلها الإنسان، وكيف أعدّه لهذه الأرض، وعلمه وابتلاه؛ ليتعلم كيف يعبد ربه؟ وكيف يتوب إذا أخطأ؟ وكيف يعمر هذه الأرض؟ قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ * وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ * قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ * وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ * وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ * فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ * قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} [سورة البقرة: 30-38] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا * وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ * فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ} [سورة طه: 115-119]

وهذه الآيات –أيضاً-تضمنت أن الله عز وجل حذر آدمَ وزوجه عليهما السلام من كيد الشيطان، ولكنهما وقعا في مكيدته، واغترا بوسوسته له، فأهبطهما الله من الجنة التي خُلقا فيها، إلى الأرض التي خُلقا لها، بعد أن تعلما وخاضا تجربة البلاء، وعرفا كيف ينجوان من آثارها بالتوبة والرجوع إلى الله والاستغفار.

وحذر الرب جل وعلا ذرية آدم عليه السلام من الشيطان، وأخبرهم أنه عدو لهم، وأنه سيغويهم كما أغوى أبويهم، قال تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: 27]

وعاش آدم عليه السلام وتكاثرت ذريته، وهم يعبدون الله وحده ولا يشركون معه أحداً في عبادته، وبعد عشرة قرون أدخل الشيطان على بني آدم الشرك، فعبدوا غير الله، وتنوعت معبوداتهم، قال الرسول محمد مخبراً عن الله أنه قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا). [22]وسيأتي معنا بإذن الله في هذا الكتاب التفصيل في كل ما يتعلق بالدين، وبيان الدين الحق، وبيان الدين الباطل...إلخ صحيح مسلم (2865).

فهذا خبر خلق الله لآدم عليه السلام، أما ذريته فهم -كما لا يخفى- خلقوا من ماء مهين، وقد أخبر الله في محكم كتابه عن مراحل خلق الجنين في بطن أمه قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ * ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ * ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [سورة المؤمنون: 12-14] ، ويخبرنا الرب عز وجل عن خلْق الإنسان، ويجعل الرب هذا الخلق حجة على البعث، فالذي خلق الإنسان من ماء مهين، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، قادر على أن يعيد الإنسان بعد موته، قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ * قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ} [سورة يس: 77-79] ، والعجب أن الإنسان الذي خلقه ربه من هذا الماء المهين، يخاصم ربه، ويظن أن الله لا يقدر على بعثه بعد موته، ومحاسبته على أعماله!

المبحث الخامس: خلق الروح وحقيقتها

الروح مخلوقة كما إن الإنسان مخلوق، فإذا مر على النطفة في الرحم أربعة أشهر أرسل الله إليها الملك، فينفخ فيها الروح قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح).[23] صحيح البخاري (3208)، ومسلم (2643).

أما حقيقة الروح فلا أحد من الخلق يعلمها، ولا يعلم حقيقتها إلا الرب عز وجل، ولقد امتحن اليهودُ رسولَ الله محمداً وقالوا لكفار قريش أسألوه سؤال تحدٍ عن الروح، قال تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [سورة الإسراء: 85]

والروح تموت بموت البدن، وموتها هو مفارقتها للجسد، لكنها لا تفنى، وفي المدة التي بين موت الإنسان وبعثه يوم القيامة، وهي الحياة البرزخية، وهي عالم القبر وما فيه-يكون للروح اتصال بالجسد، فتتنعم بما تنعم به، وتتعذب بما يتعذب به، وأرواح المؤمنين تكون في الجنة، وأرواح الكفار تكون في النار، ثم يوم القيامة تعود الأروح للأجساد، فيستقر المؤمنون في الجنة، ويستقر الكفار في النار.

وفي هذه المدة التي بين موت الإنسان وبعثه يوم القيامة فإن روح الميت لا تتصل بالأحياء، ولا تتواصل معهم بأي نوع من الاتصال، فأرواح الآباء والأجداد والجدات لا تتواصل مع الأحفاد، ولا يكون لها بهم أي علاقة، بل هي إما مشغولة بالنعيم إن كانت مؤمنة، أو مشغولة عنهم بالعذاب إن كانت كافرة، وكل من زعم أن أرواح الموتى تتصل بالأحياء وتزورهم أو تؤثر فيهم فزعمه لا دليل عليه، بل عمدة هذا الزعم الخرافات والأساطير المتوارثة.

والأرواح لا تنتقل بعد وفاة صاحبها إلى مخلوق آخر، سواء كان أرفع منه أو أحط منزلة منه، بل الروح يخلقها الرب لتكون لهذا الجسد، فتلازمه حتى تفارقه عند الموت، ثم تعود إليه إذا وضع في قبره، ثم تعاد إليه يوم القيامة، وكل من زعم أنها تنتقل إلى مخلوق آخر بعد مفارقتها لصاحبها فزعمه باطل، ولا دليل عليه، بل عمدة هذا الزعم الخرافات والأساطير المتوارثة.

المبحث السادس: الغاية من خلق الإنسان وأنه مخلوق مكرم خلقه الله لعبادته.

ذكرنا في المباحث السابقة أن الله خلق الخلق لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: 56] ، أي ليفردوه في العبادة، ولا يعبدوا معه أحداً غيره، وهذه الغاية الشريفة هي التي من أجلها خلق الله السموات والأرض، وأنزل الكتب الإلهية، وأرسل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالرب جل وعلا لم يخلق الخلق ويتركهم هملاً، بل خلقهم لغاية عظيمة، ومهمة جليلة وهي عبادة الرب جل جلاله، والإنسان عموماً مخلوق مكرم، قال تعالى: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ [سورة الإسراء: 70] ، ومن تكريمه أن الله منحه العقل الذي يميز به بين ما يضره وما ينفعه، وجعل رأس الإنسان في أعلى الجسد، وخلق له اليدين وجعلهما وسيلة أكله وتناوله، بينما كل الحيوانات تأكل بفمها من الأرض، وهذا التكريم العام يشترك فيه كل بني الإنسان، وأعلى من هذا التكريم وأخصه هو تكريم الإنسان بأن يكون مسلماً متبعاً للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فالمسلمون هم صفوة الله من خلقه، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [سورة الحج: 78] ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ﴾ [سورة فاطر: 32] ، والإسلام ليس حكراً على جنس أو قومية أو أهل بلد دون غيرهم، بل هو دين الله لعباده، وقد دعا الله الناس كلهم إلى عبادته، وعبادة الله هي أعظم كمال يناله الإنسان في الحياة؛ لأنه إذا عبد الله فقد ارتقى بنفسه وزكاها، وسار بها على منهاج ربها، قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [سورة الشمس: 9-10] ، والإنسان لابد له من عبادة يتعبد بها، فإن لم يعبد ربه وخالقه ورازقه، وإلا عبد الشيطان والهوى، وقد خسر من كان معبوده الشيطان، ووليه الشيطان.

المبحث السابع: بيان مكانة المرأة في الإسلام

المرأة في الإسلام شقيقة الرجل، قال الرسول محمد عليه السلام: (إن النساء شقائق الرجال)[24]. وهي مخاطبة بالتكاليف الشرعية كما يخاطب الرجل، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [سورة الأحزاب: 35] ، وأجرها على عملها يوم القيامة مماثلاً لأجر الرجل، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا﴾ [سورة النساء: 124] ، وقال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [سورة غافر: 40] (23196) المسند، سنن الترمذي(113)، سنن أبي داود(236).

غير أن المرأة مستثناة من بعض التكاليف التي لا تتناسب مع طبيعتها كقتال الأعداء، والصلاة مع جماعة الرجال في المسجد، لكنها مكلفة بالصلاة بالبيت، وإن حضرت الصلاة في قسم النساء في المسجد فصلاتها صحيحة، ولها الأجر نفسه، لكن أجرها لو صلت في بيتها يكون أعظم، مراعاة لخصوصية المرأة.

وفي الإسلام يدخر الله للرجل الأجر العظيم لمن رزقه الله بنتين أو أكثر، إذا أحسن إليهن، ويكون القيام عليهن سبباً لدخوله الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عال ابنتين أو ثلاث بنات، أو أختين أو ثلاث أخوات، حتى يبن أو يموت عنهن، كنت أنا وهو كهاتين) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى.[25] المسند(12498) وهو في صحيح مسلم بلفظ: (من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو) وضم أصابعه (2631).

والزواج في الإسلام مسؤولية مشتركة، لكن الزوج يتحمل جميع التكاليف المتعلقة بالحياة الزوجية، كتوفير المسكن، والأكل والشرب، والملابس، وهي لا تتكلف من ذلك شيئاً-ولو كانت غنية-إلا بطيب نفس منها، ونهى الرسول محمد عن ضرب المرأة، وعن هضمها حقها، وبين أنه لا يكرمها إلا كريم.

والمرأة لها ذمتها الخاصة، وهي كالرجل تماماً في البيع والشراء وسائر العقود، ولا يشترط موافقة الرجل على تصرفاتها المالية إذا كانت بالغة راشدة.

المبحث الثامن: الناس سواسية أبوهم آدم وأمهم حواء

ذكرنا في مبحث سابق أن الله خلق آدم من تراب، وخلق له من نفسه زوجاً هي حواء عليهما السلام، وجعل ذريتهما تتكاثر وتتناسل، إذا فأصل البشرية واحد، وهو آدم وحواء عليهما السلام، وانتساب ذريتهما إليهما على قدر سواء، فليس جنس من بني آدم أحق بالانتساب من أحد، وليس أهل بلد أفضل من غيرهم، فالكل سواسية، كلهم أصلهم من تراب، وأبوهم آدم، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال رسول الله : (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب)[26][27] وقال رسول الله محمد : (يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى).[28] فالرب جل جلاله خلق البشر وجعلهم قبائل ليتعارفوا، لا ليتفاخر بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [سورة الحجرات: 13] ، فالتمايز بين الناس في القبائل والعشائر للتعارف والتعاون، لكن الأكرم منهم عند الله هو الأتقى، والأتقى هو الذي يعبد الله على معرفة بربه، ومعرفة بدينه، ويقوم بواجبات دينه، وواجبات من حوله، ويسلم الناس من شره. عُبِّيَّةَ، العبية: الكبر والنخوة يريد بهذا القول ما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب والتباهي بها. غريب الحديث للخطابي (1/ 290). مسند أحمد ط الرسالة (8736)، وسنن الترمذي (3956)، وسنن أبي داود(5119). مسند أحمد ط الرسالة (23489).

أما تقسيم الناس إلى طبقات، ولكل طبقة امتيازات اجتماعية ومالية وحقوقية، فهذا التقسيم لا دليل عليه من وحي ولا من عقل ولا من تجربة إنسانية، بل هو افتراء وظلم ممن افتراه، وفيه ازدراء للإنسان، وهضم لحقه، فمن الذي له الحق بجعل هذه السلالة مكرمة مميزة، وتلك سلالة منبوذة محتقرة، إن كل تقسيم للبشر على أساس العرق أو الجنس أو البلد فهو تقسيم ظالم جائر ومن أنشأه ودعا إليه فهو مفتر ٍكذاب؛ لأن الناس كلهم سواسية في المنشأ والأصل، وكلهم راجعون إلى ربهم، وسيحاسبهم على أعمالهم، ولن يكون للنسب أو الجنس اعتبار بين يدي الله، قال الرسول محمد (من بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه).[29] فالنسب لا يقدم ولا يؤخر، ولا يعطي صاحبه امتيازاً أو تمييزاً. صحيح مسلم ((2699).

المبحث التاسع: أخوة ورحمة

رسالة الرسول محمد رسالة رحمة بالخلق كلهم، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 107] ، فهو رحمة للعالمين، وهاد وبشير، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا * وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا * وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا} [سورة الأحزاب: 45-47] ، ومما تضمنته الرسالة الخاتمة أن رابطة الإخوة بين المؤمنين بالله وباليوم الآخر أعظم رابطة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات: 10] ، ومن حق هذه الإخوة النصرة، وسد الحاجة، وتفريج الكربة، وستر العورات، قال رسول الله محمد: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة).[30] وقال الرسول محمد (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال)،[31] فأعظم بمنهج ينهى عن البغضاء والحسد ومقاطعة الإخوة، وتحريم الهجر فوق ثلاث، ويأمر بالأخوة العامة بين المؤمنين. صحيح البخاري(2442) ، وصحيح مسلم(2580). صحيح البخاري (6076)، وصحيح مسلم(2558).

وقد اعتنى الإسلام بغير المسلمين وحث على التعامل معهم بما تقتضيه الأخلاق الفاضلة والقيم العادلة، وأوجب على المؤمنين بالله العدل معهم، وعدم غمطهم حقوقهم، قال تعالى: ﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ [سورة المائدة: 8] ، وندب إلى البر بهم والإحسان إليهم، قال تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة: 8] ، ولما أصاب قريشاً -وهم سكان مكة- قحط وجهد شديد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، في المدة التي أخرجوا فيها الرسولَ محمداً من بلده مكة، وهاجر إلى المدينة.

فأُتي رسول الله فقيل له: يا رسول الله: استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت، قال:«لمضر؟ إنك لجريء» فاستسقى لهم فسقوا).[32]أي كيف تطلب مني أن استسقي لهم، وقد كفروا بالله، وأشركوا معه آلهة أخرى، والآن لما مسهم الضر، وعلموا ألا يكشف الكرب إلا الله، وتعلمون أني رسول الله، وتكذبونني؛ جئتم تطلبون مني أن أدعو الله لهم. صحيح البخاري (4821)، وصحيح مسلم(2798).

وحرم الإسلام قتل المعاهد فقال الرسول (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)[33] وفي هذا الدين يعتقد المسلم أن كل بني آدم قد أكرمهم الله، قال تعالى: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ [سورة الإسراء: 70] صحيح البخاري (3166).

الفصل الثالث: الدين

المبحث الأول: الدين ضرورة بشرية

التدين أمر ضروري تندفع إليه النفس البشرية، ولا تنفك عنه في أي حال، فلم توجد أمة من الأمم السابقة أو اللاحقة لم يكن لها دين تمارس شعائره، وتعظمه، وتقيم له المعابد، إلا النفر اليسير من البشر ممن شغله البحث عن لقمة العيش، أو شغلته الرفاهية عن التدين، وهؤلاء لا يمثلون نسبة كبيرة بين بني البشر، قال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [سورة الحج: 67] ، والمنسك هو: المكان الذي يغشاه الإنسان ويألفه لخير أو شر[34]، وهذا أمر مشاهد إلى اليوم، فقد وجِد عبر التاريخ مدناً بلا أسوار، وبلا أسواق، وبلا مستشفيات، لكننا لم نجد مدناً بلا معابد، بل في كل بلد مكان للعبادة، وكل جماعة من الناس تنتقل من بلدها إلى بلد آخر نراها تقيم معبداً لعبادتها، وتنفق الأموال عليه، وحتى المطارات اليوم وهي محطات لا يلبث الناس فيها إلا اليسير من أوقاتهم؛ نجد فيها أماكن مخصصة لأداء العبادة. انظر جامع البيان ت (18/ 679).

وهذا الاضطرار للعبادة، وتعلق القلوب بها، هو من بقايا الفطرة التي فطر الرب جل جلاله الناس عليها، وجعل التدين أمراً فطرياً في النفوس؛ ولأن في الإنسان فقراً ذاتياً للرب جل جلاله، لا يغنيه عنه شيء، ولا يسده شيء إلا عبادة الله وحده، واللجوء إليه في السراء والضراء، وكل إنسان يجد من نفسه الضعف والفقر، وتمر به أزمات ومحن ويحتاج أن يأوي إلى ركن شديد يتقوى به، ويستنصر به، هذا أمر مركوز في الفطر، وجُبل عليه الإنسان؛ فهو يلجأ إلى من هو أقوى منه ليخرجه من ضائقته، ويفرج له كربته، وقد يلجأ للرب جل وعلا، وهو خير من يأوي إليه الإنسان وهذا يدل دلالة أكيدة على حاجة الإنسان إلى الدين والتدين، والقيام بشعائر الدين، وهو اللجوء النافع الصحيح. وقد يلجأ إلى صنم أو ميت أو أمر لا حقيقة لوجوده كمن يلجأ للآلهة المزعومة، فهذا اللجوء –سواء كان حقاً أو باطلاً- دليل على حاجة الإنسان إلى ركن شديد يأوي إليه.

المبحث الثاني: الرب عز وجل هو الذي يشرع الدين ويأمر به ويحاسب عليه

قبل أن نوضح هذا الأمر، سنطرح سؤالين لتنشيط الذهن وتهيئته؛ لإدراك هذا الموضوع على حقيقته، والسؤالان هما:

السؤال الأول: من الذي له الحق في أن يضع الدين، ويشرّع الشرائع، ويضع معايير الحق والباطل، ويحاسب الناس على أعمالهم، إن كانت صالحة أو فاسدة؟

والجواب: إن الذي له الحق في وضع الدين، وتشريع الشرائع، ووضع معايير الحق والباطل، والرذيلة والفضيلة، ومحاسبة الناس على أعمالهم؛ هو الرب جل جلاله؛ لما يأتي:

لأنه هو الذي خلق، ومن خلق فهو يعلم ما الذي يصلح للمخلوق من دين وعبادة، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: 14] ، أما من لم يخلق فكيف يشرّع لمخلوق مثله، وكيف يشرّع وهو يجهل ما يحتاج إليه المخلوق، بل هذا الذي يجعل نفسه مشرعاً تمر به الأزمات والكرب فلا يستطيع أن يخرج نفسه منها، فكيف يشرّع لغيره.

لأن الرب هو الذي يهدي إلى الحق والهدى، قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾ [سورة يونس: 35] ، قال ابن جرير رحمه الله: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد لهؤلاء المشركين: (هل من شركائكم) الذين تدعون من دون الله، وذلك آلهتهم وأوثانهم، (من يهدي إلى الحق) يقول: من يرشد ضالاً من ضلالته إلى قصد السبيل، ويسدد جائراً عن الهدى إلى واضح الطريق المستقيم؟ فإنهم لا يقدرون أن يدّعوا أن آلهتهم وأوثانهم ترشد ضالاً أو تهدي جائراً. وذلك أنهم إن ادعوا ذلك لها أكذبتهم المشاهدة، وأبان عجزها عن ذلك الاختبار بالمعاينة. فإذا قالوا "لا" وأقروا بذلك، فقل لهم: فالله يهدي الضال عن الهدى إلى الحق (أفمن يهدي) أيها القوم ضالاً إلى الحق، وجائراً عن الرشد إلى الرشد (أحق أن يتبع) إلى ما يدعو إليه (أم من لا يهدّي إلا أن يهدى)[35]. جامع البيان (15/87).

وهو الذي يمنح عباده القدرة على التفريق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال: 29] ، قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره: (من اتقى الله حصل له أربعة أشياء، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها: الأول: الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة. الثاني والثالث: تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب... الرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه).[36] تيسير الكريم الرحمن (ص: 319).

فمن يهدي إلى الحق هو المستحق لأن يضع الدين، ويدل الناس عليه، ويهديهم إليه.

لأن الرب جبار قهار عزيز، يأمر بالحق ويثيب عليه، وينهى عن الباطل ويعاقب عليه، وفي مصارع الأمم الكافرة كطوفان قوم نوح، وإهلاك قوم هود وقوم صالح، وإغراق فرعون وجيشه لما بغوا على نبي الله موسى عليه السلام، أعظم شاهد على أن من ينزل الدين ويعاقب من خالفه، هو الذي له الحق في تشريع الشرائع وفرض الحدود، أما ما يعبد من دون الله من بشر أو صنم أو آلهة مزعومة فهي لا تدافع عن نفسها، فضلا عن أن تعاقب من خالف دينها.

لأن الرب هو الذي يرزق، ومن يرزق يستحق أن يشرّع، ومن لا يرزق فلا حق له في التشريع، ولأن التشريع يتضمن تحليل بعض المآكل والمشارب والمناكح، وتحريم أصناف منها، فمن لا يرزق كيف يحرم ويمنع ويبيح ويأذن؟

لأن الرب سميع بصير يأمر وينهى، ويجيب دعوة المضطر، ومن كان كذلك فهو الذي له الحق في أن يشرع الدين ويحاسب عليه، وقد أنكر الله على قوم موسى عليه السلام حينما اتخذوا لهم عجلاً من ذهب وجعلوه إلهاً، قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [سورة الأعراف: 148]

لأن الرب هو الذي ركز الشهوات في الإنسان، ومنحه العقل والإرادة، فهو المستحق وحده لأن يشرع ويثيب من اتبع وأطاع، ويتوعد من عصى وخالف.

لأن الرب هو الذي فطر النفوس على الفضيلة، وعرفهم طرق الخير ليسلكوها، وطرق الشر ليجتنبوها، فهو المستحق لأن يبين للناس معايير الحق والباطل، والهدى والضلال.

لأن الرب عادل له العدل التام، فلا يظلم العباد مثقال ذرة، وهو الحكيم العليم الذي يضع الأمور مواضعها، فلا يكون شرع أفضل ولا أكمل من شرعه ودينه.

لأن الرب حي لا يموت ولا ينام، يعلم أفعال عباده وجناياتهم وأعمالهم الصالحة والفاسدة، ولا يغفل عن الخلق لحظة، ويحصى على العباد أعمالهم، فهو المستحق أن يشرّع ويحاسب ويدين ويثيب ويعاقب.

السؤال الثاني: هل يمكن للإنسان أو لجماعة من الناس أن يضعوا للناس ديناً يدينون به، ويشرعوا لهم الشرائع، ويحددوا لهم -من عند أنفسهم-معايير الفضيلة والرذيلة والحق والباطل، ويحاسبوا الناس على أعمالهم؟

الجواب: لا يمكن للإنسان أن يضع لغيره ديناً؛ لأنه لم يخلقهم فيعلم ما الذي يصلحهم، ولم يرزقهم فيطالبهم بشرعه إذ هو الذي رزقهم، ولأنه لا يهتدي إلى الحق والهدى، فكيف يهدي غيره من لا يملك الهداية لنفسه؟ ولأن الإنسان ظلوم جهول لا ينفك عن طلب شهواته وملذاته، فكيف يشرع لغيره، ولأن الإنسان تنقصه الحكمة والعلم التام، ومن كان غير كامل في ذلك فكيف يشرع لغيره؟ ولأن الإنسان لا يملك العدل التام فتقع منه المحاباة لبني قومه وعشيرته، فهل ينتظر من أمثال هؤلاء أن يضعوا ديناً؟ وأن يقيموا شرعاً، ولأن الإنسان يغفل وينام ويموت فكيف يحيط بأعمال الخلق؛ ليتمكن من محاسبتهم؟

وبهذا تبين أن الرب عز وجل هو الذي يضع الدين، ويشرع الشرائع، ويثيب ويحاسب عليها، والإنسان غير مؤهل ولا قادر على وضع الدين وتشريع الشرائع.

المبحث الثالث: التوحيد سابق على الشرك والشرك حادث وطارئ في البشرية

سبق أن ذكرنا عند الحديث عن خلق آدم عليه السلام أنه كان هو وذريته على التوحيد لمدة عشرة قرون، قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [سورة البقرة: 213] ، أي على التوحيد، ثم حدث الشرك في قوم نوح عليه السلام ، وهو أول شرك وقع في الأرض، وقصة بداية هذا الشرك تتلخص أنه كان في الأجيال التي سبقت نوح قوم صالحون، ولهم منزلة في قلوب الناس، (وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم).[37] جامع البيان (23/ 639).

فهذا أول شرك وقع في الأرض، وهو كما ترى دخل على الناس من قِبل تعظيم الصالحين، وأفضى التعظيمُ إلى عبادتهم، وبعد قوم نوح توالت الأمم على الشرك، وكانت لكل أمة معبوداتها من دون الله، ودخل الشركُ طوراً آخر، فزعموا أن الملائكة بنات الله، وأن الله اتخذ صاحبة وولداً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ثم استجد نوع آخر من الشرك وهو الزعم بتعدد الآلهة حتى بلغت عند بعض الأمم ثلاثة وتسعة.

والشرك كله باطل لا خير فيه، والأدلة الشرعية من الوحي والعقل كلها تمنع من الشرك وتعده خرقاً بغير علم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الأنعام: 100] . وقد قدمت في مبحث سابق الأدلة على منع الشرك وإبطاله، وأنه يجب على الإنسان أن يعبد الله وحده لا شريك له.

المبحث الرابع: الدين الحق هو دين الأنبياء عليهم السلام

إذا كان الله وحده هو الذي فرض الدين وشرع الشرائع، فإنه قد بلغ دينه إلى الخلق من خلال رسله وأنبيائه عليهم السلام، وعماد دين الله هو عبادته وحده، والإيمان بلقائه، والاستعداد ليوم البعث والحساب ومما ينبغي أن يعلم أن الأنبياء كلهم متفقون على الإيمان بأصول الإيمان الكبرى، وهي الإيمان بالله وملائكته، والإيمان بالكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل والزبور -قبل تحريفها- والقرآن، والإيمان بِجميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وأن يؤمن بخاتمهم وهو محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين، والإيمان بالقدر، والإيمان باليوم الآخر، ونعلم أن الحياة الدنيا لو كانت هي النهاية؛ لكانت الحياة والوجود عبثاً خالصاً.

ودين الله يتضمن الدعوة إلى عبادة الله وحده بأصول العبادات الكبرى وهي: الصلاة التي هي قيام وركوع وسجود وذكر لله وثناء عليه ودعاء، يصليها المسلم كل يوم خمس مرات، وتزول فيها الفوارق فالغني والفقير والرئيس والمرؤوس في صف واحد في الصلاة، والزكاة وهي مقدار يسير من المال -وفق الشروط والمقادير التي قدرها الله- واجبة في مال الأغنياء تصرف للفقراء وغيرهم، مرة واحدة في العام، والصيام وهو: الإمساك عن المفطرات في نهار شهر رمضان، يربي في النفس الإرادة والصبر والحج وهو: قصد بيت الله في مكة المكرمة مرة في العمر على القادر المستطيع، وفي هذا الحج يتساوى الجميع في التوجه للخالق سبحانه، وتزول فيه الفروق والانتماءات، ومن أعظم ما يميز العبادات في الإسلام أن كيفياتها ومواقيتها وشروطها شرعها الله سبحانه وتعالى، وبلغها رسوله ، ولم يتدخل بها البشر زيادة ولا نقصاً إلى اليوم، وكل هذه العبادات الكبرى دعا إليها جميع الأنبياء عليهم السلام.

ودين الله يأمر بالإحسان إلى الوالدين، حتى ولو كانا غير مسلمين، وبالوصية بالأولاد، كما يأمر بالعدل في القول والعمل حتى مع الأعداء، والإحسان إلى الخلق كافة، فالدين الحق يدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.

ودين الله يأمر بالأخلاق المحمودة كالصدق وأداء الأمانة والعفاف والحياء والشجاعة والبذل والكرم وإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وحسن الجوار، وصلة الأرحام، والرفق بالحيوان.

ودين الله حرم الشرك بالله والكفر، وعبادة الأصنام، والقول على الله بلا علم، وقتل الأولاد، وقتل النفس المحترمة، والإفساد في الأرض، والسحر، والفواحش الظاهرة والباطنة والزنا واللواط، وحرم الربا، وحرم أكل الميتة وما ذبح للأصنام والأوثان، وحرم لحم الخنزير، وسائر النجاسات والخبائث، وحرم أكل مال اليتيم، والتطفيف بالكيل والوزن، وحرم قطع الأرحام. والأنبياء عليهم السلام جميعهم متفقون على تحريم هذه المحرمات.

ودين الله ينهى عن الأخلاق المذمومة كالكذب والغش والغدر والخيانة والخداع والحسد والمكر والسرقة والبغي والظلم، وينهى عن كل خُلُق خبيث.

ورفع دين الله شأن العقل وجعله مناط التكليف، وحرره من أغلال الخرافة والوثنيات، وليس في دين الله أسرار أو أحكام تخص طبقة دون أخرى، وكل أحكامه وشرائعه موافقة للعقول الصحيحة، وهي وفق مقتضى العدل والحكمة، وحرم الله جميع ما يفسده العقل كالمخدرات.

ودين الله يعظم العلم الصحيح، ويحث على البحث العلمي المتجرد عن الهوى، ويدعو إلى النظر والتفكر في أنفسنا وفي الكون من حولنا، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [سورة فصلت: 53] ، والنتائج العلمية الصحيحة للعلم لا تتعارض مع الدين الحق.

المبحث الخامس: تعدد الأديان وتعدد الآلهة

سبق أن ذكرنا أن الدين الصحيح عند الله هو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [سورة آل عمران: 19] ، وأن من ابتغى الهدى في غيره فلن يقبل منه، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: 85] ، وأن آدم وذريته الأولى كانوا على التوحيد الخالص، ثم طرأ الشرك، وتعددت المعبودات، فهذا يعبد حجراً، وهذا يعبد بقراً، وهذا يعبد بشراً، وهذا يعبد فلكاً أو نجماً، وتنوعت مسالك العابدين، فمنهم من يقرب الحيوانات، ومنهم من يلجأ إلى كهف أو مغارة للتأمل والتعبد، ومنهم من يمتنع عن الشهوات المباحة طلباً لتزكية النفس، ومنهم من يتلطخ بقذر الحيوان طلباً للقداسة.

وقد يتساءل الإنسان عن سر هذا التعدد في الأديان، فنقول: إن الشيطان لما استكبر على الله، وامتنع عن السجود لآدم لما أمره الله، قطع على نفسه عهداً أن يغوي بني آدم؛ حسداً لهم ولأبيهم، لأنهم فضّلوا عليه، قال الرب جل جلاله مخبراً عن ذلك: ﴿قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ * قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ * قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ * وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ * قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ * لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [سورة ص: 75-85]

ولما دخل النبي يوسف عليه السلام السجن نتيجة مكيدة تعرض لها، ودخل معه اثنان مشركان سألهما سؤالاً كاشفاً عن حقيقة المعبودات من دون الله، فقال: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ [سورة يوسف: 39] ، ونحن نسأل ذات السؤال: أهذه المعبودات اليوم من دون الله خير، أم الله الواحد القهار؟

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عبادة اليهود للعزير، وعبادة النصارى للمسيح عليه السلام، ثم بين الرب جل وعلا أنهم في عبادتهم لبشر مثلهم يضاهئون مقالة الأمم الكافرة قبلهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [سورة التوبة: 30] ، وختم الله الآية بقوله: ﴿أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ كيف يُصرفون عن عبادة الرب الخالق الرازق إلى عبادة مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.

فتعدد الأديان ما هو إلا استجابة لإغواء الشيطان لبني آدم، وإلا كيف لإنسان عاقل يسمع ويبصر ويتصرف فيما يريد، يعبد جماداً أو قبراً أو حيواناً أو ميتاً لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ولا يغيث داعياً، ولا ينجي مكروباً، ولكن الناس يتتابعون على تقليد أسلافهم، والتعصب والانتصار لما ألفوه، وإن لم يمحصوه هل هو حق أو باطل، نافع أو ضار؟ ونسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

المبحث السادس: أقسام الناس من حيث الدين

تحدثنا سابقاً إلى أن البشرية عاشت عشرة قرون على التوحيد، ثم حدث الشرك في عهد نوح، وانقسم الناس فيما بعد ذلك إلى قسمين:

القسم الأول: أتباع المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهؤلاء يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعبدون الله على بصيرة، ويسيرون في حياتهم وفق ما شرع الله لهم، ويحلون ما أحل الله، ويحرمون ما حرم الله؛ لأن الحلال ما أحلّه الله، والحرام ما حرّمه، ويبتعدون عن الفواحش والآثام، ويتجنبون ظلم الناس والبغي عليهم، وهؤلاء هم المتدينون لله على الحقيقة، وهم فقط الذين على الدين الصحيح.

القسم الثاني: من لم يتبع المرسلين عليهم الصلاة والسلام، إما إعراضاً واستكباراً، أو جهلاً بما جاء به المرسلون عليهم الصلاة والسلام، فلم تبلغهم الدعوة على هيئة يتمكنون من خلالها من معرفة الحق واتباعه، فظلوا يعتقدون من العقائد المتعلقة بالمغيبات ما لا يقوم عليه دليل، ويتخبطون في ظلمات الكفر والشرك، ويبتدعون لأنفسهم من الملل والأديان ما يشاءون، ويظل الإنسان من هؤلاء حيران يبحث عن الحق، ويجرب هذا الطريق أو ذاك حتى تدركه منيته وهو لم يدرك الحق، أو يمنُّ اللهُ عليه بالهداية فيتعرف على الطريق المستقيم، طريق المرسلين عليهم السلام، ويؤمن به.

والأديان التي يدين بها البشر مما لم يشرعه الله عز وجل كثيرة، منها ما أصله مما جاء بهما الأنبياء عليهما السلام وهما: اليهودية والنصرانية، وهما في وقتهما هما دين الله الذي ارتضاه لخلقه، وبعث به رسله، لكن اليهود والنصارى حرفوا دينهم، وطمسوا معالمه، وبدلوا كتبهم وضيعوها، فلم يبق لهم دين صحيح ولا كتاب إلهي معتبر، ودخلت في هذين الدينين عقائد كثيرة من عقائد الروم واليونان والفرس وغيرهم.

ومن الأديان ما ليس أصلها مما جاء به الأنبياء عليهم السلام، بل هي ابتداع من البشر، وهي كثيرة منها: الهندوسية والكونفوشيوسية والزرادشتية والطاوية والبوذية وما يماثلها.

ونعلم أن كنفوشيوس وبوذا وزرادشت وغيرهم كانوا في حياتهم عظماء، لكننا لا نجد في حياتهم –حسبما وقفنا عليه من المصادر- أنهم كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويدعون الناس إلى عبادة الله وحده، ونعلم أنهم أثّروا في حياة أقوامهم، ودعوهم إلى إصلاح أحوالهم الدنيوية، وإعانة بعضهم بعضاً، والوقوف مع الضعيف والمسكين، والكف عن الرذائل، وظلم الناس، وما إلى ذلك من القيم الفاضلة، وعاشوا على ذلك، ولم يدعوا أتباعهم إلى تعظيمهم والغلو فيهم وعبادتهم، لكن بعد قرون من وفاتهم؛ اتبعهم أتباع لا يعرفون حقيقة ما كانوا عليه؛ فغلوا فيهم ورفعوهم إلى منزلة فوق منزلة البشر، فأوصل بعضهم هذا الغلو إلى عبادتهم.

والغلو في الأشخاص، والتغيير في الديانة والملة، ونقلها إلى أطوار لم تكن عليها في بداية أمرها، هو قاسم مشترك بين الأديان المخالفة لدين الله الحق، ولو نظرت في تاريخ أي دين مخالف لوجدته انتقل من طور إلى طور!

ومن الناس من ظن أن الأديان كلها سواء، وأنها كلها باطلة، فعاش ملحداً، لا يعرف ربه، ولا يؤمن بلقائه، وهذا من جهله، حيث لم يعرف الدين الحق، ولم يهتد إلى الصراط المستقيم، والملحد ليس معه دليل صحيح على إلحاده؛ وإنما لم يعرف الحق، فظن أن الأديان كلها باطلة، وكونه يظن أن الأديان المحرفة كاليهودية والنصرانية والبشرية المبتدعة باطلة، فظنه صحيح، لكن علمه قصر عن معرفة الإسلام وهو الدين الحق، فعاش ملحداً، وظن أنما توصل إليه من قرار هو الصواب، ولا شك أنه قرار مبني على مقدمات ناقصة أدت إلى نتائج باطلة.

المبحث السابع: القواسم المشتركة بين الأديان الباطلة

تشترك الأديان المحرفة والأديان الوثنية بقواسم مشتركة كثيرة منها:

أن البشر هم الذين وضعوا هذه الأديان وشرعوها، والبشر فيهم الضعف؛ فإذا وضعوا ديناً جاء ضعيفاً كما كانوا هم ضعفاء، وسبق أن بينا أن الإنسان ليس مؤهلاً لأن يضع لإنسان مثله ديناً يتعبد به.

أن الأديان الباطلة يدخلها التغيير والتبديل فلا تظل على حالة واحدة؛ لأن كل جيل يريد أن يطور الدين ويغيره، ويستحسن أشياء لم يكن يعملها الذين من قبله، ولذا نرى الأديان تمر بمراحل وأطوار تتغير فيها كل مرحلة وطور عن الذي قبله.

أن الأديان الباطلة تقدس الأشخاص وترفعهم إلى مراتب الربوبية، وتمنحهم أعمالاً وصفات هي من خصائص الرب جل جلاله، كعلم الغيب، وإنزال المطر، وكشف الكرب، وتجعلهم أبناءً للرب جل جلاله، بل تكون الآلهة أشبه ما تكون بالأسرة فيها أب وابن وأم وهكذا... بينما الرسل يعلّمون أتباعهم عدم الغلو فيهم، ويمنعونهم من أن يرفعوهم فوق منزلتهم، قال الرسول محمد في خطبة له: (لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله).[38] ونهى الله اليهود والنصارى عن الغلو، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة: 77] صحيح البخاري (3445).

أن من أعظم ما يصد أصحاب الأديان الباطلة عن اتباع ما جاء به المرسلون عليهم الصلاة والسلام، والاهتداء بهديهم هو التعصب والتقليد والانتصار للباطل كما في قولهم كما قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ [سورة المائدة: 104] وقال تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ * إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ * قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ * قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ * أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ} [سورة الشعراء: 69-74]

من أبرز القواسم المشتركة بين الأديان الباطلة وجود كم كبير من الخرافات والأساطير التي لا يقبلها الشرع ولا العقل، بل يستحيل تصديقها، لكن الأتباع ألفوا هذه الخرافات وصدقوها، ولا يتجاسرون على التشكيك فيها.

الأديان الباطلة تعظم الطبقية بين الناس، وتقسم الناس إلى طبقات عالية لها مميزات ليست لغيرها، بل بعضهم يعتقد أن هذه الطبقة فيها عنصر إلهي، ويستمر التقسيم إلى الطبقة الأخيرة وهي الطبقة المنبوذة التي يستكثر عليها أن تحيا بسلام. والدين الحق يجعل الناس سواسية بين يدي الرب، وأمام الشرع، وأمام الثواب والجزاء.

الأديان الباطلة تجعل القيادات الدينية لها مراتب دينية وألقاب، وكل أهل طبقة لا يرتقون للتي بعدها إلا وفق طرائق محددة، وتراتيب معلومة، وتضحيات معروفة، وولاء تام لكبير الديانة، وأهل كل مرتبة لا يعلمون ما الذي يتداوله أصحاب الطبقة التي فوقهم، وأهل كل طبقة لديهم من أسرار الديانة ما لا تعرفه الطبقة التي دونهم، وقيادات الأديان الباطلة يحيطون أعمالهم بسرية تامة؛ طلباً لبقاء الهيبة والمكانة لدى العامة.

قيادات الأديان الباطلة يحرصون على أكل أموال الناس بالباطل فقلما تجد ديناً محرفاً إلا وقد وضع آلية محكمة لجمع الأموال من المتبوعين، ويوهمون أتباعهم أنه كلما زاد الإنفاق عليهم ضمنوا لهم الحياة السعيدة في الدارين.

المبحث الثامن: الحقيقة اليقينية

يعتبر الإيمان بالدين الإلهي حقيقة يقينية قاطعة ترتقي إلى علم اليقين، وتؤكدها شواهد كثيرة وبراهين متظافرة، ويعتبر الإيمان بالدين الإلهي إيمان صحيح وصائب وصادق، وأدلته فطرية ضرورية لا يستطيع الإنسان المتجرد من الهوى والتقليد والجمود أن ينكرها، وكون أدلته فطرية بمعنى أن الإنسان مفطور على الإيمان بربوبية الله واللجوء إليه، ومعنى أنها ضرورية أي لا يستطيع العاقل أن يدفع عن عقله الإيمان بوجود الله وربوبيته وألوهيته.

كما أن الإيمان بالدين الحق تشهد له الأدلة الكثيرة الشرعية والعقلية المحسوسة، وهذه الأدلة متنوعة جداً، وهي مبثوثة في القرآن الكريم، ومجال الاحتجاج فيها متنوع جداً، فمنها أدلة متعلقة بالنفس الإنسانية، ومنها أدلة متعلقة بالسموات والأرض والبحار والجبال والأنهار، ومنها أدلة عقلية، وأمثلة مضروبة سبق ذكر بعضها في مباحث سابقة من هذا الكتاب، ومن أراد مزيد نظرٍ في هذه الأدلة فليراجع القرآن الكريم أو ترجمة معانيه.

وهذه الحقيقة اليقينية يصدقها التاريخ عبر تتابع المؤمنين بها من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، فالمؤمنون بالله ثابتون على إيمانهم، راسخون في عقائدهم، على منهج واحد، فالذي عليه المسلم اليوم من الدين: هو الذي كان عليه نوح عليه السلام وأتباعه، وهو الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وأتباعه، وهو الذي كان عليه موسى عليه السلام وأتباعه، وهو الذي كان عليه عيسى عليه السلام وأتباعه، وهو الذي كان عليه رسول الله محمد وأتباعه إلى اليوم.

وإن أعظم دليل على هذه الحقيقة اليقينية هو بقاء أمة الإسلام على هذا الدين العظيم، اعتقاداً وتطبيقاً وممارسة، وهم على ما كان عليه الرسول محمد وأصحابه رضي الله عنهم، فلا تجد تغييراً في عقائد المسلمين ولا في كيفيات عباداتهم، وبقاء الإسلام محفوظاً كما أنزله الله عز وجل، وبقاء الأمة قائمة به؛ خير دليل على هذه المسألة التي نحن بصددها.

وما كان كذلك فعلى الإنسان العاقل المتحرر من أغلال الماضي، وتقاليد المجتمع أن يبحث عن الدين الإلهي الحق، وينظر في أدلته، ويتبعه؛ فإنه النجاة والفوز في الدارين.

الفصل الرابع: العوالم الغيبية الملائكة الكرام والجن والشياطين

في مبحث سابق ذكرنا خلق الملائكة الكرام، وخلق الشياطين، وفي هذا الفصل نبين طبيعة هذه العوالم وصفاتهم وأعمالهم بشيء من الاختصار.

المبحث الأول: الملائكة طبيعتهم وصفاتهم وعددهم وأعمالهم

الملائكة خلق من خلق الله، خلقهم لعبادته، فهم يطيعون الله ولا يعصونه، ويفعلون ما يؤمرون، وهم متفاوتون في الخلق، ولهم القوى الشديدة التي لا يحيط بها إلا الله، وليس لهم شهوات كالإنس، ومن أعمالهم العظيمة النزول بالوحي من الله إلى رسله عليهم الصلاة والسلام، ومنهم الموكل بالأنفس ينفخ فيها الروح، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومن أعمالهم تأييد المؤمنين، وإعانة الصالحين على العبادة وتزيينها في قلوبهم، وشهود عبادات العابدين، أما أعدادهم فهم عدد لا يحصيهم إلا الله، يدخل كل يوم منهم سبعون ألفاً في البيت المعمور في السماء السابعة لا يعودون إليه.

المبحث الثاني: عالم الجن والشياطين وصفاتهم وأعمالهم

الجن خلقهم الله وكلّفهم بعبادته، فمن أطاع منهم فهو المؤمن، ومن عصى فهو الشيطان الكافر، ومن صفات الشياطين الاستكبار والبغي والظلم والحسد، وأعظم أعمال الشياطين إغواء بني آدم، وتزيين المنكرات لهم، وأزّهم عليها، وإشاعة الفاحشة في المؤمنين، ورأسهم إبليس، وكل رذيلة يعملها بنو آدم فهم الذين زينوها له وأعانوه عليها، وكما في الجن شياطين فكذلك في الإنس شياطين، ويعين بعضهم بعضاً على الفساد والإفساد.

المبحث الثالث: أثر العلم بهذه العوالم والإيمان بها

العلم بهذه العوالم وأعدادهم وصفاتهم وأعمالهم، يمنح المرء مزيد علمٍ بهذه العوالم المحيطة به، فالمؤمن يستأنس بالملائكة، ويعلم أنهم معه، وأن الله كلفهم بمؤازرته على العبادة وتحببيها إليه، ويعلم أنهم يدافعون عنه في المضايق بأمر من الله، قال تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: 9] وقال تعالى: ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ [سورة الرعد: 11] ، ويستحيي منهم؛ لأنه يعلم أن معه ملائكة يسجلون عليه أعماله، ولا يفارقونه إلا عند قضاء حاجته أو في حالة الجماع.

ومعرفة المرء بالشياطين وأعمالهم يجعله في حذر منهم أن يضلوه، كما أضلوا كثيراً من الإنس والجن، قال تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: 27] ، ويجعله يعتصم بالله من كيدهم ومكرهم ووسوستهم، ويحب الأعمال التي تعصمه من الشياطين، وتباعد بينه وبينهم، ويتجنب الأعمال التي إذا مارسها أعانت الشياطين عليه كالغفلة والكفر والشرك والسحر والقذارة وأكل المحرمات والميتة وممارسة الفواحش والآثام.

ومما ينبغي أن يعلم أن الملائكة والشياطين لا تأخذ بيد الإنسان أخذاً مباشراً نحو ما تريد، لكن الملَكُ يزين الطاعة ويحث عليها، والشيطان يؤزّ على المعصية ويحببها إلى الإنسان، قال تعالى: ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [سورة البقرة: 268]

ومعرفة المرء بهذه العوالم يجعله على يقين من أنه ما ثم إلا خالق وهو الرب عز وجل، ومخلوق وهو إما إنس أو ملائكة أو جن، أو حيوان أو جماد، وعلمه اليقيني بهذا ومعرفته لحق الخالق، ومعرفته للمخلوقات من حوله، ومدى تأثيرها من عدمه على غيرها؛ يجعله في سلام تام وطمأنينة تامة أنه لا يضر ولا ينفع إلا الرب جل جلاله، وهذا يزيده إيماناً بالله وعبودية له.

وعلمه بهذه العوالم يجعله لا يأبه ولا يهتم للخرافات والأساطير التي يرويها الناس ويضخمون بها أعمال الجن والشياطين والأرواح والأبراج والكائنات المحيطة بنا، بل يجعله إنساناً مؤمناً بالرب العظيم، متحرراً من الخرافة والجهل، متبعاً للحجة والبرهان.

الفصل الخامس: الكتب الإلهية

المبحث الأول: حقيقة الكتب الإلهية

الكتب الإلهية هي: الكتب التي أنزلها الله على رسله وأنبيائه عليهم السلام، وأشهر هذه الكتب هي: صحف إبراهيم، وصحف موسى، والتوراة التي أنزلها الله على موسى، والزبور الذي أنزله الله على داود، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وخاتم هذه الكتب وأفضلها هو القرآن العظيم الذي أنزله الله على رسوله محمد .

والكتاب الإلهي هو وحي الله وكلامه، ينزل به الملك جبريل عليه السلام إلى النبي الذي يوحَى إليه بهذا الكتاب، وفيه الدين الذي فرضه على الأمة التي أنزل الله إليها الكتاب، وبيان الشرائع التي شرعها لهم.

ولا يتنزل الملك بالوحي إلا بإذن الله، وإذا نزل الملك بالوحي نزل معه ملائكة يحفظون النبي عليه السلام، ويحفظون الوحي المنزل إليه، قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا * لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا} [سورة الجن: 26-28] ، والمعنى: ليعلم النبي المرسل إليه من الله أن الملائكة قد بلغت عن الله، وأنها حفظت الرسالة ودافعت عنها.[39] تفسير ابن كثير (8/ 247). بتصرف يسير.

والمسلم يؤمن بكل الكتب الإلهية السابقة، بمعنى أنه يشهد أن الله أنزل هذه الكتب على أولئك الأنبياء الكرام عليهم السلام، ويؤمن أنها كانت هي الوحي الواجب اتباعه في حينها، ويؤمن أنها اندثرت وحرفت وضاعت، كلها إلا القرآن العظيم، وهو الكتاب الخاتم، والهادي للبشرية إلى قيام الساعة.

المبحث الثاني: صفات الكتب الإلهية المعظمة

الكتب الإلهية هي كلام الله، وكلامه صفة من صفاته، ففيه الكمال والجلال والجمال والعلم والحكمة.

والكتب الإلهية كلها تأمر بعبادة الله، وترك عبادة ما سواه، وكلها تؤكد على أصول الإيمان بالله، وفيها الكفاية لجميع ما يحتاجه البشر، وفيها بيان الدين والجزاء والأعمال الصالحة والتحذير من أضدادها، قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 51]

وفيها الهداية والرحمة للبشر، وفيها التفصيل لكل ما يشكل على الناس من حقائق الغيب والدين والبعث والجزاء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة الأنعام: 154]

وفيها مواعظ القلوب التي ترققها وتقربها إلى ربها، وتدلها على ما يزكيها ويصلحها ويشفيها من أدواء الجهالة والضلالة والحيرة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة يونس: 57]

وفيها البصائر والدلائل والبراهين والحجج القاهرات التي تؤيد الحق، ولا تدع باطلاً إلا أزهقته، ولا كفراً إلا محقته، قال تعالى: ﴿هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [سورة الجاثية: 20] . وقال تعالى: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ [سورة الإسراء: 81]

ومن صفات الكتب الإلهية أن فيها اليقين التام، فلا يتطرق إليها الشك والريب، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة: 2] ، أي ذلك الكتاب متعالياً عن الشك والريب.

وفيها العلم المحكم، قال تعالى: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [سورة هود: 1]

ومن صفات الكتب الإلهية أنها لا تتناقض ولا تختلف، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [سورة النساء: 82]

ومن صفات الكتب الإلهية أنها تتضمن البشارة للمؤمنين، والنذارة للضالين الكافرين، قال تعالى: ﴿حمٓ * تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون * بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ} [سورة فصلت: 1-4] ، وقال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ * قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا * مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا * وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا} [سورة الكهف: 1-4]

ومن صفات الكتب الإلهية أنها لا تُعنى بالجوانب الشخصية الخاصة للأنبياء عليهم السلام الذين أنزلت عليهم، فلا تذكر بلدانهم، ولا قبائلهم وعشائرهم، ولا أسماء آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم، ولا تواريخ ميلادهم ووفياتهم، إلا إذا اقتضى المقام ذكر الشيء الخاص، كما ذُكر اسم والد النبي إبراهيم عليه السلام.

إلى غير ذلك من الصفات العظيمة المباركة التي اتصفت بها الكتب الإلهية، وكفاها شرفاً أنها كتب إلهية معظمة مطهرة مقدسة.

وهنا سؤال آخر وهو: هل نزل على الأمم الأخرى كالأمة الصينية أو الهندية أو الإفريقية كتاب إلهي؟ وهل بُعث فيهم رسول منهم؟

فنقول: إن الله خلق الخلق لعبادته، وسيبعثهم ليثيب الصالح، ويجزي الفاسق، ولا يتحقق الثواب والعقاب إلا بعد إقامة الحجة، وقد أخبرنا الله جل جلاله أنه لم يترك خلقه هملاً، بل بعث إليهم الرسل، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ﴾ [سورة فاطر: 24] ، وجعل رسالة كل رسول بلغة قومه حتى تقوم عليهم الحجة، ويبلغهم الحق، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [سورة إبراهيم: 4] ، وقد يبعث الرسول أو النبي في أمة ثم تمر على بعثته أزمان، ويندرس خبره، وتأتي أجيال لا تعرف هذا النبي ولم تسمع به، ثم تظن أنه لم يُبعث فيهم رسول.

أما أن الإنسان لا يعرف أنبياء الأقوام الأخرى التي اندرس تاريخهم وتقادم زمانهم، فهذا أمر معتاد، فالصيني لا يعرف مثلاً من أرسل إلى الأفارقة، والعكس صحيح، وقد سجل الرب عز وجل هذا النقص المعرفي عند الأمم فقال تعالى: ﴿۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا * وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا} [سورة النساء: 163-164] ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [سورة غافر: 78] ، فعدم معرفتنا بهؤلاء الرسل لا يعنى أنهم لم يبعثوا، وكون الأجيال الحاضرة لا تعرف الرسول الذي أرسل إلى أوائل قومهم، لا يعنى أنه لم يرسل إليهم رسولاً.

المبحث الثالث: الحقائق الكبرى التي اشتملت عليها الكتب الإلهية

الكتب الإلهية تشترك في الدعوة إلى أصول الإيمان بالله كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر، وتذكر الأدلة والحجج على هذه الأصول العظيمة، وتحذر من الشرك والكفر، وتذكر الأدلة والحجج التي تنقض الشرك والكفر، وتبطلهما، وتبين سوء مآل أصحابها.

وتشترك الكتب الإلهية بالدعوة إلى عبادة الله بأصول العبادات الكبرى كالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين، وتأمر بأداء الحقوق كافة سواء حقوق الخالق أو حقوق المخلوق، وتحض على الالتزام بصالح الأخلاق والقيم الفاضلة، وفيها بيان المحرمات والفواحش والآثام التي يجب على الإنسان أن يتجنبها، وبيان مراتب هذه المحرمات وتفاوت العقاب عليها في الدارين، قال تعالى: ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ﴾ [سورة الشورى: 13] وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ * وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ} [سورة النجم: 36-41] ، وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف: 157] ، وبعد أن ذكر الله الأصول الكبرى التي جاءت بها الأنبياء قال قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا﴾ [سورة الإسراء: 39]

ومما تؤكد عليه جميع الكتب الإلهية المسؤولية الفردية أن على الإنسان أن يسعى في فكاك نفسه ونجاتها، وأن يسلك بها الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان الله وجنته، ولا يغنيه يوم القيامة أن يقول لربه: لقد اتبعت آبائي أو المعظمين في ديني، أو تابعت أمتي ومجتمعي، فكل إنسان مسؤول عن تحرير نفسه، وأن ينظر في الحق الذي جاءه من ربه، قال تعالى: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [سورة الأنعام: 164] وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا * مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} [سورة الإسراء: 13-15]

ومما تضمنته هذه الكتب الإلهية البشارة لأهل الإيمان بالحياة الطيبة في الحياة الدنيا، وبالنعيم المقيم في الدار الآخرة، وبالنذارة لأهل الفجور والكفر بالمعيشة الضنك في الدنيا، والعذاب المقيم في يوم القيامة.

كما أنها تدعو بوضوح تام إلى أن الجزاء والحساب والمكافأة لا تكون في هذه الدنيا فحسب، بل قد يخرج الإنسان من الدنيا ولم يعاقب على جرائمه وموبقاته، والجزاء والحساب والثواب والعقاب التام يكون في الدار الآخرة.

ومما لا يخفى أن هذه الكتب تتفاوت فيما تتضمنه من جانب تفاصيل العبادات أو التكاليف الشرعية، أو هيئات وكيفيات العبادات، وقد يرد الأمر مختصراً في كتاب، ويأتي مفصلاً في كتاب آخر.

إذا استوعبنا ذلك علمنا أن ما في النفس الإنسانية من محبة الخير والعمل به؛ إنما هو بقايا ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، ومما فطر عليه الإنسان وسلم من تحريف الشياطين وتأثير التقاليد والعبادات المنحرفة.

المبحث الرابع: القرآن الكريم أعظم الكتب الإلهية

القرآن الكريم هو أعظم الكتب الإلهية، وهو أحدثها نزولاً، وأكملها بياناً لمقاصد الرسالات الإلهية، وأشملها لبيان مصالح الدين والدنيا، وهو أعظم الكتب بياناً وفصاحة وبلاغة، وقد وصفه أحد أعداء الرسول من أهل مكة المكرمة حينما استمع إلى القرآن فقال: (والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى).[40] تفسير البغوي (8/ 268).

وهو أوسع الكتب الإلهية بياناً للكمال الإلهي، والتوحيد، وربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعبادته، وإخلاص الدين له، وبيان الجزاء والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، وهو أكمل الكتب بياناً للحق، ونقضاً للشرك والكفر، وفيه من الأدلة والبراهين والحجج التي لا يدفعها إلا مكابر، ولهذا إلى اليوم إذا قرأ القرآنَ الإنسانُ المنصفُ الباحث عن الحق -أياً كان دينه-؛ فلا يملك نفسه أن يؤمن بهذا الكتاب وبمن أنزله، وبمن أرسل به وهو الرسول محمد .

هذا الكتاب الإلهي ما نزل على البشر مثله من قبل، ولن ينزل على البشر مثله إلى قيام الساعة، وهو أعظم آيات الأنبياء عليهم السلام، هذا الكتاب هو الهدى والشفاء والسلام والنور والرحمة للعالمين، وفيه أعظم موازين العدل، وبيان الحقوق، هذا الكتاب الكريم هو النور والبشارة والنذارة والحكمة والعلم والشفاء والبركة وهو الصراط المستقيم، من أخذ به هُدي، ومن تركه ضل. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه بإنزاله لهذا الكتاب فقال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ﴾ [سورة الكهف: 1]

وفيه من البراهين العقلية والحجج القطيعة ما يبهر العقول وهذه البراهين منها ما يدل على ربوبية الله وأنه لا يعبد إلا الله، كما في قوله تعالى: ﴿ أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ﴿35﴾ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴿36﴾} [سورة الطور:35-36]، ومن مثل قوله تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة المؤمنون:91]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ﴿77﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ﴿78﴾ قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ﴿79﴾ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ﴿80﴾ أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ﴿81﴾} [سورة يس:77-81].

وفيه من أخبار الأمم الماضية ما لا يوجد في غيره من سائر الكتب، وما ورد فيه من ذلك لا يمكن أن يخالف حقيقة ما حدث في غابر الزمان، وفيه من الخبر عن دقيق الخلق الإلهي الذي لم يعرفه الناس إلا في العصر الحديث، كالحديث عن أطوار خلق الجنين في رحم أمه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ * ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ * ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [سورة المؤمنون: 12-14] ، وكقوله عن حالة من يصعد في الفضاء، قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة الأنعام: 125]

وهذا القرآن العظيم رغم أنه يقع في (600) صفحة فلا يوجد فيه خطأ أو اختلاف أو تناقض، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [سورة النساء: 82]

ولا يوجد فيه شك أو ريب، كيف وقد جزم الرب في أوله بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة: 2] . وقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} واستخدم اسم الإشارة الذي لا يستخدم إلا للبعيد، أي أن القرآن العظيم متعالياً عن أن يكون مجالاً للنظر فيه، وهل فيه شك أو ريب، بل جزم الرب بذلك، وأخبر أنه محكم لا ريب ولا شك فيه.

وهذا الكتاب أعجز الله الجن والإنس عن أن يأتوا بمثله قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ [سورة الإسراء: 88] ، وتحدى الله البشر منذ نزوله إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من مثله، فعجزوا، وعجزهم شاهد على أنه من عند الله، وتكفل الله بحفظه فبقي محفوظاً وسيبقى إلى قيام الساعة، وهو موجود باللغة التي نزل بها، وكتبه الصحابة رضوان الله عليهم في حياة الرسول وكان منهم العشرات يحفظونه في حياة الرسول، فهو منقول بالحفظ الشفهي بالسند من مقرئ عن مقرئ إلى رسول الله إلى جبريل عليه السلام، وهو أيضا محفوظ بالكتابة المتقنة من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى اليوم، وسيظل محفوظاً إلى قيام الساعة، واليوم لا تكاد تجد بلداً إسلامياً إلا وفيه آلاف الحفاظ لهذا القرآن الكريم، بل صبيان المدارس يتسابقون إلى حفظه واتقانه، وتقام المسابقات الدولية لهذا الشأن.

ومن عجيب ما جعل الله لهذا الكتاب الإلهي الكريم أن يسر حفظه حتى إنك لتجد الآلاف من المسلمين غير الناطقين باللغة العربية يحفظونه حفظاً تاماً، ويتلونه كما يتلوه من نزل بلسانهم من المسلمين العرب، ومع ذلك تجد الواحد منهم لا يحفظ خمس جمل من اللغة العربية.

ومما يثير نظر القارئ أنه سيجد في القرآن العظيم تفاصيل كثيرة عن حياة نبي الله إبراهيم وأسرته، وحواره مع أبيه وقومه، وتفاصيل أسرة نبي الله يعقوب عليه السلام وأولاده وأحفاده، وتفاصيل مولد موسى عليه السلام وتنقلاته ومجادلته لفرعون، وهلاك فرعون ونجاة موسى وقومه وتاريخهم الطويل، وكذلك سيمر بك في القرآن العظيم خبر أسرة آل عمران، هذه الأسرة التي أنجبت والدة يحي عليه السلام الذي يسميه النصارى يوحنا المعمدان، وأنجبت مريم عليها السلام والدة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وكل هذه التفاصيل وردت في القرآن العظيم لمقاصد عظيمة من بيان التوحيد والنبوات، وتأييد الله لرسله وأنبيائه، بينما لن تجد في القرآن الكريم تفاصيل عن تاريخ قبيلة قريش، وهي قبيلة النبي محمد‘، ولن تجد تفاصيل عن أسرته وأولاده، بل ورد اسم الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان والمسيح عليهم السلام أكثر مما ورد اسم الرسول محمد‘ في القرآن؛ وفي هذا برهان عظيم على أن هذا الكتاب وحي أوحاه الله إلى الرسول محمد‘.

ومن دلائل أنه كتاب إلهي أنك تجد فيه تفاصيل التوجيهات الإلهية للرسول محمد ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا * إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا} [سورة الإسراء: 74-75] ، قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: (لو ركنت إلى هؤلاء المشركين يا محمد شيئاً قليلاً؛ فيما سألوك؛ إذن لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات).[41]

وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ} [سورة الحاقة: 44-47] ، قال الشيخ السعدي في تفسيره لهذه الآية: (أن ما جاء به تنزيل رب العالمين، لا يليق أن يكون قول البشر، بل هو كلام دال على عظمة من تكلم به، وجلالة أوصافه، وكمال تربيته لعباده، وعلوه فوق عباده، وأيضاً، فإن هذا ظن منهم بما لا يليق بالله وحكمته، فإنه لو تقول عليه وافترى {بَعْضَ الأقَاوِيلِ} الكاذبة، {لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} وهو عرق متصل بالقلب، إذا انقطع مات منه الإنسان، فلو قدر أن الرسول -حاشا وكلا- تقوّل على الله لعاجله بالعقوبة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر؛ لأنه حكيم، على كل شيء قدير، فحكمته تقتضي أن لا يمهل الكاذب عليه).[42] وقال الله تعالى لرسوله : ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ﴾ [سورة طه: 131] جامع البيان (17/ 509).

وتأمل أيها القارئ الكريم: فلو كان هذا القرآن الكريم من تأليف رسول الله محمد فهل سيسجل مثل ذلك على نفسه، ليقرأه أتباعه من بعده. تيسير الكريم الرحمن (ص: 884).

وهنا سؤال هو: لماذا حرفت الكتب السابقة، ولم تظل محفوظة، بينما بقي القرآن الكريم محفوظاً إلى اليوم باللغة التي نزل بها، وبقي على حاله لم يُنقص منه حرف ولم يُبدل منه كلمة!؟

فنقول مستعينين بالله: إن الكتب الإلهية السابقة كصحف إبراهيم وموسى والتوراة والزبور والإنجيل أنزلها الله إلى أقوام مخصوصين، ووقّت الرب جل وعلا له أجلاً محدداً، فإذا ذهب القوم وتفرقوا في الأمم، وانتهت المدة المحددة التي قدر الرب فيها أن يكون الكتاب مرجعاً لأولئك القوم، أذن الله بزواله؛ لانتهاء الغرض منه؛ لأنه صالح للبشر في مرحلة تاريخية معينة، فإذا انتهت تلك المرحلة أتى الله بكتاب يناسب المرحلة التي بعدها، وقد علم الله في سابق علمه أنه سينزل كتاباً شاملاً جامعاً لكل هدى وفضيلة وحق وبرهان وهو القرآن العظيم، وسيجعله مهيمناً على ما سبقه من الكتب، وناسخاً لها لذا أذن الرب بزوال الكتب السابقة بعد أن انتهت الغاية من نزولها؛ تمهيداً لنزول الكتاب الإلهي العظيم، ولهذا لم يتكفل الله بحفظ هذه الكتب السابقة، ووكَلَ حفظ تلك الكتب إلى علماء دينهم، فلما وَكَلَ حفظها إليهم نسوها وبدلوها وضيعوها، ولو تولى الرب جل جلاله حفظها؛ لبقيت إلى آخر الدهر، فما من شيء يتكفل الله بحفظه ويضيع.

ومن نظر في العهد القديم والعهد الجديد وهما كما يزعمون من مكوناتهما: التوراة والإنجيل؛ أدرك بيقين أن هذه الكتب بصيغتها الحالية يستحيل أن تكون كتباً إلهية؛ لأن فيها من التناقض والافتراء على الرب عز وجل، وعلى الأنبياء المعصومين عليهم السلام ما ينفر منه العقل الصحيح، ويرفضه الذوق السليم، وفيها من نسبة الفواحش للأنبياء عليهم السلام ما يترفع عنه عامة الناس فضلاً عن ساداتهم، هذا فضلاً عن أن هذه الكتب لا يدعي أصحابها أن لديهم نسخها الأصلية بل هم متفقون أن الكتب الأصلية ضاعت منذ عشرات القرون، ولم تكتب هذه الكتب التي بأيديهم إلا بعد قرون من نزولها، وكتبت بغير اللغة التي نزلت بها، فكيف مع كل ذلك يزعم أصحابها أنها كتب إلهية.

أما كتب الأمم الأخرى فلا أحد يدعى أنها كتب إلهية، بل هي منسوبة إلى صاحب الديانة التي يتبعونه، وقد يكون من المتعارف بينهم أن الشخص الذي تنتسب إليه الديانة لم يكتبها، وإنما كتبها الأتباع من بعده، وحيث اعترفوا أنها ليست كتباً إلهية معصومة، فلا تضاف إلى الكتب الإلهية، وغاية أمرها أنها كتب كتبها الإنسان، وإذا كانت كتباً إنسانية فيجب أن نتعامل معها كما نتعامل مع سائر مؤلفات البشر، فيؤخذ ما فيها من خير وصواب، ويترك ما سوى ذلك.

أيها القارئ العزيز نقترح عليك أن تقرأ ترجمة معاني القرآن العظيم بلغتك؛ فهو أعظم كتاب تداوله البشر، هو الرسالة الربانية الأخيرة للبشر، وهو أعظم كتاب، وقد اشتمل على براهين عقلية عظيمة، وسنكتفي بذكر برهان واحد لعله يكون مشوقاً لك لتحصل على نسخة من ترجمة معانيه، وتنظر فيه.

أما البرهان الذي ذكرناه فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [سورة البقرة: 21-22] ، وتأمل الخطاب بـ(يا أيها الناس) فمضمون ذلك أن البشر كلهم من الناس، وهذا دليل ضروري على أن ليس منهم آلهة، وإذا كانوا بشراً فهم خاضعون للرب جل جلاله، وقوله: (اعبدوا ربكم)، فكونهم اتجه إليهم الأمر فمعنى ذلك أنهم مأمورون مقهورون لرب عظيم قادر قاهر، وقوله: (الذي خلقكم والذين من قبلكم)، فمادام أنهم مخلوقون والذين من قبلهم مخلوقون أيضاً؛ فخلقهم دليل على عبوديتهم للرب جل جلاله شاءوا أم أبوا، وقوله: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماءً) فهذا برهان جلي على ربوبية الله وأنه هو الذي خلق ذلك ودبره، وهذا يستلزم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.

الفصل السادس: النبوة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام

المبحث الأول: حقيقة النبوة

في هذا المقام يحسن أن نتحدث عن: النبوة، والرسول، والوحي الذي يتلقاه الرسول عليه السلام، فنقول:

أولاً: النبوة هي: مقام عظيم لا يقدر قدره إلا الله الذي قدره ودبره، وامتن به على من شاء من خلقه، ولا يقدر قدر هذا المقام الشريف العظيم إلا من امتن الله عليه بالنبوة من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ ذلك أنه مقام عظيم يختص الله به من شاء من خلقه.

والنبوة هي: اصطفاء الله واجتباؤه لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام ليتلقوا عن الله الوحي، وهي رسالة إلهية شاملة لكل ما يريده الله من الأمة التي أنزلها عليها، وفيها كل ما يحتاج إليه الإنسان في إصلاح أمر دينه ودنياه وأخراه، وفيها الأخبار الغيبية اليقينية عن الله، وعن بداية خلق العوالم كلها، وخلق السموات وما فيها، وفيها من أخبار الأمم الماضية ما يحتاج إليه الإنسان منها، وفيها ما سيكون من بعث الخلق وحشرهم وجزائهم، والأوامر والنواهي الإلهية، وفيها الشرائع، وهي الحكمة والعلم والهدى والبيان والنور والموعظة من الله لخلقه.

وأعظم ما جاءت به الرسالات الإلهية: توحيد الله والإيمان به وما يقتضيه من عبادة الله وحده، والإيمان باليوم الآخر، وهو يوم الجزاء، وترك عبادة ما سواه، والتحذير من الشرك والكفر. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء: 25]

والنبوات جاءت بالعلم النافع، قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ﴾ [سورة محمد: 19] ، وبالعمل الصالح، قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور} [سورة سبأ: 13]

والنبوة نعمة إلهية محضة، لا تنال بالاكتساب، أو الميراث، أو غير ذلك، بل هي فضل من الله يؤتيه من شاء من عباده المتقين، وهي تكليف من الله لعبد صالح من خلقه؛ ليقوم بواجب البلاغ، ويصبر على الابتلاء وتكذيب قومه له، ومحاربتهم له؛ لأنه ما أرسل الله من رسول ولا نبي إلا نصب له قومه العداوة والبغضاء، ورفضوا دعوته، وحاولوا صد الناس عنه وعن دعوته، ومع ذلك يسلم منهم من يسلم، ويكفر من يكفر. وقد انقطعت النبوة ببعثة رسول الله محمد فهو خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام.

ثانياً: الرسول هو: إنسان اصطفاه الله واجتباه ورضيه ليكون رسولاً من الله إلى عباده، مبلغاً عن الله؛ ذلك أن مقام الرسالة مقام عظيم يختص الله به النبي المختار فيزكيه، ويمتن الله عليه بكمال الخُلق والعقل والعلم والفهم والحكمة، ويزوده بالكمالات التي تؤهله لتلقي الوحي وتبليغه للناس، ولولا هذا الكمال الذي يمتن الله به على رسله لما أطاقوا ولما قدروا على القيام بالرسالات الإلهية خير قيام، ولذلك قال الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [سورة طه: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي﴾ [سورة طه: 41] ، وقال الله تعالى عن خاتم الأنبياء والمرسلين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [سورة القلم: 4] ، وذلك ليبلغ الرسول الرسالة، ويقيم الحجة على الناس، ويدعوهم إلى الإيمان بالله، ويحذرهم من الشرك والكفر.

واختيار الله لرسله عليهم الصلاة والسلام وفق حكمته ومشيئته واختياره، قال تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [سورة الأنعام: 124] . ويؤيد الله رسله عليهم الصلاة والسلام بالآيات البينات التي تدل على صدقهم، كما سيمر معنا في مبحث خاص بذلك في هذا الفصل.

وأعظم الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأفضلهم خاتمهم محمد رسول الله .

ثالثاً الوحي هو: الإعلام الخفي السريع من الله لرسله عليهم الصلاة والسلام، يبلغه الملك الموكل بالوحي وهو جبريل عليه السلام ، والوحي هو كلام الله يبلغه الملك للرسول، ويتلقى الرسول الوحي على إحدى الهيئات الواردة في هذه الآية، قال تعالى: ﴿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ﴾ [سورة الشورى: 51] ، (إذاً فالأنبياء يتلقون الوحي على وجوه منها: أن يكلمه الله من وراء حجاب، ومنها أن يرسل إليه ملكاً يخبره عن الله، ومنها أنه يلقى إليه الوحي في النوم، ومنها أن الله تعالى يقذف الوحي في روعه ويلهمه إلهاماً حتى لا يشك أن الأمر كذلك ويقطع به).[43]

المبحث الثاني: صفات الأنبياء وواجباتهم ومهامهم

بتصرف يسير من كتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام (ص: 238).

الرسل والأنبياء عليهم السلام يختارهم الله من الناس وفق حكمته وعمله وإرادته، من خيار الخلق، وأكملهم أحساباً وأنساباً في قومهم، وأكملهم عقولاً، وأزكاهم قلوباً، وأطهرهم أجساداً، وأصدقهم وأفصحهم ألسناً، وأكرمهم يداً، وأعفهم وأعدلهم وأحلمهم في تعاملهم مع الخلق.

والرسول قبل الرسالة يكون من أكمل الناس عقلاً وفضلاً وخلقاً وخُلقاً، ولا يقع منه قبل النبوة أمور تخل بالمروءة كارتكاب الفواحش، وتعمد الكذب، وظلم الناس، وأكل أموالهم.

وبعد النبوة يعصمه الله من الذنوب، وينزل عليه الوحي، ويؤيده بالملائكة وبالآيات والحجج والبراهين القاطعة للشرك والكفر، وسنذكر شيئاً من آيات الأنبياء في هذا الفصل بإذن الله.

والرسل عليهم السلام يكونون من البشر، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كبقية البشر، ويكون لهم أزواج وذرية، قال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [سورة الفرقان: 20] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ﴾ [سورة الرعد: 38]

لكنهم بشر يوحى إليهم من الله، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} [سورة يوسف: 109] ، وقال جل وعلا: ﴿قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة إبراهيم: 11]

ويبعث الله عز وجل الرسول بلسان قومه؛ ليفهموا عنه، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [سورة إبراهيم: 4]

ويجعل الله الرسل عليهم السلام على هذا الكمال؛ ليكونوا قدوة لأتباعهم، فإذا أمروهم بأمر كانوا هم أول من يفعله، وإذا نهوا عن أمر كانوا أول من يجتنبه، قال نبي الله شعيب لقومه كما قال الله عز وجل عنه: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [سورة هود: 88] ، وأمر الله أتباع الأنبياء بأن يتخذوا أنبياءهم قدوة لهم في الخير، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [سورة الأحزاب: 21] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [سورة الممتحنة: 6]

أما واجبات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فأعظم ذلك دعوتهم إلى الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان باليوم الآخر، وهو يوم القيامة، يوم الجزاء والحساب، وما بعث الله نبياً إلا أمره أن يدعو قومه إلى التوحيد والإيمان باليوم الآخر، ويخرجهم من ظلمات الكفر والشرك والخرافة، إلى نور الإيمان والإسلام والتوحيد والعدل والاستقامة والحياة الطيبة، ويبين لهم كيفيات عباداتهم وتفاصيلها، وما أباحه لهم من الطيبات، ويبين ما حرم الله عليهم من الشرك، وتحريم قتل النفس بغير حق، وتحريم الزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وتحريم ما يفسد العقول أو يدمرها. من الرجس والخبائث.

ومن واجبات الرسل عليهم السلام تلاوة كتاب الله الذي نزّل عليهم، ويعلمون أتباعهم الحكمة، ويزكونهم في أخلاقهم وأقوالهم واعتقاداتهم، ويرشدونهم إذا ضلوا، ويذكرونهم بشرائع الله إذا غفلوا عنها، ويجددون لهم ما اندرس من دينهم، ويردونهم عن الغي والردى.

ومن أعظم مهامهم وواجباتهم أن يكونوا قدوة حسنة لأتباعهم، بحيث يعملون بكل ما يدعون إليه، ويجتنبون كل ما ينهون عنه.

ومن مهام الأنبياء عليهم السلام أن النبي السابق يبشر بالنبي اللاحق ويأمر من سيدركه بالإيمان به، والنبي اللاحق يؤمن بالنبي السابق ويأمر قومه بالإيمان بمن سبقه من الأنبياء عليهم السلام؛ لأن الكفر بنبي واحد مرسل من الله عز وجل كالكفر بسائر الأنبياء.

فالأنبياء عليهم السلام جاءوا بالمحافظة على الدين الحق، وحفظ الأنفس والدماء والأموال، وحفظ العقول؛ وحفظ النسل، لأن في حفظ الدين الحق نجاة الإنسان في الدارين، وحفظ الأنفس والدماء سلامة الأنفس والأوطان، وحفظ العقول سلامة للإنسانية من الضلال والخرافة، وحفظ الأموال سلامة لسبل عيش الناس واستقرار حياتهم المعيشية، وفي حفظ النسل بقاء للنوع الإنساني، وسلامته من لوثات الزنى واختلاط الأنساب.

المبحث الثالث: دلائل النبوة وآيات الأنبياء

دلائل النبوة هي: الدلائل التي يستدل بها على صدق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهي كثيرة ومتنوعة، ومن دلائل النبوة ما يأتي:

الأول: ما تضمنه الوحي الذي جاءوا به من الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن أخبار الغيب، والشرائع المحكمة، والأعمال والأحوال العظيمة، والرحمة بالخلق، ودعوتهم إلى ما فيه خلاصهم ونجاتهم، ودعوتهم إلى ترك الكفر والشرك، وتحذيرهم من الأخلاق الرذيلة، ومن أسباب الهلاك.

وأن ما جاؤوا به من الشرائع والأخبار في غاية الإحكام والإتقان وكشف الحقائق وهداية الخلق؛ مما يعلم بالضرورة أن مثله لا يصدر عن إنسان مهما بلغ علمه أو عقله؛ فإن هذا الإحكام في الشرائع والأخبار لا يكون إلا بوحي من الله.

الثاني: الآيات البينات وبعضهم يسميها المعجزات، والمعجزة هي: ما أعجز به الخصم عند التحدي، وهي أمر خارق للعادة، يجريه الله –إذا شاء-على يد من يختاره لنبوته؛ ليدل على صدقه وصحة رسالته. ومعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة؛ منها الناقة التي أوتيها صالح عليه السلام حجة على قومه، وقلب العصا حية آية لموسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى آية لعيسى عليه السلام، ومنها معجزات رسول الله محمد ، وهي كثيرة، أعظمها القرآن الكريم، وهو المعجزة الخالدة، التي تحدى الله بها الجن والإنس، وهذه الآية العظيمة وهي القرآن الكريم باقية إلى يوم القيامة، كما بينا ذلك سابقاً، ومنها الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في كفه ، وحنين الجذع إليه، وإخباره عن حوادث المستقبل والماضي. ودلائل النبوة ليست محصورة في المعجزات، بل هي كثيرة متنوعة.

ومما يعلم أن آيات الأنبياء ومعجزاتهم لا تقع باختيارهم ولا بحولهم وقدرتهم؛ وإنما يجريها الله -عز وجل– على يد النبي؛ آية وعلامة على صدقه؛ كانشقاق القمر، وقلب العصا حية، والإتيان بالقرآن، والإخبار بالغيب الذي يخبره الله عنه؛ ولذا لما طلب كفار قريش من رسول الله محمد أن ينزل عليهم آية قال عز وجل: ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ [سورة العنكبوت: 50]

الثالث: أن منهج الأنبياء عليهم السلام واحد فيما يأمرون به من عبادة الله، والعمل بطاعته، والتصديق باليوم الآخر، والإيمان بجميع الكتب والرسل؛ فلا يمكن خروج واحد منهم عما اتفقوا عليه؛ فهم يصدق متأخرهم متقدمهم، ويبشر متقدمهم بمتأخرهم؛ كما بشر المسيح ومن قبله عليهم السلام برسول الله محمد، وكما صدق رسول الله محمد جميع النبيين قبله.

وكذلك لا يقع بينهم تناقض أو اختلاف، ولا يقع في أخبارهم خلْف ولا غلط، بل أخبارهم صدق وحق.

الرابع: إخبارهم الأمم بما يوحي الله إليهم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أعدائهم، وبقاء العاقبة لهم، فوقع كما أخبروا، ولم يتخلف منه شيء؛ كما حصل لنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، مما قصه الله في القرآن العظيم. فقد أخبر هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام أقوامهم أن الله سينتقم من الكافرين المستكبرين المعاندين، وكانت تلك الأقوام تستهزئ وتستبعد أن يحل عليهم العذاب، فوقع عليهم العذاب، كما أخبرت الرسل عليهم السلام، فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين.

الخامس: تأييد الله للأنبياء عليهم السلام، فأيدهم سبحانه بالآيات والحجج والبراهين التي تنصرهم على الكافرين المعاندين المستكبرين المتجبرين، قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [سورة القصص: 35] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [سورة غافر: 51]

وقد عُلم من سنة الله سبحانه وتعالى أنه يؤيد الصادق، ويفضح الكذاب ولا ينصره، بل إنه لا بد أن يهلكه؛ لأن من زعم: إن الله أرسله، وهو كاذب؛ فالله سبحانه وتعالى يمهله مدة، ثم يهلكه، ويجعل هلاكه عبرة وخزياً له في الدنيا والآخرة.

السادس: الحال التي يكون عليها النبي قبل النبوة وبعدها تشهد له بنبوته، لأن صدقه وأخلاقه وأمانته تمنعه من الكذب على آحاد الناس فكيف يترك الكذب على أهله وعشيرته ثم يكذب على الرب جل جلاله، فأهله لم يكونوا يعرفون منه الكذب والخيانة؛ بل يعرفونه بالأخلاق الفاضلة، ولذا قال قوم شعيب لشعيب كما قال الله عنهم: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [سورة هود: 87] ، ولذا لما فجأ الوحي رسول الله محمد ، وجاء إلى زوجه خديجة رضي الله عنها وأخبرها بما رأى قالت له: (أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)[44]. فاستدلت بصدقه، وحسن خلقه، وكرمه فيما سلف من أيامه على صدقه فيما أخبرها به من نزول الوحي عليه، وعلمت أنه لم يكن يترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله، حاشا رسول الله .

السابع: أن ما جاء به الأنبياء والمرسلون عليهم السلام تصدقه العقول، وتقبله الفطر، ويجد الناس فيه بغيتهم وصلاح أمرهم كله، في شأن دينهم ودنياهم، بل كان الناس يتطلعون لمثل ما أتوا به، فهم يأتون بمكارم الأخلاق وفضائلها؛ ولذا قال الرسول الله محمد : (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).[45] بل لا يمكن أن يأمر نبي بأمر ثم يقول الناس: ليته لم يأمر به، أو ليته لم ينه عنه، فهم يأمرون بالعدل، وينهون عن الفحشاء والمنكر والبغي. [46] متفق عليه، صحيح البخاري (4935)، وصحيح مسلم(252).

الثامن: أن النبي قبل أن يحمله الله الرسالة لم يكن يعرف قومه عنه أنه كان يتحدث عن الإيمان والغيب، ولم يأمرهم بالتوحيد، ولم يكن ينهاهم عن الشرك والكفر، ولا يتلوا عليهم الوحي؛ حتى تلقى الوحي، وشرفه الله بالرسالة، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [سورة الشورى: 52] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 48] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ * قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [سورة يونس: 15-16] مسند أحمد (8952). ينظر في هذه الدلائل كتاب الارشاد إلى صحيح الاعتقاد صالح الفوزان 181-183.

المبحث الرابع: خاتم الرسل محمد والرسالة الخاتمة

خاتم الرسل محمد قد حاز الفضل والشرف في نسبه وحسبه، حيث قال الرسول محمد : (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).[47] وحاز الشرف الأعظم الذي لا يضاهى، وهو أن الله اصطفاه واختاره ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وقد زكاه الله وكمله وزوده بالكمالات التي لم تتوافر لغيره من البشر، فقد زكاه الله في عقله فقال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾ [سورة النجم: 2] ، وزكاه في قلبه ومسلكه فقال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ [سورة النجم: 11] ، وزكاه في لسانه فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ﴾ [سورة النجم: 3] ، وزكاه في بصره فقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [سورة النجم: 17] ، وزكاه في خلقه، وكان على خلق عظيم، في كرمه وأمانته وعدله وصدقه وعفافه وورعه وزهده وشجاعته حتى قال الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [سورة القلم: 4]

وختم الله النبوات والرسالات الإلهية برسالة الرسول محمد ، وشرفه ربه بأن جعله رسوله إلى الخلق كافة قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة سبأ: 28] ، وجعله شاهداً على الناس كلهم، يشهد للمؤمن بالإيمان، وعلى الكافر بالكفر، وبشيراً ونذيراً لهم، وداعياً إلى الله قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا * وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا * وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا} [سورة الأحزاب: 45-47] صحيح مسلم (2276).

والرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو سيد ولد آدم، وهو خليل الله، وخاتم الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾ [سورة الأحزاب: 40] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ).[48] وفي الإنجيل المتداول اليوم بأيدي النصارى قال المسيح عليه السلام مبشراً بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، أما قرأتم قط في الكتب: قال لهم يسوع من قِبَل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا)[49]. وفي سفر التوراة الموجودة اليوم، ورد فيها قول الله لموسى عليه السلام: (أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به)[50].

وجعل الله عز وجل رسالته هي الكافية والشاملة بحيث لا تحتاج البشرية بعده لبعثة نبي آخر، فكل الفضائل والمحامد الموجودة في الرسالات السابقة اشتملت عليها الرسالة الخاتمة، وزادت عليها ما لم يكن في تلك الرسالات، مما تحتاج إليه البشرية إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 51] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ [سورة الإسراء: 9] ، فكانت رسالة النبي الخاتم عليه السلام كافية شافية، وكانت رسالته رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 107] صحيح البخاري (3535) واللفظ له وصحيح مسلم (2286). إنجيل متى 42: 21. التثنية 18:18.

فالرسول الخاتم كان على يده كمال الدين، وختْم الرسالات وتمامها، قال تعالى: ﴿أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [سورة المائدة: 3]

وكونه بهذه المثابة من الصدق، والأمانة، والطهر، والشرف، والفضائل، وهو لا يقرأ، ولا يكتب، ولا اتصل بأحد يمكن أن يتلقى عنه، ثم يأتي بهذه الرسالة العظيمة الجامعة، ويأتي بهذا القرآن العظيم المحكم، ويجري الله على يديه من الآيات الشيء العظيم، ويكتب الله له ولدينه ولأتباعه النصر على مدى قرون متطاولة؛ فهذا أعظم دليل على صدقه، وصحة رسالته، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ * أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} [سورة العنكبوت: 50-51] . [51]

ولأنّ الرسالة الخاتمة هي الرسالة الإلهية الأخيرة، فهي التي يجب المصير إليها، والرجوع إليها، والتحاكم إليها، وكل ما خالفها مما جاء في الرسالات السابقة فهو إمّا محّرف مغيَّر، وإمّا منسوخ، وعلى هذا فكل اتّباع لشخص أو كتاب بغرض التعبد لله بغير ما جاء به الرسول الخاتم؛ فهو اتباع باطل لا يغني صاحبه شيئاً بين يدي الله يوم القيامة، وسعيه مردود عليه. شرح العقيدة الطحاوية للبراك (ص: 90).

المبحث الخامس: موقف البشر من الأنبياء عليهم السلام

يكاد يكون موقف معظمي الجماعات البشرية من الرسل عليهم السلام متماثلاً، فما من أمة جاءها رسولها إلا كذبه أولئك المعظمون، واتهموه بأنه كذاب ومجنون، وأنه يريد أن يستأثر بالأمر دونهم، قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ * أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ} [سورة الذاريات: 52-53] ، ولما جاء موسى عليه السلام إلى فرعون مرسلاً من ربه قال له فرعون والملأ من قومه كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة يونس: 78] ، وقال تعالى: ﴿وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ * فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ} [سورة الذاريات: 38-39]

وقد يسأل سائل: لماذا هذا الموقف المتعنت من ضد الرسل عليهم السلام، وهم يدعون إلى الحق، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؟ فنقول: الغالب أن أولئك المعظمين يدعون اختصاصاً بالحق، وأنهم على هدى، وكل من خالفهم فهو على ضلالة، ويدعون لأنفسهم تميّزاً عنصرياً على عامة الناس، يستحقون بموجبه السيادة، وبموجب ما سبق يستعبدون الناس، ويدّعون احتكار المعرفة، وأنهم يعرفون ما لا يعرفه العامة وتتهم هذه القيادات الرسل عليهم السلام بأنهم سحرة؛ ليصدوا الناس عن اتباعهم، ويقولون لهم: إن الرسول سَحَرَ هؤلاء الفتية الذين آمنوا به واتبعوه، هذا بالإضافة إلى أن الإنسان في الجملة يألف ما وجد عليه آباءه وأجداده ويكره مفارقته، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف: 23]

وأيضاً لأن الرسل عليهم السلام تعرّي هؤلاء المعظمين بالباطل، وتبين كذبهم واستغلالهم للناس، وتحذرهم من أكل أموال الناس بالباطل، وتلغي تميزهم، وتقضي على استعلائهم، وتقول للناس: أنتم سواسية، من أب وأم فلا فضل لأحد منكم على أحد إلا بالإيمان والتقوى والعمل الصالح فالرسل عليهم الصلاة والسلام يريدون أن يكون الدين كله لله، بمعنى أن يكون الخضوع والاستسلام والعبادة لله رب العالمين وأن يكون الحكم لشرع رب العالمين، والمعظمون بالباطل يريدون أن يدين الناس لهم بما شرعوا لهم من شرع، وبما افتروا لهم من ضلال وأن يكون المرجع إليهم بدلاً من أن يحكموا بشرع الله سبحانه وتعالى، ويريدون منهم أن يحكموا بما يشرّعون لهم من منهج وحكم، وأن يقدسوهم ويعظموهم، ويتخذونهم أرباباً من دون الله، قال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [سورة التوبة: 31] ، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [سورة الشورى: 21]

فلهذا وغيره يقف رؤوس القوم الكافرين ضد الأنبياء عليهم السلام، ويصدون الناس عن الإيمان بهم واتباعهم، ولذا قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لقائد الفرس لما سأله عن سبب مجيئهم إلى بلاد الفرس يدعونهم إلى دين الله: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).[52]

ومع ذلك فيؤيد الله الرسل عليهم السلام بالآيات وبمن شاء من عباده المؤمنين، فيؤمن بهم ويصدقهم من كتب الله له السعادة، وتكون لهم الغلبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [سورة غافر: 51] ويوم القيامة يتبين للناس من الذي كان محقاً، ومن الذي ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. البداية والنهاية (9/ 622).

المبحث السادس: الجزاء في الدنيا والآخرة لمصدقي الرسل وللمكذبين لهم

الرب جل وعلا خلق الخلق، ويسر لهم سبل الحياة، وسخر لهم كل ما يحتاجون إليه، وفطرهم على الخير، وجعل لهم عقولاً وأبصاراً وأسماعاً، لينظروا في آيات الله المتلوة في كتبه، وآياته المبثوثة في كونه المنظور أمامهم وفي أنفسهم، وأنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، يدعونهم إلى الإيمان بربهم وخالقهم ورازقهم، ويقيمون لهم الأدلة والبراهين المتنوعة على صدق ما جاءوا به، فمن أطاعهم فقد أفلح وفاز في الدارين، ويسره لليسرى، ومنحه السعادة والطمأنينة، فلا تراه إلا مسلماً مستسلما ً لربه، راض بما آتاه، يعبد الله على بصيرة، ومن كان كذلك فله الحياة الطيبة، وقد وعده الله الأجر العظيم في الدار الآخرة، والنعيم المقيم، وأعد له جنات تجري من تحتها الأنهار، في رفقة الأنبياء والصديقين والشهداء والأخيار من كل أمة ممن آمن بالله وصدق المرسلين عليهم السلام، وعاش في هذا النعيم المقيم خالداً مخلداً لا يموت ولا يفنى ولا ينقضي نعيمه.

ومن عصى الله وعاند واستكبر، وأغلق عقله وقلبه، وأصم سمعه، وأعمى بصره عن الحق ودلائله؛ فإنه يعيش في هذه الحياة الدنيا في حيرة، مضطرباً أمره، قلقاً في حياته، وإن عاش في هذه الحياة منعماً وغافلاً؛ فإذا انتهت حياته وتوفته رسل الله فإن أمامه الحياة الأخرى، وهي حياة أبدية سرمدية لا تنتهي، ويكون الكافر فيها خالداً مخلداً في النار، ويحشره الله مع الأشقياء والمتكبرين والمتجبرين والظلمة.

وقد أخبر الله في القرآن الكريم كيف فعل بمكذبي الرسل، فأغرق قوم نوح عليه السلام بالطوفان العظيم، وأهلك قوم نبي الله هود عليه السلام بالريح العاتية، وأهلك قوم نبي الله صالح عليه السلام بالصيحة التي أخذتهم، وأهلك قوم نبي الله لوط عليه السلام بأن قلب عليهم ديارهم وجعل عاليها سافلها، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} [سورة هود: 82-83] ، ذلك أنهم كذبوا رسول الله إليهم، وخالفوا الفطرة، واتوا الرجال دون النساء، إلى غير ذلك من عقوبات الله للأمم المكذبة الكافرة العاتية.

الفصل السابع: العبادة

المبحث الأول: التعبد ضرورة بشرية

العبادة: هي كل عمل يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ويقصد به الإنسان التقرب للرب جل جلاله، ابتغاء مرضاته، وخوفاً من سخطه، ورجاءً لما عنده، وتكون في غاية الذل والخضوع مع كمال الحب للمعبود والتأله له.

وهذا المقام –وهو التعبد-لا ينفك عنه الإنسان في الغالب، فإن كان على علم وبصيرة واتباع للمرسلين عليهم الصلاة والسلام، جعل عبادته وتقربه وخوفه ورجاءه ومحبته وذلّه لله رب العالمين، وإن ضل الطريق، تقرب لميت أو حجر أو صنم أو فلك أو نجم، فصرف تقربه ورجاءه وخوفه ومحبته لمن لا يغني ولا يضر ولا ينفع، ولا يسمع الدعاء، ولا يغيث الملهوف، ولم تحقق له عبادته ما كان يرجوه من دفع شر، أو جلب نفع، وطمأنينة نفس، بل ربما انتقل من معبود لآخر، أو من ديانة لأخرى؛ طلباً لتحقيق ما يؤمله الإنسان من التعبد والتقرب، ثم يخيب سعيه ولا يجد مطلوبه.

إذاً فالتعبد ضرورة بشرية؛ ولذا لا تجد أمة من الأمم في القديم أو الحديث إلا ولديها أنواعاً متعددة من العبادات الموسمية أو المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية كالزواج والإنجاب والزراعة وطلب الشفاء.

ولأن هذا الأمر يحتاج إليه الإنسان حاجة ضرورية ؛ فتجده يخترع لنفسه معبودات وعبادات؛ وقد أغنى الله عباده بما شرع لهم في الإسلام من عبادات عظيمة تحقق مقصود المتقرب والمتعبد، وبها يعبد الإنسان ربه وخالقه، ويتوسل بها إليه في دفع ضره، وكشف كربه، وتحقيق طمأنينة نفسه وجعل الله العبادات متنوعة جداً، وفي متناول كل إنسان، فمنها العبادات القلبية كالإيمان والإخلاص والخشية والمحبة والتصديق ومنها عبادات الجوارح كالصلاة والحج والإحسان للخلق، ومنها عبادات باللسان كقراءة القرآن الكريم والأذكار، وإرشاد الضال، ومنها عبادات مالية كالزكاة والصدقات والنفقات، ومنها عبادات موسمية كصيام رمضان والحج، ومنها أعياد شرعية كعيدي الفطر والأضحى؛ لإدخال البهجة والسرور على قلب المسلم المتعبد.

والعبادات في الإسلام لا يتقرب بها المتقرب لأحد من الخلق، بل لا يشركه فيها، ولو أشرك فيها أحداً مع الله لبطلت عبادته، وأصبح مشركاً بالله رب العالمين. فالعبادات في الإسلام لا تكون إلا لله وحده.

وهذا التنوع في العبادات الصحيحة يروي ظمأ الروح للعبادة، ويسعد النفس، ويبهج القلب؛ ذلك أن في القلب فراغاً وتألّهاً لا يسده ولا يغنيه إلا عبادة رب العالمين، وفي القلب افتقارٌ للرب لا يملأه إلا الافتقار لله والاستغناء به عن كل مخلوق وفي القلب تشتتٌ واضطرابٌ لا يسكّنه ويمنحه الطمأنينة إلا الإيمان بالله والاعتصام به، والقلب ميت موت معنوي لا يحييه إلا الإيمان بالله ومعرفته، فيحيى قلبه بنور الوحي؛ فيجد في قلبه حياة لم يعهدها من قبل، وفي القلب ظلمة الكفر والشرك والجهل لا يخرجه منها إلا الإيمان بالله، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام: 122] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ﴾ [سورة إبراهيم: 5]

والإنسان يشهد فقره المعهود للطعام والشراب والكساء والمأوى، وقد ألهمه الله كيف يكسب قوته، ويسد جوعه، ويكسو جسده، لكنه قد يتعامى عن فقر القلب إلى الرب جل جلاله، والإنسان بمداركه وعقله لا يستطيع أن يدرك مراد ربه منه، ولا كيف يعبده، ولا كيف يحقق مرضاته؛ لأن هذا لا يدرك بالتجربة، ولا ينال بقوة العقل والعلم والإدراك، وإنما ينال باتباع سبيل المرسلين عليهم الصلاة والسلام، والاهتداء بنور الوحي ليتحقق له رضى ربه.

المبحث الثاني: حقيقة التعبد لله رب العالمين

التعبد لله رب العالمين، هو التقرب إلى الرب عز وجل بكل عمل يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ويكون العابد في غاية الذل والخضوع مع كمال الحب للرب جل وعلا، والتأله له بأنواع العبادات القلبية والعملية والقولية والمالية بما شرعه لعباده على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، والله سبحانه وتعالى غني عن عباده، وغني عن عباداتهم، لأنه الغني، وكل غنى في المخلوقات فهو هبة من الله، والله لا يستكثر من عبادات الخلق، كما أنه لا تضره معاصيهم، ولا يزداد بعطائهم كرماً، بل خلق الخلق وأمرهم بعبادته ليكرمهم في الحياة الدنيا والآخرة، وكل عباداتهم لا تقابل نعمه عليهم، بل لا يستطيعون عدها فضلاً عن أن يقوموا بحقها وشكرها، قال تعالى: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ﴾ [سورة إبراهيم: 34] ، والعبادات التي شرعها الله ليس فيها عسر ولا ثقل، بل هي ميسرة غاية التيسير، فالصلوات الخمس لا يستغرق أداء الصلاة الواحدة عشر دقائق، والزكاة هي: (2,5) من المال بلغ نصاباً، وحال عليه الحول يخرجها الأغنياء للفقراء، رحمةً بهم ومواساةً لهم، وشكراً لله على نعمة المال، والصيام شهر في العام يصوم المسلم في نهاره، ويفطر ليله، أما الحج فمرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً، وأعظم العبادات وأبلغها أجراً بعد الفرائض هو ذكر الله باللسان مع استحضار معاني الذكر في القلب.

كما أن كل عمل صالح يعمله المسلم لغيره من مسلم أو غير مسلم قريباً كان أو بعيداً، بل لو كان على حيوان فهو عبادة وقربة لله رب العالمين، قال رسول الله : (بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخذه، فشكر الله له، فغفر له).[53] وقال النبي : (بينما كلب يطيف بركية، كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته فغفر لها به).[54] فانظر كيف غفر الله لهذه البغي –رغم عظيم جرمها-لأنها سقت كلباً كاد يقتله العطش.

والعبادات في الإسلام تُكسب الإنسان -بإذن الله- الحياة الطيبة في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 97] متفق عليه، صحيح البخاري (2472) وصحيح مسلم(1914). متفق عليه، صحيح البخاري(3467) وصحيح مسلم(2245).

ويستفيد المسلم وهو في قبره من عبادته، ويعيش منعماً في قبره، كما أن الكافر يعيش معذباً في قبره، بل إن بعض الأعمال يظل يصل ثوابها لصاحبها ما دامت تؤتي ثمارها، كمن يُعلّم علماً ينتفع به الناس من بعده، أو يحفر بئراً ليستقي منه الناس والحيوان والطير، أو يبني مستشفى للمرضى، أو يخلف ولداً صالحا يدعو له ويستغفر له، كما أن صدقات الأحياء التي يتصدقون بها عن الأموات تصل إليهم وتنفعهم في قبورهم.

والعبادة تورث صاحبها في الدار الآخرة النعيم المقيم ورضا الرب جل جلاله، قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة: 72]

المبحث الثالث: ضوابط التعبد الصحيح

العبادات في الإسلام شأنها عظيم، ومقامها رفيع عند الله؛ فلا يقبل الله عبادة إنسان حتى يسلم لله رب العالمين، ويؤمن برسالاته وكتبه وملائكته ولقائه وجزائه يوم القيامة. فمن تقرب لله بأي عبادة وهو غير مسلم فإن الله لا يقبل منه عبادته، لكنه يثيبه عليها في الدنيا بسعة من رزقه، وما يؤتيه الله من نعم من مطعم ومشرب وملبس ومسكن. وهذا من عدل الرب؛ فإنه لا يضيع عمل العامل وإن كان كافراً، لأن الكافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا يرجو لقاءه، ويوم القيامة يجزيه على كفره واستكباره وعناده.

ومن شرف العبادة في الإسلام أن الله لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، بمعنى أن المتعبد لا يقصد بهذه العبادة مخلوقاً أياً كان لا نبياً مرسلاً، ولا ملكاً مقرباً، بل يقصد بها الرب جل جلاله، يبتغي مرضاته، ومن عمل صالحاً وأشرك فيه شريكاً مع الله، فعمله مردود على صاحبه، ولا أجر له عليه، قال عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [سورة الزمر: 65] ، وقال الرسول محمد: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه).[55]

وكذلك لا يقبل الله من العبادات إلا ما شرعه سبحانه وتعالى لعباده، مما بلغته رسله عليهم السلام إلى الناس، وعلى هذا فأي عبادة محدثة لم يشرعها الله سبحانه وتعالى فهي مردودة على صاحبها، ولا أجر له عليها. صحيح مسلم(2589).

فالعبادات والأعياد المبتدعة لا تكون مقبولة عند الله، بل يحاسب الله جل جلاله الإنسان على ما افتراه وأحدثه من العبادات التي لم يشرعها الله؛ لأنه جعل نفسه مشرعاً وشريكاً مع الله، يشرّع للناس العبادات ويزعم أنها مقبولة عند الله.

إذاً فالعبادة الصحيحة المقبولة عند الله، التي تنفع صاحبها في الدارين هي: العبادة التي يؤديها المؤمن بالله، وفق ما شرعه الله لعباده، وأن تكون خالصة لله رب العالمين جل جلاله.

المبحث الرابع: الناس سواسية في العبادات وفي ثوابها

أول أمر يجده القارئ في القرآن العظيم هو قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 21] ، فالرب جل جلاله حينما يأمر الناس بعبادته، أو ينهاهم عن معصيته، أو يحذرهم من كيد الشيطان، فإنه يخاطبهم بـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ وهذا أمر يشترك فيه الناس كلهم على قدر سواء، العربي والأوربي والإفريقي والصيني والياباني وغيرهم من شعوب العالم، فالمخاطبة بـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ تحمّل الجميع مسؤولية سماع الأمر الرباني، والاستجابة للنداء الإلهي، والتسليم لمن بيده الرزق والنفع والضر، والخطاب بهذا اللفظ لا يتيح لأحد أن يقول هذا الخطاب لا يخصني، إلا إذا زعم أنه ليس من الناس، وما من أحد يقول إنني لست من الناس، وما دام الخطاب للناس على قدر سواء، فمن فضل الله على الناس، وتمام عدله، وعظيم حكمته، أن جعل أجرهم متماثلاً، فلا فضل لعربي على غيره، أو لأسود على أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لبلال: (عند صلاة الفجر يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهوراً، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي).[56]

وكذلك لا يتفاضل الناس في أعمالهم من جهة الزمان أو المكان فالذي صلى لله رب العالمين قبل ألف عام أجره كأجر من صلى هذا العام سواء بسواء، ومن صلى في مشرق الأرض أجره كأجر من صلى في مغربها، عدا ما فضله الله عز وجل من زمان كرمضان، أو مكان كمكة المكرمة أو المدينة النبوية فمن تبعد فيهما فله زيادة في أجره، لا يحصيها إلا الله. صحيح البخاري(1149).

فالإسلام يحرم النظام الطبقي، ويجعل الناس سواسية أمام الرب جل جلاله في أعمالهم وفي ثوابهم، يقول الرسول محمد لعشيرته وعمه العباس وعمته وابنته فاطمة رضي الله عنهم: (يا معشر قريش -أو كلمة نحوها-اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً).[57] فهذا الخطاب من رسول الله محمد لأقرب الناس إليه، يبلغهم الرسالة، ويحمل كل شخص مسؤولية نفسه، وأنه لا يغني عنه من الله شيئاً، وإن كان قريباً للنبي الخاتم.

الإسلام لا يجعل لأحد تمييزاً ولا تميزاً في عباداته من جهة جنسه أو لونه أو بلده أو نسبه أو مكانته أو سلطته الاجتماعية أو الدينية، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كغيرهم من البشر يعبدون الله طلباً لثوابه، وخوفاً من عقابه، ولا يتركون العمل بحكم منزلتهم العظيمة التي رفعهم الله إليها، قال تعالى عن الأنبياء عليهم السلام: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 90] متفق عليه، صحيح البخاري (4771)، وصحيح مسلم(351).

المبحث الخامس: ظلم الإنسان لنفسه

خلق الله الإنسان ويسر له أسباب الحياة، وسخر له كل ما في السموات والأرض، وأمره بعبادته وفق ما شرع له، ولكن الإنسان بدلاً من أن يعبد ربه، نجده قد يظلم نفسه بأنواع من الظلم، ومن ظلمه لنفسه ما يلي:

الأول: الشرك بالله وهو أعظم الظلم، قال لقمان الحكيم لابنه كما أخبر الله عنه: ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [سورة لقمان: 13] ، فأعظم الظلم: الشرك بالله، وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك ورزقك ورباك بنعمه، وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك).[58]

الثاني: ظلم النفس بالرهبانية والامتناع عن المباح؛ رغبة في تهذيب النفس وتكميلها، فهذا لا يجوز، ويحرم في الإسلام أن يمنع الإنسان نفسه من المباح كأكل الحلال، والزواج، ولبس الجميل، بل هذا من تشديدات الأمم السابقة وجناياتهم على أنفسهم، وما أمر الله بها، ولا أنزل بها كتاباً، ولا أمر الله بها نبياً، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [سورة الحديد: 27] ، وقال تعالى: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: 32] ، بل المحرمات في الإسلام محدودة، والأصل في الأشياء الإباحة، ولا يجوز أن يحرّم الإنسان على نفسه ما لم يحرمه الله عليه، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: 87] متفق عليه، صحيح البخاري (4477)، وصحيح مسلم(141).

ولا يجوز في الإسلام تعذيب النفس بالضرب أو الانقطاع في الخلوات والمغارات؛ طلباً للتزكية والكمال، وليس في العبادات التي شرعها الله أذية للنفس، بل إذا وجدت المشقة وجد التيسير، فالمسافر والمريض تخفف عنهما بعض الأحكام ما داما على تلك الحال، حتى يرجع المسافر، ويشفى المريض.

وليس القصد من بعض العبادات كالصيام تعذيب النفس، بل المقصود تزكيتها، مع إباحة الاستمتاع بما أحل الله للإنسان في ليالي الصيام.

الثالث: ظلم العباد بارتكاب الفواحش والآثام وإفساد الحياة

ومن ظلم النفس ارتكاب الفواحش والآثام كالزنا واللواط، وظلم العباد بنهب أموالهم وسلبها، أو الاعتداء على أنفسهم أو ممتلكاتهم، أو التعامل بالمعاملات الجائرة كالقمار والميسر والبيوع المحرمة كالربا والغش والتدليس، وقال الله عز وجل مبيناً جناية علماء السوء في اليهودية والنصرانية وأكلهم أموال الناس بالباطل: ﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [سورة التوبة: 34]

وظلم النفس بهذه الممارسات الظالمة يفسد الحياة، وينزع البركة من المال والوقت والرزق، ويحلّ بالمفسدين النقمات الإلهية بسبب ظلمهم وتجاوزهم، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [سورة الروم: 41] وقال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين * وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [سورة العنكبوت: 38-40]

وهذه المظالم للعباد لا يسلم الظالم من مغباتها وتبعاتها في الدارين، فقد يؤاخذ في الدنيا بجرائره وخطاياه، وقد ينجو، لكنه حتما سيقتص منه لكل من ظلمه يوم القيامة، فلا تذهب حقوق الخلق هباءً، بل لها من الله طالب في يوم لا ينفع فيه المال ولا الجاه؛ وإنما ينفع الإيمان والسلامة من حقوق العباد، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [سورة الكهف: 49]

المبحث السادس: التوبة من الذنوب وتطهير النفس وتزكيتها بالإيمان والعمل الصالح

خُلق الإنسان من ضعف، وفيه شهوات وأهواء، وفيه طمع وبخل وبغي وجهل، ويتسلط عليه الشيطان وقرناء السوء، ونتيجة لذلك قد يقع في الذنب، سواء كان الذنب شركاً أو كفراً بالله، أو كان ظلماً للنفس كالزنى، أو ظلماً للآخرين فإذا أفاق الإنسان من جهله، ورغب في تصحيح أمره، وتدارك ما فات منه، وأقلع عن ذنبه، وندم على ما وقع منه، وعزم على ألا يعود إلى فعله، وتاب إلى الله توبة صادقة، فإن الله يقبل توبته مهما كان ذنبه، والتوبة مقبولة مالم يحضر الموت وتغرغر الروح، والتوبة عبادة من أجل العبادات، فمن تاب تاب الله عليه، وغفر له ذنوبه، وأن كانت ذنوبه كزبد البحر، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا * يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} [سورة الفرقان: 68-70] وقال الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [سورة المائدة: 73-74]

وقال الرب جل جلاله داعياً جميع الكفار إلى التوبة: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [سورة الأنفال: 38] قال ابن كثير في تفسيره رحمه الله: (يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل للذين كفروا إن ينتهوا} أي: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سلف، أي: من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم).[59]وقال تعالى: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: 53] . والله يفرح بتوبة الإنسان؛ رحمة به، قال الرسول محمد : (لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده).[60]

وفي قصة إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه شاهد لذلك حيث يقول: (فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي : فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟).[61] فالرسول محمد أخبر عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن الإسلام يهدم ما كان قبله من الذنوب والآثام، وأن التوبة تجب ما كان قبلها. تفسير ابن كثير (4/ 54). صحيح البخاري(6308) وصحيح مسلم(2675).

ويحسن بالإنسان الذي وقع منه الذنب أن يصلح نفسه ويزكيها بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ﴾ [سورة طه: 82] ، والعمل الصالح يزكي النفس، ويمنحها القوة والثبات على الإيمان؛ لئلا تقع مرة أخرى في الذنب، فإن وقع الإنسان في الذنب ثم تاب منه؛ تاب الله عليه، ورجع من الذنب طاهراً متطهراً. والإنسان بخير مادام كلما أذنب استغفر وندم وتاب وعمل عملاً صالحاً. صحيح مسلم (121).

الفصل الثامن: القدر

المبحث الأول: الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر أصل عظيم في دين المرسلين؛ لأنه من الإيمان بربوبية الله، فالقدر من علم الرب جل وعلا، وعلم الله صفة من صفاته جل وعلا، وعلم الله سابق لخلقه المخلوقات كلها، وخلقها يدل على علمه بها قبل أن يخلقها، فإن الله قدّرها بعلمه، ثم خلقها وأظهرها للوجود، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ [سورة الحج: 70] ، وقال تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سورة الأنعام: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [سورة القمر: 49]

والقدر سر الله في خلقه، فلا يطلع عليه أحد إلا بإذنه، وما بعث الله رسولاً إلا وأمره بالإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر أصل عظيم من أصول الإيمان، فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من المرسلين عليهم السلام أمروا أممهم بالإيمان بهذا الأصل العظيم ولا يصح إيمان إنسان بالله إلا إذا آمن بالقدر، وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن ما قدره الله وقضاه فله فيه الحكمة البالغة، وأنه لا يخرج شيء في الكون عن قدر الله سبحانه وتعالى، وأن الله أوجده بعلمه وحكمته.

المبحث الثاني: القدر الشامل والتقدير العام

الإيمان بالقدر يتضمن: أن يؤمن الإنسان بأن الله علم ما كان وما سيكون، وأن علم الله شامل ومحيط بكل شيء، وأنه لا يخرج عن علمه شيء، وأن علمه سبق الوجود كله، وأنه قدّر كل شيء قبل خلقه، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [سورة الفرقان: 2] ، ولا يخفى على علمه شيء مهما خفي، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: 3] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ * هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [سورة آل عمران: 5-6] ، وأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ [سورة الحديد: 22]

وأنه لا يكون شيء في الوجود إلا بمشيئته، وأنه خالق كل شيء، وأنه لا يشاركه أحد في تدبير الكون وخلقه، بل الكل من تقديره، وفق علمه ومشيئته، وهو الذي خلقه وأوجده، وكما أن البشر لا يحيطون بعلمه، فكذلك لا يحيطون بتقديره وتدبيره، ولا يعلمون ما الذي قدره وكتبه، وكذلك لا يعلمون الحكمة من ذلك، لكن الحكمة موجودة، وإن خفيت على الناس، وكما أن الحكمة ظاهرة لكل أحد من طلوع الشمس وغروبها، وتنوع الفصول ما بين حر وبرد وخريف وربيع، ففي ما خفيت عليك حكمته حكمة بالغة لكنك لا تعلمها ولا تحيط بها، والعقل البشري السليم لا ينكر ما عجز عن استيعابه والاحاطة به.

والقدر شامل لكل شيء، فلا يجري في الوجود أمر إلا وقد كتبه الله وأراده، فلا ينزل رزق، ولا تحجب نعمة، ولا ينزل بلاء، ولا يرفع؛ إلا بقدر من الرب جل جلاله، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ [سورة الحجر: 21] ، وهذا التدبير الإلهي تدبير موزون لا يختل، قال تعالى: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ﴾ [سورة الحجر: 19] ، وقال تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة يس: 36]

المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر يحقق للإنسان مكاسب عظيمة منها:

الأولى: الإيمان بالقدر يكشف للإنسان أعظم حقيقة في الوجود، بل هي أثمن حقائق الوجود، وهي معرفة جانب من علم الله العظيم، الذي خلق هذا الوجود وأجراه على مراده وأمْره؛ لأن أشرف مقامات العقل، وأشرف مجال يرتاده ويتعلمه ويتفقه فيه هو العلم بالله وتعظيمه، ومن فاته هذا الشرف فأي شيء كسبه، وأي هدف حققه؟ إذا خرج من الحياة ولم يعلم أشرف ما فيها.

الثانية: أن الإيمان بالقدر يجيب على أسئلة كثيرة تعرض للذهن حول تدبير هذا الكون، ومستقبله، ومن الذي قدر لهذا الكون هذا التقدير المحكم الذي لا يتخلف ولا يضطرب.

الثالثة: أن الإيمان بالقدر يغلق على الإنسان التعلق بالكهان والمنجمين والسحرة، رغبة في معرفة ما سيكون، وكيف سيكون، فإذا علم الإنسان أن القدر سر عظيم لا يعلمه إلا الرب عز وجل؛ علم أن المنجمين والكهان والعرافين كذابون دجالون محتالون يأكلون أموال الناس بالباطل.

الرابعة: أن الإيمان بالقدر يمنح الإنسان-بإذن الله-الطمأنينة والتسليم لله رب العالمين، ويُكسب المؤمن القناعة والسعادة ويمنحه الشجاعة والإقدام؛ لأنه إذا آمن بالقدر علم أنما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيقدم إذا كان الإقدام محموداً، ويحجم إذا كان الإحجام محموداً غير هياب ولا وجل، والإيمان بالقدر يزكي النفس البشرية؛ إذا علم الإنسان أن الله عالم بكل تصرفاته وأفعاله، فلا يضمر شراً، ولا ينطوي قلبه على حقد وحسد.

الخامسة: أن الإيمان بالقدر يمنح الإنسان التوازن التام في كل أحواله، فإن أصابه خير لم يبطر، ولم يبغ على الناس؛ لأنه يعلم أن هذا الخير أصابه بتدبير الله ولطفه، وليس بحول الإنسان وقوته، وإن أصابته مصيبة علم أنها مقدرة؛ فلا يجزع ولا يقنط، قال تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ * وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ * إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ} [سورة هود: 9-11] ، وقال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ * لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ} [سورة الحديد: 22-23]

الفصل التاسع: اليوم الآخر

المبحث الأول: حقيقة الحياة الدنيا وحقيقة الموت

جعل الله الزمن الذي يمر على الإنسان ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي الحياة الدنيا، والمرحلة الثانية هي الحياة البرزخية، وهي مرحلة القبر، والمرحلة الثالثة هي الحياة الآخرة، وهي عندما تقوم القيامة، ويبعث الناس لرب العالمين، وسنفصل القول عن كل ذلك في هذا الفصل بإذن الله.

فالحياة الدنيا خلقها الله وجعلها دار تكليف وابتلاء واختبار، وكلف الله الإنسان فيها بعبادة الله، والمسارعة إلى العمل الصالح والمسابقة فيه، والدعوة إلى سبيله، وعمارة الأرض، فالموفق من عبد الله فيها، وعمرها بالإيمان بالله وطاعته، والإحسان إلى الخلق، ومراقبة الله وخشيته في السر والعلن، والخاسر من عاند واستكبر وكفر بالله العظيم.

والحياة الدنيا في الإسلام ميدان رحب فسيح لتقديم كل ما من شأنه أن ينال الإنسان من خلاله رضا ربه عز وجل، وأن يسعد الناس، ويعمر الأرض، ويقدم الخير والعطاء والنماء، وليست الحياة غلاً وثقلاً يجب أن يتخلص منه الإنسان، بل هي المجال المبارك لعمارة الأرض، وتحقيق السعادة الدنيوية، والسعادة الأخروية، والفوز بالنعيم المقيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 97]

وشبه الله الحياة الدنيا بالزرع الذي ينبت ويتكامل نموه، ثم يفنى ويصبح هشيماً، قال تعالى: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا﴾ [سورة الكهف: 45] ، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [سورة الحديد: 20]

وجعل لهذه الحياة أو الطور الزمني وقتاً تنتهي فيه هذه الدنيا ليصير الناس إلى الحياة الآخرة، وكذلك جعل لكل إنسان أجلاً محدوداً لا يتجاوزه، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [سورة آل عمران: 185]

أما حقيقة الموت فهو أمر وجودي، وليس أمراً عدمياً محضاً، وفناءً لا حياة بعده، فالله كما خلق الحياة خلق الموت، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [سورة الملك: 2] ، والموت هو نهاية هذه الحياة لينتقل الإنسان بعدها إلى الحياة البرزخية، وهي مرحلة القبر وما فيه.

والموت من أمر الله، لذا لا أحد يملك الموت لأحد، فلا يستطيع أحد أن يميت من لم يحضر أجله، فمن الذي يميت كل حي من إنسان وحيوان وشجر وغيره- إلا الله سبحانه وتعالى، فالبشر كلهم لا يستطيعون إماتة أحد، ولا يمنعون عنه الموت إذا حضر أجله، وتحدى الله البشر أن يميتوا أحداً بلا سبب، وتحداهم أن يحيوا من أماته الله، وتحدى الله البشر أن يمنعوا الموت عن أنفسهم أو عن غيرهم، قال تعالى: ﴿قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [سورة آل عمران: 168] ، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [سورة الجمعة: 8] ، وتحدى الله البشر أن يعيدوا الحياة لمن قضى عليه الموت قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ * وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ * وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ * فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ * تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [سورة الواقعة: 83-87]

والموت من دلائل ربوبية الله على عباده، وهو الذي يرسل ملائكة الموت لتقبض أرواح من شاء من خلقه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [سورة الأنعام: 61] . فالموت والحياة، واختلاف الليل والنهار آيات عظيمة دالة على وجود خالق عظيم يدبر هذا الكون بكل ما فيه، قال عز وجل: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 80]

والموت في القرآن موتان:

الأول: وهو الموت المعنوي، وهو أن يكون الإنسان ملغيًا عقله وسمعه وبصره، فهو أشبه بالميت، فهو لا ينظر في الآيات الكونية الدالة على وجود الرب، ومدبر هذا الكون، وخالق من فيه ورازقهم، ولا ينظر في كتابه الذي أنزله هدى للعباد، ولا يعبد ربه العظيم الذي أوجده ورزقه وهداه لما فيه صلاح أمره، فهو كافر بربه، فهو بهذا أشبه بالميت وسماه الله موتًا؛ وإلا كيف يأتي الإنسان للحياة ثم يجد أن الله قد أعدّ له المكان، وسخر له السموات والأرض، وهيأ له مشربه ومأكله، وخلق له ما يقيه من الحر والبرد والمطر، وهيأه ليعيش على هذه الأرض، ثم يعيش الإنسان في الحياة ويزعم أنه حي وله سمع وبصر وقلب يعقل به، ثم لا يعرف أن لهذا الكون خالقًا خلقه، ولا يعبد ربًا أوجده، أليس يرى جميع أعضائه مدبرة بتدبير خالق حكيم ثم لا يؤمن به، ما الفرق بين هذا الإنسان الذي لا يعلم خالقه، ولا يدرك ما حوله إدراكًا ينفعه، والميت المدفون في قبره الذي لا يعلم ما يحيط به؟ إن هذا الإنسان -ميت الأحياء- بحسب القرآن العظيم، وهو أضل من البهيمة؛ لأن الحيوان يسخّر حواسه فيما ينفعه، ويتجنب بإدراكه ما يضره.

الثاني: الموت المعروف وهو مفارقة الروح للبدن، وهذا الذي تعرفه كل الثقافات والمجتمعات، وهذا يواجهه المسلم والكافر. فإذا حانت وفاة الإنسان أرسل الله ملائكة الموت لتقبض روحه،قال تعالى: ﴿۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾ [سورة السجدة: 11]

وهنا سؤال آخر وهو: هل يختلف موت المؤمن عن موت الكافر بحسب القرآن والسنة؟ فنقول: نعم يختلف اختلافًا كبيرًا، لكن هذا الأمر لا يشعر به إلا من دنت ساعة وفاته.

أما موت المؤمن فتبينه هذه الآيات الكريمات من القرآن الكريم، فإنه إذا جاء أجله تنزلت عليه ملائكة الرحمة تبشره برضوان الله عليه قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ * ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ * فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي * وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي} [سورة الفجر: 27-30] ، وتبشره أيضًا بأن لا خوف عليه مما هو مقدم عليه، وألا يحزن على ما خلفه من ولد ووالد، قال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت: 30]

وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه» فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال: «ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشّر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه).[62]

أما موت الكافر فهو موت شنيع، وموقف عصيب، تجتمع عليه فيه سكرات الموت، وحزن مفارقة الدنيا، والحزن على الأهل والولد، والخوف مما أقدم عليه، وما يلاقيه من الملائكة عند نزع روحه، وهذا الموقف الرهيب توضحه هذه الآيات، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [سورة الأنعام: 93] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ} [سورة الأنفال: 50-51] ، فهو موقف ذل وصغار للكافر قال تعالى: ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ} [سورة الفجر: 25-26] ، وجاء في الحديث قول النبي في وصف موت الكافر ونزع روحه: (وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد، فانتزعوا روحه، كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، وتنزع نفسه مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء).[63] صحيح البخاري(6507) وصحيح مسلم(2684) واللفظ لمسلم.

وموت الروح مفارقتها للبدن، فالأرواح لا تفنى، بل تنتقل إلى حياة برزخية، ولا تنتقل في الحياة البرزخة من جسد إلى جسد، كما هو اعتقاد تناسخ الأرواح، بل كل روح مختصة بجسدها لا تحل في غيره، ولا تنتقل منه إلى سواه، فالروح تكون في الجسد حال الحياة، ثم تتصل بالجسد بعد الموت في القبر، تم تلاقيه وتتصل به اتصالاً آخر يوم القيامة، كما سنفصله في الفقرات التالية بإذن الله. مسند أحمد ط الرسالة (18614).

وإكراماً للإنسان فقد أمر الله في الإسلام أن يغسل المسلم ويطيب بعد موته، ويكفن في أثواب تستر جسده، ثم يصلى عليه صلاة خاصة فيها الدعاء له بالرحمة والمغفرة، ثم يوارى جسده القبر، ويدفن الميت في قبره، ولا يوضع معه في قبره أي شيء من متاع الدنيا؛ لأنه لا يستفيد من ذلك بشيء، بل لا ينفعه في قبره إلا عمله الصالح.

المبحث الثاني: عالم القبر وما فيه

عالم القبور يختلف عن الحياة الدينا، كما أنه يختلف عن الحياة الأخروية، ولا تقاس حياة القبور على عالم الحس والمشاهدة، فعالم القبر عالم غيبي لا يدركه الإنسان إلا إذا وضع في قبره، وقد أخبرنا الله في كتابه القرآن الكريم وفي سنة رسوله محمد عن بعض حقائق القبر وما فيه من نعيم لأهل الإيمان، أو عذاب لأهل الكفر والعناد.

فالميت إذا وضع في قبره يعيد الله إليه روحه، ويأتيه الملكان فيسألانه ثلاثة أسئلة:

من ربك؟

ما دينك؟

ما نبيك؟

فالمسلم يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ، فحينئذ ينعم في قبره، ويرى مقعده من الجنة، فيقال له هذا مقعدك من الجنة، فيقول: رب أقم الساعة الآن.

وأما الكافر والمنافق فيتعذر عليه الجواب، فحينئذ يعذب في قبره، ويرى مقعده من النار، فيقال له هذا مقعدك من النار، فيقول: رب لا تقم الساعة الآن.

فالروح يكون لها اتصال بالجسد بعد الموت، ويتنعم الجسد والروح معًا، وكذلك ينالهما العذاب أو النعيم في الحياة البرزخية معاً، على هيئة لا نعلمها، لكن أعلمنا بها الحكيم الخبير الذي لا يخفى عليه شيء. فروح المؤمن تكون في الجنة، وروح الكافر تكون في النار، مع اتصالها بالجسد في هذه الحياة البرزخية، واتصال الروح بالجسد في القبر يكون على هيئة غير اتصالها به في الدنيا، وقد يقول قائل: كيف ذلك؟ فنقول: إننا لا ندرك اتصال الروح بأجسادنا ونحن أحياء، فكيف ندرك اتصالها بأجساد تحت الأرض في قبورها، كما أننا لا ندرك كيف تنفخ الروح في جسد الجنين وهو في بطن أمه، بل أمه لا تشعر متى نفخت فيه الروح، فكيف يطمع الإنسان أن يدرك اتصال الأرواح بالأجساد في عالم غيبي هو عالم القبر؟

وذكر الله في القرآن العظيم ماذا يعانيه آل فرعون اليوم من العذاب وهم في قبورهم قال عز وجل: ﴿ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ﴾ [سورة غافر: 46] ، أما بقية تفاصيل ما يكون بعد البعث فهذا سنذكره في الفقرة التالية بإذن الله.

وهنا سؤال: هل يستطيع الأحياء نفع الأموات وهم في قبورهم؟ فنقول: إن الرسول محمد أخبرنا أن الميت المسلم يستفيد من سعيه الصالح في حياته، ومن سعي الحي الذي أراد نفع صاحبه المسلم في قبره، قال الرسول محمد : (إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له).[64] فالمسلم يزيد عمله ومنزلته عند الله وهو في قبره ، بسبب أعماله الصالحة التي ينتفع بها الناس بعد موته، كالعلم النافع، والصدقات الجارية كبناء المدارس، وحفر الآبار، والمستشفيات وغيرها، سواء قام بها أو تُصدق عليه بها، وكدعاء الولد الصالح له.

وهنا سؤال آخر: هل يستطيع الميت أن ينفع الحي؟ الميت لا ينفع الأحياء بذاته، وإن كانوا ينتفعون بما تركه من علم أو أعمال خيرية جارية، أما أن الميت ينفع الحي، فهذا لا يمكن أبداً؛ لأن الميت قد انقطع اتصاله بالأحياء، فلا يسمع كلامهم، ولا يجيبهم إذا طلبوا منه شيئاً، ولا ينفع ولا يضر، وإذا كان الله قال عن نبيه محمدقال عز وجل: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [سورة يونس: 49] ، فغيره من باب أولى. سنن الترمذي(1376) ، وسنن الدارمي (578).

وإذا علمنا ذلك؛ أدركنا خطأ من يتوسل إلى أصحاب القبور ويدعوهم، ويقرب لهم القرابين، ويضع عند قبورهم الهدايا ويتوقع أنها تنفعهم، أو أنهم قادرون على نفع الحي، فالميت لا يستفيد من الحي إلا الدعاء والصدقات، والميت لا ينفع الحي مطلقاً.

وهذا سؤال آخر: هل أرواح الأسلاف والأجداد يمكن أن تؤثر على الأحياء، أو تشعر بما هم فيه من فرح أو حزن، أو تحضر اجتماعاتهم وأفراحهم وأتراحهم، أو تساعدهم على اجتياز العقبات؟ الجواب: إن أرواح الأموات عموماً سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو معظمين أو أقارب لا تتصل بالأحياء، ولا تنفعهم، ولا تؤثر في حياتهم، ولا تعلم عنهم شيئاً، بل الأرواح مشغولة بما هي فيه من نعيم أو عذاب.

المبحث الثالث: يوم البعث والنشور

البعث هو: بعث الأموات من قبورهم، ورد الأرواح إلى الأجساد، وهو إخراج الله الأبدان من القبور، وملاقاتها للأرواح، وجمعها ليوم الحساب، ومن ثم الجزاء. ويوم البعث والحشر والنشور، له مسميات كثيرة منها: اليوم الآخر، ويوم القيامة، ويوم الحساب، وغير ذلك، وهو اليوم الذي يبعث الله فيه الخلائق، ويجمعهم كلهم، ويحاسبهم على أعمالهم، ثم يجزيهم الجزاء الأوفى، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وقبل أن نتحدث عن هذا اليوم العظيم، سنتحدث كيف تنتهي الحياة على هذه الأرض؟ وكيف يبعث الناس من قبورهم؟ وسيكون ذلك باختصار شديد؛ لأن هذا الأحداث الكثيرة العظمى لا يمكن أن يجمعها كتاب مختصر كهذا، لكننا نذكر ذلك مختصراً فنقول:

أولاً: أن يوم القيامة يوم عظيم، قال الله تعالى عنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ * يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} [سورة الحج: 1-2] ، ولأن هذا اليوم يوم عظيم فقد جعل الله قبله عشر علامات تقع بين يديه؛ توطئة له وإرهاصاً، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي عليه السلام علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: (إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات - فذكر- الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم).[65]

ثانياً: إذا وقعت هذه الآيات العظمى وأذن الله بزوال هذا العالم المشهود؛ أمر الله الملك فينفخ نفخة عظيمة يهلك عند سماعها كل الأحياء إلا من شاء الله، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: 68] صحيح مسلم (2901).

ثالثاً: يغير الله الأرض غير الأرض وتكون الأرض كأنها قطعة واحدة، وعلى هذه الأرض يجمع الله الناس ليوم الحساب، قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [سورة إبراهيم: 48]

رابعاً: يأمر الله الملك فينفخ نفخة أخرى فتعود كل روح إلى جسدها، وتتصل به اتصالاً أكمل من اتصالها به في الحياة الدنيا وفي القبر، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ * قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ * إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ} [سورة يس: 51-53]

خامساً: بعد نفخ الأرواح في الأجساد، يحشر الله الخلائق من أولهم إلى آخرهم، على صعيد واحد، قال تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا﴾ [سورة الكهف: 48]

سادساً: بعد حشر الخلائق وجمعهم، يحاسب الرب الخلائق كلهم، وكل مخلوق يستلم كتاب أعماله، ويطلع على ما فيه، ويجد فيه كل أعماله من خير أو شر، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا} [سورة الإسراء: 13-14] ، وعندها يستغرب الإنسان أن كتابه لم يغادر أي عمل عمله، بل كل عمله قد أُحصِي عليه، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [سورة الكهف: 49]

في هذا اليوم وحين تنكشف الحقائق، ويعلم المؤمن أنه على حق، ويعلم الكافر أنه كان في ضلال مبين، فحين إذن لا ينفع الكافر أن يراجع عمله، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ [سورة يونس: 30] ، وقال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [سورة آل عمران: 30]

سابعاً: بعد الحساب يكون الجزاء العادل وهو الخلود الأبدي لأهل الإيمان بالجنة، والخلود الأبدي للكافرين في النار، قال تعالى: ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ * وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} [سورة التغابن: 9-10]

ثامناً: إذا عاين الكافر العذاب، وتكشفت الحقائق أمام عينيه؛ حينئذ يطلب العودة للدنيا ليعمل صالحاً، ولكن انتهى وقت العمل وجاء وقت الجزاء، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة الأنعام: 27]

المبحث الرابع: الحكمة من البعث

ذكرنا سابقاً أن الدنيا ليست دار جزاء، وقد ينتهي عمر الإنسان ولم يأخذ جزاءه على عمله، فقد يعيش المسلم مؤمناً بربه، شاكراً لنعَمِه، يمنع نفسه من كثير من الشهوات المحرمة، وقد يحسن إحساناً عظيماً للناس لكن قد لا ينال حظاً يوازي عمله، وقد يكون الإنسان جباراً طاغياً مفسداً سفاكاً للدماء، وقد يخرج من هذه الحياة بموت معتاد، فلا يُقتص منه، ولا يأخذ المظلومون منه حقوقهم، ولا يستردون ما أخذه منهم وقد يعيش الإنسان في هذه الحياة متنعماً بنعم الله، كافراً بربه، لا يعبده ولا يؤمن به، فهل من العدل أن يغادر الناس هذه الحياة على اختلاف أعمالهم، واختلاف اعتقاداتهم، ولا يجازون على أعمالهم؟

لذا جعل الله للخلق يوماً يجمعهم فيه، فيفوز المؤمن، ويعلم أن الإيمان كان هو الفوز في الدارين، لأن المؤمنين الذي آمنوا بربهم وعملوا صالحاً لهم الجزاء الأوفر والنعيم المقيم، قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة: 72] ، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ * وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ * جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ * سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} [سورة الرعد: 21-24]

ويعلم الكافر أنه قد خسر الدنيا والآخرة، ويعلم الظالم أن الله قد أحصى عليه مظالمه، وأن الله سيقتص منه لكل من ظلمه، وأنه سيعذبه عذاباً يوازي كل موبقاته وجرائره، في عذاب سرمدي لا يخفف ولا يبدل، ] ، قال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [سورة الأحقاف: 34] وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [سورة النساء: 56] ، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ * وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [سورة فاطر: 36-37]

أما الكافر الذي عمل صالحاً في الدنيا يرجو به ما عند الله، ظناً منه أن ذلك ينفعه يوم القيامة، فإن الله لا يضيعه، ويجزيه عليه في الدنيا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها).[66]

فهل من العدل أن يتساوى المؤمن مع الكافر، والمجرم مع المصلح، قال تعالى: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [سورة القلم: 35] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [سورة الزمر: 9] صحيح مسلم (2808).

فالناس يوم القيامة فريقان لا ثالث لهما، مؤمن وكافر، فالمؤمن مآله الجنة، والكافر مآله النار، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ﴾ [سورة الشورى: 7]

ففي يوم القيامة يظهر العدل الإلهي، ويقتص لكل مظلوم من ظالمه، ويجازي كل إنسان بما عمل، وحينها تشهد الخلائق كلها بعدل الرب وحكمته، حيث جازى كل إنسان بما يستحق.

المبحث الخامس: الفداء والجدال يوم القيامة

إذا تكشفت الحقائق يوم القيامة، تود كل نفس أن تنجو بنفسها، وأن تفتدي بكل غال ونفيس، حتى لو افتدت من ذلك بالأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: 47] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [سورة المائدة: 36] ، بل يود الكافر لو يفتدي من العذاب بولده وعشيرته، قال تعالى: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه * وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ * وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ} [سورة المعارج: 11-14]

وكما أنه لا ينفع الفداء يوم القيامة، فلا المجادلة تنفع الكافر، ولا تشفي صدره ممن صده عن الهدى، ودعاه إلى الضلال، وأورده العذاب، وقد أخبرنا الله في القرآن العظيم عن مجادلات ستقع يوم القيامة بين الأتباع والمتبوعين، ولكنها لا تنفعهم شيئاً، قال تعالى: ﴿۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 111] ، قال ابن جرير رحمه الله: (يوم تأتي كل نفس) تخاصم عن نفسها، وتحتج عنها بما أسلفت في الدنيا من خير أو شر أو إيمان أو كفر، (وتوفى كل نفس ما عملت) في الدنيا من طاعة ومعصية ﴿وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ : يقول: وهم لا يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما قدموه من خير أو شر، فلا يجزى المحسن إلا بالإحسان، ولا المسيء إلا بالذي أسلف).[67]

وقال عز وجل: ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [سورة سبأ: 32-33] ، في هذه الآيات يخبر الرب جل جلاله أن المستكبرين يتخلون عن أتباعهم المستضعفين ويلقون باللائمة عليهم، ثم يذكر المستضعفون المستكبرين أنهم مكروا بهم مكراً شديداً متواصلاً حتى صدوهم عن الطريق الصحيح. تفسير الطبري (17/ 308).

وقال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ * إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} [سورة البقرة: 165-167] ، ففي هذه المجادلة يتبرأ المتبوعون ممن اتبعوهم، لكنها تتقطع بهم الأسباب، ويجمعهم الله في النار جميعاً والعياذ بالله.

وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ * قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ * وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ * وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ * فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ} [سورة القصص: 62-66] ، ففي هذه المجادلة يتبرأ المتبوعون ممن اتبعهم، ويقولون إنهم ما كانوا يعبدوننا، فيقال حينئذ للعابدين ادعوا من كنتم تتبعون في الدنيا، فكانت النتيجة المخيبة أنهم لا يستجيبون لهم، وأياً كانت نتيجة هذا الجدال فمصيرهم جميعاً إلى النار والعياذ بالله.

وإذا استتم دخول أهل النار النار؛ خاطبهم إبليس مندِّماً لهم، ومتبرئاً منهم، وأنه لم يكن له عليهم سلطان، وأنه دعاهم فأجابوه، وطلب منهم ألا يلوموه، وأن يلوموا أنفسهم، وأنه لن ينقذهم، كما أنه لن يستطيع إنقاذ نفسه، قال الله مخبراً عن ذلك: ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [سورة إبراهيم: 22]

والجدال يوم القيامة كثير، وموضوعاته ومتعلقاته كثيرة جداً، أخبرنا الله عن كثير منها في القرآن الكريم، وفيما ذكرناه كافٍ للوقوف على جانب منه.

المبحث السادس: الأدلة على البعث والحساب والجزاء

هذا الأمر العظيم، والحدث الذي لن يطرق الكون أعظم منه، ولا أشد منه هولاً، ولا أفظع منه، أقام الرب عليه من الدلائل الشرعية العقلية ما يكفي لأن يؤمن به كل عاقل منصف، يبحث عن الحق. وهذه الأدلة والبراهين العقلية التي ذكرها الله في كتابه الكريم القرآن العظيم، تطمئن إليها النفس، وينقاد لها العقل؛ لأنها أدلة عقلية صادقة، لا يمكن دفعها، ولا يمكن رفض النتيجة التي تفضي إليها وهذه الأدلة كثيرة سنذكر بعضاً منها؛ لأن هذا الكتاب مختصر جداً لا يناسبه الإطالة والاستقصاء، ومن هذه الأدلة ما يلي:

الدليل الأول: أن الله الذي خلق الإنسان من تراب ثم نفخ فيه الروح، لن يعجزه أن يعيده بعدما مات وأصبح تراباً، فكما خلقه أول مرة، فالرب قادر على إعادته مرة أخرى، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ * قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ} [سورة يس: 78-79]

الدليل الثاني: أن الرب الذي خلق الإنسان من نطفة، وجعل له هذه الأعضاء، وجعله في أحسن تقويم، قادر على أن يعيده بعد موته؛ لأن الخلق الثاني أيسر من الخلق الأول، والكل هين على الله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ﴾ [سورة الروم: 27] ، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ [سورة النحل: 4] ، وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ * ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ * نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ * عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ * وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ} [سورة الواقعة: 58-62] ، فكل إنسان متزوج قد رزقه الله طفلاً؛ يدرك هذا البرهان الجلي، فمن الذي ينقل الجنين داخل بطن أمه من طور إلى طور، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى خلقٍ سوي متكامل، هل الزوجان قادران على ذلك، إذاً الذي خلق الإنسان من نطفة، قادر على إعادة الخلق مرة أخرى، فسبحان الله عما يصفون.

الدليل الثالث: أن الرب الذي خلق السموات والأرض وسائر الأكوان والكواكب قادر على إعادة الإنسان ونشره وحشره؛ لأن خلقه أيسر من خلق هذه المخلوقات العظيمة، فالذي يقدر على العظيم لا يعجزه الصغير، قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [سورة الأحقاف: 33]

الدليل الرابع: أن الأرض تكون ميتة لا شجر فيها ولا زرع، ثم ينزل عليها الماء فتصبح مخضرة تامة الحياة، فمن الذي أحياها، وجعلها بهجة للناظرين؟ إن الذي أحياها قادر على أن يحيي الإنسان بعد موته، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [سورة فصلت: 39] ، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ* ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ} [سورة الحج: 5-7] ، وهذه الآيات فيها أدلة كثيرة على البعث، فنقل المني طوراً إلى طور حتى تكون إنساناً سوياً، وإحياء الأرض بعد موتها، كل ذلك برهان على البعث والنشور.

الدليل الخامس: أن المزارع يشتري البذور ثم يضعها في التراب، ويسقيها الماء، وينتظر أن تخرج وتثمر، فمن الذي حفظ البذور لئلا تتعفن وقد دفنت في التراب وأصابها الماء، ومن الذي يخرج من البذور حباً وثماراً وطعاماً للناس والحيوان؛ إنه الله الذي يحيي الموتى، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ * ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ * لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ} [سورة الواقعة: 63-65] ، فهل المزارع هو الذي زرع الحب وأنتج الحب، أم الرب سبحانه وتعالى هو الذي أخرجه وجعله ثمراً ورزقاً؟ إن هذا برهان على البعث يتكرر في كل قرية ومزرعة، بل لا تنفك الناس عنه، فكلهم يعتمدون في طعامهم على ما يحرثون ويزرعون، فكيف بالإنسان يتعامل مع الزراعة على أنها شيء مألوف، وينكر البعث وهو مثله تماماً.

الدليل السادس: أن الله تحدى البشر، وأظهر عجزهم، لأنهم ادعوا أن الله لا يبعث من يموت، ولا يحاسبه بعد موته، فذكر الله لهم أمراً يشاهدونه، وهو الموت ونزع الروح من الحي، قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ * وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ * وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ * فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ * تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [سورة الواقعة: 83-87] ، فالرب جل في علاه يعجزهم ويسجل عليهم عجزهم، ويقول لهم: إن كنتم كما تقولون: إنكم غير مبعوثين، فامنعوا الروح من مغادرة الجسد، وأعيدوا الروح إلى حالها قبل بلوغها للحلقوم؟!

وإذا كان الإنسان يزعم أنه غير مبعوث وغير محاسب فليمتنع عن الموت، وليرد روحه إذا بلغت الحلقوم، وإذا ثبت أنه لا يستطيع ذلك علم أنه محاسب على عمله.

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: (أن عجزهم عن إرجاع الروح عند مفارقتها الجسد ينبههم على أن تلك المفارقة مقدرة في نظام الخلقة وأنها لحكمة. فإن الله قد أخبركم بأنه يجازي الناس على أفعالهم، ولذلك فهو محييهم بعد موتهم لإجراء الجزاء عليهم، وقد دلكم على ذلك بانتزاع أرواحهم منهم قهراً، فلو كان ما تزعمون من أنكم غير مجزيين بعد الموت لبقيت الأرواح في أجسادها، إذ لا فائدة في انتزاعها منها بعد إيداعها فيها لولا حكمة نقلها إلى حياة ثانية، ليجري جزاؤها على أفعالها في الحياة الأولى)[68].

وقال الشيخ السعدي في تفسيره: فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ * وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ * وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ} أي: فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون المحتضر في هذه الحالة، والحال أنا نحن أقرب إليه منكم، بعلمنا وملائكتنا، ولكن لا تبصرون. التحرير والتنوير (27/ 342).

﴿فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا إذا كنتم تزعمون، أنكم غير مبعوثين ولا محاسبين ومجازين.

ترجعون الروح إلى بدنها ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن ردها إلى موضعها، فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أن تعاندوا وتعلم حالكم وسوء مآلكم).[69]

الفصل العاشر: ثمرات الإيمان بالله والاستسلام له والدخول في دين الإسلام تيسير الكريم الرحمن (ص: 836).

الثمرات التي يجنيها الإنسان إذا آمن بالله، واستسلم لخالقه، وسار على طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ودخل في دين الله الذي هو الإسلام- ثمرات كثيرة جداً سأذكر بعضاً منها وهي:

الأولى: أن أعظم حقيقة هي الإيمان بالله رباً وخالقاً ومعبوداً، وأشرف علم هو العلم بالله واهب الحياة والعلم والفضل فمن آمن بالله واتبع سبيل المرسلين عليهم السلام، ودخل في دين الله الذي ارتضاه لنفسه، فقد ظفر وفاز بالعلم بأعظم حقيقة في الوجود، وسار في أفضل مسار، وانتهج خير طريق يوصل إلى الله وإلى السعادة الأبدية ومن فقد ذلك، عاش جاهلاً غافلاً عن أعظم ما تمتعت به العقول من علم وشرف، وأزكى ما آمنت به القلوب واطمأنت إليه، وفاته العلم والإيمان والمنهج الصحيح، وصار في عداد الغافلين الجاهلين المترددين الحائرين، الذين لا يعلمون لماذا خلقوا، ومن خلقهم، وإلى أين هم سائرون، وهل للحياة معنى أو هدف يُسعى إليه، ويصل إليه الناجحون أم لا؟

الثانية: أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بكتب الله، وأشرفها القرآن العظيم، وهو باق إلى اليوم، بل إلى قيام الساعة، وهو محفوظ باللغة التي نزل بها من عند الله، فمن آمن بالله، وآمن بكتبه ورسله، وقرأ القرآن العظيم، فقد فاز فوزاً عظيماً؛ إن البشر يتسابقون على اقتناء أي كتاب قديم، إذا كان لا يزال بنسخته الأصلية، ويتباهون به، ولو كان في غير اختصاصهم، فكيف إذا كان الكتاب كتاباً إلهياً، محفوظاً، كيف لا تتطلع نفوس العقلاء للاطلاع عليه والإيمان بما فيه؟

الثالثة: أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان برسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأشرفهم وأفضلهم، بل سيدهم رسول الله محمد ، ووالله إن أعظم المغانم والمكاسب أن يعرف الإنسان هذا الرسول العظيم، ويؤمن به، ويتبعه، ويعرف قدره، وإن أعظم الخسارة أن يخرج الإنسان من الدنيا وهو لم يعرف طريق المرسلين، ولم يسلك منهجهم، ولا اتبعهم واقتدى بهم.

الرابعة: أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالمنهج الذي شرعه، والدين الذي أنزله، وهو أعظم دين، وأكمل منهج وشرعة، ومن آمن به فقد أفلح وفاز، وحسْب الإنسان أن يسير على هذه الأرض وهو مؤمن بربه، يدين بدين الله، راض عن ربه، وربه راضٍ عنه، ومن حرم الإيمان بالله ودينه وشرعه، فحتما سيتقلب في سخط الله وغضبه.

الخامسة: أن الإيمان بالله يمنح الإنسان الحياة الطيبة قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 97] ، وتكون أموره في يسر وسعة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ} [سورة الليل: 5-7] ، ويتخلص من الحيرة والاضطراب والشك؛ لأنه يعيش على يقين عظيم من كل ما يحيط به، وما ينتظره عند موته، وما سيلقاه يوم القيامة، وهذه المكاسب والمغانم لا يمكن أن يدركها أو يحصل عليها إلا من آمن بالله العظيم.

السادسة: أن الحياة الدنيا ليست هي آخر المطاف، وليس الفناء العارض فيها هو الفناء الأبدي؛ بل هناك بعث ونشور وحساب وجزاء، وسبق أن ذكرنا أن الناس يوم القيامة فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ﴾ [سورة الشورى: 7] ، فمن آمن وعمل صالحاً؛ فهو من أهل النعيم المقيم، ومن كفر وعاند واستكبر على ربه؛ فهو من أهل العذاب والجحيم، فحري بالعاقل ألا يترك ما ظهرت له منفعته ومصلحته، وعليه أن يتخلى عما ظهر له بطلانه وفساده، وسوء عاقبته.

في آخر هذا الكتاب نتذكر أن الناس على اختلاف أزمانهم وقومياتهم وبلدانهم بل المجتمع الإنسانيّ كله مختلفٌ في أفكاره ومقاصده، متباينٌ في بيئاته وأعماله، فهو في ضرورةٍ إلى هادٍ يوجّهه، ونظامٍ يجمعه، وحاكمٍ يحميه وكان الرّسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام- يتولّون ذلك بوحي من الله -سبحانه-، يهدون النّاس إلى طريق الخير والرّشاد، ويجمعونهم على شريعة الله، ويحكمون بينهم بالحقّ فتستقيم أمورهم بحسب استجابتهم لهؤلاء الرّسل، وقُرْب عصرهم من الرّسالات الإلهيّة، وخَتَم الله الرسالات برسالة الرسول محمد ، وكتب لها البقاء، وجعلها هدى للناس ورحمة ونوراً وإرشاداً إلى الطريق الموصل إليه سبحانه.

لذا أدعوك أيها الإنسان أن تقوم لله قياماً صادقاً متجرداً من التقليد والعادة، وتعلم أنك بعد موتك راجع إلى ربك، وأن تنظر في نفسك وفي الآفاق من حولك، فأسلم تسعد في دنياك وأخراك، وأدعوك بدعوة الله لك ولغيرك كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ﴾ [سورة سبأ: 46] ، فأدعوك أن تخلو بنفسك ثم تتفكر في أمرك، وما ورد عليك من الحق، فإن كان خيراً فأسلم تسعد.

وإن أردت الدخول في الإسلام فما عليك إلا أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تتبرأ من كل ما يعبد من دون الله، ونؤمن أن الله يبعث مَنْ في القبور، وأن الحساب والجزاء حق، فإذا شهدت هذه الشهادة فقد أصبحت مسلماً فعليك بعد ذلك أن تعبدَ الله بما شرع من صلاة وزكاة وصيام، وحجٍ إن استطعت إليه سبيلا، وأن تتعلم من شرائع الإسلام ما أوجبه الله عليك.

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة، ونصح للأمة، وبلغ الرسالة.

وبعد أن وصلنا إلى نهاية هذا الكتاب المختصر، نتذكر أن هذا المختصر قد احتوى على الأدلة الدالة على ربوبية الله وبيان أسمائه وصفاته وألوهيته، وإبطال الشرك، وتنزيه الرب جل وعلا عن الشركاء. وأوردنا فيه القواسم المشتركة بين الأديان الباطلة، وأوردنا فيه عدة أسئلة وجهها القرآن للبشر، وهي أسئلة ملجئة تضطر الإنسان إما أن يقبل الحق ويؤمن به، أو يرفضه عن عناد واستكبار، وأوردنا تحديات عظيمة وردت في القرآن الكريم تحدى الله بها البشر، ولن يستطيعوا لها اجتيازاً إلا بالإيمان بالرب العظيم.

كما ذكرنا كيف بدأ الخلق، وكيف خلق الله الإنس والجن والملائكة، وتحدثنا عن الكتب الإلهية، والنبوات والرسالات والرسل عليهم الصلاة والسلام، وتحدثنا عن القدر وثمرات الإيمان بالقدر.

وختمنا الكتاب بالحديث عن اليوم الآخر وهو يوم القيامة، وما فيه من أهوال ونعيم أو عذاب، وأوردنا الدلائل العقلية الشرعية البرهانية على البعث والنشور.

ثم ختمنا هذا الكتاب بالثمرات التي يتحصل عليها الإنسان بسبب إيمانه بالله العظيم، ونسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موافقاً لسنة سيد المرسلين، نافعا لعباد الله، هادياً إلى دينه وصراطه المستقيم.

ونسأل الله أن يهدي من ضل عن الطريق المستقيم، ويرده إلى الرشد والصواب، ويكفيه شر نفسه والشيطان الرجيم، وأن يثبت من وفقه الله وهداه، ويحمد الله على تلك النعمة العظيمة، وهي نعمة الهداية، ويبذل الأسباب للمحافظة عليها، فهي من أعظم النعم.

ونسأل الله أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، موافقاً لشرعه، وأن يغفر لنا ولوالدينا.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.