التسليم للنص الشرعي والمعارضات الفكرية المعاصرة

التسليم للنص الشرعي والمعارضات الفكرية المعاصرة

التسليم لكلام الله وما صح عن رسوله - صلى الله عليه وسلم- ورد المعارضات الفكرية المعاصرة للفهم الصحيح لنصوص الوحي.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

التسليم للنص الشرعي والمعارضات الفكرية المعاصرة

إعداد

فهد بن صالح العجلان

مركز التأصيل للدراسات والبحوث

المقدمة

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمداً ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه، وبعد:

يسير هذا الإنسان، يغدو ويروح في هذه الدنيا حتى يغادرها وهو يجهل أعظم شيء في هذا الوجود، ويعجز أن يجيب على أهم سؤال في هذه الحياة إلا من هداه الله إلى الإسلام فعرف هدى الله ووحيه: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ} [العصر:1-3].

ويمضي المسلم المعاصر وقد تدفقت عليه أمواج الشبهات والمعارضات من كل جانب، فأصبحت تمر بين عينيه، وتطرق سمعه، وتصارع عقله، وتضغط على قلبه كل حين، تشككه في كل شيء، وتحشد عليه كل ما يزحزح يقينه وإيمانه، وتسعى لتفتح على قلبه كافة منافذ الحيرة والشكوك.

حققت مقاصدها مع فئة قليلة فارتدت على عقبيها، وأوقعت فئة ليست بالقليلة في دوامة الحيرة والاضطراب والشكوك، وأضعفت يقين فئة أخرى، واجتهدت على فئة فما زادها ذلك إلا إيماناً ويقيناً، ﴿ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:54].

فالإنسان ضعيف، عقله ناقص، ودنياه خلابة، وأهواؤه مردية، والفتن في كل مكان، ولا عاصم إلا من عصمه الله، وما دام الإنسان حياً فهو معرض للبلاء، وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من يكثر الدعاء: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"،

ولما سئل عن سبب ذلك قال:

"إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ."

فرحماك ربنا بحال أمثالنا!

فآثار هذه المضلات والشبهات على الناس تجعل المسلم المعاصر بحاجة أعظم إلى كمال الاستمساك بأصل (التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم) فهو ضمان له من أي انحراف أو زيغ أو بعد عن الهدى ليبقى مستقيماً على نعمة الله عليه بهذه الهداية، ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران:164].

يتفاوت المسلمون في تمسكهم بهذا الأصل حسب قوة إيمانهم وانقيادهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيزداد عند أناس ويضعف لدى آخرين، وإن كانوا جميعاً يتفقون على أصل الإيمان بالله، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يقف التمسك بهذا الأصل على مجرد التسليم بصحة كلام الله تعالى في القرآن، وبالقبول بحجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو درجات ومراتب، أكمله وأعلاه تسليم صحابة رسول الله رضي الله عنهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم الناتج عن كمال إيمانهم ويقينهم بهذا الدين، وكلما زاد اليقين في قلب المسلم كمل تسليمه وانقياده لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فالمسلم بحاجة إلى أن يربي نفسه على تعظيم هذا الأصل، وهو ما يستدعي الاجتهاد في بذل الوسائل التي تقوي أسس هذا الأصل وتعمق من ثباته؛ كالقراءة في سير الصحابة والتابعين وتابعيهم من سادة المنقادين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والعناية بإدامة النظر في كلام الله وتفهم معانيه، ودراسة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وتجنب الأسباب التي تضعف هذا اليقين.

ولئن كانت التقنية الحديثة قد شقت ستائر الشبهات فأنتجت عدداً من الانحرافات، فإن إشاعة هذا الأصل الشرعي (التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم) وتعزيزه له أثر عميق وعظيم في تخفيف أثر هذه الشبهات وتقليص ضررها لأنه مفهوم:

سريع التأثير: يجد المسلم نفسه تتقبله ضرورة وتنقاد إليه.

عام التأثير: ينتفع به كل مسلم أياً كان، رجلاً أم امرأة، صغيراً أم كبيراً، عالماً أم غير متعلم، فالجميع مسلمون به بغض النظر عن مستواهم التعليمي أو اتجاههم الفكري

عميق التأثير: لأنه لا يعالج مسألة أو قضية جزئية، بل يتجه إلى إصلاح رؤية الإنسان وعقله الذي ينتج الأفكار ويحكم على الأشياء.

وهذا يستدعي ضرورات ثلاث:

ضرورة إشاعة هذا المفهوم، وشرحه، والاستدلال عليه، وبيان نواقضه، وحث الناس على الاستمساك به بكافة الوسائل الممكنة.

ضرورة إزالة العوائق والإشكالات التي قد تعتري الاستمساك بهذا الأصل لدى بعض الناس، حتى لا يكون هذا سبباً في إضعاف تمسكهم وانتفاعهم به.

ضرورة الاتفاق على هذا الأصل – بعد تحريره – وأن لا يكون محل خلاف ي أو تجاذب أو شك، فربما ظن بعض الناس أن التسليم يراد به حمل الناس على بعض الاجتهادات دون غيرها من الاجتهادات المعتبرة، والتي يراد لمزها بمخالفة التسليم، وهذا الاختلاف يضعف حماس بعض الناس في الدعوة لهذا الأصل وربما وقفوا ضده، ومآلات مثل هذا الاختلاف خطرة على إضعاف هذا الأصل، والواجب أن يكون هذا الأصل محل وفاق لا خلاف، ولهذا فمن الضروري لأجل ضبط الرؤية نحو هذا الأصل التزام أمرين:

العلم: بحدود هذا التسليم وأحكامه، فلا يدخل في التسليم ما ليس منه فيكون سبباً لإضعاف أصل التسليم، كما لا يخرج عن التسليم ما هو منه.

العدل والانصاف: فلا يكون كل خطأ في اجتهاد ما سبباً لأن يتهم صاحبه بمخالفة قاعدة التسليم.

فالعلم بحقيقة التسليم، والعدل والإنصاف مع الناس، هما الميزان الذي يحفظ قوة هذا الأصل، ويحمي من وقوع الاختلاف عليه.

وها هنا سؤالان مهمان يثاران عادة عندما يطرح موضوع التسليم للنص الشرعي:

السؤال الأول:

إن الإنسان حين لا يكون مسلماً فلا يمكن أن تدعوه للتسليم للنص الشرعي، وحين يكون مسلماً فهو مسلم بداهة بالنص الشرعي ولا ينازع فيه، وإنما المنازعة دائماً فيما يتحقق به التسليم للنص الشرعي، فالخلاف إنما يكون في فهم النص وفي الأحكام التي تستمد من النص، ولهذا لا فائدة عملية من العناية والحرص على هذا الأصل.

والجواب عن هذا في الأوجه الآتية:

الأول: أن التسليم للنص الشرعي ليس مجرد الإيمان بأن القرآن كلام الله، وبحجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتفق عليه عموم المسلمين، بل هو التزام وانقياد يتبع كمال الإيمان، فيزداد مع زيادة الإيمان، ويضعف مع ضعفه، فكلما زادت في قلب المؤمن الخشية والتعظيم واليقين زاد تسليمه، وكلما ضعفت ضعف تسليمه وإن لم يخرج عن أصل التسليم.

ولهذا تجد عامة آيات القرآن الكريم التي تنص على لفظة (التسليم) أو تحمل معناها إنما جاءت في سياق خطابها للمؤمنين.

فالتسليم ورد في القرآن في موضعين، كلاهما كانا لخطاب فيه للمسلمين:

﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب:22]

فهم مؤمنون ومجاهدون، ومع هذا فقد ازداد التسليم في قلوبهم.

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65]

فهو خطاب لمن يظهر الإسلام بأن لا بد له من تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم التسليم لحكمه.

وقد نهاهم الله عن خصال تنافي كمال التسليم:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات:1].

﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ﴾ [النور:63].

وأمرهم بسرعة الاستجابة لأمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24].

وإن تنازعوا فيجب تسليمهم لله ورسوله ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59].

﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى:10].

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ﴾ [النور:51].

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب:36].

فهؤلاء مؤمنون ومسلمون، بل من سادة أهل الإيمان (صحابة النبي صلى الله عليه وسلم) ومع ذلك جاء الخطاب إليهم بالانقياد والرضا والتسليم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالخلل في السؤال نشأ من جهة سوء تصور لحقيقة التسليم، فهي ليست قضية معرفية محضة، يتم وزنها بدقة؛ كنتائج المسائل الرياضية، فيعرف الشخص بيقين أنه أصاب أم أخطأ، وهل هو متبع أم غير متبع؟ بل هي مرتبطة بمدى يقين المسلم بدينه، وقوة إيمانه به، وشدة حرصه واجتهاده على معرفة مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمور تتأثر وتتغير وتزداد وتنقص بعوامل كثيرة، وتضعف بسبب الشبهات أو الأهواء أو الإعراض أو غير ذلك، وكل ذلك يستدعي ضرورة العناية بالتأكيد على أصل التسليم الذي يستحث المسلم على بذل الجهد في المحافظة على الأصل وتطهير النفس من كل ما يخالفه.

الثاني: أن أعظم سبب لترك الدين ليس عدم فهمه، بل الإعراض عنه أو ضعف الاهتمام به وبأحكامه، ولهذا قال الله تعالى عن الكفار:

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف:3]

وقال عنهم: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم:7]

وهذا ليس خاصاً بالكفار، فالمسلم قد يقع في ذات الإشكال حين يعرض عن تعلم دينه ومعرفة مراد الله منه، فقاعدة التسليم تعزز في نفس المسلم ضرورة أن يطلب الدليل ويحث عنه ويجتهد في فهم وجه دلالته حتى يحقق مراد الشريعة منه، وإذا ضعف التسليم ضعف طلب المسلم للدليل، وخفيت عليه أكثر الأدلة، وجهل كثيراً من قطعياته بسبب هذا الإعراض، فتعزيز هذا الأصل يقوي إمكانية الوصول إلى الحق بدلائله، والذي يحرم منه من لم يعتن بهذا الأصل.

فهذا الأصل يعالج إشكالية الإعراض التي تبعد الإنسان عن التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان ما يزال مؤمناً لم يخرج عن الإسلام.

الثالث: أن كثرة العوارض والشبهات والإيرادات التي تأتي على قلب المسلم تضعف من درجة تسليمه للنص الشرعي من حيث يشعر أو لا يشعر، فيسهل عليه رفض حكم شرعي أو تأويل نص ما أو تضعيف حديث معين نظراً لعوامل كثيرة تضغط عليه فتؤثر في نتيجة فهمه للنص وإن كان صادقاً في اتباع الدليل، فالخطأ في نفي النص أو تأويله لا يأتي فقط من المكذب للنص والمستخف به، بل يأتي ممن تكاثرت عليه الاعتراضات والشبهات فأصبح يقيم النص بناء عليها، وهذا يستدعي ضرورة التأكيد على أهمية التسليم لله ورسوله

صلى الله عليه وسلم، وإحياء هذه المعاني في النفس حتى يكون حضورها متمكناً في قلب المسلم، فيكون حكمه أقرب إلى الحق وتضعف معه أثر العوارض عليه.

فليس ثم حد فاصل يقطع فيه الإنسان بأن رأيه خال عن الهوى، ومطهر من آثار النقص، وليس ناتجاً عن تفريط في طلب الدليل أو خضوع لشبهة معينة أو ضعف في التسليم، وهذا يستحثه على مزيد عناية بأصل التسليم للنص الشرعي ليزداد المسلم اجتهاداً وبحثاً واحتياطاً.

فالواجب هو "اتباع ما ظهر من الدليل، واتباعه إنما يكون بالاجتهاد الذي يعجز معه الناظر عن الزيادة في الطلب أو يشق عليه مشقة فادحة، ومقدار المشقة غير منضبط، ولهذا كان العلماء يخافون من الفتوى بالاجتهاد كثيراً ويخشون الله؛ لأن مقدار المشقة التي يعذرون معها ومقدار الاستدلال الذي يبيح لهم القول قد لا ينضبط."

الرابع: أن قاعدة التسليم للنص الشرعي تقدم قواعد علمية محددة للتسليم للنص الشرعي، قواعد في ثبوت النص وفي كيفية فهمه، بعضها قد يكون قطعياً أو ظنياً، فالتسليم يقوم على أسس وقواعد يجب الالتزام بها، وقد تخفى على كثير من الناس، أو يخفى عليهم كثير من تفاصيلها، كما أن كل قاعدة من هذه القواعد قد صبت عليها الشبهات والاعتراضات، فلا بد من إظهارها ودفع الإشكالات عنها، وهذا يؤكد الحاجة لمدارسة هذا الأصل وتعزيزه.

الخامس: أن الناس ليسوا سواء في النظر إلى قاعدة التسليم للنص الشرعي، فالاعتراضات التي ترد على التسليم للنص الشرعي تأتي من أصناف عدة، فقد يكون بعضهم غير مؤمن بالوحي أساساً ويتحاشى ذكر ذلك حفظاً لمكانته الاجتماعية والثقافية، أو يكون معرضاً عن الاطلاع على علوم الشريعة مكتفياً بدراسة علوم الثقافة المعاصرة، أو مؤمناً بالنص في الجملة لكنه ينكر بعض النصوص أو يضيق من مساحة الاستدلال بها، أو يكون متهاوناً في تأويل بعض الأحكام بسبب ضغط المفاهيم المعاصرة، أو يقصر في البحث عن الحكم والنظر في الدليل، أو تسربت إليه بعض المفاهيم المخالفة لقاعدة التسليم وإن كان ما يزال مسلماً بالقاعدة، فالتأكيد على هذا الأصل يفيد هؤلاء جميعاً وليست القضية بدهية لديهم.

السادس: أن ثم عوامل معاصرة كثيرة تضغط على المسلم فتدفعه لا شعورياً لتأخير النص الشرعي أو تأويله وإن كان يظن أنه بهذا يحسن صنعاً، فيعتقد بعضهم أن إثبات بعض الأحكام الشرعية سيكون سبباً لردة بعض الناس أو ضعف إيمانهم بالإسلام، أو يحاول تأويل بعض الأحكام التي يجد أن عقلية غير المؤمنين تنفر منها ولا تتقبل الإسلام بسببها، أو يرى أن التمسك بالأحكام هو الذي يحدث الانحراف عنها، أو يرى أن تأويل بعض الأحكام هو الذي يجعل الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان، ونحو هذه العوامل التي تبدو في ظاهرها مقاصد حسنة تسعى لتحبيب الناس بالإسلام وإبعاد ما ينفرهم عنه، وهذا ما يجعل بعض النفوس تطمئن إليها وتشعر بارتياح نحوها، لكنها في الحقيقة تنافي أصل التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتؤكد ضرورة العناية بمزيد التأكيد على هذا الأصل، وإن كانت مقاصد هذه التصرفات حسنة فإن فعلها - يقيناً – ليس بحسن.

السابع: أن من الشائع المعروف من هدي السلف الكرام شدتهم ونفرتهم من الشبهات وأهلها، وتحذيرهم من مجالسها وآثارها في وقائع كثيرة يعز حصرها، ولم يكن ذلك راجعاً إلى ضعف مقدرتهم العلمية أو عجزهم عن الإجابة على هذه الشبهات، فكل هذه إيرادات لا تأتي على عقل من كان مطلعاً على فقه السلف وردودهم على المخالفين، إنما كان هذا المنهج يقوم على ترك واع مبني على إدراكهم لحقيقة التسليم والانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأثر هذه الشبهات في إضعافه والإضرار به، لا من جهة أنها تؤدي إلى تكذيب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فحسب، بل من جهة ما يحصل بها من إضعاف لليقين وجرأة على الأحكام وضعف في العبادة واضطراب في المناهج إلى غير ذلك من الآثار السيئة التي تثمرها البدع في قلب المسلم وإن كان ما يزال مؤمناً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الثامن: أن الاتجاه السائد في الدراسات والمناهج المصادمة للنصوص والأحكام الشرعية أنها تعتمد على ذات النص للتخلص من النص، فالاتجاه إلى رفض النصوص مباشرة وإعلان المحادة التامة لها قد ضعف حضوره كثيراً فما عاد له وجود يذكر نظراً للرفض الشعبي الشديد لمثل هذه الطرائق، فأصبح أشد المنحرفين والمعادين للأحكام الشرعية يقدم نفسه على أنه مجدد وقارئ للنص ومتبع للدليل، وهذا يقتضي ضرورة التأكيد على التسليم للنص واتباع الدليل حتى لا تتسلل مثل هذه المفاهيم إلى قلب المسلم لمجرد أن بحث لها عن مستند شرعي قرر به المعنى الفاسد.

التاسع: لو كان تعزيز هذا الأصل عديم الفائدة أو ضعيف التأثير لما رأيت الاشمئزاز والنفرة منه من ذوي التوجهات المنحرفة البعيدة عن النص الشرعي، فهذه النفرة الظاهرة دليل واضح على أثر إشاعة هذه المفاهيم في حفظ مجتمعات المسلمين من آثار الانحراف الفكري.

وبهذه الأوجه يظهر حاجة جميع المسلمين للعناية بأصل التسليم والانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومراجعة حالهم ومحاسبة أنفسهم في إيمانهم بهذا الأصل، فهو لا يقف عند حد التصديق النظري بكلام الله وحجية سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يرتبط بكمال الإيمان واليقين الذي يزيد وينقص، لهذا فالحديث عن التسليم للنص الشرعي يتجه بشكل رئيسي للمؤمنين بالنص الشرعي، والمعظمين لأحكامه، فهم الذين ينتفعون بهذا الخطاب أكثر.

السؤال الثاني:

ما دام أن الخلاف هو في فهم النص، فدعوة إنسان ما لأحد غيره بالتسليم للنص الشرعي فيه تزكية للنفس، فكأنه الممثل الوحيد للنص ويجب دعوة الناس إلى أن يلتزموا بفهمه للنص حتى يكونوا مسلمين للنص.

وجوابه من وجهين:

الأول: ليس في هذا الأمر تزكية لأحد، ولا أن أحداً أحق بفهم النص ومعرفة الحق من أحد، فمن يدعو أحداً إلى التسليم للنص هو أولى الناس بأن يكون مسلماً للنص وأن يراجع نفسه ويحاسبها على ذلك وأن يحاسبه الناس عليه أيضاً، فالقضية دعوة إلى (عبادة) وحث على (طاعة) ودفع للنفوس للتمسك بأصل شرعي. بل هو تكليف للجميع بأن يستمسكوا بدلائل الكتاب والسنة وأن يجتهدوا في التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأولى الناس بالخضوع لها وصدق الالتزام بها هو من يدعو الناس إليها،

وكما أن المسلم مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوة الناس إلى الخير وليس في هذا تزكية لنفسه أو تبرئة لها من العيب، بل هذا من الامتثال لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بل فيه تزكية للنفس التزكية الحقيقية لكونه قد امتثل أمر الله ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس:9]

فكذلك الدعوة إلى التسليم للنص الشرعي هو جزء من هذا الباب.

الثاني: أن الاختلاف في فهم النص لا يلغي وجود مفهوم للنص، وتنازع الأفهام في معرفة الحق لا يجعل الحقيقة معدومة، فالعبرة ليست في الدعوى بل في البرهان، وفي الدلائل التي يقدمها الإنسان على فهمه، فإن كانت الدلائل صحيحة ومعتبرة كان الفهم معتبراً وإلا كان فهماً غير معتبر، فليست العبرة في وجود فهم له، وإنما في إثبات الدليل على صحة هذا الفهم، وهذا أمر يدركه الناس بداهة، فلو اختلف شخصان في امتلاك سلعة معينة وكل واحد منهما يدعي أنه الأحق بها، فإن المنطق السليم يقتضي أن تطلب منهما البينة والبرهان، لا أن تجعل اختلافهما دليلاً على أن السلعة لا يملكها أحد!

بل إن اختلاف الفهم على النص يقتضي ضرورة العناية بالتسليم لا التهوين منه؛ لأن هذا نص نعرف به مراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن نلغي دليل النص على مراد الله فتحار عقولنا وقلوبنا، ولا أن نقبل كل هذه الأفهام لمجرد أنها أفهام، فليس إلا اللجوء إلى قاعدة التسليم للنص الشرعي ومحاكمة هذه الأفهام لقواعد التسليم.

فالتسليم للنص الشرعي قاعدة يقتضيها الدليل والمنطق العقلي الصحيح، فهذا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دل العقل أنه رسول من عند الله، فكمال التسليم من كمال العقل، فلا بد من اتباعه والسير على هداه للوصول إلى الحق، فهو تسليم واع عقلاني.

إذن: ما المقصود بالتسليم للنص الشرعي؟

وقد تعمدت تأخير السؤال حتى يتضح المقصود من دون الوقوف كثيراً عند المصطلحات، فالنص يطلق بإطلاقات عدة، فيطلق على النص القطعي الذي لا يحتمل غيره، أو ما دل على معنى قطعياً وإن احتمل غيره، أو ما دل على أي معنى كيفما كان، أو على المعنى المرجوح إذا أسنده دليل. ف "معنى النص يراد به ألفاظ الكتاب والسنة سواء أكانت دلالته قطعية أو ظاهرة، ويراد به ما دلالته قطعية لا تحتمل النقيض."

كما يمكن تقسيم النصوص إلى التقسيم المعروف: نصوص قطعية الثبوت والدلالة، ونصوص قطعية الثبوت ظنية الدلالة، ونصوص ظنية الثبوت قطعية الدلالة، ونصوص ظنية الثبوت والدلالة.

والمقصود منها حسب ما قد تم بيانه، اتباع الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء كان قطعياً أو ظنياً، وسلوك المنهج الصحيح في فهم وتفسير دلائل الكتاب والسنة.

وضرورة العناية بأصل التسليم يتطلب أمرين مهمين:

الأول: بيان معناه، وتأصيله، وشرح أدلته، والكشف عن مستنداته العقلية والنقلية التي يقوم عليها.

الثاني: ويتطلب أيضاً العناية بالمعارضات التي ترد على النص الشرعي، والإجابة الإجمالية والتفصيلية عنها، وكشف انحرافها ومخالفتها للدلائل العقلية والنقلية، سواء جاءت هذه المعارضات على ثبوت النص الشرعي أو دلالته أو تطبيقه أو غير ذلك.

وحين تستقرئ هذه المعارضات تجدها معارضات كثيرة جداً، يستحيل حصرها، وكلما بعد الإنسان عن النص كثرت عليه المعارضات، وهي من الابتلاء الذي يمحص الله به المؤمنين.

وقد اجتهدت في اختيار بعض أبرز هذه المعارضات وأرجعتها إلى أصول خمسة أراها مهمة (العقل، فهم النص، الواقع الذي سينزل عليه النص، مقاصد النص، الخلاف الفقهي)، وهي معارضات حاضرة في المشهد المعاصر وإن كان كثير منها يعتبر من المعارضات القديمة.

وقد جعلت الدراسة تقوم على محورين رئيسيين: توضيح معالم التسليم في كل أصل من هذه الأصول يتبين فيها منهج التسليم الواجب، ثم ظاهرة الانحراف في هذه الأصول عن التسليم للنص الشرعي بفعل المعارضات والإشكالات المختلفة.

وهي محاولة متواضعة للمشاركة في تعزيز هذا "الأصل القرآني"، العظيم، عسى الله أن يرزقنا اليقين بكتابه، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الفصل الأول: التسليم للنص الشرعي والمعارضة بالعقل

وفيه مباحث ثلاثة:

المبحث الأول: وظيفة العقل ومكانته في النص الشرعي.

المبحث الثاني: مجالات تسليم العقل للنص الشرعي.

المبحث الثالث: الانحراف بالعقل عن التسليم للنص الشرعي.

لمبحث الأول: وظيفة العقل ومكانته في النص الشرعي

يراد بالعقل في لغة العرب: الحجر والنهي، سمي بذلك لأنه يعقل صاحبه ويمنعه من التورط في المهالك ويحبسه ذميم عن الأقوال والأعمال."

وقد وقع خلاف كثير وواسع بين الناس في المراد بهذا العقل "وكثر الخلاف فيه حتى قيل: إنه فيه ألف قول. ويرجع ذلك لأسباب، منها: اختلاف التصور في حقيقة العقل بين من يجعله صفة في النفس أو جوهرا قائماً بنفسه، وإلى اختلاف المعاني التي يطلق عليها العقل.

فالعقل صفة في الإنسان إذ "العقل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضاً أو صفة، ليس هو عيناً قائمة بنفسها سواء سمي جوهراً أو جسماً أو غير ذلك.

ويراد بالعقل معان عدة ترجع إلى أربعة معان:

الغريزة التي خلقها الله في الإنسان يدرك بها الأشياء، ويميز بها، وهي مما اختص به الإنسان.

العلوم الضرورية التي لا يخلو منها عاقل.

العلوم المكتسبة المستفادة من التجارب.

العمل بالعلم.

وقد جمع أكثر هذه المعاني أبو المعالي الجويني في تعريفه للعقل حين قال: "صفة إذا ثبتت تأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات.

فالعقل ليس جوهراً قائماً بذاته كما كان يتصوره العقل اليوناني القديم، بل هو غريزة خلقها الله في الإنسان توجد معه منذ نشأته، وهذه الغريزة هي التي من خلالها يدرك الإنسان ويعرف، ويستفيد منها فيتعلم بها علوماً كثيرة هي من العقل لأنها نتاج وثمرة العقل.

وهو عقل يزداد نوراً بقدر ما يستفيد الإنسان في حياته، ف "العقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد، والمستفاد بمنزلة النور، فكما أن البصر متى لم يكن له نور من الجو لم يدرك بصره شيئا، فكذلك العقل إذا لم يكن له نور من العلم المستفاد لم تنفعه بصيرته، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40].

وللعقل مكانة جليلة ومنزلة علية في الشريعة الإسلامية، وإدراك مثل هذا ضروري لكل من يعرف الشريعة أصولها وفروعها، فلم يكن (للعقل) أي إشكال مع النص الشرعي، ولم يكن معارضاً ولا مناقضاً له، وإنما أحدثت مشكلة العقل حين جاء من أساء إعمال العقل فحرف ورد الشرع، فكانت الإشكالية مع هذا (العقل الموهوم) الذي لم يكن في الحقيقة عقلاً صحيحاً مستقيماً، فإشكالية (العقل والنقل) لم تنشأ إلا لما دخل الهوى في العقل فوجد نفسه في جهة مقابلة للنص.

ويمكن بيان هذه المكانة الشرعية للعقل في المقومات الآتية:

أولا: أن العقل دليل موصل إلى الله، ومقبل بصاحبه إلى الإيمان به والخضوع تحت حكمه وطاعة رسله، فالله سبحانه وتعالى خاطب الناس جميعاً ودعاهم لأن يعملوا عقولهم التي ستدعوهم إلى الإيمان برسله، فينظروا ويتفكروا ويتدبروا كما قال تعالى: { قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس:101].

﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ [آل عمران:191].

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ} [الروم:42].

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سبأ:46].

وذمهم لتركهم الاستفادة من عقولهم التي وهبهم الله فقال سبحانه: ﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة:171] {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت:63]. وهي نعمة سيأتي عليهم زمان يسكبون عليها الحسرات، ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [الملك:10].

ولذا، تكررت مفرد (العقل) بمشتقاتها في القرآن حتى بلغ عددها 49 مرة .

وفي القرآن ذم شديد للهوى؛ لأنه يهوي بصاحبه عن اتباع الحق، فيرى دلائل الحق وبراهينه ساطعة أمام عقله لكن هواه وشهوته وجاهه وأهله وتقليده لآبائه تقف حائلا دون هذا، {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [الروم:29].

وقد دعاهم القرآن إلى النظر العقلي الصحيح: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة:111] {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} [يونس:68]

وهو خير لهم من اتباع الظنون الكاذبة التي لا تقوم على عقل، ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا﴾ [النجم:28].

ليس هذا فحسب، بل في القرآن ذكر لكثير من الدلائل العقلية والحجج البرهانية التي تهدي العقل وترشده ليعرف خالقه ويعبده، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون:115] ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:17] ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ [الطور:35] {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57].

وحفظاً لهذا العقل ولضمان أن يكون دالاً على الحق جاءت الشريعة بالحث على العلم {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114] وقال سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9] فالثناء على العلم جزء من تقدير العقل؛ لأن العلم نور وخير وهدى يملأ العقل ويبصره ويهديه لكل خير، فالإنسان يزداد بالعلم عقلاً ونوراً.

ولأجل أن العقل موصل إلى الله، وأن الإنسان يعرف الله بعقله علقت الشريعة التكليف بالعقل، فمن فقد العقل بالكلية خرج عن التكليف، ولا يبدأ الحساب والعقاب في التكليف الشرعي إلا بعد اكتمال عقل الإنسان ووصوله إلى مرحلة يكون قادراً على فهم الخطاب ومعرفته وهي مرحلة البلوغ، فما كان قبل البلوغ فهو خارج عن التكليف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق."

فالعقل دليل وهاد إلى الله، فهو مخلوق يهدي إلى خالقه، كما أن السماء والأرض مخلوقات تشير إلى خالقها، فالعقل مخلوق يهدي إليه، ولا يمكن لهذا المخلوق أن يكون دالاً في الحقيقة إلى مخالفة ما أنزل الله.

ثانياً: أن المحافظة على العقل من الضرورات الشرعية: فمن المكانة العظيمة للعقل أن جعلت الشريعة المحافظة على العقل من مصالحها الضرورية الأصلية، فحفظ العقل معدود من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالعناية بها كما تضافر العلماء على نقله وتأكيده والاستدلال عليه، وهي: (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) وهي ضروريات استخلصها العلماء من استقراء كلي لفروع ونصوص الشريعة، خلصوا به إلى أن هذه الأمور قد جاءت الشريعة بحفظها وتقريرها حتى وصلت إلى مرتبة الضروريات، وهي أعلى مراتب الأحكام والمقاصد الشرعية.

والمحافظة على العقل هنا محافظة عليه في الوجود بأن يسعى إلى ما يقيم أركانه ويحفظ وجوده، ومحافظة عليه من العدم بمنع ما يدرأ عنه الاختلال من الواقع أو المتوقع.

فحفظ العقل يكون ببذل الأسباب التي تحفظه وتقوي أركانه كنشر العلم.

ويكون من جهة أخرى بمنع الأسباب التي تؤدي إلى إفساده؛ كالمسكرات والخرافات والجهل والسحر والاعتداء عليه وكل ما يضر به فيؤدي إلى مفسدة في دين الناس أو دنياهم.

ثالثاً: أن إعمال العقل جزء من أحكام الشريعة: فالتعقل وإعمال العقل حكم شرعي، وتعطيله تعطيل لجزء من أحكام الشريعة، ففي القرآن الأمر بالبرهنة: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ﴾ [البقرة:111] وهو عمل عقلي، وفيه الأمر بالتعقل: ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران:65]، وفيه الحث على التدبر والتفكر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ﴾ [النساء:82].

فمن يهمل هذه الأحكام فهو معطل لما أمر الله به، فيكفي العقل شرفاً وقدراً أن يكون إعماله حكماً من أحكام الله، ومقصداً من مقاصد الشريعة.

رابعاً: معرفة قبح الأشياء وحسنها: فمن مكانة العقل أن الله جعله قادراً على معرفة ما هو حسن أو قبيح من الأشياء، وهذه مسألة التحسين والتقبيح العقلي الشهيرة، والتي دار على رحاها عراك فكري عنيف وقديم بين الأشاعرة والمعتزلة، غلت في نفيه الأشاعرة حتى جعلوا العقل لا يعرف حسن الشيء ولا قبحه، وإنما إدراك ذلك والثواب عليها يعرف بالشريعة فقط، وغلت المعتزلة في إثباته فجعلت إدراك الشيء ومعرفة ثوابه وعقابه مستنداً إلى العقل.

وتوسط أهل الحق ففرقوا بين حسن الأشياء ووقوع الثواب والعقاب عليها، فالعقل يدرك حسن الأشياء وقبحها لكن وقوع الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد الرسالة {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]، كما أن إدراك العقل للحسن والقبح ليس إدراكاً كلياً كافياً بل لا يستغني العقل عن هداية الشريعة في إدراك كثير من التفاصيل التي لا يدركها وإن أدرك أصول المصالح والمفاسد."

خامساً: أن العقل هو أداة فهم الشريعة:

فالمسلم لا يمكن أن يفهم الشريعة إلا من خلال العقل، فالعقل هو أداة الفهم التي يعرف بها المسلم كيف يقرأ النص وكيف يفهم مراد الله، ودور العقل في فهم النص تجلى في أمور:

فهم النص ابتداء:

فالمسلم مكلف أن يتبع مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [القصص:65] والمسلم إنما يفهم مراد الله من خلال فهم النص بعقله وإدراكه، فإن تعطل هذا الإدراك سقط التكليف، وهذا الفهم يتطلب معرفة معنى اللفظ ودلالاته وكل ما يحتاج إليه من أجل فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا لا يكون إلا بالعقل، وقد كان مقرراً بوضوح لدى فقهاء الإسلام، ولهذا قالوا عن العقل: (مدرك للحكم) وهو (آلة العارف)."

ووظيفة العقل في فهم النص ليست مطلقة، بل مقيدة بقيود تضمن دقة وصول العقل إلى النتيجة، فهي قيود يقرها العقل نفسه، فلأن العقل يؤمن بأن هذا نص شرعي واجب الاتباع، فيجب أن يكون فهمه منطلقاً من فهم حقيقة النص، فهو يفهم النص، وهو يستحضر خاصيته في كون الفهم والإعمال العقلي مبنياً على هذا الأصل، فيجب فهم هذا النص من خلال اللغة التي جاء بها، ويراعى فيه نظم الكلام، ويلتزم فيه بمقاصد الشريعة التي يكون هذا النص أحد أجزائها."

معرفة العلل والمصالح والحكم والمقاصد التي جاءت بها النصوص والدلائل الشرعية:

وهذا إنما يعرف بإعمال عقلي للدلالات لاستخراج هذه العلل، واستقراء عقلي لمعرفة المقاصد والمصالح الشرعية، وهذه كلها تحتاج لجهد وعمل عقلي ظاهر، والشريعة جاءت بما فيه مصالح الناس في دينهم ودنياهم، وحتى عند القائلين بأن أحكام الشريعة غير معللة، فإنهم عملياً يؤمنون بالعلل والمصالح وإن أطلقوا عليها أمارات لا علل، فهم لا يخالفون أن استقراء الشريعة يدل على أنها وضعت لمصالح العباد ، والإنسان إنما يدرك هذه المصالح بعقله، فهو دليله لمعرفة هذه المصالح، فمعظم المصالح تعرف بالعقل، ولا يخفى على عاقل أن تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسن.

وكون العقل يدرك هذه المصالح لا يعني أن يكون العقل مستغنياً بها عن الوحي؛ لأن العقل إنما يدرك كثيراً من هذه المصالح من خلال استهدائه بنور الله ف"العقل شرط في معرفة المعلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار.

وكذلك من خلال العقل يعرف المسلم سياق النص، وسبب نزوله، والظروف التي تحفه مما يؤثر في فهم الحكم الشرعي، وبالعقل يستصحب حكم النص حتى يرد ما يعارضه، فيستصحب حكم العموم حتى يرد المخصص، وحكم الإباحة فيما أصله الإباحة حتى يرد ما يمنع.

ومن خلال العقل يتم إدراك المصالح الدنيوية وما يصلح أحوال الناس ويقيم معاشهم ويدفع الضر عنهم، ومن خلاله يتمكن المجتمع من تقوية أحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وكافة قضاياه، وهذه المصالح مهمة وهي جزء أحكام من الإسلام؛ لأن كل ما ينفع الإنسان ويحقق مصالحه فهو مطلوب شرعاً، كما أن فيها ما هو من الفروض الكفائية لكونه محققاً لعدد من المقاصد الشرعية.

ومصالح الدنيا تعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرة ، وكلها تعتمد على العقل.

دفع ما يظهر من تعارض بين النصوص:

فبعض النصوص تكون دلالتها قطعية لا تحتمل أي تأويل أو مخالفة حكم آخر، غير أن ثم من النصوص ما قد يظهر لبعض الناس أنها تعارض نصوصاً أخر، فهنا لا بد من دفع التعارض بين هذه النصوص من خلال منهجية عقلية بديعة قررها العلماء وأطالوا في بيان وتحديد مراتبها، من تقديم الجمع أو النسخ – على خلاف بين الحنفية والجمهور-ثم الترجيح، والنظر في دلالة النص من عموم وخصوص أو إطلاق وتقييد وغير ذلك من طرائق أهل العلم التي تعتمد على مناهج وطرق عقلية، ذلك أن النصوص متكاملة يصدق بعضها بعضاً، ولا يمكن أن يظهر فيها تعارض أو تناقض ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء:82] فمبدأ عدم التناقض مبدأ عقلي بدهي متفق عليه، لا يمكن أن يقع شيء منه في النصوص لأنه يناقض عصمة الرسالة وإلهية مصدرها.

تنزيل النص على الواقع:

فإعمال النصوص في الواقع يحتاج لجهد عقلي حتى يستطيع الإنسان معرفة دخول هذه الواقعة في حكم النص، وهو من تحقيق المناط عند الأصوليين، كما يجتهد في فحص الواقع ليتحقق من خلوه من الأوصاف التي قد يترتب عليها اختلاف الحكم، كما يتحقق العقل من وجود المصلحة والعلة والمقصد حال التطبيق في الواقع.

النظر في مآلات الأحكام:

فأحكام الشريعة جاءت على الكمال في جلب المصالح ودفع المفاسد، وحين يكون في بعض الأفعال على الواقع ما هو مخالف لمقصود الشريعة فإنه يجب مراعاته، سواء في سد الذرائع أو منع الحيل أو فتح الذرائع، وهي أحوال مراعاة مآلات الفعل على الواقع لمنع وقوع ما يخالف مقصد الشارع، وهذه كلها تحتاج لنظر واجتهاد عقلي بصير.

معرفة درجة الحكم الشرعي:

من حيث كونه قطعياً أو ظنياً، متفقاً عليه أم ثم خلاف في دلالته، وكل هذا إنما يدرك بالعقل والنظر في هذه النصوص، وهذا النظر له أثره في الحكم، فالحكم الذي يدرك بالقطع ليس كالذي يدرك بالظن، والأحكام التي بينها الله وأظهرها حتى صارت من القطعيات أو من المعلومة من الدين بالضرورة ليست كالأحكام التي جاء بيانها بأقل من ذلك.

البحث والسؤال عن الحكمة والغاية من التشريع:

فمعرفة حكمة الشرع مما يزيد المؤمن إيماناً وتعظيماً وتسليماً وانقياداً، والشريعة جاءت بأعظم المصالح وأكمل الغايات التي تحقق مصالح الناس في دينهم ودنياهم، فمعرفة حكمتها وغايتها مما يقوي الإيمان بها، فالبحث عن الحكمة عمل عقلي يثمر الإيمان والتقوى ويحصل به أيضاً طمأنينة العقل وتصديقه، فهو أمر مشروع وقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمة بعض الأعمال كما سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "لم نعطي الدنية في ديننا؟"

وفي القرآن بيان لحكم وعلل كثيرة كقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم } [الحشر:7]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183] وفي السنة بيان لها أيضاً كقوله صلى الله عليه وسلم لحكمة الاستئذان: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر." وقوله صلى صلى الله عليه وسلم في نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ذلك بأن ذلك: "من أجل الدافة" وغيرها .

والبحث عن الحكم والعلل والغايات لا ينافي التسليم والانقياد للشرع؛ لأن الشريعة منزلة من عند الله، وقد جاءت بأكمل العلل والغايات، فلا بد أن تكون هذه الأحكام على أكمل هذه العلل، غير أن المسلم لا يمكن أن يدرك هذا كله، أو يمكن أن يدركه لكن بعد جهد وبحث وقراءة وسؤال، أو يدركه بعد وقت وزمن، أو يكون مدركاً عند غيره، وهذا ما يؤكد ضرورة التسليم للحكم الشرعي وإن لم يدرك المسلم تفاصيل هذه الحكم، فعدم فهم الحكمة لا يعني انعدام الحكمة، فلا شك أن الشريعة جاءت بغاية الحكمة لكن لا يلزم أن يدركها جميع الناس، وكما أن الناس يتفاوتون في إدراك أحكام الشريعة فهم يتفاوتون في إدراك حكمها ومقاصدها.

سادساً: رحمة الله بالعقل:

ومن أعظم التكريم الشرعي للعقل أن رحم الله هذا العقل فعلم حاجته ونقصه فأكرمه بالوحي الذي يرشده ويهديه، فعقل الإنسان مخلوق يعتريه ما يعتري أي مخلوق في هذا الكون، فهو ناقص لا يدرك كل شيء، ضيق لا يحيط بالأمور كلها، يعتريه الهوى والشك والتردد، كما أن ثم مجالات كثيرة هي خارجة عن محيط رؤيته ولا يمكن أن توزن بميزانه، بل حتى هذه الروح التي بين جنبي هذا الإنسان ولا يقوم إلا بها لا يستطيع العقل أن يعرف ماهيتها، ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء:85].

هو عقل يتأثر بالعاطفة، وباللحظة الراهنة، وبمعطياته المتوفرة، فجاء الوحي ليدل هذا العقل ويهديه ويقومه ويسدده، فيكشف له ما خفي عنه من علوم الغيب، ويخبره عن ما جهله من خفايا حال الإنسان قبل وجوده وبعد وفاته، فمن مكانة العقل في الشريعة أن رحمه الله وأكرمه بالوحي الذي يحفظه ويحميه، فلا يتيه في ضلالات وظلمات لا يمكن أن يجد فيها نوراً بدون هذا الوحي، فقد خلقه الله ورحمه كما رحم بقية خلقه، فإن "العقل حذر ووقاف لا يفكر كثيراً في الاقتراب، بل هو أميل إلى التسليم والإذعان الكامل للنصوص؛ لأنه علم واستيقن أن فهم ما وراء المتشابهات والمساحات المحظورة أمر أكبر من مكنته وأبعد من طاقته، كما أنه بالنظر والاستقراء يعلم أن الشرع يستحيل أن يأتي بما يضر أو يخالف ويدري جيداً أن العقل والقلب إنما يسيران في فلك واحد" .

ذلك أن "الإنسان محكوم أولاً بطبيعته، طبيعة أنه مخلوق حادث ليس كلياً ولا مطلقاً، ليس أولياً ولا أبدياً، ومن ثم فإن إدراكه لا بد أن يكون محدوداً بما تحده به طبيعته، ثم هو محدود بوظيفته، وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق معنى العبادة لله فيها، ومن ثم فقد وهب من الإدراك ما يناسب هذه الخلافة بلا نقص ولا زيادة، وهناك أمور كثيرة لا يحتاج إليها في وظيفته هذه ومن ثم لم يوهب القدرة على إدراكها إدراك ماهية أو إدراك كيفية وإن كان موهوباً أن يدرك إمكانها".

ومن تكريم العقل ورحمة الشريعة به أن تجاوزت الشريعة عن خطأ العقل الذي يصدر من المسلم المنقاد لله ورسوله بعد اجتهاده وبذله للوسع، فهذا المجتهد يدور بين الأجر والأجرين، ولن يحرم بسبب خطئه من الأجر، فهذه سعة في الشريعة ورحمة للإنسان وعقله؛ لأنه عقل قاصر، والإنسان ضعيف، والأهواء كثيرة، فإذا اجتهد المسلم وبذل غاية وسعه فأخطأ فهو معفو عنه؛ لأن العقل والفهم قد يضل ويخطئ، لكن لا يعفى عنه حين يقصر في طلب الحق أو يفرط فيه لأجل مال أو شهوة عاجلة أو نحو هذا مما يرجع إلى هوى وشهوة وتفضيل لعاجل الدنيا وليس إلى بحث واجتهاد صادق.

المبحث الثاني: مجالات تسليم العقل للنص الشرعي

يعرف العقل قدره ومكانته، يعرف أن من العقل أن يتبع من خلقه، وأن ينقاد لمن يعلم ماضيه وحاضره ومستقبله، فكمال التسليم لله هو من كمال العقل؛ لأن الإنسان يعرف بعقله أن الله هو الخالق العليم الخبير، فإن أخبره بشيء فهو أعلم، وإن أمره أو نهاه فهو أحكم، فالتسليم له اتباع للعقل، ومن مجالات التسليم العقلية للنص الشرعي:

التسليم للمغيبات:

من صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، فهو امتحان حقيقي لصدق إيمانهم وتسليمهم لله ورسوله ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:3].

والغيب هو ما غاب عنا، غاب عن شهود العباد، ولا يوجب هذا أن يكون مما لا يمكن إحساسه بل كلها مما يمكن إحساسها ولكن ليس في هذا العالم المشهود الآن .

فالغيب أنواع ثلاثة:

فمنه ما هو إضافي نسبي مثل ما يغيب عن حواسك لكن يدركه غيرك، ومثل ما يغيب عن الجميع في الحياة الدنيا لكنه يدركه في حال البرزخ والقيامة.

ومنه ما يمكن قياسه وتجربته لأنه في متناول العقل؛ كالعلم بمنازل الشمس والقمر والكسوف ومعرفة حال الجنين بقياس حركته، ونحو هذا مما قد يغيب عن عالم الشهادة لكن يمكن أن يكون داخلاً فيه حين تتهيأ الأسباب لذلك.

ومنه غيب حقيقي قد استأثر الله بعلمه؛ كموعد قيام الساعة.

فعقل الإنسان لا يحيط بالغيب، لكنه لا ينفيه ولا ينكره، بل الدلائل العقلية على وجوده كثيرة، فالعقل الصحيح من يعرف وجود الشيء لوجود الدلائل عليه، ولا يجعل الإدراك الحسي المادي هو الدليل الوحيد لمعرفة وجود الأشياء، فالإدراك الحسي وسيلة لكنه ليس السبب الوحيد، وليس من العقل والمنطق الصحيح أن ينكر الإنسان الشيء لمجرد أنه لا يحس بوجوده مادياً، خاصة أنه يؤمن بوجود أشياء كثيرة في واقعه مع أنه لا يحس بها، فإنكار الغيب بناء على عدم إحساس الإنسان به منطق جهل وعماية، فالغيب لا يكون إلا غائباً، فحقيقته أن يكون غائباً عن حس الإنسان، فكيف يحاكم وينفى لأنه ليس محسوساً؟

والحقيقة أن الإيمان بالغيب شيء فطري في كيان الإنسان، فالإنسان لا بد أن يؤمن بالغيب، لا تنفك نفس الإنسان من مغيبات يؤمن بها، فإن لم يؤمن بالغيب الحقيقي الذي جاء به الوحي ودلت على اعتباره الدلائل العقلية فإنه لا بد أن يؤمن بالخرافات والظنون الكاذبة، وهو ما يفسر لك أن بعض المجتمعات التي تدعي العقلانية فتغلو في المادية وتنفي الإيمان والوحي تنتشر فيها الخرافة والسحر والدجل والشعوذة.

والعقل السليم يعرف أن الغيب حاضر في وجدانه يقيناً، وأن ثم أسئلة ملحة وضرورية تسكن في قلب كل إنسان وعقله، ثلاث أسئلة ملحة للإنسان تقول له: من الذي أوجدني؟ وما غاية الوجود؟ وإلى أين المصير؟

هذه الأسئلة لا يمكن للعقل الضعيف أن يجيب عنها بمفرده، الوحي ينقذ هذا العقل من كارثة الإجابة المنفردة عن مثل هذه الأسئلة التي لا يملك في موازينه قدرة على الاستفراد في الجواب عنها، وبقاؤها بدون جواب رمي للإنسان في دوائر الحيرة والاضطراب التي تحرق قلبه وعقله.

التسليم للأخبار الشرعية:

سواء كانت قصصاً أو أخباراً ماضية أو تنبؤات للمستقبل أو أحوال القيامة والغيب أو صفات الله تعالى، فكل ما جاء من الأخبار في كلام الله أو كلام نبيه صلى الله عليه وسلم فهو حق وصدق، يجب التسليم لها بقبولها وتصديقها التصديق المطلق.

التسليم للأوامر والنواهي الشرعية:

فيؤمن الإنسان بهذه الأوامر والنواهي، ويجتهد في القيام بها، فلا بد من تصديقها، ولا بد من العمل بها أيضاً، كما يجتهد المسلم في البحث عن هذه الأوامر حتى يلتزم بها، والنواهي حتى ينتهي عنها؛ لأن هذه الأوامر والنواهي إنما هي لمصلحة الإنسان في دينه ودنياه، فمعرفة الإنسان لها ضروري حفظاً لمصالحه الدنيوية والأخروية.

التسليم بالأحكام التعبدية:

فالأحكام الشرعية لها حالان، منها ما كان معناه معقولاً راجعاً لمصالح معلومة، ومنها ما لم يدرك معناه وهو التعبدي، فالمؤمن يتبع الشريعة ويسلم لها في كلا الحكمين.

والأصل في العبادات التعبد وعدم الالتفات إلى المعنى، والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني.

فإذا وجد التعبد في العادات فلا بد من التسليم والوقوف مع النص مثل تحديد مكان الذبح والفروض في المواريث. وعلة التعبد مجرد الانقياد، وأما التعبد في العادات فالمقصود ضبط وجوه المصالح إذ لو تركت للناس لحصل الاضطراب. حتى ما ثبت فيه اعتبار المعاني فلا بد فيه من التعبد لأن كل حكم شرعي فلا بد فيه من حق لله .

فالحكمة التعبدية هي ما تكون الحكمة فيه التعبد والانقياد لله تعالى، وهي الأصل في العبادات غير معقولة المعنى، فحكمتها تعبدية لا يمكن للعقل بمفرده أن يهتدي إلى معرفة كيفية هذه العبادات، ولو لا الوحي لما عرف الإنسان بعقله كيف يعبد الله، فالعقل قاصر عن الدلالة إلى هذه العبادات، غير أن هذا لا يعني أن حكمتها مخالفة للعقل، ولا أن العقل لا يفهم حكمتها، فالعقل يدرك أهمية العبادة للإنسان، ويفهم أن العبادة إنما تكون حسب ما يريد المعبود من عبده، فالمسلم يصلي كما يريد الله منه، فيتوضأ قبل صلاته، ويصلي ركعتين أو ثلاث أو أربع ركعات في أوقات محددة وإلى جهة معينة وبطريقة محددة، ويمسك عن الطعام والشراب في زمن ما، أو يذهب لأداء عبادات معينة في وقت ومكان محدد، وكل هذا مما يدل عليه العقل ويهديه، فلا يقال فيها: إن العقل لا يفهمها فضلاً أن يقال: إن العقل يعارضها، وإنما معنى كونها تعبدية أن المعنى فيها لأجل العبادة والامتثال لأمر الله ولا يمكن للعقل أن يصل إليها لو لا الوحي.

رفض التسليم لأحد سوى الله:

العقل الذي هدى الإنسان إلى الله ودله على الوحي والشرع، لا يمكن أن يدله إلى غير الله، فكما أن العقل يهدي إلى الله فهو في نفس الوقت يرفض أن يكون ثم أحد له ما لله من حقوق، فالعقل الذي يهدي إلى الله يهدي الإنسان لأن لا يشرك مع الله أحداً، ولا يعامل أحداً كما يعامل الله، ولا أن تكون لأي مصلحة أو عقل أو ذوق أو هوى أو إنسان مهما كان، لا يكون له ما لله، فلا تسليم إلا لله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65]؛ فالشرك أعظم الظلم وأعظم الضلال، وليس العقل الذي يقع فيه إلا عقلا تائها.

فمن التسليم لله أن لا يسلم الإنسان لأحد سواه، فلا يجعله لقول أحد من المقام والمنزلة ما لقول الله تعالى، ولا ينزل أحدا منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاتباع والتشريع والعصمة، فالتسليم لله يكون بالانقياد له وعدم الانقياد لأحد سواه.

التسليم للمصالح والمفاسد والمعاني والحكم الشرعي:

فالشريعة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد، فالمؤمن يسلم بالمصالح التي جاءت بها الشريعة، ويؤمن بدرء المفاسد التي جاءت بها، ويؤمن بالعلل والحكم التي تضمنتها النصوص.

فالمؤمن يسلم للشريعة، لأحكامها وحكمها، لما عقل معناه ولما لا يعقل معناه؛ لأنه مؤمن أنها من عند الله، فيؤمن أن التسليم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم هو خير له من رأيه وعقله.

قال سهل بن حنيف: "اتهموا الرأي، فقلد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت والله ورسوله أعلم." وقد ظهرت حكمة الأمر النبوي بعد ذلك فظهر للصحابة جميعا كيف كان صلح الحديبية فتحا وخيرا لهم.

لهذا فالمؤمن يسلم لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى ما لم يدرك حقيقة معناه مما يقصر العقل عن الوصول إليه، فيكون حاله حينها حال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قبل الحجر الأسود وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو لا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".

المبحث الثالث: الانحراف بالعقل عن التسليم للنص الشرعي

من أحب أن يقدر العقل حق قدره فليضعه في مقامه الحقيقي، حيث يكون العقل مخلوقاً لله تعالى، يعمل في الفضاء الذي يحسن ويتقن العمل فيه، ولا شيء أكبر ظلماً للعقل من أن يحرف بالعقل عن طريقه الصحيح وأن يحمل من الأعباء ما لا يحتمل، فمن العقل أن يكون العقل لصيقاً بالنقل وتابعاً للوحي، وبقدر ما ينحرف العقل عن هذا المسار بقدر ما يحل عليه الشقاء والاضطراب.

ومعارضة النصوص بالعقل لم تنشأ إلا بعد عصر الصحابة وكبار التابعين، "ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص."

ف "هل كان في الصحابة من إذا سمع نص رسول الله عارضه بقياسه، أو ذوقه، أو وجده، أو عقله، أو سياسته؟! وهل كان قط أحد منهم يقدم على نص رسول الله عقلا، أو قياسا، أو ذوقا، أو سياسة، أو تقليد مقلد؟! فلقد أكرم الله أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله أو يكون في زمانه."

فالعقل ليس مقابلا للنقل يقف هو وإياه في طرفين متقابلين يختار المسلم أيهما يقدم؟! ف "يبقى أن الدين والعقل ليسا ندين، فأحدهما من الآخر وأشمل، وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذي يرجع إليه الآخر والميزان الذي يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته ويصحح به اختلالاته وانحرافاته، فبينهما ولا شك توافق وانسجام ولكن على هذا الأساس، لا على أساس أنهما ندان متعادلان وكفو أحدهما تماما للآخر، فضلا على أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع وإنما هو مثال."

ولقد عانى العقل قديما وحديثا من طرائق عدة تسعى لإبعاده عن طريقه الصحيح زاعمة أنها تريد أن تعلو بالعقل وتصعد به، فجاءت أشكال الانحرافات الآتية:

أولا: تقديم العقل على النقل:

وهذه هي أم شبهات هذا الباب، وهي القواعد التي تجري على لسان كل من في قلبه شك أو ريب من أي نص شرعي، وكلما ضعف التسليم والانقياد لله ورسوله عظمت هذه القاعدة، وقد تولى كبرها المتكلم الأصولي الشهير الفخر الرازي فشرحها وفصلها وجعلها برهانا سارت به الركبان بعده، وصاغها قانونا قال فيه: "الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق والنقيضين وهو محال، وإما أن نبطلهما فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن نكذب الظواهر النقلية ونصدق الظواهر العقلية، وإما أن نصدق الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية."

فما زال صدامها يتكرر من ذلك التاريخ وحتى هذا اليوم، رددت كثيرا وما تزال تتردد:

"اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل."

وقال آخر: "لو تعارض نص وعقل أو علم صحيح أول النص وأخذ بحكم العلم أو العقل."

وقال ثالث: "يجب تقديم العقل على ظاهر الشرع."

وما تزال هذه الشبهة تتكرر وتعاد وتشرح في كل عصر حتى أصبح بعض الناس يظنها قاعدة قطعية ومتفقاً عليها، أو على الأقل قول جمهور الأمة لما يرى من انتشارها وكثرة ذكرها.

وقد سل لها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قلمه ولسانه فبسط فيها القول حتى فكك بناءها وأزال إشكالياتها وعالجها علاجاً عميقاً بديعاً في رسالته العظيمة (درء تعارض العقل والنقل)، وهي في الحقيقة ليست رداً لهذه الشبهة فقط، بل فيها تأصيل وتقرير لمنهجية التعامل مع النص الشرعي والموقف الصحيح من المعارضات التي توجه إليه؛ لأن هذا الدليل (تقديم العقل على النقل) في حقيقته دليل مركب مبني على أصول ومقدمات فاسدة دفعت قائلها إلى تبني هذا الخيار في التعامل مع النص الشرعي.

ويمكن تلخيص وتهذيب ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في العناصر الأتية:

أولاً: النظر يكون لقوة الدليل لا لنوعه:

فالسؤال بحد ذاته سؤال غير صحيح، فالنظر لا يكون لنوع الدليل هل هو دليل عقلي أم نقلي؟ وإنما ينظر فيه إلى درجة هذا الدليل، فالسؤال يقدر أن الدليل العقلي لا يكون إلا دليلا قطعياً والدليل النقلي لا يكون إلا دليلا ظنياً فيجب تقديم العقل على النقل لأنه قطعي في مقابل ظني، وهذا خطأ، بل ينظر في ذات الدليل فيقدم الدليل القطعي على الظني سواء كان الدليل القطعي عقليا أم نقليا.

فالأدلة العقلية والنقلية كلها أدلة شرعية، فالدليل الشرعي يشمل الدليل النقلي والدليل العقلي، فهذه طرق موصلة إلى الحق والمطلوب، فالعقل طريق والنقل طريق وليس الدليل العقلي مقابلا للدليل الشرعي بل هو جزء منه.

ومعنى هذا أن الدليل العقلي قد يقدم على الدليل النقلي إذا كان أقوى منه، فكلاهما - الدليل العقلي والدليل النقلي - من أدلة الشرعية، إنما الخلل في جعل الدليل العقلي أقوى مطلقا لمجرد كونه عقليا.

ثانيا: الدلائل النقلية ليست كلها ظنية:

فهم في الحقيقة لما يقولون: نأخذ بالنقل ما لم يخالف العقل، فحقيقته أنهم حولوا الدلائل النقلية كلها إلى دلائل ظنية؛ لأن أي دليل مشروط بأن لا يخالف شيئا ما، هو في الحقيقة دليل ظني لأنه متعلق بوجود شيء غيره لا يدرى ما هو؟ فلا يمكن لمثل هذا أن يكون قطعيا؛ لأن القطعي لا يمكن وجود ما يعارضه، فحقيقة هذا التركيب منهم (قبول النقل ما لم يخالف العقل) أنهم خلعوا عن النقل أن يكون قطعيا أبدا.

ثالثا: لماذا يقطعون في العقليات ويظنون في النقليات؟:

فهم حين يجعلون الدلائل العقلية التي يتمسكون بها دلائل يقينية قطعية، والدلائل الشرعية ظنية لا توصل إلى اليقين، فلأنهم أعرضوا عن دلائل الشرعية فما عادت تفيد في قلوبهم اليقين الذي تفيد هذه الدلائل العقلية التي أقبلوا عليها، ولهذا كان لازم قولهم مؤديا إلى مزيد من الإعراض ثم النفاق والإلحاد.

رابعاً: هل العقل أصل النقل؟:

قولهم: العقل أصل النقل، فيه مغالطة من جهتين:

الأولى: ليس كل العقل هو أصل لكل النقل، بل الذي هو أصل للنقل دليل عقلي محدد هو ما يحصل به الإيمان بالله، وما يقع به التصديق لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من المعارف العقلية الضرورية، وليست كل الدلائل العقلية كذلك، فليست كل الدلائل العقلية أصلاً لثبوت النقل، وعليه فاعتراضهم سيكون صحيحاً حين يقولون: إن الدليل العقلي الذي ثبت به السمع حين يعارضه السمع فيقدم عليه الدليل العقلي، وهذا صورة لا يمكن أن تصح ولا تفيدهم، كما أن الدليل العقلي الذي يعرف به الله ليس دليلاً وطريقاً واحداً بل ثم معارف وطرق كثيرة فلا يصح تعليقه على طريق واحد.

الثاني: حين يقول: إن العقل أصل النقل، فليس معنى كونه أصلاً أنه هو الذي أوجد النص وأخرجه وأظهره، وإنما هو طريق إلى الوصول إليه، فليس هو الذي أوجد النص حتى يقال: إنه أصل له، بل النص والحق ظاهران، والعقل هو الذي دل الإنسان على الوصول إليه، فليس في الحقيقة أصلاً للنص وإنما دليل إليه، فحاله حال من يدل شخصاً على طبيب أو عالم فليس هو الذي أوجد العالم أو الطبيب وإنما كان دليلا إليه."

خامساً: التفريق بين معارضة النص ومعارضة ما يتوهم أنه من النص:

قد يقولون: إنما نقصد بذلك ليس معارضة النص الشرعي وإنما معارضة ما يتوهم أنه هو النص من بعض الأفهام والتفسيرات الخاطئة، فيقال لهم: إذن فهذا ليس من الشرع أصلاً، فما حصل ليس تقديماً للعقل على النقل، بل هو تقديم للعقل على شيء آخر، وكما جعلتم الدليل النقلي متعلقاً بأمر ضعيف وفهم خاطئ، فيمكن أن يكون دليلكم العقلي أيضاً هو عبارة عن فهم وتفسير خاطئ، وهذا ما يؤدي مرة أخرى إلى العودة إلى المسار الصحيح الذي هو تقديم القطعي منهما على الظني سواء كان نقلا أم عقل."

سادسا: غياب شبهة معارضة الوحي بالعقل حتى عند الكفار:

إن المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم من الكفار كثير، وكانوا يعارضون بأمور كثيرة ولم يكن أحد منهم يعارض كلامه بأنه يخالف صريح المعقول، فلو كان موجودا لاعترضوا عليه، كما أن الصحابة كانوا يستشكلون ويسألون ولم يكن أحد منهم يستشكل مخالفة العقل، فإذا كان الكافر المعارض لا يعترض بمخالفة العقل والمؤمن المسلم لا يستشكل مخالفة العقل فهو دليل ناصع على أن النص الشرعي لا يمكن أن يخالف العقل.

سابعا: أن النقل أولى بالتقديم من العقل:

فالعقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، وليس النقل مصدقا للعقل في كل ما أخبر به:

فالعقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والنقل ليس مصدقا للعقل في كل ما أخبر به، وهذا يؤدي إلى عكس النتيجة، فيؤدي إلى تقديم النقل على العقل.

انضباط الطريق لمعرفة المنقول واضطراب طريق المعقولات:

فمعرفة ما هو من العقل مما ليس من العقل ليس وصفا ذاتيا بالأشياء وإنما هو وصف نسبي إضافي، بخلاف الشرع فهي نصوص وأصول محددة، فتقديم ما هو مؤتلف واضح أولى من تقديم ما هو مختلف متعارض.

تقديم الدليل العقلي يبطل النقل، وتقديم النقل لا يضر بالعقل:

فلو قدر أن ثم دليلا عقليا عارض نصا شرعيا فتقديم الدليل الشرعي عليه لا يضر الدليل العقلي لأن ثم دلائل عقلية كثيرة، فإبطال دليل واحد لا يؤدي لإبطالها جميعا، بخلاف الدليل الشرعي فإبطال دليل واحد إبطال لها كلها، فإذا بطل دليل منها بطل ما يحمل من معقولات وغيرها؛ لأنه وحي فكيف يتعارض أو يتناقض؟! فوجد تعارض فيه سمة نقص تؤدي إلى إسقاطه.

ثامنا: مفاسد القول بتقديم العقل على النقل:

العبث والحيرة وتكليف ما لا يطاق:

لو قيل بتقديم العقل على النقل لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وإلى العبث والفوضى والحيرة؛ لأن العقول متفاوتة ومتعارضة، ولا يوجد معيار يفصل بينها فلو ردت الأمور إلى محض العقل لحصل الاضطراب، ومعنى هذا أن يقال للناس: اعرضوا ما تسمعون من آيات الكتاب وصحيح السنة إلى عقولكم وانظروا ماذا ترون، ومثل هذا لا يحصل به يقين ولا جزم، بل هذا مؤد إلى مزيد من الحيرة لا الاطمئنان.

فقدان الثقة بالنقل

إن قال: أنا أشهد بصحة النقل ما لم يخالف العقل، لم ينفعه هذا؛ لأن مؤدى هذا أن لا يحصل له ثقة في النقل أبداً؛ لأنه حتى لو حصل لديك ثقة بأي نقل مع ما في هذا من فتح لباب الشكوك والحيرة، فربما لا تحصل هذه الثقة لدى غيرك، فيبقى الأمر معلقاً باحتمال أن يكون لدى غيرك دليل عقلي خفي عليك فلا يكون ثم إيمان بالنقل.

كما أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له، فيمكن أن يظهر للناس من المعقولات في المستقبل ما ينفي إيمانه بالنقل، فيكون إيمانه على شك، كما أن المعقول مجهول، فتعليق الإيمان بالنقل على شرط مجهول يجعل الإيمان مجهولاً، ويجعل كل شيء قابلاً للإيمان ولضده، وقابلاً للقبول وللرفض، فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان.

فالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم يقتضي القطع بصدقه ونفي أي معارضة له، ولو أن شخصاً آمن به ولم يقر ببعض ما أخبر به على اعتبار أن بالإمكان أن يظهر خلاف خبره لما عد هذا مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معلوم بالضرورة، فحين يكون الرجل مؤمناً بالرسول صلى الله عليه وسلم فإنه سيكون مصدقاً به نافياً لأن يأتي شيء يعارض قوله، وأما من لا يؤمن به حتى يأتي دليل يسنده فهو في الحقيقة لم يؤمن به، ولهذا فحقيقة كثير ممن يقول بهذا الكلام أنه لديهم شك في النبوة أو شك في تبليغ هذه النبوة، وقل أن تجد أحداً يقدم المعقول مطلقاً على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وفي قلبه مرض، وإلا فمن يؤمن به ويؤمن بأنه بلغ البلاغ المبين فلا يمكن أن يجد ما يخالف ذلك من العقل ولا أن يقدم شيناً عليه.

الطعن في الرسالة:

أن هذا الكلام طعن في الرسالة وإساءة لها، حيث تكون الشريعة المعصومة قد جاءت بما يخالف العقل، فكانت سبباً بذلك في إضلال بعض الناس في بعض القضايا أو على الأقل إن لم تضلهم فيها فإنها لم تكن سببا لهدايتهم.

انقطاع طرق الهداية والوصول إلى الله:

إن من أعرض عن الأدلة الشرعية فليس له إلا طرق الفلاسفة العقلية أو طرق الصوفية بالوجد والكشف، وكلاهما فيه من البطلان والتناقض والفساد ما يوقن المسلم بضرورة أن يسير على طريق الدليل الشرعي.

فالحقيقة أنه ليس ثم معارضة بين العقل والنقل، بل هو معارضة بين النص الشرعي وبين عقل هذا الإنسان وفهمه وإدراكه، فبدلاً من أن يسلم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو على الأقل يبحث عن دلائلها وحججها يأتي فيرد ما شاء من الشرع بحجة أن دليل العقل يخالفه، وكأن هذا القائل يجعل فهمه معياراً تقاس وتوزن به النصوص الشرعية، فما رآه حسناً أمضاه وما رآه غير ذلك منعه، وهذا كله مناف لكمال التسليم والانقياد والاتباع لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.- "فإطلاق كلمة العقل يرد الأمر إلى شيء غير واقعي كما قلنا، فهناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل علان، وليس هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى مقرراته، وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة فإننا ننتهي إلى فوضى."

وإذا فتح الإنسان على نفسه باب الاعتراض على الشريعة بالعقل فإنه يحفر في قلبه من الشكوك والظنون ما يحرمه الطمأنينة "ولهذا تجد من تعوّد معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه إيمان".

لأن هذا معناه أنه "إن جاز للعقل تعدي حد واحد جاز تعدي جميع الحدود لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وتعدي حد واحد هو معنى إبطاله؛ أي: ليس هذا الحد بصحيح، وإن جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر."

والحقيقة أن العقل غير قادر على الوصول إلى اليقين إلا في مجالات ثلاثة:

القضايا الفطرية.

القضايا الحسية والتجريبية. ومثل هذه القضايا لا تعارض الشريعة بل هي مما تقره الشريعة.

حين يأتي نص قاطع من الشريعة فيستفيد العقل من هذا اليقين، فالعقل عاجز في الحقيقة عن الوصول إلى كثير من القضايا إلا من خلال الشريعة، فالشريعة هي التي توصل العقل إلى القطع وليس هو دليلاً قاطعاً يرفض الشريعة.

ثانياً: استقلال العقل:

من طبيعة الانحراف أنه يبتعد عن الدليل والمنطق تدريجياً حتى يصل إلى دركات شديدة في الانحراف، فبعد القول بتقديم العقل على النقل يتجه الإنسان تدريجياً إلى تقديس العقل والاعتماد عليه والثقة التامة به وجعله حكماً وفيصلاً في كل الأمور، وهذا العقل عاجز عن الاستقلال في التشريع فهو يجهل أشد الشروط الضرورية له كحقيقة الروح التي في نفسه، والعلم بما ستكون عليه حال البشرية في المستقبل والعلم بحقيقة الخير والشر على التفصيل، كما أنه لا يمكن أن يكون متحرراً من التأثيرات الخارجية من عوامل بيئية ووراثية ومصالح وأهواء ونزوات.

ودعوى استقلال العقل تعني الاعتماد على العقل فيما ليس للعقل فيه درك، وهي مراتب، فتاريخها يبدأ من غلو المعتزلة في مقولتهم الشهيرة في التحسين والتقبيح العقليين، ثم بتقديم العقل على النقل، ثم يتطور هذا الانحراف ليصل مع بعض المعاصرين إلى حدود ما كانت تدور في خلد المعتزلة حتى يقول بعضهم منتقداً بعض من يقول بتقديم العقل على النقل: "إن للعقل عنده حدوداً لا يجوز له أن يتعداها وهو من أشد أعوان الدين، ووظيفته إنما تتعقل في توفير الأدلة على ما جاء به الوحي وليست كما هو الشأن عند الفلاسفة في استمداد الآراء من الفكر المحض والاندفاع وراء رغبة العقل في كشف المجهول، وشتان بين الموقفين."

فحتى هذه الحدود – في زعمهم – يجب أن يتم تجاوزها لأن العقل قادر على كشف المجهول بنفسه ويجب أن يكون مستقلاً بنفسه لأنه لا يحتاج لوصاية من أحد ولو كان من السماء.

فالمتكلمون لما قالوا بأسبقية العقل فلأجل أن يثبتوا الوحي والنبوة ثم تنتهي هذه الأسبقية، ويصبح العقل تابعاً للنقل، وأما هؤلاء فيرون أن العقل مستمر دائماً هو المتبوع، وهو ما جعل العلمانيين يتهمون المسلمين للنص بأنهم نصوصيون أو حرفيون أو ظلاميون.

حتى أصبح العقل قادراً على الاستقلال بنفسه لحد أن يقال: هو غني عن الوحي وعن وصاية السماء وليس بحاجة لمصدر للمعرفة خارج عن ذاته، فقد بلغ تطور الزمان وبلغ العقل الكمال فما عاد بحاجة إلى وصاية من أحد.

وهذا شؤم الانحراف عن منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم في تعظيم النصوص والتسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيها، فتجرأ المعتزلة في مخالفتهم وتسليم القياد للعقل في بعض القضايا، فأصبح هذا مزلقاً هلك فيه أقوام كثير بعدهم.

إن دعوى استقلال العقل تظلم العقل حين تحمله ما لا يحتمله، وتطالبه بأن يزن ما ليس قادراً على وزنه، فالعقل له حدوده وإمكانياته الضيقة، ومحال أن يكون قادراً على الوفاء بحاجات الإنسان من دون وحي.

بل هي في الحقيقة تخالف حتى التفسير الغربي المعاصر لمفهوم العقل، فقد تقدمت النظريات تجاه العقل، فبعد أن كان ينظر للعقل على أنه قادر على مطابقة الحقيقة للواقع أصبح هذا عقبة في سبيل التقدم، فالعقلانية المطلقة النهائية الثابتة أصبحت عائقاً؛ لأن العبرة انتقلت إلى التجربة، ثم انتقلت إلى التحقق والمكتشفات الحديثة التي ليست واقعية عقلانية.

يتصورون أن القضايا العقلية كأنما هي مسائل رياضية حسابية تقوم على النتائج الواضحة المحددة التي لا يختلف فيها اثنان، وحينها فالعقل قادر على الاستقلال بنفسه في قضاياه، ويجب تقديمه على النقل لأنه هو الدليل المرشد إلى العقل.

إن هذه الدعوى تخفي جانباً مهما في حقيقة الدلائل العقلية يقلب هذه الدعوى رأساً على عقب، وهو أن الدليل العقلي ليس ميزاناً دقيقاً رياضياً لا يختلف الناس فيه ولا يتأثر فيه الشخص إلا بالمنطق العلمي الصارم، فعقل الإنسان لا يعمل بهذه الطريقة، بل إن العقل يتأثر بخبرة الإنسان وعاطفته وهواه وبيئته وعوامل كثيرة تؤثر على الإنسان في ميزانه العقلي – شعر أم لم يشعر – وهو ما يجعل الإنسان يغير رأيه في كثير من القضايا بشكل كلي، فيرى أن هذا هو العقل ثم ينتقل إلى الجهة الأخرى ويراها هي العقل؛ لأن النتيجة العقلية تتأثر كثيرا بعوامل خارجية، وكثيرا ما يبطل الإنسان أحكاما عقلية كثيرة لاعتبارات معينة ثم يطرأ عليه ما يجعله يرفع من قدر هذه الأحكام فتبدو في مستوى أعلى من الأهمية بما يؤثر على نظره في القضايا المختلفة.

إذن فاستقلال العقل قائم على وهم كبير مفاده أن العقل يعمل بشكل آلي تقني منضبط، وهذا تصور مغلوط بعيد جداً عن التفكير العقلي، ولهذا كان المعتمدون على عقولهم هم أكثر الناس خلافاً واضطراباً، ويكفي قراءة أحوال الفلاسفة المتفقين على تقديس العقل والنظر في حجم اختلافهم، كيف أنهم يختلفون في كل شيء وبينهم ما بين السماء والأرض.

وحين نفحص هذه القضية بناء على دلائل القرآن الكريم ونبحث عن السبب الذي من أجله كفر من كفر وعاندوا بسببه الرسل سنجدهم يستدلون كثيراً بأدلة عقلية، لكن كثيراً من الآيات تثبت أن المشكلة في أهواء النفوس وأمراضها التي أضلتهم عن الهدى، نجد في القرآن دلائل عدة أن من ترك الحق فقد اتبع الهوى:

{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50].

{فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26].

{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف:28].

﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ [المائدة:48].

فمن يترك الحق والإسلام والهدى فهو متبع لهواء، مع أنه قطعاً لن يقول: إني متبع للهوى والشهوة، بل سيتحدث عن دلائل عقلية وحجج وبراهين، لكنها في الحقيقة أهواء وليست أدلة عقلية صحيحة؛ لأنها لو كانت أدلة صحيحة لما حجبت عنه نور الله ولا وضعت قفلاً على قلبه وغشاء على عينه ولأنقذته عن التردي في دركات الهلاك.

وليس هذا خاصاً بالكفار، بل حتى من كان من المسلمين ووقع في البدع والضلال فهو متبع لهواه، ولهذا سمى العلماء أهل البدع بأهل الأهواء (لغلبة الهوى على عقولهم واشتهارهم به).

وإنما أطلقت الأهواء على الذين ابتدعوها وقاموا بنصرتها والاستدلال عليها لأنهم لم يأخذوا الأدلة من جهة الافتقار إليها، بل قدموا أهواءهم أولاً ثم جاءت الأدلة وراءها تتأول من أجلها.

ولهذا نجد القرآن الكريم يسمي دلائل الكفار بالأهواء { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [الروم:29] ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ [البقرة:145] ﴿قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ ﴾ [الأنعام:56] فهم متبعون لأهوائهم وإن كانوا يتكلمون فيما يظهر للناس بمنطق وعقل وحجج.

ولهذا فإن اعتقادات الناس تتأثر بالبلاء، فيصبح مؤمناً ويمسي كافرا بأثر هذا البلاء، وهذا يكشف أن الاعتقادات لا تتبع المنطق والعقل المحض، فالبلاء وصف خارجي لا يتعلق بأصل القضية، فكون الإنسان يغير قناعاته يثبت أن الدليل العقلي يتأثر بعوامل خارجية وإن أظهرها في قالب عقلي، ولهذا تجد في القرآن حديثا عن البلاء وأثره في الحق: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد:31] ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران:179] ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة:155] فهذا البلاء يمحص الناس، فإما أن يزيدهم ثباتاً وإيماناً، وإما أن يكون سبباً في إضلالهم وكفرهم فينكرون دينهم ويكذبون برسله بحجج وشبهات ليست في الحقيقة إلا أثراً من آثار السقوط في امتحان الابتلاء وإن ظنوه عقلاً وفهماً راجحاً هدوا إليه.

ولهذا تجد في القرآن تنوع الأساليب في وعظ الناس وتخويفهم وترغيبهم لأجل أن يؤمنوا وينقادوا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ﴾ [المائدة:74،73] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ﴾ [النساء:47] ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة:281] وغيرها من الآيات، وهو معنى ربما يعجب منه بعض الناس فيستغرب من ذكر الترغيب والترهيب في مقام الإقناع والدعوة إلى الإسلام، وكأنما يرى الوعظ خارجاً عن الموضوع غريباً عنه، وهو كلام من لم يفقه طبيعة النفوس ولم يتصور حقيقة الدلائل العقلية، فالوعظ له أثر عظيم وعميق في إصلاح النفوس وتزكيتها وتطهيرها، ومن خلاله يتم إعادة بناء الأدلة العقلية من جديد لتبدو في صورتها الحقيقية التي ترشد الإنسان إلى مراد الله، فالدلائل العقلية المزعومة كثيراً ما تكون ستاراً وغطاء لأمراض النفوس وأهوائها وشهواتها، فحين يأتي الوعظ يهز القلوب ويحرك جوانبها وهذا ما يفسر لك أثر دخول المرء في الإسلام على التغير الجذري في ميزان الإنسان، فتتغير مفاهيمه وقيمه وأولوياته بمجرد أن يشهد أن لا إله إلا الله، ليس لأن الدلائل العقلية تغيرت لديه في كل قضية، بل لأنه تم تطهير البناء العقلي وإزالة العوائق عنه.

وستصاب بالذهول حين تجد حديث القرآن الواسع عن الأمراض والأهواء والشهوات التي تصد الكفار عن دين الله وتجعلهم يأبون الانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقطعاً أن هذه الأهواء ستكون مخفية مستترة تحت العقل والمنطق والحجج التي يستترون بها، ومن هذه الأهواء:

كتمان الحق: ﴿وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:42]، قسوة القلب: ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ﴾ [البقرة:74]، تحريف كلام الله: ﴿وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ﴾ [البقرة:75]، أكل أموال الناس بالباطل: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ﴾ [البقرة:79]، الكبر: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ ﴾ [البقرة:87]، الحسد: ﴿بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِ﴾ [البقرة:90]، اتباعهم لهوى نفوسهم: ﴿كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ﴾ [المائدة:70]، التفريط: {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} [الأنعام:31]، الإعراض ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ﴾ [يس:46]، الغفلة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ﴾ [يونس:7].

هذه بعض الأمراض والأهواء التي تختفي من خلف الأدلة العقلية، فيتوهم الإنسان أنه متبع للعقل ومحكم له، وما هو في الحقيقة إلا سائر خلف هواه وأسير لشهوته وأمراض نفسه.

كما أن ثم مانعاً آخر يحول دون فهم الأدلة العقلية ويؤثر في تشكيل أدلة عقلية منحرفة، وهو القناعات والتصورات المسبقة لدى الإنسان، فلكل إنسان تصوراته ورؤيته التي تصوغ عقله فيزن الدلائل العقلية من خلالها، وهذه التصورات قد تكون من بيئة منحرفة أو من عادات سيئة أو من أفكار خاطئة، فيقدم الدلائل العقلية منطلقاً من هذه الأرضية، ويحاكم الدلائل العقلية الأخرى بناء عليها، فهو يتوهم أنه متبع للمنطق والدليل العقلي، والحقيقة أن متبع لشيء آخر سوى ذلك.

ولهذا كان المقصد الأسمى في القرآن ليس مجرد فهم الدلائل العقلية بل تزكية النفوس وإصلاحها، وقد من الله على المؤمنين بها، ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ [آل عمران:164]؛ فالعبد بحاجة إلى طهارة وتزكية وإيمان، وهي مراتب لا تنال بمجرد الفهم والذكاء وحسن صياغة الأدلة العقلية والإجابة عنها، لكنها مراتب فوق هذا بكثير، وهو من كمال العقل والإدراك لدى الإنسان بأن يزداد عبادة ويقيناً واتباعاً لله بما ينجيه ويسعده في الدنيا والآخرة.

ولهذا فليس الدخول في الإسلام والإيمان بالله والخضوع لأحكامه يأتي مباشرة من مجرد فهم دلائل التوحيد والاقتناع بقوة حججه وبراهينه، فكثيراً ما يقتنع بعض الناس بدلائل الإسلام ولا يؤمنون، وكثيراً ما يرتد أناس عن الإسلام بعد اعتناقهم له بسبب غضب أو شهوة أو سخرية، وذلك أن القضية متعلقة بهداية من الله للعبد ينشرح بها صدره لأن يدخل في الإسلام، ﴿يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة:105]، ﴿لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ﴾ [البقرة:272]، {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [الروم:29]، ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ﴾ [النساء:88]، وحين يدخل في الإسلام فإنه يكون مستعداً وملتزماً للانقياد والاتباع وطاعة الله، وهذه مقامات عظيمة تحتاج إلى إيمان وتسليم وإرادة وليس مجرد كلام عقلي محض.

إن العقل إدراكات في النفس قد تكون سبباً للشر والفساد والإيذاء بدعوى العقل، وما تزال النظريات العقلية المضرة بالإنسان مستمرة، وكلها تعتمد على العقل، والضمان الحقيقي للإعمال السليم للعقل هو في اتباع الوحي، فالوحي يحفظ العقل ويرشده ويطهر أمراض نفسه.

"إنه ليس عقلاً ميكانيكياً يتلقى المعلومات من الخارج وينظمها ويخرج نتائجها في عملية رياضية بحتة، ولكنه عقل حيوي يتفاعل مع ما حوله من ظواهر كونية ويتأثر بها ويدرك مكانه بالنسبة إليها، وهذا سر إدراكه حقيقة الوجود. إنه نور إلهي في أعماق الذات الإنسانية يضيء جوانبها بضياء المعرفة الحقة وباليقين الصادق. هذا هو القلب المؤمن. لذلك نلحظ استخدام ذلك التعبير الذي يفرق بينه وبين القلب الكافر وهو الطبع والإغلاق. القلب المؤمن عقل منفتح على الحقيقة، عقل مؤهل لحمل المسؤولية، مؤهل للاختبار والامتحان والمحاسبة. أما القلب الكافر فهو عقل مغلق يحيط بها لظلام من كل جانب، فهو في جهل مطبق، وجهله يدفعه إلى عدم تقدير المسؤولية وتفسير الوجود تفسيرا مرتبطاً باللذة العابرة والشهوة الآثمة والمنفعة الذاتية."

ثالثاً: إنكار ما كان خارج الحس:

إن كانت الإشكالات العقدية التي مرت على التاريخ الإسلامي كانت بسبب التأثر بالوافد اليوناني أو الاحتكاك بالثقافات المختلفة التي ابتلعتها الحضارة الإسلامية، فإن كافة الإشكالات الفكرية المعاصرة هي من إفرازات التأثر بالفكر والحضارة الغربية، فكل الأفكار التي تشيع لدى مفكري الغرب وفلاسفته أو المبادئ التي تسود في الجانب السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لدى الثقافة الغربية لا بد أن يرجع صداها على بعض المسلمين ليضع على عقولهم وقلوبهم حجاباً يمنع من قبول جزء من أحكام الشريعة، يتسع ويضيق بقدر استعداده للخضوع لهذه المؤثرات.

من ذلك: إنكار كل ما كان خارج الحس، والاعتماد على التجربة في إثبات الحقائق، فكل ما كان خارج محيط المختبر التجريبي فهو محل شك أو إنكار، وهذه الفلسفة المادية الحسية قد سرت وتسللت إلى أذهان بعض المسلمين، فتلقته قلوبهم وعقولهم بالقبول التام أو القبول الجزئي، وهو أخطر؛ لأن الشخص يتشرب الفكرة المنحرفة وتكون موجهة لفكره بطرف خفي، فلا هو الذي قبل الفكرة تماماً ولا الذي ردها تماماً، بل بقيت مؤثرة، وهذا ما يفسر حالات الاضطراب التي تحصل عند بعض الناس حين يقول بالشيء ونقيضه.

وقعت بسبب هذا إشكالية التعامل مع المعجزات والخوارق والكرامات التي جاءت في الشريعة، خاصة في المرويات الحديثية الكثيرة التي تثبت وقوع معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي روايات صحيحة ومستفيضة، حيث إن هذه الروايات تخالف الأمر المعتاد ولا يمكن إثباتها حساً، فوقع الكثير في حرج شديد كان سبباً لأن تكون (المعجزات) مشكلة فكرية عويصة في مدة زمنية مضت، وقام عدد من المفكرين والكتاب الإسلاميين بنفي المعجزات أو تأويلها لأجل أنها غير متوافقة مع المنطق العقلي المعاصر الذي لا يستسيغ مثل هذه الأخبار.

فأصبح بعضهم يقول: إن المعجزة الوحيدة للنبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن فقط ملمحاً إلى ما لا يخفى: "لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد إلا القرآن الكريم."

"لم تكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم القاهرة إلا في القرآن."

وأما ما يذكر في الروايات فهي روايات مخجلة لا يمكن أن يواجه بها العالم المتحضر اليوم: "ولو أنهم-أي: رواة الحديث –عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء به القرآن."

لماذا؟

لأن "مضرة الروايات التي لا يقرها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة."

وكأن الحديث النبوي يقوم على حسب هوى ومزاج رواة الحديث، فبأيديهم خاصية الحذف والانتقاء لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم!

ولهذا يجتهد بعضهم في محاولة تقريب المفاهيم الغيبية في الشريعة بما يجعلها قريبة من تفهم عقلية اللادينيين حتى لا يتهموا الإسلام بالأساطير والخرافات، فجرى بسبب ذلك تأويل الملائكة وخلق آدم والشيطان وخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم بتأويلات مختلفة تسحب عن هذه الأحكام أي صفة غيبية.

هذا الخجل والضعف من سطوة المفاهيم الغربية كسر ما في النفوس من تعظيم وتسليم لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبح البعض لا يطالبنا بالسكوت فقط عن رواية هذه الأحاديث، بل ويطالب بحذفها والاكتفاء فقط بالقرآن، أما لماذا؟ فلأن الغرب لن يقبل منا هذا، فيجب أن لا نقبله نحن من أنفسنا.

بل وحتى المعجزات المذكورة في القرآن لم تسلم هي من التأويل الذي ينزع عنها جانب المعجزة، فحادثة الفيل التي قص الله خبرها في سورة الفيل وما جرى من إهلاكهم بحجارة السجيل التي ترميهم بها الطير الأبابيل ليست كما يفهمها المسلم العادي من القرآن، بل إن الطير هو من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل الجراثيم والمكروبات فتعلق بأرجلها ثم تتلف الجسم حين تصل إليه."

وقد شغلت هذه القضية الفكر الإسلامي حيناً من الدهر لكن حضورها وأثرها خفت كثيرا في السنوات الأخيرة، فلم تعد إشكالية يتلاحق الكتاب والمفكرون في تأويلها وإنكارها ودفع تعيير الفكر الإسلامي بها، وهذا يثبت أن الموقف الماضي من هذه المعجزات لم يكن منطلقاً من قراءة صحيحة للنصوص ولا نظر تام في الأدلة، إنما كان متأثراً بضغط المفاهيم المعاصرة، فحين كانت مفاهيم المادية غالبة كانت تضغط على موضوعات المعجزات حتى تسببت في نفيها أو تأويلها أو الخجل منها، وهو شيء لا يجده المثقف المعاصر الآن، لكنه يجد مثل هذه الحالة في موضوعات أخرى بدأت المفاهيم الغربية تمارس الضغط على ما يعارضها من الأحكام الشرعية، وصار المثقف يعيش صراعاً بين الاعتزاز والاستمساك بهذه الأحكام أو الخضوع للفكر الغربي برفضها أو محاولة إيجاد مواءمة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي فيها، وفي كل عصر تهب موجة مفاهيم معينة تمارس الضغط على عقل المسلم وقلبه، والسعيد من كان مسلماً للدليل الشرعي مطلقاً مستمسكاً به على كل حال.

إن إنكار ما وراء الحس واشتراط التجربة للإيمان ونفي كل ما كان خارجاً عن ذلك، والحكم عليه بأنه غير علمي ناتج عن جهل محكم بطبيعة النفس وإدراكها، فالنفس إنما تدرك الأشياء المنتشرة في هذا الكون عن طريق منافذها التي تطل بها على العالم كما قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [النحل:78]، ولو كان لنا حواس أخرى لربما أدركنا عوالم أخرى، كما أن الأجهزة الحديثة التي تقيس الحرارة والضغط والكثافة قد عرفتنا على أشياء جديدة لم تكن تعرفها حواسنا، وهو مما يدل على نقص وقصور هذه الحواس، وقد اكتشف العلم الحديث في الفضاء من الصور والأصوات ما لم نكن نعلم به من قبل، فلا يصح أن ننكر وجود شيء بسبب عدم قدرة حواسنا على معرفته، فالحواس لا تدرك كل شيء.

صحيح أن الشيء المحسوس لا يمكن إدراكه إلا بالحواس، لكن هذا لا يؤثر على إدراك العقل لما سوى المحسوس؛ لأنه ثم فرق بين المعرفة العقلية على ما تدركه الحواس، والمعرفة العقلية المتعلقة بالاستدلال العقلي الذي يمكن به إثبات الحقائق الغيبية؛ لأن الإدراك الحسي لا يمكن أن يتحقق إلا مع وجود موضوعه وهو الخارج الحسي، وأما المعارف العقلية المستدل عليها فإنه يمكن للعقل أن يثبت وجودها من دون أن تكون ضمن المحسوسات، فهو يدرك وجودها ووقوعها وإن كان غير قادر على تصور كيفيتها لأنها غير محسوسة، كما أننا نؤمن بالله وصفاته وإن كان عقلنا القاصر يضعف عن إدراك كيفية صفاته جل وعلا.

وحقيقة من ينكر ما وراء الحس أنه يقزم دور العقل ويقلل من مكانة الإنسان؛ لأن إدراك العقل أوسع بكثير من الحواس، وهو ما يتميز به الإنسان عن بقية الحيوانات التي تفوق قوتها الحسية قوة الإنسان.

"إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها وأشواقها الحقيقية إلى المجهول المستتر وراء الحجب المسدلة."

فالمؤمن يسلم بأخبار الله كافة، وبأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، لا يبحث عن تأويل أو يجتهد في نفي شيء منها لأي اعتبارات خارجية، وكلما كمل تسليم المسلم لله كان أكثر قبولاً وتسليماً لأخبار الله وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلما ضعف هذا التسليم كانت الأخبار مجالاً للتحريف والتأويل.

فالإيمان بالغيب صفة عظيمة من صفات أهل الإيمان ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰة﴾ [البقرة:3].

فمن غير المفهوم أن يكون الشك في أمر الغيب وارداً من أهل الإيمان؛ لأن أصل اعتقادهم هو الإيمان بالغيب، فلا يستقيم إيمانه إلا بالغيب، فهو أصل دينه ومحكم تسليمه، فحين يبدأ في الشك في بعض المغيبات فإنه يكون قد فتح على قلبه ثغرة قد تؤول إلى نقض أصل إيمانه من حيث لا يشعر.

رابعاً: سلوك التقليد المذموم:

التقليد بلا بينة ولا برهان مناف ولنعمة العقل، فتقليد الإنسان مقاليد أمره لأحد بلا سبب جهل وانحراف بالعقل عن طريقه الصحيح، هذا التقليد يتجلى في صور عديدة، من أهمها:

التعصب للأقوال والرجال والمذاهب واعتقاد أن الصواب معها في كل اجتهاداتها، وربما رد كثيراً من الأحاديث الصحيحة الصريحة لكونها تخالف رأي من يعظمه، وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالتعظيم لو قدر الله حق قدره، وسيأتي عنه حديث أطول – بإذن الله – عند الحديث عن الخلاف الفقهي.

ادعاء العصمة لأحد من الناس غير النبي صلى الله عليه وسلم كما تدعيه الشيعة في أئمتهم، وبعض الصوفية في الأولياء، فهذا خلل يأباه العقل السوي الذي يعرف أن الخطأ وارد على كل أحد حاشا من ضمن الله له العصمة وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

الوقوع في الشرك والخرافة، واتخاذ الوسطاء والأولياء والصالحين شفعاء في الحياة الدنيا، وادعاء حقوق الألوهية فيهم، فهذا فعل من لم يعمل عقله الذي أنعم الله به عليه فساوى بين الله الخالق الرازق بعظيم صفاته وأفعاله بالمخلوق الضعيف العاجز، لهذا ذم الله المشركين على شركهم، وضرب لصنيعهم هذا مثلاً يحفز عقولهم التي عطلوها: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ﴾ [النحل:75] وضرب لهم مثلا آخر: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل:76].

وقال سبحانه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ} [الزمر:29].

لا يستويان، هذا ما سيقوله كل عاقل: (فإذا كانا لا يستويان، فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء؟!!).

خامساً: القول بنسبية الحقيقة:

نسبية الحق تلخصها العبارة الآتية التي تتكرر دائماً:

"كل يعتقد أن الحق معه، وكل لديه أدلة وحجج لنصرة مذهبه."

هذه معلومة صحيحة ولا إشكال فيها، فلا يشك أحد أن المتمذهبين بمناهج بدعية أو المنتسبين للأديان الباطلة لديهم شبهات وحجج ويجادلون {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ} [غافر:5] {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام:121].

فالعبارة صحيحة ومفهومة، الخطأ في النتيجة التي تؤخذ من هذه المقدمة، حين يجعلها الشخص سبباً لاعتقاد أن الحق نسبي لا يمكن لأحد أن يصل إليه وليس لأحد أن يمتلك الحقيقة المطلقة، فهذا خلل في بناء النتائج، فمجرد أن يختلف الناس في تحديد الحق لا يجعل الحق ضائعاً بينهم، فالخلاف حول ملكية شيء ما وتنازع المدعين فيه لا يلغي أحقية أحد به، فالقاضي الذي يأتيه الخصمان وكل يدعي أنه يمتلك السلعة الفلانية لا يقول لهم: السلعة لا يملكها أحد لأن كل واحد منكما يدعيها! وإنما التصرف العقلاني الوحيد أن يطلب منهم البينات ليسلم السلعة لمن كان أقوى حجة، وكذلك هنا فالعبرة ليست في دعاوى الناس وإنما في بيناتهم وبراهينهم.

والمسلم حين يجزم بالحق لا يجزم به لأنه يعتقد أنه الشخص الوحيد الذي يبحث عن الحق، بل يعرف أن كثيرا من الناس يبحثون عنه، وإنما جزم به للدلائل والبراهين التي لديه، وهو يؤمن أن هذا نعمة من الله {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل:93].

والحقيقة أنه لا يقول عاقل: إن الحق يختلف بحسب الناس، وأن الحقائق تابعة لاعتقادات الناس، فلا يقول بمثل هذا عاقل سليم العقل، وإن حكي عن بعض الناس ، كما أن (نسبة الحقيقة) قاعدة جدلية تهدم نفسها بنفسها، فحتى هذه القاعدة بناء على أصلها هي نسبية فلماذا تجعلها حقيقة مطلقة ونضعها معياراً يحكم به على كل شيء؟! فثمرة مثل هذا التفكير مع كونه باطلاً في نفسه ولا يقول بعمومه أحد هو أن يكون سبباً لهز يقين المسلم وإثارة الشكوك في قلبه.

وأما منهج العلماء فإنهم يفرقون بين الحق في ذاته، والواجب على المكلف طلبه وفعله، فالحق واحد لا يتعدد في القضايا التي جاء فيها نصوص قطعية سواء كان في الأصول أو الفروع، وكذلك مذهب أكثر الفقهاء أن الحق واحد في المسائل الظنية.

لكن كون الحق واحداً عندهم لا يعني تأثيم أو تفسيق من لم يصب الحق مطلقاً، فالحكم على المجتهد يختلف عن الحكم على القول، فليس بينهما تلازم، والذي تدل عليه ظواهر النصوص أن من اجتهد من أهل الإسلام في طلب الحق وبذل وسعه وأخطأ بعد ذلك فهو معفو عنه "فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ولا يعاقبه الله ألبتة."

وهذا ميزان بديع، يؤمن بضرورة وجود الحق وظهوره، ويؤمن في نفس الوقت بمراعاة حال الإنسان وأنه قد يخطئ الطريق إلى الحق فيغيب عنه لجهل أو خطأ أو تأويل، فوجود الحق لا يعني إصابة الجميع له، وعدم إصابة الجميع له لا يلغي وجوده، وإنما الميزان المعتدل أن تؤمن بوجود هذا الحق لتجتهد النفوس في الوصول إليه، وتؤمن في ذات الوقت بسعة الشريعة، ورحمة الله بعباده بعفوه وتجاوزه عمن أخطأ بعد أن بذل جهده ووسعه.

والخلل في نسبية الحقيقة يؤدي إلى إشكالات كثيرة، فبعضهم يترك الإسلام بالكلية بسبب هذه الحيرة، وبعضهم يضعف حماسه وحبه للنصوص وأحكامها بسبب هذه الشكوك، وقد تكون سبباً لضعف اليقين أو التخلي عن بعض الأحكام.

ومن التصورات المنحرفة أن يعتقد الشخص بصحة كل هذه المفاهيم ما دام أن أصحابها يبحثون عن الحق فيزعم أن: "الله تعالى أراد هذه التعددية الدينية بما تتضمنه من اختلافات لا مناص عنها بحكم ما أرساه الله من أسس يسير عليها المجتمع... وحرم على كل فريق أن يدعي الأفضلية وأن يرى أن الآخرين ليسوا على شيء، وأن يدعي الجنة لنفسه والنار للمخالفين، فهذا ليس من حقه... فالأديان رغم اختلافها تنتهي كلها إلى حقيقة واحدة هي الألوهية، فالاختلافات لا تنال الجوهر."

وهذه تسوية بين أمرين فرق الله بينهما ﴿۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الرعد:19]. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ [الحج:62] {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد:3]، وقال سبحانه: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس:32].

والتسوية بين الحق والباطل في صحة الوصول إلى الحق –أو حتى مجرد الشك في ذلك- هو تخل عن الإيمان بالحق، فمن يؤمن بصحة رسالة الإسلام ويؤمن في نفس الوقت بصحة دين النصارى واليهود المعاصرين فهو في الحقيقة لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن ظن أنه بهذه الطريقة قد جمع كل الحق الموجود عند الناس، لكنه في الحقيقة لم يصنع شيئاً سوى أن زاد رأياً جديداً، فالمسلمون لا يرون أنه على حق حين جمعهم مع اليهود والنصارى، ولا اليهود والنصارى يرون أنه على حق حين جمعهم مع المسلمين.

سادساً: تضييق الاستدلال بالسنة النبوية:

إذا كنا نريد أن نترخص قليلاً في الدقة العلمية فيمكننا أن نقول: إن أول ضعف يبدأ في قلب المسلم في التسليم للنص الشرعي سيكون من خلال التهاون في شيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فبداية الضعف والانحراف يبدأ من التهاون في أمر السنة النبوية.

كثيرا ما تعرضت السنة النبوية إلى النفي والإسقاط بسبب ضعف كمال التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فالمؤمن المعظم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يرد شيئاً من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأي سبب مهما كان.

والناس في رد السنة درجات متفاوتة، كل درجة تقلص من السنة بقدر ما نقص من التسليم في قلبها، وتتخلى عن التمسك بشيء من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما داخل نفوسها من العوارض والعوائق الفاسدة، ودائماً ما يكون الدليل العقلي هو الأصل في أي انحراف عن السنة "وكل من أصل أصلاً لم يؤصله الله ورسوله قاده قسراً إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها."

وللناس مسالك كثيرة في تضييق السنة:

المسلك الأول: إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً، فلا يرى من حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرع ولا أن يحلل أو يحرم وإنما يكتفي بالقرآن فقط، وطاعته إنما في حياته فقط، ولو آمن مثل هذا بالقرآن حقاً لآمن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لكن دعوى التمسك بالقرآن ليست تعظيماً للقرآن بقدر ما هو تسويغ للتهاون في السنة.

وهذا منهج الخوارج قديماً، وبعض المعاصرين –كالقرآنيين-، وإن كان محدود التأثير وليس له أثر ظاهر بين المسلمين.

المسلك الثاني: إنكار السنة الآحاد مطلقاً فلا يرى إلا الإيمان بالمتواتر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

المسلك الثالث: إنكار السنة الآحاد في بعض الأبواب الشرعية كالاعتقاد أو باب السياسة ..

المسلك الرابع: نفي التشريع عن بعض السنة، فيجعل ثم سنة تشريعية وسنة غير تشريعية ، وتفسير ما هو تشريعي من غير ما هو تشريعي مفتوح للاجتهادات والتأويلات.

فبعضهم: يجعل ما كان من اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم في السياسة أو الحرب أو المال أو القضاء سنة غير تشريعية.

وبعضهم يجعل كل ما كان من أحكام الدنيا فهو خارج محل التشريع لأن الرسول نبي وليس ملكا، وهاد وليس حاكماً، وزعامته روحية، وخضوع الصحابة له خضوع إيمان لا حكم.

وبعضهم يجعل الشؤون الدستورية مما يختص بنظام الحكم من السنة غير التشريعية. أو يشترط فيها التواتر وينفيها عن الآحاد.

المسلك الخامس: الاعتماد على السنة العملية وتضييق الاستدلال بالسنة القولية.

المسلك السادس: نفي بعض مجالات السنة؛ كمن لا يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم أحقية التنبؤ بما في المستقبل، فينفي من السنة ما جاء في هذا القدر.

المسلك السابع: وضع شروط مسبقة على السنة؛ كمن يرد الحديث بدعاوى مخالفة القرآن أو بكونها مشكلة أو لأنها في المعاملات أو القواعد العامة.

وهذه الإشكالات والمسالك ليست جديدة، فإنكار السنة أو عدم قبولها في العقائد أو الاقتصار على المتواتر منها فقط مسالك مثارة من قديم، وكذلك وضع القيود والشروط التي تضيق من الاستدلال بالسنة ، وكثيرا ما رد أهل البدع سنناً كثيرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بدعاوى وأسباب كثيرة.

وعلى ذات المنهج سار كثير من المعاصرين، وقد تعرضت كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لإنكار والتأويل بسبب دعاوى عقلية متوهّمة، ومنها على سبيل المثال: إنكار نزول عيسى، خروج الدجال، قصة ملك الموت مع موسى، عدم مس الشيطان لعيسى ابن مريم وأمه، واقعة سحر الرسول صلى الله عليه وسلم، واقعة شق صدره صلى الله عليه وسلم، حديث إسلام الشيطان على يده صلى الله عليه وسلم، المعراج، حديث الذباب، حديث محاجة الجنة والنار، وحديث: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة."

بل زاد الوقاحة ببعضهم إلى استبعاد نصف الأحاديث المتداولة اليوم وإلى تطبيق معيار خاص به توصل من خلاله إلى نفي كل ما يخالف ظاهر القرآن الذي سيؤدي إلى "استبعاد قرابة ألفين إلى ثلاثة آلاف حديث نصفها على الأقل مما جاء في الصحيحين."

وأصبح سائداً لدى كثير من المعاصرين أن يرد الحديث النبوي لأدنى عارض، فما أسهل أن يجيب عن الحديث بقوله هذا: "خبر آحاد" و"خبر ظني" و"لا ندري عن صحته وضعفه" و"لا يكفي في الاعتماد" ونحو هذه الإطلاقات التي تنم عن قلة تقدير لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63] قال أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

ولعظمة هذا الأصل ورسوخه قال أحمد بن حنبل: من رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة.

وهي جادة علماء الإسلام كلهم ف "قد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائناً من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب:36]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65]، وبقوله تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:3].

ومن الأخطاء المنهجية هنا: أن يضع بعضهم قاعدة في قبول السنة كمثل قاعدة (التفريق بين السنة التشريعية وغير التشريعية) أو قاعدة (ما يخالف ظاهر القرآن وما لا يخالف) من دون أن يضع ضوابط محررة وواضحة تفصل الحد الذي يقبله من السنة والذي لا يقبله، مما يجعل هذا الأصل واسعاً يدخل فيه كل شيء، ويستطيع أشد المنحرفين أن يلج ويعبث بالسنة بذات الحجة، وربما لا يقره من قال بهذا الأصل، لكنه لم يميز منهجه بحدود وضوابط محررة ومنضبطة، لهذا فالضوابط في الموضوع ذاتية وليست موضوعية.

ومن الأخطاء المنهجية التي تكثر هنا: أن يستدل بعضهم في دعوى تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية بتقسيم القرافي الشهير الذي ذكره في كتابه "الإحكام" حيث أصبح تقسيم القرافي حاضراً يستفاد منه أن "تصرفه بالحكم والقضاء قاصر على محل وروده".

وأن "ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين القسمين ليس ملزماً لكل قاض أو حاكم، وإنما كل قاض أو حاكم يتبعه ويقتدي به في المبدأ الأصلي وهو بناء الأحكام في القضاء على البينات والأسباب وبناء التصرفات السياسية على ما يحقق مصالح الأمة ومنافعها.

فيؤخذ من كلام القرافي أنه يجعل التصرفات السياسية أو الدستورية تصرفات غير تشريعية فلا تكون لازمة، بل تختلف بحسب المصلحة.

والحقيقة أن ثم تصوّرين خاطئين في فهم كلام القرافي يجعل رأي القرافي مختلفاً تماماً، ويجعل إدراجه هنا سوء فهم لكلامه، وقبل توضيح الخطأ أشرح باختصار رأي القرافي كما ذكره في رسالته الشهيرة "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" حيث ذكر أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم منها ما هو فتيا صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره مبلغاً عن الله تعالى، ومنها ما صدر منه باعتباره قاضياً يحكم بين الناس، ومنها ما صدر منه باعتباره إماماً، فما صدر باعتباره فتيا فهو تشريع لجميع الناس لأنه من تبليغ الدين، وما صدر منه باعتباره قاضياً فلا يجوز الإقدام عليه إلا بعد حكم القاضي، وما صدر منه باعتباره إماماً فلا يجوز الإقدام عليه إلا بعد إذن إمام العصر.

فالقضية كلها تشريع، لكن من التشريع ما هو عام لجميع الناس، ومنها ما يختص بالقضاة أو بالولاة.

فهذا كلام القرافي، وقد فهم منه بعض الناس أن الأحكام السياسية ليست ملزمة أو لا تدخل في التشريع لأنها من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة، وهو فهم خاطئ من جهتين:

الجهة الأولى: أن القرافي يتحدث عن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً، ولا يتحدث عن كافة أحكام السياسة، ففرق بين حكم تصرف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً وبين أن يقال: كل أحكام السياسة.

لأن من أحكام السياسة ما هو تشريع قطعاً وليس من تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يقول: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" فهذا قول في السياسة ولا يمكن أن يكون تصرفاً بالإمامة، فهل يقال: إن فلاح القوم عندما يولون امرأة متعلق بحسب رأي الإمام؟ فإن رأى أن يفلحوا أفلحوا وإلا فلا! وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا". فهل يقال: هو تصرف بالإمامة؟ وبإمكان كل حاكم أن يغير في الحكم؟ إذن لماذا سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن التصرف عندما يقع مثل هذا؟ فهم لم يسألوا إلا لعلمهم أن حكمه ملزم وتشريع، والأحاديث الواردة في فضل الجهاد في سبيل الله هل يقال: إنها تصرف بالإمامة!

فمقصود القرافي هو في تصرف فعل النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً، وليس في كل الشؤون السياسية، كما أن ثم تصرفا باعتباره قاضياً وليس هو في كل الأحكام القضائية.

لهذا قال القرافي: "فما فعله صلى الله عليه وسلم بطريق الإمامة كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الإقطاعات في الأراضي والمعادن ونحو ذلك، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر لأنه عليه الصلاة والسلام فعله بطريق الإمامة وما استبيح إلا بإذنه فكان ذلك شرعاً مقررً.

فهو يتحدث عن فعل وقع من النبي صلى الله عليه وسلم بصفته إماماً، وليس عن كل الأحكام والمسؤوليات المرتبطة بموضوع الإمامة، فهو حديث عن (تصرف) وليس عن (باب) محدد من الشريعة.

إن بعض الأحكام السياسية هي شروط في الأئمة كشرط الإسلام في الحاكم، وهذا شرط معتبر، وليس هو من تصرفات الإمام ولا من صلاحياته بل هو من الواجبات التي يلزم الأمة أن تراعيها قبل أن تعقد الإمامة لأحد ما، فالأحكام السياسية أعم وأشمل من التصرفات، فالتصرفات التي صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً جزء من السياسة، وثم أحكام تلزم قبل اختيار الإمام وهي جزء من السياسة، وثم أحكام تلزم الإمام بعد ولايته لكونها من أحكام الشريعة وهي جزء من السياسة، فالأحكام السياسية أشمل وأعم من التصرفات باعتبار الإمامة.

لهذا ذكر القرافي عدة أمثلة اختلف العلماء هل هي فتيا أم تصرف بالإمامة مثل حديث: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" ولو أن مقصود القرافي هو عموم باب السياسة لما كان ثم خلاف في الحديث؛ لأن الحديث واضح جداً أنه موضوع صادر من الإمام، ومع ذلك اختلف العلماء في تخريجه هل هو تصرف بالإمامة أو بالفتيا، فلو كانت موضوعات السياسة خارجة عن التشريع مطلقاً لاتفقوا على أنها تصرف بالإمامة، لكنهم يختلفون لأن المقصد في قاعدة القرافي ليس في كل الشؤون الدستورية أو السياسية بل في التصرف الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً، وشتان ما بين الفهمين.

إن القول بأن الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسة كلها من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة يعني إقصاء هذا الباب بالكامل من التشريع، وتعطيل كافة النصوص والأحكام والخلافات الواردة فيه، وهذا تعد نتج من سوء فهم من لم يتأن في قراءة كلام أهل العلم.

لهذا من الخطأً أن يتم الخلط بين ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة التأبير الشهيرة: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" وبين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة فيجعلها جميعاً من السنة غير التشريعية . فحديث التأبير خارج عن التشريع بالدليل، بخلاف تصرفات الإمامة التي صدرت بوصفه إماماً فهي تشريع لكنه يخص الإمام، وهو من أحكام الشريعة، لهذا يستدل الفقهاء بقسمة الرسول صلى الله عليه وسلم للغنائم وهل يجب التساوي بين الغانمين؟ ومن أين يكون التنفيل فيها؟ وكيف يوزع الخمس؟ ولو كانت هذه التصرفات سياسية غير تشريعية لما احتج بها أحد، سواء من يرى أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فيها واجب أو من لم ير وجوبها؛ لأن الموضوع كله سياسي فهو متعلق -كما يتصورون – بالمصلحة المتغيرة، فالبحث إذن عن حكمها من خلال فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا معنى له ما دام أن بابا السياسة والشؤون الدستورية يقوم كله على المصلحة، وهذا يكشف سوء فهمهم لكلام العلماء.

تبين إذن، أن كلام القرافي في التصرفات النبوية التي يشتبه في كونها تصرفاً بالإمامة أم بالتبليغ، وليس مجرد ورود التصرف في الأحكام السياسية يجعله مشتبهاً ؛ بل بعضها خارج عن التصرف بالإمامة جزماً ويقيناً وأنها تشريع قطعاً وقد سبق ذكر الأمثلة.

ولهذا قرر ابن عاشور أن الأصل في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في الإمامة أنها للتشريع كالفتيا ما لم يدل دليل على خلاف ذلك . فحتى التصرف بالإمامة – الذي هو جزء من السياسة – ليس كله داخلاً في قاعدة القرافي، بل يدخل فيها ما كان تصرفاً دل الدليل على كونه تصرناً بالإمامة لا بالتبليغ.

فحقيقة هذا القول هو حذف الأحكام التشريعية من باب السياسة، وهذا فيه تقارب كبير مع الفكر العلماني الذي يحيد الدين عن الحكم ويلغي استمداد القوانين من الدين، ولا يكفي حينها أن يقال بأننا نأخذ بالمبادئ العامة للتشريع من العدل والشورى والحرية وغيرها؛ لأن المبادئ العامة لا تستغني عن التفصيلات والتشريعات التي تحدد هويتها، وإلا فكل الناس يأخذون بهذه المبادئ وإنما يتمايزون بالرؤى التفصيلية التي تحدد هذه المبادئ، ولهذا فمن يأخذ بهذه المبادئ من دون تشريعات إسلامية محددة لها فهو في الحقيقة لم يأخذ من الشريعة بشيء؛ لأن العلمانيين يأخذون بذات المبادئ، لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر."

فالأخذ بالعدل من دون تشريعات الشريعة في العدل غير كافي.

الجهة الثانية: أن القرافي لم يقل: إنه ليس تشريعاً، بل جعل ذلك حكماً متعلقاً بالأئمة، وفرق بين أن تنفي التشريع عن الحكم وبين أن تجعل حكمه متعلقاً بالأئمة؛ لأني حين أقول: إنه متعلق بالأئمة فقد يكون واجباً عليهم أو مستحباً أو مباحاً أو سبباً، فيختلف بحسب التصرف ويكون تشريعاً منوطاً بهم، فبعض التصرفات لا شك أنها واجبة على الأئمة كإقامة الحدود مثلاً، فلا يمكن أن يقال: إن إقامة الحد أمر مباح يتبع المصلحة لأنه تصرف بالإمامة، نعم هو تصرف بالإمامة فلا يقتحمه أحد إلا الإمام، وليس لكل أحد أن يقيم الحدود، كما أن قسمة الغنائم خاصة بالإمام ولا يقيمها أي أحد، فالفرق بين الفتوى والإمامة أن الفتوى يكون حكمها لجميع الناس والإمامة تكون مختصة بالأئمة، ليس بمعنى أنها غير تشريع وأن وجودها كعدمها بل بمعنى أنها أحكام إمامة لا يقوم بها إلا الإمام سواء كانت واجبة أو مباحة أو مندوبة.

الجواب عن رد بعض الفقهاء لبعض الأحاديث:

نعود إلى ظاهرة تضييق الاستدلال بالسنة النبوية ونختم بهذا التساؤل:

فقد يقال: إن رد بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم موجود عند الفقهاء من قديم، فما يزال الجدل الفقهي مستمراً بين الفقهاء في قبول بعض الأحاديث أو ردها، وكثيراً ما رد بعض الفقهاء أحاديث صحيحة.

وجواب هذا بالتفريق بين من يرد حديثاً لاعتبار معين رآه في الحديث غلب على ظنه فيه أن الحديث غير صحيح أو أن غيره أولى منه بالحكم بحسب موازين الشريعة، وبين من يتخذ رد شيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم منهجاً وأصلا كلياً له، فالأول لم يرد شيناً من السنة في الحقيقة، وإنما اجتهد فأخطأ فردها بناء على اجتهاد، وأما الثاني فهو قد اتخذ رد السنة أصلاً ومنهجاً له، وشتان بين الخطأ العارض لسبب وبين الرد الدائم المعتمد على أصل ومنهج.

وإلا فقد يجتهد العالم فيرد بعض الأحاديث لاعتبارات مختلفة؛ كمخالفته لإجماع أهل المدينة أو لكونه مما تعم به البلوى أو لمخالفة الخبر للقياس أو لكون الخبر مشتملاً على حكم زائد عن النص القطعي أو لأنه مما طعن فيه السلف، وهي كلها اعتبارات راجعة إلى قرائن تدل على ضعف في الحديث أو سهو في راويه أو لوجود ما هو أولى منه.

فقد يعذر المسلم فيرد حديث معين لوجود اجتهاد أو تأويل ما، لكن هذا لا يعني أن رد الحديث سائغ، فهو معذور لوجود سبب، ولا يكون غيره معذوراً إن لم يكن له سبب للإعذار خاصة إذا نبه لذلك.

وأختم هذه الفصل بنص نفيس عن التسليم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم : "قال أبو عبد الله -أي: محمد بن نصر المروزي -: قالوا: فهذا الذي ظن أنه صلى الله عليه وسلم مال إلى الزبير لقرابته منه فخرج بذلك من إيمانه فأنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن، فكيف يكون به مؤمناً من يرد عليه السنة الثابتة المعروفة برأيه أو برأي أحد من الناس بعده تعمداً لذلك أو شكاً فيه أو إنكاراً لها حين لم توافق هواه، ثم يزعم أنه مؤمن عند الله مستكمل الإيمان، من تأتيه الأخبار التي روتها علماء الأمة بالأسانيد الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جعل العمل من الإيمان فيقول: هو ليس كذلك جحوداً بذلك أو شكاً فيه؟!

أو كيف يكون به مؤمناً من يأتيه الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بكذا أو نهى عن كذا فيقول: قال أبو فلان كذا خلافا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورداً لسنة؟!

أم كيف يكون به مؤمناً من يعرض سنته على رأيه فما وافق منها قبل وما لم يوافقه منها احتال لردها؟!

ألا ينظر الشقي على من اجترأً وبين يدي من تقدم؟!

قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات:2،1]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ﴾ [النور:63].

فنهى الله المؤمنين أن يتقدموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهاهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم أو يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض إعظاماً له وإجلالاً، وأعلم أن ذلك يحبط أعمالهم. فكيف بمن جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره في دين الله وأحكامه ملتين؟! ثم يؤخر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدمه، إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يوافقه قال: هذا منسوخ، فإذا حدث عنه بما لا يعرفه قال: هذا شاذ، فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم المنسوخ ومنه الناسخ، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاذ ومنه المعروف، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتروك ومنه المأخوذ."

الفصل الثاني: التسليم للنص الشرعي والمعارضة بفهم النص

المبحث الأول: المعالم الأساسية في دلالة النصوص الشرعية.

المبحث الثاني: الانحراف بفهم النص عن التسليم للنص الشرعي.

المبحث الأول: المعالم الأساسية في دلالة النصوص الشرعية

الغاية من النصوص هو العلم والعمل بها، فالاتباع الحقيقي للدليل الشرعي يكون باتباع مدلوله والعمل بمعناه وتطبيق مراد الله المستفاد من هذا النص، وهذا ما دعا العلماء والأصوليين إلى العناية بمباحث دلالة الألفاظ لأنه بها يعرف مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وبها يتحقق مقصود الشارع من الأوامر والنواهي والأخبار، وهو الامتحان الحقيقي للإيمان، فالإيمان بالنص بلا معنى لا يحمل في الحقيقة أي إيمان؛ لأن الابتلاء أن تؤمن به وبمعناه كما يريده الله، وأن تسعى لتحقيق المقصود منه، بالائتمار به إن كان أمراً، أو اجتنابه إن كان نهياً، أو تصديقه إن كان خبراً.

فلا بد للإيمان بالقرآن والسنة من الإيمان بمعانيهما وحقائقهما وما يدلان عليه من الخير والهدى، فلا إمكانية للفصل بين اللفظ والمعنى أو النص والتأويل أو الشريعة والفقه ليكون القطع والإيمان لذات النصوص وألفاظها وأما معانيها فشيء أخر، فمقصود النصوص هو معانيها وحين تكون محتملة أو مستحيلة أو نسبية فليس ثم إيمان في الحقيقة.

وللوصول إلى نتيجة قطعية في هذه القضية لا بد من استعراض دلائل القرآن لتجلية حقيقة هذا الأمر، فحين نستعرض آيات القرآن تظهر لنا دلائل كثيرة تقدم لنا بينات مهمة في الموضوع:

الدلالة الأولى: أوصاف القرآن:

وفي الكتاب ذكر لكثير من أوصاف القرآن، نقرأ الآيات الآتية مثلاً:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ﴾ [البقرة: 176].

﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة:185].

﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [آل عمران:3].

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء:174].

﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ﴾ [الأنعام:92].

{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام:114].

{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام:157].

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس:57].

{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1].

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم:1].

{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً} [النحل:63].

﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [النحل:89].

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].

﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ [البقرة:2].

ودلائل كثيرة غيرها نتحصل منها صفات هذا القرآن الكريم.

فهو بين، مبارك، مصدق للكتب السماوية السابقة، لا شك فيه، يهدي للحق ولما هو أقوم، فيه تبيان لكل شيء، يبين للناس ما اختلفوا فيه، يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو رحمة وهدى وموعظة وشفاء ونور وبرهان، وهو محكم مفصل.

الدلالة الثانية: أوصاف الرسول والرسالة:

وفي القرآن ذكر لعدد من صفات الرسول وأوصاف الرسالة، نقرأ مثلاً:

﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة:7،6].

﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [البقرة:119].

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا﴾ [الأحزاب:45].

﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡ﴾ [البقرة:129].

{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة:32].

والأمر باتباعه ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران:31].

﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ [آل عمران:32].

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ﴾ [النساء:115].

﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [المائدة:15].

﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ [النحل:44].

إنها رسالة تهدي لصراط مستقيم، تبين للناس ما خفي عليهم، وتبين لهم الهدى، وهي نور سيظهره الله، وصاحب الرسالة شاهد ومبشر ونذير ومبين ومطاع ومعلم ومزكي.

الدلالة الثالثة: ذم الظن والشك والريب والتلبيس:

ففي القرآن ذم لكثير من هذه المعاني الناشئة عن الجهل والإعراض والهوى، نقرأ مثلا:

﴿وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:42].

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:159].

﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖ﴾ [البقرة:85].

{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد:36].

﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [البقرة:147].

﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة:171].

{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا} [يونس:36].

الدلالة الرابعة: ذم الإعراض:

ولظهور هذه الدلائل جاء ذم الإعراض، نقرأ:

﴿ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [البقرة:83].

﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ﴾ [الأنعام:4].

{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ﴿بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ﴾ [فصلت:4،3].

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} [السجدة:22].

هذا الإعراض يدل على أن إشكالية الكفار لم تكن مع خفاء الدلائل، وإنما كانوا معرضين عنها، فلظهور هذه الدلائل لم يكن لهم إلا الإعراض عنها، ولو أقبلوا لما وقع منهم ما وقع.

الدلالة الخامسة: أوصاف المؤمنين بالكتاب:

فالله تعالى قد فصل وبين ووضح الآيات في كتابه ليتحقق للناس هذه المعاني:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة:242].

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة:266].

﴿قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:118].

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة:187].

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران:103].

﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ﴾ [النساء:176].

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة:89].

{انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:65].

{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32].

﴿ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الأعراف:174].

فهذه الآيات تثمر التفكر واليقين والتذكر والتعقل والتقوى والهداية والعلم والشكر والفقه والعلم، وتحمي من الضلال، وتؤدي إلى الرجوع إلى الله.

الدلالة السادسة: ذم التحريف:

فلوضوح هذه الدلائل كان التحريف والعبث بها مذموماً ومن صفات اليهود المناوئين للرسالة:

﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ﴾ [النساء:46].

الدلالة السابعة: التأكيد على التزام حدود الله:

فهي دلائل واضحة وأحكام مفضلة، لها حدود واضحة بينة:

﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة:187].

﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة:229].

﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا﴾ [النساء:14].

{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة:112].

الدلالة الثامنة: الأمر بالتحاكم إلى النص الشرعي:

ولهذا أمر بالتحاكم إليها:

﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59].

﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى:10].

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65].

﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ﴾ [النساء:105].

﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة:44].

{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور:47].

فلو لا وضوحها وقطعيتها وجلاؤها لما كانت حكماً بين الناس، ولما طلب من الناس أن يرجعوا إليها عند التنازع.

الدلالة التاسعة: عناية الشريعة بالإعذار وإقامة الحجة:

ليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل ؛ فأرسل الرسل وأنزل معهم الكتب ليقيموا على الناس الحجة، ولن يتم هذا إلا بالتوضيح والبيان: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ﴾ [النساء:165].

﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ﴾ [المائدة:19].

الدلالة العاشرة: الأمر بالتدبر:

فالتدبر والتفهم والتفكر لا يكون إلا لما يحمل معنى واضحاً وحداً بينا:

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29] فمن تيسير الله تعالى للناس أن جعل خطابه ميسراً يشترك في فهمه عموم الناس ويدركون معانيه ومقاصده، لا سيما ما يحتاجون إليه من أصول الدين ومحكماته، ولو لا ذلك لكان لهم حرج ومشقة، وهو ينافي الرحمة والهداية التي جاءت بها الشريعة.

فمن خلال هذه الحقائق والدلائل القرآنية السابقة نتوصل إلى المعالم الأتية:

المعلم الأول: أن آيات القرآن آيات واضحة جلية بينة، قطعية، يفهمها الإنسان ويعرف مراد الله منها، فالإنسان قادر على الوصول إلى مراد الله، وما أنزل الله هذه الآيات إلا لأجل أن يفهم الناس من خلالها مراد الله ويعرفوا أحكامه ويستقيموا عليها ويؤمنوا بها، فليس فيها التباس ولا خفاء، ف"المقصود الشرعي من الخطاب الوارد على المكلفين تفهيم ما لهم وما عليهم مما هو مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم، وهذا يستلزم كونه بياناً واضحاً لا إجمال فيه ولا اشتباه، ولو كان فيه بحسب هذا التصور اشتباه وإجمال لناقض أصل مقصود الخطاب فلم يقع فائدة."

ومن لوازم هذا أن لا تهمل دلائل القرآن فيخفى معناها، ولا أن يعارض بعضها ببعض ولا أن يضرب بعضها ببعض، فليس هذا شأن الكلام القطعي المعجز ﴿وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء:82] وهذا يتطلب الجمع بين النصوص ورد متشابهها إلى محكمها.

فدلائله واضحة جلية حتى ما كان منها ظنياً فهو واضح وجلي لأن معناه لا يخرج عن معان محددة.

المعلم الثاني: أن فهم هذه الآيات إنما يكون عبر فهم اللغة التي حملت هذه الآيات، فمن خلال اللغة العربية لغة القرآن يعرف الإنسان مراد الله ومراد النبي صلى الله عليه وسلم، فمن وضوحها وجلائها أنها لا تتطلب من الإنسان أي وسائل إضافية لفهم مراد الله سوى فهم اللغة التي أنزل الله بها القرآن، فاللغة هي حامل هذه الأوامر والنواهي والأخبار فلا يمكن فهم المقصود منها دون معرفة هذه اللغة.

"وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها."

وبناء عليه: "فمن طلبه بغير ما أداة له ضل عن فهمه وتقول على الله ورسوله فيه".

ولهذا كان التقصير في فهم اللغة من أسباب الضلال والانحراف عن فهمه، وهو من أسباب الإحداث في دين الله، كما قال الشاطبي بعد استقراء أسباب الإحداث في دين الله: "فالجميع أربعة أنواع، وهي: الجهل بأدوات الفهم، والجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى."

المعلم الثالث: أن هذا المنهج الواضح القطعي الجلي الظاهر هو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم، وسار عليه صحابته الكرام والتابعون ووضحه العلماء وأئمة الإسلام، فمنهجهم هو منهج الإسلام، وفهمهم هو الفهم الصحيح والوحيد لفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ لا بد للنص أن يكون له فهم صحيح فلو صحت كل الأفهام لما صار بياناً ولا هدى ولا نوراً، ولو بطلت كلها لكان الحق غائباً مخفياً ملبساً، فلا بد أن يكون ثم فهم صحيح ولن يكون أحد أولى به من سلف هذه الأمة.

إذن فلا بد من تحديد منهج واضح وفاصل لفهم كتاب الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم سواء ما كان قطعياً منها أو ظنياً، وحين لا يوجد قواعد وأصول منهجية محددة فإن هذا يؤدي إلى تعطيل للنص وإبطال لدلائله الواضحة القطعية التي سبقت الدلائل عليها، وحينئذ فلن يكون أحد أعلم بذلك من الجيل الأول من أهل الإسلام.

فاعتبار فهمهم راجع: لفصاحتهم اللغوية، ولمنهجهم الفطري في البحث والفهم والتلقي، ولكونهم أقرب الناس إلى الرسول زماناً ومكاناً بحيث تتشكل تصوراتهم تحت رعاية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولثناء الوحي عليهم، ولضبطهم لموقع العقل قبل الخلاف، ولخلو عصرهم من الاختلافات العقدية والمذهبية.

ويكفي في شرفهم ومكانتهم ثناء الله عليهم في القرآن الكريم {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [التوبة:100].

وأثنى الله على صحابة نبيه ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة:117].

وقال تعالى: ﴿۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ [الفتح:18].

وقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29].

والمقصود بفهمهم: "ما علمه وفقهه واستنبطه الصحابة والتابعون وأتباعهم من مجموع النصوص الشرعية أو أفرادها مراداً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بمسائل الدين العلمية والعملية مما أثر عنهم بقول أو فعل أو تقرير، وهذا يقتضي إجماعهم أو إطباق جمهورهم على تلك المسائل أو انتشار قول آحادهم وظهوره مع عدم وجود مخالف منهم لذلك القول."

ففهم السلف حجة يشهد له النقل والعقل "ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعماله؛ مخيراً وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله؛ كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنًة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم."

و"من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا بل مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه."

وقد كان ذلك سبباً للوقوع في الضلال والانحراف: "وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى كما فهمه الصحابة والتابعون ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه، وهذا هو من أعظم المحادة لله ولرسوله لكن على وجه النفاق والخداع."

"ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحداً من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة... فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل."

"وأما بيان الصحابة فإن أجمعوا على ما بينوه فلا إشكال في صحته.. وإن لم يجمعوا فهل يكون بيانهم حجة أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين: أحدهما: معرفتهم باللسان العربي.. والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل.. فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات أو تخصيص بعض العمومات فالعمل عليه صواب، وهذا إذا لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية."

فاتخاذ فهم الصحابة ومن سار على نهجهم معياراً لضبط المفاهيم ضمان للوصول إلى مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك فيما أجمعوا عليه لأن إجماعهم حجة، أو في عدم الخروج عن أقوالهم فيما لو اختلفوا لأن الحق لا يمكن أن يخرج عن مجموعهم ولا أن يكون غائباً عنهم حتى يعثر عليه من جاء بعدهم، أو في سلوك منهجيتهم وطريقتهم التي تعرف من خلال استقراء أحوالهم في مصادر التلقي ومناهج الاستدلال وأصول الإيمان والاعتقاد.

المعلم الرابع: أن دلائل القرآن تؤخذ من ظاهره، فهي دلائل بينة وواضحة قد فصلها الله، فالأصل أن يؤخذ الكلام بحسب مراد المتكلم ولا يمكن فهم مراد المتكلم إلا من خلال لفظه وسياق كلامه؛ لأن المقصود من الكلام البيان لا التلبيس، فالبحث حينئذ عن مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم لن يكون إلا باتباع ما يظهر من الكلام، فالأصل هو الأخذ من النصوص بظاهرها، وحين يؤخذ بخلاف ذلك فلا بد أن يكون ذلك مقبولاً على مقتضى كلام العرب، وأن يكون له شاهد يشهد لصحته.

وحين يبدو في النص شيء مشتبه فلا بد قبل تأويله ومخالفة ظاهره من تحقق شروط ثلاثة:

وجود الدليل الصارف للمعنى عن ظاهره.

أن يرجع التأويل لمعنى صحيح في الاعتبار، وأن يكون متفقاً عليه في الجملة.

وأن يكون اللفظ المؤول قابلاً لهذا التأويل في سياقه، وأن يكون متعيناً حمله على هذا المعنى الذي يخالف ظاهره.

كما أن للقرائن أثراً في بيان النص أو معناه أو صرف لفظه الظاهر أو ترجيح محتمل أو تقييد مطلق أو تخصيص عام تجعل المجتهد أكثر التصاقاً بالنص واقتراناً به، فهي قد تدفع بعض المحتملات بمفردها أو بمجموعها بحسب قوة هذه القرائن وظهورها ويحسب طبيعة الاحتمال من حيث القوة والرجحان.

فلأن القرآن بيان وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين فلا بد أن يكون بيانه ظاهراً من كلامه، فلا يجوز أن يدل كلامه على غير مراده ولا أن يفهموا منه ما ليس بظاهره "لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان مراد الحق، ولا يجوز عليه أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم وإن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين."

فهذه المعالم الأربعة تثبت إذن:

أن آيات القرآن ونصوص الشريعة لها معنى واضح محدد خلافا للمفوضة الذين ينفون عن أسماء الله وصفاته معانيها الحقيقية.

وأن هذا المعنى قطعي وظاهر خلافاً للمتكلمين الذين يجعلون دلائلها ظنية.

وأن هذه المعاني تؤخذ من الآيات مباشرة خلافاً لمن يجعل للنص ظاهراً وباطناً، أو يجعل نصوصاً للخاصة وأخرى للعامة.

وأن النص محدد فلا يقبل كل التفسيرات خلافا لأصحاب نسبية الحقيقة من المعاصرين.

وأنه نص حاكم ولازم لكل الناس خلافاً لمن يرى تاريخية هذا النص وأنه خاص بالعصر الذي وجد فيه.

المبحث الثاني: الانحراف بفهم النص عن التسليم للنص الشرعي

الاختلاف في فهم النص قد يكون خلافاً سائغاً مندرجاً في قاعدة التسليم للنص الشرعي، وقد يكون مظهراً من مظاهر الانحراف عن النص وضعف التسليم والانقياد، فالانحراف هنا متعلق بفهم النص وتفسيره ومعناه، وقد يدخل مثل هذا في الانحراف بالعقل لأن الفهم عمل عقلي، غير الانحراف هنا متعلق بفهم النص، والانحراف بالعقل متعلق بإيرادات عقلية من خارج النص.

ومن مظاهر الانحراف المنافية لأصل التسليم في هذا الباب:

أولا: التأويل المذموم:

مصطلح التأويل من أكثر المصطلحات تداولاً لدى الفرق العقدية وأكثرها حضوراً في كتبهم وأقوالهم، إذ كان من حججهم الكبار في تحريف النص، لهذا عني شيخ الإسلام ابن تيمية بدراسة هذا المصطلح لغوياً وشرعياً وتاريخياً، فخلص إلى النتيجة الآتية:

التأويل له معنيان:

المعنى الأول: التفسير،كما يذهب إليه بعض مفسري القرآن حين يقول تأويل هذه الآية كذا أي: تفسيرها، ومن أشهرهم ابن جرير الطبري.

المعنى الثاني: معرفة حقيقة ما يؤول إليه الشيء، وهو المراد بلفظ التأويل في القرآن كما في قوله تعالى: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } [يوسف:100] فتأويل الأحاديث هو نفس مدلولها الذي تؤول إليه.

وأما المعنى الثالث: الذي هو صرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معنى مرجوح لدليل راجح، فهو التفسير الدارج عند المتكلمين، لكن هذا معنى محدث ليس من معاني التأويل في الكتاب والسنة ولم يعرفه أهل اللغة.

وفائدة هذا التحقيق هو إبطال اعتمادهم على هذا المعنى المحدث لتفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران:7] فالتأويل هنا سواء على رواية الوقف أو الوصل لا يراد به التأويل الكلامي في حمل الكلام على غير ظاهره بدليل لأنه معنى محدث فلا يصح تفسير ألفاظ الشريعة بمصطلحات ومفاهيم محدثة جاءت فيما بعد، كما لا تفسر بقية الآيات التي ورد فيها لفظ التأويل بنفس التفسير.

وأما مجرد الاصطلاح على تسمية مثل هذا تأويلاً أو تسميته بأي شيء آخر فغير مؤثر ما دام أنه مجرد اصطلاح، فلا إشكال مع ذات المصطلح، إنما الإشكال في تفسير الآية به، حيث يفسرون به التأويل في القرآن ويزعمون أنه هو المراد به.

وإن كان ثم إشكال مع هذا الاصطلاح عند بعض أهل العلم الذين ينفون المجاز من جهة أنهم لا يرون أن ثم معنى حقيقياً سابقاً قد ترك لوجود مرجح نقل المعنى إلى المعنى المجازي، والخلاف على هذه الجهة خلاف لفظي.

فالتأويل بهذا المعنى يكشف لنا عن قواعد أربع:

الأولى: الإيمان بوجود معنى واضح من النص الشرعي.

الثانية: الإيمان بأن هذا المعنى يؤخذ من دلالة النص وسياقه.

الثالثة: الإيمان بأنه لا يجوز العدول عن ظاهر هذا النص إلا بدليل أقوى منه، فهو يبحث عن مراد النص، فحين يجد دليلاً أقوى منه ينتقل إليه، فهذا بحث عن الدلالة الأرجح للنص، فهو ترجيح لمعنى النص بناء على نصوص أخر، فهو من قبيل تفسير النصوص بعضها ببعض.

الرابعة: الإيمان بأن الاتجاه للمعنى غير الظاهر لا يكون إلا بعد اجتهاد ونظر في الدليل، ذلك:

حين نقرأ هذه المعطيات الأربع نجد أن التأويل بهذا المعنى صحيح ولا إشكال فيه، وحين يلتزم المسلم به فسيكون متبعاً للنص الشرعي، إنما يأتي الإشكال حين تأتي الانحرافات التي تعبث بمسيرة الاهتداء والاقتفاء للنص، فيحرف التأويل ليبتعد عن مسار الكشف عن مراد النص ومعرفة مقصوده إلى تفسير النص بما يخالف ظاهره اعتماداً على أمور خارجية عنه بلا دليل صحيح.

وإذا كان التأويل بهذا المعنى لا إشكال فيه، فأين الإشكال؟

الإشكال في سبب العدول، لماذا يعدل عن ظاهر النص؟

وما الدليل الأقوى حتى يعدل به عن ظاهر النص؟

هنا تأتي الانحرافات الكلامية، فتجعل من معتقداتها السابقة وأصولها الفكرية المنحرفة عذراً لها في تأويل كل ما يخالف النص، فالحقيقة أن المنطلق لم يكن من النص، وإنما جاء من خارجه، فهو يعدل عن ظاهر النص لأنه يرفض هذا الظاهر مسبقاً، فيعدل عنه إلى معتقده السابق، الذي يراه الأرجح دليلاً.

وقد كان الإمام ابن القيم بصيراً بأحوال هذه الفرق جيداً حين وصف منهج التأويل لديهم قائلا:

"وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول كل ما يخالف نحلتها وأصلها، فالمعيار عندهم فيما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، فما وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها تأولوه."

وقبله قال شيخ الإسلام:

"ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانوناً فيما جاءت به الأنبياء من عند الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعاً له، فما وافق قانونهم قبلوه، وما خالفهم لم يتبعوه."

وهذا التقرير ينطبق على كافة التأويلات التي عرفها التراث الإسلامي قديماً؛ كالتأويل الباطني والتأويل الفلسفي والتأويل الكلامي والتأويل الصوفي، فهذه التأويلات التي تحرف مفهوم النص وتحاكم النصوص لمقدمات فكرية مسبقة هي مناهج مخالفة لمنهج التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تستقيم مع وجوب الانقياد لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك:

أولا: لأنها مخالفة لمدلول النص الشرعي، فالواجب هو اتباع ما دل عليه الشارع، ولا يعرف ذلك إلا من خلال اللفظ الصحيح والصريح، فحين لا يكون اللفظ دالا على مقصود الشارع وإنما يبحث عن باطن خفي أو معنى آخر لا يدل عليه اللفظ؛ بل واللفظ ينافيه ويرفضه فهذا إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى النور والبرهان، فإن المتكلم:» "لا يجوز أن يعني بكلامه خلاف ظاهره مطلقاً، ولا يدل عليه دليل خلافاً للمرجئة؛ لأن اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه فهو كالمهمل والخطاب بالمهمل باطل."

فالأصل هو اتباع ظاهر الكلام، وكل من يخرج عن الظاهر، فيجب عليه أمور:

بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي يذكره في ذلك التركيب، ولا يكفي أن يكون مجرد اللفظ يدل في اللغة على معنى ما؛ بل لا بد من كون التركيب بكامله يدل على هذا المعنى؛ لأن ثم ألفاظاً لها دلالات في اللغة مختلفة لكن السياق يحدد المراد، فلا يكفي أن يأتي بدلائل للفظة ما حتى يأتي بأن هذه الدلائل تأتي على ذات السياق.

بيان أن المراد هو المعنى الذي ذكره فلا بد من وجود دليل يثبت ذلك.

إثبات الدليل الصارف عن إرادة المعنى الأساسي.

الجواب عن المعارض.

وهذه الشروط التي ذكرها ابن القيم شروط ظاهرة مستمدة من قاعدة أن الأصل هو التسليم لدلالة ظاهر النص، فهو أصل قطعي، وحتى يستقيم العدول عن هذا الأصل لا بد من مثل هذه المقدمات العقلية.

فليس كل تأويل باطلاً، وإنما الباطل التأويل الذي ينحرف بالآية عن مقصودها، ويتجه به لخلاف ظاهرها بغير منهج صحيح، أما حين تجتمع شروط التأويل فيكون المحل قابلاً للتأويل ومحتملاً له، ودلالة تركيب الكلام والسياق تدل عليه، وقام الدليل على هذا المعنى فهذا تأويل صحيح.

ثانياً: أن ثم لوازم شنيعة للأخذ بهذه المناهج التأويلية: "منها: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهرة ويوقعهم في التشبيه والتمثيل.

ومنها: أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد.

ومنها: أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.

ومنها: أن يكون دائماً متكلماً في هذا الباب بماظاهر، خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب....

ومنها: أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا النبأ العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك إما جهل ينافي الحق وإما كتمان ينافي البيان....

ومنها: أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم.

ومنها: أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب، فإنها ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه... .

فمناهج التأويل هذه لا تقوم على قاعدة منهجية مطردة تضبط فهم النص الشرعي، حتى ولو كانت القاعدة باطلة لكن اطرادها يجعل الانحراف محدداً في جهة معينة، لكنها تقوم على منهج باطل، وغير مطرد، فيفتح به من الشرور ما الله به عليم، ولهذا فالضابط الحقيقي لما يمكن تأويله وما لا يمكن تأويله لا يرجع إلى النص وإنما إلى ذات الشخص المتلقي: "ولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم وصراط مستقيم في النصوص، لم يوجد أحد منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه، إلا بما يرجع إلى نفس المتأول المستمع للخطاب، لا بما يرجع إلى نفس المتكلم بالخطاب."

وإذا كان التأويل مذموما لكونه يحرف الكلام عن حقيقته ويبحث عن مقصود المتأول لا مقصود النص، فكذلك الجمود الظاهري الذي لا ينظر للعلل ولا يتأمل في مقاصد وحكم التشريع ويكون مقتصراً على اللفظ فقط هو قصور في التسليم، فكمال التسليم أن تتبع مراد الله، من خلال إدراك وفهم لكلامه وكلام نبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يكون بمناهج التأويل المبتدعة ولا بالجمود اللفظي الظاهري.

فالظاهرية لا تستحضر مقاصد الشريعة ولا عللها وحكمها فيعتريها نقص في فهم مراد الشارع يؤدي إلى خطأ في تنزيل أحكام الشريعة على الواقع مما يجعل الحكم في الواقع لا يكون حسب مراد الله.

ثانياً: القراءة الجديدة للنصوص الشرعية:

القراءة الجديدة أو القراءة الحداثية أو تجديد الدين أو تجديد التراث، كلها مصطلحات مختلفة لظاهرة واحدة، هي ظاهرة إعادة قراءة النصوص الشرعية بطريقة حديثة.

وهي تختلف بحسب كل قارئ، فثم مناهج عديدة في هذه القراءة لكنها تتفق على أصول كلية عامة، وتتفق في الدافع المحرك لها، هو أن ثم إشكالات دينية وثقافية في التراث سببت التأخر والإعاقة للأمة العربية والإسلامية، التي تمر بمتغيرات ومستجدات هائلة، ولأنه لا يمكن إزاحة هذا التراث بنفيه أو إقصائه فلا بد إذن من إعادة قراءته وتقديمه بشكل مختلف، إذ في التراث جوانب إيجابية لا بد من إشاعتها وإظهارها، كما أن عملية الاندماج في الحداثة ومواكبة التطور والعصر تقتضي ضرورة البحث في التراث عن كل ما يساعد في تحقيق هذه الغاية.

وحينئذ فالمنهجية المتفق عليها بين هذه القراءات هي (تأويل) النصوص غير المرغوب فيها، وإعادة إنتاجها من جديد ليختفي الجانب غير الإيجابي فيها ويظهر الجانب الجديد.

فحقيقة القراءة هذه أنها (تأويل) باطني حديث.

لا تحتاج لكثير عناء حتى تعرف أن غاية هذه القراءة ليس الاهتداء بهذه النصوص، ولا معرفة مراد الله منها، ولا البحث عن الأوامر والنواهي لأجل الامتثال، بل قد رسمت خطة سيرها بوضوح، إنها قراءة موجهة، قراءة ذات هدف محدد، قراءة لها غاية تريد الوصول إليها، قراءة لا تريد البحث عن النص، وإنما تريد البحث من خلال النص، لا تريد الاقتداء بالنص، بل التخلص منه، لا تراعي صحة تأويلها أو قربه من النص أو بعده، تريد من النص أن يتحمل هذه التأويلات، فهي محادة للتسليم ومناقضة للانقياد، فالمقصود من هذه القراءة الوصول إلى نتائج مسبقة، والنصوص الشرعية حاضرة في أدبياتها من أجل أن تزاح فلا تثير إشكالا على هذه النتائج، فالنص صار مشكلا لا دليلاً، وهي ظاهرة قديمة: "وكثير من المتأولين لا يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه، إذ مقصوده دفع الصائل فبأي طريق تهيأ له دفعه، فإن النصوص قد صالت على قواعده الباطلة وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة أو الاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء أو الكتاب أو العامة..."

"فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها."

فهي ظاهرة قديمة، والجديد فيها هو حجم الانحراف والغلو والعبث في تأويل وتحريف النصوص الشرعية.

لجأت هذه القراءات إلى التراث لأنها شعرت أن التراث حاضر وعميق التأثير في نفوس المسلمين، وأن أي تفكير لتجاوزه مؤذن بالفشل، فلجات إليه لتبحث لها عما تريد، فالقراءة تقول هنا وبكل بوضوح: "والحق أن اهتمامي بالتراث لم يكن من قبل وليس هو الآن من أجل التراث ذاته، بل هو من أجل حداثة نتطلع إليها."

وتقول: "إننا بذلك نتحرر من سلطته علينا ونمارس نحن سلطتنا عليه" ثم تتساءل بحرارة "كيف نتحرر من سلطة التراث علينا؟ كيف نمارس نحن سلطتنا عله؟"

إذ ثم قناعة راسخة أنه لا يمكن التغيير إلا من الداخل:

"لا سبيل إلى التجديد والتحديث ونحن نتحدث عن العقل العربي إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكانياته الذاتية أولا."

وهدفها: "تسهم بقسط كبير في أسلمة الحداثة وتحديث الإسلام."

فهي قراءة لتدشين مرحلة جديدة: "والذي يتوقف تقدم الفكر العربي استقبالاً على تحقيق قطيعة إيبيستيمولوجية معه، قطيعة قوامها تدشين زمن ثقافي جديد على أسس جديدة."

فحسب هذه الرؤية يجب "على الفكر العربي أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية والليبرالية في تراثه ويوظفها توظيفاً جديداً في الاتجاه نفسه الذي وظفت فيه أول مرة، اتجاه محاربة الإقطاعية والغنوصية والتواكلية، وتشييد مدينة العقل والعدل مدينة العرب المحررة، وفي إطار الاستعادة والاستيعاب للجوانب العقلانية في تراثنا يجب توظيف مكتسبات الفكر الإنساني الحديث والمعاصر، وبعبارة أخرى: إن هذه المكتسبات ستظل أجنبية عنا ما لم نوظفها في قضايانا توظيفاً علمياً أصيلاً، ومثل هذا التوظيف يتطلب أولاً وقبل كل شيء تأسيسها داخل فكرنا وذلك بربطها بالجوانب المماثلة أو القريبة منها في تراثنا، وهنا كما في جميع المجالات يجب التسلح بالرؤية التاريخية الواعية سواء إزاء تراثنا أو تراث غيرنا، فالمفاهيم التي نستعيدها من تراثنا أو نقتبسها من الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر يجب أن نخضعها لعملية تبيئة جديدة، وذلك بالتعامل معها في تاريخيتها ونسبيتها مع الانتباه إلى المقاصد المتوخاة منها وكيفية التبرير الإجرائي لإدخالها في الوعي العام."

فثم معطيات عدة تنطلق منها هذه القراءة:

أولاً: أن النص مفتوح التأويل لأي معنى، فليس ثم معنى محدد للنص، بل هو فضاء لكافة التأويلات:

"فالتأويل ليس مما يمكن إثباته أو نفيه، ولا يصح عليه التصديق أو التكذيب، ذلك أن التأويل لا يبحث في الأصل عن دلالة مطابقة لموضوع نبحث عنه بقدر ما يعيد اكتشاف الدلالات انطلاقاً من مجازية النص."

فالنص لا يدل على حقيقة ولا يؤخذ منه حقيقة ف: "أن تكون للنص حقيقته معناه: أن النص لا ينص على الحقيقة؛ لأن الخطاب الذي يكون مجرد نص على الحقيقة ينتهي بانتهاء الوقائع التي هي إجراءات الحقيقة، أما النص الذي يفرض نفسه فهو الذي يحثنا دوماً للرجوع إليه لفهم الواقع والحقيقة، بكلمة النص لا يقول الحقيقة بل يفتح علاقة مع الحقيقة."

"إنها قراءة تقوم على فتح النص وتتجه إلى معرفة ما لا يقوله، إلى البحث في الآليات والشروط والقواعد التي تولد المعنى من اللامعنى."

"فالنصوص ثابتة في المنطوق، متحركة متغيرة في المفهوم."

"القرآن نص مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لأي تفسير أو تأويل أن يغلقه أو يستنفده بشكل نهائي أو أرثوذوكسي."

ثانياً: أن النصوص لا يمكن أن يؤخذ منها معان محددة:

فالنصوص لا يمكن أن يؤخذ منها معان محددة كما يتوهم الخطاب الديني، والذي ما زال يظن أنه قادر على فهم النص ف "يوجد بطريقة آلية بين هذه النصوص وبين قراءته وفهمه لها، وبهذا التوحيد لا يقوم الخطاب الديني بإلغاء المسافة المعرفية بين الذات والموضوع فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ادعاء ضمني بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النصوص."

فلا أحد يستطيع أن يفك شفرة النص الديني: "إن الفكر الأصولي السلفي يعتقد بإمكانية فك لغز اللغة الدينية (كلام الله بالذات) أو تفسيرها وفهمها إذا ما سيطرنا على النحو العربي وعلم المفردات والبلاغة وعلم المعنى؛ أي: مختلف العلوم الخاصة باللغة العربية، إن هذا الفكر يجهل بطبيعة الحال أن كل مستويات التحليل اللغوي هذه تعتمد نظرية الروابط المعتمدة بين اللغة والفكر."

والنصوص بحد ذاتها لا تؤدي إلى معنى محدد ف "النص يسكت ليس لأنه ضنين بالحقيقة على غير أهلها، ولا بسبب تقيته من سلطة يخشاها، ولا لغرض تربوي تعليمي يرمي إليه، كما ذهب إليه بعض مفسري القرآن، بل لأن النص لا ينص بطبيعته على المراد، ولأن الدال لا يدل مباشرة على المدلول، هذا هو سر النص: أن له صمته وفراغاته، وله زلاته وأعراضه، وله ظلاله وأصداؤه، فهو لا يأتمر بأمر المدلول، ولا هو مجرد خادم للمعنى، ومن هنا يتصف النص بالخداع والمخاتلة ويمارس آلياته في الحجب والمحو أو في الكبت والاستعباد."

ثالثا: عدم مراعاة قيمة النص الشرعي:

فالنص الشرعي شأنه شأن غيره:

"إن أول شروط البحث العلمي الموضوعي هو دراسة النص بلا عواطف جياشة من شأنها أن توقع الدارس في الوهم وخصوصاً إذا كان موضوع الدراسة نصاً دينياً أو نحو ذلك."

فالقراءة التي تميز النص الشرعي قراءة ميتة: "هكذا ثمة قراءتان للقرآن، قراءة ميتة هي قراءة من يبحث في النص عن حقائق نهائية أو عن أجوبة حاسمة أو عن معلومات جاهزة أو عن معارف ثابتة، قراءة من هاجسه أن يعرف ما يقوله النص وأن يكشف عن مراد الكلام ومعناه الأصلي، وتتجسد هذه القراءة في الشروحات وفي شروح الشرح على نحو خاص، على ما نقرأ ذلك في أكثر الخطابات الإسلامية المعاصرة التي تحاول استعادة النص بمنطق الثبات والتقليد والتطابق مع الأصل، وهذه القراءة تؤسس لجمود الفكر وتحجره أو لركود المجتمع وانحطاطه، وقد تؤول إلى خراب المعنى وانهياره، أما القراءة الحية فمحركها الكشف والاستقصاء، وهاجسها الخلق والتجديد."

رابعاً: تجاوز ظواهر النصوص:

فيمكن تجاوز الحكم الشرعي من خلال الانتقال بالقراءة عن التمسك بحرفية النص إلى أي فضاء أعلى يمكن من خلاله أن يتخلص من الحكم، فمثلاً: "في قضية أن تحجب البنت سائر الورثة شأنها شأن الذكر كان يكفي أن يكون المعيار هو المقاصد الكلية للوحي بدلا من الاستناد إلى اجتهاد الفقه الشيعي أو التمسك بحرفية النصوص."

خامساً: أنها تختلف بحسب كل قارئ:

بل "تختلف عند القارئ نفسه بحسب أحواله وأطواره."

"يبقى النص تنزيلاً وحديثاً صحيحاً المرجع الوحيد وكل حر في مقاربته للنص بشرط العلم وصدق النية والإخلاص."

سادساً: أن النصوص محصورة في زمانها (تاريخية النص):

"وبالدرجة نفسها من الوضوح يبدو إهدار البعد التاريخي في تصور التطابق بين مشكلات الحاضر وهمومه وبين مشكلات الماضي وهمومه، وافتراض إمكانية صلاحية حلول الماضي للتطبيق على الحاضر."

"فالوحي كما سبقت الإشارة واقعة تاريخية لا مجال لانتزاع لغته من سياق بعدها الاجتماعي."

"وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص الله محور اهتمامه ونقطة انطلاقه، فإننا نجعل المتلقي الإنسان بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد."

سابعاً: أن النصوص منتج للواقع الذي خرجت منه:

"وأما القصص القرآنية والحديث النبوي والسيرة فتقدم دائماً على أنها تشكيلات استدلالية عقلانية في حين أنها مدينة جداً لفعالية المخيال الذي يبلور الأساطير الخاصة بأصول كل فئة أو ذات جماعية، ويساهم في تأسيسها وإنجاز هويتها."

فالنصوص ليست إلا نتاجاً للواقع وليست وحياً متعالياً يرشد الواقع ويهديه، ولم يسلم من تأويلاتهم شيء حتى شمل تأويل المفكرين العرب لكل شيء، حتى نصوص البعث والجنة والنار والألوهية والبرزخ والمعاد والوحي والنبوة والملائكة وأحداث يوم الآخر.

فمثل هذا ما أدري هو مؤمن إذن بأي شيء؟ ومستسلم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم بماذا؟

هذه أبرز معطيات هذه القراءة، وبعض نصوص أصحابها، وهم يتفاوتون في تبني هذه القراءة، وفي حدودها، وفي مدى بعدهم عن النصوص وتسليمهم لها، فبعضهم لا تشك طرفة عين أنه لا يؤمن أصلاً بالإسلام ولا بنصوصه ولا بنبيه صلى الله علبه وسلم وإنما يمارس هذا العبث من أجل إضلال الناس ولكونه غير قادر على الإعلان المباشر عن رفضه للإسلام، وبعضهم لديه إشكالات عميقة مع الوحي أو ثبوت القرآن أو السنة، لكنهم في الجملة يتفقون على جملة أصول في التعاطي مع النصوص الشرعية، وقد نشطت غيرة الفقهاء والمؤلفين المعاصرين فأنتجت العديد من الدراسات والأبحاث المميزة في مناقشة مناهجهم المنحرفة المعارضة للنصوص، وفي مناقشة المنطلقات والأسس المعرفية التي يعتمدون عليها، فتناولت موضوعاتهم ومقدماتهم والنتاج العلمي لكل شخص منهم.

وسأركز هنا على المناقشة الإجمالية لها فيما يتعلق بأصل التسليم للنصوص الشرعية:

أولاً: أن القراءة بهذه الطريقة تختلف عن قراءة عموم المسلمين للنص الشرعي، فالمسلمون يريدون من قراءتهم للدليل الشرعي البحث عن مراد الله منه لأجل الانقياد والعمل، فالمؤمن لما آمن بالله وآمن برسوله صلى الله عليه وسلم وصار متبعاً ومنقاداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يبحث عن ما يريد الله منه وما يريده منه نبيه صلى الله عليه وسلم، بخلاف هذه القراءات التي تسعى لأهداف معينة تريد استخلاصها من النصوص الشرعية، لأجل ذلك تمارس التحريف والتأويل والعبث بالنصوص؛ لأنها لا تريد استنطاق النص وإنما تريد أن تستنطقه بما تريد، فهي قراءة موجهة بداية وانتهاء، وهذه طريقة منافية بالكلية لأصل التسليم والانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: أن هذا المنهج قائم على تأويل النصوص، عن طريق استخراج المعاني الباطلة من النصوص الصريحة، وهذا جادة كل منحرف قديماً وحديثاً حين يعجز عن نشر باطله ويجد عند الناس رفضاً قطعياً له فإنه يسعى لأن يبحث عن باطله من خلال النصوص، ولا يمكن أن يجد للمعنى الباطل نصاً صحيحاً ولا دليلاً شرعياً، فكان لا بد من التأويل الذي يستخرج من خلاله ما شاء من المعاني الباطلة.

ثالثاً: لا تقوم هذه القراءات على أي منهجية علمية ولا طريقة موضوعية في تعاطيها مع النصوص الشرعية، فلا هم ينطلقون من قواعد مطردة وأصول منهجية واضحة حتى يستطيع الإنسان محاكمتهم، فليس العبرة في كون النتائج باطلة، بل حتى الوسيلة المنتجة لهذه النتائج هي طرق عبثية فوضوية لا تحمل اطراداً ولا تقوم على أصول صحيحة، وبإمكان أي شخص وبكل سهولة أن يصل إلى أي نتيجة يريدها من خلال النصوص الشرعية، بل يمكن للنص الشرعي أن يحمل المعنى ونقيضه، وأن يدل على الشيء وضده، وإذا كانوا يظنون أنهم فتحوا خيراً من خلال استخراج المعاني الحسنة في نظرهم فقد فتحوا باب شر عظيم بهذه القواعد العبثية، إذ بالإمكان استخراج النتائج المخالفة لنتائجهم من خلال ذات النصوص، وبإمكان أي فكرة مهما بلغت في فجاجتها وغلوها وفسادها أن تبحث عن مستقر لها في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإذا "لم يكن الكلام مبنياً على معانيه فبأي شيء يفهم هؤلاء المخذولون عن ربهم تعالى وعن نبيهم صلى الله عليه وسلم؟! بل بأي شيء يفهم به بعضكم عن بعض؟! ويقال لهم: إذا أمكن ما قلتم فبأي شيء نعرف مرادكم من كلامكم هذا؟! ولعلكم تريدون به شيئاً آخر غير ما ظهر منه؟! ولعلكم تريدون به إثبات ما أظهرتم إبطاله؟! فبأي شيء أجابوا به فهو لازم لهم في عظيم ما أتوا به من السخف."

رابعاً: ضابط التأويل في هذه القراءات إذن يقوم على الأهواء، فهو تابع لأهواء من يفسره ويؤوله، فمن لديه هوى في أي باب فإنه يؤول نصوص وأحكام هذا الباب لتكون على وفق هواه.

ولهذا حين تكون النصوص الشرعية موافقة لأهوائهم فإنهم يستدلون بها ولا يخضعونها للتأويل لأنها حققت المقصد، وحين لا تكون على وفق أهوائهم يأتون بهذه القراءات.

خامساً: ليس لأي أحد أن يحمل كلام القائل كيفما اتفق بل بحسب مراد ومقصد القائل، و"كل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف مراده وعلى الوجه الذي يعرف مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه."

سادساً: أن النصوص الشرعية مع هذه القراءة حينئذ لا معنى لها، بل يوضع لها ما يراد من المعاني، وهذا ينافي كونه نصاً شرعياً، فإيماني به يدعوني لأن أتبعه وأسير على هداه، وحين لا يكون فيه من المعاني إلا ما أضعه فأنا متبع لهدى نفسي وهواها ولا أكون متبعاً لأي نص.

وإذا كان العلماء ينتقدون المتكلمين الأوائل لأنهم "يقصدون به حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، لا يقصدون طلب مراد المتكلم وحمله على ما يناسب الحال" ، فكيف بمن يحمل اللفظ على غير مراد المتكلم، ولا ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، بل بحسب ما يريدون هم من الكلام أن يكون!

وإذا كانوا يقولون: "لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال" ، فكيف بمن لا يضع أساساً للنص أي معنى!

سابعاً: حقيقة هذا التأويل أنه يبحث في التراث ليتخلص من النصوص التي لا تتوافق مع أهواء الثقافة القوية المتغلبة (الثقافة الغربية) فهي قراءة مهمومة بالتخلص من أحكام المرأة والكفار والمواريث والحريات والحدود والجهاد والولاء والبراء وكل حكم لا يروق للغرب، وكلما ابتعد الشخص عن دينه وخضع لمنظومة الفكر الغربي زادت دائرة التأويل والتحريف لديه حتى يصل الحال به إلى تأويل ذات الإسلام والنبوة والوحي لأن الفكر المادي يرفضها ولا يقبل بها، فالمعيار في التأويل هو ما تقبله الحضارة الغربية وما لا تقبله، وبما أن الحضارة الغربية فيها تفسيرات واجتهادات مختلفة فدرجة العناية بالتأويل وقوته هو بحسب قوة ذلك في الحضارة الغربية، فما كان قطعي الرفض في الحضارة الغربية كان تأويله قطعياً، وما كان دون ذلك فهو أقل.

فتأويلهم ينطلق مما يرونه من لوازم على الأخذ بالنصوص يخالف الحياة المدنية المعاصرة والثقافة الغربية المعاصرة، وهذه قاعدة التأويل المنحرفة منذ القديم، تضعف النصوص في قلوبهم فيجدون أنفسهم مضطرين لتأويلها لتكون متوافقة مع الوافد المعظم الذي سكن قلوبهم.

ثامناً: حين تحترم ذات النص ولا تحترم الفهم فإن هذا في الحقيقة ليس احتراماً لشيء، فقيمة النص في معناه ومفهومه ومدلوله، وحين يكون الإيمان فقط باللفظ فليس ثم في الحقيقة إيمان؛ لأن روح الألفاظ وقيمتها في معانيها، وحين تسلب منها هذه المعاني لا يعود للفظ قيمة حقيقية.

تاسعاً: أن فتح النص للمعاني والقراءات المختلفة، يجعل كل قراءة بحاجة إلى قراءة، وكل نقد بحاجة إلى نقد، وهذا هوس وترف أدبي فارغ ولا يمكن أن يكون في نصوص شرعية، "إن المطالبة بأن تكون اللغة مرنة تقبل كل إضافة أو تغيير باب إلى أن تكون اللغة مائعة كالماء السيال لا تقف عند دلالة معينة؛ أي: أن تكون لغة غير منضبطة وهو وقوع في مستنقع من الصورية والتلفيق إذ من المستحيل عادة أن تجد لغة تقبل كل تعديل أو إضافة لم تبق والحال هذه لغة إذ إنها تكون قد فقدت وظيفتها التواصلية."

ففتح هذا التأويل يؤدي إلى قبول الأحكام المتناقضة، فيقبل الشيء ونقيضه، وهو عيب عقلي تتفق العقول بفطرتها على استنكاره، لكنه صار محل مدح وتميز "كلام الله يتسع للمثل والمختلف، والموافق والمعارض في آن."

"هكذا يتسع لكل المقالات ويحتوي كل اختلاف ولا مجال إذن لتضييق ما اتسع".

عاشراً: يتحدث أصحاب هذه القراءات دائماً عن ضرورة الاجتهاد وأهمية التجديد الذي يعيد للفقه حيويته وينتشل المجتمع من الركود والتخلف ويساعد في مسايرة ركب الحضارة، والقضية سهلة لا تحتاج لكل هذا الاجتهاد، فالمطلوب أن يفتي الشخص بإباحة كل الملفات المعلقة، وأن يجيز كل ما منعه أهل العلم، وأن يتجاوز أي حكم لم ترض عنه الحضارة الغربية، فهذه عملية رخيصة لا تستحق الإشادة، ولا داعي لكل هذا الثناء فهو لا يحتاج لمؤهلات بقدر ما يحتاج لمن يملك جرأة وقلة دين وحياء ونقص موضوعية.

أخيرا: فالنص الوحيد الذي يمارس عليه هذه الفوضوية هو النص الديني مع النص الأدبي، لكن هذا لا يمكن أن يتم مع النصوص القانونية مثلاً، أو مع نصوص التخاطب بين الناس لأن هذا عبث لا تقوم به دنيا ولا يستقيم عليه معاش، فهو خارج التفكير في أي قضية جادة في الحياة، ويمكن أن يفهم في النصوص الأدبية إن كان من باب تدريب الذهن على القراءة والتأويل واستخراج المعاني لكن في النصوص الدينية ليس هو إلا ضرباً من العبث.

هذه القراءات الحداثية لا تميز مكانة النص الشرعي في الثقافة الإسلامية، فقراءتها النقدية للتراث ومساعيها التجديدية له تغفل عن مركزية الدليل والنص في الثقافة العربية الإسلامية، فالثقافة الإسلامية تقوم على اعتماد الدليل كأصل ومرجع لها، فأي قراءة للتاريخ الإسلامي في تراثه وثقافته وسيره لا بد أن تكون مستحضرة لهذه المركزية، لكن هذه القراءات لا تستحضر هذا البعد، بين مقل ومستكثر، وحينها تأتي انتقاداتها منطلقة من تغييب لهذا الأصل الرئيسي.

لنأخذ الدكتور محمد عابد الجابري مثالا لهذا، وقراءته تعتبر معتدلة إذا ما قورنت بقراءة نصر حامد أبو زيد أو أركون أو طيب تزيني أو حسن حنفي ونحوهم، ومع هذا فحين نستخلص بعض القراءات النقدية التي وجهها للتراث والتاريخ نجدها تغفل عن إدراك هذه الخاصية.

فهو ينتقد تقعيد اللغة العربية وجمع مفرداتها الذي حرمها من سنة التطور: "لذلك بقيت اللغة العربية وما زالت منذ زمن الخليل على الأقل لم تتغير لا في نحوها ولا في صرفها ولا في معاني ألفاظها وكلماتها ولا في طريقة توالدها الذاتي، ذلك ما نقصده عندما نقول عنها إنها لغة: لا تاريخية، إنها لغة تعلو على التاريخ لا تستجيب لمتطلبات التطور."

وهذا انتقاد غير مفهوم؛ لأن جمع اللغة يراد به ضبط المعاني والألفاظ حتى يتمكن المسلم من فهم كلام الله وكلام رسول صلى الله عليه وسلم، فلو تطورت اللغة لما أمكن للمسلمين من بعد أن يعرفوا دينهم ولالتبست عليهم كثير من الأحكام، فاجتهاد المسلمين الأوائل في ضبط اللغة تصرف بدهي ضروري لأنهم يتبعون القرآن ويهتدون بهداه ويريدون حفظه للناس ولا يمكن هذا بدون ضبط للغة، ولو أن اللغة قد تطورت وتغيرت معانيها وألفاظها لتعسر على من بعدهم أن يفهم كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهو شيء واضح، وقد انتقد غفلته عن خاصية النص من لا يؤمن بالإسلام أساسا.

وينتقد منهجية التفكير في العقل السلفي لأن:

"عملية التفكير في هذا العقل محكومة دوماً بأصل، وبعبارة أخرى: إن العقل البياني فاعلية ذهنية لا تستطيع ممارسة أي نشاط إلا انطلاقاً من أصل معطى (نص) أو مستفاد من أصل معطى (ما ثبت بالإجماع أو بالقياس).

ولأن "المعرفة العقلية في الحقل البياني تقوم كلها إما انطلاقاً من أصل وإما انتهاء إلى أصل وإما بتوجيه من أصل."

وليس ثم أي إشكال في هذا، بل إن هذا الانتقاد يثير الكثير من الإشكالات في مدى استيعاب الناقد لدور النص وخاصيته، فمن البدهي أن يكون النص أصلاً يقاس عليه ويستنبط منه.

كما أن العقل العربي يميز في تفكيره بين النصوص الشرعية وبين غيرها من المجالات، فهو حين ينظر في النصوص ينظر فيها بحسب خاصيتها وحقيقتها، فيتعامل معها بناء على هذا الأساس وحين ينظر في بقية مجالات الحياة يتعامل معها بناء على طبيعتها، فالاعتماد على أصل والقياس عليه والتفريع منه ينظر فيه العقل في النصوص لأن خاصيتها تفرض ذلك، لكنه لن يمارس ذات الدور في بقية شؤون الحياة، وهذه نتيجة بدهية، فكون الناقد لا يميز بين الحقل الديني الذي تقوم عليه النصوص المقدسة والحقل الدنيوي الآخر يدل على إشكالية في فهم حقيقة النص ومركزيته.

وينتقد اكتمال العلوم العربية جميعاً: "ألم يولد النحو العربي كاملاً مع سيبويه؟ ألم تتحدد أصول الفقه عند مولدها مع الشافعي؟ ألم تولد الكتابة التاريخية في الإسلام كاملة أو شبه كاملة مع ابن إسحاق والواقدي؟.." .

ولأن هذه العلوم يراد بها الوصول إلى فهم الشريعة ومعرفة أحكامها فمن البدهي أن تأتي مكتملة في الجملة؛ لأن النصوص والأحكام ثابتة لا تتغير، فلا يمكن أن يكون للنص حكم في زمن يتطور بتطور أدوات تفسيره لأن هذا يزيل عن النص خاصية العصمة وإلهية المصدر.

ويتعجب من وضع قواعد للعقل قبل عمله:

"إذا كان الوضع الطبيعي أن يأتي تقنين اللغة تتويجاً لتطور آدابها كما يشير إلى ذلك جيب، فإنه سيكون من الطبيعي أيضاً أن يأتي تقنين العقل نتيجة لتطوير منتجاته، ولكن الذي حدث في التجربة الثقافية العربية هو العكس تماماً، لقد بدأ العمل العلمي في الحضارة العربية الإسلامية بالتشريع للمشرع بتحديد مجال حركة العقل البياني العربي وطريقة عمله."

فلأن دور العقل هو في فهم النص ومعرفة مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم فمن الطبيعي أن يكون ثم مسار لهذا العقل، هو في الحقيقة إعمال محكم لهذا العقل، فكما دل عقل الإنسان إلى الله وأرشده إلى الوحي فمن العقل أن يبحث عن مراد الله ويسير خلف منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالانتقاد هنا لا يفرق بين النص الإلهي الذي يبحث فيه العقل عن ما يريد الله، وبين التجارب البشرية والخبرات التي يجتهد العقل ويستفيد منها.

كما ينتقد الحضور العميق لتاريخ الصدر الأول وأنه لا وجود لدى الثقافة الإسلامية لظاهرة الأزمنة المنفصلة كما هي لدى الثقافة الغربية:

"إن هذه الاستمرارية الحقيقية أو الموهومة لا فرق تمد أصحابها بوعي تاريخي يجعلهم يتجهون للمستقبل دون أن يتنكروا للماضي.. أما نحن في العالم العربي فلا نؤرخ لثقافتنا بالقرون إلا تكلفا.

"صحيح أننا نفصل بين العصر الجاهلي، العصر الإسلامي، عصر النهضة، ولكن هذا الفصل سطحي تماماً، فنحن لا نعيشه في وعينا ولا في تصورنا كمراحل من التطور ألغى اللاحق منها السابق، ولا كأزمنة ثقافية تتميز عن بعضها بميزات خاصة تجعلها متصلة أو منفصلة."

وكيف يمكن لمن يرى نفسه يجب أن يكون متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسائراً على هديه وهدي أسلافه، كيف يمكن أن يقبل بالأزمنة المنفصلة؟ فعصر الرسالة هو الأصل والمنطلق والموجه، فلا يمكن أن يكون مجرد مرحلة تاريخية مرت وانتهت، وإذا كان طبيعياً في ثقافة لا تقوم على حقائق وأصول قطعية فلا يتصور أن يكون ممكناً في الثقافة الإسلامية لأن هذا يخالف طبيعتها.

فهذه بعض النصوص التي تكشف أن النص والدليل الشرعي لم يقدر حق قدره في هذه القراءة النقدية، فلو فهم الشخص حقيقة النص الشرعي وخاصية الدليل لزال عنه هذا الاستشكال، فهذه الانتقادات تكشف عن إشكال في ذات القراءة قبل أي شيء آخر، فهي قراءة تنتقد الثقافة الإسلامية ولا تميز مكانة الدليل الذي كون هذه الثقافة، كما ضعف لديها التمييز بين حقيقة (النص) الديني المنزل بالوحي، وبين طبيعة التجارب والخبرات الأخرى، فتعاملت مع العقل الإسلامي وكأنه يتعامل معها بطريقة واحدة، مع أن العقل الإسلامي يميز بين الموضوعين بشكل ضروري، فكونه يعظم الدليل ويبحث عن القياس ويجتهد في الاستنباط فلأنه يدرك خاصية الدليل ولا يعني هذا أنه يمارس مثل هذه الأدوات في كافة شؤون حياته.

ولهذا كثر نقدهم لاعتبار الماضي عند السلفيين، وجرى توزيع التهم بسخاء "ظلاميين، رجعيين، ماضويين، متخلفين...إلخ" هكذا بإطلاق، والشيء الواضح من هذه التهم هو أن الإشكال في الموقف من النص الشرعي، فالمسلم لا بد أن يكون منجذباً إلى ماضيه معظماً له متبعاً له، هذه هي خاصية النص والدليل الشرعي، فحين يأتي من يعيرك بذلك فهو في الحقيقة يكشف عن إشكالية حقيقة الإيمان في نفسه.

انظر في خاتمة الأمر إلى هذا النص لتعرف أي قدر لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عندهم:

"أما عند المشرع التونسي فإن آية قرآنية ما ليست نصاً في قانون أي: أنها لا تقوم مقام القانون وإنما هي كلام الله يتوجه به إلى البشر باللغة التي يفهمونها ليعبر لهم عن توجيه أو نصيحة عامة، ثم على المشرع في كل بلد أن يجد القانون الذي يحقق ذلك التوجه على الوجه الأفضل، مراعياً في ذلك اختلاف المعطيات وتباين العصور، وفي عالمنا هذا أصبحت هذه المهمة موكولة إلى الدولة التي يجب أن تكون القوانين التي تسنها تعبيراً عن موقف أغلبية الرأي العام كما تتجلى من خلال انتخاب النواب في البرلمان انتخاباً حرا."

فالآية القرآنية لا تستحق أن تكون حكماً وقانوناً، وإنما قدرها أن تكون مجرد نصيحة وتوجيه، وبعد أن نزل بالخطاب الشرعي إلى مجرد التوجيه، فحتى هذا التوجيه ليس مطلقاً، بل هذا المشرع هو الذي يختار له التوجه الأفضل، وهذا التوجه ليس ثابتاً، بل يختلف بحسب كل حال، وفي مثل عصرنا حين صارت القوانين تسن عبر مجالس برلمانية فإنها ستكون لهم حسب موقف أغلبية الرأي العام؛ يعني: تراجع حتى عن جعل أحكام القرآن مجرد توجيهات يختار لها ما هو أفضل بحسب كل زمان!

ثالثاً: ظنية الدلالة الشرعية:

يشيع عند المتكلمين القول بأن دلائل الشريعة لا تفيد إلا الظن، وقد شرحها الرازي ودلل عليها فقال: "الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ، وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك، والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة وعدم الإضمار والتأخير والتقديم والنسخ وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه."

ثم زادت إشكالا مع القراءة المعاصرة التي لا ترى إمكانية الوصول إلى المعنى المحدد من خلال اللغة، وتجعل النص قابلاً لعدد مفتوح من المعاني والتأويلات –كما سبق -.

ولابن القيم تحقيق بديع في "مختصر الصواعق المرسلة" ذكره جواباً عن كلام الرازي السابق، وهم أحسن حالا بكثير من أصحاب القراءة المعاصرة؛ لأن أولئك المتقدمين يؤمنون بدلائل الشريعة لكنهم يقصرونها على الظن، كما أن حكمهم على النص بكونه ظنياً لا يلغي العمل به، ومع كونهم أحسن حالا إلا أن منهجهم هذا يفتح باب شر وسوء وإفساد لدين الناس، وقد أحسن ابن القيم في مناقشتهم، ولعلي ألخص مناقشته في العناصر الآتية فهي مناقشة منهجية تأصيلية للتعامل مع أحد أصول المعارضات الفكرية:

أولا: أن هذا مخالف لحجة الله التي أقامها على الناس، فحين لا يكون كلام الله قائماً على القطع والجزم واليقين فكيف يكون حجة لله على عباده؟! وكيف يكون إعذاراً لهم؟!

ثانياً: "أن الله سبحانه بين لعباده غاية البيان وأمر رسوله بالبيان وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس.. وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع فعلم قطعاً أن المراد بيان اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين اللفظ فكذلك نتيقن أنه بين المعنى بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ، وهذا هو الذي ينبغي فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود."

ثالثاً: لو كانت النصوص لا تدل إلا على الظن فكيف عرف الناس أمور الآخرة وتفاصيل الحساب والبعث والجنة والنار؟ فكلها أمور خبرية لا مدخل للعقل فيها، فلو كانت ظنية فكيف وجد اليقين بمثل هذه الأخبار، وهو مما يتفق الجميع على الإيمان والجزم به، فمن أين جاءهم هذا اليقين؟.

رابعاً: "أن دلالة اللفظ مبناها على عادة المتكلم التي يقصدها بألفاظه وكذا على مراده بلغته التي عادته أن يتكلم بها، فإذا عرف السامع ذلك المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا تكلم بذلك اللفظ أن يقصده علم أنه مراده قطعاً وإلا لم يعلم مراد متكلم أبداً وهو محال."

خامساً: أن من يقصد باللفظ خلاف ظاهره فهو ملبس ومدلس لا مبين ولا موضح، ومن تنزيه كلام الله تعالى أن يبرأ عن مثل هذا.

سادساً: "أن قوله: إن فهم الأدلة اللفظية موقوف على نقل النحو والتصريف، جوابه أن القرآن قد نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه ومعانيه لا فرق في ذلك كله، فألفاظه متواترة وإعرابه متواتر ونقل معانيه أظهر من نقل ألفاظه وإعرابه كما تقدم بيانه، ونقل جميع ذلك بالتواتر أصح من نقل كل كلمة نقلها ناقل على وجه الأرض، وقواعد الإعراب والتصريف الصحيحة مستفادة منه مأخوذة من إعرابه وتصريفه وهو الشاهد على صحة غيرها مما يحتج له بها فهو الحجة لها والشاهد.. .

سابعاً: أن المعنى لا يؤخذ من دلالة اللفظ بشكل مجرد، بل ثم قرائن دلالية تأتي في السياق توصل اليقين في قلب طالب الحق وتقطع بالمعنى المراد ف "إن مراد المتكلم يعلم من لفظه المجرد تارة والمقرون تارة ومنه ومن لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارة، ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة، وليس في القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام."

ثامناً: "أن هذا القول الذي قاله أصحاب هذا القانون لم يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم لا طوائف المسلمين ولا طوائف اليهود والنصارى ولا عن أحد من أهل الملل قبل هؤلاء، وذلك لظهور العلم بفساده، فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق، فإن بني آدم يتكلمون ويخاطب بعضهم بعضاً مخاطبة ومكاتبة.. فلم يسترب سامع النطق في حصول العلم واليقين به بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية."

تاسعاً: "أن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل في نفسه، فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل فقد يكون قطعياً عند زيد ما هو ظني عند عمرو، فقولهم: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول لا تفيد العلم بل هي ظنية هو إخبار عما هو عندهم إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم لم نستفد بها العلم لم يلزم منها النفي العام على ذلك."

عاشراً: إذن: "يقال له: اصرف عنايتك إلى طلب ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والحرص عليه وتتبعه وجمعه ومعرفة أحوال نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه، واجعله غاية طلبك ونهاية قصدك بل احرص عليه حرص أتباع أرباب المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم، ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منهم، وحينئذ تعلم هل تفيد أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم أو لا تفيده، فأما مع إعراضك عنها وعن طلبها فهي لا تفيدك علماً ولو قلت: لا تفيدك أيضاً ظناً لكنت مخبراً بحظك ونصيبك منها."

رابعاً: الخلل في تصور مفهوم القطعي والظني:

القطع والظن مصطلحات محددة يقصد بها تحديد درجة الجزم واليقين بالحكم الشرعي، إذ الأحكام الشرعية ليست على درجة واحدة، وليست في اليقين والضرورة بمستوى واحد، فمنها ما تعاضدت الدلائل عليه حتى صار قطعياً يجزم المسلم به يقيناً، ومنها ما هو دون ذلك، كما أن الأحكام الشرعية منها ما هو ركن أو واجب أو مندوب أو مباح، فهي تتفاوت في درجة العناية بها بحسب ما حددته الشريعة، وتتفاوت أيضاً في درجة اليقين بها بحسب دلائلها.

غير أن ثم إشكالات في فهم هذه القضية تسببت في عدد من الانحرافات المخالفة لأصل التسليم للنص الشرعي، فمن ذلك:

رد الأحاديث النبوية لأنها ظنية:

فلأن كثيراً من العلماء يقولون: إن سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي ثبتت بالآحاد ذات ثبوت ظني فإن هذا يدل على أنها غير ملزمة.

وهذا خطأ في فهم كلام العلماء، فهم لا يقصدون بالظن هنا أن قبولها ورفضها سواء، وإنما يعنون أنه لا يقطع بها كما يقطع بالمتواتر وبنصوص القرآن، لكنها نصوص يجب العمل بها والتزام دلالتها، فالظن هو اصطلاح لدرجة اليقين بالحكم وليس رداً للحديث أو رفضاً.

قال ابن القاص: "لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد إذا عدلت نقلته وسلم من النسخ حكمه وإن كانوا متنازعين في شرط ذلك، وإنما دفع خبر الآحاد بعض أهل الكلام لعجزه – والله أعلم – عن علم السنة."

قال ابن عبد البر: "وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافا."

وقد حكى الإجماع عليه جمع غفير من العلماء.

على أن في القول بأن أخبار الآحاد تفيد الظن مطلقاً فيه نظر؛ لأن القطع والظن يختلف، فليس كل الآحاد ظنياً، بل ثم ما يفيد العلم فيها وهي الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول عملاً بها أو تصديقاً بها أو كان ثم قرائن أخرى: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً به أنه يوجب العلم."

"وما كان من نص كتاب أو سنة مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع ولا يسع الشاك في واحد منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب."

"وكذلك الذي عليه الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به، فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم، ولهذا كان الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم."

"وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وهو قول أكثر أصحابه كالإسفراييني وابن فورك، فإنه وإن كان في نفسه لا يفيد إلا الظن لكن لما اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه على حكم مستند في ذلك إلى ظاهر أو قياس أو خبر واحد، فإن ذلك الحكم يصير قطعياً عند الجمهور وإن كان بدون الإجماع ليس بقطعي."

وذلك مثل أحاديث الصحيحين، فلقد تلقاها العلماء في الجملة بالقبول: "ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ، فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهو إجماع على الخطأ، وذلك ممتنع."

فالخلاف بين أهل العلم في دلالة خبر الآحاد على العلم أو الظن لا علاقة له بقبول هذه الأخبار والعمل بها، فهي أخبار يجب العمل بها لكن لا يصل اليقين بها إلى يقين المتواتر ونصوص القرآن، وما زال الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام يستدلون بأخبار الآحاد ويعملون بها.

وكذلك فأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا صحت تكون حجة في الأحكام والعقائد، لا فرق بينها، ولا حجة لأهل الكلام في نفي دلالة الآحاد على الاعتقاد.

تسويغ الخلاف في الظنيات دون القطعيات:

يتخذ البعض من تقسيم (القطعي) و(الظني) ليبني عليه أن القطع ليس محل خلاف، وأما الظني فخلافه سائغ، أو يقال: إنه من الجزء المتغير من الإسلام أو مما يتغير بالزمان والمكان.

وهذا كله خلط وتصور غير صحيح للقطع والظن، فالظنيات منها ما فيه نص ظاهر فلا يسوغ خلافه حتى ولو كان ظنياً، فالواجب اتباع الظاهر من النصوص، خاصة أن القطع يتبع النظر والاستدلال، فقبل النظر في الدليل لا يمكن للإنسان أن يقطع أو يظن، فالأصل أن يتبع المسلم الدليل، وبحسب قوة الدليل وبحسب علم الشخص واطلاعه على الأدلة وحرصه على تتبع مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم يظهر له الحكم بالقطع أو الظن، فهو تابع للنظر في الدليل وما يعلمه المسلم منه.

كما أن مصطلح (الظنيات) لا يعني أنه حكم مباح يسع الإنسان أن يفعله أو يتركه: "ومنطقة الظنيات هذه بقسميها - ما ليس فيه نص وما فيه نص ظني - ليست كلا مباحا يرعاه كل من هب ودب، إنما يجب أن تفهم في ضوء المنطقة الأولى وفي إطارها، بحيث يسير الجزئي في كنف الكلي، ويرد الظني إلى القطعي، ويفهم المتشابه في دائرة المحكم، ولا يضرب النصوص بعضها ببعض ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ﴾ [النساء:82].

تفسير الثوابت والمتغيرات بالقطعيات والظنيات:

الثوابت والمتغيرات من المصطلحات الشهيرة، ولا إشكال – في الجملة - مع ذات المصطلحات إن لم تتضمن محرماً، إنما الإشكال في تفسير المصطلح، فبعضهم يفسره بأن الثابت هو القطعي والمتغير هو الظني: ف"الشريعة هي الجزء الثابت من أحكام الإسلام، والثابت النصوص القطعية في ورودها ودلالتها، والفقه تفسير الرجال لهذا الجزء الثابت المستمد مباشرة من النصوص القطعية وقياساتهم عليه واجتهادهم فيما لا نص فيه وترجيحهم بين ما تعارض من الأدلة.. وهو في ذلك لها يرمز إلى الجزء المتغير من تراث الإسلام."

فالثوابت هي المتعلقة بالقطعيات ثبوتاً ودلالة من الشؤون الدينية والثوابت الدنيوية، بخلاف المتغيرات الدنيوية التي قد يكون منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة.

وهذا خلل، خطأ في مضمون الكلام وليس في مجرد الاصطلاح، فأمور الاصطلاح أمرها أهون حين يحرر الإنسان قصده بشكل جيد، لكن المضمون هنا خطأ، فالظنيات لا تتغير بحسب الزمان والمكان، بل الظنيات هي أحكام شرعية لكن درجتها دون درجة القطعيات، فالنظر فيها ينطلق من نصوص شرعية وقواعد كلية، وقد يختلف فيها العلماء لكن اختلافهم منطلق من منهج اختيار الأرجح من النصوص، ولا يكون حكمها راجعاً إلى اختلاف الزمان والمكان.

فالظنيات مندرجة ضمن الثوابت، فهي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، والخلاف فيها ليس راجعاً لتغير الزمان والمكان وإنما خلافاً في تقدير النصوص، فمحل السعة فيها أن يختار المجتهد أرجح ما يراه صواباً لا أن تكون محل تغير مطلقاً.

فالمتغيرات هي الأحكام التي كانت معلقة بأعراف أو مصالح متغيرة أو ما كان مرجعه إلى العرف، وليست الأحكام الخلافية أو الظبية.

تقييد الأحكام الشرعية الملزمة بما كان قطعي الثبوت والدلالة:

النصوص قد تكون قطعية وتكون ظنية، والقطعية والظنية تكون في الثبوت، وتكون في الدلالة، وكلاها من أحكام الشريعة، فالتقسيم إلى قطعي وظني لا يعني أن أحدهما من الشريعة والآخر خارج عنها، ولا أن القطعي هو المتفق عليه والظني مختلف فيه، ولا أن القطع لا يسوغ فيه الخلاف وأن الظني يسوغ فيه الخلاف، فهذه مفاهيم غير دقيقة، فالقطع والظن هو مدى قوة اعتقاد المسلم للحكم، فقد يكون قطعياً لا يحتمله أي وارد، وقد يكون دون ذلك، وهو يختلف بحسب علم الشخص واطلاعه على المسائل، فيزداد القطع عند أناس ويقل عند آخرين.

إذن فليس من شرط الدليل أن يكون قطعي الدلالة والثبوت كما يتوهم بعضهم؛ لأن قطعية الثبوت والدلالة حسب هذا الاصطلاح قليل جداً في الفقه الإسلامي، فهي تخص الأحكام القرآنية ذات الدلالة القطعية فقط، وبعض الأحكام القطعية من السنة المتواترة، وتخرج منها كل أحكام السنة الأخرى وأكثر أحكام القرآن التي تؤخذ من عمومه ونحوه، وهذا تعطيل للجزء الأكبر من الشريعة، ولا يقوم هذا الكلام على منهج صحيح.

وهذا الخلط شائع لدى بعض المعاصرين، حتى صار البعض حين يسمع من يقول له: هذا حرام، يقول: أين الدليل القطعي ثبوتاً ودلالة على هذا؟ ويستدل بعضهم على عدم تحريم حكم ما فيقول: لم يرد فيه دليل قطعي الثبوت والدلالة!

فمثلاً يقول أحدهم:

"صحيح أننا بعد الإسلام أصبحنا ملتزمين بعقائده ومثله وشرائعه، ولكنه مع هذا ترك لنا مساحات رحبة نتحرك فيها يمنة ويسرة ونشرق في رحابها ونغرب سواء فيما لا نص فيه أصلاً، أم فيما فيه نص على قواعد كلية ومبادئ عامة، أو فيما فيه نصوص جزئية ظنية الثبوت أو الدلالة أو ظنيتهما معاً."

"وهنا لا يجوز لأحد أن يزعم لرأيه الصحة ولا لمذهبه الكمال."

وهذا خطأ بين، فكون النص ليس قطعي الثبوت والدلالة لا يغني أن يشرق الإنسان ويغرب كما يشاء، بل هو جزء من الشريعة واجب الاتباع لكن درجة الجزم به أقل من القطعي لا أنه غير واجب الاتباع، تماماً كما أن القطعي ليس على درجة واحدة، فمن القطعي ما هو من المعلوم من الدين بالضرورة ولا يقبل من أحد عذر في إنكاره؛ كالشعائر الظاهرة من وجوب الصلاة والزكاة والإيمان بالمحرمات الظاهرة؛ كحرمة الخمر والزنا والربا، فهذه ضروريات أشد قطعية من غيرها، فدرجة الجزم بالحكم يختلف عن حكم الاتباع.

ومن الشبه التي يعتمد عليها هنا أن يقال: إن القطع لا يحتمل أي إمكانية لتفسير آخر، بخلاف الظني الذي يمكن أن يفسره أحد برأي آخر، ولو كان الله يريد منا أن نؤمن بها كما نؤمن بالقطع لجعلها على نفس درجتها فيقولون: إن الله "لو أراد أن يجمع الناس على رأي واحد لجعل نصوص الدين كلها قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فلا مجال فيها لخلاف، ولكنه لم يفعل ذلك فدل على أنه تعالى لم يرد أن يمنع الناس من اختلاف الاجتهادات والآراء."

وخلاصة هذا: استحالة رفع الخلاف.

صحيح، لا يجب عليك أن تؤمن بها كما تؤمن بالقطعي، لكن تؤمن بها كما تؤمن بالظني، فكونها ليست قطعية لا يؤدي إلى نفي الإيمان بها، فهذا الكلام ينتج أن الظني لا يؤمن به كالقطعي، وهذا خارج محل النزاع ولا أحد يتكلم فيه، إنما الحديث: هل الظني يؤمن به أم لا؟ فالدليل يدل على شيء مختلف عن الدعوى التي يراد للدليل أن يسندها.

خامساً: تجديد القواعد الأصولية:

تقوم القواعد الأصولية على اعتماد منهجية شرعية منضبطة لكيفية فهم دلالة النص، فهي تنطلق من بحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم حسب القواعد الشرعية واللغوية والعقلية التي يتوصل بها إلى هذا المقصود، وهذا يجعل من هذه القواعد أمراً شديد الأهمية والخطورة لكونها توجه المسلم لكيفية التعامل مع الأدلة الشرعية، ومن الطبيعي حينها أن يكون ثم (احتياط) و(احتراس) من دعوات التجديد لهذا العلم، فالقضية ليست متعلقة بأحكام فقهية متغيرة يختلف الحال فيها من زمان ومكان حتى يقال بأهمية الاجتهاد والتجديد فيها مرة بعد مرة، بل هو متعلق بدلائل ثابتة ومنهجية منضبطة لاستخراج الدلائل والأحكام الشرعية، والأصل في مثل هذا أن لا يتغير بتغير الزمان والمكان، كما أن الخطأ في هذه القواعد وإساءة التجديد فيها لن يكون خطأ في حكم أو ترجيحاً لقول مرجوح، بل سيكون عبثاً بأصول كلية في الفقه الإسلامي.

إن كان يقصد بالتجديد تجريد هذا العلم من المباحث الكلامية، أو تدعيمها بالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو تيسير كتابتها وإعادة تأليفها بالأسلوب المناسب لآداب العصر وأفهامهم، أو إبراز مقاصد هذا العلم والعناية به ، أو تصحيح بعض الأقوال والتقريرات، أو حذف ما لا ثمرة عملية منه، أو العناية بالتفريع والتطبيقات الفقهية على القواعد الأصولية، فهذا التجديد وما في معناه كله تجديد محمود ومقبول، ومن المهم على من يقرر مثل هذا النوع من التجديد أن يبرز معالم هذا التجديد بوضوح حتى لا يختلط ولا يلتبس بغيره من مشاريع التجديد العبثية.

لكن كثيراً من دعوات التجديد لا يكفيها هذا، وإنما تبحث في تحريك ثوابت القواعد حتى يتم بعد ذلك تغيير جملة كبيرة من الأحكام، مثلاً يعد بعضهم أن أكبر خطأ هو وضع المبدأ الأصولي المتفق عليه: لا مساغ للاجتهاد فيما ورد فيه نص قطعي.

ولهذا تكررت الدعوات إلى فتح باب الاجتهاد المنفلت الذي يتجاوز الوقوف عند فهم النص والعمل في إطاره إلى الاجتهاد خارج النص، لهذا يعيب بعضهم دعوات التجديد المعاصرة التي ما تزال تحافظ على محورية النص فإنها: "رغم دعوتها إلى نبذ التقليد وإلى إعمال العقل وإعادة فتح باب الاجتهاد سجينة له إذ يقتصر الاجتهاد عندها كما عند القدماء على ما ليس فيه نص ولم يدرك زعماؤها – من الأفغاني إلى علال الفاسي - أن تطبيق هذا المفهوم لا يمكن أن يؤدي إلى غير النتائج التي كانت موضع نقدهم."

فالعبرة من تغيير القواعد هو تغيير النتائج، فالمسلم لا ينطلق من القواعد إلى النتائج، وإنما يحدد النتائج التي يريدها من قبل ثم يحرك القواعد التي لا توصل لهذه النتائج، ويستبدلها بما يناسب!

مشكلة دعوات التجديد أنها لا تستحضر خاصية القواعد الأصولية، فهي قواعد تبحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم توضع لأجل أن تقرر نتائج محددة سلفاً، فهذه منهجية مقلوبة لا يمكن أن تفهم في علم أصول الفقه: "إن علم أصول الفقه علم متدين، وهذا امتياز وليس إشكالية يحاول تجاوزها باسم التجديد."

سادساً: تحريف الأحكام الشرعية:

ونتيجة للانحراف في فهم النص الشرعي وتسلل المناهج المنحرفة تبدأ الأحكام الشرعية بالتهاوي والسقوط بأدنى عارض ولأقل سبب يرد في الذهن، وتبدأ أساليب التأويل والتقييم والحصر التي تخرجه الحكم عن ظاهر، ومقصوده.

وقد قام عدد من المعاصرين بنحر جملة من الأحكام الشرعية بسيف التأويل الذي انحرف بهم عن جادة التسليم للنص الشرعي فلم تسلم منه قطعيات الشريعة ولا ظنياتها ولا أصولها ولا فروعها، فحتى الأحكام القطعية الصريحة في القرآن لم تسلم من النفي أو التأويل، ومن تلك الأحكام:

إنكار الحدود مطلقا.

إنكار حد الرجم.

إنكار حد الردة.

ويجوز في حد السرقة أن تكون العقوبة للسرقة القطع، ويجوز أن يكون بأقل من ذلك، ويجوز في حد الزنا الرجم ويجوز ما دون ذلك، فالقطع والرجم هو أعلى العقوبة لا أنه هو العقوبة الوحيدة.

وحين تسأل عن سبب اللجوء إلى تقسيم العقوبات إلى أقصى وأقل؟

فهو لأجل أن تذلل العقبات التي تقف في وجه تطبيق الشريعة، حيث إن القطع والرجم مشكل جداً عليها، فحين تكون خياراً من خيارات العقوبة يمكن تجاوزه وتزول هذه الإشكالية.

فعجباً: ما فائدة الحرص على تطبيق الشريعة إذن ما دام المسلم سيحرفها عن حقيقتها؟

ومن التحريف أيضاً: إنكار تضعيف نصيب الذكر في الميراث والحكم بمساواة الذكر والأنثى.

ويستدل لذلك ب "أن المرأة الحديثة التي لها مستوى تعليمي مماثل لمستوى زوجها ولها دخل مشابه لدخله تنفق منه على أسرتها لا يمكن مقارنتها بحال المرأة الجاهلة المحجوبة في بيتها التي تعيش عالة على زوجها من الناحية الاقتصادية."

ويظهر آخر تلفيقاً جديداً فيجعل ميراث المرأة لنصف ميراث الرجل ليس ملزماً فقد يكون النصف أو أعلى منه إلى المساواة الكاملة.

بل إن المواريث كلها ليست ملزمة فيمكن أن تقسم بحسب الوصية ولو خالفت كافة المقدرات.

وإنكار اختلاف الرجل عن المرأة في الشهادة.

وإنكار تعدد الزوجات.

وضرب الزوجة.

والحكم بكراهية شرب الخمر وليس تحريمه.

ورفض الطلاق خارج القضاء.

ورفض عصمة الرجل بالطلاق وقوامته.

والحكم بأن غض البصر ليس محدداً فقد أمرنا الله بالغض من البصر ولم يحدد ما الذي نغض منه ليكون ذلك بحسب كل زمان ومكان وأعرافه.

ونفي الحجاب.

وعدة المطلقة.

وأما الجيوب التي أمر الله بالضرب بالخمر عليها فهي الثديان وما تحتهما وتحت الإبطين والفرجين والأليتين، فهذا ما يجب ستره عند غير المحارم، وأما المحارم فلا يجب ستر شيء.

ولم تسلم من هذا النفي والتحريف حتى الصلاة والزكاة والصيام.

ثم تمت الدعوة إلى تشكيل لجنة من مختصين في العلوم المختلفة من المسلمين وغيرهم لدراسة قضايا المساواة في الميراث، عواقب حجاب المرأة، أثر الصوم على صحة الشيوخ والصبيان، أثر الصوم على الإنتاج.

هذا جزء يسير من منهج العبث الذي تدار به نصوص الشريعة وأحكامها القطعية، ولست بحاجة لمناقشة آرائها فقد كتب الغيورون على دين الله الكثير من الدراسات والبحوث التي تناقش كل هذه التفصيلات، كما أن هذه القضايا من المسائل القطعية المحسومة شرعاً والتي لا تخفى دلائلها، إنما المقصود بيان مسار التأويل العبثي إلى أن ينتهي مساره.

ومن الملفت أنهم يعتقدون أنهم في صنيعهم هذا يحسنون صنعا، ويخافون من الله "أتى الزمان الذي زاد فيه عدد القادرين وعدد المتقدمين لأداء الفريضة، ومهما فعلنا في توسعة المكان وتيسير الفريضة فلن يتبقى لنا سوى الزمان، فماذا نجيب الحق عندما يسألنا يوم القيامة: لماذا ضيقتم على أنفسكم وعندكم المتسع من الزمان؟"

لأنهم يقدمون اجتهاداً يصحح صورة الإسلام ف"للإسلام عذره إذ قرر أن حظ المرأة دون حظ الرجل" ، فالإسلام حين أعطى المرأة دون حقها كان له أعذار يجب الاستماع إليها، وتفهم دوافعها!!

وحين يثبت بعضهم أحكام الإسلام فعلى كيفية "أني أرفض أن أدين الإسلام لأنه يبيح تعدد الزوجات."

فالمرأة "وإن كان حقها هذا دون حق الرجل لأنه لا يمثل منه إلا النصف، لكن هذا الاستحقاق يعد مكسباً لا يستهان به بالقياس على المعمول به عادة قبل القرآن" . فحكم الإسلام وإن كان ليس بالصورة الجيدة لكنه كان أحسن ممن كان قبله! يا لضعف تلك النفوس المنكسرة {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91].

الفصل الثالث: التسليم للنص الشرعي والمعارضة بالواقع

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: المعالم الأساسية لمراعاة الشريعة للواقع.

المبحث الثاني: الانحراف عن التسليم للنص الشرعي بدعوى الواقع.

المبحث الأول: المعالم الأساسية لمراعاة الشريعة للواقع

الشريعة الإسلامية ليست لحظة تاريخية حققت مصالح الناس ثم انتهت، ولا هي شريعة تراعي مصالح الناس في ظرف زماني ومكاني معين ويتعسر على الناس في أزمنة وأمكنة أخرى أن يتقبلوها لاختلاف المصالح والأحوال، فلا هذا ولا ذا، فقصر الشريعة على لحظة زمنية محددة إخراج لها عن رسالتها العالمية الخالدة الخاتمة ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ﴾ [الأنبياء:107]؛ فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة رحمة لجميع الناس، في كافة المعمورة، وفي كل الأزمان ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ ﴾ [الأنعام:19] واقتصارها على مصالح اللحظة التي خرجت فيها قصور فيها ينافي رسالتها وعصمتها ويضيق من إقبال واتباع الناس لها، لكنها رسالة خالدة ووحي من الله، جاءت بالمصالح الدينية والدنيوية التي تحقق صلاح الناس في كل زمان ومكان، وجاءت بالقواعد والأصول الكلية التي يتمكن المسلم من خلالها من تطبيقها في كل حين، وراعت الأحوال والمتغيرات التي تعتري كل زمان ومكان بما جعلها منظومة محكمة خالدة وما كان هذا ليكون لولا أنها وحي من رب العالمين:

"إن الوضع الذي انتهى إليه رجال القانون بعد ذلك الجهاد الطويل من اعتبار الواقع بعد تقويمه وتقديره بميزان العدل ليس أمراً جديداً بل هو في شريعة الله قديم، حيث قرره الإسلام من أول أمره وسار عليه فقهاؤه إلى الآن، فهو لم يكن مثالياً بالمعنى الذي بدأت به القوانين، ولا واقعياً بالمعنى المقابل له عندهم، فهو لم يكن خيالياً في يوم من الأيام، ولا واقعياً خاضعاً للأهواء والشهوات، بل كان ولا يزال واقعياً معقولاً يسير مع الواقع بعد تقديره بميزان العدل الإلهي البعيد عن أغراض الناس ونزواتهم".

إن الشريعة تجمع بين مراعاة الواقع ومتغيراته وبين الأصول والكليات والأحكام الشرعية، فالتغيرات التي تطرأ على واقع الناس لا تلغي اعتبار الثوابت والأصول والقيم الشرعية، فليس كل شيء في الإنسان يتغير، فثم تغير ظاهر في الإنسان وثم ثبات ظاهر أيضاً.

إن الإنسان وإن وصل إلى القمر وقرب البعيد وأنطق الحديد فلم يتغير جوهره بسبب ذلك، نعم تغير مأكله وملبسه ومركبه وأدواته لكن بقي هو هو الإنسان، بحاجاته وفطرته وغرائزه، بضعفه ونقصه، لن يستغني عن هداية الله المتمثلة في وصاياه وأحكامه ولو وصل إلى ما وصل إليه "سيظل الإنسان وإن صعد إلى القمر أو ارتقى إلى المريخ في حاجة إلى قواعد ربانية تضبط مسيرته وتحكم علاقته تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتحل له الطبيات وتحرم عليه الخبائث، تلزمه بعمل ما ينفعه وتجنب ما يضره، تأمره بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وتنهى عن الفحشاء والمنكر."

ولمراعاة الشريعة للواقع الذي ستنزل عليه جاءت بأحكام وأصول شرعية محكمة تضمن تحقيق الشريعة لكل ما يصلح شؤون الناس في كل زمان ومكان، ويمكن تفصيل ذلك في معالم أساسية ثلاثة:

المعلم الأول: بناء الشريعة على ما يحقق مصالح الناس:

ف"الشريعة كلها مشتملة على جلب المصالح كلها دقها وجلها، وعلى درء المفاسد بأسرها دقها وجلها، فلا تجد حكماً لله إلا وهو جالب لمصلحة عاجلة أو آجلة أو عاجلة وآجلة، أو درء مفسدة عاجلة أو آجلة أو عاجلة وآجلة" .

وكلما عظمت المصلحة كانت أعظم في الشريعة ف"إذا عظمت المصلحة أوجبها الرب في كل شريعة، وكذلك إذا عظمت المفسدة حرمها في كل شريعة."

وتختلف الآثام بحسب ما تفوته من المنافع والمصالح، وتتفاوت الأجور بحسب اختلاف رتب المصالح، فالطاعة والمعصية تختلف بحسب عظم المفسدة والمصلحة.

فالناس بفطرهم يميلون إلى ما ينفعهم ويبتعدون عما يضرهم، وإن اختلفوا في تقدير هذه المنافع والمضار لكنهم في الجملة متفقون على طلب النافع وترك الضار، ولأن الشريعة وحي من الله فإنها قطعاً ستأتي في هذا الأمر بالكمال، جاءت بأكمل المصالح وأنفعها وأشملها، وسعت لدفع المفاسد وتقليلها، جاءت بالمصالح الدينية والمصالح الدنيوية التي بها سعادة الناس في دينهم ودنياهم ف"الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، ورجحت خير الخيرين بتفويت أدناهما."

فقاعدة الشريعة تقوم على جلب المصالح كلها، وعندما تتعارض ولا يمكن الإتيان بها جميعاً فإنها تأتي باختيار أرجح المصلحتين، وتقوم الشريعة على درء المفاسد كلها، وإن لم يمكن فبدرء الأشد فساداً ثم ما كان أقل منه.

ولأن المصالح فطرة بشرية يسعى لها جميع الناس، فإن لكل ثقافة فلسفتها في فهم المصالح، فالثقافات وإن اتفقت في جلب المصالح ودفع المفاسد، واتفقت في أصول المصالح والمفاسد، واتفقت على كثير من المصالح والمفاسد التفصيلية إلا أن لكل ثقافة تواعدها ومنطلقاتها في فهم المصلحة.

فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح، وجاءت أيضاً بالطريق الذي يدلنا على المصالح فالله تعالى يقول: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء:107] فلو لا أن هذه النصوص تدلنا على المصالح لما كانت رحمة.

والمصلحة في الشريعة تنطلق من اعتبار الشريعة هي الأصل الذي تدور حوله المصالح، فهي مرشدة للمصالح، وهي في نفس الوقت ضمان لأي تجاوز أو تعد عليها، فالمفاهيم الشرعية ثابتة وقطعية ومركزية لأنها مستمدة من وحي إلهي، فهي تحقق ضماناً يحول دون أي فهم أو تفسير أو اجتهاد يكون سبباً لمنع المصالح أو جلب المفاسد.

وهذه المصالح تتحقق في كل زمان ومكان، وفي كل واقع، بما يجعل الواقع متقبلاً للإسلام وبحاجة إليه مهما اختلف هذا الواقع وتجدد.

وقد اتفقت كلمة العلماء على تقسيم المصالح من حيث قبول الشارع أو رفضه لها إلى ثلاثة أقسام (معتبرة وملغاة ومرسلة) :

المصلحة المعتبرة:

وهي المصلحة التي جاءت الشريعة باعتبارها وإقرارها والحث عليها، كمصلحة القيام بالعبادات، والإحسان إلى الناس، ومصلحة الأخذ بمكارم الأخلاق، ومصلحة البيع والشراء والمعاملات الشرعية، ومصلحة القصاص والحدود، ومصلحة حقوق الوالدين والأقارب والجيران ونحو هذه المصالح التي جاء فيها نصوص وأدلة اعتبرتها ورفعت من أهميتها، فهذه مصالح شرعية معتبرة لأن النص قد جاء بها فتكون معتبرة.

والمصالح التي اعتبرتها الشريعة ليست على درجة واحدة، فهي على درجات ثلاث:

المصالح الضرورية: وضابطها المحكم هي المصالح التي "لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين."

المصالح الحاجية: وهي المصالح ال "مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة."

المصالح التحسينية وهي: "الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق."

فهذه المصالح شاملة للعبادات والعادات والمعاملات والجنايات بما يجعلها قاعدة كلية مطردة تراعي كل عصر بكافة متغيراته ومستجداته، ولا تقتصر على جانب محدد فقط.

كما أن تحديد هذه المصالح مرتبط بظرف كل عصر، فالافتقار إلى الشيء والاضطرار إليه أوصاف تختلف حسب الزمان والمكان، فلكل مجتمع ضروراته وحاجاته، فالضرورات أو الحاجات ليست محددة في أحكام معينة قد تخص فئة أو مجتمعاً أو زمناً ما، بل هي ضرورات وحاجات كل شخص وأي مجتمع في أي عصر، مما يضمن تحقيق المصالح ودرء المفاسد التي تريدها الشريعة.

المصلحة الملغاة:

وهي المصلحة التي جاءت الشريعة بإبطالها وإسقاطها وتحريمها؛ كمصلحة شرب الخمر وبيع المحرمات والتعامل بالربا ومصلحة الثأر للنفس بالظلم وأخذ أموال الناس بالباطل والاعتداء على حقوقهم، ومصلحة الزنا والرشوة، وغيرها من المصالح التي جاءت الشريعة بتحريمها، فهي مصالح ملغاة وغير معتبرة، وإنما ألغتها الشريعة مع ما فيها من مصلحة لأن المفسدة المترتبة عليها أعظم وأغلب من المصلحة المرجاة منها، ولهذا يقول سبحانه: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ ﴾ [البقرة:219]. فحقيقتها أنها ليست مصلحة بل مفسدة، لأن المصلحة الموجودة فيها لا تقارن بالمفسدة المترتبة عليها.

المصلحة المرسلة:

وهي المصلحة التي لم تأت الشريعة باعتبارها، ولم تأت بإلغائها، بل سكتت عنها، وقد اختلف العلماء في قبولها أو رفضها، والحقيقة أن الخلاف لا يرجع إلى ذات المصلحة وإنما يرجع إلى أمور أخرى، فالعلماء متفقون على العمل بها ومشروعيتها، لكن بعضهم يراها من أصوله الفقهية فيشدد في شروطها وبعضهم وإن كان لا يراها من أصوله إلا أنه يعمل بها من وجه آخر.

فالخلاف بين العلماء في المصلحة المرسلة راجع إلى خلافهم في تحديد المقصود بالمصلحة المرسلة وهل هو أصل بذاته أم تابع لأصول متفق عليها.

ولهذا حكم عدد من العلماء بأن الخلاف في هذه القضية خلاف لفظي، وأن كافة المذاهب الفقهية التي ترى تعليل الأحكام تعمل بالمصلحة المرسلة الملائمة للشريعة والتي شهدت الشريعة بجنسها وإن كان لم يرد فيها دليل بخصوصه، فالخلاف يرجع لتفسير المقصود بالمصلحة المرسلة.

فالمصلحة المرسلة مصلحة معتبرة في الحقيقة، والفرق بينها وبين المصلحة المعتبرة في قوة الدليل، فكلما كان الدليل على الحادثة خاصاً كان أقوى، وأما المرسلة فدليلها عام.

الأدلة الشرعية على اعتبار المصالح:

في نصوص القرآن دلائل عديدة على اعتبار الشريعة للمصلحة، كما في توله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ﴾ [الأنبياء:107] وأمر الله تعالى بأصول المصالح فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ } [النحل:90].

وأحكام الشريعة هي حياة للناس: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24].

وذم الله الإفساد في الأرض: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة:205].

ومن أدلة اعتبار المصالح: التعليل للأحكام الجزئية وهو كثير في القرآن والسنة ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة:185] ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾ [البقرة:179] {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر:7] ونصوص الشريعة في هذا كثيرة.

ضوابط المصالح:

وحتى تكون قاعدة المصالح والمفاسد سائرة على المنهج الصحيح فلا بد من ضوابط منهجية تضمن وصول الاجتهاد إلى المصالح الحقيقية لا الموهومة، وقد جاءت الشريعة بضوابط، والتفريط في الضوابط تفريط في أصل المصالح.

هذه الضوابط تحدد مفهوم المصالح والمفاسد حسب المنظور الشرعي، فهي بمجملها تحدد المصالح والمفاسد الشرعية، إذ إن للمصلحة خصائصها في الشريعة الإسلامية، فهي مصالح مستمدة من الوحي الإلهي الذي يجعل الأحكام قطعية ثابتة أو تدور حول قطعي ثابت، وهذا يقطع أي شك أو عبث بهذه المصالح.

وهذه خاصية عظيمة للمصالح الشرعية، فهي تستمد من الوحي، بخلاف من يأخذ بالمصالح وفق المنظور المادي المعاصر، حيث القصور البشري الذي يغيب عنه الاستفادة من مصدرية الوحي، والقصور النسبي الذي يحرم الإنسان من اليقين، والقصور في الاقتصار على الجانب المادي فقط الذي يحرم الإنسان من مصالح الدين والروح الذي فيه سعادة الدنيا والآخر.

وكل هذه الضوابط ترجع إلى ضبط مفهوم المصلحة حتى يكون على وفق الميزان الشرعي لتكون مصلحة حقيقية فعلاً، وليست مصلحة متوهمة أو مفوتة لمصالح أعظم منها أو جالبة لمفاسد أكبر، ومن هذه الضوابط: أن لا تعارض نصاً من الكتاب أو السنة، وألا تعارض الإجماع، وأن تكون مندرجة في مقاصد الشريعة، وألا تدخل في جوهر العبادات، وألا يترتب عليها مفسدة أعظم أو تفويت مصلحة أكبر.

المعلم الثاني: مراعاة متغيرات الواقع:

فالمتغيرات التي تطرأ على واقع الناس وعاداتهم، والظروف التي تستجد على المجتمعات بأثر الزمان والمكان وتبدل الأحوال لها اعتبار في الشريعة وفق منهجية منضبطة تحفظ الأصول وتراعي المتغيرات، ومن هذه المنهجية:

أ- توسيع دائرة الإباحة:

فمن رحمة الله وسعة الشريعة أن كانت دائرة الإباحة والعفو هي الدائرة الأوسع والأشمل في الشريعة الإسلامية، فالحرام مفصل {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:119]، وأما الإباحة فليست مفصلة لأنها هي الأصل، ولا يمكن للبشر أن يحصروا أفراد ما أباحه الله لهم، فالأصل في الأشياء والعادات والأعراف الحل والإباحة، فما لم يرد فيه نص أو أصل يحزمه فهو مباح لا حرج فيه، وحينها لا يرد استشكال تغير المجتمعات ودخول المستجدات عليها وتبدل طرائق لبسهم وأكلهم ومراكبهم وعاداتهم لأن الأصل في كل هذا الإباحة.

ب- بمراعاة العرف:

لكل مجتمع عاداته وأعرافه التي تختلف عن المجتمعات الأخرى، وهي أعراف من خاصيتها أنها تتبدل وتتغير حسب الزمان والمكان، وقد جاءت الشريعة باعتبار العرف، وذكره العلماء في تواعدهم الفقهية التي استمدوها من النصوص الشرعية، حتى ذكروا قاعدة (العادة محكمة) فجعلوها من القواعد الفقهية الكلية الكبرى.

ومن أوجه اعتبار العرف في الشريعة:

اعتبار العرف في فهم النص:

وهو ما يبحثه الأصوليون في مبحث (تخصيص النص بالعرف) فهل للعرف أثر في تخصيص النص، بأن يخصص ببعض أفراده ولا يؤخذ بعمومه؟

العرف هنا ينقسم إلى نوعين:

العرف القولي، والعرف العملي.

أما العرف القولي فإن كان عرفاً موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يخصص به النص ولا إشكال، وهو في الحقيقة ليس تخصيصاً، بل دليل على فهم النص؛ لأنه لا يمكن فهم النص بشكل صحيح إلا بهذا، فإذا كان الناس يخصصون لفظاً ما في عرفهم فجاءت الشريعة به فإن المتبادر إلى ذهنهم هو ما يعرفون وليس لعموم اللفظ، فالأخذ بهذا هو من التسليم واتباع النص لأن النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله ومن كمال تبليغه أن يفهم الناس مراده على وجه الحقيقة، فالواقع أن هذا من قبيل العام الذي أريد به الخصوص وليس العام المخصوص.

وأما العرف الطارئ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فغير معتبر؛ لأنه يخصص الشريعة ويلغيها وليس لأحد أن يفعل هذا؛ لأن هذا مناف للتسليم للنص، فالواجب اتباع النص لا تعديل النص ليتوافق مع مراد الإنسان.

وأما العرف العملي، فإن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجمهور الفقهاء أنه غير حجة، وذهب الحنفية إلى أنه حجة، وليس ثم خلاف في الحقيقة لأن الحجة عند الحنفية تأتي من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له، فهو حجة لكونه إقراراً من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو تخصيص نص بنص، لكن فائدة مثل هذا أن الأعراف تكون حاضرة في حال تطبيق النص فيوضح ويبين، وأما العرف الطارئ بعد هذا فليس بحجة.

تحديد الأحكام الشرعية المطلقة:

حين يأتي الحكم الشرعي مطلقاً من دون تحديد بكيفية أو صفة معينة فإن تحديد ذلك يكون إلى العرف، وذلك مثل كثير من الأحكام الزوجية؛ كالعشرة بين الزوجين ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء:19]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة:228]، ومتاع المطلقة ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:241]، فالمقصود ب"المعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف" وحينها ف"مرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف وهو العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثله لمثلها، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والعوائد.

ومثل حكم الحرز والقبض في المعاملات والغرر وكيفية قبض الأجرة في البيع والصداق وغيرها كثير، فضابط هذه الأحكام إنما يرد إلى أعراف الناس.

وأيضاً: فألفاظ الناس في عقودهم وأيمانهم وتبرعاتهم يرجع بيانها إلى العرف، كما أن ما اعتاده الناس يعتبر مندرجاً ضمن الشروط وإن لم ينص عليه، لهذا قال العلماء: "المعروف كالمشروط."

الأحكام الشرعية المعلقة بالعرف:

وذلك حين يكون الحكم الشرعي قد علق على وصف بناء على عرف ما، فإذا تغير العرف فيجب أن يتغير الحكم لأن الحكم معلق به، ومن أمثلة ذلك من الأحكام الشرعية الثابتة عن الشريعة لكنها كانت مرتبطة بعرف: أن كون الصمت هو إذن الفتاة البكر كان نظراً لغلبة الحياء على النساء، وأما مع كثير من النساء التي لديهن جرأة أكثر فلا يكون الصمت إذناً، إن لم يكن قرينة وعلامة الرضا.

كما أن هذا يجري بشكل أوضح وأوسع في الأحكام الفقهية التي تكون متعلقة بأعراف معينة، وهذا مندرج ضمن ما يذكره أهل العلم في قاعدة (تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان): "فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس."

فأعراف الناس تؤثر في هذه الأبواب كثيراً، لهذا قال فقهاء: إن من شروط الاجتهاد أن يكون الفقيه عارفاً بعادات الناس ولا يمكن للفقيه أن يفتي الناس في كثير من المسائل الفقهية إلا بعد أن يعرف عاداتهم وأعرافهم، فكل شيء "مما هو مبني على العوائد مما لا يحصى عدده متى تغيرت فيه العادة تغير الحكم بإجماع المسلمين وحرمت الفتيا بالأول."

ج – مراعاة الضرورة:

من رحمة الشريعة وسعتها أن خففت عن الإنسان حين يكون في حال الضرورة {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] فأباحت له فعل المحرم مباشرة ولا حرج عليه ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة:3].

لأن قاعدة الشريعة أنها شريعة يسر وسماحة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ [الحج:78].

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة:185].

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ﴾ [النساء:28].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" .

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه."

أوصى صاحبيه – أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم فقال: "يسرا ولا تعسرا."

وكان حريصاً على نفي الحرج والمشقة عن أمته، فكان يترك ما يحب خشية المشقة عليهم: "لو لا أن أشق على أمتي – أو على الناس – لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" ويقول: "لو لا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف خلف سرية." وأعتم ليلة بالعشاء ثم قال: "إنه لوقتها لو لا أن أشق على أمتي." وكان يترك المندوب وهو يحبه خشية أن يفرض على الناس.

ولتعاضد هذه الأدلة نقل العلماء كثيراً من القواعد الفقهية التي تجمع ما لا يحصى من الفروع والمسائل الفقهية منطلقة من هذا الأصل كقاعدة (المشقة تجلب التيسير) و(الضرورات تبيح المحرمات).

وثم ألفاظ تنزل منزلة الضرورة؛ كالحاجة والعذر والضرر والمشقة والعسر وعموم البلوى والإكراه والإلجاء والحرج.

ومناط الضرورة يعرفه كل إنسان بنفسه، فهو أدرى بحاله، فالمريض الذي لا يستطيع أو يشق عليه القيام في الصلاة هو الذي يحدد ويحقق مناط الضرورة في فعله؛ لأنه هو الأعلم بها.

ومن الأحوال القريبة من الضرورة التي تراعيها الشريعة:

د-مراعاة الحاجة:

وتنقسم الحاجة إلى نوعين:

النوع الأول: الحاجة العامة وهي التي يكون الناس جميعاً محتاجين لها فيما يمس مصالحهم العامة من زراعة وصناعة وتجارة وسياسة عادلة، وليس من شرط وصفها بالعموم أن تكون متحققة في حق كل واحد منهم، فهي لا تخص كل فرد بعينه.

وقد يطلق عليها: المصلحة العامة أو الرخصة العامة.

وتتميز هذه الأحكام أن الشريعة راعت فيها حاجة عموم الناس ولو لم تحصل للجميع لأنه روعي فيها أصل الحاجة التي تمس الجميع وتبقى دائمة للجميع ولو زالت الحاجة لأن من شأنها الاطراد.

النوع الثاني: الحاجة الخاصة وهي التي يحتاج إليها فئة من الناس؛ كأهل مدينة ما أو حرفة معينة.

وثم مراعاة لتفاصيل الحاجة، هل هي ماسة أم غير ماسة، متأكدة أم غير متأكدة، متحققة أم متوقعة أم متوهمة، ناتجة عن فعل العبد المشروع أم غير المشروع أم غير فعل العبد، والحاجة المنزلة منزلة الضرورة أم غير ذلك، والحاجة الثابتة أم المتجددة، والحاجة الأصلية والزائدة.

والحاجة لها أثر في الأحكام وإن كان دون الضرورة في الجملة، فالحاجة قد تبيح المحرم حين يكون دليل النهي ضعيفاً أو العموم ضعيفا.

ومن كمال الشريعة ومراعاتها لواقع الناس أن راعت أصحاب الحاجات الخاصة؛ كالأعمى وأصحاب الأعذار وصغار السن وكبار السن، والمجانين، والفقراء.

كما راعت الشريعة حاجات الإنسان في واجباته المالية، فلا يخرج الزكاة والكفارات إلا بعد أن تكون حاجاته الأساسية مكتملة.

كما أن للحاجة أثراً على المأمورات والمنهيات والأركان والشروط الشرعية والمواقيت والمقادير والعقوبات والضمانات وغيرها.

ه-اعتبار مآلات الفعل:

والمقصود باعتبار المآلات:

"اعتبار ما يصير إليه الفعل أثناء تنزيل الأحكام الشرعية على محالها، سواء أكان ذلك خيراً أم شراً، وسواء أكان بقصد الفاعل أم بغير قصده."

وهو معتبر شرعاً فقد قال الله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب ترك قتل المنافقين: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه."

فإن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ."

لأن "المجتهد عندما يريد استنباط الحكم الشرعي وتنزيله على واقع المكلف يجد نفسه بحاجة إلى نظرين:

نظر إلى الدليل نفسه: هل إعماله يحقق مقاصد الشارع؟

ونظر إلى المكلف: هل جريان الدليل عليه يؤول إلى عكس ما يقتضيه ذلك الدليل؟ بناء على أن المقصد العام للشريعة الإسلامية يتلخص في جلب المصالح ودرء المفاسد، فلو أعملنا الدليل وأجريناه دون النظر إلى مآله لارتفعت المصالح رأساً ولتعطلت الشريعة.

وكذلك إذا تم إغفال جانب المكلف واقتصر على إجراء الدليل بشكل حرفي لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهذا يتنافى مع ما جاء به التشريع الإسلامي من مقاصد وغايات."

فاعتبار المآلات بمنهجيته المنضبطة هو الكفيل بتحقيق مقاصد الشارع، وهو الضمان الذي يحول دون انقلاب الفعل مخالفاً للمقصود، وهو الجامع بين الواقع والمتوقع أثناء تنزيل الأحكام مما يكسبه خاصيتي التطور ورصد الحركة المتغيرة.

واعتبار المآلات يكون عبر مناظر شرعية عدة هي:

الذرائع فتحاً ومنعاً، والحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان، والإقدام على المصالح الضرورية والحاجية.

وتعرف المآلات بنص الشارع أو بالقرائن أو بالتجربة أو بالاستفادة من أصول البحث العلمي المعاصر القائم على التحليل والكشف والتشخيص أو بالفراسة أو بالإقرار أو العادة الغالبة أو كثرة قصد الناس بمقتضى العادة.

فهذه كلها مجالات لكشف ومعرفة ما يؤول إليه الفعل ليضمن أنه على وفق ما تريد الشريعة من تحقيق للمصلحة ودرئه للمفسدة، فاعتبار المآلات يراعي النتائج التي توجد على الأرض، إذ قد يحصل بتطبيق بعض الأحكام ما يحيلها عن مقصدها الشرعي، فيأتي هذا الحكم كضمان لعدم انحراف التطبيق عن مقصود الشارع، وهذا اعتبار عظيم للمتغيرات وأحوال الوقائع التي تمر بالناس، وهو يشمل حتى المتغيرات المتعلقة بالنية، فالحيل متعلقة بمقاصد قلبية خفية، لا يمكن أن يكتشفها أحد لكنها مراعاة في الشريعة لكونها عبادة لله، وهذا مما تختص به هذه الشريعة حين تحقق ضماناً ذاتياً يحول دون توجيه بعض مصالحها بشكل خاطئ نحو المفاسد بنية خفية لا يمكن معرفتها لو لا هذا الدافع الإيماني.

المعلم الثالث: ضرورة فهم الواقع:

لا يمكن معرفة الحكم الشرعي لأي واقعة إلا بعد أن يفهم الواقع الذي سينزل عليه الحكم الشرعي فهماً دقيقاً، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، والقاعدة الشرعية أنه لن "يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر."

ولهذا قال أهل العلم: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا بد من تصور صحيح ودقيق للواقع قبل أن يحكم عليه، وهذا يتطلب بداهة مع فهم الواقع فهم المتغيرات التي تعتري هذا الواقع، ودراسة كيفية تنزيل أحكام الشريعة عليها، ومعرفة مدى مساس الحاجة إليها بما يضمن حفظ الشريعة ومراعاة الواقع.

المبحث الثاني: الانحراف عن التسليم للنص الشرعي بدعوى الواقع

أولاً: تقديم المصلحة على النص:

وهذه من أكبر وأوسع الشبهات التي يعارض بها النص، وقد شاعت في عصرنا وانتشرت لدى الكثير، ولعل أول من صاغها بهذه الكيفية المختلة حتى اشتهر بها وأصبحت علماً عليه يذم بها العالم الأصولي الطوفي رحمه الله، حيث اشتهر عنه هذا القول وتوالت ردود العلماء عليه، وشنع عليه هذا القول.

وقد زاد حضور هذه العبارة وعظم أثرها في الكتابات المعاصرة حيث أصبحت قاعدة تعتمد في بناء الأحكام الشرعية، وعذرا لتأويل أو نفي بعض الأحكام الشرعية ف"المصلحة أساس التشريع، وكل تشريع يدفع ضرراً ويجلب مصلحة لا يكون دافع تكفير بأي حال من الأحوال، وتعطيل النصوص من ميدان المعاملات حين يكون لدفع ضرر أو جلب منفعة لا يخرج به المجتمع أو تخرج به الحكومة من الإيمان إلى الكفر بأي حال من الأحوال، إنما هذا التعطيل إنما يكون لضرورة والضرورات في الإسلام تبيح المحظورات."

وأصبح القارئ معتاداً على مثل هذه العبارات:

"أما الطريقة الثانية فتقترح الانطلاق من المقاصد، مقاصد الشرع في عملية تأسيس معقولية الأحكام وهي العملية التي بدونها لا يمكن تطبيق الشريعة على المستجدات ولا على الظروف والأحوال المختلفة المتباينة، ولما كان مقصد الشارع الأول والأخير هو مصلحة الناس فالله غني عن العالمين، فإن اعتبار المصلحة هو الذي يؤسس معقولية الأحكام الشرعية وبالتالي فهو أصل الأصول كلها."

"أما دوران الأحكام مع المصالح فشيء يفرض نفسه ما دمنا نقرر أن المصلحة هي الأصل في التشريع."

"فالنصوص الدينية التي جاءت بها الرسالة لتحقيق مصالح العباد في فروع المتغيرات الدنيوية ليست كما تشهد بذلك بداهة الفطرة ليست مرادة لذاتها، وإنما هي مرادة لعللها وغاياتها ومقاصدها، وهي تحقيق مصالح العباد فهي - أي: أحكامها المستنطبة –منها تدور مع هذه العلة الغائية المصلحة وجوداً وعدماً."

"يمكن على أساس المصلحة تعليق الحكم بنص ظني."

وقبل مناقشة هذا الرأي لا بد من الإجابة عن سؤالين محوريين:

ما حقيقة رأي الطوفي؟

ما علاقة رأي الطوفي بالآراء المعاصرة؟

فجواباً للمحور الأول:

هذا القول ذكره الطوفي في شرحه لكتاب "الأربعين النووية" حين جاء لشرح حديث "لا ضرر ولا ضرار" وبعد أن بين درجة الحديث قرر:

أن الضرر منفي شرعاً إلا ما استثني شرعاً؛ كالحدود والعقوبات فهي ضرر لأهلها لكنها مشروعة بالإجماع لوجود دليل خاص بها، ثم ذكر الأدلة على أن الضرر منفي إلا فيما استثني فهو نفي عام إلا ما خصه الدليل، فإذا افترضنا وجود دليل فيه ضرر فنخصصه بهذا الحديث حتى نجمع بين الدليلين.

ثم تكلم عن النص والإجماع فقال:

"إن اقتضيا ضرراً فإما أن يكون- أي: الضرر – مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما فلا بد أن يكون من قبيل ما استثني من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل وإن لم يقتضه دليل خاص وجب تخصيصهما بقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا ضرر ولا ضرار" جمعا بين الأدلة."

وهذا الترجيح إنما يكون في غير العبادات والمقدرات لأنها حق الشرع ولا يعرف كيفية إيقاعها إلا من جهة الشرع نصاً وعقلاً بخلاف العادات والمعاملات ونحوها.

وأما المعاملات فإن أمكن الجمع بين النص وما يعارضه من المصلحة بوجه ما جمع، فإن تعذر الجمع قدمت المصلحة.

وهو في غير النصوص القطعية أيضا.

ويستدل على ذلك بأمور ثلاثة:

الدليل الأول: "أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذاً محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه."

الدليل الثاني: "أن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه ولا يختلف فيه فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً فكان اتباعه أولى."

الدليل الثالث: "ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح ونحوها في قضاياه."

هذا رأي الطوفي، إذن ما علاقة رأي الطوفي بآراء كثير من المعاصرين الذين يستندون إلى رأيه؟

الحقيقة أن من يستند إلى رأيه من المعاصرين ليس لهم تفسير محدد للمصلحة التي تقدم على النص، أو المصلحة التي هي أساس التشريع، فهم يتفقون على هذه القاعدة لكنهم لم يتفقوا على منهجية محددة في هذا الموضوع، وأكثرهم لا يحدد رأيه مفصلاً، وإنما يكتفي بالقول بأن المصلحة هي أساس التشريع وأنها تقدم على النص، وهو كلام مجمل يمكن أن يحمل بعضه على محمل مقبول، ويمكن أن يكون مزلقا لرد النصوص ومحادة التشريع، (فالمصلحة أساس التشريع) كلام يمكن أن يكون صحيحاً على اعتبار أن الشريعة تراعي المصلحة ولا تأتي بما يخالفه، فكل أحكام الشريعة جاءت على ما يحقق مصالح الناس، فهذا معنى صحيح، وليس معناه أن يلغي النصوص بل هو يأخذ بالنصوص ويؤمن أنها هي التي تدله على المصالح ولا يمكن لنص أن يخالف مصلحة.

فهذا تفسير صحيح، وهو موجود في كلام أهل العلم، لكن أن يطلقه الشخص من دون توضيح وبلا ضوابط ولا يوجد في سياق كلامه ولا في سياقات أخرى ما يثبت اعتباره للنص وأن النص لا يمكن أن يعارض المصلحة، مع معرفته بأن هذه القاعدة أصبحت مجالاً لكثير من التحريف المصادم للنصوص القطعية، كل هذا يجعل الأخذ بهذه القاعدة بدون توضيح أمراً غير مقبول لما فيه من الإشكال، وما يؤدي إليه من جرأة على نصوص الشريعة.

هذا طبعاً مع من يمكن حمل كلامه على محمل حسن، وهو ما لا يمكن مع فئة أخرى قد شرحت كلامها بجلاء بأنها تقدم المصلحة مطلقاً على النص، وأنها لا تعتبر بالنص ما دام ثم مصلحة عقلية أو موهومة أو ظنية تقف في وجه النص، فهذا انحراف لا يمكن أن يكون له أي اعتبار.

وأما قاعدة (تقديم المصلحة على النص) فهي مذمومة على كل حال ولا يمكن حملها على محمل حسن ممن يطلقها كذلك، وإنما يتفاوتون في الذم بقدر تفسيرهم لها.

وأما الطوفي فقد وضح مقصوده بهذه القاعدة بما يجعل قاعدته على خلاف ما يتوهم كثير من المعاصرين، وذلك من أوجه عدة:

الأول: أنه يستثني العبادات والمقدرات من القاعدة، فلا مجال لتقديم المصلحة على النص في مجال العبادات أو الحدود أو الجنايات أو الديات أو المواريث أو العدد أو عدد الطلقات أو أحكام النكاح وغيرها.

الثاني: أنه يطلب الجمع بين المصالح والأدلة فلا يلجأ إلى تقديم المصلحة مع إمكانية الجمع، فهو يفترضها في تعارض قطعي لا يمكن أن يحمل المصلحة على حالة تختلف عن مراد النص.

الثالث: أنه لا يعارض المصلحة بالنص القطعي الذي يعارضها من كل وجه، ولا بما لا يعارضها إذا وجد دليل آخر.

الرابع: أنه يخصص النص بالمصلحة ولا يلغيه.

الخامس: أنه يتحدث عن المصلحة الشرعية لا مطلق المصلحة.

وحين نعلم أن أصول الطوفي في فهم المصالح ومعرفة درجاتها سائرة على وفق كلام العلماء فإن صورة المسألة قد لا تكون حقيقية، بمعنى أن المصلحة التي تقدم على النص غير محددة، فالطوفي لم يذكر مثالاً واحداً لها، فما دام أنه سائر في فهم المصالح والنصوص على جادة العلماء، فكيف يتصور أن يأتي النص ويكون على خلاف المصلحة؟ كيف لا يمكن التوفيق بين النصوص والمصالح؟

نعم، عدم الجمع بين المصلحة والنص قد يمكن لدى كثير من المعاصرين لأن ميزانهم في فقه المصالح يختلف تماماً عن ميزان العلماء ومنهم الطوفي، وميزانهم في قبول النص يختلف عن ميزان العلماء ومنهم الطوفي، فهم يضيقون من دلائل النصوص ويرفضون كثيرا منها بخلاف منهج الطوفي، ومعاييرهم في فهم المصالح تختلف عن معايير الطوفي، وحينها فالقول بتقديم المصلحة على النص في فقه الطوفي يختلف تماماً عن تقديم المصلحة على النص في فقه هؤلاء المعاصرين لأن المصلحة حسب معايير الطوفي تختلف عن المصلحة حسب معاييرهم، وعملياً لم يذكر الطوفي أي مثال على هذه القاعدة حتى تتضح حقيقة المقال، مما يعني أنه ربما يقصد تقديم المصلحة الضرورية أو المصلحة الحاجية على نص ظني يحتمل دلالات عدة، فهو في الحقيقة أخذ بالمصالح التي شهدت النصوص بها، وإخراج بعض أفراد العموم الذي لا نقطع بشمول الحكم له بالمصلحة الملائمة لتصرفات الشريعة لا تعارض بين الأخذ بها هنا وبين قولهم: إن النص لا يعارض المصلحة؛ لأن المصلحة هنا لم تعارض النص وإنما هي جزء منه.

فهذه الأوجه الخمسة تكشف الفرق الكبير بين منهج الطوفي في المصلحة ومنهج بعض المعاصرين المتدثرين به، فعلى ما في كلام الطوفي من إشكال وخلل فهو يختلف اختلافاً بيناً عن طرائق بعض المعاصرين في العبث والتحريف باسم المصلحة.

وقد دافع بعض الباحثين عن الطوفي وجعل رأيه من جنس رأي الفقهاء في تخصيص النص بالمصالح التي هي جنسها معتبر بالشريعة، فهو لا يقصد المصلحة العقلية بل المصلحة الشرعية، كما أنه لا يقصد النص القطعي بل النص الظني، فحقيقة قوله أن يقصد تخصيص النص الظني بالمصلحة الملائمة لمقصد الشارع لكنه لم يوفق في التعبير عن قصده.

ومع هذا يبقى القول شنيعاً، فالطوفي وإن كان بريئاً من محاولة إلحاق كثير من المنحرفين أنفسهم به، ومحاولة تشويه اسمه بثنائهم عليه، إلا أن هذا القول –حتى بعد حمله المحمل الحسن – يعد بحد ذاته منكراً وخطأ، فإطلاق القول بتقديم المصلحة على النص فيه إساءة ونقص لكمال التهذيب الواجب مع نصوص الشريعة ولو كان يقصد صاحبها معنى صحيحاً، كما أن عليه لوازم شنيعة، يكفي من لوازمه أنه مهد الطريق للمنحرفين والزائغين لتخطي الشريعة بهذه الدعوى، ومن كان يتصور أن يكون اسم الطوفي ونظريته حاضرة في كل تحريف لقطعيات الشريعة في زماننا المعاصر، وأنها صارت عذراً وتسويغاً لهم مما جعل بعض النفوس تقبل بعض تحريفاتهم أو على الأقل تهون منهم نظراً لأنهم يعتمدون على رأي عالم، ولهذا كان بصر الصحابة رضي الله عنهم عميقاً حين حذروا من زلة العالم فقال عمر رضي الله عنه : "ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون."

وأما المستندات التي ذكرها الطوفي فيمكن مناقشتها في الأوجه الآتية:

أولاً: يقرر الطوفي أن إهمال المصلحة محال شرعاً، ويستدل لذلك بالنصوص الشرعية الدالة على اعتبار المصالح، ثم يقرر تعارض المصلحة مع النص، وهذا تناقض، فإذا كانت النصوص لا تهمل المصالح فكيف يقع هذا التعارض، ورعايتها معتبرة في الشريعة فكيف تقدم على الشريعة؟

ثانياً: أن ثم اتفاقاً على اعتبار المصالح، لكن مجيئها على لسان الشريعة أو الإجماع يجعلها حجة شرعية، فهل كل مصلحة مزعومة تكون كذلك حتى تقدم على النص مطلقا؟

ثالثاً: أن المصالح معنى كلي مستفاد من جزئيات كثيرة من الشريعة، وحين يؤخذ بهذا الكلي مع إلغاء جزئياته يكون أصلاً غير شرعي ويفقد مشروعيته . وتقديمها على النص جزء من إلغاء الجزئيات الشرعية للمصلحة.

رابعاً: من القواعد المسلمة عند العلماء ذم الآراء المخالفة للشريعة، وهذه المصالح التي تقدم على النص هي جزء من تلك الآراء، خاصة أن صاحبها يقر أنها مصالح تقدم على نصوص شرعية.

خامساً: أن النص الشرعي لا يدل إلا على ما فيه مصلحة، ولا يتصور إمكانية وجود نص شرعي يخالف المصلحة، وإنما يوجد ما يتوهم أنه نص شرعي، وهذا في الحقيقة ليس نصاً شرعياً، كما أنه يوجد ما يتوهم أنه مصلحة حقيقية وليس هو بمصلحة، فالتعارض هنا ليس بين مصلحة ونص، وإنما بين ما يتوهم أنه نص والمصلحة، أو بين ما يتوهم أنه مصلحة والنص.

وحين يختلف العلماء في فهم النص ويتعارضون، فلا يجوز أن يكون سبباً لأن يظن أن النص لا يؤدي إلى المصلحة؛ لأن خلافهم يتجه للبحث عن النص الذي يؤدي إلى المصلحة، فهم متفقون على أن النص يؤدي إلى المصلحة لكنهم يختلفون أحياناً في تحديد هذا النص، فالمنهج الصحيح أن يجتهد في الوصول إلى هذا النص لا أن يكون مجرد الاختلاف فيه سبباً لأن يقال بتقديم المصلحة عليه.

سادساً: إذا كانت المصالح ستقدم على النصوص فمعناه أن الاعتماد سيكون على العقل والتجربة وليس النص، وهذا يطرح تساؤلاً مهماً يقول: ما قيمة النصوص إذن في أبواب المعاملات؟

فإذا كانت المصالح ستقدم على النصوص فيها فليس لها إذن تلك القيمة التي تستحق؛ لأن الإنسان حينها يكون معتمداً على شيء آخر، يقدمه على النص، فلو عدمت لكان خيراً للناس، حتى لا يتوهم أحد فيتبعها مخطئاً ويترك المصلحة، فوجودها صار سبباً للتلبيس، وقد كان الناس في غنية عنها باتباعهم للمصلحة، وهذا لازم شنيع لمثل هذا القول.

وأما مستندات الطوفي الثلاثة فتناقش كالتالي:

الأول: أن رعاية المصلحة متفق عليه، قال بها حتى من أنكر الإجماع.

وهذا كلام غير دقيق، وفيه مغالطة، فالمتفق عليه هو الأخذ بأصل المصالح، وأما مراعاة كل مصلحة فلا يمكن أن يكون محل اتفاق، والخلاف إنما هو في بعض المصالح وليس في أصل المصالح، فكون الناس يتفقون في أصل المصالح لا علاقة له بخلافنا في تقديم مصلحة معينة، تماماً كما أن الناس يتفقون في الأخذ بالنصوص، لكنهم يختلفون في بعض النصوص، فيمكن قلب الدليل فيقال: إن أصل الأخذ بالنصوص متفق عليه والأخذ بالمتفق أولى.

الثاني: أن النصوص مختلفة والعلماء يختلفون في فهمها والمصالح متفق عليها، وهي حقيقية في نفسها لا اختلاف فيها.

والخطأ في هذا كالخطأ فيما قبله، فالمتفق عليه والقطعي في المصالح هو الأخذ بأصلها وليس في كل ما يعتقد أنه مصلحة، فالناس يتفقون على الأخذ بالمصالح، لكن يختلفون اختلافاً بيناً وكبيراً في تحديد المصالح وفي ترتيبها، وخلافهم فيها أكبر بكثير من خلافهم في النصوص؛ لأن الخلاف في النصوص محدد في فهم النص بما يضيق مجاله، كما أن ثم منهجاً علمياً يمكن محاكمة الفهوم إليه، أما المصالح فهي مختلفة ومتعارضة ويدخلها الأهواء والتصورات الخاطئة، فكيف تكون قطعية ومتفقاً عليها؟

أما حين تكون المصلحة فعلاً مصلحة حقيقية وقطعية فإنها لن تكون إلا مصلحة شرعية قطعية ظاهرة قد دلت عليها النصوص ولا يمكن أن تعارضها.

وأما أن يكون الأخذ بالمصلحة مما ينهي الخلاف فهو يسير على ذات الخطأ، فالاتفاق على أصل المصالح لا يعني الاتفاق على تفاصيل المصالح، فلا يمكن أن يكون ثم اتفاق على المصالح بل الخلاف فيها يزيد عن الخلاف في غيرها لدخول الأهواء عليها.

الثالث: أنه ثبت في السنة واجتهاد الصحابة معارضة النصوص بالمصالح ونحوها.

وجوابه بأن يقال: إنه لم يقل أحد بتعطيل العمل بالمصالح مطلقاً، فالمصلحة لها اعتبار، وهو منهج معتبر لدى الأصوليين بحسب قطعية المصلحة وبحسب قطعية النص وبحسب معارضتها للنص، ونحو هذه المنهجية المنضبطة، وهو يختلف عن القول بتقديم المصلحة على النص.

وأما الاستشهاد بفعل الصحابة، فالذي يفكك هذه الإشكالية ذكر الأخبار الكثيرة عنهم في تركهم لاجتهاداتهم وأقيستهم حين يبدو لهم نص عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتركون اجتهادهم المبني على المصلحة اتباعاً وامتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنهم كانوا يتوقفون ويسألون عن وجود خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعملوا عقولهم ليقينهم أن النص لا يقدم عليه شيء من عقل ولا مصلحة ولا شيء.

وأكثر من يعتمد المعاصرون عليه في ظنهم بتقديم المصلحة على النص هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اجتهاداته الشهيرة في إسقاط سهم المؤلفة قلوبهم، وفي إسقاط حد السرقة عام المجاعة، وفي الإلزام بالثلاث في الطلاق، وفي وقف الأراضي المفتوحة عنوة، وقد تمسك بها كثير من المعاصرين وأصبح فعل عمر مستنداً حاضراً لأي اجتهاد أو تحريف يتجاوز الأحكام الشرعية، وقد فندها عدد من الباحثين المعاصرين.

وقد يقال هنا: إنه يمكن استغلال رأي بعض الفقهاء في تخصيص النص بالمصلحة بضوابطها الشرعية في التحريف والعبث الذي يفعله كثير من المعاصرين، فيجعلون تحريفاتهم من جنس كلام الفقهاء في تخصيص النص بالمصلحة.

وهذا صحيح، فهو ذريعة واضحة وطريق بين لكن هذا لا يجوز أن يكون سبباً في منع تخصيص النص بالمصلحة مطلقاً لأن هذا جزء من إعمال الشريعة وجزء أساسي من منهجية الفقهاء في النظر بين الأدلة، ولا يصح أن يكون مراعاة هؤلاء سبباً لأن نفسد تماسك البناء الشرعي واستقامة المنهج الفقهي، خاصة أن الباحث العابث لن يعدم أي وسيلة يتخذها سبباً للتمرير، وطالما استفادوا من الشاطبي في مقاصده مع كون الشاطبي قد اجتهد جداً في ضبط مسالكها وحفظ حرمات الشريعة فيها، ومع ذلك لم يكن هذا حائلاً من اتخاذهم الشاطبي ذريعة لهم، بل لم تسلم من توظيفاتهم السيئة حتى اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه – مع شدة اتباعه وتعظيمه للسنة –فاستندوا إليها لتمرير منهجية تجاوز النصوص بالمصلحة.

فهي مسالك قد يدق فهمها على بعض الناس، ولو عورتها حذر الشاطبي من اقتحام علم المقاصد فقال: "لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريان من علم الشريعة أصولها وفروعها معقولها ومقولها."

وذلك لأن النظر فيها دقيق لا يتبين لكثير من الناس الفرق بين الرأي الاجتهادي المقبول والانحراف العبثي المذموم.

ثانياً: تحريف الأحكام لتغير الزمان والمكان:

هي – في أصلها – قاعدة فقهية قد أسيء فهمها وصارت طريقاً للابتعاد عن التسليم للنص الشرعي، فانتقلت إلى التحريف والتبديل، إذ أصبح تفسير القاعدة شاملاً لكافة الأحكام الشرعية: "أما التغيير لحكم لم ينسخ نصه من قبل الشارع فقد أجازته للمجتهدين من قضاة ومفتين تبعاً لتغير المصالح والأزمان أيضاً، وامتازت بذلك عن غيرها من الشرائع، وأعطت فيه درساً بليغاً عن مقدار ما يعطيه من حرية للعقول في الاجتهاد ومن تقدير لتحكيم المصالح في الأحكام، وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقررة في التشريع الإسلامي تعلن بأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان."

وهو خطأ في فهم القاعدة، فهي عبارة شهيرة ذكرها أهل العلم قديماً، ثم انتشرت كثيراً في هذا العصر بعد أن صاغتها المجلة العدلية التي أصدرتها الدولة العثمانية في مادتها 39 على صياغة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) أي: "أن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف؛ لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضاً العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفاً بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير."

فالتغير مرتبط بالأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، وهي قاعدة ضرورية للتعامل مع فتاوى العلماء المبنية على أعراف زمانهم فلا تنزل على من بعدهم من دون إدراك لمستند الفتوى، كما أن الأحكام : - كما قال ابن القيم -:

"نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة؛ كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع إليه.

والثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً؛ كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة."

وقد فرح بها بعض الناس لأنها صارت مستنداً لأي تغيير يريدون إلحاقه بالحكم شرعي، فكل تحريف حين ينكر عليهم كونه مخالفاً للكتاب أو السنة أو الإجماع يقولون: الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان!

فاختلاف الأحكام وتغيرها إنما يكون فيما تعارف عليه الناس من غير المحكمات الشرعية، إذ ما تعارف عليه الناس أحوال:

أن يكون حكماً شرعياً مثل ستر العورة والطهارة والقصاص والحجاب، فهذا يجب الامتثال به ولا يتغير.

أن يكون مناطاً يتعلق به الحكم الشرعي مثل ما تعارفوا عليه من طرق الرضا في البيع وشروط العقد وآداب المروءة والمهر، فهذه مناطات معتبرة متى ما تحققت نزل الحكم بشرطه، وهي قابلة للتغير بتغير الأحوال والأعراف.

ما تعارفوا عليه مما ليس بحكم ولا مناط ولا يتأسس عليه حكم، فإن كان مباحاً فهو معتبر ومقبول، وإلا فلا تنفعه العادة.

فالواقع مؤثر لكن عبر منهجية منضبطة قائمة على محددات بينة.

وهل لضغط الواقع أثر؟

ضغط الواقع مؤثر إن كان من خلال لمراعاة متغيرات الواقع المؤثرة على الحكم، أو من خلال ما يطرأ على التطبيق من ضرورة أو حاجة، أو وجود مصالح أو مفاسد مترتبة على الفعل مما يؤول إليه، والخلل ليس هنا، إنما في ضغط الواقع المؤثر على تغيير المفاهيم، أو في التخفف من المعايير الشرعية في تنزيل الأحكام أو مراعاة الحاجات أو المؤدي إلى إنكار أو تأويل بعض الأحكام الشرعية بلا مستند شرعي صحيح ومنضبط.

فأهمية فهم الواقع ومعرفته يجب أن تكون على شرط تحقيق تنزيل الحكم الشرعي، وليس بأن يفصل الحكم على مقاس الواقع، فمثل هذا لا يجعل لفقه الأحكام من فائدة لأن الواقع لا يخفى على الناس فلا حاجة للاجتهاد إذن.

ثالثاً: ربط الأحكام الشرعية بظروف خاصة:

من الإشكالات التي تنافي كمال التسليم للنص الشرعي: التفريط في بعض الأحكام الشرعية بدعوى أنها كانت مرتبطة بظرف وقتي معين وقد زال، ففيه تعليق لعمل جملة من الأحكام الشرعية بسبب شبهة هذه الظروف التي لا تقوم على أساس علمي، فهي تؤمن بالحكم الشرعي ولا تجد فيه طعناً في ثبوته ولا دلالته، لكنها تجعله خاصاً بعصر الرسالة وأنها أحكام خاصة وجدت بناء على تلك الظروف، وهي ظاهرة شائعة في الفكر المعاصر، حيث وقع تأويل كثير من الأحكام الشرعية بدعوى أنها مرتبطة بظرف اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي معين كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد زال بعد هذا، بلا منهجية علمية محددة، وسأعدد هنا سريعاً بعض هذه الأحكام الشرعية التي حرفت بسبب هذا الخلل:

تحريم ولاية الكفار على المسلمين: وأما الآن فتجوز ولا يتهم، وإنما لم يتم تولية الكفار سابقاً فلأن هذا راجع للظرف الزماني الذي كانوا عليه حيث لم يكن المسلمون يأتمنونهم.

حد السرقة: "فإننا سنجد أن قطع يد السارق تدبير مبرر ومعقول داخل تلك الوضعية، وهكذا فبالرجوع إلى زمن البعثة المحمدية والنظر إلى الأحكام الشرعية في إطار الوضعية التي كانت قائمة يومئذ سنهتدي إلى المعطيات الآتية: أولاً: أن قطع يد السارق كان معمولاً به قبل الإسلام في جزيرة العرب، ثانياً: أنه في مجتمع بدوي ينتقل أهله بخيامهم وإبلهم من مكان إلى آخر طلباً للكلأ، لم يكن من الممكن عقاب السارق بالسجن، إذ لا سجن ولا جدران ولا سلطة تحرس المسجون وتمده بالضروري من المأكل والملبس... إلخ، وإذن فالسبيل الوحيد هو العقاب البدني."

الجهاد في سبيل الله: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان لظرف تكوين الحكومة وليس لأجل الدعوة وإبلاغ رسالة العالمين.

وقيام الإمبراطورية الإسلامية وتوسع الفتوحات كان استجابة لمنطق الأحوال ولم يكن ثم تفكير أو ترتيب من الصحابة له.

وقد تعاقبت الفتوح لضرورات حربية وجدت، حيث إن القوى الإمبراطورية آنذاك كانت تقوم على القوة مما جعل المسلمين يلجؤون إليه.

وسنة النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو تعامل مع واقع معين لظرف معين.

وسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم: كانت من الضرورات الاجتماعية.

وأما الربا: فإن نصوص تحريمه "نزلت في الحقيقة موافقة لظروف الجزيرة العربية زمن الوحي الذي حصل قبل أربعة عشر قرناً، وأن مراعاة تغير الأزمنة واجبة ههنا.

وحد الردة: كان لظرف معين حين كان من ينتقل عن الإسلام فإنه إنما يلحق بأقوام ليظهرهم على المسلمين، فهو انحياز ضد الوطن.

فهو متعلق بظرف خاص بدليل أنه "لو كان حديث: "من بدل دينه فاقتلوه" الذي رواه البخاري وغيره على نصيته غير مختص بزمان ولا مقصود بمقتضيات غير مطردة، ما وسع النخعي ولا غيره مخالفته."

ولا أدري لماذا لا يكون العكس، لم لا يقال بأن قول النخعي كان مرتبطاً بظرف تاريخي عايشه وإلا لما وسعه مخالفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم!

مع أن قول النخعي إنما هو في استتابة المرتد وليس في إقامة الحد على المرتد، وهما مسألتان مختلفتان.

ومفاهيم العصر الإسلامي الأول كافة هي خاضعة للمتغيرات ف: "يعيش مسلمو اليوم في مناخ حضاري يختلف اختلافاً عظيماً عن المناخ السائد وقت ظهور الإسلام، فهل بإمكان المفاهيم والقيم التي أفادت أهل القرن الأول الهجري أن تسهم في حل مشكلات القرن الخامس عشر؟"

ورابطة الدولة الإسلامية: كانت رابطة دينية وقد تغيرت الآن الظروف فقامت الرابطة على اعتبار الرابطة القومية.

وبناء عليه فالتفريق بين المسلمين والذميين: كان ناتجاً عن ظرف ذلك الزمان الذي كان الدين فيه متصلاً بالدولة، وقد زالت حكمته الآن بعد أن صارت الدولة لا تنظر إلى الدين في علاقتها بمواطنيها.

لأن المشروعية في المجتمعات الإسلامية القديمة كانت تقوم على منطق الفتح، وهو ما سمح للطائفة المسلمة أن تحكم ويكون لها حقوق أكثر، أما في المجتمعات المعاصرة فالمشروعية تأسست على مشاركة الجميع في الفتح مما يعطيهم جميعاً حق المشاركة بغض النظر عن معتقداتهم على قدم المساواة.

وكأن عناية الشريعة بالدين ورفعها من شأن المسلمين وقع مصادفة لطبيعة العصر ولم يكن حكماً ثابتاً ظاهراً ومقصوداً في الأحكام الشرعية!

فهذا الرأي يقوم على دعاوى ضخمة، فيعتقد أن الدول السابقة كانت تقوم على الرابطة الدينية، ويعتقد أن الدولة الإسلامية قامت على الدين بناء على ظرف ذلك الزمان، ويعتقد أن الأحكام المرتبطة بالدين لم تشرع لذاتها ولأوصافها بل لظرفها الزمني، ويعتقد أن بالإمكان حذف هذه الأحكام لتغير الزمان، وكلها دعاوى محضة، بينها وبين النتيجة التي توصلوا إليها مفازات مقطوعة! عدا أن ثم دلائل شرعية عديدة تثبت خلاف هذه الدعاوى وأن الأحكام الشرعية في الدولة الإسلامية ذات أوصاف مؤثرة مرتبطة بالكفر والإسلام وليست مطلقة أو مرتبطة بظرف ما.

وهذه نماذج من حركة تحريف لا تتوقف، تنفي الأحكام الشرعية بربطها بواقع معين، وكل إنسان يحدد هذا الظرف بما يشاء، من دون منهج محدد ولا علل منضبطة، وليس لديهم تدقيق في فحص هذه الظروف ولا في النظر في الأدلة التي تثبت خلاف هذه الظروف.

وهذه قضايا تحتاج لمناقشة تفصيلية لكشف الخلل في مقدماتها ونتائجها، غير أن المقصود هنا بيان أصل الخلل في هذه الأحكام، كيف أنها تحذف جملة من أحكام الشريعة بناء على وصف التغير الذي لا يقوم على أسس موضوعية صحيحة، فالمنهج الصحيح أن من يدعي التغير عليه أن يثبت هذا بأدلة وبراهين صحيحة، وعليه أن يجيب عن أدلة المبقين على الأصل، حتى يكون منهجه مقبولا، لا أن يكون التمسك بدعوى التغير أصلاً ومنهجاً بحد ذاته.

رابعاً: إغلاق باب الاجتهاد:

لجأ بعض الفقهاء إلى القول بإغلاق باب الاجتهاد ومنع الخروج عن مذاهب أو أقوال معينة صيانة للدين من العبث والتشهي والفوضى التي تنشأً من جراء اجتهاد من ليس أهلاً له أو انتشار ظاهرة الترخص والهوى في تتبع الأقوال والمذاهب، وهذه ظاهرة وقعت قديماً – منذ القرن الرابع الهجري – وشاعت بذات الاسم "إغلاق باب الاجتهاد."

ولا شك أن صيانة الدين من العبث والتشهي مطلب بشرعي مهم، لكن تعطيل الاجتهاد وتقديم قول أي أحد على قول النبي صلى الله عليه وسلم انحراف مقابل لا يقل سوءاً عنه، فهو انحراف عن النص الشرعي في مقابل انحراف آخر، فالاجتهاد عمل عبادي لا بد للمسلم منه ما دام حياً، وثم تغيرات تحصل في الواقع فلا بد لها من اجتهاد، كما أن نصوص الوحيين لا تؤخر لقول أحد مهما كان المسوغ، والخوف من التسيب والتفريط لا يجيز الخطأ من الجهة الأخرى، خاصة مع المفاسد الظاهرة التي تترتب على إغلاق الاجتهاد، فصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان تجعل الاجتهاد ضرورياً لكل زمان ومكان، كما أن اتباع العلماء في كل أقوالهم ولو ظهر للمسلم دليل بخلافه بدعوى عدم الاجتهاد أو بدعوى سبق هؤلاء العلماء بالفضل والعلم كلها دعاوى مضعفة- حالا أو مآلا-لأصل التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

"وهذه الدعوى المذكورة هي المتركبة مما يأتي، وهو أن الاجتهاد قد انقرض في الدنيا وانسد بابه، وأن الله تعالى محكوم عليه بأن لا يخلق مجتهداً ولا يعلم أحداً من خلقه علماً يمكن أن يكون به مجتهداً إلى ظهور المهدي المنتظر.

وأنه لا يجوز لأحد أن يعمل بكتاب ولا سنة ولا أن يقلد أحداً كائناً من كان غير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة، كما نص على هذه الدعوى حاكياً إجماعهم عليها صاحب مراقي السعود، فيقوله:

المجمع اليوم عليه الأربعة وقفو غيرها الجميع منعه

حتى يجيء الفاطم المجدد دين الهدى لأنه مجتهد.

وإغلاق باب الاجتهاد أو نفي وجود المجتهدين إن كان المقصود به نفي أن يكون مجتهد ذو صفات معينة من العلم والإحاطة كمجتهدي القرون المفضلة، أو أن أصول الاجتهاد قد انضبطت فلا يمكن الخروج عملياً عن أصول المتقدمين

فدور المتأخر لن يتجاوز الوصول إلى مسالك قد سبقه إليها المتقدمون أو نفي الترخص والتشهي واتباع زلات العلماء، فهذه كلها إما تقريرات مصيبة أو لها خلاف سائغ، وأما إن كان بمعنى أن لا يجتهد أحد مطلقاً أو أن يلتزم بالقول أو المذهب ولو خالف الدليل فهو فاسد لأنه مصادم لقطعيات الشريعة كقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر:7]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ﴾ [النساء:59].

وذلك مثل من يقول بأنه يجب أن ينظر في نصوص الأئمة فقط، ولا يفتي ولا يحكم بخلافه، ولو خالف عزل عن منصبه.

أو حال من "يقف على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة، والأقيسة الصحيحة لمذهبه جموداً على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلد."

لهذا كان علماء الإسلام وأئمتهم يوصون باتباع الدليل والخضوع لأحكامه ولو خالف أقوالهم "ولعمري، إن القلم مبري بهذه النقول على وجل من الله وحياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم! فيا لله العجب أ يحتاج المسلم في تقديم قول الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم على قول أحد من علماء أمته إلى أن يعتضد بهذه النقول!؟ يا لله العجب أي مسلم يلتبس عليه مثل هذا حتى يحتاج إلى نقل هؤلاء العلماء رحمهم الله في أن أقوال الله وأقوال رسوله صلى الله عليه وسلم مقدمة على أقوالهم!؟ فإن الترجيح فرع التعارض، ومن ذاك الذي يعارض قوله قول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم حتى نرجع إلى الترجيح والتقديم؟"

والفرق هنا ظاهر بين اتباع المسلم لعالم أو مذهب أو قول لثقته به، أو دراسته لهذا المذهب واستفادته من أصوله وفروعه وتخريجاته، وبين القول بلزوم اتباعه ولو خالف الدليل، وليس من شرط معرفة الدليل أن يكون المسلم مجتهداً مطلقاً عارفاً بكافة العلوم، فالاجتهاد بحسب الطاقة، والمسلم يتعبد الله بما يغلب على ظنه، فإن لم يكن يعرف مخالفة النص فهو معذور، و"أما القادر على التعلم المفرط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور.

لهذا تجد أن العلماء في مصنفاتهم "جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبين زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد وأن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه وليس لهم تمييز بين ذلك."

فإلزام المكلف باتباع مذهب أو قول فقهي معين مع كونه يعلم أو يغلب على ظنه أن النص بخلافه مخالف لما يقتضيه أصل التسليم والانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو مخالف لأمر الله في كتابه: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ﴾ [النساء:59].

ولازمه تقديم كلام أحد على كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن مثل هذا الأصل الفاسد سيرسخ في نفس المتلقي على المدى البعيد أن ينشغل بكلام الرجال ويعتني بتحريرها وفهمها وشرحها أضعاف ما يفعل مثله مع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فما الذي يدفعه للعناية بنصوص الشريعة ما دام أنه لا يرى أنه قادر على فهمها أو الاجتهاد في إدراك معناها؟ كما أن هذا الأصل الفاسد سيهون في نفسه – شعر أم لم يشعر – من أمر تأويل النصوص التي لا تستقيم مع الأقوال التي يتعصب لها والتي ألزم نفسه بعدم الخروج عنها.

فطريقة أهل العلم هي أن تعرض أقوال العلماء على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافق ذلك منها قبلوه وإلا ردوه، وهؤلاء عكسوا الطريق فعرضوا الآيات والسنن على أقوال الرجال، فقبلوا منها ما كان من أقوال الرجال، وتطلبوا لما خالفها أنواع الحيل والتأويلات.

كما أن لضعف الاجتهاد والاكتفاء بالتقليد المحض أثراً على تجاوز الناس للشريعة وتعديهم لحدودها، فحين يضيق على الناس ما هو من دينهم بناء على نقص في الاجتهاد الشرعي فإنه يحصل ضرر عليهم لحرمانهم من جزء من دينهم، وهذا له صور عديدة في القديم والحديث، ولهذا لما ضيق بعض الفقهاء المتأخرين من شروط الإثبات في القضاء فحصروها على الشهادة والإقرار فقط كان هذا سبباً به "جرّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له... فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياساتهم شراً طويلاً وفساداً عريضاً، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك."

"ولا شك أن النتائج الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن الكتاب والسنة من جملتها ما عليها لمسلمون في واقعهم الآن من تحكيم القوانين الوضعية المنافي لأصل الإسلام لأن الكفار اجتاحوهم بفصلهم عن دينهم بالغزو الفكري عن طرق الثقافة وإدخال الشبه والشكوك في دين الإسلام.

ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصناً منيعاً لهم من تأثير الغزو الفكري في عقائدهم ودينهم.

ولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم واستبدلوا به أقوال الرجال لم تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة رحمهم الله مقام كلام الله والاعتصام بالقرآن، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والتحصن بسنته.

ولذلك وجد الغزو الفكري طريقاً إلى قلوب الناشئة من المسلمين، ولو كان سلاحهم المضاد القرآن والسنة لم يجد إليهم سبيلاً."

خامساً: الاستدلال بالواقع على الحكم الشرعي:

كل ما يحصل في واقع الناس ومعاشهم أو ما وقع في تاريخهم وماضيهم، كله خاضع لحكم الشريعة، لا يكون وقوع شيء في الواقع دليلاً على مشروعيته، فالواقع يستدل له لا يستدل به، وقد حصل خلط كبير لدى بعض الناس بسبب هذه الإشكالية، ومن هذا الخلل إشكاليتان شائعتان في فكرنا المعاصر:

الإشكالية الأولى: الاستدلال بالأحداث التاريخية على الأحكام الشرعية:

فبعضهم يستدل بالأحداث التاريخية على أحكام شرعية، فيحكم بمشروعية عمل ما اعتماداً على أنه وقع في التاريخ الإسلامي، كمثل من يستدل لمشروعية تولي المرأة للخلافة أو الرئاسة العظمى بعدة وقائع في التاريخ الإسلامي تولت فيها المرأة الولاية العامة.

وهذا خطأ بين، فوقوع الشيء تاريخياً أو حصوله في الواقع لا يعطيه حكماً بالمشروعية، فقد وقع في التاريخ الكثير من المظالم والمحرمات والشركيات، فهل تتحول هذه الأمور لقضايا شرعية؟!

فمن البدهيات العقلية والشرعية أن التاريخ ليس مستنداً للأحكام الشرعية، وإنما العبرة بالدليل الشرعي.

نعم، الأحداث التي جرت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لها حكمها الخاص، وهي خارج عن كلامنا هنا لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وتقريره تشريع.

وكذلك الأحداث التي جرت بعد وفاته –عليه الصلاة والسلام –فأجمع عليها الصحابة أو العلماء من بعدهم، فهو حجة لأن إجماع الأمة لا يكون إلا عن دليل شرعي.

وأيضاً ما جرى في عصر الخلفاء الراشدين أو ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم فله اعتبار شرعي –بضوابطه –نظراً للاعتبار الخاص لأقوالهم وأفعالهم.

فهذه وقائع شرعية صحيحة.

وأما ما عداها فلا يؤخذ منها تشريع، اللهم إلا أن يكون لأهل العلم في ذلك الزمان إقرار وتصحيح لهذه الواقعة فيؤخذ منها قول لهم بأنهم يرون مشروعية مثل هذا الأمر.

الإشكالية الثانية: الاستدلال بالإرادة القدرية على الإرادة الشرعية:

يخطئ بعض الناس فيظن أن وجود الآراء في الواقع يجعل لها مشروعية، فما دام أن الناس يختلفون في آرائهم فهذا دليل على مشروعية تقبل هذه الآراء، مما يجعل الشريعة واسعة لتقبل هذه التعددية لأن هذا إرادة الله وتقديره ف: "للرأي الآخر كامل الحرية في التعبير عن آرائه وأفكاره وتصوراته العقدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية وغيرها، وليس لأحد كائناً من كان أن يفرض رأيه على الآخر أو أن يجبر الطرف الآخر على الإيمان بأفكاره وتصوراته." لأن هذا "هو قدر الإنسان الطبيعي وهو كذلك حكمه الشرعي."

و"الناظر في مسألة التعددية يلحظ أول ما يلحظ معناه، فالتعددية تعني التسليم بالاختلاف، والاختلاف واقع لا يسع عاقلاً إنكاره، والاختلاف حق لا يملك أحد أن يحرمهم منه ممارسة أو اعتقاداً أو دعوة إلى ما يعتقدون."

"وقامت دول وبادت دول وقامت دول ترثها ولم يمح أحد أثر أحد، ولم يستطع فريق أن يقضي على ذكر فريق، أ فليس هذا عبرة تدل على أن التعددية من الفطرة وأنه سنة من سنن الله في الكون التي لو أراد منعها لمنعها."

ووجه الخطأ ظاهر هنا؛ لأن هذا استدلال بالقدر على الشرع، وبناء للأحكام الشرعية بسبب الوجود والخلق، ومن المعلوم عند أهل السنة الفرق بين إرادة الله الشرعية التي يحبها، وإرادة الله القدرية التي لا يلزم أن يحبها، فليس كل ما أراده الله قدراً يعني: أنه مراد شرعاً، فالتعددية قدراً لا تعني التعددية شرعاً، فهذا خطأ بين ما كان يجوز لأحد من أهل العلم أن يقع فيه، ومن العجب أن يكون وجود الشيء كونا وعدم القدرة على إزالته دليلاً على شرعيته، فحتى الزنا والخمر والربا والقتل والكذب والاعتداء على الناس والشتم...إلخ هذه الجرائم ما تزال موجودة مع الدول وبعدها، ولم يستطع أحد - ولن يستطيع – أن يوقفها، فهل تغدو من سنن الله التي لا تمنع؟!

الفصل الرائع: التسليم للنص الشرعي والمعارضة بالمقاصد

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تمهيد في التعريف بعلم المقاصد، وحجيته، وأنواعه.

المبحث الثاني: معالم التسليم للنص الشرعي في المقاصد.

المبحث الثالث: الانحراف بالمقاصد عن التسليم للنص الشرعي.

المبحث الأول: تمهيد في التعريف بعلم المقاصد وحجيته وأنواعه

أ-تاريخ المقاصد:

في كل حديث أو كتابة عن مقاصد الشريعة لا بد وأن تجد الإمام الشاطبي يدور بين مخيلة القائل وذهن من يستمع إليه، حتى ارتبط علم المقاصد بالشاطبي ارتباطاً وثيقاً، فأصبح هذا العلم يؤرخ وتدرس أطواره من خلال حياة الشاطبي إلى حد أن يظن بعض الناس أن الشاطبي هو من اخترع علم المقاصد وأخرجه إلى الوجود وأن "علم المقاصد" مبتكر أصولي جديد أدخله الشاطبي في ذاكرة الفقه الإسلامي، وهو تصور بعيد جداً عن الحقيقة، فعلم المقاصد لم يخترعه الشاطبي ولم تكن بداية انطلاقته منه، ولم يكن جديداً على الدراسة الفقهية والأصولية، ولا ينكر أحد دور الإمام الشاطبي في تمهيد طرقه ولمّ أطرافه وتيسير سبله والنفخ في جزئياته حتى أصبح واضحاً جلياً لكل أحد، غير أن هذا لا يعني أن بداية علم المقاصد كانت من لدن الشاطبي، فالمقاصد متأصلة في الفكر الفقهي والأصولي قبل الشاطبي بقرون، حاضرة على المستوى النظري، وعلى المستوى التطبيقي.

فأما على المستوى التطبيقي فمدرسة المقاصد هي المدرسة الفقهية السائدة التي درج على خطاها جماهير الفقهاء من عصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، حيث لم يقتصر العلماء على فهم النصوص الشرعية من خلال ألفاظها مجردة، بل كانوا يجتهدون في فهم النصوص من خلال معانيها وعللها ومقاصدها وسياقاتها ، وقد كان هذا سبباً لكثير من الاختلاف الفقهي الواقع بين الصحابة فمن بعدهم، فتجدهم يختلفون في كثير من طرائق النظر إلى النصوص لكنهم يتفقون على أهمية قراءة النصوص الشرعية بمعانيها وعللها ومقاصدها مع مراعاة ألفاظها من غير الاقتصار على اللفظ المجرد فقط كما هو منطق المدرسة الظاهرية.

فالمدرسة المقاصدية تدرك أن إدراك مقصود الشارع يستفاد من ألفاظه ويستفاد من معاني الكلام وعلله وهو ما خالفتهم فيه المدرسة الظاهرية التي ترى أن مقصود الشارع لا يعرف إلا من خلال ألفاظه، وهذا التباين في النظر المقاصدي كان سبباً للاختلاف الفروعي الكبير بين المدرستين، مع أهمية الإشارة هنا إلى أن الدافع لكلا المدرستين لتبني منطقها هو تعظيم النص الشرعي والبحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم منه.

فالتعليل هو الجذع الأساسي للمقاصد، وهذا ما يجعل النظر الفقهي لعلم المقاصد يفترق عن نظرين لهما موقف مختلف في التعليل:

الأول: نفاة التعليل:

ممن ينفون عن أحكام الله الحكم والعلل بناء على عقيدتهم الكلامية، وإذا سقط التعليل سقط علم المقاصد برمته، غير أن هذه المدرسة وإن كانت تنفي العلل في الاعتقاد إلا أتها تضطر لمخالفة أصلها العقدي فتوافق الجمهور في العمل بالتعليل في الفقه والأصول على اعتبار أن العلل علامات معرفة للحكم لا عللا.

الثاني: المدرسة الظاهرية:

حيث ينكرون القول بالتعليل، وينكرون تبعاً لذلك تعدية هذه العلل إلى أحكام جديدة، وإعطاء الفروع الفقهية أحكام الأصول التي ثبت النص فيها وهو القياس الذي يعارضه الظاهرية، فيقتصرون في النظر إلى ظواهر النصوص دون اعتبار لما في النص من قياس ومصلحة وذريعة ونحو هذه المباحث المهمة لفهم وإدراك معنى النص.

فتحصل من هذا أن المقاصد ليست علماً جديداً ولا أمراً مخترعاً في الفقه الإسلامي، وإنما حقيقتها أن "تمد المجتهد بقواعد فهم النص وتضبط تصرفات المكلفين حتى تكون تصرفاتهم موافقة لمقصود الشارع."

فالمقاصد هي الجادة التي سار عليها جمهور الفقهاء، وكانت حاضرة في مؤلفاتهم وإن لم يفردوا لها تأليفاً أو يعتنوا بأمر التعريف والتقسيم لها، وقد كان يعبر عنها بألفاظ كثيرة؛ كالحكمة والمصلحة ونفي الضرر ودفع المشقة ورفع الحرج والضروريات الخمس والعلة وأسرار الشريعة ومعقولاتها ومعانيها والغرض والمراد.

كما أن هذه المقاصد كانت حاضرة في الأدلة المختلف فيها؛ كالمصلحة المرسلة والعرف وسد الذرائع والاستحسان وعمل أهل المدينة، كما كانت حاضرة في موضوعات أخرى؛ كالسياسة الشرعية ومراعاة الخلاف وغيرها.

ويجدها القارئ في القواعد الفقهية المختلفة التي هي من صميم المقاصد؛ كالأمور بمقاصدها، وتصرف الإمام منوط بالمصلحة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وغيرها.

هذا حال علم المقاصد على الجانب التطبيقي العملي، وأما على مستوى الكتابة والتنظير لهذا العلم، فالكتابة التي تخصها بالتأليف كانت متأخرة نوعاً ما، وربما يختلف الباحثون في الشخصية الأصولية التي يمكن أن تكون بداية الانطلاق في التأليف المقاصدي، فيبتدئها بعضهم من عصور متقدمة ويؤخرها آخرون، غير أن هذا الخلاف غالباً لا يمكن أن يتجاوز الوقوف عند أبي المعال الجويني (ت 478ه) كأبرز علم كان له حضور بارز في الكتابة المقاصدية، وتميزت في تآليفه الأصول المقاصدية، حيث قسم المقاصد إلى مقاصد ضرورية وحاجية وتحسينية، وعرض لجملة من قواعد المقاصد، كما أثرى علم المقاصد بما سطره في مباحث وتفاريع كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم."

ثم جاء أبو حامد الغزالي (ت505ه) فساهم في إثراء علم المقاصد بجملة من مباحثه الأصولية كذكره للضروريات الخمس "الدين والنفس والعقل والعرض والمال" وجعله المصلحة في المحافظة على مقصود الشارع إلى غيرها من المباحث النفيسة.

ثم الرازي (ت606ه) فالآمدي (ت631ه) ، وبعدهما العز بن عبد السلام (ت660ه) في كتابه "تواعد الأحكام" الذي كانت مادته كلها عن المصالح التي هي أساس الشريعة ، ثم القرافي (ت684ه) في فروقه وشرح تنقيح الفصول الذي ضمنها مواد مقاصدية مهمة ، فشيخ الإسلام ابن تيمية (ت728ه) الذي أثرى الفقه المقاصدي في مباحث نفيسة في الحيل وسد الذرائع وتعليل الأحكام وغيرها ، ثم ابن قيم الجوزية (751ه) من خلال عنايته بإثبات تعليل الأحكام وبيان الطرق التي يستفاد منها التعليل وبيان الحكم مع معالجته لعدد من قضايا المقاصد؛ كالحيل والذرائع ، وكذلك الطوفي (ت716ه)، وكان له اهتمام بالمصالح وقد توسع عند شرحه للحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث النووية في المصلحة وجاء بالكلام الشهير في تقديم المصلحة على النصوص ، وغيرهم كابن الحاجب (ت646ه) والبيضاوي (ت685ه) والإسنوي (ت772ه) وابن السبكي (ت771ه) .

ثم جاء الإمام الشاطبي (ت790ه) فجمع كل هذه الجهود وأعمل فيها عبقريته الأصولية الفذة، فنقل علم المقاصد نقلة نوعية بارزة في تأليفه لكتابه العظيم "الموافقات في أصول الشريعة."

وقد كان اعتلاء المقاصد على يد الشاطبي مؤذن بأن تبدأ في الخمول والذبول بعده حيث توقفت حركة المقاصد بعده قروناً حتى عصرنا الحاضر حيث نشطت الحركة المقاصدية من جديد بمؤلفات عدة كان مبتدؤها ما سطره محمد الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية بتأليف متين عميق عني فيه بالمقاصد الشرعية الخاصة لجملة من الأبواب الفقهية، ثم توالت الدراسات والبحوث المقاصدية بعد ذلك، وسجلت فيه الرسائل العلمية الأكاديمية، حتى غدت مقاصد الشريعة علماً قائماً يدرس في الجامعات وتعقد لأجله المؤتمرات والندوات وتخصص له الرسائل العلمية والكراسي البحثية.

ب- حجية العمل بالمقاصد:

إذا علمنا أن مقاصد الشريعة تعتمد على الأخذ بالعلل والمعاني في النصوص الشرعية فإن إقامة الحجة على شرعية الأخذ بالعلل والمعاني سيكون أمراً ميسوراً لتعاضد وتنوع الأدلة الشرعية على مشروعية هذا الأمر.

- ففي القرآن: نجد النصوص الكثيرة الدالة على المقاصد والتعليل في أحكام الله:

فمن ذلك:

ما جاء من النصوص الدالة على غايات الدين والقرآن:

كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة:185]، وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ﴾ [النساء:28]، وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [اليونس:57].

ما جاء من مقاصد الأحكام الجزئية:

كمقصد الصلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، ومقصد الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103] وغيرها.

ما جاء من النصوص من إخبار الله بانه فعل كذا لكذا:

كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا﴾ [البقرة:143]، وقوله سبحانه: ﴿وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة:185] وغيرها.

- والنصوص من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثيرة:

كقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار."، وقوله: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر."، وقوله: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج."

هذه بعض الدلائل المتنوعة التي تدل على أن الأحكام الشرعية إنما وضعت لعلل وحكم "واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد."

ج – أنواع المقاصد:

تنقسم المقاصد إلى أنواع عديدة بحسب الجهة التي ننظر إلى المقاصد من خلالها.

-فالمقاصد من جهة محل صدورها تنقسم إلى:

مقاصد للشارع: وهي المقاصد التي قصدها الشارع بإنزال الوحي وبيان الأحكام.

مقاصد للمكلف: وهي النيات التي يقصدها المكلف في أقواله وأعماله.

- وهي من جهة مرتبتها ومنزلتها في الشريعة تنقسم إلى:

مقاصد ضرورية: وهي ما لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا بحيث يؤدي تركها لفساد وتهارج في الدنيا، وعذاب وخسران نعيم في الآخرة.

مقاصد حاجية: وهي ما يحصل بها توسعة على المكلفين بحيث يؤدي تركها لحرج ومشقة لكنه لا يتجاوز الفساد العادي المتوقع.

مقاصد تحسينية: وهو الأخذ بما يليق من محاسن العادات مما لا يؤدي تركه إلى خلل في أمر ضروري أو حاجي.

-وإذا نظرنا إليها بحسب اعتبار الشارع لها فإنها تنقسم إلى:

مقاصد معتبرة: شهد الشارع باعتبارها.

ومقاصد ملغاة: شهد الشارع ببطلانها.

ومقاصد مرسلة: لم يشهد الشارع لها باعتبار ولا ببطلان.

- وبحسب قوة ثبوتها تنقسم إلى:

مقاصد قطعية: قد اتفق عليها الفقهاء.

مقاصد ظنية: قد تباينت حولها أنظار الفقهاء أو ثبتت بأدلة ظنية.

مقاصد موهومة: وهي التي يتخيلها الناس صلاحاً وخيراً وهي على خلاف ذلك.

- وبحسب شمولها تنقسم إلى:

مقاصد عامة: و"هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختض ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة."

مقاصد خاصة: والمراد بها: "معرفة المقاصد الشرعية الخاصة في أبواب المعاملات، وهي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة."

مقاصد جزئية: وهي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في مسألة خاصة دون غيرها أو في دليل خاص، فهي بيان العلل للأحكام التفصيلية وهو مما اعتنى به الفقهاء فهم يذكرون عند كل حكم شرعي العلة منه، فالأمر بكتابة الدين قصد به الشارع التوثق للحقوق وقطع أسباب الخصومات...إلخ.

المبحث الثاني: معالم التسليم للنص الشرعي في المقاصد

العلاقة بين مبدأ التسليم للنص الشرعي، وبين المقاصد الشرعية علاقة تتضح من خلال عرض مجمل لأبرز الموضوعات والمجالات التي توضح حقيقة المقاصد الشرعية، وإذا اتضحت حقيقة المقاصد تجلت العلاقة التي تربط المقاصد بالتسليم للنص الشرعي، وتجلية ذلك تظهر من خلال العناوين الآتية:

أ-تعريف المقاصد الشرعية:

ذكر علماء المقاصد والباحثون فيه عدداً من التعريفات المناسبة لمعرفة المراد بالمقاصد الشرعية.

نبتدئ من عند شيخ المقاصد الشاطبي، غير أننا لا نجد عند الشاطبي تعريفاً محدداً لعلم المقاصد، وإنما شرع في موضوعاته ومسائله من غير وضع تعريف محدد لهذا العلم، ولعله تجاوز ذلك لظهوره خاصة أنّه كتبه للمتبحرين في علوم الشريعة، ومثل هؤلاء في غنى عن ذكر المراد بمقاصد الشريعة من خلال رسوم محددة.

وعوضاً عن التعريف عند الشاطبي سأختار الرسم الهيكلي العام الذي وضعه الشاطبي لعلم المقاصد فقد حدد موضوعات المقاصد وتقاسيمها الإجمالية فيقوله: "والمقاصد التي ينظر فيها قسمان: أحدهما: يرجع إلى قصد الشارع، والآخر: يرجع إلى قصد المكلف، فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، ومن جهة قصده في وضعها للإفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده في دخول المكلف تحت حكمها فهذه أربعة أنواع."

وأما العلماء والباحثون المعاصرون فقد وضعوا عدة تعريفات للمقاصد الشرعية.

فقال ابن عاشور: "مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة."

وقال عن مقاصد التشريع الخاصة: "معرفة المقاصد الشرعية الخاصة في أبواب المعاملات، وهي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة."

وهي عند علال الفاسي: "المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها."

وعرفها الدكتور أحمد الريسوني: "هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد."

وقال الدكتور نور الدين الخادمي: "هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية والمترتبة عليها سواء أكانت تلك المعاني حكماً جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين."

وحين تنظر في هذه التعريفات – وسواها مما لم يذكر- تجدها وإن اختلفت في الصياغة قد اتفقت على أن المقاصد الشرعية متعلقة بالعلل والمعاني والأسرار والحكم التي جاءت بها الشريعة لتحقيق مصالح الناس في دينهم ودنياهم، فعلم مقاصد الشريعة يبحث في الشريعة ونصوصها وأحكامها ليستخرج منها العلل والمعاني التي تدل عليها نصوص الشارع حتى يعرف من خلالها مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فدراسة الشريعة من خلال مقاصدها هو من التسليم للنص الشرعي ابتداء بأن يبحث المسلم في نصوص الشارع، ويتأمل في معناها وعللها حتى يفهم المعنى الصحيح الذي يريده الشارع منه ليمتثله وينقاد إليه.

وإذا عدت للموضوعات التي حصر الشاطبي فيها علم المقاصد ستجدها جميعاً بحثاً في مقصود الشارع، ليعرف المكلف مراد الشارع في التكليف، وكيف يفهم تكليفه، وكيف يعمل بمقتضاه، فهي مقاصد عملية تابعة للنص تبحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم للتسليم بها والانقياد إليها.

لأجل ذلك طالب الشاطبي بإخراج القضايا الأصولية التي لا يترتب عليها عمل فقال: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عوناً في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية."

لأن المقصود من دراسة الأصول والمقاصد هو العمل بها وتطبيقها، فإذا لم يكن ثم عمل فليس ثم ثمرة من هذه المسألة ف"كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي."

ب-كيف تعرف المقاصد؟

اختلف الناس في كيفية إدراك مقاصد التشريع:

فالظاهرية: تحصر معرفة مقاصد الشريعة في التصريح اللفظي من الشارع بمقصوده.

والباطنية: تجعل ذلك في أمر آخر خارج عن الألفاظ.

والمنهج الصحيح الذي عليه جماهير علماء المسلمين أن يقال باعتبار اللفظ من غير إخلال بالمعنى، وبالعكس.

فهذه الغايات والعلل والأسرار هي مقاصد للشريعة الإسلامية، وحينئذ فلا بد من منهج علمي وموضوعي للوصول إلى الطريقة الصحيحة لاستخراج هذه المقاصد من النصوص الشرعية، وقد ذكر علماء المقاصد والباحثون فيه عدداً من الطرق التي يعرف من خلالها مقاصد التشريع، وهي:

الطريق الأول: الاستقراء:

بأن يستقرئ المجتهد أحكام الشرعية في تصرفاتها وفروعها ليستخرج منها حكماً ومقاصد يعرف بها أنها مرادة للشارع لأنها مستخلصة من الشريعة وأحكامها، فإن "من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها وأن هذه لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك."

فالاستقراء منهج علمي رصين يسلكه المحققون لتحرير كثير من المسائل الفقهية؛ لأنه ذو دلالة قاطعة للحكم، فهو وإن اعتمد على بعض الدلائل الظنية إلا أن مجموع هذه الدلائل يتقوى بعضه ببعض حتى يصل إلى القطع، تماماً كما أن التواتر في الأخبار يوصل إلى اليقين القطعي مع كون التواتر معتمداً على أخبار الآحاد والأفراد من الناس الذين لا يحصل من أفرادهم قطع، بل لا يحصل حتى الظن أحياناً، لكن اجتماعهم جميعاً يحصل به قطع بالحكم، فكذلك الاستقراء هنا.

الطريق الثاني: تتبع الأوامر والنواهي الشرعية:

فوقوع الفعل عند وجود الأمر، وترك الفعل عند وجود النهي، أمر مقصود للشارع، وترك المأمور وفعل المنهي مخالف لمقصود.

فالأمر والنهي بحد ذاته مقصد من مقاصد الشريعة، فإذا رأى المسلم أمراً من الشارع أو نهياً منه علم أن الشريعة تريد منه أن يفعل الأمر ويجتنب النهي، فالقيام به قيام بمقصود الشارع، وتركه تجاوز لمقصود الشارع.

الطريق الثالث: استخراج علل الأوامر والنواهي من النصوص:

حين يقرأ المسلم في كتاب الله أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام سيجد أن الشريعة تعلق كثيرا من الأحكام بعللها كقوله تعالى: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ [المائدة:32]، وقول الله تعالى: { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر:7] وغيرها من النصوص الكثيرة، فمن خلال النظر في هذه النصوص يعرف المسلم العلل والحكم التي بنيت عليها الأحكام فيدرك من خلال هذه العلل مقاصد الشارع من هذا التشريع.

وقد مهد العلماء هذا المبحث تمهيداً تاماً بذكرهم للمسالك والطرق التي يتمكن المجتهد من خلالها لمعرفة علل الشريعة وحكمها؛ كالنص والإيماء والشبه والسبر والتقسيم وسواها.

الطريق الرابع: سكوت الشارع عن الحكم مع قيام المقتضي وتوافر الشروط وانتفاء الموانع:

لأن سكوت الشارع عن الحكم له حالتان:

الحالة الأولى: السكوت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب له كالنوازل والحوادث التي حصلت بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

الحالة الثانية: أن يسكت عنه مع قيام الموجب والمقتضي للبيان فلم يقرر فيه حكم عند نزوله، فهذا السكوت كالنص على أن الشارع قصد أن لا يزاد فيه ولا ينقص.

فهذا طريق لمعرفة المقاصد، بأن ينظر في سكوت الشارع عن الأحكام التي كانت الشروط مجتمعة والموانع منتفية بما يتطلب بياناً من الشارع، فالسكوت والحالة هذه دليل على أن الشارع قصد عدم الزيادة والنقصان، ومثال ذلك: نكاح التحليل حيث كانت الشروط مجتمعة والموانع منتفية فلو كان هذا النكاح مشروعاً ومقصوداً لحل المطلقة لزوجها الأول لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ترك الرسول عليه الصلاة والسلام بيان كونه مشروعاً دل على عدم مشروعيته في حل النكاح، ومثل ما أفتى بعض المالكية للحاكم الذي جامع زوجته في نهار رمضان بأن عليه صيام شهرين متتابعين مع قدرته على عتق الرقبة الواجبة، فنقله من عتق الرقبة إلى الصيام مع قدرته بدعوى أن العتق لا يردعه عن تكرار الفعل لكونه ملكاً قادراً على عتق رقاب كثيرة بينما الصيام سيكون شاقاً عليه ورادعاً له عن تكرار الفعل، فهذا الاجتهاد مناقض لمقصود الشارع لأن هذا الحكم وهو إيجاب الصيام مع وجود الرقبة كان موجودا مقتضيه بلا موانع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ترك الشارع البيان فيه مما يفهم أن مقصوده هو الإبقاء على الحكم من غير زيادة ولا نقصان.

الطريق الخامس: دراسة واستقراء فقه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم :

فدراسة أحوال الصحابة مما يعرف به مقاصد التشريع لأنهم شاهدون التنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم.

وحين ننظر إلى تلك الطرق التي يعرف من خلالها المقاصد نجدها جميعاً مرتبطة بالنص الشرعي ومنطلقة منه، فإنما تعرف المقاصد الشرعية من خلال قراءة النص الشرعي والنظر في علته.

فالطريق الأول: هو في استقراء النصوص الشرعية لمعرفة مقاصدها، فلا بد من تتبع النصوص ليعرف المجتهد المقاصد التي تقررها الشريعة، فهي تبتدئ من التسليم للنصوص الشرعية واستقراء تفاصيلها، ثم يستخرج المجتهد- بعد ذلك- المقاصد من خلالها.

والطريق الثاني: يجعل ذات النص الشرعي دليلاً يستخرج منه المقصد مباشرة، فمجرد الأمر أو النهي الجزئي في قضية معينة يدلنا على مقصد الشريعة في القيام بأوامرها واجتناب نواهيها.

والطريق الثالث: في استخراج العلل من خلال النصوص، فالقراءة في ذات النص لا من خارجه، والقراءة من أجل معرفة علته ومعناه فهي قراءة لمعرفة المراد من النص للتسليم والانقياد.

كما أن الطريق الرابع: متعلق بالنظر في النصوص الشرعية حتى في الجزء المسكوت منها، فما ترك الشارع بيانه مع قيام المقتضي وزوال المانع فهو دليل على إرادة الشارع لأن يلتزم المسلم بها من غير زيادة أو نقصان، وهذا من قوة التسليم وكمال الانقياد للبحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يتتبع المجتهد النص حتى فيما سكت عنه فيما يكون السكوت فيه قائماً مقام النطق.

والطريق الخامس: يقدم فهم الصحابة ومنهجهم طريقاً معتبرا لاستخراج مقاصد التشريع لكونهم أعلم الناس وأتقاهم وأقربهم لإدراك ما يرضي الله ويرضي رسوله صلى الله عليه وسلم، فمصاحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم بأحواله وسيرته يجعلهم أقرب لفهم المقاصد، فكان اتباعهم والاقتداء بهم من كمال التسليم للنص الشرعي بأن نبحث عن أقدر الناس في فهمه فنسلك سبيله رجاء أن نصل إلى ما وصل إليه.

فهذه أشهر طرق معرفة المقاصد الشرعية، توضح حقيقة التسليم والانقياد للنص الشرعي في دراسة علم مقاصد الشريعة.

فإدراك هذه المقاصد مرتبط بحرص المسلم على تتبع النصوص الشرعية وتدبرها وإدامة النظر فيها حتى يتمكن من فهم مقاصدها، ولا يكفي فيه مجرد العلم والقراءة والبحث، بل لا بد معه من هداية الله وتوفيقه للعبد، وذلك يستدعي ضرورة الالتجاء إلى الله ودعائه وعبادته حتى يوفق العبد لإصابة مراد الله، وهذا يشد الوثاق بين إدراك المقاصد وبين التسليم للنص الشرعي، فكلما كان المسلم أقرب لله وأكثر ذكراً له وأدوم نظراً في كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كان أقرب لإدراك هذه المقاصد، "فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال، قد يراه وقد لا يراه لعشى في بصره، وكذلك أعمى القلب، وأما الناظر في المسألة فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي، وإلى أن يهتدي به وينتفع، فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة وهو ذكر الله تعالى والغفلة عنه، فإن الشيطان وسواس خناس فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس، وذكر الله يعطي الإيمان وهو أصل الإيمان... وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى طالب سائل فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله، كما قال: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم."

وسئل الإمام أحمد فقيل له: ربما اشتد علينا الأمر من جهتك فمن نسأل بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب الوراق فإنه أهل أن يوفق للصواب "واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك لقرب قلوبهم من الله، وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى، وكلما بعد عن الله كثرت عليه المعارضات وضعف نور كشفه للحق، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب يفرق به العبد بين الخطأ والصواب."

ولهذا أوصى الإمام مالك الإمام الشافعي في أول لقياه به فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية.

ج – ثمرات المقاصد:

لدراسة علم المقاصد أثره وثمراته العديدة على المسلم سواء أكان مجتهداً أم مقلداً، ومن تلك الثمرات التي يجنيها المسلم المجتهد وغير المجتهد من خلال معرفته لمقاصد الشريعة:

تحقيق العبودية لله تعالى، وزيادة الاقتناع بالشريعة وما يتبع ذلك من زيادة الإيمان بها والولاء لها والدعوة إليها، كما أن معرفة العلل والمقاصد يعين المكلف على القيام بالتكاليف الشرعية وامتثالها على أحسن وجه، فإذا علم بعلة التشريع اجتهد في تحقيق هذه العلة فيما يقوم به من العبادات.

كما يحصل بدراسة ومعرفة المقاصد تحقيق التوازن في الأحكام وعدم الاضطراب.

وهذه الثمرات كلها مما يقوي ارتباط المسلم بالنص الشرعي ويزيد من تمسكه بهذا الأصل المتين.

د-مجالات عمل المقاصد:

الدارس للشريعة يحتاج للمقاصد الشرعية في مجالات كثيرة ترتبط بالمقاصد، فالدائرة التي تعمل فيها المقاصد وتؤثر فيها تتسع لمجالات عدة، من أشهر تلك المجالات:

الأول: فهم النصوص وتفسيرها ومعرفة دلالتها.

وقد سبق الحديث عن اعتناء المدرسة المقاصدية بمعاني النصوص وعللها.

الثاني: الترجيح بين الأدلة المتعارضة والتوفيق بينها: ودفع التعارض الذي قد يظهر بين النصوص الشرعية، فإذا تعارض أمام المجتهد دليلان شرعيان فإنه بحاجة لأن يعمل بأحد الدليلين لرجحانه على غيره، وهذا يتطلب النظر في دلائل الشريعة لمعرفة الأرجح منها، ومن طرق الترجيح عند تعارض الأدلة أن يعدل عن مقتضى نص شرعي لمخالفته أصلاً أو قاعدة شرعية أقوى منه.

ومنه الاستحسان عند الفقهاء: حيث إنه "العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص."

فالتعارض قد يكون بين الأدلة الشرعية كنصين أو قياسين، وقد يكون بين أمرين أحدهما يتحقق فيه المقصد الشرعي والأخر ليس فيه مقصد شرعي، أو قد يكون بين المصالح والمفاسد.

الثالث: معرفة أحكام الوقائع التي لم ينص عليها سواء بقياسها على ما له نظير من الأحكام الشرعية أو بمعرفة حكمها فيما لا نظير له.

الرابع: تنزيل الأحكام الشرعية على الظروف المكانية والزمانية.

الخامس: تلقي بعض الأحكام الشرعية الثابتة التي لم يعرف علل أحكامها تلقي تسليم وتعبد واستضعاف لعلمه في جنب سعة الشريعة.

السادس: تقوية الارتباط بالنص الشرعي من خلال التحاكم إلى المقاصد الشرعية لترجيح وتغليب ما كان موافقاً له من الأقوال الفقهية مما يساعد على إضعاف التعصب الفقهي.

السابع: النظر في مآلات الأفعال.

وغيرها.

فهذه أبرز المجالات التي تعمل فيها المقاصد الشرعية، وهي الثمرات التي يجنيها المجتهد حين يكون ملماً بمقاصد الشريعة، وهي كما ترى ملتصقة بالنص الشرعي التصاقاً محكماً، فهي من النص تنطلق وإليه تعود، فالمقاصد تنحصر في فهم النصوص ودفع التعارض بينها ومعرفة كيفية تنزيل النصوص على الوقائع، وكيفية الحكم على الوقائع التي لا نص فيها، والنظر في مآلات الفعل المستقبلية أو الذرائع الموصلة إليه لتحديد الحكم الشرعي، وهذه كلها مجالات منطلقة من أن المسلم حين يقرأ في المقاصد الشرعية فإنما يبحث عن الحكم الذي يريده الشارع منه، فمبدأ المقاصد قائم على تسليم تام للنص.

فالمقاصد بهذا لا تخرج عن علم أصول الفقه، وكافّة مباحثها هي مباحث أصولية قد طرقها الأصوليون من قبل.

فالمقاصد ليست دليلاً شرعياً مستقلاً، وإنما جزء تابع ومتفرع من الأدلة الشرعية، فهي كما يدل عليه اسمها مقاصد ثابتة بالتشريع الإسلامي؛ أي: "بأدلته ونصوصه وتعاليمه وهديه فهي مبنية على الشرع ومنضبطة بقيوده وقواعده" وهي مندرجة ضمن مباحث الأصوليين في المصلحة والاستصلاح.

كما أن المقاصد تتميز بالثبوت والعموم والاطراد والشمول والانضباط وغيرها من السمات التي تدل على أنها مندرجة ضمن منظومة الشرع وتعاليمه، فلو كانت موكولة إلى العقل والواقع لما تميزت بذلك.

وهذا لا يتنافى مع ما ذهب إليه بعض العلماء من أهمية استقلال علم المقاصد عن الأصول لحاجتها للبحث ونظراً لتجدد الوقائع التي تحتاج لبحث وتحرير؛ لأن استقلال العلم لا يعني انفكاكه واختلافه عن علم أصول الفقه، وإنما هو جزء من التأليف والتنظيم للعلوم التي تتطور وينفك عن بعضها ما كان مرتبطا به.

ه – ضوابط العمل بالمقاصد الشرعية:

اعتنى المقاصديون بتحديد الضوابط التي يجب المسير عليها للعمل بالمقاصد الشرعية حتى تكون دراسة المقاصد قائمة على منهج علمي صحيح موصل إلى فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ف"العمل بضوابط المقاصد هو العمل بالمقاصد نفسها، والتفويت فيها أو في ضابط منها هو عينه التفويت في ما جعله الشارع مراداً لشرعه ودينه."

كما أن المقاصد مرادة للشارع الحكيم والكشف عنها وتحقيقها لا بد أن يكون ضمن مشيئته وعلمه ومراده، كما أن الضوابط "ثابتة باستقراء الأدلة والقرائن الشرعية وإنكار الضوابط هو إنكار للاستقراء."

ومن هذه الضوابط:

1. أن تكون المقاصد مستقرأة من النصوص والأحكام الشرعية:

فالمقاصد أصول كلية فيجب أن تكون مستخرجة من النظر في نصوص الشارع وأحكامه وحكمه حتى يصح أن يقال فيها: إنها مقاصد للشارع، وبدون هذا لا يكون التقصيد إلا قولا على الله بغير علم، ويجب على الناظر في المقاصد أن يقدر المصالح والأحكام بناء على تقدير الشارع وقصده، فالمصالح والمفاسد إنما تعتبر بتقدير الشارع وحكمه وليس بالتقدير والنظر العقلي المحض.

فمن المقاصد الشرعية المعتبرة التي يجب تصورها عند أي نظر في المصالح الشرعية:

-أن المصلحة والمفسدة شاملة لمصالح ومفاسد الدنيا والآخرة حيث إنه "ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية."

فالمصالح والمفاسد في الشريعة لا تقتصر على الجانب الدنيوي المحض، بل تشمل الجانب الأخروي: "فكل مأمور به ففيه مصلحة في الدارين أو في إحداهما، وكل منهي عنه ففيه مفسدة فيهما أو في إحداهما."

"وكل لذة أعقبت ألماً في الدار الآخرة أو منعت لذة الآخرة فهي محرمة مثل لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم مثل اللذة التي تحصل بالكفر والنفاق."

-وأن المصالح والمفاسد الدنيوية تابعة للمصالح والمفاسد الأخروية: ف"المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور..." .

-أن مراعاة المصالح الأخروية ودرء المفاسد الأخروية هو الأصل في النظر إلى المصالح والمفاسد: "إذ هو دليل على أن المنافع ليس أصلها الإباحة بإطلاق، وأن المضار ليس أصلها المنع بإطلاق، بل الأمر في ذلك راجع إلى ما تقدم، وهو ما تقوم به الدنيا للآخرة، وإن كان في الطريق ضرر ما متوقع أو نفع ما مندفع."

ف"المصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية على الإطلاق" .

"والمصالح والمفاسد الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق، إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلا."

-ولأجل هذا الاعتبار، تقدم المصلحة الأخروية على المصلحة الدنيوية: "فإذا عارض إحياؤها إماتة الدين كان إحياء الدين أولى، وإن أدى إلى إماتتها كما جاء في جهاد الكفار وقتل المرتد وغير ذلك."

-وبناء على رسوخ هذا الأصل، فإذا ثبت النص فيجب الانقياد له ولو لم تفهم مصلحته، وليس هذا خاصاً بالأحكام التعبدية التي لم يعقل معناها بل حتى في تفصيل الأحكام المعقولة المعنى: "فإذا تقرر هذا وأن الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني فإذا وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع النص كطلب الصداق في النكاح والذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول والفروض المقدرة في المواريث وعدد الأشهر في العدد الطلاقية والوفوية."

"وكذلك قد يشرع الحكم لمصلحته ويشرع نظيره تعبداً وذلك كعدة الوفاة والطلاق مع القطع ببراءة الأرحام من الحمل في الصورتين، إذ تجب عدة الوفاة على الطفلة إذا مات زوجها وعلى البالغة إذا كان زوجها طفلاً، وكذا تجب عدة الطلاق على من طلقها زوجها بعد الدخول..."

- ومن قواعد ذلك: أنه لا يلزم حضور المصالح في كل جزئية: "لا يلزم إذا شرعت القاعدة الكلية لمصلحة أن توجد المصلحة في كل فرد من أفرادها عينا."

فالمقاصد التي يطلبها المسلم من قراءته لنصوص الشريعة يجب أن لا تخرج عن حكم الشريعة في المصالح والمفاسد، وبهذا يتبين بطلان طريقة بعض الناس الذين لا يريدون من المقاصد والمعاني والكليات إذا أطلقوها إلا الجانب الدنيوي المحض، فإذا أطلقوا مقاصد الشريعة فبصرهم لا يتجاوز ما يتعلق بالمال والنفس وحفظ الأمن والرفاه المادي ونحو هذه المعاني، ويغيب عن عقولهم جانب حفظ الدين والتعبد، وهو ما يفسر تأخير بعضهم لتطبيق الأحكام الشرعية لأدنى عارض دنيوي؛ لأن الجانب الدنيوي لديه متضخم ومصالحها حاضرة بخلاف الجانب الأخروي الذي غاب أو ضعف، مع كونه هو الأهم والأعلى شأناً وقدراً في حكم الشارع ومقاصد تشريعه.

2. عدم معارضة النص الشرعي:

فمن الضوابط الأساسية للمقاصد أن لا تعارض النصوص الشرعية، وأن لا يكون التقصيد سبباً لإزاحة بعض الأحكام الشرعية، فلا يصح أن تأتي مقاصد ترجع على النص الشرعي بالإبطال.

وهذا من الضوابط الأساسية في موضوع المقاصد، فلا يصح أن يكون ثم مقصد شرعي مناقض لنص شرعي؛ لأن المقاصد إنما تستخرج من استقراء النصوص الشرعية، فلا يمكن أن يسلم بمقصد شرعي مع وجود نص شرعي مخالف له ولو كان هذا النص جزئياً، فالمقاصد الكلية إنما تعرف من خلال هذه الجزئيات، وإلغاء اعتبار الجزئيات إضعاف للكلي ذاته، فالكلي لا يقوم إلا بالجزئيات.

وهذا الضابط من أولى وأهم الضوابط التي يجب العناية بها عند أي حديث في المقاصد، ولعل الإمام الشاطبي قد أدرك خطورة الحديث في المقاصد والكليات على التفريط والإهمال للجزئيات، فأطال الحديث وفصل القول في هذا الموضوع: "كما أنه إذا ثبت قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات فلا ترفعها آحاد الجزئيات، كذلك نقول: إذا ثبت في الشريعة قاعدة كلية في هذه الثلاث أو في آحادها فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي وذلك الجزئيات، فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي أن لا يتخلف الكلي فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع."

-فأقام الدلائل على ضرورة اعتبار الجزئيات في تقرير الأصول الكلية: فذكر الدليل الأول: "ورود العتب على التارك في الجملة بغير عذر كترك الصلاة أو الجماعة أو الجمعة أو الزكاة أو الجهاد أو مفارقة الجماعة لغير أمر مطلوب أو مهروب عنه كان العتب وعيدا أو غيره؛ كالوعيد بالعذاب وإقامة الحدود في الواجبات والتجريح في غير الواجبات وما أشبه ذلك."

والدليل الثاني على ضرورة مراعاة الجزئيات: "أن عامة التكاليف من هذا الباب؛ لأنها دائرة على القواعد الثلاث والأمر والنهي فيما قد جاء حتماً وتوجه الوعيد على فعل المنهي عنه منها أو ترك المأمور به من غير اختصاص ولا محاشاة إلا في مواضع الأعذار."

وذكر الدليل الثالث: "أن الجزئيات ولو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله؛ لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه؛ لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزئيات، فتوجه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق."

والدليل الرابع: "أن المقصود بالكلي هنا أن تجري أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف، وإهمال القصد في الجزئيات يرجع إلى إهمال القصد في الكلي، فإنه مع الإهمال لا يجري كلياً بالقصد وقد فرضناه مقصوداً، هذا خلف فلا بد من القصد إلى حصول الجزئيات، وليس البعض في ذلك أولى من بعض، فانحتم القصد إلى الجميع وهو المطلوب."

-وإذا وجد جزئي قد تخلف عن حكم أصل كلي، فإن هذا لا يقدح في الكلي؛ لأن تخلف بعض الآحاد لا يقدح في الكليات، ولا يكون هذا سبباً لنفي الجزئي بل يبحث عن أصل كلي يكون أقرب إليه "وأيضاً فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلاً، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى."

وأكد هذا المعنى بصورة أخرى: "فعلى هذا تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكلي إن كان لغير عارض فلا يصح شرعاً، وإن كان لعارض فذلك راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى، أو على كلي آخر، فالأول يكون قادحاً تخلفه في الكلي، والثاني لا يكون قادحا.

فالشاطبي يقرر أن تخلف الجزئيات –إن كان لعارض – يقدح في سلامة الكليات لا بمعنى أن يتم إلغاء الجزئيات تقديماً للكليات، بل باعتبار أن يبقى اعتبار الكلي، ويحتفظ بالجزئي كذلك لكن يبحث عن الكلي المناسب له.

-وألغى اعتبار أي أصل أو مقصد يترتب عليه إلغاء نص أو حكم شرعي ف"الاعتراض على الظواهر غير مسموع" . و"كل معنى يؤدي إلى عدم اعتبار مجرد الأمر والنهي لا سبيل إلى الرجوع إليه." و"إن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعياً ليس بحق في نفسه."

- وبين المنهج الصحيح في سبيل التوفيق بين الكلي والجزئي عند ظن التعارض وذلك بالجمع بينهما:

"فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما؛ لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة، فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي."

وفصل كيفية هذا الجمع: "ويعتبر الكلي في تخصيصه للعام الجزئي أو تقييده لمطلقه وما أشبه ذلك بحيث لا يكون إخلالا بالجزئي على الإطلاق، وهذا معنى اعتبار أحدهما مع الآخر."

- وأعلى من شأن الجزئي الذي جاء فيه نص، فحكم بأنه بحد ذاته يكون كلياً ف"كل دليل شرعي يمكن أخذه كلياً وسواء علينا أكان كلياً أم جزئياً إلا ما خصه الدليل."

- وقرر أن المفرط في الأخذ بالجزئيات؛ كالمفرط في الأخذ بالمقاصد: "كما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه" . فأهمية المقاصد لا تزيد عن أهمية العمل بالجزئيات.

- وحتى لو وجد الإنسان أن الجزئي يعارض الكلي، فهو بحسب تقديره وفهمه، وإلا فإنه قد يخفى على الشخص وجه الحفظ في الجزئي: "فإنه إن علم أن الحفظ على الضروريات معتبر فلم يحصل العلم بجهة الحفظ المعينة، فإن للحفظ وجوهاً قد يدركها العقل وقد لا يدركها، وإن أدركها فقد يدركها بالنسبة إلى حال دون حال، أو زمان دون زمان، أو عادة دون عادة، فيكون اعتبارها على الإطلاق خرماً للقاعدة نفسها."

وقد أطلت في توضيح موقف الشاطبي من هذه القضية المهمة، لئلا يفهم أن العناية بالمقاصد ستكون على جهة التفريط في مقام الجزئيات كما يتوهم بعض الناس، فهو يقابل بين العلم بالمقاصد والعلم بالجزئيات، وكأن علم المقاصد يقلل من العناية بالجزئيات أو لا يلقي لها كبير اعتبار، وهو تصور مخالف لحقيقة هذا العلم كما سبق تفصيل كلام شيخ هذا العلم وأكبر أساطينه.

3. اعتبار اللسان العربي:

فلا يمكن فهم كلام الله وكلام رسول صلى الله عليه وسلم إلا من خلال فهم لغة العرب، وبإدراكها يستطيع المسلم فهم المعاني والحكم الشرعية "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.

ف"القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة."

وكثير من الانحرافات والتأويلات الفاسدة للقرآن والسنة نبتت بسبب جهل الإنسان بلغة العرب، ولو كان سائراً على معهودهم وأساليبهم لحفظ الشريعة من إقحام ما ليس منها.

ولا يتم إدراك ذلك إلا بالسير على فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حيث جمع لهم فهم كلام العرب مع فهم كلام الشرع.

4. العلم بالأحكام الشرعية:

فلا بد للناظر في المقاصد أن يكون عالماً بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستطيع أن يستخرج مقاصد التشريع، فاستخراج المقاصد من مظان الخطأ والانحراف، وقد يظن الإنسان ما ليس بمقصد مقصدا للشارع، بل قد يظن أن المقصد الذي ينهى عنه الشارع هو من مقاصده التي يريد، فلخطورة مثل هذا كان لا بد للاجتهاد والنظر المقاصدي أن يكون من عالم متبحر بعلوم الشريعة، ولإدراك الإمام الشاطبي لهذا الأمر فقد اشترط على من يقرأ كتابه ليستفيد منه أو يفيد أن يكون عالماً متبحرا حتى لا تكون دراسته للمقاصد سبباً للانحراف والخطأ: "لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريان من علم الشريعة أصولها وفروعها معقولها ومنقولها."

و-علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية:

علاقة المقاصد بالقرآن:

والارتباط هنا وثيق جداً فهو ارتباط فرع بأصل؛ لأن المقصود من المقاصد البحث عن مراد الشارع، والقرآن الكريم هو الأصل الأول في معرفة مراد الشارع، وذلك من خلال معرفة المقاصد الكلية التي ذكرها الله تعالى في القرآن كمقصد رفع الحرج في قوله تعالى:

﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ﴾ [المائدة:6]، والعدل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل:90]، ومقصد النهي عن الفساد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف:56]، ومقصد إخلاص العبادة والعمل لله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، غير ذلك من المقاصد والمعاني والعلل المستفادة من كتاب الله، كما أن معرفة مقاصد القرآن ومعانيه إنما تكون من خلال دراسة ألفاظ القرآن ومفرداته وتراكيبه وأساليبه، كما أن القرآن ضابط من ضوابط معرفة المصلحة بحيث لا يعتبر أي مصلحة مخالفة له.

وكذلك تكون علاقة المقاصد بالسنة النبوية:

من جهة أن السنة هي المصدر الثاني من التشريع، فلا بد من معرفة أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته لاستخراج مقاصد التشريع وعلله ومعانيه، خاصة أن السنة تأتي مفسرة للقرآن وتأتي مؤكدة له، مما يكشف ضرورة الرجوع إلى السنة لمعرفة مقاصد القرآن، كما أنها تأتي بتشريع جديد يتطلب معرفة مقاصده علله.

ولا يتصور حصول تعارض حقيقي بين خبر الواحد ومقاصد الشريعة، فإن حصل فمرجعه إلى عدم صحة الحديث أو عدم صحة المقصد المفترض أو لخفاء دخوله في المقصد أو لكونه مقيداً أو مخصصاً للمقصد، كما أن ترك الحديث لأجل القياس ترك لأمر مقطوع به لأجل أمر مظنون؛ لأن دلالة القياس أضعف من دلالة الحديث.

علاقة المقاصد بالإجماع:

أن الإجماع مصدر من مصادر التعرف إلى المقاصد كما سبق في طرق كشف المقاصد أن من طرقه معرفة علل الأمر والنهي، ومن مسالكه الإجماع.

علاقة المقاصد بالقياس:

ثم ارتباط وثيق بينهما من جهة أن القياس يعتمد بشكل رئيسي على العلة لأجل تعدية حكم الأصل المنصوص عليه إلى الفرع غير المنصوص عليه، والبحث في العلل والمعاني هو أساس اعتماد علم المقاصد الشرعية، كما أن المقاصد الشرعية تعتبر ضابطاً للقياس، فمن شرط القياس أن لا يخالف النص الشرعي.

ز-علاقة المقاصد بالأدلة المختلف فيها:

علاقة المقاصد بالمصالح المرسلة:

والمصالح من موضوعات المقاصد الأساسية، فهو يمثل أساس المقاصد، وقد بحث الأصوليون في المصالح فقسموها إلى مصلحة ملغاة ومعتبرة ومرسلة، وعلاقة المقاصد بالمصلحة المعتبرة والملغاة ظاهر، فالمعتبرة مقصد معتبر شرعا والملغاة مقصد غير معتبر شرعاً، وأما المصلحة المرسلة فقد وقع خلاف الأصوليين حولها، وإن كان ثم اتفاق في الجملة على العمل بها.

علاقة المقاصد بالاستحسان:

وعلاقته بالاستحسان أن الاستحسان ترك للنص لدليل آخر أقوى منه، فهو عمل بنصوص أخرى من النص أو القياس أو الإجماع مما سبق، كما أنه استثناء من أصل كلي لما في الالتزام به من المشقة أو الحرج أو الضرورة، وهي من مباحث المقاصد.

فالاستحسان إعمال لقاعدة الترجيح بين النصوص الشرعية وهو من مجالات عمل المقاصد.

علاقة المقاصد بسد الذرائع:

أن سد الذرائع بحد ذاته مقصد من مقاصد التشريع، ومجال من مجالات عملها، كما أن سد الذرائع له علاقة بمآلات الأفعال، وهي من مجالات عمل المقاصد، كما أن سد الذرائع فيه حماية لمقاصد الشريعة.

علاقة المقاصد بقول الصحابي:

والعلاقة من جهة أن دراسة أقوالهم طريق لإدراك مقاصد الشريعة وعللها؛ لأنهم أعلم الناس بالشرع وأفقههم بأحكامه . كما أن في الاعتماد على قول الصحابي معرفة لعلل الشريعة ومعانيها ومقاصدها. "وإلى هذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فه."

علاقة المقاصد بالعرف:

أن الشريعة علقت بعض الأحكام على العرف، فمعرفة أعراف الناس مقصد شرعي ومؤثر في كثير من الأحكام، وبناء عليه تتغير الفتاوى بتغير الزمان والمكان لتغير الأعراف.

فهذه جوانب المقاصد: (تعريفها -ضوابطها – طرقها-ثمراتها-مجالاتها – علاقتها بالأدلة) تكشف عن حقيقة قيام هذا العلم على مبدأ التسليم للنص الشرعي والانقياد له، وأن علم المقاصد عامل مساعد على تقوية التسليم للنص الشرعي وليس شيناً آخر خارجاً عن سياق النص أو مدلوله.

ولأجل ذلك كان من موضوعات المقاصد التي طرقها الأصوليون موضوع البدعة، وقد أفرد له الشاطبي حديثاً مستقلاً في كتابه "الاعتصام" كما عرض له في "الموافقات" في مواضع وكذلك العز بن عبد السلام في قواعده ، فالبدعة تأتي على خلاف الأحكام والنصوص الشرعية والمقاصد ثابتة بالنصوص فهما متعارضان من الوهلة الأولى، سواء كان ذلك في العبادة أم الاعتقاد، فمقاصد العبادات تحقيق الامتثال والعبادة وحمل المكلفين على الطاعة بالطرق التي ضبطها الشارع، والبدعة بخلاف ذلك؛ لأن فيها إضافة أمور وطرق جديدة، فهي مخالفة لأصل تقرير العبودية لله، وكذلك في الاعتقاد فالمقاصد المشروعة تتجه لتقرير التوحيد والاعتقاد الصحيح، والبدعة تتجه لإحداث صور ومناهج نظرية واعتقادية مخالقة.

المبحث الثالث: الانحراف بالمقاصد عن التسليم للنص الشرعي

وما دام أن المقاصد الشرعية تنطلق إذن من علل النص الشرعي وحكمته وغاياته، وتبحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من خلال نصوص كتابه الكريم وسنة وسيرة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، فإنه حين تبتعد المقاصد عن ذلك فإنها لا تكون مقاصد للشريعة بل انحراف وابتعاد عنها، فاتباع النص الشرعي هو الميزان الدقيق لضبط الطريق الذي تسير عليه المقاصد، فإن زاغت عنه فإنها تصبح حينئذ مقاصد للنفوس والأهواء والشهوات وليست مقاصد للشارع، ولا يفيدها شيئا أن أصبحت تتسمّى بالمقاصد الشرعية، ونظراً لاعتماد المقاصد على المعاني والعلل فإن هذا كان سبباً لولوج كثير من المنحرفين فيها وادعائهم للعمل بالمقاصد و"لما كانت قواعد علم أصول الفقه لا تسمح بمجاوزة الدلالات المضبوطة لنصوص التشريع فإنه يراد للمقاصد أن تصبح جسراً يفضي إلى تعطيل هذه الدلالات أو تحريفها لاتسام قواعد المقاصد باحتمالية كبيرة لا تتوافر في القواعد الأصولية."

فلما ضاقت بهم النصوص الجزئية التفصيلية ذهبوا إلى المقاصد الكلية العليا ليتخلصوا من الجزئيات لا ليجمعوا بينها وبين الكليات، فألبست جميع الانحرافات الفكرية لبوس المقاصد، وكانت المقاصد ذريعة لكل من يضيق ذرعاً بحكم أو تأنف نفسه عن الانقياد لنص ليتمسك بالمقاصد العامة التي تتسع لكافة أهوائهم وشهواتهم، لأجل هذا كان الهدف من دراسة المقاصد عند بعضهم هو على النحو التالي: "عندما ينشد البحث في المقاصد صوغ كليات عليا فإنه يرمي في الدرجة الأولى إلى تقديم ثوب يتسع للجميع."

ومن أجل التخلص من إشكالية النصوص الشرعية غير المرغوب فيها فإن: "التأويل المقاصدي هو التأويل الأنسب من الوجهة الدينية، وينبغي أن لا يطول البحث في تحليل الكلمات، بل لا بد من البحث وراء المعاني الحرفية عن روح القرآن وتناول كل مسألة حسب وضعها ضمن المقاصد الإلهية الشاملة."

فمع المقاصد سيتم إعادة فهم النص الشرعي ب"اعتماد الفهم المقاصدي للإسلام بدل الفهم النصي، فالنصوص يجب أن تفهم وتؤول في ضوء المقاصد "العدل، التوحيد، الحرية، الإنسانية"، ونصوص الحديث يحكم على صحتها أو ضعفها لا حسب منهج المحدثين في تحقيق الروايات، وإنما حسب موافقتها أو مخالفتها للمقاصد."

مقاصد مفتوحة لا يحدها ضابط دقيق ولا منهج موضوعي وهو ما يجعلها مجالا خصباً لأنواع من الانحرافات لا تخطر على بال، فأي التزام موضوعي أو منهجي يمكن أن تستفيده من مثل: "إن مقاصد الشارع التي يشير إليها ما سميناه بالسهم الموجه، والتي ينبغي أن نواصل السير في اتجاهها ونجتهد في تحقيقها ترتكز على مجموعة من القيم: حرية الاعتقاد، المساواة في الحقوق والواجبات، التضامن والعدل، قبول التعددية."

ومن مجالات الانحراف المعاصر في تطبيق وفهم المقاصد الشرعية:

تعليق تطبيق الأحكام الشرعية على أوصاف غير شرعية:

فبدلاً من انقياد المسلم لأوامر الشريعة مباشرة امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب:36] يأتي بعض الناس ليضع الشروط والقيود والضوابط التي يجب توفرها ويشترط حضورها قبل تطبيق أحكام الشريعة؛ لأن من "الأصول العامة للشريعة: تنزيل الشريعة تعلق على قيام مجتمع ديني وتطبيقها منوط بوجود هذا المجتمع" .

فالشريعة إنما تطبق في حال وجود مجتمع مثالي ليس في خلقه ولا صفاته أي صفة من صفات البشر الطبيعية: "وهو يفيد دائماً أن الأمر الواضح والنهج البين للشريعة يقوم على استحياء الضمائر واستنفار الفضائل واستنهاض الروح والهمم بحيث يتبدل الجزاء تقوى، ويتحول القصاص عفواً، ويصبح الخوف بذلاً وعطاء، وعندما يحدث ذلك – وقد حدث – لا يرى المؤمن في العقوبة إيذاء وإيلاماً بل تطهير له من إثم وقع فيه وتنقية لنفسه من ذنب شابها بسوء، ولا يرى المؤمن في القصاص تشفياً من الجاني أو زجراً له بل شفاء للمجتمع وتقوية للمذنب، إن هذا الأصل الذي تتميز به الشريعة يجب أن يكون ملحوظاً عند تطبيقها فليست الشريعة قواعد وإجراءات..."

فأحكام الشريعة لا تطبق إلا إذا صلحت النفوس، وليست هي وسيلة إلى إصلاح النفوس، فليس الصيام – في زعمهم – طريقاً إلى التقوى ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:21] وليست الصلاة طريقاً إلى اجتناب الفحشاء والمنكر، وليست الزكاة طريقاً إلى الطهارة والتزكية، طبعاً: هذا الصلاح الذي يتحدث عنه صلاح خيالي تجريدي لا يوجد إلا في ذهن قائله ولا يمكن أن يأتي يوم تصل فيه المجتمعات إلى هذه المثالية المنافية لفطرة الله وسنته في خلقه، بل حتى مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال الكاتب بأنه حدث فيه التصور الذي يقصد، لم يكن مجتمعه عليه الصلاة والسلام بهذا التصور الخيالي الذي يتحدث عنه هذا الكاتب.

فأين هذا المجتمع الذي لا يجد المقتصّ شفاء الصدر من قاتل وليه؟ وإذا كان لا يجد شفاء فلماذا يقتص إذن؟ ثم إن القصاص يدل على وجود جريمة وقتل، فحتى في هذه الحالة يجب أن لا تطبق الشريعة؛ لأنه ما زال ثم خطأ وجريمة!

فتعليق الشريعة على هذا الوصف المثالي وإن أبداه صاحبه تنزيهاً للشريعة واحتراماً لها ومراعاة لمقاصدها فليس هو إلا استخفافاً بقدرها واستحقاراً لمكانتها واستنكافاً عن الخضوع لأحكامها، فيضع لأجل ذلك من الأوصاف ما يستحيل معها تطبيق الشريعة.

ومن نتائج هذا التأصيل المقاصدي أن تنكر الأحكام الشرعية القطعية الضرورية كأحكام المواريث والنكاح وغيرها؛ لأن "الشريعة حرصت في مسائل الأحوال الشخصية والميراث على أن تؤكد على أهم أصول من أصولها العامة وهو الأصل الذي يفيد أن تطبيق الأحكام منوط بوجود مجتمع ديني ومشروط بالركون إلى ضمائر الناس الحية وذممهم التقية."

وإلى أن يأتي هذا الزمن – الذي حدد بطريقة تجعله لا يأتي – تبقى الشريعة معطلة بل وجريمة واستخدام غير مشروع لمقاصد سيئة: "وما لم يحدث ذلك، ما لم يسبق الروح النص ويعلو الضمير على اللفظ والحرف، وتكون التقوى هي الأساس في الحكم والتطبيق، ما لم يحدث ذلك فإن إعمال الشريعة؛ يعني: استخدام الأحكام الشرعية لأهداف غير شرعية وتوجيه الدين لأغراض ليست من الدين في شيء، ووضع أدواته في أيد تخدم أغراضها الشخصية وأهدافها الخاصة."

كما أن الشريعة إنما كانت شريعة يوم نزلت في عصر الرسالة، وأما بعد ذلك فلا تبقى شريعة؛ لأتها كانت تنزل لأسباب معينة خاصة بها، وتنتهي عندها، وهذا كله طبعاً من مقاصد الشريعة: "ثانياً - أي: الأصل الثاني – الشريعة كانت تتنزل لأسباب تقتضيها وأسباب التنزيل ليست مناسبات لها."

ولو كان المقصد حقاً هو السعي لإصلاح الناس لدعا إلى تطبيق الشريعة؛ لأن تطبيق الشريعة هو من أسباب إصلاح الناس وإزالة الفساد، وترك تطبيق الشريعة يعني: تطبيق القوانين الوضعية المحادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولن يكون هذا إلا زيادة في الفساد وترسيخاً له ، فلأن المجتمع فاسد يتجه التفكير إلى تطبيع إفساده وجعله مشروعاً.

وهكذا، يضع بعض المعاصرين عدداً من الشروط والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي لا بد من توفرها قبل تطبيق الحكم الشرعي - غير المرغوب فيه – فبدلاً من الانقياد لله والتسليم لأمره وتطبيق حكمه سمعاً وطاعة يأتي التضييق على الحكم إلى أبعد حد:

ولنأخذ مثالا على ذلك بحد السرقة، فيقرر بعضهم عدداً من الشروط التي لا بد منها قبل تطبيق هذا الحد،

فمن ذلك: درء الشبهات، وشبهات عصرنا كثيرة، والأغراض السياسية كثيرة، والمجتمع الإسلامي العادل الذي لا بفطر فيه الإنسان للسرقة غير قائم بالشكل التام.

ولا بد قبل تطبيق حد السرقة من وجود الرخاء في المجتمع.

ولا بد من وجود المجتمع العادل الذي يمنع الشخص من الانحراف، فلا يطبق في غيره فضلاً عن المجتمع الذي يدفع نحو الانحراف.

فتحاشياً من تطبيق حد السرقة، يتم نفيه من خلال وضع هذه الشرائط التي تجعل الحد في حكم العدم، فتشترط له شروطاً منافية لحكمته بناء على أن هذا مقصد الشارع من هذه العقوبة، وهو في الحقيقة نفي لها بطريقة المبالغة في الإثبات.

فحقيقة الأمر أنه لا فرق موضوعي بين نفي الحكم وبين المبالغة في وضع الشروط التي تجعل وجوده في حكم المستحيل، فالنتيجة واحدة، وهي عدم التسليم بالحكم، والطرفان متفقان أيضاً حتى في التعليل، فالنفاة يحكمون على الحكم بأنه مناف للعقل ولروح العصر، وهو ما يسلم به المثبتون ضمنياً من خلال وضع هذه الشروط.

إنكار الأحكام الشرعية بدعوى مخالفة المقاصد:

حين تبحث عن السبب في رفض النصوص والأحكام الشرعية عند ذوي التوجهات المنحرفة فإنك ستجد أن مستندهم الثابت والمتكرر هو مخالفة (مقاصد الشريعة)، فيرفض الحكم أولاً لدواعي مختلفة ثم يبحث بعد ذلك في المقاصد الشرعية عن مستندات هذا الفعل، وقد تعرضت لذلك كثير من الأحكام الشرعية القطعية الثابتة بدلائل الكتاب أو بالسنة، ولعلي أمثل ببعض الأحكام الشرعية التي تعرضت للإزاحة بدعوى المقاصد لما استنكفت النفوس عن التسليم للنص:

أ-الحدود الشرعية:

من أكثر الأحكام الشرعية التي ضاق بها صدر كثير من المعاصرين (الحدود الشرعية) نظراً لأن الثقافة الغربية المهيمنة لا تستسيغ وجود رجم وجلد وقطع يد، فهو في نظرهم من مخلفات العصور المظلمة ولم تعد مقبولة ولائقة بهذا العصر الحضاري المتقدم على صعيد الحقوق والحريات، كما أن هذه الثقافة تستشنع تجريم بعض الأفعال التي لا تتجاوز الحرية الشخصية، وهذا ما أوقع كثيراً من المنساقين خلف تلك الثقافة في حرج شديد مع شريعة (الحدود)، خاصة أنها قضية قطعية منصوص عليها في القرآن الكريم ومحل إجماع من المسلمين، فجاءت (المقاصد الشرعية) كمخرج مناسب، وكيفية تطبيق المقاصد لديهم أن الحدود إنما تطبق بغاياتها لا بأعيانها فالغاية هي الحسم وهو ينساق مع روح القرآن.

ولا يدري أحد ما هو (روح القرآن) هذا الذي ينساق معه تعطيل حكم القرآن؟ فهي كلمة عائمة لا تحمل وصفاً محدداً ولا معنى مقارباً يمكن أن تعرف حدوده أو تحاكم أحداً إليه، فهو إلى إسكات النكير أقرب منه إلى البرهنة والبيان "واعتمادي هنا على طائفة من الأحاديث ولو في بعضها مقال لا يجعلني مناقضاً لمنهجي في عدم الاعتداد إلا بالمشهورات من الأحاديث التي هي في قوة المتواتر، وذلك لأنها تتفق مع روح القرآن من جهة."

فحين رأى في بعض الأحاديث ما يمكن أن يخدمه في تحقيق مقصوده في بيان روح القرآن تمسك بها ولو كان في الأصل لا يؤمن بها، والسبب في هذا التناقض راجع إلى أن ذلك متفق مع (روح القرآن).

وحين نبحث عن هذه (الروح القرآنية) التي تنافي (الحدود) نجد ذلك حسب تقريره في أن إقامة الحد لا يتفق مع روح القرآن الذي جعل القصاص صيانة للحياة وإشاعة للأمن العام.

فعجباً لهذه الأوصاف العائمة والإطلاقات الضبابية التي لا تمسك منها شيئاً، فالوصف المؤثر الذي يعتمد عليه (إشاعة الأمن العام) هو وصف ضبابي لا يحمل من الدقة والانضباط سوى القدرة على التخلص من الأحكام غير المرغوب فيها، وما أدري لماذا تكون (عقوبة الجلد) التي جاءت بها الشريعة هي التي تنافي الأمن العام بينما عقوبات السجن والغرامة المعاصرة لا تنافي (إشاعة الأمن العام)!

الطريف أن الكاتب عاد بعد هذا ليؤكد أن الحدود المنصوص عليها "لا يلجأ إليها إلا عند اليأس مما عداها."

وأتعجب هنا: ما دام أن الحدود منوطة ب(الحكمة) التي هي(الحسم) فلماذا لا تجعل (العقوبة المنصوصة) مرتبطة بوجود (الحسم) فإذا وجد الحسم وجدت العقوبة، لماذا ينفيها مطلقاً حتى مع وجود الحكمة ويجعلها حالة استثنائية منبوذة مقيتة إلا عند الضرورة! ألهذه الدرجة بلغت النفرة من أحكام الله؟

فالانطلاق من المقاصد طريق مريح لتأويل ونفي أي حكم شرعي، فهذا حد السرقة الثابت بنص قطعي الثبوت والدلالة لا يحتمل أي تأويل أو خلاف جرى تأويله بمنهجية المقاصد الموهومة "أما الطريقة الثانية فإنها لا تقع في مثل هذه المتاهات، ذلك لأنها تنطلق من المقاصد أساساً؛ أي: من أن الحكم لا بد أن يكون مبرراً ومعقولاً وسط وضعية ما، وهكذا فإذا تحررنا من سلطة القياس والانشداد إلى الألفاظ وانصرفنا باهتمامنا بدلاً من ذلك إلى البحث عن أسباب النزول..." وهكذا نفى الحكم بالمقاصد، ولا حاجة لأن تعرف كيف تخلص من هذا الحكم؛ لأن المهم هو تأويل الحكم وأما كيفية التأويل فأي طريق يمكن أن يقوم بالغرض ثم يقال عن هذا بعد ذلك: هو روح الشرع: "إن المشرع المشروعين العصريين لم يخالف والقرآن عندما عوضوا العقوبات البدنية "مثل الرجم والجلد وقطع اليد" بعقوبات السجن، وإنما الأمر عكس ذلك؛ لأنهم أوجدوا حلولاً أكثر تلاؤماً مع روحه."

ومن الحدود التي جرى عليها تأويل وحديث طويل:

ب – حد الردة:

وهو من أبرز الحدود المشكلة على كثير من مثقفي العصر، فوجوده يثير إشكالا عميقاً وإحراجاً كبيراً لدى كثير ممن يغازل الثقافة الغريبة نظراً؛ لأن الثقافة العلمانية السائدة تركز على الحرية كأساس كلي وغاية كبرى لا يصح الاستثناء منها ولا الخلاف فيها، وحد الردة ينتهك هذه الحرية انتهاكاً واضحاً، فجاءت التأويلات الكثيرة لهذا الحد، فمن ذلك:

أن حد الردة يتعلق بالمؤامرة التي حيكت من جهة بعض الجماعات اليهودية التي استخدمت مسألة الردة كوسيلة لذلك عن طريق إعلانها الدخول في الإسلام، ثم نبذه لخلق الفوضى والإرباك والبلبلة.

وهذا البناء التاريخي والفكري يعتمد على قول الله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [آل عمران:72]؛ فحكاية القرآن عن بعض أهل الكتاب أنهم كانوا يقولون هذا جعله ينسب حد الردة إلى هذه الواقعة، ويجعله مرتبطاً بها، وهي مقدمات تنقطع دون مفازاتها أعناق البراهين، وفيها حلقات مفقودة وثغرات لا يمكن ردمها، فما الدليل على أن حد الردة نزل في تلك المرحلة؟ وما دليل كون حد الردة نزل بسبب هذه الواقعة؟ وإذا كان بسبب هذه الواقعة فما الدليل على أنه كان خاصاً بها وبظرفها؟ ولماذا لم ينقل هذا أحد من الصحابة بل نقلوا ما عداه؟

وإلى نفي حد الردة - لمخالفته مقاصد الشريعة ذهب بعض أهل العلم تمسكاً بعموم قول الله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة: 256]، فهو ذو دلالة قطعية على نفي الإكراه في الدين، وأن ما جاء من الآثار في حد الردة هو إما عقوبة تعزيرية مرتبطة بملابسات تاريخية معينة، أو هو في ردة مرتبطة بأوصاف أخرى كقتل أو حرابة أو لحاق بالعدو.

واعتمد على ما قاله الشاطبي: "إذا ثبت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال."

وكلام الشاطبي لا يؤدي إلى ما يريد، فالشاطبي يبين أن القاعدة العامة لا يؤثر فيها معارضة قضايا أعيان، وليس معنى ذلك أن يلغى اعتبار قضايا الأعيان وينفى حكمها، بل بأن يبقى عموم القاعدة، وتحمل قضايا الأعيان والجزئيات على الكلي المناسب لها، فيتم الجمع بينهما لا إلغاء الجزئي، وهذا أمر قد بينه الشاطبي بنفسه فقال: "فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما؛ لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد."

بل حتى ولو لم يمكن الجمع فإن المنهج عند الشاطبي: "فإذا فرضت المخالفة في بعض الجزئيات فليس بجزئي له."

فلم ينف الجزئي أو يعطل الحكم الشرعي، بل نفى أن يكون جزئياً لهذا الكلي، مع ثبوت هذا الحكم، فالقضية عند الشاطبي أنه يعتمد على جميع الأحكام التفصيلية الشرعية ويبحث عن تشريع كلي لها، فكلامه عن الكليات أقرب إلى (فلسفة) التشريع، وليس أن تكون الكليات نافية لبعض الأحكام الشرعية.

فالشاطبي يطلب الجمع، وحين لا يمكن الجمع يتم حمل الجزئي على كلي آخر، وهذا يبين أن نفي حد الردة بعيد جداً عن مسلك الشاطبي.

يقول رحمه الله: "فعلى هذا تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكلي إن كان لغير عارض فلا يصح شرعاً، وإن كان لعارض فذلك راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى، أو على كلي آخر، فالأول يكون قادحاً تخلفه في الكلي، والثاني لا يكون قادحا."

وتلحظ هنا أن الشاطبي يرى أن تخلف الجزئي عن الكلي - إن كان لغير عارض - يكون قادحاً في الكلي وليس قادحاً في الجزئي، فالطرف الخاسر عند وجود التعارض الحقيقي هو الكلي لا الجزئي، وقد سبق إيراد النصوص الكثيرة عن الشاطبي التي توضح عنايته وتأكيده على أمر النصوص والأحكام الجزئية حتى حكم على أن كل حكم ثبت به نص فهو كلي برأسه.

وحين نستمر في قراءة كلام الشاطبي بعد ذات المقطع الذي استشهد به المؤلف الفاضل نجده يقول:

"وهذا الموضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي."

فالشاطبي لا يتحدث عن نفي وإلغاء الحكم، وإنما أن يفسر الجزئي ويحمل على وجه لا يكون معارضاً للكلي.

ولهذا نبه على أن هذه القاعدة لا تعني نفي تخصيص العام، فالخاص يقدم على العام ولا تعارض بين العموم والخصوص فقال: "وأما تخصيص العموم فشيء آخر؛ لأنه إنما يعمل بناء على أن المراد بالمخصص ظاهر، من غير تأويل ولا احتمال، فحينئذ يعمل ويعتبر به كما قاله الأصوليون، وليس ذلك مما نحن فيه."

لهذا كان الشاطبي يقرر حد الردة في مواضع ولا يجد هذه المعارضة التي وجدها الدكتور مستنداً لكلام الشاطبي نفسه.

ثم إن حد الردة ليس قضية عين أو حكاية حال بل هو نص شرعي ودليل ظاهر واضح، أسند بقول وعمل عدد من الصحابة؛ كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، واتفقت عليه كلمة الفقهاء في الجملة.

هذا ما يتعلق بكلام الشاطبي.

وأما الاستدلال بعموم قوله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة:256].

فدعوى الأخذ بالعموم في الآية لنفي الحكم غير صحيح لوجوه ثلاثة:

الوجه الأول: لا يسلم بأن عموم الآية يشمل منع وجود أي إكراه في الدين مطلقاً؛ لأن وجود ما هو "إكراه" في الدين محل قطع لا يتصور أن يوجد خلاف فيه، فالكافر لا يظهر كل شعائر دينه في بلاد المسلمين، والمسلم لا يتمكن من فعل المحرمات، فالقول بعموم "نفي الإكراه" في الدين لا يستقيم، فلا معنى للتمسك بعموم موهوم لا يقول به أحد.

الوجه الثاني: ولا يسلم أيضاً بأن المرتد يكره على دينه، إنما يكره على أن يلتزم بأن لا يظهر مخالفة دين الإسلام، فالإكراه في الردة ليس على الدين، بل هو إكراه على عدم إظهار مخالفة ما منع الله من إظهاره وهو الردة.

الوجه الثالث: على التسليم بأن الآية عامة، فعموم الدلالة لا يكون سبباً لإزالة حكم شرعي ثبت في السنة النبوية الصحيحة، بل الجمع بينهما في حال وجود التعارض هو المنهج الصحيح، فكيف حين لا يكون ثم تعارض حقيقي أصلاً، فعلى افتراض أن يكون ثم تعارض بين الآية والحديث، فالآية عامة والحديث خاص، والخاص لا يعارض العام، بل يؤخذ بالخاص ويعمل به حتى يتم العمل بكلا الدليلين، فلا معنى لإلغاء حكم السنة مع إمكانية الجمع بكل يسر، بأن يقال: لا إكراه في الدين إلا في حالات الردة، وهي في الحقيقة ليست إكراهاً على الدين، بل إكراه على أن لا يظهر كفره.

ولهذا لم يذهب أحد من العلماء السابقين إلى أن الآية تعارض حد الردة، وإنما حضر هذا الاستشكال متأخراً.

فإن سألت: ما البرهان على أن هذا الاستشكال لم يأت إلا متأخراً، ولم يكن له حضور في المدارس الفقهية السابقة؟

فالجواب:

أن في معنى قوله تعالى: : ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة:256] تفسيرات وأقوالا وآثاراً عدة أرجعها بعضهم إلى أكثر من ٦ أقوال، وبعد رجوع لعدد من أمهات كتب التفسير يمكن تقسيم مذاهب العلماء في الآية إلى اتجاهين رئيسين:

الاتجاه الأول: يرى أن الآية منسوخة بآيات القتال، وأن هذه الآية من جنس الآيات التي فيها الأمر بالكف والإعراض عن المشركين، وقد كانت في أول الإسلام، ثم نسخت وأصبح من أحكام الإسلام إكراه الكفار على الإسلام بالجهاد.

الاتجاه الثاني: يرى أن الآية ليست منسوخة بل آية محكمة، وقد سلكوا في توضيح معناها مسلكين:

المسلك الأول: من يحمل معناها على الخبر.

ولهم معنيان: الأول: أنه خبر على معنى أن الدين لا يكون بالإكراه؛ لأنه اقتناع وإيمان، فالدين إن لم يكن بالاقتناع فلن يكون بالإكراه.

الثاني: لا تقولوا لمن أسلم من الكفار تحت السيف: إنه مكره، فعلى هذا يكون خبر من الله أن هذا ليس بإكراه، إذاً لا إكراه في الدين.

المسلك الثاني: حمل المعنى على النهي، ولهم طريقان:

الأول: أنها متعلقة بالقتال: أي: لا تكرهوا الكفار على دينهم ما دام أنهم يدفعون الجزية، وقد اختلفوا في الكافر الذي لا يكره ما دام أنه يدفع الجزية، بين من يجعله عاماً لجميع الكفار، أو يقول: هم جميعاً إلا مشركي العرب، أو يقول: هو خاص بأهل الكتاب.

الثاني: ليست متعلقة بالقتال: فلا تكرهوا أحداً من الكفار على أن يعتنق الإسلام بالقوة.

فهذه مجمل الأقوال الواردة في الآية، ليس في شيء منها أي قول يثبت أن الآية تشمل من ارتد عن الإسلام، بل كلها متعلقة بالكافر الأصلي، فالنهي عن إكراههم في الدين يرجع لأحد معنيين:

الأول: إكراه أحد منهم على ترك دينه والدخول في الإسلام قسراً.

الثاني: رفض الجزية من أحد منهم وتخييرهم بين الإسلام والقتال فقط، على خلاف فيمن يشمله هذا المعنى.

فلا أحد من أهل العلم حمل الآية على عموم معناها ففسرها على معنى: لا وجود لأي إكراه في الدين مطلقاً، أو جعلها معارضة لإكراه المرتد على الالتزام بأحكام الإسلام، فهذا المعنى محدث، ولا يمكن حمل الآية عليه فهو: "عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين، وهل يقتل الكافر إلا على الدين."

فالإكراه في الدين لم يكن يحمل على المرتد عند أهل العلم، ف"لذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة:256] على القول بأنها غير منسوخة؛ لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام، وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام." ‏

فتصور أن في الآية عموماً ينفي أي إكراه مناقض لأحكام الإسلام بداهة؛ لأن الإكراه على الحق من أحكام الإسلام، فيكره على ترك الزنا والخمر والربا ويؤمر بالصلاة والزكاة والصيام.‏

فالخطأ نتج من الأخذ بعموم الآية مطلقاً وهو معنى مرفوض ولا يستقيم، واعتقاد أن حكم الردة يعارض الآية لا يسنده رأي فقهي ولا تفسير معتبر، فهو نشأً متأخراً، ولهذا من الملفت أن يقال عن حكم الردة: بأنه يعارض آية قطعية الثبوت والدلالة وأصلاً كلياً لا يمكن نسخه ولا نقضه ولا القبول بأي شيء ينفيه كلياً أو جزئيا. بينما لا تجد لهذا الكلام ذكراً عند الفقهاء الذين أخذوا بحكم الردة ولم يتوهموا هذه المعارضة، ولا عند المفسرين الذين لم يذكر أحد منهم شمول معنى الآية لمن يرتد، فكيف يكون هذا الحكم من المحكمات القطعيات من دون أن يذكره أحد من العلماء السابقين؟! بل ويثبتون حد الردة الذي يعارضه، من دون أن يتفطنوا لهذه المحكمات القطعية.‏

وأما حمل حكم الردة الوارد في الآثار على التعزير المتعلق بملابسات تاريخية معينة أو المرتبط بجناية أخرى؛ كالقتل والحرابة فهو في الحقيقة ليس جواباً عن هذه الآثار ولا إعمالا لها، بل حقيقته تعطيل لها؛ لأن الحكم حينئذ ليس لأجل الردة، بل لاعتبارات خارجة عنه وليس للردة أي أثر لها، فهو وصف إضافي، فالعقوبة ليست على الردة، بل على الملابسات والجنايات المرتبطة به، فكيف تعلق النصوص والأثار على وصف بينما تكون العقوبة على أوصاف أخرى؟! وفتح المجال لإضافة أوصاف أخرى على الأحكام الشرعية يؤدي لتعطيل كثير من الأحكام، إذ من السهولة بمكان أن يأتي الشخص فيتأول أي حكم شرعي بأن يضيفاً له أوصافاً خارجية عنه، فلا يكون الوصف الشرعي هو المؤثر بل التأثير لهذه الأوصاف الخارجية.‏

كما أن النصوص ظاهرة وتطبيقات الصحابة جلية في أن العقوبة كانت على الردة تحديداً، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" ظاهر في سبب القتل، ولما دخل معاذ بن جبل رضي الله عنه على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ووجد عنده رجلاً موثقاً سأل عن حاله فقال: كان يهودياً فأسلم ثم تهود فقال: اجلس، فقال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله - ‏ثلاث مرات فقتل.

فالقصة ظاهرة جداً في أنها متعلقة بارتداد عن الدين، واستدلال معاذ وإقرار أبي موسى له متعلق بوصف محدد هو ترك دين الإسلام، وليس فيه أي أوصاف أخرى، فضلاً أن يكون وصف الردة ليس له أثر وإنما هو مجرد علامة على الوصف المؤثر.‏

وأتي بزنادقة إلى علي رضي الله عنه، فأمر بإحراقهم بالنار، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعذبوا بعذاب الله" ، ولقتلتهم. ‏

فالوصف ظاهر جداً أنها ردة وترك لدين الإسلام بدون أوصاف أخرى. كما أن هذا تفسير علماء الإسلام من كافة المذاهب. ‏

فمن الغريب أن يكون الوصف الظاهر الذي علقت النصوص الحكم به وهو الردة، وجرى تطبيق الصحابة رضي الله عنهم له، وقال به علماء الإسلام في الجملة، ليس هو الوصف المؤثر، وإنما ثم أوصاف أخرى هي المؤثرة، وأن العمل بهذا مخالف لقطيعات الشريعة وكلياتها!‏

على أن الإشكال في نفي حد الردة سيؤدي إلى إشكالات أكبر منه، فإذا سقط الحد فما الموقف من الذي يجاهر بالردة؟ إن قيل بالتعزير - كما ذهب إليه بعض المعاصرين- فهو إكراه على الدين كالحد، فإذا كانت العقوبة بالقتل إكراهاً فالعقوبة بما دونه إكراه كذلك، ولن يتوقف الإشكال بنفي التعزير أو تأويله؛ لأنك حينها ستمنع المرتد من ممارسة ردته والمجاهرة بالطعن ومنابذة دين الإسلام وهذا إكراه له أيضاً، وحينها فالمنهج الخاطئ في الأخذ بعموم الآية سيؤدي لزوماً لإلغاء الحد وإلغاء التعزيز وإلغاء المنع وهذا لازم خطير، حيث يؤدي إلى إباحة الردة في النظام السياسي وجعلها حقاً مشروعاً؛ لأنه لا إكراه في الدين، وهذا معنى فاسد لا يمكن قبوله.

وبهذا يظهر ضعف القول بنفي حد الردة بناء على مخالفته لمقاصد الشريعة أو للكليات أو المحكمات الثابتة في الإسلام، وأن نفي هذا الحد بناء على هذا الاعتبار لا يقوم على أساس شرعي صحيح، ولا يعتمد على قول فقهي معتبر، وإذا تبين ضعف تقرير ما كتبه بعض أهل العلم، فلا حاجة لمناقشة تقريرات غير المتخصصين أو بعض ذوي الاتجاهات المنحرفة.

ج - الربا:

قد حرم الله الربا في محكم التنزيل، وقد اتفق كافة الفقهاء على تحريم الربا في الزيادة على الدين لا فرق بين الزيادة على الفقير والغني، وقد أوجد هذا الحكم إشكالا كبيرا في عصرنا الحاضر الذي قام عصب الاقتصاد فيه على الفوائد المصرفية، فكان لا بد أن يقال بجواز هذه المعاملة وإعادة التفسير لحقيقة الربا لحاجة مقاصد النفوس؛ لأن تصحح الوضع الراهن وتدخله ضمن مقاصد التشريع، فقد: "أثار التطور الحاصل في الاستثمارات المالية والعمليات المصرفية المزيد من الأسئلة دارت جلها حول إمكان تقديم قراءة جديدة للنصوص الربوية تسمح بتحريك المدخرات الكبيرة."

فبدلاً من التحاكم إلى النص الشرعي للحكم على الواقع، أصبح الواقع يحركنا لإعادة قراءة النصوص حتى تكون متوافقة مع الصورة الجديدة، وما دمنا سنبحث عن النصوص حتى نطوعها للواقع، فلماذا نلجأ إليها أصلاً؟ وما فائدة هذه القراءة التي تبحث عن نتيجة مقررة سلفاً؟ فما دامت القراءة للنص ستبحث عن طريقة تسمح بإباحة الوضع المعاصر فما فائدة هذه القراءة؟ ليتجه الإنسان حينئذ لواقعه وليمارس ما يشاء.

فخلصت هذه القراءة فيما خلصت: أن الربا حرم لأجل الظلم، فأي صيغة لا تؤدي للظلم تكون مشروعة.

فحقيقة الأمر أن الربا لا أثر له، فالظلم حرام في المال أو في غيره، وجد الربا أو لم يوجد، حينئذ يكون وصف الربا هنا وصفاً عديم التأثير لا قيمة له.

وبما أن المقصود بمنطوق قائله هو البحث عن "قراءة جديدة" تبيح المعاملات المعاصرة، فمن الطبيعي حينها أن تكون الدلائل التي تبحثها هذه القراءة دلائل انتقائية لا تبحث عن مراد الشريعة في الواقعة، بل تبحث في النصوص بما يحقق النتيجة المقصودة، ومعها تأتي القراءات المشوهة، فحين أريد للربا أن يحمل على قروض الفقراء قيل: إن آية سورة الروم في الربا {وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ} [الروم:39] جاءت في سياق الحديث عن الرزق والإنفاق على ذوي القربى والمساكين، والآية جاءت في سياق الحديث عن المقارنة بين الربا والزكاة؛ مما يدل على هذا النوع من القروض الذي يحجب عن الفقراء والمساكين، ومؤداه حرمة القرض لهؤلاء بما يزيدهم فقراً وبؤسا.

فما دام النص ظاهرا في البيان فلا معنى من البحث في سياق الآيات قبله، فبأي موضوع كانت تتحدث الآيات قبله لا يكون هذا سبباً لتغيير معنى الآية، اللهم إلا أن يكون قارئ الآية يبحث عن معنى معين ليسقطه على الآية، فالبحث في سياق الآيات السابقة قد يكون مفيداً له.

د-مساواة المرأة بالرجل:

فالاختلاف بين الرجل والمرأة في أحكام معينة من القضايا المسلمة القطعية التي يؤمن بها عموم المسلمين ولا يجدون فيها أي إشكال؛ لأنهم يعلمون النص القطعي فيها، لكنها مزعجة جداً لكثير من المعاصرين، ويبذلون في سبيل التخلص من هذا الحكم كثيراً من العناء؛ لأن الثقافة العلمانية المعاصرة لا ترضى عنهم بدونه، وبناء عليه وجدوا أن من مقاصد الشريعة ما يؤيد القول بمساواة المرأة بالرجل في الميراث:

"وهنا ما يسمى بالمقصد العام نجد أن القرآن حريص جداً على مساواة الرجل بالمرأة، فهذا الذي حدث هو اجتهاد في فهم بعض الأحكام في نطاق المقاصد الكلية للشريعة التي هي مقصد أساس فيها المساواة."

ه-نظام الحكم:

لا تواجه العلمانية المعاصرة مشكلة مع العبادات المحضة ما دامت قاصرة على الشأن الفردي الخاص، وإنما المشكلة تكمن في الأحكام الشرعية حين تأخذ طابع الإلزام والعموم؛ لأن هذا ينافي الفلسفة العلمانية القائمة على الحرية والفردية، وهي أزمة خانقة لا يمكن حلها إلا بتنازل أحد الطرفين عن موقفه، إلا أن مقاصد النفوس المنسوبة إلى الشريعة تتمكن من تكييف الأحكام الشرعية لتتوافق مع الرؤية العلمانية ف"الدين لا يتعارض البتة مع مفهوم الدولة الحديثة، وثمة مساحة كبيرة جداً للدين يتحرك فيها في إطار التربية والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطالما أن وظيفة الدين تتمحور أساساً حول الهداية والاستقامة وهذه لا تتعارض بمعنى من المعاني مع إعطاء المواطنين حقوقا متساوية."

فالمساحة التي يتحرك فيها الدين هي مساحة التربية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أي: مساحة الحرية الشخصية للدين؛ كحرية أي دين أو فعل في المجتمع، وكأن هذا غاية الدين، وأما تطبيق الأحكام والعقوبات والنظم الشرعية فهو أمر غائب، وتأتي مقاصد (الهداية) و(الاستقامة) لتكون مبرراً لتطبيع العلمانية مع الدين.

ترك النظر في الدليل والأخذ بأي قول فقهي:

فيؤخذ من مقصد التيسير في الشريعة أن يختار الناس من الأقوال الفقهية أيسرها وأقربها إلى نفوسهم، ولو بطريقة: الأخذ بكل ما قيل في أي مدرسة فقهية على اختلافها حتى الضعيف منها، وبقطع النظر عن أدلتها - حتى مذاهب الأباضية والزيدية والجعفرية - ثم وضعها في مدونة منسقة، وإذا واجهتنا أي مشكلة نأخذ من هذا المنجم بقطع النظر عن قائله أو دليله، والمرجع هو الظرف "والمقتضي في كل ذلك هو التيسير وهما كليتان فقهيتان."

فمن خلال مقاصد الشريعة يترك التسليم للشريعة لأجل وجود قول فقهي أياً ما كان، في أي مذهب، في أي قرن، من أي فرقة كانت، وبغض النظر عن القائل أو الدليل... كل هذا بناء على مقاصد الشريعة وكلياتها!

الدعوة إلى تجديد المقاصد الشرعية:

التجديد بحد ذاته ليس خطأ وليس صواباً كذلك، فالعبرة بما يتضمنه هذا التجديد، فإذا كان تجديداً نافعاً محققاً للمصلحة الشرعية ولا يتنافي مع أحكام الشريعة فهو تجديد حسن ومطلوب، وإن كان بخلاف ذلك فهو مذموم.

وهذه القاعدة تسري على تجديد المقاصد الشرعية كما تسري على غيرها، فثم دعوات لتجديد المقاصد الشرعية، تحافظ على سلامة المقاصد الشرعية، وتسعى لتقريبها وتطبيقها على كثير من المجالات التي تحتاج لبحث واجتهاد.

فمن ذلك: الدعوة إلى التجديد في المقاصد من خلال الأمثلة والأهداف وطرق التأليف.

وكذلك الدعوة إلى تناول كثير من القضايا المعاصرة برؤية مقاصدية شرعية، فيجتهد الباحث في الكتابة في مقصد التنمية، وحقوق الإنسان، والمعلومات، والعولمة ونحو هذه الموضوعات المعاصرة.

أو الدعوة إلى طرق موضوعات أخرى يمس الحاجة إليها؛ كفقه النهضة، وفقه الترفيه، وإشاعة الحب والألفة بين المسلمين، ومقاصد الجمال، ومقاصد دور المرأة في المجتمع.

فالتجديد بهذه الصورة تجديد محمود ومطلوب.

يبقى الحديث عن التجديد بإضافة مقاصد جديدة، على خلاف المقاصد التي كتبها العلماء السابقون.

وقد كتب الكثير عن الحاجة إلى كتابة مقاصد جديدة تناسب عصرنا ونحتاج إليها؛ كمقصد السماحة ، والمساواة ، والحرية ، وحفظ المجتمع، وإنسانية الإنسان، وحفظ البيئة ، والإخاء، والتكافل، والكرامة، وسلطة الدولة، والحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحرية الفرد، وحرية التعبير، وحرية الانتماء السياسي، والحق في انتخاب الحاكمين...إلخ.

أو تقسيم المقاصد إلى التوحيد والتزكية والعمران.

أو إضافة المقاصد الضرورية العصرية كمثل: "الحق في حرية التعبير، وحرية الانتماء السياسي، والحق في انتخاب الحاكمين وتغييرهم، والحق في الشغل والخبز والمسكن والملبس، والحق في التعليم والعلاج."

والحقيقة أن هذه الإضافة الجديدة لها حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون المقصود بالإضافة هو الكتابة عن هذه الموضوعات، وبيان ما فيها من أحكام شرعية، وتوضيح ضوابط الشريعة فيها، وما ورد فيها من نصوص وأحكام وإظهار عناية الشريعة بها نظرا لكونها من القضايا التي يكثر طرقها لدى المعاصرين، فيحسن أن يوضح موقف الشريعة من القضايا التي تهم الناس.

فالتجديد بهذه الطريقة محمود، وهو نوع من التأليف الجديد الذي يلبي حاجات الناس، فهو من جنس النظريات الفقهية المعاصرة، فكما أننا نتحدث عن (البيع) و(الوقف) و(النكاح) في الإسلام، نتحدث عن (التنمية)، و(الحرية) و(المساواة) في الإسلام، وهذا هو مقصود الفضلاء الذين كتبوا في ذلك، بحيث أرادوا أن يكتب في هذه الموضوعات لإبراز قيمتها الشرعية وحث الناس على التحلي بما فيها من أحكام شرعية.

الحالة الثانية: أن تكون هذه الأبواب الجديدة مقاصد كلية وأصول كبرى تحاكم إليها الجزئيات، وينظر إليها على أنها مقاصد للشارع جاءت الشرائع بتقريرها وتأصيلها كمقصد حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض وأنها دلائل معتبرة؛ كالمقاصد الضرورية، والحاجية، والتحسينية، فهذه الدعوى حينها دعوى مرفوضة، وتجديد منحرف عن أحكام الشريعة، وهو افتيات على الشريعة، وتقول عليها حيث ينسب الشخص إلى الشريعة أنها قصدت هذا المعنى من غير استقراء وتتبع تفصيلي لمعاني الشريعة وحكمها وأحكامها، وهي ثغرة سيؤدي توسيعها إلى تمزيق سياج المقاصد الشرعية فتبقى عائمة لا جدوى من ورائها، فالمقاصد التي وضعها العلماء قامت على استقراء تفصيلي لفروع الشريعة فأخرجوا منها هذه الكليات، فهي منبثقة من الشريعة، وهو شيء غير موجود في هذه القضايا التي منها حق وباطل، وفي أحكامها تفصيل وتفريعات كثيرة لا تقرها الشريعة، فمن المحال أن تكون مثل هذه الأصول مقاصد للشريعة.

وحين نقول: إنه لا يصح إدراجها ضمن مقاصد الشريعة، فليس معناه أو لازمه أن تكون هذه الأحكام محرمة أو مخالفة للشريعة، فالقول بنفي هذه المعاني كالقول بإدراجها ضمن مقاصد الشريعة، كلاهما ينقصه الدقة والتحرير.

إنما المقصود: أن مثل هذه المقاصد لا يصح أن تكون ضمن مقاصد الشريعة التي يعتمد عليها في بناء الأحكام، وتقدم للناس على أنها من أصول دينهم، فيتلقاها الصغير والكبير والجاهل والعالم والذكر والأنثى على كونها من المسلمات، ومثل هذا لا يجوز أن يكون في مثل هذه المقاصد، بل يجب دراستها وإظهار ما فيها مما جاءت به الشريعة وإبراز ما يخالف الشريعة منها.

مثلاً: حين تقول: إن الحرية من مقاصد الشريعة مطلقاً، فثم إشكال علمي موضوعي يتعلق بأن موضوع الحرية غير محرر علماً بشكل دقيق، كما أنه يضم صوراً وأحوالا كثيرة، ويحتمل مفاهيم وتصورات مختلفة، وفيها أحكام مخالفة للشريعة قطعاً كمثل حرية الردة وحرية الوقوع في المحرمات الشرعية والحرية الأخلاقية...إلخ، فهذه التفصيلات تجعل إدراج هذا المقصد ضمن مقاصد الشريعة غير مقبول، ولا يجوز بناء عليه أن تعارض بعض الأحكام الشرعية بدعوى مخالفتها للحرية؛ لأن هذا المصطلح بناء على ما سبق لا يمكن إدراجه ضمن المقاصد.

ثم إن التجديد بهذه الطريقة لا يفيد شيئاً، انظر مثلاً إلى هذا المقصد الجديد: "لنتأمل موقف الدين الإسلامي من المرأة الذي يتفرع من أصل النظرة إلى الإنسان، وهذا يفترض أولاً وقبل كل شيء إنجاز الرؤيا القرآنية عن الإنسان ومعاني الاستخلاف في الأرض والاستعمار والتسخير وحمل الأمانة وسؤال الإنسان عن أعماله، والتي تعني مسؤولية هذا المخلوق المخير بنسبة من النسب عما يقوم به، ثم الدخول في صياغة نظرية لدور الدين ومشروعه تجاه هذا الإنسان... إلى أن نصل في نهاية المطاف إلى فهم دقيق لدور الرجل والمرأة أو الخطوط العامة لوظيفة الرجل والمرأة معا."

لنقم بكل ما يريده الكاتب، فما قيمة مقصد النظر إلى المرأة الذي يتحدث عنه؟ فإذا جاءت أحكام الشريعة المتعلقة بحجاب المرأة واختلافها عن الرجل في الولاية والشهادة والميراث ونحوها فما الذي سيتغير بعد صياغة مثل هذه النظرية؟ لا شيء، فإذا كان المقصود الحديث عن المرأة كموضوع ونظرية فلا حرج، وإن كان المقصود جعله مقصداً للشريعة فلا، لأن المقاصد تكون منضبطة ومطردة ومستخرجة من فروع الشارع، وهو ما ليس موجوداً في مثل هذه الصياغات.

فمن المهم تحديد المراد من تجديد المقاصد بصورة منضبطة ومحددة، ولا يصح أن تكون فضاء ليفسره كل أحد بما يريد، كمن يقول مثلاً: "وهكذا فعندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءاً من مقاصد شريعتنا، فإننا سنكون قد عملنا ليس فقط على فتح باب الاجتهاد في وقائع عصرنا المتجددة المتطورة، بل سنكون أيضاً قد بدأنا العمل في تأصيل أصول شريعتنا نفسها بصورة تضمن الاستجابة الحية لكل ما يحصل من تغيير أو يطرأً من جديد."

فهل المقصود إذن من التجديد استخراج مقاصد شرعية مستمدة من الشريعة تناسب بعض الضرورات العصرية؟ أم جعل الحاجات العصرية أصلاً جديداً تحاكم إليه الأحكام الشرعية؛ لأن الأصول تقدم على الفروع؟

فحين نريد من هذا التجديد أن نعيد تأصيل أصول شريعتنا فهذا تغيير للشرع وليس تجديداً له، ثم إن الاستجابة الحية مفهوم عائم لا يدرى ما حدوده؟ إذ يبدو أن قبول كافة المتغيرات الواقعة هو الاستجابة الحية التي يراد للشريعة أن تكون مقررة لها.

كما أن كثيراً من هذه المفاهيم مجملة، وتختلط مفاهيمها بثقافات أخرى، فالحضارة والتنمية والنهضة والحرية لم يتم استقراؤها من الشريعة أولاً، وهي ليست مفاهيم محايدة، بل لها حمولتها الثقافية، ولا يكفي أن يقصد الشخص بها معنى صحيحاً؛ لأن تفسيرات الناس ستختلف نحوها، والصوت الأقوى إعلامياً وثقافياً وسياسياً هو الأقدر على ملء معناها، فهل يجوز أن يكون مثل هذا المعنى المجمل، الملتبس، المأخوذ من خارج العقل الفقهي، والذي يفسر بتفسيرات مختلفة، ويملك الطرف الأقوى سلطة تحديد معناه، هل يجوز أن يقال لعموم الناس: هذه مقاصد دينكم التي أرادها الله لكم؟

بل إن بعض هذه المقاصد لا يناسب أن يكون حكماً فقهياً فضلاً عن أن يكون مقصداً أو أصلا كلياً، فمفاهيم من قبيل حرية الرأي والتعبير ونحوها هي مفاهيم مجملة لا يجوز أن تنسب إلى الشريعة بإطلاق، فهي مفاهيم عصرية لها تطبيقات مخالفة للشريعة، فلا يجوز أن تنقلب المخالفة لتكون أصلاً شرعياً.

لهذا ذكر ابن عاشور أن من صفات المقاصد الثبوت، بأن تكون المعاني مجزوماً بتحققها، والظهور بحيث لا يختلف في تشخيص المعنى، والانضباط بأن يكون للمعنى حد لا يتجاوزه، والاطراد بأن لا يكون المعنى مختلفاً باختلاف الأحوال."

ومن ميزات هذه المقاصد الجديدة أنها لا تحقق أي شرط من هذه الشروط.

نعم، سيكون هذا مقبولا، لو أن أحداً عرض بعض هذه الموضوعات كموضوع (المساواة) مثلاً عرضاً فقهياً تفصيلياً، فاستخرج من استقراء تام لفروع الشريعة مقاصد كلية محددة، فهنا يكون اجتهاداً مقبولاً؛ لأن المقاصد حينها قامت على استقراء الفروع.

بناء الفقه على المقاصد دون الفروع:

يتصور بعض الناس أن المقاصد طريق يختلف عن النظر الفقهي، فهو يظن أن الأحكام في المقاصد تبنى على الكليات، وفي الفقه تبنى على النصوص الجزئية، ويتصور أنه بهذه الطريقة: "يكون الشاطبي قد دشن قطيعة إيبيستمولوجية حقيقية مع طريقة الشافعي وكل الأصوليين الذين جاؤوا بعده."

لأن الشاطبي في تصوره قد: "دعا إلى ضرورة بنائها-أعني الأصول - على مقاصد الشارع بدل بنائها على استثمار ألفاظ النصوص الدينية كما دأب على العمل بذلك علماء الأصول انطلاقاً من الشافعي."

فالمقاصد إذن لا تنظر إلى الألفاظ، ولا تبحث عن علل الأحكام: "إننا نستطيع أن نتصور مدى عمق وسعة هذه النقلة المعرفية التي أحدثها الشاطبي والمقارنة بين من يطلب علة حكم من الأحكام من الألفاظ وأنواع دلالتها أو في أوصاف الشيء الذي صدر في حقه ذلك الحكم، وبين من يطلب علة الحكم فيما ينطوي عليه الشرع ككل من مصلحة يقرها أو مضرة يدفعها، إن العلة في الحالة الأولى سكونية جامدة؛ لأن دلالة اللفظ وأوصاف الشيء كلاهما محدود لا يتطور، أما العلة في الحالة الثانية فهي علة ديناميكية متحركة متجددة."

فتحصل أن ثم اتجاهين: اتجاه مقاصدي، واتجاه فقهي تقليدي: "والاختلاف بين الاتجاهين يعود إلى التباين في المنهج، ففريق يقتصر في تصيد الحكم واستنباطه على ظاهر كل رواية أو آية... بينما الفريق الثاني يرى أن النص مجرد دال يكشف عن الحقائق والمقاصد."

فهذا (الابتكار) الأصولي الذي أحدث به الشاطبي قطيعة مع (الفكر الأصولي القديم) كان ناتجاً من اعتماد الشاطبي على المنطق البرهاني اليوناني، وتأثره بمدرسة ابن رشد.

والحقيقة أن هذا تصور بعيد عن الواقع، فهو تصوير للمقاصد بما يريد الشخص منها، لا بناء على دراسة لها ومعرفة لحقيقتها، فهذه المقاصد التي يقررون، هي صورة مختلفة تماماً عن المقاصد الشرعية التي كتب فيها العلماء وألف فيها الشاطبي، فهم يتحدثون عن مقاصد أخرى وشاطبي آخر، فكليات المقاصد إنما تقوم على الجزئيات، والنظر المقاصدي يعتمد بشكل أساسي وكامل على الاستقراء للنصوص الجزئية والأحكام الفقهية الفروعية.

فحقيقة: "الاستناد إلى دلالة المقصد مع التحرر من كل ضوابطها أو التحرر من أحدها على سبيل الاختيار فهو دلالة صريحة على أن الحكم الذي تحمله الفتوى هو حكم المجتهد لا حكم الشرع."

فالمقاصد منتزعة من الفروع، وليست شيئاً آخر خارج المنظومة الفقهية، فالمقاصد هي خلاصة الفروع الفقهية وليست ملاذاً للهروب من ضيق الأحكام الفقهية التفصيلية، وحين يطالب بعضهم ب: "إعادة بناء الهيكل المقاصدي وفق المنهج البنيوي للقرآن الكريم" ، فإنه يتوهم أن هذا البناء الجديد سيجعل المقاصد قادرة على إدراج بعض الممنوعات التي رفضها الهيكل المقاصدي القديم، ولو أنهم التزموا فعلاً إعادة بناء المقاصد وفق منهج القرآن لما خرجت عن عموم ما أثبته المتقدمون، فالاستقراء هذا مهما تعمقنا فيه فلن يخرج عن حدود ما ذكروه."

وحقيقة من يأخذ بالمقاصد مع إهمال الجزئيات التي تصوغ هذه المقاصد أنّه لم يأخذ من الشريعة بشيء؛ لأن ما يميز هذه الكليات هو اعتمادها على الأحكام الشرعية التفصيلية فإذا جاءت الكليات بإطلاق لم يفترق الحكم الشرعي عن غيره من الأحكام، فالعدل والرحمة والإحسان كليات يتفق جميع الناس عليها، فإذا أخذت بكلياتها من دون أن تفسر هذه الكليات بالجزئيات الشارحة لها لم يأخذ الشخص من الإسلام بشيء، لأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية دقيقاً حين قال: "من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر."

فمن يريد أن يحكم بالعدل كأصل كلي من دون أن يلتزم بتفاصيل العدل في الشريعة، هو كمن يريد أن يأخذ بالمقاصد الكلية من الحرية والمساواة والرحمة والإحسان من غير التفات إلى تفاصيل الأحكام الشرعية التي تميز نظرة الشريعة الإسلامية إلى هذه المفاهيم عن نظرة ما سواها.

كما أن حقيقة هذا القول تقديم الرأي المحض والاجتهاد على النصوص الشرعية، وهذا مصادم لمحكم شرعي ثابت، وهو عدم تقديم الآراء على النصوص، لهذا كانت كلمة العلماء ظاهرة في أن القياس لا يقدم على النص، وأن كل قياس جاء بما يخالف النص فهو قياس فاسد الاعتبار.

إخضاع المقاصد للواقع لا للنص:

هذه المقاصد الجديدة تعتمد في معرفة مقاصدها على الواقع، فتميل حيث يميل الواقع، وتتحرك بحسب بوصلة المتغيرات الحادثة ف"المقاصد علم يتوخى إعادة تحريك المعاني وإبداع منظومات مستلهماً أسئلة الواقع وإثاراته المتجددة، وليس مجرد صياغة آلية أو تعميم لأجزاء متناثرة من أحكام فقهية."

فلئن كان البحث المقاصدي القديم يرمي لمعرفة مراد الشارع من خلال استقراء نصوصه وأحكامه ف"إن البحث في المقاصد هو محاولة ترمي لتبين الحكمة من كل تشريع لتحقيق التطور ولتبيين صلاحية الشريعة لمسايرة الحياة في كل زمان ومكان."

ولئن كان البحث المقاصدي القديم يرمي لتحديد المقاصد الشرعية ليخضع لها الجميع، فإن البحث الجديد "عندما ينشد البحث في المقاصد صوغ كليات عليا، فإنه يرمي في الدرجة الأولى إلى تقديم ثوب يتسع للجميع."

ولئن كان البحث المقاصدي القديم يحتوي على مقاصد شرعية منضبطة ومطردة وعامة فإن "مهمة الاجتهاد تتخطى هذه الوظيفة إلى فضاءات أوسع إلى حيث الإبداع وكشف المضمر عن المعاني والدلالات ومحاولة إيجاد علاقات جديدة للمعنى لم يحدث أن عثر عليها أحد من قبل."

فحال هذه المقاصد أنها مقاصد الواقع الذي تريد النفوس أن تتعايش معه، ومقاصد المتغيرات التي لا تحبذ النفوس أن تخالفها، فهي معان وحكم لكنها لأهواء النفوس وغاياتها وليس لمقاصد الشريعة وغاياتها.

فثم إشكالية جوهرية هنا، فالشريعة جاءت لتحكم الواقع، وتغيره نحو قيمها وأصولها وأحكامها، فدور المسلم أن يصوغ واقعه بما يتوافق مع الشريعة وبما لا يخالف أحكامها، هذا هو الاتجاه الوحيد الذي يدفعه التسليم في قلب المسلم، أما أن يكون الواقع هو الذي يوجه النصوص الشرعية ويحدد الأحكام المناسبة لها فهذا انقلاب في الرؤية تغدو فيه الشريعة انعكاساً لما يراد منها لا نوراً يهتدى به ودليلاً يسترشد به، وحين يكون في الواقع حاجة أو ضرورة أو متغيرات معينة فهذه أمور مراعاة في التشريع وليست شيئاً خارجاً عنه.

الفصل الخامس: التسليم للنص الشرعي والمعارضة بالخلاف الفقهي

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تمهيد في نشأة الخلاف الفقهي ودوافعه.

المبحث الثاني: معالم التسليم للنص الشرعي في الخلاف الفقهي.

المبحث الثالث: الانحراف بالخلاف الفقهي عن التسليم للنص الشرعي.

المبحث الأول: تمهيد في نشأة الخلاف الفقهي ودوافعه

لما كان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته لم يكن ثم خلاف ولا اختلاف، لا في أصول الدين ولا في فروعه، إذ كان جميع المؤمنين منقادين لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ثم إلا مسلم منقاد أو كافر معرض، وربما وقع اجتهاد وخلاف في بعض القضايا بين الصحابة في حضوره عليه الصلاة والسلام أو في غيابه، غير أن هذا الاجتهاد لا يلبث أن يحسم بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتتبعون بحرص شديد وعناية فائقة أوامره ونواهيه عليه الصلاة والسلام فلم يكن إلا التسليم والاتباع والانقياد، ولم يكن ثم مجال لتصور خلاف فقهي أو أصولي، فلما لحق نبينا عليه الصلاة والتسليم بالرفيق الأعلى وانقطع الوحي واتسعت الدولة الإسلامية وتفرق الصحابة في الأمصار وجدت وقائع لم تكن على عهده عليه الصلاة والسلام مما لم يسمع الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، مع اختلاف الصحابة فيما سمعوه وجمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك الوقت بدأ الخلاف بين الصحابة، وتوزعت مدارسهم في الأمصار، وتنازعوا في كثير من المسائل الشرعية المتعلقة بتفسير القرآن أو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو في الحكم على الوقائع، غير أن هذا الخلاف على اتساعه وتنوعه بقي محصورا في الفروع الفقهية والأحكام التفصيلية، ولم يصل إلى أصول الدين أو قطعياته أو الانقياد للنص الشرعي، وذلك حتى أواخر عصر الصحابة وما بعدهم حيث بدأ ينشق الخلاف ويتسع ليتجاوز الخلاف حول البحث عن دلالة النص الشرعي على الوقائع إلى البحث حول حجية بعض النصوص ومنهج فهمه وتأخيره في الاستدلال إلى غير ذلك من الانحرافات التي شكلت الخلاف العقدي في الإسلام، غير أن هذا الخلاف لم يكن من أحد من الصحابة رضوان الله عليهم ولا من فقهاء الإسلام المجتهدين الذين شهدت لهم الأمة بالإمامة والعدالة والعلم، فبقي الخلاف الفقهي بينهم خلافاً محصوراً في فهم النص ومدلوله وكيفية معرفة مراد الله منه، ولم يكن أحد من الفقهاء يتأخر في الأخذ بالنص الشرعي حين يصح له ثبوت هذا النص من غير معارض: "فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه.

وإذا كان اتباع "النص الشرعي" محل انفاق قطعي ويقيني ببنهم، فلماذا إذن اختلفوا؟

فالجواب، أن اختلاف الفقهاء من عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن بعدهم له أسباب عدة، من أهمها:

السبب الأول: عدم بلوغ النص له، وتحديداً لم يبلغه النص حين يكون حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القرآن فهم يحفظونه فلا يخفى عليهم أحكامه، وهذا السبب "هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث."

وقد خفي على كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أحاديث عدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ملازمتهم له وحرصهم على تتبع سنته، فكيف بغيرهم؟!

السبب الثاني: أن يبلغه الحديث، غير أنه يكون غير ثابت عنده.

السبب الثالث: اشتراط بعضهم للحديث الصحيح أن يعرض على الكتاب والسنة أو يكون فيما لا تعم به البلوى ونحو ذلك مما خالفهم فيه غيرهم.

فالحديث الصحيح وإن ثبت لديه إلا أنه قد عورض بما يضعف ثبوته ويجعله محل شك عنده، وهذا التماس لعذر لهم يليق بما هم عليه من تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهم متبعون للدليل لكنه لم يثبت لديهم بناء على مرجحات معينة.

فهم معذورون للاجتهاد وليس كذلك من يقلدهم بعد أن ينبه.

السبب الرابع: عدم معرفة دلالة الحديث أو ظنه عدم وجود دلالة في الحديث مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة.

السبب الخامس: أن يعتقد أن للحديث معارضاً بما هو أقوى منه مما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله.

السبب السادس: الاختلاف في تفسير فعل النبي صلى الله عليه وسلم هل يكون على القربة والاقتداء، أم على الإباحة وعدم التشريع، كمثل مبيته عليه الصلاة والسلام في الأبطح في الحج بين من يراه قربه؛ كأبي هريرة، ومن يراه عادة واتفاقاً؛ كعائشة، وابن عباس.

السبب السابع: اختلافهم في الجمع بين النصوص المتعارضة كأحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط بين من يراها منسوخة، أو خاصة بالبنيان.

فالفقهاء كانوا أشد إجلالا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه من "أن يتوهم متوهم أن فقيهاً عاقلاً يثبت سنة بخبر واحد مرة ومراراً ثم يدعها بخبر مثله وأوثق بلا واحد من هذه الوجوه التي تشبه بالتأويل، كما شبه على المتأولين في القرآن، وتهمة المخير، أو علم بخبر خلافه."

فهذه بعض أسباب اختلاف الفقهاء ، راجعة إلى بلوغ النص أو فهمه أو معارضة ما هو أقوى منه، وليس منها سبب يرجع إلى تعطيل النص أو عدم التسليم له، خاصة من الأئمة الفقهاء المجتهدين الذين شهدت لهم الأمة بالفقه في الدين والإمامة فيه، ف"ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله أو بإجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك لسقطت عدالته فضلاً عن أن يتخذ إماما."

وإن المنهج العلمي الاستقرائي المتتبع لاجتهاداتهم وآرائهم الفقهية المختلفة يثبت أنه لم يصدر من أحد منهم أن يترك أي حديث: "تركاً غير جائز فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله تعالى."

فهم وإن اختلفوا في التفاصيل لكنهم متفقون على هذه القاعدة: "والمقصود أن أئمة الإسلام جميعهم على هذه الطريقة: الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح ولم يأت بعده حديث آخر ينسخه، سواء عرفوا من عمل به أم لا، وسواء عمل الناس بخلافه أو وفاقه، فلا يتركون الحديث لعمل أحد، ولا يتوقفون في قبوله على عمل أحد، ولا يعارضونه بالقرآن ولا بالإجماع ويعلمون أن هذه المعارضة من أبطل الباطل."

ولظهور أمر التسليم للقرآن ولصحيح السنة بين فقهاء الإسلام أصبح ذلك من السمات التي تميز العالم الفقيه المجتهد من المبتدع المنحرف، وتفصل بين الخلاف الفقهي المحمود، والخلاف البدعي المذموم كما قال نعيم بن حماد: من ترك حديثاً معروفاً فلم يعمل به وأراد له علة أن يطرحه فهو مبتدع.

وقال الشافعي: لقد ضل من ترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول من بعد.

المبحث الثاني: معالم التسليم للنص الشرعي في الخلاف الفقهي

خلاف الفقهاء يدور حول النص الشرعي، فهو قبلة المجتهدين وغاية المختلفين، وحين نغوص في أعماق الخلاف الفقهي ونشرع أبوابه المختلفة سنجد قاعدة التسليم للنص الشرعي حاضرة وبارزة أينما اتجهنا:

أ-تعظيم الفتيا:

الفتيا هي الإخبار عن الحكم الشرعي، فهي المظهر الذي يبرز من خلاله "الخلاف الفقهي" إلى الخارج، فالفقهاء حين يخبرون عن أحكام الشريعة ويفتون الناس في دين الله فإنه يظهر به اختلافهم وتنازعهم في كثير من الأحكام الشرعية.

ومقام الإفتاء من المقامات العظيمة في الشريعة الإسلامية، فهو يخبر الناس أجمعين بما يريد رب العالمين منهم، فيقول لهم: ما أقوله لكم هو الذي يريده الله منكم، فيا له من موقف عظيم، وما أشد هلكته لمن تهاون فيه، أو تقول على الله بلا علم: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]؛ فالمراد في هذه الآية "شامل بمعناه من زاغ في فتواه."

ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾ [النحل:116].

قال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، فيقول الله: لم أحل كذا ولم أحرم كذا.

فحال المفتي ما قال ابن المنكدر: العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.

وهذا مقام شريف للعلماء، فمقامهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء"، "فأثبت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة... ولذلك قيل في الفتيا: إنها توقيع عن الله تبارك وتعالى."

فحفظ الفتيا حفظ للدين، وحين تختل الفتيا يضل الناس، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا."

ولعظمة هذا المقام، وما ورد فيه من الوعيد الشديد تهيب العلماء من الإفتاء في دين الله، وتدافعوها وفروا منها، وخافوا على أنفسهم من آثارها:

فقال أبو بكر رضي الله عنه: أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم.

وقال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: من أفتى الناس عن كل ما يسألونه فهو مجنون.

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها إلى هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.

ولعظمة هذا الباب في نفوسهم عودوا أنفسهم على التأني في الإفتاء والابتعاد عنه والإكثار من قول: "لا أدري" مع ما في مثل هذا من نسبة النفس إلى الجهل وما يظن من نقصان قدره عند الناس، إلا أن هذه الحظوظ النفسية العاجلة قد ذابت مع حرارة الخوف من الله وتعظيم مقام التوقيع عنه:

قال ابن عباس: إذا أغفل العالم لا أدري أصيب مقاتله.

وعن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً، فكثيرا ًما كان يسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إلي فيقول: تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم."

وقال البراء بن عازب: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى.

وسار فقهاء الإسلام على ذات المنهج الذي شقه لهم صحابة رسول الله: فقال سحنون: "إني لأسأل عن المسألة فأعرفها، وأعرف في أي كتاب هي، وفي أي ورقة، وفي أي صفحة، وعلى كم هي من سطر، فما يمنعني من الجواب إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى."

وقال الخليل: إن الرجل ليسأل عن المسألة ويعجل في الجواب فيصيب فأذمه ويسأل عن المسألة فيتثبت فيخطئ فأحمده.

وحكى الشعبي فقال: كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه: أفته، فلا تزال حتى ترجع إلى الأول.

وقال مالك: من فقه العالم أن يقول: لا أعلم، فإنه عسى أن يتهيأ له الخير، وقال: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه.

ورأى رجل ربيعة بن عبد الرحمن يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال: وبعض من يفتي هنا أحق بالسجن من السراق.

وتتبع الشواهد على تدافع الفتيا، والفرار منها، والإكثار من نفي العلم و"لا أدري" مما يطول.

لم يكن هذا كله إلا مظهراً من مظاهر تعظيم النص الشرعي وانقياد النفوس المسلمة له، تجلى في تعظيم الباب الذي ينفذ منه الكلام عن النص، وهو باب الإفتاء، فكانت تلك النفوس تخاف منزلة الأقدام حين تخطئ مراد النص من حيث لا تشعر، فما أعظم وأجل هذا الانقياد والتسليم الذي يجعل الإنسان يحذر من الخطأ في الطريق من حيث لا يشعر.

ليس هذا فحسب، بل لقد بالغ الفقهاء في تحديد الشروط التي يجب توفرها في الشخص حتى يكون (مفتياً) للناس وقادراً على إبلاغ دين الله لهم، فلا يكفي النية الصالحة والتسليم المجرد، بل لا بد من امتلاك الشخص للمؤهلات والأسباب التي يتحقق بها قدرته على إصابة حكم الله الذي أراد، فاشترطوا فيه أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً صادقاً عالماً بالأحكام الشرعية صحيح الذهن والاستنباط ذا مروءة عدلاً مرضي السيرة.

وثم عناية بحد هذا العلم الذي يجب أن يكون المفتي متصفاً به، وربما يكون في بعضها شيء من الشدة لمكانة الموضوع:

فقال الشافعي: "لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد هذا بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن... ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار ويكون له قريحة بعد هذا."

وسئل الإمام أحمد: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي، يكفيه مائة ألف؟ قال: لا، قيل: مائتا ألف؟ قال: لا، قيل: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قيل: أربعمائة ألف؟ قال: لا، قيل: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو.

هذه الشروط يجب توفرها في العالم، ولا يحل أن يتصدر للإفتاء من لم يكن من أهله، وهو من المنكرات التي يجب إنكارها والاحتساب عليها، ويلزم ولي الأمر منع المفتين الذين لم يستجمعوا الشرائط.

ويجب على العلماء أن يقوموا بواجبهم في إنكار هذا المنكر، وهذا ما فقهه العلماء: "قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ فقلت - ابن تيمية -: لم يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟"

وقد أفاض الفقهاء في ذكر الشروط، ويجمل بعضهم ما يفضل الأخر، وحين نتأمل في هذه الشروط نجدها ترجع إلى أمور:

الأول: الثقة بدين المفتي: فيكون مسلماً؛ لأن الكافر لا يوثق به، ويكون عدلاً ليقول الحق وينصح للخلق ويبتعد عن أسباب الجرأة المحرمة على الفتوى، ويكون صادقاً مخلصاً ليكون سبباً لتوفيق الله له.

الثاني: الثقة بعقله وفكره وشخصه: فيكون يقظاً صحيح الذهن حتى يتمكن من فهم الأحكام الشرعية على وجهها الصحيح، ويكون ذا مروءة حتى يستحق أن ينال شرف هذا المقام.

الثالث: الثقة بعلمه: بأن يكون ملما بالأحكام والأدلة الشرعية حتى يتمكن من إصابة الحق.

مع مراعاة الحال النفسية والبدنية التي قد تشغل المفتي عن إصابة الحق، فلا يفتي وهو في حالة غضب أو جوع أو انشغال للقلب بأي صارف كان ، مع مراعاة استطابة المطعم وبذل أسباب التوفيق من تجنب الشبهات والتقوى والنية الصالحة ليكون أقرب لأن يهدى للحق.

فحين ينال الشخص ثقة في دينه وعقله وعلمه يكون قد استجمع الأسباب واكتملت لديه الأهلية التي تجعله قادراً على إصابة الحكم الشرعي، وذلك كله من كمال التسليم للنص الشرعي، حيث وضعت (الضمانات) الشرعية التي يؤمن من خلالها الوصول إلى الحكم الشرعي، ولا يكفي فيه مجرد النية الصالحة إذ قد يكون الشخص حسن النية لكنه لا يوفق لإصابة ما تريده الشريعة.

ونختم هذا العنوان بحال هذه الفتيا مع أحد أساطينها الكبار، وهو الإمام مالك، وندع المقام لعلم من أعلام المالكية (أبو إسحاق الشاطبي) يحدثنا عن موقف مهيب من حال مالك مع الفتيا:

قال مالك بن أنس: "ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم... وقال: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن".

وقال: "ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليالي".

وكان إذا سئل عن المسألة قال للسائل: "انصرف حتى أنظر فيها، فينصرف ويردد فيها"، فقيل له في ذلك فبكى، وقال: "إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم..."

وكان يقول: "من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب".

وقال بعضهم: لكأنما مالك - والله -إذا سئل عن مسألة واقف بين الجنة والنار.

وقال: "ما شيء أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا...".

وسأله آخر فلم يجبه فقال: يا أبا عبد الله أجبني. فقال: "ويحك تريد أن تجعلني حجة بينك وبين الله؟ فأحتاج أنا أولا أن أنظر كيف خلاصي ثم أخلصك..."

ب - عدم تقديم شيء على كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من لوازم الإيمان بالله أن ينقاد المسلم لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ ﴾ [الأحزاب:36]؛ فإذا كان هذا حال كل مؤمن ومؤمنة فحال العلماء أشد وأعظم؛ لانهم أكثر تعظيماً لله خشية له ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ [فاطر:28]؛ فالأصل الشرعي الأول الذي اجتمعت عليه كلمة فقهاء الإسلام كافة أن الخلاف لا يكون مع حضور النص الشرعي.

فلما بعث عمر شريحاً قال: انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك.

ولقي عمر رجلاً فقال: ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد كذا. فقال: لو كنت أنا قضيت بكذا. قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يبادرون في الرجوع عن آرائهم حين يلوح لهم نص عن النبي صلى الله عليه وسلم.

لهذا كان موقفهم رضي الله عنهم شديداً مع من يعارض حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأدنى معارضة:

عن أبي قتادة قال:

كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء خير كله" أو قال: "الحياء كله خير"، فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة: أن منه سكينة ووقاراً لله، وفيه ضعف. فغضب عمران حتى احمرت عيناه وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعارض فيه؟

فعظمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه رضي الله عنه جعلته يستشنع مثل هذا الاعتراض وإن كان صاحبه ما أراد به رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا رفضه، وإنما كان يبحث عن جواب لمثل هذا الاستشكال، فأراد هذا الصحابي تربيته على تعظيم حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يعارضه بأي شيء مهما كان.

والوقائع في هذا عن الصحابة ومن بعدهم كثيرة.

وعلى هذا سار فقهاء الإسلام وأئمة المذاهب:

قال الشافعي: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدعها لقول أحد من الناس. "

وقال أيضاً: "لم يجعل لأحد من خلقه عذراً بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال الزهري: "سلموا للسنة ولا تعارضوها".

ولكمال تسليمهم للنص الشرعي، كان يشتد نكيرهم على أي قول ربما يفهم منه تقليل من العمل بالنص الشرعي، وإن لم يكن في حقيقته كذلك:

فقد حدث ابن أبي ذئب بحديث: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" فقال له أبو حنيفة: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ قال: فضرب صدري وصاح بي صياحاً منكراً ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله وتقول تأخذ به! وذلك الفرض علي وعلى من سمعه.

وقال وكيع: "أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: قال إبراهيم؟ ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا".

وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي وسأله رجل عن مسألة فقال: يروى فيها كذا وكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له السائل: يا أبا عبد الله تقول به؟ فرأيت الشافعي أرعد وانتفض فقال: "يا هذا أي أرض تقلني؟ وأي سماء تظلني؟ إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً فلم أقل به! نعم، على السمع والبصر، على السمع والبصر".

وقال: "إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً فلم آخذ به فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب".

وقال الإمام أحمد لأحمد بن الحسن: "ألا تعجب؟ يقال للرجل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يقنع! وقال فلان، فيقنع"!

وقال النضر بن شميل: "إذا أخذتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخرسوا".

ولهذا أجمع العلماء على رفض تقديم أي شيء من رأي أو اجتهاد أو عقل أو مصلحة على النص الشرعي:

فقالوا: الخبر يقدم على الاجتهاد إجماعا.

وقالوا: ويسقط الاجتهاد عند ظهور النص إجماعا.

وهو من الأمر الظاهر المشهور فقد "كان أمر سائر الصحابة والتابعين ومن بعدهم إنما كانوا يفزعون إلى النظر والاستدلال عند عدم النصوص، ولم يحك عن أحد منهم مقابلة النص بالقياس، ولا معارضته بالاجتهاد" ، فكانوا "لا يسوغون لأحد الاجتهاد واستعمال القياس مع النص."

ج - الخلاف ليس بحجة شرعية:

مع اختلاف الفقهاء في كثير من المسائل إلا أنهم متفقون على أن خلافهم هذا ليس حجة بحد ذاته، ولا يجوز أن يكون سبباً لتعطيل العمل بالنصوص الشرعية، فالنص هو الأصل وإليه المنتهى، وكل واحد منهم يسعى لإصابة الحكم الشرعي بحسب اجتهاده، فهو قد بذل الجهد، ويرى أن ذلك هو الطريق الصحيح، لكن هذا لا يفهم منه أن وجود الخلاف يعني: أن يكون الإنسان في سعة من أمره ليعمل بأي قول شاء ولو جاء النص بخلافه، فخلاف الفقهاء بحث عن النص وليس تسويغاً لأي خلاف عن النص، لأجل ذلك قال ابن عبد البر: "الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجة في قوله."

فالاحتجاج بالخلاف يعني: أن كل رخصة صدرت من أي عالم فهي معتبرة ويسع المسلم الذهاب إليها وترك النص، وهذا منكر، لهذا لم يقل أحد من العلماء بإباحة جميع الرخص.

فعلى الإنسان أن يبذل ما يستطيع لاتباع الحق، إما باجتهاد وبحث إن كان يحسنه، أو تقليد واتباع لمن يثق بدينه وعلمه.

ومن الأخطاء الفادحة هنا: أن بعض الناس حين يذكر بنص شرعي صريح فإنه يقول: هذا الحكم فيه خلاف، أو يسأل: هل الحكم مجمع عليه؟ وكأن النصوص لا يعمل بها إلا إذا أجمع عليها الفقهاء، وبدلاً من أن يحاكم كلام الفقهاء إلى النصوص الشرعية أصبحت النصوص مقيدة لا تفك من أغلالها ولا تكون واجبة التطبيق إلا إذا أجمع العلماء على معناها، فإن جهلها أحد العلماء أو تأولها أو لم يفهم مرادها فيكون هذا سبباً لعدم لزوم العمل بها، ولا شك أن هذا لازم شنيع ومسلك منحرف شدد عليه الفقهاء.

ولهذا قال ابن حزم: "ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما أجمعت عليه الأمة فقط، ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقاً بإجماع الأمة."

وقال: "فهذا مذهب لم يخلف له معتقد قط، وهو ألا يقول القائل بنص حتى يوافقه الإجماع، بل قد أصبح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقداً له كافر بلا خلاف لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها."

وربما فهم بعض الناس أن الفقهاء إذا اختلفوا فمعناه أن المسألة فيها سعة ورحمة، وأن لكل أحد أن يأخذ بما شاء من الأقوال، وكأن من شرط التحريم على هذا التفكير أن يكون الحكم مجمعاً عليها فإذا اختلف الفقهاء فهذا يعني: أن الحكم مباح!

فبناء على هذا القول ي"لزم أن لا يكون حراماً إلا ما أجمع على تحريمه، فكل ما اختلف في تحريمه يكون حلالاً، وهذا مخالف لإجماع الأمة وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام."

وقد اشتكى الشاطبي رحمه الله من هذه الحال: "وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً من حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم."

وحكى عن الخظابي جواباً عمن يقول: إن الناس لما اتفقوا على تحريم شيء واختلفوا فيما عداه نأخذ بما أجمعوا ونبيح ما سواه "وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول."

وربما ظن بعض الناس أن هذا من تيسير الشريعة فصار "يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة، وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة."

فالخلاف بحد ذاته ليس حجة، و"تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر، فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع الأحكام بها في نفس الأمر فإن ذلك وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

ولهذا: فإن "عين الخلاف لا ينتصب شبهة ولا يراعى، بل النظر إلى المأخذ وقوته."

فإشكالية من يتمسك بالخلاف مطلقاً أنه لا يجعل النص الدال على الوجوب أو التحريم مؤثراً ما دام فيه خلاف، بل يستنكر على من يسلك ما يراه مدلول النص في التحريم أو الإيجاب إذا كان ثم خلاف في المسألة: "فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها!؟ فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ في الشريعة."

فوجود الخلاف ليس بحجة، والنص الشرعي لا يتوقف العمل به على اتفاق الفقهاء أو اختلافهم، نعم، الاتفاق على النص يقوي من دلالته لكن ليس الاتفاق شرطاً له، فالواجب هو اتباع النص على أي حال كان، وإذا اختلف الفقهاء فهم بين مصيب له أجران، أو مخطئ له أجر، وأما من لم يجتهد ولم يتبع من يثق به فليس بمصيب ولا معذور، بل هو آثم مخطئ؛ لأنه لم يصب الحق باتباعه للنص، ولم يكن معذوراً بسلوكه للطريق الشرعي الصحيح في التعامل مع النصوص، بل سلك مسلكاً جديداً هو الخروج عن النظر في النص وعدم الالتفات إليه بسبب وجود خلاف فيه، وهذا غلط وسوء فهم بعيد عن منهج الفقهاء في خلافاتهم.

ولهذا قيل: من أقدم على قول غير عالم بقول المانع ولا المجيز فهو آثم؛ لأنه يجب عليه أن لا يقدم عليه قبل أن يعرف حكم الله فيه.

وحين يكون الخلاف مخالفاً للنص فلا اعتبار له؛ لأن من أنواع الرأي الباطل: "الرأي المخالف للنص، وهذا ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل أو تقليد."

وربما احتج بعضهم بما قال القاسم بن محمد: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولا واحداً كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة.

والحق أن المقصود ليس اختيار هذه الأقوال بالتشهي والهوى، واعتبار الخلاف سبباً لتجاوز العمل بالنص، بل حالها كما قال إسماعيل القاضي: "إنما التوسعة توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة لأن يقول الناس بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق فيه فلا".

لهذا قال الشافعي: "الاختلاف من وجهين، أحدهما محرم ولا أقول ذلك في الآخر. قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً لم يحل الاختلاف فيه لمن علم".

ولأجل هذا الأصل المتقرر في أن الحجة في النص الشرعي وأن الخلاف فيه ليس حجة شرعية ولا عذراً، فقد حذر العلماء من زلة العالم، وهي الفتوى التي أخطأ فيها العالم، فلم يكن خلافه حجة وتوسعة، بل بالغوا في التحذير منها حتى شبهوا زلة العالم بانكسار السفينة، قال عبد الله بن المعتز: زلة العالم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير.

وقال سلمان: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟

وقال معاذ: يا معشر العرب، كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن.

فقد كان من فقه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن حذروا من زلة العالم وحكموا عليها بأنها هدم للدين وبينوا ما فيها من خطر؛ لأن العالم وإن كان معذوراً في زلته وخطئه إلا أن ذلك سيكون سبباً للإضرار والإضعاف للنص الشرعي.

ولأجل ذلك نص العلماء على القاعدة الشهيرة المتكررة في مؤلفاتهم: "يحرم التساهل في الفتوى واستفتاء من عرف بذلك."

قال عبد الله بن المبارك: "كنا في الكوفة فناظروني في ذلك - يعني: النبيذ المختلف فيه - فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه من ذلك الرجل بشدة صحت عنه فاحتجوا، فما جاؤوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينبذ له في الجر الأخضر، قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق عد أن ابن مسعود لو كان هاهنا جالساً فقال: هو لك حلال وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تجبن أو تخشى، فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام؟ فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحد أن يحتج بها؟ قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي أنشد الشعر فقال لي: يا بني لا تنشد الشعر فقلت له: يا أبه كان الحسن ينشد، وكان ابن سيرين ينشد فقال لي: أي بني، أفأخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله".

قال شيخ الإسلام: "وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه، فإنه ما من أحد من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليه فيها السنة، وهذا باب واسع لا يحصى مع أن ذلك لا ينقص من أقدارهم ولا يسوغ اتباعهم فيها كما قال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59].

لهذا حذروا من شواذ العلماء عملاً بها أو إفتاء بها.

قال إبراهيم بن أبي عبلة: "من حمل شاذ العلم حمل شرا كثرا".

وليس في هذا أي تضييق أو تشديد على الناس، فالقضية وسط بين طرفين:

طرف يرفض كلام الفقهاء ولا يرى الاعتبار بخلافهم واجتهادهم، وهذا خلل.

وطرف يرى الاختيار والانتقاء وجعل المسائل على سعة ما دام فيها خلاف.

والوسط هو في مراعاة خلاف الفقهاء فيما لا يخالف الدليل ولا يضعف أصل التسليم والانقياد للدليل الشرعي، فمن كان مجتهداً فيتبع أرجح ما يراه موافقاً للدليل، ومن لم يكن قادراً على الاجتهاد فيتبع من يثق في علمه، ولا يتمسك أحد بأي قول وهو يعلم أن ثم دليلاً مخالفاً له أرجح منه.

فالعبرة باتباع الدليل وليس بمجرد وجود الخلاف، وحينها فلا يسع الإنسان أن يتخير من الأقوال ما يشاء، ولا أن يختار الإباحة من أي مسألة يرى فيها خلاناً؛ لأن هذا اتباع للهوى.

هذا كله مما يعظم في نفس المسلم مفتياً كان أو مستفتياً، مجتهداً كان أم مقلداً، أن يبحث عن الدليل ويجتهد في الوصول إليه، وسيكون هذا سبباً لظهور الأدلة وانتشارها وبحث الناس عنها، فتعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والدلائل الباطلة من الصحيحة، ومن خلالها ستكون كثير من السنن ظاهرة، وهذا من بركة اتباع المنهج الشرعي الصحيح في جعل العبرة بالدليل وليس بذات الخلاف، أما حين يكون الخلاف بحد ذاته حجة فإن بعض الناس لن يجهد نفسه في النظر إلى الدليل، ولن يبذل وسعه في معرفة صحته ودلالته وكلام العلماء فيه؛ لأن الدليل ليس ملزماً ما دام ثم خلاف، وهذا خلل يضعف كمال التسليم لهذا الدليل.

د - التحذير من اتباع الهوى:

من الأصول الشرعية المتفق عليها بين الفقهاء في خلافاتهم الفقهية قاعدة (ذم الهوى) فقبلة الجميع هي النص الشرعي، والخلاف الذي يحصل بينهم خلاف في تحديد المعنى الصحيح والقصد المراد من النصوص الشرعية، وحين يدخل الهوى والتشهي والترخص يختلف المقصود، فبدلاً من أن تبحث النفوس عن مراد الله تبحث عن هوى نفسها، وبدلاً من أن تكون الدلائل والبراهين قائمة على استكشاف مراد الله من نصوص كتابه وكلام نبي صلى الله عليه وسلم تتجه إلى البحث عما يحقق مقصد النفس وغايتها، فالهوى مضل عن الحق {وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [ص:26]، وما ذكر الهوى في القرآن إلا بالذم، فكيف يكون متبعاً في الترجيح والخلاف؟ ف"المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطرارا."

وهو معنى حاضر بوضوح في كلام أهل العلم وفتاويهم، ويمكن أن نضع هنا أبرز معالمه:

نهى العلماء عن تتبع الرخص: بحيث يقوم الشخص باختيار الأقوال الفقهية التي تميل إلى التيسير والترخص مما تميل إليه نفسه فيتتبعها ترخصاً وبحثاً عن الأيسر، وقد بالغ العلماء في التحذير منه حتى قال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله".

قال ابن عبد البر: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا".

وحكى الإجماع على حرمة الترخص في الفتاوى علماء آخرون.

"فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك نسق لا يحل، وأيضاً فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إن تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعاً للهوى مسقطاً للتكليف،."

"تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه، ومضاد أيضاً لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59]، وموضع الخلاف موضع تنازع، فلا يصح أن يرد إلى أهواء النفوس وإنما يرد إلى الشريعة، وهي تبين الراجح من القولين، فيجب اتباعه لا الموافق لغرضه."

وقد حكى بعض العلماء؛ كأحمد وابن القطان القول بفسق من يتتبع الرخص.

ولهذا اشترط ابن السمعاني في المفتين ثلاث صفات: الاجتهاد، والعدالة، والكف عن الترخيص والتساهل.

فلا يجوز للمفتي ولا المستفتي ولا للقاضي أن يحكم أو يفتي في أحكام الشريعة بالهوى والشهوة والاختيار المبني على رغبات النفس، قال ابن القيم: "لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض، فيتطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه، فيعمل به ويفتي به ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر."

واختلاف الفقهاء ليس سبيلاً لأن يتخير المستفتي ما يشاء من الأقوال الفقهية من غير اجتهاد ولا تقليد مباح: "ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة، فلا يصح القول بالتخيير على حال."

"فاختيار أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول."

"لأن اتباع أحد الدليلين من غير ترجيح محال؛ إذ لا دليل له مع فرض التعارض من غير ترجيح، فلا يكون هنالك متبعاً إلا هواه."

"فإنه إذا أفتى بالقولين معاً على التخيير فقد أفتى في النازلة بالإباحة وإطلاق العنان، وهو قول ثالث خارج عن القولين."

"فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق، فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت، فإن هذا معنى تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلت إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمي في عماية وجهل بالشريعة وغش في النصيحة."

فالمستفتي لا يتبع هواه، والمفتي ومثله القاضي أيضاً لا يتبع هواء، فكلاهما يجب عليه أن يتبع الدليل ويجتهد في الوصول إلى ما يراه مراد الله حسب المستطاع، وهو معنى قطعي اتفقت عليه كلمة العلماء، وحكيت الإجماعات الكثيرة فيه:

فيجب على المفتي أن يعمل باعتقاده في الفتوى سواء أكانت له أو عليه، إجماعا.

فلو حكم الحاكم بخلاف اجتهاده تقليداً لغيره فحكمه باطل اتفاقا.

ولو أداه اجتهاد إلى أمر لم يجز له تقليد غيره، إجماعا.

ويحرم الترجيح لقول أو وجه من غير نظر وترجيح، إجماعا.

ويحرم الترجيح بمجرد الاختيار والإرادة، أو من غير الوجوه المعتبرة شرعاً، إجماعا.

بل لا يحل له أن يحمل اللفظ على أحد معنييه بلا دليل، إجماعا.

وأما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع.

فلا يجوز الإفتاء أو الترجيح بين الأقوال بالتشهي، إجماعا.

ويحرم الإفتاء والقضاء لأجل الغرض والهوى بلا دليل، إجماعا.

والقاضي والمفتي لا يحل أن يحكم أحدهما بشهوته أو شهوة غيره، إجماعاً.

وغيرها، ويمكن إدراج بعضها في بعض، والمقصود إبراز قطعية الأصل الشرعي في ضرورة اتباع الدليل والترجيح بحسب الوجوه الشرعية المعتبرة، وذم التشهي والهوى في الترجيح بين الأدلة أو الأقوال، سواء من المفتي أو القاضي أو المستفتي.

ولا يجوز للسائل أن يختار أخف القولين عليه: لأن هذا مدعاة للتشهي والهوى في دين الله، وليس اتباع ما يغلب على ظن المسلم من مقصود الشارع "وهو أيضاً مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة ولذلك سميت تكليفاً من الكلفة وهي المشقة."

ولا يعمل السائل بالفتوى ما لم يطمئن قلبه لها، فإن حاك في صدره شيء فلا يعمل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك."

"وهذا شرط في جميع التكاليف وهو أن لا يقدم الإنسان على ما يعتقده مخالفا لأمر الله."

والأسباب التي تثير الشكوك في النفس كثيرة لا يمكن حصرها، وكل شخص هو أدرى بنفسه وبسؤاله وبمن يستفتيه، فقد يلوح له من جواب المفتي أنه لم يفهم مقصوده، أو يكون حاله في اختيار المفتي قائماً على تشه وانتقاء، أو يكون ثم جوانب في الفتوى قد أخفاها عن المسؤول، وغيرها من القرائن التي توجب شكاً وريبة في القلب، فلا يجوز للسائل أن يعمل بها ما لم يطمئن قلبه.

ولتأصل هذا المعنى الشرعي في ذم الهوى لدى العلماء فإن حضور هذا المعنى لدى السائل يبيح ترك جوابه: فإذا كان السائل يبحث عن إجابة غرضه فلا يجب على المفتي أن يجيبه ولو كان غرضه هو رأي المفتي الذي يدين الله به؛ لأن السائل لا يريد الحق، قال ابن تيمية: أنا مخير بين إفتائهم أو تركهم؛ لأنهم لا يستفتون للدين.

وإذا سئل العالم في مسألة مما ثبت فيها نص واضح فلا يجوز له ترك الإفتاء إن كان ثم نص في المسألة بسبب أنه مخالف لغرض السائل.

ومن تطبيقات أصل ذم الهوى جاء تقرير تحريم الحيل في الدين، لما فيها من مخالفة مقصود الشارع بحثاً عن هوى النفس.

قال الإمام أحمد عن أصحاب الحيل: "ما أخبثهم".

وقال عنهم أيوب السختياني: "يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عياناً كان أهون علي.

والحيل قد أجمع الصحابة على المنع منها".

وأختم بذكر بعض الاجتهادات التي تثبت شدة مراعاة العلماء لخطورة اتباع الهوى، وإشكالية التخير بين الأقوال وما يتبع ذلك من تفلت عن الأحكام والنصوص، ولهذا اجتهد بعضهم في إلزام الناس ببعض الأحكام سداً لذريعة فساد اتباع الهوى، ومن هذه الاجتهادات مثلاً:

في مسألة: هل يلزم العامي تقليد مذهب معين في كل واقعة؟ قال ابن المنير: يلزمه التزام أحد المذاهب الأربعة؛ لأنه بعد أن فهمت المذاهب وعرف رخصها وشدائدها في كل واقعة فلا يتنقل المستفتي إلى مذهب إلا ركوناً للانحلال والاستسهال.

وإذا أراد أن ينتقل عنه في بعض المسائل فليس له؛ لأنه لا ضرورة له إلا التشهي والترخص.

و"لأنه لو جاز له اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى اتباع رخص المذاهب وفيه انحلال عن التكليف."

وهو حكم عام "جار في كل من يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم لئلا يتلقط رخص المذاهب بخلاف العصر الأول، ولم تكن مذاهب مدونة فيتلقط رخصها."

ويشترط في جواز التلفيق بين المذاهب أن ينشرح صدره للتقليد.

كما يذهب بعض العلماء إلى وجوب الإفتاء بالمشهور من المذهب دون الشاذ في المذهب الملتزم به لما فيه من تسهيل وموافقة لهوى المستفتي.

فالإلزام باتباع أحد المذاهب الأربعة، أو رفض الانتقال عن المذهب أو ضرورة الإفتاء بالمشهور، كانت تنطلق عند كثير من الفقهاء من استحضار عميق لإشكالية الهوى المتمثلة في التخير من الأقوال مطلقاً، ولست هنا أصوب هذا الرأي، إنما أعني بيان حضور هذا الأصل عند العلماء حتى في بعض الاجتهادات التي ربما تستنكر منهم ويظن بعض الناس أنها كلها تقع بسبب التعصب ونحوه دون أن يقف على الأساس الذي يعتمده كثير من الفقهاء.

المبحث الثالث: الانحراف بالخلاف الفقهي عن التسليم للنص الشرعي

الأصل في الخلاف الفقهي أن لا يكون سبباً لأي انحراف عن التسليم للنص الشرعي؛ لأنه في غالبه خلاف في المجال الاجتهادي الذي أجازت الشريعة الاختلاف فيه، وليس ثم دلائل ونصوص شرعية تقطع النزاع فيه، كما أنها تنطلق من النصوص والأدلة الشرعية، فمثلها حريّ بأن تكون سبباً لمزيد إيمان وتعظيم وتسليم للنصوص والدلائل الشرعية، غير أن ثم انحرافات وأخطاء حصلت قديماً وحديثاً وما زال أهل العلم على أمر بيانها والتحذير منها في جهاد، ومنها:

أولاً: التعصب الفقهي:

من الظواهر التي لازمت الخلاف الفقهي من قديم ظاهرة التعصب الفقهي الذي يبتلى به بعض العلماء أو بعض أتباعهم، تعصب لإمام أو مذهب أو قول أو ترجيح معين يدفعه لأن يتهاون في اتباع الدليل، ويضعف من كمال التسليم في قلبه من حيث لا يشعر، فربما رد الحديث الصحيح مباشرة، أو تهاون في إثارة الإشكالات عليه، أو بحث عن معارضات عدة عليه، ودافع هذا كله تعصب لا يريد الانفكاك منه، وهذا التعصب قد يكون ظاهراً لدى الإنسان بحيث يدركه كل من يعرفه، وحتى أن الإنسان يدركه من نفسه وهذا انحراف ظاهر، لكن الإشكالية أنه قد يكون خفياً لا يبصره الإنسان، فيكون مبتلى بهذا التعصب من حيث لا يشعر، فالتعصب هو الذي يوجهه في قبول بعض الأدلة أو ردها وهو يظن أنه منطلق من الدليل، وهذا يستدعي مزيد عناية ومراجعة للنفس في ضرورة التسليم والانقياد والاتباع لكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يطغى عليه شيء في حال ضعف وغفلة من الإنسان.

وهذا يؤكد ضرورة التأكيد على مبدأ التسليم ومراجعة النفس فيه ولو كان المسلم مقتنعاً وموقناً به؛ لأن ثم عوارض تضعف التسليم من حيث لا يشعر المسلم ومن حيث لا يتأثر أصل إيمانه بالنص الشرعي.

كما أن التعصب يؤدي إلى تجاوز أحكام شرعية عديدة في حقوق الأخوة الإسلامية لدى من يخالفه من الفقهاء، فيكون سبباً لتكفيرهم أو تفسيقهم أو تبديعهم أو عقوبتهم بلا سبب شرعي إلا التعصب للأقوال والمذاهب.

وقد حفل التاريخ الفقهي الحديث والقديم بصور عديدة من التعقب الذميم، وكثير من أخبارها ووقائعها مشهور يتداوله كثير من الناس.

كما أن المتعصب يحرم نفسه من ثمرات وفوائد الخلاف الفقهي، فالاطلاع على كلام الفقهاء والنظر في أدلتهم وأقوالهم وسبر مناهجهم وقراءة كتبهم فيه خير عظيم وأثر كبير على طالب العلم، إذ يضيف إلى عقله وعلمه علوم أعلام مختلفي الأزمان والأمكنة والمذاهب، ويستطيع من خلال النظر في أقوالهم واستدلالاتهم أن يتبين الحق بشكل أقرب وأوضح مما لو كان مقتصراً على آراء مذهب معين أو بلدة معينة أو عصر محدد.

فمن يطلع على كافة المذاهب تظهر له السنة كلها، وهو ملمح لطيف نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "والذين يستحبون بعض المشروع ويكرهون بعضه، فإن الله سبحانه يقيم طائفة تقول هذا وطائفة تقول هذا، ويتنازعون، فإنه بسبب النزاع تظهر كل طائفة من السنة ما قالت به وتركته الأخرى."

ولهذا قالوا: من تعلم الخلاف اتسع صدره.

لأن عقله سيستنير بمعرفة كلام أهل العلم ودلائلهم ومناهجهم بما يجعله يدرك مسالك الأقوال ومستنداتها فلا يضيق بها ذرعاً، ويستفيد منها في نظره وفهمه، فالإنسان الذي لا يعرف إلا قولاً واحداً يعيش عليه طيلة عمره يضيق ذرعاً حين يسمع قولاً آخر؛ لأنه يراه شاذاً مخالفاً للإجماع وينفر منه ولا يتسع صدره لخلافه، وهو ما لا يوجد لدى من يطلع على كلام العلماء.

كما أن الخلاف فيه من اليسر على الناس ما لا يفقهه المتعصب، فيحملهم على الشدة التي قد لا تكون موافقة لأصول الشريعة ومقاصدها.

كما أن التعصب دافع مهم لتضييع كثير من حقوق الإسلام في الحث على الرحمة والأخوة ووحدة الكلمة، فيقع في الفرقة والبغي والكذب والبهتان على الناس بدوافع الهوى والتعصب، وهذه من العجائب التي تقع لدى بعض المتعصبين للفقهاء، فيدفعه الدفاع عن الفقه أو الفقيه أو النص إلى ارتكاب عدد من المحرمات الشرعية القطعية.

فالتعصب له دور سلبي عميق على التفريط في أصل التسليم للنص الشرعي، إذ قد يدفع بصاحبه إلى القدح في بعض النصوص المعارضة للرأي المتعصب له أو إلى تقديم وترجيح الدلائل لكونها متوافقة مع رأيه الذي يريد، وقد يلجأ إلى الإعراض عن الدليل والانشغال والاهتمام بالرأي والمذهب المتعصب له.

ثانياً: الاختلاف والتفرق:

حين يكون الاختلاف الفقهي سبباً للاختلاف والتفرق فإن أصحابه حينئذ قد انحرفوا عن جادة الخلاف الفقهي المسلم للدليل الشرعي؛ لأن الخلاف الفقهي لا يسبب العداء والتفرق والتشرذم، وإنما الذي يحدثه هو الخلاف المحرم والنزاع الفاسد المنطلق من الأهواء، فالخلاف الفقهي خلاف داخل الإسلام، فلا يمكن أن يخرج عن أحكامه إذ "كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية وهي قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعا} [الأنعام:159].

فمسائل الفقه هي من مسائل الإسلام، فالواجب أن لا تكون سبباً للتفرق والاختلاف، فالتفرق مذموم {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعا} [الأنعام:159].

"وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على التفرق الذي صاروا به شيعاً، ومعنى صاروا شيعاً؛ أي: جماعات بعضهم قد فارق بعضاً، ليسوا على تألف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاق."

ولابن السمعاني تقرير جميل حول هذا الموضوع، أنقله بتمامه لنفاسته:

قال -ابن السمعاني -: "وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مسائل الفروع اختلاف العقائد في الأصول، فإذا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اختلفوا بعده في أحكام الدين فلم يتفرقوا ولم يصيروا شيعاً؛ لأنهم لم يفارقوا الدين ونظروا فيما أذن لهم، فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة... فصاروا باختلافهم في هذه الأشياء محمودين، وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة لهذه الأمة حيث أيدهم بالتوفيق واليقين، ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه في التنزيل والسنة، وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام، ولم ينقطع عنهم نظام الألفة، فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية أصحابها إلى النار وصاروا أحزاباً انقطعت الأخوة في الدين وسقطت الألفة، وهذا يدل على أن التنائي والفرقة إنما حدثت في المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان فألقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضاً بالكفر، فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس واختلفوا ولم يورث هذا الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاً ولا تفرقاً بل بقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام، يجوز النظر فيها، والأخذ بقول من تلك الأقوال لا يوجب تبديعاً ولا تكفيراً، كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء الألفة والمودة، وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى للتكفير ‏علمت أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء."

"قال- يقصد بعض العلماء-: ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعاً؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً، واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين؛ لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به." ‏

ثالثاً: الاكتفاء بالمجمع عليه وترك المختلف فيه:‏

ومن الخلل في تصور الخلاف الفقهي جعل مناط الوجوب والتحريم الشرعي مرتبطاً بالإجماع، فيعتقد بعض الناس أن المسلم يكفيه أن يعمل بالمتفق عليه ويترك المختلف فيه فيقول: "من عمل بالمتفق عليه كان مسلماً ناجياً في الآخرة مقرباً عند الله." ‏

فهو يحصر الواجب على المسلم في المتفق عليه، وهذا في الحقيقة: "مذهب لم يخلق له معتقد قط، وهو ألا يقول القائل بنص حتى يوافقه الإجماع." ‏

وذلك "لأن الأمة مجمعة، والعقول قاضية، والنصوص من القرآن والسنة واردة كل ذلك متفق أن ما قام عليه دليل برهاني فواجب المصير إليه وإن اختلف الناس فيه، وواجب أن لا نقتصر فيه على ما أجمع عليه دون ما اختلف فيه إلا في المسائل التي لا دليل عليها إلا الإجماع المجرد المنقول إلى النبي صلى الله عليه وسلم." ‏

و"لأن الأمة مجمعة على أن الاقتصار على القول بالإجماع فقط دون الائتمار للنصوص إن وقع فيها اختلاف حرام، لا يفعله مسلم ولا يسع مسلماً فعله." ‏

‏فالخلاف لا ينفي عن الحكم وجوب الاتباع، ولا ينفي عنه صفة القطع أيضاً، "وأما الخلاف فيها فإنه لا يهتك حرمة القطع، فكم من حكم قطعي يقيني قد اختلف فيه." ‏

ومن يقتصر على المجمع عليه "لا بد أن يخالف الكتاب والسنة حتماً في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما الظنية فحدث عن كثرتها ولا حرج." ‏

والاكتفاء به ترك لجزء من الشريعة: "فالترخص فيها كلها ترك متيقن لكثير من الحق." ‏

إذن، فالإجماع منعقد على عدم الاكتفاء بمسائل الإجماع، والمتفق عليه بين المسلمين ليس هو العمل بمسائل الإجماع وترك مسائل الخلاف، وإنما المتفق عليه حقاً هو العمل بنصوص القرآن والسنة مطلقاً، قطعية كانت أم ظنية، اتفق الناس عليها أم اختلفوا، فإنه "من عمل بالمتفق عليه كان مسلماً ناجياً في الآخرة مقرباً عند الله تعالى، وهذا المتفق عليه هو العمل بالدلائل القطعية والظنية من كتاب الله ومن سنة رسوله الثابت قطعاً أو ظناً، فالعالم يتحرى ذلك بالنظر في الدلالة، فإن اشتبهت عليه أخذ بأحسنها مع تجنب خرق الإجماع الصحيح، والعامي يسأل العلماء ويأخذ بفتواهم، فإن اختلفوا عليه احتاط أو طلب ترجيحاً ما، فإذا علم الله حسن نيته فلا بد أن ييسر له ذلك، فأما تقليد الأئمة فمهما قيل فيه فلا ريب أنه خير بكثير من تتبع الرخص."‏

والاستهانة بأمر الخلاف الفقهي تؤدي إلى نتائج ولوازم شنيعة، حتى يغيب الدليل الشرعي عن نظر المسلم ويكون بحثه عن الخلاف، بل ربما يبحث عن (خلاف) حتى يتجاوز الدليل الشرعي.

ومن الصور الذميمة التي يكثر تناقلها بالذم والعيب لدى المعاصرين ما قاله أحد العلماء للجنة المخولة بوضع قانون للأحوال الشخصية: "ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم."

ويتبع هذا الخلل في التصور اعتقاد أن الخلاف الفقهي بحد ذاته حجة شرعية، وقد سبق الحديث عنه.

رابعاً: الترخص واتباع الهوى:

وقد سبق الحديث عن ذم الهوى واتباع الرخص كأحد معالم التسليم للنص الشرعي في الخلاف الفقهي، فالمسلم يتبع الدليل لا الرخص، ويسير باحثاً عن مراد الله لا منقاداً لأهوائه، وليس وجود الخلاف الفقهي سبباً كافياً لوحده لأن يختار المسلم ما يشاء من الأقوال، خاصة أن الأقوال المخالفة للدليل أو التي تعتبر شاذة هي من قبيل الزلة من العالم، ف"لا يصح اعتمادها خلافاً في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلاً، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا."

واتباع الهوى قضية قلبية لا يفطن لها الناس غالباً، وإنما هي ديانة بين العبد وبين ربه، وهذا يعظم مسؤولية كل إنسان عن الأقوال التي يختارها أو يرجحها، هل كانت ترجيحاً بناء على دليل واطمئنان أم كان ترخصاً واتباعاً للهوى، وتعزيز هذا الوازع في الناس يحفظ لهذه الأحكام مقامها، ويجعل دافع الجميع البحث عن الحق، وهو من أعظم الضمانات التي تحفظ باب الخلاف الفقهي من العبث والهوى، وربما يأتي في خاطر بعض الناس أن الفتوى قد يستهان بها حين يقال لأحد من الناس: اتبع من تثق في دينه وعلمه، فيرى أنه لا بد من وضع قيود على هذا كأن يكون أعلم الناس أو من علماء بلده...إلخ.

والحقيقة أنه لا حاجة لهذا كله؛ لأن القضية متعلقة بديانة بين العبد وربه، فإذا كان الإنسان قد يتهاون في ذلك، فهو قد يقع في الحرام أيضاً مباشرة من دون تأويل، فالتشديد في مثل هذا غير مؤثر، المؤثر حقاً هو تذكير الناس بأمانة الاستفتاء وعظمته واعتماده على المسؤولية الفردية، فمثل هذا مما يعزز قيمة الاستفتاء ويحقق أعظم ضمان لها، بل يجعل كثيراً من الناس ربما يجتهدون في التحري بما هو غير واجب تحوطاً وحرصاً.

على أن كون الهوى قضية قلبية لا يعني أنه ليس ثم قرائن ظاهرة تكشف عن حالات هوى في الخلاف الفقهي.

فمن يلتزم بفتاوى علماء معينين ثم يتركها ويتبع فتوى عالم لا يعرفه في موضوع يهواه، فهذه قرينة اتباع هوى.

ومن يمارس عملاً يعتقد تحريمه دهراً ثم ينتقل بعد هذا ليقرر أنه فعل مباح بناء على فتوى سمعها ممن لم يكن يتبعه من قبل، فهذه قرينة اتباع هوى.

ومن يسأل أكثر من عالم عن فتيا معينة ثم يأخذ الأسهل والأيسر دائماً فهو متبع للهوى.

ومن يتعمد سؤال من عرف بتساهله وتسامحه في الفتوى لأجل هذا فهو متبع للهوى.

ومن يرى أنه في سعة من أمره ما دام أن في المسألة خلافًا فهو متبع لهواه.

ومن يختار من الأقوال دوماً أرخصها وأيسرها فهو متبع لهواه.

ومن يتخلى عن جملة من الاختيارات الفقهية من دون أي بحث ولا تجدد اجتهاد أو نظر، فهذه قرينة هوى.

ومن يضع القوانين ويختار الأقوال سلفاً، ثم يبحث لها عن أي قول فقهي يسندها إليه فهو متبع لهواه.

والقرائن في هذا كثيرة يعرفها كل إنسان من نفسه وممن حوله بما لا يمكن ضبطه، لكنها تكشف عن كون الاختيار متأثراً بهوى وميل نفسي وليس ترجيحاً واختياراً شرعياً منطلقاً من الموازنة بين النصوص.

خامساً: التسوية بين الخلاف البدعي والخلاف الفقهي:

الخلاف الفقهي يختلف تماماً عن الاختلاف البدعي المحرم، فبينهما فروق جوهرية تجعل الفرق بينهما ظاهراً لكل أحد، وحين يساوي أحد بين هذين الخلافين فإنه يسيء جداً إلى الخلاف الفقهي حين يساويه بالخلاف المحرم، فالخلاف الفقهي خلاف علماء وأئمة ينطلقون من النص ويعظمون الدليل ويسيرون على بينة ومنهج معتدل، بخلاف مناهج البدع القائمة على تعظيم العقل والاستخفاف بالسلف واتباع الهوى، فخلافها ليس في مسألة فرعية أو قضية اجتهادية، وإنما خلافها فيما هو أكبر، فإن "هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية؛ لأن الكليات تضم من الجزئيات غير قليل، وشأنها في الغالب أن لا تختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب."

فهذه الفرق لا تصير فرقًا إلا لمخالفتها لأصل كلي وقاعدة عامة في الشريعة؛ لأن الخلاف في الأصول ينتج فروعاً كثيرة.

فليس كل الخلاف محمودا ًبل: "من الخلاف ما لا يعتد به في الخلاف وهو ضربان، أحدهما ما كان من الأقوال خطأ مخالفاً لمقطوع به في الشريعة" فمن الخلاف الفقهي ما ليس بمقبول، فكيف بالخلاف البدعي المنحرف؟

قال الإمام الشافعي:

"الاختلاف من وجهين، أحدهما محرم ولا أقول ذلك في الآخر. قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً لم يحل الاختلاف فيه لمن علم."

فالخلاف الفقهي يخالف البدعي في أمور كثيرة ، فلا يمكن أن يتساويا.

وربما يقول بعضهم هنا:

إن المبتدع حين يجتهد الاجتهاد الشرعي ويخطئ لتأويل فهو معذور، فوقوعه في البدعة لا يؤدي لتكفيره أو تبديعه أو تفسيقه ما دام أنه معذور باجتهاد أو تقليد، فيكون حكمه إذن حكم الخلاف الفقهي؟

وهذا خطأ، من جهة ما فيه من خلط بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل، فإن كون القائل معذوراً يختلف عن النظر في المسألة والخلاف؛ لأن الحكم على الفاعل يرجع إلى مدى اجتهاده وبذله للمستطاع، والحكم على الفعل يرجع إلى مدى احتمال الأدلة له واتساعها لخلافه، فالأدلة تتسع للخلاف الفقهي ولا يمكن أن تتسع للخلاف البدعي؛ لأن الخلاف الفقهي ينطلق منها ولو خالف بعض الأدلة فهو خلاف قريب منها، بخلاف الخلاف البدعي فهو خلاف في أصولها وقطعياتها.

فهما بابان مختلفان، فالإعذار يمكن أن يشمل حتى المسلم الذي ينكر المعلوم من الدين بالضرورة حين يكون جاهلاً حديث عهد بإسلام لم يعلم بهذه الأحكام، ولا يمكن أن يقول عاقل: إن هذا يعني: أن هذه المسائل يتسع فيها الخلاف.

سادساً: التهاون في باب الإفتاء والاجتهاد:

الإفتاء هو إخبار عن الحكم الشرعي، والاجتهاد هو بذل الوسع للوصول إلى هذا الحكم، وكلاهما مقامان عظيمان لارتباطها بالدليل الشرعي، فكمال التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم يدفع المسلم لأن يبذل غاية وسعه في حفظ باب الفتيا، وفي حفظ باب الاجتهاد، وأي تقصير في هذين البابين فهو يخدش كمال التسليم.

فمن نقصان التسليم أن يتهاون المسلم في الإفتاء وهو ليس مؤهلاً له، فكل رأي صدر من غير أهله فهو من قبيل الاجتهاد المرفوض:

"وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض، وخبط في عماية واتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذه الوجه فلا مرية في عدم اعتباره؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ [المائدة:49].

وهذا التهاون له مظاهر عديدة، منها:

مراعاة أحوال بعض الكبراء من حيث شدة الأحكام، بخلاف العامة.

تشريع الحيل للناس ليتخلصوا من الحقوق اللازمة.

مراعاة الأعراف والعادات المخالفة.

التشديد على الناس لإظهار التقوى والورع والتمسك بالأحكام.

استفتاء المتهاون في الفتيا، أو غير المشهور بعلمه وتقواه، وكثيراً ما يسأل الناس أي شخص يرونه لمجرد هيئته، وهذا كله تهاون واضح.

العجلة في الإفتاء، من دون إدراك لكافة التفاصيل التي تحتاجها الفتوى، أو عدم تحرير حكم المسألة، أو الإفتاء من أشخاص وهم غير علماء ولا متخصصين.

اللجوء إلى الحيل المحرمة لتجاوز بعض الأحكام الشرعية.

وغير ذلك من المظاهر الكثيرة التي يدركها الإنسان بمقارنة أحوال الناس، وحري أن يعتنى بتوعية الناس بأثر وخطر الفتيا ومسؤوليتها الفردية حتى يستحضر كل إنسان حاله مع الفتيا والاستفتاء.

سابعاً: نفي الإنكار في مسائل الخلاف مطلقاً:

من المسائل الفقهية التي يثيرها اختلاف الفقهاء مسألة حكم الإنكار في مسائل الاختلاف، فمن المعلوم أن المنكر في الشريعة الإسلامية يجب إنكاره بحسب مراتب الإنكار المعروفة، فإذا رأى الشخص منكراً يفعله شخص لا يعتقد أن هذا الأمر منكر فهل يسوغ الإنكار عليه أم لا؟

حصر بعض الباحثين اتجاهات الفقهاء في هذه القضية إلى اتجاهات أربعة:

الأول: الإنكار على حسب مذهب المحتسب عليه.

الثاني: الإنكار في الأقوال الضعيفة التي تؤدي إلى مفسدة.

الثالث: الإنكار في الأقوال ذات المأخذ الضعيف.

الرابع: الإنكار في كل ما يخالف النص.

ولكل اتجاه من هذه الأربعة أدلته، واختلاف هذه الاتجاهات راجع إلى اختلاف نظرهم في مراعاة الفاعل أو مراعاة حال المنكر، ومثل هذا الاختلاف ليس راجعاً إلى الموقف من النص الشرعي، فجميع هذه الاتجاهات يسلم للنص ولحكمه، لكن الاختلاف في التعامل مع هذه القضية التي يرى الفاعل أنها ليست (منكراً) ويرى الرائي أنها منكر، فرأي يغلب جانب (الرائي) وجانب يغلب جانب (الفاعل).

والأقرب للصواب، والألصق بقاعدة التسليم للنص الشرعي والانقياد لحكمه هو الاتجاه الرابع الذي ينص على أن العبرة بالنص الشرعي، فما ثبت فيه نص شرعي ظاهر ولم يكن له معارض، فينكر ولو كان فيه خلاف، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم علق حكم الإنكار على "من رأى منكم منكرا" فهذا (منكر) فما الذي جعله (معروفاً) يسكت عنه؟

كما أن القول بإيقاف الإنكار في حال وجود الاختلاف يؤدي إلى إضعاف اعتبار النصوص، إذ لا تكاد تجد مسألة تخلو من خلاف: "فإذا كان هذا منكراً في عصره ونهي عنه فما الذي صيره معروفاً بعد وفاته حتى يقال: لا ننكر هذا بعد وفاته؟ هل بعد وفاته نسخ أو وحي يصير المنكر معروفاً؟"

كما يترتب على عدم الإنكار بسبب الخلاف مفاسد عدًة، إذ يترتب عليه تتبع الزلات والشواذ، والعمل بالرخص وإضاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فلازم هذا القول أن يكون اعتبار المنكر ليس راجعاً إلى الشريعة بقدر ما هو راجع إلى اتفاق المجتهدين أو اختلافهم، وهذا خطأ بين، وكثير من الأحكام التي ثبتت بالنصوص قد وقع فيها خلاف، فالمسائل الإجماعية قليلة، بل وحتى المسائل الإجماعية قد وقع الطعن في كثير منها إن لم يكن أكثرها، وحتى هذه المسائل التي سلمت من الطعون لم تسلم من مخالفة بعض المعاصرين لها، فلازم هذا القول ومآله أن يقتصر الإنكار في الشريعة الإسلامية على المنكرات القطعية الضرورية في الشريعة؛ كحرمة الخمر والزنا ونحوه، فحتى بعض المسائل القطعية سيتوقف عن الإنكار فيها لوجود خلاف فيها فإن "كون المسألة مختلفاً فيها لا يمنع أن دليلها يكون يقينياً ويكون من خالفه لم يبلغه أو لم يفهمه أو ذهل عنه، وقد يفيد اعتقاداً قوياً غالباً يسمى أيضاً يقيناً."

وإذا رجعنا لمنهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ليكونوا حكماً بين المختلفين هنا لوجدنا أنهم ينكرون في المسائل الخلافية بلا شك.

لذا فالصحيح أن لا تبقى هذه القاعدة على إطلاقها، فلا إنكار في مسائل الخلاف ما دامت مسائل لا نص شرعي قاطع فيها، أما إذا حضر النص الشرعي فلا بد من الإنكار، ولعل هذا مراد كثير ممن ذهب إلى قاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف، يقصدون به الخلاف الذي لم يرد فيه نص شرعي وليس أي خلاف، ولأجله استغرب ابن القيم مثل هذا القول ورآه متناقضاً مع منهج الفقهاء: "كيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء."

وهو ما يؤكده ابن عبد البر: "هذه سبيل الاجتهاد على الأصول عند جماعة الفقهاء، ولذلك لا يردون ما اجتهد فيه القاضي وقضى به إذا لم يرد إلا إلى اجتهاد مثل هو أما من أخطأ خطأ بيناً منصوصاً من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الكافة أو نقل العدول فقوله وفعله مردود."

وأرجع شيخ الإسلام الخلاف في هذه القضية إلى عدم التفريق بين أمرين: "وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس."

ولهذا ف"الصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ له - إذا عدم ذلك فيها - الاجتهاد."

فالمسائل الاجتهادية هي التي لا ينكر فيها، وأما المسائل الخلافية فينكر فيها، والفرق بينهما: أن المسائل الاجتهادية هي ما تجاذبه أصلان شرعيان صحيحان، أو ما ليس فيه دليل يجب العمل به ظاهراً، أو تعارض فيه نصان، أو كان النص ليس محل اتفاق في دلالته.

فالمسائل الاجتهادية إذن هي التي لا نص فيها يقطع العذر.

ولهذا فالصحيح أنه: "إذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقا."

فإذا كان ذلك في القول فالفعل مثله: "وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار."

وأما ما لا ينكر فهو المسائل الاجتهادية: "ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها."

ولهذا كان الفقهاء ينقضون حكم الحاكم إن خالف النص إجماعاً كما حكاه شيخ الإسلام: "ولهذا اتفق العلماء أن حكم الحاكم العادل إذا خالف نصاً أو إجماعاً لم يعلمه فهو منقوض... وإذا قدر أن حاكماً حكم بصورة ذلك ولزومه فغايته أن يكون عالماً عادلا فلا ينفذ ما خالف فيه نصاً أو إجماعاً باتفاق المسلمين."

وهو ما قرره الأصوليون.

فإذا نقض حكم الحاكم فينكر وينقض من غيره من باب أولى؛ لأنه إذا كان حكم الحاكم لم يحل دون نقضه فأولى أن لا يحول مجرد اعتقاد صاحبه من الإنكار، والقاعدة أن: "وما لا نقره شرعاً بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعاً إذا لم يتأكد."

وهذا ما دعا كثيرا ًمن الباحثين المعاصرين إلى جعل الخلاف في هذه المسألة إنما هو خلاف في المسائل الخلافية السائغ الخلاف فيها والتي لا نص فيها، وأما ما كان فيه نص فليس داخلاً في هذه المسألة.

وهو القول الذي لا شك في صحته واعتماده؛ لأن "هذه المقالة قد صارت أعظم ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ومعيار ذلك الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً، وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولا، ثم على العامل ثانياً."

فالعبرة بالنص لا بمجرد الخلاف: "فالواجب على من علم بهذه الشريعة ولديه حقيقة من معروفها ومنكرها أن يأمر بما علمه معروفا وينهى عما علمه منكراً، فالحق لا يتغير حكمه ولا يسقط وجوب العمل به والأمر بفعله والإنكار على من خالفه بمجرد قول قائل أو اجتهاد مجتهد أو ابتداع مبتدع."

والقول بالإنكار في مسائل الخلاف حين تخالف نصاً هو الأقرب لتعظيم النص الشرعي وكمال التسليم به، ففرق بين أن يكون معيار الإنكار هو النص وبين أن يكون المعيار هو الخلاف والإجماع، كما أن هذا كفيل بإظهار النص وإشهاره وتعريف الناس به، فكل من خالف النص فهو عرضة لأن ينكر عليه، فيكون هذا سبباً لمعرفته وبيانه للناس، أما القول بأنه لا إنكار في النص ما دام في القضية خلاف فسيكون له أثر سلبي في إضعاف أثر الحكم، فالشخص لن يأمر ولن ينهى إلا بعد أن يتأكد من عدم وجود خلاف، فلا يكفي معرفته للنص لأن يأمر وينهى، بل لا بد أن يتأكد من الاتفاق عليه، وفي هذا من التقليل من قيمة النص الشرعي ما فيه.

فهو يتطلب بحثاً وعلماً واطلاعاً لا يوجد لدى أكثر الناس، مما يعني حصر الإنكار على فئة خاصة جداً هم العلماء وطلبة العلم الشرعي، وهذا تضييق جداً لهذا الباب الشرعي العظيم.

وهذا يعني: أنه من أنكر عليه بنص فلا يلزمه قبول هذا الإنكار حتى يعرف أن هذا الحكم مجمع عليه، فبإمكانه أن يطلب التأكد من الإجماع على هذا الحكم، وأكثر الناس لا يعرفون مواطن الإجماع والخلاف، وحينها فعامتهم من حقهم أن لا يقبلوا أي نصح أو إنكار.

كما أن مواطن الإجماع قد نقضت بخلافات جاءت بعدها، وفي عصرنا هذا لا تكاد تجد حكماً شرعياً لم يخالف فيه أحد، فحينها ستستثني المعلوم من الدين بالضرورة كشرب الخمر والزنا ونحوها فقط، وأما بقية المحرمات فلا إنكار فيها لأنك ستجد من المعاصرين من شذ فأفتى بخلافها.

ومآل هذا أن يكون الحديث بين المنكر ومن يقع في المنكر ليس متعلقاً بالدليل ووجه دلالته والدلائل التي تعارضه، بل بمن قالبه؟ ومن خالفه؟ فانتقل الأمر من (النص) إلى (الرجال)، فليس المنكر حينها ما حرمه النص، بل ما أجمع العلماء على تحريمه.

وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى:10]؛ فالواجب أن يكون النص هو الذي يحكم بين المختلفين في الإنكار وليس وجود الخلاف هو الحكم.

والفقهاء الذين يتحدثون عن هذه المسألة يقررونها في المجتهد أو المقلد لمن يجتهد في هذه المسألة، وليس كل من يقع في هذه المسائل الخلافية من هذا النوع، فترك الإنكار في مسائل الخلاف يؤدي إلى ترك الإنكار حتى على من يقع في الخطأ، غير اجتهاد ولا تقليد ولا تأويل بل يفعله معتقداً أنه حرام.

فهذه بعض الآثار السلبية التي تنتج عن الأخذ الخاطئ برأي من يأخذ بقاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) على إطلاقها.

فبناء على ما سبق، يتضح أن القول بعدم الإنكار في مسائل الخلاف مطلقاً وإن كان في أصله ضمن الخلافات الفقهية الشهيرة، إلا أن من لوازمه وتطبيقاته ما سيكون مؤثراً على التسليم للنص الشرعي.

وهنا قد يطرح سؤال مؤداه: أن كل شخص يدعي أن الحق والصواب معه، وإنما كان خلافهم في فهم النص، فأنا أنكر عليه ما أراه نصاً، وهو ينكر علي ما يراه نصاً، وهذا يؤدي إلى تعارض الإنكار، فكل ينكر على غيره ما ينكره غيره عليه.

وجوابه من وجهين:

الأول: ليس كل من يختار قولاً يكون معه نص صريح ظاهر فيه، بل أكثر الخلافات الفقهية لا تعتمد على نصوص قاطعة، أو تعتمد على نصوص لكن وجد ما يعارضها بما لا يجعل النص قاطعاً في المسألة، فتصوير السؤال إذن خطأ، فليس كل من يعتقد برأي يجزم بأن ثم نصاً قاطعاً في المسألة.

الثاني: أن الإنكار إنما يكون لمن خالف النص القطعي، والنصوص القطعية لا تتعارض، فلا يمكن أن يكون ثم دليلان قطعيان في المسألة وهما متعارضان، فالقول بالإنكار في المسألة حين يكون ثم نص، إنما يكون على من خالف النص.

نعم، ربما يقال: إنه يمكن أن يكون لأحدهم توهم وجود نص ظاهر ليس له معارض مع وجود نص قاطع أخر، فهذه الصورة مع صعوبة تصورها وندرتها، فإذا وجد من يعتقد أن ثم نصاً ظاهرا ًمعه وهو في الحقيقة من يخالف النص فلا إشكال في أن ينكر ولو كان هو المستحق للإنكار، وليس في هذا إشكال؛ لأن الإنسان مكلف بحسب ما يعلم، فقد يخطئ فينكر المعروف وهو يظنه منكراً، كما أن البعض قد ينكر في مسائل الخلاف يظنها إجماعاً، فخطأ المسلم في ظنه وارد على كل حال، ولا ينقض هذا الأصل الشرعي؛ لأنه معذور وسيظهر له الحكم بالحوار والتعليم؛ لأننا جعلنا الأصل هو (النص) وليس مجرد (الخلاف).

ومما يقال هنا: إن الخلاف الفقهي كله مجال عذر وتأويل واجتهاد وليس مجال إنكار.

وهذا خلط بين الفعل والفاعل، فالإنكار يتجه إلى الفعل، والإعذار إلى الفاعل، والإنكار متعلق بتغيير وإصلاح الفعل، والإعذار متعلق بحكم الفاعل من حيث الفسق والعدالة والإثم ونحوها، فهو معذور ما دام لم يفرط، لكن هذا لا يعني عدم الإنكار عليه وتغيير ما صنع إن وقع في منكر مخالف للنص.

مع أهمية التفريق هنا بين (النصيحة)، و(المباحثة العلمية) وبين الإنكار، فالحديث كله عن الإنكار الذي يتعامل مع الخطأ على أنه منكر ومعصية فينكره بحسب الضوابط والقواعد الشرعية، وأما النصح والمباحثة العلمية فلا إشكال فيها وهي خارج محل النزاع؛ لأنها تكون في كل القضايا، بل وحتى المباحات منها فضلاً عن المختلف فيه.

خاتمة البحث

أما بعد:

فمن خلال ما سبق يمكن أن نضع صورة كلية لمعالم التسليم للنص الشرعي تتمثل في قواعد التسليم الآتية:

العقل طريق موصل إلى الله، وأداة لفهم الشريعة، ومناط لحكم التكليف، وإعماله والمحافظة عليه جزء من أحكام الشريعة.

العقل والنقل من أدلة الشريعة، ولم يقع إشكال العقل والنقل إلا لما نشأ من حرف بالعقل عن مفهومه الصحيح فجعله معارضاً للنقل.

لا يمكن للعقل أن يعارض الشرع، فإن وقع توهم معارضة فهو راجع إما لسوء فهم للدليل السمعي، أو سوء تصور للدليل العقلي، والمنهج السليم في النظر في تقديم القطعي من هذين الدليلين الشرعيين.

ويقال مثل هذا في المعاني الشرعية الأخرى؛ كالعدل والمصلحة، فلا يمكن حصول تعارض بينها وبين أحكام الشريعة، إلا إن كان ثم فهم خاطئ للشريعة، أو سوء فهم أو نقص تصور للعدل والمصلحة.

العقل ناقص، ضعيف، قاصر، فمن الرحمة واللطف به أن يكون تابعاً للوحي حتى يهتدي لما لا يمكن أن يصل إليه لو لا الوحي.

البحث في الشريعة وعللها ومقاصدها مما يزيد المؤمن إيماناً ويقيناً؛ لأنها شريعة من عند الله الذي خلق المصالح والعقول.

ضغط المفاهيم الوافدة يؤثر على تسليم المؤمن للأحكام والنصوص ويهون من شأن إنكارها أو تأويلها، وهو ما يجعل حركة التأويل تنشط في بعض الأحكام دون بعض حسب ظروف كل عصر.

الحكم على دلائل السمع بالظن وعلى دلائل العقل بالقطع نشأ من جهة إهمال الإنسان لدلائل النقل وعدم عنايته بها مما جعلها دون القطع، بخلاف دلائل العقل التي يعتني بها.

الانحراف عن النص يبدأ في الانحراف والاتساع تدريجياً، فالفكرة المنحرفة واللازم الفاسد سيئ الأثر على توسيع خط الانحراف مع الأيام.

العقل ليس ميزاناً رياضياً دقيقاً لا يتأثر بغير الحجج العقلية المحضة، بل هو قاصر يتأثر بالهوى والشهوة وبأثر اللحظة الراهنة وبالحالة النفسية وبالخبرة الشخصية وبأحوال كثيرة خارجة عن التفكير العقلي.

وعظ القلوب وتذكيرها بالله له أثر عميق في إصلاح النفوس الذي يؤدي إلى إعادة بناء الأدلة العقلية لتبدو في الاتجاه الصحيح اتجاه التسليم للنص.

الدليل العقلي سبب لدخول الإنسان في الإسلام الذي يؤدي إلى تزكيته وتطهيره بالخضوع والانقياد والعبادة، وهي مقامات أعظم من مجرد فهم الدليل.

أنفة العقل عن الخضوع لله مذموم، وخضوعه لغير الله من آباء أو مذاهب أو أشخاص مذموم أيضاً.

اختلاف الناس في الحق وادعاء كل أحد أن الحق معه يستحثنا أكثر على العناية بالدليل والبرهان، فالعبرة بالبرهان لا بالدعوى، وادعاؤهم أنهم على حق لا يجعل الحق معهم جميعاً ولا أن يكون خافياً عنهم جميعاً.

وجود الاختلافات قدراً لا يجعلها سائغة شرعاً، فالإرادة القدرية الكونية لا تستلزم الإرادة الشرعية المتعلقة بالمحبة والرضا.

تضييق الاحتجاج بسنة النبي صلى الله عليه وسلم مناف لأصل التسليم له عليه الصلاة والسلام، وكلما ضعف التسليم زادت مسالك التضييق.

القواعد المجملة التي توضع في فهم الشريعة وتفسير أحكامها تؤدي إلى إضعاف التسليم للنص الشرعي وتتسبب في دخول كثير من الانحرافات من خلالها.

رد الحديث بناء على سبب معتبر اجتهاد يعذر فيه المسلم، ويختلف عن حالة الرفض بلا سبب أو بأسباب تقوم على مؤثرات خارجية غير معتبرة أو بناء على منهج مستقل يتعطل بسببه جزء من السنة.

الانتقاص من فقه السلف وعملهم ذريعة لإضعاف العلم الذي نقلوه.

الإيمان بالنصوص يشمل الإيمان بألفاظها ومعانيها.

الدلائل القرآنية تثبت أن الشريعة بينة ظاهرة يحصل بها الهداية والنجاة مما يثبت أن دلائلها ظاهرة، ذات دلائل قطعية، أو دلائل ظنية لا تتجاوز معاني محددة عبر منهجية منضبطة.

لا بد من اعتماد منهج مجموع السلف في فهم الشريعة، ففهم مجموعهم هو الحجة وليس آحادهم، سواء ما أجمعوا عليه، أو في مجموع أقوالهم إذا اختلفوا، أو في طرائقهم في النظر والاستدلال والاعتقاد.

فهم الشريعة إنما يتم عبر اللغة التي نقلت إلينا الشريعة وهي اللغة العربية.

دلائل النصوص تؤخذ من ظاهرها وسياقها، ولا يبحث عن معان خارجة عنها لتؤول من أجلها النصوص.

لا يجوز تفسير ألفاظ النصوص بمعان محدثة نشأت بعد زمانه.

لا يصح العدول عن الظاهر من النص إلا بعد تعذر الأخذ به، وبيان الدليل على رجحان المعنى الآخر، وأن اللفظ في ذلك السياق يحتمله.

القراءة الشرعية للنصوص هي القراءة التي تبحث عن مراد النص، وليست التي تريد البحث عن أمور أخرى من خلال النص.

التأويل الباطل لا يقوم على منهج مطرد، فهو يسير على تأويل كل ما لا يرغب فيه، فالقانون فيه شخصي ذاتي يختلف بحسب كل شخص ومنهج وقراءة.

التأويل العبثي للنص لا يختلف عن إنكار النص، بل هو أخطر منه لما فيه من التدليس والتلبيس.

لا يتم احترام النص إلا باحترام فهمه المعين إن كان قطعياً، أو بمعاني فهمه إن كان ظنياً، وإلغاء احترام الفهم مطلقاً يعادل إلغاء النص.

العقل يريد فهم النص الشرعي، ولهذا فهو يضع القيود على عمله بناء على طبيعة النص الشرعي.

الدلائل الشرعية قد تفيد القطع واليقين وقد تفيد الظن، وذلك بحسب قوة الدليل، وبحسب عناية الشخص بتتبع دلائل الشرع.

القطعي والظني كلاهما من الأحكام الشرعية، واختلافهما راجع لدرجة قوة الدليل، فلا يسوغ رد شيء من السنة النبوية بدعوى الظن، ولا جعل القضايا الظنية محل اجتهاد مطلقاً.

ما ثبت فيه النص فلا مساغ للاجتهاد فيه ظنياً كان أم قطعياً.

الثوابت تشمل القطعيات والظنيات، والمتغيرات هي للأحكام التي علقت بناء على عرف.

ليس من شرط الأحكام القطعية أن يكون ثم إجماع عليها، فبعض القطعيات وقع فيها خلاف.

الأصول الفقهية وضعت بناء على استخراج وفهم الدليل، وأي قراءة لا تستحضر هذا الأصل قراءة خارجة عن النص.

حرص الشخص على تبرئة الإسلام أو تقديم صورة حسنة عنه أو حفظ الناس من الانحراف لا يبرر ولا يهون من أي تحريف للأحكام الشرعية.

تتميز الشريعة بمراعاة الثبات في أحكامها وأصولها، وبمراعاة المتغيرات التي تطرأ على الواقع.

جاءت الشريعة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق أعظم المصلحتين ودرء أعظم المفسدتين عند التزاحم.

المصالح في النظر الشرعي تشمل المصالح الأخروية والدنيوية، والمصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية.

ما حرمته الشريعة من المصالح فهو من المصالح الموهومة الملغاة لما فيه من المفاسد الغالبة على مصالحه.

ضرورة مراعاة الصياغات في توضيح الأحكام الشرعية، فالعبارات الخاطئة في تقديم شيء على النص الشرعي تؤدي إلى إضعاف التسليم في نفوس الناس ولو كان الشخص يقصد معنى حسناً.

النصوص تدل على ما فيه المصلحة، ولا يمكن للمصلحة أن تعارض النص، وإلا فإما أن تكون مصلحة موهومة أو أن يكون ثم خطأ في فهم النص.

تغير الأحكام بتغير الأزمان إنما يكون في الأحكام التي بنيت على الأعراف والعادات والمصالح المتغيرة، ولا يكون في الأحكام المستندة إلى نصوص الكتاب والسنة.

من وسائل نفي الأحكام الشرعية تفسيرها بأنها كانت لظرف زمني معين وقد زال، وهذا مرفوض ولا يقبل إلا ببراهين، وكثيراً ما يكون النفي للحكم سابقاً للبحث عن هذه المتغيرات.

التشدد في إغلاق باب الاجتهاد خشية التفلت يقوم في إضعاف التسليم بنفس الدور الذي يقوم به التهاون في فتح الاجتهاد.

المقاصد هي الحكم والعلل التي جاءت بها الشريعة وأخذت من نصوصها واستقراء لفروعها.

المقاصد تقوم على اعتبار الكليات والجزئيات جميعاً، ولا تنفي أحدهما بسبب الأخر، وإن حصل تعارض جمعت بينهما.

تعمل المقاصد في فهم النص، وفي دفع التعارض بين النصوص، وفي بيان الأحكام التي ليس فيها نص.

من يأخذ بالمقاصد بدون جزئياتها فهو يعمل بمقاصد النفوس والأهواء وليس بمقاصد الشريعة.

التشديد في وضع شروط لتطبيق بعض أحكام الشريعة حتى يكون التطبيق بسبيه مستحيلاً يقوم بذات الدور الذي يقوم به من ينفي الحكم الشرعي.

تجديد المقاصد يختلف بحسب المقصود منه، فإن كان تجديداً في التأليف، أو في شرح المعاني الجديدة كالحرية والتنمية والحضارة من خلال بيان أحكام الإسلام فيها فهذا تجديد محمود.

التجديد الذي يراد به إضافة مقاصد جديدة لتكون كالمقاصد الشرعية السابقة يحتاج لأن تكون مقاصده ثابتة منضبطة مطردة مستقرأة من نصوص الشريعة وهو ما لا يوجد في هذه المقاصد.

المعاني المجملة لا يمكن أن تكون مقاصد شرعية؛ لأنها تحمل حقاً وباطلاً فمثل هذا لا يكون أصلاً.

لم يكن أحد من الأئمة الفقهاء يرد حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا عذر.

الحكم بالعذر للمجتهد الذي رد حديثاً صحيحاً لا يجعل رد الحديث عذراً لمن رده لغير سبب كتقليد مع علمه بالحديث.

تعظيم الفتيا سبيل عظيم لتعزيز التسليم في النفوس، وضمان لقطع الوسائل التي تضعفه.

الخلاف ليس حجة شرعية يحول دون الإلزام باتباع ظواهر النصوص، فوجود الخلاف بحد ذاته ليس مسوغاً لترك العمل بالحديث.

لا يجوز اختيار الأقوال بالترخص أو التشهي أو الميل إلى أخف القولين.

لا يجوز الحكم أو الترجيح بناء على الأهواء والرغبات.

يحرم التساهل في الفتيا واستفتاء من عرف بذلك.

يجب الحذر من زلة العلماء وعدم الاعتداد بها.

النظر في كلام المختلفين من الفقهاء يظهر للمسلم كافة السنن المشروعة.

المسائل الفقهية لا تؤدي إلى الفرقة والاختلاف؛ لأنها من الدين فتؤدي للاجتماع والألفة، والخلاف والتفرق إنما يكون مع المسائل البدعية؛ لأنها ليست من الدين.

الإعذار للمجتهدين أو المتأولين يختلف عن الحكم على القول أو الإنكار عليه أو عقوبة صاحبه.

لا يشترط في الدليل أن يكون قطعي الثبوت أو قطعي الدلالة.

لا إنكار في مسائل الخلاف الاجتهادية التي لم يرد فيها نص صحيح ظاهر.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.