بشارة المسيح عيسى عليه السلام

بشارة المسيح عيسى عليه السلام

يهدف الكتاب إلى تقديم رسالة مبسطة ومختصرة للقارئ، خصوصًا للنصارى، لمقارنة تعاليم الأنبياء وما جاء في الكتب المقدسة مع الديانة النصرانية الحالية. يركز الكتاب على بشارة المسيح عليه السلام بالنبي محمد ﷺ، ويتناول أصول الدين الواحد والتوحيد، مبينًا اتفاق الأنبياء والمرسلين على القيم الربانية وعبادة الله وحده. الكتاب مترجم إلى عدة لغات ولاقى قبولًا واسعًا، وقد أسلم بسببه عدد من النصارى.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 4
إنجليزي إسباني فرنسي فلبيني تجالوج
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

بشارة المسيح عليه السلام

أ.د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

أستاذ العقيدة في جامعة الملك سعود في الرياض (سابقًا)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدِّمة الطبعة الثانية[1] هذه المقدِّمة لا يُناسب أن تُتَرجم.

الحمدُ لله الذي أرسل رسولَه بالهدى ودينِ الحق؛ ليظهرَه على الدِّين كله، وأشهد ألا إله إلّا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله ﷺ.

أما بعد فهذا الكتاب ألفته منذ أكثر من عشرين سنة، وكان القصد منه توجيه رسالة لطيفة مختصرة جداً للقارئ عموماً، وللقارئ النصراني على وجه الخصوص؛ ليقارن بين ما كان عليه الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، وما عليه الديانة النصرانية، وما ورد في العهدين القديم والجديد، لعل ذلك يكون سبباً لأن يعيد النظر ويقارن ويحلل ويصل إلى الحقيقة.

وكانت الطبعة الأولى لهذا الكتاب بعنوان: (النصرانية الأصل والواقع) ولقي عناية حسنة، وترجم إلى لغات متعددة منها: الإنجليزية، والإسبانية، والروسية، والفلبينية، والتايلندية، واليوربا.

وحدث أن شابًا نصرانياً خرج من جنوب السودان يبحث عن لقمة العيش، وانتقل من بلد إلى آخر حتى وصل إلى جنوب أفريقيا، واضطره الجوع إلى أن يبحث في حاوية النفايات لعله يجد طعاماً؛ فوجد النسخة التي طبعها مركز دعوة الجاليات في بريدة من القصيم في المملكة العربية السعودية، فقال لنفسه: إذا لم أجد طعاماً فلعلي أجد ما يفيدني، وأخذ الكتاب وقرأه فيما بعد، ثم تواصل مع مكتب الجاليات في القصيم، وقال: قرأت هذا الكتاب، فما الدين الصحيح؟ وطلب منهم كتباً تبين له الإسلام، فأرسلوا له مجموعة من الكتب، فأسلمَ وكتبَ لهم بذلك، وقال: سأعود للسودان، وأدعو إلى هذا الدين العظيم، وأتعلم لغة القرآن اللغة العربية، وأبني مسجداً.[2] مرفق صورة غلاف الكتاب الذي وجده، وترجمة رسالته التي بعث بها إلى جاليات القصيم.

وفي هذه القصة وقفة عظيمة وهي: أن الله إذا أراد هداية الإنسان يسر له أسبابها، وأن على الإنسان ألا يحقر من المعروف شيئاً، وأن يبذل ما استطاع في دعوة الناس للخير وتحذيرهم من الردى.

والذي دعاني لإعادة طبع الكتاب، أن أحد الدعاة من دولة (بيرو) اتصل على أحد الدعاة في مكة-حرسها الله-، وطلب منه أن يتصل علي ويستأذنني في ترجمته، ثم اتصل علي وطلب مني الموافقة له على العناية به نشراً وترجمة، واقترح بعض الملاحظات منها: تغيير عنوانه، وإضافة بعض العبارات والفقرات، ونزولاً عند رغبته فقد قمت بمراجعته، وأضفت إليه، وحذفت منه، وعدلت عنوانه.

فجزاه الله عني خير الجزاء، وأحسن الله إليه على ما قدم ويقدم في مجال الدعوة إلى الله، ونفعه الله بما قدمه، وجعله خالصاً لوجهه الكريم، موافقاً لشرعه الحكيم.

وبين يديك أخي الكريم الطبعة الثانية من هذا الكتاب، وقد جعلت عنوانه:(بشارة المسيح)، لأن المسيح عليه السلام جاء مبشراً بالرسول ﷺ، وقد أذنت لكل من أراد طبعه ونشره وترجمته، شريطة ألا يغير فيه، ولا يحذف منه. ولا يزيد عليه.

وأسأل الله أن يجعله من العلم النافع، والعمل الخالص، وأن يجعله سبب هداية، وأن يكتب له القبول في السماء وفي الأرض، ويتقبله مني، ويغفر لي ولوالدي، ولمن كان له حق علي، ولجميع المسلمين.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.

كتبه أ د محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

أستاذ العقيدة في قسم الدراسات الإسلامية في كلية التربية

جامعة الملك سعود في الرياض (سابقاً)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمدُ لله الذي أرسلَ المسيحَ- عليه السلام- مُبشرًا ورسولًا، كما أرسلَ الرسلَ الآخرين؛ ليكونوا رحمةً للعالمين، وهدًى ونورًا، ليخلصوا البشرية من كهنوتِ البشر وظلمِهم وطغيانهم، ويهْدوهم إلى الصراطِ المستقيم، الموصِل إلى رضوان الله وجنَّته، وأشهدُ أن لا إله إلّا الله وحدَه لا شريك له، الذي لم يتَّخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكنْ له شريكٌ في الملك، ولم يكنْ له وليّ من الذل، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسولُه ﷺ تسليمًا كثيرًا، أرسله ربُّه رحمة للعالمين هاديًا وبشيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً.

أمّا بعد:

فهذا الكتاب أقدمه للقارئ عموماً، وللإنسان النصراني على وجه الخصوص، فيه عرض ميسر لبشارة المسيح عليه السلام، والمسيح عليه السلام جاء ببشارة عظيمة، كما جاء جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام بالبشارة، إلا أن المسيح عليه السلام كلفه الله بالبشارة العامة، كما كلف سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وكلفه ببشارة خاصة سيأتي تفصيلها لاحقاً في ثنايا هذا الكتاب بإذن الله.

وسأقص عليك بإيجاز شديد بداية البشرية على هذه الأرض، والأصول التي يؤمن بها جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وكذلك العبادات التي كانوا يتعبدون بها، مما قصه الله علينا في كتابنا القرآن العظيم، والقيم الربانية المشتركة فيما بينهم، وقد أذكر بعض الانحراف الذي وقع فيه بعض أتباع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام مما قصه الله علينا في كتابنا القرآن العظيم أيضاً.

والتزمتُ أنْ أوردَ الأدلة التي اعتمدتُ عليها في بيان الحقِّ من التوراة والإنجيل والقرآن العظيم؛ حتَّى يعلم القارئ أنَّني أردت بيانَ الحق، والدلالة إلى الصَّواب، بعيدًا عن الكذب والتدليس، وأرجو أن ينظرَ فيها القارئ بعين المنْصفِ الراغب في البحث عن الحق.

والتزمت فيها غاية الاختصار؛ لئلا يمل القارئ من الإطالة، وإلا فكل مسألة أوردتها فبسط الكلام عنها يتطلب صفحات كثيرة.

وسأخاطبك أيها الإنسان بـ(يا أيها الكريم)؛ لأن الله أبلغنا في القرآن الكريم أنه كرّم كل بني آدم، قال تعالى: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ﴾ [سورة الإسراء: 70]. فالإنسان مكرم في كتاب ربي سبحانه.

وإني لأرجو أن تجد في هذا الكتاب إثراءً لمعارفك، ونوراً تسلطه على بعض الزوايا المظلمة في التاريخ؛ لتبصر الحقائق التي يتطلع إليها الإنسان الباحث عن الحق.

وختاماً تقبل دعواتي لك بالخير والحياة الطيبة السعيدة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه أ د محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

أستاذ العقيدة في قسم الدراسات الإسلامية في كلية التربية

جامعة الملك سعود في الرياض (سابقاً)

الأصل الواحد

يا أيها الكريم! كل البشر خلقهم الله من أصل واحد هو آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ﴾ [النساء: 1] وقال محمد رسول الله ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ؟ "، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ.)[4]. ففي الإسلام لا يجوز لأحد أن يستعلي على الناس بسبب جنسه أو مكانته أو ماله أو بلده أو نسبه، فالتفاضل بين الناس في الإيمان بالله، وعمل الصالحات، وتقديم الخير للناس، وكف الأذى عنهم، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [سورة الحجرات:13]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ﴾ [سورة لقمان: 18]. المسند(23489)

بداية الانحراف

ظلت البشرية على التوحيد لله، والاستقامة على عبادته، فربها واحد، وأصلها واحد، ودينها واحد، من عهد آدم عليه السلام إلى عهد نوح عليه السلام قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ﴾ [سورة البقرة: 213]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [سورة يونس: 19]. وأخبر محمد رسول الله ﷺ أن الله خلق عباده حنفاء على الدين القويم، وأن الشياطين جاءتهم فاجتالتهم عن دينهم، فقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا).[5] صحيح مسلم (2865).

وأول شرك وقع كان في قوم نوح عليه السلام ، فبعث الله إليهم نوحاً، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى التوحيد، ونبذ الشرك، لكنهم عصوه واتبعوا آلهتهم، فأرسل الله عليهم الطوفان.

الرسل مبشرون ومنذرون

أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، يدعون الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، ويخرجونهم من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإيمان والطاعة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وينقذونهم من ظلم البشر بعضهم لبعض، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [سورة البقرة: 257]، فيبشرونهم برضوان الله وجنته والحياة الطيبة، إن هم أطاعوا الله واتبعوا رُسله، وينذرونهم غضب الله وأليم عقابه والشقاء والحياة الضنك في الدنيا والآخرة إن عصوا الله ورُسله.

وكان أول الأنبياء نوح عليه السلام، ثم تتابع الأنبياء بعده عليهم السلام، وآخر الأنبياء محمد رسول الله ﷺ.

الملة الواحدة والدين والواحد وهو الإسلام

يا أيها الكريم! الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، كانوا على ملة واحدة، ودين واحد، هو الإسلام، قال الله تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام أنه قال: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [سورة يونس: 72].

وقال تعالى مخبراً عن إبراهيم الخليل عليه السلام، أنه كان مسلماً ولم يكن يهودياً ولا نصرانياً: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [سورة آل عمران: 67].

ولما حضرت يعقوب الوفاة سأل بنيه عما يعبدون من بعده؟ فقالوا كما أخبرنا الله عنهم: ﴿أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: 133].

وأخبر الله عن يوسف عليه السلام أنه دعا فقال كما أخبر الله عنه: ﴿۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [سورة يوسف: 101].

وخاطب موسى عليه السلام قومه قائلاً، كما أخبر الله عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ﴾ [سورة يونس: 84].

ولما أحس عيسى عليه السلام من قومه الكفر، سأل الحواريين مناصرتهم له فقال كما أخبر الله عنه: ﴿۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ﴾ [سورة آل عمران: 52].

إسلام الحواريين

يا أيها الكريم! لقد أعلن الحواريون إيمانهم بالله، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا مسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ [سورة المائدة:111].

وجاء الرسول الخاتم ﷺ بمثل ما جاء به الأنبياء عليهم السلام من الدعوة إلى الإسلام، وإخلاص التوحيد لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. وجاء بالتوكيد على أنه يجب أن تكون الأمة على ملة واحدة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء: 92].

الله هو الذي سمى المسلمين بهذا الاسم

هذه التسمية لأهل الإيمان باسم المسلمين هي تسمية إلهية، قال الله تعالى: ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [سورة الحج: 78].

وآمن خلق كثير من أهل الكتاب في عهد نبينا ﷺ بما نزّل الله عليه من القرآن، وقالوا آمنا به إنا كنا من قبله مسلمين، قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ﴿52﴾ وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ} [سورة القصص: 52، 53]

اتفاق الأنبياء والمرسلين على أصول الدين

يا أيها الكريم! الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، متفقون على الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، متفقون على الإيمان بأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران:84].

ومما اتَّفقت عليه الرسالاتُ الإلهية أنَّ الله-سبحانه وتعالى- واحد لا شريكَ له، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء:25]

وأنه سبحانه لم يلدْ ولم يولَد، وأنه لا أحدٌ من البشر شريكًا لله في صفاتِه أو ملكه أو تدْبيره، كما تتَّفق الرسالات الإلهية على أنَّ مَن جعلَ مع الله شريكًا في ربوبيته أو ملكه أو تدبيرِه أو ألوهيته؛ فهو مشركٌ كافرٌ خارج عن الدين، الذي ارتضاه اللهُ لنفسه، وأرسل به رسله عليهم السلام.

التوحيد أعظم ما أمر به المرسلون عليهم الصلاة والسلام

يا أيها الكريم! إن أعظم ما أمر به المرسلون عليهم الصلاة والسلام أممهم، وأعظم ما جاءوا من أجله هو توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

وتوحيد الله في ربوبيته: أن تعتقد أنه هو الخالق الرازق المدبر المالك الذي يتولى تصريف أمور العباد، ويربيهم على مراده، ووفق علمه وحكمته.

وتوحيد الله في ألوهيته: هو إفراده بالعبادة فلا يُعبد مع الله أحد كائناً من كان.

وتوحيده في أسمائه وصفاته: أن تؤمن أن الله موصوف بصفات الكمال، وأنه لا يشاركه أحد من الخلق في صفاته.

والمقصد الأسمى الذي جاء به الأنبياء والمرسلون هو: إفراد الله بالعبادة، وهي الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات:56]، فكل رسول ونبي أمر قومه بعبادة الله وحده؛ لأنهم إنما خُلقوا لأجلها، قبل أن يأمرهم بالصلاة أو الزكاة أو الصيام، وفي وصية محمد رسول الله ﷺ لمعاذ رضي الله عنه حينما أرسله إلى اليمن، قال له كما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ).[6] صحيح البخاري (1458، وصحيح مسلم 31).

الشرك بالله أعظم ما نهى عنه المرسلون عليهم الصلاة والسلام

وأعظم ما نهى عنه الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام -الشرك بالله، والشرك بالله أنواع كثيرة منها:

1- الشرك بالله في ربوبيته: بأن يجعل الإنسانُ مع الله شريكاً في ربوبيته، كأن يعتقد أن مع الله خالقاً أو شريكاً يتصرف في ملك الله وخلقه، أو يكون مشاركاً لله في عمله كإحياء الموتى، وتدبير الخلق، ورزْقهم، وحسابهم يوم القيامة.

2- الشرك بالله في ألوهيته: بأن يعبد غير الله، أو يعبد مع الله إلهاً آخر، أو يصرف لغير الله جزءًا من العبادة، كأن يصلي له أو يقدم له القرابين، أو يرجوه أو يخافه أو يدعوه أو يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، ليكشف ضره أو يرفع عنه البلاء.

3- الشرك بالله في أسمائه وصفاته: بأن يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في صفة من صفاته التي لا تنبغي إلا له سبحانه وتعالى كعلم الغيب.

والشرك هو أعظم ذنب عُصي الله به، ولما كان الشرك عظيماً جداً، كان أول وصية أوصى بها لقمان الحكيم ولده تحذيره من الشرك بالله، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [سورة لقمان:13]. ولما كان الشرك بالله يحبط العمل ويوجب الخسارة؛ بينه الله لرسوله ﷺ: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [سورة الزمر:65].

ونفى الله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد أو يتخذ صاحبةً، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿100﴾ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} [سورة الأنعام:100-101].

ولما مرّ قوم موسى عليه السلام على قوم اتخذوا آلهة من دون الله، طلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة، كما لهؤلاء القوم آلهة، فأنكر عليهم، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ﴿138﴾ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴿139﴾ قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} [سورة الأعراف:138-140]، ولما زعم الأتباع المتأخرون لعيسى أنه هو الله، أنكر الله عليهم غاية الإنكار، ووصف عملهم هذا بأنه شرك، وبين أن المسيح إنما أمره الله أن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، والنهي عن الشرك، كما ورد ذلك في القرآن الكريم: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [سورة المائدة:72].

وبيّن الله أنه لا ينبغي لبشر -مهما كانت منزلته- أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ﴾ [سورة آل عمران:79]. فكل من دعا الناس لأن يكونوا عباداً له، كأن يدّعي مغفرة ذنوبهم، أو تفريج كرباتهم، أو الشفاعة لهم يوم القيامة بغير إذن ورضا من الله، أو أنه سيتولى حسابهم يوم القيامة؛ فقد جعل نفسه شريكاً لله، وجعل الناس عبيداً له.

وبين الله أن أهل الكتاب اتخذوا علماءهم وعبادهم أرباباً من دون، الله قال الله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [سورة التوبة:31]. وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: أتيت النبي ﷺ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: (ياعدي! اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة التوبة:31]. حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال:«أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟» قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم».[7] المعجم الكبير للطبراني (218)، وسنن الترمذي(3095).

وإذا كان يوم القيامة، فإن الله يسأل المسيح عليه السلام، هل أنت قلت للناس أن يتخذوك وأمك إلهين؟ فلننظر ما جوابه، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ﴿116﴾ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} [سورة المائدة:116-117].

العبادات الكبرى التي جاء بها المرسلون عليهم الصلاة والسلام

يا أيها الكريم! إن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، متفقون على أصول الدين، وقد أمرهم الله بالعبادات الكبرى وهي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وإن اختلفت كيفيات هذه العبادات ومواقيتها فيما بينهم، ولذا قال الله عنهم: ﴿۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا﴾ [سورة النساء:163]. وقال تعالى: ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ﴾ [سورة الشورى:13]. وقال تعالى: ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ﴾ [سورة المائدة:48].

والأنبياء والمرسلون عليهم السلام، دعوا أقوامهم إلى إقامة شرائع الدين العظمى، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أمره الله ببناء الكعبة، أمره أن يطهّر البيت للطائفين والركع السجود، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [سورة الحج:26]، وأمر الله موسى عليه الصلاة والسلام وقومه بالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [سورة يونس:87]، وقال المسيح عليه السلام عندما نطق وهو في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ﴿30﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا} [سورة مريم:30-31].

وكل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، صاموا لله وأمروا قومهم بالصيام، قال تعالى مخبراً أنه فرض شريعة الصيام على كل الأمم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة:183].

وأخبر محمد رسول الله ﷺ، أن موسى عليه السلام، ويونس عليه السلام قد أديا فريضة الحج، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ:«كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي).[8] صحيح مسلم (268).

وأخبر أيضاً أن عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان، فإنه سيؤدي الحج والعمرة، ويطوف بالبيت ملبياً لله، قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا).[9] صحيح مسلم (216).

أرأيت أيها الكريم كيف أن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، كانوا متفقين على أصول الإيمان، وشرائع الدين، وقائمين لله بفرائضه من صلاة وزكاة وصيام وحج.

يا أيها الكريم! إن الله أمر أمة ﷺ أن تؤمن بما آمن به الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى مخاطباً المسلمين: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [سورة البقرة:136]. فنحن المسلمين نؤمن بما آمن به الأنبياء بما فيهم المسيح عليه السلام، وبما آمن به الحواريون، لا نخالفهم ولا نختلف معهم.

القيم المشتركة بين الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام

يا أيها الكريم! إن القيم الكبرى المحمودة، التي يهتم بها الإنسان في كل عصر وبلد، هي مما اتفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، واتفقوا كذلك على التحذير من الفواحش والآثام وتجريمها، وورد كثير من ذلك في الوصايا العشر الكبرى في التوراة: (أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ) ([10]) الخروج20: 1-5. (( رغبة أنْ تؤدّي هذه النبذةُ الثمارَ المرجوَّة منها؛ أؤمل مِن كلِّ مَن أراد ترجمتَها إلى أيِّ لغةٍ أن يعتمد نقلَ نصوص التوراة والإنجيل مِن الطبعة المتداوَلَة في اللغة التي سيترجم إليها.

وهذه القيم المحمودة، جاء القرآن الكريم مؤكداً عليها، كما جاء فيه التحذير -غاية التحذير- من الفواحش والآثام، كما في قوله تعالى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ﴿23﴾ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ﴿24﴾ رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ﴿25﴾ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ﴿27﴾ وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ﴿28﴾ وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ﴿29﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ﴿30﴾ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ﴿31﴾ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ﴿32﴾ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ﴿33﴾ وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ﴿34﴾ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ﴿35﴾ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ﴿36﴾ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ﴿37﴾ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ﴿38﴾ ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ﴿39﴾} [سورة الإسراء:23-39].

إن هذه النصوص اشتملت على أعظم القيم التي هي محل اتفاق بين البشر الأسوياء، ومن أبرزها: الأمر بعبادة الله وحده، وتحريم الشرك، وتحريم عقوق الوالدين، وتحريم الزنا، وتحريم قتل النفس، وتحريم أكل مال اليتيم، ووجوب العدل بين الناس، وتعظيم مسؤولية الكلمة، وأن الأنسان يجب ألا يتكلم إلا بما يعلم، ويعلم أنه الحق.

الأنبياء عليهم السلام يتمم المتأخرُ منهم عمل المتقدم

يا أيها الكريم! إن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام -كما رأيت- متفقون في الأصول، وآمرون بالعبادات الكبرى، والمتأخر منهم يتمم ما جاء به المتقدم، ومعلوم أن النبوة بعد نبي الله إبراهيم عليه السلام كانت في ذريته.

فإسحاق عليه السلام، هو أبو يعقوب عليه السلام، ومن ذريته يوسف، وداود، وسليمان، وموسى، وهارون، وعيسى عليهم السلام، وغيرهم، وهؤلاء موطنهم بيت المقدس وما جاورها من الشام،

وجاء المسيح عليه السلام متتماً لرسالة موسى عليه السلام ؛ ولذا قال لقومه: (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ." (متى 5: 17. وأخبر الله عن تصديق المسيح لموسى عليهما السلام فقال تعالى: ﴿ وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة:46]. وقال تعالى عن المسيح عليه السلام أنه قال لقومه موضحاً غايته ووظيفته أنه مصدق لما بين يديه من التوراة، قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [سورة آل عمران:50]. وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [سورة الصف:6].

وإسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام كان بمكة المكرمة، ومن ذريته محمد رسول الله ﷺ، ونبوته كانت استجابة لدعوة أبيه إبراهيم الخليل عليه السلام، حيث قال كما أخبر الله عنه: ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة: 129]. فإبراهيم عليه السلام، كان حريصاً غاية الحرص على أن يبعث الله في ذريته من إسماعيل عليه السلام نبياً يقيمهم على ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام، ويكمل لهم دينهم.

فجاء رسول الله محمد ﷺ ليتم الله له الدين، ويكمل عليه النعمة، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [سورة المائدة:3].

وقال رسول الله محمد ﷺ : (إنّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ).[11] المسند (8952)، والمستدرك (4221) وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

وأدرك علماء اليهود في عهد عمر رضي الله عنه مكانة هذه الآية في بيان تمام الدين، واكتمال النعمة، فقال رجل منهم لعمر رضي الله عنه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ).[12] صحيح البخاري (45) واللفظ له، وصحيح مسلم(3017).

وبين رسول الله محمد ﷺ كيف أكمل ما بدأه الأنبياء قبله؟ وكيف كان عمله متمماً لعملهم؟ فقال ﷺ: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ).[13] صحيح البخاري(3535) واللفظ له، وصحيح مسلم(2286). وهذا التشبيه من الرسول ﷺ موافق تمام الاتفاق مع تبشير داود والمسيح عليهما السلام بالرسول ﷺ في قولهما: (الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ) وسيأتي معنا في فقرة تالية بإذن الله.

وبهذا الرسول الخاتم محمد ﷺ الذي أنزل الله عليه القرآن العظيم تم الدين، وكملت على البشرية النعمة الإلهية بمعرفتهم لمراد الله منهم؛ ولذا قال الحق سبحانه وتعالى موضحاً أن القرآن الكريم كاف ومبين لكل شيء: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [سورة النحل:89]

وقال تعالى مخبراً عن كفاية هذا القرآن الكريم للبشر في كل جوانب حياتهم: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت:51].

بشارة الأنبياء عليهم السلام برسول الله محمد ﷺ

لقد توالت بشارات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام برسول الله محمد ﷺ .

فإبراهيم الخليل ’ دعا ربه أن يبعث في ذرية إسماعيل’ نبياً.

وموسى عليه السلام بشر بهذا النبي العظيم القادم‘ فقال كما في سفْر التثنية: (أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ). التثنية 18: 18-19. وإخوة بني إسرائيل هُم بنو إسماعيل، ولم يخرجْ من بني إسماعيل رسولٌ سوى محمد رسول الله ﷺ. وموسى عليه السلام يذكر في هذا النص وعيدَ الله لمن لم يسمعْ كلامَ رسول الله محمد ﷺ، وهو قوله: (أَنَا أُطَالِبُهُ)، ومَن طلبه اللهُ أدركه.

وبشر به موسى عليه السلام مرة أخرى، وأخبر أن النبي الأخير يخرجُ من (فاران) حيث قال في سفْر التثنية: (جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سَينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ). التثنية 33: 2. وفاران هي مكةُ المكرمة. ولم يخرج نبيٌّ من مكة المكرمة بعد إسماعيل-عليه السلام-سوى محمد رسول الله ﷺ .

وبشر به داود عليه السلام أيضاً حيث قال: (الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا.( مزامير118: 22. ومعنى هذه البشارة: أن الرسالات الإلهية أشبه شيء بالبناء، وأن كل نبي يكمل ما بدأه النبي الذي سبقه، حتى إذا تكاملت بعثة الأنبياء، ولم يبق إلا النبي الأخير، وقارب البناء على الكمال، ولم يتبق منه إلا لبنة واحدة، بعث الله رسوله وخليله محمداً ﷺ؛ فكمل به الدين، وتمت به النعمة، وختمت النبوات، وتكامل البناء، فكان رسول الله ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي ضرب له المثل بالحجر المشار إليه في هذه البشارة.

وأخبر أشعياء عن صفة مقدم محمد رسول الله ﷺ إلى المدينة، قادما من مكة المكرمة، حيث تلقّاه أهلها يردِّد صبيانُهم، وبعضُ نسائهم الشعرَ فرحًا به، وابتهاجًا بمقْدمه، فقال أشعياء: (لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا). أشعياء42: 11. و(سالع) جبلٌ في المدينة النبوية، التي انطلقتْ منها رسالةُ محمد رسول الله ﷺ ، و(قيدار) هو أحدُ أجدادِ الرسول محمد ﷺ ، والبلدُ التي سكنها قيدار هي مكة المكرمة، وهي التي كانت منها بداية بعثة رسول الله محمد ﷺ .

وجاء ملاخي ببشارة عظيمة تضمنت وصفه بأنه يهيئ الطريق أمام عباد الله، وهو رسول العهد: (هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي). ملاخي3: 1. ورسول الله محمد ﷺ هو الذي هيأ الطريق أمام المتعبدين لله، وأرشدهم إلى الطريق الحق، والصراط المستقيم، وهو رسول العهد والميثاق، فقد أخذ الله العهد على جميع الأنبياء عليهم السلام: أن يؤمنوا بالرسول محمد ﷺ إن بعثه الله وهم أحياء، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [سورة آل عمران:81].[14] انظر كتاب محمد في الكتاب المقدس (115- 122)، تأليف عبد الأحد داود، كان نصرانياً فأسلم.

بشارة المسيح عليه السلام بالرسول محمد ﷺ

أخبر الله تعالى عن المسيح عليه السلام أنه جاء مبشراً بالرسول الخاتم محمد ﷺ ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [سورة الصف:6].

وبشارة المسيح عليه السلام لقومه تختلف عن البشارات السابقة؛ لأن رسالة المسيح عليه السلام تضمنت مهاماً عظيمة منها:

الأول: دعوة بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، فقد جاء في التوراة التي جاء المسيح عليه السلام مصدقاً لها: (أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.) الخروج20: 1. وقال تعالى مخبراً عن هذه المهمة العظيمة: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ﴾ [سورة المائدة:72].

الثاني: التصديق لما بين يديه من التوراة، ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم، قال تعالى ﴿وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [سورة آل عمران:50].

الثالث: الإخبار عن انتقال النبوة من ذرية إسحاق إلى ذرية إسماعيل عليهما السلام؛ لأن المسيح عليه السلام كان آخر نبي من ذرية إسحاق’، وقال المسيح عليه السلام كما في متى: (لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ). متى42:21. وتأمل هذا الخبر العجيب الذي تضمنته هذه البشارة وهو: أن المسيح عليه السلام أخبر بني إسرائيل أن النبوة ستنتقل عنهم إلى بني إسماعيل عليه السلام؛ وكان النبي الذي بعثه الله من ذرية إسماعيل هو خاتم الأنبياء محمد رسول ﷺ.

الرابع: البشارة بالرسول القادم العظيم محمد ﷺ ، ولذا بشّر به وأكثر من الحديث عنه، لذلك تعددت النصوص المنقولة عن المسيح عليه السلام التي وردت في الأناجيل المتضمنة البشارة بالنبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وبيّن المسيح عليه السلام أن النبي الخاتم محمدًا ﷺ تكتمل ببعثته الرسالات الإلهية، ويكمل الدين، وتتم به النعمة، ولذا قال كما نقله متى: (قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!). متى 42:21. وهذه البشارة سبق الحديث عنها في بشارة داود عليه السلام، ووردت أيضاً في رسالة بطرس الأولى 7:2.

وقال يوحنا أيضًا: (وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ). يوحنا 15: 26-27.

فمَن الذي شهدَ للمسيح بالرسالة، ونزَّهه عمّا افتراه اليهود عليه وعلى أمه عليها السلام- سوى محمد رسول الله ﷺ؟ وقال المسيح: (إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ). يوحنا 16: 12 – 14.

فمحمد ﷺ هو المعزِّي، وهو الذي أشارَ إليه المسيحُ عليه السلام، وهو الذي أرشدَ الخلقَ إلى الحقِّ؛ لأنَّه لا يتكلَّم من نفسه، بل يتكلم بالوحي الذي جاءَه من الله، وهو لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلّا وحي يوحى.

وكان خبر محمد رسول الله ﷺ وصفاته، وخبر نبوته في العهدين كثير ومستفيض جداً، حتى كانوا يعرفونه بأنه (النبي)؛ لأن موسى كما سبق قال: (أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ). وكانوا ينتظرونه، ولذا لما جاء يحيى عليه السلام لبني إسرائيل أرسل اليهود إليه يسألونه هل أنت إيلياء؟ هل أنت المسيح؟ هل أنت النبي؟ وهذا النص في إنجيل يوحنا: (وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا، حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ:«مَنْ أَنْتَ؟» فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ:«إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ» فَسَأَلُوهُ: «إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ:«لَسْتُ أَنَا». «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ:«لاَ(. يوحنا19:1-22.

لعلَّ هذه النصوصَ التي نقلتها من كتب العهدين ترشدُ المسترشدَ وتقوده إلى الصَّواب.

النبأ العظيم والحدث الجليل

إن الحدث العظيم، الذي كانت تنتظره البشرية، هو بعثة محمد رسول الله ﷺ، وهو النبي الذي سأل الخليل عليه السلام ربه أن يبعثه، وهو الذي توالت بشارات الأنبياء ببعثته، واقتراب زمنه، كما مر معنا في الفقرة السابقة، ولذا كان اليهود في المدينة قبل بعثته يقولون للوثنيين من سكان المدينة النبوية: قد اقترب زمن مبعث نبي عظيم، وسنؤمن به ونقاتلكم معه، فلما بعثه الله، وانتقل إلى المدينة ورآه أحبار اليهود عرفوه وتيقنوا منه؛ لأنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، كما قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة البقرة:146]؛ لأنه موصوف في التوراة، وصفاً أمكنهم حينما رأوه أن يستيقنوا أن هذا هو المذكور في التوراة، ولذلك آمن به بعض علمائهم كعبد الله بن سلام، وكفر به آخرون منهم حسداً وعدواناً؛ لأنهم كانوا يتمنون أن يبعث من جنسهم، فلما بُعث من العرب كفروا به.

وأقول إنه النبأ العظيم؛ لأن الله أمره أن يبطل جميع الأديان، ولا يرضى إلا الإسلام، ويقيم ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، وينشر الإسلام، ويزهق الله الشرك على يديه، (ويقيم ديناً عالمياً يدعو فيه إلى إلغاء الوساطة بين الله والعباد، فلا قسيس ولا قديس ولا سر مقدس)[15]، بل توحيد خالص، وعبادة خالصة لله رب العالمين. محمد في الكتاب المقدس (119).

وأقول إنه النبأ العظيم؛ لأنه ببعثته ختمت الرسالات الإلهية، وتمت برسالته الشرائع الربانية، ونسخت رسالته جميع الرسالات الإلهية السابقة، وأبطل الله التعبد بها والاعتداد بها.

وأقول إنه النبأ العظيم؛ لأن رسالته سادت في العالم سيادة لم تبلغها رسالة نبي قبله، وذلك من خلال الجوانب التالية:

أولاً: من حيث الزمان، فلا يوجد رسالة من رسالات الأنبياء عليهم السلام انتشرت بهذه السرعة، حتى بلغت ما بلغت وهو لم يمكث منذ بعثته إلى أن توفاه الله سوى ثلاثة وعشرين عاماً.

ثانيًا: من حيث المكان، فلا يعرف رسالة سادت وانتشرت في الأرض كما سادت رسالة رسول الله محمد ﷺ، فلم يمض على بعثته خمسون عاماً إلا وقد دخل في دينه ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية في ذلك الوقت، ولا يزال الناس إلى اليوم يدخلون في دين الإسلام أفواجاً من مختلف الأجناس ومختلف المستويات الفكرية والاجتماعية.

ثالثا: من حيث عدد المؤمنين برسالته، فالحواريون الذين كانوا مع عيسى عليه السلام كانوا قريباً من السبعين، بينما الذين حجوا مع رسول الله محمد ﷺ حجة الوداع كانوا أكثر من مئة ألف، ولا يحصى عدد أتباعه اليوم الذين هم على دينه لم يحرفوا ولم يبدلوا.

رابعاً: من حيث حفظ الرسالة، فحفظ الله كتابه القرآن العظيم، فهو باق كما أنزله الله، لم يفقد منه حرف واحد، باللغة التي نزل بها، وهي اللغة العربية التي كان يتكلم بها رسول الله محمد ﷺ .

خامساً: من حيث الإعجاز والتحدي، فقد تحدى الله الناس أن يأتوا بمثل القرآن، أو بمثل سورة منه. ولا يزال التحدي قائماً إلى هذا الزمان، ولم يجرؤ أحد على ذلك.

سادساً: حفظ سنة النبي محمد ﷺ فلم يفقد منها حديث واحد، فهذه دواوين السنة حافلة بكل تفاصيل الدين والشريعة، وحفظَ الله الشريعة من التبديل والتحريف، فالصلاة أو الصوم اللذان يؤديهما اليوم المسلم الإفريقي أو الإندونيسي هما الصلاة والصيام اللذان أداهما الرسول محمد ﷺ .

مولد مريم وابنها المسيح عليهما السلام كما ورد في القرآن الكريم

القرآن الكريم أخبر عن قصة مريم عليها السلام بالتفصيل الوافي، الذي لن يجده الباحث في أي مصدر آخر غير القرآن، بل القرآن الكريم سمى مريم باسمها، ولم يسم أي امرأة غيرها، والقرآنُ أخبرَ عن مولد المسيح عليهما السلام أيضاً، وأنَّ مولده كان آيةً من آيات الله. قال تعالى مخبرًا عن ذلك: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿33﴾ ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿34﴾ إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴿35﴾ فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴿36﴾ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ﴿37﴾} ثم قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿42﴾ يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴿43﴾ ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ﴿44﴾ إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ﴿45﴾ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿46﴾ قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿47﴾ وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ﴿48﴾ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ﴿49﴾} [سورة آل عمران:33-49]

وقال تعالى أيضاً: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ﴿16﴾ فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ﴿17﴾ قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ﴿18﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ﴿19﴾ قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ﴿20﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ﴿21﴾ ۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ﴿22﴾ فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ﴿23﴾ فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ﴿24﴾ وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ﴿25﴾ فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ﴿26﴾ فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ﴿27﴾ يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ﴿28﴾ فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ﴿29﴾ قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ﴿30﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ﴿31﴾ وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ﴿32﴾ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ﴿33﴾ ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ﴿34﴾ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [سورة مريم:16-35]

ففي هذه الآيات تفصيل دقيق ومبهر، عن تاريخ هذه الأسرة المباركة، سواء منها ما يتعلق بمريم عليها السلام، حينما كانت حملاً في بطن أمها، وما آل إليه أمرها، أو ما يتعلق في شأن المسيح عليه السلام وما أراد الله له.

مكانة المسيح وأمه عليهما السلام في القرآن الكريم

مما ينبغي أن يعرفه القارئ أن المسيح وأمه عليهما السلام، لهما المكانة العظيمة في القرآن، وفي سنة رسول الله محمد ﷺ، وعند المسلمين عموماً، فالمسلمون يؤمنون بالمسيح عليه السلام ويعتقدون أنه أحد رسل الله العظام، وهو من أولي العزم من الرسل، وأمه صديقة، معظمة في القرآن والسنة، وعند المسلمين عموماً.

والقرآن العظيم ذكر المكانة العظيمة للمسيح عليه السلام عند الله كما في قوله تعالى: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾ [سورة آل عمران:45].

وقال تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ﴾ [سورة البقرة:253]. وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة:46].

وقال تعالى مُبيِّنًا أنَّ حال عيسى عليه السلام كحال أبيه آدم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران:59]. فهو وإن كان مولده عجيباً، وآية من آيات الله، فلا يجوز أن نتخذه إلهاً، أو نزعم أنه ولد لله لمجرد مولده العجيب، فقد بين الله في القرآن العظيم، أن خلْق آدم عليه السلام أعجب منه وأعظم، وليس فيه شيء من الألوهية، ولا يجوز أن نجعله ابناً لله، أو نداً له وشريكاً معه.

والإسلام يأمر بالإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن كفر بنبي واحد فكأنه كفر بجميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والمسلم يعلم أن أفضل الأنبياء والرسل أولو العزم وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ﴾ [سورة الشورى:13].

مكانة الحواريين في القرآن الكريم

وأشاد القرآن الكريم بالحواريين وأثنى على إيمانهم كما في قوله تعالى: ﴿۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران:52].

موقف بني إسرائيل من المسيح عليه السلام

وبين القرآن الكريم موقف بني إسرائيل من المسيح عليه السلام، وأنهم كانوا فريقين، فريق آمن به، وفريق كذبه، كما أخبر الله عن ذلك فقال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [سورة الصف:14]، وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [سورة الصف:6].

إنصاف القرآن العظيم لليهود والنصارى

وخاطب القرآن الكريم اليهود والنصارى خطاباً بليغاً منصفاً، فمدح الذين كانوا منهم على الحق والهدى، فقال الله تعالى: ﴿۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ﴾ [سورة آل عمران:113].

وقال تعالى: ﴿۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران:75].

وقال تعالى مبيناً أن من أحبار النصارى وعلمائهم من يقبل الحق ويتبع المرسلين عليهم الصلاة والسلام: ﴿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ﴿82﴾ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ﴿83﴾ وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ} [سورة المائدة:82-84]. وبين القرآن أن فئاماً من اليهود والنصارى خالفوا المرسلين، وحرفوا وبدلوا واتبعوا أهواءهم فضلوا وأضلوا بغير علم، قال تعالى: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ﴾ [سورة البقرة:79]

دعوة القرآن الكريم لأهل الكتاب إلى الإسلام

والقرآن العظيم كما أنصف أهل الكتاب، فقد دعاهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، ودعاهم -كما دعا غيرهم- إلى التخلي عن الشرك ، فقال الله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران:64].

لقد بين الله للمسلمين كيف يجادلون أهل الكتاب، قال الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [سورة العنكبوت:46].

قال تعالى: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)}. وأمرهم أن يعلنوا التوحيد صراحة، وأن يقولوا: آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليهم، ونحن له مسلمون، لا نشرك به أحداً.

فيحسن بالباحث عن الحقيقة، المحب لعيسى ومريم عليهما السلام أن ينظر في القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله، وهو الرسالة الإلهية الخالدة، وأن يتدبر ما فيه من الهداية والشرع الحكيم المحكم، وأن ينظر في دلائله وبراهينه التي تقود المنصف إلى الحقيقة، وأن يتعرف على حقيقة رسالة المسيح ؛، ويستقصي أخبار مريم وابنها المسيح عليهما السلام من القرآن الكريم، وينظر كيف أنصف الإسلامُ مريمَ وعيسى عليهما السلام؟ وكيف أنصف أتباع المسيح ؛ وغيرهم، وشهد للمؤمن منهم بالإيمان، وشهد على المعرض بإعراضه وكفره، ودعاهم إلى الدخول في دين الله، وبين لهم أن من آمن بالنبي الخاتم محمد ﷺ فله أجره مرتين: مرة لإيمانه بنبيه، ومرة لإيمانه برسول الله محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ﴿52﴾ وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ﴿53﴾ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ﴿54﴾} [سورة القصص:52-54].

المقارنة بين الأصول التي جاء بها الأنبياء والأصول التي تقوم عليها النصرانية

وبعد أن عرفنا الأصول التي يتفق عليها الأنبياء عليهم السلام، والعبادات الكبرى التي كانوا يتعبدون لله فيها، ويأمرون أقوامهم بأدائها، والقيم المحمودة التي أمروا بها، وأيضاً الفواحش والآثام التي أجمعوا على النهي عنها؛ يتضح لنا أن الأتباع الصادقين للأنبياء يؤمنون بهذه الأصول، ويقومون بهذه العبادات، ويلتزمون بالقيم المحمودة، ويتجنبون الفواحش والآثام.

وحيث بيّنا أيضاً بشارات الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام برسول الله ﷺ، وخبر مولد مريم وابنها المسيح عليهما السلام، ومكانة المسيح وأمه في القرآن والسنة وعند المسلمين، وكيف أنصف الإسلامُ أهل الكتاب وغيرهم، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام، إلا أننا نجد أن هناك أسئلة ملحة تفرض نفسها على القارئ، وتلزمه بأن يجد لها جواباً شافياً مقنعاً، وهذه الأسئلة هي:

1- هل النصرانية اليوم موافقة لما جاء به جميع الأنبياء والمرسلين، أم مخالفة لهم في الأصول؟

2- هل النصرانيةُ اليومَ في أصولها وركائزها متوافقةٌ معَ ما جاء به المسيح عليه السلام أو مخالفة له؟ وهل بقيتِ النصرانيةُ على هيئتها التي أنزلها اللهُ على عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أم لا؟

3- هل ما نقلَ في هذه الكتب عنْ حياة المسيح الرسول ﷺ، يتَّفق مع الصورةِ التي ترسمُها الكنائس لشخصيةِ المسيح المزعومة(الإله)، أم تختلف؟

4- هل التوراة والإنجيل يشهدان للنصرانيةِ اليوم، أم يقفان شاهدين ضدَّها؟

5- هل الاختلافُ والمخالفة للمسيح وقعتْ في أصول النصرانية وركائزها، أم في فروعها وجوانبها؟

6- هل الأحبار والقسس في النصرانية يأمرون الناس اليوم بما أمر به الأنبياء عليهم السلام، وينهونهم عما نهوا عنه؟ أم أن لهم مناهجهم الخاصة، وعقائدهم الخاصة التي لم يكن يعرفها الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم؟

وقبل الحديث عن أصول النصرانية يحسن بنا أن نذكر أصل الديانة النصرانية، وكيف كانت؟ وهذا من أجل تهيئة ذهن القارئ لهذه المقارنة بين أصول النصرانية والأصول التي جاء بها الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام.

أصلُ النصرانية

كانت النصرانيةُ في أصلها وجوهرها رسالة إلهيةً كغيرها من الرسالاتِ الإلهية؛ كرسالة نوح وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاةُ والسلام، ومن خلال المقارنة التالية سيتضح لنا: هل النصرانية بقيت على ما جاء به المسيح ؛، أم دخلها التحريف والتبديل؟

ونعلم أن جميع الرسالات الإلهية تتَّفق –كما سبق- في الأصول الكبرى كالإيمان بأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة، والكتب الإلهية، والإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام، والإيمان باليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه.

ومما اتَّفقت عليه الرسالاتُ الإلهية أنَّ الله-- واحد لا شريكَ له، وأنه لم يلدْ ولم يولَد، وأنه لا أحدٌ من البشر شريكًا لله في صفاتِه أو ملكه أو تدْبيره، كما تتَّفق على أنَّ مَن جعلَ مع الله شريكًا في ربوبيته أو ملكه أو تدبيرِه أو ألوهيته؛ فهو مشركٌ كافرٌ خارج عن الدين الذي ارتضاه اللهُ لنفسه، وأرسل به رسله عليهم السلام.

ولم يردْ في التاريخ كلِّه من لدُن آدم ؛ إلى آخرِ الأنبياء محمد ﷺ أنَّ رسالة إلهيةً وردت تخالفُ هذه العقائد، وإنما كان الخلافُ فيما بينها في أنواع العبادات وهيئاتها، وأصناف المحرمات والمباحات وأسبابها، وغير ذلك مما شرعه اللهُ لأنبيائه-عليهم السلام-وأمرهم ببيانه للنّاس الذين أرسلَ إليهم.

إذًا، فالنصرانيةُ التي جاء بها المسيح ؛، رسالة إلهيةٌ تدعو إلى الإيمان بأنَّ الله واحدٌ لا شريك له، وأنه لم يلد ولم يولَد، وتؤكد بأنَّ لله رسلًا وأنبياء، اصْطفاهم واختارهم مِن بين سائر البشر لتبليغ رسالته للناس؛ لئلّا يكونَ للناس على الله حجةٌ بعد إرسال الرسل.

وهذا وقت النظر والمقارنة بين الأصول التي تقوم عليها النَّصرانية اليوم، ونقارنها بما يلي:

أولاً: بما كان عليه الأنبياء والمرسلون عليهم السلام.

ثانياً: بما جاء في القرآن العظيم.

ثالثاً: بما وردَ في العهدين القديم والجديد.

رابعاً: بما تقرره العقول السوية.

وهذه أبرز الاعتقادات التي ستكون مجالاً للمقارنة والدراسة:

الأولى: اعتقادُ النَّصارى أن المسيح (ابن الله) أو هو الله

هذا الاعتقادُ من الأصول المعظمة في النصرانية، بل كل عقائد النصرانية تدور عليه، وعندما نتصفَّح العهد الجديد لننظرَ الأساسَ الذي بُني عليه هذا الاعتقادُ؛ نجد أنه يضمُّ بينَ طيّاته نصوصًا تعلنُ بكلِّ صراحة ووضوحٍ أنَّه لا إله إلا الله، وأن المسيح عبدُ الله ورسوله، أرسلَه الله إلى بني إسرائيل بالإنجيل ومصدِّقًا بالتوراة، وأن الله تعالى لم يجعله ابنا، ولم يرسله إلهاً، وهذه بعضُ النصوص التي تؤيِّد ذلك:

1- إن أول الوصايا العشر التي وردت في التوراة هي النهي عن الشرك، وتحريم اتخاذ الآلهة التي تعبد مع الله، ففي سفر الخروج: (أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ) الخروج:2-5. فمن اعتقد أن المسيح إله أو ابن إله، فقد جعل مع الله شريكاً، ومن جعل مع الله شريكاً فقد خالف جميع الرسالات الإلهية، وكفر بالله العظيم.

2- قولُ المسيح عليه السلام: (وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ، أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلُ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ، وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ). يوحنا 17: 3-5. فالمسيح عليه السلام يعترف في هذا النصِّ أنَّ الله هوَ وحدَه الإله الحق، وأنَّ المسيح رسول فقط.

3- أنَّ المسيح عليه السلام موصوفٌ بصفات البشر، فهو يأكلُ الطعام، بل طلب التينَ في الشجرة في غير موسمِه، فقد جاءَ في إنجيل مرقس هذا الخبر: (خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ، فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إلّا وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ (مرقس11: 11-13. وهذا يدل دلالةً جليَّة على بشرية المسيح عليه السلام، فالربُّ لا يأكل الطعام، ولا يقع منه الجهلُ بمعرفة مواسمِ الثمار. قال اللهُ تعالى في القرآن العظيم موضِّحًا حقيقةَ بشرية المسيح عليه السلام: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [سورة المائدة:75]. قال ابنُ جريرٍ الطبري رحمه الله عندَ تفسيره لهذه الآية: {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمِّه: أنهما كانا أهلَ حاجة إلى ما يغْذوهما، وتقوم به أبدانهما مِن المطاعم والمشارب كسائرِ البشر من بني آدم، فإنَّ مَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ إلهًا؛ لأنَّ المحتاج إلى الغذاء قِوامُه بغيره. وفي قِوامِه بغيره وحاجتِه إلى ما يقيمه؛ دليلٌ واضح على عجْزه. والعاجزُ لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا).[16] جامع البيان، (10/ 485).

4- أنَّ المسيح ينفي عن نفسه صفةَ الكمال المطلق؛ لأنه يعلم أن الذي له الكمالُ المطلق هو اللهُ وحده، ففي إنجيل متى نجد هذا النص: (وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلَاحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ فَقَالَ لَه: لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إلّا وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ). متى 19: 16-17.

5- أنَّ حواريي المسيح عليه السلام فهموا منه وتلقَّوا عنه أنَّ الله واحد وليس له شريك، فقد نقلَ الإنجيلي مرقس قولَ الكاتب للمسيح عليه السلام: (فَقَالَ لَهُ الْكَاتِبُ: جَيِّدًا يَا مُعَلِّمُ. بِالْحَقِّ قُلْتَ، لأَنَّهُ اللهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ) مرقس12: 33. فكيف معَ هذا التعليم الواضح منه لأتباعه يعتقدُ النصارى اليومَ أنَّ المسيح عليه السلام إله معَ الله؟ تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.

6- أنَّ المسيح عليه السلام يخاف ويحزنُ كما يخاف البشرُ ويحزنون، والرب لا يتَّصف بصفاتِ الضَّعف البشري، وهذا لوقا يخبرنا عن الساعات الأخيرةِ مِن حياة المسيح على الأرض: (وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى. قائلًا: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ. وَظَهَرَ لَهُ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيه. وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ). لوقا21: 42-45.

7- بعد أنْ أظهرَ اللهُ على يدي المسيح عليه السلام آيةً من الآيات التي أيده الله بها؛ شهدَ له مَن حوله بأنه نبيٌّ، كما في إنجيل لوقا: (فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ). لوقا 7: 17.

8- نقلَ الإنجيلي لوقا عن كليوباس شهادتَه، بأن المسيح عليه السلام نبي مقتدر، حيث قال: (فَأَجَابَ أَحَدُهُمَا، الَّذِي اسْمُهُ كَلْيُوبَاسُ وَقَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُتَغَرِّبٌ وَحْدَكَ فِي أُورُشَلِيمَ، وَلَمْ تَعْلَمِ الأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ؟ فَقَالَ لَهُمَا: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَا: الْمُخْتَصَّةُ بِيَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ وَجَمِيعِ الشَّعْب). لوقا 24:18-20. كما أنَّ كاتبَ أعمال الرسل شهدَ أيضًا، ببشرية المسيح عليه السلام، حيث قال: (أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ). أعمال الرسل 2: 22.

9- أنَّ المسيح عليه السلام جاء مكمِّلًا لشريعة التوراة، فقد جاء هذا القول في إنجيل متى: (لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ). متى 5: 17-20. وجاء توكيد هذه الحقيقة في القرآن الكريم، في قول الله تعالى: ﴿ وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة:46]. فما دام أن المسيح عليه السلام مكمل لما في التوراة، ومصدق له، والتوراة تؤكد على الوحدانية، والمسيح عليه السلام لم يأت لينقض- فكيف يكون في عقائد النصرانية أن المسيح عليه السلام هو الله، أو ابن الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

فالتوراة والإنجيلُ والقرآن الكريم كلها تؤكِّد على: أنَّ الله واحدٌ لا شريك له، وأنَّه لم يلدْ ولم يولد، وليس له صاحبةٌ ولا ولدٌ، وفي إنجيل يوحنا نجدُ في النص التالي، أنَّ اليهود طلبوا من الحاكم الروماني، أنْ يصلب المسيحَ عليه السلام؛ لأنه ادَّعى أنه ابنُ الله، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا: (فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا قَائِلِينَ: اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!. قَالَ لَهُمْ بِيلَاطُسُ: خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً. أَجَابَهُ الْيَهُودُ: لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ؛ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ). يوحنا 19: 6-8. فنحن هنا أمام خيارات: إمّا أن نقول إنَّ نصَّ يوحنا مكذوب، أو نقول إنَّ نصَّ متى في الفقرةِ السابقة مكْذوب، والحقُّ أنَّ المسيح عليه السلام لم يدعِ لنفسه مرتبة أكثرَ من مرتبة العبودية والرسالة.

في هذه النصوص السابقة، نجد أنَّ المسيح عليه السلام يعلن صراحة أن من أراد السعادة الأبديةَ الحقيقية، فعليه أن يعلمَ بيقين: أنَّ الله هو الإلهُ الحقيقي، وكلّ ما سواه فهو عبد مخلوقٌ مربوب، وأنَّ المسيح عليه السلام رسولُ الله.

كما نجدُ فيها أيضًا شهادةَ المعاصرين له بأنَّه نبيٌّ ورسول، مؤيد بالآيات المعجزات، التي تشهدُ له بصدقِ نبوَّته ورسالته، التي كذَّبها وردَّها أكثرُ الإسرائيليين في وقته.

وبيَّن اللهُ في القرآن الكريم أنَّ المسيح عليه السلام أنكر على من زعم أنه إله، وحكم عليه بأنَّه مشرك كافر، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [سورة المائدة:72]

ولقد حكم اللهُ، بأنَّ اعتقاد أنَّ المسيح عليه السلام هو الله: كفرٌ بالله العظيم، وقال لهم سبحانه قولًا بليغًا مفحِمًا لا يستطيعون دفعه ولا إنكاره، وإذا لم يستطيعوا إنكارَه، فإمّا أن يؤمنوا بالله، وإما أن يكون موقفهم موقف الجاحد المعاند، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴿17﴾﴾ [سورة المائدة:17].

وقدْ يقول قائل: لقد أُطْلِقَ على المسيح وصفُ (ابن الله) في العهدِ الجديد، ولذلك ادَّعى النصارى فيه أنه ابنُ الله.

فأقول: هل ثبتَ حقًّا أنَّ المسيح أطلقَ على نفسه أنه ابنُ الله؟ فعلى النصارى أن يقدِّموا النسخةَ الأصلية من إنجيلِ المسيح؛ لننظر هل فعلًا أطلقَ المسيح على نفسِه هذا الوصف؟ إذ كلُّ الطوائف والفرق النصرانية متفقون على أن الإنجيلَ لم يكتبه المسيح عليه السلام، ولم يُكتَبْ في حياة المسيح، كما أنهم متفقون على أنَّهم لم يروا الإنجيلَ الحقيقي. ولنفترض جدلًا أن هذا اللفظ موجودٌ في الإنجيل المتداول؛ فقدْ وردَ في العهد القديم والجديد أنَّ هذا الوصفَ أُطلق على أنبياء آخرين، وأُطلق على أممٍ وشعوب، ولم يختص بها المسيحُ عليه السلام، ويمكن للباحثِ أن ينظرَ النصوصَ التالية: ففي سفر الخروج أُطلق وصفُ (ابن الله) على بني إسرائيل: (فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ). خروج 4: 22-23. فهل بنو إسرائيل أبناء لله بسببِ هذا النص، وهل دُعوا آلهة؟

وفي سفْر المزامير قال اللهُ لداود: (إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ). مزامير 4: 22. فإن كان المسيح عليه السلام ابنًا لله لهذا الوصف، فداودُ أيضًا ابن لله، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وفي أخبارِ الأيام الأوَل، قال اللهُ عن سليمان عليه السلام: (وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا، وَأَنَا لَهُ أَبًا). 22: 10، فهل يكون سليمانُ-عليه السلام- ابنًا لله لهذا الإطلاق؟

وفي إنجيلِ متى نجد أنَّ وصفَ أبناء الله يُطلق على كلِّ مَن اتَّصف بمحبة فعل الخير للناس: (طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْن). متى 5: 9.

وإنجيلِ يوحنا يوافق نصَّ إنجيل متى في إطلاق هذا الوصف على البَرَرة الأتقياء: (وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أوْلَادَ اللهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ). يوحنا 1: 12. فهذا الإنجيلُ حملَ إلينا تفسيرَ أو وصف مُصطلح (ابن الله)، وأنها بمعنى المؤمن بالله.

فهؤلاء الموصوفون بأنَّهم أبناءُ الله، لم يُرفعوا إلى المنزلةِ التي رفعتْ النصرانيةُ إليها المسيحَ عليه السلام، ولم يُجعلوا أبناء الله.

وهذه العقيدةُ المنحرفة- وهي اعتقاد أن يكون أحدٌ من البشر ابنًا لله، أو هو الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- ليست مِن اختراع النصارى فحسب؛ فاليهود أيضًا سَبقوا إليها، واعتقدوا أنَّ العزير ابن الله، وذكر اللهُ ذلك في القرآن الكريم، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ اليهود والنصارى في هذه العقيدة مقلِّدون للكفار الأوائل، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [سورة التوبة:30].

بقي أنْ يعرف القارئ الجواب عن هذا السؤال وهو: متى دخلتْ عقيدةُ: أنَّ المسيح ابنُ الله في الديانة النصرانية؟

والجواب: دخلتْ هذه العقيدة في الديانةِ النصرانية بقرارٍ من مجمع نيقية، الذي حضرَه جمع من علماء النصارى، قيل إن عددهم 2048، وقيل قريباً من 500، بدعوةٍ من الحاكم الروماني الوثني قسطنطين عام 325م، وبعدَ نقاش طويل اعتمدَ الحاكمُ الروماني رأيَ الأقلية المتأثرة بالفلسفة والوثنية، وعددهم 318 قسًّا، القائلين ببنوَّة المسيح لله ربِّ العالمين، ورفض رأي الأغلبية التي تعتقد أنَّ المسيح بشرٌ من البشر، ورسولُ ربِّ العالمين، ومن هذا التاريخ أصبحتْ هذه العقيدة الحادثةُ أصلًا تقوم عليه الديانة النصرانية.

وبعد عرض هذه النصوص من الإنجيل، وبيان أن عقيدة بنوة المسيح وألوهيته لم تعتمد كعقيدة إلا بعد مضي 325 سنة من مولد المسيح عليه السلام، ورغم مخالفتها للأصول التي جاء بها النبيون عليهم الصلاة والسلام – فهل يعتبرها الإنسان المنصف عقيدة متوافقة مع العقائد التي جاء بها النبيون عليهم الصلاة والسلام أم مخالفة لها؟

أليس النصارى يعتبرون كفرَ من اعتقد أن لله ابناً؟

ما الفرق بين اعتقاد أن المسيح عليه السلام هو الله، أو هو ابن الله، وبين اعتقاد اليهود أن العزير ابن الله؟ بل ما الفرق بين اعتقاد أن المسيح عليه السلام إله، وبين اعتقاد اليهود أن العجل إلههم؟ حينما قالوا كما أخبر الله عنهم في القرآن الكريم: ﴿فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ [سورة طه:88].

الثانية: اعتقادُ أنَّ الله هو أحد الأقانيم الثلاثة، وهو ما يُعرف بـ(عقيدة التثليث)

حينما تسأل النصارى عن التثليث، تختلف الإجابة من شخص لآخر، ولا تكاد تجد اثنين يتفقان على إجابة واحدة واضحة، ولمعرفة تعسّر فهم هذه العقيدة، نقرأ تعريف التثليث من قاموس الكتاب المقدس، حيث يقول: (تثليث: عرّف قانون الإيمان هذه العقيدة بالقول: "نؤمن بإله واحد: الآب، والابن، والروح القدس، إله واحد، جوهر واحد، متساوين في القدرة والمجد". في طبيعة هذا الإله الواحد، تظهر ثلاثة خواص أزلية، يعلنها الكتاب في صورة شخصيات (أقانيم) متساوية. ومعرفتنا بهذه الشخصية المثلثة الأقانيم، ليست إلا حقاً سماوياً ... إلى قال: ويمكن أن نلخص العقيدة في هذه النقاط الست التالية:

1- الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.

2- هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات متميزة الواحدة عن الأخرى.

3- هذا التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتاً أو ظاهرياً بل أبدي وحقيقي.

4- هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة، بل إن هذه الشخصيات الثلاث جوهر واحد.

5- الشخصيات الثلاث الآب والابن والروح القدس متساوون.

6- ولا يوجد تناقض في هذه العقيدة، بل بالأحرى أنها تقدم لنا المفتاح لفهم باقي العقائد المسيحية) [17] . انتهى كلامه. قاموس الكتاب المقدس(232).

من يقرأ هذا التعريف لعقيدة التثليث؛ يجد أنها عقيدة عسيرة الفهم، حتى في هذا النص الذي نقلته من قاموس الكتاب المقدس، نجد أن الكاتب مضطرب، وعاجز عن الإيضاح، فتارة مؤلف القاموس يعتبرهم خواصاً إلهية، وتارة يعتبرهم ثلاث شخصيات متساوية.

فإن كانت مكونات الثالوث خواصاً، فلا يمكن أن تكون شخصيات متساوية، وإن كانت شخصيات فلا تكون خواصاً، وقاموس الكتاب يؤكد كما في الفقرة (2) على أنهم: (شخصيات متميزة الواحدة عن الأخرى).

ففي النقل الأول عن القاموس قال: (عرّف قانون الإيمان هذه العقيدة) أي أن المستند لاعتقادها واعتبارها أصلاً في الدين النصراني هو: (قانون الإيمان)، وقانون الإيمان هذا تمت صياغته وإقراره في مجمع نيقية عام325م.

ومما ينبغي التفطن له أنه لا يمكن أن تتساوَى هذه الأقانيمُ في الأزلية لما يلي:

1- إن النصارى يعتقدونَ أن الروح القدس قد انبثقَ عن الآب والابن وهما قبله.

2- إن لكلِّ واحدٍ من شخصيات الثالوث صفاتٍ تخصُّه، لا يمكن أن يوصَف بها الآخر.

3- إنَّ الآب دائمًا في المرتبة الأولى، والابنُ يأتي بعده، ثم الروحُ القدس في الدرجة الثالثة، فلا يرضى النصارى أبدًا أن يُعاد ترتيبُ هذا الثالوث فيكون الروحُ في المقدمة، والابنُ في المرتبة الثانية، بل يعتبرونَ ذلك كفرًا وإلحادًا فكيف التسوية إذًا؟

وينبغي أن يعلم أنه لم يرد التثليث في العهدين القديم أو الجديد، فإذاً هذا الاعتقادُ لا يعرفُه النصارى الأوَّلون؛ ولذا يقول قاموس الكتاب المقدس عن التثليث: (والكلمة نفسها "التثليث أو الثالوث" لم ترد في الكتاب المقدس، ويظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها، هو: ترتليان في القرن الثاني للميلاد.[18] ) المصدر السابق (232).

إذاً بقي النصارى سنين متطاولة لم يعرفوا هذه العقيدة ولم يؤمنوا بها، ثمَّ حدثتْ في دينهم، وأصبحت أصلًا عظيمًا من أصوله.

والمتأملَ المنْصف لما نقلَ عن المسيح عليه السلام؛ سيجد أنه جعلَ أساسَ رسالتِه الدعوة إلى التوحيد، وتنزيه الله عنْ مشابهة خلقه، وتجريد مقام الألوهية عن كلِّ ما سوى الله، وتحقيق مقام العبودية لله وحده.

وبالنَّظر في الأدلة التي مرَّت معنا في الفقرة السابقة، نجدُ أنها تضاد التثليث وتعارضه.

إن عقيدة التثليث تعود بالذهن إلى تعدد الآلهة عند الأمم الوثنية، وسأذكر في الفقرة التالية بعض نماذج من تعدد الآلهة.

تعدد الآلهة

دعنا أيها القارئ نلقي نظرة على نماذج من تعدد المعبودات التي عبدت مع الله، أو من دون الله، فسنجد أن أول تعدد للأرباب من دون الله وقع في قوم نوح، حيث اتخذوا خمسة من الآلهة مع الله هم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسراً، قال الله مخبراً عن ذلك: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ﴿23﴾﴾ [سورة نوح:23].

وكان تعدد الآلهة موجوداً عند الفراعنة، فكانت الآلهة الفرعونية مكونة من التاسوع الفرعوني[19]، والهندوس اعتقدوا بثلاثة آلهة: ف(براهما) هو الموجد، و(فشنو) هو الحافظ، و(سيفا) هو المهلك[20]، إذاً الهندوس يؤمنون بثالوث مثلث الأقانيم، وكان الأشوريون والفينيقيون يعبدون آلهة مثلثة الأقانيم أيضاً، والبوذيون يعتقدون بالثالوث، وأن الإله نزل من السماء ليفتدي البشر من خطاياهم، واعتقد اليهود أن العزير ابن الله، وعقد الباحث محمد بن عبد الله التنير في كتابه: (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) فصلاً قارن فيه بين الأحداث التي نسجت حول نهاية بوذا ونهاية المسيح عليه السلام –كما يزعمون- فوجد أنها متشابهة تماماً، وكان المشركون في مكة، قبل بعثة رسول الله محمد ﷺ يعظمون الأوثان، وأعظمها عندهم ثلاثة هي: اللات، والعزى، ومناة، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ﴿19﴾ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ﴿20﴾} [سورة النجم:19-20]. وتعدد الآلهة في الأديان الوثنية أمر مشتهر، وإنْ كان هناك اختلافٌ بينَ هذه الأديان في العدد الذي يتكوَّن منه المعبودُ في كلِّ ديانة. انظر مقارنة الديانات القديمة محمد أبو زهرة، 12. انظر أديان الهند الكبرى لأحمد شلبي 48.

الله هو الديان

واللهُ -سبحانه وتعالى- هو الديّانُ الذي يَدين الخلائقَ يومَ القيامة، وهو الذي له الدينُ الحق، وهو الذي يشرعُ الدينَ ويجْزي عليه، وهو وحدَه الذي يحكم للخلق، وعلى الخلق، ويفصلُ بينهم، وقد حكمَ الحقُّ، أنَّ كلَّ دين غير الإسلامِ فهو باطل، وكل عقيدة تضمَّنت أنَّ مع الله إلهًا آخر، أو أنَّ إلهًا مشاركًا لله أو مساويًا له؛ فهي عقيدةٌ باطلة، وصاحبُها كافر مُشرك، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿73﴾﴾ [سورة المائدة:73]. وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ [سورة النساء:171]، فنهى اللهُ في هذه الآيات أهلَ الكتاب-وهُم اليهود والنصارى-عنِ الغُلو، ونهاهم عنْ أن يقولوا على الله غير الحق، وبيَّن أنَّ المسيح عليه السلام رسولٌ من الله، خَلَقَه بكلمةٍ منه، ونهاهم عنْ أن يقولوا ثلاثة؛ لأنَّ الله إلهٌ واحد، سبحانه أن يكون له شريكٌ أو شبيهٌ أو مثيل.

وأختم هذه الفقرة بالسؤال التالي: هل عقيدة الثالوث شبيهة بما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أم شبيهة بعقائد الوثنيين؟

الثالثة: اعتقادُ أنَّ اللاهوت حلّ في الناسوت

المسيح عليه السلام جاء بالتوحيدِ الخالص من كلِّ شوائب الشرك، ولعلَّ أظهرَ دليلٍ على ذلك جوابُ المسيح عليه السلام حينما سأله أحدُ التلاميذِ قائلًا: (أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ؟ فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ، وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ).مرقس 12: 28-30. وعندما نستعرضُ تعاليمَ المسيح عليه السلام؛ نجد أنَّه لم يُشرْ إلى هذه المسألة إطلاقًا.

ومَن استعرض الأدلةَ التي وردتْ في الفقرة الأولى، مُضيفًا إليها هذا الدليلَ؛ تبيَّن له: هل هذه الأدلة المنقولة من كتابِ النصرانية تؤيِّد هذه العقيدة، أم تصادمها وترفضُها؟

ولا يخفَى على القارئ-المطَّلع على التاريخ-أنَّ هذه العقيدة الغريبة-التي تستعصي على الفهْم أو التصور-حدثتْ في العقيدةِ النصرانية في القرن الخامس عام 451م في مجمعِ خليكدونية، الذي حضره 520 أسقفًا، وأقرّوا فيه اتحادَ اللاهوت بالناسوت، أي اتحاد العنصر الإلهي بالعنصر البشري، لكن حدث خلافٌ في هذا المجمع، وهو: هل المسيحُ له طبيعتان ومشيئتان إلهية وبشرية؟ أم طبيعة ومشيئة واحدة؟ ولا يزال الخلافُ قائمًا بينَ الكنائس في هذه المسألة، فكيف يكون الإيمان بدينٍ كلَّما مرَّ عليه زمنٌ أضافَ عليه البشر أصولًا، ثمَّ اختلفوا على هذه الأصول؟

وهنا سؤال مُهم وهو: ما الأطوارُ التي مرَّت بها النصرانيةُ حتى استقرَّت على هذه العقيدة؟

وهنا سؤالٌ آخر يترتَّب على هذا السؤال، وهو: هل النصارى الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت متَّفقون على أصولهم هذه؟ وهل هم متَّفقون على نسخة واحدةٍ للإنجيل، أم أنَّ نسخ الإنجيل مختلفة عند هذه الطوائف الثلاث: الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت؟

الرابعة: اعتقادُ النصارى أنَّ المسيح عليه السلام صُلب وماتَ على الصَّليب

لنقرأ قصةَ الصَّلب كما رواها الإنجيلي متى، حيث قال: (فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلَايَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، وَضَفَرُوا إكليلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: السَّلَامُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. وَبَعدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ. وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَانًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» أَعْطَوْهُ خلًّا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا) متى 27: 27-35.

ولكن عندما نراجع الأناجيل نجد فيها نصوصاً كثيرة تعارض هذه القصة تامَّة لهذه العقيدةَ؛ حيث إن المسيح عليه السلام نجَّاه اللهُ من كيد أعدائه، ورفعَه ولم ينلْه سوءٌ قط، ففي إنجيل لوقا أنَّ الله عصم المسيح عليه السلام وحفظَه من كيد اليهود ومكْرِهم، فلم يستطيعوا أن يصلبوه: (فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةَ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى). لوقا 4: 29– 30.

وقال يوحنا: (فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ، أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا). يوحنا: 8: 59.

هذه النصوص-وسواها كثير– تؤكِّد أنَّ الله عصمَ المسيح عليه السلام من كيد اليهود ومكْرِهم.

بل إن إنجيلَ متى نصَّ على أنَّ اليهود لم يكونوا متحقِّقين من شخصية المسيح عليه السلام حتَّى استأجروا مَن يدلهم عليه، وأعطوه لذلك أجرًا (انظر: متى 27: 3-4).

كما أخبرَ المسيح عليه السلام أنَّ كلَّ الجموع ستشكُّ في خبره تلك الليلة التي وقعت فيها الحادثة، فقال مرقس: (وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ، فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ) مرقس14: 27. وحيث أخبرَ أنَّهم سيكونونَ في شكِّ من أمره، فقدْ وقع الأمرُ كما أخبرهم، وسلَّمَه اللهُ من كيدهم.

وهنا سؤال وهو: كيف يثبت الإنجيل الصلب، وأن المصلوب يعلق على الخشبة، وأن تكسر ساقه... وفي الإنجيل ورد الوعد الإلهي للمسيح عليه السلام أن الله وكّل به ملائكته ليحفظوه ويحملوه، فمن حفظته الملائكة فأنى لبشر أن يمسه بسوء، قال لوقا: (لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائكَتَه بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ، وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ). لوقا 4: 10-11. وانظر: متى 4: 6.

وصرح صاحبُ أعمال سفرِ الرُّسل تصريحًا لا شكَّ فيه، أنَّ الله رفعَ المسيح عليه السلام ، ولم ينالوه بأذًى، حيث قال: (وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِم، وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلَانِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وقالَا: أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ) أعمال الرسل 1: 9-11.

ونقلَ يوحنا قولَ المسيح مخبرًا لهم أنَّهم بعدَ قليل لن يروه؛ لأن الله سيرفعُه إليه: (بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي، لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ). يوحنا16:16.

إذا المسيح لم يُقتل ولم يُصلَب، بل رفعه اللهُ إليه، كما جاء في الإنجيل، وهذا ما شهدَ به القرآنُ الكريم للمسيح عليه السلام؛ قال تعالى: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿157﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ﴿158﴾} [سورة النساء:157، 158]. فتضمَّنتِ الآيتان خمسَ مسائل مهمَّة، وهي:

الأولى: أنَّهم ما قتلوه.

الثانية: أنَّهم ما صلبوه.

الثالثة: أنَّه شبِّه لهم.

الرابعة: أنهم في شكٍّ منه.

الخامسة: أن الله رفعه إليه وسلّمه من مكرهم.

وسبقَ في النصوص التي أوردتُها من العهد الجديد أنهم كانوا في شكٍّ منه، وأنَّهم لم يقدروا على قتْله وصلبه، وأنَّ الله رفعَه.

والعقلُ السالم مِن التأثيرات الموروثة المنحرفة، والباقي على سلامتِه، يرفضُ رفضًا باتًّا هذه القصةَ المزعومة التي هي المستندُ لعقيدةِ الصَّلب؛ والعجيب أن يقال إن هذا مقتضى حكمة الله ورحمته ومحبته لخلقه، وأن الله أمر به ودبّره؛ لمغفرة خطايا البشر!

موقف العهد القديم من الصلب

إذا نظرنا في العهد القديم؛ نجدُ أنَّ حكمَ المصلوب اللعن، فقد وردَ في سفْر التثنية: (وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ، فلا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فلا تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا) التثنية: 21: 22-23.

فتأمَّلْ كيفَ تفضي هذه العقيدة إلى أن يكون المصلوب ملعوناً؟ وحاشا المسيح عليه السلام رسولَ الله أنْ يكون كذلك، لكن أليست هذه العقيدة بحاجة إلى أن ترد إلى ما نقل عن الأنبياء عليهم السلام، وتخضع للنظر العقلي الصحيح؛ لمعرفة مدى قبولها من رفضها؟

ثمَّ ألم ترَ أنَّ حادثة الصلب المتعلقة بالمسيح عليه السلام كلها تفتقدُ إلى الأساس الديني الصحيح، والمستند التاريخي الذي تستندُ إليه، فلماذا تشغلُ كلَّ هذا الحيز؟ ولماذا تأخذ كلّ هذا الاهتمام في العقيدةِ النصرانية؟

أرأيتَ كيف تضمنت الأناجيل الحقائقَ التالية:

الأولى: أنَّ الله عصم المسيح وحفظه من الصلب.

الثانية: أخبر المسيح أنَّ الجموع ستكون في شكٍّ من أمره في تلك الليلة.

الثالثة: أنَّ الله رفعه إلى السماء ونجَّاه من كيد المجرمين.

الرابعة: أن مَن عُلِّق على خشبة الصلب فهو ملعون.

والآن، يتبادر إلى الذهنِ هذا السؤال وهو: هل صلْبُ المصلوبِ شرفٌ له؟ بحيث إنَّ النصارى لا تزال تُعظِّم هذه الحادثة وتمجِّدها، وتجعل الصليبَ شعارَ دينها؟ أم أن الصلبَ كما هو في الأذهانِ عقوبة مشينة يُعاقَب بها المجرمون الموغلون في الإجرام؟ وما السببُ في كون الصليب مقدسًا في النَّصرانية؟ أليس هو تذكارَ الجريمة؟ أليس هو شعارَ الجريمة وأداتها؟

الخامسة: اعتقادُ النصارى أنَّ المسيح ماتَ مصلوبًا فداءً للبشرية وكفارةً للخطيئة الموروثة

النَّصارى بنوا على قصةِ الصَّلب المزعومة عقيدةً أغربَ منها، ألا وهي اعتقادُهم أنَّ الله أرسلَ ابنه الوحيد ليُقتل ويُصلب فداءً للبشرية من خطيئة أبيهم آدم عليه السلام ، حينما نهاه اللهُ عن الأكل من الشجرة فنسيَ وأكل، ثمَّ ندم واستغفر فتابَ اللهُ عليه وغفر له، فهُم يعتقدون أنَّ كلَّ إنسان يولَد متدنِّس بخطيئة آدم، وأنَّ الله أراد أنْ يفْتدي البشريةَ عن هذه الخطيئة الموروثة بتقديم ابنِه قربانًا عنهم؛ ليغفر اللهُ لهم خطاياهم.

وها هنا أسئلةٌ ملحَّة تتطلَّب الإجابة عليها ليتميز الحقُّ من الباطل، والهدى من الضلال:

مَن سيطهِّر المجرمين الذين يسفكونَ الدماء وينهبونَ الأموال عبر التاريخ بعد المسيح عليه السلام ؟

هل تطهيرُ المسيح عليه السلام وفداؤه سيشملُهم، بحيث يكونون مطهَّرين مهما فعلوا؟

إذا كانت الكنيسةُ تعتقدُ بفداء المسيح عليه السلام للخطيئة، فلماذا تمارسُ سرَّ الغفران مع أتباعها؟

هذه العقيدةُ رغمَ مخالفتها للعقل والمنطق، فهي مخالفةٌ لقواعد أساسية، ونصوص رئيسة، اشتملَ عليها العهد القديم والجديد، فمن هذه القواعد:

القاعدةُ الأولى: لا يقتَلُ الأبناء عوضًا عن الآباء.

القاعدةُ الثانية: أنَّ كلَّ واحد يموت بذنبه.

القاعدةُ الثالثة: أنَّ النفسَ التي تخطئ هي التي تموت.

القاعدةُ الرابعة: أنَّ الله يقبل توبة التائبين.

أمّا النصوصُ التي حملت هذه القواعدَ، فمنها: ما وردَ في سفر التثنية، وهو معدودٌ عندَهم من الأسفار الخمسة لموسى عليه السلام: (لَا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلَادِ، ولَا يُقْتَلُ الأوْلَادُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَل). تثنية 24: 16.

وجاءَ في سفر إرمياء: (فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لاَ يَقُولُونَ بَعْدُ: الآبَاءُ أَكَلُوا حِصْرِمًا، وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ. بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ). إرمياء 31: 29– 30.

وفي سفرِ حزْقيال، جاءَ النَّص على منعِ وراثة الخطيئة، وأنَّ النفس التي تفعل الشرَّ هي التي تستحقُّ العقوبة: (وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا لاَ يَحْمِلُ الابْنُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ؟ أَمَّا الابْنُ فَقَدْ فَعَلَ حَقًّا وعدلًا. حَفِظَ جَمِيعَ فَرَائِضِي وَعَمِلَ بِهَا فَحَيَاةً يَحْيَا. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لَا يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ. فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقًّا وعدلًا فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. فِي بِرِّهِ الَّذِي عَمِلَ يَحْيَا). حزقيال 18: 19 – 22.

فكيفَ مع كلِّ هذه النصوص تظل هذه العقيدةُ مِن أصول النصرانية، بل يتباهَى النصارى بها، وأنَّ الله افتداهم بابْنه، تعالى اللهُ عنْ هذا الضلال علوًّا كبيرًا.

عودة المسيح عليه السلام إلى الأرض قبل قيام الساعة

يعتقد النصارى أن المسيح عليه السلام مات وعلق على الصليب، ثم دفن وقام من قبره وارتفع إلى السماء، وأنه يعود إلى الأرض فيحاسب الخلائق ويدينهم بأعمالهم.

والحقيقة أن الله رفعه حياً، ونجاه من كيد اليهود، وسيعود إلى الأرض قبل قيام الساعة، فيحكم الناس بالعدل، ويكسر الصليب؛ لأنه خرافة باطلة، ويقتل الخنزير؛ لأنه محرم أكله في الكتب الإلهية،

وجاء في كتابِ أعمال الرسل قول بولس: (إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ) أعمال الرسل 1: 11. فرفع المسيح وعودته مرةً أخرى إلى الأرض قبلَ يوم القيامة، هذا مما وردَ في العهد الجديد، لكن النصارى يعتقدون أنه الرب يسوع هو الذي يعود ويحاسب الخلائق ويدينهم، بينما الذي في القرآن أنه يعود بشراً رسولاً، وهذا مما أخبر اللهُ عنه في القرآن العظيم حيث قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ﴿159﴾﴾ [سورة النساء:159]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ﴿61﴾﴾ [سورة الزخرف:61]

وأخبرَ عنه محمد رسول الله ﷺ فقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ).[21] وانظر كيف نصَّ محمد رسول الله ﷺ على أنَّ المسيح عليه السلام إذا نزلَ يكسرُ الصَّليب؛ لأنه يبطلُ حقيقة النصرانية المحرفة، ويحمل الناسَ على الإسلام.[22]

وقال محمد رسول الله ﷺ مخبرًا عنْ مكان نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان: (فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ[23]، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ).[24] رواه البخاري (3448)، ومسلم (242). انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري،(6/ 491)، وعمدة القارئ (12/34).

الخلاصة (وفيها خمس حقائق) أيْ حلتين صفراوين، النهاية في غريب الحديث (5/258). صحيح مسلم، (110).

بعدَ النظر في أصولِ النصرانية، تبيَّنَت الحقائقُ التالية:

الحقيقةُ الأولى: أنَّ الرسالةَ التي جاء بها المسيح عليه السلام رسالة إلهية من عند الله، وليست هي التي يعتقدُها النصارى اليوم.

الحقيقةُ الثّانية: أنَّ دينَ الأنبياء والمرسلين- عليهم السلام- واحد، وأنَّهم لا يختلفونَ في الأصول، فكيف فارقتِ النصرانيةُ الدينَ الذي شرعَه الله للناس وجاءت مخالفة له؟ وسيحاسب الله الناسَ بحسبِ إيمانهم بدينه الذي شرعه لهم.

الحقيقةُ الثالثة: أنَّ الأنبياء- عليهم السلام- بشَّروا ب محمد رسول الله ﷺ ، وأرشدوا أتباعَهم إلى الإيمان به، فمَن أراد أن يكونَ يوم القيامة معَ الأنبياء والمرسلين عليهم السلام؛ فليؤمِن بآخرهم وخاتمهم محمد رسول الله ﷺ كما آمن بأولهم، ومَن خالف الأنبياء في الدنيا حُشِرَ يوم القيامة مع مَن خالف الأنبياء كالنّمرود وفرعون وغيرهم.

الحقيقةُ الرّابعة: أنَّ التوراة والإنجيل لا يُقرِّان هذه الانحرافاتِ الخطيرةَ، بل يعارضانها.

الحقيقةُ الخامسة: أنَّ العقيدة النصرانيةَ عقيدةٌ تراكمية، تزدادُ معَ طول الزمان، وتنتقلُ من طورٍ إلى طور.

لذا فعلى الإنسانِ العاقل الذي يأنَفُ من الزيف، وينفر من الخطأ؛ أنْ يبحثَ عن الهدى، ويطلب الحق، وينجو بنفسِه مِن الرَّدَى، وأن يسلك بنفسِه مسلكَ أولي العزم من الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم السلام.

الدينُ الحقُّ

إنَّ دينَ الإسلام هو دينُ الله، وهو دينُ جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وهو الدينُ الحقُّ الذي لا يقبلُ اللهُ دينًا سواه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران:85].

وهو الدين الذي يجمع للمسلم المقامات العظيمة وهي: حب الله، ورجاء الله، والخوف من الله، فالله يحب المؤمنين، ويحب المتطهرين، ويحب التوابين، ويحب المحسنين، والله يحب كل تقي نقي، والمؤمن يحب الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، ويحب ما يحبه الله من العبادات والأقوال والأفعال والأشخاص والأماكن.

ورجاء الله هو: أن يرجو المسلم من الله قبول أعماله الصالحة، ويقبل منه التوبة إذا تاب.

والخوف من الله هو: أن يخاف المسلم ربه أن يؤاخذه بذنوبه إذا فعل الفواحش والآثام، أو آذى عباد الله، أو قصر في الطاعات.

وهو دين البشْريات الجميلة العظيمة، فالله هو الذي يبشر عباده برحمته ورضوانه ومغفرته، قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ﴿21﴾﴾ [سورة التوبة:21].

وهو دين التوبة: ففي الإسلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والإسلام يجبّ ويقطع ما قبله من الذنوب مهما كانت، قال الله تعالى: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر:53]، وقال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ﴿68﴾ يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ﴿69﴾ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ﴿70﴾ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} [سورة الفرقان:68-71].

وهو الدينُ الباقي والخالد إلى قيام الساعة، وقد تكفَّل اللهُ بحفظه وصيانتِه من التحريف والتبديل، وهو الدينُ الذي آمنتْ به الآلافُ المؤلَّفة من البشر، وسعدت به البشرية.

كيف يكون الإنسان مسلماً

أمّا كيف يكون الإنسانُ مسلمًا، ومِن أتباع المرسلين عليهم السلام؛ ليتحقق له ما تحقَّق لأصحابهم؟ فالأمرُ جدُّ يسير، فما على الإنسان إلّا أنْ يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ، وأنْ يعتقد أنَّه لا معبودَ بحقِّ سوى الله، وأنَّ الله هو المتفردُ بالربوبية والألوهية، الموصوف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، ثم يغتسل ويتطهر ويزيلَ عنْ جسده كلَّ أثرٍ غيرِ حميد، ثمَّ يتعبدُ الله وفقَ ما بلّغه رسوله محمد ﷺ، ويطيعُه بما أمر، ويصدِّقه فيما أخبر به، ويبتعدُ عمّا نهى عنه وزجر.

وأنْ يشهد أنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنَّ الجنة حقّ، والنار حقّ، وأنَّ الله يبعَث مَن في القبور، فإذا حقَّق الإنسان ذلك؛ أصبح أهلًا لأن يكونَ من ورثة جنةِ الفردوس، معَ النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين.

ولمزيدٍ من المصادر والمراجع التي ترشدُ إلى الحقِّ، وتهدي إلى الصراط؛ فهذه قائمة ببعضِ الكتب التي ألَّفها بعضُ القساوسة النَّصارى الذين هداهم الله إلى الإسلام فدوَّنوا في هذه الكتب خبرَ انتقالهم من النَّصرانية إلى الإسلام، والأسباب التي أدت بهم إلى هجرِ النَّصرانية، والأدلة التي استدلّوا بها على أنَّ الإسلام هو الرسالة الخاتمة الخالدة، وهذه الكتب هي:

1- الدين والدولة، تأليف: علي بن ربَّن الطبري، (كان نصرانيًّا ثم أسلم).

2- النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، تأليف: نصر بن يحيى المتطبب، (كان نصرانيًّا ثم أسلم).

3- محمد في الكتاب المقدس، تأليف: دافيد بنجامين كلداني، الذي أسلم وتسمَّى بعبدِ الأحد داود. نُشِر الكتابُ باللغتين العربية والإنجليزية من قِبَل رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر.

4- الإنجيلُ والصليب، تأليف: دافيد بنجامين كلداني، الذي أسلم وتسمَّى بعبد الأحد داود.

5- محمد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن. تأليف: إبراهيم خليل أحمد، كان قسًّا نصرانيًّا، وكان اسمه قبلَ إسلامه إبراهيم فيلبس.

6- الغفرانُ بين الإسلام والمسيحية، تأليف: إبراهيم خليل أحمد. كان قسًّا نصرانيًّا، وكان اسمه قبل إسلامه إبراهيم فيلبس.

7- اللهُ واحد أم ثالوث، تأليف: مجدي مرجان، (كان نصرانيًّا ثم أسلم).

8- المسيح إنسانٌ أم إله، تأليف: مجدي مرجان، (كان نصرانياً ثم أسلم).

9- سرُّ إسلامي، تأليف: فؤاد الهاشمي، (كان نصرانيًّا ثم أسلم).

10- المنارات الساطعة في ظلمات الدنيا الحالكة، تأليف: المهتدي محمد زكي الدين النجار، (كان نصرانيًّا ثم أسلم).

هذه المجموعةُ المباركة التي آثرتِ الحقَّ على الباطل، والهدى على الضلال، وتخلَّتْ عمّا ألِفَته منذُ بداية حياتها، وغير هؤلاء أعدادٌ كبيرة من العلماء والمفكِّرين في دول العالم تتحول إلى الإسلام، مُعلنةً أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ.

فينبغي للباحث عن الحق، أن يسأل نفسَه عن الأسباب التي أدّت بهم إلى هجر دينهم، وإعلانِهم الهجرة إلى الإسلام؟ وما الأدلةُ والبراهين التي وقفوا عليها فقادتهم -بإذن الله- إلى الهدى والنور؟

وختامًا، فإنَّ الإسلامَ هو دينُ جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهو دينُ الله، ولن يقبل اللهُ دينًا سواه؛ لأنَّ الله لا يقبَل من البشر أن يتعبَّدوا بدينٍ لم يشرعه، وإنما شرعه غيره، فمَن عبدَ الله بما شرعَ له من الدين الحقِّ؛ أكرمه وأدخله الجنة، ومَن عصى ربه وآثرَ هواه، أدخلَه النار دار عذابه.

وأتمنَّى لك أيُّها الكريم أن تخلوَ بنفسك، وتتفكَّر فيما عرضته عليك، هل كان ما عُرضَ عليك حقًّا أم باطلًا؟ فإن كان حقًّا فلا ينبغي للعاقل أنْ يترك الحقَّ بعدَمَا تبيَّن له، وأتمنَّى لك حياةً كريمة وعيشةً طيبة، مملوءة بالخيرِ والمسرّات.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين،

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ولمعرفة مزيد من المعلومات عن الإسلام يمكنكم زيارة الرابط التالي:

https://islamhouse.com/ar

https://islamhouse.com/ar/books/2830073

كان الفراغ من كتابتها في الرياض العزيزة في

20/10/1443هـ

21/5/2022م

للتواصل مع المؤلف: [email protected]