الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة
رسالة لطيفة في "الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة" هو مرجع مهم يركز على توجيه الدعاة إلى الله وتزويدهم بالأساليب الصحيحة والأخلاقيات اللازمة للدعوة له سبحانه.
الدعوة إلى اللَّه
وأخلاق الدعاة
لسماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبداللَّه بن باز رحمه الله
مقدمة المؤسسة
الحمد للَّه وحده والصَّلاة السَّلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه ومن والاه أمّا بعد:
فيطيب «لمؤسسة الشيخ عبدالعزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم كتاب «الدعوة إلى اللَّه وأخلاق الدعاة» لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله ضمن سلسلة إصداراتها لرسائل ومؤلفات سماحة الشيخ.
نسألُ اللَّهَ أن ينفع به كل من قرأه، وأن يجزي الأجر والمثوبة لكل من ساهم في نشره، وأن يجعله من العلم النافع الذي يجري أجره على سماحة شيخنا رحمه الله وغفر له، وجمعنا وإياه والقارئ الكريم مع الأحبه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه.
مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية للتواصل مع المؤسسة على العنوان التالي: الإيميل: [email protected] هاتف: 0114354444 صندوق بريد رقم: 341919 الرياض: 11333
المقدمة [(1)]
[(1)]مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ج(1/323ـ 348).
الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولاعدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأراضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، أرسله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على طريقته في الدعوة إلى سبيله، وصبروا على ذلك وجاهدوا فيه حتى أظهر اللَّه بهم دينه، وأعلى كلمته ولو كره المشركون، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن اللَّه سبحانه وتعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبد وحده لا شريك له، وليعظم أمره ونهيه وليعرف بأسمائه وصفاته، كما قال عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذّاريَات: 56] وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *} وقال عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا *}. [البَقَرَة: 21]
فبين سبحانه أنه خلق الخلق ليعبد، ويعظم، ويطاع أمره ونهيه؛ لأن العبادة هي توحيده وطاعته مع تعظيم أوامره ونواهيه، وبين عز وجل أيضا أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما؛ ليعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا.
فعلم بذلك أن من الحكمة في إيجاد الخليقة: أن يعرف اللَّه سبحانه بأسمائه وصفاته، وأنه على كل شيء قدير، وأنه العالم بكل شيء جل وعلا، كما أن من الحكمة في خلقهم وإيجادهم أن يعبدوه ويعظموه ويقدسوه ويخضعوا لعظمته.
إن العبادة: هي الخضوع للَّه جل وعلا والتذلل له، وسميت الوظائف التي أمر اللَّه بها المكلفين ـ من أوامر وترك نواه ـ عبادة؛ لأنها تؤدى بالخضوع والتذلل للَّه عز وجل.
ثم لما كانت العبادة لا يمكن أن تستقل بتفاصيلها العقول، كما أنه لا يمكن أن تعرف بها الأحكام من الأوامر والنواهي على التفصيل، أرسل اللَّه سبحانه وتعالى الرسل، وأنزل الكتب لبيان الأمر الذي خلق اللَّه من أجله الخلق، ولإيضاحه وتفصيله للناس حتى يعبدوا اللَّه على بصيرة، وحتى ينتهوا عما نهاهم عنه على بصيرة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام هم هداة الخلق، وهم أئمة الهدى، ودعاة الثقلين جميعا إلى طاعة اللَّه وعبادته، فاللَّه سبحانه أكرم العباد بهم، ورحمهم بإرسالهم إليهم، وأوضح على أيديهم الطريق السوي، والصراط المستقيم، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، وحتى لايقولوا ما ندري ما أراده اللَّه منا، ما جاءنا من بشير ولانذير، فقطع اللَّه المعذرة، وأقام الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال جل وعلا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النّحل: 36] ، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبيَاء: 25]، وقال عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحَديد: 25]، وقال سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} الآية. [البَقَرَة: 213]
فبين سبحانه أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ ليحكم بين الناس بالحق والقسط، وليوضح للناس ما اختلفوا فيه من الشرائع والعقائد، من توحيد اللَّه وشريعته عز وجل، فإن قوله سبحانه وتعالى: يعني: على الحق، لم يختلفوا من عهد آدم عليه الصَّلاة والسَّلام إلى نوح، وكان الناس على الهدى كما قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما، وجماعة من السلف والخلف، ثم وقع الشرك في قوم نوح، فاختلفوا فيما بينهم، واختلفوا فيما يجب عليهم من حق اللَّه، فلما وقع الشرك والاختلاف أرسل اللَّه نوحا عليه الصَّلاة والسَّلام، وبعده الرسل، كما قال عز وجل: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النِّسَاء: 163] ، وقال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *} [النّحل: 64] .
فاللَّه أنزل الكتاب ليبين حكم اللَّه فيما اختلف فيه الناس، وليبين شرعه فيما جهله الناس، وليأمر الناس بالتزام شرع اللَّه والوقوف عند حدوده، وينهى الناس عما يضرهم في العاجل والآجل، وقد ختم الرسل جل وعلا بأفضلهم وإمامهم، وبسيدهم نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبداللَّه عليه وعليهم من ربهم أفضل الصَّلاة والتسليم، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في اللَّه حق جهاده، ودعا إلى اللَّه سرا وجهرا، وأوذي في اللَّه أشد الأذى، ولكنه صبر على ذلك، كما صبر من قبله الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام، صبر كما صبروا، وبلغ كما بلغوا، ولكنه أوذي أكثر، وصبر أكثر، وقام بأعباء الرسالة أكمل قيام عليه وعليهم الصَّلاة والسَّلام.
مكث ثلاثا وعشرين سنة يبلغ رسالات اللَّه ويدعو إليه، وينشر أحكامه، منها ثلاث عشرة سنة في أم القرى «مكة المكرمة» أولا بالسر، ثم بالجهر حيث صدع بالحق، وأوذي وصبر على الدعوة وعلى أذى الناس، مع أنهم يعرفون صدقه وأمانته ويعرفون فضله ونسبه ومكانته، ولكنه الهوى والحسد والعناد من الأكابر، والجهل والتقليد من العامة فالأكابر جحدوا واستكبروا وحسدوا، والعامة قلدوا واتبعوا وأساءوا، فأوذي بسبب ذلك أشد الأذى عليه الصَّلاة والسَّلام، ويدلنا على أن الأكابر قد عرفوا الحق وعاندوا قوله سبحانه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ *} [الأنعَام: 33].
فبيّن سبحانه أنهم لا يكذبون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بل يعلمون صدقه وأمانته في الباطن، كانوا يسمونه الأمين قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، ولكنهم جحدوا الحق حسدا وبغيا عليه، عليه الصلاة والسلام لكنه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يبال بذلك ولم يكترث به، بل صبر واحتسب وسار في الطريق، ولم يزل داعيا إلى اللَّه جل وعلا، وصابرا على الأذى، مجاهدا بالدعوة، كافا عن الأذى متحملا له، صافحا عما يصدر منهم حسب الإمكان، حتى اشتد الأمر، وعزموا على قتله عليه الصَّلاة والسَّلام، فعند ذلك أذن اللَّه له بالخروج إلى المدينة، فهاجر إليها عليه الصَّلاة والسَّلام، وصارت عاصمة الإسلام الأولى، وظهر فيها دين اللَّه وصار للمسلمين بها دولة وقوة، واستمر عليه الصَّلاة والسَّلام في الدعوة وإيضاح الحق، وشرع في الجهاد بالسيف، وأرسل الرسل يدعون الناس إلى الخير والهدى، ويشرحون لهم دعوة نبيهم محمد عليه الصَّلاة والسَّلام وبعث السرايا، وغزا الغزوات المعروفة حتى أظهر اللَّه دينه على يديه، وحتى أكمل اللَّه به الدين، وأتم عليه وعلى أمته النعمة، ثم توفي عليه الصَّلاة والسَّلام بعدما أكمل اللَّه به الدين، وبلغ البلاغ المبين عليه الصَّلاة والسَّلام.
فتحمل أصحابه من بعده الأمانة، وساروا على الطريق، فدعوا إلى اللَّه عز وجل، وانتشروا في أرجاء المعمورة دعاة للحق ومجاهدين في سبيل اللَّه عز وجل لا يخشون في اللَّه لومة لائم، يبلغون رسالات اللَّه ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا اللَّه جل وعلا، فانتشروا في الأرض غزاة مجاهدين، ودعاة مهتدين، وصالحين مصلحين ينشرون دين اللَّه، ويعلمون الناس شريعته، ويوضحون لهم العقيدة التي بعث اللَّه بها الرسل، وهي إخلاص العبادة للَّه وحده، وترك عبادة ما سواه من الأشجار والأحجار والأصنام وغير ذلك، فلا يدعى إلا اللَّه وحده، ولا يستغاث إلا به ولا يحكم إلا شرعه، ولا يصلى إلا له، ولا ينذر إلا له إلى غير ذلك من العبادات، وأوضحوا للناس أن العبادة حق للَّه، وتلوا عليهم ما ورد في ذلك من الآيات مثل قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البَقَرَة: 21] وقوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسرَاء: 23]، وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} [الفَاتِحَة: 5]، وقوله: {فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *} [الجنّ: 18]، وقوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *} [الأنعَام: 162-163].
وصبروا على ذلك صبرا عظيما، وجاهدوا في اللَّه جهادا كبيرا رضي الله عنهم وأرضاهم، وتبعهم على ذلك أئمة الهدى من التابعين وأتباع التابعين من العرب وغير العرب، ساروا في هذا السبيل، سبيل الدعوة إلى اللَّه عز وجل، وتحملوا أعباءها، وأدوا الأمانة مع الصدق والصبر والإخلاص في الجهاد في سبيل اللَّه، وقتال من خرج عن دينه، وصد عن سبيله، ولم يؤد الجزية التي فرضها اللَّه، إذا كان من أهلها، فهم حملة الدعوة وأئمة الهدى بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهكذا أتباع الصحابة من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الهدى، ساروا على هذا الطريق، كما تقدم، وصبروا في ذلك، وانتشر دين اللَّه، وعلت كلمته على أيدي الصحابة ومن تبعهم من أهل العلم والإيمان، من العرب والعجم من هذه الجزيرة جنوبها وشمالها، ومن غير الجزيرة من سائر أرجاء الدنيا، ممن كتب اللَّه له السعادة، ودخل في دين اللَّه، وشارك في الدعوة والجهاد، وصبر على ذلك، وصارت لهم السيادة والقيادة والإمامة في الدين، بسبب صبرهم وإيمانهم وجهادهم في سبيل اللَّه عز وجل، وصدق فيهم قوله سبحانه فيما ذكر في بني إسرائيل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ *} [السَّجدَة: 24] صدق هذا في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وفيمن سار على سبيلهم، صاروا أئمة وهداة ودعاة للحق، وأعلاما يقتدى بهم، بسبب صبرهم وإيمانهم، فإن بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فأصحاب الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام وأتباعه بإحسان إلى يومنا هذا، هم الأئمة وهم الهداة، وهم القادة في سبيل الحق وبذلك يتضح لكل طالب علم أن الدعوة إلى اللَّه من أهم المهمات، وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحاجة إليها، بل في أشد الضرورة إلى ذلك ...
ويتلخص الكلام في الدعوة إلى اللَّه عز وجل في أمور:
الأمر الأول: حكمها وفضلها.
الأمر الثاني: كيفية أدائها وأساليبها.
الأمر الثالث: بيان الأمر الذي يدعى إليه.
الأمر الرابع: بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها، وأن يسيروا عليها.
فنقول وباللَّه المستعان وعليه التكلان وهو المعين والموفق لعباده سبحانه وتعالى.
الأمر الأول
بيان حكم الدعوة إلى اللَّه عز وجل وبيان فضلها
* حكم الدعوة إلى اللَّه عز وجل:
أمّا حكمها فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنَّة على وجوب الدعوة إلى اللَّه عز وجل، وأنها من الفرائض، والأدلة في ذلك كثيرة:
منها قوله سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [آل عِمرَان: 104]، ومنها قوله جل وعلا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125]، ومنها قوله عز وجل: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [القَصَص: 87]، ومنها قوله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يُوسُف: 108].
فبين سبحانه أن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى اللَّه، وهم أهل البصائر، والواجب كما هو معلوم هو اتباعه، والسير على منهاجه عليه الصَّلاة والسَّلام كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} [الأحزَاب: 21].
وصرح العلماء أن الدعوة إلى اللَّه عز وجل فرض كفاية، بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة، فإن كل قطر وكل إقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها، فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الواجب، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة، وعملا صالحا جليلا.
وإذا لم يقم أهل الإقليم، أو أهل القطر المعين بالدعوة على التمام، صار الإثم عاما، وصار الواجب على الجميع، وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه، أما بالنظر إلى عموم البلاد، فالواجب: أن يوجد طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى اللَّه جل وعلا في أرجاء المعمورة، تبلغ رسالات اللَّه، وتبين أمر اللَّه عز وجل بالطرق الممكنة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعث الدعاة، وأرسل الكتب إلى الناس، وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى اللَّه عز وجل.
وفي وقتنا اليوم قد يسر اللَّه عز وجل أمر الدعوة أكثر، بطرق لم تحصل لمن قبلنا، فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر، من طرق كثيرة، وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق متنوعة: عن طريق الإذاعة، وعن طريق التلفزة، وعن طريق الصحافة، ومن طرق شتى.
فالواجب على أهل العلم والإيمان، وعلى خلفاء الرسول أن يقوموا بهذا الواجب، وأن يتكاتفوا فيه، وأن يبلغوا رسالات اللَّه إلى عباد اللَّه ولا يخشوا في اللَّه لومة لائم، ولا يحابوا في ذلك كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا، بل يبلغون أمر اللَّه إلى عباد اللَّه كما أنزل اللَّه، وكما شرع اللَّه، وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، فإذا كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر، ويبلغ أمر اللَّه سواك.
فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك، فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ، والأمر والنهي غيرك، فإنه يكون حينئذ في حقك سنة، وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسا في الخيرات، وسابقا إلى الطاعات، ومما احتج به على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عِمرَان: 104].
قال الحافظ ابن كثير وجماعة عند هذه الآية ما معناه: ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم، تدعو إلى اللَّه، وتنشر دينه، وتبلغ أمره سبحانه وتعالى، ومعلوم أيضا أن الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام دعا إلى اللَّه، وقام بأمر اللَّه في مكة حسب طاقته، وقام الصحابة كذلك رضي الله عنهم وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم، ثم لما هاجروا قاموا بالدعوة أكثر وأبلغ، ولما انتشروا في البلاد بعد وفاته عليه الصَّلاة والسَّلام قاموا بذلك أيضا رضي الله عنهم وأرضاهم، كل على قدر طاقته وعلى قدر علمه، فعند قلة الدعاة، وعند كثرة المنكرات، وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم، تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته، وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك، ووجد فيها من تولى هذا الأمر، وقام به وبلغ أمر اللَّه، كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة، لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر اللَّه على يد سواه.
ولكن بالنسبة إلى بقية أرض اللَّه، وإلى بقية الناس، يجب على العلماء حسب طاقتهم، وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم، أن يبلغوا أمر اللَّه بكل ما يستطيعون، وهذا فرض عين عليهم على حسب الطاقة والقدرة.
وبهذا يعلم أن كونها فرض عين، وكونها فرض كفاية، أمر نسبي يختلف، فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص، وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام، لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم.
أمَّا بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة، فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار، حسب الإمكان بالطرق الممكنة، وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، فيجب أن يبلغوا أمر اللَّه بتلك اللغات حتى يصل دين اللَّه إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها، فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق التي تقدم بيانها، طرق الإذاعة والتلفزة والصحافة وغير ذلك من الطرق التي تيسرت اليوم، ولم تتيسر في السابق، كما أنه يجب على الخطباء ـ في الاحتفالات وفي الجمع وفي غير ذلك ـ أن يبلغوا ما استطاعوا من أمر اللَّه عز وجل، وأن ينشروا دين اللَّه حسب طاقتهم وحسب علمهم.
ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى اللَّه عز وجل اليوم أصبحت فرضا عاما، وواجبا على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام، فرض عليهم أن يبلغوا دين اللَّه حسب الطاقة والإمكان بالكتابة والخطابة، وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوا، وأن لا يتقاعسوا عن ذلك، أو يتكلوا على زيد أو عمرو، فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك، والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل، ذلك لأن أعداء اللَّه قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة، للصد عن سبيل اللَّه والتشكيك في دينه، ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين اللَّه عز وجل، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي، وبدعوة إسلامية على شتى المستويات، وبجميع الوسائل ـ المباحة ـ وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب اللَّه على عباده من الدعوة إلى سبيله.
فضل الدعوة
وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات وأحاديث كثيرة:
كما أنه ورد في إرسال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الدعاة أحاديث لاتخفى على أهل العلم، ومن ذلك قوله جل وعلا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33] فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة والثناء عليهم، وأنه لا أحد أحسن قولا منهم، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام، ثم أتباعهم على حسب مراتبهم في الدعوة والعلم والفضل، فأنت يا عبد اللَّه يكفيك شرفا أن تكون من أتباع الرسل، ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33] المعنى: لا أحد أحسن قولا منه لكونه دعا إلى اللَّه، وأرشد إليه وعمل بما يدعو إليه يعني: دعا إلى الحق وعمل به، وأنكر الباطل وحذر منه، وتركه، ومع ذلك صرح بما هو عليه، لم يخجل بل قال: إنني من المسلمين، مغتبطا وفرحا بما من اللَّه به عليه، وليس كمن يستنكف عن ذلك ويكره أن ينطق بأنه مسلم، أو بأنه يدعو إلى الإسلام، لمراعاة فلان أو مجاملة فلان، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، بل المؤمن الداعي إلى اللَّه القوي الإيمان، البصير بأمر اللَّه يصرح بحق اللَّه، وينشط في الدعوة إلى اللَّه ويعمل بما يدعو إليه، ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرح بأنه مسلم وبأنه يدعو إلى الإسلام، ويغتبط بذلك ويفرح به كما قال عز وجل: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ *} [يُونس: 58] فالفرح برحمة اللَّه وفضله فرح الاغتباط، فرح السرور، أمر مشروع.
أمَّا الفرح المنهي عنه فهو فرح الكبر والتعالي، والفرح هذا هو المنهي عنه كما قال عز وجل في قصة قارون: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ *} [القَصَص: 76] هذا فرح الكبر والتعالي على الناس والتعاظم، وهذا هو الذي ينهى عنه ...
أمَّا فرح الاغتباط والسرور بدين اللَّه، والفرح بهداية اللَّه، والاستبشار بذلك والتصريح بذلك ليعلم، فأمر مشروع وممدوح ومحمود.
فهذه الآية الكريمة من أوضح الآيات في الدلالة على فضل الدعوة، وأنها من أهم القربات، ومن أفضل الطاعات، وأن أهلها في غاية من الشرف وفي أرفع مكانة، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام، وأكملهم في ذلك خاتمهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد عليه وعليهم أفضل الصَّلاة والسَّلام.
ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يُوسُف: 108] فبين سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على بصيرة، وأن أتباعه كذلك، فهذا فيه فضل الدعوة، وأن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة، والبصيرة هي: العلم بما يدعو إليه وما ينهى عنه، وفي هذا شرف لهم وتفضيل.
وقال النَّبِيّ الكريم عليه الصَّلاة والسَّلام في الحديث الصحيح: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ » [(2)] رواه مسلم في الصحيح. [(2)]في كتاب الإمارة باب فضل إعانة الغازي في سبيل اللَّه برقم (1893) عن أبي مسعود الأنصاري.
وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا » [(3)] أخرجه مسلم أيضا، وهذا يدل على فضل الدعوة إلى اللَّه عز وجل. [(3)] في كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة برقم (2674) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وصح عنه عليه الصَّلاة والسَّلام أنه قال لعلي رضي الله عنه وأرضاه: «فَوَ اللَّهِ لأَنْ يَهْدِىَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ » [(4)] متفق على صحته، وهذا أيضا يدلنا على فضل الدعوة إلى اللَّه وما فيها من الخير العظيم، وأن الداعي إلى اللَّه جل وعلا يعطى مثل أجور من هداه اللَّه على يديه، ولو كانوا آلاف الملايين، وتعطى أيها الداعية مثل أجورهم، فهنيئا لك أيها الداعية إلى اللَّه بهذا الخير العظيم، وبهذا يتضح أيضا أن الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يعطى مثل أجور أتباعه، فيا لها من نعمة عظيمة يعطى نبينا عليه الصَّلاة والسَّلام مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة، لأنه بلغهم رسالة اللَّه، ودلهم على الخير عليه الصَّلاة والسَّلام، وهكذا الرسل يعطون مثل أجور أتباعهم عليهم الصَّلاة والسَّلام، وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك، فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه. [(4)]متفق عليه في حديث سهل بن سعد الساعدي أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل برقم (3009)، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه برقم (2406).
الأمر الثاني
كيفية أدائها وأساليبها
أما كيفية الدعوة وأسلوبها فقد بينها اللَّه عز وجل في كتابه الكريم، وفيما جاء في سنة نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام، ومن أوضح البينات قوله جل وعلا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125] فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يتصف بها الداعية ويسلكها، يبدأ أولا بالحكمة، والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق، والداحضة للباطل، ولهذا قال بعض المفسرين: المعنى بالقرآن، لأنه الحكمة العظيمة، لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه، وقال بعضهم معناه بالأدلة من الكتاب والسنة.
وبكل حال، فالحكمة كلمة عظيمة، معناها: الدعوة إلى اللَّه بالعلم والبصيرة، والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق، والمبينة له، وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة، تطلق على النبوة وعلى العلم والفقه في الدين وعلى العقل، وعلى الورع وعلى أشياء أخرى، وهي في الأصل، كما قال الشوكاني رحمه الله: الأمر الذي يمنع عن السفه[(5)]، هذه هي الحكمة، والمعنى: أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه، وتزجرك عن الباطل فهي حكمة، وهكذا كل مقال واضح صريح، صحيح في نفسه، فهو حكمة، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة، وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب اللَّه، وقد سماها اللَّه حكمة في كتابه العظيم، كما في قوله جل وعلا: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البَقَرَة: 129] يعني: السنة، وكما في قوله سبحانه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البَقَرَة: 269]، فالأدلة الواضحة تسمى حكمة، والكلام الواضح المصيب للحق، يسمى حكمة كما تقدم، ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس: وهي بفتح الحاء والكاف سميت بذلك، لأنها تمنع الفرس من المضي في السير، إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة. [(5)]فتح القدير ج (1/438) سورة البقرة: [البَقَرَة: 269]{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ}.
فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل، وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به، والوقوف عند الحد الذي حده اللَّه عز وجل.
فعلى الداعية إلى اللَّه عز وجل أن يدعو بالحكمة، ويبدأ بها ويعنى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفا والاعتراض، فتكون دعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ عليه، بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة، وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، هكذا ينبغي لك أيها الداعية، أن تتحمل وتصبر ولا تشدد، لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو، وصبره على المجادلة والمناقشة، وقد أمر اللَّه جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة، قال اللَّه جل وعلا في أمره لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى *} [طه: 44]، وقال اللَّه سبحانه في نبيه محمد عليه الصَّلاة والسَّلام: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عِمرَان: 159] .
فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون الداعي حكيما في الدعوة، بصيرا بأسلوبها، لا يعجل ولا يعنف، بل يدعو بالحكمة، وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث، وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى اللَّه عز وجل.
أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع، كما يأتي بيان ذلك إن شاء اللَّه عند ذكر أخلاق الدعاة، لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة، قول على اللَّه بغير علم، وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر.
وإنما الواجب والمشروع هو الأخذ بما بينه اللَّه عز وجل في سورة النحل وهو قوله سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النّحل: 125]، إلا إذا ظهر من المدعو العناد والظلم، فلا مانع من الإغلاظ عليه، كما قال اللَّه سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التّوبَة: 73]، وقال تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العَنكبوت: 46].
الأمر الثالث
بيان الأمر الذي يدعو إليه
أما الشيء الذي يدعى إليه، ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس، كما أوضحه الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام فهو الدعوة إلى صراط اللَّه المستقيم، وهو الإسلام وهو دين اللَّه الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النّحل: 125].
فسبيل اللَّه جل وعلا: هو الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وهو دين اللَّه الذي بعث به نبيه محمدا عليه الصَّلاة والسَّلام، هذا هو الذي تجب الدعوة إليه، لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان، ولكن إلى دين اللَّه، إلى صراط اللَّه المستقيم، الذي بعث اللَّه به نبيه وخليله محمدا عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو ما دل عليه القرآن العظيم، والسنة المطهرة الثابتة عن رسول اللَّه عليه الصَّلاة والسَّلام، وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، إلى الإخلاص للَّه وتوحيده بالعبادة، والإيمان به وبرسله، والإيمان باليوم الآخر، وبكل ما أخبر اللَّه به ورسوله هذا هو أساس الصراط المستقيم، وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ومعنى ذلك الدعوة إلى توحيد اللَّه والإخلاص له، والإيمان به وبرسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر اللَّه به ورسله، مما كان وما يكون من أمر الآخرة، وأمر آخر الزمان وغير ذلك.
ويدخل في ذلك أيضا الدعوة إلى ما أوجب اللَّه من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك.
ويدخل أيضا في ذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل اللَّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ بما شرع اللَّه في الطهارة، والصلاة والمعاملات، والنكاح، والطلاق، والجنايات، والنفقات والحرب والسلم وفي كل شيء؛ لأن دين اللَّه عز وجل دين شامل، يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد، ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق وعن سيئ الأعمال، فهو عبادة وقيادة؛ يكون عابدا ويكون قائدا للجيش، عبادة وحكم؛ يكون عابدا مصليا صائما ويكون حاكما بشرع اللَّه منفذا لأحكامه عز وجل، عبادة وجهاد، يدعو إلى اللَّه ويجاهد في سبيل اللَّه من خرج عن دين اللَّه، مصحف وسيف؛ يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة، ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه، سياسة واجتماع، فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية، والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم، كما قال جلّ وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عِمرَان:103].
فدين اللَّه يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة، التي تجمع ولا تفرق، تؤلف ولا تباعد تدعو إلى صفاء القلوب، واحترام الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح للَّه ولعباده، وهو أيضا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة، وترك الحكم بغير ما أنزل اللَّه عز وجل كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النِّسَاء: 58].
وهو أيضا سياسة واقتصاد، كما أنه سياسة وعبادة وجهاد، فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط، ليس رأسماليا غاشما ظالما لا يبالي بالمحرمات، ويجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق، وليس اقتصادا شيوعيا إلحاديا لا يحترم أموال الناس، ولا يبالي بالضغط عليهم وظلمهم والعدوان عليهم، فليس هذا ولا هذا، بل هو وسط بين الاقتصادين، ووسط بين الطريقين، وحق بين الباطلين، فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه، حتى جمعوه بكل وسيلة، وسلكوا فيه ما حرم اللَّه عز وجل، والشرق من الملحدين من السوفييت ومن سلك سبيلهم، لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها، ولم يبالوا بما فعلوا في ذلك، بل استعبدوا العباد، واضطهدوا الشعوب، وكفروا باللَّه وأنكروا الأديان، وقالوا: لا إله والحياة مادة، فلم يبالوا بهذا المال ولم يكترثوا بأخذه بغير حله، ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستيلاء على الأموال، والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم اللَّه عليه من الكسب والانتفاع، والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم، وما أعطاهم اللَّه من الأدوات، فلا هذا ولا هذا.
فالإسلام جاء بحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغش والربا وظلم الناس والتعدي عليهم، كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي، فهو وسط بين النظامين وبين الاقتصادين، وبين الطريقين الغاشمين، فأباح المال ودعا إليه، ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة، من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة اللَّه ورسوله وعن أداء ما أوجب اللَّه عليه، ولهذا قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النِّسَاء: 29].
وقال النَّبِيّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ »[(6)]، وقال: «أَلاَ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا »[(7)]، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِىَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّه بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ »[(8)]، وسئل صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب، فقال: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ »[(9)]، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ »[(10)]. [(7)]متفق عليه من حديث جابر بن عبداللَّه أخرجه البخاري في كتاب العلم باب: قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ربّ مبلغ أوعى من سامع برقم (67)، ومسلم في كتاب الحج باب: حجة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم برقم (1218). [(10)] أخرجه البخاري عن المقدام بن معد بكرب في كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده رقم (2072). [(8)]متفق عليه من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب الاستعفاف عن المسألة برقم (1471)، ومسلم في كتاب الزكاة باب كراهية المسألة للناس برقم (1042). [(6)] أخرجه مسلم عن أبي هريرة في كتاب: البر والصلة والآداب باب تحريم ظلم المسلم واحتقاره برقم (2564). [(9)] أخرجه الإمام أحمد من حديث رافع بن خديج (ج4/141).
فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط، لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه، ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال وحرموها أهلها، لم يبالوا بهم واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها، واستحلوا ما حرم اللَّه منها، فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية، وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة التي شرعها اللَّه، وأباحها جل وعلا.
والإسلام أيضا يدعو إلى الأخوة الإيمانية، وإلى النصح للَّه ولعباده، وإلى احترام المسلم لأخيه، لا غل ولا حسد ولا غش ولا خيانة، ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة كما قال جل وعلا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التّوبَة: 71]، وقال جلَّ وعلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحُجرَات: 10].
وقال النَّبِيّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ »[(11)] الحديث، فالمسلم أخو المسلم يجب عليه احترامه وعدم احتقاره، ويجب عليه إنصافه وإعطاءه حقه، من كل الوجوه التي شرعها اللَّه عز وجل، وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا »[(12)]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ »[(13)]. [(11)]متفق عليه في حديث ابن عمر أخرجه البخاري في كتاب المظالم باب لا يظلم المسلم المسلم برقم (2442)، ومسلم في كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم برقم (2580). [(12)]أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره برقم (481)،ومسلم في كتاب البر والصلة باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم برقم (2585). [(13)]أخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في النصيحة والحياطة برقم (4272).
فأنت يا أخي مرآة أخيك، وأنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية، فاتق اللَّه في حق أخيك، واعرف حقه وعامله بالحق والنصح والصدق، وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانبا دون جانب، لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال، ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة، بل خذ الإسلام كله، خذه عقيدة وعملا وعبادة، وجهادا واجتماعا وسياسة واقتصادا وغير ذلك، خذه من كل الوجوه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *} [البَقَرَة: 208]، قال جماعة من السلف معنى ذلك: ادخلوا في السلم جميعه، يعني في الإسلام، يقال للإسلام سلم، لأنه طريق السلامة، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة، فهو سلم وإسلام، فالإسلام يدعو إلى السلم، يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود والقصاص والجهاد الشرعي الصادق، فهو سلم وإسلام وأمن وإيمان، ولهذا قال جلَّ وعلا: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البَقَرَة: 208]، أي ادخلوا في جميع شعب الإيمان: لا تأخذوا بعضا وتدعوا بعضا، عليكم أن تأخذوا بالإسلام كله: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البَقَرَة: 168] يعني: المعاصي التي حرمها اللَّه عز وجل، فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي وإلى ترك دين اللَّه كله، فهو أعدا عدو.
ولهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله، وأن يدين بالإسلام كله، وأن يعتصم بحبل اللَّه عز وجل، وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال، فعليك أن تحكم شرع اللَّه في العبادات وفي المعاملات، وفي النكاح والطلاق، وفي النفقات وفي الرضاع، وفي السلم والحرب، ومع العدو والصديق، وفي الجنايات وفي كل شيء.
دين اللَّه يجب أن يحكم في كل شيء، وإياك أن توالي أخاك لأنه وافقك في كذا، وتعادي الآخر لأنه خالفك في رأي أو في مسألة، فليس هذا من الإنصاف، فالصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم، والموالاة والمحبة رضي الله عنهم وأرضاهم.
فالمؤمن يعمل بشرع اللَّه، ويدين بالحق، ويقدمه على كل أحد بالدليل، ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه، وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، وهكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها، فإنه قد يعذر، فعليك أن تنصح له وأن تحب له الخير، ولا يحملك ذلك على العداء والانشقاق، وتمكين العدو منك ومن أخيك ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
الإسلام دين العدالة ودين الحكم بالحق والإحسان، دين المساواة إلا فيما استثنى اللَّه عز وجل، ففيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والإنصاف والعدالة والبعد عن كل خلق ذميم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *} [النّحل: 90]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحُجرَات: 13].
والخلاصة :
أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله، ولا يفرق بين الناس، وأن لا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب، أو لقبيلة دون قبيلة، أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه، واستقامة الناس عليه، وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان، ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان، جاءت الفرقة والاختلاف، حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى أن لا يصلي مع من هو على غير مذهبه، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي، ولا الحنفي خلف المالكي ولا خلف الحنبلي، وهكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين، وهذا من البلاء ومن اتّباع خطوات الشيطان، فالأئمة أئمة هدى، الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين اللَّه وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم، اختلفوا فيها لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى، فتقول: مذهب فلان أولى بالحق، بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق بكل حال لا يخطئ، (لا) هذا غلط.
عليك أن تأخذ بالحق، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا، وعليك أن لا تتعصب وتقلد تقليدا أعمى، بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم.
ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك، فتأخذ بالحق وترضى به، وترشد إليه إذا طلب منك، وتخاف اللَّه وتراقبه جلَّ وعلا، وتنصف من نفسك، مع إيمانك بأن الحق واحد، وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد ـ أعني مجتهدي أهل السنة، أهل العلم والإيمان والهدى ـ كما صح بذلك الخبر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم[(14)]. [(14)] متفق عليه من حديث عمرو بن العاص أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام باب أجر الحاكم (7352)، ومسلم في كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد برقم (1716)، ولفظه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
المقصود من الدعوة والهدف منها:
فالمقصود والهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به، وينجو من النار، وينجو من غضب اللَّه، وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل إلى نور العلم، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، هذا هو المقصود من الدعوة كما قال جل وعلا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البَقَرَة: 257].
فالرسل بعثوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ودعاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولإنقاذهم من النار ومن طاعة الشيطان، ولإنقاذهم من طاعة الهوى إلى طاعة اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الأمر الرابع
بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة
أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها
أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها، فقد أوضحها اللَّه جل وعلا في آيات كثيرة، في أماكن متعددة من كتابه الكريم ومما ضمنها سبحانه وتعالى:
أولا : الإخلاص، فيجب على الداعية أن يكون مخلصا للَّه عز وجل، لا يريد رياء ولا سمعة، ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى اللَّه يريد وجهه عز وجل، كما قال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يُوسُف: 108]، وقال عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فُصّلَت: 33]، فعليك أيها الداعي أن تخلص للَّه عز وجل، هذا أهم الأخلاق، هذا أعظم الصّفات أن تكون في دعوتك تريد وجه اللَّه والدار الآخرة.
ثانيا : أن تكون على بينة في دعوتك أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يُوسُف: 108]، فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، فاتق اللَّه يا عبد اللَّه، إياك أن تقول على اللَّه بغير علم، لا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به، والبصيرة بما قاله اللَّه ورسوله، فلا بد من بصيرة وهي العلم، فعلى طالب العلم وعلى الداعية، أن يتبصر فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك، سواء كان ذلك فعلا أو تركا، فيدعو إلى الفعل إذا كان طاعة للَّه ورسوله، ويدعو إلى ترك ما نهى اللَّه عنه ورسوله على بينة وبصيرة.
ثالثا : من الأخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية، أن تكون حليما في دعوتك، رفيقا فيها، متحملا صبورا، كما فعل الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام، إياك والعجلة، إياك والعنف والشدة، عليك بالصبر، عليك بالحلم، عليك بالرفق في دعوتك، وقد سبق لك بعض الدليل على ذلك كقوله جلَّ وعلا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125] وقوله سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عِمرَان: 159]، وقوله جل وعلا في قصة موسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى *} [طه: 44].
وفي الحديث الصحيح يقول النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ » [(15)] أخرجه مسلم في الصحيح. [(15)]في كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر برقم (1828).
فعليك يا عبد اللَّه أن ترفق في دعوتك، ولا تشق على الناس، ولا تنفرهم من الدين، ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك، ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار، عليك أن تكون حليما صبورا، سلس القياد لين الكلام، طيب الكلام حتى تؤثر في قلب أخيك، وحتى تؤثر في قلب المدعو، وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها، ويتأثر بها، ويثني عليك بها ويشكرك عليها، أما العنف فهو منفر لا مقرب، ومفرق لا جامع.
ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي بل يجب أن يكون عليها الداعية، العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ باللَّه من ذلك.
أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال اللَّه جلّ وعلا: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ *} [الصَّف: 2-3]، وقال سبحانه موبخا اليهود على أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *} [البَقَرَة: 44].
وصح عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِى النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلاَنُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ » [(16)] هذه حال من دعا إلى اللَّه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ باللَّه من ذلك. [(16)] متفق عليه من حديث أسامة بن زيد أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة برقم (3267)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق باب عقوبة من أمر بالمعروف ولا يفعله برقم (989).
فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية، أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهى عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل، وسيرة حميدة، وصبر ومصابرة، وإخلاص في دعوته، واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس، وفيما يبعدهم من الباطل، ومع ذلك يدعو لهم بالهداية، هذا من الأخلاق الفاضلة، أن يدعو لهم بالهداية ويقول للمدعو هداك اللَّه، وفقك اللَّه لقبول الحق، أعانك اللَّه على قبول الحق، تدعوه وترشده وتصبر على الأذى، ومع ذلك تدعو له بالهداية، قال النَّبِيّ عليه الصَّلاة والسَّلام لما قيل عن «دوس» إنهم عصوا، قال: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ»[(17)]. [(17)]متفق عليه من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب الدعاء للمشركين برقم(937) ومسلم في كتاب فضائل الصحابه باب من فضائل عفا رواه مسلم برقم(2524).
تدعو له بالهداية والتوفيق لقبول الحق، وتصبر وتصابر في ذلك، ولا تقنط ولا تيأس ولا تقل إلا خيرا، لا تعنف ولا تقل كلاما سيئا ينفر من الحق، ولكن من ظلم وتعدى له شأن آخر، كما قال اللَّه جلَّ وعلا: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العَنكبوت: 46].
فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والأذى، له حكم آخر، في الإمكان تأديبه على ذلك بالسجن أو غيره، ويكون تأديبه على ذلك على حسب مراتب الظلم، لكن ما دام كافا عن الأذى، فعليك أن تصبر عليه، وتحتسب وتجادله بالتي هي أحسن، وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى، كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان.
وأسأل اللَّه عز وجل أن يوفقنا جميعا لحسن الدعوة إليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه، والثبات عليه، ويجعلنا من الهداة المهتدين، والصالحين المصلحين، إنه جل وعلا جواد كريم.
وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
فهرس موضوعات
الموضوع الصفحة
مقدمة:.......................................................
المقدمة: ....................................................
الأمر الأول: بيان حكم الدعوة إلى اللَّه عز وجل: .........
* حكم الدعوة إلى اللَّه عز وجل: ...........................
* فضل الدعوة: ..........................................
الأمر الثاني: كيفية أدائها وأساليبها: ..................
الأمر الثالث: بيان الأمر الذي يدعو إليه: ...........
* المقصود من الدعوة والهدف منها: ................
الأمر الرابع: بيان الأخلاق: ............................
فهرس الموضوعات ......................................