المعايشون للمصطفى صلى الله عليه وسلم

المعايشون للمصطفى صلى الله عليه وسلم

كتاب لظيف مختصر يعمق محبة النبي ﷺ وأصحابه وآل بيته في قلوب المسلمين. يستعرض سير أمهات المؤمنين وبنات النبي ﷺ، ومن أسلم من آل البيت وأصهاره والخلفاء الراشدين، مع التركيز على دورهم في بناء الدولة الإسلامية ونقل السنة النبوية. يعرض تفاصيل بيعة أبي بكر الصديق والخلافات في سقيفة بني ساعدة، ودور الصحابة في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية. يقدم رؤية متكاملة عن حياة الصحابة وآل البيت، ودورهم في نشر الإسلام والتقرب إلى الله جل جلاله.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
فارسي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

المعايشون للمصطفى ﷺ

تأليف

أ. د. عبدالعزيز بن إبراهيم العُمري

أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض (سابقًا)

يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أم ميكانيكية، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، بإذن خطي من المؤلف .

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

مما يلفت النظر عند مطالعة السيرة النبوية أو الكتابة فيها أنها تؤدي إلى محبته في كل أحواله وأعماله حتى في شكله الظاهر، فأنت حينما تقرأ أوصافه وهيئته تشعر بالحب يتضاعف في قلبك، وبالروح الإيمانية تزداد قوة ويقينًا، وتجد سيرته قريبة من الإنسان سهلة التناول والتطبيق يستطيع أن يقتدي بها كل الناس، فهي ليست خاصة بفئة معينة أو قوم دون آخرين أو طبقة محددة من طبقات المجتمع. كما أنه تدعو لمحبة من عايشوه من آل البيت والصحابة رضي الله عنهم.

ومما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو محبة الرسول والتقرب إلى الله بذلك، ومحبة من أحبة في زمنه ومن لحقه من أمته وهذا شرف افتخر به وأطمع من ذلك في محبة الله ومحبة من رسوله أن أرد حوضه ــ بإذن الله ورحمته ــ .

كما أطمع أن أفيد الآخرين، وقد حاولت جهدي أن أسلك منهجًا معينًا في هذا الكتاب واضعًا أمام عيني أن أزيد محبة القارئ له ولمن عايشه مؤمنًا به مصدقًا له. وأن أخدم القارئ لسيرة النبي من عامة المسلمين، بحقائق معايشون له وتعايشهم مع بعضهم ومحبتهم المتبادلة.

وحاولت الدمج بين تاريخ أولئك المعايشون المصاحبون له في أحداث السيرة وفقهها والاستفادة من دروسها في حياتهم.

ولعل أهمهم أمهات المؤمنين وبنات النبي ومن أسلم من آل البيت (رضوان الله عليهم) وأصهاره وخصوصًا الخلفاء الراشدون وعلى رأسهم الصديق وأكدت على بيعته يوم وفاة الرسول، بإجماع الصحابة ونجاحه في قيادة الأمة بعد رسول الله.

كما تطرقت لبيعة الخلفاء الراشدين من بعده عمر وعثمان وعلي. وترجمت لمن اعتبر في عداد آل البيت رضي الله عنهم وإن لم يكن منهم، مثل زيد بن حارثة وابنه أسامة وأمهم بركة أم أيمن، وسلمان الفارسي. كل ذلك تقديرًا لهؤلاء المعايشون وبيانًا لدورهم في حياة رسول الله، وتذكيرًا بواجب المحبة لهم لارتباط ذلك بمحبة رسول الله.

الرياض

رجب 1444هـ

بيعة أبي بكر الصديق

كان الرسول إمام المسلمين في صلاتهم، ورأس الدولة الإسلامية وقائدها وبانيها، وكان همه والأمة كلها استمرار الدولة والنظام وحفظ الحقوق وقيام الدين. وهدف الرسول الامتداد إلى أنحاء العالم المختلفة لتبليغ الرسالة وضمان العدل والأمن للناس كافة، مع التفكير بداية بفارس والروم المجاورة لبلاد العرب، ومن هنا جاء توجيهه لجيش أسامة بن زيد وإعداده للخروج قبيل وفاته إلى أطراف الشام. ([1]) وهذا يعني ضرورة وجود رأس قيادةٍ للدولة يتولى تنفيذ أوامر الرسول ووصاياه، وإقامة شرع الله والامتداد العالمي للدولة والدعوة الإسلامية.

كان هذا هَمًّا للرسول، ومع ذلك فإنه لم يوص لأحد بعينه لِيَلِيَ الأمر من بعده ([2]). وقد كانت هناك إشارات اتضح منها ترجيحه لأبي بكر الصديق لهذا الأمر. وكان عماد الدولة الإسلامية بالدرجة الأولى سكان المدينة الأنصار، إضافة إلى المهاجرين رضي الله عنهم، ولكل مكانته كمجموع في السلطة وإدارة الدولة ومساعدة الرسول في شؤونها المختلفة مع تفاوت في المهام والمكانة بين أفرادهم.

كان واضحًا للجميع ما تنزل من آيات تأمر بالاستمرار وحمل الدين، وما يطلبه من نظام وعدم الرجوع إلى الوراء بعد موت الرسول([3]): ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴿144﴾﴾ [آل عمران] نعم إنهم الشاكرون الذين اختاروا أبا بكر ليقيموا نظامًا مستعدًّا للقضاء على من ينقلب على عقبيه من المرتدين وأمثالهم. واتضح معنى الآية في ذلك الموقف والحفاظ على القوة والنظام، والاستعداد للدفاع عن دولة الرسول ضد المرتدين الذين قيض الله لهم أبا بكر وأعوانه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم.

حادثة السقيفة:

في يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله اجتمع الأنصار ــ وهم أهل المدينة ــ قبل هجرة الرسول إليها، إلى سعد بن عبادة، وهو من زعمائهم في سقيفة بني ساعدة، في وقت كان علي بن أبي طالب وبقية آل البيت عند فاطمة وكان عمر مع بعض المهاجرين والأنصار مجتمعين عند أبي بكر الصديق. [4]) وكان الوضع صعبًا والتفكير قائمًا، فالأنصار يرون أنهم أهل المدينة وسلموها للرسول بعد الهجرة، وأن الأمر بعد الوفاة يتطلب ترتيبًا جديدًا، ربما يكون في نظر بعضهم عودة القيادة فيها لأهلها، بعد وفاة المصطفى وكان غالبية الأنصار والمهاجرين يرون أن الوضع اختلف، وأن دولة إسلامية نظامية أشمل وأوسع من المدينة قامت وستستمر بعد الرسول بنظام وترتيب بعيد عن أي وضع سابق قبل الهجرة. وكان أكثر الناس تأهيلاً لقيادة الدولة هم أكثر الناس فهمًا لنظامها وترتيبها وشرعها، وهم المهاجرون السابقون الذين صحبوا الرسول في مكة والمدينة وتعلموا على يديه، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق، وأنهم أولى الناس بالأمر من بعده. وهذا الأمر كان مفهومًا عند بعض الأنصار وعند المهاجرين من أهل المدينة.

ولذلك بادر بعض الأنصار بإبلاغ أبي بكر وعمر، ومن معهم باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وطلبوا منهما حضور ذلك الاجتماع، قبل أن يصدر عنه شيء يكرهونه. وكان هذا دليلاً على حرص الأنصار أن يحضر شيوخ المهاجرين اجتماعهم، فقال عمر لأبي بكر: (انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه). [5]) (1) انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه، ج5/145.

وفي الطريق قابلا رجلين من الأنصار، هما عويمر بن ساعدة الأنصاري ومعن بن عدي من بني العجلان، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم. [6]) كان واضحًا أن القضية ليست منافسة بين المهاجرين والأنصار، بل كان حدثًا فيه الكثير من التقدير والاحترام بين الفئتين اللتين وصفهما الله تعالى : ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 100﴾ [التوبة]. فالذي بلَّغ أبا بكر وعمر بالاجتماع هم من الأنصار، والذين قالوا: لا عليكم اقضوا أمركم من الأنصار، وعمر قال: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فالكل يرى أنه أخٌ للآخر، ليست منافسة ولا حبًّا في الرئاسة، لكنه اجتهاد في الحق والوصول إلى الأفضل، وإن كان للبعض، ممن يكرهون الصحابة، رأي آخر مبني على الشك في الصحابة أصلاً وفي كل تصرفاتهم. (2) انظر: البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي وصية الرجل مكتوبة عنده. ج3/186؛ (وانظر: وفاة الرسول ، من هذا الكتاب).

ولعل عمر قد أحسّ في وقت متأخر من خلافته بمثل هذا الرأي، فحدَّث الناس بنفسه عما وقع في سقيفة بني ساعدة في حديث طويل رواه ابن عباس رضي الله عنهم قال: (كنت اختلف إلى عبدالرحمن بن عوف ونحن بمنى مع عمر ابن الخطاب، أُعلِّم عبدالرحمن بن عوف القرآن، فأتيته في المنزل فلم أجده، فقيل: هو عند أمير المؤمنين، فانتظرته حتى جاء، فقال لي: قد غضب هذا اليوم غضبًا ما رأيته غضب مثله منذ كان، قال: قلت: لم ذاك؟ قال: بلغه أن رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر، فقال: والله ما كانت إلا فلتة، فما يمنع امرأً إن هلك هذا أن يقوم إلى من يحب، فيضرب على يده، فتكون كما كانت، قال: فهمّ عمر أن يكلم الناس، قال: فقلت: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنك ببلد قد اجتمعت إليه أفناء العرب كلها، وإنك إن قلت مقالةً، حُملت عنك، وانتشرت في الأرض كلها، فلم تدر ما يكون في ذلك، وإنما يعينك من قد عرفت أنه سيصير إلى المدينة، فلما قدمنا المدينة، رحت مُهجرًا حتى أخذت عُضادة المنبر اليمنى، وراح إليّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل حتى جلس معي، فقلت: ليقولن هذا اليوم مقالة ما قالها منذ استُخْلِف، قال: وما عسى أن يقول، قلت: ستسمع ذلك، قال: فلما اجتمع الناس، خرج عمر حتى جلس على المنبر، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر رسول الله فصلى عليه، ثم قال: إن الله أبقى رسوله بين أظهرنا ينزل عليه الوحي من الله يحل به ويحرم، ثم قبض الله رسوله، فرفع معه ما شاء أن يرفع، وأبقى منه ما شاء أن يبقى، فتشبثنا ببعض، وفاتنا بعض، فكان مما كنا نقرأ من القرآن "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" ونزلت آية الرجم، فرجم النبي ورجمنا معه، والذي نفس محمد بيده! لقد حفظتها وعلمتها وعقلتها، لولا أن يقال: كتب عمر في المصحف ما ليس فيه، لكتبتها بيدي كتابًا، والرجم على ثلاثة منازل، حَمْلٌ بَيِّنٌ، أو اعتراف من صاحبه، أو شهودٌ عَدْلٌ، كما أمر الله. (1) انظر: رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، ج4/194.

وقد بلغني أن رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر: إنها كانت فلتة، ولعمري إن كانت كذلك، ولكن الله أعطى خيرها ووقى شرها، وأيكم هذا الذي تنقطع إليه الأعناق كانقطاعها إلى أبي بكر، إنه كان من شأن الناس أن رسول الله توفي فأتُينا، فقيل لنا: إن الأنصار قد اجتمعت في بني ساعدة مع سعد بن عبادة يبايعونه، فقمت وقام أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح نحوهم فزعين أن يحدثوا في الإسلام فتقًا، فلقينَا رجلان من الأنصار، رجلا صدقٍ: عويمر بن ساعدة ومعن بن عدي، فقالا: أين تريدون؟ فقلنا: قومكم لما بلغنا من أمرهم، فقالا: ارجعوا فإنكم لن تُخالَفوا، ولن يؤتى شيء تكرهونه، فأبينا إلا أن نمضي، وأنا أزوي كلامًا أريد أن أتكلم به، حتى انتهينا إلى القوم، وإذا هم عكوف هناك على سعد بن عبادة، وهو على سرير له مريض، فلما غشيناهم، تكلموا فقالوا: يا معشر قريش، منا أمير ومنكم أمير، فقام الحباب بن المنذر، فقال: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ، إن شئتم والله رددناها جَذَعَةً، فقال أبو بكر: على رسلكم، فذهبت لأتكلم، فقال: أنصت يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الأنصار! إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام، ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام. ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: لي ولأبي عبيدة بن الجراح، فأيهما بايعتم فهو لكم ثقة، قال: فوالله ما بقي شيء كنت أحب أن أقوله إلا وقد قاله يومئذ غير هذه الكلمة، فوالله لأن أُقتل، ثم أُحيا، ثم أقتل، ثم أُحيا في غير معصية، أحب إليّ من أن أكون أميرًا على قوم فيهم أبو بكر، قال: ثم قال عمر: يا معشر الأنصار! يا معشر المسلمين! إن أولى الناس بأمر رسول الله من بعده ثاني اثنين إذ هما في الغار؛ أبو بكر السبّاق المبين، ثم أخذت بيده وبادرني رجل من الأنصار، فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم فقال الناس: قُتل سعد، فقلت: اقتلوه قتلهم الله، ثم انصرفنا وقد جمع الله أمر المسلمين بأبي بكر، فكانت لعمرُ الله فلتة كما قلتم، أعطى الله خيرها ووقى شرها، فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه . ([7])

لقد كان واضحًا من الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة احترام الأنصار للمهاجرين، والمهاجرين للأنصار وتبادل الآراء، وزُهْد أبي بكر وعمر في الخلافة،([8]) وحرصهم جميعًا على استتباب النظام، فقوة الدولة والنظام مصلحة لجميع المسلمين، ورأسهم المهاجرين والأنصار الذين أسسوها مع الرسول كما كان واضحًا حرص أبي بكر على الإنصات للأنصار، وكذلك ثنائه عليهم حين خطب فيهم، وقد اقترح أحد الأنصار أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فرفض ذلك عمر،([9]) وقد وردت رواية أخرى أنه: (لما كان ذلك اليوم، خرج أبو بكر وعمر حتى أتيا الأنصار، فقال أبو بكر: "يا معشر الأنصار إنا لا ننكر حقكم ولا ينكر حقكم مؤمن، وإنا والله ما أصبنا خيرًا إلا ما شاركتمونا فيه، ولكن لا ترضى العرب ولا تقر إلا على رجل من قريش، لأنهم أفصح الناس ألسنة، وأحسن الناس وجوهًا، وأوسط العرب دارًا، وأكثر الناس سجية في العرب، فهلمّ إلى عمر فبايعوه"، قال: فقالوا لا، فقال عمر: لم؟ فقالوا نخاف الأَثَرة، قال عمر: أما ما عشت فلا، قال: فبايعوا أبا بكر، فقال أبو بكر لعمر: أنت أقوى مني، فقال عمر: أنت أفضل مني، فقالاها الثانية، فلما كانت الثالثة قال له عمر: إن قوتي لك مع فضلك، قال: فبايعوا أبا بكر، قال: وأتى الناس عند بيعة أبي بكر أبا عبيدة بن الجراح، فقال: أتأتونني وفيكم ثالث ثلاثة، قال ابن عون: فقلت لمحمد: من ثالث ثلاثة؟ قال: قول الله ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَار﴾ [التوبة]. ([10]) (1) ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/657؛ ابن أبي شيبة، المغازي، ص 424.

لقد كان من الطبيعي تبادل وجهات النظر والاختلاف فيها أحيانًا والمناقشة والسماع للآراء المختلفة. وهذا بالطبع يؤكد على أن هذا الاجتماع تم دون أي ترتيب أو تنسيق مسبق، إنما انطلق الجميع من المصلحة العامة والبحث عن الحق بعفوية ونية صادقة. (1) انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/657.

ولذلك كان رأي عمر منطلقًا من ناحية شرعية حيث قال: (يا معشر الأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر) . ([11]) (2) من حديث عمر بن الخطاب، المغازي، لابن أبي شيبة، ص 424؛ انظر: الروض الأنف، ج4/472.

وقد قام خطيب من الأنصار فقال: (تعلمون أن رسول الله كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره)،([12]) وبادر أحد الأنصار وبايع قبل عمر بن الخطاب،([13]) ثم تتابع الحضور في سقيفة بني ساعدة على بيعة أبي بكر في غير رغبة منه، وكل الحضور كانوا من الأنصار عدا أبا عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم. وكانت هذه البيعة الخاصة بيعة سقيفة بني ساعدة خاصة بمن حضرها، ولم يعتب على من غاب عنها، وكانت يوم الاثنين 12 من ربيع الأول اليوم الذي توفي فيه رسول الله.

ولا شك أن هؤلاء المبايعين لو كان عندهم أدنى خبر في وصية عن رسول الله في الولاية من بعده لأبي بكر، لما ناقش المجتمعون، ولبايعوا مباشرة دون مبادلة للآراء والأدلة، كما لو كان هناك وصية لعلي لما خفيت عليهم رضي الله عنهم، ولما تجاهلوها فهم خير من يفهم، هم تلاميذ محمد تربيته وأصحابه حملوا السلاح والأرواح معه: ﴿ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖوَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا23﴾ [الأحزاب] فكيف يتجاهلون الوصية بهذه البساطة، كما أن عليًّا لم يذكر الوصية أو يطالب بشيء من ذلك، وهو أشجع الناس فحاشا لله أن يخاف في الله لومة لائم . (1)ابن أبي شيبة، المغازي، ص 422 ــ 425؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/659.

هذه البيعة المهمة لم تكن كافية، فكانت هناك حاجة إلى بيعة العامة، كان من الغد وهو يوم الثلاثاء بعد صلاة الفجر، البيعة العامة لأبي بكر الصديق بعد الصلاة، وهي بمثابة المناسبة العامة للتنصيب، بعد أن تمّ اختياره وانتخابه من كثرة الأنصار وعدد محدد من المهاجرين من أهل الحل والعقد، اختاروه وبايعوه لما يرون من استخلاف رسول الله له بالصلاة بالناس، قبل تقديمه لعامة الناس وقد قام عمر فتكلم في الناس. (1) ابن أبي شيبة، المغازي، ص 428، 429. (2)انظر: رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب فضل أبي بكر بعد النبي ، ج4/193 ــ 194 (1)ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/393.

روى ابن إسحاق عن أنس بن مالك قال: (لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر، فتكلم قبل أبي بكر: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهد إلي رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا. وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة، بعد بيعة السقيفة). ([14])

كانت هذه المبايعة من عامة الناس كل من حضر، ولم يرد وجود أي اعتراض على هذه البيعة، لا من علي ولا من غيره من آل البيت رضي الله عنهم، فقد كانوا أكثر من غيرهم فرحًا ببيعة أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهم أجمعين ــ وكانوا مساعديه الأولين في شؤون الدولة عامة وفي مقاومة المرتدين خاصة . (2) من رواية ابن أبي شيبة، المغازي، ص 425؛ ابن سعد، الطبقات، ج3/178.

ولما تمت بيعة أبي بكر الصديق خطب خطبة الخلافة في الناس، وهي بمثابة إعلان رسمي عن توجهاته وسياسته القادمة في الأمة، ومنهجه في تسيير أمورها وكان مما قاله بعد ما حمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله: (أما بعد أيها الناس، فإني قد ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوَموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يَدعُ قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم). ([15]) (2)انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص 425. (1)ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/490.

كانت بداية عهده بالتواضع، وإعلان أنه لا يزكي نفسه، وأنه ليس خيرهم، وكان خيرهم فيما نعلم، لكنه خُلُق الإسلام التواضع والثناء على الله وليس مدح النفس .

كما أكّد قضية العدل والمساواة، وأن الجميع أمام نظر الشريعة والدولة ومؤسساتها سيأخذون حقوقهم بإنصاف تام، كما أكّد عليهم مبدأ الجهاد والأخذ بالقوة، وأنه منهج الرسول وأحد أسباب القوة وهيبة المسلمين .

كما حذر من الفاحشة وضررها والمجاهرة بها، وأنها من أسباب الأمراض المتجددة في الأمة، وليته يرى حال البشرية اليوم وأمراضها الناتجة عن الفاحشة وعلى رأسها الأمراض الاجتماعية، ليضع سياسة مقاومة الفاحشة، والوقوف في وجه من يحب أن تشيع بين الأمة. (1)انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص429؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/66؛ ابن سعد، الطبقات، ج3/182؛ الطبري، تاريخه، ج2/235.

كما بيَّن أنه يسير وفق شرع الله وسنة رسوله وأن طاعته واجبة في حدود اتباعه لهذا المنهج، وأن طاعته لا تجب في غير ذلك، بل إن طاعته لا تلزم إذا خالف ذلك .

إن هذه الخطبة التي تمثل خطة عمل وسياسة مستقبلية تحتاج إلى مزيد دراسةٍ وتحليلٍ من الباحثين، لإبراز ما فيها من القيم والمعاني والسياسة والخطط الداخلية والخارجية للدولة والنظام الذي يسيره . ([16]) (1)ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/661؛ الطبري، تاريخه، ج2/238؛ ابن كثير، تاريخه، ج5/248.

أسباب اختيار أبي بكر الصديق :

لا شك أن الصديق هو أفضل الأمة بعد رسول الله وأكثر الناس التصاقًا برسول الله، وهو صاحبه في الهجرة من بين سائر الأمة. وقد أشار الصحابة إلى ما ورد من ذلك في القرآن الكريم ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 40﴾ [التوبة] . ([17])

وقد كان يعتمد على الصديق أكثر من غيره في مرضه الذي مات فيه وقبله، ومع أن الرسول لم يوصِ مباشرة لأبي بكر الصديق، إلا أن هناك بعض الأحداث التي عُدَّتْ مؤشرات واضحة في تفضيل بيعة الصديق، وإن كانت لم تكن وصية، حيث إنه ترك الأمر شورى بين المسلمين، ليكون منهجًا مستمرًّا للأمة تأخذ به، ويكون التشاور مبدأً أخلاقيًّا سياسيًّا، ونظامًا تسير عليه إن أرادت الحق والسعادة. ومن تلك المؤشرات: أنه أمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر من بعده، عن حذيفة بن اليمان قال: (كنا جلوسًا عند النبي فقال: إني ما أدري قَدْر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود بشيء فصدقوه). ([18])

أن الرسول أمر أن يصلي أبو بكر بالناس حين مرضه الذي مات فيه، بعد عجزه عن الخروج للصلاة بالناس. روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: ((لما دخل رسول الله بيتي قال: مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس، قالت: فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر . . فراجعته مرتين أو ثلاثًا فقال: لِيُصلِّ بالناس أبو بكر فإنكنّ صَواحِبُ يوسف)). ([19])

وكانت مراجعة عائشة لرسول الله خشيةً على أبيها، وقد عللت ذلك في رواية ابن هشام قالت : ((يا نبيّ الله إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن، قال مُرُوهُ فليصل بالناس، قالت: فعدتُ بمثل قولي، فقال إنكنّ صواحِبُ يوسف، فمروه فليصل بالناس، قالت: فوالله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحبّ أن يصرف ذلك عن أبي بكر، وعرفت الناس لا يحبون رجلاً قام مقامه أبدًا، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحب أن يُصرَف ذلك عن أبي بكر)). ([20]) (1) من أفضل من حلل الخطبة التي قالها الصديق. د. محمد الصلابي، سيرة أبي بكر الصديق، من ص 168 ــ 178.

كان واضحًا ثناء الرسول على أبي بكر في آخر خطبة خطبها الرسول حيث أمر بسدّ الأبواب التي تفتح على مسجده عدا باب أبي بكر. ([21])

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: ((خطب رسول الله ‏ ‏الناس وقال: ‏إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال: فبكى ‏ ‏أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ‏‏‏ ‏عن عبدٍ خُيِّر فكان رسول الله‏ ‏‏ ‏هو المُخَيَّر، وكان ‏‏أبو بكر ‏أعْلَمُنا، فقال رسول الله‏ ‏‏: ‏إن من أَمَنِّ الناس عليّ في صحبته وماله ‏أبو بكر ‏ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت ‏أبا بكر،([22]) ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب ‏ ‏أبي بكر)). ([23]) (1) انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص 428 ــ 429.

كما كان من المبررات الواضحة ــ كما نقل ابن عباس قول عمر ابن الخطاب: (يا معشر المسلمين إن أَوْلى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار أبو بكر السبّاق المُسن). ([24]) (1) انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، رواية رقم: 516، ص 427 ــ 428.

وكان الناس في حياة الرسول يسألون ويناقشون عن أفضل الأمة بعد رسول الله فيذكرون الصديق أولهم، عن ابن عمر رضي الله عنهم قال : (كنا نُخيَّر بين الناس في زمن النبي فنتخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان). ([25]) (2) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، ج2/22؛ انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/652؛ رواه الإمام أحمد في مسنده، ج6/35.

وقد ورد عن عائشة قولها: لما ثقل رسول الله قال رسول الله لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكَتِفٍ ولوح حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه فلما ذهب عبدالرحمن ليقوم قال: أبى الله والمؤمنون أن يُختَلفَ عليك، يا أبا بكر. ([26]) (1) ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/652؛ صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، ج2/22.

ومن المعروف أن الصديق كان كارهًا للخلافة فقد روى رافع الطائي رفيق أبي بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل قال : (وسألته عما قبل بيعتهم، فقال: وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار وما كلّم به عمر بن الخطاب الأنصار وما ذكّرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله في مرضه، فبايعوني لذلك وقبلتها منهــم وتخوفت أن تكون فتنة بعــــدها رِدّة). ([27]) (2) سبق تخريجه. (وقد عجبت لبعض أعداء الصحابة ممن يحاول إنكار الروايات بحجة أن بيت أبي بكر كان بالسُنح أطراف المدينة، متجاهلين أن وجود دارين للصديق ثابت ومعروف، وأن في كل دار منها زوجة من زوجاته).

كما كانت هناك بعض الرؤى فسّرها الرسول بولاية أبي بكر الصديق من بعده. روى البخاري أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهم قال: (إن رسول الله‏ ‏ ‏قال: ‏بينما أنا على بئرٍ أنزع منها إذ جاء أبو بكر‏ ‏وعمر‏ ‏فأخذ ‏أبو بكر ‏الدَّلْو فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذ عمر بن الخطاب ‏من ‏ ‏أبي بكر،‏ ‏فاستحالت ‏ ‏في يده ‏ ‏غَرْبًا ‏ ‏فلم أر عبقريًا من الناس يفري ‏فَرْيه ‏حتى ضُرب الناس بعطن ــ قال وهب: العطن مبرك الإبل ــ يقول: حتى رويت الإبل فأناخت)). ([28]) وقد ورد: (أن امرأة أتت النبي فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيتَ إن جئتُ ولم أجدك؟ كأنها تقول الموت. قال : إن لم تجديني فأتي أبا بكر)). ([29]) (2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي : سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، ج4/190. (1) انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي لو كنت متخذًا خليلاً؛ وصحيح مسلم، ج7/110.

وعلينا أن نذكر أن علي بن أبي طالب كان من أكثر الناس ثناءً على أبي بكر وعلى علمه، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: (إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي وضع مرفقه على منكبي، يقول: رحمك الله إن كنت أرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرًا مما كنت أسمع رسول الله يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فألتفتُّ فإذا هو علي بن أبي طالب). ([30]) (1) ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/493؛ وقد نقل ابن أبي شيبة القول عن أبي عبيدة، في المغازي، ص 429.

وقد أثنى علي بن أبي طالب على أبي بكر الصديق وخلافته، وكذلك خلافة عمر بن الخطاب. وشهادة علي بن أبي طالب بنفسه رد مباشر على من حاول القدح في الصِّديق أو الزعم بأن لعلي وصية تجاهلها أبو بكر. عن عبد بن خير قال: (سمعت علي بن أبي طالب يقول: قُبِضَ رسول الله على خير ما قُبِضَ عليه نبي من الأنبياء، قال: ثم استُخلِف أبو بكر فعمل لعمل رسول الله وبسنته، ثم قُبِضَ أبو بكر على خير ما قُبِضَ عليه أحد، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها ثم استُخلِف عمر، فعمل بعملهما وسنتهما، ثم قُبِضَ على خير ما قُبِضَ عليه أحد، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكر). ([31]) (2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب فضل أبي بكر بعد النبي ، ج4/191.

كما ورد عن محمد بن الحنفية وهو ابن لعلي بن أبي طالب قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين). ([32]) (3) رواه الإمام أحمد في مسنده، ج6/47؛ انظر: مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ج7/110.

ولا شك أن الروايات في فضائل أبي بكر من أقوال علي تؤيد الروايات التي ذكرت بيعة علي والعباس وغيرهم من آل البيت لأبي بكر الصديق في البيعة العامة بعد وفاة الرسول مباشرة في مسجده صباح الثلاثاء التالي لوفاته. ([33]) ومن الثابت أن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه، وخرج معه إلى ذي القصة في حرب المرتدين. ([34]) (1) ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/395.

لقد كان واضحًا ترك الرسول الأمة دون تحديد أمير، وأنه وضع قواعد يتم اتباعها في الشورى والاختيار من أهل الحَلّ والعقد. ([35]) وقد علمت الأمة هذا الأمر وأصبح قاعدة اتبعها عمر بن الخطاب، حيث ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهم أن عمر بن الخطاب لما طُعِن قيل له: (ألا تستخلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أستخلفْ فقد استخلفَ من هو خير مني يعني ــ أبا بكر ــ وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني، يعني رسول الله، قال ابن عمر: فعرفت حين ذكر رسول الله أنه غير مستخلفِ). ([36]) (1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي : ((لو كنت متخذًا خليلاً)) ، ج4/197. (2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي : ((لو كنت متخذًا خليلاً))، ج4/191.

كما ورد عن علي أنه قال بعد أن طُلب منه أن يستخلف: (ما استخلف رسول الله فأستخلف، ولكن إن يْرِدٍ الله بالناس خيرًا فيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم). ([37]) (1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي : ((لو كنت متخذًا خليلاً)) ، ج4/197.

ويؤكد ابن كثير أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهم قد بايعا الصديق في اليوم الأول مع المسلمين ولم يتخلفا عن بقية المسلمين، ويستدل بذلك على شُهود علي الصلاة مع أبي بكر الصديق منذ وفاة الرسول بل وقبل ذلك لم ينقطع عن الصلاة خلف الصديق على الإطلاق، وخرج معه في أول غزوة غزاها بعد وفاة الرسول إلى ذي القصة لقتال أهل الردة. ([38]) وصدق في أبي بكر وعلي قول الله ــ تعالى ــ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ54﴾ [المائدة]، فكانوا يحبون الله ويجاهدون في سبيله. (2) ابن أبي شيبة، المغازي، رواية رقم: 520، ص 430.

وقد جدد علي بن أبي طالب البيعة لأبي بكر الصديق بعد ستة أشهر مرة أخرى، وذلك بعد وفاة فاطمة، وذلك للتأكيد على رضاه وحسن العلاقة بينهما رضي الله عنهم ونفي ما يشاع من خلاف ذلك. (1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي : ((لو كنت متخذًا خليلاً)) ، ج4/195.

وقد ورد أن عليًّا والزبير رضي الله عنهم قالا : (ما غضبنا إلا لأننا أُخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله أن يصلي بالناس وهو حي)، (1) وكلام علي حق، وعلي والزبير وأبي بكر رضي الله عنهم من أهل الحق. (3) ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/495. (2) ابن كثير؛ السيرة النبوية، ج4/398.

وقد شاركوا جميعًا مع الصديق رضي الله عنهم في الجهاد والفتوح التي خطط لها رسول الله وانطلقت أيام الصديق وصدق فيهم قول الله ــ تعالى ــ: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ55 ﴾ [النور]. (2) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه، ج6/4؛ انظر: البخاري في صحيحه، كتاب الحكام، باب الاستخلاف، ج8/126؛ انظر: عمر بن شبة، تاريخ المدينة، ج3/889؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/335. (1) تحدثت كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية بتفصيلات كثيرة عن قضايا البيعة، ومنها: ابن تيمية في السياسة الشرعية؛ وابن القيم في الطرق الحكيمة؛ والماوردي في الأحكام السلطانية؛ وأبو يَعْلَي الفراء في الأحكام السلطانية، وغيرهم.

أمهات المؤمنين (1) انظر: تخريجه عند ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/401؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج4/653.

إن من سنن الله في البشر الزواج والذرية، وكان أنبياء الله يتزوجون وينجبون الذرية، ويحيون الحياة الزوجية والاجتماعية كغيرهم من الناس، وقد ذكر الله ذلك في كتابه العزيز، يقول ــ تعالى ــ: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ38 ﴾ [الرعد]. (2) ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/398.

وقد سار رسول الله على سنن الأنبياء قبله، حيث أحل الله له الزواج كسائر الأنبياء الآخرين، يقول ــ تعالى ــ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 50﴾ [الأحزاب].

يطلق لفظ أمهات المؤمنين ويقصد به زوجات النبي اللاتي دخل بهن، ([39]) وقد كان لهن شرف خاص ميزهن به الله عن سائر النساء يقول : ﴿ يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا32 ﴾ [الأحزاب].

وقد سماهن الله في كتابه أمهات المؤمنين، يقول ــ تعالى ــ: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا6﴾ [الأحزاب].

ويقال لهن أمهات المؤمنين بالنسبة للرجال دون النساء، ([40]) ولذلك فقد روي عن أم المؤمنين عائشة أنها ردت على امرأة نادتها بـ (يا أُمه) بقولها: لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم، ولذلك رأى العلماء أن المراد بالأمومة (تحريم نكاحهن على التأبيد كالأمهات) لا ما يرتبط بالأمومة من جواز وضع الحجاب، أو المخالطة أو ما يرتبط بذلك من الأحكام . ([41])

وقد اختار الله لنبيه أفضل النساء، فهو خير الرجال، وهنّ خير النساء، وأزواجه في الدنيا أزواجه في الآخرة، فقد ورد أن الرسول قال: إن الله أبى لي أن أتزوج أو أزوج إلا أهل الجنة. ([42])

وقد عشن مع الرسول في داره وصحبنه في تنقلاته وأسفاره، وأخذن أخبار الرجال وأحكام النساء والرجال، ونزلت الملائكة في بيوتهن، وفي حضورهن.

وقد كان أمامهن الاختيار بين الدنيا والدار الآخرة، فاخترن الله والدار الآخرة وذلك بعد نزول قوله ــ تعالى ــ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا 28 وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا 29﴾ [الأحزاب].

ولذلك فقد وردت روايات في تخيير النبي لأزواجه منها ما أورده البخاري في صحيحه في باب طويل هو باب قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا29 ﴾ [الأحزاب]. وقال قتادة ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا34 ﴾ [الأحزاب]. (1) السيوطي: الحافظ جلال الدين (ت، 911هـ)، مسانيد أمهات المؤمنين، ص 15.

والقرآن آيات الله والحكمة السنة. قالت عائشة لما أُمر رسول الله بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت ثم قال إن الله جلَّ ثناؤه قال: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا 28 ﴾ [الأحزاب]. قالت: فقلت: ففي أي هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج النبي مثل ما فعلت. ([43])

لقد كانت جميع أمهات المؤمنين يردن الله والدار الآخرة، وتاليًا فإنهن جميعًا من أهل الجنة ــ كما يقول العلماء ــ بناء على هذا التخيير ونتيجة جوابهن له. ([44]) (2) الصالحي الشامي: أزواج النبي ، ص 35. (1) الصالحي الشامي، أزواج النبي ، ص 35.

كما أنهن نلن قدرًا من العلم لم ينلهُ أحد من الناس: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا34﴾ [الأحزاب]، فقد هيأهن الله لذلك. (2) ابن عساكر، تاريخ دمشق، تراجم النساء، ص 89؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي ، ص 25.

وكان لهنّ شرف نقل كثير من أمور الشريعة للأمة بعد وفاة رسول الله، تنفيذًا لأمر الله في الآية، فكن ينقلن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله وهي القرآن، ومن الحكمة وهي أحاديث رسول الله وسنته.

وقد كان تعامل رسول الله معهن تعامل الزوج السامي المعلم الميسر الرقيق (1) قال فيما رواه مسلم عن جابر بن عبدالله أن رسول الله : (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا)) ، (2) وقد رأين منه كل خير وبركة.

وكان مثلاً للرجال في الخير مع نسائهم وأهلهم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)). (3)

وقد حملت أمهات المؤمنين من خير رسول الله وخير ما حمل من علم وخلق وبركة لسائر الأمة، طيلة حياتهن في أيام رسول الله وفي أيام الخلفاء الراشدين ومن بقي منهن بعد ذلك. (1) البخاري: كتاب التفسير، باب (وإن كنتن تردن.. )، ج6/23.

ولقد كُنَّ تاج المجتمع ومعلماته ومربياته، وقادته في المجال العلمي والاجتماعي، قُمْنَ بدور عظيم في كل مجال، وقد زاد هذا الدور وتأصل بعد رسول الله في عصر الراشدين وجزء من عصر بني أمية. (2) الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 25.

ومن المعلوم أن من بقي منهن بعد وفاته كن يعشن في المدينة المنورة ومجتمعها، فيؤثِّرن ويتأثَّرن به، يحرص الجميع عليهن بالرعاية والتكريم، أهل المدينة وروادها من ذوي الشأن في ذلك الزمان.

خديجة بنت خويلد : ([45])

خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب، ([46]) ولدت سنة 68 قبل الهجرة النبوية تقريبًا، نشأت على الأخلاق الفاضلة وعرفت بالعفة والصدق، كانت في الجاهلية تسمى بالطاهرة تمييزًا لها وعرفانًا بعفافها.

تزوجت قبل رسول الله وكانت تاجرة ذات مال تبحث عمَّن يضارب لها في مالها، فبلغها صدق الرسول وأمانته وخُلقه، فطلبت منه أن يتاجر لها في مالها في أسواق العرب، فخرج في تجارتها إلى الشام يرافقه غلامها ميسرة، الذي حدثها عن صدقه وأمانته وحسن خلقه، وقارنت ذلك بما رأت منه في تجارتها وتعامله معها.

فرغبت في الزواج منه، وحكت لأحدى صويحباتها تلك الرغبة الشريفة، فأخبرت النبي فخطبها لعمها وتزوجها، فكانت أولى زوجاته، وأم جميع أولاده، عدا إبراهيم، أنجبت منه القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ([47]) قال عنها : (خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة)). ([48])

وبعد خمسة عشر عامًا من زواج رسول الله نزل عليه الوحي، فكانت نعم المرأة، آمنت به وصدقته عن خِبْرَة ومعرفة وقرب وطمأنته بقولها: (والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتَصْدُقُ الحديث وتحمل الكَلَّ وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق). ([49])

كانت أول من آمن برسول الله، سبقت بذلك الرجال. ([50])

كان الوحي ينزل على رسول الله في بيتها بمكة وهي التي زمَّلته ودثَّرته ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ1 ﴾ [المزمل]. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ1 ﴾ [المدثر]، كانت تحب النبي ويحبها، لها منزلة خاصة عند رسول الله في حياتها وبعد وفاتها. (1) وضع البخاري في صحيحه، في كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي خديجة وفضلها، ج4/230؛ وانظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/282.

وقد حفظ النبي لها ذلك الفضل، فلم يتزوج عليها في حياتها إلى أن قضت نحبها، فحزن لفقدها حزنًا شديدًا، ولم يزل يذكرها، ويعترف بحبّها وفضلها على سائر أمهات المؤمنين فيقول: (إني قد رزقت حبّها)) ، ([51]) ويقول: (آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء)). ([52]) (2) انظر: زواج الرسول من خديجة رضي الله عنها، من هذا الكتاب.

كان يصل صديقاتها بعد وفاتها ويحسن إليهنّ، كان إذا ذبح الشاة يقول: (أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة)). ([53])

وكان النبي إذا سمع صوت هالة أخت خديجة تذكّر صوت زوجته فيرتاح لذلك، كما ثبت في الصحيحين. ([54]) () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/282. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي خديجة وفضلها، ج4/230؛ وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، ج7/132.

وقد توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقبل حادثة الإسراء بالنبي، ولها من العمر خمس وستون سنة، ودفنت بالحجُون. ([55]) (1) رواه البخاري، صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله ، ج1/3؛ ابن أبي شيبة، المغازي، ص 103.

ومهما كتبنا عن خديجة فلن نوفيها حقها، لكن ما ذكرناه هنا إشارات والكتابة عنها تحتمل مجلدات متعددة. () انظر: الوحي، من هذا الكتاب.

سودة بنت زمعة :

هي سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، ([56]) ثاني زوجات النبي، تزوجها بعد وفاة زوجها السكران بن عمرو، وكانت أسلمت معه وهاجرت إلى الحبشة، وبعد عودتهما مات عنها. ([57]) وهي أول امرأة تزوجها النبي بعد خديجة، ولم يتزوج معها نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر، كانت خلالها ترعى بنات النبي حتى دخل بعائشة. ([58]) () رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، ج7/134. () ابن حجر، الإصابة، ج4/283.

كانت تحب المزاح فتلقي من الكلام ما تقصد به إضحاك النبي. ([59]) () انظر: صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي خديجة وفضلها رضي الله عنها، ج4/231

كانت امرأة صوامة زاهدة رفيعة الخلق، ([60]) وقد ورد أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي تبتغي بذلك رضا رسول الله. ([61]) () رواه البخاري في صحيحه، باب تزويج النبي خديجة وفضلها، ج4/231.

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: (ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها ــ أي جلدها ــ من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة). ([62]) ولما حجّت نساء النبي في عهد عمر لم تحجّ معهن، وقالت: ( قد حججت واعتمرت مع رسول الله، فأنا أقعد في بيتي كما أمرني الله) وظلت كذلك حتى توفيت، ([63]) في خلافة عمر بن الخطاب فصلى عليها ودفنت في البقيع. ([64]) () انظر: أحداث ما قبل الهجرة، من هذا الكتاب.

كانت معطاءة تكثر من الصدقة، حتى إن عمر بن الخطاب بعث إليها بغِرارة وهو وعاء تُوضع فيه الأطعمة من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في غرارة مثل التمر؟ ففرقتها بين المساكين. ([65]) روى عنها عدد من الصحابة والتابعين، وهي قليلة الحديث.

عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم (9 ق. هـ ــ 58هـ)

أمها أم رومان بنت عمير بن عامر بن دهمان، ([66]) ولدت في السنة الرابعة من البعثة النبوية. ([67]) وكانت عائشة تكنى بأم عبدالله، ([68]) قال رسول الله : (أُريتُكِ في المنام مرتين، أرى أنك في سَرَقَةٍ من حرير ويقول: هذه امرأتك فاكشف عنها فإذا هي أنت فأقول: إن يك هذا من عند الله يُمْضِه)). ([69]) عقد عليها رسول الله بمكة وهاجرت مع والديها إلى المدينة، ودخل بها رسول الله بعد الهجرة وعمرها تسع سنوات، وهي الوحيدة البكر من بين نسائه. وكانت تفتخر على نسائه بذلك. ([70]) () معمر بن المثنى، أزواج النبي ، ص 61. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج8/54؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/338. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/265؛عبد المنعم الهاشمي، أزواج النبي ، ص 116.

وهي الثالثة في ترتيب زواجه، عاشت مع رسول الله في المدينة وكانت تسافر معه في كثير من غزواته، وقد أحبها الرسول وبشرها بمرافقته في الجنة أكثر من مرة. ([71]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/54.

صحبت الرسول في عدد من غزواته، وبرأها الله من الإفك الذي اتهمها به المنافقون ومن سار على دربهم في آيات تتلى إلى يوم القيامة. ([72]) () العصامي، سمط النجوم العوالي، ج7/144؛ البخاري، التاريخ الصغير، ح برقم: 178. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/54.

مُرِّض رسول الله في حجرتها ومات في حجرها، توفي عنها رسول الله ولها من العمر ثمانية عشرة سنة. كانت محل عناية المسلمين بعد رسول الله، كان أكثر الناس صلة بها وأخذًا للعلم عنها أبناءُ أختها أسماء، ومن أشهرهم في ذلك عبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير وغيرهم، ([73]) من أكثر من شهد نزول الوحي على الرسول نقلت ما يقرب من (2200) حديث عن رسول الله، ([74]) كانت مرجعًا لأهل المدينة في الإفتاء بعد وفاة الرسول. وقد قال رسول الله لأم سلمة حينما عاتبته في عائشة : (يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها)). ([75]) كما كانت كثيرة الصلة بالحسن والحسين سِبْطَيْ رسول الله بعد عودتهما من العراق بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ([76]) توفيت في المدينة في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين من الهجرة على الأرجح. ([77]) () رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، ج4/174؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/54. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/55. () انظر: البلاذري، أنساب الأشراف، ج1/181؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/266.

حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم (18ق. هـ ــ 45هـ):

() الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/269؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/56.

هي ابنة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولدت قبل البعثة بخمس سنين، وأمها زينب بنت مظعون، ([78]) تزوجها رسول الله في السنة الثالثة من الهجرة، ([79]) عاشت معه ونهلت من علمه وتأدبت بأدبه، عاشت بعد وفاته، وشهدت عصر الراشدين الزاهر، وعاشت الفتن التي جرت بعد استشهاد عثمان، كما عاشت فترة من خلافة معاوية، كان إخوتها من أبناء عمر، وعلى رأسهم عبدالله بن عمر رضي الله عنهم أكثر الناس التصاقًا بها وأخذًا للعلم منها، وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين من الهجرة وقد بلغت ستين سنة. ([80])

وكانت حجرتها وحجرة عائشة وسودة متجاورات، والأرجح أنها جنوب حجرة عائشة، حيث يقف زوار القبر الشريف حاليًا. ([81]) (1) الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 98. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج8/58. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/59. () ابن سعد، الطبقات، ج8/63. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب النظرة إلى المرأة قبل التزويج، ج6/131.

أم سلمة (14 ق. هـ ــ 59هـ):

(2) ابن سعد، الطبقات، ج8/79.

هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، ([82]) استشهد عنها زوجها أبو سلمة بن عبدالأسد ([83]) فتزوجها من بعده رسول الله في شوال من السنة الرابعة من الهجرة، كانت تشير على رسول الله في كثير من المواقف، ([84]) لها منزلة خاصة عند رسول الله، رحلت معه في العديد من الغزوات، عاشت بعد رسول الله وشهدت عصر الراشدين، وما جرى من فتن بعد استشهاد عثمان، كانت تربطها علاقة خاصة بعلي بن أبي طالب وبنيه، (4) وتوفيت في أول عصر يزيد بن أبي سفيان، سنة إحدى وستين من الهجرة. وكانت آخر أمهات المؤمنين وفاةً. ([85]) () انظر حادثة الإفك في غزوة بني المصطلق، من هذا الكتاب.

زينب بنت جحش :

() انظر: الرواة عن عائشة رضي الله عنها، عند: جمعة، أحمد خليل، نساء أهل البيت، ص 149. () انظر: الخزرجي، خلاصة تهذيب الكمال، ج1/493. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب فضل عائشة رضي الله عنها، ج4/221. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/192؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/81؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 135. () لمزيد من التوسع حول حياة عائشة بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ انظر: سعيد الأفغاني، عائشة والسياسة، ط2 ــ القاهرة: لجنة التأليف والترجمة 1957م، ص 60.

زينب بنت جحش هي زينب بنت جحش بن رباب، أم المؤمنين، ابنة عمة رسول الله أُميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، خالها حمزة بن عبدالمطلب وخالتها صفية بنت عبدالمطلب قديمة الإسلام من المهاجرات الأوائل. ([86])

زوَّجها رسول الله من زيد بن حارثة مولاه، وكان يشكوها لرسول الله لأنها تؤذيه بالترفع عليه بسبب النسب فكان يقول له: (أمسك عليك زوجك)) لكنه طلقها. () الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 137. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/277؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 139. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج8/86؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/229؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 144.

وبعد أن انقضت عدتها، تزوجها رسول اللّه بأمر الله لإبطال عادة التبني ﴿ لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا 37 ﴾ [الأحزاب]، وليؤكد أنه ليس ابنًا للنبي، قال ــ تعالى ــ: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 40 ﴾ [الأحزاب]. وقال ــ تعالى ــ: ﴿ ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا5 ﴾ [الأحزاب]، فكان يدعى بعد ذلك زيد بن حارثة ﴿وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا37﴾ [الأحزاب]. () انظر: السمهودي، وفاء الوفاء، ج2/460؛ النجار، أخبار مدينة الرسول، ص 73.

وأخبر اللّه ــ تعالى ــ رسوله أن زيدًا سيطلق زوجته ليتزوجها النبي من بعده، ومع ذلك قال لزيد: (اتق الله وأمسك عليك زوجك)) ، فعاتبه اللّه على ذلك حيث قال: ﴿وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ ﴾ [الأحزاب: من الآية 37].

ولعل من أهداف ذلك تثبيت المساواة بين الناس، فهو يتزوج من مطلقة مولى له، والعرب كانت لا تزوج الموالي، عن أنس قال: (لما انقضت عدة زينب قال النبي لزيد: "اذهب فاذكرها علي"، ([87]) فانطلق حتى أتاها، وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، إن رسول الله ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي ثم قامت إلى مسجدها، ونزل القرآن بقوله ــ تعالى ــ: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ﴾ [الأحزاب: من الآية 37]، فعُدَّ ذلك عقدًا وجاء رسول الله فدخل عليها بغير إذن). ([88]) () ابن حجر: شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني (ت، 852هـ)، الإصابة في تمييز الصحابة، ط1 ــ القاهرة: مطبعة السعادة 1328هـ، ج4/458؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/201؛ معمر بن المثنى، أزواج النبي ، ص 64. () انظر: ترجمته عند: ابن حجر، الإصابة، ج2/335. () انظر: رأيها في الحلق أثناء غزوة صلح الحديبية عند البخاري، صحيحه، (باب الشروط في الجهاد)، ج3/182؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/319؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 157. () ابن حجر، الإصابة، ج4/260؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/263؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 158.

وقد أطعم النبي الصحابة في يوم زواجه بها، وبقي بعضهم متأخرين لم ينصرفوا وكان النبي شديد الحياء، لم يصرفهم فنزل قوله ــ تعالى ــ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا53 ﴾ [الأحزاب]، ([89]) كانت تسامي عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة، دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة، تسمى أم المساكين، تعمل بالخرازة وتتصدق من عمل يدها. ([90])

وثبت في الصحيحين في حديث الإفك، عن عائشة أنها قالت وكان رسول الله سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: "ماذا علمت أو رأيت"، فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي فعصمها الله بالورع قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك). ([91]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/313؛ الذهبي، تاريخ الإسلام، ج2/256؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/18؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج1/191.

قالت عائشة : (ما رأيت امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل رحمًا، وأعظم أمانة وصدقة كانت زاهدة كثيرة الصدقة). ([92])

أثنى الرسول على كثرة تصدقها، وكنى عن ذلك بطول يدها، روي عن عائشة أن النبي قال: (أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا، قالت: فكنَّ يتطاولن أيهن أطول يدًا، قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب، لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق)). ([93])

ومن زهدها لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بالذي يخصها، فلما دخل عليها قالت: غفر اللّه لعمر. غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني. فقالوا: هذا كله لك. قالت: سبحان اللّه واستترت منه بثوب. قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبًا، ثم قالت لبرزة بنت رافع: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان من أهل رحمها وأيتامها، فقسمته حتى بقيت بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة: غفر اللّه لك يا أم المؤمنين واللّه لقد كان لنا في هذا حق. فقالت: فلكم ما تحت الثوب. قلت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: "اللَّهمَّ لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا" فماتت، ([94]) روت عن رسول الله أحد عشر حديثًا. ([95])

قالت زينب بنت جحش حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني، فإن بعث لي عمر بكفن فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تصدقوا بحقوتي، فافعلوا، كانت أول أزواج النبي وفاة بعده، توفيت سنة عشرين من الهجرة، وصلَّى عليها عمر بن الخطَّاب ودفنت بالبقيع. ([96]) () انظر: تفسير ابن كثير، ج2/1503. () انظر: صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول آية الحجاب وإثبات وليمة العرس، ج4/148 ــ 149؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/103.

جويرية بنت الحارث (14ق. هـ ــ 50هـ):

() انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قول: لا تدخلوا بيوت النبي، ج6/24؛ وانظر: تفسير ابن كثير، ج4/1513. () ابن حجر، الإصابة، ج4/313.

كان اسمها برّة، فسماها رسول الله جويرية، وهي ابنة للحارث بن أبي ضرار زعيم بني المصطلق، سُبيت في غزوة بني المصطلق فوقعت في سهم رجل من الأنصار، فجاءت تشتكي لرسول الله فاشتراها فأعتقها ثم تزوجها سنة خمس من الهجرة، ([97]) عاشت بقية حياتها في كنف رسول الله، وقد شهدت عصر الراشدين وما دار فيه، وتوفيت سنة ست وخمسين من الهجرة، ولها من العمر خمس وستون سنة. ([98]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، ج5/60؛ انظر: صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، ج8/177 ــ 118.

أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهم (28ق هـ ــ 44هـ):

() انظر: حديث الإفك، في غزوة بني المصطلق، من هذا الكتاب.

اسمها رملة وهي ابنة لأبي سفيان صخر بن حرب زعيم قريش المشهور، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، كانت مؤمنة صالحة، هاجرت مع المسلمين إلى الحبشة بصحبة زوجها عبيد الله بن جحش، ثم تنصر ومات عنها، وثبتت على إسلامها مع ردة زوجها، فخطبها النبي، وبعث لها صداقًا وهي في الحبشة وتزوجها، ثم هاجرت إلى المدينة سنة ست من الهجرة، عاشت في بيت النبوة بعيدة عن أهلها من المشركين وعلى رأسهم زعيم قريش أبو سفيان بن حرب (والدها)، حتى أسلموا يوم الفتح، نهلت من علم رسول الله، عاشت بعده عصر الراشدين، وجزءًا من خلافة معاوية، وهي أخت للخليفة، ([99]) كان لها هيبة وجلالٌ، توفيت في المدينة سنة أربع وأربعين من الهجرة. ([100]) () رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب من فضائل زينب، ج7/144؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/108.

ميمونة بنت الحارث (18ق. هـ ــ 51هـ):

() انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/110. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/218.

كان اسمها برّة، فسماها رسول الله ميمونة، وهي بنت للحارث بن حزن الهلالي، تزوجها رسول الله في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة. ([101]) كانت خالة لعبد الله بن عباس، ولخالد بن الوليد، ([102]) وأختًا لأسماء بنت عميس لأمها، عاشت في بيت رسول الله ونهلت من علمه، وعاشت بعده زمن الراشدين وشهدت أحداثه، بقيت زمنًا من خلافة معاوية حتى توفيت سنة إحدى وخمسين من الهجرة، ([103]) ورد لها ما يزيد على سبعين حديثًا روتها عن رسول الله. ([104]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/109؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج1/192؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج7/140.

صفية بنت حيي (10ق. هـ ــ 52هـ):

هي صفية بنت حيي بن أخطب، من ذرية نبي الله هارون ، كان أبوها سيد يهود بني النضير، قتل عنها زوجها من يهود خيبر أثناء غزوة خيبر، فصارت مع السبي فأعتقها رسول الله ثم تزوجها في شوال سنة سبع من الهجرة، ([105]) أحبت رسول الله رغم عدائه ليهود وقتله لأبيها وزوجها وهما من زعمائهم، حيث شرح الله صدرها للإسلام، ودعا لها حتى ذهب ما كانت تجده عليه، وأخبرها أنها ابنة نبي، وعمها نبي وزوجة نبي. توفي عنها رسول الله، فعاشت زمن الراشدين وشهدت أحداثه، وبقيت زمنًا من خلافة معاوية وتوفيت سنة اثنتين وخمسين من الهجرة الشريفة. ([106]) () انظر: غزوة بني المصطلق، من هذا الكتاب؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/265؛ البيهقي، دلائل النبوة، ج4/47. () ابن حجر، الإصابة، ج4/266؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/263؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 210.

مارية القبطية : ([107])

هي أم إبراهيم ابن النبي، مؤمنة من أهل مصر، وهي مارية بنت شمعون من قرية حفن بمحافظة المنيا المصرية كان والدها من زعماء القبط. ([108]) () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/222. () ابن حجر، الإصابة، ج4/307؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/222؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 164.

وقد قدمت المدينة في السنة السابعة من الهجرة ضمن هدايا بعثها المقوقس أو (كيرس) حاكم مصر إلى النبي مع أختها سيرين، وقد عرض الرسول عليهما الإسلام فأسلمتا وحسن إسلامهما، ([109]) وقد وهب النبي سيرين لحسان بن ثابت، واصطفى لنفسه مارية، كانت امرأة جميلة عاقلة، أثارت غيرة أم المؤمنين عائشة وغيرها من نساء النبي. ([110])

وَلَدت لرسول الله في السنة الثامنة من الهجرة ابنه إبراهيم، وعاش في كنف الرسول سنة وبضعة أشهر، حتى توفي في شهر ربيع الأول من السنة العاشرة من الهجرة، فحزن عليه الرسول وحزنت عليه مارية. ([111]) وقد توفي الرسول الله وهو راضٍ عنها، وقد أوصى بأهل مصر خيرًا في قوله: (إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمًا أو قال ذمة وصهرًا)) ([112])، كانت مارية خالة لعبدالرحمن بن حسان بن ثابت. ([113]) () ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/372؛ وابن سعد، الطبقات، ج8/132. () ابن سعد، الطبقات، ج8/132؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/372. () ابن حجر، الإصابة، ج4/413؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/245؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 164. () انظر: الخزرجي، خلاصة تهذيب الكمال، ج1/496.

توفيت في السنة السادسة عشرة من الهجرة النبوية، وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنت في البقيع. ([114])

ويعُدها بعض العلماء من إماء الرسول وأنها ملك يمينه، وعلى كل حال فهي أم ولد لرسول الله. وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال: (أعتقها ولدها)، ([115]) يعني أنها عتقت في حياة النبي بعد ولادتها لإبراهيم ابن النبي. وبالتالي ليست جارية، وكانت حسنة الدين والإسلام، ولها من المكانة عند الصحابة كما لغيرها من أمهات المؤمنين، وكان عمر حريصًا على أن يشهد الناس جنازتها يدعوهم لذلك بنفسه. ([116]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/216. () ابن حجر، الإصابة، ج4/348؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/235؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص213.

استقرار أمهات المؤمنين () ابن سعد، الطبقات، ج8/216.

عاشت أمهات المؤمنين في المدينة أثناء حياة الرسول وبعد وفاته عدا خديجة التي توفيت بمكة، فكان سكناهن وإقامتهن الدائمة فيها في بيوتهن وحجراتهن التي خصصها لهن رسول الله في الغالب، حيث كان استقرارهن: ﴿ وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا33﴾ [الأحزاب]. وكان بعضهن يخرجن للحج إلى مكة برفقة محارمهن، ([117]) كما خرجت أم المؤمنين عائشة إلى العراق قبيل موقعة الجمل بصحبة عبدالله بن الزبير ([118]) ابن أختها أسماء رضي الله عنهم، وكانت كلما ذكرت هذا الخروج استغفرت وبكت، مما يدل على ندمها على هذا الخروج. ([119]) وقد منع عبدالله بن عمر رضي الله عنهم أخته أم المؤمنين حفصة من الخروج إلى العراق مع عائشة، كما أن أم حبيبة كانت أختًا للخليفة معاوية ومع ذلك فإنها آثرت البقاء في المدينة وعدم الهجرة إلى دمشق مقر الخلافة آنذاك، مع ما ذكر من زيارتها لدمشق وسرعة عودتها للمدينة، ([120]) ولعل أمهات المؤمنين يتذكرن قوله لعامة الناس: () انظر: لمزيد من التفصيل، رسالة الرسول إلى المقوقس، من هذا الكتاب.

(تفتح الشام فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح اليمن فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح العراق فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)). ([121]) فإذا كانت المدينة خيرًا لعامة الناس فأمهات المؤمنين أولى بذلك، خصوصًا أنهنّ أُمرن بالقرار في المدينة ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ [الأحزاب] . () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج8/212، 214. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/212.

علاقاتهن الاجتماعية: () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/ 216. () رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب وصية النبي بأهل مصر، ج7/190. () ابن سعد، الطبقات، ج8/215.

كان لأمهات المؤمنين مكانتهن المميزة بين أهل المدينة بعد وفاة رسول الله، حيث يحرص أهل المدينة على لقياهنّ والتحدث إليهنّ والتعلم منهنّ، كما أن بعض من يزور المدينة من الأمصار الإسلامية يقدمون الهدايا لبيوت أمهات المؤمنين، وكن من الزاهدات العابدات، وبالتالي فإنهن يخرجن ما يأتيهن صدقة على أهل المدينة من الضعفاء والمحتاجين، كما كان رواة الحديث وطالبوا العلم من الرجال والنساء يقصدون المدينة للسماع منهن وأخذ علمهن. ([122]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/214؛ الطبري، تاريخه، ج2/475.

لم تكن أمهات المؤمنين غريبات عن المجتمع، فالكل يرى أنهن أمهات لهم، كما أنهن يرتبطن بعلاقات عائلية وأسرية مميزة مع الكثير من أهل المدينة وغيرها، يقول ــ تعالى ــ مشيرًا لهذه العلاقة والروابط الخاصة: ﴿ لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا55﴾ [الأحزاب]. () ابن سعد، الطبقات، ج8/213. () ابن سعد، الطبقات، ج8/216.

وقد كان معظمهن من قريش، مثل عائشة وحفصة، وأم سلمة وأم حبيبة، كما أن بعضهن من العرب ومنهن جويرية بنت الحارث وميمونة بنت الحارث، وكانت منهن صفية وأصلها من يهود العرب ثم أسلمت، ومنهن مارية قبطية من مصر. والجميع يربطهن بالمجتمع علائق الإيمان والمحبة لرسول الله ولآله، ويتميزن بقربهن من رسول الله، وبأمومتهن للمؤمنين عمومًا، كما كان لبعضهن إخوة وأخوات مثل حفصة وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهن. وكان لهؤلاء الأخوة بنين وبنات وأحفاد وأخوات وزوجات وأرحام، فكانت لهن من ثَمَّ علاقاتهن الأسرية الخاصة، الممتدة بجذورها المختلفة في مجتمع المدينة ومكة والأمصار الإسلامية الأخرى.

وكن واصلات للرحم موصولات باستمرار، فكن يهدين للنساء الأقمشة وغيرها، ([123]) كما يهدي لهن أقاربهن من الرجال والنساء، فقد ثبت تقديم عبدالله بن الزبير هدايا لخالته أم المؤمنين عائشة. ([124])

وقد حُرِمت أمهات المؤمنين في المدينة إجمالاً من الذرية، عدا أم سلمة التي عاش أبناؤها من زوجها السابق أبي سلمة، الذين تربوا في حجر رسول الله، ([125]) فكانوا عونًا لها وعونًا للناس على تلقي علمها. وقد عاش ابناها سلمة وعمر طيلة خلافة معاوية وبقيا بعد ذلك عشرات السنين، وأما ابنتها زينب فقد كانت من أفقه النساء في زمانها، وعاشت طيلة خلافة معاوية وبقيت بعده. ([126]) () ابن حنبل: المسند، ج6/324. () الطبري، تاريخه، ج5/173؛ ابن الأثير، الكامل، ج 3/209؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/231. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/ 177. () ابن عساكر، تاريخ دمشق، تراجم النساء، ص 70؛ جمعة، نساء أهل البيت، ص 399.

وامتازت علاقة أم المؤمنين عائشة بأبناء أختها أسماء، حيث كانت تكنى (بأم عبدالله) يقصدون به عبدالله بن الزبير، كانوا يصحبونها في سفرها وإقامتها، كما كانوا يعُدُّونها بمثابة الأم لهم، وقد نالوا بصحبتها من علمها، فكانت معظم روايات الحديث عنها بواسطتهم. ([127]) كان أبناء الزبير ينادونها بـ (يا أماه، ويا خالة)، ويعجبون من غزير علمها، ([128]) وكانت توجههم وتؤدبهم عند الحاجة ([129]) كما كانت تدفع عنهم الأذى. ([130]) () مسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار، ج4/122؛ وانظر: تخريج الحديث عند صالح الرفاعي، الأحاديث الواردة في فضائل المدينة، ص 191.

كما كان إخوتهـــا وأبناء إخوتهـــا مـــن الملازمين لها، وكانت تصلح بينهم عند الحاجة، فقد وردت أخبار عن إصلاح عائشة بين أخيها عبدالرحمن وبين زوجاته، ([131]) وقد كان بعض أبناء أخيها عبدالرحمن قبل موتها ملازمًا لها، ([132]) كما شهد وفاتها عبدالله بن الزبير وغيرهم من أقاربها. ([133])

كما كان لحفصة علاقتها المميزة بأبناء عمر بن الخطاب، وخصوصًا الصحابي الجليل عبدالله بن عمر، حيث كان يوجهها وتسمع منه، وقد أوصته عند موتها، وقد نزل في قبرها مع بعض أبنائه وأبناء عاصم بن عمر رضي الله عنهم. ([134]) () انظر: عبد العزيز العُمري، إثراء أمهات المؤمنين في المجتمع المدني في عهد معاوية بن أبي سفيان، بحث ضمن كتاب أبعاد إدارية واقتصادية واجتماعية وتقنية في السيرة النبوية، ص 156؛ انظر: ندى النخيلان، أمهات المؤمنين وأثرهن في مجتمع المدينة في عصر الخلفاء الراشدين، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الأميرة نورة، 1430هـ، وقد نشرتها دار إشبيليا: الرياض 1432هـ.

وقد كانت أم حبيبة أختًا للخليفة معاوية أدركت زمن خلافته، وكان يقدرها ويخصها بالزيارة والوصل، كما كانت لها علاقات حميمة بأبناء إخوتها، وكان جمعٌ من بني أمية من محارمها يلتقون بها ويروون الأحاديث عنها. ([135])

كما اشتهر عن أم المؤمنين صفية صلتها لأرحامها ممن يخالف دينها، حيث بقي بعض أرحامها على اليهودية، ومع ذلك فقد كانت تصلهم، ([136]) بل إنها أوصت عند موتها ببعض المال لابن أختها وكان يهوديًا. ([137])

ومن المعروف جواز الوصية لغير الوارث، واختلاف الدين يمنع من الميراث، ولذلك يأخذ غير المسلم بالوصية. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/71. () ابن سعد، الطبقات، ج8/72.

كما كان أصحاب النبي يحرصون على زيارة أمهات المؤمنين وعدم الانقطاع عنهن، وكانوا يناقشونهن في بعض المسائل الفقهية والروايات وكن في بعض الأحيان يصححنهم عند الحاجة، كما فعلت عائشة في حديث قطع الصلاة، ([138]) وفي غيره. ([139]) () ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج2/430؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص151. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/202، 204، 206؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي ص 159، 160.

والمتتبع لروايات الحديث، يجد أمهات المؤمنين يروين عن الصحابة والصحابة يروون عنهن، ([140]) وذلك كله مع الحفاظ على الحجاب والآداب الشرعية الصحيحة. () انظر الرواة عن عائشة عند: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/136؛ الفنيسان: مرويات أم المؤمنين عائشة في التفسير، ص 16؛ وندى النخيلان، دور أمهات المؤمنين في مجتمع المدينة في عصر الراشدين، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الأميرة نورة، 1430هـ، ص280. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/182. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/184. () الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 131.

وهذا يدل على العلاقات الخاصة بين الصحابة وبين بيت النبوة، وعلى استمرارها بعد وفاة النبي مع من بقي من أمهات المؤمنين طيلة حياتهن. () ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/90. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/181. () الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 128.

وكانت أقوى صلاتهن مع الحسن والحسين رضي الله عنهم سبطي رسول الله بعد عودتهما من العراق واستقرارهما في المدينة، حيث كانا يتفقدان أمهات المؤمنين ويدخلان عليهن ويتابعان أحوالهن لكونهما محارم لهن فهن زوجات جدهما رسول الله ورضي عنهم. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2/86؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 144.

كما تميزت العديد من الصحابيات والتابعيات بالرواية عن أمهات المؤمنين وأخذ العلم منهن والتردد عليهن، ([141]) وقد اشتهر عدد من التلميذات لعائشة، ([142]) منهن عمرة بنت عبدالرحمن، ([143]) ومولاتها أم ذرة كانت تروي عن عائشة وعن غيرها من أمهات المؤمنين. ([144]) () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/ 222؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 162.

كما اشتهر عدد من النساء الرَّاويات عن أم المؤمنين حفصة. ([145]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/128؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/232؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 224. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج8/128؛ الدارمي: سنن الدارمي، ج2/427؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج2/387، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/232؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 225.

كما اشتهر رواية جماعة من النساء عن أم سلمة. ([146])

وروت جماعة من النساء عن أم حبيبة. ([147]) () انظر: البخاري، صحيحه، كتاب الصلاة، باب من قال (لا يقطع الصلاة شيء)، ج1/130. () انظر: الصالحي الشامي، أزواج النبي ، ص 132.

وقد كانت أمهات المؤمنين مرجعًا للناس في أحكام الزواج والطلاق والرضاع والمعاشرة وما يرتبط بها. ([148]) () جمعة: أحمد خليل، نساء أهل البيت، ص 334.

وقد اشتهر عن عائشة عنايتها الخاصة بالمرأة، فقد كانت تعتني بالفتيات الصغيرات وبالنساء المتزوجات، تنصحهن وتوجههن، كما كانت تنصح الرجال في كيفية التعامل مع النساء، وخصوصًا حديثات السن منهن، وتروي في ذلك قصتها مع النبي التي رواها النسائي : عن عروة عن عائشة قالت: رَأَيْتُ النبيَّ يَسْتُرُنِي برِدائِهِ، وأنا أنْظُرُ إلى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ في المَسْجِدِ، حتَّى أكُونَ أنا الَّتي أسْأَمُ، فاقْدُرُوا قَدْرَ الجارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ، الحَرِيصَةِ علَى اللَّهْوِ)، ([149]) قالت: وكانت تحدث باستمرار عن حسن تعامل الرسول مع نسائه، وعن سمره معهن ومزاحه وملاعبته لهن، ومراعاته لأحوالهن في السفر والحج والعمرة. ([150])

وكانت عائشة تنادي بنات حواء لإيجاد المودة وزرع المحبة في بيوتهن، وتقول في هذا المجال ناصحة النساء: "أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تتصنعين للزيارة، وإذا أمرك فلتطيعيه وإذا أقسم عليك فأبرِّيه ولا تأذني في بيته لمن يكره". ([151])

كما كانت تؤكد على حسن التعامل مع الفتيات الصغيرات، وتضرب المثل بفعل رسول الله معها، فقد ورد عن "هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات ويجئن صويحباتي فيلعبن معي، فإذا رأين رسول الله انقمعن منه، فكان رسول الله يدخلهن فيلعبن معي". ([152]) () جمعة: نساء أهل البيت، ص 150. () ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/92. () هي عمرة بنت عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية، تربت في حجر عائشة رضي الله عنها، تابعية، مدنية، ثقة، حجة، عدت من عالمات زمانها، أمر عمر بن عبدالعزيز بكتابة حديثها، توفيت سنة 106هـ، (الطبقات الكبرى)، ج2/386؛ ابن كثير، البداية والنهاية ج8/92، ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج12/ 438. () ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج12/476.

وقد اشتهرت أم المؤمنين حفصة بمعرفتها الكتابة، ([153]) فلعل لها دورًا في تعليم بعض الفتيات ذلك. () ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج12/410.

كما كان لبعضهن موالٍ وجوارٍ، وكن يعاملنهم معاملة حسنة، وكانوا يشهدون العلم منهن، ويرون بأنفسهم زهدهن وحسن تصرفهن، وخصوصًا الجواري اللاتي كن في مرحلة التربية، وقد أعتقت أمهات المؤمنين عددًا من الموالي رجالاً ونساء. ([154]) () ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج12/256.

كانت العلاقة قائمة بين أمهات المؤمنين بعضهن مع بعض بعد وفاة الرسول، وتميزت علاقة عائشة بحفصة رضي الله عنهم بالقوة والخصوصية. ([155]) ولعل من أسباب ذلك كون بيت عائشة ملاصقًا لبيت حفصة، ([156]) كانت أمهات المؤمنين يتفقد بعضهن بعضًا ويعطف بعضهن على بعض، حيث ذهبت الغيرة من بينهن بوفاة النبي، ([157]) ووردت روايات مختلفة عن حضور بعضهن وفاة البعض، فقد وردت دعوة أم حبيبة لأم سلمة ولعائشة حين حضرتها الوفاة واستغفارهن لبعض وسرورهن بذلك. ([158]) () جمعة، نساء أهل البيت، ص 296.

كما تميزت علاقتهن ببقية آل البيت رضي الله عنهم بالقوة واشتهرت العلاقة الخاصة بين أم المؤمنين صفية وبين أبناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ([159]) () جمعة، نساء أهل البيت، ص 265.

كما اشتهرت زيارات الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب لأم المؤمنين عائشة وترددهما عليها، ([160]) وتفقُّد أحوالها مع بقية أمهات المؤمنين. () النسائي، السنن، كتاب صلاة العيدين، باب اللعب في المسجد يوم العيد ونظر النساء إلى ذلك، ج3/195؛ الذهبي، سير أعلام النساء، ج2/151. () انظر: ما رواه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب وجوه الإحرام، ج4/27؛ الصالحي، أزواج النبي ، ص 98، 99، 101.

ولا شك أن مجتمع المدينة قد تغيرت تركيبته السكانية تدرُّجًا مع الفتوح، وانتشار الإسلام وامتداده لمواطن وشعوب جديدة، حيث رحل كثير من سكان المدينة إلى مناطق الفتح، كما قدم الكثير من العجم والموالي إلى المدينة. () عبدالرزاق: المصنف، ج3/ 146.

وعمومًا فقد كانت أمهات المؤمنين على صلة بشرائح المجتمع وطبقاته كافةً، يتمتعن بمكانة خاصة بينهم، وتزيد علاقتهن ببيوت المهاجرين والأنصار، وخصوصًا الذين بقوا في المدينة ولم يرحلوا منها. () ابن سعد، الطبقات، ج8/66.

والمطلع على ما روي عن أمهات المؤمنين من أحاديث يدرك مقدار هذه الصلة، خصوصًا إذا علم مناسبات تلك الروايات وارتباط تلك المناسبات بحياة الناس العامة، فما روي عن أم المؤمنين عائشة قرابة (2200) حديث، ([161]) لكل حديث مناسبة وحادثة، بل ربما تكرر الحديث في أكثر من مناسبة. () جمعة، نساء أهل البيت، ص 192.

وعمومًا فإن أمهات المؤمنين كن رمزًا بقي بعد رسول الله يحنو عليه الجميع ويحبه كل الناس من المؤمنين والمؤمنات، وتهوي إليهن أفئدة المؤمنين كما تهوي إلى الأمهات، فكن كما وصف الله (أمهاتٍ) لكل المؤمنين يُنظر إليهنّ بهذه النظرة، بل كن أعظم من أمهات النسب في نظر المؤمنين، وعند مرض بعض أمهات المؤمنين يصبحن محل عناية خاصة من المجتمع ككل، ومن أصحاب النبي خصوصًا. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/232؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 96، 127.

وفيات أمهات المؤمنين : () الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 143. () عبدالغني: محمد إلياس، بيوت الصحابة حول المسجد النبوي الشريف، ص 26. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/94. () الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 170.

جاء ابن عباس رضي الله عنهم يستأذن على عائشة في مرضها الذي ماتت فيه، فلما دخل عليها قال لها: أبشري، فما بينك وبين أن تلحقي بمحمد، إلا أن تخرج الروح من الجسد، كُنتِ أَحبّ نساء رسول الله ولم يكن رسول الله يحب إلا طيبًا. ([162]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/348.

وعند وفاتها نزل في قبرها عدد من أبناء الزبير أمهم أسماء بنت أبي بكر، وخالتهم عائشة رضي الله عنهم وعدد من أبناء إخوتها. ([163]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/73.

وحينما توفيت أم المؤمنين حفصة اجتمع لجنازتها أهل المدينة، وصلى عليها أمير المدينة في حينه مروان بن الحكم، وحمل جنازتها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وتأثر أهل المدينة بموتها. ([164])

بنات المصطفى

ولدن وعشن وتربين في أفضل بيوت بني آدم عبر الزمان والمكان، بيت المصطفى، سيد ولد آدم، أمهن خديجة بنت خويلد، أشرف وخير نساء العالمين، بيتهن بيت النبوة والصدق والعفة والطهارة (بيت الجنة)، أنعم الله عليهنَّ بالهداية، فكنَّ من أوائل المؤمنات برسول الله المصدقات به، رغم تفاوتهنَّ في العمر. () الخزرجي، تهذيب الكمال، ص 1240.

شاركن رسول الله همَّ الدعوة، دافعن عنه في الشدائد، مررن كما يمر غيرهنَّ بظروف مختلفة في الزواج، والولادة، والمعاشرة، عشن مع رسول الله في مكة وفي المدينة بعد الهجرة في كنف أزواجهنَّ.

فارقن الحياة في حياته، عدا فاطمة، كانت أسرع أهله لحاقًا به بعد وفاته، فكان موعدهنَّ مع رسول الله ونسائه مع الصالحين من أهل الجنّة، لا بُدَّ لكل دارسٍ لسيرته من التعرف عليهنَّ وأحوالهنَّ كجزء مهم من محيط الرسول وحياته يرتبهنّ أهل العلم بحسب سنهنَّ، وهنَّ:

زينب بنت الرسول :

() ابن سعد، الطبقات، ج8/74؛ أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة،2/874؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/183؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/93؛ الصالحي الشامي، أزواج النبي، ص 91.

كبرى بنات رسول الله أمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ولدت في السنة العاشرة قبل البعثة، ([165]) وقد أحبها الرسول وعطف عليها وهو الرحيم بالصغار والكبار، كان لولادتها عظيم الأثر على بيت المصطفى، حيث سُرّ النبي بها، وقد نشأت وترعرعت في كنف النبوة، وتلقت سامي الأخلاق والتربية، من والدها ومن أمها خديجة. () ابن سعد، الطبقات، ج8/80، ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/94.

وفي سن الزواج خطبها أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن شمس بن عبد مناف بن قصي، وهو ابن لخالتها هالة بنت خويلد، وقد عُرف أبو العاص بين شباب قريش بالصدق وحسن الخلق، إضافة إلى القرابة من ناحية الأم فهو ابن خالتها هالة، شديدة الصلة ببيت النبوة وتشبه أختها خديجة في حسن التعامل والأخلاق، وقد وافق الرسول على زواجه منها، بعد استشارتها. وقد عاش الزوجان حياة سعيدة، ([166]) وكان أبو العاص رجلاً تاجرًا يسافر كثيرًا في تجارته إلى الشام وغيرها، تاركًا زوجته عند والدته هالة وهي خالتها. ([167]) () ابن سعد الطبقات الكبرى، ج8/86؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/229؛ جمعة، نساء أهل البيت، ص 205.

وحينما بُعث الرسول كانت زينب من أوائل المؤمنين برسالته والمصدقين به، بكل اقتناع. ([168])

وكان أبو العاص في تجارة إلى الشام، فلما عاد عرضت عليه زينب الإسلام كما عرض عليه ذلك الرسول، فتردد رغم ثنائه على الرسول ومعرفته به وبصدقه. ([169])

وبعد اشتداد الأذى برسول الله في مكة، كانت زينب أقل تعرضًا من غيرها للأذى لوجودها في بيت أبي العاص عند خالتها هالة، وفي هذه الأثناء ولدت زينب طفليها أمامة بنت أبي العاص وعلي بن أبي العاص. ([170])

وقد هاجر الرسول مع أهل بيته إلى المدينة، وبقيت زينب في مكة. ([171])

وفي غزوة بدر خرج أبو العاص بن الربيع مع قريش فوقع ضمن أسرى المشركين في بدر، وبدأت المفاوضات لفدائهم، فجاء أخوه عمرو بن الربيع لفدائه من مكة، وبعثت معه زينب بقلادة لها أعطتها إياها أمها خديجة عند زواجها، وأرادت من ذلك أن تفدي زوجها بهذه القلادة، فلما رأى رسول الله القلادة عرفها ورق لها فقال: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فعلتم؟ قالوا: نعم)) ([172]) أُطلق أبو العاص بن الربيع من الأسر مقابل تعهد منه أن يترك زينب لتلحق برسول الله في المدينة، فرضي أبو العاص بذلك. ([173])

وتم ترتيب هجرة زينب للحاق برسول الله في المدينة، وتعاون في ذلك زوجها أبو العاص بن الربيع، مع زيد بن حارثة مولى رسول الله. وقد اعتدى عليها (هبار بن الأسود) من رجال قريش فأسقطوها عن جملها وسقط جنينها، ([174]) وأصيبت بنزيف اضطرَّها للبقاء بعده في مكة عدة أيام، ثم لحقت برسول الله بعد ذلك في المدينة ومعها طفلاها أمامة وعلي. ([175])

وقد كانت زينب بعد الهجرة محل عناية خاصة من رسول الله، كما كان أولادها يحظون بمداعبة الرسول وتعليمه وتربيته، ([176]) وكان يحمل أمامة وهو يصلي، فقد ورد عن أبي قتادة الأنصاري قال: (بينا نحن في المسجد جلوس إذ خرج علينا رسول الله يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله وهي صبية، يحملها على عاتقه فصلى رسول الله وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها على عاتقه إذا قام، فصلى رسول الله وهي على عاتقه حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها). ([177]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/30؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/212.

وقد وقع أبو العاص بن الربيع في أسر المسلمين أثناء العودة من تجارة لقريش إلى الشام، قبل صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، ([178]) وفي تلك العير أسروا أناسًا من رجالها، فأعجزهم أبو العاص هربًا، فلما قدمت السرية بما أصابوا أقبل أبو العاص من الليل في طلب ماله، حتى دخل على زينب ابنة رسول الله فاستجار بها، فلما خرج رسول الله إلى صلاة الصبح فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب : أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع قال: فلما سلَّمَ رسول الله من صلاته أقبل على الناس فقال: (أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم، ثم انصرف رسول الله فدخل على ابنته زينب فقال: أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلُص إليك فإنك لا تحلين له)). ([179]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/30؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/246. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/246.

عن عائشة أن رسول الله بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص وقال لهم: (إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالاً فإن تحسنوا تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم ذلك فهو فَيْئ الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به، قالوا: يا رسول الله بل نرده عليه قال: فردوا عليه ماله، حتى أن الرجل ليأتي بالحبل ويأتي الرجل بالشنة ([180]) والأداوة حتى أن أحدهم ليأتي بالشطاط، حتى ردوا عليه ماله بأسره، لا يفقد منه شيئًا، ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع منه، ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرًا فقد وجدناك وفيًّا كريمًا قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفًا أن تظنوا أني إنما أردت أخذ أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت، ثم خرج حتى قدم على رسول الله في محرم من السنة السابعة من الهجرة. ([181]) () نظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/467؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/246.

وقد بقيت زينب بعد ذلك مع زوجها في المدينة في كنف رسول الله. وقد توفي ابنها علي أثناء ذلك. وبعد سنة من قدوم زوجها إلى المدينة مرضت زينب مرضها الذي تسبب فيه هبار بن الأسود ومن معه حين ألقوها من على جملها، وكانت وفاتها في السنة الثامنة من الهجرة. وقالت أم عطية: لما ماتت زينب بنت رسول الله قال : (إغْسًلْنَهَا ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء سدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور فإذا فرغتن فآذنني))، قالت: فلما فرغنا آذناه فأقى حِقْوَهُ، فقال:(أشعرنها إياه)) ([182]) وكان هذا منه تعبيرًا عن كبير محبته لها، وشديد حزنه عليها ورحمته بها، وقد دعا لها رسول الله. () نظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/32.

وقد توفي زوجها من بعدها بأربع سنوات، وقد أوصى بابنته أمامة للزبير ابن العوام، ([183]) وكانت بلغت مبلغ النساء بعد وفاة خالتها فاطمة، التي كانت بمثابة الأم لها بعد وفاة زينب فتزوجها علي، ([184]) وبقيت في ذمته حتى استشهد، فتزوجها من بعده المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب الهاشمي. ([185]) () انظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 229؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/246.

رقية بنت رسول الله :

() انظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/467؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/312.

ولدت بعد أختها زينب فكانت الثانية في الترتيب من بين بنات النبي، وكانت ولادتها قبل البعثة بسبع سنوات، ([186]) وقبل الهجــرة بعشرين عامًا وأمها خديجة بنت خويلد، وقد تربت في بيت رسول الله مع بقية أخواتها وخصوصًا زينب التي تكبرها وأم كلثوم التي تصغرها. ([187]) () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/312. () ابن هشام، السيرة النبوية، ج2/4؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/246.

وحينما شبت رقية خطبها أبو لهب عم النبي لابنه عتبة، فتزوجها ولم يبق معها طويلاً، حيث بُعث النبي فكان من أشد الناس عداءً له أبولهب وامرأته أم جميل، حيث طلبا من ابنهما طلاق رقية بعد أن أغرياه بفراقها، وظنا أن في ذلك إهانة لها وهي المسلمة، وإهانة للنبي، ([188]) بينما كان فراق الزوج الكافر والبيت الكافر المعادي، نعمة من الله وسلامة من الكفر وأهله. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/247. () ورد أن الرسول كان يردف علي بن زينب يوم الفتح، الذهبي، (سير أعلام النبلاء، ج2/246).

وفي الوقت نفسه كان عثمان بن عفان من أوائل المؤمنين برسول الله المستجيبين لدعوته. وما أن علم بطلاق رقية من عتبة حتى بادر بخطبتها من رسول الله، لما أراد الله له من الكرامة وبركة النسب مع رسول الله، وقد تزوجها عثمان بن عفان، وكانا زوجين شابين وسيمين جميلين مضرب المثل عند أهل مكة جمعهما الإيمان ومحبة الرسول. ([189]) () انظر: الإمام أحمد، مسنده، ج5/303. () أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة، ح برقم: 918، ص 160؛ والنسائي، السنن، كتاب المساجد، باب إدخال الصبيان المساجد، ج2/ 45 ــ 46؛ وأحمد في مسنده، ج5/ 303؛ وانظر: فتح الباري، ج1/ 469.

وحينما اشتدّ الأذى على الرسول والمسلمين معه في مكة، أصاب عثمانَ وأهلَ بيته منه نصيبٌ، فخرج مهاجرًا برقية إلى الحبشة مع الدفعة الأولى من مهاجري الحبشة، فكانت رقية الوحيدة المهاجرة من بنات رسول الله إلى الحبشة. وقال عنها الرسول : (إنهما أول من هاجر إلى الله بعد لوط)) ، ([190]) فكانا محط عناية واهتمام المهاجرين من أصحاب النبي إلى الحبشة، وكانوا يرون ابنته معهم يصيبها ما أصابهم ويدركون من عناية النجاشي الشيء الكثير بوجود ابنة الرسول معهم. ([191]) () انظر: الواقدي، المغازي، ج2/553؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/34. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/33؛ الواقدي، المغازي، ج2/553.

وقد عادت مع عثمان إلى مكة مع عودة المهاجرين الأولين من الحبشة إلى مكة، بعد أن وصلت أخبار مضللة بإسلام قريش. وحين عادت إلى مكة بعد هجرة سنوات وجدت أمها الحبيبة أم المؤمنين خديجة قد توفيت، ([192]) فتألمت لذلك وحزنت حزنًا شديدًا، ثم عادت مرة أخرى مع عثمان للهجرة إلى الحبشة، وكانت مع عثمان تلفت أنظار الصحابة المهاجرين وأهل الحبشة، بطيبتها ونضارتها وحسن خلقها وبذلك كانت من أصحاب الهجرتين إلى الحبشة. () الشنة: هي القربة المصنوعة من الجلد القديمة الجافة ولا تزال تعرف بهذا الاسم إلى اليوم. () انظر: الواقدي، المغازي، ج2/554؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/33.

وكانت عودة رقية مع زوجها عثمان بن عفان إلى مكة قبيل هجرة النبي بوقت قصير. ([193]) وكانت مع عثمان من أوائل المهاجرين إلى المدينة، حيث رزقت هناك بابنها عبدالله بن عثمان بن عفان الذي توفي في سنيه الأولى. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب يجعل الكافور في آخره، ج2/74.

وعند خروج رسول الله إلى غزوة بدر كانت رقية مريضة، فطلب الرسول من زوجها عثمان أن يبقى إلى جانبها للعناية بها وتمريضها، فبقي عثمان معها أثناء مرضها في المدينة. ([194]) () انظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/400؛ ابن إسحاق، السيرة، ص 229. () ابن حجر، الإصابة، ج4/236. () انظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 229؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/400.

وتوفيت في رمضان من السنة الثانية من الهجرة قبيل عودة الرسول من غزوة بدر، ودفنت في البقيع، وكان عمرها اثنتين وعشرين سنة، وحين عودته من بدر زار قبرها ودعا لها، مما أثار رقة النساء فبكين عليها لما رأين رسول الله فنهرهن عمر، فأجاز لهن الرسول ذلك وقال: (إياكنّ ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من القلب والعين فمن الله الرحمة، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان)). ([195])

وكانت رقية أُولى بنات النبي وفاة بعد خديجة، ولذلك حزنت عليها بقية أخواتها، وكانت أختها زينب حينها في مكة () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/304. () ابن حبيب، المحبر، ص 406.

أم كلثوم بنت النبي :

() انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج8/251.

تأتي في المرتبة الثالثة في السن بين بنات النبي، فهي أصغر من رقية وأكبر من فاطمة. ([196]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/36؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/304.

وأمها خديجة بنت خويلد، ولدت قبل البعثة بقرابة ثمان سنوات، ([197]) ونشأت في بيت النبوة مع أخواتها، رباها النبي وحضنتها ورعتها أمها خديجة، أسلمت مع أمها وأخواتها بعد بعثة النبي، وكانت صغيرة السن. ([198]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/305؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/36. () انظر: الهجرة إلى الحبشة، من هذا الكتاب.

وقد خطبها وتزوجها عتيبة بن أبي لهب قبيل بعثة النبي ولم يبن بها. () انظر: وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، من هذا الكتاب؛ وانظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 227.

فلما بُعث النبي، ظهر عداء عتيبة مع أبيه وأمه أم جميل للنبي ولدعوته، ولشدة العداء فإن عتيبة طلق أم كلثوم ولم يدخل بها ظنًّا منه ومن والــديه أن ذلك يلحـــق الأذى بها وبرســـول الله، ([199]) ولم يكتف بالطلاق، بل جاء إلى النبي وأظهر عناده وعداءه فقال: (كفرنا بك وبدينك، وفارقت ابنتك)، فقال : (أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلبًا من كلابه))، فخرج عتيبة في تجارة لقريش إلى الشام، فهجم أحد الأسود على القافلة فأصاب عتيبة فقتله. ([200]) وقد صبرت أم كلثوم مع أبيها على أذى قريش، وكانت ممن يواسيه ويسانده ويهون عليه، وأصابها ما أصاب أهل بيته سنين المقاطعة من الجوع والألم، وحينما هاجر النبي إلى المدينة كانت ضمن أهل بيت النبي الذين هاجروا كفاطمة وزيد بن حارثة وغيرهم. ([201]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/304.

وكانت لها مكانة خاصة عند أمهات المؤمنين وبيوت المهاجرين والأنصار، وفي رمضان من السنة الثانية من الهجرة توفيت أختها رقية زوجة عثمان بن عفان، فحزن عليها حزنًا عظيمًا وافتقدها، فزوج رسول الله عثمان من أم كلثوم بمثل مهر رقية، وبمثل عشرتها. () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 192؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/36.

روى سعيد بن المسيب : أن النبي رأى عثمان بعد وفاة رقية مهمومًا لهفان، فقال له: (ما لي أراك مهمومًا؟ قال: يا رسول الله، وهل دخل على أحد ما دخل علي، ماتت ابنة رسول الله التي كانت عندي، وانقطع ظهري وانقطــع الصهر بيني وبينك. فبينما هو يحاوره إذ قال النبي : يا عثمان، هذا جبريل عليه السلام يأمرني عن الله أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عشرتها)) فزوجه إياها. ([202]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/36؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/252.

وقال لها إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد. ([203])

وكان زواجهما في ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة، وكانت بكرًا لم يقربها زوجها الأول. ([204])

وقد أحب عثمان أم كلثوم وأحبته حبًا شديدًا، وقامت على رعاية ابنه عبدالله من رقية المتوفاة، حتى توفي عبدالله وعمره ست سنوات بعد ذلك. ([205]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/252؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/612.

ولذلك فإن الأمة ترى علو منزلة عثمان ؛ لأنه لم يتزوج في الأولين والآخرين ابنتي نبي غيره. ([206]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/252. () انظر: ابن حبيب، المحبر، ص 406؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/252.

وقد عاشت مع عثمان ست سنوات، حتى توفيت في شهر شعبان من السنة التاسعة من الهجرة. ([207])

وحينما أرادت النساء تغسيلها وجههن الرسول في كيفية غسلها، عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله ونحن نغسل ابنته أم كلثوم، فقال: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن فإذا فرغتن فآذنني)) فآذناه. فنزع من حقوه إزاره. وقال: (أشعرنها إيَّاهُ)). ([208]) () انظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/612. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/37. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/38.

وقد جلس عند قبرها أثناء الدفن وعيناه تذرفان، عن أنس: رأيت النبي جالسًا على قبرها، يعني أم كلثوم، وعيناه تدمعان فقال: (فيكم أحد لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا قال: أنزل)) ([209]) . ودفنت في البقيع. وكان يقرأ ﴿۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ55 ﴾ [طه: من الآية 55]. وقد ورد أنه بعد وفاتها قال: (لو كان عندي ثالثة لزوجتها عثمان)). ([210]) وهكذا نرى تزويج الرسول لعثمان من أم كلثوم بعد وفاة أختها رقية بفترة قصيرة، وليس في ذلك عيب، ولا خيانة. ويمكن اعتبار ذلك من السنة والأمور الطبيعية دون حساسية، كما يأخذها أهل هذا الزمان، ولعل في ذلك مصلحة لعبد الله ولد عثمان ابن رقية، حيث قامت عليه خالته أم كلثوم، كما أن هذا وفاءٌ من رسول الله لعثمان وحرصٌ من عثمان على استمرار مصاهرة الرسول ونيل الشرف بذلك.

فاطمة بنت النبي :

() انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/490؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج6/384؛ المحب الطبري، الرياض النضرة، ج3/10.

هي أم الحسن بن علي أصغر بنات النبي ولدتها خديجة قبل البعثة بقرابة خمس سنوات. ([211]) () انظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/613؛ المحب، الطبري، الرياض النضرة، ج3/11.

أكثر بنات النبي ذِكرًا؛ لأنها أم الحسن والحسين، وهما الوحيدان من أبناء وأسباط النبي الذين بقيا من بعده وتناسلوا. () انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، ج9/217؛ عبد المنعم الهاشمي، أبناء النبي وأحفاده، ص59.

كما أنها الوحيدة الباقية من بنات النبي بعد وفاته، ([212]) وقد كانت حياتها من بعده قصيرة، إلا أنه لم يبق غيرها، وإلا فكل بنات النبي مؤمنات محبوبات، لهن مكانتهن عند المسلمين في حياة الرسول وبعد وفاته. () الصلابي، عثمان بن عفان، ص 46.

ولذلك غلبت أخبار فاطمة والحديث عنها على بقية بنات النبي، (تكنى بنت أبيها) وعُرفت بالزهراء لصدقها وإيمانها. ([213]) () انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج16/201.

تربت على يد أمها خديجة في بيت المصطفى بمكة، فكانت عفيفة طاهرة طيبة صدوقة بارة، كانت من أوائل من شهد بعثة النبي، وأسلمت وبايعت النبي رغم صغر سنها. () انظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/612؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/252؛ ابن كثير، السيرة النبوية، ج4/74.

ولصغر سنها كانت تتابع النبي في مكة، حال انتقاله من مكان إلى آخر، تخشى عليه وتسارع لمساعدته حين تَعَرُّضِهِ للأذى، ولذلك كانت هي المبادِرة لرفع الأذى عن رأسه، حينما ألقى عقبة بن أبي معيط سلى جزور على الرسول، فأزاحته من على رأسه الطاهر وسبّتهم. ([214]) () انظر: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل، ج2/74.

وقد شهدت حصار الشعب للمسلمين فنالها ما نال المسلمين من الجوع والأذى، وكانت ممن ناداهم الرسول بأسمائهم، حينما جهر بالدعوة في قوله: (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا))([215]) ، مع أن عمرها كان صغيرًا قارب ثماني سنوات في تلك الفترة. () انظر: رواية البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من يدخل قبر المرأة، ج2/93. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج3/56.

وكانت تزيل الأذى من أمام بيت النبي، حيث كانت أم جميل امرأة أبي لهب تلقي بالأذى أمام بيت الرسول، فكانت فاطمة تبعده.

استمرت تخدم رسول الله، وخصوصًا بعد وفاة خديجة وزواج أخواتها، وقد هاجرت إلى المدينة المنورة برفقة أختها أم كلثوم وأم المؤمنين سودة بنت زمعة وأم أيمن حاضنة الرسول، زوجة زيد بن حارثة. ([216]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/377؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/19.

وفي المدينة بلغت سن الزواج، وفي الوقت نفسه تزوج عائشة مع وجود أم المؤمنين سودة، فكانت فاطمة محط أنظار الخُطّاب وآمالهم، حيث بلغت وخفت مهمتها في خدمة النبي، وكانت سنها تؤهلها للزواج، فتقدم لخطبتها عدد من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف وغيرهم، فكان يردهم بلطف وأدب، فبادر بعض الأنصار إلى علي وشجعه على خطبتها من النبي وكان حييًّا.

فذهب إلى رسول الله خاطبًا، وقف عليٌّ صامتًا من الحياء عند النبي، فعرف النبي حياءه ورغبته، فبادر بسؤال علي، ما حاجة ابن أبي طالب؟ فقال: علي : ذَكَرْتُ فاطمةَ بنتَ رسول الله، فقال مرحبًا وأهلاً. فعرف علي موافقة النبي على زواجه فاطمة وترحيبه ورغبته في ذلك، ([217]) وبعد أيام أتمّ عليٌّ الخطبة، وقدم مهرًا لفاطمة درعًا أهداها الرسول له في غزوة بدر. ([218]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/28.

وكان زواج عليًّ من فاطمة في السنة الثانية من الهجرة في شهر ذي القعدة، وكان بناؤه بها في السنة الثالثة من الهجرة قبيل غزوة أحد. ([219]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/377؛ وانظر: تقديم ابن سعد لها في ترجمته لبنات النبي في الطبقات، ج8/19.

وقبل بناء علي بها دعا لهما النبي : (اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما))، وقيل إنه دعا بماء فتوضأ منه ثم أفرغه عليهما ودعا لهما. ([220])

وقد سكن علي وفاطمة في غرفة مجاورة لحجرات النبي، ([221]) فكان يدخل عليهما ويدخلان عليه ويأنس بهما وبأولادهما بعد ذلك، وكانت حياتهما حياة زهد وكد، فما كانت حياة ترف ولا نعومة، يقول علي تزوجت فاطمة ومَا لي ولها غير جلد كبش ننام عليه بالليل ونجلس عليه بالنهار. ([222]) () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 110؛ وانظر: أذى المشركين للرسول ، من هذا الكتاب.

وقد أعطاها الرسول خميلة ووسادة أَدم (جلد) حشوها ليف وإهاب شاة ([223]) ورحائين وسقاء وجرتين، فكانت تطحن بالرحى حتى أثر في يدها، وتجلب الماء بالقربة وتنظف البيت وتخدم زوجها عليًّا. () انظر: ابن إسحاق، السيرة، ص 128.

ولما علم علي ــ كرّم الله وجهه ــ أن النبي قد جاءه سَبْيٌ قال لفاطمة: لو أتيت أباك فسألتيه خادمًا، فأتته فقال النبي : مـا جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت لأُسلم عليك، واستَحْيَتْ أن تسأله فــرجعت، فأتاها رسول الله من الغد وسألها، ما كانت حاجتك؟ فسكتت، فقال علي: والله يا رسول الله لقد سَنَوْتُ حتى اشتكيت صدري، وهذه فاطمة قد طَحنْت حتى مجلت يداها، وقد أتاك الله بسَبْيٍ فأخدمنا؟ فقال الرسول : (لا والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفّة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا إلى منزلهما، فأتاهما رسول الله ليخفف عنهم عناءهما، وقال لهما برفق وحنان: ألا أخبركما بخيرٍ مما سألتماني؟ قالا: بلى، فقـــال: كلماتٍ علمنيهن جبريل: تسبحان الله دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثًا وثلاثين، وتكبران أربعًا وثلاثين)). ([224])

كما كان يوجههما باستمرار إلى الزهد والتصدق وعدم الحرص على الحُلي لتتبوأ بذلك السيادة على نساء العالمين، وليكون لها أسوة حسنة في رسول الله في الزهد بالدنيا ومظاهرها. ([225]) () المقريزي، إمتاع الأسماع، ص 49؛ وانظر: رواية الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، ج1/133.

وعن ابن عباس رضي الله عنهم قال : دخل رسول الله على علي وفاطمة وهما يضحكان، فلما رأيا النبي سكتا، فقال لهما النبي : (ما لكما كنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما، فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله قال هذا: أنا أحب إلى رسول الله منكِ، فقلت: بل أنا أحبّ إلى رسول الله منكَ، فتبسم رسول الله وقال: يا بنية لك رقّة الولد وعليٌّ أعزّ عليَّ منكِ)). ([226])

وفي السنة الثالثة من الهجرة رزقت بابنها الأول الحسن بن علي رضي الله عنهم، وكان أشبه الناس خَلْقًا برسول الله، فحنكه بنفسه وسماه الحسن، وفرح به فرحًا عظيمًا، حيث أدخل السرور على قلبه وعلى قلب علي وفاطمة. ([227]) () انظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 230؛ وانظر: عنوان زواج عليِّ فاطمة من هذا الكتاب. () ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 230.

وبعد عام تقريبًا أي في السنة الرابعة من الهجرة في شهر شعبان، رزقت فاطمة بالحسين بن علي رضي الله عنهم. ([228]) () انظر: زواج علي فاطمة ، من هذا الكتاب.

وأحب رسول الله سبطيه، ورقّ لهما وأكثر من الدعاء، وقال فيهما: (اللهم إني أُحبهما فأَحبهما وأحب من يحبهما)). ([229]) () ابن حجر، الإصابة، ج4/378؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/21.

وقد شاركت فاطمة مع نساء المؤمنين في غزوة أحد في جلب الماء ومداواة الجرحى، وهي التي داوت جرح رسول الله فأحرقت حصيرًا ووضعت من رماده على جرح النبي حتى توقف النزيف، وقد غسلت سيف النبي يوم أحد، كما غسلت سيف علي بن أبي طالب كذلك. ([230]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/20. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/23.

وفي السنة الخامسة من الهجرة رزقت ببنت أسمتها زينب كاسم أختها التي توفيت قبل فترة قصيرة، وبعد ما يزيد على عامين رزقت بطفلة أخرى أسمتها أم كلثوم كاسم أختها التي توفيت قبل ذلك، وأم كلثوم هذه هي التي تزوجها عمر بن الخطاب أثناء خلافته ورزق منها بولد. ([231]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/23، 24.

وفي أواخر السنة التاسعة من الهجرة لم يكن قد بقي من بنات النبي سوى فاطمة، حيث توفيت أختها التي تكبرها "أم كلثوم ــ "، وهي زوجة عثمان بن عفان، ولذلك كانت الوحيدة الباقية من بنات النبي في السنتين الأخيرتين من حياته. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/25.

لذا كانت فاطمة، الوحيدة من بناته التي شهدت مرضه ووفاته، وكان يأنس بها أثناء مرضه تحدثه ويحدثها، ومن ذلك ما ورد عند البخاري برواية عائشة، (أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي فقال النبي : مرحبًا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حديثًا فبكت. فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثًا فضحكت. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن. فسألتها عما قال؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله، حتى قُبِضَ النبي فسألتها. فقالت: أسرَّ إليَّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أَجَلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي فبكيت. فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين؟ فضحكت لذلك)). ([232]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/26.

ومن المواقف الخاصة بفاطمة أنه لما ثَقُل النبي، جعل يتغشاه، فقالت فاطمة : (وا كَرب أباه، فقال : "ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم" فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة : يا أنس أطابت أنفسكم أن تَحْثُوا على رسول الله التراب). ([233]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/26.

وقـــد تكلم الكثيرون مـــن أعداء الصدّيق عن خلاف بين فاطمة وبين أبي بكر، وزعموا أن ذلك الخلاف مرده إلى حرص فاطمة على الأموال، وخصوصًا النخيل التي تركها الرسول عند وفاته صَدَقَةً. () الزبيري، نسب قريش، ج1/23؛ ابن سعد، الطبقات، ج3/246.

وحاشا لله أن تكون فاطمة الزكية الطاهرة العفيفة الزاهدة كما زعموا، ما كانت فاطمة من أهل الدنيا ولا تهتم بها أو تجعلها أكبر همها كما صور هؤلاء، وهي التي أخبرها النبي بقرب رحيلها، وأنها أول من يلحق به بعد موته، فحاشا لله أن تكون فاطمة سيدة نساء العالمين مهمومة بالمال أو الإرث والمزارع كما يصورها هؤلاء. فكيف يُنسب لها هذا مع علمها بقرب موتها، وقد ورد عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي فيما أفاء الله على رسوله تطلب صدقة رسول الله التي بالمدينة وفَدَك وما بقي من خُمُس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله قال: "لا نورَث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال" ([234]) يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقات النبي، ولأعملنّ بما عمل به رسول الله، ولست تاركًا شيئًا كان رسول الله يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فتشهد عليّ ثم قال: إنا عرفناك يا أبا بكر فقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله أحب إليَّ أن أصِلَ من قرابتي وأوسع منه). ([235]) () انظر: الزبيري، نسب قريش، ج1/23.

وقد طابت نفس فاطمة حينما سمعت قول الصدّيق وما أشار إليه من قوله : (إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)). ([236]) ومن الثابت وجود ورثة آخرين، منهم العباس عم النبي، وهو الذي يعصبه، ومنهم بقية زوجات النبي، الذين لم نسمع أن أحدًا منهنّ طالب بميراث مادي، والرسول لم يترك مالاً بل ترك دينًا، وأما فدك وخيبر فهي صدقة كما أشار أبو بكر. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/251.

وفاطمة أكبر وأعظم من أن يكون همها ميراث مال دنيوي، وقد علمت أنها لن تبقى بعد الرسول سوى بضعه أشهر فتلك تهمة باطلةٌ فاطمة ــ رضي الله عنها وأرضاها ــ منها بريئة. () انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص 235؛ وانظر: غزوة أحد، من هذا الكتاب.

وقد ذكر في روايات أخرى أن أبا بكر ومن بعده عمر طلبا من على تسلُّم تلك النخيل في فدك وخيبر، على أن يعمل بها كما يعمل رسول الله في الصدقة منها، فرفض علي تسلُّمها لا احتجاجًا عليهما، ولكن اقتناعًا بما كان الخليفتان يقومان فيها وعملهما في تصريفها. ([237]) () انظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 232، 235.

وقد ورد عند البخاري: "فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، فأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من وَلِيَ الأمر". ([238])

وقد وضع البخاري في صحيحه بابًا سماه (مناقب فاطمة وقال النبي : نساء أهل الجنة). ([239]) () رواه البخاري في كتاب المناقب، علامات النبوة في الإسلام، ج4/183؛ ورواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي ــ عليها الصلاة السلام، ج7/142 ــ 143؛ والترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب فضل فاطمة بنت محمد ، ج5/700، ح برقم: 3872؛ وانظر وفاة النبي ، من هذا الكتاب.

وقد أورد البخاري عن المسور بن مخرمة أن رسول الله قال: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)). ([240]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، ج5/144؛ وانظر: وفاة النبي ، من هذا الكتاب.

وقد اهتمت كتب الحديث والتراجم المختلفة بذكر فضائل فاطمة، ([241]) ورواية ما يتعلق بحياتها والترجمة لها، كما اهتمت بغيرها من بنات النبي اللائي جمع بينهن بُنُوتهن للرسول، وإسلامهن وصدقهن وتصديقهن ودفاعهن عن الرسول. ([242])

وقد وردت عدة أحاديث في فضل فاطمة، كثيرٌ منها برواية أم المؤمنين عائشة، مما يدل على تقدير عائشة لفاطمة ومعرفتها بفضلها والصدق في رواية ما جاء في فضل فاطمة وحسن العلاقة بين فاطمة بنت الرسول وبين عائشة زوجة أبيها أم المؤمنين زوجة المصطفى بنت أبي بكر الصديق. () من رواية البخاري، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، ج5/25؛ وانظر: تفصيلات أكثر عند: الصلابي، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ص 154؛ وقارن بابن شبة، في تاريخ المدينة، ج1/196. () من رواية البيهقي، في السنن الكبرى، ج6/300؛ وفي دلائل النبوة، ح برقم: 3276؛ انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/121؛ ابن سعد، الطبقات، ج8/28.

من ذلك ما روته عائشة قالت: (أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي رسول الله فقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه. الحديث)). ([243]) () انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، ج5/25.

وعن عائشة قالت: (ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها قالت: وكان بينهما شيء فقالت: يا رسول الله سَلْها فإنها لا تكذب)). ([244])

وقد نقلت لنا أم المؤمنين عائشة، موقفًا يبين مكانة فاطمة من رسول الله وما خصها به من علم لم يُعْطَه أحد آخر، فقد روى البخاري ــ كما مر سابقًا ــ عن عائشة بنت أبي بكر، قالت: (دعا النبي فاطمة ابنته في شكواه الذي قُبِضَ فيه، فسارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارَّها، فضحكت. فسألنا عن ذلك؟ فقالت: سارَّني النبي أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارَّني فأخبرني أني أوَّل أهل بيته يتبعه، فضحكت)). ([245]) () انظر: عمر بن شبة، تاريخ المدينة، ج1/204، 207.

وقد مرضت في الأيام الأخيرة من عمرها، وكان علي حريصًا على خدمتها، روى ابن سعد في الطبقات: "جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاسـتأذن فقال علي: هذا أبو بكر على الباب، فإن شئت أن تأذني له قالت وذلك أحب إليك. قال: نعم، فدخل عليها واعتذر إليها، وكلمها فرضيت عنه". ([246]) () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب الخمس، باب فرض الخمس ــ قصة فدك، ج4/42؛ وانظر: عمر بن شبة، تاريخ المدينة، ج1/204 و207، الخمس.

ولما أحست بدنو أجلها أوصت عليًا بعدة وصايا منها أن تحمل في نعشٍ وصفته له يكون عليه شيء من الجريد يطرح عليه الثياب، ([247]) حتى لا يرى الناس جسدها ووصفها من شدة حيائها وعفافها، ومن ذلك أن يغسلها علي، وأسماء بنت عميس، ([248]) وكانت زوجة لأبي بكر الصديق، ولعلها أشارت أن يتزوج علي بأمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وهي بنت أختها زينب، ([249]) خالتها فاطمة ربتها بعد وفاة أمها، تعرف طباعها وتقواها وصلاحها، وتريد أن تكون كالأم للحسن والحسين رضي الله عنهم بعد وفاتها، وهما في مرحلة الصبا في السابعة والثامنة من العمر. () صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب (29).

كما أوصت أن يكون دفنها بالبقيع بعد وفاتها مباشرة، وماتت ودفنت ليلاً بجوار أخواتها بنات النبي ليكون الدفن ليلاً أكثر سترًا لها. () انظر: صحيح البخاري؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/67.

وقد توفيت في شهر رمضان من السنة الحادية عشر من الهجرة، ([250]) بعد النبي ببضعة أشهر، ومن الثابت صلاة أبي بكر عليها، ([251]) فلعله صلى على قبرها أو أنه شهد دفنها ليلاً، خصوصًا أنه من الثابت أن أسماء بنت عميس زوجة الصديق هي من جهزها للدفن بعد موتها ــ رضي الله عنهم أجمعين. () انظر: ترجمتها عند: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/118؛ وابن سعد، الطبقات، ج8/19؛ وابن حجر، الإصابة، ج4/388. () أُلِّف في بنات النبي عدد من الكتب منها: عائشة عبدالرحمن، بنت الشاطئ، بنات النبي؛ ومحمد راتب النابلسي، سيرة بنات النبي؛ وغيرها كثير.

وصلى عليها علي ونزل في قبرها، ([252]) فكانت آخر من مات من بنات الرسول وأبنائه، فحزنت الأمة كلها على فراقها وكان عمرها حين وفاتها تسعًا وعشرين سنة. كانت بنات النبي جميعًا مؤمنات صادقات، نقيات ورعات. وهذا من رحمة الله بنبيه، كما كان أصهاره منهن شرفاء من أطيب رجال زمانهم رضي الله عنهم، وإن تأخر إسلام أبي العاص بن الربيع قليلاً، كما شَهِدن مع رسول الله ما أصابه من أذى، ودافَعْن عنه، وكانت عنايته خاصة بهن، وقد تألم لفقد ثلاث منهن في حياته.

(أصهار النبي وأقاربه) () جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ج4/183؛ وانظر: وفاة النبي ، من هذا الكتاب.

علي بن أبي طالب : ([253])

() رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى؛ انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج9/201.

ولد قبل الهجرة بحوالي 23 سنة، ابن عم رسول الله وصهره، عاش في كنف وبيت رسول الله، وأول من آمن به من الصبيان، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، ووالد الحسن والحسين سبطي رسول الله وسيِّديْ شباب أهل الجنة، أمه فاطمة بنت أسد. ([254]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، ج5/138؛ وانظر: وفاة الرسول ، من هذا الكتاب.

وصلّى مبكرًا مع النبي ومع خديجة وآل بيت النبي، مكث في فراش الرسول ليلة الهجرة ليحميَ الرسولَ بنفسه، ثم أدى الأمانات عن النبي ولحق به مهاجرًا في المدينة. ([255]) () ابن سعد، الطبقات، ج8/27؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/121.

زوّجه الرسول من أصغر بناته فاطمة في السنة الثانية من الهجرة، وسكن دارًا مجاورة للنبي، فكان يأنس بزيارة فاطمة وعلي رضي الله عنهم والجلوس إليهما وتبادل الحديث معهما. ([256]) () انظر: ابن سعد الطبقات، ج8/28؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/128. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/28؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/128. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/122؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/236.

"دخل عَليٌّ على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبي : أين ابن عمك، قالت: في المسجد، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وخلُص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فقال له: "اجلس يا أبا تراب". ([257]) ولذلك كان عليُّ يُحِبُّ هذه التسمية.

كان شجاعًا مقدامًا، قاتل مع الرسول في بدر، وكان من المبارزين من آل البيت، ([258]) وفي أُحُد صمد مع النبي، ([259]) وفي الخندق تصدى لعمرو ابن عبد ودّ، وقتله حينما حاول اقتحام الخندق، ([260]) وفي غزوة بني قريظة حمل راية الرسول وبدأ حصارهم. وهو كاتب لرسول، كتب صلح الحديبية بين الرسول ومشركي مكة، وكان ممن بايع بيعة الرضوان في تلك الغزوة. ([261]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/28؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/127. () ابن سعد، الطبقات، ج2/29.

وفي غزوة خيبر بعد أن استعصى الفتح على رسول الله ومن معه، قال : (لأعطينّ الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله))، ([262]) فتطاول لها الناس كل يريدها، فأعطاها لعلي ففتح الله على يديه، وقتل مرحبًا اليهودي قائد يهود خيبر. ولا تكاد تجد غزوة من غزوات الرسول إلا ولعلي فيها بطولة ومواقف وشجاعة لا يدانيها أحد. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج8/28؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/129.

وحينما استخلفه الرسول في أهل بيته عند غزوة تبوك، حزن في نفسه وهو الشجاع المقدام، وحاول المنافقون استغلال الموقف للنيل منه، فحظي بشهادة النبي حيث قال له: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبيُّ بعدي)). ([263])

حمل آيات سورة التوبة (براءة) ليقرأها على الحجاج في مكة، في السنة التاسعة من الهجرة، فتلاها وفيها منع المشركين من الحج بعد هذا العام: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ28 ﴾ [التوبة]. وكان أمير الحج أبو بكر الصديق والمبلغ علي رضي الله عنهم وتعاونا في هذا الأمر. ([264])

توفي الرسول وعُمْرُ علي ثلاث وثلاثون سنة، وهو الذي غسل رسول الله وضمه إلى صدره عند تغسيله، وشاركه في الغسل عمه العباس وبعض بَنِيه. ([265]) () وضع البخاري في صحيحه، في كتاب الفضائل، باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه، ج9/37؛ وقد أجمعت الأمة وخصوصًا أهل السنة على محبة علي رضي الله عنه وأُلفت الكتب في مناقبه، ومن ذلك:أبو الحسن الندوي، المرتضي سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. محمد علي الحاجي، علي بن أبي طالب. محمد علي الصلابي، أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسأشير إليه بكتاب علي بن أبي طالب. كما نال نصيبه من الترجمة والتاريخ في كتب التراجم للصحابة والخلفاء والأعلام، وكذلك عند المحدثين، ومن كتبوا عن آل البيت.

وفي خلافة أبي بكر بايع عليٌّ أبا بكر عن طيب نفس، وكان نعم الوزير له والمستشار، ([266]) وقد شاركه في حــروب المرتدين منذ أول معركة في غــزوة ذي القصة، ([267]) شــــارك في إدارة الدولــــة الإسلامية طيلة خــــلافة أبي بكر. () انظر: الزبيري، نسب قري، ص 40.

وفي خلافة عمر كان من أوائل المبايعين عمرَ، وساهم معه في إدارة الدولة، وكان عمر يستخلفه على المدينة حين يسافر. ([268]) () انظر: الهجرة النبوية، من هذا الكتاب.

وقد زوج علي ابنته أم كلثوم شقيقة الحسن والحسين رضي الله عنهم، ابنة فاطمة بنت رسول الله من عمر بن الخطاب. ([269]) () انظر: زواج علي فاطمة من هذا الكتاب.

جعله عمر ضمن الستة المرشحين للخلافة من بعده الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض ليختار المسلمون أحدهم خليفة لعمر. ([270]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب علي بن أبي طالب، ج4/208.

وفي خلافة عثمان كان نعم المستشار والقاضي لعثمان وهو صهره السابق (عديله) كما يقال، كانا متزوجين من بنات الرسول، ([271]) وحينما حوصر عثمان في الدار قبل استشهاده أرسل ولديه الحسن والحسين رضي الله عنهم ليدافعا عنه، فحملا سيفيهما ودافعا عن عثمان، حتى أقسم عثمان عليهما وعلى غيرهما بالانصراف. ([272]) () انظر: غزو بدر، من هذا الكتاب. () انظر: غزوة أحد، من هذا الكتاب. () انظر: غزوة الخندق، من هذا الكتاب. () انظر: صلح الحديبية، من هذا الكتاب.

تولى الخلافة بعد استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان في 25 ذي الحجة سنة 35هـ، حيث بايعه الصحابة في المدينة فانعقدت خلافته، ([273]) فكان ورعًا تقيًا زاهدًا عادلاً حكيمًا. ([274]) () انظر: غزو الخندق، من هذا الكتاب.

وكانت الأمة تمر بفترة فتنة بعد استشهاد عثمان. وقد حاول علي جاهدًا توحيد صفوف المسلمين وجمع كلمتهم فلم يستطع، حيث أرهقه أصحاب الفتن. خاض معركة الجمل بغير إرادة منه، ([275]) نازعه معاوية وخاض ضده موقعة صفين، وكان الحق مع علي في رأي أهل السنة. ([276]) وقد بغى عليه أهل الشام، ولم يُكَفَّروا بذلك وصدق فيه وفيهم قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ 9 إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 10 ﴾ [الحجرات]. () رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك، ج5/129.

نعم كانوا إخوة بنص القرآن، والحق مع علي، ودليل ذلك كونُ عمار بن ياسر قُتل مع علي. ([277]) وقد قال : (تقتلك الفئة الباغية)) ([278])، والفئة الباغية قتلته، وهي ليست كافرة إنما مؤمنة باغية، ([279]) ووصفتها الآيات القرآنية التي كأنما أنزلت فيهم، وهي تخصهم ومن شابه حالاتهم. ([280]) وقد زاد الأمر سوءًا خروجُ الخوارج الحرورية على علي في موقعة النهروان، وكان حريصًا على حقن الدماء، حيث أرسل ابن عمه عبدالله بن عباس وكان من أمرائه لمناظرتهم، وإتاحة باب التوبة والرجوع لمن شاء منهم، ثم قاتل من أصَرَّ عــلى الخروج والقتال في معركة النهروان المشهورة. ([281]) () انظر: حج أبي بكر بالناس، من هذا الكتاب.

كان مجتهدًا في خلافته عفيفًا نزيهًا يولِّي الأخيار الأكْفاء لا تأخذه في الله لومة لائم. () انظر: وفاة النبي ، من هذا الكتاب.

وكان المجتمع قد تغير، والفتنة دخلته، مما أتعبَ أمير المؤمنين عليًّا وأرهقه وهو المُخلص الذي لا يعرف إلا الحق والصدق، حتى ملَّ من الناس وسوء تصرفاتهم. () أُلِّف كتاب في مشاركات علي رضي الله عنه للراشدين ومساعدته لهم بعنوان: "علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مستشار أمين للخلفاء الراشدين"، للدكتور محمد عمر الحاجي. () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 65؛ الطبري، تاريخه، ج3/223، ابن كثير، البداية والنهاية، ج6/314.

كان مجاهدًا عاملاً طول حياته، استشهد في مسجد الكوفة على يد المجرم عبد الرحمن بن مُلجم المرادي الذي ضربه بالسيف على رأسه، فحظي أمير المؤمنين بالشهادة في الحادي والعشرين من رمضان سنة40هـ، ([282]) وباء المجرم بالخسران، وصدق في القاتل قول المصطفى : (ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين، عاقر الناقة والذي يضربك على هذا، ووضع يده على قرن رأسه، فيخضب هذه ووضع يده على لحيته)). وفي رواية (أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك)). وفي رواية (قال يومًا لعلي: من أشقى الأولين؟ فقال: الذي عقر الناقة يا رسول الله، قال: فمن أشقى الآخرين؟ فقال علي: لا علم لي يا رسول الله، فقال: هو الذي يضربك على هذه، وأشار إلى يافوخه)). ([283]) () انظر ابن الجوزي، المنتظم، ج4/192، ج4/327؛ الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 173.

وقد دُفِنَ عليٌّ في مكان مجهول في نواحي الكوفة، ([284]) حرصًا منه على عدم عبادة قبره وتقديسه واتخاذه مسجدًا، وهو ممن عرف قول رسول الله : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، ([285]) فكان علي يعادي الشرك ويبغضه، ولا يرضى أن يُفعل عند قبره المزعوم الشركُ الأكبرُ باسم محبته، فمن أحبه فليفعل ما يحب عليٌّ، وهو التوحيد والإخلاص لله كما كان علي يفعل حيث لم يسجد لصنم ولا قبر ولا غيره، وليكره ما يكرهه علي، وهو الشرك ودعاء غير الله وطلب الغوث منه، ووصفه والعياذ بالله بما اتصف به الله. فاللهم إنه بريء مما يصنع عند ذلك القبر المزعوم الذي لم يكتشف إلا في عصر بني بويه بعد ثلاثمائة سنة من استشهاده، ([286]) وحتى لو صح قبره لما صح ما يفعل به وبناء المسجد عليه، فاللهم اجعلنا من أوليائه يا كريم ومِمَّنْ ينطبق عليه قول الرسول : (اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه)). ([287]) جعلنا الله من أوليائه وأبعدنا عن أعدائه وهم المشركون، سواء من عَبَدَ عليًّا أم عَبَد حجرًا، فالشرك ملة واحدة، لا صلة لعلي بهم. وقد غضب الله على النصارى حيث عبدوا عيسى، فالشرك ظلم عظيم. () انظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 230.

الحسن والحسين : ([288])

() انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب علي بن أبي طالب، ج4/207؛ ابن أبي شيبة، المغازي، ص 436؛ ابن سعد، الطبقات، ج3/337.

كانت بشرى رسول الله بمولد الحسن ثم الحسين عظيمة، وكان يحملهما ويداعبهما، وشَبَهُهُما بالنبي واضح منذ صغرهما، وقد تمتعا رضي الله عنهم بمكانة كبيرة عند جدهما رسول، وهناك الكثير من الأحاديث التي تبين مكانتهما عنده. () انظر: ترجمة رقية بنت النبي ، من هذا الكتاب. () انظر: خليفة بن خياط؛ تاريخه، ص 129.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)). ([289]) () انظر: الطبري، تاريخه، حوادث سنة 35هـ، ج5/152. () انظر: زهده وورعه عند: الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 245.

فعن يعلى بن مُرة قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده في عنقه فضمه إلى بطنه وقبل هذا ثم قبل هذا، ثم قال: (إني أحبهما، فأحبوهما. أيها الناس! الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَة)). ([290]) () انظر: الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 502؛ وانظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/250. () انظر: ابن تيمية، منهاج السنة، ج1/537 و538؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/140، 142؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج5/267.

وقال : (الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة)). ([291]) () الطبري، تاريخه، ج6/21. () رواه مسلم في كتاب الفتن واشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بغير الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، ج8/186؛ والإمام أحمد في مسنده، ج6/289. () انظر: الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 447. () انظر: ابن كثير، التفسير، ج2/1746. () انظر: تاريخ الطبري، ج6/41 ــ 43؛ خليفة بن خياط، تاريخه، ص 197.

روى أبو هريرة قال: دخل الأقرع بن حابس على رسول الله، فرآه يقبل إما حسنًا وإما حسينًا فقال: تقبله؟ ولي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم! فقال رسول الله : (إنه من لا يَرحمْ لا يُرحمْ)). ([292])

عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : كان النبي حاملاً الحسن بن علي رضي الله عنهم على عاتقه، فقال رجل: نِعْمَ المركب ركبتَ يا غلام، فقال النبي : (نِعْمَ الراكبُ هو)). ([293])

وعن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: دخلت على النبي، فإذا هو على أربع والحسن والحسين رضي الله عنهم على ظهره يحبو بهما في البيت، وهو يقول: (نعم الجَمَلُ جَمَلُكُما، ونعم العِدْلان أنتما)). ([294]) () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 150؛ الطبري، تاريخه، ج6/85. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/324.

وعن أبي هريرة قال: كنا نصلي مع النبي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين رضي الله عنهم على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا حتى يقضي صلاته. ([295]) () ابن الجوزي، المنتظم، ج5/178؛ الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 903. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، ج5/139. () انظر: حديث غدير خم، من هذا الكتاب. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/335.

وقد ورد أنه بينما رسول الله يخطب إذ أقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويتعثران، إذ نزل رسول الله عن المنبر فرفعهما إليه وقال: (صدق الله: ﴿ إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ 15 ﴾ [التغابن]، نظرت إلى هذين الصبيين يمضيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما)). ([296]) () أحبت الأمة الحسن والحسين وألَّف أهل السنة فيهما العديد من الكتب منها:محمد الصلابي، أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب. فيحان كردي، الحسن بن علي ودوره السياسي. محمد رضا، الحسن والحسين سيدا أهل الجنة. عثمان الخميس، أحاديث بشأن السبطين.

وعن أبي هريرة قال: خرجت مع النبيِّ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة فقال: (أَثَمَّ لُكَعٌ أَثَمَّ لُكَعٌ))،([297]) فحبسته فظننا أنها تلبسه سخابًا أو تغسله، فجاء يشتد حتى عانقه وقبَّله فقال:(اللهم أحببه وأحب من يحبه)). ([298])

وكان يعوِّذ الحسن والحسين بقوله: (إنَّ أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة)). ([299]) () انظر: سنن ابن ماجه، المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله ، فضل الحسن والحسين ابني عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهم ، ح برقم: 143، ج1/51، واللفظ له؛ وراه أحمد في مسنده، ج2/288.

وعن سلمة بن الأكوع قال: لقد قُدت بنبي الله والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي، هذا قُدّامه، وهذا خلفه. ([300]) () رواه أحمد في مسنده، ج4/172؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/255.

كانت لهمـــا مكانة خاصة عند الراشدين لمكانهمـــا من رسول الله. ([301]) () رواه أحمد في مسنده، ج3/3؛ والترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين، ج5/656، ح برقم: 3768؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/251.

كانا يتابعان أمهات المؤمنين، ويتفقدان أحوال من بقي منهن، وخصوصًا بعد استشهاد أمير المؤمنين علي واستقرار الحسن والحسين في المدينة، كما نقلا عنهن أحاديث رسول الله. ([302]) () رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب رحمته الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، ج7/77.

الحسن بن علي :

() الصلابي، أمير المؤمنين الحسن بن علي، ص 63، وضعفه.

ابن سيدتنا فاطمة بنت رسول الله، أول أولادها وأولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، به كانت تُكنى أم الحسن، وبذلك كان يكنى علي، سبط رسول الله، دخل السرور والفرح قلب رسول الله وقلب فاطمة وعلي رضي الله عنهم بمولده في النصف من رمضان من السنة الثالثة من الهجرة النبوية، ([303]) أرضعته أم الفضل زوجة العباس، ([304]) وقد سماه النبي، وأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى. وعاش ما يقارب ثماني سنوات من حياة النبي. ([305]) () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/256.

وكان النبي يحبه حبًا شديدًا ويأنس به قال عنه : (اللهم إني أحبه فأحبه))، ([306]) وقال عنه وعن الحسين: (هما رَيْحَانَتَايَ من الدنيا)). ([307]) كان يصعد على ظهر رسول الله وهو يصلي فيرفع النبيٌّ رفعًا رفيقًا لئلا يقع، وقد قال عنه : (إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)). ([308]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/256.

وقد عانق رسول الله على مرأى من الصحابة. ([309]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/256.

رآه أبو بكر الصديق بعد وفاة النبي وهو يمشي يلعب مع الصبيان فحمله وقال: (بأبي شبيه النبيّ ليس شبيهًا بعلي، وعلي يضحك). ([310]) () لكع: بمعنى الصغير ومراده الحسنُ. () رواه البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق، ج3/20؛ ورواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب مناقب الحسن والحسين ، ج7/130.

كان كثير الزيارة والتفقد لأمهات المؤمنين بعد وفاة الرسول، كما اشتهر بعبادته وتقواه وقعوده في مسجد رسول الله من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس. ([311]) بلغ حدًّا من الشرف والكرم والسخاء لم يبلغه أحد غيره. ([312]) أخذ العلم عن أمهات المؤمنين وعدد من الصحابة على رأسهم والده أمير المؤمنين علي. وكان الناس يحرصون على تزويجه ونسبه رغم كثرة طلاقه، وكان والده علي يحذرهم من ذلك، ويقول: (إنه مطلاق) ومع ذلك يفرح الناس بنسبه ولو فترة من الوقت. ([313]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (10)، ج4/119.

كان ملازمًا لأبيه ناصحًا له طوال حياته ومساندًا له في كل أعماله، كما كانت له مكانته عند الراشدين لمكانته من رسول الله، ([314]) خرج مع والده علي من المدينة بعد استشهاد عثمان بن عفان إلى الكوفة، ([315]) وشهد معه صفين والجمل والنهروان. ([316]) وحضرا استشهاد والده أمير المؤمنين علي واقتص من قاتله. ([317]) () رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب مناقب الحسن والحسين ، ج7/130.

بايعه أهل العراق بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين علي، ثم آذوه وضيقوا عليه، فسلم الأمر لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم سنة 41 هـ وهو ما عرف بعام الجماعة. ([318]) وصدق فيه قول الرسول، برواية أبي بكرة: (سمعت النبي على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). ([319]) () ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/150.

عاش بعد ذلك قرابة عشر سنوات قضاها في المدينة المنورة، كان فيها محل عناية المسلمين معلمًا، وشريفًا وسيدًا مباركًا، متابعًا لأحوال أمهات المؤمنين ومتفقدًا لهن، حتى وافاه الأجل سنة 49هـ. ([320]) وكان عمره ستًّا وأربعين سنة. وقد بكاه الناس وحزنوا على فراقه حزنًا شديدًا. () انظر: رواية علي بن الحسين عن حفصة أم المؤمنين عند البخاري في صحيحه، ج4/63.

الحسين بن علي رضي الله عنهم ([321]) (الشهيد): ([322])

يكني بأبي عبد الله ([323]) ابن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، سبط رسول الله من ابنته فاطمة. ولد في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة في المدينة المنورة، ففرح به الرسول أيما فرح، وقبله ودعا له. ([324]) أجمعت الأمة على محبته، قال فيه المصطفى وفي أخيه: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))،([325]) ولذلك فإن الأمة بأجمعها تحب الحسين وتــــــود لو فدته بكل ما تستطيع، ([326]) كان الصحابة رضي الله عنهم بلا استثناء يحبون الحسين ويقدرونه، قـــال عنه جابر بن عبدالله وهو ينظر إليه: (من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر هذا). ([327]) () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 66؛ ابن سعد، الطبقات، ج1/226. () الحاكم، المستدرك، ج1/166؛ وانظر: الصلابي، الحسن بن علي، ص 25. () رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الصبي المولود يؤذَّن في أُذنه، ح برقم: 5105، ص 924؛ وانظر: الصلابي، الحسن بن علي، ص 20.

تربي في كنف جده المصطفى، ووالده علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة بنت رسول الله. ترعرع برفقة الحسن بن علي، عاش قرابة سبع سنوات من حياة النبي، كان أشبه الناس برسول الله، خَلقًا وخُلقًا، ([328]) فاضلاً كثير الصوم والعبادة والصلاة والحج وأفعال البر. ([329]) () انظر: رواية البخــــاري في صحيحــــه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين ، ج4/217؛ رواه الإمام أحمد في مسنده، ج2/249، 331. () انظر: رواية البخــــاري في صحيحــــه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين ، ج4/217. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين ، ج4/216.

بعد أن شبّ، كان مثال الكرم والجود وسمو الأخلاق، حريصًا على العلم فتعلم من كبار الصحابة، ومن أمهات المؤمنين، كان أحد أشراف المدينة وسادتها ومعلميها في عصر الراشدين، ([330]) وخصوصًا في خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم حيث ربطته علاقة خاصة بهما فهو محل تقدير الأمة عمومًا والخلفاء خصوصًا، وهم أصهار النبي وأصهار الحسين، فعمر تزوج من أُخته أم كلثوم بنت علي. ([331]) ولا شك أن الحسين كان بالغًا وموافقًا على هذه المصاهرة. () انظر: الصلابي، الحسن بن علي، ص 216.

كان من معلمي الناس الكتابَ والسنةَ في عهد عمر وعهود من بعده. ([332]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين ، ج4/217.

في خلافة عثمان وفي أيام والده أمير المؤمنين علي. ([333]) () ابن سعد، الطبقات، ج5/398؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/38. () انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين ،ج4/216. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/261؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/38؛ وانظر: الصلابي، الحسن بن علي، ص 30.

وفي خلافة عثمان بن عفان، كانت له مكانته الخاصة بين المسلمين، وقد شارك مجاهدًا في الفتوح الإسلامية جنديًّا من جنود المسلمين في فتوح شمال إفريقيا في المغرب وفي طبرستان في أقصى المشرق. ([334]) وعلينا أن ندرك بُعد ما بينهما لندرك ما بذل من جهد. () ابن كثير، البداية والنهاية، ج5/150. () الطبري، تاريخه، ج5/169. () الطبري، تاريخه، ج5/236، 204. () الطبري، تاريخه، ج6/86.

وقد شارك مع أخيه الحسن في الدفاع عن عثمان بن عفان حين حوصر في داره، ولم ينصرف إلا بعد أن أقسم عثمان بن عفان على المدافعين أن يتركوا الدفاع عنه، خشية من عثمان على الحسن والحسين وبقية المدافعين عنه. ([335]) () خليفة بن خياط، تاريخه، ص 152. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنها، ج4/216.

في خلافة علي خرج معه من المدينة إلى العراق، وشاركه في كلٍ من موقعة الجمل وصفين والنهروان. ([336]) () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 204؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/186.

ولما استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كان مُقدِرًا ومحترمًا أخاه الحسن، وتبعًا له لم ينازعه أو ينشق عليه، بل كان عونًا له، رغم أن له رأيًا آخر. ([337]) ولما رأى الحسن التنازل لمعاوية بن أبي سفيان لم يُذكر رأيًا آخر للحسين أو مخالفة لأخيه الأكبر الحسن فيما رآه من التنازل وحقن الدماء، وإعادة الوحدة للأمة من جديد. ([338]) ولعل الحسين شريك في إصلاح الأمة مع الحسن رضي الله عنهم بدرء الفتنة والتنازل لمعاوية عن حق الحسن في الخلافة، مع أن الحسن أهل للخلافة وأحق بها، لكنه آثر درء الفتنة وخشي من إراقة الدماء. () وضع البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنها، ج4/216. () انظر: عنوان الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج3/380.

فعاد الحسين إلى المدينة المنورة، حيث حرص مع أخيه الحسن على تفقد أحوال أمهات المؤمنين، وتعليم الناس الخير، ومساعدة المحتاجين، وشفاعة الخير في المستضعفين والمحتاجين، ([339]) فكان أشرف من في المدينة من آل البيت بعد وفاة الحسن. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/280؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج2/18. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/150، 205. () انظر: الألباني، الأحاديث الصحيحة، ج2/448؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/206. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/151؛ الطبري، تاريخه، ج6/268. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/282.

وحينما أَخذ معاوية البيعة بالخلافة لابنه يزيد وترك مبدأ الشورى، وحوّل الخلافة إلى ملك، لم يسكت الحسين على ذلك، وكاتبه أهل العراق وغيرهم، وأظهروا له النصرة والبيعة وطلب منه أهل الكوفة أن يَقدُم إليهم، ووعدوه بالنصر والمؤازرة، فأراد الخروج إليهم، فنصحه وحذره عدد من أهل البيت، منهم عبدالله بن عباس وغيره، وعدد من الصحابة على رأسهم أبو سعيد الخدري وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم، وكانوا مشفقين عليه غير واثقين من نصرة أهـــل الكوفة لـــه، وذكَّروه بخـــذلانهم لأبيه علي أكثر من مرة. ([340]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/280؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/205. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/207.

خرج الحسين ومعه أهله وبعض مناصريه المخلصين له، وتوجه إلى الكوفة. وفي الطـــريق لقيه الشاعر المشهور (الفرزدق) فسألـــه كيف تركت الناس في الكوفة؟ فأجابه: تركتهم قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية. ([341]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/285؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/207. () انظر: ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 232.

وقد واصل الحسين مسيره، وفي الطريق بلغه مقتل بعض أعوانه الذين سبقوه إلى الكوفة، ثم لقيه جيش عبيدالله بن زياد أمير بني أمية وقوامه أهل العراق عند كربلاء، وكاد أن يقع صلح بينهم، إلا أن بعض الأشرار منعوا الصلح، وفرضوا شروطًا رفضها الحسين، وهو الشجاع ابن الشجاع، فدارت معركة قتل فيها الحسين بن علي شهيدًا مأجورًا مثابًا ــ بإذن الله ــ في يوم عاشوراء 10 محرم سنة 61هـ وعمره 56 سنة، ومعه عدد من أهل بيته وأعوانه قاربوا الثمانين، منهم سبعة من ذرية فاطمة، فكانت قضية عظيمة ابُتلي المسلمون فيها بابن بنت نبيهم، خير الناس أمًّا وأبًا. رحل إلى الجنة التي بُشِّر بها، وباء قاتلوه بالإثم والعار إلى يوم القيامة، وهو تبع لوالده الشهيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولصهره الشهيد عمر بن الخطاب، والشهيد عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم، وحشرنا معهم في الفردوس الأعلى. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/285.

لقد تألمت الأمة لمقتله وكان الصحابة والتابعون يذكرون فضله ومحبة النبي له، فهذا أنس بن مالك لما رأى رأسه بين يدي عبيد الله بن زياد قال: (كان أشبههم برسول الله ). ([342]) وهذا ابن عمر رضي الله عنهم يقول: (أهل العراق يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله، وقد قال هما ريحانتاي من الدنيا). ([343]) () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/285.

ومع الأسف إن بعض المنتسبين إلى الإسلام استغلوا الحادثة في تفريق الأمة وتشتيت شملها، وكأنما الأمة موافقة لقتل الحسين ومشاركون في ذلك، يختلقون القصص ويصوغون الحكايات والألحان، وهم يعلمون أن الأمة كلها بلا استثناء لم توافق على قتله، وأن زرع الكراهية في الأمة أو جلد النفوس وإخراج الدماء في يوم عاشوراء ليس من دين محمد ولا يرضاه الحسين، ولا يقره، وهو تبع لمحمد في سننه، وليس في ذلك تقرُّب إليه ولا علامة محبة، فحسب الحسين الدعاء له والتأسي به وكره من كرهه، وحب من أحبه بلا بدعة، وهو واحد من شهداء الأمة لحِق بحبيبه محمد مع ركب الشهداء الذين سبقهم سيدهم حمزة. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/285 ــ 286.

وقد اتخذ بعض المبتدعة مشاهد وأضرحة في أكثر من موضع في العالم الإسلامي، يزعمون فيها وجود جسد الحسين أو رأس الحسين، تفعل عندها شرْكيّات كبرى، بزعم محبة الحسين ودعائه وطلب العون منه، ومن ذلك الروضة الحسينية كما تسمى في كربلاء، وكذلك مسجد الحسين في القاهرة وفي غيرها، إضافة إلى مشاهد أخرى رُبطت بالحسين، كما ربط اسمه بما يسمى الحسينيات، وهي أماكن للتجمع والعبادة سموها باسمه، وانتشرت في كل أنحاء العالم، مخالفة في تسميتها للمساجد المنصوص عليها في القرآن الكريم. () انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص454؛ مسند الإمام أحمد، ج1/396.

وعلى كل فالحسين من أئمة التوحيد وإخلاص العبادة لله، وهو تبع للإمام علي، الذي لم يعرف أنه سجد لصنم. ويفتخر به المسلمون أنه لم يسجد لصنم وتبع للرسول الذي لعن اليهود والنصارى لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، روى عدة أحاديث عن رسول الله. ([344]) () انظر: الطبري، تاريخه، ج5/187، 226، 236، ج6/42.

أبو بكر الصديق (ثاني اثنين): ([345])

() الطبري، تاريخه، ج6/92؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/265. () انظر: البلاذري، أنساب الأشراف، ج2/150؛ الحاكم، المستدرك، ج3/175؛ الأصبهاني، دلائل النبوة، ج6/445؛ أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة، ج2/66.

هو عبدالله بن عثمان بن عامر من تيم مرة التميمي القرشي يلتقي مع الرسول في الجد السادس، لُقِّب بأبي بكر واشتهر بالصديق، كما عُرف بعتيق، لقول الرسول الله له: (أنت عتيق الله من النار)). ([346]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/293؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/163.

كان صاحب رسول الله قبل البعثة وهو قريب منه في السن حيث إنه أصغر من رسول الله بسنتين. اشترك مع رسول الله في خصال كثيرة، منها الصدق والأمانة، والمعرفة، والمكانة العالية في قريش، ([347]) فكان بينهما التقاء خاص في العادات والنفسية، وكان بينهما رفقة خاصة ومحبة متبادلة في وقت مبكر قبل البعثة، اشتركا في كُره الخمر والزنا والظلم، وكُره الشرك. () انظر: الطبري، تاريخه، ج6/218؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/166.

كان من أكثر قريش معرفة بالأنساب. ([348]) كما كان صاحب تجارة، قاربت تجارته أربعين ألف درهم حين إسلامه. ([349]) () انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/293.

أسلم على يد رسول الله في الأيام الأولى للبعثة، وقد وضع البخاري في صحيحه باب (إسلام أبي بكر الصديق)، ([350]) روى فيه عن عمار بن ياسر قال: رأيت رسول الله وما معه إلا خمسةُ أعبدٍ وامرأتان وأبو بكر. ([351])

وقد أشار حسان بن ثابت شاعر رسول الله فيما نقل ابن عباس رضي الله عنهم من شعره إلى مبادرة الصديق إلى الإسلام في قوله: () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين، ج4/216. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب الحسن والحسين، ج4/217.

إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها *** إلا النبي وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحمود مشهده *** وأول الناس منهم صدق الرسلا ( ) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/280.

وقد نال أبا بكر الأذى من قريش بسبب إسلامه، كما نال رسول الله، وقد شارك قومه في الدفاع عنه. ([352]) () وضع البخاري في صحيحه في كتاب فضائل أصحاب النبي ، بابًا بعنوان: فضل أبي بكر الصديق، ج4/191. وقد أُلِّف العديد من الكتب عن أبي بكر الصديق، منها:علي محمد الصلابي، الانشراح ورفع الضيق بسيرة أبي بكر الصديق. محمد رشيد رضا، أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين. محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة. نزار الحديثي، أبو بكر الصديق. علي الطنطاوي، أبو بكر الصديق. محمد مال الله، أبو بكر الصديق. مجدي حمدي، أبو بكر رجل الدولة. محمود شلبي، حياة أبي بكر. محمد أحمد عاشور، فطن أبي بكر الصديق. عبدالرحمن الشرقاوي، الصديق أول الخلفاء. محمد حسين هيكل، الصديق أبو بكر. عباس محمود العقاد، عبقرية الصديق. عاطف لماضة، مواقف الصديق مع النبي في مكة، ومواقف الصديق مع النبي في المدينة.

كان إسلام الصديق دون تردد مما جعل الرسول يشير إلى ذلك في قوله: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي)). ([353]) () رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب (17)، ح برقم: 3679، ج5/616؛ وصححه الألباني: 1574.

كان إسلام أبي بكر بركة على الناس، فبعد إسلامه كان الداعية الأول لرسول الله، فأسلم عَلَى يديه الرعيل الأول من الصحابة، وفيهم معظم العشرة المبشرين بالجنة، ومنهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة ابن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبدالأسد، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهم. ([354]) () النويري، نهاية الأرب، ج19/10.

لقد أحسن الصديق اختيار الرجال الذين كانوا نواة أمة الإسلام، وحملة الرسالة إلى العالم، ولذلك كان يقول عن الصديق: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)). ([355]) () ابن حجر الإصابة، ج2/342. () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 124.

وبالإضافة إلى هؤلاء فقد أسلم أهل بيت أبي بكر الصديق، زوجته وبناته وأبناؤه وخادمه. ([356]) وقد وضع البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: (قول النبي لو كنت متخذًا خليلاً) روى فيه عن ابن عباس رضي الله عنهم عن النبي قال: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي)). ([357]) () صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ج4/240. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ج4/240؛ وانظر: شرح ابن حجر، في فتح الباري، ج15/12.

وقد نفع الله المسلمين بماله منذ أول الإسلام، حيث قام بشراء المعذبين المسلمين من الجواري والموالي من حر ماله وأعتقهم لوجه الله، وعلى رأس هؤلاء بلال بن رباح. ([358]) ﴿ فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ 5 وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ 6 فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ 7﴾ [الليل].

ولذلك وغيره قال فيه رسول الله : (ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر)).

وقد نال الصديقَ الأذى مع رسول الله فكان يفديه بنفسه، روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: (سألت عبدالله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجـــلاً أن يقول ربي الله وقــد جاءكم بالبينات)). ([359])

كما وردت رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : (إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وُضِع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب). ([360])

وقد حاول الصديق الهجرة إلى الحبشة، فرده ابن الدغنة وهو من زعماء بني الهون بن خزيمة وأجاره بمكة أمام قريش، وقال: مثلك لا يخرج يا أبا بكر. () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 126.

وكان أبو بكر يصلي بفناء داره فيعلن قراءته فيتأثر به شباب ونساء قريش، فطلب القوم من ابن الدغنة أن يمنعه من الجهر بقراءته أو يرد جواره، فقال أبو بكر: إني أرد جوارك، ورضي بجوار الله وتحمل ما أصابه من أذى. ([361]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب فضل أبي بكر الصديق، ج4/192.

واستمر الصديق ملازمًا رسولَ الله بمكة، وكان الرسول يخرج إلى أسواق العرب المجاورة لمكة يعرض الإسلام على الناس وبصحبته الصديق مشاركًا له في الدعوة. ([362]) () علي الصلابي، أبو بكر الصديق، ص 39.

وحينما كان يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج كان رفيقه الملازم والمشارك له هو الصديق، وكانت معرفته بالقبائل عونًا لهما في الحديث لرجال القبائل، ولفْتِ انتباههم وعرض الدعوة عليهم. ([363]) () صححه الألباني في صحيح الجامع الصحيح، ج2/8؛ (نقلاً عن الصلابي، أبو بكر الصديق، ص 37).

ولعل أشهر حدث شارك فيه الصديق وحده مع رسول الله الهجرة النبوية، ذلك الحدث الذي غير مجرى التاريخ الإنساني حتى اتخذه المسلمون للتأريخ للأحداث. ([364]) () الصلابي، أبو بكر الصديق، ص 39. () صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي : لو كنت متخذًا خليلاً، ج4/191.

قال ــ تعالى ــ: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 40 ﴾ [التوبة]. () ابن هشام، السيرة النبوية، ج1/318؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/353.

وقبل السفر وفي الطريق كان الصديق وأهل بيته نعم العون لرسول الله ([365]) في هجرته وحين استقر رسول الله في المدينة، كان أبو بكر ملازمًا له، بل جعل داره جوار رسول الله، وله خوخة إلى المسجد، أمر أن تبقى عند وفاته، وأن تسد بقية الأبواب الشارعة في المسجد.([366])

وقد تشرّف الصديق بعد الهجرة بزواج الرسول من ابنته أم المؤمنين عائشة، ([367]) فزاد دخوله على النبي في حجرة عائشة وكانت لهما مواقف مشتركة معها، وهي أحب نسائه إليه وهو أحب الرجال إلى الرسول. وقد ورد في الحديث الشريف (عن عمرو بن العاص أن النبي بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك قال: عائشة، فقلت: من الرجال، فقال: أبوها، فقلت ثم من قال: ثم عمر بن الخطاب فعدَّ رجالاً)). ([368]) () انظر: البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب من لقي النبي وأصحابه من المشركين بمكة، ج4/240.

وحينما مرض أبو بكر الصديق بحمّى المدينة نقلت عائشة الخبر لرسول الله، فدعا دعاءه المشهور: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصحِّحها، وبارك لنا في مُدّها، وصاعها، وانقل حُمّاها واجعلها في الجحفة)). ([369]) () رواه البخاري، في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب فضل أبي بكر الصديق، ج4/197.

وحينما أُذن لرسول الله بالقتال كان أبو بكر معه في كل الميادين دون استثناء، لم يتخلف عن رسول الله في أي موضع.

وله مواقف خاصة في غزوة بدر، ([370]) حيث كان مع المصطفى. ويصف علي بن أبي طالب شجاعة الصديق في هذا الموقف بقوله: (إنه خَطَبَهم فقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما أني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله عريشًا، فقلنا من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. قال ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يحادّه، وهذا يتلتله ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، ثم رفع عليُّ بردة كانت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، فهذه خصوصية للصديق، حيث هو مع الرسول في العريش، كما كان معه في الغار ــ رضي الله عنه وأرضاه ــ ورسول الله يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدعو به: "اللهم إنك إن تهلك هذا العصابة لا تعبد بعدها في الأرض". وجعل يهتف بربه ويقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك"، ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر عنه يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه، ويقول مشفقًا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله بعضَ مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك). ([371]) () انظر: ابن كثير، السيرة النبوية، ج2/63.

كان الصديق أكثر الصحابة اقترابًا من رسول الله في بدر يحمل سيفه دفاعًا عن رسول الله، وكان مؤمنًا بنصر الله لرسوله، يقول: (يا رسول الله كفاك بعض مناشدتك ربك فوالله لينجزن الله لك ما وعد). ([372]) () ابن هشام، السيرة النبوية، ج1/424.

ولذلك كان الصديق أول من تلقى البشارة من رسول الله بالنصر، حيث قال له: (أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ براية بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع)). ([373]) () انظر: عرض الرسول نفسه على القبائل، من هذا الكتاب.

كما شارك برأيه في أسرى بدر وكان رحيمًا بقومه، حيث كان ممن رأى فداء الأسرى لعل الله أن يهديهم. ([374]) () انظر: عمر بن شبة، تاريخ المدينة، ج2/758.

وقد أشار الرسول إلى لين قلب أبي بكر فيما رواه عبدالله بن مسعود قال: (لما كان يوم بدر، قال رسول الله : ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأصلك، اسْتَبْقِهِم واسْتَتِبْهُم، لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله: كذبوك وأخرجوك، قدِّمهم نضرب أعناقهم، وقال عبدالله بن رواحة: يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه، فقال العباس: قطع الله رحمك، قال: فسكت رسول الله فلم يرد عليهم، ثم قام فدخل، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبدالله بن رواحة، ثم خرج رسول الله فقال: إن الله لَيُلِيْنُ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ ([375] ) وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ ([376] ) وإن مثلك يا عمر مثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ﴾ ( 3 ) وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ﴾ ( [377] ) أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق)). ([378])

وكان له مواقف في أُحُد وبني قريظة والخندق والحديبية، وفتح مكة بان فيها رأي أبي بكر المباشر في هذه الغزوات وغيرها. ([379]) () انظر تفصيلات ذلك في موضوع الهجرة، من هذا الكتاب. () انظر: البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قول النبي سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، ج4/190.

وحينما مرض رسول الله لازمه الصديق، خصوصًا أن تمريض المصطفى قبيل وفاته كان في منزل عائشة بنت الصديق وليس لها حجاب عنه، ولم يتركه إلا في اليوم الذي توفي فيه، حينما رآه قد نشط فاستأذن من الرسول في أن يزور بيته الآخر في السُنح أطراف المدينة، فأذن له المصطفى وقبض رسول الله فجر ذلك اليوم. () انظر: زواج النبي من عائشة، من هذا الكتاب. () روه البخاري، في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب أبي بكر الصديق، ج4/192.

فأسرع الناس إلى استدعاء أبي بكر الصديق فهو رجل الموقف ثباتًا ورأيًا وإيمانًا واستحضارًا لكتاب الله وسنة نبيه وكأنه أُعِدَّ لهذا الموقف وتلك المقولة، وذلك الفقه العظيم، حيث قال للناس: (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدالله فإن الله حي لا يموت). ([380]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء يرفع الوباء والوجع، ج 7/160.

عند بيعة الصديق كانت الدولة الإسلامية قد امتدت أيام الرسول إلى كافة أنحاء الجزيرة العربية، ووصلت أطراف الشام، واحتكت جيوشها بالروم في مؤتة، وأعدّ جيشًا بقيادة أسامة بن زيد لغزو بلاد الروم. ([381]) ومع هذا فقد حدثت الردة في أنحاء كثيرة من الدولة والقبائل قبيل وفاته، حيث ظهر مدعي النبوة مسيلمة الكذاب في اليمامة والأسود العنسي في اليمن، وزاد الأمر سوءًا بارتداد مانعي الزكاة وهم فئة كبيرة من قبائل العرب، وتصف عائشة بنت الصديق الحال حينما تُوُفِّى رسول الله بقولها: (تُوُفِّى رسول الله، فنزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال لهاضها، اِشْرَأَبَّ النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وعنائها في الإسلام). ([382])

وقد استدعى الأمر من الصديق مشاورات مع بقية الصحابة حول الموقف وما ينبغي اتخاذه، وكان رأي الصديق هو الصائب ومعه الدليل الشرعي من سنّة رسول الله في كل ما اتخذ من مواقف، ([383]) حيث أصر على تسيير جيش أسامة بن زيد الذي أمر به رسول الله برغم معارضة بعض الصحابة وقال قولته المشهورة؛ (والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت جيش أسامة كما أمر رسول الله ). وفي رواية (والذي نفسي بيده لأن تميل عليّ العرب أحب إلي من أن أحبس جيشًا بعثه رسول الله ). ([384]) وقد خرج بنفسه لوداع الجيش وأوصاه بوصايا حضارية إنسانية في حفظ الأرواح والأموال وعدم الإفساد في الأرض وعدم الاعتداء على النساء والأطفال والمسالمين. وجاء في نص الوصية (أيها الناس، لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له. .). ([385]) () انظر: غزوة بدر، من هذا الكتاب. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج3/272، الصلابي، أبو بكر الصديق، ص 80.

وعاد الجيش بعد شهرين بعد تحقيق أهدافه وإظهار هيبة المسلمين وقوة دولته وقدرة قائدهم خليفة رسول الله الأول الصديق. ([386]) () انظر: غزوة بدر، من هذا الكتاب.

وفي الوقت نفسه شاور بقية الصحابة في المرتدين، فكان رأي بعضهم ألا يقاتل مانعي الزكاة. () ابن هشام، السيرة النبوية، ج2/624. والنقع هو الغبار.

وقاد الصديق بنفسه أول جيش خرج لقتال المرتدين إلى ذي القصة، رغم خوف الصحابة عليه ومحاولة ثنيه عن الخروج بنفسه، ولكنه أصر على أن يواسي الناس بنفسه، ونصره الله على القبائل المرتدة التي كانت تستهدف المدينة، وغلبهم فاضطروا للإذعان والانقياد لأمر الإسلام وأبي بكر الصديق. ([387]) () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 195.

وبعد عودة جيش أسامة كوَّن الصديق أحد عشر جيشًا لحرب المرتدين في مختلف أنحاء بلاد العرب كانت بقيادة خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة وخالد بن سعيد بن العاص، والمهاجر بن أُميَّة، وعمرو بن العاص، والعلاء بن الحضرمي رضي الله عنهم وغيرهم. ([388]) وقامت تلك الجيوش المختلفة بحركات عسكرية قوية ضــد المرتدين في كل بلاد العرب من اليمن وعُمان وحضرموت ونجد واليمــامة. وكانت أشهر معاركها موقعة اليمامة في بني حنيفة، حيث قُتِل مسيلمة الكذاب واستشهد من المسلمين قرابة تسعمائة منهم ثلاثمائة وستون من أصحاب رسول الله. ([389]) () من الآية رقم (36)، من سورة إبراهيم. () من الآية (118)، من سورة المائدة. () من الآية (26)، من سورة نوح. () رواه ابن أبي شيبة في المغازي، ص 195، 196؛ انظر: الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال، ح برقم: 3084، ج5/271.

وما أن انتهت السنة الحادية عَشْرَة من الهجرة حتى كان الصديق قد فرغ من القضاء على المرتدين بشقيهم، أتباع مدَّعي النبوّة ومانعي الزكاة. () تابع كل غزوة في موضعها، من هذا الكتاب.

وكان الصديقُ صاحبَ رسولِ الله وتلميذَه، يدرك البعد العالمي للإسلام ودعوته، ومع شدة الظروف التي يشهدها المسلمون وكثرة الشهداء والجرحى في معارك الردة، فإن الصديق أطلق موجة الفتوح الإسلامية، بشكل لم تعرف له البشرية مثيلاً لتحقيق ما وعد الله ورسوله من نصرةٍ وتمكين لدين الله بين عباد الله.

فبدأت الفتوح أولاً في أطراف العراق على يد المثنى بن حارثة الشيباني بتوجيه مباشر من أبي بكر الصديق، ثم أتبعه الصديق بجيوش أخرى بقيادة خالد بن الوليد، وعياض بن غَنم رضي الله عنهم وكانت جيوش الصديق تحقق الانتصار تلو الآخر على الفرس وجيوشها، وتمهد للمعركة الكبرى التي حدثت بعد ذلك، وهي القادسية وفتح المدائن التي يعد الصديق هو المخطط لها بما بعث من جيوش، وإن كانت النتائج قد ظهرت في خلافة عمر. ([390]) () راجع تفاصيل في موضوع وفاة الرسول ، من هذا الكتاب.

وقد فتح الصديق جبهة أخرى للفتوح في الشام، حيث بعث أربعة جيوش في وقت واحد للفتوح في بلاد الشام بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لفتح حمص، ويزيد بن أبي سفيان لفتح دمشق، وعمرو بن العاص لفتح فلسطين وشرحبيل بن حسنة لفتح الأردنّ. ([391]) () انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه، ج5/145. () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 431، و432.

وتحركت هذه الجيوش بتوجيهات خاصة وتعليمات مباشرة من أبي بكر الذي رسم لكل جيش أهدافه، والطريق التي يسلكها. () انظر: أكرم العُمري، عصر الخلافة الراشدة، ص89. () الطبري، تاريخه، ج3/212؛ والذهبي، تاريخ الإسلام (عهد الراشدين)، ص 2؛ وانظر: علي الصلابي، أبو بكر الصديق، ص218. () انظر: صبحي الصالح، النظم الإسلامية، ص 302.

وكانت مغامرة كبرى لم تعرف البشرية لها مثيلاً لاقتحام أراضي أكبر إمبراطورية معروفة في ذلك الزمن وهي إمبراطورية الروم التي دهش قادتها وأعدوا جيشًا لملاقاة المسلمين في اليرموك. وحينها وجه الصديق أمرًا لخالد ابن الوليد، وهو أحد قواد جيوش العراق، بأخذ نصف جيش المسلمين في العراق والتوجه به في نجدة لإخوانه في الشام، ([392]) فوصل في الموعد المناسب، واستعد المسلمون لمعركة اليرموك التي رتبها أبو بكر الصديق كاملة، وإن كانت وقعت وحسمت زمن عمر، حيث وصل المسلمين في اليرموك خبرُ وفاة الصديق. ([393]) () انظر: عبد العزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 102.

لا شك أن هذا الامتداد وهذه الفورة العظيمة في المد الإسلامي كان الفضل فيها بعد الله لأبي بكر الصديق تلميذ رسول الله، الذي يرجع له الفضل بإيصال الإسلام إلى تلك الأصقاع بالتخطيط والعمل الدؤوب، والتضحية والفداء.

إن الإنسان ليعجب لعظيم إنجاز الصديق في فترة قصيرة جدًّا حيث عَدّ المؤرخون فترة خلافته بسنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ([394]) وما أعظمها وأكثرها بركة في تاريخ البشرية جمعاء. () انظر: الطبري، تاريخه، ج3/225.

وإن الإنسان ليعجب ممَّن نصب نفسه عدوًّا لهذا الخليفة المبارك الذي كان ساعده الأول علي بن أبي طالب وغيره من أصحاب رسول الله الذين كانوا عونًا له في حياته شهودًا له بالخير بعد مماته. حيث عُرِفَ عن علي ثَنَاؤُهُ على الصديق قبل وفاته وبعد وفاته. () الطبري، تاريخه، ج3/225. () راجع: خليفة بن خياط، ص 110، 111؛ والطبري، تاريخه، ج3/252؛ والذهبي، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين)، ص 53 ــ 73؛ ابن الأثير، الكامل، ج2/364؛ وانظر: عبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور (موقعة اليمامة)، ص 103.

عمر بن الخطاب : ([395])

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى من بني عدي من قريش قبيلة النبي، يكنى أبا حفص، وعُرِفَ بالفاروق.

ولد قبل البعثة بقرابة سبع وعشرين سنة، كان مميزًا في جسده بالطول والقوة والجسامة، سريع المشي. () البلاذري، فتوح البلدان، ص 242؛ الطبري، تاريخه، ج4/2؛ وانظر: عبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 109 ــ 115.

نشأ في قريش قبل الإسلام، وتميز بتعلم القراءة والكتابة، عمل في الرعي لوالده في صغره، وبعد أن بلغ مبلغ الرجال عمل في التجارة كحال رجال قريش. () الأزدي، فتوح الشام، ص 11 ــ 15؛ خليفة بن خياط، تاريخه، ص 119؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 115، 116؛ الطبري، تاريخه، ج3/208، 29.

كان في بداية الإسلام شديد التمسك بعادات قريش وجاهليتها، كثير الأذى للمسلمين وخصوصًا المستضعفين منهم حتى هداه الله للإسلام. ([396])

حرص بعد إسلامه على الصدع بالدعوة، والدفاع عن الإسلام والمسلمين وتحمل الأذى في سبيل ذلك، سماه رسول الله بالفاروق، أعز الله به الإسلام. حتى قال ابن مسعود : (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر). ([397]) () خليفة بن خياط، تاريخه، ص 119. الأزدي، فتوح الشام، ص 73 ــ 81، الطبري، تاريخه، ج3/32. () انظر مزيدًا من التفصيلات عند: عبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، من ص 114 ــ 121.

هاجر إلى المدينة قبل الرسول، ومعه عشرون من أصحاب رسول الله، ([398]) فكانوا ممن مهد لوصول رسول الله إلى المدينة.

وبعد الهجرة كثرت مشاركاته لرسول الله في الأحداث المختلفة وشهد المشاهد معه. ([399]) () انظر: ابن الأثير، الكامل، ج1/419.

حتى أن عليًّا قال: (كنت كثيرًا أسمع النبي يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر)،(3) كما كان يأخذ بيده أحيانًا. شهد له الرسول بالجنة في أكثر من موضع، وقال عنه : (يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك)). (1)

وقد رآه النبي في أكثر من رؤيا منها: (أن رسول الله قال: بينما أنا نائم شربت، يعني اللبن، حتى أنظر إلى السري يجري في ظفري أو أظفاري، ثم ناولت عمر، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم)). ([400]) () أُلِّف العديد من الكتب عن عمر بن الخطاب وسيرته، منها:أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. محمد أبو النصر، عمر بن الخطاب. علي أحمد الخطيب، عمر بن الخطاب (حياته ـ علمه ـ أدبه). د. محمد قلعجي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب. صالح بن عبدالرحمن بن عبدالله، عمر بن الخطاب. علي وناجي الطنطاوي، أخبار عمر بن الخطاب وأخبار عبدالله بن عمر. محمد علي الصلابي، فصل الخطاب في سيرة عمر بن الخطاب. غالب عبدالكافي القرشي، أوليات الفاروق. فاروق مجدلاوي، الإدارة العسكرية في عهد عمر بن الخطاب. عبدالرحمن عبدالكريم العامي، الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب. محمد رشيد رضا، الفاروق عمر بن الخطاب. عمر التلمساني، شهيد المحراب. عبدالرحمن الشرقاوي، الفاروق عمر. عباس محمود العقاد، عبقرية عمر. عاطف لماضة، الفاروق مع النبي. ناصر الطريفي، القضاء في عهد عمر.

كما ورد أن النبي قال: (أُريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب، فاستحالت غربًا فلم أرَ عبقريًّا يفري فَريَّةُ حتى رَوِىَ النَّاسُ وضربوا بعطن)). ([401])

وقال عنه فيما روى أبو هريرة قال رسول الله : (لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر)). ورُوي عنه قال النبي : (لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر)) ، قال ابن عباس رضي الله عنهم (ما من نبي ولا محدث). ([402])

وقال عنه فيما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (بينما أنا نائم، رأيت الناس عُرضوا عَلَيَّ وعليهم قُمص، فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعُرض عَلَيَّ عمر وعليه قميص اجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله، قال: الدين)). ([403])

وقد وافق القرآن عمر بن الخطاب في أكثر من موضوع، من ذلك موافقة رأيه في أسرى بدر. ([404]) () انظر: إسلام عمر بن الخطاب، من هذا الكتاب.

في قوله ــ تعالى ــ: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ67﴾ [الأنفال]. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/269؛ وانظر: حديث ابن مسعود عند البخاري في صحيحه، كتاب كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عمر بن الخطاب، ج4/199.

وموافقته في ترك الصلاة على المنافقين في قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ84﴾ [التوبة]. حيث أشار عمر على رسول الله بعدم الصلاة على عبد الله بن أُبيّ زعيم المنافقين. ([405]) () ابن هشام، السيرة النبوية، ج2/472.

وحينما سأل الله اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا نزل على الرسول قوله ــ تعالى ــ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 90 إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾ [المائدة]. ([406]) () وضع البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عمر بن الخطاب، أبي حفص القرشي العدوي، ج4/198.

وفي الحجاب حين أشار على النبي أن يأمر نساءه بالحجاب فنزل على رسول الله قوله ــ تعالى ــ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا53﴾ [الأحزاب]. ([407])

وفي مقام إبراهيم حيث قال للنبي : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 125 ﴾ [البقرة]. ([408]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عمر بن الخطاب، ج4/198.

صاهر عمر بن الخطاب رسول الله في ابنته حفصة بنت عمر، ولعل زواج رسول الله منها أكبر دليل على المحبة المتبادلة بين الرسول وعمر بن الخطاب. وفي قصة زواجها ورد عند البخاري في كتاب النكاح قصة خطبة رسول الله حفصة من قول ابن عمر : (إنه يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله، فَتُوُفِّىَ بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا، وكنت أَوْجَدُ عليه مني على عثمان، فلبث ليالي ثم خطبها رسول الله فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عَلَيَّ حين عرضت عَلَيَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئًا قال عمر: قلت نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عَلَيَّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله قد ذكرها فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله ولو تركها رسول الله قبلتها). ([409]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عمر بن الخطاب، ج4/198.

كان هذا الزواج مدعاة لمزيد من الاحتكاك بين رسول الله وبين آل عمر بنفسه وأبنائه، ولذلك كان كثيرًا ما يلتقيان عند حفصة في حجرتها. وقد كان عمر يلاحظ على حفصة مراجعتها رسول الله أحيانًا ويحذرها من غضب الله ورسوله، يقول عمر في ذلك: (لما قدمنا المدينة كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فَصَخِبْتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن، ثم جمعت عَلَيّ ثيابي فنزلت، فدخلت على حفصة، فقلت لها: أيْ حفصة أتغاضِبُ إحداكنّ النبي اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خِبْتِ وخسرتِ أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تستكثري النبي ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك ولا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي، يريد عائشة، قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لغزونا فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فرجع إلينا عشاءً، فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت ما هو، أجاء غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأهول، طلَّق النبي نساءه. وقال عبيد بن حنين سمع ابن عباس عن عمر فقال: اعتزل النبي أزواجه. فقلت: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون فجمعت عَلَيّ ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي، فدخل النبي مشربةً له فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلّقكن النبي ؟ قالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلاً ثم غلبني ما أَجِدُ فجئت المشربة التي فيها النبي فقلت لغلام له أسود: استأذِنْ لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي ثم رجع فقال: كلمت النبي وذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت فقلت للغلام: استأذن لعمر فدخل، ثم رجع، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت استأذن لعمر: فدخل، ثم رجع إليَّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فلما وليت منصرفًا قال: إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي، فدخلت على رسول الله، فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثّر الرمال بجنبه متكئًا على وسادة من أَدمٍ حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلّقت نساءك؟ فرفع إليَّ بصره فقال: لا، فقلت: الله أكبر، ثم قلت وأنا قائم: أستأنس يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي، يريد عائشة، فتبسم النبي تبسُّمَةً أخرى، فجلست حين رأيته تبسم فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي وكان متكئًا فقال: أَوَفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: يا رسول الله استغفر لي فاعتزل النبي نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعًا وعشرين ليلة.وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله إنك كنت قد أقسمت ألا تدخل علينا شهرًا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدّها عدًّا، فقال الشهر تسع وعشرون ليلة فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة. قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته، ثم خيَّر نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة)). ([410]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عمر بن الخطاب، ج4/200.

وآية التخيير التي أشارت إليها عائشة هي قوله ــ تعالى ــ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا 28 وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا 29﴾ [الأحزاب]. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عمر بن الخطاب، ج4/201.

كان عمر بن الخطاب محبًّا رسول الله حبًّا عظيمًا، متعلقًا به أشد التعلق غير مصدق فراقه، ولذلك صدم صدمة عظيمة حين رأى رسول الله قد تُوُفِّىَ، فلم يصدّق ذلك وهدد وتوعد وأرعد وأزبد لهول الصدمة، فقال: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله إلا ضربت عنقه. ([411]) () انظر: ابن كثير، تفسيره، ج1/853.

وأخذ يصول ويجول في مسجد رسول الله، حتى جاء أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب يكلم الناس فقال: اِجْلِسْ يا عمر! فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر أما بعد: من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان منكم يعبدالله فإن الله حي لا يموت، قال الله ــ تعالى ــ: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ 144 [آل عمران] وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمعُ بشرًا من الناس إلا يتلوها، فأخبرني سعيد بن المسيّب أن عمر قال: (والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعُقِرتُ حتى ما تقلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي قد مات). ([412])

كان لعمر بن الخطاب دور في مبايعة أبي بكر الصديق بالخلافة بعد رسول الله، حيث ذكر الدليل الشرعي في تكليف الصديق بالخلافة، وهو أن الرسول أمره أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه، وأنه ارتضاه لدينه: أفلا نرضاه لدنيانا، فكان دليل عمر الشرعي والعقلي أكبر مقنع للحضور في السقيفة، وبيعة أبي بكر من قِبَلِ الأنصار وعدد قليل من المهاجرين. ([413]) () انظر: رواية مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ج8/120؛ وتفسير ابن كثير، ج1/899.

عاش فترة خلافة أبي بكر الصديق وزيرًا ومستشارًا ومُعِينًا له كبقية الصحابة من أمثال عثمان وعلي رضي الله عنهم. () ابن كثير، تفسيره، ج1/650.

واجه معه منذ البداية المرتدين من أتباع المتنبئين ومانعي الزكاة، وكان الرأي في قتال مانعي الزكاة هو الحق الذي أصاب فيه أبو بكر، وكاد أن يخطئ فيه عمر. ([414]) كما أن عمر طلب تغيير أسامة بن زيد من قيادة الجيش الذي وجهه رسول الله إلى الشام، لكن أبا بكر قال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله وتأمرني أن أعزله. ([415]) () ابن كثير، تفسيره، ج2/ 10513؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج5/9.

شارك الصدّيق في قرارات مهمة في إنفاذ جيوش الفتح إلى العراق وفارس وتعيين الأمراء. ([416]) () ابن كثير، تفسيره، ج1/200.

وكان رأي عمر في جمع المصحف بعد استشهاد القراء في موقعة اليمامة، مما شجع الصديق على جمعه. ([417]) () رواه البخاري، في صحيحه، كتاب النكاح، باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير، ج6/130.

وقد اختاره الصديق للخلافة من بعده، بعد أن استشار الناس، ففي رواية ابن أبي شيبة تحت عنوان: "ما جاء في خلافة عمر بن الخطاب" (أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظًّا غليظًا، ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر؟ قال أبو بكر: أبربي تخوفونني، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير خلقك، ثم أرسل إلى عمر، فقال: إني موصيك بوصية إن أنت حفظتها: إن لله حقًّا بالنهار لا يقبله بالليل، وإن لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدَّى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم، وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا، وإن الله ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا، وأنه تجاوز عن سيئاتهم، فيقول القائل: ألا أبلغ هؤلاء، وذَكر أهل النار بأسوأ ما عملوا، وأنه رد عليهم صالح ما عملوا، فيقول قائل: أنا خير من هؤلاء، وذكر آية الرحمة وآية العذاب، ليكون المؤمن راغبًا وراهبًا، لا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقي بيده إلى التهلكة، فإن أنت حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت، وإن ضيعت وصيتي، لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تُعجزه). ([418]) () من رواية البخاري، في صحيحه، كتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، ج6/148 ــ 150.

ويورد ابن أبي شيبة رواية عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس، ويقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله قال: فجاء مولى لأبي بكر ــ يقال له: شديد ــ بصحيفة، فقرأها على الناس، فقال: يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة، فوالله ما آلوتكم، قال قيس: فرأيت عمر بن الخطاب بعد ذلك على المنبر. ([419])

حينما مارس عمر صلاحياته خليفة للمسلمين، كان نعم التلميذ لمحمد، طبق ما تعلمه من الرسول، مــن العدل بين الناس وتفقد أحوال الرعية واستحداث لأنظمة وحسن الإدارة، فضرب الإسلام أطنابه في كل مكان. () انظر وفاة النبي ، من هذا الكتاب.

فهو أول من سنّ الخراج على الأراضي المفتوحة، ووضع بذلك دخلاً ثابتًا لبيت مال المسلمين. () من رواية البخاري، في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، ج5/143.

وهو أول من وضع الدواوين وفرض العطاء. ([420]) () انظر: بيعة الصديق، من هذا الكتاب.

كما كان يحسن اختيار العمال والأمراء، الذين شاركوه في إدارة الدولة الإسلامية، ([421]) التي امتدت من أذربيجان في الشمال الشرقي إلى شمال إفريقيا في حدود ليبيا.

ومن بلاد فارس وخراسان إلى اليمن، حيث دخلت شعوب وأمم كثيرة تحت راية لا إله إلا الله، وانضوت تحت قيادة المدينة، مهاجَر رسول الله، وتحققت معجزات الرسول في الأخبار عن امتداد الإسلام، وفي الأخبار عن عمر وما لديه من حكمة وعلم، ودخلت في زمانه تحت لواء الإسلام عواصم مشهورة منها المدائن ودمشق، وبيت المقدس، ومصر بما فيها الإسكندرية، وأذربيجان، وكامل فلسطين والشام، وبلاد فارس، وجاءت الغنائم للمدينة من كل مكان. ([422]) () الطبري، تاريخه، ج3/212، 244. () الطبري، تاريخه، ج3/212.

وقد حكم عمر المسلمين مدة اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وعدة أيام. ([423]) () الصلابي، فصل الخطاب في سيرة عمر بن الخطاب، ص 91 ــ 98.

وكانت وفاة عمر بن الخطاب مفاجأة. ولعل من أصدق ما ورد فيها وما صاحبها من أحداث رواية عمرو بن ميمون في البخاري، وهو شاهد عيان، حضر إصابة عمر، وما تلا ذلك من أحداث يقول: (رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان ابن حنيف، قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أَنْ تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعَنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا، قال: فما أتت عليه رابعة حتى أصيب قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبدالله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينًا ولا شمالاً إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنسًا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبدالرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون سبحان الله سبحان الله، فصلى بهم عبدالرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟. فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدعي الإسلام. قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا، فقال: إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا، قال: كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم وحجّوا حجكم فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أُتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وُليت فعدلت ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف لا عَلَيَّ ولا لِيَ، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال: ردوا علي الغلام قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك، يا عبدالله بن عمر انظر ما عَلَيَّ من الدين فحسبوه فوجدوه ستةً وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: إن وفّى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم وإلا فَسَلْ في بني عدي بن كعب فإن لم تفِ أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل: أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلّم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأُوثِرَنّه به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبدالله بن عمر قد جاء قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبُّ يا أمير المؤمنين؛ أَذِنَتْ، قال: الحمد لله ما كان من شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلِّم فقل يستأذن عمر ابن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلاً لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا: أوْصِ يا أمير المؤمنين استخلفْ. قال: ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض. فسمى عليًّا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبدالله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم، ما أُمِّر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ ﴾ [الحشر: 7]، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وألا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل مَن وراءَهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلمــا قُبِض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبدالله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت أدخلوه، فأُدخل فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط). ([424]) () انظر: رواية البخاري، باب جمع القرآن (ابن حجر، فتح الباري، ج9/8)؛ الذهبي، تاريخ الإسلام، عهد الراشدين، ص 79.

عثمان بن عفان (ذو النورين): ([425])

() ابن أبي شيبة، المغازي، ص 432 ــ 433.

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، قرشي أموي، أمه أروى بنت كريز، وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب عمة النبي، ([426]) ولد بعد النبي بقرابة ست سنين. ([427]) () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 433.

عاش في بداية حياته في مكة ميسور الحال تاجرًا منذ شبابه، منعمًا موسعًا على نفسه.

تزوج من رقية بنت رسول الله، أسلم على يد أبي بكر الصديق، قديمًا قبل دخول رسول الله دار الأرقم.

كان شديد الالتصاق ببيت النبوة، كثير الاحتكاك برسول الله وبأم المؤمنين خديجة بنت خويلد. () انظر: صبحي الصالح، النظم الإسلامية، ص 313.

كان مع زوجته رقية من أوائل المهاجرين إلى الحبشة في الهجرتين، وكانت لهما قيمة خاصة عند المهاجرين وعند النجاشي ملك الحبشة في زمانه. ([428]) () انظر تفاصيل ذلك عند عبدالعزيز العُمري، الولاية على البلدان في عصر الراشدين، ص187 ــ 198.

حينما عادا من الحبشة إلى مكة كانت أم المؤمنين خديجة قد توفيت، فحزنت عليها رقية حزنًا عظيمًا. () انظر تفاصيل ذلك عند: عبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 122 ــ 140.

هاجر عثمان ورقية بنت رسول الله إلى المدينة مبكرين. () انظر: عبدالسلام الترمانيني، أزمنة التاريخ الإسلامي، ص 35، 49.

وقد خط له رسول الله دار عثمان المجاورة لحجرات النبي، فكانت له خوخة تجاه باب النبي فيدخل بيت عثمان منها. ([429]) () من رواية البخـــاري في صحيحـــه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قصة البيعة والاتفـــاق على عثمان ابن عفــــــان، ج 4/204 ــ 206؛ وانظــر: الرواية نفسهــــــا عند ابن أبي شيبة في المغازي، ص434.

استخلفه رسول الله على المدينة في بعض أسفاره. ([430]) () وضع البخاري في صحيحه في كتاب المناقب لأصحاب النبي ، مناقب عثمان بن عفان، ج4/203. أُلِّف العديد من الكتب عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، منها:علي محمد الصلابي، تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان، شخصيته وعصره. خالد بن محمد الغيث، استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر، في تاريخ الطبري، دراسة نقدية. محمد بن يحيى المالقي، التمهيد والبيان في فضل الشهيد عثمان. محمد صامل السلمي، خلافة عثمان بن عفان. محمد رشيد رضا، ذو النورين عثمان بن عفان. محمد مال الله، ذو النورين عثمان بن عفان. أحمد الخاروف، شهيد الدار عثمان بن عفان. محمد حسين هيكل، عثمان بن عفان. محمد عبدالله غبان، فتنة مقتل عثمان.

مرضت ثم توفيت زوجته رقية بنت رسول الله أثناء غزوة بدر، وقد تخلف لتمريضها بأمر رسول الله. () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/53. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/77.

فلما عاد رسول الله زار قبرها، ([431]) وقد ضرب له رسول الله بسهم وأجره في غزوة بدر. ([432])

وزَوَّجَهُ رسول الله بعد رقية بأم كلثوم فماتت عنده سنة 8 هـ، فقال : لو كان عندي ثالثة زوجتها عثمان. ([433])

اشتهر عثمان بحيائه، حتى قال عنه رسول الله : (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)). ([434])

بعثه النبي يوم الحديبية مندوبًا عنه لمفاوضة زعماء قريش، فاحتبس عثمان وشاع الخبر أنه قد قُتل، فاجتمع أصحاب رسول الله وبايعوا النبي فيما عرف ببيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة وهي الواردة في قوله ــ تعالى ــ: ﴿۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا18 ﴾ [الفتح]. () انظر: الهجرة إلى الحبشة.

فقال : (إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله))، فضرب بإحدى يديه على الأخرى عن عثمان فكانت يد رسول الله لعثمان خيرًا من أيديهم عن أنفسهم. ([435])

شارك بماله في حاجة الإسلام، ولبى نداء رسول الله في أكثر من موضع، فمن ذلك تجهيزه لجيش العُسرة المتوجه إلى تبوك، حيث قام بتجهيز ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، حتى قال عنه الرسول : (ما على عثمان ما عمل بعد هذه ما على عثمان ما عمل بعد هذه)). ([436])

شهد له رسول الله بالجنة في أكثر من موضع. ([437]) () ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج3/56.

وقد ساهم في توفير الماء للمسلمين في المدينة بشرائه بئرَ رومة، بناءً على طلب رسول الله، حين قال: من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له في الجنة، ([438]) فلما بلغ عثمان ذلك اشتراها وجعلها للمسلمين. ([439]) () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/56 ــ 57.

لقد علم رسول الله بما أطلعه الله عليه من الغيب بما سيصيب عثمان من بلوى وقتل، ([440]) فأوصاه قائلاً: (يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثًا)). ([441])

حزن كغيره من الصحابة لموت رسول الله. ([442]) () انظر ترجمة رقية بنت الرسول ، من هذا الكتاب؛ وانظر: رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عثمان ابن عفان، ج4/203. () انظر: رواية البخاري عند ابن عمر، في كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عثمان بن عفان، ج4/203.

بعد مبايعة أبي بكر بالخلافة كان من مستشاريه الملازمين له في المدينة، يساعده في اختيار ذوي الكفاءة من الولاة والعمال، ([443]) كان له رأي في اختيار عمر للخلافة من بعد أبي بكر، ([444]) وكان صاحب تجارة في زمن أبي بكر، يجلب الطعام إلى المدينة، ويكثر من الصدقة، ويلخّص عثمان أدواره منذ زمن النبي حتى آخر خلافة عثمان كما في رواية البخاري عن عثمان، قال: (أما بعد فإن الله بعث محمدًا بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين، كما قلت، وصحبت رسول الله وبايعته، فو الله ما عصيته ولا غششته، حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استُخلِفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟). ([445]) () انظر: ترجمة أم كلثوم رضي الله عنها، من هذا الكتاب.

وفي خلافة عمر كان نعم المستشار والمعين على أموره المختلفة، فكان الناس إذا أرادوا من عمر شيئًا رمـــوه بعثمان بن عفان، وكان يسمى الرديف. () رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ج7/117.

فكان بمثابة الوزير لعمر. ([446])

وكان لعثمان رأي في اتخاذ عمر للديوان. ([447]) () انظر: رواية البخاري في حديثه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عثمان بن عفان، ج4/204؛ انظر: غزوة الحديبية، من هذا الكتاب.

كما أن له دورًا في تدبير حج أمهات المؤمنين زمن عمر بن الخطاب. ([448]) () انظر غزوة تبوك، من هذا الكتاب.

وفي خلافة عمر لم يكونوا يشكّون أن الخلافة من بعده لعثمان. ([449]) () انظر: رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عثمان بن عفان، ج4/202.

وقد بويع عثمان خليفةً للمسلمين عند استشهاد عمر بن الخطاب في قصة الشورى المشهورة في البخاري، ([450]) حيث إن عمر بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وأخبره الطبيب أنه ميت طلب منه الناس أن يستخلف قائلين: (أوصِ يا أمير المؤمنين استخلفْ، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، كما ذكرنا سابقًا ــ فسمى عليًّا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبدالرحمن رضي الله عنهم، وقال: يشهدكم عبدالله بن عمر رضي الله عنهم وليس له من الأمر شيء، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبدالرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عَلِيّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبدالرحمن بن عوف فقال عبدالرحمن: أيكما تبرّأ من هذا الأمر فنجعله إليه، ولله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان فقال عبدالرحمن: أتجعلونه إليَّ ولله عليَّ ألا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله والقِدم في الإسلام ما قد علمت فلله عليك لئن أمَّرْتُكَ لتعدلن ولئن أمَّرْتُ عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلمّا أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، وبايع له عليّ وولج أهل الدار فبايعوه). ([451]) () صححه الألباني في السلسلة ج2/766؛ وانظر تخريجه عند: الصلابي، عثمان بن عفان، ص 48. () انظر: فتح الباري، ج5/401، (الحكمة في الدعوة إلى الله).

إن بيعة عثمان لا تعني نقصًا أو قدحًا في علي، فكلهم خيار أبرار مشهود لهم بالجنة والعمل الصالح، لكن نتيجة الترجيح كانت لواحد، وهذا أمر طبيعي، ولا قداسة لشخص بعينه، فكلهم من فضلاء الصحابة، ولعل فارق السن وكون عثمان أسنّ من عليٍّ هو من أسباب تقديمه بالخلافة، ومن المعروف مبايعة علي لعثمان في نفس اللحظة. ([452]) وكان علي طيلة أيام عثمان مستشارًا ووزيرًا ومعينًا له في سائر أعماله. ([453]) () انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص 451. () رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة، ج1/631؛ وانظر: الطبقات الكبرى، ج3/66.

وحينما بويع عثمان بالخلافة في آخر ذي الحجة سنة 23هـ، كانت الدولة الإسلامية في أوج قوتها وانتصارها وامتدادها وتنظيمها وإدارتها، فاستمرت على ذلك، وعمل عثمان على استمرار الجهاد والفتوح في أيامه، ([454]) حيث واصل فتوح شمال إفريقيا وأعاد فتح الإسكندرية. كما فتح بلاد النوبة وأرمينية. ([455]) () انظر: وفاة رسول الله ، من هذا الكتاب.

وهو أول من مدّ الفتوح الإسلامية عبر البحر، حيث أعد أسطولاً إسلاميًا ضخمًا، ([456]) قام بعدة فتوح منها فتح قبرص سنة 27هـ. ([457]) () الطبري، تاريخه، ج4/122. () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2/79. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب عثمان بن عفان، ج4/203.

كما خاض معركة ذات الصواري، ([458]) وهي من أشهر المعارك البحرية في التاريخ، فرض المسلمون بعدها سيطرتهم على البحر الأبيض المتوسط.

كما أتم في أيامه فتح أذربيجان وأرمينية والديلم، حتى وصل إلى بحر قزوين. ([459]) وامتدت الفتوحات إلى كابُل وما جاورها. وفي أيامه تم التخلص نهائيًّا من مملكة الفرس بقتل آخر ملوكها يزدجرد. ([460]) () الصلابي، عثمان بن عفان، ص 60، 61.

وقد امتد الإسلام في زمانه في سائر المناطق المفتوحة، وحاول المسلمون الامتداد إلى إيطاليا والأندلس من خلال البحر الأبيض المتوسط بواسطة الأساطيل البحرية. ([461]) كما هدد القسطنطينية وممراتها المائية. () الطبري، تاريخه، ج5/203؛ الصلابي، مصدر سابق، ص 61.

وشهدت الدولة الإسلامية في أيامه تطوّرًا إداريًّا وتنظيميًّا، ففي أيامه قام بتوسعة المسجد النبوي سنة 29هـ. ([462]) () ابن سعد، الطبقات، ج3/134.

كما سار على سياسة مالية شبيهة بسياسة عمر بن الخطاب في العطاء والخراج والدواوين المختلفة، وإعطاء الحقوق لأهلها وحفظ المال العام. ([463]) () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 450.

ولعل أهم عمل وأرجاه لعثمان جَمْعُهُ الناس على مصحف واحد، وحديث أنس بن مالك عند البخاري في صحيحه لعلّه يوضح صورة ذلك بالتفصيل، فقد حدّث (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد ابن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة. وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق، قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال: فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ﴾ [الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف). ([464]) () انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان، ج4/204. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان، ج4/206، 207.

لقد كان واضحًا أن النسخ كان بشورى من الصحابة وبدقة متناهية، واعتمد فيها على المصحف الأصلي الذي جمع في زمن أبي بكر الصديق. ([465]) () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان، ج4/206، 207. () انظر: الصلابي، علي بن أبي طالب، المبحث الثالث (علي رضي الله عنه في عهد عثمان)، ص 193.

وقد قام بإرسال نسخ إلى الأمصار الإسلامية وأمر بتوحيد مصاحف الناس ومراجعتها عليها. وعُد كل نسخة في مصر من الأمصار أصلاً للمراجعة والتطبيق. وهذه الأصول كما هو معروف رويت عن شيوخ القراء من الصحابة، وخبراء لغة قريش ومن تابع نزول القرآن وترتيبه وحفظه على رسول الله، متصلة السند إلى رسول الله عن جبريل عن الرب. () انظر تفصيلات ذلك عند: عبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 148؛ الصلابي، عثمان بن عفان، ص 193 ــ 203. () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 158؛ ابن عبدالحكم، فتوح مصر وأخبارها، ص175؛ المقريزي، المواعظ والاعتبار، ص 299؛عبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 148.

وما تزال بعض هذه النسخ محفوظة إلى اليوم، منها نسخة في طاشكند في أوزبكستان، ونسخة في اليمن وقد شاهدتها بنفسي في جامع صنعاء سنة 1397هـ، ونسخة في إسطنبول في متحف توب قابي، ووقفت عليها سنة 1407هـ. ([466]) () انظر: السيد عبدالعزيز سالم وأحمد مختار العبادي، تاريخ البحرية الإسلامية في حوض البحر الأبيض المتوسط، الجزء الأول وفيه تفاصيل متعددة؛ وعبدالعزيز العُمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 152. () البلاذري، فتوح البلدان، ص 157، 159.

ولعل بقاء هذه النسخ الأصلية إلى الآن، مما يؤيد مصداقية روايات المسلمين حول إرسال النسخ إلى الأمصار زمن عثمان بن عفان. () الطبري، تاريخه، ج4/261.

وفي آخر خلافة عثمان تآمرت مجموعة من السبئيين وخططوا لقتله وإحداث الفتنة والانقسام في الأمة، ([467]) وتعاون معهم في ذلك بعض من ارتد سابقًا أيام أبي بكر، وكان لعبد الله بن سبأ ــ الذي كان يهوديًّا فأظهر إسلامه ــ دور في بث الدعاية ضد عثمان، وخصوصًا في مصر والعراق. وقد أدى ذلك إلى قدوم المئات من الناقمين، الذين قدموا إلى المدينة، وتظاهروا بالأمر بالمعروف، وناقشوا عثمان في بعض الأمور، وتظاهروا بالاقتناع برأيه، وأخذوا طريقهم إلى العراق ومصر. وبعد أن خرج أهل المدينة إلى الحج سنة 35هـ عادوا إلى المدينة وحاصروا عثمان في داره، زاعمين أنه كتب إلى ولاته بقتلهم، فأنكر عثمان ذلك، واشتد الحصار عليه، ودافع عنه علي بن أبي طالب وبنوه، ([468]) والزبير بن العوام وابنه عبدالله، وأبو هريرة وعبدالله بن عمر، وجماعة من الأنصار وغيرهم، ممن وُجدوا في المدينة أثناء الحصار، وطلبوا من عثمان أن يأذن لهم بالقتال دفاعًا عنه، لكن عثمان أمرهم بالكف، وقال: (أعزم على كل من لي طاعة عليه ألا يقاتل)، ([469]) وطلب المحاصرون من عثمان أن يعزل نفسه عن الخلافة، لكنه أصر على الثبات لا حرصًا على المنصب، لكنه تأوَّل ما أمره به رسول الله من التمسك بالقميص أو السربال الذي أمره الرسول بالإمساك به إن أراده المنافقون على خلعه، ([470]) حيث أمره بالصبر حتى يلقى رسول الله، ولذلك آثر أن يكون المصاب هو وحده، وأقسم على المدافعين عنه بالانصراف، ([471]) ولم يستجب لطلب أهل الفتنة بخلع نفسه، ([472]) انتظارًا للقاء رسول الله والثبات على وصيته، وهو المبشر بالجنة. وقد منع أهل الفتنة الماء عن دار عثمان، فناله العطش، وحاولت بعض أمهات المؤمنين إيصال الماء إليه فنالهن أذى أهل الفتنة، ([473]) وبقي دون مدافعين، حيث انصرفوا بعد أن أقسم عليهم عثمان بذلك. ([474]) وكانوا مستعدين للدفاع عنه، واقتحم أهل الفتنة الدار وقتلوا عثمان شهيدًا صابرًا محتسبًا، وهو المبشر بالجنة، وذلك في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35هـ وعمره 82 سنة، حيث كان معظم أهل المدينة في موسم الحج في مكة، وكان قد رأى النبي في المنام يدعوه للإفطار عنده وهو صائم. ([475]) () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 158، 160؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 318. () البلاذري، فتوح البلدان، ص 311؛ الطبري، تاريخه، ج5/71؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/158.

وقد حزن الصحابة لاستشهاد عثمان، كان على رأسهم عليٌّ الذي كان كارهًا لمقتل عثمان حزينًا عليه وهو صهره وقريبه. ([476]) ومع ذلك حاول أهل الفتنة أن يشيعوا في الناس رضا عليٍّ بقتل عثمان إمعانًا في المكر بالأمة، وسعيًا وراء الانقسام والفساد، ([477]) وبعد قتله نهب أهل الفتنة بيت مال المسلمين المجاور لدار عثمان. ([478]) () ابن الأثير، الكامل، ج3/93 بعنوان (ذكر غزو الأندلس).

حمزة بن عبدالمطلب (سيد الشهداء): ([479])

() الطبري، تاريخه، ج5/36؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/154؛ السمهودي، وفاء الوفاء، ج2/505؛ وانظر: تفصيلات ذلك عند: صالح لمعي مصطفى، المدينة المنورة تطورها العمراني وتراثها المعماري، ص 64؛وعبدالعزيز كعكي، المجموعة المصورة لأشهر معالم المدينة المنورة، ج1/124.

عم رسول الله، وُلِدَ قبله بأكثر من سنتين، نَشَآ وترعرعا وشبَّا سويًّا وأحب كل منهما الآخر. ([480]) () الصلابي، عثمان بن عفان، ص 129.

كان فارسًا قويًّا مغوارًا ذا غيرة وحمية، مولعًا بالصيد يجيد الرمي. وفي قصة إسلامه؛ أن أبا جهل آذى رسول الله في يوم من الأيام، واشتدّ في ذلك، وشتم الرسول ونال منه، ثم انصرف إلى نادٍ من أندية قريش. وكانت مولاة لعبدالله بن جدعان ترى ذلك، فلما أقبل حمزة راجعًا من رحلة صيد، قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفًا من أبي الحكم، وقصت عليه ما جرى من أذى للنبي، فتوجه مغضبًا، ودخل المسجد وتوجه إلى أبي جهل وكان جالسًا في القوم، فقام على رأسه وضربه بالقوس ضربة شديدة، شجّت رأسه شجَّةً منكرة، وقال له: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فَرُدَّ عَلَيَّ ذلك إن استطعت؟ فقام بعض الرجال لينصروا أبا جهل فقال: دعوا أبا عمارة فوالله إني قد سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا. ([481]) () البخاري، صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ج6/99.

كان إسلام حمزة عن اقتناعٍ تامٍّ، قد يكون اقتناعه بالإسلام سابقًا هذا الموقف، إلا أن الموقف أسهم في إظهاره. وكان إسلامه في السنة السادسة من البعثة، كان حمزة حسن الإيمان، حريصًا على تعلم القرآن عاملاً به، مدافعًا عن النبي قبل الهجرة وبعدها واعتُبِر إسلامه نصرًا وقوة للمسلمين. () انظر: الصلابي، عثمان بن عفان، ص 269 ــ 271.

كان من أوائل المهاجرين إلى المدينة، المقاتلين الأشداء مع رسول الله، بدأ بنفسه معركة بدر بمبارزة عتبة بن ربيعة فقتله، ثم شارك في قتل ابنه الوليد بن عتبة، ولذلك أصبح هدفًا محددًا لمشركي مكة في المعارك اللاحقة، لما يرون من مكانته وقوته في صفوف المسلمين، فاستأجرت هند بنت عتبة راميًّا ماهرًا هو (وحشي) الحبشي ليتفرغ لمهمة اغتيال حمزة من على بُعد مقابل حُرِّيته وعَتْقِهِ.

وترصد وحشي لحمزة وهو يصول ويجول في أُحد، حتى إذا شاهد حمزة ترصّد له، ثم هزّ حربته وبعد أن وثق بها رماها على حمزة من بُعد، فوقعت في ثنته ــ ما بين أسفل البطن والعانة ــ حتى خرجت من رجليه، فوقع شهيدًا رضي الله عنه، وقد مثلت نساء قريش بجسد حمزة، وبُقر بطنه وجُدع أنفه وأذناه، ([482]) ولما رآه الرسول على تلك الحال حزن حزنًا شديدًا على ذلك وتوعد بالانتقام له فنزل عليه قوله ــ تعالى ــ: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 125 وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ 126 وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ127 إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ 128﴾ [النحل]، فعفا رسول الله ونهى عن المُثلة، ثم صلى عليه رسول الله، ثم جيء بالقتلى بجواره يصلى عليهم حتى صلى رسول الله على حمزة صلوات متكررة، ودفـــن مع شهداء أُحد في المكان المعروف بجوار جبل أحد بمقابر الشهداء، وكان استشهاده يوم السبت النصف من شوال السنة الثالثة من الهجرة. ([483]) وحينمـــا شاهـــد النبي بكاء نساء الأنصار على شهدائهـــن قال: (لكن حمـــزة لا بواكي له)) ، فبكته نســــــاء الأنصار حتى قال لهن النبي : (ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن)). ([484]) () انظر المبحث الذي كتبه: صبحي الصالح، في: مباحث في علوم القرآن، موضوع: (أين أصبحت المصاحف العثمانية الآن)، ص 87.

وكان له بنت أراد بعض أهل البيت أن يتزوجها النبي فقال : (علمت، أنها ابنة أخي من الرضاعة)). ([485])

وقد قال عنه : (سيد الشهداء حمزة)). ([486]) () راجع تفصيلات ذلك عند: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/176 ــ 192؛ أكرم العُمري، عصر الخلافة الراشدة، ص 378 ــ 392؛ الصلابي، عثمان بن عفان، ص403 ــ 497. () ابن أبي شيبة، المصنف، ج15/224؛ سليمان بن حمد العودة، عبدالله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة، ص 155. () ابن عساكر، تاريخ دمشق ــ ترجمة عثمان ــ 274 نقلاً عن: د. أكرم العُمري، عصر الخلافة الراشدة، ص 387؛ وأبو بكر ابن العربي، العواصم من القواصم، ص 141. () سبق تخريج الرواية. () انظر: أبو بكر بن العربي، العواصم من القواصم، ص 138 ــ 141؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/71. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/72. () انظر: الطبري، تاريخه، ج5/401؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/237. () انظر: أبو بكر بن العربي، العواصم من القواصم، ص 145. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/75،76؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/192.

وبعد استشهاده رثاه عدد من شعراء الرسول منهم عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وغيرهم. ([487]) () انظر: الحاكم، المستدرك، ج3/95؛ الصلابي، عثمان بن عفان، ص 484؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/69. () الصلابي، عثمان بن عفان، ص 485. () انظر: الطبري، تاريخه، ج5/407؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/68.

جعفر بن أبي طالب (ذو الجناحين الطيار): ([488])

() الحاكم، المستدرك، ج3/195؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج4/48؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/73.

ابن عم الرسول، أخ لعلي بن أبي طالب، عُرف بذي الجناحين، ولد قبل البعثة بتسع عشرة سنة تقريبًا، وهو أسن من أخيه علي بعشر سنوات، من أشبه الناس برسول الله وقد قال عنه : (أشبهت خَلقي وخُلقي)). ([489]) أسلم جعفر وزوجته أسماء بنت عميس على يد أبي بكر الصديق في مرحلة مبكرة، فكان من أوائل من آمن برسول الله، فناله الأذى من المشركين في مكة. خرج مهاجرًا إلى الحبشة مع زوجته أسماء بنت عميس، فبقي فيها ما يقارب ثلاثة عشر عامًا، رُزقا خلالها بأولادهما الثلاثة، كان خلالها يتابع أحوال المهاجرين إلى الحبشة ويتفقدهم ويعلمهم ويحفظ ويتابع ما نزل من القرآن مما يصله مع المهاجرين الجدد. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/171؛ وانظر: البلاذري، أنساب الأشراف، ج1/71؛ ابن حجر، الإصابة، ج1/304.

وقد حاولت قريش استعادة جعفر ومن معه من المهاجرين، وبعثت لذلك وفدًا استعدى النجاشي الملك العادل في الحبشة، فقام جعفر أمام النجاشي، وكان خطيبًا حكيمًا، فقال: (أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبدالأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك). () ابن هشام، السيرة النبوية، ج1/291؛ انظر: إسلام حمزة، من هذا الكتاب.

فقال عمرو بن العاص ــ قبل إسلامه ــ وهو أحد موفدي قريش للنجاشي: (أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا)، فأجاب جعفر نقول فيه الذي جاءنا به نبينا : فهو عبدالله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فقال النجاشي: هل معك مما جاء به الله من شيء، فقال جعفر: نعم، فقرأ عليه صدر سورة مريم، فبكى النجاشي وبكت أساقفته، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون، ومنح المسلمين الأمان الكامل في بلده ورد على كفار قريش هداياهم، التي أرادوا رشوته بها والتأثير على قراره.

وقد ثبت إسلام النجاشي ويذكر البعض أنه أسلم على يد جعفر بن أبي طالب وكان يعلمه أمور الدين. ([490])

وعندما أراد جعفر العودة من الحبشة بعد الهجرة، حمله النجاشي ومن معه من المسلمين على سفينتين، فقدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه على رسول الله فقبّل الرسول بين عينيه والتزمه، وقال: (ما أدري بأيهما أنا أُسرّ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر!)). ([491]) وكان متحمسًا للدفاع عن الإسلام بعدما سمع بطولات الصحابة في بدر وأُحد وما بعدها. () انظر: غزوة أحد، من هذا الكتاب؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/179؛ ابن أبي شيبة، المغازي، ص 221، 222. () انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/96؛ خليفة بن خياط، ص 68؛ ابن أبي شيبة، المغازي، ص241. () انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/70، 92، 99؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/182.

وكان رسول الله يسميه أبا المساكين. ورد عن أبي هريرة: (إن كنتُ لألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقري الرجل الآية، وهي معي كي ينقلب بي فيُطعمني، وكان أَخْيَرَ الناس للمساكين جعفرُ بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيُطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليُخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعَقُ ما فيها). ([492]) () رواه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، ج6/125.

كان أحد قواد مؤتة، وبها استشهد، حين بعث رسول الله جيش الأمراء وقال: (عليكم زيد فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فابن رواحة فوثب جعفر وقال: بأبي أنت وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل زيدًا عَلَيَّ، قال: امْضِ فإنك لا تدري أي ذلك خير فانطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله صعد المنبر وأمر أن يُنادى: الصلاة جامعة، قال : (ألا أخبركم عن جيشكم، إنهم لقوا العدو فأصيب زيد شهيدًا فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على الناس حتى قتل، ثم أخذه ابن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدًا، ثم أخذ اللواء خالد، ولم يكن من الأمراء هو أمّر نفسه، فرفع رسول الله أصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)) فيومئذ سمِّيَ سيف الله. وفي قصة استشهاده ورد أنه اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل. وهو أول من عقر في الإسلام. وكان يردد أبيات نقلتها الأمة عنه إلى هذا الزمان منها: () انظر: تخريجه عند الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج1/173.

يا حبّذا الجنةُ واقترابُهـــا () انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/158، 162.

طيبةٌ وباردٌ شــــــــرابُها () وضع البخاري في صحيحه في كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له النبي : أشبهت خَلقي وخُلقي، ج4/209.

والروم رومٌ قد دنا عذابُها () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب جعفر بن أبي طالب (وجعل العبارة في عنوان الباب)، ج4/209.

كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها

عليَّ إذ لاقيتُها ضِرابُها

ولما لقيَ المشركين، أصابوه واللواء بيده اليمنى () انظر: تفصيلات القصة ومصادرها في موضوع الهجرة الى الحبشة، من هذا الكتاب.

فقطعت، ثم باليسرى فقطعت، وقد ضربه رومي فقطعه نصفين فوجد في نصفه بضعة وثلاثون جرحًا. () انظر: فتح خيبر، من هذا الكتاب.

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهم قال : (فقدنا جعفرًا يوم مؤتة، فوجدنا به بين طَعنة ورِمية بضعًا وتسعين، وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده). وقد ورد عن أسماء بنت عميس زوجة جعفر قالت: (دخل عَلَيَّ رسول الله فدعا ببني جعفر فرأيته شمّهم وذرفت عيناه فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم قتل اليوم فقمنا نبكي ورجع فقال: اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلوا عن أنفسهم)). وعن عائشة، قالت: (لمّا جاءت وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله الحُزن)، ([493]) عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : قال رسول الله : (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا في الجنة مضرجة قوادمه بالدماء يطير في الجنة)). ([494]) () رواه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب جعفر بن أبي طالب، ج4/209.

كان ابن عمر رضي الله عنهم إذا سلم على عبدالله بن جعفر قال: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين). ([495]) وقد تزوجت أم أولاده أسماء بنت عميس من أبي بكر الصديق، فأنجبت منه محمد بن أبي بكر. وبعد أن توفي أبو بكر تزوجت من علي، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، فقال كل منهما: (أبي خير من أبيك)، فقال علي: (يا أسماء أقضي بينهما)، فقالت: (ما رأيت شابًّا كان خيرًا من جعفر ولا كهلاً خيرًا من أبي بكر)، فقال علي: (ما تركت لنا شيئًا ولو قلت غير هذا لمقتُّك). ([496])

صفية بنت عبدالمطلب :

عمة رسول الله، شقيقة حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، وزوجة العوام بن خويلد أخو أم المؤمنين خديجة، وأم الزبير بن العوام حواري رسول الله وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وزوج السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق. ([497])

أسلمت في مكة وهاجرت مع ولدها الزبير بن العوام، كانت من عشيرة الرسول وأهله الذين أنذرهم حين نزل عليه قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ 214﴾ [الشعراء]، فناداها باسمها: (يا فاطمة بنت محمد يا صفية. . )). ([498])

كانت تساعد جرحى المسلمين في غزوة أحد، وحين استشهد حمزة بن عبدالمطلب عم النبي وشقيقها ومثلت به قريش أقبلت صفية لتنظر إلى أخيها الشهيد، فأدركها ابنها الزبير وخشي عليها إن نظرت إليه وقد مُثل به فقالت: إليكَ عني، وكانت امرأة جلدة شجاعة صابرة، وقالت: بلغني أنه مُثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك، لأصبرن وأحتسبن إن شاء الله فجاء الزبير فأخبره فقال: (خل سبيلها) فأتت إليه واستغفرت له. ([499])

ثم قالت بعد ذلك أبياتًا ترثيه وكانت شاعرة. وكان مما قالت:

دعاه إله الحق ذو العرش دعــوةً

إلى جنة يحيا بها وســــــــــــــرورِ

فذاك ما كنا نرجّي ونــــــــــــرتجي () انظر مزيدًا من التفصيلات معركة مؤتة، من هذا الكتاب. () انظر مزيدًا من التفصيلات معركة مؤتة، من هذا الكتاب.

لحمزة يوم الحشر خير مصـــــيرِ () رواه البخاري، في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب جعفر بن أبي طالب، ج4/209. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/282، 286؛ وابن سعد، الطبقات، ج8/287.

فوالله ما أنساك ما هبّت الصبــا

بُكاءً وحزنًا محضري وميسري () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/348؛ ابن حبيب، المحبر، ص 172، 406.

على أسد الله الذي كان مـَـدْرَها () انظر: الزبيري، نسب قريش، ص 23.

يذود عن الإسلام كل كَفــورِ () انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج3/97؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/180.

أقول وقد أعلى النَّعيُّ عشيرتي

جزى الله خـيرًا من أخٍ ونصـــيرِ (1 )

وفي غزوة الأحزاب جعل رسول الله النساء والصبيان في حصن فارع لحمياتهم من اليهود والمنافقين، فمر رجل من يهود بالحصن فجعل يطيف بالحصن فنزلت إليه صفية فضربته بعمود فقتلته. ([500])

خرجت مع رسول الله إلى غزوة خيبر، وشهدت مبارزة ابنها الزبير لفارس اليهود ياسر أخو مرحب وخافت عليه وقالت: يا رسول الله: أيقتل ابني؟ قال بل ابنك يقتله إن شاء الله، فتبارزا فقتله الزبير. ([501])

وحينما توفي رسول الله رثته صفية بأبيات من الشعر، وكان مما قالت:

أَلا يا رسول اللَّه كُنت رجاءنا

وكُنت بنا بَرًّا ولم تكُ جــــــــــــــافيا

وكنت رحيمًا هاديًا ومعلّــــــمًا

لِيبكِ عليك اليوم من كان باكـيا

فِدى لرسول اللَّه أُمّي وخالتي

وعمّي وخالي ثمّ نفسي ومـــــــاليا

فلــــو أنّ ربّ الناس أبقى نبيّنا () انظر: غزوة الأحزاب، من هذا الكتاب.

سُعِدنا ولكن أمرهُ كان ماضـيا () انظر: غزوة خيبر، من هذا الكتاب.

عليك من اللَّه الســـــــــلام تحيّةً

وأُدخلت جنّات من العدن راضيا

كما رثته بأبيات أخرى قالت فيها: ([502])

عينُ جُودِي بِدَمْعَة وسُهُــــودِ

واندُبي خَيْرَ هَالِكٍ مَفقُـــودِ

وانْدُبي المُصطفى بحُزْنٍ شَدِيد

خَالَطَ القَلْبَ فَهْوَ كالمَعمودِ

كِدْتُ أقضِي الحَياةَ لمّا أتاهُ

قَدَرٌ خُطَّ في كِتَابٍ مَجـــــيدِ

فَلَقَدْ كاَنَ بالعِبَادِ رَؤوفـــــــــًا

وَلَهم رحْمَةً، وخَيْرَ رَشِيدِ

رَضِـيَ الله عَـنْه حيًّا، ومَيْتًا () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/271.

وجزاهُ الجِنَانَ يومَ الخُلـــــُودِ

وقد عاشت مُكرمة معززة فترة خلافة أبي بكر، وجزءًا من خلافة عمر، وكان من أبنائها وأبناء أبنائها عدد من المجاهدين الفاتحين لمصر والشام وغيرها، وعلى رأسهم الزبير بن العوام وحفيدها عبدالله بن الزبير وغيرهم. ([503])

وقد توفيت سنة عشرين من الهجرة بالمدينة المنورة، ودفنت في البقيع، ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة، رضي الله عنها وأرضاها. ([504])

العباس بن عبدالمطلب :

عم النبي، أَسَنُّ من النبي بسنتين أو ثلاث، ([505]) جمعت بينهما القرابة والصداقة في الصغر والشباب، كانت فيه صفات حميدة زادت من حميته للنبي، منها صلة الرحم والكرم والخُلق الحسن، يكنى بأبي الفضل لم يُعرف إسلامه إلا يوم فتح مكة. ([506])

رأى الكثير من العلماء أنه قديم الإسلام، إلا أنه لم يُظهر ذلك، وكان يكتمه في وقت كان يخدم فيه النبي، وكانت مواقفه شاهدًا على ذلك ومنها أنه استوثق للنبي من الأنصار في بيعة العقبة الثانية، حيث قال: (يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل ما رأينا فيه، فهو في عز في قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده). ([507])

وقد بقي في مكة بعد الهجرة، وخرج في غزوة بدر مع قريش وهو مستكره. وقد قال الرسول حينها: (إني أعرف رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فلا يقتله، فإنه إنما أُخرج مستكرهًا)).([508]) وهذا نص واضح في كرهه قتال المسلمين، بل من الواضح دفاعه عن الرسول ودفاع الرسول عنه.

وقد أُسر العباس في بدر ودَفع الفدية للمسلمين ليُفك من الأسر، ومع ذلك لم يظهر منه عداءٌ وعدم محبة، وقيل إنه نزل فيه قوله ــ تعالى ــ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 70 ﴾ [الأنفال].

ويرى الكثيرون أن العباس كان عينًا للنبي في مكة حتى فتحها. ([509]) وبعد فتح مكة ظهر إسلام العباس، وكان سببًا في إجارة أبي سفيان حتى إذا عُرض عليه الإسلام أسلم، مما يدل على معرفة المسلمين له وأنه محسوب عليهم فلم يتعرض لأي أذى.

وقد خرج مع الرسول إلى حنين، وكان من القلائل الذين ثبتوا حول النبي ومعه ابنه الفضل بن العباس، ([510]) وكان يصيح بأعلى صوته يا معشر الأنصار، يا أصحاب رسول البيعة، مُذكرًا إياهم ببيعة العقبة التي شهدها بنفسه، ورد أن النبي قال عنه: (إنما العباس صنو أبي فمن آذى العباس فقد آذاني)). ([511]) كان يخدم الحجاج بالسقاية والرفادة، وقد سقى النبي في حجة الوداع. ([512])

شارك في تجهيز النبي وتغسليه بعد وفاته.([513]) () انظر: الطبري، تاريخه، ج4/227؛ ابن عبدالحكم، فتوح مصر وأخبارها، ص 175؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/271؛ ابن حجر، الإصابة، ج4/348.

عاش في المدينة بعد فتح مكة، وعاصر أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وكانت له مكانة خاصة في قلوب الأمة. ([514]) () انظر: خليفة بن خياط، تاريخه، ص 147؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/105.

وقد خرج عمر بن الخطاب في عام الرمادة يستغيث بالمسلمين، وخرج بالعباس عم النبي، وقد أمسك بيد العباس وهو يدعو: (اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعم نبيك فاسقنا)، فنزل الغيث بأمر الله. ([515])

توفي في يوم الجمــعة الرابع عشر مـــن شهر رجب سنة 32 من الهجرة. ([516]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/78؛ ابن سعد، الطبقات، ج4/5. () انظر: فتح مكة، من هذا الكتاب؛ وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/78.

كان له عدد من الأولاد، فيهم متقدمون عاصروا النبي وفيهم متأخرون ويمكن معرفة من عاصر النبي منهم وهم: () انظر: بيعة العقبة الثانية، من هذا الكتاب.

الفضل بن عباس (الرِّدْفُ): ([517])

() انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، ج2/629؛ وانظر: غزوة بدر، من هذا الكتاب.

ابن عم النبي وبه كان يُكني فهو أكبر أولاد العباس، ([518]) أمه لبابة بنت الحارث التميمية وبه يكنى فيقال له أبا الفضل، وخالته ميمونة بنت الحارث. ([519])

شهد فتح مكة وصحب الرسول في غزوة حنين، وثبت مع والده العباس مع النبي في حنين حين فرّ الناس، ([520]) كان رجلاً وسيمًا أبيضَ حسن الشعر. () انظر: تفسير ابن كثير، ج1/855.

كان رديف النبي في حجة الوداع، شابًا جميلاً بدأ ينظر إلى امرأة وتنظر إليه فصرف النبي وجهه والناس ينظرون إليه. ([521]) هو الذي غسل إبراهيم بن النبي عند موته، ([522]) شارك في تجهيز النبي مع والده العباس، وكان يصب الماء على عَلِيٍّ، ([523]) كانت له بنت وحيدة هي أم كلثوم بنت الفضل، تزوجها الحسن بن علي رضي الله عنهم ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري. ([524]) () انظر: غزوة حنين، من هذا الكتاب؛ ابن سعد، الطبقات، ج4/19. () انظر: تخريجه عند الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج2/90. () انظر: حجة الوداع، من هذا الكتاب.

كان من المجاهدين في الفتوح في خلافة أبي بكر وعمر، وقد شارك في فتوح الشام واستشهد في طاعون عمواس في السنة الثامنة عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطّاب. ([525]) () انظر: وفاة النبي ، من هذا الكتاب.

عبدالله بن عباس (الحَبْرُ): ([526])

() انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/5.

حبر الأمة وأعلمها بالتفسير، صحابي جليل، ابن عم النبي. ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، ([527]) هاجر إلى المدينة مع أبويه بعد فتح مكة. كان محبًا للعلم منذ صغره مقبلاً على حفظ القرآن وتعلمه، دعا له النبي : (اللهم فقهه في الدين)) وفي رواية (وعلمه التأويل)). ([528]) لازم النبي بعد انتقاله مع والده العباس إلى المدينة، كان يدخل كثيرًا على خالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، وقد صلى مع الرسول قيام الليل في منزلها، ([529]) اشتهر في الأمة بعلم التفسير ومعرفة أسباب النزول حتى أصبح رأيه مقدمًا على غيره في التأويل وأسباب النزول. ([530]) استمر في التعلــم من شيوخ الصحــــابة ومــلازمتهم بعد وفاة النبي كأبي بكر وعمر وغيرهم. ([531]) () انظر: عمر بن شبة، تاريخ المدينة، ج2/738؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/97.

كان له مجلس يُعلم الناس فيه في المدينة، ثم في الطائف يقصده الناس لذلك من مختلف الأمصار، ([532]) اشتهر بقضاء حوائج الناس والشفاعة لهم بالخير، كثير الطاعات والخشوع. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/97.

أثنى على علمه كثير من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، ([533]) وكان عمر بن الخطاب يحرص على مشاورته، ([534]) ويدنيه من مجلسه ويستأنس برأيه وعلمه. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تدخلُ هذا الفتى، معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: ما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، قال: ما تقولون في قوله ــ تعالى ــ: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ1 ﴾ [النصر] حتى ختم السورة فقال: بعضهم أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري ولم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي يا ابن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله أعلمه الله له إذا جاء نصر الله ــ والفتح فتح مكة ــ فذاك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم). ([535])

كان من المقربين من عثمان يفتي الناس في عهده. ([536]) وكان علي يدنيه منه ويعمل برأيه. ([537]) وقد ولاه على البصرة ثم اعتذر عنها بعد فترة من الوقت، ([538]) وكان من أهم أمراء علي، شارك معه في معركة صفين، وكان من المناصرين له باستمرار. ([539]) بعثه علي على الحج بالناس نيابة عنه سنة 38هـ. ([540]) () انظر: وصف العلماء له بالردف حيث ثبت أنه رديف رسول الله في حجة الوداع (انظر: ابن حبيب، المحبر، ص 455)؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/444.

اشتهر بمناظرته الخـــوارج الحرورية في النهروان، وبقـــوة حجته ومستنده. ([541]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/54؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/444. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/54.

على الرغم من أنه شهد مع علي (الجمل) و (صفين) فقد كان حريصًا على حقن دماء المسلمين، وعندما همّ الحسين بالخروج إلى العراق بعد بيعة يزيد بن معاوية، تعلق به ابن عباس وجهد في منعه من التوجه للعراق لخشيته عليه من خُذلان أهل العراق له، فلما بلغه نبأ استشهاده حزن عليه ولزم داره. ([542]) () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4/54؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/444.

كان من أكثر الصحابة رواية عن النبي، بلغ مسنده (1660) حديثًا، كما كان من أكثر الصحابة فقهًا، وله اجتهادات تميزه عن غيره من الصحابة. ([543]) () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4/55؛ ابن حبيب، المحبر، ص 107. () انظر: الحلبي، السيرة الحلبية، ج3/395. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4/55؛ وانظر: وفاة النبي ، من هذا الكتاب. () انظر: ابن حبيب، المحبر، ص 439.

وكانت وفاته سنة 68 هـ بالطائف بعد أن كف بصره وعُمره إحدى وسبعون سنةً. ([544]) () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4/55؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/444.

وما يزال مسجده مشهورًا وسط الطائف باسمه (مسجد ابن عباس). () هكذا وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج3/331.

عبيدالله بن عباس (الجواد): ([545])

() انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/132. () رواه أحمد في المسند، ج1/266، 314، 335؛ انظر: البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب قول النبي اللهم علمه الكتاب، ج1/27؛ ابن سعد، الطبقات، ج2/365. () رواه الإمام أحمد في مسنده، ج1/33؛ ابن سعد، الطبقات، ج2/365. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2/366؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/444. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4/367؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/343.

ولد في حياة النبي، وهو أصغر من أخيه عبدالله، ([546]) وشقيقه، رأى النبي، كان من تجار المدينة في عصر الراشدين، واشتهر بكرمه وجوده، ولذلك قال الناس: إن عبدالله بن عباس يوسع الناس علمًا وعبيدالله ابن عباس طعامًا ومالاً. وكان من أجود الناس في زمانه يسد الحاجة ويقضي الدين. ([547]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/354.

أمَّره علي بن أبي طالب على اليمن، وكان أميرًا للحج سنة 36 و37هـ. ([548]) () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2/369. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2/369. () رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، ج5/93.

أمه (أم الفضل) لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وخالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية. ([549]) () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2/366. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/353. () خليفة بن خياط، تاريخه، ص 201؛ الطبري، تاريخه، ج5/236؛ ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج1/79. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/353؛ خليفة بن خياط، تاريخه، ص 194. () خليفة بن خياط، تاريخه، ص 192.

كان له احتكاك كبير بها كأخيه عبدالله بن عباس، مات عبيدالله في المدينة سنة 58هـ. ([550]) () انظر: الطبري، تاريخه، ج6/41؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/279.

قُثَم بن العباس :

() انظر: الطبري، تاريخه، ج6/81؛ ابن الأثير، الكامل، ج3/398.

هو ابن عم النبي العباس بن عبدالمطلب، شقيق لعبدالله بن عباس، ولد في أواخر حياة النبي، أمه لبابة بنت الحارث التميمية، ([551]) أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، أخٌ للحسين بن علي رضي الله عنهم من الرضاعة، ولذلك فإن سنهما متقاربة، ([552]) حيث أرضعت أمه الحسين بن علي لبنه. () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2/366؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/350.

كان يشبه النبي في خَلقه وصورته. ([553]) ورد أن النبي حمله بين يديه وهو صغير. ([554]) كان صغير السن حين وفاة النبي، ولذلك ورد أنه أصغر من شهد النبي. ([555]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/359.

عاش زمن الراشدين وكانوا يقدرونه لقرابته من رسول الله.

ولما ولي علي بن أبي طالب استعمل قثمًا أميرًا على مكة. ([556]) وقد شهد معه الجمل وصفين. ([557]) () هكذا سماه ابن حبيب في المحبر، ص 147.

وفي عصر معاوية خرج مجاهدًا في المشرق، واستشهد في نواحي سمرقند سنة 57 من الهجرة، ولم يكن له عقب من بعده. ([558]) () انظر: الزبيري، نسب قريش، ص 47. () ابن حبيب، المحبر، ص 147؛ الزبيري، نسب قريش، ص 27.

وهكذا نرى أن أبناء العباس كانوا من العلماء والأمراء المجاهدين، استشهد بعضهم في أقصى المشرق وآخرون في أقصى المغرب، وغيرهم في اليمن، وهكذا كانت مساهمتهم عظيمة في أحداث الأمة بعد وفاة النبي. () خليفة بن خياط، تاريخه، ص 200؛ الطبري، تاريخه، ج5/161؛ النويري، نهاية الأرب، ج20/21.

أم أيمن (حاضنة الرسول ):

() انظر: ابن حبيب، المحبر، ص 107.

هي بركة بنت ثعلبة بن عمر الحبشية، كانت مولاة لعبد الله والد النبي، وقد ورثها بعد وفاة والده، عرفت النبي منذ ولادته، ورقت له وعطفت عليه، وكانت مع أمه آمنة حينما سافرت بالنبي إلى المدينة، وهو طفل صغير. وحينما توفيت آمنة أم النبي بالأبواء في طريق العودة من المدينة، حملته أم أيمن واهتمت به وقدمت به إلى مكة، ([559]) وفرغت نفسها لرعايته والعناية به، وغمرته بعطفها وحنانها، في وقت غَمَرَهُ جده عبدالمطلب بالحب والرعاية، وكان عبدالمطلب يتابع أم أيمن ويوصيها بالنبي خيرًا ويوجهها دائمًا: يا بركة لا تغفلي عن ابني هذا. كان يقول عنها: (هي أُمي بعد أُمي)). ([560]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/514.

شب الرسول بعد وفاة جده عند عمه أبوطالب، واستمرت أم أيمن ترعاه وتعطف عليه وتقوم على شؤونه حتى بلغ النبي سن الرجال، وتزوج من خديجة، فأعتق أم أيمن وزوجها من عبيد بن زيد الخزرجي، فولدت ابنها الأول أيمن الذي استشهد في غزوة حنين.

وحينما توفي زوجها، تزوجها زيد بن حارثة مولى رسول الله، فولدت له أسامة بن زيد حِبّ رسول الله. ([561]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/540. () انظر: الإمام أحمد، المسند، ج6/339؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/440.

كانت من أوائل المؤمنين برسول الله، وقد هاجرت مبكرة إلى المدينة مع زوجها زيد بن حارثة وابنها الصغير أسامة بن زيد، فكان بيتهم من أقرب البيوت منزلة لرسول الله، وكان يزورهم ويتعهدهم ويدعو لهم، وقد عرفوا الرسول قبل البعثة وخبروا صدقه وبره. ([562]) () انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج7/367. () الزبيري، نسب قريش، ص 27. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/441.

كانت حريصة مع زوجها زيد بن حارثة على المشاركة مع رسول الله في جهاده، فشاركت مع نساء المسلمين في أُحُد تسقي العطشى وتداوي الجرحى، وقد أصيبت يوم أُحُد بجرح من سهم رماها به أحد المشركين فوقعت، فسخر منها ذلك المشرك، فضربه سعد بن أبي وقاص فوقع فسخر منه المسلمون. ([563])

أصبحت قلقة يوم أُحُد بما أشاعه المشركون من إصابة رسول الله وأخذت تستطلع الأخبار بنفسها حتى اطمأنت عليه وعلى سلامته. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج7/367؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/440. () انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/260 ــ 273.

كانت ضمن النساء اللائي صحبن الرسول الله في غزوة خيبر، وقد استُشهد زوجها زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فصبرت واحتسبت، ثم استشهد ابنها أيمن في غزوة حنين، فصبرت. وكان رسول الله يواسيها ويزورها بنفسه في بيتها ويدعوها بأمِّ ويقول هذه بقية أهل بيتي. ([564]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/441؛ ابن حبيب، المحبر، ص 107.

كان يأنس بها وتنبسط معه بطريقة تثير استغراب الآخرين، فقد طلبت أن يسقيها في أحد المرات ففعل بكل أدب وتواضع، واستغربت أمهات المؤمنين ذلك. وكثيرًا ما تمازح الرسول، وكانت قوية الصلة ببنات النبي وبنسائه في حياته وبعد مماته، وهي ممن جهز فاطمة بنت النبي عند زواجها بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ([565])

كانت قوية الصلة بأمهات المؤمنين، حيث تُعَدُّ بمثابة الأم الحاضنة للنبي.

وقد شهدت اختيار رسول الله لابنها أسامة بن زيد لقيادة آخر جيش أعده الرسول. ولا شك أنها فرحت بذلك ووجهته ونصحته وهي أم شهيد، وزوجة شهيد. () انظر: موضوع يتيمًا آواه الله، من هذا الكتاب. () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/432.

حينما توفي الرسول حرص أبو بكر وعمر وعلي على زيارتها، تقليدًا للرسول، حيث كان يزورها. ومواساة لها فقد قال أبوبكر لعمر بعد وفاة رسول الله انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما رأتهما بكت رسول الله، فقالا لها: ما يبكيك؟ فقالت: (ما أبكي إني لأعلم أن الرسول إلى خير مما كان فيه، ولكن أبكي أن وحي السماء انقطع عنا، فجعلا يبكيان معها). ([566])

توفيت في المدينة المنورة سنة 24 من الهجرة في خلافة عثمان، بعد وفاة عمر بعشرين يومًا. ([567]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/499.

زيد بن حارثة ("الحِبّ" مولى رسول الله ): ([568]) ([569])

() انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/224.

هو الوحيد الذي ورد اسمه صريحًا في القرآن الكريم دون سائر الصحابة. () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/433.

وهو زيد بن حارثة بن شراحيل، سُبيَ من أهله صغيرًا واستُرقَّ، اشتراه حكيم بن حزام بن خويلد لعمته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد فوهبته للنبي، ([570]) فأحسن إليه ورفق به وعامله أسمى وأرقى معاملة، فجاء أهله إلى مكة وطلبوا من النبيّ أن يفدوه بالمال من الرق فأجابهم : (ادعوا زيدًا وخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني)) فجاء زيد فخيره النبي أمام أهله وقومه، فقال زيد : (ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا). ([571])

وهكذا اختار زيدٌ رسولَ الله على أهله، لما أراد الله به خيرًا، وكان قد خَبِر النبي وعايشه، عَرف منه رحمة وحسن معاملة لا يجدها الإنسان عند أهله، ولا عند أحد آخر من الناس. ولذلك فإن الرسول أعتقه ونادى في قريش والناس يسمعون: (اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه)) ، فسُرَّ أهله بذلك، وأدركوا أن اختياره للرسول كان عن دراية وإرادة منه، وأنه عند من هو أفضل له من والديه، وقالوا للرسول خيرًا وأثنوا عليه، وفرحوا بحرية ابنهم وتبني الرسول له. ([572]) () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/432.

وقد عاش زيد في كنف الرسول وأم المؤمنين خديجة، وقد زوجه الرسول من حاضنته ومولاته أم أيمن، فكانا زوجين متصلين مقربين من بيت النبوة. ([573]) وحينما بُعث النبي كان زيد من أول المصدقين برسول الله، حتى قيل إنه ثاني المسلمين، وأن إسلامه جاء بعد إسلام خديجة. ([574]) وقد صبر على إسلامه في مكة رغم ما لقي من أذى قريش كغيره من المسلمين. ولما أذن رسول الله للمسلمين بالهجرة كان من أوائل المهاجرين إلى المدينة. وقد آخى الرسول بينه وبين أُسيد بن الحضير الأنصاري. ([575]) شهد غزوة بدر مع رسول الله وبعثه ببشرى الانتصار إلى المدينة. ([576]) وقد زوجه الرسول من زينب بنت جحش، وهي قرشية شريفة بنت عمة رسول الله، ولم يستمر الزواج طويلاً، حيث رأى زيد من زينب حدةً لم يصبر عليها، فأراد طلاقها، فحاول الرسول من زيد أن يمسكها وذلك ما ورد في قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا37 ﴾ [الأحزاب]، ثم بعـــــــــد طلاقهـــا تزوجهـــا الرســـول بأمــــــر من الله في الآية التي ورد فيها ذكر زيد، وقد نزلت فيه خـــاصة وفي سائر الناس ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ 4 ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا 5 ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا 6 ﴾ [الأحزاب] ([577]) وقد أصبحت مطلقة زيد رضي الله عنهم زوجة الرسول وأمًّا للمؤمنين، ونالت هذا الشرف العظيم. ([578]) () انظر: زواج فاطمة رضي الله عنها، من هذا الكتاب.

كانت محبة رسول الله لزيد عظيمة، وتزداد يومًا بعد يوم، وكان من أعلم الصحابة وأحبهم إلى رسول الله وكان يعتمد عليه كثيرًا، حتى أن أم المؤمنين عائشة قالت: (ما بعث رسول الله زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمّره عليهم، ولو بقي حيًّا بعد الرسول لاستخلفه). ([579]) وحين انتقد الناس الرسول في توليته أسامة بن زيد أشار لفضل زيد في قوله: (إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وَايْمُ الله إن كان لخليقًا بالإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ وإن هذا لمن أحب الناس إليً بعد أبيه)). ([580]) وشارك مع الرسول في بدر وأُحُد والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد، وقاد سبعًا من سرايا رسول الله. وقد بعثه الرسول في جمادى الأول من السنة الثامنة من الهجرة على رأس جيش مؤتة المتجه إلى البلقاء في نواحي الأردنّ. واستشهد هناك فحزن عليه رسول الله وعلى بقية شهداء مؤتة، وقد بشر بدخول زيد وبقية القواد الشهداء الجنة. ([581])

أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم (الحِب): ([582])

والده زيد بن حارثة مولى رسول الله وحبه، وأمه أم أيمن بركة الحبشية حاضنة رسول ومولاته، ولد قبل الهجرة بقرابة سبع سنوات. ([583]) () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 413.

وقد رباه الرسول، حيث كان والده زيد أقرب الناس لرسول الله. كان أسامة شديد السواد شبهًا بأمه. ([584]) وكان يحبه حبًا شديدًا ويعلن ذلك للناس ويقدمه في كثير من الأمور رغم صغر سنه، وكان يسمى (الحِبّ بن الحِبّ)، ([585]) وكثيرًا ما كان يردفه النبي، دخل الكعبة عام الفتح بعد تطهيرها من الصور والأصنام ومعه أسامة بن زيد وبلال بن رباح ومعه عثمان بن طلحة رضي الله عنهم، ([586]) ولشدة حب الرسول لأسامة ظنت قريش بعد الفتح أن الرسول يشفعه في كل شيء، حتى إنه لما سرقت المرأة المخزومية وأراد الرسول أن يقطع يدها التمست قريش من يشفع لها عند رسول الله فتوجهوا إلى أسامة بن زيد فشفع لها فقال له في الحديث المشهور: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله، والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)). ([587]) () انظر: ابن حجر، الإصابة، ج4/434؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/227.

أدبه الرسول في مواقف مختلفة ومن ذلك ما ورد عن أسامة قال: (بعثنا رسول الله إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمح حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي فقال: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟" قلت كان متعوذًا، فما زال يكررها الرسول حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم، ثم قال أسامة للرسول : إني أعطي الله عهدًا ألا أقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله أبدًا، فقال النبي : "بعدي يا أسامة" قال: بعدك). ([588]) () وضع البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب زيد مولى النبي ، ج4/213. () سماه ابن سعد في الطبقات بـ(الحب)، ج3/40.

وحينما جهز الرسول جيشًا قبيل وفاته لغزو أطراف الشام وتأديب القبائل التي أعانت الروم في مؤتة وغيرها، وهو آخر جيش جهّزه النبي، جعل قيادة ذلك الجيش لأسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته وتكلموا في ذلك. ولما علم النبي صعد المنبر وحمد الله ثم أثنى عليه وقال: (إن تطعنوا في إمارته ــ أي إمارة أسامة ــ، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وَايْمُ الله إن كان لخليقًا بالإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ ــ يقصد زيد بن حارثة ــ وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده)). ([589])

ويموت النبي قبل أن يتحرك جيش أسامة إلى غايته التي حددها الرسول ــ وهي قتال الروم ــ، وقبل أن يموت النبي أوصى أصحابه أن يسارعوا بتحريك جيش أسامة فقال لهم: (أنفذوا بعث أسامة ــ أنفذوا بعث أسامة)). ([590]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج3/41. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج3/42.

ولما استقرت الخلافة لأبي بكر أصر على تسيير ذلك الجيش، رغم أن بعض الصحابة طلبوا إبقاء الجيش في المدينة لمواجهة المرتدين الذين كانوا يهددونها، فقال أبو بكر : (والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تخطفني أو لو ظننت أن السباع تأخذ بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذت جيش أسامة، كيف أحل عقد لواء عقده رسول الله قبل أن يكمل مهمته؟) ([591]) واقترح بعض الصحابة تغيير أسامة عن القيادة لصغر سنه، ومنهم عمر بن الخطاب، فرد عليه الصديق: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه. ([592]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج3/42.

وحين خرج أسامة بالجيش خرج الصديق على قدميه يودعه مع الجيش، فيصر أسامة على الصديق أن يركب أو أن ينزل أسامة عن فرسه، فيصر الصديق: (والله لا نزلت ووالله لا ركبت، وما عليَّ أن أُغبر قدمي ساعة في سبيل الله). ثم يستأذن الصديق من أسامة في إبقاء عمر في المدينة ليعينه على شؤون الدولة، وكان عمر أحد جنود أسامة في ذلك الجيش. ([593]) وقد قام أسامة وجيشه بتنفيذ المهمة خير قيام، وأرعب أعداء الإسلام والمرتدين وعاد ظافرًا غانمًا بعد أن أوجد هيبة في قلوب الأعداء للإسلام ودولته وقوته. ([594]) وقد كانت له إسهامات في الفتوح الإسلامية طيلة عصر الراشدين، كما كان محل احترام الخلفاء وتقديرهم، يقدمونه على غيره، حتى أن عمر بن الخطاب يقدمه ويفضله على ابنه عبدالله بن عمر، ويقول: كان أحب إلى رسول الله من ابن عمر. وحين نظر ابن عمر إلى محمد بن أسامة، قال: لو رآه رسول الله لأحبه، ([595]) متذكرًا حب رسول الله لأسامة. () انظر: ترجمة أم أيمن رضي الله عنها، من هذا الكتاب. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج3/45؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/224. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج3/44. () انظر: ابن أبي شيبة، المغازي، ص 192. () انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ج6/22. () انظر: ترجمتها، من هذا الكتاب.

وحينما نشب القتال بين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم كان قلب أسامة مع علي، لكنه تذكر حواره مع الرسول والرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله؛ فاعتزل ولم يقاتل التزامًا بعهده مع النبي، وقال: لا أقاتل أحدًا يقول لا إله إلا الله، مع أنه بيَّن موقفه الداعم لعلي في رسالة بعثها إليه قال فيها: (إنك لو كنت في شدق السد لأحببت أن أدخله معك، ولكن هذا أمر لم أره)، وحينما نوقش قال: (لا أقاتل أحدًا يقول لا إله إلا الله أبدًا)، فرد عليه أحدهم: ألم يقل الله: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ39 ﴾ [الأنفال]، فأجاب أولئك المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله. ([596]) () أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ج6/226؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/228. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب زيد بن حارثة، ج4/213. () انظر: غزوة مؤتة هذا الكتاب؛ وابن سعد، الطبقات، ج3/46.

وأسامة كثير العبادة والصيام، متأسيًا برسول الله، لزم داره بعد استشهاد علي حتى توفي في المدينة سنة 54هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وكان عمره خمسًا وسبعين سنة. ([597]) () وضع البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب ذكر أسامة بن زيد، ج4/213.

أنس بن مالك (خادم رسول الله ): ([598])

() انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/61 ــ 72؛ ابن حجر، الإصابة، ج1/31.

هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري من بني النجار، اشتهر بلقب خادم رسول الله، أمه أم سُليم الأنصارية، وخالته أم حرام الأنصارية. ([599]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/791. () انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب ذكر أسامة بن زيد، ج4/213؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/497. () انظر: البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الرِّدف على الحمار، ج4/15. () انظر: حجة الوداع، من هذا الكتاب؛ وقد رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب ذكر أسامة ابن زيد، ج4/213؛ انظر: مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، ج5/114.

عن أنس بن مالك قال: (قدم رسول الله وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي، فانطلقت بي إليه فقالت: يا رسول الله! لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا أتحفك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا فخذه فليخدمك ما بدا لك، قال: فخدمته عشر سنين، فما ضربني ولا سبني). ([600]) () انظر: تخريجه عند الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/499.

وكان يخدم الرسول ويخصه بالتعليم والتربية والرعاية، وكان يداعبه فيقول: (يا ذا الأذنين)). ([601]) () وضع البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه. رواه البخاري، ج5/145.

وقد ورد عن أنس قال: (جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول الله وقد أزرتني بنصف خمارها وَرَدَّتْنِي ببعضه، فقالت: يا رسول الله هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له فقال : "اللهم أكثر مالـــه وولـــده" وأطل حياته). ([602]) () رواه البخاري، في صحيحه، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه، ج5/145.

وفي رواية فما ترك خير دنيا ولا آخره إلا دعا لي به، ثم قال: (اللهم ارزقه مالاً وولدًا وبارك له فيه)). ([603]) () انظر: تاريخ الطبري، ج3/31؛ الذهبي، تاريخ الإسلام (عهد الراشدين)، ص 20. () انظر: الطبري، تاريخه، ج3/212؛ الذهبي، تاريخ الإسلام (عهد الراشدين)، ص 20.

كان يصحب رسول الله في مسجده، فيتعلم منه العبادة والأخلاق والعلم، ويخدمه في بيته، ويطلع على علم لا يعرفه إلا هو، فيرى عبادته وقيامه للصلاة ودعاءه، وأمر بيته وأهله، كما صحبه في معظم غزواته، ومنها غزوة بدر والحديبية، وبايع تحت الشجرة، وقيل إنه غزا ثماني غزوات مع رسول الله يخدمه فيها. ([604]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/497. () انظر: تاريخ الطبري، ج3/213. () من رواية البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب ذكر أسامة بن زيد، ج4/214.

صار قدوة للناس في صلاته وإتقانه لما رأى من رسول الله، ولما تعلمه في صلاته. روى أبو هريرة قال: (مـــا رأيت أحـــدًا أشبه بصلاة رسول الله من ابن أم سُليم يعني أنسًا، وقـــال محمد بن سيرين كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر . وروى الأنصاري عن أبيه عن ثمامة قال: كان أنس يصلي حتى تفطر قدماه دمًا مما يطيل القيام ). ([605]) () ابن كثير: تفسيره، ج1/840.

وفي خلافة أبي بكر وعمر كان أنس قد بلغ مبلغ الرجال، فصار مرجعًا في الحديث عن رسول الله، ثقة عند الجميع ومكان تقديرهم لخدمته رسول الله. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2/496؛ ابن سعد، الطبقات، ج4/61.

وقد ورد أن: (أبا بكر الصديق بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين ساعيًا، فدخل عليه عمر فقال: إني أردت أن أبعث هذا على البحرين وهو فتى شاب، قال: ابعثه فإنه لبيب كاتب، فبعثه، فلما قُبض أبو بكر، قدم أنس على عمر فقال: هات ما جئت به، قال: يا أمير المؤمنين البيعة أولاً، فبسط يده). ([606]) () وضع مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة، باب من فضائل أنس بن مالك، ج7/159.

وقد ورد أنه قدم من البحرين بعد بيعة عمر ومعه مال الصدقة والأموال، فوهبه عمر كثيرًا منه. ([607]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/395.

وقد شارك في فتوح فارس، وشهد فتح تستر، فقُدم لصاحبها الهرمزان فأسلم وحسن إسلامه. ([608]) () رواه أحمد في مسنده، ج3/110؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات، ج7/20؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/397 ــ 398.

انتقل إلى البصرة في خلافة عمر بن الخطاب معلمًا للقرآن والسنة، وكان يَكره الإكثار على الناس. ([609]) () رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب أنس بن مالك رضي الله عنه، ح برقم: 3828، ج5/681.

نجد معظم مروياته في الحديث عن طريق رواة البصرة. وقد ورد أن له ألفين ومئتين وستة وثمانين حديثًا اتفق البخاري ومسلم على مائة وثمانين حديثًا منها، وانفرد البخاري في صحيحه بثمانين حديثًا ومسلم بتسعين حديثًا. ([610]) وبذلك كان من أكثر الصحابة رواية عن رسول الله. ([611]) () رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب من فضائل أنس بن مالك، ج7/159؛ وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/399؛ وابن سعد، الطبقات، ج7/19.

وهذا لا شك ببركة دعاء الرسول له وخدمته لرسول الله. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/399.

عُدَّ في البصرة من أكثر الناس مالاً وولدًا ببركة دعاء النبي له حتى ضرب به المثل وبقي في خلافة عثمان وعلي. وقد ورد عنه قوله: (إن الله قد جمع حب علي وعثمان في قلوبنا)، ([612]) ولعل هذا القول كان بعد الفتنة التي أدت إلى استشهاد عثمان. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/397.

ولكثرة ولده فقد مات منهم ما يقارب السبعين في حياته بأمراض مختلفة منها طاعون الجارف. ([613]) () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج7/21؛ وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/400.

كان كثير الصلاة والصيام، ولما كبر سنه وعجز عن الصيام كان يحرص على إطعام المساكين محل صومه. ([614])

وقد عُرف في البصرة مدة بقائه فيها بأنه الصحابي الإمام المقرئ المحدث راوية الإسلام. ([615]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/401.

وقد عاصر فتنًا مختلفة، وكان محل رضا الناس، ولم يسهم بشيء منها، وحين قيام الفتنة بعد استشهاد الحسين ووفاة يزيد بن معاوية وحركة ابن الزبير، كتب إليه ابن الزبير فصلى بالناس في البصرة أربعين يومًا. ([616]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/401.

وكان له موقف حازم وصريح من الحَجَّاج بن يوسف، مما جعل الحَجَّاج يتعرض له ويؤذيه ببعض أعوانه في البصرة، فكتب أنس إلى عبدالملك: (قد خدمت رسول الله تسع سنين، وإن الحَجَّاج يعرض بي حوكة البصرة، فقال: يا غلام اكتب إلى الحَجَّاج ويلك، قد خشيت أن لا يصلح على يدي أحد، فإذا جاءك كتابي فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه، فلما أتاه الكتاب قال للرسول أمير المؤمنين كتب بما هنا؟ قال: إي والله، وما كان في وجهه أشد من هذا، قال: سمعًا وطاعة، وأراد أن ينهض إليه فقلت إن شئت أعلمته فأتيت أنس بن مالك فقلت: ألا ترى قد خافك وأراد أن يجيء إليك فقُم إليه، فأقبل أنس يمشي حتى دنا منه فقال: يا أبا حمزة، غضبت؟ قال: نعم تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال: إياك أعني واسمعي يا جارة، أردت أن لا يكون لأحد علي منطق). ([617]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/402.

وقد تكررت رؤياه للنبي في آخر حياته، ([618]) وقد طال عمره حتى قال: (ما بقي أحد صلى القبلتين غيري) ([619]) وكان آخر الصحابة وفاة، وقد ورد أنه توفي سنة ثلاث وتسعين مـــن الهجرة ولـــه مــن العمر مـــائة وثلاث سنوات. ([620]) () انظر: البلاذري، فتوح البلدان، ص37؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص 118.

سلمان الفارسي : ([621])

() انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/406. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/406؛ وانظر: ابن حجر، الإصابة، ج1/71.

أصله من (جي) من أهل أصفهان في بلاد فارس، وفي نظري أن من يكتب عن أهل البيت لا بد أن يدرج سلمان، وإن كان فارسيًّا، لقول النبي عنه: (سلمان منَّا أهل البيت)) ، فألفاظ النبي واضحة في نسبته لأهل البيت في الإيمان والصدق والمحبة والطهر، وقد قالها حينما تنازع الأنصار، فقالوا: سلمان منا، لأنه كان مقيمًا في المدينة قبل هجرة النبي إليها، فعده الأنصار منهم. وقال المهاجرون إنه منا لأنه هاجر إلى المدينة وقصدها قبل هجرة بقية الصحابة وقبل الهجرة النبوية، وفي كلا المجموعتين خير، وكل منهما أرادت أن تفتخر بسلمان، فأعطاه الرسول مفخرة لم تعط لأحد آخر فقال: (سلمان منا أهل البيت)). ([622]) وبذلك انتهى الخلاف بين المهاجرين والأنصار ونال سلمان شرفًا أعظم بالانتساب لبيت النبوة، وهذا ما دفعني لإدراجه ضمن مؤمني أهل البيت رضي الله عنهم.

وفي إسلامه قصة مشهورة تواردها أهل الحديث والسير عن سلمان. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/405.

أورد ابن أبي شيبة في كتاب المغازي قصة إسلام سلمان الفارسي، من حديثه قال: (كنت في كُتَّاب ومعي غلامان، وكانا إذا رجعا من معلمهما أتيا قسًّا فدخلا ودخلت معهما، فقال: ألم أنهكما أن تأتياني بأحد، قال: فجعلت أختلف إليه حتى إذا كنت أحب إليه منهما، قال: فقال لي: إذا سألك أهلك من حبسك؟ فقل: معلمي، وإذا سألك معلمك: من حبسك؟ فقل: أهلي، ثم إنه أراد أن يتحول، فقلت له: أنا أتحول معك، فتحولت معه فنزلنا قرية، فكانت امرأة تأتيه، فلما حضر قال لي: يا سلمان: احفر عند رأسي، فحفرت عند رأسه، فاستخرجت صرة من دراهم، فقال لي: صبها على صدري، فصببتها على صدره، فكان يقول: ويل لاقتنائي، ثم إنه مات، فهممت بالدراهم أن آخذها، ثم إني ذكرت فتركتها، ثم إني آذنت القسيسين والرهبان فحضروه، فقلت لهم: إنه قد ترك مالاً، قال، فقام شباب في القرية، فقالوا : هذا مال أبينا فأخذوه، قال: فقلت للرهبان: أخبروني برجل عالم أتبعه، قالوا: ما نعلم في الأرض رجلاً أعلم من رجل بحمص، فانطلقت إليه، فلقيته فقصصت عليه القصة، قال: فقال: أو ما جاء بك إلا طلب العلم؟ قلت: ما جاء بي إلا طلب العلم، قال: فإني لا أعلم اليوم في الأرض أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة، إن انطلقت الآن وجدت حماره، قال: وانطلقت فإذا بحماره على باب بيت المقدس، فجلست عنده وانطلق، فلم أره حتى الحول، فجاء فقلت له: يا عبدالله! ما صنعت بي؟ قال: وإنك لها هنا؟ قلت: نعم، قال: فإني والله ما أعلم اليوم رجلاً أعلم من رجل خرج بأرض تيماء، وإن تنطلق الآن توافقه، وفيه ثلاث آيات: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وعند غضروف كتفه اليمنى خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، لونها لون جلده، قال: فانطلقت ترفعني أرض وتخفضني أخرى حتى مررت بقوم من الأعراب فاستعبدوني فباعوني، حتى اشترتني امرأة بالمدينة، فسمعتهم يذكرون النبي وكان عزيزًا، فقلت لها: هبي لي يومًا، قالت: نعم فانطلقت فاحتطبت حطبًا فبعته، وصنعت طعامًا فأتيت به النبي وكان يسيرًا فوضعته بين يديه، فقال: ما هذا؟ قلت: صدقة، قال: فقال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، قال: قلت هذا من علامته، ثم مكثت ما شاء الله أن أمكث ثم قلت لمولاتي: هبي لي يومًا، قالت نعم، فانطلقت فاحتطبت حطبًا، فبعت بأكثر من ذلك، وصنعت به طعامًا فأتيت به النبي وهو جالس بين أصحابه فوضعته بين يديه، قال: ما هذا؟ قلت هدية فوضع يده وقال لأصحابه: خذوا باسم الله، وقمت خلفه، فوضع رداءه، فإذا خاتم النبوة، فقلت: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ فحدثته عن الرجل، ثم قلت أيدخل الجنة يا رسول الله، فإنه حدثني أنك نبي؟ قال: لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة). ([623]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/405. (وهو وباء أصاب العراق في أيام بني أمية).

وقد بقي سلمان رقيقًا ما يزيد على ثلاث سنوات بعد الهجرة النبوية، وكان يلتقي بالنبي ويتعلم منه، ثم قال له رسول الله : كاتِبْ يا سلمان، أي: اشتر نفسك من مالكك، وكان في نيته إعانته على عتق نفسه يقول سلمان : (فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير، وبأربعين أوقية، فقال رسول الله لأصحابه: أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين وديَة، والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة والرجل بعشرة والرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله : اذهب يا سلمان ففقر لها ــ أي احفر لها ــ، فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي، قال ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله بيده فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة، فأديت النخل فبقي عليَّ المال، فأتى رسول الله بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ قال: فدُعِيْتُ له، قال: فخذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان، قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ قال خذها فإن الله سيؤدي بها عنك، قال فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت فشهدت مع رسول الله الخندق ثم لم يفتني معه مشهد). ([624]) () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/405؛ وقد روى البخاري شيئًا من ذلك في صحيحه، ج8/135؛ ابن سعد، الطبقات، ج7/25.

وكان وجود سلمان بين صفوف المسلمين قبل غزوة الأحزاب إضافة خبرة جديدة للمسلمين، فقد كان حاضرًا أثناء التخطيط لمقاومة الأحزاب قبل هجومهم على المدينة، فاقترح على رسول الله عمل الخندق حول المدينة، وشارك في الحفر مع المسلمين بعد أن خطه الرسول. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج7/21؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/396.

فلما رأت الأحزاب الخندق، قالوا: هذا عمل ما كانت العرب تعمله، ([625]) وقد آخى الرسول بينه وبين أبي الدرداء، ([626]) وكان سلمان ينصحه كثيرًا ويفقهه في أمور مختلفة، فقد ورد (أن سلمان زار أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة [في هيئة رثة] فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء قرب طعامًا، فقال: كُلْ فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم فنام، فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن، فقاما فصليا، فقال: إن لنفسك عليك حقًّا ولربك عليك حقًّا وإن لضيفك عليك حقًّا وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتيا النبي فذكرا ذلك له فصدق سلمان). ([627]) () خليفة بن خياط، تاريخه، ص 199.

وكانت حِكم سلمان وفقهه كثيرة تناقلها التابعون وقد عاش بقية حياة الرسول في المدينة وصحبه في كثير من غزواته وكان كبير السن. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/404؛ والحاكم، المستدرك، ج3/574.

بعد وفاة الرسول كان عونًا لأبي بكر وعمر على الحق فقد ورد أنه: (بعث إلى عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوبًا ثم صعد المنبر وعليه حُلة، والحُلة ثوبان، فقال أيها الناس ألا تسمعون؟! فقال: سلمان لا نسمع، فقال عمر: لِمَ يا أبا عبدالله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك حلة، فقال: لا تعجل يا أبا عبدالله، ثم نادى يا عبدالله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبدالله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم، قال سلمان: فقل الآن نسمع). ([628]) () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/403؛ وابن سعد، الطبقات، ج7/20. () الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/403؛ ابن سعد، الطبقات، ج7/20؛ ابن إسحاق، السيرة، ص 67. () ابن سعد، الطبقات، ج7/26؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/406.

كما شارك جيوش الفتوح في المشرق واشتهرت مشاركته في عهد عمر ابن الخطاب، حيث كان داعية الجيش في القادسية، وكان أحد المفاوضين للفرس أثناء حصار عاصمتهم المدائن، ومن المترجمين بين الفرس والمسلمين. () وضع كثير من العلمـــاء السابقين أبوابًا خاصة في كتبهم لقصة سلمان وإسلامه، من هؤلاء ابن أبي شيبة في المغازي (إسلام سلمان رضي الله عنه)، ص 139؛ وكذلك البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه، ج4/270؛ وانظر: شرح ابن حجر في فتح الباري، ج15/138.

وبعد إتمام فتح المدائن، عينه عمر بن الخطاب أميرًا عليها، حيث كان له دور كبير في دعوتهم إلى الإسلام قبل القتال. ([629]) وقد ولاه عمر بن الخطاب على المدائن، ([630]) فسار في أهلها سيرة حسنة. وكان مثال المسلم الصالح في سماحته وتواضعه وزهده. () انظر: تخريجــه عند الـــذهبي في سير أعلام النبلاء، ج3/54؛ ابن سعد، الطبقات، ج4/83.

وقد وردت العديد من الروايات التي تدل على تواضعه وزهده أثناء ولايته على المدائن، من ذلك أن رجلاً غريبًا جاء إلى السوق فاشترى شيئًا، ورأى سلمان وهو لا يعرفه فسخره الرجل ليحمل له، فحمل سلمان للرجل فمر بقوم، فقالوا: نحمل عنك يا أبا عبدالله؟ فقال الرجل: من هذا؟ قالوا: هذا سلمان صاحب رسول الله. فقال الرجل: لم أعرفك، وطلب من سلمان أن يضع العلف؟ فأبى سلمان حتى أوصل علف الرجل إلى منزله. ([631])

وقد اشتهر عن سلمان أنه كان يأكل من عمل يده، فقد كان يشتري الخوص ثم يقوم بنسجه، وبيعه، ويأكل من ثمنه، ويتصدق بما كان يأتيه من بيت المال. ([632]) () ابن أبي شيبة، المغازي، ص 139 ــ 141، واللفظ له؛ وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3/506 ــ 510.

ولعل تولية سلمان على المدائن كانت رمــزًا لمعانٍ عديدة، أدركها عمر قبل أن يوليه، فكان سلمان خير قـــدوة لقومـــه أهل فارس دفعهم إلى الإسلام والرضا بهذا الدين. وقد ذكر أنه كان يرفض الولاية لولا أن عمر أجبره على قبولها، فكان يكتب إلى عمر يطلب الإعفاء فيرفض عمر ذلك. ([633]) وقد اشتهر عن سلمان زهده (فكان يلبس الصوف، ويركب الحمار ببرذعته بغير إكاف، ويأكل خبز الشعير وكان ناسكًا زاهدًا). ([634]) () رواه الإمام أحمد في مسنده، ج5/441؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/88؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/546.

وقبيل وفاة سلمان دخل عليه سعد بن أبي وقّاص يعوده، فبكى سلمان فقال له سعد: ما يبكيك يا سلمان؟ توفي رسول الله وهو عنك راض وتَرِدُ عليه الحوض قال: فقال سلمان: أما إني ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله عهد إلينا فقال لتكن بُلْغَةُ أحدكم مثل زاد الراكب وحولي هذه الأساود، وإنما حوله إجانة أو جفنة أو مطهرة، قال فقال له سعد: يا أبا عبدالله، اعهد إلينا بعهد فنأخذ به بعدك، فقال: يا سعد، اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند بَذْلك إذا قسمت. ([635])

وقد توفي سلمان بالمدائن في خلافة عثمان بن عفان سنة اثنين وثلاثين من الهجرة. ([636]) () انظر: الواقدي، المغازي، ج2/445؛ السمهودي، وفاء الوفاء، ج4/1206؛ والصالحي الشامي، سبل الرشاد، ج4/514. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/84؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/546؛ الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد، ج4/514. () رواه البخاري، كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له، ج2/243؛ والترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب (63) ، ح برقم: 2413، ج4/609؛ ابن سعد، الطبقات، ج4/85؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/242.

الخاتمة

كان المعايشون للرسول مجموعات من الصحابة وآل البيت، وهم أكثر الناس التصاقًا بالرسول وأخذًا عنه وتصديقًا به ومحبة له، وليسوا بمنزلة واحدة في الصحبة والقرب، واختلفت فترات معايشتهم للرسول، منهم من صاحبه من أول حياته إلى آخرها، ومنهم صاحبه فترة من الوقت وغادر الدنيا في زمن مبكر ومنهم من لحق الركب النبوي في وقت متأخر من حياته، كما تفاوتوا في طول الحياة من بعده، ولذلك تفاوتوا في الأخذ والعطاء معه، وفي مشاركتهم حوادث أيامه، وسيرة حياته ومعرفة هؤلاء معرفة لجزء كبير من السيرة النبوية. () انظر: ابن الجوزي، سيرة ومناقب عمر بن الخطاب، ص 140.

ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن من هؤلاء أمهات المؤمنين، حيث سار الرسول على سنة الأنبياء في الزواج، فكانت له زوجات متعددات في مراحل مختلفة منهن من مات مبكرًا، ومنهن من عاشت بعد رسول الله سنوات.

اختارهن الله لنبيه عليه السلام، عشن معه في داره وصحبنه في أسفاره، أخذن أخبار الرجال وأحكام النساء، نزلت الملائكة في بيوتهن وبحضرتهن، حفظن القرآن وذكرن السنة، أردن الله والدار الآخرة. () انظر: تاريخ الطبري، ج4/173؛ ابن سلام، الأموال، ص 33؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج7/65. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/88؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/546.

نلن شرف نقل الشريعة، رأين منه الصدق والخير والبركة، أولاهن وأبركهن خديجة بنت خويلد أم جميع أولاده عدا إبراهيم، عاش معها قبل مبعثه خمسة عشر عامًا وبعد مبعثه قرابة عشر سنوات، فعرفته حق المعرفة. () انظر: عبدالعزيز العُمري، الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين، ص 176.

أول من آمن به وصدق برسالته، لم يتزوج عليها في حياتها، وصل صويحباتها بعد وفاتها وفاءً لها. () انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/88؛ ابن الجوزي، تلقيح فهوم أهل الأثر، ص 138؛ أسد الغابة، ج2/321؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/526، 547؛ ابن حجر، الإصابة، ج2/63.

ثم تزوج سودة بنت زمعة، وهي امرأة زاهدة عابدة، صاحبة صدقة وعطاء. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/547. () انظر: المسعودي، مروج الذهب، ج2/306. (البُرْذعة: ما يوضع على الحمار أسفل الرجل، والإِكاف: المركب والأقتاب التي توضع على الحمار للركوب، ابن منظور: لسان، ج8/8، ج9/8).

وتزوج بعد ذلك من عائشة وهي المرأة البكر الوحيدة من نسائه، فكانت سببًا في مزيد من الصلة بين رسول الله وبين أبي بكر الصديق، حيث كان يدخل على رسول الله في دارها، وروت كثيرًا من أحداث السيرة في حوادث شهدتها عائشة وروتها بدقة، تعرضت لحوادث في السيرة خصتها دون غيرها من ذلك حادثة الإفك وغيرها. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/552؛ انظر: ابن سعد، الطبقات، ج4/91.

ولعل روايتها في قصة الهجرة تعد أفضل ما روي عن هذا الحدث، ورواياتها المختلفة في أحداث السيرة هي أوعى ما نقل لنا، إضافة لرواياتها المختلفة في السنة. () انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج1/555؛ ابن حجر، الإصابة، ج2/63؛ ابن سعد، الطبقات، ج4/93.

وقد تزوج من حفصة بنت عمر، وكان ذلك شرفاً لها ولأبيها.

وكانت تجاور عائشة في حجرتها وتشاركها بعض الأحداث، ومن أمهات المؤمنين اللائي عايشن رسول الله وشاركن الأحداث أم سلمة، ولها روايات متعددة في السيرة ومشاركة في أحداث غزوة الحديبية وغيرها، وكذلك كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش، ابنة عمة النبي، مطلقة زيد بن حارثة مولى رسول الله، التي تزوجها من بعد زيد، ووردت قصة زواجها في القرآن الكريم، وهي امرأة خيره ذات صدقة كانت أول من توفي بعده من أمهات المؤمنين.

ثم كان زواجه من جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق، التي كانت من قبيلة محاربة للرسول تؤذِي وتُؤذَى، فعمَّ السلام والأمن تلك القبيلة بهذا الزواج وتوقف شرها عن المسلمين. وجاء زواجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي امرأة مؤمنة، كان والدها قبل فتح مكة من أكبر أعداء الرسول، هاجرت إلى الحبشة، حيث أصبحت وحيدة مغتربة في الحبشة ثابتة على إيمانها بعد فقدها لزوجها، فخطبها رسول الله وهي هناك، ثم قدمت المدينة فكانت إحدى أمهات المؤمنين، لها مكانتها رغم عداء والدها حينها للنبي فكانت مع الحق عليه.

ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، خالة أبناء عمه العباس، عُقيب عمرة القضية، وكان في ذلك إشعار لأعدائه من قريش بقوته وقدرته، فنالت بذلك شرفًا عظيمًا، ونهلت من عِلم النبي، ورأت مع أبناء أختها من العباس من عمل الرسول، ونقلوا ما لم ينقله غيرهم.

وجاء زواج الرسول من صفية بنت حيي، ابنة أحد زعماء يهود، قتل عنها زوجها من اليهود وأُسرت ثم أسلمت، فتزوجها رسول الله وأكرمها وعاملها أحسن معاملة، وحدثها عن فضلها لانتسابها لأنبياء بني إسرائيل السابقين، وكانت تصل بعض أقاربها من يهود ممن لم يعادِ الرسول، فلم ينهها عن ذلك، ونُفذت وصيتها لبعضهم من تركتها عند وفاتها، فكانت بابًا للأحكام الشرعية في هذا الجانب، وهو اختلاف الدين بين الورثة وغير ذلك من الأحكام.

وجاء الزواج الأخير للرسول من ماريه القبطية في السنة السابعة من الهجرة، وقد أُهديت للرسول من المقوقس عظيم القبط في مصر، فأكرمها وأحسن إليها وتزوجها، فولدت له ابنه إبراهيم، الذي توفي وهو صغير، كانت حسنة الدين والإسلام، لها مكانة خاصة عند المسلمين.

عاشت أمهات المؤمنين في المدينة بعد رسول الله، فكُنّ معلمات للخير ناقلات للسنة مؤثرات في مجتمع المدينة أمهات للجميع فيه، مصلحات بين الناس، نقلن السنة عن رسول الله فنقلن المئات والآلاف من أحاديث رسول الله ومن أعماله العباديه وسلوكياته الزوجية وأحواله في بيته، مما لا يطلع على مثلها إلا الأزواج. فكانت لكل منهن حال حسب طُهر المرأة وغيره في الحضر والسفر، في الأكل والشرب واللباس، في النوم والراحة، في الاغتسال والوضوء، في المحادثة والمعاشرة، وفي سائر الأحوال، وكان لتعدد زوجاته حكمة واضحة في إثراء الحوادث وتغير الأحوال وكثرة الأحوال المتطلبة لتشريعات محددة، مما لا يتوافر مع الزوجة الواحدة.

وقد تناقصن تدريجيًا بالوفاة في عصر الراشدين وما بعده، حتى اختفين عن الحياة فافتقدهن أهل المدينة.

وقد عاشر رسول الله بناته أفضل بنات في أفضل البيوت وأطهرها، ومن أفضل الآباء على الإطلاق، في معرفتهن ومعرفة حياتهن معرفته للرحمة في تعامل الآباء، ومعرفة للتصديق والإيمان والعون لرسول الله على أمر دينه ودنياه، وفي معرفة حياتهن معرفة لتعامل الرسول مع أصهاره وذوي رحمه.

شاركن رسول الله همَّ الدعوة ودافعن عنه، مررن بظروف مختلفة في الزواج، كان الرسول طرفًا في أحداثها، فارقن الحياة كلهن في أيام رسول الله عدا فاطمة، معرفتهن وحياتهن تساعد في معرفة محيطه، أمهن خديجة بنت خويلد وهن زينب بنت رسول الله الكبرى، نشأت في كنف الرسول ربتها أمها خديجة، تزوجها أبو العاص بن الربيع ابن خالتها هالة، كان تاجرًا صادقًا، أسلمت أول البعثة، وتأخر إسلام زوجها، وكان له مواقف انتهت بإسلامه وهجرته، لها بنت صغيرة هي أُمامة يلاعبها ويحملها رسول الله، توفيت زينب في السنة الثامنة من الهجرة.

رقية ثاني بنات رسول الله، تزوجها عثمان بن عفان، وهو من أوائل المسلمين، دافعت عن رسول الله، نالها الأذى معه، هاجرت مع عثمان إلى الحبشة ثم إلى المدينة بعد ذلك، حيث توفيت مبكرة في السنة الثانية من الهجرة أثناء غزوة بدر، فكانت أول بناته وفاة بعد أمها.

وأم كلثوم هي ثالث بنات النبي، هاجرت مبكرة بعد النبي، تزوجت من عثمان بن عفان بعد وفاة أختها رقية، عاشت معه ست سنوات شاركت في أحداث السيرة في مكة والمدينة، وجلس عند قبرها ودعا لها عند وفاتها. وأحداث وفاتهن ذات تأثير في حياة الرسول.

فاطمة بنت النبي الصغرى، أكثر بناته ذِكرًا في الأمة، لأنها الوحيدة التي عاشت أشهرًا بعد وفاة النبي، عرفت بالزهراء وبنت أبيها، كانت تدافع عن رسول الله في مكة، وبحكم صغر سنها كانت تتابع النبي أحيانًا في انتقاله من مكان إلى آخر، واشتهرت بإزالة سلى الجزور من فوق رأسه، حين وضعه بعض مجرمي قريش على رأسه وهو يصلي. قامت على خدمة الرسول بعد وفاة خديجة وزواج أخواتها.

هاجرت مع بيت النبوة، وحين بلغت السن المناسب زوجها من ابن عمه وأقرب وأحب آل بيته إليه علي بن أبي طالب، فسكنا جوار حجرات رسول الله ورزقا بالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، عاشوا جميعا متأثرين بحياة رسول الله وسيرته في مواقف خاصة، كان يوجههما باستمرار إلى الزهد في الدنيا، لهما مواقف في غزوات كثيرة، منها أُحُد وغيرها، ولهما سيرة خاصة في حجة الوداع وغيرها، شهدا مرض النبي ووفاته، كانا أكثر الناس حزناً لفقد رسول الله.

بعد وفاة الرسول صارت محل غلو لبعض المغرضين الذين قدسوهما وأخرجوهما وابنيهما أحيانا عن بشريتهما في خروج عن التوحيد وهو أصل الإسلام الذي دعا له النبي.

أقرب الناس المحبين لرسول الله من ذرية جده عبدالمطلب علي بن أبي طالب، بشره بالجنة، شبَّ في منزل رسول الله، أول من أسلم من الصبيان، شارك في أحداث السيرة قبل الهجرة وبعدها، نام في فراش الرسول ليلة الهجرة، بعد الهجرة شارك في كل الغزوات بشجاعة وخصوصًا في بدر وخيبر وغيرها، زوجه من فاطمة وأسكنه قرب الرسول كان مشاركًا في أحداث السيرة بشكل شبه يومي، اشتهر بشجاعته الفذة في كل الغزوات، خلف النبي في أهله أثناء غزوة تبوك، وحمله رسالة البراءة في حج أبي بكر بالناس سنة 9هـ، من أكثر الناس تأثيراً في أحداث الأمة بعد وفاة الرسول، كان مساعدًا لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في خلافتهم، وما شهدته من أحداث كبار، وامتداد للإسلام في كل مكان. وحين آلت الخلافة إليه، بعد الفتنة واستشهاد عثمان ابتلي وأُوذي من قبل أهل الفتنة، فبقي صامدا زاهدًا حتى استشهد.

ومع أنه دفن في مكان مجهول قرب الكوفة فتن فيه كثير من الناس وغلوا حتى أوصله البعض إلى التأليه وجعلوا قبرًا مزعومًا له وثنًا يعبد من دون الله.

وكان الحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أشهر الصغار في حياة الرسول وسيرته، وهما سيدا شباب أهل الجنة، أفرحا الرسول وسراه في حياته، شاركا الأمة في الأحداث بعد وفاته لهما مكانة خاصة في خلافة أبي بكر وعمر، وكانا مع والدهما من أقرب الناس إليهما.

واستمر الأمر كذلك في خلافة عثمان، حيث دافعا عنه عند حصاره، وشاركا والدهما المسؤولية بعد مبايعته، واعتزلا بعد استشهاده، وعاشا في المدينة يرعيان أمهات المؤمنين.

كان الحسين أحد شهداء الإسلام العظام، استشهد دفاعًا عما يعتقده من حق الأمة في اختيار الخليفة، وفُتن فيه أناس وجعلوا جلد الذات وكره الناس عنواناً لطقوسهم باسم الحسين.

أبو بكر الصديق أشهر أصحاب وأصهار المصطفى. صحب رسول الله في سن متقدمة حيث قاربه في السن، وعاشا شبابها رفيقين في مكة، وكان بينهما ودٌّ، وخصال مشتركة، ومحبة متبادلة، صاحب تجارة وعلم بالأنساب، أسلم في الأيام الأولى من البعثة دون تردد، عاش الدعوة مع رسول الله من بداياتها الأولى، فلم يفارق رسول الله طيلة حياته، وخلف رسول الله على دولة الإسلام عند وفاته.

كان الداعية الأول في الإسلام، أسلم على يديه معظم الصحابة الأوائل، نفع الله بماله رسول الله وبقية المسلمين نزلت فيه آيات مختلفة.

كان يصاحب الرسول في عرض نفسه على القبائل، دافع عنه عند تعرضه للأذى.

صحبه في الهجرة وأعد لها، شاركه في غزواته المختلفة، وكان أقرب الناس إليه في غزوة بدر وغيرها، كان المستشار الأول لرسول الله، زاد التصاقه بالرسول في بيته بعد أن تزوج من ابنته أم المؤمنين عائشة.

لم يتغيب عن حدث من أحداث السيرة، أو أسفار وغزوات النبي.

خاطب الأمة عند وفاة الرسول، واحتوى الدهشة، وعقل في الأمر، اختاره المسلمون خليفة بعد رسول الله، ولم يعارضه أحد.

حمل همّ الأمة واجتاز بها الأزمة، وقضى على الأعداء من المرتدين، وانطلق بالإسلام في العالمين، وصل بالإسلام العراق والشام، وفي فترة وجيزة لم يشهد لها العالم مثيلاً، توفي بعد سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام من خلافته، أدرك عالمية الإسلام، وأن الرسول أدى الرسالة، وعلى المسلمين حملها حتى النهاية لكل أصقاع الأرض.

حيث عمل أكبر إنجاز عرفه التاريخ في الفتح والتمهيد لامتداده، كان تربية رسول الله أعده لهذه الأيام، عاش حياة الرسول وشارك في أحداثها، لا بُدَّ لكل قارئ للسيرة من معرفة هذه الشخصية المتأثرة والمؤثرة في كل مراحل حياة الرسول.

ومن المعايشين للرسول عمر بن الخطاب صهر الرسول وصاحبه، تأخر إسلامه قليلاً، إلا أن ذلك الإسلام عُد عزًا للإسلام وقوة، واستجابة لدعوة رسول الله.

عُرف بشدته وشرّه على الإسلام وأهله قبل أن يدخل فيه، وُعرف بقوة نصره وثباته عليه بعد إسلامه، هاجر مبكرًا إلى المدينة قبل رسول الله وشهد المشاهد معه، رباه رسول الله وعلمه، شارك الرسول في غزواته، مَثلَّ جانب الشدة على الأعداء والمنافقين، أخبر الرسولُ بهيبة الشيطان له.

نزل القرآن موافقًا لرأيه في عدة مواضع، له مشاركات في معظم أحداث السيرة، شهد له الرسول بالجنة في أكثر من مرة، زادت صلته ببيت النبوة بعد زواج الرسول من ابنته حفصة.

لشدة محبته لرسول الله لم يصدق أنه مات، وهدد كل من قال ذلك، فلما تأكد له الأمر وقع على الأرض ولم تحمله قدماه.

كان له دور في بيعة أبي بكر الصديق وإيضاح المبررات الشرعية لهذه البيعة.

كان المستشار والعضد الأول لأبي بكر الصديق في خلافته، عينه الصديق للخلافة بعده، بعد أن شاور الناس في الأمر.

مارس صلاحياته، على ما رباه و أعده رسول الله الذي أعد أصحابه رحمة للعالمين، فاستمر فيما رسمه رسول الله لنشر الإسلام في العالم، فواصل الفتوح في العراق وفارس وأذربيجان ومصر وشمال إفريقيا، حيث إن معظم أقاليم العالم الإسلامي المعاصرة وصلها الإسلام في زمن عمر بن الخطاب، كان رجلاً إداريًّا منظمًا تبلورت بعض نظم الإسلام السياسية والإدارية في أيامه، كالخراج والدواوين ونظام الولايات والقضاء وغيرها، مما استقاه عمر من أصول الإسلام ونظمه الشرعية، والأنظمة العالمية المعاصرة له، وترك ثروة عظيمة في مجال السياسة والإدارة كتبت فيها مؤلفات مختلفة، إضافة إلى مواقفه الحكيمة وحرصه الشخصي على متابعة أحوال الرعية مع تواضعه، وقوة شخصيته وشدة محاسبته للأمراء والولاة، حكم قرابة اثنتي عشرة سنة ونصف.

توفي شهيدًا على يد المجرم أبي لؤلؤة المجوسي في محراب رسول الله، وكان حريصًا على الشهادة في المدينة، كان موجهًا للأمة حتى بعد جرحه وقبيل وفاته. فكان شهيدًا كما أخبر رسول الله بذلك.

عثمان بن عفان التصق برسول الله منذ بعثته، وكان شابًا عاقلاً، صاهر الرسول مبكرًا، حيث تزوج من رقية بنت رسول الله، وهاجر معها إلى الحبشة ثم هاجرا سويًّا إلى المدينة، وجاورا بيت رسول الله في المدينة، استخلفه الرسول على المدينة في بعض أسفاره، شارك في أحداث كثيرة في السيرة، منها بيعة الرضوان في غزوة الحديبية، زوجه الرسول من ابنته أم كلثوم بعد وفاة رقية، فكان أول إنسان يتزوج بنتين لنبي، اشتهر بحيائه، شهد له الرسول بالجنة في أكثر من موضع، نفع المسلمين بماله في غزوة تبوك وغيرها، شارك في المسئولية أثناء خلافة أبي بكر وعمر، بويع بشورى من المسلمين بعد عمر، فاستمر في الفتوح وزاد انتشار الإسلام في أيامه، واستحدث نظمًا جديدة، أول من اتخذ أساطيل بحرية إسلامية، قام بعدة فتوح في أيامه ونجح في تطبيق إستراتيجية المد البحري، هدد القسطنطينية وممراتها البحرية أكثر من مرة.

يُعدّ جمعه للقرآن في مصحف واحد وتوحيد الناس على نُسخه في الأمصار من أهم أعماله التي وحدت الأمة على كتاب الله، تأَمّر جماعة من المفتونين عليه، فقُتل في داره في المدينة شهيدًا كما أخبره الرسول.

حمزة بن عبد المطلب من أهم المعاشرين لرسول الله، من أعمامه شب وترعرع مع الرسول في مكة وأحب كل منهما الآخر، امتاز بالفروسية والنجدة والحمية.

أسلم في بداية الأمر غيرةً لرسول الله، فحسن إسلامه، هاجر إلى المدينة، وشارك في غزوة بدر، وكان من أشهر المبارزين فيها، استشهد في غزوة أُحُد، فحزن عليه رسول الله وآل بيته، ولقبه بسيد الشهداء.

جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله، شبيه له بخلقه وخُلقه، أسلم مبكرًا، وهاجر إلى الحبشة، وكان ممثلاً للمسلمين فيها أمام النجاشي، مدافعًا عنهم، رجع من هجرته مع فتح خيبر فسُرّ به رسول الله أيّما سرور، بعثه مع زيد بن حارثة في مؤتة فاستشهد هناك، وعُرف بذي الجناحين، حزن عليه رسول الله، وتفقد أولاده بعده، وزوج امرأته من أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ليقوم على رعاية أولاده وأهله.

ومن المعاشرين للرسول عمته صفية بنت عبدالمطلب، وهي زوجة العوام بن خويلد أخيّ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، كما أنها أم للزبير بن العوام زوج أسماء بنت أبي بكر، ووالد عبدالله بن الزبير، أسلمت مبكرة وهاجرت مع ابنها إلى المدينة، من أوائل من ناداهم الرسول باسمها يوم دعوته على الصفا في مكة، شاركت المسلمين في أُحد والخندق وغيرها، رثت النبي عند موته، عاشت مُكرمة معززة بعد ذلك حتى وفاتها في خلافة عمر.

وممن عايش الرسول عمه العباس بن عبد المطلب دافع عن الرسول منذ بعثته، وحمل الأمر بعد وفاة أبي طالب عم النبي، شهد مع الرسول بيعة العقبة الثانية مع الأنصار في وقت لم يظهر فيه إسلامه، أُسر مع المشركين في بدر، أظهر إسلامه يوم فتح مكة، شارك في غزوة حنين وانتقل مع أولاده للعيش في المدينة، حيث التصق برسول الله السنوات الثلاث الأخيرة من عمره، صاحبه في ذلك أبناؤه، وكان محل إكرام من الرسول وأصحابه، شارك مع أبنائه في غسل الرسول، عاش مكرمًا محترمًا ذا مكانة خاصة في عصر أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم حيث توفي سنة 32هـ.

اشتهر ابنه الفضل بأنه رديف رسول الله في حجة الوداع، شارك مع والده في تجهيز الجسد الشريف لرسول الله.

وابنه عبد الله عُرف بحَبر الأمة، فهو أعلم الناس بتفسير القرآن الكريم، كان من معلمي الناس بعد وفاة رسول الله، أثنى على علمه عدد من الصحابة، كان من المقربين من الخلفاء الراشدين، هو من أمراء علي ومناصريه، ومن أبناء العباس عبيد الله عُرف بالجواد، كان من أجود الناس عاش مجاهدًا في عصر الراشدين، وكان من أمراء علي.

وقُثم هو أصغر أبناء العباس، رضع مع الحسين بن علي رضي الله عنهم من أمه لُبابه بنت الحارث، كانت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث خالة لأبناء العباس، مما سهل دخولهم حجرات النبي بعد انتقالهم للمدينة، حيث أخذوا مباشرة من خالتهم ومن النبي، إضافة إلى كونهم من أبناء عم رسول الله.

وأكثر الناس معاشرة لرسول الله عمرًا من ولادته حتى وفاته هي حاضنته أم أيمن وهي امرأة حبشية كانت مولاة لوالده عبدالله ورثها بعد أبيه، رعت النبي بعد وفاة أمه، وعايشته في مكة وشهدت زواجه، كان يعتبرها بمثابة الأم، اعتقها وزوجها من مولاه زيد بن حارثة، كانت من أوائل المسلمين، وهاجرت إلى المدينة مع زوجها زيد بن حارثة، كانت أكثر النساء التصاقًا ببنات النبي وزوجاته، كان يأنس بها، وتتجرأ عليه أكثر من غيرها، أكرمها أبو بكر وعمر وبقية الصحابة رضي الله عنهم لمحبة الرسول لها وهي أم لأسامة بن زيد، توفيت في بداية خلافة عثمان.

وزيد بن حارثة حِبُ رسول الله ومولاه، اعتبره بمثابة الابن عطف عليه وأدبه، عاش في كنف رسول الله ورعايته، أسلم في أول دعوة الرسول، أعتقه الرسول وزوجه من أم أيمن، عاشر الرسول وعَرفه عن قرب من داخل بيته، دافع عنه في مكة، كان من أوائل المهاجرين إلى المدينة، شهد بدرًا والمشاهد مع النبي، وزوجه من زينب بنت جحش ابنة عمته، فلما طلقها تزوجها الرسول من بعده، وقد وردت قصة زواجها في القرآن الكريم، كان قائد المسلمين في مؤتة و بها استشهد.

كان الرسول يحب ابنه أسامة، وينظف وجهه بنفسه في صغره، أدبه الرسول، وكان يدخل داره كثيرًا، ولشدة محبته حاولت قريش أن يشفع لهم في المرأة المخزومية حينما سَرقت.

ولاه الرسول على جيش وجهه إلى الشام قبيل وفاته، فثبته أبو بكر على ذلك الجيش، واستعان به الراشدون كلهم وكان محل عنايتهم، اعتزل الفتنة بعد استشهاد عثمان، وتوفي في خلافة معاوية.

أنس بن مالك خادم رسول الله أحد أبناء الأنصار، عينته أمه لخدمة رسول الله، فنال هذا الشرف، فكان مع رسول الله في داره في حضره وسفره، عامله الرسول أحسن معامله وأدبه ورباه ودعا له ورعاه، صار معلمًا للناس بعد رسول الله، انتقل إلى البصرة في خلافة عمر، كان من أكثر الصحابة رواية عن رسول الله.

كثر ماله وولده وطال عمره ببركة دعاء الرسول ومعايشته له، من أطول الصحابة عمرًا عاش في البصرة ومات بها.

سلمان الفارسي، رجل من فارس سُرق وبيِع لأناس في المدينة، كان نصرانيًا، تجول في العراق والشام، وعلم بقرب بعثة خاتم الأنبياء.

جاء للرسول في المدينة وسمع منه وآمن به وصدقه ورافقه في كثير من الأحداث، وقال عنه : (سلمان منِّا أهل البيت)). وبالتالي يمكن إدراجه معهم بهذا النص ضمن من يتحدث عنهم من آل البيت المؤمنين، وقصة إسلامه مشهورة يستدل بها على معرفة النصارى بالنبي وعلاماته وموطنه ودعوته، وهي قصة طويلة يتُحدث عنها ضمن سيرة النبي، وقد تعلم سلمان من رسول الله وأخذ عنه، وكان داعية للجيوش الفاتحة في فارس وخصوصًا في المدائن، حيث صار أميرًا عليها بعد فتحها في خلافة عمر، وكأن الرسول يعده لنقل رسالته إلى الفرس، وكان متواضعًا زاهدًا من أكثر الناس محاسبة لعمر أثناء ولايته، توفي في المدائن في خلافة عثمان بن عفان، فكان رجلاً مباركًا على قومه من الفرس وصلهم برسول الله وبسنته.

عرفنا من خلال الكتاب أصحاب رسول الله ومعايشوه، حيث كان جميع أصحاب النبي مباركين على الأمة والإنسانية إلى يوم القيامة. علاقتهم برسول الله علاقة إيمان وصدق وفيما بينهم علاقة إخاء وود، استحقوا المحبة ممن أحب رسول الله وآمن به.

فهرس الموضوعات

إهداء. . . . . . . . . . . . . . . . . .

المقدمة. . . . . . . . . . . . . . .

بيعة أبي بكر الصديق. . . . . . . . . . . .

حادثة السقيفة. . . . . . . . . . . .

أسباب اختيار أبي بكر الصديق. . . .

أمهات المؤمنين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خديجة بنت خويلد. . . . . . . . . . . . . . . .

سودة بنت زمعة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عائشة بنت أبي بكر الصديق. . . . . . .

حفصة بنت عمر بن الخطاب. . . . . . . .

أم سلمة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

زينب بنت جحش. . . . . . . . . . . . . . . . . .

جويرية بنت الحارث. . . . . . . . . . . . . . .

أم حبيبة بنت أبي سفيان. . . . . . . . . . . .

ميمونة بنت الحارث. . . . . . . . . . . . . . . .

صفية بنت حيي. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ماريه القبطية. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

استقرار أمهات المؤمنين. . . . . . . . . . . .

علاقاتهن الاجتماعية. . . . . . . . . . . . . . . . .

وفيات أمهات المؤمنين. . . . . . . . . . . . . .

بنات المصطفى. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

زينب بنت الرسول. . . . . . . . . . . . . . . . .

رقية بنت رسول الله. . . . . . . . . . . . . . .

أم كلثوم بنت النبي. . . . . . . . . . . . . . .

فاطمة بنت النبي. . . . . . . . . . . . . . . . . .

أصهار النبي وأقاربه. . . . . . . . . . . . . . .

علي بن أبي طالب. . . . . . . . . . . . . . . . .

الحسن والحسين رضي الله عنهم. . . . . . . . .

الحسن بن على رضي الله عنهم. . . . . . . . . .

الحسين بن علي رضي الله عنهم (الشهيد). .

أبو بكر الصديق (ثاني اثنين). . . . . .

عمر بن الخطاب. . . . . . . . . . . . .

عثمان بن عفان (ذو النورين). . . . . . .

حمزة بن عبدالمطلب (سيد الشهداء). .

جعفر بن أبي طالب (ذو الجناحين الطيار). . . . . .

صفية بنت عبدالمطلب. . . . . . . .

العباس بن عبدالمطلب. . . . . . . . . . . . . .

الفضل بن عباس رضي الله عنهم (الرِّدْفُ). . . .

عبدالله بن عباس رضي الله عنهم (الحَبْرُ). . . . .

عبيد الله بن عباس رضي الله عنهم (الجواد. . . .

قثم بن العباس رضي الله عنهم. . . . . . .

أم أيمن (حاضنة الرسول ). . . . . . . . . . . .

زيد بن حارثة ("الحِبّ" مولى رسول الله )

أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم (الحِبّ). . .

أنس بن مالك (خادم رسول الله ). . . . .

سلمان الفارسي. . . . . . . . . . . . .

الخاتمة. . . . . . . . . . . . . . . . .