مختصر الجواب الصحيح لمن بدل الدين المسيح
كتاب [الجواب الصحيح] هو ردٌّ على رسالةٍ لأسقف صيدا: بولس الأنطاكي، وهو من أتباع الطائفة الملكَانِيَّة، وسبب اهتمام ابن تيمية رحمه الله بالرَّدِّ على هذه الرسالة، أنَّها تُعَدُّ عمدة في الاحتجاج لصحة دينهم، وأنَّها مما يعتمد عليه علماؤهم في ذلك الزَّمْن. ولَـمَّا كان الكتاب كبير الحجم، وفيه استطراداتٌ كثيرةٌ، وعدد من المختصين لَـمْ يقرَأْه بسبب حجمه، وتعدد مُجلَّدَاته، وكثرة صفحاته، رأى الدكتور عبد الرحيم السلمي اختصاره وتهذيبه ليتمَكَّنَ المتخصص من الاطلاع على جوهره الثمين، ومعدنه النفيس.
مختصر الجواب الصحيح لمن بدل الدين المسيح
لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661-728هـ)
اختصره وهذبه/ د. عبد الرحيم بم صمايل السلمي
حكَّمه وراجعه:
أ.د. محمد بن عبد الله الشرقاوي
أ.د. سعود بن عبد العزيز العريفي
[مقدمة المختصر]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإنَّ الله تعالى بعث نبيه محمَّدًا ﷺ بإفراد العبادة له تعالى والبراءة من الشِّـرْك، وهو الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء كافة؛ يقول تعالى ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل:36]، ويقول تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴾ [البقرة:136-137]، فهذا هو الدِّين المشترك والإيمان الجامع بين الأنبياء، وقد جَعَلَ الله تعالى ما بعث به نبيه ﷺ خَتْم النبوَّات وانتهاء الرِّسَالات؛ لأنَّه جامع للعدل والفَضْل في شرائعه وأحكامه.
وقد بشَّـرَ الله تعالى بالنبي المصطفى في الكتب الإلهية التي أنزلها على أنبيائه، ولكن أهل الكتاب لم يستقِيْمُوا على ما تضَمَّنَتْهُ التوراة والإنجيل من العقائد والشـرائع والبشارات، وقاموا بتحريفها وتبديلها لفظًا وتأويلًا، ولما جاء الرَّسُول الكريم بالوحي بشيرًا ونذيرًا كانوا أول كافر به بغيًا وعُدْوانًا وضلالًا وغيًّا.
وقد دعا الرَّسول الكريم أهل الكتاب إلى التوحيد والإيمان والهداية، ونزلت آيات كثيرة في القرآن تُبيِّن حالهم وصفاتهم وكفرهم وتحريفهم وتبديلهم، وناظر وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة ونزل فيهم صدر سورة آل عمران، وقاتلهم في غزوة تبوك، واستمر العداء والقتال إلى اليوم.
والصِّـرَاع بين المسلمين وأهل الكتاب مستمِرٌّ إلى قيام الساعة، كما تدُلُّ على ذلك السُّنَّة النبوية، وأحاديث الملاحم مع الروم -قبل الساعة- ثابتة في الصحيح، وهي متواترة تواترًا معنويًّا، وفي ختامها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام حَكَمَاً عَدْلًا مُقْسِطًا، فيكسِـرُ الصَّلِيْبَ، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكُمُ بالشـريعة المحمدية الغرَّاء، ويؤمن حينئذٍ مَن كفر مِن أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ﴾ [النساء:159].
وقد تراجع دور النصارى السِّياسي في هذا الزَّمَان بعد الصِّـرَاع العنيف مع العلمانية والمذاهب الإلحادية، ولكن الاعتقاد الكهنوتي لا يزال حيًّا في العصبية الدينية، وتنامي الأصولية الإنجيلية، وتأثيرها في العقل الغربي وأثرها في اتخاذ القرار السِّياسي، ولهذا فإنَّ التنصير من أهم أدوات الاستعمار العلماني في العصـر الحديث، فالعلمانية تعني التحلل مِن الالتزام بالعقائد الدينية، لكِنَّها لَـمْ تتخلَّ عن الانتماء للهوية النصـرانية تاريخًا وفِكْرًا واعتقادًا.
وفي التاريخ الإسلامي حصل جدال ديني كبير مع أهل الكتاب، وكَتَبَ كثيرٌ من علماء المسلمين عددًا من الكتب في الرَّدِّ على النَّصَارى، وقد صَنَّفَ عدد من المعتزلة كالجاحظ والقاضي عبد الجبار الهمداني، وأيضًا كتَبَ الأشاعرة عددًا مِن المصنَّفَاتِ في الرَّدِّ على عقائد النَّصَارى كالقاضي الباقلاني، والشهرستاني، والباجي، والقرافي وغيرهم.
ولكن من أفضل الردود على النَّصَارى، وأقواها حُجَّةً، وأصحها منهجًا؛ كتاب: [الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح]، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت: 728هـ) وهو كتاب جليل القَدْرِ، عظيم النَّفْعِ، فيه إظهار لحقيقة الإسلام والدفاع عنه بمنهج سليم غير مخلوط بالبِدَع كما في كتب المتكلمين في ردودهم على النَّصَارى.
فردود المتكلمين على النَّصَارى فيها فائدة كبيرة؛ ولكن فيها تقريرات مخالفة لمنهج السلف في الاعتقاد، وفيها أيضًا: قصور في مناقشة عقائد النَّصَارى؛ لأنَّ ردودهم مبنية على التأصيل الكلامي المبتَدَعِ للعقائد. فلا يردون على النَّصَارى إلا فيما يُعْلَمُ بالعقل مثل: التكذيب بنبوة محمَّدٍ ﷺ والتثليث، ولا يناظرونهم في غير هذا لاعتقادهم أنَّ هذه هي أصول الدِّين، وهذا فيه تقصير ومخالفة لطريقة القرآن، فإنَّ الله تعالى بيَّن في كتابه ما خالفوا به الأنبياء وذمهم على هذا دون تقييد بما يُعْلَمُ بالعقل.
وقد تميَّز [الجواب الصحيح] بقوة مَنْهَجه ودِقَّةِ معلومَاته، ومناقشة النَّصَارى بالنقل والعقل، وفيه بيان تناقضاتهم وبطلان احتجاجاتهم، وإظهار تحريفاتهم وتأويلاتهم الفاسدة.
ويتضَمَّن الكتاب نصوصًا نادرة ونفيسة لَـمْ تعُدْ موجودة اليوم مثل بعض الفقرات من رسالة بولس الأنطاكي لَـمْ تُنْشَـرْ، ورسالة الحسن بن أيوب، وهي رسالة متينة في الجدل العقدي والحجاج الديني، ورسالة ابن البطريق في التاريخ الديني للنصـرانية، والتطورات الفكرية التي طرأت عليها.
وكتاب [الجواب الصحيح] هو ردٌّ على رسالةٍ لأسقف صيدا: بولس الأنطاكي، وهو من أتباع الطائفة الملكَانِيَّة، وسبب اهتمام ابن تيمية رحمه الله بالرَّدِّ على هذه الرسالة، أنَّها تُعَدُّ عمدتهم في الاحتجاج لصحة دينهم، وأنَّها مما يعتمد عليه علماؤهم في ذلك الزَّمْن، ويتناقلونها فيما بينهم، ويعتمدون على ما ورد فيها من حجج سمعية وعقلية، وقد ردَّ الإمام القرافي (ت: 682هـ) على رسالة بولس الأنطاكي السابقة بكتابه: [الأجوبة الفاخرة في الرَّدِّ على الأسئلة الفاجرة]، وهذا يدُلُّ على أهميتها ومدى تأثيرها. ويقول الدكتور ديفيد توماس في أهمية رسالة بولس الأنطاكي: (ربما كانت هذه الرِّسَالة أعمق وأقوى رسالة في تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية).
ولَـمَّا كان كتاب: [الجواب الصحيح] كبير الحجم، وفيه استطراداتٌ كثيرةٌ، وعدد من المختصين لَـمْ يقرَأْه بسبب حجمه وتعدد مُجلَّدَاته وكثرة صفحاته، حتَّى بعض المهتمين بالجَدَل الدِّيني مع النَّصَارى لَـمْ يقرَأْه كاملًا، فضلًا عن استثماره في مجال اهتمامهم، من أجل ذلك رأيتُ أن أقوم باختصاره وتهذيبه ليتمَكَّنَ المهتمون من الاطلاع على جوهره الثمين، ومعدنه النفيس.
والاختصار يهدف إلى تمكين طلاب العلم من قراءة لُبِّ الكتاب ومقصده الأساسي، وحذف الاستطراد والتكرار والتطويل في عرض الروايات المتكررة في مضمونها، وخدمة النص بالعناوين والتخريجات والتعليقات الضـرورية وترتيب ما يحتاج إلى ترتيب مع عدم المساس بالترتيب الأصلي للكتاب، والمحافظة على لفظ المؤلف وعدم التدخل والتغيير فيه.
منهج الاختصار:
الإبقاء على نص ابن تيمية رحمه الله وألفاظه دون تغيير، وعدم التصـرُّف في لفظه إلا في مواضع يسيرة اقتضتها ضرورة الاختصار، والالتزام في الألفاظ اليسيرة التي أُضِيفَتْ أن تكون بين معقوفين [...]، وأنْ تكون الإضافة من جنس لفظ ابن تيمية.
تجريد الكتاب مما ليس له صلة مباشرة بالردِّ على النَّصَـارى، وتجريده أيضًا من التكرار والاستطرادات، وكثرة الشواهد والبِشَارات ووجوه الرد؛ مما لا يؤثر حذفه على أفكار الكتاب الأساسية، ومتانة الرَّد.
أما التكرار؛ ففي مواضع -ليست بالكثيرة- يُكرر فيها ابن تيمية فـــــــكرة قد تكلَّم عنها من قبل، فإن ذُكِرَتْ هذه الفكرة المكرَّرة في سياق جديد؛ كأن تُذْكَر استدلالًا على أمرٍ لم يُذْكَر من قَبْل؛ فإنَّ هذا الموضع المكرَّر يُبْقى، أمَّا إن كان التكرار في أمرٍ قد ذُكِرَ من قبل، أو لا يؤثِّر حذفه على شيء من أفكار الكتاب الأساسية؛ فحينئذٍ يُسْتَغْنَى عنه.
أما الاستطرادات؛ فقد تم الاستغناء عمَّا ليس له صلة بالرد على النَّصَارى مثل: نقل الروايات الطويلة بأسانيدها، أو الأحداث والأخبار التاريخية، ونحوها.
أما الشواهد القرآنية؛ فقد تم الاكتفاء ببعض الآيات مما يدور كلام ابن تيمية عليه، وبقية الشواهد تُذْكَر مواضعها في الحاشية.
أمَّا الشواهد النبوية؛ فقد تم الاكتفاء عمومًا في المواضع التي يُورِدُ فيها ابن تيمية أكثر من حديثٍ بما ورد في الصحيحين، أو بالحديث الذي هو شاهد الفِكرة الأساسية إن كان مَرْويًّا خارجهما، وقد أكثر ابن تيمية رحمه الله في خاتمة الكتاب في موضوع دلائل النبوة من سَوْقِ الأحاديث، فكان المنهج فيها: الإبقاء على أحاديث الصحيحين، وبعض الأحاديث من خارجهما مما دلالته على المعنى أظهر وأقوى.
أمَّا بشارات الكتب السابقة لنبينا محمَّدٍ ﷺ؛ فقد تم الإبقاء على الشواهد الظاهرة من التوراة ذات الدِّلَالة الواضحة، أمَّا شواهد الإنجيل فتمَّ الإبقاء عليها كاملة؛ وذلك لأن ابن تيمية أوردها متتابعة ثمَّ علَّق عليها بتعليق واحد، ولو تمَّ الاستغناء عن بعضها لحدث خلل واضطراب في المختصـر.
أمَّا أوجه الرد؛ فإنَّه في مواضع يسيرة يُطيل ابن تيمية في الرد على فكرة بأكثر من عشرة أوجه، بل تصل أحيانًا إلى قرابة العشـرين، وقد يكون بين هذه الوجوه بعض التداخل والتكرار، ولضـرورة الاختصار اقتصـرنا على بعض الأوجه دون بعض، وكان الشَّـرْط في الاقتصار على بعضها أن تكون الأوجه في الرد ظاهرة النَّقض ومباشرة، وأن فكرة الرد في هذا الوجه غير مكررة أو متداخلة مع الوجوه الأخرى، وفي أحيان أخرى نُبْقي على كامل الوجوه، لكن باختصارها إن كانت قابلة للاختصار.
تنظيم المادة وترتيبها، وذلك بالتقديم والتأخير عند الضـرورة، وهذا في مواضع يسيرة جدًّا، إمَّا اثنين أو ثلاثة اقتضتها ضرورة الاختصار ليكون مُتَّسِقًا خاليًا من التكرار.
وضع عناوين للفصول في أماكنها المناسبة من الكتاب، وتحديد الفصول هو في الأصل من عمل ابن تيمية، فإنَّه ذكر في بداية الكتاب أنَّ مضمون رسالة بولس الأنطاكي يقع في ستة فصول، وعنونها ابن تيمية من عنده بعناوين شارحة للمعنى والفكرة في أوَّل الكتاب، لكنَّه لَـمْ يلتزم وضعها داخل الكتاب في أماكنها قبل نصوص رسالة بولس، فتم وضع هذه الفصول الستة في أماكنها المناسبة من الكتاب وجعلها بين قوسين معقوفين [...].
وضع بعض العناوين المناسبة في متن الكتاب لتكون المادة منكشفة لدى القارئ ومرتبة، وهذه العناوين كلها موضوعة بين قوسين معقوفين [...]، كما تمَّ وضع بعض العناوين الجانبية لتكون مُعينة على القارئ لفهم فحوى الفِكْرة الكُلِّيَّة.
الالتزم بوضع شكلين من أشكال التعداد النقطي:
الأول: الدائرة السوداء : للدلالة على بداية النصِّ الجديد الكامل من رسالة بولس؛ لأن ابن تيمية يورد نصًّا طويلًا من رسالة بولس، ثم يجزئه إلى نصوص صغيرة ينقد كل جزء على حدة، فنضع الدائرة عند بداية كل نص جديد متكامل.
الثاني: الشـرطة (-): للدلالة على تعداد بعض أوجه الرد، وما في حكمها.
تخريج كل النصوص النبوية في موضعها وإن تعدد إيرادها، ولم نُحِلْ في تخريج الأحاديث المكررة على موضع تخريجها الأول، بل نذكر تخريجه مرَّةً أخرى.
الإحالة إلى جميع نصوص رسالة بولس المنقولة في الكتاب إلى رسالته المطبوعة والتي هي ضمن دراسة مطولة باللغة الفرنسية نُشِـرَت في باريس عام (1903م) بعنوان: (REVUE DE ĽORIENT CHRÉTIEN) الشَّـرْق المسيحي. وإذا كان النص المنقول من رسالة بولس غير موجود في رسالته المطبوعة -وهذا في مواضع يسيرة- نبَّهنا على ذلك في الحاشية.
تم الاعتماد في هذا المختصـر على النَّصِّ المحقِّق للكتاب الصادر عن مركز التأصيل للدِّراسات والبحوث، الطبعة الأولى: 1441هـ - 2019م.
اعتمدنا في إثبات الآيات القرآنية على ما اعتمد عليه المحقِّقون، حيث أثبتوا قراءة أبي عمرو البصري كما هو مُثبَتٌ في النُّسَخِ الخَطيَّة.
تصحيح بعض الأخطاء النَّحْوية الظاهرة، وتصحيح بعض الأخطاء اللفظية البيِّنَة، وقد نبَّهنا على ما ورد في الأصل المحقَّق في الحاشية، ووضعنا التعديل اللفظي بين قوسين معقوفين [...].
وأخيـرًا:
فإنَّنِي أشكر الله تعالى أولًا وآخرًا على توفيقه في إتمام هذا العمل، وأشكر كل من قَدَّم خدمة في هذا الاختصار، وأشكر الإخوة الكرام في مركز التأصيل وخاصة الأستاذ نادر بن محمد باوزير على ما بذله من خدمات علمية وفنية وإدارية كان لها أثر كبير في هذا العمل.
كما أشكر المحكِّمَين الفاضلين:
أ.د. محمد بن عبد الله الشـرقاوي.
أ.د. سعود بن عبد العزيز العريفي.
على ما قَدَّماه من ملحوظات ومقترحات مفيدة، عادت على المختصـر بمزيدٍ من الجودة والإتقان.
وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الأجر والثواب، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يبارك لنا فيه، ويجعله من العلم النافع الباقي وهو السميع العليم.
د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي
مختصر الجواب الصحيح لمن بدل الدين المسيح
لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661-728هـ)
اختصره وهذبه
د. عبد الرحيم بم صمايل السلمي
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله محمد رسول الله
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿٢﴾ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة:2-4].
و ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ﴾ ([1]) [الأنعام:1].
والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحي القيوم، الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، ﴿لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة:255].
الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، ﴿ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ﴾ [الحشر:23]. ﴿ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الحشر:24].
وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليُظْهِرَهُ على الدِّين كله، وكفى بالله شهيدًا.
أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
أرسله إلى جميع الثقلين، الجن والإنس، عربهم وعجمهم، أمِّيِّهم وكتابيِّهم، وأنزل عليه ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:23].
كتابٌ أنزله إليه ليُخرِج النَّاس من الظُّلمات إلى النُّور بإذن ربهم، ويهديهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:1-2].
هداهم به ﴿إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ﴿٥٢﴾ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:53]. وهو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيِّين، والصِّدِّيقين، والشُّهدَاءِ، والصَّالحين.
وقد خصَّ الله تعالى محمدًا ﷺ بخصائص ميَّزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شِرْعةً ومنهاجًا أفضلَ شِرْعةٍ وأكملَ منهاجٍ مبين.
كما جعل أمَّته خير أمَّةٍ أُخرِجت للنَّاس، فهم يُوفُون سبعين أمَّةً؛ هُمْ خيرُها وأكرمها على الله من جميع الأجناس.
هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ قبلهم، وجعلهم وسطًا عَدْلًا خيارًا، فهم وَسَطٌ في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برُسُلِهِ، وكُتُبِهِ، وشرائع دينه، من الأمر والنَّهي، والحلال والحرام.
فأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأحلَّ لهم الطيبات، وحرَّم عليهم الخبائث.
لَـمْ يُحرِّم عليهم شيئًا من الطيبات كما حرَّم على اليهود، ولم يحِلَّ لهم شيئًا من الخبائث كما استحلَّتها النَّصَارى.
ولَـمْ يُضَيِّقْ عليهم باب الطهارة والنَّجَاسَة كما ضيَّق على اليهود، ولَـمْ يُرْفَع عنهم طهارة الحدث والخبَث كما رفعَتْهُ النَّصَارى، فلا يُوجِبُونَ الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة، ولا اجتنابَ النَّجَاسَة في الصلاة، بل يَعُدُّ كثيرٌ من عُبَّادهم مباشرةَ النجاسات من أنواع القُرَب والطاعات، حتى يُقَال في فضائل الراهب: «له أربعون سنةً ما مسَّ الماء»، ولهذا تركوا الختان مع أنَّهُ شَرْعُ إبراهيم الخليل عليه السلام وأتباعه.
واليهود إذا حاضت عندهم المرأة لا يُؤَاكِلُونَها، ولا يُشَارِبُونَها، ولا يقعدون معها في بيتٍ واحد، والنَّصَارى لا يُحرِّمُون وطء الحائض.
وكان اليهود لا يرون إزالة النَّجَاسَة، بل إذا أصاب ثوبَ أحدهم قَـرَضه بالمقراض، والنَّصَارى ليس عندهم شيءٌ نجسٌ يحرُم أكله أو تحرُم الصلاة معه.
وكذلك المسلمون وسطٌ في الشريعة؛ فلم يجحَدُوا شرعَهُ النَّاسِخَ لأجل شَرْعِهِ المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيَّروا شيئًا من شَرْعِهِ المحْكَم، ولا ابتدعوا شرعًا لَـمْ يأذن به الله كما فعلت النَّصَارى.
ولا غَلَوْا في الأنبياء والصالحين كغلوِّ النَّصَارى، ولا بخسوهم حقوقَهم كفعل اليهود.
ولا جعلوا الخالقَ سبحانه متَّصِفًا بخصائص المخلوق ونقائصه ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود، ولا المخلوقَ متَّصِفًا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيءٌ كفعل النَّصَارى.
ولَـمْ يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود، ولا أشركوا بعبادته أحدًا كفعل النَّصَارى.
وأهل السُّنَّة والجماعة في الإسلام؛ كأهل الإسلام في أهل المِلَل([2]).
فجمَع الله لأمته بخاتم المرسلين، وإمام المتقين، وسيِّد ولد آدم أجمعين، ما فرَّقه في غيرهم من الفضائل، وزادهم من فضله أنواع الفواضل، بل آتاهم كِفْلَين من رحمته، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٢٨﴾ لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الحديد: 28 - 29].
وفي [الصَّحيحين] عن ابن عمر وأبي موسى عن النبي ﷺ أنَّه قال: (إِنَّما أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْـرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا؛ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟، فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟. فَعَمِلَتِ النَّصَارى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلي صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْـرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؟. أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْـرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أَلَا لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ. فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى؛ فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا، وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟. قَالُوا: لَا. قَالَ الله: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ)([3]).
أمَّا بعد؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى جعل محمَّدًا ﷺ خاتم النبيِّين، وأكمل له ولأمَّته الدِّين، وبعثَهُ على حين فترةٍ من الرُّسُل، وظهور الكفر، وانطماس السُّبل، فأحيا به ما دَرَس من معالم الإيمان، وقمع به أهل الشِّـرْك والكفر من عبَّاد الأوثان والنِّيران والصُّلبان، وأذلَّ به كفَّار أهل الكتاب أهل الشَّكِّ والارتياب، وأقام به منار دينه الذي ارتضاه، وشاد به ذكر من اجتباه من عباده واصطفاه، وأظهر به ما كان مخفيًّا عند أهل الكتاب، وأبان به ما عَدَلُوا فيه عن منهج الصواب، وحقَّق به صدق التوراة والزَّبور والإنجيل، وأماطَ به عنها ما لُبِس بحقِّها من باطل التَّحريف والتبديل.
وكان من سنَّة الله تبارك وتعالى مُوَاترةُ الرُّسُل، وتعميمُ الخلق بهم، بحيث يبعَث في كلِّ أمةٍ رسولًا؛ ليُقِيم هُدَاهُ وحجَّتَه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ﴾ [فاطر: 24]، وقال عالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: 44].
[الإسلام دين الأنبياء]
فدين الأنبياء والمرسلين دينٌ واحدٌ، وإن كان لكُلٍّ من التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاج؛ ولهذا قال ﷺ في الحديث المتَّفق على صحته، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: (إِنَّا مَعَاشِرَ الأنبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِـيٌّ) ([4]).
فدين المرسلين يخالف دين المشركين الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا؛ قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ﴿٣٠﴾ ۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ﴿٣١﴾ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [الروم:30-32].
[فـكان] دينُه الذي ارتضاه لنفسه هو دينُ الإسلام؛ الذي بَعَثَ الله به الأَوَّلِين والآخرين من الرُّسُل، ولا يقبل من أحدٍ دينًا غيره لا من الأَوَّلِين ولا من الآخرين. () وانظر بقية آيات الحمد: [الإسراء: 111]، و[سبأ: 1-2]، و[فاطر: 1-2].
وهو دينُ الأنبياء وأتباعهم كما أخبر الله بذلك عن نوحٍ ومن بعده إلى الحواريين، قال تعالى: ﴿۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿٧١﴾ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [يونس:71-72]. وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ ([5]) [المائدة:111].
فهذا دينُ الأَوَّلِين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام؛ وهو: عبادة الله وحده لا شريك له.
وعبادته تعالى في كلِّ زمانٍ ومكانٍ: بطاعة رُسُلِهِ عليهم السلام ؛ فلا يكون عابدًا له مَن عبده بخلاف ما جاءت به رُسُلُهُ، كالذين قال فيهم: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21].
فلا يكون مؤمنًا به إلا من عبده بطاعةِ رُسُلِهِ، ولا يكون مؤمنًا به ولا عابدًا له إلا مَن آمن بجميع رُسُلِهِ وأطاع مَن أُرْسِل إليه، فيُطَاعُ كلُّ رسولٍ إلى أنْ يأتي الذي بعده، فتكون الطاعةُ للرَّسُول الثاني، ومن يُطِعِ الرَّسُول فقد أطاع الله، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء: 64].
ومن فرَّق بين رُسُلِهِ، فآمن ببعضٍ وكَفَرَ ببعضٍ كان كافرًا؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿١٥٠﴾ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ﴿١٥١﴾ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ﴾ [النساء: 150 - 152].
[أسباب ظهور الدِّين واستمراره]
فلما كان محمدٌ ﷺ خاتم النبيين، ولَـمْ يكُن بعده رسولٌ ولا مَن يُجدِّد الدِّين، لَـمْ يزل الله سبحانه وتعالى يُقِيْمُ لتجدِيْدِ الدِّين من الأسباب ما يكون مُقتضيًا لظُهورِه، كما وعد به في الكتاب، فيَظْهَرُ به محاسن الإيمان ومحامده، ويُعْرَفُ به مساوئ الكفر ومفاسده.
ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدِّين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهور المعارِضين لهم من أهل الإفك المبين؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ﴿١١٢﴾ وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ﴿١١٣﴾ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ﴿١١٤﴾ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 112 - 115].
وذلك أنَّ الحقَّ إذا جُحِد وعُورِض بالشبهات، أقام الله تعالى له ممَّا يُحِقُّ به الحقَّ ويُبْطِلُ به الباطل من الآيات البينات، بما يظهره من أدلة الحقِّ وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الدَّاحضة([6]).
فالدِّين الحقُّ كلما نظَر فيه الناظِر، وناظَر عنه الـمُنَاظِر، ظهرت له البراهين، وقَوِيَ به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين.
والدِّينُ الباطلُ إذا جادل عنه المجادِل، ورام أن يُقِيم عودَه المائل، أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحقِّ على الباطل فيَدْمَغُه فإذا هو زاهِق، وتبيَّن أنَّ صاحبَهُ الأحمق كاذبٌ مائق، وظهر فيه من القُبْحِ والفساد، والحلول والاتِّحاد، والتناقض والإلحاد، والكفر والضلال، والجهل والـمُحَال؛ ما يظهر به لعموم الرجال أنَّ أهله مِن أضلِّ الضُّلَّال، حتى يظهر فيه من الفساد ما لَـمْ يكُن يعرفه أكثـرُ العباد، ويتنبَّه بذلك من سِنَـة الرُّقاد مَن كان لا يُميِّز الغيَّ من الرَّشاد، ويحيا بالعلم والإيمان من كان ميِّت القلب لا يعرِف معروفَ الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، ولا ينكِر منكرَ المغضوب عليهم والضَّالِّين.
فإنَّ ما ذمَّ الله به اليهود والنصارى في كتابه، مثل تكذيب الحقِّ المخالف للهوى، والاستكبار عن قبوله، وحسد أهله، والبغي عليهم، واتباع سبيل الغيِّ، والبخل، والجبن، وقسوة القلب، ووَصْفِ الله تعالى بمثل عيوب المخلوقين ونقائصهم، وجَحْدِ ما وصفَ به نفسه من صفات الكمال المختصَّة به التي لا يماثله فيها مخلوق، وبمثل الغلوِّ في الأنبياء والصالحين، والإشراك في العبادة لربِّ العالمين، والقولِ بالحلول والاتحاد الذي يجعل العبدَ المخلوق هو ربُّ العباد، والخروجِ في أعمال الدِّين عن شرائع الأنبياء والمرسلين، والعمل بمجرَّد هوى القلب وذوقِه ووَجْدِه في الدِّين، من غير اتباع العلم الذي أنزله الله في كتابه المبين، واتخاذِ أكابر العلماء والعبَّاد أربابًا يُـتَّـبَعون فيما يبتدعونه من الدِّين المخالف للأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، ومخالفةِ صريح المعقول وصحيح المنقول بما يُظَنُّ أنه من التنزُّلات الإلهية، والفتوحات القُدسيَّـة، مع كونه من وساوس اللعين، حتَّى يكون صاحبها ممن قال الله فيه: ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ﴾ [الأعراف: 179]، إلى غير ذلك من أنواع البدع والضلالات التي ذمَّ الله بها أهل الكتابَـيْن؛ فإنها ممَّا حذَّر الله منه هذه الأمة الأخيار، وجعل ما حلَّ بأهلها عبرةً لأولي الأبصار.
وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّه لا بُدَّ مِن وقوعها في بعض هذه الأُمَّة، وإنْ كان قد أخبر ﷺ أنَّه لا يَزَالُ في أمته أمةٌ قائمةٌ على الحقِّ، لا يضـرُّهم مَن خالفهم ولا مَن خذَلَهم حتى تقوم الساعة، وأنَّ أُمَّتَهُ لا تجتمع على ضلالة([7])، ولا يغلبها مَن سواها مَن الأمم، بل لا تزال ظاهرةً منصورةً متَّبعةً لنبيِّها المهديِّ المنصور([8])، لكن لا بُدَّ أنْ يكون فيها من يتَّبع سُنَنَ اليهود والنَّصَارى، والروم والمجوس، كما في [الصَّحيحين] عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنَّه قال: (لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّة بِالقُذَّة، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ؛ قَالُوْا: يَا رَسُوْلَ الله، اليَهُودُ والنَّصَارى؟!، قَالَ: فَمَنْ؟!) ([9]).
وفي [الصَّحيحين] أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لَتَأَخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ الأُمَمِ قَبْلَهَا شِبْـرًا بِشِبْـرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، قَالُوا: يَا رَسُوْلَ الله، فَارِسَ وَالرُّوْمَ؟، قَالَ: «فَمَنِ النَّاسُ إلا أُولَئِكَ؟!) ([10]).
[سبب تأليف الكتاب ومنهجه]
وكان من أسباب نصـر الدِّين وظهوره أنَّ كتابًا ورد من قبرص، فيه الاحتجاج لدين النَّصَارى بما يحتجُّ به علماء دينهم وفضلاء ملَّتهم قديمًا وحديثًا من الحجج السَّمعية والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصُل به فصلُ الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب؛ لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهَر ما بَعَثَ الله به رسله من الميزان والكتاب.
وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلًا فصلًا، وأُتْبِـعُ كلَّ فصلٍ بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا، وعَقدًا وحَلًّا.
وما ذكروه في هذا الكتاب هو عُمْدَتُهم التي يعتمِد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان، وقبل هذا الزمان، وإنْ كان قد يزيد بعضهم على بعض بحسب الأحوال؛ فإنَّ هذه الرِّسَالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك، ويتناقلها علماؤهم بينهم، والنُّسَخ بها موجودةٌ قديمة، وهي مضافةٌ إلى بولص الرَّاهب أُسْقُف صَيْدا الأنطاكي([11])، كتبها إلى بعض أصدقائه، وله مصنفاتٌ في نصـر النَّصْـرَانِـيَّة، وذكر أنَّه لَـمَّا سافر إلى بلاد الرُّوم والقسطنطينيَّـة وبلاد المَلافطة([12]) وبعض أعمال الإفرنج ورُومِيَـة، واجتمع بأَجِلَّاء أهل تلك الناحية، وفاوَضَ أفاضلهم وعلماءهم([13]).
وقد عظَّم هذه الرِّسَالة، وسمَّاها: «الكتاب الـمَنْطِيقي الدولة خاني الـمُبَـرْهِن عن الاعتقاد الصَّحيح والرأي المستقيم»([14]).
ومضمون ذلك ستَّـة فصول:
الفصل الأول: دعواهم أنَّ محمدًا ﷺ لَـمْ يُبْعَث إليهم، بل إلى أهل الجاهلية من العرب، ودعواهم أنَّ في القرآن ما يدلُّ على ذلك، والعقل يدلُّ على ذلك. () ذكر ابن تيمية رحمه الله في بيان وسطية أهل السنة بين الفرق؛ وسطيتهم في: إثبات الصفات، وفي الموقف تجاه القَدَر والشَّـرْع، ومسألة الفاسق الملِّي، والموقف من أصحاب رسول الله ﷺ، انظر: الجواب الصحيح (1/13-14).
والفصل الثاني: دعواهم أنَّ محمدًا ﷺ أثنى في القرآن على دِيْنهم الذي هم عليه، ومدَحه بما أوجب لهم أن يثْـبُـتُوا عليه.
والفصل الثالث: دعواهم أن نبوَّات الأنبياء المتقدِّمين، كالتَّوراة والزَّبور والإنجيل وغير ذلك من النبوَّات، تشهد لدِيْنهم الذي هم عليه من الأقانيم والتثليث والاتِّحاد وغير ذلك؛ بأنه حقٌّ وصواب، فيجب التمسُّك به، ولا يجوز العدول عنه؛ إذا لَـمْ يُعَارِضْهُ شرعٌ يرفعُه، ولا عقلٌ يدفعُه. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2271)، (3459).
والفصل الرابع: فيه تقريرُ ذلك بالمعقول، وأنَّ ما هم عليه من التثليث ثابتٌ بالنظر المعقول، والشرع المنقول، موافقٌ للأصول.
والفصل الخامس: دعواهم أنَّهم موحِّدون، والاعتذار عما يقولونه من ألفاظٍ يَظْهَرُ منها تعدُّد الآلهة -كألفاظ الأقانيم- بأنَّ ذلك من جنس ما عند المسلمين من النصوص التي يَظْهَرُ منها التشبيه والتجسيم.
والفصل السادس: أنَّ المسيح عليه السلام جاء بعد موسى عليه السلام بغاية الكمال، فلا حاجة بعد النهاية إلى شرعٍ يزيد على الغاية، بل يكون ما بعد ذلك شرعًا غير مقبول.
ونحن -ولله الحمد والمنَّة- نُبيِّن أنَّ كل ما احتجُّوا به من حُجَّةٍ سمعيَّـة مِن القرآن، أو مِن الكتب المتقدِّمة على القرآن، أو عقليَّة؛ فلا حُجَّةَ لهم في شيءٍ منها، بل الكُتُبُ كُلُّها مع القرآن والعقل؛ حُجَّةٌ عليهم لا لهم، بل عامَّة ما يحتجُّون به مِن نصوص الأنبياء، ومن المعقول؛ فهو نفسه حُجَّةٌ عليهم، ويظهَر منه فسادُ قولهم مع ما يُفْسِدُه من سائر النُّصوص النبوية، والموازين التي هي مقاييسُ عقلية. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3442). ومسلم في "صحيحه" برقم: (2365).
ونبيِّن إنْ شاء الله أنَّ ما عليه النَّصَارى من التثليث والاتِّحاد لَـمْ يَدُلَّ عليه شيءٌ من كُتُبِ الله، لا الإنجيل ولا غيره، بل دَلَّت على نقيض ذلك، ولا دلَّ على ذلك عقل، بل العقل الصَّريح مع نصوص الأنبياء تدلُّ على نقيض ذلك، بل وكذلك عامَّة شرائع دينهم مُحدَثةٌ مُبْتَدعةٌ لَـمْ يشرعها المسيح عليه السلام.
ثُمَّ التكذيب لمحمدٍ ﷺ هو كفرهم المعلوم لكلِّ مسلم، مثل كفر اليهود بالمسيح عليه السلام وأبلغ، وهم يبالغون في تكفير اليهود بأعظم ممَّا يستحقُّه اليهود مِن التكفير، لكنَّ النَّصَارى وإن بالغوا في تكفير اليهود ومعاداتهم على الحدِّ الواجب عمَّا ابتدعوه من الغلوِّ والضلال، فلا ريب أنَّ اليهود لما كذَّبوا المسيحَ صاروا كفَّارًا، كما قال تعالى للمسيح: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ [آل عمران: 55]، وقال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [الصف: 14].
وكفرُ النَّصَارى بتكذيب محمَّدٍ ﷺ وبمخالفة المسلمين أعظمُ من كفر اليهود بمجرَّد تكذيب المسيح؛ فإنَّ المسيح لَـمْ ينسَخ مِن شرع التوراة إلا قليلًا، وسائر شرعِه إحالةٌ على التوراة، ولكنَّ عامة دين النَّصَارى أحدثوه بعد المسيح، فلم يكن في مجرَّد تكذيب اليهود له من مخالفة شرع الله ما في تكذيب النَّصَارى لمحمدٍ ﷺ، الذي جاء بكتابٍ مستقلٍّ من عند الله، لَـمْ يُحِلْ شيئًا من شرعه على شرع غيره؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ ([15]) [العنكبوت: 51]. () وانظر الآيات: عن إبراهيم عليه السلام [البقرة: 130-132]، وعن يوسف عليه السلام [يوسف: 101]، وعن موسى عليه السلام [يونس: 84]، وعن المسيح عليه السلام [المائدة: 44].
[الفصل الأول: دعوى النَّصَارى أنَّ بعثة النبي ﷺ إلى العرب خاصة]
وهؤلاء النَّصَارى ذكر كاتبُ كتابهم في كتابه([16]): أنه لما سأله سائلٌ أنْ يفْحَصَ له فحصًا بيِّنًا عمَّا يعتقده النَّصَارى المسيحيُّون المختلفة ألسنتهم، المتفرِّقة في أربع زوايا العالم، من المشرق إلى المغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، والقاطنون بجزائر البحر، والمقيمون بالبـرِّ المتَّصل إلى مغيب الشمس، وأن الأُسْقُف دَمْيَان الملَكِي الرُّومي اجتَمع بمن اجتَمع به من أجِلَّائهم ورؤسائهم، وفاوَض مَن فاوَض مِن أفاضلهم وعلمائهم، فيما عَلِمَه من رأي القوم الذين رآهم بجزائر البحر قبل دخوله إلى قبرص، وخاطبهم في دينهم وما يعتقدونه ويحتجُّون به عن أنفسهم.
قال الكاتب على لسان الأُسْقُف: (إنَّهم يقولون: إنا لـمَّا سمعنا أنْ قد ظهَر إنسانٌ من العرب اسمه محمَّد، يقول: إنَّه رسول الله، وأتى بكتابٍ فذكر أنَّه منزَّلٌ عليه من الله، فلم نزَلْ إلى أنْ حصل الكتابُ عندنا.
قال: فقلت لهم: إذا كنتم قد سمعتم بهذا الكتاب وهذا الإنسان، واجتهدتم على تحصيل هذا الكتاب الذي أتى به عندكم، فلأيِّ حالٍ لَـمْ تتَّبعوه، ولا سيما وفي الكتاب يقول: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
أجابوا قائلين: لأحوالٍ شتى.
قال: فقلت: وما هي؟
قالوا: منها: أنَّ الكتاب عربيٌّ، وليس بلساننا، حسب ما جاء فيه، يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾ [الشعراء: 195]، وقال في سورة الشعراء: ﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ﴿١٩٨﴾ فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 198 - 199]، وقال في سورة البقرة: ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151]، وقال في سورة آل عمران: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]، وقال تعالى في سورة القصص: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: 46]، وقال في سورة السجدة: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3]، وقال في سورة يس: ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [يس: 6].
قالوا: فلمَّا رأينا هذا، علمنا أنَّه لَـمْ يأتِ إلينا، بل إلى جاهلية العرب الذين قال: إنَّه لَـمْ يأتهم رسولٌ ولا نذيرٌ من قبله، وأنَّه لا يلزمنا اتباعه؛ لأننا نحن قد أتانا رسلٌ من قبله، خاطبونا بألسنتنا، وأنذرونا بديننا الذي نحن مُتمَسِّكون به يومنا هذا، وسلَّموا إلينا التوراة والإنجيل بلغاتنا، على ما يشهد لهم هذا الكتاب الذي أتى به هذا الرجل، حيث يقول في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال في سورة النحل: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36]، وقال في سورة الروم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم: 47]؛ فقد صحَّ في هذا الكتاب أنَّه لَـمْ يأتِ إلا إلى الجاهلية من العرب. () ثُمَّ أوضح ابن تيمية رحمه الله ذلك بمثالين: الأول: كيف أنَّ كفار قريش لما كذَّبوا بالقرآن، واجتهدوا في إبطاله، وعجزوا عن معارضته؛ كيف كان هذا سببًا في بيان صدق النبي ﷺ، وصحة ما جاء به. الثاني: كيف أنَّ سحرة فرعون حين عارضوا موسى عليه السلام، وأبطل الله ما جاؤوا به؛ كان هذا سببًا في بيان صدق موسى عليه السلام، وصحة ما جاء به. انظر: الجواب الصحيح (1/21-22).
وأما قوله: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، فيريد -بحسب مقتضـى العدل- قومَه الذين أتاهم بلغتهم، لا غيرهم ممَّن لَـمْ يأتهم بما جاء فيه. ونعلم أنَّ الله عدلٌ، وليس مِن عدله أنْ يُطَالِبَ يوم القيامة أمةً من الأمم باتباع إنسانٍ لَـمْ يأتِ إليهم، ولا وقَفوا له على كتابٍ بلسانهم، ولا من جهة داعٍ من قبله)([17]).
هذه ألفاظهم بأعيانها في الفصل الأول.
وهذا الفصل لَـمْ يتعرَّضُوا فيه لا لتصديقه ولا لتكذيبه، بل زعموا أنَّ في نفس هذا الكتاب أنَّه لَـمْ يقُل: إنَّه مُرْسَلٌ إليهم، بل إلى جاهلية العرب، وإنَّ العقل أيضًا يمنع أن يُرْسَل إليهم.
فنحن نبدأ بالجواب عن هذا، ونُبيِّن أنَّه ﷺ أخبر أنَّه مُرْسَلٌ إليهم وإلى جميع الإنس والجنِّ، وأنَّه لَـمْ يقُل قطُّ: إنَّه لَـمْ يُرْسَل إليهم، ولا في كتابه ما يدلُّ على ذلك، وأنَّ ما احتجُّوا به من الآيات التي غلطوا في معرفة معناها، فتركوا النُّصوص الكثيرة الصريحة في كتابه التي تُبيِّن أنَّه مُرْسَلٌ إليهم، من جنس ما فعلوه في التوراة والإنجيل والزبور وكلام الأنبياء، حيث تركوا النُّصوص الكثيرة الصـريحة، وتمسَّكوا بقليلٍ من المتشابه الذي لَـمْ يفهموا معناه. () انظر: مستدرك الحاكم رقم: (390). وجامع الترمذي رقم: (2167). () انظر: مستدرك الحاكم رقم: (390). وجامع الترمذي رقم: (2167). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (7319).
ومعلومٌ أنَّ الكلام في صدق مدَّعي الرسالة وكذِبه متقدِّم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها، وإن كان قد يُعْلَم أحدُهما قبل الآخر، لكن هؤلاء القوم ادَّعوا خصوصَ رسالته، وذكروا أنَّ القرآن يدلُّ على ذلك. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3456)، (7320). ومسلم في "صحيحه" برقم: (2669).
فنجيب عمَّا ذكروه على حسب ترتيبهم فصلًا فصلًا، فنقول وبالله التوفيق:
[18] الكلام فيمن خاطب الخلقَ بأنَّه رسول الله إليهم، كما فعل محمدٌ ﷺ وغيره ممَّن قال: إنَّه رسول الله، كإبراهيم وموسى ونحوهما من الرُّسُل الصادقين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وآل كلٍّ من الصَّالحين، وكمسيلمة الكذاب، والأسود العَنسِـيِّ، ونحوهما من المتنبِّئين الكاذبين؛ ينبني على أصلين:
أحدهما: أنْ يُعْرَف ما يقوله في خبره وأمره، فيُعْرَف ما يُخْبِـرُ به ويأمر به، وهل قال: إنَّه رسول الله إلى جميع الناس، أو قال: إنَّه لَـمْ يُرْسَل إلا إلى طائفةٍ معيَّنة لا إلى غيرها؟
والثاني: أن يُعْرَف هل هو صادقٌ أو كاذب؟ () من طائفة الروم الملكيين، اشتهر في القرن الثاني عشـر الميلادي (480هـ - 579هـ تقريبًا)، أو الثالث عشـر الميلادي (580هـ - 679هـ تقريبًا)، وقيل: القرن الثامن الميلادي (80هـ - 179هـ تقريبًا)، وله رسائل في اللاهوت والفلسفة والدفاع عن النصـرانية، طبع كثيرٌ منها. ونُشِـرت رسالته هذه في باريس مع دراسة مطولة بالفرنسية سنة 1903م، ثم حققها ودرسها بولس خوري سنة 1964م، وأعاد نشـرها مع جواب محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي عنها سنة 2012م. انظر: «المخطوطات العربية لكتبة النصرانية» للويس شيخو (69)، وتقدمته لرسالة بولس الأنطاكي «خلاصة معتقد النصارى في التوحيد والاتحاد» مجلة المشـرق (1/840، سبتمبر 1898م) = = و«تاريخ الكنيسة الملكية» ليوسف الشماس (2/96)، و«الطرفة النقية من تاريخ الكنيسة المسيحية» لعيسى أسعد الخوري (201)، و«المسيحية والحضارة العربية» لجورج قنواتي (268- 270)، و«صيدا عبر حقب التاريخ» لمنير الخوري (135). () في رسالة بولس الأنطاكي (ص413): [الملاطفة]، وهو أقرب لاسم البلدة اللاتيني: [maldavic]. انظر: «المسيحية والحضارة العربية» لجورج قنواتي (268). وهي بلدة قديمة في الجزء الجنوبي الشـرقي لأوروبا، كانت إحدى الإمارتين اللتين تتكون منهما رومانيا، وتقع اليوم بين دولتي رومانيا وأوكرانيا، وتعرف بمُلْدَافيا [maldavic]. وينسب إليها أهلها فيقال: «المَلادِفة» أو «المَلاطِفة»، أما تقديم الفاء «الملافطة» فخطأ، وكذلك وقع في «البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان» لعماد الدين الأصفهاني (81)، وهو مألوفٌ فيما يذكره العرب من أسماء البلدان الأعجمية القصيَّـة. () السياق هنا يُشعر بوجودِ سقطٍ في الكلام، ويتَّضِح المعنى من خلال رسالة بولس، حيث إنَّ المعنى: أنَّه لـمَّا سافر إلى تلك المناطق ألَّف هذه الرسالة. انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص413).
وبهذين الأصلين يتمُّ الإيمان المفصَّل، وهو معرفة صدق الرسول، ومعرفة ما جاء به. () المنطيقي: نسبة إلى المنطق، ويطلق على الجدليّ العالم بالمنطق. انظر: تكملة المعاجم (10/244). خاني: نسبة إلى «خان» من ألقاب الملوك والسلاطين. انظر: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية (157).
وأمَّا الإيمان المجمل فيحصل بالأول، وهو معرفة صدقه فيما جاء به، كإيماننا بالرُّسُل المتقدِّمة، وقد يُعْلَم صدقُه أو كذبه قبل أن يُعْلَم ما يذكره، وقد يُعْلَم ما يذكره قبل أن يُعْلَم صدقُه أو كذبه.
وهؤلاء بدؤوا في كتابهم هذا بما ذكره الرسول ممَّا زعموا أنه حجَّةٌ لهم على عدم وجوب اتباعه، وعلى مدح دينهم الذي هم اليوم عليه بعد النسخ والتبديل، ثُمَّ ذكروا حُجَجًا مُستقِلَّة على صحة دينهم، ثم ذكروا ما يقدح فيه وفي دينه؛ فلهذا قدَّمنا الجواب عمَّا احتجُّوا به من القرآن، كما قدَّموه في كتابهم.
ودلائل صدق النبي الصادق، وكذب المتنبِّي الكذاب، كثيرة ٌجدًّا، فإنَّ مَن ادَّعى النبوَّة وكان صادقًا فهو من أفضل خلق الله وأكملهم في العلم والدِّين، فإنَّه لا أحد أفضل من رُسُل الله وأنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه، وإنْ كان بعضهم أفضل من بعض، كما قال تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ﴾ [البقرة: 253]، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55]. وقال تعالى:
وإنْ كان المدَّعي للنبوة كاذبًا فهو من أكفر خلق الله وشرِّهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93]، وقال تعالى: ﴿۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴿٣٤﴾﴾ [الزمر: 32 - 34]، وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 60].
فالكذب أصلٌ للشـرِّ، وأعظمُه الكذبُ على الله عز وجل، والصدق أصلٌ للخيـر، وأعظمُه الصدقُ على الله تبارك وتعالى.
وفي [الصَّحيحين] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنَّه قال: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِـرِّ، وَإِنَّ الْبِـرَّ يَهْدِي إِلَى الْجنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ولا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا)([19]).
ولـمَّا كان هذا في أعلى الدرجات، وهذا في أسفل الدَّركات، كان بينهما مِن الفروق والدَّلَائل والبراهين التي تدلُّ على صدق أحدهما وكذب الآخر؛ ما يظهر لكل من عرف حالهما.
ولهذا كانت دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على صدقهم كثيرةً متنوعة، كما أنَّ دَلَائل كذب المتنبِّئين كثيرةً متنوعة.
[دعوى النَّصَارى أنَّ النبي ﷺ لم يُرسل إليهم على وجهين]
فهؤلاء القوم في هذا المقام ادَّعوا أنَّ محمدًا ﷺ لَـمْ يُرسَل إليهم، بل إلى أهل الجاهلية من العرب.
فهذه الدعوى على وجهين: () ثُمَّ أوضح ابن تيمية رحمه الله أنَّ القرآن أصل كالتوراة، وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين التوراة والقرآن. انظر: الجواب الصحيح (1/37-38).
إما أنْ يقولوا: إنَّه بنفسه لَـمْ يدَّعِ أنَّه أُرسِل إليهم، ولكنَّ أمته ادَّعوا له ذلك.
وإما أنْ يقولوا: إنَّه ادَّعى أنَّه أُرسِل إليهم، وهو كاذبٌ في هذه الدعوى. () رسالة بولس الراهب أسقف صيدا الأنطاكي.
وكلامهم في صدر هذا الكتاب يقتضـي الوجه الأول. وفي آخره قد يقال: إنَّهم أشاروا إلى الوجه الثاني، لكِنَّهم في الحقيقة لَـمْ يُنْكِرُوا رسالته إلى العرب، وإنَّما أنكروا رسالته إليهم. وأمَّا رسالته إلى العرب فلم يُصَـرِّحُوا بتصديقه فيها ولا بتكذيبه، وإنْ كان ظاهر لَفْظِهم يقتضي الإقرار برسالته إلى العرب، بل صدَّقوا بما وافق قولهم، وكذَّبوا بما خالف قولهم.
[منهج الاحتجاج بما جاء به الرسول ﷺ]
ونحن نُبيِّن أنه لا يصحُّ احتجاجهم بشـيءٍ ممَّا جاء به النبيُّ ﷺ، ثُمَّ نتكلَّم على الوجهين جميعًا، ونبيِّن أنه لا يصحُّ احتجاجهم بشـيءٍ من القرآن على صحَّة دينهم بوجهٍ من الوجوه، ونبيِّن أن القرآن لا حجَّة فيه لهم ولا فيه تناقض.
وكذلك كتب الأنبياء المتقدِّمين التي يحتجُّون بها هي حجَّةٌ عليهم، ليس في شيءٍ منها حجَّةٌ لهم ولو لَـمْ يُبعَث محمدٌ ﷺ، فكيف والكتاب الذي جاء به محمدٌ ﷺ موافقٌ لسائر كلام الأنبياء عليهم السلام في إبطال دينهم وقولهم في التثليث والاتِّحاد وغير ذلك، مع العقل الصريح؟!
فهم احتجُّوا في كتابهم هذا بالقرآن، وبما جاءت به الأنبياء قبل محمدٍ ﷺ، مع العقل، ونحن نبيِّن أنه لا حجَّة لهم فيما جاء به محمدٌ ﷺ، ولا فيما جاءت به الأنبياء قبله ولا في العقل؛ بل ما جاء به محمدٌ ﷺ وما جاءت به الأنبياء قبله، مع صريح العقل كلُّها براهين قطعية على فساد دينهم.
ولكن نذكر قبل ذلك أن احتجاجهم بما جاء عن النبي ﷺ لا يصحُّ بوجهٍ من الوجوه، وأنه لا يجوز أن يَحتجَّ بمجرَّد المنقول عن محمد ﷺ من يكذِّبه في كلمةٍ واحدة ممَّا جاء به، وكذلك كلام سائر الأنبياء عليهم السلام، بخلاف الاحتجاج بكلام غير الأنبياء، فإنَّ ذلك يمكن موافقة بعضه دون بعض. وأما ما أخبرت به الأنبياء عليهم السلام، أو من قال: إنه نبيٌّ؛ فلا يمكن الاحتجاج ببعضه دون بعض، سواءٌ قُدِّر صدقُهم أو كذبهم.
فيقال لهم -على كل تقدير، سواءٌ أقرُّوا بنبوَّته إلى العرب أو غيرهم، أو كذَّبوه في قوله: إنَّه رسول الله، أو سكتوا عن هذا وهذا، أو صدَّقوه في البعض دون البعض- : إنَّ احتجاجكم على صحة ما تخالفون فيه المسلمين ممَّا جاء به محمَّدٌ ﷺ لا يصحُّ بوجهٍ من الوجوه؛ فاحتجاجكم على أنَّه لَـمْ يُرْسَل إليكم أو على صحة دينكم بشـيءٍ من القرآن حجَّةٌ داحضةٌ على كل تقدير، مع أنَّا سنبيِّن -إن شاء الله تعالى- أنَّ الكتب الإلهيَّـة كلَّها مع المعقول لا حجَّة لكم في شيءٍ منها، بل كلها حجَّةٌ عليكم. () رسالة بولس الأنطاكي ( 413- 414).
وهذا بخلاف المسلمين، فإنَّه يصحُّ احتجاجهم على أهل الكتاب اليهود والنَّصَارى بما جاءت به الأنبياء قبل محمَّدٍ ﷺ، وأهل الكتاب لا يصحُّ احتجاجهم بما جاء به محمَّدٌ ﷺ؛ وذلك أن المسلمين مقرُّون بنبوة موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، وعندهم يجبُ الإيمان بكل كتابٍ أنزله الله، وبكل نبيٍّ أرسله الله، وهذا أصلُ دين المسلمين، فمن كفر بنبيٍّ واحدٍ أو كتابٍ واحدٍ فهو عندهم كافر، بل من سبَّ نبيًّا من الأنبياء فهو عندهم كافرٌ مباح الدم، كما قال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136، 137].
فالمسلمون لا يستجيز أحدٌ منهم التكذيبَ بشـيءٍ ممَّا أُنزِل على مَن قبلَ محمَّدٍ ﷺ؛ لكن الاحتجاج بذلك عليهم يحتاج إلى ثلاث مقدمات:
إحداها: ثبوت ذلك عن الأنبياء عليهم السلام.
والثانية: صحَّة الترجمة إلى اللسان العربي، أو اللسان الذي يخاطَب به، كالرُّومي والسُّـرْياني؛ فإن لسان موسى وداود والمسيح وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل كان عِبرانيًّا، ومن قال: إن لسان المسيح كان سُريانيًّا أو روميًّا فقد غلط.
والثالثة: تفسير ذلك الكلام ومعرفة معناه.
فلهذا كان المسلمون لا يردُّون شيئًا من الحجج بتكذيب أحدٍ من الأنبياء في شيءٍ قاله، ولكن قد يكذِّبون الناقل عنهم، أو يفسِّـرون المنقول عنهم بما أرادوه، أو بمعنًى آخر على وجه الغلط. الأصول التي ينبني عليها معرفة صدق الرسول.
وإن كان بعض المسلمين قد يغلط في تكذيب بعض النقل، أو تأويل بعض المنقول عنهم، فهو كما يغلط من يغلط منهم ومن سائر أهل الملل في التكذيب على وجه الغلط ببعض ما يُنقَل عمَّن يقرُّ بنبوَّته أو في تأويل المنقول عنه، وهذا بخلاف تكذيب نفس النبيِّ؛ فإنه كفرٌ صريحٌ به.
بخلاف أهل الكتاب؛ فإنه لا يتمُّ مرادهم إلا بتكذيبهم ببعض ما أنزل الله، ومتى كذَّب بكلمةٍ واحدة ممَّا أخبر به من قال: إنَّه رسول الله؛ بَطَلَ احتجاجُه بسائر كلامه، فكانت حجَّتهم التي يحتجُّون بها داحضة.
وذلك أن الذي يقول: إنَّه رسول الله، إما أن يكون صادقًا في قوله: إنِّي رسول الله، وفي جميع ما يخبر به عن الله، وإما أن يكون كاذبًا ولو في كلمةٍ واحدة عن الله.
فإن كان صادقًا في ذلك امتنع أن يكذِب على الله في شيء ممَّا يبلِّغه عن الله؛ فإنَّ مَن كذَب على الله ولو في كلمةٍ واحدة كان ممن افترى على الله الكذب، ولم يكن رسولًا من رسل الله.
ومن افترى على الله الكذب تبيَّن أنه من المتنبئين الكذابين، ومثل هذا لا يجوز أن يُحْتَجَّ بخبره عن الله؛ فإنَّه قد عُلِم أنَّ الله لَـمْ يرسله.
وإذا قال هو قولًا وكان صدقًا، كان كما يقوله غيرُه، لا يُقْبَلُ لأنَّه بلَّغه عن الله ولا لأنَّه رسولٌ عن الله، بل كما يُقْبَلُ من المشـركين وسائر الكفار ما يقولونه من الحقِّ، فإنَّ عُبَّاد الأوثان إذا قالوا عن الله ما هو حقٌّ، مثل إقرار مشـركي العرب بأنَّ الله خلق السماوات والأرض، لم نكذِّبهم في ذلك وإن كانوا كفارًا، وكذلك إذا قال الكافر: إن الله حيُّ قادرٌ خالق، لم نكذِّبه في هذا القول.
فمن كذَبَ على الله في كلمةٍ واحدةٍ؛ قال: إنَّ الله أنزلها عليه، ولم يكن الله أنزلها عليه؛ فهو من الكذَّابين الذين لا يجوز أن يُحْتَجَّ بشـيءٍ من أقوالهم التي يقولون: إنَّهم يبلِّغونها عن الله تبارك وتعالى، وما قالوه غير ذلك فهم فيه كسائر الناس، بل كأمثالهم من الكذَّابين، إن عُرِفَ صحةُ ذلك القول من جهة غيرهم قُبِل؛ لقيام الدليل على صحَّته، لا لكونهم قالوه، وإن لم يُعْرَف صحَّتُه من جهة غيرهم لم يكن في قولهم له مع ثبوت كذبهم على الله حجَّة.
وحينئذٍ، فهؤلاء إن أقـرُّوا برسالة محمدٍ ﷺ، وأنَّه صادقٌ فيما بلَّغه عن الله من الكتاب والحكمة؛ وجب عليهم الإيمانُ بكل ما ثبت عنه من الكتاب والحكمة، كما يجب الإيمانُ بكل ما جاءت به الرسل.
وإن كذَّبوه في كلمةٍ واحدةٍ أو شكُّوا في صدقه فيها، امتنع مع ذلك أن يقرُّوا بأنَّه رسول الله، وإذا لم يقرُّوا بأنه رسول الله كان احتجاجهم بما قاله كاحتجاجهم بسائر ما يقوله مَن ليس من الأنبياء، بل من الكذَّابين أو من المشكوك في صدقهم. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6094) ومسلم في "صحيحه" برقم: (2607).
ومعلومٌ أنَّ مَن عُرِف كذبُه على الله فيما يقول إنه يبلِّغه عن الله أو شُكَّ في صدقه؛ لم يُعْلَم أنه رسول الله، ولا أنه صادقٌ في كل ما يقوله ويبلِّغه عن الله. وإذا لم يُعْلَم ذلك منه لم يُعْرَف أن الله أنزل إليه شيئًا، بل إذا عُرِف كذبُه عُرِف أن الله لم ينزل إليه شيئًا ولا أرسله، كما عُرِف كذبُ مُسَيْلِمة الكذَّاب، والأسود العَنْسِـي، وطُلَيْحَة الأسَدي، وغيرهم، وكما عُرِف كذبُ مَانِي، وأمثاله من المتنبئين الكذابين.
وإذا شُكَّ في صدقه في كلمةٍ واحدة، بل جُوِّز أن يكون كَذَبها عمدًا أو خطأً، لَـمْ يَجُز تصديقُه مع ذلك في سائر ما يبلِّغه عن الله؛ لأن تصديقه فيما يخبر به عن الله إنَّما يكون إذا كان رسولًا صادقًا لا يكذِب عمدًا ولا خطأً، فإن كل من أرسله الله لا بُدَّ أن يكون صادقًا في كل ما يبلِّغه عن الله، لا يكذِب فيه عمدًا ولا خطأً.
وهذا أمرٌ اتفق عليه الناسُ كلهم: المسلمون، واليهود، والنَّصَارى، وغيرهم، اتفقوا على أنَّ الرسول لا بُدَّ أن يكون صادقًا معصومًا فيما يبلِّغه عن الله، لا يكذِب على الله خطأً ولا عمدًا؛ فإن مقصود الرسالة لا يحصل بدون ذلك، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤ حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ﴾ [الأعراف: 104 - 105]. وفي القراءة المشهورة([20]) يخبر أنه جديرٌ وحريٌّ وثابتٌ ومستقرٌّ على أن لا يقول على الله إلا الحق، وعلى القراءة الأخرى([21]) أخبر أنَّه واجبٌ عليه أن لا يقول على الله إلا الحق.
وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ﴿٤٤﴾ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ﴿٤٥﴾ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ﴿٤٦﴾ فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ﴾ ([22]) [الحاقة: 44 - 47].
والمقصود: أنَّ احتجاجهم بكلمةٍ واحدة ممَّا جاء به محمَّدٌ ﷺ لا يصحُّ بوجهٍ من الوجوه([23])، [وأنَّ مَن] لَـم يُقِرّ لمن ذَكَر أنَّه رسول الله بأنَّه صادقٌ في كل ما يُبَلِّغه عن الله، معصومٌ عن استقرار الكذب -خطأ وعمدًا-؛ لَـم يَصِحَّ احتجاجه بقوله.
وهذا الأصل يُبْطِل قول عقلاء أهل الكتاب، الذين يُعَظِّمون محمَّدًا ﷺ لِـمَا دعا إليه من توحيد الله تعالى، ولِمَا نهى عنه من عبادة الأوثان، ولِـمَا صدَّق التوارة والإنجيل والمرسلين قبله، ولِـمَا ظهَر مِن عظمة القرآن الذي جاء به، ومحاسن الشـريعة التي جاء بها؛ لكن يقولون مع ذلك: إنَّه بُعِث إلى غيرنا، وإنَّه ملكٌ عادل، له سياسةٌ عادلة، وإنَّه مع ذلك حصَّل علومًا من علوم أهل الكتاب وغيرهم، ووَضَع لهم ناموسًا بعلمِه وديـنِه، كما وضع أكابرهم لهم القوانينَ والنواميسَ التي بأيديهم.
ومهما قالوه من هذا فإنَّهم لا يصيرون به مؤمنين به، ولا يسُوغ لهم بمجرَّد ذلك الاحتجاجُ بشـيءٍ ممَّا قاله؛ لأنه قد عُرِف بالنقل المتواتر الذي يعلمه جميعُ الأمم من جميع الطوائف أنَّه قال: إنَّه رسول الله إلى جميع الناس، وأنَّ الله أنزل عليه القرآن.
فإن كان صادقًا في ذلك، فمن كذَّبه في كلمةٍ واحدة فقد كذَّب رسول الله، ومن كذَّب رسول الله فهو كافر. وإن لم يكن صادقًا في ذلك لم يكن رسولًا لله، بل كان كاذبًا، ومن كان كاذبًا على الله يقول: إن الله أرسلني بذلك، ولم يرسِله به، لا يجوز أن يُحْتَجَّ بشـيءٍ من أقواله.
وأما من كان من جهلاء أهل الكتاب الذين يقولون: إنَّه كان مَلِكًا مسلَّطًا عليهم، وإنه رسولُ غضبٍ أرسله الله إرسالًا كونيًّا لا دينيًّا لينتقم به منهم، كما أرسَل بُخْتَنَصَّـر وسِنْحَارِيب على بني إسرائيل، وكما أرسَل جَنْكِس خان وغيره من الملوك الكافرين والظالمين ممَّا ينتقِم به ممَّن عصاه، فهؤلاء أعظم تكذيبًا له وكفرًا به من أولئك؛ فإنَّ هؤلاء الملوك لم يقل أحدٌ منهم: إنَّ الله أنزل عليه كتابًا، ولا أن هذا الكلام الذي أبلِّغه إليكم هو كلام الله، ولا أنَّ الله أمركم أن تصدِّقوني فيما أخبرتكم به، وتطيعوني فيما أمرتكم به، ومن لم يصدِّقني باطنًا وظاهرًا فإنَّ الله يعذِّبه في الدنيا والآخرة، بل هؤلاء أرسلَهم إرسالًا كونيًّا قدَّره وقضاه، كما يُرْسِل الريحَ بالعذاب، وكما يُرْسِل الشياطين.
والمقصود هنا: أنَّ تفرُّق أهل الكتاب في النبي ﷺ كلٌّ يقول فيه قولًا هو نظير تفرُّق الكفَّار، فإنَّ الكفَّار بالأنبياء مِن عادتهم أن تقول كل طائفة فيه قولًا يناقض قول الطائفة الأخرى، وكذلك قولهم في الكتاب الذي أُنزِل عليه، وأقوالهم كلُّها أقوالٌ مختلفةٌ باطلة، وهذا هو الاختلافُ المذموم الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118، 119]، وفي قوله: ﴿إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ﴿٨﴾ يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ﴾ [الذاريات: 8، 9].
وإن قالوا: نحن مقصودنا بيان تناقضه، وأن كلامه ينقض بعضه بعضًا.
قيل: فهذا أيضًا يستلزم أنَّه ليس رسولًا صادقًا، فلا يصحُّ لكم الاحتجاج بشـيءٍ من قوله على هذا التقدير، وإن كنا نحن نُبيِّن أنَّه -ولله الحمد- قوله يُصَدِّق بعضه بعضًا، وكذلك يُصَدِّق قول الأنبياء قبله، وأنَّ قول الأنبياء كلهم يوافق صريح العقل، فلا يتناقض شيءٌ من الحقِّ المعلوم بسمعٍ أو عقل.
[الجواب عن الوجه الأول]([24])
[25]فإذا عُلِمَ هذا فنقول بعد ذلك: إنَّه من المعلوم بالضـرورة لكلِّ من عَلِم أحْوَالَه، وبالنقل المتواتر الذي هو أعظمُ تواترًا ممَّا يُنقَل عن موسى وعيسى وغيرهما، وبالقرآن المتواتر عنه، وسُنَّتِهِ المتواترة عنه، وسُنَّة خلفائه الراشدين من بعده؛ أنَّه ﷺ ذَكَر أنَّه أُرسِل إلى أهل الكتاب اليهود والنَّصَارى، كما ذَكَر أنَّه أُرسِل إلى الأمِّيِّين، بل ذَكَر أنَّه أُرْسِل إلى جميع بني آدم عربهم وعجمهم، مِن الروم، والفُرس، والتُّرك، والهند، والبربر، والحبشة، وسائر الأمم، بل إنَّه أُرسِل إلى الثَّقلين الجن والإنس جميعًا.
وهذا كلُّه من الأمور الظاهرة المتواترة عنه، التي اتفق على نقلها عنه أصحابه مع كثرتهم وتفرُّق ديارهم وأحوالهم، وقد صحبه عشـراتُ ألوفٍ لا يحصـي عددهم على الحقيقة إلا الله تعالى، ونقَل ذلك عنهم التابعون، وهم أضعاف الصحابة عددًا.
ثُمَّ ذلك منقولٌ قرنًا بعد قرنٍ إلى زمننا، مع كثرة المسلمين وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها، كما أخبر بذلك قبل أن يكون، فقال في الحديث الصَّحيح: (زُوِيَت لي الأَرْض، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لي مِنْهَا)([26]).
والمقصود: أنَّ محمَّدًا ﷺ هو نفسه دعا أهل الكتاب من اليهود والنَّصَارى إلى الإيمان به وبما جاء به، كما دعا من لا كتاب له من العرب وسائر الأمم.
وهو الذي أخبر عن الله تبارك وتعالى بكفر من لَـمْ يُؤْمِن به من أهل الكتاب وغيرهم، وبأنَّهم يَصْلَون جهنَّم وساءَتْ مصيرًا، وهو الذي أمر بجهادهم، ودعاهم بنفسه ونوَّابه.
وحينئذٍ، فقولهم في الكتاب: (لَـمْ يأتِ إلينا، بل إلى الجاهليَّة من العرب)([27])، سواءٌ أرادوا أنَّ الله بعثه إلى العرب ولَـمْ يَبْعَثْهُ إلينا، أو أرادوا أنَّه ادَّعى أنه أُرسِل إلى العرب لا إلينا، فإنَّه قد عَلِم جميعُ الطوائف أنَّ محمدًا دعا اليهود والنَّصَارى إلى الإيمان به، وذَكَر أنَّ الله أرسله إليهم، وأمرَه بجهاد مَن لَـمْ يُؤْمِن به منهم.
فإذا قيل مع هذا: إنَّه قال: «لَـمْ أُبْعَث إلا إلى العرب» كان كذبًا ظاهرًا عليه، سواءٌ صدَّقه الإنسان أو كذَّبه، فإنَّ المقصود هنا: أنَّه نفسَه دعا جميعَ أهل الأرض إلى الإيمان به، فدعا أهل الكتاب كما دعا الأُمِّيِّين.
[28]أمَّا اليهود، فإنَّهم كانوا جيرانه في الحجاز، وبالمدينة وما حولها، وخيبر، فإنَّ المهاجرين والأنصار كلهم آمنوا به من غير سيفٍ ولا قتال، بل لِـمَا ظهَر لهم من براهين نبوَّته ودلائل صدقه آمنوا به، وقد حصَل من الأذى في الله لمن آمن بالله ما هو معروفٌ في السيرة.
وقد آمن به في حياته كثيرٌ من اليهود والنَّصَارى، بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وكثيرٌ منهم كانوا بغير مكة والمدينة، فلمَّا قَدِمَ المدينة عاهد مَن لَـمْ يُؤْمِن به من اليهود ثُمَّ نقضوا العهد، فأَجْلَى بعضهم، وقتَل بعضهم؛ لمحاربتهم لله ورسوله، وقد قاتلهم مرَّةً بعد مرَّة:
[29]قاتل بني النضير، وأنزل الله تعالى فيهم سورة الحشر.
وقاتل بني قريظة عام الأحزاب، وذكرهم الله في سورة الأحزاب.
وقاتل قبلهم بني قينقاع.
وبعد هؤلاء غزا خيبر هو وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة وكانوا ألفًا وأربعمئة، ففتح الله عليهم خيبر، وأقرَّ اليهودَ فيها فلَّاحين، وأنزل الله تعالى سورة الفتح يَذْكُر فيها ذلك.
فكيف يقال: إنَّه لَـمْ يَذْكُر أنَّه أُرْسِل إلا إلى مشركي العرب، وهذه حال اليهود معه؟!
[30]وأما النَّصَارى، فإنَّ أهل نجران التي باليمن كانوا نصارى، فقَدِم عليه وفْدُهم ستُّون راكبًا، وناظرَهم في مسجده، وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران، ولـمَّا ظهرت حُجَّته عليهم، وتبيَّن لهم أنَّه رسول الله إليهم، أمره الله إن لَـمْ يُجيبُوهُ أنْ يدعوهم إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، فلمَّا دعاهم إلى المباهلة طَلَبوا أن يُمْهِلَهم حتى يَشْتَوِروا، فاشتَوَرُوا، فقال بعضهم لبعض: تَعَلَموا أنه نبيٌّ، وأنَّه ما باهل قومٌ نبيًّا إلا نزل بهم العذاب، فاستعفَوا من المباهلة؛ فصالَحوه، وأقرُّوا له بالجزية عن يدٍ وهم صاغرون؛ لِـمَا خافوا من دعائه عليهم، لِعِلْمِهِم أنَّه نبيٌّ.
فدخلُوا تحت حكمه، كما يدخل أهلُ الذمَّة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله، وأدَّوا إليه الجزية عن يـدٍ وهم صاغرون، وهم أول من أدَّى الجزية من النَّصَارى.
واستعمَل عليهم وعلى من أسلم منهم: عمرو بن حزم الأنصاري، وكتب له كتابًا مشهورًا يَذْكُر فيه شرائعَ الدِّين([31])، فكانوا في ذمَّة المسلمين تحت حكم الله ورسوله ونائب رسوله عمرو بن حزم الأنصاري رضي الله عنه.
وقِصَّتُهُم مشهورةٌ متواترة، نقلها أهل السِّيَر، وأهل التفسير، وأهل الحديث، وأهل الفقه، وأصل حديثهم معروفٌ في الصِّحاح والسُّنن([32]).
[وقد] ذكر محمد بن سعد في [الطبقات] قدومهم في ذكر الوفود، [حيث ذكر بإسناده: أنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران]، فخرج إليه أربعة عشـر مِن أشرافهم نصارى، وفيهم ثلاثة نفرٍ يتولَّون أمورهم: العاقب، وأبو الحارث، والسيِّد، فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحِبَرة، وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يُصَلُّون في المسجد نحو المشـرق، فقال رسول الله ﷺ : [دعوهم]، ثُمَّ أتوا النبي ﷺ فأعرض عنهم فلم يُكلِّمهم، فقال لهم عثمان: ذلك من أجل زيِّكم هذا. () وهي قراءة (على) بالتخفيف. وبها قرأ عامة القراء غير نافع. انظر: السبعة لابن مجاهد (ص287). () وهي قراءة (عليَّ) بتشديد الياء، قرأ بها نافع. انظر: السبعة لابن مجاهد (ص287).
فانصرفوا يومهم ذلك، ثمَّ غدوا عليه بزيِّ الرهبان، فسَلَّموا عليه؛ فردَّ عليهم، ودعاهم إلى السلام، فأبوا، وكثُر الكلام والحجاج بينهم، وتلا عليهم القرآن، وقال رسول الله ﷺ: [إن أنكرتم ما أقول فهلُمَّ أباهلكم]. () انظر أيضًا: [النحل: 101-102]، [يونس: 15].
فانصرفوا على ذلك، فغدا عبدالمسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله ﷺ فقالوا: قد بدا لنا أن لا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببت نُعطك ونصالحك. () لأنَّ الأمر لا يخلو: إمَّا يكون الرسول صادقًا في كل ما أخبر به، فإنَّه قد أتى بما يخالف دين النَّصَارى، فيلزم مِن صدْقه بطلان دينهم. وإمَّا أن يكون الرسول غير صادقٍ، فيلزم من ذلك بطلان احتجاجهم بشـيء من قوله. انظر: الجواب الصحيح (1/54-55).
فصالَحَهم على ألفي حُلَّة في رجب، وألفٍ في صفر، أو قيمة كلِّ حُلَّةٍ من الأواقي، وعلى عارية ثلاثين درعًا، وثلاثين رمحًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين فرسًا، إن كان باليمن كيد. ولنجران وحاشيتهم جوارُ الله وذمَّةُ محمد رسول الله ﷺ على أنفسهم، ومِلَّتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبِيَعِهم، لا يُغَيَّر أُسْقُفٌ من سِقِّيفاه، ولا راهبٌ من رهبانيَّته، ولا واقفٌ من وقفانيَّته. وأشهَد على ذلك شهودًا، منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، والمغيرة ابن شعبة.
فرجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السَّيِّد والعاقب إلا يسيرًا حتى رجعا إلى النبي ﷺ فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري.
وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به النبي ﷺ حتى قبضه الله، صلوات الله عليه ورحمته ورضوانه([33]).
[34]كما آمن به النجاشيُّ ملكُ الحبشة، وكان نصـرانيًّا هو وقومه، وكان إيمانُه به في أول أمر النبيِّ ﷺ لـمَّا كان أصحابه مستضعفين بمكة، وكان الكفَّار يظْلِمُوْنَهم ويُؤذُونهم ويُعَاقِبُونهم على الإيمان بالله ورسوله، فهاجر منهم طائفة، مثل: عثمان ابن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهم من الرِّجَال والنساء إليه.
وكان مَلِكًا عَادِلًا، فأرسل الكفَّار خلفهم رُسُلًا إلى أرض الحبشة أرض النجاشيِّ بهدايا؛ ليرُدَّهم إليهم، فامتنع من عدله أن يُسَلِّمهم إليهم حتى يسمع كلامهم، فلمَّا سمع كلامهم وما أخبروه به من أمر النبيِّ ﷺ؛ آمن بالنبيِّ ﷺ وآواهم.
ولـمَّا سَمِعَ القرآن قال: (إنَّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، ولـمَّا سألهم عن قولهم في المسيح عليه السلام؛ قالوا: نشهد أنَّه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لَـمْ يمَسَّها رجل، فقال النجاشي لجعفر بن أبي طالب: والله ما زاد عيسى ابن مريم على ما قلتَ هذا العود، فنَخَرت أصحابه، فقال: وإن نَخَرتم، وإن نَخَرتم) ([35]).
وبعَثَ ابنَه وطائفةً من أصحابه إلى النبي ﷺ مع جعفر بن أبي طالب، وقَدِم جعفرُ على النبي ﷺ عام خيبر.
وقد ذكر قصَّتهم جماعةٌ من العلماء والحفَّاظ، كأحمد بن حنبل في «المسند»، وابن سعد في «الطبقات»، وأبي نعيم في «الحلية»، وغيرهم، وذكرها أهلُ التفسير والحديث والفقه، وهي متواترةٌ عند العلماء. () انظر الجواب عن الوجه الثاني (ص85).
[36]وكان أول ما أنزل الله تعالى عليه ﷺ الوحي، عَرَضتْ خديجةُ امرأتُه أمرَه على عالمٍ كبيرٍ من علماء النَّصَارى يقال له: ورقةُ بن نوفل، وكان من العرب المتنصِّـرة، فقال: |#| هذا هو الناموسُ الذي كان يأتي موسى بن عمران، يا ليتني فيها جَذَعًا حين يُخْرِجُك قومُك، يعني: ليتني أكون شابًّا؛ فإنَّه كان شيخًا كبيرًا قد كُفَّ بَصَـرُه، فقال له النبيُّ ﷺ: «أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!» قال: نعم، لَـمْ يأتِ أحدٌ بمثل ما أتيتَ به إلا عُودِيَ، وإن يُدْرِكْني يومُك أنصُـرْك نصـرًا مؤزَّرًا ([37]). تعليق جانبي/ أولا: النقل المتواتر عن الرسول أنَّه مرسل إلى الثقلين
[38]وقَدِم إليه بمكة طائفةٌ من أهل الكتاب من النَّصَارى، فآمنوا به، فآذاهم المشركون، فصَبَـرُوا واحتملوا أذاهم، فأنزل الله فيهم: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ﴿٥٣﴾ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ﴿٥٤﴾ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [القصص: 52 - 55].
وروى البيهقي في كتاب «دلائل النبوَّة وأعلام الرسالة» عن ابن إسحاق، قال: (ثُمَّ قَدِم على رسول الله ﷺ عشـرون رجلًا وهو بمكة، أو قريبٌ من ذلك من النَّصَارى حين ظهر خبرُه في الحبشة، فوجدوه في المجلس، فكلَّموه وساءَلُوه، ورِجَالٌ من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلمَّا فرغوا من مساءلتهم رسولَ الله ﷺ عمَّا أرادوا؛ دعاهم رسولُ الله ﷺ إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فلمَّا سمعوا فاضت أعينُهم من الدَّمع، ثُمَّ استجابوا له، وآمنوا به وصدَّقُوه، وعرَفُوا منه ما كان يوصَفُ لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعتَرضهم أبو جهلٍ في نفرٍ من قريش، فقالوا: خيَّبكم الله مِن رَكْبٍ، بعَثكم مَن وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم، فتأتونهم بخبر الرَّجل، فلم تطمئن مجالسُكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقتموه بما قال لكم، ما نعلمُ رَكْبًا أحمقَ منكم -أو كما قال لهم-، فقالوا: سلامٌ عليكم، لا نُجَاهِلُكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا لأنفسنا إلا خيرًا، ويقال -والله أعلم-: إنَّ فيهم نزلت هؤلاء الآيات: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ )([39]) [القصص: 52- 55]. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2889).
[40]ولـمَّا كان بعد عام الحديبية ومهادنة قريش أرسل ﷺ رُسُلَه إلى جميع الطوائف، فأرسل إلى النَّصَارى نصارى الشام ومصر، فأرسل إلى هِرَقل ملك الرُّوم.
وكان هِرَقل قد مشى شُكْرًا لله من حمص إلى بيت المقدس شكرًا لله لَـمَّا نصَـرَهُ على الفُرْس، فوافاه كتابُ النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام عَقِبَ نصـرِ الله للرُّوم على فارس، ففرحَ النبيُّ ﷺ ومن معه من المؤمنين.
قال علماء السِّيَر: فلمَّا انتصـرَت الرُّوم، وخرج هِرَقل ملكُ الرُّوم من منزله من حمص ماشيًا على قدميه إلى بيت المقدس، مُتَشَكِّرًا لله عز وجل حين ردَّ عليه ما ردَّ؛ ليصلِّي فيه، فلمَّا انتهى إلى بيت المقدس وصلَّى فيه قَدِم عليه حينئذٍ كتابُ رسول الله ﷺ مع دِحْيَة الكلبيِّ يدعوه إلى الإسلام. () رسالة بولس الراهب الأنطاكي (ص414).
فعن ابن عبَّاس قال: حدَّثني أبو سفيان؛ قال: كُنَّا قومًا تُجَّارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حَصَرتنا حتى قد هَلَكت أموالنا، فلمَّا كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله ﷺ -يعني التي عُقِدَتْ يوم الحديبية-، فلَمَّا عُقِدَت الهدنة أمِنَّا، فخرجتُ في نفرٍ من قريش تاجرًا إلى الشام، وكان وجه مُتَّجَرِنا، فقدمتها حين ظهر هرقل على من كان عارَضه([41]) من فارس، فأخرجهم منها، وانتُزِعَ له صليبه الأعظم، وقد كانوا سلبوا إيَّاه، فلمَّا بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استُنْقِذَ له، وكانت حمص منزله، فخرج منها على قدميه متشكرًا لله عز وجل حين ردَّ عليه ما ردَّ؛ ليصلي في بيت المقدس، وبُسِط له الطريق بالبُسُط وتُلْقَى عليها الرَّياحين، فلمَّا انتهى إلى إيلياء وقضـى فيها صلاته ومعه بطارقتُه وأساقفته الرُّوم، قال: وقدم عليه كتابُ رسول الله ﷺ مع دحية بن خليفة الكلبي فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السَّلام على من اتَّبع الهدى، أمَّا بعد فأسْلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله أجرَك مرَّتين، وإن تولَّيت فإنَّ عليك إثم الأريسيِّين)([42])، يعني: الأكَّارين.
قال ابن إسحاق: وأخذ هِرَقل كتابَ رسول الله ﷺ، فجعله في قصبةٍ من ذهب، وأمسكها عنده، تعظيمًا له([43]). تعليق جانبي/ دلائل دعوته لأهل الكتاب.
[44]وأرسل النبيُّ ﷺ رسولًا أيضًا إلى ملك مصـر: الـمُقَـوْقِس ملك النَّصَارى في ذلك الوقت بالإسكندرية، وكان رسوله إليه حاطبَ بن أبي بلتعة رضي الله عنه.
قال حاطب: قدمتُ على الـمُقَـوْقِس -واسمه جُرَيْج بن مِيْنَا- بكتاب رسول الله ﷺ، فقلت له: إنَّه كان قبلك رجلٌ يزعمُ أنَّه الربُّ الأعلى، فأخذه الله نكالَ الآخرة والأُوْلى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتَبِر بغيرك ولا يُعْتَبر بك. قال: هات. قلت: إنَّ لك دينًا لن تدعه إلا لِـمَا هو خيرٌ منه، وهو الإسلام الكافي بعد ما سواه، إنَّ هذا النبيَّ دعا النَّاس إلى الله، فكان أشدَّهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النَّصَارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمَّدٍ وما دعاؤنا إيَّاك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكلُّ من أدرك نبيًّا فهو من أمَّته، فالحقُّ عليهم أن يطيعوه، فأنت ممَّن أدركَ هذا النبيَّ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنَّا نأمرك به. قتال النبي ﷺ لليهود
ثُمَّ ناوله كتابَ رسول الله ﷺ، فلمَّا قرأه قال: خيرًا، قد نظرتُ في هذا فوجدته لا يأمر بمزهودٍ فيه ولا ينهى عن مرغوبٍ فيه، ولَـمْ أجِدْهُ بالسَّاحر الضالِّ، ولا الكاهن الكاذب، ووجدتُ معه آلة النبوَّة. ثم جعل الكتابَ في حُقِّ عاجٍ، وختَم عليه، ودفعه إلى خازِنِه، وكتب جوابه إلى رسول الله ﷺ: قد علمتُ أنَّ نبيًّا قد بقي، وقد أكرمتُ رسُوْلك.
وأهدى للنبيِّ ﷺ جاريتين، وبغلةً تسمى: الدُّلْدُل، فقَبِل النبيُّ ﷺ هديَّـتَه، واصطفى الجارية الواحدة -واسمها: مَارِيَة القِبْطيَّة- لنفسه، فولَدَتْ منه إبراهيم، وأعطى الأخرى لحسَّان بن ثابت، فولدت منه عبد الرحمن، وعاشت البغلةُ إلى زمن معاوية. فقال النبي ﷺ: «ضَنَّ الخبيثُ بمُلْكِه، ولا بقاء لـمُلْكِه»([45]).
فكلٌّ من الملِكَيْن([46]) عظَّم أمرَ رسول الله ﷺ، وتواضع له ولكتابه، واعترف بأنَّه الرسول المنتظر الذي بشَّرت به الأنبياء عليهم السلام.
وقد كان المقوقس يعرف أنَّه حقٌّ بما يسمع من صفاته من أهل الكتاب، ولكن ضَنَّ بِمُلْكِهِ ولم يُؤمن، وكان قد خرج إليه المغيرة قبل إسلام المغيرة فحدَّثه بذلك([47]).
[48]ثُمَّ بعد الإرسال إلى الملوك أخذ ﷺ في غزو النَّصَارى، فأرسل أولًا زيد ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة في جيشٍ، فقاتلوا النَّصَارى بمُؤتة من أرض الكَرَك([49])، وقال لأصحابه: (أمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ)([50])، فقُتِل الثلاثة، وأخبر النبيُّ ﷺ بقتل الثلاثة في اليوم الذي قُتِلوا فيه، وأخبر أنَّه أخذ الراية خالدُ بن الوليد، ففتَح الله على يديه([51]). تعليق جانبي/مناظرة نصارى نجران.
ثُمَّ إنَّه بعد هذا غزا النَّصَارى بنفسه، وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه في الغَزاة، ولَـمْ يأذن في التخلُّف عنه لأحد، وغزا في عشـراتِ ألوفٍ غزوة تبوك، فقَدِمَ تبوك وأقام بها عشـرين ليلة([52])؛ ليغزو النَّصَارى عربَهم ورُومَهم وغيرهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم، فسمعوا به، وأحجموا عن قتاله، ولَـمْ يَقْدِموا عليه.
وأنزل الله تعالى في ذلك أكثر سورة «براءة»، وذمَّ تعالى الذين تخلَّفوا عن جهاد النَّصَارى ذمًّا عظيمًا، والذين لَـمْ يروا جهادهم طاعةً جعلهم منافقين كافرين، لا يغفر الله لهم إذا لَـمْ يتُوبُوا، وقال لنبيِّه ﷺ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]. () انظر: موطأ مالك رقم: (3139)، وصحيح ابن حبان رقم: (6559)، ومستدرك الحاكم رقم: (1450).
فإذا كان هذا حُكْمُ الله ورسوله فيمن تخلَّف عن جهادهم إذ لَـمْ يَرَهُ طاعةً ولا رآه واجبًا، فكيف حُكْمُه فيهم أنفسِهم؟! حتى قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. () انظر: صحيح البخاري رقم: (3745، 7254)، وصحيح مسلم رقم: (2420)، وتفسير الطبري (5/174)، والمنتظم لابن الجوزي (3/379-384).
[53]ثُمَّ عند موته ﷺ أمَر بإخراج اليهود والنَّصَارى من جزيرة العرب.
ففي «صحيح مسلم» أنَّ عمر بن الخطاب قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إلا مُسْلِـمًا)([54]).
وروى الإمام أحمد وأبو عُبيد؛ عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، قال: آخر ما تكلَّم به رسول الله ﷺ قال: (أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)([55]).
[56]وقام خلفاؤه بَعْدَهُ بدينه ﷺ، فأرسل أبو بكر الصِّدِّيق الجيوش لغزو النَّصَارى بالشام، وجرَتْ بين المسلمين وبينهم عدَّة غزوات، ومات أبو بكر وهم محاصِـرو دمشق.
ثم وَلِيَ عمرُ بن الخطاب، ففُتِحَ عامَّة الشَّام ومصـر والعراق وبعض خراسان في خلافته، وقَدِم إلى الشَّام في خلافته، وسلَّم إليه النَّصَارى بيت المقدس لما رأوه من صفته عندهم([57]).
[58] [أخرج] [مسلمٌ] عن أنس أنَّ النبي ﷺ كتب إلى كسـرى، وقيصـر، والنجاشيِّ، وإلى كُلِّ جبَّارٍ يدعوهم إلى الله عز وجل([59])، وليس بالنجاشيِّ الذي نعاه لأصحابه في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ وصلَّى عليه، بل نجاشيٌّ آخرُ تملَّك بعده. () الطبقات الكبرى (1/292).
وأخرج [مسلمٌ] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)([60]). تعليق جانبي/ إيمان النجاشي
وقال ﷺ: (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)([61]).
وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنَّصَارى، ومن دعوة المشـركين وعبَّاد الأوثان، وجميع الإنس والجنِّ، ما لا يُحصَـى إلا بكُلْفَة، وهذا كلُّه معلومٌ بالاضطرار من دين الإسلام، فكيف يُقال: إنَّه لَـمْ يَذْكُر أنه بُعِثَ إلا إلى العرب خاصَّة، وهذه دعوته ورُسُله وجهاده لليهود والنَّصَارى والمجوس بعد المشـركين، وهذه سيرتُه ﷺ فيهم؟! () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (1764).
وأيضًا؛ فالكتابُ المتواتر عنه -وهو القرآن- يذكر فيه دعاءه لأهل الكتاب إلى الإيمان به في مواضع كثيرةٍ جدًّا، بل يذكر الله تبارك وتعالى فيه كُفْرَ من كَفَرَ من اليهود والنَّصَارى، ويأمر فيه بقتالهم، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 17]، وقوله في هذه السورة أيضًا: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [التوبة: 30].
فهذه الدَّلائل وأضعافها ممَّا تُبيِّن أنَّه نفسه ﷺ أخبر أنَّه رسولُ الله إلى النَّصَارى وغيرهم من أهل الكتاب، وأنَّه دعاهم وجاهدَهم وأمر بدعوتهم وجهادهم، وليس هذا ممَّا فعلته أمَّتُه بعده بدعةً ابتدعوها، كما فعلت النَّصَارى بعد المسيح عليه السلام؛ فإنَّ المسلمين لا يُجوِّزون لأحدٍ بعد محمَّدٍ ﷺ أن يُغَيِّر شيئًا من شريعته،فلا يُحَلِّل ما حَرَّم، ولا يُحَرِّم ما حَلَّل، ولا يُوجِبُ ما أسقَط، ولا يُسْقِطُ ما أوجَب، بل الحلال عندهم ما حلَّله الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله، والدينُ ما شرعه الله ورسوله، بخلاف النَّصَارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعًا لَـمْ يَشْـرَعْها المسيحُ عليه السلام، ولا نطق بها شيءٌ من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدِّمة، وزعموا أنَّ ما شرعه أكابرهم من الدِّين فإنَّ المسيحَ يُمْضِيه لهم. تعليق جانبي/ إيمان ورقة ابن نوفل () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (160).
[62]والذي يَدِينُ به المسلمون مِن أنَّ محمَّدًا ﷺ بُعِث رسولًا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأنَّ مَن لَـمْ يُؤْمِن به فهو كافرٌ مستَحِقٌّ لعذاب الله، مستَحِقٌّ للجهاد، وهو ممَّا أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه؛ لأنَّ الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك، وذكره الله في كتابه، وبيَّنه الرسول أيضًا في الحكمة المنزَلَةِ عليه من غير الكتاب؛ فإنَّه تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولَـمْ يَبْتَدِع المسلمون شيئًا من ذلك من تلقاء أنفسهم، كما ابتدعت النَّصَارى كثيرًا من دينهم، بل أكثر دينهم، وبدَّلوا دين المسيح وغيَّروه. تعليق جانبي/ إيمان طائفة من النصارى بمكة
ولهذا كان كفرُ النَّصَارى لـمَّا بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ مثل كفر اليهود لـمَّا بُعِثَ المسيحُ عليه السلام؛ فإنَّ اليهود كانوا قد بدَّلوا شرع التوراة قبل مجيء المسيح، فكفروا بذلك، ولـمَّا بُعِثَ المسيحُ إليهم كذَّبوه، فصاروا كفَّارًا: () دلائل النبوة للبيهقي (2/306-307).
بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه. تعليق جانبي/ مراسلة النبي ﷺ لنصارى الشام
وبتكذيب الكتاب الثاني.
وكذلك النَّصَارى كانوا بدَّلوا دين المسيح قبل أن يُبْعَث محمَّدٌ ﷺ، فابتدعوا من التـثليث، والاتِّحاد، وتغيير شرائع الإنجيل؛ أشياء لَـمْ يُبْعَث بها المسيحُ عليه السلام، بل تُخالِف ما بُعِث به، وافترقوا في ذلك فرقًا متعدِّدة، وكفَّر فيها بعضهم بعضًا، فلمَّا بُعِث محمَّدٌ ﷺ كذَّبوه، فصاروا كفارًا:
بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه. () وقد وردت بهذه اللفظة: (عارَضه) في معجم الطبراني الكبير (8/19)، رقم: (7271)، وفي تاريخ الطبري ورد بلفظ: (حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس). انظر: تاريخ الأمم والملوك (2/646)، وعند البيهقي أتى بلفظ: (حين ظهر قيصـر صاحب الرُّوم على من كان في بلاده من الفُرْس). انظر: دلائل النبوة للبيهقي (4/381). () أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (4/381)، وأصل القصة في الصحيحين، فقد أخرجها البخاري في "صحيحه" برقم: (7)، (4553)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1773).
وبتكذيب الكتاب الثاني. () انظر: الروض الأنف (7/365).
وإنْ كان قليلٌ من النَّصَارى كانوا عند مبعث محمَّد ﷺ متمسِّكين بدين المسيح كما كان الذين لَـمْ يُبَدِّلُوا دين المسيح كله على الحق، فهذا كما أنَّ من كان مُتَّبِعًا شرع التوراة عند مبعث المسيح كان مُتَمَسِّكًا بالحقِّ كسائر من اتبع موسى، فلمَّا بُعِث المسيحُ صار كلُّ مَن لَـمْ يُؤْمِن به كافرًا، وكذلك لـمَّا بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ صار كلُّ مَن لَـمْ يُؤْمِن به كافرًا. تعليق جانبي/ مراسلة النبي ﷺ لنصارى مصر
والمقصود في هذا المقام: بيان ما بُعِث به محمَّدٌ ﷺ من عموم رسالته، وأنَّه هو نفسه الذي أخبر أنَّ الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم، وأنَّه نفسه ﷺ دعا أهل الكتاب، وجاهدَهم، وأمر بجهادهم.
فمن قال بعد هذا من أهل الكتاب اليهود والنَّصَارى: [إنَّه لَـمْ يُبْعَث إلينا]، بمعنى أنَّه لَـمْ يقُل: [إنَّه مبعوثٌ إلينا]؛ كان مُكابرًا، جاحدًا للضـرورة، مفتريًا على الرَّسُول فريةً ظاهرةً تعرفها الخاصَّة والعامَّة، وكان جَحْدُه لهذا كما لو جحَد أنَّه جاء بالقرآن، أو شرع الصَّلوات الخمس، وصوم رمضان، وحجَّ البيت الحرام.
وجَحْدُ محمَّدٍ ﷺ وما تواتر عنه أعظمُ من جحد أتباع الحواريِّين للمسيح عليه السلام وإرساله لهم إلى الأمم، ومجيئه بالإنجيل، ومجيء موسى عليه السلام بالتوراة، وجحد أنَّه كان يَسْبِت([63])؛ فإنَّ النَّقْل عن محمَّدٍ ﷺ مدَّته قريبة، والناقلون عنه أضعاف أضعاف أضعاف من نقل دينَ المسيح عنه، وأضعاف أضعاف أضعاف من اتَّصل به نقلُ دين موسى عليه السلام؛ فإنَّ أمَّة محمَّدٍ ﷺ ما زالوا كثيرين منتشـرين في مشارق الأرض ومغاربها، وما زال فيهم من هو ظاهرٌ بالدِّين منصورٌ على الأعداء، بخلاف بني إسرائيل فإنَّهم زال مُلْكُهم في أثناء الأمر لَـمَّا خُرِّبَ بيتُ المقدس الخرابَ الأول بعد داود عليه السلام، ونقص عددُ من نقل دينَهم، حتى قد قيل: إنَّه لَـمْ يَبْقَ من يحفظ التوراة إلا واحد. () انظر: الروض الأنف (7/517-518).
والمسيح عليه السلام لَـمْ يَنْقُلْ دِيْنَهُ عنه إلا عددٌ قليل، لكنَّ النَّصَارى يزعمون أنَّهم رُسُل الله، معصومون، مثل: إبراهيم وموسى، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى إذا وصلنا إليه، إذ المقصود هنا بيانُ أنَّ من زعم أنَّ محمَّدًا ﷺ كان يقول: «إنَّه لَـمْ يُبْعَث إلا إلى مشـركي العرب» فإنَّه في غاية الجهل والضلال، أو غاية المكابرة والمعاندة؛ فإنَّ هذا أعظم جهلًا وعنادًا ممَّن يُنْكِرُ أنَّه كان يأمر بالطهارة والغُسل من الجنابة، ويُحرِّم الخمر والخنزير، وأعظم جهلًا وعنادًا ممَّن ينكر ما تواتر من أمر المسيح وموسى عليهما السلام، وقد ظهر بهذا بطلانُ قولهم: «عَلِمنا أنَّه لَـمْ يأتِ إلينا، بل إلى جاهليَّة العرب». () هرقل، والمقوقس.
[احتجاج النَّصَارى بالقرآن]
() وكان فيما دار بين المقوقس والمغيرة، أنَّ المغيرة أخبره بما يدعو إليه النبي ﷺ من عبادة الله تعالى، وترك ما كان عليه آباؤهم من الشـرك وعبادة الاوثان، وأنَّه يأمر بالصلاة لأوقاتٍ معلومة = = والزكاة فرضًا معلومًا للفقراء، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، وتحريم الزنا وشرب الخمر وأكل الميتة، فأقرَّ المقوقس أنَّ محمَّدًا ﷺ نبيٌّ مُرسْل من عند الله، وأنَّ عيسى عليه السلام قد بشَّـر به، وأمر باتِّباعه. ثُمَّ إنَّ المغيرة بن شعبة لما سمع هذا من المقوقس وقع ذلك في قلبه، فجعل يطوف بالكنائس والأساقفة يسألهم عن صفة محمَّدٍ ﷺ؛ فأُخبر من دقيق صفاته: أنَّه ليس بالطويل ولا بالقصير وليس بالأبيض ولا الآدم، يخرج من الحرم، ويهاجر إلى أرض النخل، وأنَّه آخر الأنبياء، وأنَّ الله قد جعل له الأرض مسجدًا وطهورًا، إلى غير ذلك من صفته ﷺ . انظر: الجواب الصحيح (1/146-149).
فاحتجاج هؤلاء [النَّصَارى] بالآيات التي ظنُّوا دلالتها على أنَّ نبوَّته خاصَّةٌ بالعرب تدلُّ على أنَّهم ليسوا ممن يجوز لهم الاستدلال بكلام أحدٍ على مقصوده ومراده، وأنهم ممَّن قيل فيه: ﴿فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا﴾ [النساء: 78]، فليسوا أهلًا أنْ يَحتجُّوا بالتوراة والإنجيل والزَّبور على مراد الأنبياء، وسائر الكلام المنقول عن الأنبياء على مراد الأنبياء عليهم السلام، بل ولا يَحتَجُّون بكلام الأطبَّاء والفلاسفة والنُّحاة وعلم أهل الحساب والهيئة على مقاصدهم. تعليق جانبي/ غزو النبي ﷺ للنصارى () مدينة بشرقي الأردن، تُشْرِفُ جبالها على البحر الميت، وتقع مؤتة وهي بلدة صغيرة على بعد (11 كيلًا) جنوبها. انظر: «المعالم الأثيرة» لمحمد حسن شراب (ص237). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4261). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1215).
فإنَّ النَّاس كلهم متَّفقون على أنَّ لغة العرب من أفصح لغات الآدميِّين وأصحِّها، ومتَّفقون على أنَّ القرآن في أعلى درجات البيان والبلاغة والفصاحة، وفي القرآن من الدلالات الكثيرة على مقصود الرسول ﷺ التي يَذْكُر فيها أنَّ الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم ما لا يُحصـى إلا بكُلْفَة، ثُمَّ مع ذلك من النُّقول المتواترة عن سيرته ﷺ في دعائه لأهل الكتاب، وأمره لهم بالإيمان به، وجهاده لهم إذا كفروا به، ما لا يخفى على من له أدنى خبرةٍ بسيرته ﷺ، وهذا أمرٌ قد امتلأ العالَـمُ به، وسمعه القاصي والدَّاني. () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (2749)، وأبو داود في "سننه" برقم: (1235).
فإذا كان النَّاس المؤمنُ به وغير المؤمن به يعلمون أنَّه كان يقول: «إنَّه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم»، وأنَّ ظهور مقصوده بذلك ممَّا تعلمه بالاضطرار الخاصَّة والعامَّة، ثُمَّ شرعوا يظنُّون أنَّه كان يقول: «إنِّي لَـمْ أُبْعَث إلا إلى العرب»، واستمرَّ على ذلك حتى مات، دلَّ على فساد نظرهم وعقلهم، أو على عنادهم ومكابرتهم.
وكان الواجبُ إذ لَـمْ يكُنْ لهم معرفةٌ بمعاني هذه الآيات التي استدلُّوا بها على خُصُوص رسالته أنْ يعتقدوا أحد أمرين:
إمَّا أنَّ لها معاني توافق ما كان يقوله. تعليق جانبي/ أمر عند موته بإخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب.
أو أنها من المنسوخ. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (1767).
فقد عَلِمت العامَّة والخاصَّة أنَّ محمَّدًا ﷺ كان يُصَلِّي بعد هجرته إلى بيت المقدس نحو سنةٍ ونصف، ثم أُمِرَ بالصَّلاة إلى الكعبة البيت الحرام، والنَّصَارى يوافقون على أنَّ شرائع الأنبياء فيها ناسخٌ ومنسوخ، مع أنَّ ما ذكروه من الآيات ليس منسوخًا. () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (1713)، وأبو عُبيد في "الأموال" (ص129).
ولكنَّ المقصود أنَّ المعلوم من حال الرسول ﷺ عِلْمًا ضروريًّا يقينيًّا متواترًا لا يجوز دفعُه؛ فإنَّ العلم بأنَّه كان يقول: «إنَّه رسول الله ﷺ إلى جميع الخلق» معلومٌ لكلِّ من عَرَفَ أخباره ﷺ سواءٌ صدَّقه أو كذَّبه، والعلمَ بأنَّه كان يقول: «إنَّه رسول الله إلى جميع النَّاس» ممكنٌ قبل أن يُعْلَم أنَّه نبيٌّ أو ليس بنبيٍّ، كما أنَّ العلم بنبوَّته وصدقه ممكنٌ قبل أن يُعْلَم عمومُ رسالته، فليس العلم بأحدهما موقوفًا على الآخر، ولهذا كان كثيرٌ ممن يُكَذِّبه يعلم أنَّه كان يقول: «إنَّه رسول الله إلى جميع الخلق»، وطائفةٌ ممَّن تُقِرُّ بنبوَّته وصِدْقِه لا تُقِرُّ بأنَّه رسولٌ إلى جميع الخلق. تعليق جانبي/ قيام خلفائه بجهاد النصارى
والمقصود هنا: الكلام مع هؤلاء بأنَّ العلم بعموم دعوته لجميع الخلق -أهل الكتاب وغيرهم- هو متواترٌ معلومٌ بالاضطرار، كالعِلْم بنفس مَبْعَثِه ودعائه الخلقَ إلى الإيمان به وطاعته، وكالعِلْم بهجرته من مكَّة إلى المدينة، ومجيئه بهذا القرآن، والصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وحجِّ البيت العتيق، وإيجاب الصِّدق والعدل، وتحريم الظُّلم والفواحش، وغير ذلك ممَّا جاء به محمَّدٌ ﷺ. () ذكر ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضع الشروط العمرية التي شرطها للصُّلْح مع نصارى الشام. انظر: الجواب الصحيح (1/154-157).
[64]فإنْ قيل: بل في القرآن ما يقتضي أنَّ رسالته خاصَّة، وفيه ما يقتضـي أنَّ رسالته عامَّة، وهذا تناقض. تعليق جانبي/ ثانيا: أدلة عموم بعثة النبي ﷺ () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (1774).
قيل: هذا باطل، ويُعْلَم بطلانُه قبل العلم بنبوَّته؛ فإنَّه من المعلوم لكلِّ أحدٍ آمن به أو كذَّبه أنَّه كان من أعظم النَّاس عقلًا وسياسةً وخبرة، وكان مقصودُه دعوةَ الخلق إلى طاعته واتِّباعِه، وكان يقرأ هذا القرآن على جميع النَّاس، ويأمر بتبليغه إلى جميع الأمم، وكلُّ من طلب منه أن يُؤَمِّنه حتى يقرأ عليه القرآن من الكفَّار وجب عليه أن يجيبه ولو كان مُشْـرِكًا، فكيف إذا كان كتابيًّا؟!، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]. وكان قد أظهَر أنَّه مبعوثٌ إلى أهل الكتاب وسائر الخلق، وأنَّه رسولٌ إلى الثقلين الجنِّ والإنس، فيمتنعُ مع هذا أن يُظْهِر ما يدلُّ على أنَّه لَـمْ يُبْعَث إليهم، فإنَّ هذا لا يفعله مَنْ له أدنى عقل؛ لمناقضته لمراده، فكيف يفعله مثل هذا الذي اتَّفقت عقلاء الأمم على أنَّه أعقلُ الخلق، وأحسنهم سياسةً وشريعة؟! () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (335)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (523).
وأيضًا؛ فكان أصحابه والمقاتلون معه لعدُوِّه يَنْفِرون عنه، وقد كان عادتهم أنْ يستَشْكِلُوا ما هو دون هذا، وهذا لَـمْ يسْتَشْكِلْهُ أحد. ثُمَّ بعد هذا، فلو قُدِّر أنَّ في القرآن ما يدُلُّ على أنَّه لَـمْ يُبْعَث إلا إلى العرب، وفيه ما يدُلُّ على أنَّه بُعِثَ إلى سائر الخلق، كان هذا دليلًا على أنَّه أُرْسِل إلى غيرهم بعد أنْ لَـمْ يُرسَل إلا إليهم، وأنَّ الله عَمَّ بدعوته بعد أن كانت خاصَّة. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (335).
فلا مناقضة بين هذا وهذا، فكيف وليس في القرآن آيةٌ واحدةٌ تدُلُّ على اختصاص رسالته بالعرب، وإنَّما فيه إثبات رسالته إليهم، كما أنَّ فيه إثبات رسالته إلى قريش، وليس هذا مناقضًا لهذا.
وفيه إثبات رسالته إلى أهل الكتاب، كقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا﴾ [النساء: 47]، كما فيه إثبات رسالته إلى بني إسرائيل كقوله: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [البقرة: 40]، وليس هذا التخصيصُ لليهود منافيًا لذلك التعميم.
وفي رسالته خطابٌ لليهود تارةً، وللنَّصارَى تارة، وليس خطابه لإحدى الطائفتين ودعوته لها مناقضًا لخطابه للأخرى ودعوته لها.
وفي كتابه خطابٌ للذين آمنوا مِن أمَّته في دعوته لهم إلى شرائع دينه، وليس في ذلك مناقضةٌ بأنْ يخاطِب أهلَ الكتاب ويدعوهم.
وفي كتابه أمرٌ بقتال أهل الكتاب النَّصَارى حتى يُعْطُوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قال تعالى: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، ثُمَّ لَـمْ يكُنْ هذا مانعًا أنْ يأمر بقتال غيرهم من اليهود والمجوس حتى يُعْطُوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، بل هذا الحكم ثابتٌ في المجوس بسُنَّـتِهِ واتفاق أمَّته -وإنْ قيل: إنَّهم ليسوا من أهل الكتاب-. تعليق جانبي/ ثالثا: إجماع المسلمين على أنَّ النبي ﷺ دعا النصارى إلى دينه.
فهذا كلُّه ممَّا يُعْلَم بالاضطرار من دينه قبل العلم بنبوَّته، فكيف ونحن نتكلَّم على تقدير نبوَّته، والنبيُّ لا يتناقض قوله؟!.
[الرد على احتجاج النَّصَارى بالقرآن]
[الدليل الأول]
[فاحتجُّوا] بقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا ﴾ [البقرة: 151]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ [آل عمران: 164] فهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128].
وهذا في عمومه نزاع([65])؛ فإنه:
إمَّا أن يكون خطابًا لجميع النَّاس، ويكون المراد: إنَّا بعثنا إليكم رسولًا مِن البشـر، إذ كنتم لا تُطِيقُونَ أن تأخذوا عن ملكٍ من الملائكة، فمنَّ الله عليكم بأنْ أرْسَلَ إليكم رسولًا بشريًّا، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿٨﴾ وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ﴾ [الأنعام: 8 - 9].
وإمَّا أن يكون الخطاب للعرب.
وعلى التقديرين؛ فإنَّ ما تضمَّن ذِكْر إنعامه على المخاطبين بإرساله رسولًا من جنسهم، وليس في هذا ما يمنع أنْ يكون مُرْسَلًا إلى غيرهم، فإنَّه إنْ كان خطابًا للإنس كلِّهم فهو أيضًا مُرْسَلٌ إلى الجنِّ وليس من جنسهم، فكيف يمتنع إذا كان خطابًا للعرب بما امتنَّ به عليهم؛ أنْ يكون قد امتنَّ على غيرهم بذلك؟!.
فالعجمُ أقربُ إلى العرب من الجنِّ إلى الإنس، وقد أخبر في الكتاب العزيز أنَّ الجنَّ لـمَّا سمعوا القرآن آمنوا به، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ﴿٢٩﴾ قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ﴿٣٠﴾ يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ﴿٣١﴾ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ([66]) [الأحقاف: 29 - 32].
ونظير هذا قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، وقومُه قريش، ولا يمنع أن يكون ذكرًا لسائر العرب، بل لسائر النَّاس، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ﴿٥١﴾ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ ([67]) [القلم: 51 - 52]. () والمقصود بذلك: الامتناع يوم السبت عن الأعمال، فإنَّ الله قد حرَّم عليهم أن يعملوا في السبت عملًا سوى العبادة، ابتلاءً واختبارًا. انظر: تفسير السمعاني (2/225)، تفسير القاسمي (5/209)، تفسير المراغي (9/93). وأتى في سفر الخروج الإصحاح [31]: (14احفظوا يوم السبت لأنَّه مُقَدَّسٌ لكم. مَنْ يُدَنِّسْه حتمًا يمت. فكُلُّ مَن يقوم فيه بعملٍ تُسْتَأصَلُ تلك النَّفْس من بين قومها. 15 في ستة أيام تعملون، أمَّا يوم السبت فهو يوم عطلة مقدس للرَّب. كل من يقوم بعمل في يوم السبت يُقْتَلُ حتمًا). وكذلك أتى في الخروج (35: 2-3)، والعدد (15: 32-36).
وهذا على أصحِّ القولين، وأن المراد بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أنَّه ذِكْرٌ لهم يَذْكُرونه فيهتدون به.
وقيل: إنَّ المراد أنَّه شَرَفٌ لهم. وليس بشـيء؛ فإنَّ القرآن هو شرفٌ لمن آمن به مِن قومه وغيرهم، وليس شرَفًا لجميع قومه، بل مَن كذَّب به منهم كان أحقَّ بالذم، كما قال تعالى: ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 66].
بخلاف كونه تذكرة وذكرى؛ فإنَّه تذكرةٌ لهم ولغيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]، فعَمَّ العالمين جميعَهم، فقال: ﴿وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [يوسف: 104].
[الدليل الثاني]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3]، فهذا يتضمَّنُ إنعامَ الله به على عباده؛ لأنَّ اللسان العربيَّ أكملُ الألسنة وأحسنُها بيانًا للمعاني، فنزول الكتاب به أعظمُ نعمةً على الخلق من نزوله بغيره.
وهو إنَّما خُوطبَ به أولًا العربُ ليفْهمُوه، ثُمَّ من يَعْلَمُ لُغتَهم يَفْهَمُه كما فَهِمُوه، ثُمَّ مَن لَـمْ يَعْلَم لُغتَهم ترجَمَه له مَن عَرَف لغتَهم. وكان إقامة الحجَّة به على العرب أولًا، والإنعام به عليهم أولًا؛ لمعرفتِهم بمعانيه قبل أن يعرفه غيرهم.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: 58]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا﴾ [مريم: 97]، واللُّدُّ؛ جمع: الألَدِّ، وهو الأعوج في المناظرة، الذي يروغ عن الحقِّ، كما قال النبي ﷺ: (إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلَى الله الْأَلَدُّ الْخصِمُ)([68]).
[الدليل الثالث]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، فهو كما قال تعالى. وقومُ محمَّدٍ ﷺ؛ هم: قريش، وبلسانهم أُرْسِل، وهو سبحانه لَـمْ يقل: «وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا إِلَى قَوْمِهِ»، بل الرَّسُول يبْعَثُهُ الله إلى قومه وغير قومه، كما تقول النَّصَارى: إنه بَعَث المسيحَ عليه السلام والحواريِّين إلى غير بني إسرائيل وليسوا من قومه، فكذلك بُعِث محمَّدٌ ﷺ إلى قومه وغير قومه، ولكن إنَّما يُبْعَثُ بلسان قومِهِ ليبيِّن لهم، ثُمَّ يَحْصُل البيان لغيرهم بتوسُّط البيان لهم، إمَّا بلغتهم ولسانهم، وإمَّا بالتَّرجمة لهم.
ولو لَـمْ يتبيَّن لقومه أولًا لَـمْ يحصل مقصود الرِّسالة لا لهم ولا لغيرهم، وإذا تبيَّن لقومه أولًا حصل البيانُ لهم ولغيرهم بتوسُّطهم، وقومُه إليهم بُعِث أولًا، ولهم دعا أولًا، وأنذر أولًا، وليس في هذا أنَّه لَـمْ يُرْسَل إلى غيرهم، لكن إذا تبيَّن لقومه لكونه بلسانهم أمكنَ بعد هذا أن يعرفه غيرُ قومه، إمَّا بتعلُّمه بلسانهم، وإمَّا بتعريفٍ بلسانٍ يُفْهَمُ به.
والرَّجلُ يكتب كتابَ علمٍ في طبٍّ أو نحوٍ أو حسابٍ بلسان قومه، ثم يُتَرْجَمُ ذلك الكتاب ويُنْقَل إلى لغاتٍ أُخَر، وينتفع به أقوامٌ آخرون، كما تُرْجِمَت كتبُ الطبِّ والحساب التي صُنِّـفَتْ بغير العربي، وانتفع بها العربُ وعرفوا مراد أصحابها، وإنْ كان المصنِّـف لها أولًا إنَّما صنَّـفَها بلسان قومه.
وإذا كان هذا في بيان الأمور التي لا يتعلَّق بها سعادة الآخرة والنَّجاة من عذاب الله، فكيف يمتنعُ في العلوم التي يتعلَّق بها سعادة الآخرة والنَّجاة من العذاب أنْ يُنْقَل من لسانٍ إلى لسانٍ حتى يفهم أهلُ اللسان الثاني بها ما أراده بها المتكلِّم بها أولًا باللسان الأول؟! تعليق جانبي/ بطلان دعوى أنَّ في القرآن ما يقتضـي خصوصية رسالته للعرب
وأبناء فارس المسلمون لَـمَّا كان لهم عنايةٌ بهذا ترجموا مصاحفَ كثيرة، فيكتبونها بالعربيِّ، ويكتبون التَّرجمة بالفارسيَّة، وكانوا قبل الإسلام أبعد عن المسلمين من الرُّوم النَّصَارى، فإذا كان الفُرْسُ المجوسُ قد وصل إليهم معاني القرآن بالعربيِّ وترجمَته، فكيف لا يصل إلى أهل الكتاب وهم أقربُ إلى المسلمين منهم؟!، وعامَّة الأصول التي يذكرها القرآن عندهم شواهدُها ونظائرُها في التَّوراة والإنجيل والزَّبور وغير ذلك من النبوَّات.
بل كلُّ من تدبَّر نبوَّات الأنبياء وتدبَّر القرآن جزم جزمًا يقينًا بأنَّ محمَّدًا رسُول الله حقًّا، وأنَّ موسى رسول الله صدقًا؛ لما يرى من تصادق الكتابين التَّوراة والقرآن مع العلم بأنَّ موسى عليه السلام لَـم يأخذ عن محمَّدٍ ﷺ، وأنَّ محمَّدًا ﷺ لَـم يأخذ عن موسى؛ فإنَّ محمَّدًا ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحاله كان أمِّيًّا من قوم أمِّيِّين، مُقيمًا بمكة، ولَـْم يكن عندهم من يحفظ التَّوراة ولا الإنجيل ولا الزَّبور، ومحمَّدٌ لَـمْ يخرج من بين ظهرانيهم، ولَـمْ يُسافِر قطُّ إلا سفرتَيْن إلى الشَّام: خرج مرةً مع عمِّه أبي طالب قبل الاحتلام، ولَـمْ يكن يفارقه([69]). ومرةً أخرى مع ميسـرة في تجارته، وكان ابن بضع وعشـرين سنة، مع رفقةٍ كانوا يعرفون جميع أحواله([70])، ولَـمْ يجتمع قطُّ بعالِـمٍ أخذ عنه شيئًا، لا من علماء اليهود، ولا النَّصَارى ولا من غيرهم، لا بَحِيرَا ولا غيره، ولكن كان بَحِيرَا الرَّاهب لَـمَّا رآه عرفه؛ لِـمَا كان عنده من ذِكْرِه ونعته، فأخبر أهله بذلك، وأمرهم بحفظه من اليهود، ولَـمْ يتعلَّم لا مِن بَحِيرَا، ولا من غيره كلمةً واحدة.
هذا مع أنَّ في القرآن من الردِّ على أهل الكتاب في بعض ما حرَّفوه، مثل دعواهم أنَّ المسيح عليه السلام صُلِبَ، وقول بعضهم: إنَّه إله، وقول بعضهم: إنَّه ساحر. وطعنهم على سليمان عليه السلام؛ وقولهم: إنَّه كان ساحرًا، وأمثال ذلك؛ ما يُبيِّن أنَّه لَـمْ يأخذ عنهم.
وفي القرآن من قصص الأنبياء عليهم السلام ما لا يوجد في التَّوراة ولا الإنجيل، مثل: قصَّة هود، وصالح، وشعيب، وغير ذلك.
وفي القرآن مِن ذِكْرِ المعاد وتفصيله، وصفة الجنَّة والنَّار، والنَّعيم والعذاب، ما لا يُوْجَدُ مثله في التَّوراة والإنجيل، بل التَّوراة ليس فيها تصـريحٌ بذِكْرِ المعاد، وعامَّة ما فيها من الوعد والوعيد فهو في الدُّنيا، كالوعد بالرِّزق والنَّصْـر والعاقبة، والوعيد بالقحط، والأمراض، والأعداء.
وإنْ كان ذكرُ المعاد موجودًا في غير التَّوراة من النبوَّات، ولهذا كان أهل الكتاب يُقِرُّون بالمعاد، وقيام القيامة الكبرى، وقد قيل: إنَّ ذلك مذكورٌ في التَّوراة أيضًا، لكن لَـمْ يُبْسَط كما بُسِط في غير التَّوراة.
[الدليل الرابع]
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا﴾ فحقٌّ، وتمام الآية: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].
وهذا كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ﴾ [فاطر: 24]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7]، في أصحِّ الأقوال؛ أي: ولكل قومٍ داعٍ يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته كما أنتَ هادٍ؛ أي: داعٍ لمن أُرسِلتَ إليه.
والهادي بمعنى الداعي المعلِّم المبلِّغ، لا بمعنى الذي يَجعل الهدى في القلوب، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 52- 53]، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17].
ومعلومٌ أنَّ بني إسرائيل كانوا أكثر الأُمَمِ أنبياء، بُعِثَ إليهم موسى، وبُعِثَ إليهم بعده أنبياء كثيرون، حتى قيل: إنَّهم ألف نبيٍّ، وكلهم يأمرون بشـريعة التَّوراة ولا يُغَيِّرون منها شيئًا، ثُمَّ جاء المسيح بعد ذلك بشـريعةٍ أخرى غيَّر فيها بعض شَرْعِ التَّوراة بأمر الله عز وجل.
فإذا كان إرسالُ موسى والأنبياء بعده إليهم لَـمْ يمنَعْ إرسالَ المسيح إليهم، فكيف يمتنع إرسالُ محمَّدٍ ﷺ إلى أهل الكتاب من اليهود والنَّصَارى وهم من حين المسيح لَـمْ يأتهم رسولٌ من الله، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ﴾ [المائدة: 19]. () قال شيخ الإسلام: (والتحقيق أنَّه خوطب به أولًا العرب، بل خوطب به أولًا قريش، ثم العرب، ثُمَّ سائر الناس من أهل الكتاب والأُميِّـيِّن غير العرب). انظر: تفسير آيات أشكلت (1/236- 238)، الرد على المنطقيين (ص540)، مجموع الفتاوى (16/189- 192).
[الدليل الخامس]
وأمَّا تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] بأنَّ مراده قومُه. كما قالوا: (وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يريد بحسب مقتضى العدل قومَه الذين أتاهم بلغتهم، لا غيرهم ممَّن لَـمْ يأتهم بما جاء فيه)([71]).
فيُقال لهم: من فسَّر مرادَ متكلِّمٍ -أيَّ متكلِّم كان- بما يَعْلَمُ النَّاسُ أنَّه خلاف مراده؛ فهو: كاذبٌ مُفْـتَـرٍ عليه، وإنْ كان المتكلِّم من آحاد العامَّة، ولو كان المتكلِّم من المتنبِّئين الكذَّابين؛ فإنَّ مَن عُرِف كذِبُه إذا تكلَّم بكلامٍ وعُرِف مراده به؛ لَـْم يَجُزْ أن يُكْذَب عليه، فيُقال: أراد كذا وكذا؛ فإنَّ الكذب حرامٌ قبيحٌ على كلِّ أحدٍ سواءٌ كان صادقًا أو كاذبًا، فكيف بمن يُفَسِّر مراد الله ورسوله بما يَعْلَم كلُّ من خَبَر حالَه عِلْمًا ضروريًّا أنَّه لَـمْ يُرِد ذلك، بل يَعْلَمُ عِلْمًا ضروريًّا أنَّه أراد العموم؟!.
فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا﴾ صيغةٌ عامَّة، وصيغة «مَن» الشَّرطية من أبلغ صيغ العموم، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ﴿٧﴾ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7- 8]. () وأيضًا في سورة الجن ذِكْرٌ لهذا المعنى.
ثُمَّ إنَّ سياق الكلام يدُلُّ على أنَّه أراد أهل الكتاب وغيرهم؛ فإنَّ هذا في سورة آل عمران في أثناء مخاطبته لأهل الكتاب ومناظرته للنَّصارَى؛ فإنَّها نزَلَتْ لَـمَّا قَدِمَ على النبيِّ ﷺ وفدُ نجران النَّصَارى، ورُوِيَ أنَّهم كانوا سِتِّين راكبًا، وفيهم: السَّيِّد، والأيهَم، والعاقب، وقصَّتهم مشهورة ٌمعروفة. () انظر بقية الآيات: [النساء: 79]، [الفرقان: 1]، [ص:86-88]، [التكوير: 19-29].
وقد قال قبل هذا الكلام يَذُمُّ دينَ النَّصَارى الذي ابتدعوه، وغيَّروا به دينَ المسيح، ولَبَّسُوا الحقَّ الذي بُعِث به المسيحُ بالباطل الذي ابتدعوه، حتى صار دينهم مُركَّبًا من حقٍّ وباطل، واختلط أحدُهما بالآخر فلا يكاد يُوْجَد معه من يَعْرِف ما نسخه المسيحُ من شريعة التَّوراة ممَّا أقرَّه، والمسيحُ قرَّر أكثر شَرْع التَّوراة وغيَّر البعض، وعامَّة النَّصَارى لا يميِّزون ما قرَّره ممَّا غيَّره، فلا تَعْرِفُ([72]) دينَ المسيح.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ﴿٧٩﴾ وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79- 80]، فقد بيَّن أنَّ من اتَّخذ الملائكة والنبيِّين أربابًا فهو كافر، فمن اتَّخذ مَن دونهم أربابًا كان أَوْلى بالكفر، وقد ذكَر أنَّ النَّصَارى اتَّخذوا من هو دونهم أربابًا بقوله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
ثُمَّ قال تعالى في آل عمران: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].
قال ابن عبَّاس وغيره من السَّلف: ما بَعَثَ الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لَئِن بُعِثَ محمَّدٌ وهو حيٌّ ليؤمنَنَّ به ولينصـرَنَّه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمَّته لَئِن بُعِثَ محمَّدٌ وهم أحياءٌ ليؤمنُنَّ به ولينصرُنَّه([73]).
فدَلَّ ذلك على أنَّه مَن أدرك محمَّدًا من الأنبياء وأتباعهم، وإنْ كان معه كتابٌ وحكمةٌ فعليه أنْ يُؤْمِن بمحمَّدٍ ويَنْصُـرَه، كما قال: ﴿لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ ﴾ [آل عمران: 81].
وقد أقرَّ الأنبياء بهذا الميثاق، وشَهِدَ الله عليهم به، كما قال تعالى: ﴿ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ ، ثُمَّ قال: ﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ ، ثُمَّ قال: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴾ ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 82- 85].
قال طائفةٌ من السَّلف([74]): لَـمَّا أنزل الله هذه الآية، قال من قال من اليهود والنَّصَارى: نحن مسلمون، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ ﴾ ، فقالوا: لا نحجُّ، فقال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2457)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2668).
فكلُّ مَن لَـمْ يرَ حجَّ البيت واجبًا عليه -مع الاستطاعة- فهو كافرٌ، باتفاق المسلمين، كما دلَّ عليه القرآن، واليهود والنَّصَارى لا يَرَوْنَهُ واجبًا عليهم، فَهُمْ مِن الكفَّار، حتى إنَّه رُوِيَ في حديثٍ مرفوع إلى النبيِّ ﷺ: (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبْلِغُه إِلَى بَيْتِ الله، وَلَـمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْـرَانِيًّا)([75])، وهو محفوظٌ من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه([76]).
وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ مَن جَحَدَ وجوب مباني الإسلام الخمس: الشهادتين والصَّلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، وحجِّ البيت؛ فإنَّه كافر.
وأيضًا؛ فقد قال تعالى في أول سورة آل عمران: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴿١٨﴾ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ﴿١٩﴾ فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 18- 20].
فقَدْ أمَرَهُ تعالى بعد قوله: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ أنْ يقول: أسلمتُ وجهيَ لله ومن اتَّبعنِ، وأنْ يقول للذين أوتوا الكتاب -وهم اليهود والنَّصَارى-، والأمِّيِّين -وهم الذين لا كتاب لهم من العرب وغيرهم- : أ أسلمتم؟.
فالعرب الأُمِّيُّون يدخلون في لفظ: «الأُمِّيِّين» باتفاق النَّاس، وأمَّا مَن سواهم فإمَّا أن يشمله هذا اللفظ، أو يدخل في معناه بغيره من الألفاظ المبيِّنة أنَّه أُرسِل إلى جميع النَّاس.
قال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ فقد أمَـرَ أهلَ الكتاب بالإسلام، كما أمَـرَ به الأُمِّيِّين، وجعلهم إذا أسلموا مهتدين، وإنْ لِـمْ يُسْلِموا، فقد قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ﴾ أي: تُبَلِّغُهم رسالات ربك إليهم، والله هو الذي يُحاسِبُهم.
فدلَّ بهذا كلِّه على أنَّه عليه أنْ يُبَلِّغ أهل الكتاب ما أمرهم به من الإسلام، كما يُبَلِّغ الأُمِّيِّين، وأنَّ الله يُحاسِبهم على ترك الإسلام كما يُحاسِب الأمِّيِّين. () انظر: الطبقات الكبرى (1/128-130)، تاريخ الطبري (2/278-279). () انظر: سيرة ابن هشام (1/171-172)، دلائل النبوة للبيهقي (2/66-67).
وفي [الصَّحيحين] عن النبيِّ ﷺ في الكتاب الذي كتبه إلى هِرَقل ملك النَّصَارى: (مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، و﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)([77]).
وأبلغُ من ذلك أنَّ الله تعالى أخبر في كتابه أنَّ الإسلام دين الأنبياء؛ كنوحٍ وإبراهيم ويعقوب وأتباعهم إلى الحواريِّين، وهذا تحقيقٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ﴾ [آل عمران: 85]، وأن الدِّين عند الله: الإسلام، في كلِّ زمانٍ ومكان.
قال تعالى عن نوحٍ -أولِ رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض-: ﴿۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿٧١﴾ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [يونس: 71- 72]، فهذا نوحٌ الذي أغرق الله أهل الأرض بدعوته، وجَعَلَ جميع الآدَمِيِّين من ذريَّته، يَذْكُر أنَّه أُمِرَ ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وأمَّا الخليل، [فإنَّ الله تعالى قد] أخبر [أنَّه أمره] بالإسلام، وأنَّه قال: ﴿أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 131]، وأنَّ إبراهيم وصَّى بنيه، ويعقوب وصَّى بنيه أن لا يموتنَّ إلا وهم مسلمون([78]).
وقال تعالى عن موسى: قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ﴾ [يونس:84].
وقال تعالى عن الحواريِّين: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ [المائدة: 111].
فهؤلاء الأنبياء وأتباعهم كلُّهم، يذكر تعالى أنَّهم كانوا مسلمين، وهذا ممَّا يُبيِّن أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ ، لا يختصُّ بمِن بُعِثَ إليه محمَّد ﷺ، بل هو حكمٌ عامٌّ في الأَوَّلِين والآخرين.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﴿١١١﴾ بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 111، 112].
[فهذا] الكلام على الوجه الأول، وهو قول من يقول: «إنَّه لَـمْ يَقُل: إنَّه أُرْسِل إلا إلى العرب».
[الجواب عن الوجه الثاني]([79])
وأما الوجه الثاني: وهو أن نقول: هو ذَكَر أنَّه رسولٌ إلى النَّاس كافَّة، كما نطق به القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 158].
وقد صرَّح فيه بدعوة أهل الكتاب وبدعوة الجنِّ في غير موضع. () رسالة بولس الأنطاكي (ص414).
فإذا سَلَّموا أنَّه ذَكَر ذلك، ولكن كذَّبوه في ذلك، فإمَّا أنْ يُقِرُّوا برسالته إلى العرب، أو لا يقرُّوا.
فإنْ أقرُّوا بأنَّه رَسُولٌ أرْسَلَهُ الله؛ لَـمْ يمكن مع ذلك تكذيبُه [80]-كما تقدَّم-، بل يجبُ الإقرار برسالته إلى جميع الخلق كما أخبر بذلك، كما تقدَّم أنَّ من ذَكَر أنَّه رَسُول الله لا يكون إلا من أفضل الخلق وأصدقهم، أو من شرِّ الخلق وأكذبهم؛ فإنَّه إنْ كان صادقًا فهو من أفضلهم، وإنْ كان كاذبًا فهو من شرِّهم، وإذا كان الله قد أرسله -ولو إلى قرية، كما أرسل يونس ابن متَّى إلى أهل نينوى- كان من أفضل الخلق، وكان صادقًا لا يَكْذِب على الله، ولا يقول عليه إلا الحقَّ، ولو كَذَب على الله ولو في كلمةٍ واحدةٍ لكان من الكاذبين، لَم يكن من رُسُل الله الصادقين، فإنَّ الكاذب لا يكذبُ في كلِّ شيء، بل في البعض، فمن كَذَب على الله في كلمةٍ واحدة فقد افترى على الله الكذب، وكان من القِسْم الكاذبين في دعوى الرِّسَالة لا من الصَّادقين.
[81]وأيضًا؛ فإنَّ مقصود الرسالة تبليغُ رسالات الله على وجهها، فإذا خُلِط الكَذِبُ بالصِّدق؛ لَـمْ يحصل مقصود الرِّسَالة.
وأيضًا؛ فإذا عُلِم أنَّه كَذَب في بعضها؛ لَـمْ يتميَّز ما صَدَق فيه ممَّا كَذَب فيه إلا بدليلٍ آخر غير رسالته، فلا يحصل المقصود برسالته. () أي: عامة النَّصَارى.
ولهذا أجمع أهلُ المِلَل قاطبةً على أنَّ الرُّسُلَ معصومون فيما يبلِّغونه عن الله تبارك وتعالى، لَـمْ يقل أحدٌ قطُّ: إنَّ مَن أرسله الله يَكْذِب عليه.
وقد قال تعالى ما يبيِّن أنه لا يُقِرُّ كاذبًا عليه، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ﴿٤٤﴾ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ﴿٤٥﴾ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ﴿٤٦﴾ فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44 - 47].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: 24]، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ ، فقوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ كلامٌ مستأنف، ليس داخلًا في جواب الشَّـرْط؛ فإنَّه لو كان معطوفًا على جواب الشَّـرط لقال: (ويُحِقِّ الحقَّ) بالكَسْـرِ لالتقاء الساكنيْن، كما في قوله ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 2]، فلمَّا قال: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ بالضمِّ: دلَّ على أنَّه جملةٌ مستأنفةٌ أخبر فيها أنَّه تعالى يمحو الباطل -كباطل الكاذبين عليه-، ويحقُّ الحقَّ -كحقِّ الصَّادقين عليه-، فمحوُ الباطل نظيرُ إحقاقِ الحق، ليس ممَّا عُلِّق بالمشيئة، بل لا بُدَّ منه، بخلاف الختم على قلبه، فإنَّه مُعَلَّقٌ بالمشيئة، ولا يجوز أن يُعَلَّقَ بالمشيئة محوُ الباطل كتعليق الختم، بل يقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدمغُه. () انظر: تفسير الطبري (6/555)، عن علي بن أبي طالب .
وقال تعالى في صيانته وإحكامه لِـمَا تُبَلِّغُهُ رُسُلُه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ﴿٥٢﴾ لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ﴿٥٣﴾ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الحج: 52 - 54].
وأيضًا؛ فإذا لَم يكن أُرْسِل إلا إلى العرب، وقد دعا اليهود والنَّصَارى إلى الإيمان به، وكفَّرهم إذا لَـمْ يُؤْمِنُوا به، وجاهدَهم، وقتل مُقَاتِلهم، وسبى ذريَّاتهم، كان ذلك ظُلْمًا لا يفعله إلا من هو من أظلم النَّاس، ومَنْ كان نبيًّا قد أرسله الله فهو منزَّهٌ عن هذا وهذا.
فالإقرار برسالته إلى العرب دون غيرهم، مع ما ظهر من عموم دعوته للخلق كلِّهم؛ قولٌ متناقضٌ ظاهر الفساد، وكلُّ ما دلَّ عليه أنَّه رسولٌ؛ فإنَّه يستلزم رسالتَه إلى جميع الخلق، وكلُّ من اعترف بأنَّه رسولٌ؛ لَزِمَه الاعترافُ بأنَّه رسولٌ إلى جميع الخلق، وإلا لَزِمَ أنْ يكون الله أرسل رسولًا يفتري عليه الكذب، ويقول للنَّاس: إنَّ الله أمركم باتِّباعي، وأمرني بجهادكم إذا لَـمْ تفعلوا. وهو كاذبٌ في ذلك، ومعلومٌ أنَّ كلَّ ما دَلَّ على أنَّ الله أرسله فإنَّه يدُلُّ على أنَّه صادقٌ في الرِّسَالة، وإلا فلا، فالرَّسُولُ الكاذبُ لا يحصل به مقصود الرِّسَالة، بل يكون من جملة المفترين على الله الكذب، وأولئك ليسوا مِن رُسُل الله، ولا يجوز تصديقهم في قولهم: إنَّ الله أرسلهم. () أسند الإمام الشافعي إلى عكرمة؛ قال: لما نزلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، قالت اليهود: نحن مسلمون، فقال الله تعالى لنبيِّه: فحُجَّهُم -وفي لفظ: فاخصمهم بحُجَّتهم-؛ فقال لهم النبي ﷺ: "حُجُّوا"، فقالوا: لَـمْ يُكْتَبْ علينا وأبوا أن يحُجُّوا. قال الله جل ثناؤه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. قال عكرمة: من كَفَرَ مِن أهل الملل؛ فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين. انظر: الأم للشافعي (2/119)، سنن سعيد بن منصور (3/1063)، برقم: (506).
وأمَّا إنْ لَـمْ يُقِرُّوا برسالته إلى العرب ولا غيرهم، بل قالوا فيه ما كان يقوله مشـركو العرب من أنَّه: شاعرٌ، أو ساحرٌ، أو مفتـرٍ كاذب، ونحو ذلك. () أخرجه الترمذي في "جامعه" برقم: (812)، وقال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهول والحارث يُضَعَّف في الحديث). وروي من حديث علي وأبي هريرة ، ولا يثبت في الباب شيءٌ مرفوع إلى النبي ﷺ. انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي (4/348)، الكامل في ضعفاء الرجال (8/427)، تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي (3/404- 410). () أخرجه عبدالرازق في "مصنفه" برقم: (9557)، وانظر: الأربعون حديثًا للآجري (ص167).
[82]فيقال لهم: على هذا التقدير؛ فدليلكم أيضًا باطل، ولا يجوز أن تحتجُّوا بتقدير تكذيبكم لمحمَّدٍ ﷺ بشـيءٍ من كلام الأنبياء قبله، سواءٌ صدَّقتم محمَّدًا ﷺ في جميع ما يقوله أو في بعضه أو كذَّبتموه. فدليلكم باطل، فيلزم بطلان دينكم على كلِّ تقدير، وما ثبت بطلانه على كلِّ تقديرٍ فهو باطلٌ في نفس الأمر، فيَثْبُتُ أنَّه باطلٌ في نفس الأمر.
وذلك أنَّكم إذا كَذَّبْتُم محمَّدًا لَـمْ يَبْقَ لكم طريقٌ تعلمون به صدقَ غيره من الأنبياء، فيمتنع مع تكذيبه القولُ بصدق غيره، بل من اعتقد كذبه وصدَّق غيره لم يكن عالِـمًا بصدق غيره، بل يكون مُصَدِّقًا لهم بغير علم، وإذا لَـمْ يكن عالِـمًا بصدقهم؛ لَـمْ يَجُـزْ احتجاجه قطُّ بأقوالهم، بل ذلك قولٌ منه بلا علم، ومحاجَّةٌ فيما لا علم له بها.
فإنَّ الدلائل الدَّالة على صدق محمَّدٍ ﷺ أعظمُ وأكثر من الدلائل الدَّالة على صدق موسى وعيسى، ومعجزاته أعظمُ من معجزات غيره، والكتابَ الذي أُرسِل به أشرفُ من الكتاب الذي بُعِث به غيره، والشَّـريعة التي جاء بها أكملُ من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، وأمَّته أكملُ في جميع الفضائل من أمَّة هذا وهذا، ولا يوجد في التوراة والإنجيل علمٌ نافعٌ وعملٌ صالحٌ؛ إلا وهو في القرآن أو مثله أو أكمل منه، وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصَّالح ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل.
فما من مطعنٍ من مطاعن أعداء الأنبياء يُطْعَنُ به على محمَّدٍ ﷺ إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منه على موسى وعيسى، وهذه جملةٌ مبسوطةٌ في موضعٍ آخر([83])، لَـمْ نبسطها هنا؛ لأنَّ جواب كلامهم لا يحتاج إلى ذلك، فيمتنع الإقرار بنبوَّة موسى وعيسى عليهما السلام مع التكذيب بنبوَّة محمَّدٍ ﷺ، ولا يفعل ذلك إلا من هو من أجهل النَّاس وأضلِّهم، أو من أعظمهم عنادًا واتِّباعًا لهواه.
وذلك أنَّ هؤلاء القوم احتجُّوا بما نقلوه عن الأنبياء، ولَـمْ يذْكُروا الأدلة الدَّالة على صِدْقهم، بل أخذوا ذلك مُسَلَّـمًا، وطلبُوا أنْ يحتجُّوا بما نقَلُوه عن الأنبياء قبله، وبما نقَلُوه عنه على صحة دينهم، وهذه حجَّةٌ داحضة، سواءٌ صدَّقوه أو كذَّبوه، فإن صدَّقوه بطل دينُهم، وإن كذَّبوه بطل دينُهم؛ فإنَّهم إنْ صدَّقوه: فقد عُلِمَ أنَّه دعاهم وجميعَ أهل الأرض إلى الإيمان به وطاعته، كما دعا المسيحُ وموسى وغيرهما من الرُّسُل، وأنَّه أبطل ما هم عليه من الاتِّحاد وغيره، وكفَّرهم في غير موضع.
ولهذا كان مجرَّد التصديق بأنَّ محمَّدًا رسول الله -ولو إلى العرب- يوجبُ بطلان دين النَّصَارى واليهود وكلِّ دينٍ يخالفُ دينه؛ فإنَّ مَن كان رسولًا لله؛ فإنَّه لا يَكْذِب على الله، ومحمَّدٌ ﷺ قد عُلِمَ منه أنَّه دعا النَّصَارى واليهود إلى الإيمان به وطاعته، كما دعا غيرَهم، وأنَّه كفَّر مَن لَـمْ يُؤْمِن به ووَعَدَه النَّار، وهذا متواترٌ عنه تواترًا تعْلَمُهُ العامَّة والخاصَّة، وفي القرآن من ذلك ما يكثر ذكره؛ كما قال تعالى: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19].
وقد ذكر كفر اليهود والنَّصَارى في غير موضع، كقوله تعالى عن النَّصَارى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 17، 72] في موضعين، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (7)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1773).
والنَّصَارى قالت الأقوال الثلاثة، فذكر الله عنهم هذه الأقوال، لكن من النَّاس من يظنُّ أن هذا قول طائفةٍ منهم، وهذا قول طائفةٍ منهم، وهذا قول طائفةٍ منهم، كما ذكره طائفةٌ من المفسِّرين كابن جرير الطبري والثعلبيِّ وغيرهما، وظنَّ ابن جرير الطبري أنَّ هذه الطوائف كانوا قبل اليعقوبية، والنُّسْطوريَّة، والمَلَكيَّة.
والصواب: أنَّ هذه الأقوال جميعها قول طوائف النَّصَارى المشهورة: الملَكِيَّة، واليعقوبية، والنُّسْطوريَّة؛ فإنَّ هذه الطوائف كلُّها تقول بالأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القُدُس، فتقول: إن الله ثالث ثلاثة، وتقول عن المسيح: إنه الله، وتقول: إنه ابن الله، وهم متَّفقون على اتِّحاد اللاهُوت والنَّاسُوت، وأن المتَّحد هو الكلمة، ومتَّفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمَّن ذلك، وهو قولهم: «نؤمن بإلهٍ واحد: أبٍ، ضابطِ الكُلِّ، خالق السماوات والأرض، كلِّ ما يُرى وما لا يُرى، وبربٍّ واحدٍ يَسُوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدَّهور، نورٌ من نور، إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حق، مولودٌ غير مخلوق».
والمقصود هنا: أنَّهم سواءٌ صدَّقوا محمَّدًا أو كذَّبوه، فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرَين؛ فإنه إن كان نبيًّا صادقًا فقد بلَّغ عن الله في هذا الكتاب كُفْرَ النَّصَارى في غير موضع، ودعاهم إلى الإيمان به، وأمر بجهادهم، فمن عَلِم أنه نبيٌّ ولو إلى طائفةٍ معيَّنة يجبُ تصديقُه في كلِّ ما أخبر به، وقد أخبر بكفر النَّصَارى وضلالهم. () انظر الآيات من سورة البقرة: [127-132].
وإذا ثبت هذا لَـمْ يُغْنِ عنهم الاحتجاجُ بشيءٍ من الكتب والمعقول، بل يُعْلَمُ من حيث الجملة أنَّ كُلَّ ما يحتجُّون به على صحَّة دينهم فهو باطل، وإنْ لَـمْ يُبَيَّن فساد حججهم على التفصيل؛ لأنَّ الأنبياء لا يقولون إلا حقًّا، كما أنَّ المسيح عليه السلام لَـمَّا حكم بكُفْرِ من كذَّبه من اليهود؛ كان كلُّ ما يحتجُّ به اليهود على خلاف ذلك باطلًا، فكلُّ ما عارض قول النبيِّ المعصوم فهو باطل.
وإنْ كذَّبوا محمَّدًا تكذيبًا عامًّا مطلقًا، وقالوا: ليس هو نبيٌّ أصلًا، ولا أُرسِل إلى أحدٍ، لا إلى العرب ولا إلى غيرهم، بل كان كذَّابًا من الكذَّابين، امتنع مع هذا أنْ يُصَدِّقوا بنبوَّة غيره؛ فإنَّ الطريق الذي يُعْلَمُ به نبوَّة موسى وعيسى يُعْلَمُ به نبوَّة محمَّدٍ ﷺ بطريق الأَوْلى.
فإذا قالوا: عُلِمَتْ نبوَّة موسى والمسيح بالمعجزات، وعُرِفَت المعجزاتُ بالنقل المتواتر إلينا.
قيل لهم: معجزاتُ محمَّدٍ أعظم، وتواترُها أبلغ، والكتابُ الذي جاء به محمَّدٌ ﷺ أكمل، وأمَّـتُه أفضل، وشرائعُ دينه أحسن، وموسى جاء بالعدل، وعيسى جاء بتكميلها بالفضل، وهو ﷺ قد جمع في شريعته بين العدل والفضل.
فإنْ ساغ لقائلٍ أنْ يقول: هو مع هذا كاذبٌ مفتـرٍ، كان على هذا التقدير الباطل غيره أَوْلى أنْ يُقال فيه ذلك، فيبطُل بتكذيبهم محمَّدًا ﷺ جميعُ ما معهم من النبوَّات؛ إذ حكمُ أحد الشيئين حكمُ مثله، فكيف بما هو أَوْلى منه؟!
فلو قال قائل: إنَّ هارون ويُوشَع وداود وسليمان كانوا أنبياء، وموسى لَـمْ يكن نبيًّا. أو إنَّ داود وسليمان ويُوشَع ويحيى كانوا أنبياء، والمسيحَ لَـمْ يكن نبيًّا. () انظر الجواب عن الوجه الأول (ص47).
أو قال ما تقوله السَّامرة([84]): إنَّ يُوشَع كان نبيًّا، ومَنْ بعده كداود وسليمان والمسيح لَـمْ يكونوا أنبياء.
أو قال ما يقوله اليهود: إنَّ داود وسليمان وأشعيا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء، والمسيح ابن مريم لَـمْ يكن نبيًّا؛ كان هذا قولًا متناقضًا معلوم البطلان؛ فإنَّ الذين نفى هؤلاء عنهم النبوَّة أحقُّ بالنبوَّة وأكملُ نبوَّةً ممَّن أثبتوها له، ودلائل نبوَّة الأكمل أفضل، فكيف يجوز إثبات النبوَّة للنبيِّ المفضول دون الفاضل؟!
وصار هذا كما لو قال قائل: إنَّ زُفَر وابن القاسم والمزني والأثرم كانوا فقهاء، وأبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ وأحمد لَـمْ يكونوا فقهاء.
أو قال: إنَّ الأخفش وابن الأنباري والـمُبَرِّد كانوا نُحاة، والخليل وسيبويه والفرَّاء لَـمْ يكونوا نُحاة. تعليق جانبي/ إذا ثبتت نبوته؛ وجب تصديقه في كل ما أخبر به.
أو قال: إن صاحبَ «الـمَلَكِي» و«الـمَسِيحي»([85]) ونحوهما من كتب الطبِّ كانوا أطبَّاء، وبقراط وجالينوس ونحوهما لَـمْ يكونوا أطبَّاء. تعليق جانبي/ بطلان دعوى أنَّه صَدَقَ في نبوته إلى العرب، وكذب في نبوته إلى جميع الخلق
أو قال: إن كُوشِيَار والخَـرَقِيَّ([86]) ونحوهما كانوا يعرفون علمَ الهيئة، وبَطْلَمْيُوس ونحوه لَـمْ يكن لهم علمٌ بالهيئة.
ومن قال: إنَّ داود وسليمان ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء، ومحمَّد بن عبد الله لَـمْ يكن نبيًّا؛ فتناقضه أظهر، وفساد قوله أبينُ من هذا جميعه.
بل وكذلك مَن قال: إنَّ موسى وعيسى رسولان، والتوراة والإنجيل كتابان منزلان من عند الله، ومحمَّدًا ليس برسول، والقرآن لَـمْ ينزل من الله؛ فبطلان قوله في غاية الظهور والبيان لمن تدبَّر ما جاء به محمَّدٌ ﷺ، وما جاء به من قبله، وتدبَّر كتابه والكتبَ التي قبله، وآيات نبوَّته وآيات نبوَّة هؤلاء، وشرائع دينه وشرائع دين هؤلاء.
وهؤلاء القوم لَـمْ يأتوا بدليل واحدٍ يدلُّ على صدق من احتجُّوا به من الأنبياء، فلو ناظَرَهم من يُكَذِّب بهؤلاء الأنبياء كلِّهم من المشـركين والملاحدة؛ لَـمْ يكُنْ فيما ذكروه حجَّةٌ لهم، ولا حجَّة لهم أيضًا على المسلمين الذين يُقِرُّون بنبوَّة هؤلاء؛ فإنَّ جمهور المسلمين إنَّما عرَفُوا صدق هؤلاء الأنبياء بإخبار محمَّدٍ أنَّهم أنبياء، فيمتنعُ أنْ يُصَدِّقوا بالفرع، مع القَدْح في الأصل الذي به عَلِمُوا صِدْقَهم.
وأيضًا؛ فالطريق الذي به عُلِمَت نبوَّة هؤلاء بما ثبت من معجزاتهم وأخبارهم، فكذلك تُعْلَمُ نبوَّة محمَّدٍ بما ثبت من معجزاته وأخباره بطريق الأَوْلى، فيمتنع أن يُصدِّقَ أحدٌ من المسلمين بنبوَّة واحدٍ من هؤلاء مع تكذيبه لمحمَّدٍ في كلمة ممَّا جاء به.
[احتجاج النَّصَارى بأقوال الأنبياء]
[قد] ذكرنا [فيما تقدَّم] أنَّه لا يجوز أن يحتجُّوا بشـيءٍ من القرآن، وما نُقِل عن محمَّدٍ ﷺ إلا مع التصديق برسالته، وأنه مع التكذيب برسالته لا يمكن الإقرارُ بنبوَّة غيرِه، ولا الاحتجاجُ بشيءٍ من كلام الأنبياء، فتكذيبهم به يستلزم تكذيبهم بغيره، فإذا ثبتت نبوَّة غيره ثبتت نبوَّته، وذلك يستلزم بطلان دينهم، فكان صحَّةُ دليلهم يستلزم بطلانَ المدلول، وفسادُ المدلول يستلزم فسادَ الدليل؛ فإن الدليل ملزومٌ للمدلول عليه، وإذا تحقَّق الملزوم تحقَّق اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه، وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل؛ فإن الباطل لا يقوم عليه دليلٌ صحيح.
فإن كان محمَّدٌ رسولَ الله ﷺ لزم بطلانُ دينهم، وإذا بطل دينُهم لم يجز أن يقوم دليلٌ صحيحٌ على صحَّته، وإذا لم يكن رسول الله؛ لَـمْ يَـجُـزْ الاستدلال بقوله؛ فثبَتَ أنَّ استدلالهم بقوله باطلٌ على التقديرين.
ونحن نذكر هنا أنه لا يجوز استدلالهم بقول أحدٍ من الأنبياء أو الرُّسل على صحَّة دينهم. تعليق جانبي/ تكذيبهم برسالته يدُلُّ على تكذيبهم بسائر الأنبياء
[87]وأيضًا؛ فإن الذين احتجُّوا بقولهم مثل موسى وداود والمسيح وغيرهم:
إما أن يكونوا عَرَفوا أنهم أنبياء بدليلٍ على نبوَّتهم، كالاستدلال بآياتهم وبراهينهم التي تسمَّى بالمعجزات.
وإما أن يكونوا قد اعتقدوا ذلك بلا علمٍ ولا دليل. () انظر: مجموع الفتاوى (4/201- 208).
وإما أن يكونوا احتجُّوا بذلك على المسلمين لأنهم يسلِّمون نبوَّة هؤلاء.
وعلى كلِّ تقديرٍ لا يصحُّ استدلالهم بقولهم.
[88]أمَّا على الأول، فلأنه أيُّ طريقٍ ثبتت بها نبوَّة واحدٍ من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام فإنه تَثْبُتُ نبوَّة محمَّد ﷺ بمثلها وأعظمَ منها.
وحينئذٍ، فإنْ لَـمْ يقرُّوا بنبوَّة محمَّدٍ ﷺ، مع أنَّ كل دليلٍ يدلُّ على نبوَّة موسى وداود وعيسى وغيرهم يدلُّ على نبوَّة محمَّد ﷺ؛ لَزِمَ أن يكونوا قد نقَضُوا دليلهم، فجعلوه قائمًا مع انتفاء مدلوله، وإذا انتقض الدليلُ بطلت دلالتُه؛ فإنَّه إنَّما يدُلُّ إذا كان مستلزمًا للمدلول، فإذا كان تارةً يوجد مع المدلول، وتارةً لا يوجد؛ لَـمْ يكن مستلزمًا له، فلا يكون دليلًا.
فإنَّ من جعل المعجزات دليلًا على نبوَّة نبيٍّ، وقال: المعجزة هي الفعلُ الخارق للعادة، المقرونُ بالتحدِّي، السَّالِـمُ من المعارضة، ونحو ذلك ممَّا يُذْكَر في هذا المقام، وجعلوا ذلك دليلًا على نبوَّة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء.
قيل له: إنْ كان هذا دليلًا فهو دليلٌ على نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، وإنْ لَـمْ يكن دليلًا لَـمْ يكن دليلًا على نبوَّة موسى وعيسى؛ فإنَّه قد ثبت عن محمَّدٍ من المعجزات ما لَـمْ يثبت مثلُه عن غيره، ونقلُ معجزاته متواترٌ أعظم مِن نقلِ معجزات عيسى وغيره، فيمتنع التصديقُ بآياته مع التكذيب بآيات محمَّدٍ ﷺ.
وإنْ قالوا: معجزاتُ محمَّدٍ ﷺ لَـمْ تتواتر عندنا.
قيل: ليس من شرط التواتر أنْ يتواتر عند طائفةٍ معينة، بل هذا كما يقول المشـركون والمجوس وغيرهم: لَـمْ تتواتر عندنا معجزاتُ موسى والمسيح عليهما السلام. وإنَّما تتواتر أخبار كلِّ إنسانٍ عند من رأى المشاهِدين له، أو رأى من رآهم، وهلمَّ جرا.
ومعلومٌ أنَّ أصحابَ محمَّدٍ ﷺ الذين رأوه، ونقلوا معجزاته أضعافُ أصحاب المسيح عليه السلام، والتابعين الذين نقلوا ذلك عن الصَّحابة كذلك، فيلزم مِن التصديق بمعجزات المسيح عليه السلام التصديقُ بمعجزات محمَّدٍ ﷺ، ومن التكذيب بمعجزات محمَّد التكذيبُ بمعجزات المسيح.
وإنْ قالوا: عُرِفت نبوَّة المسيح ببشارات الأنبياء قبله.
قيل: وفي الكتب المتقدِّمة من البشارات بمحمَّدٍ ﷺ مثل ما فيها من البشارات بالمسيح وأكثر.
وإن تأوَّلوا تلك البشارات بمحمَّدٍ ﷺ بما يَمْنَعُ دلالتَها.
قيل لهم: واليهود يتأوَّلون بشارات المسيح بما يَمْنَعُ دلالتَها على المسيح. () فرقة من فرق اليهود، يخالفون سائر اليهود في توراتهم وشريعتهم.
فإذا قالوا: تلك التأويلات باطلةٌ من وجوهٍ معروفة؛ بُـيِّن لهم أنَّ هذه باطلةٌ أيضًا بمثل تلك الوجوه وأقوى.
فما من جنسٍ من الأدلة يدلُّ على نبوَّة موسى والمسيح إلا ودلالتُه على نبوَّة محمَّدٍ ﷺ أقوى وأكثر، فيَلْزَمُ من ثبوت نبوَّة موسى والمسيح ثبوت نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، ومِن الطَّعن في نبوَّة محمَّدٍ ﷺ الطَّعنُ في نبوَّة موسى والمسيح.
وإنْ قالوا: إنَّ المسيح إلهٌ.
قيل لهم: ثبوت كونه إلهًا لو كان ممكنًا؛ أبعدُ من ثبوت كونه رسولًا، فكيف إذا كان ممتنعًا؟!، وذلك أنَّه ليس معهم ما يَدُلُّ على إلهيَّته، إلا ما ينقلونه من أقوال الأنبياء، أو الخوارق: () الملكي: هو كتاب «كامل الصناعة الطبية الضـرورية» لعلي بن العباس المجوسي. والمسيحي: هو كتاب «كنَّاش مَسِيح»، ويقال له: «المسيحي» نسبة إلى مؤلفه عيسى بن حكم الدمشقي الطبيب المشهور بمَسِيح. انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (1/280)، عيون الأنباء (ص177، 320)، الأعلام (4/297).
والخوارقُ لا تدلُّ على الإلهيَّة؛ فإنَّ الأنبياء ما زالوا يأتون بالآيات الخارقة للعادة، ولَـمْ تَدُلَّ على إلهيَّة أحدٍ منهم. () كوشيار: أبو الحسن كوشيار بن لبان الجِيلي، توفي سنة (350هـ). والخَـرَقي: أبو بكر محمد بن أحمد المروزي، له «التبصـرة في علم الهيئة»، توفي سنة (533هـ). انظر: تتمة صوان الحكمة (ص91)، الأعلام (5/236، 317). الفوائد البهية للكنوي (ص92).
وأما أقوال الأنبياء عليهم السلام، فلا ريب أنَّ دلالتها على رسالته ورسالة محمَّدٍ ﷺ أظهرُ من دلالتها على إلهيَّة المسيح؛ فيمتنعُ الاحتجاجُ بها على إلهيَّة المسيح دون رسالة محمَّدٍ ﷺ ورسالة المسيح.
ومتى ثَـبَتَ أنَّ محمَّدًا رسول الله ﷺ؛ بَطَلَتْ إلهيَّة المسيح؛ فإنَّه كفَّر من قال: [إنَّه الله، أو ابنُ الله]. بل وكذلك متى ثَـبَتَ أنَّ المسيح رسولُ الله بطل كونه إلهًا، فإنَّ كونه هو الله مع كونه رسولَ الله؛ متناقضٌ.
[89]وقولهم: [إنَّه إلهٌ بلاهُوتِه، ورسولٌ بناسُوتِه]، كلامٌ باطلٌ من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ الذي كان يُكَلِّم النَّاس إمَّا أن يكون هو الله، أو هو رسول الله، فإنْ كان هو الله؛ بَطَل كونُه رسول الله، وإنْ كان رسول الله؛ بَطَل كونُه هو الله. ولهذا لـمَّا كان الذي كلَّم موسى عليه السلام من الشَّجرة؛ هو: الله، لَـمْ تنطق الكتبُ بأنَّه رسول الله.
وهذا واردٌ بأيِّ وجهٍ فسَّـروا الاتِّحاد؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ النَّاس كانوا يسمعون من المسيح كلامًا بصوته المعروف، وصوتُه لَـمْ يختلف، ولا حاله عند الكلام تغيَّرت كما يختلفُ صوتُ الإنسان وحالُه عند الكلام إذا حلَّ فيه الجنِّيُّ وإذا فارقه الجنِّيُّ؛ فإنَّ الجنِّيَّ إذا تكلَّم على لسان المصـروع ظهر الفرقُ بين ذلك المصـروع وبين غيره من النَّاس، بل اختلف حال المصـروع وحال كلامه، وسُمِع منه من الكلام ما يُعْلَم يقينًا أنَّه لا يعرفه، وغاب عقله بحيث يظهَر ذلك للحاضرين، واختلف صوتُه ونغمتُه، فكيف بمن يكون ربُّ العالمين هو الحالُّ فيه المتَّحدُ به المتكلِّم بكلامه؟!، فإنَّه لا بُدَّ أن يكون بين كلامه وصوته، وكلام سائر البشـر وصوتهم؛ من الفَرْقِ أعظمُ من الفرق الذي بين المصـروع وغير المصـروع بما لا نسبة بينهما.
يُبيِّن هذا؛ أنَّ موسى لَـمَّا سمع كلامَه سمع صوتًا خارقًا للعادة، مخالفًا لِـمَا يَعْهَد من الأصوات، ورأى من الآيات الخارقة والعجائب ما يُبَـيِّن أنَّ ذلك الذي سَمِعَهُ لا يَقْدِر على التكلُّم به إلا الله.
وأمَّا المسيح فلم يكُن بين كلامه وصوته -طُولَ عمره- وكلام سائر النَّاس فَرْقٌ يدلُّ على أنَّه نبيٌّ، فضلًا عن أنْ يدُلَّ على أنَّه إِلَهٌ، وإنَّما عُلِم أنَّه نبيٌّ بأدلةٍ منفصلة. ولَـمْ يكن حاله يختلف، مع أنَّهم يقولون: إنَّ الاتِّحاد ملازمٌ له من حين خُلِق ناسوتُه في بطن أمِّه مريم وإلى الأبد، لا يفارق اللاهوتُ لذلك النَّاسوت أبدًا.
وحينئذٍ فمن المعلوم أنَّ خطابه للنَّاس إنْ كان خطابَ ربِّ العالمين؛ لَـمْ يكن هو رسوله، وإن كان خطابَ رسوله؛ لَـمْ يكن ذلك صوتُ ربِّ العالمين.
الوجه الثاني: أنَّ خطابه خطابُ رسولٍ ونبيٍّ، كما ثبت ذلك عنه في عامَّة المواضع. تعليق جانبي/ لا يصح استدلالهم بقول أحد من الأنبياء على كل التقديرات
الوجه الثالث: أنَّ مصير الشَّيئين شيءٌ واحدٌ مع بقائهما على حالهما بدون الاستحالة والاختلاط؛ ممتنعٌ في صريح العقل، وإنَّما المعقول مع الاتِّحاد أنْ يستحيلا ويختلطا، كالماء مع الخمر واللَّبن، فإنَّهما إذا صارا شيئًا واحدًا استحالا واختلطا.
الوجه الرابع: أنَّه مع الاتِّحاد يصير الشَّيئان شيئًا واحدًا، فيكون الإِلَه هو الرَّسول، والرَّسول هو الإِلَه؛ إذ هذا هو هذا، وإنْ كان الإِلَه غير الرَّسول فهما شيئان.
ومهما مثَّلوا به قولَهم، كتشبيههم ذلك بالنَّار في الحديد، والرُّوح في البدن، فإنَّه يدلُّ على فساد قولهم؛ فإنَّ الحديد متى طُرِق، أو وُضِع في الماء؛ كان ذلك مُصيبًا للنَّار، وكذلك البدن إذا جاع أو صُلِبَ وتألَّـم كان ذلك الألم مُصيبًا للرُّوح، فيلزم أن يكون ربُّ العالمين قد أصابه ألـمُ الجوع والعطش، وكذلك الضَّـربُ والصَّلبُ على قولهم، وهذا شرٌّ من قول اليهود: إنَّه فقيرٌ، وإنَّه بخيلٌ، وإنَّه مسَّه اللُّغوب.
[90]وإنْ قالوا: نحن صَدَّقنا هؤلاء الأنبياء بلا عِلْم لنا بصدقهم، وطريقٍ يدلُّ على صدقهم؛ لأنَّ هذا دين آبائنا، وجدناهم يُعَظِّمون هؤلاء ويقولون: هم أنبياء، فاتَّبعنا آباءنا في ذلك من غير علم -وهذا هو الواقع من أكثرهم-.
قيل: فإذا كان هذا قولكم في [الآباء]([91]) وفيما شَهِدُوا به -إنْ كانوا شهدوا- فيلزم أن لا يكونوا عالِـمين به، بل متَّبعين فيه لآبائهم بغير علمٍ بطريق الأَوْلى، وبهذا يحصل المقصود، وهو أنَّ ما أنتم عليه من اعتقاد دين النصـرانيَّة لا علم لكم به، ولا دليل لكم على صحَّته، بل أنتم فيه متَّبعون لآبائكم، كاتِّباع اليهود والمشـركين لآبائهم. تعليق جانبي/ التقدير الأول: معرفتهم للأنبياء بالدلائل.
ولا رَيْبَ أنَّ هذا حال النَّصَارى، ولهذا سمَّاهم الله ضُلَّالًا في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ ([92]) [المائدة: 77]، ولهذا كان النَّصَارى معروفين بالجهل والضلال، كما أنَّ اليهود معروفون بالظُّلم والقسوة والعِنَاد.
فتَبيَّن بما ذكرناه؛ أنَّه لا يُمْكِنُهم مع تكذيب محمَّدٍ ﷺ في كلمةٍ واحدةٍ؛ الاحتجاجُ بقول أحدٍ من الأنبياء على شيءٍ من دينهم ولا دين غيرهم.
وإنْ كان مقصُودهم الاحتجاج بذلك على المسلمين، قيل لهم:
[93]أولًا: هذه حجَّةٌ جدليَّة، فما مستندكم فيما بينكم وبين الله في تصديق شخصٍ وتكذيب آخر، مع أنَّ دلالة الصِّدق فيهما واحدة، بل هي في الذي كذَّبتموه أظهر؟!، فإنْ كانت حقًّا لَزِمَ تصديقُ من كذَّبتموه وفسَد دينُـكم، وإنْ كانت باطلةً بطل استدلالكم بها على دينكم. فثَبَتَ أنَّهم مع تكذيب محمَّدٍ ﷺ لا يستقيم لهم الاستدلال بكلام أحدٍ من الأنبياء عليهم السلام.
ثانيًا: المسلمون إنَّما عَرفوا صدقَ هؤلاء الأنبياء بما دلَّهم على صِدْق محمَّدٍ ﷺ، فإنْ لَـمْ يكن محمَّدٌ صادقًا؛ لَـمْ يَعْرِفُوا صِدْقَ هؤلاء، فيبطل دليلكم، وإنْ كان صادقًا بطل دين النَّصَارى، فيبطل دليل صحَّته؛ فثَبَتَ بطلان دليلهم على كلِّ تقدير.
ثالثًا: المسلمون لَم يُصَدِّقوا نبوَّة أحدٍ من هؤلاء إلا مع نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، وإنْ قيل: إنَّهم عرفوا ذلك بطريقٍ آخر، فإنَّ الدليل الذي يدلُّ على صدق واحدٍ منهم يدُلُّ على صِدْق محمَّدٍ ﷺ بطريق الأَوْلى، فلا يُمْكِنُهم تصديق نبيٍّ مع تكذيب محمَّدٍ ﷺ.
رابعًا: هم إنَّما يُصَدِّقون موسى وعيسى اللذَين بشَّـرا بمحمَّدٍ ﷺ، فإنْ كانا قد بشَّـرا به؛ فثبـَتـَتْ نبوَّته، وإنْ لَـمْ يكونا بشَّـَرا به؛ فهم لا يؤمنون إلا بالمبشِّـرين به وبالتَّوراة والإنجيل التي هو مكتوبٌ فيهما، فإنْ قُدِّر عدم ذلك؛ فهم لا يُسَلِّمون وجود موسى وعيسى وتوراةٍ وإنجيلٍ منزَّلَيْن من الله ليس فيهما ذكرُه ﷺ.
[احتجاج النَّصَارى باللسان العربي]
وأمَّا كونُ القرآن أُنزِل باللسان العربي وحده، فعَنْه أجوبة:
[94]الوجه الأول: أنْ يُقال: والتَّوراة إنما أُنزِلت باللسان العِبْري وحده، وموسى عليه السلام لَـمْ يكن يتكلَّم إلا بالعِبْرية، وكذلك المسيح لَـمْ يكن يتكلَّم بالتَّوراة والإنجيل وغيرهما إلا بالعِبْرية، وكذلك سائر الكتب لا يُنْزِلُها الله إلا بلسانٍ واحد، بلسان الذي أُنزِلت عليه، ولسانِ قومه الذين يُخاطِبُهم أولًا.
وسائر الأنبياء إنَّما يُخاطِبون النَّاس بلسان قومهم الذي يعرفونه أوَّلًا، ثُمَّ بعد ذلك تُبلَّغ الكتبُ وكلامُ الأنبياء لسائر الأمم:
إمَّا بأنْ يُتَرْجَم لمن لا يَعْرِفُ لسان ذلك الكتاب.
وإمَّا بأن يتعلَّم النَّاس بلسان ذلك الكتاب، فيَعْرِفُون معانيه.
وإمَّا بأنْ يُبيَّن للمُرْسَل إليه معاني ما أُرسِل به الرَّسُول إليه بلسانه، وإنْ لَـمْ يَعْرِفْ سائر ما أُرسِل به.
وقد أخبر الله في القرآن ما قالَتْهُ الرُّسُل لقومهم وما قالوا لهم، وأكثرهم لَـمْ يكونوا عَرَبًا، وأنزل الله [ذلك] باللسان العربيِّ.
وحينئذٍ، فإنَّ شرط التكليف تمكُّن العباد من فهم ما أُرسِل به الرَّسُولُ إليهم، وذلك يَحْصُل بأن يُرْسَل بلسانٍ يُعْرَفُ به مُرادُه، ثُمَّ جميعُ النَّاس مُتمَكِّنون من معرفة مُرادِه بأنْ يعرفوا ذلك اللسان، أو يعرفوا معنى الكتاب بترجمة من يُتَرْجِمُ معناه، وهذا مقدورٌ للعباد.
ومَن لَـمْ يُمْكِنه فهمُ كلام الرسول إلا بتعلُّم اللغة التي أُرسِل بها وجبَ عليه ذلك؛ فإنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، بخلاف ما لا يتمُّ الوجوبُ إلا به فإنَّه ليس بواجب، ولا يُكَلِّف الله نفسًا إلا وسعها، لا في الأصل ولا في التَّمام، فلا نحتاج أن نقول: ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به وكان مقدورًا للمكلَّف فهو واجب؛ فإنَّ ما ليس مقدورًا عليه لا يُكَلَّف به العباد، بل وقد يكون مقدورًا عليه ولا يُكَلَّفون به، فلمَّا كانت الاستطاعة شرطًا في وجوب الحجِّ؛ لَـمْ يجب تحصيلُ الاستطاعة، بخلاف قطع المسافة، فإنَّه ليس شرطًا في الوجوب، فلهذا يجب على الإنسان الحجُّ من المسافة البعيدة والقريبة إذا كان مستطيعًا.
وجمهورُ النَّاس لا يعرفون معاني الكُتب الإلهيَّة: التَّوراة والإنجيل والقرآن؛ إلا بمن يبيِّنها ويفسِّـرها لهم، وإنْ كانوا يعرفون اللغة، فهؤلاء يجبُ عليهم طلبُ علمِ ما يَعْرِفون به ما أمرهم الله به ونهاهم عنه، وهذا هو طلبُ العلم المفروض على الخلق. تعليق جانبي/ دعوى النصارى أن المسيح إله وإنسان
وكذلك ما بيَّنه الرَّسُول ﷺ من معاني الكتاب الذي أنزله الله عليه؛ يجبُ على الخلق طلبُ علم ذلك ممَّن يعرفه، إذا كان معرفة ذلك لا تحصل بمجرَّد اللسان، كما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: (تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلا الله تبارك وتعالى، فمن ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ)([95]).
والله تعالى قال: (ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ) [إبراهيم: 4]، لَـمْ يقل: «وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا إِلَى قَوْمِهِ»، لكن لَـمْ يُرْسِلِه إلا بلسان قومه الذين خاطبَهم أولًا؛ ليُبيِّن لقومه، فإذا بيَّن لقومه ما أراده حصَل بذلك المقصود لهم ولغيرهم؛ فإنَّ قومه الذين بلَّغ إليهم أولًا يمكنهم أنْ يُبلِّغوا عنه اللفظ، ويمُكْنِهُم أن ينقلوا عنه المعنى لمن لا يعرف اللغة، ويمكنُ غيرَهم أنْ يتعلَّم منهم لسانه، فيعرف مُرادَه.
فالحجة تقوم على الخلق، ويحصل لهم الهدى؛ بمن ينْقُل عن الرسول: تارةً المعنى، وتارةً اللفظ؛ ولهذا يجوز نقْل حديثه بالمعنى.
[96]الوجه الثاني: أنَّ المسيح عليه السلام كان لسانه عِبْريًّا، وكذلك ألسنة الحواريِّين الذين اتَّبعوه أولًا، ثم إنَّه أرسلهم إلى الأمم يخاطبونهم ويترجمون لهم ما قاله المسيح عليه السلام.
فإن قالوا: إنَّ رُسُل المسيح حُوِّلِتْ ألسنتُهم إلى ألسنة من أُرسِل إليهم.
قيل: هذا منقولٌ في رُسُل المسيح، وفي رُسُل محمَّدٍ صلى الله عليهما وسلَّم، الذين أرسلهم إلى الأمم، ولا ريب أن رُسُلَ رُسُلِ الله، كرُسُل محمَّدٍ والمسيح -عليهما الصَّلاة والسَّلام- إلى الأمم لا بُدَّ أن يعرفوا لسان من أرسَلهم الرَّسُولُ إليهم، أو أنْ يكون عند أولئك من يفهَم لسانَهم ولسانَ الرَّسول ليُتَـرْجِمَ لهم، فإذا لَـمْ يكُن عند من أُرسِل المسيحُ إليهم من يَعْرِفُ [بالعبرية]([97]) فلا بُدَّ أن يكون رسوله ينطِقُ بلسانهم.
وكذلك رُسُل النبيِّ ﷺ الذين أرسلهم إلى الأمم، فإنَّ النبيَّ ﷺ لَـمَّا رجَعَ من الحديبية أرسل رُسُله إلى أهل الأرض، فبعث إلى ملوك العرب باليمن والحجاز والشَّام والعراق، وأرسل إلى ملوك النَّصَارى بالشَّام ومصـر قِبطهم ورُومهم وعربهم وغيرهم، وأرسل إلى الفُرس المجوس ملوك العراق وخراسان.
[ذَكَرَ] محمَّد بن سعد في «الطبقات»([98]): [أنَّ] رسول الله ﷺ لَـمَّا رَجَعَ مِن الحديبية في ذي الحجَّة سنة ستٍّ أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبًا، فقيل: يا رسول الله، إنَّ الملوك لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتَّخذ رسول الله ﷺ يومئذٍ خاتـمًا من فضَّةٍ، فَصُّه منه، نقشُه ثلاثة أسطر: «محمَّد. رسول. الله»، وختَم به الكُتب، فخرج ستَّة نفرٍ منهم في يومٍ واحد، وذلك في المحرَّم سنة سبع، وأصبح كلُّ واحدٍ منهم يتكلَّم بلسان القوم الذين بعثه إليهم.
[فأرسل] النبيُّ ﷺ إلى هِرَقل: دِحْيَة بن خليفة الكلبي، وإلى الـمُقَـوْقِس -صاحب مصـر والإسكندرية-: حاطبَ بن أبي بلتعة، وإلى كسـرى: عبد الله ابن حذافة السَّهمي، وأرسل إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسَّاني -وكان نصـرانيًّا بظاهر دمشق- فبَعَثَ إليه: شُجَاع بن وهب الأسدي، وأرسل إلى غير هؤلاء.
[وذَكَرَ] أيضًا([99]): أنَّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «ائتُوْنِي بَأَجْمَعِكُمْ بِالغَدَاةِ»، وكان رسول الله ﷺ إذا صَلَّى الفجر، يجلس في مصلَّاه قليلًا يُسَبِّح ويَدْعُو، ثُمَّ التفت إليهم فبَعَثَ عِدَّةً إلى عدَّةٍ، وقال ﷺ لهم: «انصَحُوا لله فِي أَمْرِ عِبَادِهِ، فإنَّ مَنْ اسْتُرْعِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المسْلِمِيْنَ، ثُمَّ لَـمْ يَنْصَحْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الجنَّة؛ انْطَلِقُوا، وَلا تَصْنَعُوا كَمَا صَنَعَتْ رُسُلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّهُمْ أَتَوُا الْقَرِيبَ وَتَرَكُوا الْبَعِيدَ»، فأصبحوا -يعني الرُّسُل- وكلٌّ منهم يعرف بلسان القوم الذين أُرسِل إليهم، وذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: «هَذَا أَعْظَمُ مَا كَانَ مِنْ حَقِّ الله عز وجل عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ عباده». تعليق جانبي/ التقدير الثاني: تصديقهم للأنبياء بلا دليل
[100]الوجه الثالث: أنَّ النَّصَارى فيهم عَرَبٌ كثيرٌ من زمن النبيِّ ﷺ، وكلُّ مَنْ يفهمُ اللسان العربيَّ؛ فإنَّه يُمْكِنُ فهمُه للقرآن، وإنْ كان أصلُ لسانه فارسيًّا، أو روميًّا، أو تركيًّا، أو هنديًّا، أو قِبطيًّا. () في الأصل المحقق: [الأنبياء]. انظر: الجواب الصحيح (1/281). ومعنى السياق: أنَّ النَّصَارى إن كانت طريقتهم في إثبات صدق نبوة الأنبياء السابقين: مجرد تقليد آبائهم فيما شهدوا به، فهذا يلزم منه أن يكون آباؤهم غير عالمين بصدق نبوة أولئك الأنبياء بعلم ودليل من طريق الأَوْلى؛ لأنَّ آباءهم سيكونون في هذه الحالة مقلِّدين لآبائهم أيضًا. وإثبات لفظ: [الأنبياء] غير مستقيم في المعنى.
وهؤلاء الذين أرسلوا هذا الكتاب من علماء النَّصَارى قد قرؤوا المصحف، وفَهِموا منه ما فَهِموا، وهم يفهمونه بالعربيَّة، واحتجُّوا بآياتٍ من القرآن، فكيف يسوغ لهم مع هذا أنْ يقولوا: كيف تقوم الحجَّة علينا بكتابٍ لَـمْ نفهمه!. () انظر بقية الآيات: [النساء: 157]، [الكهف: 4-5]، [الشورى: 14].
[101]الوجه [الرابع]: أنَّه ليس فهم كلِّ آيةٍ من القرآن فرضًا على كلِّ مسلم، وإنَّما يجبُ على المسلم أن يَعْلَم ما أمره الله به وما نهاه عنه بأيِّ عبارةٍ كانت، وهذا ممكنٌ لجميع الأمم، ولهذا دخل في الإسلام جميعُ أصناف العجم من الفُرْس، والتُّرك، والهند، والصَّقالبة، والبربر، ومِن هؤلاء من يَعْلَمُ اللسانَ العربيَّ، ومنهم من يَعْلَمُ ما فرض الله عليه بالتَّرجمة.[102]
فإن قالوا: إن الكتب التي عندنا من التَّوراة والإنجيل وغيرهما ترجَمها لنا الحواريُّون، وهم عندنا رسلٌ معصومون، وترجموها لجميع الأمم، بخلاف القرآن؛ فإنَّه إنَّما يُتَرجِمُه من ليس بمعصوم.
فعَن هذا أجوبة: تعليق جانبي/ التقدير الثالث: الاحتجاج على المسلمين بأقوال الأنبياء
[103]الوجه الأول: أنَّ هذا كذبٌ بيِّن، فإنَّ من العرب من النَّصَارى من لا يحصـي عدده إلا الله تعالى، وكان فيهم نصارى كثيرون تنصَّـرُوا قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ، وكان فيهم قومٌ على دين المسيح الذي لَـمْ يُبَدَّل، وهم مؤمنون من أهل الجنَّة، كسائر من كان على دين المسيح عليه السلام؛ فإنَّ كلَّ مَن كان على دين المسيح عليه السلام الذي لَـمْ يُبَدَّل قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ؛ فإنَّه مؤمنٌ مسلمٌ من أهل الجنَّة.
ومع هذا فليس على وجه الأرض توراةٌ ولا إنجيلٌ مُعَرَّبٌ من عهد الحواريِّين، بل التَّوراة العِبْرية تُنْقَلُ من اللسان العِبْريِّ أو غيره إلى العربيَّة، وكذلك الإنجيل يُنْقَلُ من اللسان الرُّومي أو السُّرياني أو اليوناني أو غيرها إلى العربيَّة.
فلو كان عند كلِّ أمَّةٍ من الأمم توراةٌ وإنجيلٌ ونبوَّاتٌ بلسانهم لكان نصارى العرب أحقَّ بهذا من نصارى الحبشة والصَّقالبة والهند؛ فإنهم جيران البيت المقدَّس، وهم بنو إسماعيل عليه السلام.
والأناجيل عندهم أربعة، وهم يدَّعون أن كلَّ واحدٍ كتبها بلسانٍ، كُتِبَت بلسان العِبْري والرُّومي واليوناني، مع أن في بعض الأناجيل ما ليس في بعض، مثل قولهم: (عمِّدوا النَّاس باسم الأب والابن وروح القُدُس)([104]) الذي جعلوه أصل دينهم، وهذا إنَّما هو قوله في إنجيل متَّى.
وإذا كان كلُّ واحدٍ من الأربعة كتَبَ إنجيلًا بلسانه لم يكن هناك إنجيلٌ واحدٌ أصليٌّ ترجع إليه الأناجيلُ كلُّها.
ثُمَّ هم مع هذا يدَّعون أنها تُرْجِمَت باثنين وسبعين لسانًا، وهذا فيه من الكذب والتناقض أمورٌ سننبه إن شاء الله على بعضها، لكن غاية ما يدَّعون أنه تُرْجِمَ باثنين وسبعين لسانًا، ومعلومٌ أن الألسنة الموجودة في بني آدم في جميع المعمورة في زماننا وقبل زماننا أكثر من هذا، كما يعرفه من عَرَف أحوال العالم، بل اللسان الواحد كالعربي والفارسي والتُّركي جنسٌ تحته أنواعٌ مختلفةٌ لا يفهَم بعضُهم لسانَ بعض إلا أن يتعلَّمه منهم. تعليق جانبي/ نزول الكتب الإلهية إنَّما يكون بلسان واحد
والعرب أقربُ الأمم إلى بني إسحاق: [بني إسرائيل والعِيص]؛ فإنَّهم بنو إسماعيل وجيرانهم، فإنَّ أهل الحجاز جيران الشَّام، ومكة لَـمْ تَزَل تَحُجُّ إليها العرب، ولَـمْ يكن قطُّ عند العرب توراةٌ ولا إنجيلٌ عربيَّان من عهد المسيح عليه السلام، بل ولا كان بمكة لا توراةٌ ولا إنجيلٌ لا معرَّبٌ ولا غير معرَّب، ولهذا قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: 46]، فكيف يُدَّعى أن التَّوراة والإنجيل ترجمها الحواريُّون لكلِّ قومٍ من جميع بني آدم شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا بلسانٍ يفهمونه به؟!، وهل يقول هذا إلا من هو من أكذب النَّاس وأجهلهم؟!.
[105]الوجه الثاني: أن يقال: ترجمةُ الكلام من لغةٍ إلى لغةٍ لا تحتاج إلى معصوم، بل هذا أمرٌ تَعْلَمُه الأمم، فكلُّ من عرف اللسانين أمكنه التَّرجمة، ويحصُل العلمُ بذلك إذا كان المترجمون كثيرين متفرِّقين لا يتواطؤون على الكذب، وبقرائن تقترن بخبر أحدهم وبغير ذلك، وهذا موجودٌ معلوم.
بل إذا ترجمه اثنان كلٌّ منهما لا يعرفُ ما يقوله الآخر، ولم يتواطَـآ، حصل بذلك المقصود في الغالب، وهم يذكرون أن التَّوراة ترجمها اثنان وسبعون حبرًا من اليهود، ولم يكونوا معصومين، وأن الـمَلِك فرَّقهم لئلا يتواطؤوا على الكذب، واتَّفقوا على ترجمةٍ واحدة، وهذا كان بعد الخراب الأول، فهكذا يمكنُ ترجمةُ غير التَّوراة.
وهذه التَّوراة في زماننا والإنجيل والزَّبور يُتَرْجَمُ باللغة العربيَّة، ويُعْرَفُ المقصودُ به بلا ريب، فكيف بالقرآن الذي يفهَم أهلُه معناه، ويفسِّـرونه، ويترجمونه أكملَ وأحسنَ ممَّا يترجم أهلُ التَّوراة والإنجيل التَّوراة والإنجيل؟!
[106]الوجه الثالث: أن دعوى العصمة في كلِّ واحدٍ من الحواريِّين، وأنَّهم رُسُلُ الله بمنزلة إبراهيم وموسى عليهما السلام؛ دعوى ممنوعة وهي باطلة، وإنَّما هم رُسُلُ المسيح عليه السلام، بمنزلة رُسُلِ موسى، ورُسُلِ إبراهيم، ورُسُلِ محمَّد صلى الله عليهم وسلَّم، وأكثر النَّصَارى أو كثيرٌ منهم أو كلُّهم يقولون: هم رُسُلُ الله وليسوا بأنبياء.
وكلُّ من ليس بنبيٍّ فليس برسولٍ لله، وليس بمعصوم، وإن كانت له خوارقُ عاداتٍ، كأولياء الله من المسلمين وغيرهم؛ فإنه وإن كانت لهم كراماتٌ مِن الخوارق فليسوا معصومين من الخطأ، والخوارق التي تجري على يدي غير الأنبياء عليهم السلام لا تدلُّ على أن أصحابها أولياء الله عند أكثر العلماء، فضلًا عن كونهم معصومين؛ فإنَّ وليَّ الله مَن يموت على الإيمان، ومجرَّد الخارق لا يدُلُّ على أنَّه يموت على الإيمان، بل قد يتغيَّر عن ذلك الحال.
وإذا قطعنا بأن الرجل وليُّ الله، كمن أخبر النبيُّ ﷺ بأنه من أهل الجنَّة، فلا يجب الإيمانُ بكلِّ ما يقوله إن لم يوافق ما قالته الأنبياء، بخلاف الأنبياء عليهم السلام؛ فإنَّهم معصومون، لا يجوز أن يستقرَّ فيما يبلِّغونه خطأ، ولهذا أوجب الله الإيمان بهم، ومن كفر بواحدٍ منهم فهو كافر، ومن يسبُّ واحدًا منهم وجب قتله في شرع الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136- 137]، وقال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
[احتجاج النَّصَارى ببعثة الأنبياء بلغتهم]
وأمَّا قولهم: (لا يلزمنا اتباعه؛ لأننا نحن قد أتانا رُسُلٌ من قبله، خاطبونا بألسنتنا، وأنذرونا بديننا الذي نحن مُتمَسِّكون به يومنا هذا، وسلَّموا إلينا التَّوراة والإنجيل بلغتنا، على ما يشهد لهما الكتابُ الذي أتى به هذا الرَّجل، حيث يقول في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال في النحل: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36])([107]). () انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (5/6)، تفسير عبدالرزاق (1/253)، تفسير الطبري (1/75).
فالجواب عنه من وجوه:
[108]الوجه الأول: أنَّ إثبات رسُولٍ من قبله إليكم لا يمنعُ إتيانَ رسولٍ ثانٍ؛ فإنَّ بني إسرائيل قد بعث الله إليهم موسى عليه السلام، وكانوا على شريعة التَّوراة، ثُمَّ بَعَثَ الله تبارك وتعالى إليهم المسيح عليه السلام، ووجب عليهم الإيمانُ به، ومَن لَـمْ يُؤْمِن به كان كافرًا، وإنْ قال: إنِّي مُتمَسِّكٌ بالكتاب الذي أُنزِل إليَّ. فكذلك إذا أَرْسَلَ الله رسولًا بعد المسيح؛ وَجَبَ الإيمانُ به، ومَن لَم يُؤْمِن به كان كافرًا، كما أنَّ مَن لَم يُؤْمِن بالمسيح من بني إسرائيل كان كافرًا.
وبنو إسرائيل أكثر اختصاصًا بموسى والتَّوراة من الرُّوم وغيرهم بالمسيح والإنجيل؛ فإنَّهم كانوا عِبْرانيين والتَّوراة عِبْرانية. تعليق جانبي/ تبليغ رسالة محمَّد ﷺ للأمم مثل تبليغ رسالة المسيح ڠ لسان قومه
[109]الوجه الثاني: دعواهم أنَّهم مُتمَسِّكون في هذا الوقت بالدِّين الذي نقله الحواريُّون عن المسيح عليه السلام؛ كذبٌ ظاهر، بل هم عامَّة ما هم عليه من الدِّين عقائده وشرائعه؛ كالأمانة، والصَّلاة إلى المشـرق، واتِّخاذ الصُّوَر والتماثيل في الكنائس، واتِّخاذها وسائط، والاستشفاع بأصحابها، وجعلِ الأعياد بأسمائهم، وبناء الكنائس على أسمائهم، واستحلال الخنزير، وترك الختان، والرَّهبانيَّة، وجَعْلِ الصِّيام في الرَّبيع، وجعلِه خمسين يومًا، والصَّلوات، والقرابين، والنَّاموس؛ لَـمْ ينقُلْه الحواريُّون عن المسيح، ولا هو موجودٌ لا في التَّوراة ولا في الإنجيل، وإنَّما هم مُتمَسِّكون بقليلٍ ممَّا جاءت به الأنبياء.
وأمَّا كُفريَّاتهم وبدعهم فكثيرةٌ جدًّا، ولا ينقل أحدٌ عن المسيح والحواريِّين أنَّهم أمروهم أن يقولوا ما يقولونه في صلاتهم السَّحَرية: «تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا»، وفي الصلاة الثانية والثالثة: «يا والدة الإله، مريم العذراء، افتحي لنا أبواب الرَّحمة». () في الأصل المحقق: [بالعربية]. انظر: الجواب الصحيح (1/287) ولا يستقيم بها المعنى.
[110]الوجه الثالث: قولهم: إنَّهم سَلَّموا إليهم التَّوراة والإنجيل بلغاتهم، إنَّما يستقيم إنْ كان صحيحًا في بعض النَّصَارى لا في جميعهم؛ فإنَّ العرب من النَّصَارى وغير العرب لَـمْ يُسَلِّم أحدٌ إليهم توراةً وإنجيلًا بلسانهم، وهذا أمرٌ معروف، ولا يوجد قطُّ توراةٌ ولا إنجيلٌ مُعرَّبٌ من زمن الحواريِّين، وإنَّما عُرِّبت في الأزمان المتأخرة، فإذا كانت النَّصَارى من العرب تقوم عليهم الحجَّة قبل محمَّدٍ ﷺ بكتابٍ نزَلَ بغير لسانهم ثُمَّ عُرِّبَ لهم، فكيف لا تقوم على الرُّوم وغيرهم الحجَّة بكتابٍ نزل بغير لسانهم ثُمَّ تُرْجِمَ بلسانهم؟!.
[111]الوجه الرابع: أنْ يُقال: الأمَّة إذا غَيَّرتْ دينَ رسولها الذي أُرسِل إليها، وبدَّلَتْه أرسل الله إليها مَنْ يدعوها إلى الدِّين الذي يحبُّه الله ويرضاه، كما أنَّ بني إسرائيل لَـمَّا غيَّروا دينَ موسى وبدَّلوه؛ بعَثَ الله إليهم وإلى غيرهم المسيحَ بالدِّين الذي يحبُّه ويرضاه، وكذلك النَّصَارى لَـمَّا بدَّلوا دينَ المسيح وغيَّروه؛ بعَثَ الله إليهم وإلى غيرهم محمَّدًا ﷺ بالدِّين الذي يحبُّه ويرضاه. () الطبقات الكبرى (1/198).
وقد ثبَتَ في [الصَّحيح] عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ؛ إلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)([112])، وأولئك البقايا الذين كانوا مُتمَسِّكين بدين المسيح قبل مَبْعَثِ محمَّدٍ ﷺ، كانوا على دين الله عز وجل، وأمَّا مِن حين بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ فمَنْ لَـمْ يُؤْمِن به فهو من أهل النَّار، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: (وَالَّذِي نَفْسِـي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَـمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ؛ إلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)([113]).
[114]الوجه [الخامس]: قولهم: «وسلَّموا إلينا التَّوراة والإنجيل بلساننا، على ما يشهد لهما الكتابُ الذي أتى به هذا الرَّجل». () الطبقات الكبرى (1/202).
فيقال لهم: ليس في القرآن ما يشهد لكم بأنَّ التَّوراة والإنجيل سُلِّمَت إليكم بلسانكم، فاستشهادكم بالقرآن على هذه الدعوى من جنس استشهادكم به على أنَّ دينكم حقٌّ، ومن جنس استشهادكم بالنبوَّات على ما أحدثتموه وغيَّرتم به دينَ المسيح عليه السلام من التثليث والاتِّحاد وغير ذلك. تعليق جانبي/ ليس لنصارى العرب حجة في ادِّعاء عدم فهم رسالة محمَّد ﷺ
وقولهم: «حيث يقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا﴾ ».
فيُقال: لا ريب أنَّ قوم موسى عليه السلام هم بنو إسرائيل، وبلسانهم نزلَت التَّوراة، وكذلك بنو إسرائيل هم قوم المسيح عليه السلام، وبلسانهم كان المسيحُ يتكلَّم، فلَمْ يُخاطِبْ واحدٌ من الرَّسولَيْن أحدًا إلا باللسان العِبْراني، لَـمْ يتكلَّم أحدٌ منهما لا بروميَّةٍ، ولا سُريانيَّةٍ، ولا يونانيةٍ، ولا قِبْطية. تعليق جانبي/ أنَّ مقصود الرسالة يتحقق بالترجمة، وهذا كاف. تعليق جانبي/ اشتراط النصارى العصمة في المترجِمِ لكتب الأنبياء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا ﴾ [النحل: 36] كلامٌ مطلقٌ عامٌّ، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]، ليس في هذا تعرُّضٌ لكون التَّوراة والإنجيل سُلِّمَت إليهم بألسنتهم.
والمقصود هنا: أنَّ محمَّدًا ﷺ لَـمْ يشهد للمسيح بالإلهيَّة، ولا للحواريِّين بأنَّهم رُسُلُ الله، ولا أنَّهم سلَّموا إليهم التَّوراة والإنجيل بلسانهم، ولا بأنَّهم معصومون.
وما ذكروه من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إنَّما يتناول رُسُلَ الله، لا رُسُلَ رُسُلِ الله، بل رُسُلُ رُسُلِ الله يجوز أنْ يُبَلِّغوا رسالات الرُّسُل بلسان الرُّسُل إذا كان هناك مَنْ يترجم لهم ذلك اللسان، وإنْ لَـمْ يكن هناك مَن يُتَرْجِم ذلك اللسان؛ كانت رُسُلُ الرُّسُل تخاطبهم بلسانهم، لكنْ لا يلزم من هذا أن يكونوا قد كتبوا الكتب الإلهيَّة بلسانهم، بل يكفي أن يقرؤوها بلسان الأنبياء عليهم السلام، ثُمَّ يُترجِموها بلسان أولئك. تعليق جانبي/ كذب دعوى ترجمة الحواريين للتوراة والإنجيل
وهو سبحانه قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ولَـمْ يقل: «وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا إِلَى قَوْمِهِ»، بل محمَّدٌ أُرْسِل بلسان قومه وهم قريش، وأُرسِل إلى قومه وغير قومه، كما يذكرون هم ذلك عن المسيح عليه السلام.
[احتجاج النَّصَارى بالعقل]
وأمَّا قولهم: (نعلم أنَّ الله عدلٌ، وليس مِن عدله أنْ يُطالب أمَّةً يوم القيامة باتِّباع إنسانٍ لَـمْ يأتِ إليهم، ولا وقفوا له على كتابٍ بلسانهم، ولا من جهة داعٍ من قِبَلِه)([115]). () انظر: إنجيل متى (28: 19).
فيقال: الجواب من وجوه:
[116]الوجه الأول: أنَّ هذا الكلام لا يجوز أنْ يقوله من كتب هذا الكتاب، ولا أحدٌ يفهم بالعربيَّة؛ فإنَّ هؤلاء يفهمون هذا الكتاب بالعربيَّة، وقد قرؤوه وناظَروا بما فيه، وإذا كانوا مع ذلك يفهمون بغير العربيَّة؛ كان ذلك أبلغ في قيام الحجَّة عليهم؛ فإنَّهم يمكنهم فهمُ ما قال بالعربيَّة، وتفهيمُ ذلك لقومهم باللسان الآخر.
[117]الوجه الثاني: أنَّهم يفهمون ما في كُتُبِهم الرُّومية والسُّـريانية والقِبطية وغيرها، ويترجمونها للعرب من النَّصَارى بالعربيَّة، فإذا قامت الحجَّة على عرب النَّصَارى باللسان الرُّوميِّ؛ فَلَأَنْ تقوم على الرُّوم باللسان العربيِّ أَوْلى، فإنَّ اللسان العربيَّ أكثر انتشارًا في العالم من اللسان الرُّومي، والناطقون به بعد ظهور الإسلام أكثر من الناطقين بغيره، وهو أكمل بيانًا، وأتمُّ تفهيمًا.
وحينئذٍ، فيكون وصول المعاني به إلى غير أهل لسانه أيسـر؛ لكمال معناه، ولكثرة العارِفين به، وهؤلاء علماء النَّصَارى يقرؤون كتب الطبِّ والحساب والفلسفة وغير ذلك باللسان العربي، مع أنَّ مُصَنِّفيها كانوا عجمًا مِن روميٍّ، ويونانيٍّ وغير ذلك، فما المانع أن يُقْرَأ القرآنُ العربيُّ وتفسيرُه، وحديثُ النبي ﷺ باللسان العِبْري، مع أنَّه أُخِذ عن الرَّسُول بالعربي؟!، فهو أَوْلى بأن يُعْرَف به مراد المتكلِّم به. تعليق جانبي/ بطلان اشتراط العصمة في المترجِم
[118]الوجه الثالث: أن يقال: النَّاس لهم في عَدْل الله ثلاثة أقوال([119]):
قيل: كلُّ ما يكون مقدورًا لله؛ فهو: عدل.
وقيل: العدل منه نظيرُ العدل من عباده. تعليق جانبي/ امتناع دعوى عصمة الحواريين
وهما قولان ضعيفان.
وقيل: مِن عَدْلِه أنْ يجزي المحسن بحسناته، لا يَنْقُصُه شيئًا منها، ولا يُعاقبه بلا ذنب.
ومعلومٌ أنَّه إذا أمر العبدَ بما يَقْدِرُ عليه؛ كان جائزًا باتفاق طوائف أهل الملل مِن المسلمين واليهود والنَّصَارى، وإنْ كان الفعل مكروهًا للإنسان؛ فإنَّ الجنَّة حُفَّت بالمكاره وحُفَّت النَّار بالشَّهوات، وقد كُلِّفَت بنو إسرائيل والنَّصَارى من الأعمال ما هو مكروهٌ لهم وشاقٌّ عليهم، فكيف يمتنع أن يأمرهم وينهاهم بلغةٍ يُبيِّن بعضُ المسلمين معناها لهم؟!
والعربُ الذين نزَلَ القرآن بلسانهم طبَّقوا الأرض، ومنهم نصارى لا يُحْصَون فكلُّ من عَرَف بالعربيَّة من النَّصَارى أمكنه فهمُ ما يُقال بالعربي، ومن كان منهم روميًّا كان له أسوة من أسلم من سائر طوائف الأعاجم، كالفُرْس، والتُّرك، والهند، والبربر، والحبشة وغيرهم، وهو مُتمَكِّنٌ من معرفة ما أمره الله والعمل به، كما يمكن هؤلاء كلهم، بل الرُّوم أقدر على ذلك من غيرهم، فلأيِّ وجهٍ يمتنع أنْ يأمرهم الله بذلك؟! () رسالة بولس الانطاكي (ص414).
وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به إذا كان مقدورًا للعبد فعليه أن يفعله، باتفاق أهل الملل المسلمين واليهود والنَّصَارى.
[فإذا] أوجب [الله] على العباد شيئًا، واحتاج أداء الواجب إلى تعلُّم شيءٍ من العلم، كان تعلُّمه واجبًا([120]). تعليق جانبي/ بعثة الرُّسُل إلى أهل الكتاب غير ممتنعة ولو أتاهم قبل ذلك رسل
فإذا كان معرفة العبد لما أمره الله به تتوقَّف على أنْ يعرف معنى كلامٍ تكلَّم به بغير لغته، وهو قادرٌ على تعلُّم معنى تلك الألفاظ التي ليست بلغته، أو على معرفة ترجمتها بلغته، وجب عليه تعلُّم ذلك.
ولو جاءت رسالةٌ من مَلِكٍ إلى مَلِكٍ بغير لسانه؛ لطَلَبَ من يُتَرْجِمُ مقصودَ الملِكِ الـمُرْسِل، ولَـمْ يَجُزْ أن يقول: أنتَ لَـمْ تبعث إليَّ من يخاطبني بلغتي، مع قدرته على أنْ يفهم مراده بالتَّرجمة، فكيف يجوز أن يقال ذلك لرب العالمين؟! تعليق جانبي/ بطلان تمسكهم بدين المسيح الذي نقله الحواريون
والله تعالى أرسل رُسُلَهُ، وأنزل كُتُبه ليقوم النَّاسُ بالقسط، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ [الحديد: 25]، فليس لأحدٍ ممَّن أُرسِل إليه رسولٌ، وهو قادرٌ على معرفة ما أُرسِل به إليه -بالتَّرجمة أو غير التَّرجمة- أن يمتنع مِن شرع الله الذي أنزله، وهو القسطُ الذي بَعَثَ به رَسُوْلَه، لكون الرَّسُول ليس لغتُه لغتَه، مع قدرته على أن يعرف مراده بطرقٍ متعددة.
والنَّاسُ في مصالح دُنياهم يتوسَّل أحدُهم إلى معرفة مراد الآخر بالتَّرجمة وغيرها، فيتبايعون وبينهم ترجمانٌ يبلِّغ بعضَهم عن بعض، ويتراسلون في عمارة بلادهم، وأغراض نفوسهم؛ بالتَّراجم الذين يُتَرْجِمُون لهم. تعليق جانبي/ عدم اطراد كلامهم على جميع النصارى
وأمرُ الدين أعظم من أمر الدنيا؛ فكيف لا يتوسَّلون إلى معرفة مراد بعضهم من بعض؟!، وكيف يكون أمر الدنيا أهمَّ من أمر الدِّين إلا عند من أغفل الله قلبَه عن ذكر ربِّه، واتَّبع هواه، وأعرض عن ذكر ربِّه، ولَـمْ يُرِد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، قال تعالى: ﴿فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ﴾ [النجم: 29]، وقال تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: 28]. تعليق جانبي/ بعثة الرُّسُل تكون بسبب تبديل الأمم لدين الله
[121]الوجه الرابع: أنَّه من العجب أن تَعُدَّ النَّصَارى مثل هذا ظُلمًا خارجًا عن العدل، وهم قد نسبوا إلى الله من الظُّلم العظيم على هذا الأصل ما لَـمْ يَنْسِبْهُ إليه أحدٌ من الأمم، كما سَبُّوه وشتموه مَسَبَّةً ما سبَّه إيَّاها أحدٌ من الأمم. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2865). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (153).
فهم من أبعد الأمم عن توحيده وتمجيده وحمده والثَّناء عليه، وذلك أنَّهم يزعمون أنَّ آدم لَـمَّا أكل من الشَّجرة غضب الرَّبُّ عليه وعاقبه، وأنَّ تلك العقوبة بقِيَتْ في ذُرِّيته، إلى أنْ جاء المسيح وصُلِب، وأنَّه كانت الذُّرِّيَّة في حبس إبليس، فمَن مات منهم ذهبَتْ روحُه إلى جهنَّم في حبس إبليس، حتى قالوا ذلك في الأنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وغيرهم! تعليق جانبي/ بطلان شهادة القرآن لإدعاء النصارى
ومعلومٌ أنَّ إبراهيم كان أبوه كافرًا، ولَـمْ يُؤاخِذْه الله بذنب أبيه، فكيف يُؤاخِذه بذنب آدم وهو أبوه الأبعَد؟! هذا لو قُدِّر أنَّ آدم لَـمْ يَتُبْ، فكيف وقد أخبر الله عنه بالتَّوبة؟!
ثُمَّ يزعمون أنَّ الصَّلْبَ الذي هو من أعظم الذُّنوب والخطايا؛ به خَلَّص اللهُ آدمَ وذريتَه من عذاب الجحيم، وبه عاقبَ إبليس، مع أنَّ إبليس ما زال عاصيًا لله، مُستَحِقًّا للعقاب من حين امتنع من السُّجود لآدم ووسوس لآدم إلى حين مبعث المسيح، والربُّ قادرٌ على عقوبته، وبنو آدم لا عقوبة عليهم في ذنب أبيهم.
فمن كان قولهم مثل هذه الخرافات التي هي مَضَاحِكُ العقلاء، والتي لا تصْلُحُ أنْ تُضَافَ إلى أجهل الملوك وأظلمهم، فكيف يدَّعون مع هذا أنَّهم يصفون الله بالعدل، ويجعلون مِن عَدْلِهِ أنَّه لا يأمر الإنسانَ بتعلُّم ما يقدر على تعلُّمه، وفيه صلاحُ معاشه ومعاده، ويجعلون مثل هذا موجبًا لتكذيب كتابه ورُسُلِه، والإصرار على تبديل الكتاب الأوَّل، وتكذيب الكتاب الآخر، وعلى أنَّه يتضمَّن مخالفة موسى وعيسى وسائر الأنبياء والرُّسُل؟!
والنَّصَارى يقولون: إن المسيح الذي هو عندهم اللَّاهُوت والنَّاسُوت جميعًا، إنَّما مكَّن الكفَّار من صَلْبِه ليحتال بذلك على عقوبة إبليس.
قالوا: فأخفى نفسه عن إبليس لئلا يَعْلَم.
قالوا: ومكَّن أعداءه من أخذِه وضربه والبصاق في وجهه ووضعِ الشَّوك على رأسه وصَلْبِه، وأظهَر الجزع من الموت، وصار يقول: يا إلهي، لم سلَّطتَ أعدائي عليَّ؟ ليختفي بذلك عن إبليس، فلا يعرف إبليس أنه الله أو ابن الله، ويريد إبليس أن يأخذ روحَه إلى الجحيم كما أخذ أرواحَ نوحٍ وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين، فيحتجُّ عليه الربُّ حينئذٍ، ويقول: بماذا استحللتَ يا إبليس أن تأخذ روحي؟، فيقول له إبليس: بخطيئتك، فيقول: ناسُوتي لا خطيئة له كنَواسِيت الأنبياء، فإنه كان لهم خطايا استحقُّوا بها أن تؤخذ أرواحُهم إلى جهنَّم، وأنا لا خطيئة لي!.
قالوا: فلما أقام الله الحجَّة على إبليس، جاز للرَّبِّ حينئذٍ أن يأخذ إبليس ويعاقبه، ويخلِّص ذريَّة آدم من إذهابهم إلى الجحيم.
وهذا الكلام فيه من الباطل ونسبة الظُّلم إلى الله ما يطول وصفُه، فمَن هذا قولُه فقد قَدَح في علم الربِّ وحكمته وعدله قدحًا ما قدحه فيه أحد.
() رسالة بولس الأنطاكي (ص414، 418).
تعليق جانبي/ قيام الحجة بالقرآن على من عرف اللغة
نعليق جانبي/ قيام الحجة على النصارى باللسان العربي أوْلى من غيره من الألْسُن
تعليق جانبي/ لا تنافي بين عدل الله تعالى وبين مطالبة الناس فهم رسالة بغير لسانهم؛ لأنَّ هذا في مقدورهم () انظر: منهاج السنة (1/134)، (6/402)، تفسير آيات أشكلت (1/444)، جامع الرسائل (1/121- 142)، مجموع الفتاوى (1/219)، (18/138).
() انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/527).
تعليق جانبي/ وقوع النصارى فيما يخالف العدل
[الفصل الثاني: دعوى النَّصَارى أنَّ النبي ﷺ مدح دينهم مما يوجب الثبات عليه]
قولهم: «ثُمَّ وجدنا في هذا الكتاب مِن تعظيم السَّيِّد المسيح وأمِّه، حيث يقول في سورة الأنبياء: ﴿وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 91]، وقال في سورة آل عمران: ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾ [آل عمران: 42]. مع الشَّهادات للسَّيِّد المسيح بالمعجزات، وأنَّه حَبَلَتْ بِهِ أمُّه من غير مُبَاضَعة رجل، بل ببشارة مَلَاكِ الله لأمِّه، وأنَّه تكلَّم في المهد، وأحيا الميت، وأبرأ الأكمَه، ونقَّى الأبرص، وأنَّه خَلَق من الطِّين كهيئة الطَّير فنفَخَ فيه فكان طيرًا بإذن الله، أي: بإذن اللاهُوت الذي هو كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت.
ووجدنا أيضًا في الكتاب أنَّ الله رَفَعَهُ إليه، قال في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ﴾ [النساء: 157-158]، وفي سورة آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ [آل عمران: 55]، وقال في سورة البقرة: ﴿وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]، وقال في سورة الحديد: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: 27]، وقال في سورة آل عمران: ﴿مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114]. ثُمَّ وجدناه يُعَظِّم إنجيلنا»([1]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص414- 415).
[2]الجواب: تعليق جانبي/ الأجوبة على الأدلة في مدح دينهم
[الشُّبهة الأولى: تعظيم المسيح وأمه]
أمَّا تعظيمُ المسيحِ وأمِّهِ؛ فهو: حقٌّ، وكذلك مَدْحُ مَن كان على دينه الذي لَـمْ يُبَدَّل قبل أن يُبْعَث ﷺ، أو بقي على ذلك إلى أن بُعِث محمَّدٌ ﷺ فآمن به؛ فإنَّ هؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون، وكذلك مَنْ كان على دين موسى الذي لَـمْ يُبَدَّل إلى أنْ بُعِث المسيحُ فآمن به، فهؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون.
والمسلمون عُدْلٌ متوسِّطون، لا ينحرفون لا إلى غُلُوٍّ، ولا إلى تقصير، وأمَّا اليهود والنَّصَارى فهم على طرفي نقيضٍ، هؤلاء ينحرفون إلى جهة، وهؤلاء ينحرفون إلى الجهة التي تُقابلها، كما في التحريم والطهارة والنَّجَاسة.
وكذلك هم في المسيح:
فالنَّصَارى يقولون: هو الله، ويقولون أيضًا: هو ابن الله، وهو إلهٌ تامٌّ، وإنسانٌ تامٌّ.
واليهود يقولون: هو ولد زنا، وهو ابن يوسف النَّجَّار، ويقولون عنه: هو ساحرٌ كذَّاب؛ ويقولون عن مريم: إنَّها بَغِيٌّ بعيسى، كما قال تعالى: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 156].
وأما المسلمون، فيقولون: هو عبد الله ورسوله، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروحٌ منه، وهو وجيهٌ في الدُّنيا والآخرة، ومن المقرَّبين، ويصفونه بما وصفه الله به في كتابه، لا يغلون فيه غلوَّ النَّصَارى، ولا يُقَصِّـرون في حقِّه تقصير اليهود.
وكذلك قولهم في سائر الأنبياء والمرسلين، وفي أولياء الله؛ فاليهود: قتلوا النبيِّين والذين يأمرون بالقسط من النَّاس. والنَّصَارى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة:31]، ومع هذا فقد شارك النَّصَارى اليهودَ في نقص حقِّ كثيرٍ من الأنبياء، فيقولون: إنَّ سليمان لم يكن نبيًّا. ويقولون: إنَّ الحواريِّين مثلُ موسى وإبراهيم. ويقولون: إنَّ من عمل بوصايا الله من غير الأنبياء صار مثل الأنبياء، وكان له أن يشـرع شريعةً. وبعض اليهود غلوا في العُزَيْر حتى قالوا: إنَّه ابن الله، ولهذا قال نبيُّنا ﷺ في الحديث الصَّحيح: (لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النَّصَارى عيسى ابن مريم، فإنَّما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله)([3]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3445).
[وقد ذكر] سبحانه قصة مريم والمسيح في [سورة كهيعص] التي أنزلها في أول الأمر بمكَّة في السُّور التي ذكر فيها أصول الدِّين التي اتَّفق عليها الأنبياء، ثُمَّ ذكرها في سورة آل عمران، وهي من السُّور المدنيَّة التي يخاطِبُ فيها من اتَّبع الأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين لَـمَّا قَدِمَ عليه نصارى نجران، فكان فيها الخطابُ لأهل الكتاب، فقال تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾ إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴿٣٥﴾ فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 33- 36].
وفي [الصَّحيحين] عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (ما من مولودٍ إلا يمسُّه الشَّيطان، فيستهلُّ صارخًا من الشَّيطان، إلا مريم وابنها)، ثُمَّ يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ ﴿[4]﴾. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3431)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2366).
فهو سبحانه قد ذكر قصَّة مريم والمسيح في هاتين السُّورتين:
إحداهما: مكِّيَّة، نزلت في أوَّل الأمر مع السُّور الممهِّدة لأصول الدِّين، وهي سورة [كهيعص].
والثانية: مدنيَّة، نزلت بعد أن أُمِر بالهجرة والجهاد، ولهذا تضمَّنت مناظرة أهل الكتاب ومباهلتَهم، كما نزلت في [براءة]([5]) مجاهدتُهم. () أي: سورة التوبة.
فأخبر في السُّورة المكِّـيَّة أنَّها لَـمَّا انفردت للعبادة أرسل الله إليها روحَه، فتمثَّل لها بشـرًا سويًّا، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]، قال أبو وائل: «عَلِمَتْ أنَّ المتَّقي ذو نُهْـيَة»([6]) أي: تقواه [تنهاه] عن الفاحشة، وأنَّها خافت منه أن يكون قصدُه الفاحشة، فقالت: أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًّا، أي: تتقي الله. () انظر: تفسير ابن أبي حاتم (7/2403)، تفسير ابن عطية (4/9).
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19]، وفي القراءة الأخرى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴾ ، فأخبر هذا الرُّوحُ الذي تمثَّل لها بشـرًا سويًّا أنَّه رسولُ ربِّها، فدلَّ الكلام على أن هذا الرُّوح عينٌ قائمةٌ بنفسها ليست صفةً لغيرها، وأنَّه رسولٌ مِن الله ليس صفةً من صفات الله، ولهذا قال جماهير العلماء: إنَّه جبريل عليه السلام؛ فإنَّ الله سمَّاه ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193]، وسمَّاه ﴿رُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [النحل: 102]، وسمَّاه ﴿جِبۡرِيلُ﴾ [البقرة: 97].
وهكذا عند أهل الكتاب أنه تجسَّد من مريم ومن روح القُدُس، لكن ضلالهم حيث يظنُّون أن روح القُدُس حياة الله، وأنه إلهٌ يخلق ويَرْزُق ويُعْبَد، وليس في شيءٍ من الكتب الإلهيَّة ولا في كلام الأنبياء أن الله سمَّى صفته القائمة به «روح القُدُس»، ولا سمَّى كلامه ولا شيئًا من صفاته «ابنًا».
وهذا أحد ما يتبيَّن به ضلالُ النَّصَارى، وأنهم حرَّفوا كلام الأنبياء، وتأوَّلوه على غير ما أرادت الأنبياء؛ فإنَّ أصل تثليثهم مبنيٌّ على ما في أحد الأناجيل من أن المسيح عليه السلام قال لهم: «عمِّدوا النَّاسَ باسم الأب والابن وروح القُدُس»([7]). () انظر: إنجيل متى (28: 19).
فيقال لهم: هذا إذا كان قد قاله المسيح، وليس في لغة المسيح ولا لغة أحدٍ من الأنبياء أنَّهم يُسَمُّون صفة الله القائمة به ولا كلمته ولا حياته: لا «ابنًا» ولا «روح قُدُس». ولا يُسَمُّون كلمته: «ابنًا». ولا يسمُّونه نفسه: «ابنًا» ولا «روح قُدُس»، ولكن يوجد فيما ينقلونه عنهم أنهم يُسَمُّون المصطفى المكرَّم «ابنًا»، وهذا موجودٌ في حقِّ المسيح وغيره، كما يذكرون أنه قال تعالى لإسرائيل: «أنتَ ابني بِكْرِي»([8]). () انظر: سفر الخروج (4: 22).
و«روح القُدُس» يراد به: الرُّوح التي تنزل على الأنبياء، كما نزلت على داود وغيره؛ فإن في كتبهم أن روح القُدُس كانت في داود وغيره، وأن المسيح قال لهم: «أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم»([9])، فسمَّاه «أبًا» للجميع، لَـمْ يكن المسيح مخصوصًا عندهم باسم «الابن»، ولا يوجد عندهم لفظ «الابن» إلا اسمًا لمخلوق، لا اسمًا لشيءٍ من صفات الله، ولا في كتب الأنبياء أن صفة الله تولَّدت منه. () انظر: إنجيل يوحنا (20: 17).
وإذا كان كذلك، كان في هذا ما يبيِّن أنه ليس المراد بـ[الابن]: كلمة الله القديمة الأزليَّة التي يقولون: إنَّها تولَّدت من الله عندهم مع كونها أزليَّة، ولا بـ[روح القُدُس]: حياة الله. بل المراد بالابن: ناسوتُ المسيح. وبروح القُدُس: ما أُنزِل عليه من الوحي، والـمَلَكُ الذي نزل به، فيكون قد أمرهم بالإيمان بالله وبرسوله، وبما أنزله على رسوله، والـمَلَك الذي نزل به. وبهذا أُمِرَت الأنبياء كلُّهم، وليس للمسيح خاصَّةٌ استحقَّ بها أن يكون فيه شيءٌ من اللاهوت، لكن ظهر فيه نورُ الله وكلامُ الله وروحُ الله كما ظهر في غيره من الأنبياء والرُّسل؛ ومعلومٌ أنَّ غيره أيضًا فيما ينقلونه عن الأنبياء يُسَمَّى: ابنًا، وروح القُدُس حلَّت فيه.
والمقصود هنا: التنبيه على أنَّ كلام الأنبياء عليهم السلام يُصَدِّق بعضه بعضًا، وأنَّه ليس مع النَّصَارى لا حجَّة سمعيَّة ولا عقليَّة توافق ما ابتدعوه، ولكن فسَّـروا كلام الأنبياء بما لا يدُلُّ عليه، وعندهم في الإنجيل أنه قال: «إن السَّاعة لا يعلمها الملائكة ولا الابن، وإنَّما يعلمها الأب وحده»([10])، فبيَّن أنَّ [الابن] لا يعلم السَّاعة، فعُلِم أن [الابن] ليس هو القديم الأزليَّ، وإنَّما هو الـمُحْدَث الزَّماني([11]). () انظر: إنجيل متى (24: 36)، إنجيل مرقس (13: 32). () ثُمَّ بيَّن ابن تيمية رحمه الله أنَّ سبب اضطراب النَّصَارى وتناقضهم في هذا الباب، راجعٌ إلى عدم ضبطهم لمسألة: [المضافات إلى الله تعالى]، وذلك أنَّ المضافات على نوعين: الأول: إضافة صفات: وهي ما إذا كان المضاف صفة لا تقوم بنفسها؛ كالعلم والقُدْرة والكلام.الثاني: إضافة أعيان: وهي ما إذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها؛ كبيت الله، وناقة الله، وعباد الله== وعليه؛ يتبيَّن اضطراب وتناقض ما ذهبتْ إليه النَّصَارى من اعتبار [كلمة الله]: صفة قديمة أزلية متولِّدة عنه، ويجعلونها ابنًا له، ويجعلون هذه الصفة إلهًا خالقًا، وأنَّ هذه الكلمة هي المسيح عليه السلام، فجعلهم [كلمة الله] هي المسيح عليه السلام يُؤدِّي إلى جعل هذه الكلمة عينًا قائمةً بنفسها، وهذا فاسد؛ لأنَّ كلام الله هو من النوع الأول، من باب إضافة الصفة للموصوف، وليس صفة [كلام الله تعالى] عينًا مخلوقةً بائنةً عنه.وإضافة المسيح عليه السلام إلى الله تعالى في النصوص التي ينقلونها إنَّما هي من إضافة الأعيان، وهذه الإضافة تقتضي تشريف المسيح عليه السلام لِـمَا خصَّه الله تعالى به من الصفات التي اقتضت إضافته إليه سبحانه، وليس في إضافة المسيح عليه السلام إلى الله ما يقتضـي أنَّه إله، أو أنَّه ابن الله. انظر: الجواب الصحيح (1/360-369).
[الشُّبهة الثانية: معجزات المسيح]
وأما قولهم: «فكان طيرًا بإذن الله، أي بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت».
فهذا إذا قالوه على أنَّه مذهبهم، مِن غير أنْ يقولوا: إنَّ محمَّدًا أراده، تكلَّمنا معهم في ذلك، وبيَّـنَّا فساد ذلك عقلًا ونقلًا.
وأمَّا قولهم: إنَّ محمَّدًا ﷺ كان يقول: إنَّ المراد إذْنُ اللاهوت الذي هو كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت، فهذا من البهتان الظاهر على محمَّدٍ ﷺ، وهو من جنس قولهم: إنَّ قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الفاتحة: 6-7] أراد به: النَّصَارى، ومن جنس قولهم: إنَّ قوله: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا﴾ [آل عمران: 85] أراد به: من العرب، ومن جنس قولهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25] أراد بهم: الحواريِّين، ومن جنس قولهم: ﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2] أراد به: الإنجيل.
فهذه المواضع التي فسَّروا بها القرآن، وزعموا أنَّ محمَّدًا ﷺ الذي بيَّن للنَّاس ما أُنزِل إليهم، كان يُريد بما يتلوه من القرآن هذه المعاني التي ذكروها؛ هي من الكذب الظَّاهر الذي يدُلُّ على غاية جهل قائلها، أو غاية معاندته، ولكن مثل هذا التأويل غير مستنكرٍ من النَّصَارى؛ فإنَّهم قد فسَّـروا مواضع كثيرة من التَّوراة والإنجيل والزَّبور والنبوَّات، بنحو هذه التفاسير التي حرَّفوا فيها الكلام الذي جاءت به الأنبياء عن مواضعه تحريفًا ظاهرًا، فبدَّلوا بذلك كُتُبَ الله ودَيْنَ الله، وضاهوا بذلك اليهود الذين حرَّفوا وبدَّلوا وإنْ اختلف جهةُ التَّحريف والتبديل.
فتحرِيْفُهم للقُرْآن من جنس تحريفهم للتَّوراة والإنجيل، وهم مِن الذين يَدَعُون المحْكَم، ويتَّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، لكنْ في هذه المواضع حرَّفوا المحْكَم الذي معناه ظاهرٌ لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، فكانوا من الجهل والمعاندة أبعدَ عن الصَّواب ممَّن حرَّف معنى المتشابه.
وذلك أنَّه قد عُلِم بالاضطرار من دين محمَّدٍ ﷺ أنَّه كان يقول: إنَّ المسيح عَبْدٌ لله، مخلوقٌ كسائر المرسلين، وأنَّه يُكَفِّر النَّصَارى الذين يقولون: هو الله، أو ابن الله، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 17].
وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٧٤﴾ مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ﴿٧٥﴾ قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴿٧٦﴾ قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 72-77].
فقد ذَكَرَ كُفْرَ النَّصَارى في قولهم: «هو الله» مرَّتين، وذكر أنَّه ليس المسيحُ إلا رَسُولٌ قد خلتْ من قبله الرُّسُل، فغايته الرِّسالة، كما قال في محمَّدٍ ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ﴾ [آل عمران: 144]، وغاية أُمِّه أن تكون صِدِّيقة، ودلَّ بهذا أنَّها ليست بنبيَّة، ثُمَّ قال: ﴿كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ﴾ || ، وهذا من أظهر الصِّفات النافية للإلهيَّة؛ لحاجة الآكِل إلى ما يدخل في جوفه، ولِـمَا يخرج منه مع ذلك من الفَضَلات.
والربُّ تعالى أحدٌ صمد، لَـمْ يَلد ولَـمْ يُولد، ولَـمْ يكن له كفوًا أحد، والنَّصَارى يقولون: إنَّه يَلد، وإنَّه يُولد، وإنَّ له كفوًا.
وقد أخبر بعبوديَّة المسيح في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ﴿٥٧﴾ وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ﴿٥٨﴾ إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الزخرف: 57-59].
وأخبر تعالى أنَّ أوَّل شيءٍ نطق به المسيح قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30].
وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 116-117]. وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ﴿١٧١﴾ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ﴿١٧٢﴾ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا﴾ [النساء: 171-173].
فإذا كان قد عُلِم بالاضطرار من دين محمَّدٍ ﷺ، وبالنَّقل المتواتر عنه، وبإجماع أمَّته إجماعًا يَسْتَنِدُونَ فيه إلى النَّقل عنه، وبكتابه المنزل عليه، وبسنَّته المعروفة عنه، أنَّه كان يقول: إنَّ المسيح عبدُ الله ورسوله، ليس هو إلا رَسُولٌ، وأنَّه يُكَفِّر النَّصَارى الذين يقولون: هو الله، وهو ابن الله، والذين يقولون: ثالث ثلاثة، وأمثال ذلك؛ كان بعدَ هذا تفسيرُهم لقول الله الذي بلَّغه نبيُّه محمَّدٌ ﷺ: ﴿فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ﴾ «أي: بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتَّحدة بالنَّاسوت»؛ كذبًا ظاهرًا على محمَّدٍ ﷺ.
وهذا ممَّا يَعْرِف كذِبَهم فيه على محمَّدٍ ﷺ جميعُ أهل الأرض، العالِـم بحال محمَّدٍ ﷺ، سواءٌ أقرُّوا بنبوَّته أو أنكروها.
فالمقصود في هذا المقام: أنَّ هؤلاء كذَبُوا على محمَّدٍ ﷺ كذبًا ظاهرًا معلومًا للخلق: المؤمنين به والمكذِّبين له، ليس هو كذبًا خفيًّا، وإن قُدِّر أنَّ ما قالوه يكون ممكنًا معقولًا، فكيف إذا كان ممتنعًا في صرائح العقول؟! بل هو قولٌ غير معقول، أي: غير معقولٍ ثبوتُه في الخارج، وإنْ كان يُعْقَلُ ما يَخْتَلِقون ويُعْلَم به فساد عقولهم، كمن قال سائر الأقوال المتناقضة الفاسدة التي يمتنع ثبوتها في الخارج.
فإنَّ قولهم: «بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت»؛ باطلٌ [لأنَّ] تلك الكلمة إمَّا أن تكون هي الله أو صفةٌ لذاته، أو لا هي ذاته ولا هي صفةٌ له، أو [هي] الذَّات والصِّفة جميعًا.
فإنْ لَـمْ تكن هي ذات الله ولا صفته، ولا الذَّات والصِّفة؛ كانت بائنةً عنه مخلوقةً له، ولَـمْ تكن لاهوتًا بل ولا خالقةً، وحينئذٍ فلم يتَّحد بالمسيح لاهوتٌ، بل لَـمْ يتَّحد به -إنْ كان اتَّحد به- إلا مخلوق.
وإنْ كانت الكلمة هي الذَّات أو الذَّات والصِّفة؛ فهي: ربُّ العالمين، وهي الأب عندهم، وهم متَّفقون على أنَّ المسيح ليس هو الأب، ولَـمْ يتَّحد به الأب، بل الابن.
وإنْ كانت الكلمة صفةً لله عز وجل؛ فصفة الله ليست هي الإله الخالق، والمسيح عندهم هو الإله الخالق.
وأيضًا؛ فصفة الله قائمةٌ بذاته، لا تفارق ذاته وتحلُّ بغيره وتتَّحد به، وكلمة الله عندهم اتَّحدت بالمسيح.
وإنْ قالوا: قولنا هذا كما تقول طائفةٌ من المسلمين: إنَّ القرآن أو التَّوراة أو الإنجيل؛ حلَّ في القرَّاء أو اتَّحد بهم، وإنَّ القديم حلَّ في المخلوق أو اتَّحد به، ونحو ذلك.
قيل: لو كان قول هؤلاء صوابًا لَـمْ يكن لهم فيه حجَّة؛ فإنَّه على هذا التقدير لا فرق بين المسيح وبين سائر من يقرأ التَّوراة والإنجيل والزَّبور والقرآن، وأنتم تدَّعون أنَّ المسيح هو الله، أو ابن الله مخصوصًا بذلك دون غيره.
وأيضًا؛ فهؤلاء وجميع الأمم متَّفقون على أنَّ قُرَّاء القرآن وسائر الكتب الإلهيَّة ليس واحدٌ منهم هو الله، ولا هو ابن الله، ولا أنَّه خالقٌ للعالَـم، فإذا جعلتم قولكم مثل قول هؤلاء لزمكم أن لا يكون المسيحُ هو الله ولا ابن الله ولا ربًّا للعالَـم.
وأيضًا؛ فلَمْ نعلم أحدًا من هؤلاء قال: إنَّ اللاهوت اتَّحد بالنَّاسوت، ولا إنَّ القديم اتَّحد بالمحْدَث، ولا إنَّ كلام الله صار هو والمخلوق شيئًا واحدًا، فالاتِّحاد باطلٌ باتفاق هؤلاء وغيرهم، ولكن طائفةً منهم أطلقت لفظ «الحلول»، وطائفة أنكرت لفظ «الحلول»، وقالوا: إنَّما نقول ظهَر القديمُ في المحْدَث لا حلَّ فيه، لكن قالوا ما يستلزم الحلول.
وسلفُ المسلمين وجمهورهم يُخَطِّئون هؤلاء، ويُبَيِّنون خطأهم عقلًا ونقلًا، وقولهم ليس هو قول أحدٍ من أئمَّة المسلمين، ولا قول طائفةٍ مشهورةٍ من طوائف المسلمين؛ كالمالكيَّة والشافعيَّة والحنفيَّة والحنبليَّة، والثوريَّة والدَّاوديَّة والإسحاقيَّة وغيرهم، ولا قول طائفةٍ من طوائف المتكلِّمين من المسلمين، لا المنتسبين إلى السُّنَّة: كالأشعريَّة والكرَّاميَّة، ولا غيرهم: كالمعتزلة والشِّيعة وأمثالهم.
وإنَّما قال ذلك طائفةٌ قليلةٌ انتسبت إلى بعض علماء المسلمين، مثل قليلٍ من المالكيَّة والشافعيَّة والحنبليَّة، وهؤلاء غايتهم أنْ يقولوا بحلول صفةٍ من صفات الله.
وكذلك من قال بحلول الربِّ واتِّحاده في العبد من طوائف الغلاة المنتسبين إلى التشيُّع والتصوُّف أو غيرهم، فهم ضُلَّالٌ كالنَّصَارى، مع أنَّه لا حجَّة للنَّصَارى على هؤلاء؛ إذ كان ما يقولونه لا يختصُّ به المسيح، بل هو مشتركٌ بينه وبين غيره من الأنبياء والصَّالحين، والنَّصَارى تدَّعي اختصاص المسيح بالاتِّحاد، مع أنَّ المتَّحِدَ بالنَّاسوت صار هو والنَّاسوت شيئًا واحدًا، ومع الاتِّحاد فيمتنع أن يكون لأحدهما فعلٌ أو صفةٌ خارجٌ عن الآخر، والنَّصَارى يدَّعون الاتِّحاد ثم يتناقضون، فمنهم من يقول: جوهرٌ واحد، ومنهم من يقول: جوهران، ومنهم من يقول: مشيئةٌ واحدة، ومنهم من يقول: مشيئتان.
[الشُّبهة الثالثة: أنَّ الله جعل النَّصَارى فوق اليهود]
وأما قوله تعالى: ﴿يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ [آل عمران: 55]، فهذا حقٌّ كما أخبر الله به، فمن اتَّبع المسيح عليه السلام جعلَهُ الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وكان الذين اتَّبعوه على دينه الذي لَـمْ يُبَدَّل قد جعلهم الله فوق اليهود، وأيضًا؛ فالنَّصَارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة.
وأمَّا المسلمون فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به، بل لَـمَّا بدَّل النَّصَارى دينه، وبَعَثَ الله محمَّدًا ﷺ بدين الله الذي بعث به المسيح وغيره من الأنبياء، وكان المسيح مُبَشِّـرًا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، صارت أمَّة محمَّدٍ ﷺ أَتْبَعَ للمسيح عليه السلام من النَّصَارى الذين غيَّروا شريعته، وكذَّبوا فيما بشَّـر به، فجعل الله محمَّدًا وأُمَّته فوق النَّصَارى إلى يوم القيامة، كما جعلهم أيضًا فوق اليهود إلى يوم القيامة، ففي [الصَّحيحين] عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْـنِي وَبَيْنَهُ نَبِـيٌّ)([12]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3442). ومسلم في "صحيحه" برقم: (2365).
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ﴿٥١﴾ وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ﴿٥٢﴾ فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51-53].
فكلُّ مَن كان أتمَّ إيمانًا بالله ورُسُله؛ كان أحقَّ بنصـر الله تعالى؛ فإنَّ الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر: 51]، وقال في كتابه: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173].
واليهود كذَّبوا المسيح ومحمَّدًا صلى الله عليهما وسلَّم، كما قال الله فيهم: ﴿بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: 90]، فالغضب الأول: بتكذيبهم للمسيح، والثاني: بتكذيبهم لمحمَّدٍ ﷺ.
والنَّصَارى بعد النَّسْخ والتبديل ليسوا مُتَّبعين المسيح، لكنَّهم أتبع له من اليهود الذين بالغوا في تكذيبه وسبِّه، فإنَّهم كذَّبوه أولًا، وكذَّبوا محمَّدًا ﷺ ثانيًا، فصاروا أبعد عن متابعة المسيح من النَّصَارى، فكانوا مجعولين فوق اليهود، منصورين عليهم.
والمسلمون منصورون على اليهود والنَّصَارى؛ فإنَّهم آمنوا بجميع كُتُبِ الله ورُسُلِهِ، ولَـمْ يُكَذِّبوا بشيءٍ من كُتُبه، ولا كَذَّبوا أحدًا من رُسُلِهِ، بل اتَّبعوا ما قال الله لهم حيث قال: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]، وقال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
ولَـمَّا كان المسلمون هم المتَّبِعُون لرُسُلِ الله كلِّهم المسيح وغيره، وكان الله قد وعد أنْ ينصر الرُّسُل وأتباعهم، قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصَّحيح: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَى الحقِّ، لَا يَضُـرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، ولَا مَنْ خَذَلَهمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة)([13]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3641) ومسلم في "صحيحه" برقم: (1037).
وقال أيضًا: (سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحَهُمْ، فَأَعْطَانِيهَا) الحديث([14]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2889)، وأحمد في "مسنده" برقم: (22553).
فكان ما احتجُّوا به حجَّةً عليهم لا لهم.
[الشُّبهة الرابعة: تأييد المسيح عليه السلام بروح القدس]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]؛ فهذا حقٌّ كما أخبر الله به.
وقد ذكر تعالى تأييد عيسى ابن مريم بروح القُدُس في عدَّة مواضع؛ فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]، وقال تعالى: ﴿وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]، وقال تعالى: ﴿يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [المائدة: 110].
وقد قال تعالى في القرآن: ﴿وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ﴿١٠١﴾ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: 101-102]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: 193- 194].
فروح القُدُس الذي نزَلَ بالقرآن من الله؛ هو: الرُّوح الأمين، وهو جبريل.
وثبت في [الصَّحيح] عن أبي هريرة أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول لحسَّان بن ثابت: (أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)([15]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3212)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2485).
وفي [صحيح مسلم] وغيره عن عائشة قالت: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول لحسَّان بن ثابت: (إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ الله وَرَسُولِهِ)([16]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2490).
وفي [الصحيحين] عن البراء بن عازب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لحسَّان بن ثابت: (اهْجُهُمْ، أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)([17]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3213)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2486).
فهذا حسَّان بن ثابت واحدٌ من المؤمنين، لَـمَّا نافح عن الله ورسوله، وهجا المشـركين الذين يُكَذِّبون الرَّسول؛ أيَّده الله بروح القُدُس، وهو جبريل عليه السلام.
وأهل الأرض يعلمون أنَّ محمَّدًا ﷺ لَـمْ يكن يجعل اللاهوتَ مُتَّحِدًا بناسوت حسَّان بن ثابت، فعُلِم أنَّ إخباره بأنَّ الله أيَّده بروح القُدُس لا يقتضـي اتِّحاد اللاهوت بالنَّاسوت، فعُلِم أنَّ التَّأييد بروح القُدُس ليس من خصائص المسيح، وأهل الكتاب يُقِرُّون بذلك، وأنَّ غيره من الأنبياء كان مُؤَيَّدًا بروح القُدُس، كداود وغيره؛ بل يقولون: إنَّ الحواريِّين كانت فيهم روح القُدُس.
وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنَّصَارى أنَّ روح القُدُس يكون في غير المسيح، بل في غير الأنبياء، وإنَّما المقصود في هذا المقام بيان كذبهم على محمَّدٍ ﷺ.
[الشُّبهة الخامسة: مَدْح الرَّهبانية]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ﴿٢٥﴾ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [الحديد: 25-26] فهو حقٌّ كما قال تعالى، وليس في ذلك مدحٌ للرَّهبانيَّة، ولا لمن بدَّل دين المسيح، وإنَّما فيه مدحٌ لمن اتَّبعه بما جعل الله في قلوبهم من الرَّأفة والرَّحمة، حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27].
وهذا الجَعْل المنفيُّ عن البِدَع؛ هو: الجَعْل الذي أثبته للمشـروع بقوله تعالى: ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ﴾ [المائدة: 48]، وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: 67].
[18]ثُمَّ قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: وابتدعوا رهبانيَّةً ما كتبناها عليهم، وهذه الرَّهبانيَّة لَـمْ يَشْـرَعْهَا الله، ولَـمْ يَجْعَلْها مَشْـرُوعَةً لهم، بل نفى جَعْلَه عنها، كما نفى ذلك عمَّا ابتدعه المشـركون بقوله: ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ﴾ [المائدة: 103]. فالرَّهبانيَّة ابتدعوها، لَـمْ يَشْرَعْها الله. تعليق جانبي/ التفسير الصحيح للرهبانية الواردة في سورة الحديد
وللنَّاس في قوله: (ﮓ) قولان([19]): () انظر: معاني القرآن للزجاج (5/130)، الإيضاح العضدي لأبي علي الفارسي (ص31)، البحر المحيط (24/202)، مغني اللبيب (6/209)، وقال الزجاج: (هذه الآية صعبةٌ في التفسير).
أحدهما: أنَّها منصوبة، يعني: ابتدعوها، إمَّا بفعلٍ مضمرٍ [يعود] على قومِهِ وأصحابه، يفسِّـره ما بعده.
أو يقال: هذا الفعل عمل في المضْمَر والمظْهَر، كما هو قول الكوفيِّين، حكاه عنهم ابن جرير وثعلب وغيرهما.
ونظيره قوله: ﴿يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا﴾ [الإنسان: 31]، وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]، وعلى هذا القول فلا تكون الرَّهبانيَّة معطوفةً على الرَّأفة والرَّحمة.
والقول الثاني: أنها معطوفةٌ عليها، فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرَّأفة والرَّحمة والرَّهبانيَّة المبْتَدَعة، ويكون هذا جَعْلًا خَلْقِيًّا كونيًّا. والجَعْل الكوني يتناول الخير والشَّـرَّ، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: 41]، وعلى هذا القول فلا مدح للرَّهبانيَّة بجَعْلِها في القلوب.
فثَبَتَ على التقديرين: أنَّه ليس في القرآن مدحٌ للرَّهبانيَّة.
ثُمَّ قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ أي: لَـمْ يَكْتُب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمَر به لا بما يُبْتَدَع، وهذا يُسَمَّى استثناءً مُنقطعًا، كما في قوله: ﴿مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوه﴾ ([20]) [النساء: 157]، [وهو] أصحُّ الأقوال في هذه الآية، ولا يجوز أنْ يكون المعنى: أنَّ الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله؛ فإنَّ الله لا يفعل شيئًا ابتغاء رضوان نفسه، ولا أنَّ المعنى أنَّهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه، كما يظنُّ هذا وهذا بعض الغالطين. () انظر أمثلة للاستثناء المنقطع في القرآن: [الدخان: 56]، [الواقعة: 25-26]، [الانشقاق: 20-25].
وذكر أنَّهم ابتدعوا الرَّهبانيَّة وما رَعَوْهَا حقَّ رِعَايتها، وليس في ذلك مَدْحٌ لهم، بل هو ذمٌّ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ وهُمْ الذين آمنوا بمحمَّدٍ ﷺ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
ولو أريد: الذين آمنوا بالمسيح أيضًا، فالمراد مَن اتَّبعه على دينه الذي لَـمْ يُبَدَّل، وإلا فكلُّهم يقولون: إنَّهم مؤمنون بالمسيح.
وبكلِّ حال، فلَمْ يَمْدَح سبحانه إلا من اتَّبع المسيح على دينه الذي لَـمْ يُبَدَّل، ومَن آمن بمحمَّدٍ ﷺ. لَـمْ يَمْدَح النَّصَارى الذين بدَّلوا دين المسيح، ولا الذين لَـمْ يُؤْمِنُوا بمحمَّدٍ ﷺ.
فإن قيل: قد قال بعض النَّاس: إن قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ عطفٌ على ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ وإنَّ المعنى: أنَّ الله جعل في قلوب الذين اتَّبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيَّةً أيضًا ابتدعوها، وجعلوا الجَعْلَ شرعيًّا ممدوحًا.
قيل: هذا غلط؛ لوجوه:
منها: أنَّ الرَّهبانيَّة لَـمْ تكن في كلِّ مَن اتَّبَعه، بل الذين صحبوه كالحواريِّين لَـمْ يكن فيهم راهبٌ، وإنَّما ابتُدِعَت الرَّهبانيَّة بعد ذلك، بخلاف الرَّأفة والرَّحمة، فإنَّها جُعِلت في قلب كلِّ من اتَّبعه.
ومنها: أنَّه أخبر أنَّهم ابتدعوا الرَّهبانيَّة، بخلاف الرَّأفة والرَّحمة فإنَّهم لَـمْ يبتدعوها، وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم.
فإن كان المراد هو الجَعْلُ الشَّـرعيُّ الدينيُّ لا الجَعْلَ الكونيَّ القدريَّ؛ فلَمْ تدخل الرَّهبانيَّة في ذلك، وإن كان المراد الجَعْل الخَلْقِيَّ الكونيَّ فلا مدح للرَّهبانيَّة في ذلك.
ومنها: أن الرَّأفة والرَّحمة جعلها في القلوب، والرَّهبانيَّة لا تختصُّ بالقلوب، بل الرَّهبانيَّة تتضمَّن ترك المباحات من النكاح واللَّحم وغير ذلك.
وقد كان طائفةٌ من الصَّحابة رضوان الله عليهم همُّوا بالتَّرهُّب، فأنزل الله تعالى نهيَهم عن ذلك بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].
وثبت في [الصحيحين] أن نفرًا من أصحاب النبيِّ ﷺ قال أحدهم: أمَّا أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أمَّا أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فلا أتزوَّج النساء، وقال آخر: أمَّا أنا فلا آكل اللَّحم، فقام النبيُّ ﷺ خطيبًا، فقال: (ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا؟، لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النساء، وآكل اللَّحم، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي)([21]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (5063)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1401)، وزيادة: (وقال آخر: أمَّا أنا فلا آكل اللَّحم) فهي من رواية مسلم، وابن تيمية رحمه الله في عامَّة كتبه ينقل هذا الحديث بهذا اللفظ، انظر: السياسة الشـرعية (ص183)، منهاج السنة النبوية (7/491)، الاستقامة (1/340)، وغيرها، وقد ذكرها ابن العربي في شرحه على الموطأ ونسبها إلى البخاري. انظر: القبس في شرح موطأ مالك ابن أنس (ص678).
وفي «صحيح البخاري» أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا قائمًا في الشَّمس، فقال: (ما هذا؟) قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشَّمس ولا يستظلَّ، ولا يتكلَّم، ويصوم، فقال: (مُرُوه فليجلس وليستظلَّ وليتكلَّم، وليتمَّ صومه)([22]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6704).
وثبت في «صحيح مسلم» عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقول في خطبته: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعةٍ ضلالة)([23]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (867).
وفي [السُّنن] عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات لأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة)([24]). () أخرجه أبو داود في "سننه" برقم: (4607)، والترمذي في "جامعه" برقم: (2676).
وقد بيَّنت النُّصوص الصَّحيحة أن الرَّهبانيَّة بدعةٌ وضلالة، وما كان بدعةً وضلالةً لَـمْ يكن هدًى، ولَـمْ يكن الله جَعَلَها بمعنى أنه شَرَعَها، كما لَـمْ يَجْعَل الله ما شرعه المشركون من البَحِيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحَام.
فإن قيل: قد قال طائفة: معناها([25]): ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وقالت طائفة: ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله([26]). () أي: الآية. () العبارة فيها غموض وإيضاحها، أنَّ هذه الآية -كما ذكر ابن جُزَي الكَلْبي في تفسيره- فيها قولان، بناءً على نوع الاستثناء فيها: فالقول الأول: أن الاستثناءَ منقطعٌ، فيكون المعنى: نفي فرض الرهبانية عليهم، وإنَّما هم فعلوها من تلقاء أنفسهم يبتغون بذلك رضوان الله.والقول الثاني: أن الاستئنافَ متصلٌ، فيكون المعنى: إثبات فرض الرهبانية وكتابَتِهَا عليهم.وقد رجَّح ابن جُزَي القول الأول، لقول الله بعد الرهبانية: ﴿ ﮔ﴾، ولقراءة ابن مسعود ، فإنَّه كان يقرؤها: [لكن ابتدعوها]. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (4/1498). وعلى هذا عامَّة المفَسِّـرين، فلم يذكر أحدٌ منهم أنَّ الله كتب عليهم الرهبانية. وابن تيمية رحمه الله يرى أنَّ الاستثناء منقطع، فهو يرى خطأ القول الثاني تمامًا، بل يذكر أنَّه ظاهر الخطأ، فإنَّه ليس في الآية ما يدُلُّ على أنَّ الله كتب عليهم نفس الرهبانية، ولا إتمامها، ولا رعايتها، بل الآية أخبرت أنَّهم هم الذين ابتدعوا شيئًا لَـم يكتبه الله عليهم. أمَّا القول الأول الذي يذكر المفسِّـرون بناءً على أنَّ الاستثناءَ منقطعٌ، وهو قولهم: أنَّهم ابتدعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، فجعلوا معنى: ( ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) عِلَّة ابتداعهم، فابن تيمية يذكر أنَّ هذا المعنى غير صحيح، بل تقدير الآية: (وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله)، وسيأتي هذا النَّصُّ قريبًا، وهذا المعنى ذكره أبو منصور الأزهري في كتابه: [تهذيب اللغة] (6/156).
قيل: كلا القولين خطأ، والأول أظهر خطأً؛ فإن الرَّهبانيَّة لم يكتبها الله عليهم، بل لم يشرعها لا إيجابًا ولا استحبابًا، ولكن ذهبت طائفةٌ إلى أنهم لَـمَّا ابتدعوها كَتَب عليهم إتمامها([27])، وليس في الآية ما يدل على ذلك؛ فإنه قال: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ || ، فلم يذكر أنه كَتَب عليهم نفس الرَّهبانيَّة ولا إتمامها ولا رعايتها، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأن تلك البدعة لم يرعوها حقَّ رعايتها. () قاله الحسن البصري، ويحيى بن سلَّام. انظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (4/356).
وأما قول من قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، فهذا المعنى لو دلَّ عليه الكلام لَـمْ يكن في ذلك مدحٌ للرَّهبانيَّة؛ فإنَّ مَن فعل ما لم يأمر الله به بل نهاه عنه مع حُسْنِ مقصده غايتُه أن يثاب على قصده، لا يثاب على ما نُهِيَ عنه، ولا على ما ليس بواجب ولا مستحبٍّ، فكيف والكلام لا يدلُّ عليه؟!، فإن الله قال: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ || ، ولَـمْ يقل: [ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله]، ولا قال: [ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله].
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يدُلُّ على أنَّهم لو رعوها حقَّ رعايتها لكانوا ممدوحين.
قيل: ليس في الكلام ما يدلُّ على ذلك، بل يدل على أنهم مع عدم الرِّعاية يستحقُّون من الذَّمِّ ما لا يستحقُّونه بدون ذلك، فيكون ذمُّ من ابتدع البدعة ولم يرعها حقَّ رعايتها أعظمَ من ذمِّ من رعاها، وإن لم يكن واحدٌ منهما محمودًا، بل مذمومًا، مثل نصارى بني تَغْلِب ونحوهم ممَّن دخل في النَّصـرانيَّة ولم يقوموا بواجباتها، بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم، فكان كفرُهم وذمُّهم أغلظ ممَّن هو أقلُّ شرًّا منهم، والنَّار دركاتٌ كما أن الجنَّة درجات.
وأيضًا؛ فالله تعالى إذا كتب شيئًا على عباده لم يَكْتُب ابتغاء رضوانه، بل العباد يفعلون ما يفعلون ابتغاء رضوان الله.
وأيضًا؛ فتخصيص الرَّهبانيَّة بأنه كتبها ابتغاء رضوان الله دون غيرها تخصيصٌ بغير موجِب؛ فإن ما كتبه ابتداءً لم يَذْكُر أنه كتبه ابتغاء رضوانه، فكيف بالرَّهبانيَّة؟
فعُلِم أن القول الذي ذكرناه هو الصَّواب، وأنه استثناءٌ منقطع، فتقديره: وابتدعوا رهبانيَّةً ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله؛ فإن إرضاء الله واجبٌ مكتوبٌ على الخلق، وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور، لا بفعل ما لَـمْ يأمر بفعله وبترك ما لَـمْ ينْهَ عن تركه، والرَّهبانيَّة فيها فعلُ ما لَـمْ يأمر به وتركُ ما لَـمْ ينْهَ عنه.
[الشُّبهة السادسة: مَدْح النَّصارى بأنَّهم صالحين]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114]، فهذه الآية لا اختصاصَ فيها للنَّصارَى، بل هي مذكورةٌ بعد قوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴿١١٠﴾ لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴿١١١﴾ ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ ، ثُمَّ قال: ﴿لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ ﴾ [آل عمران: 110-113].
ومعلومٌ أنَّ الصِّفة المذكورة في قوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ﴾ : صفة اليهود، وكذلك قوله: ﴿وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ﴾ فقوله عَقِبَ ذلك: ﴿مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ ﴾ لا بُدَّ أنْ يكون متناولًا لليهود.
ثُمَّ قد اتَّفق المسلمون والنَّصَارى على أنَّ اليهود مع كفرهم بالمسيح ومحمَّدٍ صلى الله عليهما وسلَّم: ليس فيهم مؤمنٌ، وهذا معلومٌ بالاضطرار من دين محمَّدٍ ﷺ، والآية إذا تناولت النَّصَارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود، فهذه الآية تتناول اليهود أقوى ممَّا تتناول النَّصَارى.
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]، وهذا مدحٌ مطلقٌ لمن تمسَّك بالتَّوراة، ليس في ذلك مَدْحٌ لمن كذَّبَ المسيح، ولا فيها مدحٌ لمن كذَّب محمَّدًا ﷺ.
وهذا الكلام يُفَسِّـره سياقُ الكلام، فإنَّه: قال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ ﴾ ،ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، فقد جعلهم نوعين: نوعًا مؤمنين، ونوعًا فاسقين، وهم أكثرهم.
وقوله تعالى: ﴿مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ || ؛ يتناول مَن كان منهم مؤمنًا قبل مبعث محمَّد ﷺ، كما يتناولهم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [الحديد: 26]، وقوله عن إبراهيم الخليل: ﴿وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ﴾ [الصافات: 113].
ثُمَّ لَـمَّا قال: ﴿وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ قال: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 111-112].
وضَرْبُ الذِّلَّةِ عليهم أينما ثُقِفُوا، ومَبَاؤهم بغضبٍ من الله، وما ذُكِر معه من قتل الأنبياء بغير حقٍّ، وعصيانهم واعتدائهم؛ كان اليهود متَّصفين به قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 61].
ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]، فتناوَلَتْ هذه الآية مَن كان من أهل هذه المِلَل الأربع مُتَمَسِّكًا بها قبل النَّسخ بغير تبديل.
كذلك آية آل عمران لَـمَّا وَصف أهلَ الكتاب بما كانوا متَّصفًا به أكثرهم قبل محمَّدٍ ﷺ من الكفر، قال: ﴿۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114].
وهذا يتناول من كان مُتَّصِفًا منهم بهذا قبل النَّسخ، فإنَّهم كانوا على الدِّين الحقِّ الذي لَـمْ يُبَدَّل ولَـمْ يُنْسَخ، كما قال في الأعراف: ﴿وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]، ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ﴿١٦٨﴾ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ﴿١٦٩﴾ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ﴾ [الأعراف: 168-170].
وقد قال تعالى مطلقًا: ﴿وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ﴾ [الأعراف: 181]، فهذا خَبَـرٌ من الله عمَّن كان مُتَّصفًا بهذا الوصف قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ، ومَن أدْرَك من هؤلاء محمَّدًا ﷺ فآمن به كان له أجرُه مرَّتين.
والله تعالى إنَّما أثنى على من آمن من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199].
وقد ذكر أكثر العلماء أنَّ هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلتْ في النجاشيِّ([28])، ونحوه ممَّن آمن بالنبيِّ ﷺ، لكنَّه لَـمْ تُمكِنْهُ الهجرةُ إلى النبيِّ ﷺ ولا العمل بشـرائع الإسلام؛ لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام. () انظر: تفسير عبدالرازق (1/431).
وقد قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما صلى عليه لَـمَّا مات لأجل هذا، فإنَّه لَـمْ يكن هناك من يُظْهِر الصَّلاة عليه في جماعةٍ كثيرةٍ ظاهرةٍ كما يُصَلِّي المسلمون على جنائزهم.
ولهذا جُعِلَ من أهل الكتاب، مع كونه آمن بالنبيِّ ﷺ، بمنزلة من يُؤْمِن بالنبيِّ ﷺ في بلاد الحرب ولا يتمكَّن من الهجرة إلى دار الإسلام، ولا يُمْكِنُه العملُ بشـرائع الإسلام الظَّاهرة، بل يعمل ما يُمْكِنُه ويَسْقُط عنه ما يعجز عنه.
وفي حديث حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس؛ قال: لَـمَّا مات النجاشي قال النبي ﷺ: (اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ)، فقال بعض القوم: تأمرنا أن نستغفر لهذا العِلْج يموت بأرض الحبشة فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 199]. ذكره ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم([29]). () انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3/846).
وذكره حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصـري: أنَّ رسول الله ﷺ قال: (اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيْكُمْ النَّجَاشِيِّ)، فذكر مثله([30]). () انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3/846).
وكذلك ذَكَرَ طائفةٌ من المفسِّرين عن جابر بن عبد الله، وابن عبَّاس، وأنس، وقتادة؛ أنَّهم قالوا: نزلَتْ هذه الآية في النَّجَاشيِّ ملك الحبشة، واسمه أصحمة، وهو بالعربية: عطيَّة. وذلك أنَّه لَـمَّا مات نعاهُ جبريل للنبيِّ ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: (اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ)؛ قالوا: ومن هو؟، قال: (النَّجَاشِي)، فخرج رَسُول الله ﷺ إلى البقيع([31]). () انظر: تفسير الثعلبي (9/586).
وزاد بعضهم: وكُشِف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصـر سرير النجاشيِّ، وصلَّى عليه، وكبَّر أربع تكبيرات، واستغفر له، وقال لأصحابه: (اسْتَغْفِرُوا لَهُ)، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا، يصلِّي على عِلْجٍ حبشـيٍّ نصـرانيٍّ لَـمْ يره قطُّ، وليس على دينه!؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199].
وقَدْ ذهبَتْ طائفةٌ من العلماء إلى أنَّها نزلَتْ فيمن كان على دين المسيح عليه السلام إلى أنْ بُعِث محمَّدٌ ﷺ فآمن به، كما نُقِل ذلك عن عطاء([32]). () انظر: تفسير الثعلبي (9/587).
وذَهَبتْ طائفةٌ إلى أنَّها نزلَتْ في مُؤْمِني أهل الكتاب كلِّهم([33]). () انظر: تفسير الطبري (6/330)، تفسير الثعلبي (3/238)، أسباب النزول للواحدي (ص140)، عن مجاهد، ورجَّحَهُ ابن جرير.
والقول الأول أجود([34])؛ فإنَّ مَن آمن بمحمَّدٍ ﷺ، وأظهرَ الإيمان به -وهو من أهل دار الإسلام، يعمل ما يعمله المسلمون ظاهرًا وباطنًا- فهذا مِن المؤمنين، وإنْ كان قبل ذلك مُشْـرِكًا يعبد الأوثان، فكيف إذا كان كتابيًّا؟!، وهذا مثلُ: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي وغيرهما. () انظر: منهاج السنة (5/114- 121).
وهؤلاء لا يُقَال: إنَّهم من أهل الكتاب، كما لا يُقال في المهاجرين والأنصار: إنَّهم من المشـركين وعبَّاد الأوثان، ولا يُنْكِر أحدٌ من المنافقين ولا من غيرهم أنْ يُصَلَّى على واحدٍ منهم، بخلاف من هو في الظَّاهر منهم وفي الباطن من المؤمنين.
وفي بلاد النَّصَارى من هذا النوع خلقٌ كثيرٌ يكتمون إيمانهم، إمَّا مطلقًا، وإمَّا يكتمونه عن العامَّة ويظهرونه لخاصَّتِهم، وهؤلاء قد يتناولهم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: 199]، فهؤلاء لا يَدَعون الإيمان بكتاب الله ورسوله لأجل مالٍ يأخذونه، كما يفعل كثيرٌ من الأحبار والرُّهبان الذين يأكلون أموال النَّاس بالباطل، ويَصُدُّونهم عن سبيل الله فيَمْنَعُونَهم من الإيمان بمحمَّدٍ ﷺ.
[الشُّبهة السابعة: مدح كنائس النَّصَارى]
قالوا: (ثُمَّ وجدناه يُعَظِّم إنجيلنا، ويُقَدِّم صوامعَنا، ويُشَـرِّف مساجدنا، ويشهد بأنَّ اسم الله يُذْكَر فيها كثيرًا، وذلك مثل قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40])([35]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص415).
والجواب: أنَّ فيها ذِكْر الصَّوامع والبِيَع، وأمَّا قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ || ، فإنَّما ذكَرَهُ عَقِبَ ذِكْر المساجد، والمساجدُ للمسلمين، وليس المراد بها كنائس النَّصَارى، فإنَّها هي البِيَع.
ثُمَّ قوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ || : إمَّا أن يكون مختصًّا بالمساجد، فلا يكون في ذلك إخبارٌ بأنَّ اسم الله يُذْكَر كثيرًا في الصَّوامع والبِيَع، وإمَّا أنْ يكون ذكرُ اسم الله في الجميع، فلا ريب أنَّ الصَّوامع والبِيَع قبل أن يَبْعَثَ الله محمَّدًا ﷺ كان فيها من يتبع دينَ المسيح الذي لَـمْ يُبَدَّل، ويذكر فيها اسم الله كثيرًا.
وقد قيل: إنَّها بعد النسخ والتبديل يُذْكَر فيها اسمُ الله كثيرًا، وإنَّ الله يُحبُّ أنْ يُذْكَر اسمُه.
قال الضحَّاك: [إنَّ الله يُحبُّ أن يُذْكَر اسمُه، وإن كان يُشْـرَكُ به] يعني: أنَّ المشـرك به خيرٌ من المعطِّل الجاحد، الذي لا يَذْكُرُ اسم الله بحالٍ.
وأهل الكتاب خيرٌ من المشـركين، [وقد] ساء أصحابَ رسول الله ﷺ وكرهوا [انتصار] الفُرْس على [الروم] النَّصَارى؛ لأن النَّصَارى أقربُ إلى دين الله من المجوس.
والرُّسُل بُعِثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وتقديم خير الخيرَيْن على أدناهما حسب الإمكان، ودفع شرِّ الشَّـرَّيْن بخيرهما، فهَدْمُ صوامع النَّصَارى وبِيَعِهم فسادٌ إذا هَدَمَها المجوسُ والمشـركون، وأمَّا إذا هَدَمَها المسلمون وجعلوا أماكنها مساجدَ يُذْكَر فيها اسمُ الله كثيرًا؛ فهذا خيرٌ وصلاح.
وهذه الآية ذُكِرَت في سياق الإذن للمسلمين بالجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]، وهذه الآية أولُ آيةٍ نزلت في الجهاد، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ || ، ثُمَّ قال:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج: 40]، فيدفع بالمؤمنين الكفَّار، ويُدْفَعُ شرَّ الطَّائفتين بخيرهما، كما دَفَعَ المجوسَ بالرُّوم النَّصَارى، ثُمَّ دفع النَّصَارى بالمؤمنين أمَّة محمَّد ﷺ، وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251].
[وبهذا يتبيَّن]: أنَّه ليس لهم حجَّةٌ في شيءٍ ممَّا جاء به محمَّد ﷺ، بل ما جاء به حجَّةٌ عليهم من وجوهٍ متعدِّدة.
قالوا: (وهذا وغيره أوجب لنا التمسُّك بديننا، وأنْ لا نُهْمِلَ ما معنا، ولا نَرْفَضَ مذهبنا، ولا نتَّبعَ غير السَّيِّد المسيح كلمة الله وروحه، وحواريِّيه الذين أرْسَلَهم إلينا)([36]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص415).
والجواب: أنَّهم احتجُّوا بحجَّتين باطلتين:
إحداهما([37]): أنَّ محمَّدًا ﷺ لَـمْ يُرسَل إليهم بل إلى العرب، وقد تَبيَّن أنَّ الاحتجاج بها من أعظم الكذب والافتراء على محمَّدٍ ﷺ؛ فإنَّه لَـمْ يقُلْ قطُّ: إنِّي لَـمْ أُرسَل إلى أهل الكتاب، ولا قال قطُّ: إنِّي لَـمْ أُرسَل إلا إلى العرب، بل نصوصه المتواترة عنه وأفعاله تُبيِّن أنَّه مُرْسَلٌ إلى جميع أهل الأرض، أمِّيِّهم وكتابيِّهم. () انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص414، 418)، وقد تضمن الفصل الأول إبطال هذه الحجة.
والحجة الثانية([38]): قولهم: إنَّ محمَّدًا ﷺ أثنى على دين النَّصَارى بعد التَّبديل والنَّسخ، وهي أيضًا أعظم كَذِبًا عليه من التي قبلها. () انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص415- 417)، وقد تضمن الفصل الثاني إبطال هذه الحجة.
كيف يُثني عليهم وهو يُكَفِّرهم في غير موضعٍ من كتابه، ويَأْمُرُ بجهادهم وقتالهم، ويَذُمُّ المتخَلِّفين عن جهادهم غاية الذَّمِّ، ويصف مَن لَـمْ يرَ طاعته في قتالهم بالنفاق والكُفْر، ويَذْكُر أنَّه يدخل جهنَّم؟!
وهذا كلُّه يُخبِرُ به عن الله، ويَذْكُره تبليغًا لرسالة رَبِّه، وإنَّما يُضَاف إليه؛ لأنَّه بلَّغه وأدَّاه، لا لأنه أنشأه وابتداه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ﴿٤٠﴾ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ﴿٤١﴾ وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الحاقة: 40-43].
وأمَّا ثناء الله ورسوله على المسيح وأمِّه، وعلى من اتَّبعه وكان على دينه الذي لَـمْ يُبَدَّل؛ فهذا حقٌّ، وهو لا ينافي وجوبَ اتِّباع محمَّدٍ ﷺ على مَن بُعِث إليه.
فلو قُدِّر أنَّ شريعة المسيح لَـمْ تُبَدَّل، وأنَّ محمَّدًا ﷺ أثنى على كلِّ من اتَّبعها، وقال مع ذلك: [إنَّ الله أرسلني إليكم]، لَـمْ يكن متناقضًا. وإذا كفَّر مَن لَـمْ يُؤْمِن به لَـمْ يناقض ذلك ثناؤه عليهم قبل أن يُكَذِّبوه، فكيف وهو إنَّما مدح من اتَّبع دينًا لَـمْ يُبَدَّل، وأمَّا الذين بدَّلوا دين المسيح فلم يمدحهم بل ذمَّهم، كما قال: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: 14].
وقد قدَّمنا أنَّ النَّصَارى كفروا كما كفرت اليهود، كُفْرًا بتبديلهم ما في الكتاب الأوَّل، وكُفْرًا بتكذيبهم بالكتاب الثاني، وأمَّا مَن لَـمْ يُبَدِّل الكتاب أو أدرك محمَّدًا ﷺ فآمن به، فهؤلاء مؤمنون.
وممَّا يُبَيِّن ذلك أنَّ تعظيم المسيح للتَّوراة، واتِّباعه لها، وعمله بشـرائعها، أعظمُ من تعظيم محمَّدٍ ﷺ للإنجيل، ومع هذا فلم يكن ذلك مُسْقِطًا عن اليهود وجوبَ اتِّباعهم للمسيح، فكيف يكون تعظيمُ محمَّدٍ ﷺ للإنجيل مُسْقِطًا عن النَّصَارى وجوبَ اتِّباعه؟!
[الشُّبهة الثامنة: مدح الحواريين]
وأمَّا قولهم: (وحواريِّيه الذين أرسلهم إلينا أنذرونا بلغاتنا، وسلَّموا لنا ديننا، الذين قد عُظِّموا في هذا الكتاب بقوله في سورة الحديد: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ [الحديد: 25]، وقال في سورة البقرة: ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ﴾ [البقرة: 213].
فأَعْنَى بقوله: أنبياءَه المبشِّـرِين، ورُسُلَه ينحو بذلك([39]) الحواريِّين الذين داروا في سبعة أقاليم العالـم، وبشَّـرُوا بالكتاب الواحد الذي هو الإنجيل الطاهر؛ لأنَّه لو عَنَى عن إبراهيم وداود وموسى ومحمَّد؛ لكان قال: معهم الكتب؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم جاء بكتابٍ دون غَيْرِه، ولَـمْ يقُلْ إلا الكتاب الواحد؛ لأنَّه ما أتى جماعةٌ مُبشِّرين بكتابٍ واحدٍ غير الحواريِّين الذين أتوا بالإنجيل الطاهر. () أي: يقصد.
وجاء أيضًا في الكتاب: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [يس: 20]، يعني الحواريِّين، لَـمْ يقل: "رسول"، إنَّما قال: المرسلين)([40]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص415)، والنص في الرسالة مختصـرًا.
والجواب من وجوه:
[41]الوجه الأول: أنَّه ليس فيما ذُكِر ولا في غيره ما يُوْجِبُ تكذيب الرَّسُول الذي أُرسِل إليكم وإلى غيركم، وتمسُّكِكُم بدينٍ مُبَدَّلٍ منسوخ، كما أنَّه ليس فيما يعظَّم به موسى والتَّوراة ومن اتَّبع موسى ما يوجب لليهود تكذيب الرَّسول الذي أُرسِل إليهم وتمسُّكِهِم بدينٍ مُبَدَّل منسوخ. تعليق جانبي/ ليس للنصارى دليل يوجب تكذيب النبي
[42]الوجه الثاني: أنَّ قولهم: «ولا نتَّبع غير المسيح وحواريِّيه»؛ قولٌ باطل، فإنَّهم ليسُوا متَّبعين لا للمسيح ولا لحواريِّيه لوجهين: تعليق جانبي/ بطلان اتباعهم للمسيح والحواريين
أحدهما: أنَّ دينهم مُبَدَّل، ليس كلُّه عن المسيح والحواريِّين، بل أكثر شرائعهم أو كثيرٌ منها ليست عن المسيح والحواريِّين.
الثاني: أنَّ المسيح بشَّـر بأحمد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ﴾ [الصف: 6]، فإذا لَـمْ يتَّبعوا أحمد؛ كانوا مُكذِّبين للمسيح([43]). () وعند النَّصَارى من البشارات بنبينا محمَّدٍ ﷺ عن المسيح وغيره من الأنبياء نصوصٌ كثيرةٌ.
[44]الوجه الثالث: أنَّ قولهم عن الحواريِّين: «إنَّهم الرُّسُل الذين عُظِّموا في هذا الكتاب»؛ قولٌ باطلٌ فَسَّـروا به القرآن تفسيرًا باطلًا من جنس تفسيرهم ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالنَّصَارى، وتفسيرهم ﴿بِإِذْنِي﴾ أي: ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت، وتفسيرهم ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بالإنجيل، وتفسيرهم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ هم: النَّصَارى، وتفسيرهم قوله : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ هم النَّصَارى، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هم اليهود([45])، وأمثال ذلك من تفسيرهم القرآن بمثل ما يفسِّـرون به التَّوراة والإنجيل والزَّبور من التَّفاسير التي هي من تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، والكَذِب على أنبيائه، بما يظهَر أنَّه كَذِبٌ على الأنبياء لكلِّ مَن تدبَّر ذلك. تعليق جانبي/ بطلان تفسيرهم للآيات () انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص416، 418).
وبطلان ذلك يظهر من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ الله قال: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾ [الحديد: 25]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ اسمُ جمعٍ مضافٍ، يَعُمُّ جميع من أرسله الله تعالى.
الوجه الثاني: أنَّ أحقَّ الرُّسُل بهذا الحكم: الرُّسُل الذين سمَّاهم الله في القرآن، كما قال تعالى: ﴿۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ﴿١٦٣﴾ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ﴿١٦٤﴾ رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 163-165].
وقال تعالى في المسيح صلوات الله عليه: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ﴾ [المائدة: 75]، فأخبر أنَّ المسيح رَسُولٌ مِن هؤلاء الرُّسُل، قد خَلَتْ مِن قبله الرُّسُل، وقبله قد بَعَث في كلِّ أمَّةٍ رَسُولًا.
وقد رُوِي في حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ؛ أنَّ الأنبياءَ مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشـرون ألف نبيٍّ، وأنَّ الرُّسُل منهم ثلاثمئة وثلاثة عشـر([46])، وبعض النَّاس يُصَحِّح هذا الحديث، وبعضهم يُضَعِّفه، فإنْ كان صحيحًا فالرُّسُل ثلاثمئة وثلاثة عشر، وإنْ لَـمْ تُعْرَف صحَّتُه أمكن أنْ يكونوا بقَدْرِ ذلك وأن يكونوا أكثر، كما يمكن أن يكونوا أقلَّ؛ فإنَّ الله تعالى أخبر أنَّه بَعَث في كلِّ أمَّةٍ رسولًا، وقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ﴾ [فاطر: 24]، ورُوِي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (أَنْتُمْ تُوْفُوْنَ سَبْعِيْنَ أُمَّةً، أَنْتُمْ أَكْرَمُهَا وَأَفْضَلُهَا عَلَى الله)([47])، وهو حديثٌ جيِّد. () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (22719)، والطبراني في "الكبير" برقم: (7871). () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (7080)، أحمد في "مسنده" برقم: (20269).
فقد أَرْسَلَ الله قبل المسيح رُسُلًا كثيرين إلى جميع الأمم، فكيف يجوز أنْ يُدَّعَى أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]؛ هم: الحواريُّون فقط الذين أَرْسَلَهم المسيح؟!
مع أنَّ الحواريِّين رُسُل المسيح بمنزلة رُسُل موسى وإبراهيم ورُسُل محمَّدٍ ﷺ، ومَن أَرْسَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ وجبَتْ على النَّاس طاعتُه فيما يبلِّغه عن رَسُول الله، كما في [الصَّحيحين] عن النبي ﷺ أنَّه قال: (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَـى الله، وَمَنْ عَصَـى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)([48])، وبيَّن أنَّ أميره إنَّما تجبُ طاعتُه في المعروف الذي أمر الله به ورَسُوله، لا في كلِّ ما يأمر به، فالحواريُّون في تبليغهم عن المسيح كسائر أصحاب الأنبياء في تبليغهم عنهم. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2851)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (4788).
[فتبيَّن من هذا]: أنَّ الرُّسُل الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]؛ يتناول الرُّسُل الذين أرسلهم الله تعالى كلَّهم، ومِن أحقِّهم بذلك الرُّسُل الذين أخبر في القرآن أنَّه أرسلهم إلى عباده، فظَهَر بطلان قولهم: إنَّهم الحواريُّون.
الوجه الثالث: أنه قال: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾ [الحديد: 25]، فذَكَر أنَّه أنزل الحديد أيضًا؛ ليَتَبيَّن مَن يجاهد في سبيل الله بالحديد، والنَّصَارى يزعمون أنَّ الحواريِّين والنَّصَارى لَـمْ يُؤْمَرُوا بقتال أحدٍ بالحديد([49]). () انظر: إنجيل متى (5: 38-44).
الوجه الرابع: أنَّه قال بعد ذلك: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ﴾ [الحديد: 26-27]، وإخباره بإرسال نوحٍ وإبراهيم بعد قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ وبيان ما اختصَّ به الخاصُّ من الأحكام التي امتاز بها عن غيره ممَّا دخل في العامِّ، كما يأمر السلطانُ العسكرَ بالجهاد، ويأمر فلانًا وفلانًا بأنْ يفعلوا كذا وكذا، ومثل أنْ يُقال: أَرْسَل رُسُلَهُ إلى فلانٍ وفلان، وأرسل إليهم فلانًا، وأمره بكذا وكذا.
قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فنوحٌ؛ هو: أبو الآدميِّين الذين حَدَثوا بعد الطُّوفان؛ فإنَّ الله أغرق ولد آدم إلا أهل السَّفينة، وقال في نوح: ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77].
وإبراهيم جعل الأنبياء بعده من ذُرِيَّته، كما قال تعالى في إبراهيم: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [العنكبوت: 27].
ثُمَّ قال بعد أنْ ذَكَر إرسال نوح وإبراهيم، وأنَّه جعل في ذريتهما النبوَّة والكتاب: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: 27].
فأخبر أنَّه قفَّى على آثارهم برُسُلِهِ، وقفَّى بعيسى ابن مريم وآتاه الإنجيل، وهؤلاء رُسُلٌ قبل المسيح، وآخرهم المسيح، ولَـمْ يَذْكُر أنَّه أَرْسَل أحدًا من أتباع المسيح، بل أخبر أنَّه جعل في قلوب الذين اتَّبعوه رأفةً ورحمة، فكيف يجوز أنْ يُقال: إنَّ مُراده بالرُّسُل الذين أرسلهم بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان؛ هم: الحواريُّون، دون الرُّسُل الذين ذكرهم وأرسلهم قبل المسيح؟!
الوجه الخامس: أنَّه ليس في القرآن آيةٌ تنطق بأنَّ الحواريِّين رُسُلُ الله، بل ولا صرَّح في القرآن بأنَّه أرسلهم، لكن قال في سورة يس: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ﴿١٣﴾ إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ﴿١٥﴾ قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ﴿١٦﴾ وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ﴿١٧﴾ قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ﴿١٨﴾ قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ﴿١٩﴾ وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [يس:13-20].
فهذا كلام الله ليس فيه ذِكْرُ أنَّ هؤلاء المرْسِلين كانوا من الحواريِّين، ولا أنَّ الذين أُرْسِلُوا إليهم آمنوا بهم، وفيه أنَّ هؤلاء القوم الذين أُرسِل إليهم هؤلاء الثلاثة أنزل الله عليهم صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون.
وقد ذَكَرَ طائفةٌ من المفسِّـرين أنَّ هؤلاء كانوا من الحواريِّين، وأنَّ القرية أنطاكِيَة، وأنَّ هذا الرَّجل اسمه حبيب النَّجَّار، ثُمَّ إنَّ بعضهم يقول: إنَّ المسيح أرْسَلَهم في حياته، لكن المعروف عند النَّصَارى أنَّ أهل أنطاكِيَة آمنوا بالحواريِّين واتَّبعوهم([50])، لَـمْ يُهْلِكِ الله أهل أنطاكِيَة، والقرآن يدُلُّ على أنَّ الله أَهْلَكَ قوم هذا الرَّجل الذي آمن بالرُّسُل. () انظر: سِفر أعمال الرُّسُل (11: 26).
وأيضًا؛ فالنَّصَارى يقولون: إنَّما جاؤوا إلى أهل أنطاكِيَة بعد رفع المسيح، وأنَّ الذين جاؤوا كانوا اثنين لَـمْ يكُنْ لهما ثالث، قيل: أحدهما شمعون الصَّفا، والآخر بولص([51]). () في سِفر أعمال الرُّسُل (11: 25) أن اللذين ذهبا إلى أنطاكية هما: برنابا، وشاول (وهو بولص).
ويقولون: إنَّ أهل أنطاكِيَة آمنوا بهم، ولا يذكرون حبيب النَّجَّار، ولا مجيء رجلٍ من أقصى المدينة، بل يقولون: إنَّ شمعون، وبولص دعوا الله حتى أحيا ابن الـمَلِك.
فالأمر المنقول عند النَّصَارى أنَّ هؤلاء الرُّسُل المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريِّين، وهذا أصحُّ القولين عند علماء المسلمين، وأئمَّة المفسِّـرين([52]) ذكروا أن الرُّسُل المذكورين في القرآن في سورة «يس» ليسوا من الحواريِّين، بل كانوا قبل المسيح، وسمَّوهم بأسماءَ غير أسماء الحواريِّين، كما ذكر محمَّد ابن إسحاق. () قاله ابن الجوزي في [زاد المسير] (7/11)، ومال إليه ابن عطية في [المحرر الوجيز] (7/239)، وأبو حيان في [البحر المحيط] (18/82)، ونصره ابن كثير في [تفسيره] (6/573).
وروى الرَّبيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ﴿١٣﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ || : لكي تكون الحجَّة عليهم أشدّ، فأتوا أهل القرية فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له؛ فكذَّبوهم. فأتوا على رجلٍ في ناحية القرية في زَرْعٍ له، فسألهم الرَّجل: ما أنتم؟ قالوا: نحن رُسُل ربِّ العالمين، أُرْسِلْنَا إلى أهل هذه القرية ندعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال لهم: أتسألون على ذلك أجرًا، قالوا: لا، قال: فألقى ما في يده، ثُمَّ أتى أهل المدينة ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ﴿٢٠﴾ ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ ﴿[53]﴾. () انظر: الدر المنثور (12/335).
وهذا القول هو الصواب، وأنَّ هؤلاء المرسلين كانوا رُسُلًا لله قبل المسيح، وإن كانوا قد أُرْسِلُوا إلى أنطاكية، وكان أهلها مشركين، حتى جاءهم من جاءهم من الحواريِّين؛ فآمنوا بالمسيح على أيديهم، ودخلوا دين المسيح.
ويُقال: إنَّ أنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح عليه السلام، وذلك بعد رفعه إلى السَّماء، ولكن ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن المفسـرين أنَّ المذكورين في القرآن هم رُسُل المسيح، وهم [من] الحواريِّين، وهذا غلطٌ؛ لوجوه:
منها: أنَّ الله قد ذكر في كتابه أنَّه أهلك الذين جاءتهم الرُّسُل، وأهل أنطاكية لَـمَّا جاءهم مَن دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يُهلَكوا.
ومنها: أنَّ الرُّسُل في القرآن ثلاثة، وجاءهم رجلٌ من أقصـى المدينة يسعى، والذين جاؤوا مِن أتباع المسيح كانوا اثنين، ولَـمْ يأتهم رجلٌ يسعى لا حبيبٌ ولا غيره.
وكذلك ذكر المفسِّـرون في «المرسلين»، هل أرسلهم الله، أو أرسلهم المسيح؟، قولين: أحدهما: أن الله هو الذي أرسلهم، قال أبو الفرج ابن الجوزي: [وهذا ظاهر القرآن]، وهو مرويٌّ عن ابن عباس، وكعب، ووهب بن منبه.
قال: [وقال: المفسِّـرون في قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ [يس: 29]: أخذ جبريل بعِضَادَتَي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحةً واحدة، فإذا هم ميِّتون لا يُسْمَع لهم حِسٌّ، كالنَّار إذا أطفئت، وذلك قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ ، أي: ساكنون كهيئة الرَّماد الخامد]([54]). () زاد المسير لابن الجوزي (7/14).
ومعلومٌ عند النَّاس أن أهل أنطاكِيَة لَـمْ يُصِبهم ذلك بعد مبعث المسيح، بل آمنوا قبل أن يبدَّل دينُه، وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه، إلى أن تبدَّل دينُه بعد ذلك.
وممَّا يبيِّن ذلك أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التَّوراة لم يُهلِك الله مكذِّبي الأمم بعذابٍ سماويٍّ يعمُّهم، كما أهلك قوم نوحٍ وعادٍ وثمود وقوم لوطٍ وفرعون وغيرهم، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفَّار، كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذابٍ من السَّماء، فدلَّ ذلك على أن هؤلاء الرُّسل المذكورين في «يس» كانوا قبل موسى عليه السلام.
وأيضًا: فإنَّ الله لَـمْ يذكر في القرآن رسولًا أرسله غيرُه، وإنَّما ذكر الرُّسُل الذين أرسلهم هو.
وأيضًا: فإنَّه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14]، فأخبر أنَّه أرسلهم، كما أخبر أنَّه أرسل نوحًا وموسى وغيرهما، وفي الآية: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يس: 15]، ومثل هذا هو خطابُ المشـركين لمن قال: إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي، لا لمن جاء رسولًا من عند رسول، وقد قال بعد هذا: ﴿يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [يس: 30]، وهذا إنَّما هو في الرُّسل الذين جاؤوهم مِن عند الله لا من عند رسله.
وأيضًا: فإنَّ الله ضرَبَ هذا مثلًا لمن أرسل إليه محمَّدًا ﷺ، يحذِّرهم أن ينتقم الله منهم كما انتقم من هؤلاء. ومحمَّدٌ إنَّما يُضْـرَب له المثلُ برسولٍ نظيره، لا بمن أصحابه أفضلُ منهم؛ فإنَّ أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا أفضل من الحواريِّين باتفاق علماء المسلمين.
ولَـمْ يبعَث الله بعد المسيح رسولًا، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة؛ لقوله: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [المائدة: 19].
وأيضًا: فإنه قال تعالى: ﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: 14-15]، ولو كانوا رُسُلَ رسولٍ لكان التكذيبُ لمن أرسلهم، ولَـمْ يكن في قولهم: «إن أنتم إلا بشـرٌ مثلنا» شبهة؛ فإنَّ أحدًا لا يُنْـكِر أن يكون رُسُلُ رُسُلِ الله بشـرًا، وإنَّما أنكروا أن يكون رسول الله بشـرًا.
وأيضًا: فلو كان التكذيبُ لهما وهما رُسُلُ الرَّسول لأمكنهما أن يقولا: فأرْسِلوا إلى مَن أرسلَنا أو إلى أصحابه؛ فإنَّهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه، بخلاف ما إذا كانا رسل الله.
وأيضًا: فقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: 14] صريحٌ في أن الله هو المرسِل، ومن أرسلهم غيرُه إنَّما أرسلهم ذلك، لَـمْ يُرْسلهم الله، كما لا يقال لمن أرسله محمَّد بن عبد الله: إنَّهم رُسُلُ الله، فلا يقال لدِحْيَة ابن خليفة الكلبيِّ: إنَّ الله أرسله، ولا يقال ذلك للمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن حُذَافة، وأمثالهما ممَّن أرسلهم الرَّسول، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ أرسل رسله إلى ملوك الأرض، كما أرسل دِحْيَة ابن خليفة إلى قيصـر، وأرسل عبد الله بن حُذَافة إلى كِسْـرَى، وأرسل حاطبَ ابن أبي بلتعة إلى الـمُقَوقس.
ومعلومٌ أنَّه لا يقال في هؤلاء: إن الله أرسلهم، ولا يُسَمَّون عند المسلمين «رسل الله»، ولا يجوز باتِّفاق المسلمين أن يقال: هؤلاء داخلون في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]. فإذا كانت رسلُ محمَّدٍ ﷺ لَـمْ يتناولهم اسمُ «رسل الله» في الكتاب الذي جاء به، فكيف يجوز أن يقال: إن هذا الاسم يتناول رُسُلَ رسولٍ غيره ؟!
والمقصود هنا: بيان معاني القرآن، وما أراده الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: 13-14]، هل مراد الله ورسوله محمَّدٍ ﷺ مَن أرسلهم الله، أو من أرسلهم رسوله؟، وقد عُلِم يقينًا أن محمَّدًا ﷺ لَـمْ يدخل في مثل هذا، فمن قال: إنَّ محمَّدًا ﷺ أراد بذلك من أرسله رسولٌ فقد كذب على محمَّدٍ ﷺ عمْدًا أو خطأً.
وقد تبيَّن بما ذكرناه: فساد قولهم في تفسير آية البقرة، فإنهم قالوا: «وقال في سورة البقرة: ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ﴾».
قالوا: (فأعنى بقوله: أنبياءه المبشِّرين ورسله، ينحو بذلك عن الحواريِّين الذين داروا في سبعة أقاليم العالم وبشَّـروا بالكتاب الواحد الذي هو الإنجيل الطاهر؛ لأنَّه لو كان أعنى عن إبراهيم وموسى وداود ومحمَّد لكان قال: ومعهم الكتب؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم جاء بكتابٍ دون غيره، ولَـمْ يقل: إلا الكتاب الواحد؛ لأنَّه ما أتى جماعةٌ مبشِّـرِين بكتابٍ واحدٍ غير الحواريِّين الذين أتوا بالإنجيل الطَّاهر)([55]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص415).
فيُقال لهم:
قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ أي: فاختلفوا ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ || ، والحواريُّون ليسوا من النبيِّين، وإن كان المسيحُ أرسلهم، ولا يلزم من إرساله لهم أن يكونوا أنبياء، كمن أرسلهم موسى ومحمَّدٌ وغيرهما، ولهذا تسمِّيهم عامة النَّصَارى «رسلًا»، ولا يسمُّونهم «أنبياء».
وأيضًا: فإنه قال: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ ، والحواريُّون لم ينزل معهم الكتاب، إنَّما أُنزِل الكتابُ مع المسيح، ولكن الأنبياء أُنزِل معهم جنسُ الكتاب؛ فإن الكتاب اسمُ جنس، فيدخل فيه الكتب المنزَّلة كلها، كما في قوله: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ [البقرة: 177]، وفي قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] وفي القراءة الأخرى: ﴿وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وكذلك قوله عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: 12]، وفي القراءة الأخرى: ﴿وَكِتَابِهِ﴾.
وأيضًا: قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، وقال تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: 19]، وهذا يدلُّ أنَّه لَـمَّا [اختلف] بنو آدم بعث الله النبيِّين، وكان اختلافهم قبل نوح، كما قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشـرةُ قرونٍ كلُّهم على الإسلام، ثم حدث فيهم الشِّرك)([56]). () تفسير الطبري (23/639)، تفسير ابن أبي حاتم (2/377).
وأيضًا: فالإنجيل ليس فيه حكمٌ بين النَّاس فيما اختلفوا فيه، بل عامَّته مواعظ ووصايا وأخبار المسيح، بخلاف التَّوراة والقرآن، فإنَّ فيهما من الحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه ما ليس في الإنجيل.
وأيضًا: فإنه قال: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِ﴾ [البقرة: 213]، وذلك يقتضي أن الله هدى الذين آمنوا بعد اختلاف الذين أوتوا الكتاب بغيًا بينهم لما اختلفوا فيه من الحقِّ، وهذا ذمٌّ لمن أوتوا الكتاب فاختلفوا، والنَّصَارى داخلون في هذا الذَّمِّ، ولو كان المراد الإنجيل لكانوا هم المذمومون دون غيرهم، وليس كذلك، بل اليهود وغيرهم من المختلفين مذمومون أيضًا، وإنَّما الممدوح هم المؤمنون الذين هداهم الله لما اختَلف أولئك فيه من الحقِّ بإذنه، وهذا يتناول أمة محمَّد ﷺ قطعًا، وقد يتناول كلَّ من آمن من الأمم المتقدِّمة، كالذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم الخليل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].
وأمَّا أمة محمَّدٍ ﷺ، فإن الله هداهم لما اختلف فيه الأممُ قبلهم من الحقِّ بإذنه. وهذا بيِّن؛ فإنَّهم على الحقِّ والعدل الوسط بين طرفي الباطل، وهذا ظاهرٌ في اتِّباعهم الحقَّ الذي اختلفت فيه اليهودُ والنَّصَارى، في التوحيد والأنبياء، والأخبار والتشـريع والنَّسخ، والحلال والحرام، والتصديق والتكذيب، وغير ذلك.
ثُمَّ قالوا عن القرآن([57]): إنَّه شَهِدَ لهم أنَّهم أنصار الله، حيث يقول: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ ﴾ [الصف: 14]. () انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص415).
فيُقال: هذا حقٌّ، والحواريُّون مؤمنون مسلمون، وهم أنصار الله، لكن ليس في هذا أنَّهم رُسُلُ الله، ولا في هذا أنَّ كلَّ ما أنتم عليه من الدِّين مأخوذٌ عنهم، ولا في هذا أنَّ الواحد من الحواريِّين معصومٌ مِن الغلط؛ بل أمر الله المؤمنين مِن أمَّة محمَّدٍ ﷺ أن يكونوا أنصار الله، كما طلب المسيحُ ذلك بقوله: ﴿مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ [الصف: 14].
وقد وصَفَ الله المؤمنين أصحابَ النبيِّ ﷺ من أهل المدينة النَّبويَّة بأنَّهم أنصارٌ بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]، والمهاجرون أفضل من الأنصار وهم أيضًا من أنصار الله، نصروه كما نصره الأنصار، لكن لَـمَّا كان لهم اسمٌ يخُصُّهم وهو «المهاجرون» وهو أفضل الاسمين؛ خُصَّ الأنصار بهذا الاسم.
والمهاجرون والأنصار أفضلُ ممَّن آمن بموسى ومن آمن بعيسى عند المسلمين، ومع هذا فليس فيهم عندهم نبيٌّ ولا رسولٌ لله، ولكن فيهم رُسُلُ رَسُول الله ﷺ.
[الشُّبهة التاسعة: تعظيم الإنجيل]
قالوا: (وأمَّا تعظِيمه لإنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا، فيقول: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [المائدة: 48]، وقال في سورة آل عمران: ﴿الٓمٓ ﴿١﴾ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ﴿٢﴾ نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ﴿٣﴾ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 1-4].
وقال في سورة البقرة: ﴿الٓمٓ ﴿١﴾ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 1-5]، فأَعْنَى بالكتاب الإنجيلَ، و ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ نحن النَّصَارى الذين آمنَّا بالمسيح وما رأيناه، ثُمَّ أتبع بالقول: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ فأعنى بهم المسلمين الذين آمنوا بما أتى به وما أتى من قبله.
وقال في سورة المائدة: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٤٦﴾ وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 46-47]، وقال في سورة آل عمران: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]، فأعنى أيضًا بالكتاب المنير الذي هو الإنجيل المقدَّس.
وقال أيضًا: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [يونس: 94].
فثَبَتَ بهذا ما معنا. ونفَى عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التُّهم والتَّبديل والتَّغيير لـما فيها بتصديقه إيَّاها)([58]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص415).
والجوابُ -بعد أن تعرف أن لفظ الآية الأُوْلى في سورة المائدة ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ - أنْ يُقال: أمَّا تصديقُ خاتم الرُّسُل محمَّدٍ ﷺ لما أنزل الله قبْلَه من الكتب، ولمن جاء قبْلَه من الأنبياء، فهذا معلومٌ بالاضطرار من دينه، متواترٌ تواترًا ظاهرًا، كتواتر إرساله إلى الخلق كلهم.
وهذا من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْ﴾ [البقرة: 136 - 137]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ ([59]) [آل عمران: 84 ]. () وله شواهد أخرى في القرآن، انظر مثلًا: [البقرة: 177، 285-286].
وتصديقُه للتَّوراة والإنجيل مذكورٌ في مواضع من القرآن، وقد قال: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ [المائدة: 48]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]، وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: 3].
فبيَّن أنَّه أنْزَلَ هذا القرآن مُهيمنًا على ما بين يديه من الكتب، والمهيمنُ: الشَّاهد المؤتمن الحاكم، يشهدُ بما فيها من الحقِّ، وينفي ما حُرِّف فيها، ويحكم بإقرار ما أقرَّه الله من أحكامها، وينسَخ ما نسخه الله منها، وهو مؤتمنٌ في ذلك عليها.
وأخبر أنَّه أحسنُ الحديث، وأحسنُ القصص، وهذا يتضمَّن أنَّه كلُّ من كان مُتمَسِّكًا بالتَّوراة قبل النَّسخ من غير تبديل شيءٍ من أحكامها فإنَّه مِن أهل الإيمان والهدى، وكذلك من كان مُتمَسِّكًا بالإنجيل من غير تبديل شيءٍ من أحكامه قبل النَّسخ فهو من أهل الإيمان والهدى، وليس في ذلك مدحٌ لمن تمسَّك بشـرعٍ مُبَدَّل، فضلًا عمَّن تمسَّك بشـرعٍ مُبَدَّلٍ منسوخٍ، ولَـمْ يُؤْمِن بما أَرْسَل الله إليه من الرُّسُل وما أنزل إليه من الكُتُبِ، بل قد بيَّن سبحانه كَفْر اليهود والنَّصَارى بتبديل الكتاب الأوَّل، وبترك الإيمان بمحمَّدٍ ﷺ في غير موضع.
وأمَّا تأويلهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أنَّه الإنجيل، وأنَّ ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ عنى بهم النَّصَارى؛ فهو من تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل كلام الله، كما فعلوه في قوله: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا﴾ [آل عمران: 85]، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ أي: بإذن اللاهوت، وفي قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ || ،وفي غير ذلك ممَّا ذكروه وتأوَّلوه من القرآن على غير المعنى الذي أراد الله به.
وهذا ممَّا يُؤَيِّد أنَّهم فعلوا كذلك بالتَّوراة والإنجيل؛ فإنَّه إذا كان القرآن الذي قد عَرَف تفسيره والمرادَ به العامُّ والخاصُّ، ونُقِل ذلك عن الرَّسول نقلًا متواترًا حتى عُرِف معناه عِلْمًا يقينـيًّا اضطراريًّا فيُبَدِّلون معناه، ويُحرِّفون الكَلِم عن مواضعه، فماذا يصنعون بالتَّوراة والإنجيل ولَـمْ يُنْقَل لفظُ ذلك ومعناه كما نُقِل القرآن، وليس في أهل تلك الكتب ممَّن يذبُّ عن لفظها ومعناها كما يذبُّ المسلمون عن لفظ القرآن ومعناه؟!
وهؤلاء غرَّهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فظنُّوا أنَّ لفظ ﴿ذَلِكَ﴾ لَـمَّا كان يُشَار بها إلى الغائب؛ أشير بها إلى الإنجيل!
فيُقال لهم: هذا كقوله: ﴿ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 85]، وأشار بـ[ذلك] إلى ما تلاه قبل هذه الآية.
ومثله: قوله تعالى بعد أن ذكر خبر يوسف الصِّدِّيق: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ﴾ [يوسف: 102].
ومنه قوله: ﴿حمٓ ﴿١﴾ عٓسٓقٓ ﴿٢﴾ كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الشورى: 1-3]، ومثل هذا كثير([60]). () وقد استخدم لفظ "ذلك" في القرآن في مواضع متعددة، انظر مثلًا: [الممتحنة: 10]، [آل عمران: 44]، [هود: 49]، [الحجر: 1]، [الرعد: 1]، وغيرها من الآيات.
وذلك أنَّه لما أنزل قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، و ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، ونحو ذلك، لَـمْ يكن الكتابُ المشارُ إليه قد أُنزِل تلك السَّاعة، وإنَّما كان قد أُنزِل قبل ذلك، فصار كالغائب الذي يُشَار إليه، كما يُشار إلى الغائب، وهو باعتبار حضوره عند النبيِّ ﷺ يُشَارُ إليه كما يُشَارُ إلى الحاضر، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: 50]، ولهذا قال غير واحدٍ مِن السَّلف: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي: هذا الكتاب([61])، يقولون: المراد هذا الكتاب، وإنْ كانت الإشارة تكون تارةً إشارة غائب، وتارةً إشارة حاضـر. () انظر: تفسير الطبري (1/228).
وقد قال: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ || ، وقد وصف النَّصَارى بأنَّهم لا يُؤْمنون بالله ولا باليوم الآخر، وأنَّهم كافرون ظالمون، فكيف يجعلهم المتَّقين الذين يُؤْمنون بالغيب؟! قال تعالى: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
وأوَّل التقوى تقوى الشِّـرْك، وقد وَصَف النَّصَارى بالشِّـرْك؛ في قوله: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، وقال تعالى لَـمَّا ذكر المسيح: ﴿فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: 37]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 72]، ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73].
ونهى عن مُوالَاتِهم، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51]، وقد أخبر أنَّ الله وليُّ المتقين، فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18- 19].
فلو كانوا من المتَّقين -فضلًا عن أن يكونوا هم المتَّقون- لكان الله وَلِيَّهم، ولكانت موالاتهم واجبةً على المؤمنين، وهو قد نهى عن موالاتهم، وجعل من يتولَّاهم ظالِـمًا، وجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفَّار بعضهم أولياء بعض.
ولهذا لَـمَّا قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين الكافرين؛ قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصَّحيح: (لَا يَرِثُ المسْلِمُ الكَافِرَ، ولَا يَرِثُ الكَافِرُ المسْلِمَ)([62])، واتفق المسلمون على أنَّ اليهوديَّ والنصرانيَّ لا يَرِثُ مُسْلِمًا ولو كان ابنه وأباه؛ لأنَّ الله قطع الموالاة بينهما، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6764)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1614).
وأيضًا؛ فإنَّه قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰة﴾ || ، وهي الصلاة التي أمر بها في قوله: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا﴾ [الإسراء: 78]، وقد قال ﷺ: (لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْـرِ طُهُورٍ)([63]) والنَّصَارى يُصَلُّون بغير طهور، وقال ﷺ: (لَا صَلَاةَ إلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)([64]) وهم لا يقرؤونها. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (224)، وبوَّب البخاري في "صحيحه" برقم: (135). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (756)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (394).
والصَّلاة التي فرضها وأثنى عليها مشتملةٌ على استقبال الكعبة، وعلى رُكُوْعٍ وسجدتين في كلِّ ركعة، وغير ذلك ممَّا لا يفعله النَّصَارى، فكيف يَمْدَحُهم بإقامة الصلاة وهم لا يُقِيْمُون الصَّلاة التي أَمَر بإقامتها؟!
ثُمَّ لو قال اليهوديُّ: المراد بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ التَّوراة، وبالمتقين اليهود، لكان هذا -مع بطلانه- أقرب من قول القائل: إنَّ المراد بالكتاب الإنجيل؛ لأنَّ التَّوراة أحقُّ بذلك من الإنجيل؛ فإنَّها الأصل، والله تعالى يَقْرِن بينها وبين القرآن في غير موضع، كقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: 17]، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10].
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ فهي صفةٌ ثانيةٌ للذين يؤمنون بالغيب، وَصَفهم بالإيمان بالغيب مُجملًا، ثمَّ وَصَفهم بإيمانٍ مفصَّلٍ بما أُنزِل إليه، وما أُنزِل من قبله.
والعطفُ بالواو يكون لتغاير الذَّوات، ويكون لتغاير الصِّفات، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ﴿١﴾ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ﴾ [الأعلى: 1-5]، والذي خَلَقَ فسوَّى هو الذي قدَّر فهدى، وهو الذي أخرج المرعى.
وقد قيل: إنَّ قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ صفة المؤمنين من غير أهل الكتاب، كمشـركي العرب، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ || ، صفة مَن آمن به من أهل الكتاب﴿[65]﴾. () انظر: تفسير الطبري (1/242-247).
وعلى هذا القول هؤلاء غير هؤلاء، لكن هذا ضعيف؛ فإنَّه لا بُدَّ في المؤمنين من غير أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أُنزِلَ إليه، وما أُنِزلَ من قبله، ولا بُدَّ في مؤمن أهل الكتاب أن يؤمن بالغيب، فكُلٌّ من الإيمانين واجبٌ على كلِّ واحدٍ، ولا يكون أحدٌ على هُدًى من ربِّه مُفلِحًا إلا بهذا وهذا.
وأمَّا قول النَّصَارى: «نحن الذين آمنَّا بالسَّيِّد المسيح وما رأيناه»، فهكذا اليهود آمنوا بموسى عليه السلام وما رأوه، والمسلمون آمنوا بمحمَّدٍ ﷺ وما رأوه، بل المسلمون آمنوا بموسى وعيسى وسائر النبيِّين وما رأوهم، بخلاف اليهود والنَّصَارى الذين آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض.
ثُمَّ «الغيب» ليس المراد به صورة النبيِّ عليه السلام؛ فإنَّ صورة النبيِّ ليستْ من «الغيب»، فإن النَّاس يرونها، وليس في رؤيتها ما يُوْجِب إيمانًا ولا كفرًا، ولكن «الغيب» ما غاب عن مشاهدة الخلق، وهو ما أخبرتْ به الأنبياء من الغيب، فيدْخُل فيه الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهو الإيمان بأنَّهم رُسُلُ الله، وسواءٌ رُئيَت أبدانهم أو لم تُرَ، فقد يراهم مَن لم يُؤْمِن برسالتهم، وقد يُؤْمِن برسالتهم من لَـمْ يرهم. والمقصود: الإيمانُ برسالتهم لا بنفس صورهم حتَّى يقول القائل: آمنَّا بنبيٍّ ولَـمْ نرَهُ، وقد يَعْلَم من دلائل نبوَّته وأعلام رسالته مَن لَـمْ يرَهُ أكثر ممَّا يعلمها من رآه.
وأمَّا قوله في سورة المائدة: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٤٦﴾ وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 46-47]، فهذا ثناءٌ منه على المسيح والإنجيل، وأمرٌ للنَّصارَى بالحكم بما أنزل فيه، كما أثنى على موسى والتَّوراة بأعظم ممَّا عظَّم به المسيحَ والإنجيل.
فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ﴾ [المائدة: 41]، أي: قائلون للكذب، مصدِّقون مستجيبون مطيعون لقومٍ آخرين لَـمْ يأتوك، فهم مصدِّقون للكذب، مطيعون لمن يخالفك وأنت رسول الله، فكلٌّ من تصديق الكذب والطَّاعة لمن خالف رسول الله ﷺ من أعظم الذُّنوب.
ولفظ «السَّمع» يراد به: الإحساسُ بالصَّوت. ويراد به: فهمُ المعنى. ويراد به: قبولُه. فيقال: فلانٌ سَمِعَ ما يقول فلان، أي: يصدِّقه أو يطيعُه ويقبل منه.
فقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: مصدِّقون به، وإلا مجرَّد سماع صوت الكاذب وفهم كلامه ليس مذمومًا على الإطلاق.
وكذلك ﴿سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ﴾ أي: مستجيبون لهم مطيعون لهم، كما قال في حقِّ المنافقين: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]، أي: مستجيبون مطيعون لهم.
ومن قال: إن المراد به الجاسوس، فهو غالطٌ كغلط من قال: ﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ هم الجواسيس؛ فإن الجاسوس إنما ينقل خبر القوم إلى من لا يعرفه، ومعلومٌ أن النبيَّ ﷺ كان ما يذكره ويأمر به ويفعله يراه ويسمعه كلُّ من بالمدينة مؤمنُهم ومنافقُهم، ولَـمْ يكن يَقْصِد أن يَكْتُمَ يهودَ المدينة ما يقولُه ويفعلُه، خلاف من كان يأتيه من اليهود وهم يصدِّقون الكذبَ ويطيعون لليهود الآخرين الذين لم يأتوه.
والله نهى نبيَّه ﷺ أن يُحْزِنَه المسارعون في الكفر من هاتين الطَّائفتين: المنافقين الذين أظهروا الإيمان به ولم تؤمن قلوبهم، ومن أهل الكتاب الذين يطلبون أن يحكم بينهم وليس مقصودهم أن يطيعوه ويتَّبعوا حكمَه، بل إنْ حَكَم بما يَهْوَونه قبلوه، وإن حكم بخلاف ذلك لَـمْ يقبلوه؛ لكونهم مطيعين لقومٍ آخرين لَـمْ يأتوه.
قال تعالى: ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ﴾ أي: لَـمْ يأتك أولئك القوم الآخرون، ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: يقول السَّمَّاعون: ﴿إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [المائدة: 41].
والحكمُ يفتقر إلى الصِّدق والعدل، فلا بُدَّ أن يكون الشاهدُ صادقًا والحاكمُ عادلًا، وهؤلاء يصدِّقون الكاذبين من الشُّهود، ويبغون حكمَ المخالفين للرُّسل الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، وإذا لم يكن قصدُهم اتِّباع الصِّدق والعدل فليس عليك أن تحكم بينهم، بل إن شئتَ فاحكم بينهم وإن شئتَ فلا تحكم، ولكن إذا حكمتَ فلا تحكم إلا بما أنزل الله إليك؛ إذ هو العدل.
قال تعالى: ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ ، ثم قال: ﴿وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴿٤٣﴾ إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴿٤٤﴾ وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 42-45].
فهذا ثناؤه على التَّوراة، وإخباره أن فيها حكم الله، وأنه أنزل التَّوراة وفيها ﴿هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ || ، وقال عقب ذكرها: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾.
وهذا أعظمُ ممَّا ذكره في الإنجيل؛ فإنه قال في الإنجيل: ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ﴾ [المائدة: 46]، وقال فيه: ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، وقال في التَّوراة: ﴿يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ ، وقال عقب ذكرها: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، فهو سبحانه مع إخباره بإنزال الكتابين يصف التَّوراة بأعظم ممَّا يصف به الإنجيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾.
وإذا كان ما ذكره من مدح موسى والتَّوراة لم يوجب ذلك مدحَ اليهود الذين كذَّبوا المسيح ومحمَّدًا صلى الله عليهما وسلَّم تسليمًا، وليس فيه ثناءٌ على دين اليهود المبدَّل المنسوخ باتِّفاق المسلمين والنَّصَارى، فكذلك أيضًا ما ذكره من مدح المسيح والإنجيل ليس فيه مدحُ النَّصَارى الذين كذَّبوا محمَّدًا ﷺ، وبدَّلوا أحكام التَّوراة والإنجيل، واتَّبعوا المبدَّل المنسوخ.
واليهود توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذُكِر مدحٌ للنَّصارى، والنَّصَارى توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذُكِر مدحٌ لليهود بعد النَّسخ والتَّبديل، فعُلِم اتفاقُ أهل الملل كلِّها -المسلمين واليهود والنَّصَارى- على أنه ليس فيما ذُكِر في القرآن من ذكر التَّوراة والإنجيل وموسى وعيسى مدحٌ لأهل الكتاب الذين كذَّبوا محمَّدًا ﷺ، ولا مدحٌ لدينهم المبدَّل قبل مبعثه، فليس في ذلك مدحٌ لمن تمسَّك بدينٍ مبدَّلٍ ولا بدينٍ منسوخ، فكيف بمن تمسَّك بدينٍ مبدَّلٍ منسوخ ؟!
قالوا: «وقال في سورة آل عمران: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ﴾ [آل عمران: 184]، فأعنى أيضًا بالكتاب المنيـر الذي هو الإنجيل المقدَّس»([66]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص416).
فيقال: قد تقدَّم أنَّ «الرُّسُل» تتناول قطعًا الرُّسُل الذين ذكرهم الله في القرآن، لا سيَّما أولو العزم، كنوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم؛ فإنَّ هؤلاء مع محمَّدٍ ﷺ خاتم النبيِّين -صلوات الله عليهم وسلامه- خصَّهم الله، وفضَّلهم بقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ﴿٧﴾ لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 7 - 8]، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].
فالدِّينُ دينُ رُسُل الله دينٌ واحد كما بيَّنه الله في كتابه وكما ثبَتَ في [الصَّحيحين] عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِـيٌّ)([67]). ويتناول أيضًا اسم «الرُّسُل»، مَن لَـمْ يُسَمِّهِم بأعيانهم في القرآن، قال تعالى: ﴿۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ﴿١٦٣﴾ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ﴿١٦٤﴾ رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 163-165]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ﴾ [غافر: 78]. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3442). ومسلم في "صحيحه" برقم: (2365).
وأمَّا الحواريُّون، فإنَّ الله تعالى ذَكَرَهُم في القرآن، ووصفهم بالإسلام واتِّباع الرَّسول، وبالإيمان بالله كما أنزل في قوله تعالى: ﴿۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ﴿52﴾ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 52-53]، وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ [المائدة:111]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [الصف: 14].
[68]ولَـمْ يذْكُر الله تعالى في القرآن أنَّه أرسلهم البتة، بل ذكر أنَّه ألهمهم الإيمان به وبرسوله، وأنَّهم أُمِروا باتِّباع رَسُوله. تعليق جانبي/ لم يذكر القرآن أنَّ الحواريين كانوا رسل الله
وقولُه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ لا يَدُلُّ على النبوَّة؛ فإنَّه قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: 7]، وأمُّ موسى لَـمْ تكن نبيَّة، بل ليس في النساء نبيَّة، كما تقوله عامَّة علماء المسلمين، وقد ذكر إجماعهم على ذلك غيرُ واحد، مثل القاضيين: أبي بكر ابن الطيِّب، وأبي يعلى ابن الفرَّاء، والأستاذ أبي المعالي الجويني، وغيرهم.
وقد ثبت في [الصَّحيحين] عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَـمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِم)([69])، يعني من نساء الأمم قبلنا، وهذا يدلُّ على أنَّ أمَّ موسى ليستْ ممَّن كمل من النساء، فكيف تكون نبيَّة ؟! () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3411)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2431)، والمثبتُ في الصحيحين: (آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ).
وقوله تعالى: ﴿جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]، والكتاب: اسمُ جنسٍ، يتناول كلَّ كتابٍ أنزله تعالى.
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [الحج: 8]، وقوله: ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ نكرةٌ في سياق النَّفي تَعُمُّ كلَّ كتابٍ منير، ولو لَـمْ يكن إلا الإنجيل لقيل: «وَلَا الكِتَابِ المنِيْر».
وأيضًا؛ فالتَّوراة أعظمُ من الإنجيل، وقد بيَّن الله أنَّه لَـمْ يُنْزِل كتابًا أهدى من التَّوراة والقرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ﴾ -وقُرِئ: (سَاحِرَانِ)- ﴿تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [القصص: 48- 49].
وهذا تعجيزٌ لهم أن يأتوا بكتابٍ من عند الله هو أهدى منهما، كقوله: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ﴾ [يونس: 38]، وهذا يُبَيِّن أنَّه ليس الإنجيل ولا الزَّبور أهدى من التَّوراة والقرآن، فكيف يُجْعَل «الكتابُ المنير» هو الإنجيل دون التَّوراة والزبور؟!
وأيضًا؛ فإنَّ الله تعالى إنَّما يخُصُّ بالذِّكر من الكتب المتقدِّمة التَّوراة دون غيرها، فهي التي يَقْرِنها بالقرآن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ﴿٩١﴾ وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: 91-92]، وقد وصف التَّوراة بأنَّ فيها نورًا وهدًى للنَّاس، فكيف يُجْعَلُ النور في الإنجيل دونها ؟!
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ﴿١٥٥﴾ أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ﴾ [الأنعام: 154-156]، فقد ذكر التَّوراة والقرآن، وقولَهم: أُنزِل الكتابُ على طائفتين، فبيَّن أنَّ «الكتاب» اسمُ جنسٍ يتناول هنا: التَّوراة والإنجيل، كقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ [المائدة: 5]، فذكر «الكتاب» بلفظ المفرد، ومعلومٌ أنَّه أراد بالذين أوتوا الكتاب من قبلنا: اليهودَ والنَّصَارى، لا يخْتَصُّ ذلك بالنَّصَارى، كما قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
وقد تبيَّن: بطلانُ قول هؤلاء الذين يُحرِّفون الكَلِم عن مواضعه، ويفسِّـرُونَ كلام الله ورسوله بما يَعْلَمُ كلُّ من عَرَفَ حاله من مؤمنٍ وكافرٍ؛ أنَّه لَـمْ يُرِدْه.
وتبيَّن: أنَّ الله لَـمْ يُرِدْ بـ[الكتاب]: الإنجيلَ وحده، كما لَـمْ يُرِدْ بالرُّسُل: الحواريِّين، بل أراد بالكتاب المنير ما أنزله الله من الكتب كالتَّوراة والإنجيل، كما أراد بالرُّسُل من أرسله الله مُطلقًا؛ كنوحٍ وإبراهيم وموسى والمسيح ابن مريم، صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين.
قالوا: «وقال أيضًا: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [يونس: 94]».
فيُقال لهم: من المعلوم بالاضطرار أنَّه ليس المراد بهذا النَّصَارى فقط كما تقدَّم، بل اليهود يقرؤون الكتاب من قبلنا، والنَّصَارى يقرؤون الكتاب من قبلنا، و«الكتاب»: اسمُ جنس، كما تقدَّم نظائره في قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156]، وقوله: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [المائدة: 5]، وقوله: |@|﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 64] في غير موضع([70]). () وانظر الآيات: [البينة: 1]، [آل عمران: 18-20].
وقد قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا﴾ [النساء: 47]، وتناوُلُ لفظ «أهل الكتاب» هنا لليهود أظهر من تناوله للنَّصارَى؛ لذكره لعنة أصحاب السَّبت.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]، فهذا خبرٌ عن طائفةٍ من اليهود قالوا ذلك.
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]، وسبب نزولها: أنَّه أراد طائفةٌ من اليهود إلقاء الفتنة بين المسلمين، فهم داخلون قطعًا وإنْ كان الخطاب مطلقًا يتناول الطائفتين([71]). () انظر: أسباب النزول للواحدي (ص270-273).
وأمرُه تعالى بسؤال الذين يقرؤون الكتاب من قبله على تقدير الشَّكِّ لا يقتضـي أنْ يكون الرَّسولُ شكَّ ولا سأل إنْ قيل: الخطابُ له. وإنْ قيل: لغيره فهو أَوْلى وأحرى؛ فإنَّ تعليق الحكم بالشَّـرط لا يدلُّ على تحقيق الشَّـرط، بل قد يُعَلَّق بشَـرْطٍ ممتنعٍ لبيان حكمه.
قال تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿٨٦﴾ وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ﴿٨٧﴾ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 84 - 88]، فأخبر أنَّهم لو أشركوا لحَبِط عنهم ما كانوا يعملون، مع انتفاء الشِّـرك عنهم، بل مع امتناعه؛ لأنَّهم قد ماتوا، ولأنَّ الأنبياء معصومون من الشِّرك به.
وقال تعالى: ﴿قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [الزمر: 64-66]، فهذا خطابٌ للجميع، وذكر هنا لفظ «إنَّ» لأنَّه خطابٌ لموجود، وهناك خبرٌ عن ميِّت.
وكذلك قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ﴾ لا يَدُلُّ على وقوع الشكِّ ولا السُّؤال، بل النبيُّ ﷺ لَـمْ يكن شَاكًّا، ولا سأل أحدًا منهم، بل رُوِي عنه أنَّه قال: (وَالله لَا أَشُكُّ وَلَا أَسْأَلُ)([72]). () أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" برقم: (10211)، والطبري في "تفسيره" (12/288).
فالمقصود([73]): بيانُ أنَّ أهل الكتاب عندهم ما يُصَدِّقُكَ فيما كذَّبَكَ فيه الكافرون، وذلك من وجوه: () أي: من آية سورة يونس (ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ).
[74]الوجه الأول: أنَّ الكتب المتقدِّمة تنطق بأنَّ موسى وغيرَه دعوا إلى عبادة الله وحده ونَهَوا عن الشِّرك؛ فكان في هذا حجَّةٌ على من ظنَّ أن الشِّرك دينٌ. تعليق جانبي/ أنَّ في الكتب السابقة النهي عن الشـرك والدعوة إلى عبادة الله وحده
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].
[75]الوجه الثاني: أنَّ أهل الكتاب يعلمون أنَّ الله إنَّما أرسل إلى النَّاس بشرًا مثلهم، لَـمْ يُرْسِل إليهم مَلَكًا؛ فإنَّ مِن الكفَّار مَن كان يزعم أنَّ الله لا يُرْسِلُ إلا مَلَكًا أو بشرًا معه مَلَك، ويتعجَّبون من إرسال بشرٍ ليس معه مَلَكٌ ظاهر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ﴿٩٤﴾ قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا﴾ [الإسراء: 94- 95]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾ إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ﴾ ([76]) [المؤمنون: 23-25]. تعليق جانبي/ أنَّ في الكتب السابقة الإخبار أنَّ الرُّسُل كانوا من البشـر، وليسوا من الملائكة () وأخبر الله عن ردِّ قوم صالح؛ انظر: [القمر: 23-24]، وقوم فرعون؛ انظر: [المؤمنون: 47]. وما قاله كفار قريش لنبينا محمد ﷺ، انظر: [يونس: 1-2]، [الأنعام: 8-9].
[77]الوجه الثالث: أنَّهم يسألون أهل الكتاب عمَّا جرى للرُّسُل مع أممهم، وكيف كان عاقبة المؤمنين بهم، وعاقبة المكذِّبين لهم. تعليق جانبي/ أنَّ في الكتب السابقة الإخبار عن عاقبة المكذبين للرُّسُل
[78]الوجه الرابع: يسألون أهل الكتاب عن الدِّين الذي بَعَثَ الله به رسله، وهو دينُ الإسلام الذي اتَّفقت عليه الرُّسُل، كالأمر بالتَّوحيد والصِّدق والعدل، وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام، والنَّهي عن الشِّرك والظُّلم والفواحش. تعليق جانبي/ أنَّ في الكتب السابقة الإخبار بتفاصيل ما تدعو إليه الرُّسل
[79]الوجه الخامس: يسألونَهم عمَّا وصفت به الرُّسُل ربَّهم هل هو موافقٌ لما وصفه به محمَّدٌ أم لا؟، وهذه الأمور المسؤول عنها متواترةٌ عند أهل الكتاب معلومةٌ لهم، ليست مما يشكُّون فيه، وليس إذا كان مثلُ هذا معلومًا لهم بالتَّواتر فيُسألون عنه؛ يجب أن يكون كلُّ ما يقولونه معلومًا لهم بالتَّواتر. تعليق جانبي/ أنَّ في الكتب السابقة ما يدُلُّ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما وصف به ربه
وأيضًا؛ فإنَّهم يُسألون أيضًا عمَّا عندهم من الشَّهادات والبشارات بنبوَّة محمَّد ﷺ.
وقد أخبر الله بذلك في القرآن، فقال تعالى: ﴿۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ﴿١٥٦﴾ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 156 - 157]، وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [الصف: 6]، فقد أخبر عن عيسى أنَّه صدَّق بالرَّسول والكتاب الذي قبله وهو: التَّوراة، وبشَّر بالرَّسول الذي يأتي بعده وهو: أحمد.
والأخبارُ بمعرفة أهل الكتاب بصفةِ محمَّدٍ ﷺ عندهم في الكتب المتقدِّمة متواترةٌ عنهم([80]). () وقد ذكر الله تعالى جملة من الآيات في هذا المعنى، انظر: [البقرة: 144-146]، [المائدة: 83].
وكان قبل أن يُبْعَث النبيُّ ﷺ تجري حروبٌ وقتالٌ بين العرب وبين أهل الكتاب، فيقول أهل الكتاب: قد قَرُبَ مبعثُ هذا النبيِّ الأمِّيِّ الذي يُبْعَثُ بدين إبراهيم، فإذا ظهر اتَّبعناه وقتلناهم معه شرَّ قِتلة، فلمَّا بُعِثَ النبيُّ ﷺ كان منهم من آمن به ومنهم من كفر به، فقال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يستنصـرون بمحمَّدٍ ﷺ على الذين كفروا ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 89].
ولهذا كان النبيُّ ﷺ في خطابه لأهل الكتاب يقول لهم: (والله الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ الله)([81])، وكذلك من أسلم منهم كعبد الله ابن سَلَام كان يقول لغيره من أهل الكتاب: (والله الذي لا إله إلا هو إنَّكم لتعلمون أنَّه رسول الله ﷺ)، وهذا أمرٌ معروفٌ في الأحاديث الصِّحاح المخرَّجة في [الصَّحيحين] وغيرهما. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3911).
فظهر بما ذكرناه تحريفُ هؤلاء لكلام الله، وأنَّه لا حجَّة لهم فيما أُنزِل على محمَّدٍ ﷺ، كما تقدَّم نظائر ذلك.
قالوا: (فثَـبَّتَ بهذا ما معنا. نعم، ونفى عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التُّهَم والتَّبديل لها والتَّغيير لما فيها بتصديقه إيَّاها)([82]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص415).
[83]فيُقال: كلامكم الذي تحتجُّون به في هذا الموضع وغيره؛ إمَّا أنْ يكون باطلًا محضًا، وإمَّا أن يكون ممَّا لَبَسْتُم فيه الحقَّ بالباطل. تعليق جانبي/ بطلان أنَّ القرآن نفى التبديل والتحريف عن التوراة والإنجيل
فإنَّ قولكم: «بتصديقه إيَّاها»:
إنْ أردتم أنَّه صدَّق التَّوراة والإنجيل والزَّبور التي أنزلها الله على أنبيائه فهذا لا ريب فيه؛ فإنَّ هذا مذكورٌ في القرآن في غير موضع، وقد أوجب على عباده أن يُؤْمِنوا بكلِّ كتابٍ أنزله، وكلِّ نبيٍّ من الأنبياء، مع إخباره أنَّه أنزل هذه الكتب قبل القرآن، وأنزل القرآن مصدِّقًا لِـمَا بين يديه من الكتاب ومُهيمنًا عليه.
قال تعالى: ﴿الٓمٓ ﴿١﴾ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ﴿٢﴾ نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ﴿٣﴾ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 1-4]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ ([84]) [المائدة: 48]. () وانظر أيضًا: [البقرة: 101]، [النساء: 47]، [فاطر: 31].
وقد أوجب على عباده أنْ يُؤْمِنوا بجميع كتبه ورسله، وحَكَم بكفر من آمن ببعضٍ وكفر ببعض، فقال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136-137]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿١٥٠﴾ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ﴿١٥١﴾ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 150 - 152].
فذمَّ التَّفريق بينهم بأنْ يُؤمَن ببعض دون بعض، وبيَّن أنه فضَّل بعضهم على بعض، فقال تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ﴾ [البقرة: 253]، فبيَّن أنَّه فضَّل بعضهم على بعض، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55].
وقد اتَّفق المسلمون على ما هو معلومٌ بالاضطرار من دين الإسلام، وهو أنَّه يجبُ الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وبجميع ما أنزله الله من الكتب.
فمَن كفر بنبيٍّ واحدٍ تُعْلَمُ نبوَّتُه، مثل: إبراهيم ولوط وموسى وداود وسليمان ويونس وعيسى، فهو كافرٌ عند جميع المسلمين، حُكْمُه حكمُ الكفَّار، وإنْ كان مُرْتَدًّا استُتِيب، فإنْ تاب وإلا قُتِل([85]). () ومن كفر بنبيٍّ واحد فقد كفر بجميع الأنبياء، كما قال تعالى: {ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ } [الشعراء:105]، وهو أول رسول، وهذا يدُلُّ على تكذيب البقية؛ لأنَّ حقيقة الرسالات الإلهية واحدة.
ومَن سبَّ نبيًّا واحدًا من الأنبياء قُتِل أيضًا باتفاق المسلمين.
وما عَلِم المسلمون أنَّ نبيًّا من الأنبياء أخبر به فعليهم التصديقُ به، كما يُصَدِّقون بما أخبر به محمَّدٌ ﷺ، وهم يعلمون أنَّ أخبار الأنبياء لا تتناقض ولا تختلف.
وما لَـمْ يَعْلَمُوا أنَّ النبيَّ أخبر به؛ فهو كما لَـمْ يَعْلَمُوا أنَّ محمَّدًا أخبر به صلى الله عليهم أجمعين، ولكن لا يكذِّبون إلا بما علموا أنَّه كذب، كما لا يجوز أنْ يُصَدِّقوا إلا بما علموا أنَّه صِدق.
وما لَـمْ يعلموا أنَّه كذبٌ ولا صدقٌ؛ لَـمْ يُصَدِّقوا به ولَـمْ يُكَذِّبوا به، كما أمرهم نبيُّهم محمَّدٌ ﷺ، وبهذا أمر المسيحُ عليه السلام، فقال: (الأمور ثلاثة: أمرٌ تبيَّن رشدُه فاتَّبعوه، وأمرٌ تبيَّن غيُّه فاجتنبوه، وأمرٌ اشتبه عليكم فكِلُوه إلى عالِـمه)([86]). () أخرجه أحمد في "الزهد" (ص52)، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده"برقم: (675)، والحاكم في "مستدركه" برقم: (7802).
وإنْ أرادوا بتصديقه كتُبَهم أنَّه صدَّق ما هم عليه من العقائد والشَّـرائع التي ابتدعُوها بغير إذنٍ من الله، وخالفوا بها ما تقدَّمه من شرائع المرسلين، أو خالفوا بها الشَّـرع الذي بُعِث به، مثل: القول بالتَّثليث والأقانيم، والقولِ بالحلول والاتِّحاد بين اللَّاهوت والنَّاسوت، وقولهم: إنَّ المسيح هو الله وابن الله، وما هم عليه مِن إنكار ما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن تحليل ما حرَّمه الله ورسلُهُ، كالخنزير وغيره، ومِن أنَّهم لا يَدينُونَ بدين الحقِّ الذي أُنْزِلَ به كِتَابُهُ، وأُرْسِلَ به رَسُوْلُهُ، بل بدينٍ مُبتَدَعٍ ابتدعه لهم أكابرهم كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ [التوبة: 31].
وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ ذلك لعديِّ بن حاتمٍ -وكان نصرانيًّا- لـمَّا جاءَه ليُؤْمِنَ به، وقد آمن به عديٌّ وكان من خِيار الصَّحابة، فسمعه يقرأ هذه الآية: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] قال عديٌّ: قلت: يا رسول الله، ما عبدوهم، قال: (إنَّهُمْ أحَلُّوا لَهمُ الحَرَامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهم الحَلالَ فأَطَاعُوهُمْ، فكَانَتْ تِلْكَ عِبادَتُهُم إيَّاهُم)([87]). () أخرجه الترمذي في "جامعه" برقم: (3095)، وقال: [هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب]. والبيهقي في "سننه الكبرى" برقم: (20409).
فإنْ أرادوا بتصديقهم في هذه الأمور، أو أنَّ محمَّدًا ﷺ صدَّقَ ما عندهم مما لَـمْ يأتِ به الأنبياء عن الله، فقد كذَبُوا على محمَّدٍ ﷺ كَذِبًا ظاهرًا معلومًا بالاضطرار من دينه، وإنَّما صدَّق ما جاءتْ به الأنبياء قبله، وأمَّا ما أحدثوه وابتدعوه؛ فلَمْ يُصَدِّقه.
كما أنه لَـمْ يَشْرعْ لهم أن يستمرُّوا على ما هم عليه من الشَّـرع الأوَّل ولو لم يكن مُبَـدَّلًا، بل دعاهم وجميعَ الإنس والجنِّ إلى الإيمان به وبما جاء به، واتباع ما بُعث به من الكتاب والحكمة، وحَكَمَ بكفر كلِّ من لم يتَّبع كتابه المنزل عليه، وأوجب مع خلودهم في عذاب الآخرة جهادَهم في الدنيا حتَّى يكون الدين كلُّه لله، وحتَّى تكون كلمةُ الله هي العليا.
وقد دعا أهلَ الكتاب من اليهود والنَّصَارى عمومًا، ثُمَّ كُلًّا من الطائفتين خصوصًا في غير موضع، مع دعائه الناس كلَّهم أهلَ الكتاب وغيرَهم، كقوله تعالى: ﴿۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ﴿١٥٦﴾ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴿١٥٧﴾ قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 156 - 158].
وقال تعالى يخاطب النَّصَارى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ [النساء: 171].
وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 17، 72] في موضعين.
[وأخبر] سبحانه أنَّ النَّصَارى تركوا حظًّا ممَّا ذكَّرهم به؛ وبسبب ذلك أغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فعُلِم أنه سبحانه بَيَّنَ أنهم تركوا بعضَ ما جاء به المسيحُ ومَنْ قَبْلَه من الأنبياء، واستحَقُّوا لذلك أن يُغْرِيَ بينهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يوم القيامة.
وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].
فنهاهم عن الغلوِّ في دينهم وعن اتِّباع أهواء الذين ابتدعوا بِدَعًا غيَّروا بها شرع المسيح، فضلَّوا من قَبْلِ هؤلاء الأتباع، وأضلَّوا كثيرًا من هؤلاء الأتباع وغيرهم، وضلَّوا عن سواء السبيل -وهو وسط السبيل-، بيَّنَ الضَّلالَ وقَيَّدَه بعد أن أطلقه وأجْمَله.
وقد خرج النَّبيُّ ﷺ لقتالهم بنفسه عام تبوك، واستنفر لقتالهم جميع المؤمنين، لَـمْ يأذن لأحدٍ من القادرين على الغزو في التخلُّف، ومَنْ تخلَّفَ لأنَّه لَـمْ يرَ قتالهم واجبًا كان كافرًا، وإن أظهر الإسلام كان منافقًا ملعونًا، بيَّن الله أنه لا يَغْفِر لهم، ونهى نبيَّه عن الصَّلاة عليهم، وأنزل في ذلك جُمهورَ سورة [براءة] بالنقل المتواتر، حتى بيَّن كفر الذين استأذنوه في ترك الخروج معه لقتال النَّصَارى([88]). () انظر الآيات [التوبة: 38-48].
فتبيَّن أنَّ قولهم: «فثبَّت بهذا ما معَنا. نعم، ونفى عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التُّهم والتَّبديل لها والتَّغيير لما فيها بتصديقه إيَّاها».
إن أرادوا به: أنَّه ثبَّت ما جاءت به الأنبياء قبله عن الله؛ فهذا حقٌّ.
وإنْ أرادوا به: أنَّه ثبَّت ما هم عليه بعد مبعثه من الشَّـرْع الذي خالف شرعه أو ما ابتدعوه ممَّا لَـمْ يأتِ به الأنبياء عليهم السلام قبله؛ فهذا باطل.
وإنْ أرادوا بذلك: أنَّه صدَّق ألفاظ الكُتُبِ التي بأيدينا أي: التَّوراةِ والإنجيل، فهذا مما يُسَلِّمه لهم بعضُ المسلمين، ويُنازِعُهم فيه أكثر المسلمين وإن كان أكثر ذلك مما يُسَلِّمه أكثرُ المسلمين.
[89]فأمَّا تحريفُ معاني الكتب بالتَّفسير والتَّأويل وتبديل أحكامها؛ فجميع المسلمين واليهود والنَّصَارى يشْهَدون عليهم بتحريفها وتبديلها، كما يشهدون هم والمسلمون على اليهود بتحريف كثيرٍ من معاني التَّوراة، وتبديل أحكامها، وإن كانوا هم واليهود يقولون: إنَّ التَّوراة لَـمْ تُحرَّف ألفاظُها. تعليق جانبي/ تحريف الإنجيل
وحينئذٍ؛ فلا ينفعهم بقاءُ حروف الكُتُبِ عندهم مع تحريف معانيها، إلا كما ينفع اليهود بقاء حروف التَّوراة والنُّبوات عندهم؛ مع تحريف معانيها، بل جميعُ النُّبوات التي يُقِرُّونَ بها هي عند اليهود، وهم مع اليهود يَنْفُون عنها التُّهم والتبديل لألفاظها، مع أنَّ اليهود عندهم مِن أعظم الخلق كفرًا واستحقاقًا لعذاب الله في الدنيا والآخرة، وهم عند النَّصَارى الذين يُكَفِّرون المسلمين أكفر من هؤلاء وشرٌّ منهم، فإنَّ النَّصَارى متَّفقون على أنَّ المسلمين خيرٌ من اليهود، وكذلك اليهود متَّفقون على أنَّ المسلمين خيرٌ من النَّصَارى، بل جميع الأمم المخالفين للمسلمين يشهدون أنَّ المسلمين خيرٌ من سائر الأمم والطوائف إلا أنفسهم، وشهادتُهم لأنفسهم لا تُقْبَل، فصار هذا اتِّفاق أهل الأرض على تفضيل دين الإسلام.
فعُلِم أنَّ بقاء حروف الكتاب مع الإعراض عن اتِّباع معانيها وتحريفها لا يُوْجِب إيمان أصحابها، ولا يَمْنَعُ كُفْرهم.
وحينئذٍ؛ فليس شهادة محمَّدٍ ﷺ وأمّتِه للمسيح عليه السلام ولما أُنزل عليه من الإنجيل في تثبيت ما عند النَّصَارى بأعظمَ من شهادة المسيح عليه السلام والحواريِّين وسائرِ من اتَّبعه لموسى ولما أنزل عليه من التَّوراةِ في تثبيت ما عند اليهود؛ فإنَّ المسيح أمَرَ أتباعه باتِّباع التَّوراة إلا القَدْرَ اليسير الذي نسخه منها.
وأما محمَّدٌ ﷺ فبُعث بكتابٍ مُستقلٍّ، وشرعٍ مُستقلٍّ كاملٍ تامٍّ، لَـمْ يحْتَجْ معه إلى شـرعٍ سابقٍ تتعلمه أمَّتُه من غيره، ولا إلى شرعٍ لاحقٍ يُكَمِّلُ شرعَه؛ ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ في الحديث الصَّحيح: (إنَّه قَدْ كَانَ في الأُمَمِ قَبْلَكَم محدَّثُون، فإن يَكُنْ في أُمَّتِي أحَدٌ فعُمَرُ)([90]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3469)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2398).
فجَزَم بأنَّ مَن كان قبله كان فيهم محدَّثُون، وعلَّق الأمر في أمَّتِه، وإن كان هذا المعلَّق قد تحقَّق؛ لأنَّ أمَّتَه لا تحتاج بعده إلى نبيٍّ آخر، فَلَأَنْ لا تحتاج معه إلى محدَّثٍ مُلْهَمٍ أوْلى وأحْرى.
وأمَّا مَن كان قبله فكانوا يحتاجون إلى نبيٍّ بعد نبيٍّ، فأَمْكَنَ حاجتهم إلى المحدَّثين الـمُلْهَمِين؛ ولهذا إذا نزَلَ المسيح ابن مريم في أمَّتِه لَـمْ يَحْكُمْ فيهم إلا بشـرع محمَّدٍ ﷺ.
وإذا كان مع هذا شهادة المسيح والحواريين، وكلِّ من آمن بالمسيح للتَّوراة بأنَّها حقٌّ، ولموسى بأنَّه رسولٌ، لا تمنع كفر اليهود؛ لكونهم بدَّلوا شرع التَّوراة، وكذَّبوا بالمسيح وبالإنجيل، فكيف تكون شهادة محمَّدٍ وأمَّتِه للإنجيل بأنَّه مُنَـزَّلٌ من عند الله، وللمسيح بأنَّه رسول الله مانعةً من كفر النَّصَارى، مع تبديلهم شرعَ الإنجيل، وتكذيبهم بمحمَّدٍ ﷺ وشرعِ القرآن؟!
وأمَّا إيمان مَن يُؤمن منهم بأنَّ محمَّدًا رسول الله إلى العرب، أو بكثيرٍ مما جاء به القرآن، فلا يمنع كفرَهم إذا كفروا ببعض ما جاء به، بل من كذَّبَ بشيءٍ مما جاءت به الرُّسل عن الله فهو كافر، وإن آمن بأكثر ما جاءت به الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 150] وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 85].
وقد صرَّح بكفر النَّصَارى في غير موضعٍ، وأمر بجهادهم وقتالهم، وحَكَمَ بكفر من لا يوجب جهادَهم وقتالَهم، أو لا يرى ذلك عبادةً لله وطاعةً له، فإذا كان مَن لا يرى جهادَهم عبادةً لله كافرًا عند محمد ﷺ، فكيف حالُهُم هم عنده ﷺ؟
وإذا تبيَّن للخاصَّة والعامَّة مِمَّن آمن بمحمَّدٍ ﷺ ومن كفر به أنه كان مصدِّقًا لِـمَا بين يديه من الكتب والأنبياء، مصدِّقًا للتَّوراة والإنجيل، شاهدًا بأنَّ موسى عليه السلام ومن كان متَّبعًا له على الحقِّ، وأن المسيح عليه السلام ومن اتَّبعه على الحقِّ، وإن كان يُكَفِّرُ جميعَ اليهود والنَّصَارى وغيرِهم ممن بلغته رسالتُه ولم يؤمن به، وشهد عليهم بأنَّهم حرَّفوا كثيرًا من معاني التَّوراة والإنجيل قبل نبوَّته، وأنَّ أهل الكتاب كلَّهم مع المسلمين يشهدون أيضًا بأن كثيرًا من معاني التَّوراة والإنجيل حرَّفها كثيرٌ من أهل الكتاب؛ لَـمْ يَـجُـزْ لأحدٍ من أهل الكتاب أن يحتجَّ بقول محمَّدٍ ﷺ على صحَّة دينهم الذي شهد محمَّدٌ ﷺ بأنَّه باطلٌ مبدَّلٌ منسوخ، وأهله من أهل النار.
قال الحاكي عنهم: «فقلتُ لهم: إنْ قال قائل: إنَّ التَّبديل والتغيير يجوز أن يكون بعد هذا القول. فقالوا: إنَّا نعجب مِن هؤلاء القوم -على علمهم وذكائهم ومعرفتهم- كيف يحتجُّون علينا بمثل هذا القول؟، وذلك أنَّا أيضًا إذا احتجَّيْنَا عليهم بمثل هذا القول، وقُلْنا: إنَّ الكتاب الذي في أيديهم يومَنا هذا قد غيَّروه وبدَّلوه، وكتبوا فيه ما أرادوا واشتهوا، هل كانوا يُجوِّزون كلامنا؟
قال الحاكي عنهم: فقلت لهم: هذا مِمَّا لا يجوز، ولا يمكن أحدًا أن يقوله، ولا يمكن أن يتغيَّر منه...»([91]) إلى آخر الفصل. () رسالة بولس الأنطاكي (ص415-416)، وهذا النَّصُّ في الرِّسَالة المطبوعة مختلفٌ قليلًا عمَّا نقله ابن تيمية رحمه الله.
والجواب: أنَّ هذا السَّائل النَّصـرانيَّ الذي ذكر عن المسلمين سؤالًا لا يقولونه، وعن علماء النَّصَارى جوابه، هو وهُم بَنَوْا كلامهم على أصلين فاسدين:
الأصل الأول: أنَّ الرسول ثبَّتَ ما معهم، ونفى عن كُتُبِهم التي بين أيديهم التُّهمَ والتَّبديلَ والتَّغييرَ لها.
ومقصودهم بذلك لا يَتمُّ إلا إذا نَفَى التَّبديلَ عن لفظها ومعناها، وهذا مما يَعلم كلُّ عاقلٍ أنَّ الرَّسول لَـمْ ينفِه عنها، بل النَّقل المتواتر عنه بنقيض ذلك.
وهم أيضًا وكلُّ عاقلٍ يعلم أنَّ الكتب التي بأيديهم في تفسيرها من الاختلاف والاضطراب بين فرق النَّصَارى، وبين النَّصَارى واليهود ما يوجب القطع بأنَّ كثيرًا من ذلك مُبدَّلٌ مُحرَّف، وكذلك وقع في تغيير شرائع هذه الكتب، فإنَّ الكتب تضمَّنت أصلين: الإخبارَ والأَمرَ. والإيمانُ بها لا يتمُّ إلا بتصديقها فيما أخبرت، وإيجابِ طاعتها فيما أوجبته.
وأهل الكتاب يُكذِّبون بكثيرٍ ممَّا أخبرتْ به، ولا يُوجِبُون طاعتها في كثيرٍ مما أوجبته وأمرتْ به، وكلُّ فرقةٍ منهم تشهد على الفرقة الأخرى بمثل ذلك.
والنَّصَارى لهم سبْعُ مجامِعَ مشهورةٍ عندهم، وهم في كلِّ مَجْمَعٍ يلعنون طائفةً منهم كبيرة ويُكَفِّرونهم، ويقولون عنهم: إنَّهم كذَّبوا ببعض ما في تلك الكتب ولَـمْ يُوجِبُوا طاعةَ بعضِ أمرها، وتلك الطائفة تشهد على الأخرى بأنَّها كذَّبتْ ببعض ما فيها، ثُمَّ فِرَقُهم الثَّلاثةُ المشهورةُ: النُّسْطُوريَّةُ، والملَكِيَّةُ، واليعقوبية، كلُّ طائفةٍ تُكَفِّر الأخرى وتلعنُها، وتشهد عليها أنَّها مُكذِّبةٌ ببعض ما في النُّبوَّات، غيرُ موجبةٍ لطاعة بعض ما فيها.
بل اختلافهم في نفس التَّوحيد والرِّسالة، يزعم كلُّ فريقٍ منهم أنَّ المسيح جاء بما هم عليه، والمسيح عليه السلام وجميع الرُّسُل بريئون من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعًا، وبريئون ممَّن يقول على الله غير الحقِّ، أو يقول على الله ما لا يَعلم، وبريئون مِن كل قولٍ باطلٍ يُقال على الله عز وجل، وإنْ كان قائله مخطئًا لَـمْ يتعمَّد الكذب، وفي مقالات النَّصَارى من هذه الأنواع ما يَطُول وصفه.
وإذا عرفتَ أنَّ جميع الطَّوائف من المسلمين واليهود والنَّصَارى؛ يشهدون أنَّه قد وقع في هذه الكتب تحريفٌ وتبديلٌ في معانيها وتفاسيرها وشرائعها، فهذا القَدْرُ كافٍ، وهم من حين بُعِثَ محمدٌ ﷺ صار كلُّ مَن لَـمْ يُؤمِن به كافرًا، بخلاف حال النَّصَارى قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ، فإنَّه كان فيهم مَنْ هو مُتَّبعٌ لدين المسيح.
والمسلمون -وإنْ كان فيهم مَن حرَّف الدين وبدَّله- فجمهورهم خالفُوا هؤلاء، فلا يزال فيهم طائفةٌ ظاهرةٌ على الحقِّ لا يضُـرُّهم من خالفهم وخذلهم حتى تقوم الساعة، بخلاف النَّصَارى؛ فإنَّهم كفروا جميعُهم، كما كفرتْ اليهود بتكذيب المسيح.
والمسلمون يُثبتون بالدَّلائل الكثيرة أنهم بدَّلوا معاني التَّوراة والإنجيل والزبور [وغيرها] من نبوَّات الأنبياء، وابتدعوا شرعًا لَـمْ يأتِ به المسيح ولا غيرُه ولا يقوله عاقل، مثل زعمهم: أن جميع بني آدم من الأنبياء والرُّسل وغيرهم كانوا في الجحيم في حبس الشيطان؛ لأجل أنَّ أباهم آدم أكل من الشجرة، وأنَّهم إنَّما تخلَّصوا مِن ذلك لَـمَّا صُلِب المسيح.
فإنَّ هذا الكلام لو نقله ناقلٌ عن بعض الأنبياء لقطعنا بكذِبه عليهم، فكيف وهذا الكلام ليس منقولًا عندهم عن أحدٍ من الأنبياء؟، وإنَّما ينقلونه عمَّن ليس قوله حجَّةً لازمة، فإنَّ كثيرًا من دينهم مأخوذٌ عن رؤوسهم الذين ليسوا بأنبياء، فإذا قطعنا بكَذِبِ مَن ينقُلُه عن الأنبياء فكيف إذا لم ينقله عنهم؟
الأصل الثاني الفاسد: ظنُّهُم أنَّ المسلمين يقولون: إنَّ هذه الكتب حُرِّفَتْ ألفاظُ جميع النُّسخ الموجودة منها بعد مبعث محمَّدٍ ﷺ.
[92]وهذا ممَّا لا يقوله المسلمون، ولكن قد يقول بعضهم: إنَّه حُرِّف بعد مبعث محمَّدٍ ﷺ ألفاظُ بعضِ النسخ، فإنَّ الجمهور الذين يقولون: إنَّ بعض ألفاظها حُرِّفَتْ؛ منهم من يقول: كان هذا قبل المبعث. ومنهم من يقول: كان بعده؛ ومنهم من يُثْبِتُ الأمرين أو يُجَوِّزهما، ولكن لا يقولون: إنَّه حُرِّفَت ألفاظُ جميع النسخ الموجودة في مشارق الأرض ومغاربها، كما حكاه هذا الحاكي عنهم، ولكن علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب متَّفقُون على وقوع التحريف في المعاني والتفسير، وإنْ كانتْ كلُّ طائفةٍ تزعم أنَّ الأخرى هي التي حرَّفت المعاني. تعليق جانبي/ تبديل ألفاظ الإنجيل.
وأمَّا ألفاظ الكُتُب؛ فقد ذهبتْ طائفة من علماء المسلمين إلى أنَّ ألفاظها لَـمْ تُبَدَّل، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكتاب، وذهب كثيرٌ من علماء المسلمين وأهل الكتاب إلى أنَّه بُدِّل بعضُ ألفاظها، وهذا مشهورٌ عن كثيرٍ من علماء المسلمين، وقاله أيضًا كثيرٌ من علماء أهل الكتاب، حتى في صَلْب المسيح ذهبتْ طائفةٌ من النَّصَارى إلى أنَّه إنَّما صُلِبَ الذي شُبِّهَ بالمسيح كما أخبر به القرآن، وإنَّ الذين أخبروا بصلبه كانوا قد أخبروا بظاهر الأمر، فإنَّه لَـمَّا أُلقِيَ شبهُهُ على المصلوب ظَنُّوا أنَّه هو المسيح، أو تعمَّدوا الكذب.
ثُمَّ هؤلاء منهم الذين يقولون: إنَّ في ألفاظ الكتب ما هو مُبَدَّل، فيهم من يجعل المبدَّل من التَّوراة والإنجيل كثيرًا منهما، وربما جعل بعضُهم المبدَّل أكثرَهما لا سيَّما الإنجيل؛ فإنَّ الطَّعن فيه أكثر وأظهر منه في التَّوراة. ومِن هؤلاء من يُسْـرِف حتى يقول: إنه لا حُرْمة لشيءٍ منهما، بل يجوز الاستنجاء بهما!
ومنهم من يقول: الذي بُدِّلتْ ألفاظُه قليلٌ منهما، وهذا أظهر. والتبديل في الإنجيل أظهر، بل كثيرٌ من الناس يقول: هذه الأناجيل ليس فيها من كلام الله إلا القليل، والإنجيل الذي هو كلام الله ليس هو هذه الأناجيل.
والصَّحيح أنَّ هذه التوراة والإنجيل الذي بأيدي أهل الكتاب فيها ما هو حكم الله، وإنْ كان قد بُدِّل وغُيِّرَ بعضُ ألفاظهما، لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ﴾ [المائدة: 41]، إلى قوله: ﴿وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 43]، فعُلمَ أنَّ التوراة التي كانت موجودةً بعد خراب بيت المقدس، وبعد مجيء بُخْتَنَصَّـر، وبعد مبعث المسيح، وبعد مبعث محمَّدٍ ﷺ؛ فيها حُكْم الله.
وكذلك في الإنجيل، قال تعالى: ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ﴾ [المائدة: 47]، فَعُلِمَ أنَّ في هذا الإنجيل حُكْمًا أنزله الله تعالى، لكنَّ الحكمَ هو من باب الأمر والنهي، وذلك لا يمنع أن يكون التغيير في باب الأخبار، وهو الذي وقع فيه التَّبديل لفظًا، وأما الأحكام التي في التَّوراة فما يكاد أحدٌ يدَّعي التبديل في ألفاظها.
وأيضًا؛ ففي التَّوراة والإنجيل ما دلَّ على نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، فإذا حَكَمَ أهلُ التَّوراة والإنجيل بما أنزل الله فيهما؛ حكَمُوا بما أوجبَ عليهم اتباع محمَّد ﷺ.
وهذا يدلُّ على أنَّ في التَّوراة والإنجيل ما يعلمون أنَّ الله أنزله؛ إذ لا يُؤْمَرون أنْ يحكُمُوا بما أنزل الله ولا يعلمون ما أنزل الله، والحكم إنَّما يكون في الأمر والنهي، والعلمُ ببعض معاني الكتب لا ينافي عدمَ العلم ببعضها.
وهذا متَّفقٌ عليه في المعاني؛ فإنَّ المسلمين واليهود والنَّصَارى متَّفقون على أنَّ في الكتب الإلهيَّة الأمرَ بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنَّه أَرْسَل إلى الخلق رُسُلًا من البشـر، وأنَّه أَوْجَب العدل، وحرَّمَ الظُّلم والفواحش والشِّـرْك، وأمثالَ ذلك من الشَّـرائع الكُلِّية، وأنَّ فيها الوعد بالثَّواب، والوعيد بالعقاب، بل هم متَّفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها، واختلفوا في تفسير ذلك، كما اختلفت اليهود والنَّصَارى في المسيح المبَـشَّرِ به في النبوَّات، هل هو المسيح ابن مريم عليه السلام، أو مسيحٌ آخر ينتظر؟
والمسلمون يعلمون أن الصَّواب في هذا مع النَّصَارى، لكن لا يوافقونهم على ما أحدثوا فيه من الإفك والشِّرْك.
وكذلك يُقال: إذا بُدِّل قليلٌ من ألفاظها الخبريَّة لم يمنع ذلك أن يكون أكثر ألفاظها لَـمْ يُبَدَّلْ، لا سيما إذا كان في نفس الكتاب ما يدلُّ على المبدَّل.
وقد يقال: إنَّ ما بُدِّل من ألفاظ التَّوراة والإنجيل، ففي نفس التَّوراة والإنجيل ما يدلُّ على تبديله.
فبهذا يحصُلُ الجواب عن شُبْهة من يقول: إنَّه لَـمْ يُبَدَّل شيءٌ من ألفاظها، فإنَّهم يقولون: إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التَّوراة والإنجيل قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ، لَـمْ يُعلم الحقُّ من الباطل؛ فسقط الاحتجاج بهما، ووجوبُ العمل بهما على أهل الكتاب؛ فلا يُذَمُّون حينئذٍ على ترك اتِّباعهما، والقرآنُ قد ذمَّهم على ترك الحكم بما فيهما، واستشهد بهما في مواضع.
وجواب ذلك: أنَّ ما وقع من التَّبديل قليل، والأكثر لَـمْ يُبدَّل، والذي لَـمْ يبدَّل فيه ألفاظٌ صريحةٌ بيِّنةٌ بالمقصود تُبيِّن غلط ما خالفها، ولها شواهد ونظائر متعدِّدةٌ يُصَدِّق بعضُها بعضًا، بخلاف المبدَّل: فإنَّه ألفاظٌ قليلة، وسائر نصوص الكتب يناقضها، وصار هذا بمنزلة كتب الحديث المنقولة عن النَّبيِّ ﷺ؛ فإنَّه إذا وقع في «سنن أبي داود» و«الترمذي» أو غيرِهما أحاديثُ قليلةٌ ضعيفةٌ، كان في الأحاديث الصَّحيحة الثابتة عن النبيِّ ﷺ ما يُبيِّن ضعف تلك.
فكذلك إذا قيل: إنه وقع تبديل في بعض ألفاظ الكتب المتقدِّمة كان في الكتب ما يُبيِّنُ ذلك الغلط، وقد قدَّمنا أنَّ المسلمين لا يدَّعُون أنَّ كلَّ نسخةٍ في العالم من زمن محمَّدٍ ﷺ بكلِّ لسانٍ من التَّوراة والإنجيل والزَّبور: بُدِّلت ألفاظها، فإنَّ هذا لا أعرف أحدًا من السَّلف قاله، وإن كان من المتأخِّرين من قد يقول ذلك، كما في بعض المتأخِّرين من يُجوِّز الاستنجاء بكل ما في العالَـم من نسخ التَّوراة والإنجيل، فليست هذه الأقوال ونحوُها من أقوال سلف الأمة وأئمَّتِها.
وعمرُ بن الخطاب رضي الله عنه لَـمَّا رأى بيد كعبِ الأحبار نسخةً من التَّوراة قال: (يا كعب إنْ كُنْتَ تعلم أنَّ هذه هي التَّوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران؛ فاقرأها)([93]). فعلَّق الأمر على ما يمتنع العلم به، ولم يجزم عمر رضي الله عنه بأنَّ ألفاظ تلك مُبدَّلةٌ لَـمَّا لَـمْ يتأمَّل كلَّ ما فيها. () أخرجه مالك في "الموطأ" (1/108)، وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (3/950)، وانظر: التمهيد لابن عبدالبر (14/387)، تفسير القرطبي (4/51).
والقرآن والسُّنة المتواترة يدُلَّان على أنَّ التَّوراةَ والإنجيل الموجودَيْنِ في زمن النَّبيِّ ﷺ فيها ما أنزله الله عز وجل. والجزم بتبديل ذلك في جميع النُسَّخ التي في العالم متعذِّر، ولا حاجة بنا إلى ذكره، ولا عِلْمَ لنا بذلك، ولا يمكن أحدًا من أهل الكتاب أن يدَّعيَ أن كلَّ نسخةٍ في العالم بجميع الألسنة من الكتب متَّفقةٌ على لفظٍ واحد، فإنَّ هذا ممَّا لا يمكن أحدًا من البشر أنْ يعرفه باختباره وامتحانه، وإنَّما يُعْلَم مثلُ هذا بالوحي، وإلا فلا يمكن أحدًا من البشـر أن يُقَابل كلَّ نسخةٍ موجودةٍ في العالم بكلِّ نسخةٍ من جميع الألْسِنة بالكتب الأربعة والعشـرين، وقد رأيناها مختلفةً في الألفاظ اختلافًا بيِّـنًا.
فحينئذ فقولهم: (إنَّا نعجب من هؤلاء القوم على علمهم وذكائهم ومعرفتهم، كيف يحتجُّون علينا بمثل هذا القول؟ وذلك أنَّا أيضًا إذا قلنا واحتججنا عليهم بمثل هذا القول: إنَّ الكتاب الذي بأيديهم يومَنا هذا قد غيروه، وبدَّلوه، وكتبوا فيه ما أرادوا واشتهوا، هل كانوا يجوِّزون كلامنا؟
قال الحاكي عنهم: فقلت لهم: هذا ما لا يجوز ولا يمكن لأحدٍ أن يقوله، ولا يمكن تغييرُه، ولا تبديل حرفٍ واحدٍ منه.
فقالوا: سبحان الله العظيم! إذا كان الكتاب الذي لهم، الذي هو باللِّسان الواحد لا يمكن تبديلُه، ولا تغييرُ حرفٍ واحدٍ منه، فكيف يمكن تغييرُ كتبنا التي هي مكتوبةٌ باثنين وسبعين لسانا؟ وفي كلِّ لسانٍ منها كذا وكذا ألفِ مصحف، وجاز عليها إلى مجيء محمَّدٍ أكثر من سِتِّمئة سنة، وصارت في أيدي الناس يقرؤونها باختلاف ألسنتهم على تشاسُع بلدانهم.
فمن الذي تكلَّم باثنين وسبعين لسانًا؟ ومن هو الذي حكم على الدنيا جميعِها؛ ملوكِها، وقساقِسَتِها، وعلمائِها، حتى حكم على جميعها في أقطار الأرض، وجمعها في أربع زوايا العالـم حتى يُغيِّرها؟
وإن كان غيَّر بعضَها وترك بعضَها، فهذا لا يمكن أن يكون؛ لأن كلَّها قولٌ واحدٌ، ولفظٌ واحد في جميع الألسُن، فهذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله أبدًا)([94]). () لم أجد هذه التكملة في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة بين أيدينا، فلعلها سقطت منها، وانظر بداية الكلام في الرسالة نفسها (ص415-416).
[فهذا] الكلام منهم يدُلُّ على غاية جهلهم بما يقوله المسلمون في كتبهم، وتَبَيَّن أنَّهم -لفرط جهلهم- يظنُّون أنَّ المسلمين يقولون مقالةً لا يخفى فسادُها على مَن له أدنى عقلٍ ومعرفة.
والمسلمون فلا يشكُّ أحدٌ من الأمم أنهم أعظم الأمم عقولًا وأفهامًا، وأتمّهم معرفةً وبيانًا، وأحسنُ قصدًا وديانةً وتحرِّيًا للصِّدق والعدل، وأنَّهم لم يحصل في النَّوع الإنسانيِّ أمَّةٌ أكملُ منهم، ولا ناموسٌ أكملُ من النَّاموس الذي جاء به نبيُّهم محمَّدٌ ﷺ، وحُذَّاقُ الفلاسفة معترفون لهم بذلك، وأنه لم يقْرع العالمَ ناموسٌ أكملُ من هذا النَّاموس.
وقد جمع الله للمسلمين جميعَ طرقِ المعارف الإنسانيَّةِ وأنواعها، فإنَّ النَّاس نوعان: أهل كتاب، وغير أهل كتاب كالفلاسفة والهند.
والعلم ينال بالحسِّ والعقل وما يحصل بهما، وبوحي الله إلى أنبيائه الذي هو خارجٌ عمَّا يشترك فيه الناس من الحسِّ والعقل.
ولهذا قيل: الطرق العلمية: البصـر والنظر والخبر. الحس والعقل والوحي. الحس والقياس والنبوة.
فأهل الكتاب امتازوا عن غيرهم بما جاءهم من النُّبوَّة، مع مشاركتهم لغيرهم فيما يشترك فيه النَّاس من العلوم الحسِّيَّة والعقليَّة.
والمسلمون حصل لهم من العلوم النبويَّةِ والعقليَّةِ ما كان للأمم قبلهم، وامتازوا عنهم بما لا تعرفه الأمم. وما اتَّصل إليهم من عقليَّات الأمم هذَّبوه لفظًا ومعنًى حتى صار أحسنَ ممَّا كان عندهم، ونفوْا عنه من الباطل وضمُّوا إليه من الحقِّ ما امتازوا به على من سواهم.
وكذلك العلوم النبويَّة أعطاهم الله منها ما لم يعطه أمَّةً قبلهم، وهذا ظاهرٌ لمن تدبَّر القرآنَ مع تدبُّر التَّوراة والإنجيل؛ فإنَّه يجد من فضل علم القرآن ما لا يخفى إلا على العُمْيان.
فكيف يُظَنُّ مع هذا بالمسلمين أن يخفى عليهم فسادُ هذا الكلام الذي ظنَّه بهم هؤلاء الجُهَّال.
[ويُجاب على ما ذكروه من وجوه]:
[95]الوجه الأول: أنَّ المسلمين لَـمْ يدَّعُوا أنَّ هذه الكتبَ حُرِّفت بعد انتشارها وكَثْرة النُسَّخ بها، ولكنَّ جميعَهم متَّفِقون على وقوع التَّبديل والتغيير في كثيرٍ من معانيها، وكثيرٍ من أحكامها. تعليق جانبي/ اتفاق المسلمين على وقوع التبديل والتحريف في التوراة والإنجيل
وهذا ممَّا تُسَلِّمه النَّصَارى جميعُهم في التَّوراة والنُّبوَّات المتقدِّمة، فإنَّهم يُسَلِّمُون أنَّ اليهود بدَّلُوا كثيرًا من معانيها وأحكامها.
ومما تُسَلِّمه النَّصَارى في فرقهم، فإنَّ كلَّ فرقةٍ تخالف الأخرى فيما تفسِّـر به الكتبَ المتقدِّمة، وتُسَلِّمه اليهود، فإنَّهم متَّفِقون على أنَّ النَّصَارى تُفَسِّـر التَّوراة والنُّبوَّات المتقدِّمة على الإنجيل بما يخالف معانيها، وأنَّها بَدَّلت أحكامَ التَّوراة، فصار تبديل كثيرٍ من معاني الكتب المتقدِّمة متَّفقًا عليه بين المسلمين واليهود والنَّصَارى.
وأما تغييرُ بعضِ ألفاظها ففيه نزاعٌ بين المسلمين، والصواب الذي عليه الجمهور: أنَّه بُدِّل بعضُ ألفاظها، كما ذُكِر ذلك في مواضعه.
[96]44653204762500الوجه الثاني: أنَّ قياسَهم كتبَهم على القرآن، وأنَّه كما لا تُسْمَع دعوى التبديل فيه فكذلك في كتبهم؛ قياسٌ باطلٌ في معناه ولفظِه. تعليق جانبي/ بطلان قياس النصارى القرآن على كتابهم في وقوع التبديل والتحريف
فإنَّ ما أجمع المسلمون عليه من دينهم إجماعًا ظاهرًا معروفًا عندهم فهو منقولٌ عن الرَّسول نقلًا متواترًا، بل معلومًا بالاضطرار من دينه، فإنَّ الصَّلوات الخمس والزكاةَ وصيامَ شهر رمضان وحجَّ البيت العتيق، ووجوبَ العدل والصِّدقِ. وتحريمَ الشِّـرْك والفواحشِ والظُّلمِ، بل وتحريمَ الخمر والميسـر والرِّبا وغير ذلك، منقولٌ عن النَّبيِّ ﷺ نقلًا متواترًا كنقل ألفاظ القرآن الدَّالَّة على ذلك.
فالمسلمون عندهم نقلٌ متواترٌ عن نبيِّهم بألفاظ القرآن ومعانيه المتَّفق عليها، وبالسُّنة المتواترة عنه، مثلُ: كون الظهر والعصـر والعشاء أربعًا، وكونُ المغرب ثلاثَ ركعات، وكون الصُّبْح ركعتين، ومثل: الجهر في العشاءَين والفجر، والمخافتةِ في الظُّهر والعَصْـر، ومثلُ: كونِ الرَّكعة فيها سجدتان، وكونِ الطَّواف بالبيت وبين الصَّفا والمروة سبعًا، ورمي الجمرات كلُّ واحدةٍ سبعُ حصيات، وأمثال ذلك.
وأيضًا: فالمسلمون يحفظون القرآن في صدورهم حفظًا يستغنون به عن المصاحف، كما ثبت في [الصَّحيح] عن النبي ﷺ أنَّه قال: (إنَّ رَبِّي قال لي: إنِّي مُنَـزِّلٌ عَلَيْكَ كتابًا لا يَغْسِلُه الماء، تَقْرَؤُهُ نَائِـمًا ويَقْظَانَ)([97]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2865).
يقول: ولو غُسِلَ بالماء من المصاحف لم يُغْسَل من القلوب كالكتب المتقدِّمة؛ فإنَّه لو عُدِمت نُسَخُها؛ لَـمْ يوجد من ينقلها نقلًا متواترًا محفوظةً في الصُّدور.
والقرآن ما زال محفوظًا في الصُّدور نقلًا متواترًا، حتى لو أراد مريدٌ أن يُغيِّر شيئًا من المصاحف، وعَرض ذلك على صِبْيان المسلمين؛ لَعرَفُوا أنَّه قد غَيَّر المصحفَ -لحفظهم للقرآن من غير أن يُقَابِلُوه بمصحف-، وأنكروا ذلك.
وأهل الكتاب يقْدِر الإنسان أنْ يكتب نُسَخًا كثيرةً بالتوراة والإنجيل، ويُغَيِّرَ بعضَها، ويعرضَها على كثيرٍ من علمائهم، ولا يعرفون ما غُيِّر منها، إنْ لَـمْ يَعْرضُوه على النُّسَخ التي عندهم؛ ولهذا لَـمَّا غُيِّر مِن نسخ التَّوراة؛ راجَ ذلك على طوائف منهم، ولَـمْ يعلموا التَّغْيِير.
وأيضًا: فالمسلون لهم الأسانيد المتَّصلة بنقل العدول الثقات لدقيق الدين، كما نقلَ العامَّةُ جليلَه، وليس هذا لأهل الكتاب.
وأيضًا: فما ذكروه من أنَّ كتبهم مكتوبةٌ باثنين وسبعين لسانًا هو أقرب إلى التَّغْيير من الكتاب الواحد باللُّغة الواحدة؛ فإنَّ هذا مما يحفظه الخلق الكثير فلا يقدر أحدٌ أن يغيِّره.
وأما الكتب المكتوبة باثنين وسبعين لسانًا، فإذا قُدِّرَ أن بعض النُّسخ الموجودة ببعض الألسنة غُيِّرَ بعضُ ما فيها، لـم يعلم بذلك سائر أهل الألسُن الباقية، بل ولم يعلم بذلك سائرُ أهل النُّسَخ الأُخَر، فالتغيير فيها ممكنٌ كما يمكن في نظائر ذلك.
وما ادَّعوه مِن تعذُّر جمْعِ جميع النُّسَخ هو حجّةٌ عليهم، فإن ذلك إذا كان متعذِّرًا لم يمكن الجزم باتفاق جميع النسخ لواحد، حتى يشهد بأنها كلَّها متَّفقةٌ لفظًا ومعنًى، بل إمكان التَّغْيير فيها أيسر من إمكان الشَّهادة باتفاقها.
ولهذا لا يمكن أحدًا تغيير القرآن، مع كونه محفوظًا في القلوب منقولًا بالتَّواتر، مع أنَّا لا نشهد لجميع المصاحف بالاتفاق، بل قد يقع في بعض نسخ المصاحف ما هو غلطٌ يعلمه حفَّاظ القرآن، ولا يحتاجون إلى اعتبار ذلك بمصحفٍ آخر.
وتلك الكتب لا يحفظ كلًّا منها قومٌ من أهل التَّواتر حتى تُعتَبر النُّسَخ بها، ولكن لَـمَّا كان الأنبياء عليهم السلام فيهم موجودين، كانوا هم المرجع للنَّاس فيما يعتمدون عليه إذا غَيَّر بعضُ الناس شيئًا من الكتب، فلمَّا انقطعت النبوَّة فيهم؛ أسرع فيهم التغيير.
فلهذا بدَّل كثيرٌ من النَّصَارى كثيرًا من دين المسيح عليه السلام بعد رفعه بقليلٍ من الزمان، وصاروا يُبَدِّلون شيئًا بعد شيء، وتبقَّى فيهم طائفةٌ مُتمَسِّكَةٌ بدين الحقِّ إلى أنْ بَعَثَ الله محمَّدًا ﷺ.
وقد بقي من أولئك الذين على الحقِّ طائفةٌ قليلة، كما في الحديث الصَّحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه»، عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي ﷺ أنَّه قال: (إنَّ الله نَظَرَ إلى أهْلِ الأرْضِ فمَقَتَهم عَربَهُم وعجَمَهُم إلا بقَايَا مِنْ أهْلِ الكِتَابِ)([98]) ماتوا قبيل مبعثه ﷺ. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2865).
وقد أدرك سلمانُ الفارسي -وكان قد تنصَّر بعد أن كان مجوسيًّا- طائفةً ممن كانوا متَّبعين لدين المسيح عليه السلام، واحد بالموصل، وآخَرُ بنَصيبِين، وآخرُ بعَمُّوريِّة، وكل منهم يخبره بأنَّه لَـمْ يبْق على دين المسيح عليه السلام إلا قليل، إلى أن قال له آخرهم: [لَـمْ يبقَ عليه أحد]، وأخبره أنه يُبْعَث نبيٌّ بدين إبراهيم من جهة الحجاز، فكان ذلك سببَ هجرة سلمانَ إليه وإيمانه به([99]). () انظر: سيرة ابن إسحاق (1/87-91).
فالدِّين الذي اجتمع عليه المسلمون اجتماعًا ظاهرًا معلومًا، هو منقولٌ عن نبيِّهم نقلًا متواترًا، نقلوا القرآن ونقلوا سنَّتَه، وسنَّتُه مفسِّرةٌ للقرآن مبيِّنةٌ له، كما قال تعالى له: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ [النحل: 44]، فبَيَّنَ ما أنزل اللهُ لفظَه ومعناه، فصار معاني القرآن التي اتَّفق عليها المسلمون اتفاقًا ظاهرًا ممَّا توارثته الأمَّة عن نبيِّها، كما توارثت عنه ألفاظ القرآن.
فلم يكن -ولله الحمد- فيما اتَّفقت عليه الأمَّة شيءٌ محرَّفٌ مبدَّلٌ من المعاني، فكيف بألفاظ تلك المعاني؟ فإنَّ نقْلها والاتفاقَ عليها أظهر منه في [المعاني]([100])، فكان الدِّين الظاهرُ للمسلمين الذي اتَّفقوا عليه مما نقلوه عن نبيِّهم -لفظه ومعناه- فلم يكن فيه تحريفٌ ولا تبديل، لا للَّفظ ولا للمعنى، بخلاف التوراة والإنجيل فإنَّ من ألفاظها ما بَدَّل معانيَه وأحكامه اليهودُ والنَّصَارى، أو مجموعُهما تبديلًا ظاهرًا مشهورًا في عامَّتهم، كما بدَّلت اليهودُ ما في الكتب المتقدِّمة مِن البشارة بالمسيح ومحمَّدٍ ﷺ، وكما بدَّلت النَّصَارى كثيرًا مما في التَّوراة والنبوَّات من الأخبار والشَّـرائع التي لَـم يُغيِّرها المسيح، فإنَّ ما نسَخَه الله على لسان المسيح من التَّوراة يجب اتباعُ المسيح فيه، وأمَّا ما بُدِّل بعد المسيح، مثل: استحلال لحم الخنزير، وغيره مما حرَّمه الله ولَـمْ يُبِحْهُ المسيح، ومثلُ: إسقاط الخِتان، ومثلُ الصَّلاة إلى الشَّـرْق، واتخاذِ الصُّور في الكنائس، وتعظيم الصَّليب، واتِّباع الرَّهْبانيَّة، فإنَّ هذه كلَّها شرائعُ لَـمْ يشـرعها نبيٌّ من الأنبياء -لا المسيحُ ولا غيرُه-، خالفوا بها -69151588201500شرع الله الذي بَعَثَ به الأنبياء من غير أن يشرعها الله على لسان نبي. () في الأصل المحقق: [الألفاظ] انظر: الجواب الصحيح (2/67)، وهو خطأ ظاهر.
[101]الوجه الثالث: أنَّ القرآن قد ثبَتَ بالنَّقل المتواتر المعلوم بالضَّـرورة للموافق والمخالف أنَّ محمدًا ﷺ كان يقول: إنَّه كلامُ الله لا كلامُهُ، وإنَّه مُبَلِّغ له عن الله، وكان يُفرِّق بين القرآن وبين ما يتكلَّم به من السُّنة، وإن كان ذلك ممَّا يجب اتِّباعه فيه تصديقًا وعملًا؛ فإنَّ الله أنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلَّم أمَّتَهُ الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ [آل عمران: 164]. وقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ﴾ [البقرة: 231]، وقال النَّبيُّ ﷺ: (ألا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ ومثْلَه مَعَهُ)([102])، فكان يُعَلِّمُ أمَّتَه الكتاب، وهو القرآن العزيز الذي أخبرهم أنَّه كلامُ الله لا كلامُه، وهو الذي قال عنه: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ [الإسراء: 88]. تعليق جانبي/ القرآن نُقلَتْ ألفاظه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر بخلاف الإنجيل () أخرجه أبو داود في "سننه" برقم: (4604)، وأحمد في "مسنده" برقم: (17447).
[فالقرآن] تلقَّتْهُ الأمَّةُ منه حفظًا في حياته، وحَفِظَ القرآن جميعَه في حياته غيرُ واحدٍ من أصحابه، وما من الصَّحابة إلا من حَفِظَ بعضه، وكان يحفظ بعضهم ما لا يحفظه الآخر، فهو جميعه منقول سماعًا منه بالنَّقْل المتواتر، وهو يقول: إنَّه مُبَلِّغٌ له عن الله، وهو كلام الله لا كلامُه.
وأمَّا الإنجيل الذي بأيدي النَّصَارى، فهي أربعة أناجيل: إنجيل متَّى، ويوحنَّا، ولوقا، ومرقس، وهم متَّفقون على أنَّ لوقا ومرقس لَـمْ يَريَا المسيح، وإنَّما رآه متَّى ويوحنَّا، وأنَّ هذه المقالات الأربعة التي يُسَمُّونها الإنجيل -وقد يسمُّون كلَّ واحدٍ: إنجيلًا- إنَّما كتبها هؤلاء بعد أن رُفِع المسيح، فلم يذكروا فيها أنَّها كلامُ الله، ولا أنَّ المسيحَ بلَّغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته.
وذكروا أنَّهم لَـمْ ينقلوا كلَّ ما سمعوه منه ورأوه، فكانت مِن جِنْس ما يرويه أهل الحديث والسِّيَر والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنًا.
وما قاله المسيح عليه السلام فهو مبلِّغٌ له عن الله، يجب فيه تصديقُ خبره وطاعةُ أمره كما قاله الرسول من السُّنة، فهو يشبه ما قاله الرسول من السُّنة.
فإنَّ منها: ما يذكر الرسول أنه قول الله، كقوله: يقول الله تعالى: (مَنْ عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذنْتُه بالحَرْبِ)([103]) ونحو ذلك. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6502).
ومنها: ما يقوله هو، ولكن هو أيضًا ممَّا أوحاه الله إليه، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فهكذا ما يُنقَلُ في الإنجيل هو من هذا النَّوع، فإنَّه وإن كان أمرًا من المسيح، فأمْرُ المسيح أمرُ الله، ومن أطاع المسيح فقد أطاع الله. وما أخبر به المسيحُ عن الغيب فاللهُ أخبره به، فإنه معصومٌ أن يَكْذِبَ فيما يخبِرُ به.
وإذا كان الإنجيل يشبه السُّنَّة المنـزلة، فإنه قد يقع في بعض ألفاظها غلط كما يقع في كتاب السِّيرة، و«سننِ أبي داود»، و[التِّرمذي]، و[ابن ماجه].
ثُمَّ هذه الكتب قد اشتهرت واستفاضت بين المسلمين فلا يمكن أحدٌ -بعد اشتهارها وكثرة النُّسَخ بها- أن يُبَدِّلها كلَّها، لكن في بعض ألفاظها غلطٌ وقع فيها قبل أن تشتهر، فإنَّ المحدِّث -وإن كان عدلًا- فقد يغلط، لكن ما تلقَّاه المسلمون بالقبول، والتَّصديق، والعمل من الأخبار فهو مما يجزم جُمْهورُ المسلمين بصدْقِه عن نبيِّهم، هذا مذهب السَّلف، وعامَّة الطَّوائف، كجمهور الطَّوائف الأربعة، وجمهور أهل الكلام من الكُلَّابية والكَرَّاميَّة والأشعريَّة، وغيرهم.
والمقصود هنا: أنَّ المسلمين تواتر عندهم عن نبيِّهم ألفاظُ القرآن ومعانيه المجمع عليها والسُّنَّةُ المتواترة. وعندهم عن نبيِّهم أخبارٌ كثيرةٌ معلومةُ الصِّدق بطرقٍ متنوعة، كتصديق الأمَّة المعصومة ودلالةِ العادات، وغير ذلك، وهم يحفظون القرآن في صدورهم، لا يحتاجون في حفظه إلى كتابٍ مسطور، فلو عُدِمت المصاحفُ من الأرض لم يقدح ذلك فيما حفظوه.
بخلاف أهل الكتاب؛ فإنه لو عُدمت نُسَخ الكتب لم يكن عندهم به نقلٌ متواترٌ بألفاظها؛ إذ لا يحفظها -إن حفظها- إلا قليلٌ لا يوثَقُ بحفظهم؛ فلهذا كان أهل الكتاب بعد انقطاع النُّبوَّة عنهم يقع فيهم من تبديل الكتب، إمَّا تبديل بعض معانيها وأحكامها، وإما تبديل بعض ألفاظها ما لم يقوموا بتقويمه؛ ولهذا لا يوجد فيهم الإسناد الذي للمسلمين، ولا لهم كلامٌ في نَقَلَة العلم، وتعديلِهم وجرحِهم، ومعرفةِ أحوال نَقَلَة العلم ما للمسلمين، ولا قام دليلٌ سمعيٌّ ولا عقليٌّ على أنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ على خطأ، بل قد عُلم أنَّهم اجتمعوا على الخطأ لَـمَّا كذَّبوا المسيح، ثُمَّ كذَّبوا محمَّدًا ﷺ.
فإذا كانت الكتب المنقولة عن الأنبياء من جنس الكتب المنقولة عن محمَّدٍ، ولم تكن متواترةً عنهم، ولم يكن تصديقُ غير المعصوم حجَّة؛ لَـمْ يكن عندهم من العلم بالتمييز بين الصِّدق والكذب ما عند المسلمين.
فهذه الأناجيل التي بأيدي النَّصَارى من هذا الجنس، فيها شيءٌ كثيرٌ من أقوال المسيح وأفعاله ومعجزاته، وفيها ما هو غلطٌ عليه بلا شك، والذي كتبها في الأوَّل إذا لم يكن ممَّن يُتَّهم بتعمُّد الكذب؛ فإن الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة لا يمتنع وقوعُ الغلط والنسيان منهم، لا سيَّما ما سمعه الإنسان ورآه ثم حدَّث به بعد سنينَ كثيرة، فإنَّ الغلط في مثل هذا كثير، ولم يكن هناك أمَّةٌ معصومةٌ يكون تلقيها لها([104]) بالقبول والتصديق موجبًا للعلم بها، لئلا تجتمع الأمَّةُ المعصومة على الخطأ، والحواريُّون كلهم اثنا عشر رجلًا. () أي: الأناجيل.
وقصَّة الصَّلب ممَّا وقع فيها الاشتباه، وقد قام الدَّليل على أن المصلوب لم يكن هو المسيح عليه السلام بل شبهه، وهم ظنوا أنه المسيح، والحواريُّون لم يَر أحدٌ منهم المسيحَ مصلوبًا، بل أخبرهم بصَلْبه بعضُ مَن شهد ذلك من اليهود.
فبعض الناس يقول: إن أولئك تعمَّدوا الكذب، وأكثر الناس يقول: اشتبه عليهم، ولهذا كان جمهور المسلمين يقولون في قوله: ﴿وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ﴾ [النساء: 157] عن أولئك، ومن قال بالأول([105]) جعل الضمير في ﴿ ﭾ ﭿ﴾ عن السَّامعين لخبر أولئك، فإذا جاز أن يغلطوا في هذا، ولم يكونوا معصومين في نقله؛ جاز أن يَغلطوا في بعض ما ينقلونه عنه، وليس هذا مما يقدح في رسالة المسيح، ولا فيما تواتر نقْلُه عنه بأنه رسولُ الله الذي يجب اتباعه، سواء صُلِبَ أو لم يُصْلَبْ، وما تواتر عنه فإنه يجب الإيمان به، سواء صُلِبَ أو لم يُصْلَبْ. () أي: أنَّهم تعمَّدوا الكذب.
والحواريون مصدَّقون فيما ينقلونه عنه، لا يُتَّهَمُون بتعمُّد الكذب عليه، لكن إذا غلط بعضهم في بعض ما ينقله لَـمْ يمنع ذلك أن يكون غيره معلومًا، لا سيَّما إذا كان ذلك الذي غلط فيه مما تبيَّن غلطُه فيه في مواضعَ أخر.
وقد اختلف النَّصَارى في عامَّة ما وقع فيه الغلط، حتّى في الصَّلْب، فمنهم من يقول: المصْلوب لَـمْ يكن المسيح، بل الشَّبَه كما يقوله المسلمون، ومنهم من: يُقِرُّ بعبوديَّته لله وينكر الحلولَ والاتِّحاد كالأريوسيَّة، ومنهم من: ينكر الاتِّحاد وإن أقرَّ بالحُلول كالنُّسطورية.
وأما الشَّرائع التي هم عليها، فعلماؤهم يعلمون أن أكثرها ليس عن المسيح عليه السلام، فالمسيح لم يشـرع لهم الصَّلاة إلى المشـرق، ولا الصِّيام الخمسين، ولا جعَلَه في زمن الرَّبيع، ولا عيدَ الميلاد والغِطَّاس وعيد الصَّليب، وغير ذلك من أعيادهم، بل أكثر ذلك مما ابتدعوه بعد الحواريين، مثل: عيد الصَّليب؛ فإنَّه ممَّا ابتدعتْه هيْلانة الحرَّانيَّة أمُّ قُسْطَنطين.
وفي زمن قُسْطَنطين غيَّروا كثيرًا من دين المسيح -العقائد والشـرائع-، فابتدعوا «الأمانة» التي هي عقيدة إيمانهم، وهي عقيدةٌ لَـمْ ينطِقْ بها شيءٌ من كتب الأنبياء التي هي عندهم، ولا هي منقولةٌ عن أحدٍ من الأنبياء، ولا عن أحدٍ من الحواريِّين الذين صَحِبُوا المسيح، بل ابتدعها لهم طائفةٌ من أكابرهم، قالوا: كانوا ثلاثَمئةٍ وثمانيةَ عشـر، واستندوا في ذلك إلى ألفاظٍ متشابهة في الكتب، وفي الكتب: ألفاظٌ محكمةٌ تناقض ما ذكروه.
وكذلك عامَّة شرائِعهم التي وضعوها في كتاب «القانون»، بعضها منقولٌ عن الأنبياء، وبعضها منقولٌ عن الحواريِّين، وكثيرٌ منها مما ابتدعوه ليست منقولةً عن أحدٍ من الأنبياء ولا عن الحواريين، وهم يُجَوِّزون لأكابر أهل العلم والدِّين أن يُغَيِّروا ما رأوه من الشَّـرَائع ويضعوا شرعًا جديدًا؛ فلهذا كان أكثرُ شرعهم مبتدعًا، لَـمْ يَنْزِل به كتاب ولا شرَعَه نبيٌّ.
وأما قولهم: «كيف يمكن تغييرُ كتبنا التي هي مكتوبةٌ باثنين وسبعين لسانًا، وفي كل لسانٍ منها كذا وكذا ألفِ مصحف، ومضـى عليها إلى مجيء محمَّدٍ أكثر من ستِّمِئة سنة» ؟
فيقال: أما بعد انتشارها هذا الانتشار فلم يقُل المسلمون، بل ولا طائفةٌ معروفةٌ منهم: إن ألفاظ جميعِ كلِّ نسخةٍ في العالم غُيِّـرَت، لكنَّ جمهورَ المسلمين الذين يقولون: إنَّ في ألفاظها ما غُيِّر، إنَّما يدَّعون تغييرَ بعضِ ألفاظها قبل المبعث، أو تغييرَ بعضِ النُّسَخ بعد المبعث، لا تغيير جميع النُّسَخ، فبعض الناس يقول: إنَّ ذلك التغيير وقع في أوَّلِ الأمر، ويقول بعضهم: إن منها ما غُيِّر بعد مبعث محمَّدٍ ﷺ، ولا يقولون: إنه غُيِّر كلُّ نسخةٍ في العالم، بل يقولون: غُيِّر بعضُ النُّسَخ دون البعض، وظهر عند كثيرٍ من النَّاس النُّسخُ المبدَّلة دون التي لَـمْ تُبَدَّل، والنسخ التي لَـمْ تُبدَّل هي موجودةٌ عند بعض الناس.
ومعلومٌ أنَّ هذا لا يمكن نفيه؛ فإنَّه لا يمكن أحدًا أن يعلم أنَّ كلَّ نسخةٍ في العالـم بكلِّ لسانٍ مطابقٌ لفظُها سائرَ النُّسخ بسائر الألسنة، إلا مَن أحاط عِلْمًا بذلك، وهم قد سلَّموا أنَّ أحدًا لا يمكنه ذلك.
وأما مَن ذَكَر أن التَّغْيير وقع في أوَّل الأمر، فهم يقولون: إنَّما أُخُذِت الأناجيل عن أربعة: اثنان منهم لَـم يريا المسيح، بل إنَّما رآه اثنان مِن نَقَلَة الإنجيل: متَّى، ويوحنَّا. ومعلومٌ إمكانُ التَّغيير في مثل ذلك.
وأما قولهم: «إنها مكتوبة باثنين وسبعين لسانًا»؛ فمعلومٌ باتِّفاق النَّصَارى أنَّ المسيح لَـمْ يكن يتكلَّم إلا بالعِبْرية كسائر أنبياء بني إسرائيل، وأنَّه كان مختونًا، خُتِن بعد السابع كما يخْتَتِن بنو إسرائيل، وأنَّه كان يُصَلِّي إلى قبلتهم، لَـمْ يكن يُصَلِّي إلى الشـرق، ولا أَمَرَ بالصَّلاة إلى الشَّرق.
ومَن قال: إن لسانه كان سُريانيًّا كما يظنُّه بعض الناس فهو غالط، فالكلام المنقول عنه في الأناجيل إنَّما تكلَّم به عِبْريًا، ثم تُرْجِمَ من تلك اللغة إلى غيرها.
والتَّرجمة يقع فيها الغلط كثيرًا، كما وجدنا في زماننا [من يُتـرْجِمُ] التَّوراة مِن العِبْريَّة إلى العربيَّة، ويَظْهَر في التَّرجمة من الغلط ما يشهد به الحُذَّاق الصَّادقون ممَّن يعرف اللُّغتين.
والنَّصَارى يقولون: إنَّما كُتِبَت بأربع لغات: بالعِبْريَّة، والرُّوميَّة، واليونانيَّة، والسُّريانيَّة.
وأما قولهم: «إنَّها كتبت باثنين وسبعين لغة» فهذا إن كان صحيحًا فإنَّما كُتِبَتْ بعد أن كُتِبَتْ تلك الأربعة، فإذا كان الغلط وقع في مواضع من تلك الأربعة لَـمْ يرفعه بعد ذلك كتابتُها باثنين وسبعين لغة، فإن المسلمين لا يقولون: إنَّها كُتِبَتْ باثنين وسبعين لغة غُيِّـرَ لفظه في جميع الألسن لاثنين وسبعين لغة في كل نسخة مِن ذلك.
وإنَّما يقال: التَّغيير وقع قبل ذلك، كما يقال في سائر ما يروونه عن المسيح وموسى ومحمد -عليهم صلوات الله وسلامه- من الحديث، مثل: «سيرة ابن إسحاق» وأحاديث السُّنن والمساند المأثورة عن النبي ﷺ، فإنَّ في العالَـمِ بكلِّ كتابٍ منها نسخًا كثيرةً، لا يمكن أن يُغَيَّر منها فصلٌ طويل، ولكن في نفس السِّيرة وقع غلطٌ في مواضع، وأحاديث وقعت في السُّنن هي غلطٌ في الأصل، فاشتهار النُّسخ بها بعد ذلك لا يَمْنع وقوعَ الغلط في الأصل، وهذه كتب التَّفسير والفقه والرقائق، ما مِن كتابٍ إلا وبه نسخٌ كثيرةٌ في العالـم، لا يمكن تغييرُ فصلٍ طويلٍ منها، وفيها أحاديثُ غلطٌ في الأصل.
والأناجيل التي بأيدي النَّصَارى تشبه هذا؛ ولهذا أُمِروا أن يحكموا بما فيها، فإنَّ فيها أحكامَ الله، وعامَّة ما فيها من الأحكام لم يُبَدَّل لفظُه، وإنَّما بُدِّلت بعضُ ألفاظ الخبريَّات، وبعضُ معاني الأمْريَّات، كما نؤمر نحن أن نعمل بأحاديث الأحكام المعروفة عن النَّبيِّ ﷺ، فإنَّ العلماء اعتنَوْا بضبطها أكثرَ من اعتنائهم بضبط الخبريَّات؛ كأحاديث الزُّهد والقصص والفضائل، ونحوِ ذلك؛ إذ حاجة الأمم إلى معرفة الأمر والنَّهي أكثرُ من حاجتهم إلى معرفة التَّفاصيل بالخبريَّات التي يُكتفى بالإيمان الـمُجْملِ بها.
وأما الأمر والنَّهي، فلابُدَّ من معرفته على وجه التَّفصيل؛ إذ العمل بالمأمور لا يكون إلا مُفَصَّلًا، والمحظور الذي يجب اجتنابه لابد أن يُمَيَّز بينه وبين غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ﴾ [التوبة: 115].
وهؤلاء القائلون: إنَّه وقع التَّغْيير في بعض ألفاظها في ذلك الزَّمان يقولون: لَـمْ تُؤْخَذ عن نبيٍّ معصوم، ولا نُقِلَت بالتَّواتر، ومن نازع من المسلمين وأهل الكتاب يقولون: أُخِذَت عن العُزَير وهو نبيٌّ معصوم. وهذا ممَّا يَحْتَاجُ المثبت فيه والنَّافي إلى تحقيقه.
وأمَّا مَن قال: إنَّه غُيِّر بعضُ ألفاظها بعد مبعث محمَّدٍ ﷺ.
فهؤلاء يقولون: إنه كان في التَّوراة والإنجيل وغيرهما ألفاظٌ صريحةٌ بأمورٍ منها: اسمُ محمَّدٍ ﷺ، وأنَّه عَمَد بعضُ أهل الكتاب فغيَّروا بعض الألفاظ في النُّسخ التي كانت عندهم. لا يقولون: إنَّ هؤلاء غيَّروا كلَّ نسخةٍ كانت على وجه الأرض، لكن غيَّروا بعض ألفاظ النُّسَخ، وكَتَبَ النَّاسُ من تلك النُّسَخ الـمُغَيَّرة نُسَخًا كثيرةً انتشـرت، فصار أكثرُ ما يوجد عند كثيرٍ من أهل الكتاب هو من تلك النُّسخ الـمُغَيَّرة.
وفي العالم نسخٌ أخرى لم تُغَيَّر، فذكر كثيرٌ من النَّاس أنه رآها وقرأها، وفي تلك النُّسخ ما ليس في النُّسخ الأخرى، ومما يدلُّ على ذلك أنك في هذا الزمان إذا أخذت نُسَخَ التَّوراة الموجودةَ عند اليهود والنَّصَارى والسَّامِرَةِ وجدت بينهما اختلافًا في مواضعَ متعدِّدة.
وكذلك نُسَخُ الإنجيل، وكذلك نُسَخُ الزَّبور مختلفةً اختلافًا متباينًا، بحيث لا يعلم العاقل أنَّ جميع نُسَخِ التَّوراة الموجودةِ متفقةٌ على لفظٍ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الإنجيل متَّفقة على لفظٍ واحد، ولا يعْلَم أنَّ جميع نسخ الزَّبُور متَّفقة على لفظٍ واحدٍ فضلًا عن سائر النُّبوَّات.
ومعلومٌ أنه لا يمكن أهلَ الكتاب إقامة حجَّةٍ على أن جميع النُّسخ بجميع اللُّغات في زوايا الأرض متَّفقةٌ على لفظٍ واحدٍ في جميع ما هو موجودٌ من جميع النُّبوَّات، والحُجَّة التي احتجَّوا بها على تعذُّر تغييرها كلِّها تدلُّ على تعذُّر العلم بتساويها كلها.
وأما قولهم: «إن قيل: إنه غُيِّـرَ بعْضَها وتُرِكَ بعضها، فهذا لا يمكن أن يكون؛ لأنَّ كلَّها قولٌ واحد، ولفظٌ واحدٌ في جميع الألسن».
فيقال: أما إمكان هذا فظاهرٌ لا ينازع فيه عاقل، وهو واقع؛ فإنا قد رأينا التَّوراة التي عند السَّامِرة تخالف توراة اليهود والنَّصَارى حتى في «العشـر الكلمات»، فذَكَر السامرةُ فيها من أمْرِ استقبال الطُّور ما لا يوجد في نُسخ اليهود والنَّصَارى، وكذلك بين نسخ اليهود والنَّصَارى اختلافٌ معروف، ونسخ الإنجيل مختلفة، ونسخُ الزَّبور مختلفةٌ اختلافًا أكثرَ من ذلك.
وبكلِّ حالٍ؛ فلا يقدر عاقلٌ أن يقول: يمتنع تغييرُ بعض النُّسخ، ولكن إذا قالوا: لَـمْ يُغَيَّر شيءٌ منها؛ لأنَّ جميعها قولٌ واحدٌ، ولفظٌ واحد في جميع الألسن؛ كانت هذه الدَّعوى باطلةً من وجهين.
أحدهما: أنَّ دعوى العلمِ بتساوي جميعِ النُّسخ أبلغُ من دعوى إمكان تغييـرِها، فإنْ كان التغييرُ ممتنعًا على جميعها، كان علمُ الواحد بما في جميعها وأنَّها متماثلةُ الألفاظ مع اختلاف الألسن أَوْلى بالامتناع.
الثَّاني: أن هذا دعوى خلاف الواقع، فإنَّ الاختلاف في نسخ التَّوراة والإنجيل والزبور موجودٌ قد رأيناه نحن بأعيننا، ورآه غيرنا، فرأيت عِدَّة نسخٍ بالزَّبور يخالف بعضُها بعضًا اختلافًا كثيرًا، ورأينا بعضَ ألفاظ التَّوراة التي ينقلها هذه الطائفة، وهي مكتوبةٌ عندهم يدَّعون أنها هي التَّوراةُ الصَّحيحة المنقولةُ عندهم بالتَّواتر تخالف بعض ألفاظ توراة الطَّائفة الأخرى، وكذلك بالإنجيل.
وبالجملة قولهم: «هذا لا يمكن أن يكون؛ لأنها كلَّها قولٌ واحدٌ ولفظٌ واحدٌ في جميع الألسن»؛ تضمَّن شيئين:
تضمَّن دعوى كاذبة.
وحُجَّةً باطلة.
فإنَّ قولهم: «هذا لا يمكن» مكابرةٌ ظاهرة، فإن إمكان تغييرِ بعض النُّسخ ممَّا لا ينازِع عاقلٌ في إمكانه، لكن قد يقول القائل: إذا غُيِّرَ بعضُ النُّسخ وأُظْهِرَ ذلك شاع ذلك، فرأى سائرُ أهلِ النُّسخ تلك النسخةَ مغايرةً لنُسْختِهم فأنكروه، فإن الهمم والدَّواعي متوفرةٌ على إنكار ذلك، كما يوجَدُ اليومَ مثلُ ذلك لو أراد رجلٌ أن يُغَيِّرَ كتابًا مشهورًا عند الناس به نسخٌ متعدِّدة، فإذا غَيَّره فوصلت تلك النُّسْخة إلى من يعرفُ ما في تلك النُّسخ أنكروا ذلك.
فيقال: هذا يمكن إذا كانت تلك النُّسْخةُ المغيَّرة وصلت إلى طائفةٍ يمتنع عليهم مواطأتُهُم على الكذب؛ فإنَّه كما يمتنع في الأخبار المتواترة التواطؤ على الكذب، فيمتنع التواطؤ على كتمان ما يتعذَّر كتمانه في العادة.
ومعلومٌ أنه لا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤ على تغيير بعض النُّسخ، والنُّسخ إنَّما هي موجودةٌ عند علماء أهلِ الكتاب، وليس عامَّتُهم يحفظ ألفاظها كما يحفظ عوامُّ المسلمين ألفاظَ القرآن، فإذا قصد طائفةٌ منهم تغييرَ نسخةٍ أو نسخٍ عندهم أمكن ذلك، ثُمَّ إذا تواطئوا طائفةٌ أخرى على أن لا يذكروا ذلك أمكن ذلك، ولكن إذا كانت الطَّوائف ممَّن لا يمكن تواطؤها على الكذب أو الكتمان؛ امتنع ذلك فيهم.
وقد رأينا عند أهل الكتاب كتبًا يدَّعون أنها عندهم من النَّبيِّ ﷺ بخطِّ عليِّ ابن أبي طالب، فيها أمورٌ تتعلَّق بأغراضهم، وقد التبس أمرُها على كثيرٍ من المسلمين وعظَّموا ما فيها، وأعطَوْا أهلَ الكتاب ما كُتِب لهم فيها معتقدين أنَّهم ممتثلين ما فيها، فلمَّا وصلت إلى مَن وصلت إليه من علماء المسلمين بيَّنوا كَذِبها بطرقٍ معلومةٍ بالتَّواتر، مثل ذكرهم فيها: «شهد بما فيها كعب بن مالكٍ الحَبْرُ على النَّبيِّ ﷺ» يعنون كعبَ الأحبار، وكعب الأحبار إنَّما أسلم على عهد عمر ابن الخطاب، لَـمْ يُدْرِك النَّبيَّ ﷺ، واسمه: كعب بن ماتع، ولكن في الأنصار كعبُ بن مالك الشَّاعر، الذي أنزل الله توبته في سورة [براءة]، فظنَّ هؤلاء الجُـهَّال أنَّ هذا هو ذاك.
ومثلُ ذِكْرِهم شهادةَ سعد بن معاذٍ الذي اهتزَّ لموته عرشُ الرَّحمن، ذكروا شهادتَه عام خيبر، وقد اتَّفق أهلُ العلم أنه مات عَقِب غزوة الخندق، قبل غزوة خيبر بمدَّة، وأمثال ذلك.
وأما حجَّتُهُم الدَّاحضةُ؛ فقولهم: «إن جميع كتبِ النُّبوَّات التي في العالَـم من التَّوراة والإنجيل والزبور والنبوَّات، موجودةٌ باثنين وسبعين لسانًا، بلفظٍ واحد، وقولٍ واحد». فهل يقول عاقلٌ من العقلاء إنه علم ذلك؟ وإنَّه علم أنَّ كلَّ نسخةٍ من النُّبوَّات الأربعة وعشرين بأحد الألْسِنة الاثنين وسبعين موافقةٌ لكلِّ نسخةٍ في سائر الألسنة؟ ولو ادَّعى مُدَّعٍ أن كلَّ نسخةٍ من التَّوراة في العالم باللِّسان العربي، أو كلَّ نسخةٍ من الإنجيل في العالم باللِّسان العربي، أو كلَّ نسخةٍ في العالم من الزَّبور باللِّسان العربيِّ موافقةٌ لجميع النُّسخِ العربيَّة الموجودة في زوايا العالم، لَكَان قد ادَّعى ما لا يعْلَمُه ولا يمكنه علْمُه، فمن أين له ذلك؟ وهل رأى كلَّ نسخةٍ عربيَّةٍ بهذه الكتب، أو أخبره من يعلم صدقه أنّ جميع النُّسخ العربيَّة الموجودة في العالم موافقةٌ لهذه النُّسخة؟
وكذلك إذا ادَّعى ذلك في اللِّسان اليوناني والسُّـرياني والرُّومي والعِبْرانِي والهندي، فإنْ كان في العالم بكلِّ كتابٍ من هذه اثنان وسبعون لسانًا، فدعوى اتفاقُ نُسَخِ كلِّ لسانٍ من جنس دعوى اتِّفاق النُّسخ العربيَّة، فكيف إذا ادَّعى اتفاق النُّسخ بجميع الألسنة؟
وهب أنه يمكن أن يقال ذلك في نسخ لسانٍ يقلُّ أهلُه والناطقون به، فكيف يمكن دعواه في لسانٍ كَثُر النَّاطقون به وانتشر أهله؟
وليس هذا كدعوى اتَّفاق مصاحف المسلمين بالقرآن؛ فإنَّ القرآن لا يَتَوقَّف نقْلُه على المصاحف، بل القرآن محفوظٌ في قلوب ألوفٍ مؤلفةٍ من المسلمين، لا يُحْصِـي عدَدَهم إلا الله عز وجل، فلو عُدِمَ كلُّ مصحفٍ في العالم لم يقدح ذلك في نقل لفظٍ من ألفاظ القرآن، بخلاف الكُتُب المتقدِّمة؛ فإنه قلَّ أن تجد من أهل الكتاب أحدًا يحفظ كتابًا من هذه الكتب، فقلَّ أن يوجد من اليهود من يحفظ التوراة.
وأما النَّصَارى فلا يوجد فيهم من يحفظُ التَّوراة والإنجيل والزَّبور والنبواتِ كلَّها فضلًا عن أن يحفظها باثنين وسبعين لسانًا، وإن وُجِد ذلك فهو قليلٌ لا يمتنع عليهم لا الكذب ولا الغلط.
فتبيَّن: أن ما ذكروه من انتشار كتبهم بالألسنة المختلفة هو من أقوى الأمور في عدم العلم بتماثل ما فيها من الألفاظ، وأن القرآن إذا كان منقولًا بلغةٍ واحدة، وذلك اللِّسان يحفظه خلقٌ كثير من المسلمين؛ فكان ذلك مما يُبيِّن أن القرآن لا يمكن أحدًا أن يغيِّر شيئًا من ألفاظه، وإن أمكن تغييرُ بعض ألفاظ التَّوراة والإنجيل عند كثيرٍ من أهل الكتاب.
والمسلمون لا يدَّعون أنه غُيِّرَ جميعُ ألفاظ جميع النسخ بعد مبعث النبي ﷺ كما ظنَّه بهم هؤلاء الجهَّال، بل إنما ادَّعوا ما يسوِّغه العقل، بل ويظهر دليلُ صدقه، ولكن هؤلاء الجهال ادَّعوا العلم بأن جميع النسخ بجميع الألْسِنة بجميع الكتب بلفظٍ واحد، فادَّعوا ما لا يمكن أحدًا علمُه، وادعوا ما يُعْلَم بطلانُه.
وقد ظهر الجواب عن قولهم: «فمَنْ هو الذي تكلَّم باثنين وسبعين لسانًا، أو من هو الذي حكم على الدنيا جميعِها، ملوكِها وقساقِستها وعلمائها، حتى حكم على جميعها من أربعِ زوايا العالَـم حتى غيَّـرها، وإن كان ممَّا أمكنَه جمعُها كلها ولكن بعضها، فهذا ما لا يُمكن؛ إذ جميعُها قولٌ واحدٌ، ونصٌّ واحدٌ، واعتقاد واحد»، من وجوه:
[106]الوجه الأول: أنَّا لَـمْ ندَّع تغييرَها بعد أن صارت بهذه الألسُن وانتشـرت بها النُّسَخ، بل لا ندَّعي التغيير بعد انتشار النُّسَخِ فيما ليس من كتب الأنبياء، مثل كُتب النَّحو والطِّب والحساب والأحاديث والسُّنَن المنقولة عن الأنبياء، ممَّا نُقِل في الأصْل نقْلَ آحاد، ثُمَّ صارت النُّسَخ به كثيرةً منتشـرةً، فإنَّ أحدًا لا يدَّعي أنَّه بعد انتشار النُّسَخ بكتابٍ في مشارق الأرض ومغاربها حَكَمَ إنسانٌ على جميع المعْمُورة وجمَعَ النسخَ به وغيَّرَها. تعليق جانبي/ أنَّ دعوى المسلمين تغيير ألفاظ الإنجيل إنَّما يتوَّجه في النسخ الأولى التي تم النسخ منها
ولا ادَّعى أحدٌ مثل ذلك في التَّوراة والإنجيل، وإنَّما ادُّعِيَ ذلك فيها لَـمَّا كانت النُّسَخُ قليلة: إما نسخةً وإمَّا اثنتين وإما أربعة، ونحوَ ذلك. أو ادُّعِيَ تغْييرُ بعضِ ألفاظ النُّسَخ، فإنَّ بعض النسخ يمكن تغييرها، ونُسَخُ التَّوراة والإنجيل والزَّبور موجودةٌ اليوم، وفي بعضها اختلاف، لكنَّه اختلافٌ قليل، والغالب عليها الاتفاق.
[107]وذلك يظهر بالوجه الثاني: أن قولهم: «إنَّ جميعها قولٌ واحد، ونصٌّ واحد، واعتقادٌ واحد» ليس كما قالوه، بل نسخ التَّوراة مختلفةٌ في مواضع، وبين توراة اليهود والنَّصَارى والسَّامِرة اختلافٌ، وبيْنَ نُسَخِ الزَّبور اختلافٌ أكثرُ من ذلك، وكذلك بين الأناجيل، فكيف بنسخ النُّبوَّات؟ تعليق جانبي/ واقع نُسَخِ التوراة والإنجيل يُبْطلُ قولهم باتفاق ألفاظ جميعها
وقد رأيتُ أنا من نُسخ الزَّبور ما فيه تصـريحٌ بنبوَّة محمَّدٍ ﷺ باسمه، ورأيتُ نسخةً أخرى بالزبور فلم أرَ ذلك فيها، وحينئذٍ فلا يمتنع أن يكون في بعض النُّسَخ من صفات النَّبيِّ ﷺ ما ليس في أخرى.
[108]الوجه الثالث: أن التَّبديل في التفسير أمرٌ لا ريب فيه، وبه يحصل المقصود في هذا المقام، فإنَّا نعْلم قطعًا أن ذِكْر محمَّدٍ ﷺ كان موجودًا في زمنه من التَّوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]، ولا ريب أنَّ نُسَخَ التَّوراة والإنجيل على عهده كانت كثيرةً منتشـرةً في مشارق الأرض ومغاربها، فلابُدَّ مِن أحد الأمرين: تعليق جانبي/ أنَّ المطلعين على التوراة والإنجيل ذكروا اختلاف نسخها مما يكذِّب دعوى اتفاقها
إما أن يكون غُيِّر اللفظُ من بعض النسخ، وانتشرت النُّسخُ المغيَّرة.
وإما أن يكون ذِكْرُه في جميع النُّسخ، كما استخرجه كثيرٌ من العلماء ممَّن كان من أحبار اليهود والنَّصَارى، وممَّن لَـمْ يكن من أحبارهم استخرجوا ذِكْرَه والبشارةَ به في مواضعَ كثيرةٍ متعدِّدةٍ من التَّوراة والإنجيل ونبوَّاتِ الأنبياء.
ومن قال: إن ذِكْرَه موجودٌ فيها أكثرَ من هذا وأصرحَ في بعض النُّسخ، لا يمكن هؤلاء دفعه بأن يقولوا: قد اطلعنا على كلِّ نسخة بالتَّوراة والإنجيل في مشارق الأرض ومغاربها، فوجدناها على لفظٍ واحد، فإن هذا لا يقوله إلا كذَّاب، فإنَّه لا يمكن بشـرًا أن يطَّلع على كلِّ نسخةٍ في مشارق الأرض ومغاربها، كما لا يمكنه أن يغيِّر كلَّ نسخةٍ في مشارق الأرض ومغاربها، فلو لم يَعْلَم اختلافَ النُّسَخ لم يمكنه الجزمُ باتِّفاقها في اللَّفظ، فكيف وقد ذَكَرَ الناسُ المطَّلعون عليها من اختلاف لفظها ما تَبَيَّنَ به كذبُ من ادَّعى اتفاقَ لفظها؟ وكيف يمكن اتفاقُ لفْظِها وهي بلغاتٍ مختلفة؟
قالوا: (ثُمَّ وجدنا في هذا الكتاب ما هو أعظم من هذا برهانًا، مثل قوله في سورة الشورى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وأما لغير أهل الكتاب، يقول: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴿١﴾ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ﴾ السورة كلها)([109]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص416).
والجواب:
أمَّا قوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ || ؛ [فهو] حَقٌّ. فإنَّ الله أمرَهُ وجميعَ الخلق أن يُؤمنوا بجميع ما أنزل الله، وكذلك قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ || ، فإنَّ الله أمرَهُ أن يعدل بين جميع الخلق.
وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ || ، هذه براءةٌ منه لِـمَن يُخاطَب بذلك من المشـركين وأهل الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس: 41].
ومثله قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ﴾ [البقرة: 139].
وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ الآية، فهذا ليس خطابًا للنَّصَارى خصوصًا، بل هو خطابٌ للجميع، وهؤلاء النَّصَارى ظنُّوا أنَّ معنى هذا: لا تحاجُّوا أهل الكتاب؛ وهذا من تحريف كَلِم الله عن مواضعه، وهو يُشبِهُ تحريفهم لما عندهم من التوارة والإنجيل والزبور وسائر النبوات.
ومما يبيِّن أنَّ هذا الخطاب ليس مختصًّا بالنَّصَارى؛ أنَّ هذه السورة مكِّـيَّة، والسور المكِّـيَّة كانت تتناول من لا يقرأُ الكتاب، لا تختصُّ بأهل الكتاب، بل كانت تعمُّ الأممَ، أو تختصُّ بالمشركين.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ || ، فهو نظير قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ﴾ [البقرة: 139]. وقوله: ﴿فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ﴾ [آل عمران: 20].
فالحُجَّة: اسمٌ لما يُحتجُّ به مِن حقٍّ وباطل، كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ﴾ [البقرة: 150].
فإنَّ الظَّالمين يحتَجُّون عليكم بحجَّةٍ باطلة، كقول المشـركين لما حُوِّلت القبلةُ إلى الكعبة: قد عاد إلى قِبْلَتِكُم، فسوف يعود إلى مِلَّتكم([110]). فهذه حُجَّةٌ داحضةٌ مِن الظالمين. () انظر: تفسير الطبري (2/685).
ومما يُبيِّنُ ذلك؛ قوله بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: 16]، فسمَّاها حُجَّةً وجعلها داحضة، وهؤلاء الذين يُحَاجُّون في الله من بعد ما استجيب له، هم: الكفَّار من المشـركين وأهل الكتاب، فهم يُحاجُّون المؤمنين ليردُّوهم عن دينهم، وقال عن النَّصَارى: ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].
فكان الكفَّار يحاجُّون المؤمنين حتى يردُّوهم عن دينهم، كما كانوا يُؤذونَهم، فهؤلاء ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
ومُحَاجَّتُهم للمؤمنين من باب الظلم لهم، والعدوان عليهم، وقولِ الباطل، فأمرَهُ تعالى أن يقول: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ || ، أي: ليس لكم أن تظلمونا، وتعتدوا علينا بحُجَّتِكم الدَّاحضة، وليس المراد بذلك أنَّا نحن لا نُحَاجُّكم وندعوكم إلى الحقِّ بالحجج الصحيحة؛ فإنَّه تعالى قال: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125].
فأمرَهُ تعالى أنْ يُجادل أهل دعوته مطلقًا من المشـركين وأهل الكتاب بالتي هي أحسن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]؛ فإنَّ الظالِـمَ باغٍ مُعْتَدٍ مستحقٌّ للعقوبة، فيجوز أن يُقَابَل بما يستحقُّه من العقوبة، لا يجب الاقتصار معه على التي هي أحسن، بخلاف مَن لَـمْ يظلم، فإنَّه لا يُجادَل إلا بالتي هي أحسن.
وأهل الكتاب: اسمٌ يتناول اليهود والنَّصَارى، كما في نظائره من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [المائدة: 5] الآية. وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:1]. وأمثال ذلك.
[111]وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴿١﴾ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ﴿٣﴾ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ﴿٤﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. تعليق جانبي/ ليس في سورة الكافرون دلالة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رضي بدين المشركين
فهو أمرٌ بالقول لجميع الكافرين من المشـركين وأهل الكتاب، وليس فيها أنَّه رَضِيَ بدين المشـركين ولا أهل الكتاب كما يظنُّه بعض الملحدين، ولا أنَّه نهى عن جهادهم، كما ظنَّه بعض الغالطين، وجعلوها منسوخة، بل فيها براءتُه من دينهم وبراءتُهم من دينه، وأنَّه لا تضُرُّه أعمالُهم، ولا يُجْزَون بعمله ولا ينفعهم.
وهذا أمرٌ مُحْـكمٌ لا يقبل النَّسْخ، ولَـمْ يرضَ الرَّسول بدين المشـركين ولا أهلِ الكتاب طرفة عينٍ قط، ومَنْ زعم أنَّه رضي بدين الكفَّار واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴿١﴾ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ﴿٣﴾ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ﴿٤﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. فظنَّ هذا الملحد أن قوله: ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ معناه: أنَّه رَضِيَ بدين الكفار، ثُمَّ قال: هذه الآية منسوخة، فيكون قد رَضِيَ بدين الكفار، وهذا من أبين الكذب والافتراء على محمَّدٍ ﷺ، فإنَّه لَـمْ يرضَ قطّ إلا بدين الله الذي أرسل به رُسُلَه، وأنزل به كتبه، ما رَضِيَ قطُّ بدين الكفَّار لا من المشـركين ولا من أهل الكتاب.
وقوله: ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ لا يدُلُّ على رضاه بدينهم، بل ولا على إقرارِهم عليه، بل يدلُّ على براءته من دينهم، ولهذا قال النبي ﷺ: إنَّ هذه السورة: (براءةٌ مِن الشِّرْك)([112]). () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (790)، والحاكم في "مستدركه" برقم: (2085).
[فأهل] الكتاب الذين لم يُؤمنوا بما أُنْزِلَ إليه من ربِّه؛ كافرون، قد شهد عليهم بالكفر، وأمر بجهادهم، وكفَّر مَن لَـمْ يجعلهم كافرين ويُوجِبُ جهادهم، قال تعالى: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 17]، ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73].
وقال تعالى: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، وحرف «مِنْ» في مثل هذه المواضع: لبيان الجنس، فَتُبَيِّنُ جنس المتقدِّم، وإنْ كان ما قبلها يدخل فِي جميع الجنس الذي بعدها، بخلاف ما إذا كانت للتبعيض، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة:1]؛ فإنَّه يدخل في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد مبعث النَّبيِّ ﷺ؛ جميعُ المشركين وأهل الكتاب.
وكذلك دخل في ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ جميعُ أهل الكتاب الذين بلغَتْهم دعوته ولم يؤمنوا به، وكذلك قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ [الفتح:29]، وإنْ كان جميعهم آمنوا وعملوا الصَّالحات، وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم، لكن لَـمْ يبْقَ في الجنس إلا المذكورون، كما يقول: هنا رجلٌ مِن بني عبد المطلب، وإن لَـمْ يكن بقيَ منهم غيره.
ووصفَهُم بالشِّـرْك، وبأنَّهم يعبدون غير الله، كما قال تعالى: |@| ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:31].
فأخبر أنَّهم اتَّخذوا من دون الله أربابًا، واتَّخذوا المسيح ربًّا، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، وهؤلاء باتخاذهم غيرَه أربابًا عبدوهم فأشركوا بالله سبحانه وتعالى عمَّا يشركون.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]. أَمْرٌ للمؤمنين أنْ يقولوا الحقَّ الذي أوجبه الله عليهم وعلى جميع الخلق ليُرْضُوا به الله، وتقومَ به الحُجَّة على المخالفين، فإنَّ هذا من الجدال بالَّتي هي أحسن، وهو أن تقول كلامًا حقًّا يلزمك ويلزم المنازعَ لك أن يقوله، فإنْ وافقك وإلا ظهر عنادُه وظلمُه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ﴾ [البقرة: 139].
فإنَّا مشتركون في أنَّه ربُّنا كُلُّنا، وأنَّ عملَ كلِّ عاملٍ له لا لغيره، وامْتَزْنا نحن بأنَّا مخلصون له، وأنتم لستم مخلصين له، فأوجبَ هذا أنَّ الحقَّ معنا دونكم، وأنَّ أعمالَنا صالحةٌ مقبولة، وأعمالَكم مردودة.
ويشبه ذلك قولَه تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]، فأمْرُه لهم أن يقولوا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ يتضمَّن إقامةَ الحُجَّة عليهم، كما كان المسيح عليه السلام يقول.
وقولهم: (إنَّه لَـمْ يقُلْ: كونوا له مسلمين، ولكن ﴿وَنَحْنُ﴾، أي: عنه وعن العرب التابعين له، ولِـما أتى به وجاء في كتابه)([113]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص416).
فيقال لهم: هذا ونظائرُه كلامُ مَن لَـمْ يفهم القرآن، بل ولا يفهمُ كلامَ سائر النَّاس، فإنَّه إذا عُرِفَ مِن صاحب كتابٍ يقول: إنَّه مُنـزلٌ من الله، أو يقول: إنَّه صنَّفه هو، أنه يدعو قومًا بالأقوال الصَّريحة الكثيرة، والأعمالِ البيِّنة الظَّاهرة، كان سكوته عن دعائهم في بعض الألفاظ لا ينافي دعاءهم له، لكن إنْ كان حكيمًا في كلامه كان للسُّكوت عن دعائهم في بعض المواضع حكمةٌ تناسب ذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ﴾ [البقرة: 139].
أَ فَـتَـرَاهُ لَـمَّا أمرَ أُمَّته أن يقولوا: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ لَـمْ يكن أهل الكتاب مأمورين بالإخلاص لله؟ وقد ذَكَر أمْرَ أهلِ الكتاب بالإخلاص في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ﴿٤﴾ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 4-5].
وكذلك دعاهم إلى الإسلام وتوعَّدهم على التَّولِّي عنه في مثل: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴿١٨﴾ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ﴿١٩﴾ فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 18-20]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿١٣٠﴾ إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿١٣١﴾ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴿١٣٢﴾ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 130-133].
فقد بيَّن سبحانه أنَّه لا يرغَبُ عن مِلَّة إبراهيم إلا مَن سَفِهَ نَفْسَه، أي: سَفِه نفسًا، أي: كانت نفسُه سفيهةً جاهلة، هذا أصحُّ القولين في ذلك، وهو مذهب الكوفيِّين من النحاة، يُجوِّزون أن يكون المنصوب على التمييز معرفة، كما يكون نكرة([114]). () انظر: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك (1/170).
ثُمَّ أخبر عنه أنَّه: ﴿قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ ، وذكر أنَّ إبراهيم وصَّى بها بَنِيه، ويعقوبُ وصَّى بها بنيه أيضًا، كلاهما قال لبنيه: ﴿يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ ، ثُمَّ ذكر أنَّ يعقوبَ عند موته: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ . فهؤلاء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كلُّهم على الإسلام، وهم يأمرون بالإسلام.
ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [البقرة:135]، ثُمَّ قال: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]، ثُمَّ قال: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137].
فقد أخبر أنَّهم إنْ تولَّوْا عن الإيمان بمثل ما آمنتم به المتضمِّنِ قولَكُم: ﴿وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ ؛ فإنَّما هم في شقاق، أي: مُشَاقُّون لله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ ، إلى قوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 2-4].
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ في العنكبوت؛ فهو مثل قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ في البقرة، مع دعائهم إلى الإسلام. وكذلك في سورة آل عمران في قوله: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]. فقد دعاهم أولًا إلى الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وأن لا يتَّخذَ بعضُهم بعضًا أربابًا من دون الله، كما قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ || ، وهذه الآية هي التي كتبَ بها النَّبيُّ ﷺ إلى قيْصَـرَ مَلِكِ الرُّوم لما دعاه إلى الإسلام، وقال في كتابه: (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله، إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ على مَنِ اتَّبعَ الهُدى. أمَّا بَعْدُ: فَإنِّي أدْعُوكَ بِدِعَايةِ الإسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَم، أَسْلِم يُؤْتِكَ اللهُ أجْرَكَ مَرَّتَينِ، وإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّما عَلَيْكَ إِثْم الأريسِيِّينَ و: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)([115]). فدعاه النَّبيُّ ﷺ إلى الإسلام في كتابه الذي أرسله إليه. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (7)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1773).
وقال أيضًا في آل عمران: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ﴿٧٩﴾ وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80]، فذكر التَّوحيد في هذه الآية، وكفَّر من اتَّخذ الملائكةَ والنبيِّين أربابًا، فكيف بمن اتخذ الأحبارَ والرهبانَ أربابًا ؟
ثُمَّ ذكر الإيمان بخاتم الرسل فقال: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ﴿٨١﴾ فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴿٨٢﴾ أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ﴿٨3﴾ قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿٨٤﴾ وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 81-85].
فقد ذكر أنَّه أخذ الميثاق على النبيِّين وأُمَمِهم مهما ﴿ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ﴾ وهذا يتناول الأمرَ لكلِّ أهل كتابٍ إذا جاءهم رسولٌ ثانٍ أن يؤمنوا به وينصـروه، وإن كان عندهم من الكتاب والحكمة مهما كان، ولا يقولون: نحن مُسْتَغْنُونَ بما عندنا من الكتاب والحكمة، لا نؤمن بالرسول الذي جاءنا.
ونخصُّ الإيمان بمحمد ﷺ، فإنَّه خاتم الرسل، وهو آخر رسول جاء مصدقًا لِـمَا بين يديه من الكتاب؛ فوجب على من جاءَه أن يُؤمن به ويَنْصُـرَهُ، وإنْ كان عنده من الكتاب والحكمة ما كان.
وهذا الميثاق أخذه الله على الأنبياء، وأخذوه على أُمَمِهم، ثم قال: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ﴾ || ، وهذا هو دين الله الذي أرسل به رُسُلَه وأنزل به كتبَه، فمن ابتغى غيرَه فقد ابتغى غير دين الله، وهذا هو دين الإسلام: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
ثُمَّ قالوا: (فأمَّا الذين ظلموا فما يَشُكُّ أحدٌ في أنَّهم اليهود الذين سجَدُوا لرأس العجل، وكفروا بالله مرارًا كثيرةً ليستْ واحدة، وقتلوا أنبياءَه ورسُلَه، وعبَدُوا الأصنام، وذبحوا للشياطين ليس حيواناتٍ غير ناطقةٍ فقط، بل بنيهم وبناتهم حسب ما شَهِدَ الله عليهم قائلًا على لسان داود النَّبيِّ عليه السلام في كتاب الزبور في مزمور مئةٍ وخمسةٍ يقول: "ذبحوا بنيهم وبناتهم للشياطين وأراقوا دمًا زكيًّا؛ دمَ بنيهم وبناتهم الذين ذُبِحُوا للمنحوتات بكنْعَان، وقد تنجَّسَت الأرض بالدِّماء، وتنجَّسَت أعمالُهم، وزنوا بضعائنهم، وسخِط الربُّ عليهم، ورذَّلَ ميراثهم"([116]). () انظر: سفر المزامير (106: 37-40).
وقال أيضًا على لسان أشعيا النَّبيِّ عليه السلام: "يقول الله في بني إسرائيل: لَـمْ يسمعوا وصاياي، لَـمْ يحفظوا كلَّ ما أوصيتُهم به، بل غيَّروا ونقضوا الميثاق الذي كنتُ جعلتُه لهم إلى الأبد، فلذلك أجلستُهم على الحُـزْنِ والخراب، وأهلكتهم، وانقطع ممَّن يبقى منهم الفرح والسرور"([117]). () انظر: سفر أشعيا (24: 5-6).
هكذا قال الله على سكان بيت المقدس بني إسرائيل: "سأبدِّدهم بين الأمم، وفي تلك الأيام يرفعون الأممُ أصواتَهم، ويُسَبِّحون الله ويُمَجِّدونه بأصواتٍ عالية، ويجتمعون من أقطار الأرض، ومن جزائر البحر، ومن البلدان البعيدة، ويُقَدِّسون اسم الله، ويرجعون إلى الله إلهِ إسرائيل، ويكونون شعبة، وأما بنو إسرائيل فيكونون مُبدَّدين في الأرض"([118]). () انظر: سفر أشعيا (24: 1).
وقال أشعيا النبي عليه السلام: يقول الله: "يا بني إسرائيل نجَّسْتُم جبلي المقدس، فإنِّي سأفنيكم بالحرب وتموتون، وذلك لأنِّي دعوتكم فلم تُجيبُوا، وكلَّمْتُكُم فلم تسمعوا، وعملتم الشـرَّ بين يدي"([119]). () انظر: سفر أشعيا (65: 11-12).
وقال أشعيا أيضًا: "إنَّ الله قد بغَّض بني إسرائيل، وأخرجهم من بيوتهم ومن بيته، ولا يغفر لهم؛ لأنَّهم لعنة، وجُعِلوا لعنة الناس، فلذلك أهلكهم الله، وبدَّدَهم بين الأمم، ولا يعود يرحمهم، ولا ينظر إليهم برحمةٍ إلى أبد الآبدين، ولا يُقَرِّبون لله قربانًا ولا ذبيحةً في ذلك اليوم وذلك الزَّمان، ولا يفرح بنو إسرائيل؛ لأنَّهم قد ضلُّوا عن الله عز وجل"([120]). () لم أقف على النص في سفر أشعيا عليه السلام.
وقال أرْمِيا النَّبيُّ عليه السلام: "كما أن الحَبَشِـيَّ لا يستطيع أن يكون أبيض، فكذلك بنو إسرائيل لا يتركون عادتَهم الخبيثة، ولذلك إنِّي لا أرحم، ولا أُشْفِق، ولا أَرِقُّ على الأُمَّة الخبيثة، ولا أرثي لها"([121]). () انظر: سفر أرميا (13: 23-24).
وقال حَزْقِيل النبي عليه السلام: "قال الله: إنَّما رفعتُ يدي عن بني إسرائيل وبدَّدتُهم بين الأمم؛ لأنَّهم لَـمْ يعملوا بوصاياي، ولَـمْ يطيعوا أمري، وخالفوني فيها فِيْما قُلْتُ لهم، ولَـمْ يسمعوا لي"([122]). () انظر: سفر حزقيل (20: 15-16).
ومثل هذا القول في التوراة، وكتب الأنبياء، وزبور داود شيء كثير يقرؤونها اليهود في كنائسهم ويُقَرِّونها ولا ينكرون منها حرفًا واحدًا، ومثل ما هو عندهم، وكذلك عندنا في جميع الألسن)([123]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص416) إلى نهاية قول داود في الزبور، ومن قول أشعياء إلى آخر النص؛ ساقطٌ من النسخة المطبوعة التي بين أيدينا.
والجواب أن يقال:
أمَّا كون اليهود ظالمين كافرين معتدين مستحقين لعذاب الله وعقابه؛ فهذا معلوم بالاضطرار من دين محمَّدٍ ﷺ منقول بالتواتر، كما عُلِم بالاضطرار والنَّقْل المتواتر عنه ﷺ أنَّ النَّصَارى أيضًا ظالمون معتدون كافرون مستحقُّون لعذاب الله وعقابه.
وفي اليهود من الكفر ما ليس في النَّصَارى، وفي النَّصَارى ما ليس في اليهود؛ فإنَّ اليهود بدَّلوا شريعة التَّوراة قبل أن يأتيهم المسيح ابن مريم، فلما أتاهم كفروا به وكذَّبوه، فلمَّا بُعِث محمَّدٌ ﷺ كذبوه فباؤوا بغضبٍ على غضب؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ﴿٨٧﴾ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ﴿٨٨﴾ وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴿٨٩﴾ بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ﴿٩٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [البقرة: 87-91]. فغضب عليهم أَولًا بتكذيب المسيح، وثانيًا بتكذيب محمَّد ﷺ([124]). () انظر أيضًا: [آل عمران: 112]، [المائدة: 78-79].
وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ﴾ [المائدة: 60]، فتبيَّن أنَّ اليهود: لعنهم الله، وأنَّهم عبدوا الطاغوت، وأنَّه جعل منهم القردة والخنازير، ومثل هذا في القرآن كثير، لكن قول القائل إنهم المرادون بقوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ﴾ ، في قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46] غَلَطٌ بيِّن؛ ولهذا كان باطلًا باتِّفاق المسلمين؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ نهي عن مجادلة أهل الكتاب من اليهود والنَّصَارى إلا بالتي هي أحسن. وقوله: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ من الطائفتين معًا.
ولهذا كان الواجب على المسلمين إذا جادلهم اليهوديُّ والنصـرانيُّ أن يجادلوه بالتي هي أحسن، إلا من ظلم من الطائفتين، فإنه يعاقَب باللِّسان تارةً وباليد أخرى، كما أمر الله رسُوْلَهُ بجهاد الظالمين من هؤلاء وهؤلاء، فجاهدَ النَّبيُّ ﷺ اليهودَ الذين كانوا بالمدينة النَّبويَّة وحولَها وقريبًا منها، كما جاهد بني قينقاع، والنضير، وقريظة، وأهل خيبر، وأهل وادي القرى، وغيرهم.
وكما جاهد النَّصَارى عام تبوك، غزاهم بالشام عربَهم ورومَهم، وأغزاهم قبل ذلك نُوَّابَه: زيدَ بن حارثة، وجعفرَ بن أبي طالب، وعبدَ الله بن رَواحة، وأمر بغزوهم، فغزاهم بعده خلفاؤه الراشدون.
والنَّبيُّ ﷺ لما قدم وفد نجران النَّصَارى جادلهم في مسجده بالتي هي أحسن، ثم أمره الله سبحانه أن يدعوهم إلى المباهلة، فامتنعوا عن مباهلته، وأقرُّوا بأداء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، كما تقدَّم ذكر ذلك مفصَّلًا.
فجادل بعضَهم بالتي هي أحسن، والظالمُ منهم عاقَبَه وجاهدَه، كما عاقب الظَّالم من اليهود.
ومن أعجب الأشياء قولهم: «وأما الذين ظلموا، فلا يَشُكُّ أحدٌ أنهم اليهود» فإن هذا من جنس قولهم: «ثم وجدنا في الكتاب ما هو أعظم من هذا برهانًا، وهو قوله في سورة الشورى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: 15]].
ومن جنس قولهم في قوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ أنَّه عنى بالكتاب: الإنجيل. و﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ : النَّصَارى، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ [البقرة: 4]، هم: المسلمون. وزعمُهم أن قولَهم هذا قولٌ ظاهرٌ بيّنٌ.
[125]وتفاسير النَّصَارى للكتب الإلهيَّة فيها من التحريف لكلمات الله، والإلحاد في أسماء الله وآياته ما يطول وصفه، ولا ينقضـي التعجب منه، لكنَّ إقدامهم على تفسير القرآن بالإلحاد والتَّحريف أعجبُ وأعجب، كقولهم: إنَّ محمَّدًا ﷺ ذَكَرَ أنه لم يُرسَل إليهم، وأنه أثنى على الدِّين الذي هم عليه بعد النَّسخ والتَّبديل، بعد مبعثه ﷺ، وأن قوله: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ﴾ [الفاتحة: 7] أراد به: النَّصَارى! وقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [الحديد: 25] أراد به: الحواريِّين! وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد: 25] أراد به: الإنجيل! تعليق جانبي/ بطلان تفسير النصارى للكتب الإلهية
فإن في هذا من الكذب الظَّاهر والافتراء على محمَّدٍ ﷺ بأنه أراد هذه الأمور ما هو من جنس افترائهم على الأنبياء، فإنهم أخبروا أن المسيح هو خالق السماوات والأرض، وأن التَّوراة والزَّبور وغيرَهما من الكتب أخبرت بذلك، ثُمَّ يأتون إلى ما يعلم كلُّ عاقلٍ أن محمَّدًا ﷺ لم يُرِدْه، فيقولون: إنَّه لا يشكُّ فيه أحد! وإنَّه قول ظاهرٌ بيِّن!
وكل مَن عَرف حال محمَّدٍ ﷺ، وما جاء به من القرآن والدين يعلم علمًا يقِينِيًّا ضروريًّا أن محمدًا ﷺ لـم يكن يجعل النَّصَارى مؤمنين دون اليهود، بل كان يكفِّر الطائفتين، ويأمرُ بجهادهم، ويكفِّرُ مَن لم ير جهادَهم واجبًا عليه.
وهذا ممَّا اتَّفق عليه المسلمون، وهو منقولٌ عندهم عن نبيِّهم نقلًا متواترًا، بل هذا يعلمُه مِن حاله الموافقُ والمخَالِف، إلا من هو مُفْرِطٌ في الجهل بحاله، أو من هو معاندٌ عنادًا ظاهرًا.
وأما ما نقلوه عن الأنبياء مما يدلُّ على كفر اليهود، فهذا لا ننازعهم فيه، ولا حاجة بنا إلى الاستدلال بما نقلوه، وإن كان فيما يَثْبُت عن الأنبياء ما يبيِّن كُفْرَهم لَـمَّا بدَّلوا دين موسى عليه السلام، كما كَفَرَ النَّصَارى لَـمَّا بدَّلوا دين المسيح، فهذا حقٌّ موافقٌ لما أخبر به خاتَمُ الرُّسل ﷺ، فإنَّا قد علمنا كفرَهم من جهةٍ لا نشكُّ في صدقها.
وما أخبرونا به عن الأنبياء: إنْ عَلِمْنا صِدْقَهم فيه صدَّقناهم فيه، وإنْ عَلِمنا كَذِبَهم فيه كذَّبناهم فيه، وإن لم نعلم صدقه ولا كَذِبَه لم نصدِّقه ولم نكذِّبه، بل نقول: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].
فإنَّ الإيمان بجميع ما أوتي النبيُّون حقٌّ واجب، لكن وجوب التصديق في الشيء المعيَّن الذي لم نعْلَمْه مِن غيرهم يقف على مقدِّمتين: أن يكون اللفظ قد قاله النَّبيُّ، وأن يكون المعنى الذي فسَّـروه به مرادًا للنبيِّ الذي تكلم بذلك القول. فلابُدَّ من ثبوت الإسناد ودلالة المتن.
وهاتان المقدِّمتان، لابُدَّ منهما في جميع المنقول عن الأنبياء، وقد يُحتاج إلى مقدِّمة ثالثةٍ في حقِّ مَن لم يعرف اللغة العِبْريَّة، فإنَّ موسى وداود والمسيح وغيرهم إنَّما تكَلَّمُوا باللغة العبرية، فمن لم يَعْرِف بها([126])، وإنَّما يَعْرِف بالعربيَّة أو الرُّوميَّة، لابُدَّ أن يَعْرِفَ أنَّ المترجِم من تلك اللغة إلى هذه قد ترجم ترجمةً مطابقة. () أي: لم يعرف فهمها والتكلم بها.
وأما قولهم: (وأمَّا نحن النَّصَارى فلم نعمل شيئًا مما عملته اليهود)([127]). () رسالة بولس الانطاكي (ص416).
فيقال لهم: الكُفْر والفسوق والعصيان لَـمْ ينْحصـر في ذنوب اليهود، فإنْ لَـمْ تعملوا مثل أعمالهم فلكم من الأقوال والأعمال ما بعضُه أعظمُ مَن كِفْر اليهود، وإن كنتم أنتم ألينَ من اليهود وأقربَ مودَّة، فأنتم أيضًا أجهلُ وأضلُّ من اليهود.
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: 1-5].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].
[الشُّبهة العاشرة: نفي الشرك عنهم]
ثم قالوا: (وكذلك جاء في هذا الكتاب يقول: ﴿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ﴾ [المائدة: 82].
فذكر القسِّيسين والرهبانَ، لئلا يقال: إنَّ هذا قيل عن غيرنا، ودلَّ بهذا على أفعالِنا وحُسْنِ نيَّاتنا، ونفى عنَّا اسم الشِّـرْك بقوله: اليهود والذين أشركوا أشدُّ عداوةً للذين آمنوا، والذين قالوا إنَّا نصارى أقربهم مودَّة)([128]). () رسالة بولس الانطاكي (ص416-417).
والجواب أن يقال:
تمام الكلام: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣ وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤ فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [المائدة: 83-85]. فهو سبحانه لَـمْ يَعِدْ بالثَّواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمَّدٍ ﷺ الذين قال فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: 83].
والشَّاهدون هم الذين شهدوا له بالرِّسالة فشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسولُ الله، وهم الشُّهداء الذين قال فيهم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا﴾ [البقرة:143]، ولهذا قال ابن عبَّاسٍ وغيرُه في قوله: ﴿فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ || ؛ قال: مع محمد ﷺ وأمته.
وكل من شهد للرُّسل بالتَّصديق فهو من الشَّاهدين، كما قال الحواريُّون: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران:53].
وأما قوله في أول الآية: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ﴾ [المائدة: 82].
فهو كما أخبر سبحانه وتعالى؛ فإنَّ عداوةَ المشـركينَ واليهود للمؤمنين أشدُّ من عداوة النَّصَارى، والنَّصَارى أقرب مودَّة لهم، وهذا معروف من أخلاق اليهود، فإنَّ اليهود فيهم من البُغْض والحَسَدِ والعداوة ما ليس في النَّصَارى، وفي النَّصَارى من الرَّحمة والمودَّة ما ليس في اليهود.
والعداوة أصلها: البغض. فاليهود كانوا يُبغضون أنبياءَهم، فكيف ببغضهم للمؤمنين.
وأمَّا النَّصَارى فليس في الدِّين الذي يَدِينون به عداوةٌ ولا بغضٌ لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوْا في الأرض فسادًا، فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتَدِلِين أهل ملَّة إبراهيم، المؤمنين بجميع الكتب والرسل.
وليس في هذا مدحٌ للنَّصَارى بالإيمان بالله، ولا وَعْدٌ لهم بالنَّجاة من العذاب واستحقاق الثواب، وإنَّما فيه أنهم أقربُ مودَّة.
وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]، أي: بسبب هؤلاء، وسبب ترك الاستكبار، يَصير فيهم من المودَّة ما يصير، وهم بذلك خيرٌ من المشركين وأقرب مودَّةً من اليهود والمشركين.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ﴾ [المائدة: 83]، فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة، والضميرُ وإن عاد إلى المتقدِّمين، فالمراد به: جنسُ المتقدِّمين لا كلُّ واحدٍ منهم، كقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
وكأنَّ جنس النَّاس قالوا لهم: إن جنسَ النَّاس قد جمعوا. ويمتَنعُ العموم؛ فإنَّ القائل من النَّاس، والمقول له من النَّاس، والمقول عنه من النَّاس، ويمتنع أن يكون جميع النَّاس قال لجميع النَّاس: إنه قد جمع لكم جميع النَّاس.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]. أي: جنس اليهود قال هذا، لم يقل هذا كلُّ يهودي، ومن هذا: أنَّ في النَّصَارى من رقَّة القلوب التي توجب لهم الإيمانَ ما ليس في اليهود، وهذا حقٌّ.
وأما قولهم: «ونفى عنَّا اسم الشِّـرْك» فلا ريب أنَّ الله فرَّق بين المشـركين وأهلِ الكتاب في عدَّة مواضع، ووصف مَن أشرك منهم في بعض المواضع، بل قد ميَّـزَ بين الصَّابئين والمجوس وبين المشـركين في بعض المواضع، وكلا الأمرين حق، فالأول كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج:17]. وقال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [المائدة: 82].
وأما وصفهم بالشِّرْك؛ ففي قوله: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، فنزَّه نفسه عن شِرْكهم، وذلك أنَّ أصل دينهم ليس فيه شِرْك، فإنَّ الله إنَّما بعَثَ رُسُلَه بالتَّوحيد والنهي عن الشِّـرْك، كما قال تعالى: ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ﴾ [الزخرف:45]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل:36]. وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه وَمَن قبله من الرسل إنما دَعَوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي التوراة من ذلك ما يَعْظُم وصفه، لم يأمر أحدٌ من الأنبياء بأن يُعبد ملكٌ ولا نبيٌّ ولا كوكبٌ ولا وثن، ولا أن تُسأل ولا تُطلب الشَّفاعةُ إلى الله من ميِّتٍ ولا غائب، لا نبيٍّ ولا ملك، فلم يأمر أحدٌ من الرُّسل بأن يدعو [أحدٌ] الملائكة، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله، ولا يدعوَ الأنبياءَ والصَّالحين الموتى والغائبين، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله، ولا تُصوَّر تماثيلُهم، لا مجسَّدةً ذاتَ ظل، ولا مصوَّرةً في الحيطان، ولا يُجعلُ دعاءُ تماثيلهم وتعظيمُها قربةً وطاعةً، سواءٌ قصدوا دعاء أصحاب التماثيل وتعظيمَهم والاستشفاعَ بهم، وطلبوا منهم أن يسألوا الله تعالى، وجعلوا تلك التماثيل تذكرة بأصحابها، أو قصدوا دعاء التماثيل، ولَـمْ يستشعروا أنَّ المقصود دعاءُ أصحابها، كما فعله جُهَّال المشـركين، وإن كان في هذا جميعه إنَّما يعبدون الشَّيطان وإن كانوا لا يقصدون عبادته، فإنَّه قد يتصوَّر لهم في صورةٍ ما، يظنُّون أنها صورةُ الذي يعظِّمونه، ويقول: أنا الـخَضِـر، أنا المسيح، أنا جرجس، أنا الشَّيخ فلان، كما قد وقع هذا لغير واحدٍ من المنتسبين إلى المسلمين والنَّصَارى، وقد يدخل الشيطان في بعض التَّماثيل فيخاطبُهُم، وقد يقضـي بعضَ حاجاتِهم؛ فبهذا السَّبب وأمثاله ظهر الشـركُ قديمًا وحديثًا، وفَعَل النَّصَارى وأشباهُهُم ما فعلوه من الشِّرك.
وأما الأنبياء والرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- فنهوا عن هذا كلِّه، ولـم يشـرع أحدٌ منهم شيئًا من ذلك.
والنَّصَارى لا يأمرون بتعظيم الأوثان المجسَّدة، ولكن بتعظيم التماثيل المصوَّرة، فليسوا على التَّوحيد المحض، وليسوا كالمشركين الذين يعبدون الأوثان ويُكَذِّبون الرُّسل، فلهذا جعلهم الله نوعًا غيرَ المشركين تارة، وذمَّهم على ما أحدثوه من الشِّرك تارة.
وإذا أُطْلِق لفظُ الشِّـرْك فطائفةٌ من المسلمين تُدْخِلُ فيه جميعَ الكفَّار من أهل الكتاب وغيرهم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ﴾ ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ﴾ [البقرة: 221].
فمن النَّاس من يجعل اللفظ عامًّا لجميع الكفار ولا سيَّما النَّصَارى، ثُمَّ مِن هؤلاء مَن ينهى عن نكاح هؤلاء، كما كان عبد الله بن عمر ينهى عن نكاح النصـرانيَّة، ويقول: (لا أعلم شِـرْكًا أعظم من أن تقول: إنَّ عيسى ربها)([129])، وهذا قول طائفةٍ من الشِّيعة وغيرهم. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (5285).
وأما جُمهورُ السَّلف والخلف، فيُجَوِّزون نكاحَ الكتابيَّات ويبيحون ذبائحَهم، لكن إذا قالوا: لفظُ المشـركين عام، قالوا: هذه الآية مخصوصةٌ أو منسوخةٌ بآية المائدة، [وهي] قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ﴾ [المائدة: 5].
وطائفة أخرى تجعل لفظ المشركين إذا أطلق لا يدخل فيه أهل الكتاب.
وأمَّا كون النَّصَارى فيهم شِرْك -كما ذكره الله-؛ فهذا مُتَّفقٌ عليه بين المسلمين كما نطق به القرآن، كما أنَّ المسلمين مُتَّفِقون على أنَّ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ﴾ [المائدة: 82]؛ أنَّ النَّصَارى لَـمْ يدخلوا في لفظ الذين أشركوا، كما لَـمْ يدخلوا في لفظ اليهود.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1]. ونحو ذلك، وهذا لأنَّ اللَّفظ الواحد تتنوَّع دلالتُه بالإفراد والاقتران، فيدْخُلُ فيه مع الإفراد والتَّجْريد ما لا يدخل فيه عند الاقتران بغيره، كلفظ المعروف والمنكر في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: 157]. فإنَّه هنا يتناول جميعَ ما أمر الله به فإنَّه معروف، وجميع ما نهى عنه فإنه منكر.
وكذلك المنكر في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، قرن الفحشاء بالمنكر.
وقوله: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90]، قرن الفحشاء بالمنكر والبغي([130]). () وذكر ابن تيمية رحمه الله مثالين أيضًا؛ وهما لفظ: البر والإيمان، ولفظ الفقير والمسكين، فإنَّ هذه الألفاظ تتنوَّع دلالتها حال الإفراد وحال الاقتران، انظر الآيات: [البقرة: 177]، [المائدة: 2]. [التوبة: 60]. وانظر: الجواب الصحيح (2/139-140).
فكذلك لفظ الشِّـرْك في مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]. يدخل فيه جميعُ الكفار، أهلُ الكتاب وغيرُهم عند عامَّة العلماء؛ لأنه أفرده وجرَّده، وإن كانوا إذا قُرِن بأهل الكتاب كانا صنفين.
وفي «صحيح مسلم» عن بُرَيْدة أن النَّبيَّ ﷺ: كان إذا أَرْسَل أميرًا على سريَّةٍ، أو جيشٍ أوصاه في خاصَّةِ نفسه بتقوى الله، وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرًا، وقال لهم: (اغْزُوا بِسْمِ الله، فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله..)([131])، وهذا الحديث كان بعد نزول آية الجزية، وهي إنَّما نزلت عام تبوك لَـمَّا قاتل النَّبيُّ ﷺ النَّصَارى بالشَّام، واليهودَ باليمن. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (1731).
وهذا الحكم ثابتٌ في أهل الكتاب باتِّفاق المسلمين، كما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة.
قالوا: (وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]، فسَاوى بهذا القول بين سائر الناس: اليهودِ و المسلمين وغيرهم)([132]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص417).
والجواب أن يقال:
أولًا: لا حُجَّة لكم في هذه الآية على مطلُوبكم؛ فإنَّه يُسَوِّي بينكم وبين اليهود والصَّابئين، وأنتم مع المسلمين متَّفِقون على أنَّ اليهود كفارٌ من حين بُعِث المسيحُ إليهم فكذَّبوه، وكذلك الصَّابئون، من حين بُعِث إليهم رسولٌ فكذَّبوه؛ فهم كفار.
فإنْ كان في الآية مدحٌ لدينكم الذي أنتم عليه بعد مَبْعَثِ محمَّدٍ ﷺ؛ ففيها مدحُ دينِ اليهود أيضًا، وهذا باطلٌ عندكم وعند المسلمين. وإنْ لم يكن فيها مدحٌ لدين اليهود بعد النَّسْخ والتَّبديل فليس فيها مدحٌ لدين النَّصَارى بعد النَّسخ والتبديل، وكذلك يُقال لليهوديِّ إن احتجَّ بها على صحَّة دينه.
وأيضًا: فإنَّ النَّصَارى يُكفِّرون اليهود، فإنْ كان دينهم حقًّا لَزِم كفرُ اليهود، وإنْ كان باطلًا لَزِم بطلانُ دينِهم، فلا بُدَّ من بطلان أحد الدِّينَيْن، فيمتنع أنْ تكون الآية مدحتهما، وقد سوَّت بينهما، فَعُلِم أنَّها لَـمْ تمدح واحدًا منهما بعد النسخ والتبديل، وإنَّما معنى الآية: أنَّ المؤمنين بمحمَّدٍ ﷺ، والذين هادوا الذين اتَّبعوا موسى عليه السلام -وهم الذين كانوا على شَرْعِهِ قبل النَّسْخ والتبديل-، والنَّصَارى الذين اتَّبعوا المسيح عليه السلام -وهم الذين كانوا على شَرِيْعَتِهِ قبل النَّسخ والتبديل-، والصَّابئين -وهم الصَّابئون الحنفاء كالذين كانوا من العرب وغيرهم- على دين إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ قبل التَّبديل والنسخ.
[الشُّبهة الحادية عشرة: مدح قرابين النصارى]
قالوا: (ثُمَّ مدح قرابينَنا وتواعدنا إن أهْمَلْنا ما مَعَنا وكَفَرْنا بما أُنْزِل إلينا أن يُعذِّبنا عذابًا لَـمْ يُعَذبْه أحدًا من العالمين بقوله ذلك في سورة المائدة: ﴿إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 112-115]، فالمائدة؛ هي: القُرْبان المقدَّس الذي يُتَقَرَّبُ به في كلِّ قُدَّاس)([133]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص417).
والجواب أن يقال: هذا كذبٌ ظاهرٌ على القرآن في هذا الموضع، كما كذَبْتم عليه في غير هذا الموضع، فإنَّه ليس في الآيات ذِكْرُ قرابِينِكُم البتَّة، وإنَّما فيه ذِكْرُ المائدة التي أنزلها الله تعالى في عهد المسيح عليه السلام.
وقولهم: «فالمائدة هي: القُربان الذي يُتَقَرَّب به في كلِّ قدَّاس».
هو أولًا: قولٌ لا دليل عليه.
وثانيًا: هو قولٌ معلومُ الفساد بالاضطرار من دين المسلمين الذين نقلوا هذا القرآن عن محمَّدٍ ﷺ لفظَه ومعْنَاه، فإنَّهم متَّفقون على أنَّ المائدةَ مائدةٌ أنزلها الله مِن السَّماء على عهد المسيح عليه السلام، وقصَّتُها مشهورةٌ في عامَّةِ الكتب، تعرفها العامَّةُ والخاصَّة، ولَـمْ يقُلْ أحدٌ إنَّها قرابين النَّصَارى، وليس في لفظ الآية ما يدُلُّ على ذلك، بل يدُلُّ على خلاف ذلك، فإنَّ الآية تُبيِّن أنَّ المائدة منزلةٌ من السَّمَاء، وقرابينُهم هي عندهم في الأرض لَـمْ تنزل من السَّمَاء.
وفي الآية أنَّ عيسى قال: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿١١٤﴾ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 114-115].
وفي أوَّل الكلام: ﴿إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ﴿١١٢﴾ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: 112-113]، فأين هذا من قرابينِهم الموجودة اليوم ؟
قالوا: (ولِـمَا تقدَّم به القول؛ لأنه غيرُ لائقٍ عند ذوي الألباب أن نهمل «روح القدس» و«كلمةَ الله» الذي شهد لهما في هذا الكتاب بالعظائم، فقال عن «كلمة الله»: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 159])([134]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص417).
والجواب: أن الله تعالى لم يبعث محمَّدًا ﷺ بإهمال ما يجب من حقِّ المسيح عليه السلام، بل أمره بالإيمان بالمسيح وبما جاء به، كما أمر بالإيمان بموسى وبما جاء به، وكما أمر المسيح بالإيمان بموسى وبما جاء به، ولكنه أَمَرَ بإهمال ما ابتُدع من الدِّين الذي لَـمْ يَشْـرَعْهُ الله على لسان المسيح عليه السلام، وما نسخه الله من شـرعه على لسان محمَّدٍ ﷺ، فيُهْمَل المبدَّل والمنسوخ، كما أمر الله المسيح أن يُهْمِل ما ابتَدعتْه اليهود من الدِّين الذي لَـمْ يشْـرَعه، وما نسخه من شرع موسى.
فكما أَمَرَ المسيحَ أن يُهْمِل المبدَّلَ والمنسوخَ من التَّوراة التي جاء بها موسى عليه السلام، ولم يكن في ذلك إهمالٌ لما يجب من حقِّ التَّوراة وموسى عليه السلام، فكذلك إذا أُهْمِلَ الـمُبَدَّلُ والمنسوخُ من دين أهل الإنجيل لم يكن في ذلك إهمالٌ لما يجب من حقِّ الإنجيل والمسيح، بل ما جاء به محمَّدٌ ﷺ يتضمَّن الإيمانَ بجميع الكتب والرُّسُل، وأن لا نفرِّق بين أحدٍ منهم، ونحن له مسلمون، كما قال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].
قالوا: (ثم شهد لقرابيننا وذبائحنا أنها مقدَّسةٌ مقبولةٌ لدى الله من كتب اليهود التي في أيديهم يومَنا هذا، المنزلة من الله على أفواه الأنبياء المرسلين.
قال أشعيا: "قال الله: إني أعرف بني إسرائيل وقلوبَهم القاسية الخبيثة، فإذا أنا ظهرتُ إلى الأمم فنظروا إلى كرامتي، أُقِيمُ منهم أنبياءَ وأبعث منهم مخلِّصين يُخَلِّصُونَ الأممَ من البلدان القاصية الذين لم يسمعوا بسماعي، ولم يعرفوه من قَبْلِ كرامتي، ويكونُ اسمي فيهم، ويَجْلِبُونَ إخوتهم من الأمم كلها، [ويَجْلِبُونَ] قرابينَ الله على الدَّوابِّ والمراكب إلى جبلٍ قدسيٍّ، بيتِ المَقْدِس، فَيُقَرِّبون لي القرابين بالسَّميد، كما كان بنو إسرائيل من قبل، وكذلك باقي الأمم، وتقرِّب القرابين بين يدَيّ، فهم وزرعُهم إلى الأبد، ويحُجُّون في كلِّ سنة، وفي كلِّ شهر، ومن سنةٍ إلى سنةٍ إلى بيت المقدس، بيت الله، ويُقَرِّبون لله ربِّهم فيه قرابينَ زكيَّةً نقيَّة، وينظرون إلى الأمَّة الخبيثة الماردة، بني إسرائيل، لا يبلى حُزْنُها ولا ينقطعُ بلاؤها إلى الأبد"([135]). () انظر: سفر أشعيا (66: 18-23).
وقال دانيال النَّبيُّ عليه السلام: "وسيأتي على شعبِك وقريةِ قدسِك سبعون سابوعًا، وتنقضـي الذنوب، وتفنى الخطايا وغفران الإثم، ويؤتى بالحقِّ الذي لم ينزل من قبل، وتتِمُّ نبوَّاتُ الأنبياء وكتبُ الرسل، وتبيد قرية القُدْس، وتخْرب مع مجيء المسيح، ويفنى الميثاقُ العتيقُ من الناس، ومن بعد أسبوعٍ ونصفٍ تَبْطُلُ ذبائحُ اليهود وقرابينُهم، وتصير على كفِّ النَّجاسة والفساد إلى انقضاء الدَّهر"([136]). () انظر: سفر دانيال (9: 10-17).
وقال ميخا النَّبيُّ عليه السلام: "قال الله في آخر الزمان: إذا أتى المسيحُ يدعو الأممَ المبدَّدة، ويضعُهم شعبًا واحدًا، ويبطُل قتال بني إسرائيل وسلاحهم وقرابينهم إلى الأبد"([137]). () لم أقف على النص في سفر ميخا.
وقال عاموص النَّبيُّ: "لا تذبحوا العجول بعد؛ فإنّ الربَّ سيأتي صِهْيونَ ويُحْدِثُ وصيةً جديدةً طاهرةً من الخُبْزِ النَّقِيّ والخمر الزَّكِيّ، ويصيرون بنو إسرائيل مطرودين"([138]))([139]). () انظر: سفر عاموص (6: 4-7). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن ما يحتجُّون به من النَّقل عن الأنبياء صلوات الله عليهم يحتاجون فيه إلى أربع مقدمات:
إلى أن تُعْلَم نبوَّةُ المنقول عنه.
وإلى أن يُعْلَم لفظُه الذي تكلَّم به.
وإلى أن يُعْلَم أن ما ذكروه ترجمةً صحيحةً عنه، فإنَّ أولئك الأنبياء لم يتكلموا بالعربيَّة، بل ولا بالرُّوميَّة والسُّـريانيَّة واليونانيَّة، وإنَّما تكلموا بالعِبْريَّة، كالمسيح عليه السلام.
والرابع: أن يُعلَم أنَّ ما ذكروه من كلام الأنبياء دليلٌ على ما ادَّعوه من قبول قرابينهم في هذا الزمان.
ونحن في هذا المقام نقتصر على منازعتهم في هذه المقدِّمة، فليس فيما ذكروه دليلٌ على مدح قرابينهم وذبائحهم بعد التَّبديل والنسخ، ولكن غايتها أن يدُلَّ على مدحها قبل النَّسخ والتَّبديل، وهذا ممَّا لا ينازع فيه المسلمون.
الوجه الثاني: أن هذه النُّعوتَ المذكورةَ عن «أشعيا» وغيره من الأنبياء لا توافق ما عليه النَّصَارى؛ فإن النَّصَارى لا يُقَرِّبونَ القرابينَ بالسَّميد كما كان بنو إسرائيل من قبل، ولا يحجُّون في كل شهرٍ، ومن سنة إلى سنة إلى بيت المقدس بيت الله ويُقَرِّبون لله ربهم فيه قرابينَ نقيَّةً زكيَّةً، وإنما يحُجُّون إلى «قمامةَ» الخارجةِ عن بيت الله الذي كانت الأنبياء تقصده وتصلِّي فيه؛ فإنَّ الأنبياء إنَّما كانوا يُصَلُّون في بيت المقدس، ويزورون بيتَ المقدس نفسَه، وأمَّا «قمامة» فليس لها ذكرٌ في كتب الأنبياء عليهم السلام، بل إنَّما ظهرت «قمامة» في زمن قُسطنطين الملك، لما أظهرتها أمُّه هَيْلانة الحرَّانيَّة لما جاءت بيت المقدس واختارت من اليهود ثلاثة، وسألتهم أن يدلُّوها على موضع الصَّلْب فامتنعوا، فعاقبتهم بالحبس والجوع، فدلُّوها على موضعه في مزبلةٍ فاستخرجوه، وجعَلَتْه في غلافٍ من ذهبٍ وحمَلَتْه، وبَنَتْ كنيسة «القمامة» في موضعه، كما ذكر ذلك ابن البطريق في «تاريخه»، وذلك بعد المسيح بأكثر من ثلاثمئة سنة.
ومن ذلك الوقت أظهروا الصليب، وجعلوا «عيد الصليب»، ولَـمْ يشـرع ذلك لا المسيحُ ولا الحواريُّون، وهذا مذكورٌ في كتبهم متفقٌ عليه بين علمائهم.
الوجه الثَّالث: أن ما ذكروه عن «دانيال» لا يتضمَّن مدح دينهِم بعد النسخ والتبديل، وإنَّما يتضمَّن أن الله يبعث المسيحَ عليه السلام بالحقِّ الذي لم يزَلْ من قبل، وهو الدِّين الذي بُعِثَتْ به الرُّسُلُ قبله، وهو عبادة الله وحده، وأن «بيت المقدس» يخرب مع مجيء المسيح، ويفنى الميثاق العتيق، يعني ما نُسِخ من شرع التَّوراة، وأنَّه يُبْطِلُ ذبائحَ اليهود وقرابينَهم.
وهذا كلُّه إنما يدلُّ على نسخ شرع التَّوراة وبطلانِ دولة اليهود، ويدلُّ على أنَّ المسيح جاء بالحق، ومن اتَّبع المسيح كان على الحق، وهذا ممَّا لا ينازع فيه المسلمون؛ فإنَّهم متَّفقون على أن من كان متمسكًا بما أَمَر به المسيح فإنه من عباد الله الصالحين، ولكن من جاء بشـرعٍ لَـمْ يأتِ به المسيح، أو أراد اتِّباع شَرْعِهِ بعد النسخ فهو بمنزلة اليهود الذين نسخَ اللهُ ما نسخه من شَرْعِهم وأزال دولتَهم، وكذلك فعل بالنَّصَارى لَـمَّا بَعَثَ الله محمَّدًا ﷺ أزال دولتهم عن وسط الأرض وخيارِها، وحيث بُعِثَت الأنبياء، كأرض الشام ومصـر والجزيرة والعراق وإرْمينيَة وأَذْرَبِيجان، وأجلاهم إلى طرَفَي الأرض من جهة الشَّمال والجنوب، وصار الذين في وسط الأرض منهم أحسن أحوالهم إذا لَـمْ يُسْلِمُوا؛ أن يؤدُّوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
وكذلك ما ذكروه عن «ميخا» و«عاموص» إنما يدلُّ على مجيء المسيح عليه السلام وبطلان ما نسخه الله وأبطله من شَرْعِ اليهود ومُلْكِهم، لا يدلُّ على صحَّة دين النَّصَارى الذي لَـمْ يشْرَعه المسيح عليه السلام، ولا على صِحَّته بعد أن نُسخ بشـرع محمَّدٍ ﷺ؛ نسخًا هو أبلغ مِن نسخ بعضِ شرع موسى بشرع المسيح عليه السلام.
هذا إذا سُمِّي الشَّـرع المؤقَّت بغايةٍ مجهولةٍ نسخًا؛ فإن الأوَّل لـم يبشِّـر بالثاني، وأما إذا كان الأول بشَّـر بالثَّاني، وكانت شريعةُ الأول مؤقَّتةٌ إلى مجيء الثَّاني لَـمْ يُسَمَّ ذلك نسخًا، فالمسيح ومحمَّدٌ صلى الله عليهما وسلم لَـمْ ينسخا شيئًا، بل كان شَرْع موسى إلى مجيء المسيح، وشَرْعُ المسيح إلى مجيء محمَّدٍ صلى الله عليهما وسلم.
وأما ما حُكيَ عن «أشْعِيا» عن الله أنه قال: «فإذا ظهرتُ إلى الأمم» فهذا قد يحتجُّ به النَّصَارى وبأمثاله من كلام الأنبياء عليهم السلام على الحُلول الذي ابتدعوه، وهو باطل؛ فإنَّ مثل هذا اللَّفظ مذكورٌ في كتب أهل الكتاب في غير موضع، ولا يراد بشيء منها حلولُ ذاتِ الله في أحدٍ من البشـر، كما ذكر في التَّوراة أن الله عز وجل اسْتَعْلن لإبراهيم وغيره، وأنَّ الله يأتي من طور سَيْناء، ويُشْـرِفُ من سَاعِير، ويستعلن من جبال فاران.
ومعلومٌ عند جميع أهل الملل أن الله سبحانه و تعالى لَـمْ يحُلَّ في موسى ولا غيره لَـمَّا كلَّمَه، ولا يحُلُّ في شيءٍ من جبال فاران، مع إخباره أنه اسْتَعلن منها.
وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]. فأظهره بالعلم والحُجَّة والبيان، وأظهره باليد والسِّنان، كما قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ [النور: 35]. قال أُبَيُّ بن كعبٍ وغيره: «مثل نوره في قلب المؤمن».
وقد جاء عن بعض السَّلف أن قلوب المؤمنين تضـيء لأهل السَّماوات كما تضـيء الكواكب لأهل الأرض.
والمخلوق الذي تظهر محبَّتُه وذِكْرُه وطاعتُه في بعض البلاد يقال: فلانٌ قد ظهر في هذه الأرض، فإذا ظهر ذِكْرُ الله وذِكْرُ أسمائه وصفاته وتوحيدِه وآياته وعبادته حتى امتلأت القلوب بذلك بعد أن كانت ممتلئةً بظُلْمةِ الكُفْر والشِّـرك، كان ذلك مما أخبر به من ظهوره، وهذا أعظمُ ما يكون في بيوته التي يُعْبَد فيها ويذكرُ فيها اسمُه.
قالوا: (فماذا يكون أعظمَ من هذا برهانًا، وأقوى شهادة؛ إذ كُتُب أعدائِنا المخالفين لدينِنا، وهم يُقِرُّون بذلك، ويقرؤونه في كنائسهم، ولم ينكروا منه كلمةً واحدةً، ولا حرفًا واحدًا)([140]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
والجواب: أن الأمر إذا كان على ما قالوه من ثبوت هذه الكلمات عن بعض الأنبياء، فليس فيها مدحٌ لدينهم بعد التَّبديل، فكيف بعد النَّسْخ والتَّبديل؟ وإنَّما فيها إخبارٌ بزوال مُلْكِ بني إسرائيل، وبنَسْخ ما نُسِخ من شَرْعِهم بمجيء المسيح عليه السلام، وهذا دليل على نبوَّة المسيح وصدقه، وهذا ممَّا اتَّفق عليه المسلمون.
والمسيح عليه السلام عندهم كما أخبر الله عنه، بقوله تعالى لمريم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 45-46].
وأما قولهم: (إن هذا وغيره موجودٌ في كتب أعدائنا اليهود)([141]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
فيقال لهم: لا ريب أن اليهود يخالفونكم في تفسير الكتب، فأنتم تفسِّـرونها بشـيء، وهم يفسِّرونها بشيءٍ آخر، وقد يكون كلا التفسيرين باطلًا، وحينئذٍ فيُقَال لكم: كما أن كُتُبَ الأنبياء شاهدةٌ للمسيح ولدينه وإن خالفتكم اليهود في تفسيرها، فكذلك هي شاهدةٌ لمحمَّدٍ ﷺ وأمَّتِه، وإنْ خَالَفَ أهلُ الكتاب في تفسيرها، كما قد بَيَّن الله في كتب الأنبياء صفةَ محمَّدٍ وأُمَّتِه في غير موضع.
والواجب في الكتب إذا تنازعت الأمم في تفسيرها أن يُبَيَّن الحقُّ الذي يقومُ عليه الدَّليلُ الشَّرعيُّ والعقليُّ، وحينئذٍ يتبيَّن أنكم فسَّرتم كُتُبَ الله بأشياءَ تخالف مرادَ الله في أمر التَّثليث والاتِّحاد وغيره، كما فعلت اليهود بتفسير الكتب.
[الشُّبهة الثانية عشرة: سؤاله لأهل الكتاب]
قالوا: «وأيضًا في قول هذا الإنسان ممَّا أتى في كتابه حيث أتْبَعَ القول إنَّه لَـمْ يُرْسَل إلينا، مع تشكُّكِه فيما أتى به في هذا الكتاب في سورة سبأ حيث يقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:24]، وأيضًا في سورة الأحقاف يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:9]»([142]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص417).
والجواب: أنَّ نقلهم عنه أنَّه قال: «إنه لم يُرْسَل إليهم» كَذِبٌ ظاهرٌ عليه؛ فإنَّ كتابه مملوءٌ بدعوتهم وأَمْرِه لهم بالإيمان به واتِّباعه، بل وبعموم رسالته إلى جميع النَّاس، بل وإلى الجنِّ والإنس، وليس فيه قطُّ أنَّه لَـمْ يُرْسَل إلى أهل الكتاب، بل فيه التَّصريح بدعوة أهل الكتاب في غير موضعٍ، كقوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
[143]وأمَّا قولهم: «مع تشكُّكِه فيما أتى به»: تعليق جانبي/ بطلان إدعاء النصارى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم شك فيما أوُحي إليه
فمن الكَذِب البَـيِّن؛ فإنَّه تعالى قال: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ﴿٢٢﴾ وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ﴿٢٣﴾ ۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ﴿٢٤﴾ قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ﴿٢٥﴾ قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [سبأ: 22-26].
فإنَّه لَـمَّا دعاهم إلى التوحيد وبيَّن أنَّ ما يدْعُونَه من دون الله لا يملك مثقالَ ذرَّةٍ في السَّماوات ولا في الأرض، ولا هو شريكٌ ولا ظهير، ولا ينفع شفيعٌ إلا بإذنه؛ نفى بذلك جميع وجوهِ الشِّـرْك، فإنَّ ما يُشْـرَكُ به إمَّا أن يكون له مُلْك، أو شريك في الملك، أو يكونَ مُعينًا، فإذا انتفت الثلاثة لَـمْ يبْقَ إلا الشَّفاعةُ التي هي دعاءٌ لك ومسألة، وتلك لا تنفع عنده إلا لمن أذن له، ثُمَّ ذكر بعد هذا: أنَّه لا رازق يرزق من السَّمَاء والأرض إلا الله، دلَّ بهذا وهذا على التوحيد، كما في قوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ﴿٥٤﴾ لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 53-55].
فلما ذكر ما دَلَّ على وجوب توحيده، وبيانِ أنَّ أهلَ التَّوحيد هم على الهدى، وأنَّ أهلَ الشِّـرْك على الضَّلال قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
يقول: إنَّ أحدَ الفريقين أهل التَّوحيد الذين لا يعبدون إلا الله، وأهل الشَّـرْك لعلى هدًى، أو في ضلالٍ مبين.
وهذا من الإنصاف في الخطاب الذي كلُّ من سَمِعَهُ من وليٍّ وعدوٍّ قال لمن خُوطِب به: قد أنصفك صاحبُك. كما قال العادل الذي ظهر عدلُه للظَّالم الذي ظهر ظلْمُه: الظالم إمَّا أنا، وإمَّا أنت، لا للشكِّ في الأمر الظَّاهر، لكن لبيان أن أحدَنا ظالِـمٌ ظاهرُ الظلم، وهو أنتَ، لا أنا.
فإنَّه إذا قيل: أهلُ التَّوحيد الذين يعبدُون الله على هدًى، أو في ضلال، وأهلُ الشِّـرْك الذين يعبدون ما لا يضـرُّ ولا ينفع على هدًى أو في ضلال مبين؛ تَبَيَّن أنَّ أهلَ التَّوحيد على الهدى، وأهلَ الشِّـرْك على الضلال، وهذا ممَّا يعلمه جميعُ [أهل] الملل من المسلمين واليهود والنَّصَارى، يعلمون أنَّ أهل التَّوحيد على الهدى، وأهلَ الشِّـرْك على الضَّلال.
وفي القرآن في بيان مثل هذا ما لا يُحْصَـى إلا بِكُلْفة، بل قطبُ القرآن وسائرُ الكتب ومدارُها على عبادة الله وحده، فكيف يُقال: إنَّ الرَّسول كان يشُكُّ هل المهتدي هم أهل التَّوحيد أم أهل الشِّـرْك؟ وهل يقول هذا إلا من هو في غاية الجهل والعناد ؟
ثُمَّ الآية خطابٌ للمشركين، ليست خطابًا للنَّصَارى خصوصًا.
وأمَّا قوله تعالى: [قل ما أدري ما يفعل بي ولا بكم]. فلفظ الآية: ﴿قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الأحقاف: 9]، وهذا بعد قوله: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: 8].
ونظير هذا قوله: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ﴾ [الأنعام: 50].
وهذا قاله نوح عليه السلام أوَّل الرُّسُل، وأَمَرَ محمَّدًا ﷺ آخرَ الرُّسل أن يقوله.
ومثل قوله: ﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ﴿٢١﴾ قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ﴿٢٢﴾ إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [الجن:21- 23].
وهذا ونحوُه يتضمَّن اعترافَه بأنَّه عبدُ الله ورسولٌ من الله، لا يتعدَّى حدَّ الرِّسالة، ولا يدَّعي المشاركةَ في الإلهيَّة، كما ادَّعتْه النَّصَارى في المسيح ولهذا قال تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ﴾ [المائدة: 75].
فتبيَّن؛ أنَّه لا يتعدَّى حدَّ الرِّسَالة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 144].
ولهذا قال ﷺ في الحديث المتَّفَق على صِحَّته: (لا تُطْرونِي كَمَا أطْرَتِ النَّصَارى عيسى ابنَ مرْيم، فَإِنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله ورَسُولُه)([144]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3445).
فقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يقول: لستُ أولَ من أُرسِل أو ادَّعى الرِّسالة، بل قد تقدَّم قبلي رُسُل. ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول: لا أدَّعي علم الغيب، إن أتَّبعُ إلا ما يُوحَى إليَّ وما أنا إلا نذيرٌ أُنْذِرُكم بما أمرني الله أن أُنْذِرَكم به، لا أقول لكم: عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول إنِّي ملك.
وهذا من كمال صِدْقه وعَدْله وعبوديَّته لله وطاعته، وتمييز ما يستحقُّه الخالقُ وحدَه ممَّا يستحقُّه العبد، فإنَّ العلم بعواقب الأمور على وجه التَّفصيل ممَّا استأثر الله بعلمه، فلا يعلَمُه مَلَكٌ مُقرَّب، ولا نبيٌّ مُرْسَل، وليس من شرط الرَّسُول أنْ يعلم كلَّ ما يكون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾، نفيٌ لعلمه بجميع ما يُفْعَل به وبهم، وهذا لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وهذا لا ينفي أن يكون عالِـمًا بأنَّه سعيدٌ من أهل الجنَّة، وإنْ لَـمْ يَدْرِ تفاصيل ما يجري له في الدُّنيا من المحَنِ والأعمال، وما يتجدَّدُ له من الشَّـرَائع، وما يُكْرَمُ به في الآخرة من أصناف النعيم، فإنَّه قد ثبت في [الصَّحيح] عن النبي ﷺ أنَّه قال: يقول الله تعالى: (أعْدَدتُ لعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأْتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَـرٍ)([145]). وأيضًا هذا مأثورٌ عن غيره من الأنبياء عليهم السلام. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3244)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2824).
ولا من شَرْطِ النبيِّ أن يعلم حالَ المخاطبين: من يُؤمن به ومن يكفر، وتفصيل ما يصيرون إليه. هذا إن قيل: إنَّه لَـمْ يعلم بعد هذه الآية ما نُفي فيها، وإن قيل: إنَّه أُعْلِم بذلك، فمعلومٌ أن الله لم يُعْلِمْه بكلِّ شيءٍ جملةً، بل أعلمه بالأمور شيئًا بعد شيء.
[الشُّبهة الثالثة عشرة: دعاء النبي ﷺ بالهداية إلى دين النصارى]
ثُمَّ قالوا: (مع الأمر له في فاتحة الكتاب أن يسأل الهداية إلى الصِّـراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين، فأعنى بقوله: الـمُنْعَمِ عليهم والمغضوبِ عليهم، والضَّالين: الثلاثَ أمم الذين كانوا في عصـره، وهم: النَّصَارى، واليهودُ، وعبَّادُ الأصنام، ولَـمْ يكن في زمانه غيرُ هؤلاء الثَّلاثِ أمم.
فالـمُنْعَم عليهم: نحن النَّصَارى، والمغضوب عليهم: فلا يُشَكُّ أنَّهم اليهود الذين غضب الله عليهم في كتب التَّوراة والأنبياء وهذا الكتاب، والضَّالين فهم: عُبَّاد الأصنام الذين ضلُّوا عن الله، فهذا أمرٌ واضحٌ بيِّنٌ ظاهرٌ عند كلِّ أحد، ولا سيَّما عند ذوي العقول والمعرفة.
والصِّـراط: هو المذهب، أي الطَّريق، وهذه اللَّفْظة روميَّة؛ لأنَّ الطريق بالروميَّة: اسطراطا)([146]). () رسالة بولس الأنطاكي (417-418)، وقد ذُكِرَتْ هذه الفقرة في المطبوع مختصرة.
والجواب:
أمَّا قولهم: «الـمُنْعَم عليهم: نحن النَّصَارى». فمن العجائب التي تدلُّ على فرْطِ جَهْلِ صاحبها، وأعجبُ من ذلك قولُهم: «إن هذا شيءٌ بيِّنٌ واضحٌ عند كلِّ أحد، لا سيَّما عند ذوي العقل والمعرفة». فيا سبحان الله! أَ لَـمْ يعْرِف العامُّ والخاصُّ عِلْمًا ضروريًّا لا تمكن المنازَعةُ فيه من دين محمَّدٍ ﷺ، ودينِ أمَّتِه الذي تلقَّوه عنه من تكفير النَّصَارى وتجهيلهم وتضليلهم، واستحلال جهادهم وسبْيِ حريمهم وأخذ أموالهم= ما يناقض كلَّ المناقضة أن يكون محمدٌ ﷺ وأمَّتُه في كل صلاة يقولون: اللهم اهدنا صراط النَّصَارى؟! وهل يَنْسِبُ محمَّدًا ﷺ وأُمَّتَه إلى أنَّهم في كلِّ صلاةٍ يطلبون من الله: أن يهديهم صراطَ النَّصَارى إلا مَن هو مِن أكذبِ الكذَّابين، وأعظمِ الخلق افتراءً ووقاحةً، وجَهْلًا وضلالًا.
ولو كانوا يسألون الله هدايةَ طريق النَّصَارى لدخلوا في دين النَّصَارى، ولَـمْ يُكفِّروهم ويقاتلوهم، ويضعوا عليهم الجزية التي يُؤدُّونها عن يدٍ وهم صاغرون، ولَـمْ يشهدوا عليهم بأنَّهم من أهل النار.
وأمَّتُه أخذوا ذلك جميعَه عنه، منقولًا عنه بالنَّقل المتواتر بإجماعهم، لم يبتدعوا ذلك كما ابتدعت النَّصَارى من العقائد والشَّـرائع ما لَـمْ يأذن به الله، فلا يُلامُ المسلمون في اتِّباعهم لرسول الله الذي جاء بالبيِّنات والهدى.
ومحمَّدٌ ﷺ إنْ كان رسولًا صادقًا؛ فقد كفَّر النَّصَارى وأمرَ بجهادهم، وتبَرَّأ منهم ومن دينهم، وإنْ كان كاذبًا؛ لَـمْ يُقبل شيءٌ مما نقله عن الله عز وجل.
وقد تقدَّم غيرُ مرَّةٍ قولُه تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 72]. ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73]. فمن يقول عن النَّصَارى مثل هذه الأقوال؛ هل يأمر أُمَّتَه في كل صلاةٍ أن يقولوا: اهدنا طريقَهُم؟!
ثُمَّ يُقال: أيُّ شيءٍ في الآية ممَّا يدل على أن قوله: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾؛ هم: النَّصَارى. وإنَّما الـمُنْعَم عليهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: 69]، فهؤلاء الذين أمر الله عبادَه أن يسألوا هدايةَ صِراطِهم.
وأمَّا النَّصَارى الذين كانوا على دين المسيح قبل النَّسخ والتَّبديل فهم مِن الـمُنْعَم عليهم، كما أنَّ اليهود الذين كانوا على دين موسى قبل النَّسخ والتَّبديل كانوا مِن الـمُنْعَم عليهم.
وأمَّا النَّصَارى بعد النسخ والتَّبديل فهم من الضَّالين، لا من الـمُنْعَم عليهم عند الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة:77]. وقال تعالى: ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [مريم: 38].
وعُبَّاد الأصنام من الضَّالين المغضوب عليهم. وقد قال النَّبيُّ ﷺ: (اليَهُودُ: مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، والنَّصَارى: ضَالُّونَ)([147]). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (19691)، والترمذي في "جامعه" برقم: (2954).
وسبب ذلك أن اليهود يعرفون الحقَّ ولا يعملون به، والنَّصَارى يعبدون بلا علم، وقد وصف الله اليهود بأعمال، والنَّصَارى بأعمال، فوصف اليهود بالكِبْر والبُخْل والجُبْن والقَسْوة وكِتْمان العلم وسلوك سبيل الغيِّ وهو سبيل الشَّهوات والعدوان.
وذَكَر عن النَّصَارى:
الغلوَّ والبدعَ في العبادات والشِّرك والضَّلال واستحلالَ محارمِ الله، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ﴿١٧١﴾ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ﴿١٧٢﴾ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا﴾ [النساء: 171-173].
وقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]. أي: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، لم نكتب عليهم الرَّهبانيَّة، بل هم ابتدعوها، ومع ابتداعهم إيَّاها فما رعوها حقَّ رعايتها، وكلُّ بِدْعةٍ ضلالة، فهم مذمومون على ابتداع الرَّهبانيَّة، وعلى أنهم لم يرعوها حقَّ رعايتِها.
وقال تعالى فيهم: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 30-31].
وقال تعالى لهم: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة:77].
وهو سبحانه خاطب النَّصَارى بهذا؛ لأن النَّصَارى يعتمدون في دينهم على ما يقوله كبراؤهم الذين وضعوا لهم القوانين والنواميس، ويسوِّغون لأكابرهم الذين صاروا عندهم عظماءَ في الدين أن يضعوا لهم شريعة وينسخوا بعضَ ما كانوا عليه قبل ذلك، لا يردُّون ما يتنازعون فيه من دينهم إلى الله ورسله، بحيث لا يمكِّنون أحدًا من الخروج عن كُتُبِ الله المنزلة كالتَّوراةِ والإنجيل، وعنِ اتِّباع ما جاء به المسيحُ ومَن قبلَه من الأنبياء عليهم السلام.
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ﴾ [المائدة:68]. بل ما وضعه لهم أكابِرُهم من القوانين الدِّينيَّة والنواميس الشَّـرْعيَّة بعضُها ينقلونه عن الأنبياء، وبعضُها عن الحواريين، وكثيرٌ من ذلك ليس منقولًا لا عن الأنبياء ولا عن الحواريِّين، بل مِن وَضْعِ أكابرهم وابتداعهم.
كما ابتدعوا لهم «الأمانة» التي هي أصلُ عقيدتهم، وابتدعوا لهم الصَّلاة إلى الشـرق، وابتدعوا لهم تحليل لحم الخنزير، وسائر المحرمات، وابتدعوا لهم الصَّوم وقت الربيع، وجعلوه خمسين يومًا، وابتدعوا لهم أعيادَهم كعيد الصَّلِيب وغيرِه من الأعياد.
وكذلك قال النبي ﷺ لعَدِيِّ بن حاتِمٍ لَـمَّا سَمِعَه يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، فقال: لَـمْ يعبُدُوْهُم. فقال له النبي ﷺ: (إِنَّهُم أحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ فأطَاعُوهُم، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلالَ فَأَطَاعُوهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَادَتُهُمْ)([148]). () أخرجه الترمذي في "جامعه" برقم: (3095)، والبيهقي في "سننه الكبرى" برقم: (20409). انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (7/861-866)، حديث رقم: (3293).
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] فإنَّهم يَتَّبعون أهواءَ أكابرهم الذين مضوا من قَبْلِهم، وأولئك ضَلُّوا من قبل هؤلاء، وأضَلُّوا أتباعهم وهم كثيرون، وضَلُّوا عن سواء السَّبيل -وهو وسط السَّبيل-، وهو الصِّراط المستقيم.
فإذا كانوا هم وأتباعُهم ضالِّين عن الصِّراط المستقيم، فكيف يجوز أن يأمر الله عباده أن يهديهم الصِّـراط المستقيم ويعني به صراطَ هؤلاء الضَّالين المضلِّين عن سواء السبيل، وهو الصِّـراط المستقيم؟، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ﴾ هؤلاء؛ لأن أصل ابتداعهم هذه البدعةَ كان عن هوًى من أنفسهم مع ظنٍّ كاذب، فكانوا مِمَّن قيل فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23]. ومِمَّن قيل فيه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].
وسبب ذلك: أنَّ المسيح ﷺ لَـمَّا رفُع إلى السَّماء وعاداه اليهودُ، وعادَوا أتباعه عداوةً
شديدة، وبالغوا في أذاهم وإذلالِهم وطلبِ قتلِهم ونَفْيِهِم، صار في قلوبهم من بغض اليهود وطلبِ الانتقام منهم ما لا يوصف، فلما صار لهم دولةٌ ومُلْكٌ مثلَ ما صار لهم في دولة قُسْطَنطين صاروا يريدون مقاتلة اليهود، كما جرت العادة في مثل ذلك بين الطَّوائف المتقابلة المتنازِعين في الـمُلْك، والمتنازعين في البدع كالخوارج والروافض، والجبريَّة مع القدريَّة، والمعطِّلة مع الـمُمَثِّلة، وكالدَّولتين المتنازِعَتَين على الملك والأهواء، بمنزلة قيسٍ ويَمَن، وأمثال ذلك، إذا ظهرت طائفةٌ على الأخرى بعدما آذتْها الأخرى وانتقمت منها تريد أن تأخذ بثأرها، ولا تقفَ عند حدِّ العدل، بل تعتدي على تلك كما اعتدت تلك عليها.
فصار النَّصَارى يريدون مناقضةَ اليهود؛ فأحَلُّوا ما يحرِّمه اليهودُ، كالخنزير وغيره، وصاروا يمتحنون مَنْ دَخَل في دينهم بأكل الخنزير، فإن أَكَلَه وإلا لم يجعلوه نصـرانيًّا. وتركوا الختان، وقالوا: إنَّ المعموديَّة عِوَضٌ عنه، وصَلَّوا إلى قبلةٍ غيرِ قبلة اليهود.
وكان اليهود قد أسرفوا في ذمِّ المسيح عليه السلام وزعموا أنه ولدُ زنا، وأنه كذَّابٌ ساحر، فغَلَوْا هؤلاء في تعظيم المسيح وقالوا: إنه الله وابن الله، وأمثال ذلك، وصار من يطْلُبُ أن يقول فيه القولَ العَدْلَ مثلَ كثيرٍ من علمائهم وعُبَّادهم، يجمعون له مجْمَعًا ويلعنونه فيه على وجه التَّعَصُّب واتِّباعِ الهوى، والغلُوِّ فيمن يعظمونه، كما يجري مثلُ ذلك لأهل الأهواء، كالغلاة في بعض المشايخ، وبعض أهل البيت، وبعض العلماء، وبعض الملوك، وبعض القبائل، وبعض المذاهب، وبعض الطَّرائق، فإنَّما كان مصدرُ ضلالهم: أهواءَ نفوسهم، قال تعالى للنَّصارى الذين كانوا في وقت النَّبيِّ ﷺ ومَن بعدهم: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].
وأما قولهم: «إن الصِّـراط هو المذهب، أي: الطريق، وهذه لفظةٌ روميِّة؛ لأنَّ الطَّريق بالرُّوميِّة اسطراطا].
فيقال لهم:
الصِّراط في لغة العرب: هو الطريق. يقال: هو الطَّريق الواضح، ويقال: هو الطَّريق المحدود بجانبين الذي لا يخرج عنه. ومنه الصِّـراطُ المنصوب على جهنم، وهو الجِسْـر الذي يَعْبُر عليه المؤمنون إلى الجنة، وإذا عَبَر عليه الكفَّارُ سقطوا في جهنم.
ويقال فيه: معنى الاستواء والاعتدال الذي يوجب سرعة العبور عليه.
وفيه ثلاثُ لغات، هي ثلاث قراءات: الصِّـراط، والسِّـراط، والزِّراط. وهي لغةٌ عربيَّةٌ عرباء ليست من المعرَّب، ولا مأخوذةً من لغة الرُّوم كما زعموا.
[الفصل الثالث: دعوى النَّصَارى أنَّ نبوات الأنبياء تدُلُّ على التثليث والاتحاد]
قال الحاكي عنهم: (فقلت: إنَّهم ينكرون علينا في قولنا: أبٌ وابنٌ وروحُ قدس.
وأيضًا في قولنا: إنَّهم ثلاثة أقانيم.
وأيضًا في قولنا: إنَّ المسيحَ ربٌّ وإلهٌ وخالقٌ.
وأيضًا يطلبون منَّا إيضاح تجسم كلمة الله الخالق بإنسانٍ مخلوق.
أجابوا قائلين: لو علموا قولَنا هذا إنَّما نُريد به تصحيح القول أنَّ الله شيءٌ حيٌّ ناطقٌ لَـمَا أنكروا علينا ذلك؛ لأننا معشر النَّصَارى لَـمَّا رأينا حدوث الأشياء؛ علمنا أنَّ شيئًا غيرَها أحدثها، إذ لا يمكن حدوثها من ذواتها لِـمَا فيها من التضادد والتقلُّب. فقلنا: إنَّه شيءٌ لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكلِّ شيء، وذلك لننفيَ عنه العدم.
ورأينا الأشياء المخلوقة تنقسم قسمين: شيءٍ حيٍّ، وشيءٍ غير حيٍّ، فوصفناه بأجلِّهما؛ فقلنا: هو شيٌء حيٌّ لننفيَ الموت عنه، ورأينا الحيَّ ينقسم قسمين: حيٍّ ناطق، وحيٍّ غير ناطق، فوصفناه بأفضلهما؛ فقلنا: هو شيءٌ حيٌّ ناطقٌ لننفيَ الجهلَ عنه.
والثلاثة أسماء وهي: إلهٌ واحد، مُسَمًّى واحد، وربٌّ واحد، خالقٌ واحد، شيءٌ حيٌّ ناطق، أي: الذَّاتُ والنطق والحياة. فالذَّات عندنا: الأب الذي هو ابتداء الاثنين، والنُّطق: الابن الذي هو مولودٌ منه كولادة النُّطق من العقل. والحياة هي: روح القدس)([1]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص418).
والجواب من وجوه:
[2]الوجه الأول: قولهم: «أمَّا قولنا أب وابن وروح قدس، فلو علموا قولنا هذا إنَّما نريد به تصحيح القول بأن الله حيٌّ ناطقٌ لما أنكروا ذلك علينا». تعليق جانبي/ مستند النصارى في التثليث سمعي لا عقلي
فيقال: ليس الأمر كما ادَّعوه؛ فإنَّ النَّصَارى يقولون: إنَّ هذا القول تلقَّوه عن الإنجيل، وإنَّ في الإنجيل عن المسيح -صلوات الله عليه وسلامه- أنَّه قال: (عَمِّدوا النَّاسَ باسم الأب والابن وروح القدس)([3]) فكان أصل قولهم هو ما يذكرونه من أنَّه مُتلقًّى من الشَّـرْع المنَـزَّل، لا أنَّهم أثبتوا الحياة والنُّطقَ بمعقولهم ثُمَّ عبَّروا عنها بهذه العبارات، كما ادَّعوه في مناظرتهم. () انظر: إنجيل متى (28: 19).
ولو كان الأمر كذلك لما احتاجوا إلى هذه العبارة، ولا إلى جَعْلِ الأقانيم ثلاثة، بل معلومٌ عندهم وعند سائر أهل الملل أن الله موجودٌ حيٌّ عليمٌ قديرٌ متكلِّمٌ، لا تختصُّ صفاته بثلاثة، ولا يعبَّر عن ثلاثةٍ منها بعبارةٍ لا تدلُّ على ذلك، وهو لفظ: «الأب» و«الابن» و«روح القدس»؛ فإنَّ هذه الألفاظ لا تدُلُّ على ما فسَّـروها به في لغة أحدٍ من الأمم، ولا يوجد في كلام أحدٍ من الأنبياء أنَّه عبَّر بهذه الألفاظ عمَّا ذكروه من المعاني، بل إثباتُ ما ادَّعوه من التَّثليث والتَّعبير عنه بهذه الألفاظ هو ممَّا ابتدعوه، لَـمْ يدُلَّ عليه لا شرعٌ ولا عقل.
وهم يدَّعون أن التَّثليثَ والحلولَ والاتِّحاد إنَّما صاروا إليه من جهة الشَّـرع، وهو نصوص الأنبياء والكتب المنزلة لا من جهة العقل، وزعموا أن الكتب الإلهيَّة نطقت بذلك، ثُمَّ تكلَّفوا لِـمَا ظنُّوه مدلولَ الكتب طريقًا [عقليًّا] فسَّـرُوه بها تفسيرًا ظنُّوه جائزًا في العقل.
ولهذا تجد النَّصَارى لا يلجؤون في التَّثليث والاتِّحاد إلا إلى الشِّـرْع والكتب، وهم يجدون نفرةَ عقولهم وقلوبهم عن التَّثليث والاتِّحاد والحلول؛ فإن فطرة الله التي فَطَر النَّاسَ عليها وما جعله الله في قلوب الناس من المعارف العقليَّةِ التي قد يُسَمُّونها ناموسًا طبيعيًّا؛ يدفع ذلك وينفيه وينفِر عنه، لكن يزعمون أن الكتب الإلهيَّة جاءت بذلك، وأن ذلك أمرٌ يفوق العقل، وأنَّ هذا الكلام من طورٍ وراء طور العقل، فينقلونه لظنِّهم أن الكتب الإلهيَّةَ أخبرت به، لا لأنَّ العقول دلَّت عليه، مع أنَّه ليس في الكتب الإلهيَّة ما يدُلُّ على ذلك، بل فيها ما يدلُّ على نقيضه، ولا يميِّزون بين ما يُحِيله العقلُ ويُبْطِله ويَعْلَم أنه مُمْتنع، وبين ما يَعْجز عنه العقلُ فلا يعرفه ولا يَحْكُم فيه بنفيٍ ولا إثبات، وأنَّ الرُّسُل أخبرت بالنَّوع الثَّاني، ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأول، فلم يُفَرِّقُوا بين مُحالات العقول ومَحارات العقول، وقد ضاهوا في ذلك مَن قَبلهم من المشركين الذين جعلوا لله ولدًا شريكًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [التوبة: 30].
ولما كان مستند النَّصَارى هو ما ينقلونه إمَّا عن الأنبياء، وإمَّا عن غيرهم ممن يوجبون اتِّباعه، كانوا إذا أوردوا على علمائهم ما يقتضـي امتناع ذلك، قالوا: هكذا في الكتاب، وبهذا نطق الكتاب، وهذه الكتب جاءت بها الرُّسُل، يعنون المؤيَّدين بالمعجزات، ويعنون بالرُّسل الحواريين، فاعتصامهم بهم إنَّما هو لما ظنوه مذكورًا في الكتب الإلهيَّة، وإنْ رأوه مخالفًا لصريح المعقول.
ولهذا ينهون جُمهورَهم عن البحث والمناظرة في ذلك؛ لعلمهم بأن العقل الصَّـريح متى تَصَوَّر دينَهم عَلِم أنه باطل.
فدعوى المدَّعين أنَّا إنَّما قلنا: أبٌ وابنٌ وروح قدس؛ لتصحيح القول: بأنَّ الله حيٌّ ناطق؛ كذبٌ ظاهر، وهم يعلمون أنَّه كذب، وتصحيح القول: بأنَّ الله حيٌّ مُتكلِّم، لا يقف على هذه العبارة، بل يمكنه تصحيح ذلك بالأدلة الشَّـرْعيَّة والسَّمعيَّة والعقليَّة، والتعبير عنه بالعبارات البيِّنة كما يقوله المسلمون وغيرهم، بدون قولنا: «أب» و«ابن» و«روح قدس».
[4]46050204064000الوجه الثاني: أنَّ النَّصَارى المقرِّون بأنَّ هذه العبارة في الإنجيل المأخوذِ عن المسيح مختلفون في تفسير هذا الكلام، فكثيرٌ منهم يقول: الأب هو: الوجود. والابن هو: الكلمة. وروح القدس هو: الحياة. تعليق جانبي/ اختلاف النصارى في معاني التثليث
ومنهم من يقول: بل الأب هو: الوجود، والابن هو: الكلمة، وروح القدس هو: القدرة.
ومنهم من يُعَبِّر عن الكلمة بالعلم، فيقولون: موجودٌ حيٌّ عالِـمٌ، أو موجودٌ عالمٌ قادر، كما يقول بعضهم: ناطق. ومنهم من يقول: موجودٌ حيٌّ حكيم. ومنهم من يقول: قائمٌ بنفسه حيٌّ حكيم، وهم متَّفقون على أنَّ المتَّحد بالمسيح أو الحالّ فيه هو أقنومُ الكلمة، وهو الذي يُسَمُّونه الابن دون الأب.
ومَن أنكر الحلول والاتِّحاد منهم كالأَرْيُوسِيَّة يقول: إنَّ المسيح عليه السلام عَبْدٌ مُرْسَلٌ، كسائر الرسل -صلوات الله عليهم وسلامه-، فوافقهم على لفظ: الأب والابن وروح القدس، ولا يُفَسِّـر ذلك بما يقوله مُنازِعُوه من الحلول والاتِّحاد.
كما أنَّ النُّسْطُوريَّة يوافقونهم أيضًا على هذا اللَّفظ، وينازعونهم في الاتِّحاد الذي يقوله اليعقوبية والملكيَّة، فإذا كانوا متَّفقين على اللَّفظ متنازعين في معناه؛ عُلِم أنَّهم صَدَّقُوا أوَّلًا باللَّفظ؛ لأجل اعتقادهم مجيءَ الشَّـرع به، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسير الكتاب، كما يختلفون هم وسائرُ أهلِ الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنَّه منقولٌ عن الأنبياء عليهم السلام، وعُلِم بذلك أن أصل قولهم: «الأب والابن وروح القدس»؛ لَـمْ يكن لأجل تصحيح القول بأنَّ الله موجودٌ حيٌّ ناطقٌ، الذي علموه أوَّلًا بالعقل.
[5]الوجه الثالث: وهو قولهم: «إنا لَـمَّا رأينا حدوثَ الأشياء عَلِمْنا أن شيئًا غيرها أحدثها». تعليق جانبي/ كذب دعوى الاستدلال العقلي على التثليث
إن كان المتكلِّم بهذا طائفةً معيَّنةً من النَّصَارى، فيقال لهؤلاء: القول بالأب والابن وروح القدس؛ موجودٌ عند النَّصَارى قبل وجودكم، وقبل نظركم هذا واستدلالكم، فلا يجوز أن يكون نظرُكُم هو الموجِب لقول النَّصَارى هذا، وإنْ كان المراد به: أن جميع النَّصَارى من حين قالوا هذا الكلام نظروا واستدلَّوا حتَّى قالوا ذلك؛ فهذا كَذِبٌ بيِّن، فإنَّ هذا الكلام يقول النَّصَارى إنَّهم تلقَّوه عن الإنجيل، وإن المسيح عليه السلام قال: (عَمِّدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس)([6]). () انظر: إنجيل متى (28: 19).
والمسيح والحواريُّون لَـمْ يأمروهم بهذا النَّظَر الموجِب لهذا القول، ولا جَعَل المسيحُ هذا القولَ موقوفًا عندهم على هذا البحث؛ فعُلِم أن جَعْلَهُم هذا القولَ ناشئًا عن هذا البحث؛ قولٌ باطلٌ يعلمون هم بطلانه.
[7]الوجه الرابع: أنَّ هذا القول إنْ كان المسيح لَـمْ يقُلْه؛ فلا يجوز أن يُقال ولو عنَى به الإنسان معنًى صحيحًا، فإنَّ هذه العبارة إنَّما يُفْهَم منها عند الإطلاق المعاني الباطلة، ولهذا يوجد كثيرٌ من عوامِّ النَّصَارى يعتقدون أنَّ المسيحَ ابنُ الله، البنوَّةُ المعروفةُ في المخلوقات، ويقولون: إنَّ مريم زوجة الله، وهذا لازمٌ لعامَّة النَّصَارى وإنْ لَـمْ يقُولُوه، فإنَّ الذي يلِدُ لا بُدَّ له من زوجة ولهذا قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: 101]. تعليق جانبي/ عدم صحة التثليث لأن المسيح لـم يأتِ به
[8]الوجه الخامس: إنْ صحَّت هذه العبارة عن المسيح المعصوم ، فإنَّه أراد بذلك ما يناسب سائر كلامه، وفي الموجود في كتبهم تسمية الربِّ: أبًا، وتسمية عباده: أبناء، كما يذكرون أنَّه قال في التوراة ليعقوب: (أنتَ ابني بِكْرِي)([9])، وقال لداود في الزبور: (أنتَ ابني وحبيبي)([10])، وفي الإنجيل في غير موضعٍ يقول المسيح: (أبي وأبيكم). كقوله: (إنِّي أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم)([11]). فيُسَمِّيه أبًا لهم، كما يُسَمِّيهم أبناءً له. تعليق جانبي/ التفسير الصحيح للأب والابن والروح القدس () انظر: سفر الخروج (4: 22). () جاء في سفر المزامير (2: 7): «أعلنت حكم الرب، قال لي: أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك». () انظر: إنجيل يوحنا (20: 17).
فإنْ كان هذا صحيحًا؛ فالمراد بذلك أنَّه الربُّ المربِّي الرحيم، فإنَّ الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والابن هو المربَّى المرحوم، فإنَّ تربية الله لعبده أكملُ من تربية الوالدة لولدها، فيكون المراد بالأب: الرب، والمراد بالابن: عبده المسيح الذي ربَّاه.
وأما «روح القدس»: فهي لفظة موجودةٌ في غير موضعٍ من الكتب التي عندهم، وليس المراد بها: حياة الله باتفاقهم، بل روح القدس عندهم تحُلُّ في إبراهيم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء الصالحين.
والقرآن قد شَهِدَ أنَّ الله أيَّد المسيح بروح القدس، كما قال تعالى: ﴿وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ في موضعين من البقرة، وقال تعالى: ﴿يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ || ، [المائدة: 110]، وقد قال النبي ﷺ لحسَّان بن ثابت: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عن نَبيِّه)([12]). وقال: (اللَّهُمَّ أيِّدْه بِروحِ القُدُس)([13]). () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (7146). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3212)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2485).
وروح القدس: قد يُراد بها: الـمَلَك المقدَّس كجبريل، ويُرَاد بها: الوحي والهدى والتَّأييد الذي يُنْزِلُه الله بواسطة الـمَلَك أو بغير واسطته، وقد يكونان متلازِمَيْن، فإنَّ الـمَلك يَنزل بالوحي، والوحي يَنزل به الـمَلك. والله تعالى يُؤيِّد رسله بالملائكة وبالهدى، فإن كان [المسيح قد] قال: (عَمِّدوا النَّاس باسم الأب والابن وروح القدس)([14])؛ فمُراده: مُرُوا النَّاس أن يؤمنوا بالله ونبيِّه الذي أرسله، وبالـمَلَك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمرًا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحقُّ الذي يدلُّ عليه صريح المعقول وصحيح المنقول. () انظر: إنجيل متى (28: 19).
فتفسير كلام المعصوم بهذا التَّفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم ويوافق القرآن ويوافق العقل أَوْلى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول.
وهذا تفسيرٌ ظاهرٌ ليس فيه تكلُّف، ولا هو من التَّأويل الذي هو: صَرْف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهرَه، بل هو تفسيرٌ له بما يدلُّ ظاهرُه عليه باللُّغة المعروفة والعبارةِ المألوفة في خطاب المسيح، وخطابِ سائر الأنبياء.
وأمَّا تفسير النَّصَارى بأنَّ الابن: مولودٌ قديمٌ أزليٌّ، هو العلم أو كلمة الله؛ فتفسير للَّفظ بما لم يُستعمل هذا اللفظ فيه، لا في كلام أحدٍ من الأنبياء، ولا لُغَةِ أحدٍ من الأنبياء.
وكذلك تفسير «روح القدس» بحياة الله، فالذي فَسَّـر النَّصَارى به كلامَ المسيح هو تفسيرٌ لا تدلُّ عليه لغةُ المسيح وعادتُه في كلامه، ولا لغة غيره من الأنبياء والأمم، بل المعروف في لغته وكلامه وكلام سائرِ الأنبياء تفسيرُه بما فسَّـرناه، وبذلك فسَّـره أكابر علماء النَّصَارى.
وأما ضُلَّال النَّصَارى المحرِّفون لمعاني كتب الله عز وجل ففسَّـرُوه بما يخالف معناه الظاهر، وينكره العقلُ والشَّرع.
[15]الوجه [السادس]: أنَّا نقول: لا ريب أنَّ الله حيٌّ عالمٌ قادرٌ متكلِّم، وللمسلمين على ذلك من الدَّلائل العقليَّة التي دلَّ الرَّسُول عليها وأرشد إليها فصارت معروفةً بالعقل مدلولًا عليها بالشَّـرْع، وأنتم مع دعواكم أنَّكم تُثْبِتون ذلك بالعقل؛ لَـمْ تذكروا على ذلك دليلًا عقليًّا. فقولكم: «لما رأينا حدوث الأشياء عَلِمْنَا أنَّ شيئًا غيرَها أحدثها؛ إذ لا يمكن حدوثها من ذواتها لِـمَا فيها من التضادد والتقلُّب»؛ كلامٌ قاصرٌ لوجوه: تعليق جانبي/ اختلال واضطراب استدلال النصارى على صفات الله.
أحدها: أنَّكم لَـمْ تروا حدوث جميع المخلوقات، وإنَّما رأيتم حدوث ما يُشهَد حدوثُه كالسَّحاب والمطر والحيوان والنَّبات ونحوِ ذلك. فأين دليلُكم على حدوث سائر الأشياء؟
الثاني: أنَّه كان ينبغي أن تقولوا: لَـمَّا عُلِم حدوثُ الـمُحْدَثات، أو حدوث المخلوقات، أو حدوث ما سوى الله، ونحو ذلك مما يُبيِّن أنَّ المحدَث ما سوى الله، فأمَّا إطلاق حدوث جميع الأشياء؛ فباطل، فإنَّ الله يُسَمَّى عندكم وعند جمهور المسلمين: شيئًا من الأشياء، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:16]. فإنَّ هذا التركيب يُبيِّن أنَّ الخالق غيرُ المخلوق، خلاف قول القائل: حدوث الأشياء.
الثالث: أنَّ العلم بأن المحدَث لا بُدَّ له من مُحدِث؛ عِلْمٌ فطريٌّ ضروريٌّ، ولهذا قال تعالى: في القرآن: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ [الطور: 35]. قال جُبير بن مُطعِم: (لَـمَّا سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرأُ بِها في صَلاةِ المَغْربِ أحسَسْتُ بِفُؤادي قَد انصَدعَ)([16])، يقول تعالى: أَ خُلِقوا من غير خالقٍ خلقهم، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4854).
فقولكم: «لَـم يكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضادد والتقلُّب»: تعليلٌ باطل؛ فإنَّ عِلْم َنا بأنَّ حدوثها لَـمْ يكن من ذواتها ليس لأجل ما فيها من التضادد والتقلُّب، بل سواء كانت متماثلةً أو مختلفةً أو متضادةً؛ نحن نعلم بصـريح العقل أنَّ المحدَث لا يُحدِث نفسَه، وهذا من أظهر المعارف وأبينِهَا للعقل، كما يُعلم أنَّ العدم لا يخلُقُ موجودًا، وأنَّ المحدِث للحوادث الموجودة لا يكون معدومًا.
الرابع: أنَّكم ذكرتم حجةً على أنَّها لَـمْ تُحدِث نفسها؛ وهي حجةٌ ضعيفة، ولَـمْ تذكروا حجةً على [امتناع] أنَّها حدَثَت بلا مُحدِث -لا أنفسها ولا غيرها-، فإنْ كان امتناع كونها أحدَثَت نفسَها محتاجًا إلى دليلٍ؛ فكذلك امتناع حدوثها بلا مُحدِث، وإنْ كان معلومًا ببديهة العقل -وهو من العلوم الضَّـروريَّة-؛ فكذلك الآخر، فذِكْرُ الدليل على أحدهما دون الآخر؛ خطأ لو كنتم ذكرتم دليلًا صحيحًا، فكيف إذا كان الدليل باطلًا؟
ومَن يكون مبلغهم من العلم بالأدلة العقليَّة التي يُثْبِتون بها العلم بالصَّانع وصفاته هذا المبْلَغ، ثُمَّ يُريدون مع ذلك أن يُثبتوا معانيَ عقليَّةً، ويزعمون أنَّها موافقةٌ لفهمِهِمُ الباطل من الكتب الإلهيَّة، فهُم ممن قال الله فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ﴿٣٩﴾ أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 39-40].
[17]الوجه [السابع]: قولكم: «فقلنا: إنه شيءٌ لا كالأشياء المخلوقة؛ إذ هو الخالق لكل شيء؛ لننفيَ عنه العدم]. تعليق جانبي/ ليس في كلام النصارى حجة عقلية على الصفات الإلهية
فيقال لهم: لا ريب أن الله كما وصف نفسه بقوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي: مثلًا يستحقُّ أن يُسَمَّى بأسمائه. وقوله تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ﴿٣﴾ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص:1- 4].
وقد دلَّ على ذلك العقل؛ فإن الـمِثْلَين اللَّذين يسدُّ أحدُهما مَسَدَّ الآخر؛ يجب لأحدهما ما يجب للآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجُوز عليه ما يجوز عليه، فلو كان للخالق مِثْلٌ؛ لَلَزِمَ أن يشتركَا فيما يجب ويجوز ويمتنع.
والخالق يجب له الوجود والقدم ويمتنع عليه العدم، فيلزم أن يكون المخلوق واجب الوجود قديمًا أزليًّا لَـمْ يعدم قط، وكونه محدَثًا مخلوقًا يستلزم أن يكون كان معدومًا، فيلزم أن يكون موجودًا معدومًا قديمًا مُحدَثًا، وهو جمعٌ بين النَّقيضين يمتنع في بَدَايهِ العقول.
وأيضًا؛ فالمخلوق يمتنع عليه القدم، ويجب له سابقة العدم، فلو وجب للخالق القديم ما يجب له لوجب كون الواجب القِدَم واجب الحدوث بعد العدم، وهذا جمعٌ بين النقيضين، فالعقل الصَّـريح يجزم بأنَّ الله ليس كمثله شيء.
لكن أنتم لم تذكروا على ذلك حجَّة، بل قلتم: «إنه شيءٌ لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء» فلم تذكروا حجةً على أنه خالق كلِّ شيء؛ إذ كان عمدتكم على ما شاهدتم حدوثَه، وليس ذلك كلَّ شيء، ولم تذكروا حجةً مع كونه خالقَ كلِّ شيءٍ على أنه ليس كمثله شيء، بل قلتم: «لأننا معشـر النَّصَارى لَـمَّا رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئًا غيرها أحدثها لَـمَّا فيها من التضادد والتقلُّب؛ فقلنا: إنَّه شيء لا كالأشياء المخلوقة؛ إذ هو الخالق لكلِّ شيء، وذلك لننفيَ العدم عنه»، ودليلكم لو دلَّ على العلم بالصَّانع لَـمْ يدُلَّ إلا على أنَّه خالق، فكيف إذا لَـمْ يدُل؟
ولا ريب أن الخالق سبحانه يجب أن يكون موجودًا لا معدومًا، وهذا معلومٌ بالضَّرورة لا يحتاج إلى دليلٍ عند جمهور العقلاء والنُّظَّار، وإن كان بعضهم أثبت وجودَه بالدَّليل النظريِّ، لكن ليس في دليلكم ما يدُلُّ على أنه ليس كالأشياء المخلوقة.
وقولكم: «إذ هو الخالق لكل شيء» يتضمَّن أنَّه خالقٌ لكلِّ ما سواه، ليس فيه بيانُ نفي المماثلة عنه، ولكن بيَّـنْـتُم بهذا الكلام جهلَكم بالدَّلائل العقليَّة؛ كجهلكم بالكتب المنزلة، وكذلك أخبر تعالى عن أهل النَّار أنهم يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:10].
وأمَّا قولكم: «ورأينا الأشياء المخلوقة تنقسم قسمين: شيءٍ حيٍّ، وشيءٍ غير حيٍّ، فوصفناه بأجلِّ القسمين؛ فقلنا: إنَّه حيٌّ؛ لننفيَ الموت عنه».
فيقال: لا ريب أنَّ الله حيٌّ كما نطقتْ بذلك كتُبُه المنزلة التي هي آياته القوليَّة، ودلَّت على ذلك آياته كمخلوقاته التي هي آياته الفعليَّة، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. أي: القرآن حقٌّ؛ وقد تقدَّم ذكر القرآن في قوله: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ﴾ [فصلت: 52]. فالله تعالى يُرِي عباده من آياته المشاهَدَة المعاينة الفعليَّة ما يُبَـيِّن صدقَ آياته المنزلة المسموعة القوليَّة.
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:58]، والدَّلائل على حياته كثيرة؛ فهي صفة كمالٍ يستحقُّها بذاته، والموت مناقضٌ لها، فلم يُوصف بالحياة لأجل نفي الموت، بل وصْفُه بالحياة يستلزم نفيَ الموت، فَيُنفَى عنه الموت لأنَّه حيٌّ، لا يُثبت له الحياة لنفي الموت، وكذلك لِتُثْبِتَ له أنَّه شيءٌ موجود، وذلك يستلزم نفي العدم عنه، لا أنَّ إثباتَ وجودِه لأجل نفي العدم، بل نفي العدم عنه لأجل وجوده، كما أنَّ نفيَ الموت عنه لأجل حياته.
قالوا: «والثلاثة أسماء فهي: إلهٌ واحد، وربٌ واحد، وخالقٌ واحد، مُسمًّى واحدٌ لَـمْ يزل ولا [يزال] شيئًا حيًّا ناطقًا، أي: الذات والنطق والحياة. فالذَّات عندنا: الأب الذي هو ابتداء الاثنين. والنطق: الابن الذي هو مولودٌ منه كولادة النطق من العقل. والحياة هي: الروح القدس».
والجواب عن هذا من وجوه:
[18]الوجه الأول: أنَّ أسماء الله تبارك وتعالى متعدِّدةٌ كثيرةٌ، فالاقتصار على ثلاثة أسماء دون غيرها: باطل، وأيُّ شيءٍ زعم الزَّاعم في اختصاص هذه الأسماء به دون غيرها فهو: باطل. تعليق جانبي/ بطلان الاقتصار على ثلاثة أسماء دون غيرها
[19]الوجه الثاني: قولهم: «الأب: الذي هو ابتداء الاثنين. والابن: النطق الذي هو مولودٌ منه كولادة النطق من العقل»؛ كلامٌ باطل، فإنَّ صفات الكمال لازمةٌ لذات الربِّ عز وجل أولًا وآخرًا، لم يزل ولا يزال حيًّا عالـمًا قادرًا، لَـمْ يَصِـر حيًّا بعد أن لَـمْ يكن حيًّا، ولا عالِـمًا بعد أن لَـمْ يكن عالِـمًا. تعليق جانبي/ بطلان تولد النطق عن الله ولوازمه الباطلة
فإذا قالوا: «إنَّ الأب الذي هو الذَّات هو ابتداء الحياة والنطق» اقتضـى ذلك أن يكون الأب قبل الحياة والنطق، وأنْ يكون فاعلًا للحياة والنطق، فإنَّ ما كان ابتداءً لغيره يكون متقدِّمًا عليه أو فاعلًا له، وهذا في حق الله باطل.
وكذلك قولهم: «إنَّ النطق مولودٌ منه كولادة النطق من العقل» فإنَّ المولود من غيره مُتولِّد منه فيحدث بعد أن لَـمْ يكن، كما يحدث النطق شيئًا فشيئًا، سواءٌ أُريد بالنطق: العلمُ أو البيانُ، فكِلاهُما لَـمْ يكن لازمًا للنَّفْس الناطقة، بل حدَثَ فيها واتَّصفت به بعد أن لَـمْ يكن، وإن كانت قابلةً له ناطقةً بالقوة، فإذا مثَّلوا تولُّد النطقِ من الرَّبِّ كتولُّده عن العقل؛ لَزِمَ أنْ يكون الرَّبُّ كان ناطقًا بالقوة، ثُمَّ صار ناطقًا بالفعل، فيلزم أنَّه صار عَالِـمًا بعد أنْ لَـمْ يكن عَالِـمًا، وهذا من أعظم الكفر وأشدِّه استحالة، فإنَّه لا شيء غيره يجعله مُتَّصِفًا بصفات الكمال بعد أن لَـمْ يكن مُتَّصِفًا بها؛ إذ كل ما سواه فهو مخلوقٌ له وكماله منه، فيمتنع أن يكون هو جاعلُ الرَّبِّ سبحانه وتعالى كاملًا.
وذلك دورٌ ممتنعٌ في صريح العقل؛ إذ كان الشـيء لا يَجعل غيـرَه مُتَّصِفًا بصفات الكمال حتى يكون هو مُتَّصِفًا بها، فإذا لَـمْ يتَّصِفْ بها حتى جعله غيره مُتَّصِفًا بها؛ لَزِمَ الدَّور الممتنع، مِثْلُ كونِ كلٍّ من الشَّيئين فاعلًا للآخر وعلةً له، أو لبعض صفاته المشـروطة في الفعل، فتبيَّن بطلانُ كونِ نطقه مُتولِّدًا منه كتولُّدِ النطق من العقل، كما بطَلَ أن يكون لصفاته اللازمة له ما هو مبدأ لها متقدِّم عليها، أو فاعلٌ لها.
[20]الوجه الثالث: أنَّ قولهم في الابن: «إنه مولودٌ من الله» إنْ أرادوا به: تعليق جانبي/ اللوازم الباطلة لكون الابن مولود من الله كما يدَّعي النصارى
أنَّه صفةٌ لازمةٌ له؛ فكذلك [الحياة] صفةٌ لازمةٌ لله، فيكون [روحُ القدس] أيضًا ابنًا ثانيًا.
وإنْ أرادوا به: أنه حصل منه بعد أنْ لَـمْ يكن؛ لَزِمَ أنْ يكون صار عَالِـمًا بعد أنْ لَـمْ يكن عَالِـمًا، وهذا مع كونه باطلًا وكفرًا؛ فيلزم مثله في الحياة، وهو أنَّه صار حيًّا بعد أن لَـمْ يكن حيًّا.
[21]الوجه الرابع: أنَّ تسمية حياة الله: «روح القدس»؛ أمرٌ لَـمْ ينطق به شيءٌ من كتب الله المنزلة، فإطلاق «روح القدس» على حياة الله من تبديلهم وتحريفهم. تعليق جانبي/ تسمية حياة الله بروح القدس لا دليل عليه
[22]الوجه الخامس: أنَّهم يدَّعون أنَّ المتَّحِدَ بالمسيح هو الكلمة الذي هو العلم، وهذا إن أرادوا به نفس الذَّات العالمةِ الناطقةِ؛ كان المسيح هو الأب، وكان المسيح نفسه هو الأب، وهو الابن، وهو روح القدس، وهذا عندهم وعند جميع الناس باطلٌ وكفر. تعليق جانبي/ امتناع اتِّحاد المسيح بالكلمة
وإن قالوا: «المتَّحد به هو العلم»؛ فالعلم صفةٌ لا تفارقُ العالِـم، ولا تفارقُ الصِّفةَ الأخرى التي هي حياة، فيمتنع أن يتَّحد به العلمُ دون الذَّات ودون الحياة.
[23]الوجه السَّادس: أنَّ العلم أيضًا صفةٌ، والصِّفة لا تخلُقُ ولا ترزق، والمسيحُ نفسه ليس هو صفةً قائمةً بغيرها باتفاق العقلاء، وأيضًا فهو عندهم خالق السماوات والأرض، فامتنع أن يكون المتَّحِدَ به صفةً، فإنَّ الإله المعبود هو الإله الحيُّ العالِـمُ القادر، وليس هو نفسَ الحياة ولا نفسَ العلم والكلام. تعليق جانبي/ امتناع أن يكون المتَّحد به صفة كالعلم
فلو قال قائل: يا حياة الله، أو يا علم الله، أو يا كلام الله، اغفر لي وارحمني واهدني؛ كان هذا باطلًا في صريح العقل، ولهذا لَـمْ يُجوِّز أحدٌ من أهل الملل أنْ يُقال للتَّوراة أو الإنجيل وغير ذلك من كلام الله: اغفر لي، وارحمني، وإنَّما يُقال للإله المتكلِّم بهذا الكلام: اغفر لي، وارحمني.
والمسيح عليه السلام عندكم؛ هو: الإله الخالق الذي يُقال له: اغفر لنا، وارحمنا. فلو كان هو نفسَ علم الله وكلامه؛ لَـمْ يجُـزْ أن يكون إلهًا معبودًا، فكيف إذا لَـمْ يكن هو نفسَ علم الله وكلامه، بل هو مخلوقٌ بكلامه حيث قال له: كُن فيكون؟
يُبيِّنُ ذلك أنَّ كلمات الله كثيرةٌ لا نهاية لها، وفي الكتب الإلهيَّة كالتَّوراة أنَّه خلق الأشياء بكلامه، وكان في أوَّل التَّوراة أنه قال: (ليكن كذا، ليكن كذا)([24]). () انظر: سفر التكوين (1:1-6).
ومعلومٌ أنَّ المسيح ليس هو كلماتٌ كثيرة، بل غايته أن يكون كلمةً واحدة؛ إذ هو مخلوقٌ بكلمةٍ من كلمات الله عز وجل.
[25]الوجه السَّابع: أنَّ أمانتكم التي وضعها أكابرُكم بحَضْـرَة قُسْطَنطين -وهي عقيدة إيمانكم التي جعلتموها أصلَ دينكم- تُناقض ما تدَّعونه من أنَّ الإله واحد، وتُبيِّن أنَّـكم تقولون لمن يناظركم خلافَ ما تعتقدونه. تعليق جانبي/ تناقض كلام النصارى بأنَّ الإله واحدٌ مع الأمانة وهي مصدر أصيل عندهم
وهذان أمران معروفان في دينكم:
تناقضُكم.
وإظهارُكم في المناظرة خلاف ما تقولونه من أصل دينكم.
فإنَّ الأمانة([26]) التي اتَّفق عليها جماهير النَّصَارى يقولون فيها: () تم إقرار هذه الأمانة أو قانون الإيمان، ويُسَمَّى أحيانًا بـ"قانون الإيمان النيقاوي" في مجمع نيقية عام (325 م)، كما أنَّهم وضعوا ما يتعلَّق بالروح في القدس من القانون في مجمع القسطنطينية عام (381م). انظر: تاريخ ابن البطريق (ص127)، قانون الإيمان عقيدة وحياة لجرجس عبدالمسيح (ص9).
«أومن بإلهٍ واحد: أبٍ ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كلِّ ما يُرى وما لا يُرى.
وبربٍّ واحدٍ: يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كلِّ الدُّهور، نورٍ من نور، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه، مولودٍ غيرِ مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، الذي به كان كلُّ شيء، الذي من أجلنا نحن البشـر ومن أجل خلاصنا نزَلَ من السماء، وتجسَّد من روح القُدُس ومِن مريم العذراء، وتأَنَّسَ وَصُلِبَ وتأَلَّـمَ وَقُبِـرَ، وقام في اليوم الثالث -على ما في الكتب المقدَّسة- وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب، وأيضًا سيأتي بمجده لِيَدِينَ الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء لـمُلْكِه.
وبروح القُدُس: الربِّ المحيي المنبثق من الأب الذي هو مع الأب والابن، المسجود له، وممجَّدٌ ناطقٌ في الأنبياء.
[وبكنيسةٍ]([27]) واحدةٍ جامعةٍ رسُوليَّة. () في الأصل المحقق (2/221): "كنيسة"، والتصويب من نص قانون الإيمان، انظر: البابا أثناسيوس الرسولي لمينا بديع (ص35)، الأرثوذكسية قانون إيمان لكل العصور للآب أنتوني م.كونيارس (ص26).
وأعترف بمعموديَّةٍ واحدةٍ لمغفرة الخطايا.
[ونترجَّى]([28]) قيامة الموتى، وحياة الدَّهر العتيد كونه، آمين». () في الأصل المحقق (2/221): (وابن جاء قيامة الموتى)، والتصحيح من تحقيق الجزء الأول (ص173)، وهو الموافق لقانون الإيمان كما في مراجع الحاشية السابقة: (وننتظر قيامة الأموات).
ففي هذه الأمانة التي جعلتموها أصل دينكم ذُكِرَ الإيمان بثلاثة أشياء:
«بإلهٍ واحد، خالقِ السَّماوات والأرض، خالقِ ما يُرى وما لا يُرى»؛ فهذا هو ربُّ العالمين الذي لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، وهو إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسائر الأنبياء والمرسلِين، وهو الذي دَعَتْ جميع الرسل إلى عبادته وحده لا شريك له، ونَهوا أن يُعْبَد غيرُه، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال تعالى: ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45].
ثُمَّ قلتم: «وبربٍّ واحدٍ: يسوع المسيح، ابنِ الله الوحيد، المولود من الأب قبل كلِّ الدهور، نورٍ من نور، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه».
وقلتُم: «مولودٍ غير مخلوق، مساوٍ الأبَ في الجوهر».
فصـرَّحْتم بالإيمان مع خالق السماوات والأرض؛ بربٍ واحدٍ مخلوقٍ مساوٍ الأب، ابنِ الله الوحيد، وقلتم: «هو إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه»، وهذا تصـريحٌ بالإيمان بإلهين، أحدُهما من الآخر.
وعِلْمُ الله القائم به، أو كلامه، أو حكمته القائمة به الذي سمَّيتموه ابنًا -ولم يُسَمِّ أحدٌ من الرُّسل [صفةَ] الله ابنًا- ليس هو إله حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، بل إلهٌ واحد، وهذا صفة الإله، وصفة الإله ليست بإله، كما أنَّ قُدْرَتَه وسَمْعَه وبَصَـرَه وسائرَ صفاتِه ليست بآلهة، ولأنَّ الإله واحد، وصفاته متعدِّدة، والإله ذاتٌ متَّصفةٌ بالصِّفات، قائمةٌ بنفسها، والصفة قائمةٌ بالموصوف، ولأنَّكم سمَّيتم الإله: جوهرًا، وقلتم: هو القائم بنفسه، والصِّفةُ ليست جوهرًا قائمًا بنفسه.
وهم في هذه الأمانة قد جعلوا الله:
والدًا وهو الأب.
ومولودًا وهو الابن.
وجعلوه مساويًا له في الجوهر؛ فقالوا: «مولودٌ غير مخلوق، مساوٍ الأبَ في الجوهر» فصـرَّحوا بأنَّه مساوٍ له في الجوهر، والمساوِي ليس هو المساوَى.
ولا يُساوي الأبَ في الجوهر إلا جوهر، فوجب أن يكون الابن جوهرًا ثانيًا، وروح القدس جوهرٌ ثالثٌ. وهذا تصـريح بإثبات ثلاثة جواهر، ثلاثة آلهة، والله قد نزَّه نفسه عن هذه الأنواع الثلاثة.
ويقولون مع ذلك: «إنَّما نثبت جوهرًا واحدًا، وإلـهًا واحدًا»، وهذا جمعٌ بين النقيضين، وهو حقيقةُ قولهم، يجمعون بين جعْلِ الآلهة واحدًا وإثبات ثلاثة آلهة!، وبين إثبات جوهرٍ واحد وبين إثبات ثلاثة جواهر!، وقد نزَّه الله نفسه عن هذا بقوله: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ﴿٣﴾ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص: 1-4]. فنزَّه نفسه أن يَلِدَ كما يقولون: هو الأب، وأن يُوْلَدَ كما يقولون: هو الابن، وأن يكون له كفوًا أحد، كما يقولون: إنَّ له مَن يُسَاوِيه في الجوهر.
وإذا قلتم: نحن نقول: [أحديُّ الذات ثلاثيُّ الصفات].
قيل لكم: قد صرَّحتم بإثبات إلهٍ حقٍّ من إله حق، وبأنَّه مُساوٍ للأب في الجوهر، وهذا تصـريحٌ بإثبات جوهرٍ ثانٍ لا بصفة، فجمعتم بين القولين: بين إثبات ثلاثة جواهر، وبين دعوى إثبات جوهرٍ واحد.
ولا ينجيكم عن هذا اعتذار من اعتذر منكم كيحيى بن عدي([29]) ونحوه حيث قالوا: هذا بمنزلة قولك: زيدٌ الطبيب الحاسب الكاتب، ثُمَّ تقول: زيدٌ الطبيب، وزيدٌ الحاسب، وزيدٌ الكاتب، فهو مع كل صفةٍ له حكمٌ خلافُ حكمه مع الصِّفة الأخرى، وقد يفسِّـرون الأقنوم بهذا فيقولون: الأقنوم؛ هو: الذات مع الصفة، فالذَّات مع كل صفةٍ أقنوم، فصارت الأقانيم ثلاثة؛ لأنَّ هذا المثال لا يُطَابق قولكم، فإنَّ زيدًا هنا هو جوهر واحد له ثلاث صفات: الطبُّ والحساب والكتابة، وليس هنا ثلاثة جواهر، ولكن لكل صفةٍ حكمٌ ليس للأخرى. () فيلسوف نصرانيٌّ يعقوبيٌّ، انتهت إليه رئاسة المنطق ومعرفة العلوم الحكمية. مات سنة (364هـ). انظر: أخبار العلماء للقفطي (ص270)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص317).
ولا يقول عاقل: إنَّ الصِّفة مساويةٌ للموصوف في الجوهر، ولا أنَّ الذَّات مع هذه الصِّفة تساوي الذَّات مع الصِّفة الأخرى في الجوهر؛ لأنَّ الذَّات واحدة، والمساوِي ليس هو المساوَى، ولأنَّ الذَّات مع الصِّفة هي الأب، فإنْ كان هذا هو الذي اتَّحد بالمسيح؛ فالمتَّحد به هو الأب، ولأنكم قلتم عن هذا الذي قلتم: «إنَّه إله حقٌّ من إلهٍ حق، من جوهر أبيه الذي هو مساوٍ الأبَ في الجوهر: إنَّه نَزَلَ وتجسَّد من روح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنَّس وصُلب وتألَّـم» فاقتضـى ذلك أن يكون الإله الحقُّ المساوي للأب في الجوهر؛ صُلِب وتألَّـم، فيكون اللَّاهوت مصلوبًا متألِّـمًا، وهذا تُقِرُّ به طوائفُ منكم، وطوائفُ تنكره، لكن مقتضـى أمانتكم هو الأول.
وأيضًا؛ فإذا كان تجسَّد من روح القدس ومريم، فإنْ كان روح القدس هو حياة الله -كما زعمتم- فيكون المسيح كلمة الله وحياته، فيكون لاهوته أقنومين من الأقانيم الثلاثة، وعندهم إنَّما هو أقنوم الكلمة فقط، وإنْ كان روح القدس ليس هو حياة الله؛ بطل تفسيركم لروح القدس بأنَّه حياة الله. وقيل لكم: لا يجب أنْ يكون روح القدس صفةً لله ولا أقنومًا.
ثُمَّ ذكرتم في عقيدة أمانتكم: أنكم تؤمنون بروح القدس الربِّ المحيي، فأثبتُّم ربًّا ثالثًا؛ قلتم: المنبثق من الأب، والانبثاق: الانفجار كالاندفاق والانصباب ونحو ذلك، يقال: بَثَقَ السيلُ موضع كذا يبْثُقه بثقًا؛ أي: خَرَقَهُ وشَقَّه، فانبثق أي: انفجر، فاقتضـى ذلك أن يكون هذا الربُّ المحيي؛ انفجر من الأب، واندفق منه.
ثُمَّ قلتم: «هو مع الأب مسجود له ومُـمَجَّدٌ ناطق في الأنبياء» فجعلتموه مع الأب مسجودًا له، فأثبتُّم إلهًا ثالثًا يُسجد له.
ومعلومٌ أنَّ حياة الله التي هي صفته ليست منبثقةً منه، بل هي قائمةٌ به لا تخرج عنه البتة، وهي صفةٌ لازمةٌ له لا تتعلَّق بغيره، فإنَّ العلم يتعلَّق بالمعلومات، والقُدْرة بالمقدورات، والتكليم بالمخاطبين بخلاف التكلُّم؛ فإنَّه صفةٌ لازمة، يُقال: عَلِم الله كذا، وقدر اللهُ على كلِّ شيءٍ، وكلَّم الله موسى.
وأما الحياة: فاللفظ الدالُّ عليها لازمٌ لا يتعلَّق بغير الحيِّ، يقال: حيى يحيى حياة، ولا يقال: حيى كذا ولا بكذا، وإنَّما يُقال: أحيا كذا، والإحياء فِعْلٌ غير كونه حيًّا، كما أنَّ التَّعليم غيرُ العلم، والإقدارَ غير القدرة، والتَّـكليمَ غير التَّـكلُّم.
ثُمَّ جعلتم روح القدس هذا ناطقًا في الأنبياء عليهم السلام، وحياة الله صفةٌ قائمةٌ به لا تَـحُـلُّ في غيره، وروحُ القدس الذي يكون في الأنبياء والصَّالحين ليس هو حياة الله القائمة به، ولو كان روح القدس الذي في الأنبياء هو أحد الأقانيم الثلاثة؛ لكان كلٌّ من الأنبياء إلهًا معبودًا قد اتَّحد ناسوته باللَّاهوت، كالمسيح عندكم، فإنَّ المسيحَ لَـمَّا اتحد به أحد الأقانيم صار ناسوتًا ولاهوتًا، فإذا كان روح القدس الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة: ناطقًا في الأنبياء؛ كان كلٌّ منهم فيه لاهوتٌ وناسوت كالمسيح، وأنتم لا تُقِرُّون بالحلول والاتِّحاد إلا للمسيح وحده، مع إثباتكم لغيره ما ثبَتَ له.
وهم تارة يشبِّهون الأقنومين -العلم والحياة التي يسمُّونها: «الكلمة»، و«روح القدس»- بالضِّياء والحرارة التي للشَّمس مع الشَّمس، ويُشَبِّهون ذلك بالحياة والنُّطْق الذي للنَّفس مع النَّفس، وهذا تشبيهٌ فاسد، فإنَّهم إنْ أرادوا بالضِّيَاء والحرارة: ما يقوم بذات الشمس؛ فذلك صفةٌ للشمس قائمةٌ بها، لم تَحُلَّ بغيرها ولم تتَّحد بغيرها، كما أنَّ صفة النَّفس كذلك، والمقصود هنا: بيانُ فسادِ كلامِهم وقياسِهم.
وإنْ أرادوا ما هو بائنٌ عن الشمس قائمٌ بغيرها كالشُّعاع القائم بالهواء والأرض، والحرارة القائمة بذلك؛ كان هذا دليلًا على فساد قولهم من وجوه:
منها: أنَّ هذه أعراضٌ منفصلةٌ بائنةٌ عن الشمس قائمةٌ بغيرها لا بها، ونظير هذا ما يقوم بقلوب الأنبياء من العلم والحكمة والوحي الذي أُنْذِرُوا به، وعلى هذا التقدير: فليس في النَّاسوت شيءٌ من اللَّاهوت، وإنَّما فيه آثار حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ.
ومنها: أنَّ الحرارة والضوء القائمَ بالهواء والجدران أعراضٌ قائمةٌ بغير الشمس. و«الكلمة» و«روح القدس» عندهم؛ هما: جوهران.
ومنها: أنَّ هذا ليس هو الشَّمس ولا صفةٌ من صفات الشَّمس، وإنَّما هو أثرٌ حاصلٌ في غير الشَّمس بسبب الشَّمس، ومثل هذا لا يُنكَرُ قيامُه بالأنبياء والصَّالحين، ولكن ليس للمسيح عليه السلام بذلك اختصاص، فما حَلَّ بالمسيح حَلَّ بغيره من المرسلين، وما لَـمْ يَـحُـلَّ بغيره؛ لَـمْ يَـحُلَّ به، فلا اختصاص له بأمرٍ يوجب أن يكون إلهًا دون غيره من الرُّسُل، ولا هنا اتِّحادٌ بين اللَّاهوت والنَّاسوت، كما لَـمْ تتَّحد الشَّمس ولا صفتها القائمة بها بالهواء، والأرض التي حصل بها الشُّعاع والحرارة.
[احتجاج النصارى بكلام الأنبياء على التثليث]
قالوا: (وهذه الأسماء لَـمْ نُسَمِّه نحن معشـر النَّصَارى بها من ذات أنفسنا، بل الله سمَّى لاهوتَه بها، وذلك أنَّه قال على لسان موسى النَّبيِّ في التَّوراة مخاطبًا لبني إسرائيل قائلًا: "أَ ليس هذا الأبُ الذي صنَعك وبراك واقتناك"([30]). () انظر: سفر التثنية (32: 6).
وعلى لسانه أيضًا قائلًا: "وكان روح الله ترِفُّ على الماء"([31]). () انظر: سفر التكوين (1: 4).
وقوله على لسان داود النَّبي: "روحُك القدسُ لا تُنزَع مني"([32]). () انظر: سفر المزامير (51: 6).
وأيضًا على لسانه: "بكلمة الله تَشَدَّدت السماوات والأرض، وبروح فاه جميع فواهن"([33]). () انظر: سفر المزامير (33: 2).
وقوله: على لسان أشعيا: "يَيْبَسُ القتاد، ويَجِفُّ العشب، وكلمة الله باقية إلى الأبد"([34]). () انظر: سفر أشعيا (40: 7).
وعلى لسان أيوب الصِّدِّيق: "روح الله خلقني وهو يعلمني"([35]). () انظر: سفر أيوب (33: 4).
وقال السيد المسيح في الإنجيل المقدس للتَّلاميذ الأطهار: "اذهبوا إلى جميع العالم وعمِّدُوهم باسم الأب والابن وروح القدس، إلهٍ واحد، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به"([36]). () انظر: إنجيل متى (28: 19-20).
وقد قال في هذا الكتاب: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الصافات: 171]، وقال أيضًا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: 110]، وقال أيضًا: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾ [النساء: 164].
وقال في سورة التحريم: ﴿وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ﴾ [التحريم: 12]، وسائر المسلمين يقولون: إنَّ الكتاب كلامُ الله ولا يكون كلامٌ إلا لحيٍّ ناطق، وهذه صفات جوهريَّةٌ تجري مجرى الأسماء، وكلُّ صفةٍ منها غير الأخرى، والإله واحدٌ لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ)([37]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص418-419).
والجواب من وجوه:
[38]الوجه الأول: أن نقول: إنَّ كلام الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لا يكون إلا حقًّا وصدقًا، ولا يكون فيه شيءٌ يُعلم بطلانه بصـريح العقل، وإن كان فيه ما يعجز العقل عن معرفته بدون إخبار الأنبياء، ولا يكون كلامُ النَّبيِّ الذي يُخْبِرُ به مناقضًا لكلامه في موضعٍ آخر ولا لكلام سائر الأنبياء، بل كل ما أخبرتْ به الأنبياء فهو حقٌّ وصدق، يُصَدِّق بعضه بعضًا. تعليق جانبي/ تأتي الأنبياء بمحارات العقول لا محالاتها
وقد أوجب الله علينا أن نُؤمِن بكلِّ ما أخبروا به، وحَكَمَ بكُفْرِ مَن آمن ببعض ذلك وكفَرَ ببعضه، فما عُلِمَ بصـريح العقل لا يُنَاقِض ما عُلم بالنَّقل الصحيح عن الأنبياء، وما عُلم بالنَّقل الصَّحيح عن بعضهم لا يُناقِضُ ما عُلم بالنَّقل الصَّحيح عن غيره، ولكن قد يختلف بعضُ الشَّـرْع والمناهجِ في الأمر والنهي.
فأمَّا ما يُخبِرُون به عن الله وملائكته وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخر وغير ذلك؛ فلا يجوز أن يُنَاقض بعضه بعضًا.
وإذا كان كذلك فما ينقلونه عن الأنبياء إنَّما تتمُّ الحجَّة به إذ عُلِم إسناده ومتنه، فَيُعْلَم أنَّه منقولٌ عنهم نقلًا صحيحًا، ونعلم أن ترجمته من العِبْريَّة إلى اللَّسان الآخر كالرُّوميَّة والعربيَّة والسُّريانيَّة ترجمةٌ صحيحة، ويُعْلَم بعد ذلك أنَّهم أرادوا به ذلك المعنى.
وليس مع النَّصَارى حجةٌ عن الأنبياء تَثْبُتُ فيها هذه المقدِّمات الثلاث، ونحن في هذا المقام يكفينا المنع، والمطالبة لهم بتصحيح هذه المقدِّمات، فإنَّهم ادَّعوا أنَّ التَّثليث أخذوه عن الأنبياء، فنحن نطالبهم بتصحيح هذه المقدِّمات.
[39]الوجه الثاني: أنَّا نبيِّن تفسير ما ذكروه من الكلمات، أمَّا قوله على لسان موسى عليه السلام مخاطبًا لبني إسرائيل قائلًا: (أليس هذا الأب الذي صنعك وبراك واقتناك)؛ فهذا فيه أنَّه سمَّاه أبًا لغير المسيح عليه السلام، وهذا نظير قوله لإسرائيل: (أنتَ ابني بِكْرِي)([40])، ولداود: (أنتَ ابني وحبيبي)([41]). وقول المسيح: (أبي وأبيكم)([42])، وهُمْ يُسَلِّمون أنَّ المراد بهذا في حق غير المسيح بمعنى الربِّ لا معنى التولُّد الذي يخصُّون به المسيح. تعليق جانبي/ ليس في نصوص الأنبياء ما يدل على التثليث () انظر: سفر الخروج (4: 22). () انظر: سفر المزامير (2: 7). () انظر: إنجيل يوحنا (20: 17).
[43]الوجه الثالث: أنَّ هذا حجةٌ عليهم، فإذا كان في الكتب المتقدِّمة تسميته أبًا لغير المسيح وليس المراد بذلك إلا معنى الرب؛ عُلِمَ أنَّ هذا اللفظ في لغة الكُتُب يرادُ به: الرب، فيجب حمله في حقِّ المسيح على هذا المعنى؛ لأنَّ الأصل عدم الاشتراك في الكلام. تعليق جانبي/ التفسير الصحيح لتسمية المسيح أبًا
[44]الوجه الرابع: أنَّ استعماله في المعنى الذي خَصُّوا به المسيح إنَّما يثْبُتُ إذا عُلِمَ أنَّه أريد المعنى الذي ادَّعوه في المسيح، فلو أُثبت ذلك المعنى بمجرد إطلاق لفظ الأب؛ لَزِم الدَّوْر، فإنَّه لا يعلم أنَّه أُريد به ذلك المعنى من حيث يثبت أنَّه كان يُراد به في حق الله هذا المعنى، ولا يثبت ذلك حتى يُعلم أنَّه أريد به ذلك المعنى في حق المسيح، فإذا توقَّف العلم بكلٍّ منهما على الآخر؛ لَـمْ يُعلم واحدٌ منهما. فتبيَّن أنَّه لا عِلْم عندهم بأنَّه أُريد في حقِّ المسيح بلفظ الأب ما خصُّوه به في محلِّ النِّزاع. تعليق جانبي/ بطلان تفسير النصارى لعدم ثبوته عن المسيح
[45]الوجه الخامس: أنَّه لا يوجد في كتب الأنبياء وكلامهم إطلاق اسم «الأب» والمراد به: أبُ اللاهوت، ولا إطلاق اسم «الابن» والمراد به: شيءٌ من اللَّاهوت، لا كلمتُه ولا حياتُه، بل لا يوجد لفظ «الابن» إلا والمراد به المخلوق، فلا يكون لفظ «الابن» إلا لابنٍ مخلوق؛ وحينئذٍ فيلزم من ذلك أن يكون مسمَّى «الابن» في حقِّ المسيح هو النَّاسوت، وهذا يُبطل قولهم: إنَّ «الابن» و«روح القدس» أنَّهما صفتان لله، وأنَّ المسيح اسمٌ للَّاهوت والنَّاسوت. تعليق جانبي/ أنَّ الابن في لغة الأنبياء لا يُراد به شيءٌ من اللاهوت
فتبيَّن: أنَّ نصوص كتب الأنبياء تُبطل مذهب النَّصَارى، وتناقض أمانتهم، فَهُمْ بين أمرين: بين الإيمان بكلام الأنبياء وبطلان دينهم، وبين تصحيح دينهم وتكذيب الأنبياء. وهذا هو المطلوب.
قالوا: «وعلى لسانه أيضًا قائلًا: "وكان روح الله تَرِفُّ على الماء"».
فيقال: هذا في السِّفر الأول «سفر الخليقة» في أوَّله، لَـمَّا ذكر أنَّه في البدء خلق السماوات والأرض، وأنَّه كانت الأرض مغمورةً بالماء، وكانت روح الله تَرِفُّ على الماء؛ أخبر أنَّه كان الماء فوق التراب، والهواءُ فوق الماء، وروحُ الله هي الريح التي كانت فوق الماء، هذا تفسير جميع الأمم من المسلمين واليهود وعقلاء النَّصَارى، ولفظ الكلمة بالعِبْريَّة «رُوَّح» بضم الراء وتشديد الواو، وهي: الروح.
والرِّيح تُسَمَّى: روحًا، وجمعها: أرواح، ولَـمْ يُرِد بذلك: أنَّ حياة الله كانت ترِفُّ على الماء؛ فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، فإنَّ حياة الله صفةٌ قائمةٌ به لا تفارقه ولا تقوم بغيره، فيمتنع أن تقوم بماءٍ أو غيره فضلًا عن أن ترفَّ على الماء، والذي يرفُّ على الماء جسمٌ قائمٌ بنفسه، وهذا إخبارٌ عن الرِّيح التي كانت تتحرَّك فوق الماء.
ومثلُ هذا قولُ النبيِّ ﷺ: (لا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإنَّها مِن رَوْحِ الله، تَأتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأتِي بِالعَذَابِ، فَلا تَسُبُّوها، ولكِنْ تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ شَرِّها، وسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا)([46]). وقوله: (إِنِّي لأجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ)([47]). () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (1007)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" برقم: (1224)، وأبو داود في "سننه" برقم: (5097). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (11134)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (4/70-71)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/263)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (2/391).
قالوا: [وقوله على لسان داود النبي ﷺ: "رُوحُكَ القُدُسُ لا تُنْزَع مني"».
فيقال: هذا دليلٌ على أنَّ روح القدس كانت في داود، فعُلم بذلك أنَّ روح القدس التي كانت في المسيح من هذا الجنس، فعُلِمَ بذلك أنَّ روح القدس لا تختصُّ بالمسيح، وهم يُسَلِّمون ذلك، فإنَّ ما في الكتب التي بأيديهم في غير موضعٍ أنَّ روحَ القدس حلَّت في غير المسيح في داود وفي الحواريِّين وفي غيرهم.
وحينئذٍ فإنْ كان «روح القدس» هو حياة الله ومن حَلَّت فيه يكون لاهوتًا؛ لَزِمَ أنْ يكون إلهًا، فلَزِمَ أنْ يكون كلُّ هؤلاء فيهم لاهوتٌ وناسوتٌ كالمسيح، وهذا خلاف إجماع المسلمين والنَّصَارى واليهود.
ويلزم من ذلك أيضًا: أنْ يكون المسيح فيه لاهوتان: الكلمة، وروح القدس، فيكون المسيح مع النَّاسوت أقنومين: أقنوم الكلمة، وأقنوم روح القدس.
وأيضًا: فإنَّ هذه ليست صفةً لله قائمةً به، فإنَّ صفة الله القائمة، بل وصفةَ كلِّ موصوفٍ لا تفارقه وتقوم بغيره، وليس في هذا أنَّ الله اسمه: روح القدس ولا أنَّ حياته اسمها: روح القدس، ولا أنَّ روح القدس الذي تجسَّد المسيح منه ومن مريم هو: حياة الله سبحانه وتعالى.
وأنتم قلتم: «إنَّا معاشر النَّصَارى لَـمْ نُسَمِّهِ بهذه الأسماء من ذات أنفسنا، ولكنَّ الله سمَّى لاهوتَه بها»، وليس فيما ذكرتموه عن الأنبياء أنَّ الله سمَّى نفسه ولا شيئًا من صفاته بروح القدس، ولا سمَّى نفسه ولا شيئًا من صفاته ابنًا؛ فبَطَلَ تسميتكم لصفته التي هي الحياة بروح القدس، ولصفته التي هي العلم بالابن.
وأيضًا: فأنتم تزعمون أنَّ المسيحَ مختصٌّ بالكلمة والروح، فإذا كانت روح القدس في داود عليه السلام والحواريِّين وغيرهم؛ بطل ما خصَصْتم به المسيح، وقد عُلم بالاتِّفاق أنَّ داود عَبْدُ الله عز وجل وإنْ كانت روح القدس فيه، كذلك المسيْحُ عَبْدُ الله وإن كانت روح القدس فيه، فما ذكرتموه عن الأنبياء حُجَّةٌ عليكم لأهل الإسلام، لا حُجَّةٌ لكم.
قالوا: [وأيضًا على لسان داود النبي عليه السلام: "بكلمة الله تشدَّدت السَّماوات والأرض، وبروح فاه جميع فواهن"».
فيقال: هذا أيضًا حُجَّةٌ عليكم لوجوه:
[48]الوجه الأول: أنَّ الله خلق الأشياء بكلمته التي هي «كُنْ»، كما قال في التوراة: «ليكن كذا. ليكن كذا. ليكن كذا»([49])، وكذلك في الزَّبور: «لأنه قال فكانوا، وهو أمر فخُلِقُوا»([50]). فجعل كونهم عن قوله، وليس المسيح هو هذه الكلمات. تعليق جانبي/ أنَّ المسيح ليس هو الكلمة بل هو المخلوق بالكلمة () انظر: سفر التكوين (1: 1-6). () انظر: سفر المزامير (148: 5).
[51]الوجه الثاني: أنَّ «كلمة الله» اسم جنس، فإنَّ كلمات الله لا نهاية لها. قال تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾ [الكهف: 109]. والتَّوراة تدُلُّ على تعدُّد الكلمات، وإذا كان كذلك فالمسيح ليس هو مجموع الكلمات، بل خُلِقَ بكلمة منها. تعليق جانبي/ امتناع أن يكون المسيح هو نفس الكلمة؛ لأنَّ لله كلمات كثيرة
[52]الوجه الثالث: أنَّ المسيح عندكم هو الخالق، وأنتم مع قولكم: «إنَّه الابن والكلمة»، تقولون: «إنَّه الإله الخالق»، وتقولون: «إنَّه إله حقٌّ من إلهٍ حق»، وتقولون: «إله واحد»؛ فتجمعون بين النقيضين. تعليق جانبي/ تناقض كون المسيح هو الكلمة مع اعتقادهم أنَّه هو الخالق
وإذا كان هو الخالق؛ فهو الذي يشدِّدُ السماوات والأرض لا يُقَال: به تشدَّدت السَّماوات والأرض، وإنَّما يُقال «به» فيما كان صفةً للموصوف، فيُقال: خلق الله الأشياء بـ[كُنْ]، وخلق الأشياء بقدرته.
وقوله: «بكلمته تشدَّدت السماوات والأرض» يقتضـي أنَّ الكلمة صفةٌ فُعِلَ بها، لا أنَّها هي الخالقة، والمسيح عندكم هو الخالق، ليس هو صفةً خُلق بها.
[53]الوجه الرابع: أنَّ «كلمة الله» يُراد بها جنس كلماته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ [التوبة: 40]. وكقول النبي ﷺ: (من قاتَلَ لِتكُونَ كَلِمةُ الله هي العُلْيَا فهُوَ في سَبِيلِ الله)([54]). وحينئذٍ فالمراد أنَّ الله أقام السَّماوات والأرض بكلمته، كقوله: «كن»، وليس في هذا تعرُّضٌ للمسيح عليه السلام. تعليق جانبي/ ليس في ذكر كلمة الله ما يدُلُّ على أنَّ المسيح هو المقصود بها () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2810)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1904).
وأمَّا نقْلُكم أنَّه قال: «وبروح فاه جميع فواهن»، فهذه الكلمة سواء كانت حقًّا أو باطلًا: لا حجَّة لكم فيها؛ لأنَّه إنْ أُريد بهذه الكلمة؛ «حياة الله»؛ فإثبات حياة الله حق، وهو لَـمْ يُسَمِّ «حياة الله»: روح القدس؛ كما زعمتم.
وإنْ أراد شيئًا غير «حياة الله»: لم تنفعكم، فأنتم ادَّعيتم حياة الله: روح القدس حتى قلتم مراده في الإنجيل بقوله: (عمِّدوا الناسَ باسم الأب والابن وروح القدس)([55])؛ هو: «حياة الله»، وادَّعيتم أنَّ الأنبياء سمَّوه بذلك، ولَـمْ تذكروا نقلًا عن الأنبياء أنَّهم سمَّوا حياته: «روح القدس»، بل ذكرتم عنهم ما يوافق ما في القرآن أنَّ «روح القدس» ليس المراد بها: «حياة الله»، ولو قُدِّر أنَّ هذا اللفظ استُعمل في هذا وهذا؛ لَـمْ يتعيَّن أنَّ المسيح أراد بقوله «روح القدس»: حياة الله، فكيف إذا لَـمْ يُستَعْمَل في كلام الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين- في حياة الله قط؟! () انظر: إنجيل متى (28: 19).
قالوا: [وقوله: على لسان أشعيا النبي: "يَيْبَسُ القتاد، ويَجِفُّ العُشْب، وكلمته باقيةٌ إلى الأبد"».
فيقال: إمَّا أن يُريد بكلمة الله: علمَه، أو كلمةً معينةً، أو تكون «كلمة الله» اسمَ جنس، وعلى التقديرات الثَّلاثة لا حجَّةَ لكم في ذلك.
فإنْ أراد علم الله: فعِلْمُ الله باق، سواءٌ أراد به علمَه القائمَ بذاته أو معلومَه الذي أخبر ببقائه، فلا حجَّة لكم فيه.
وكذلك إنْ أراد: كلمةً معيَّنة؛ فإنَّ المسيح عندكم ليس كلمةً معيَّنةً من كلامه، بل هو عندكم؛ هو: «الكلمة»، وهو الله الخالق، وليس في هذا اللفظ ما يدُلُّ على أنَّه أراد بالكلمة المسيح.
ومما يوضِّح هذا وأنه ليس المراد به ما يدَّعونه، أنه قال: «وكلمة الله باقيةٌ إلى الأبد» فوصفها بالبقاء دون القِدَم.
وعندهم أن الكلمة المولودة من الأب قديمةٌ أزليَّةٌ لم تَزَل ولا تزال، ومثل هذا لا يحتاج أن يوصف بالدَّوام والبقاء، بخلاف ما وعد به من النَّعيم والرحمة والثَّواب، فإنه يوصف بالبقاء والدوام كما في القرآن: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: 35]. وقوله: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص: 54]. وفي الزبور: (اعتـرفوا للربِّ؛ فإنَّه صالح، وإنَّه إلى الأبد رحمته)([56]). () انظر: سفر المزامير (118: 1).
قالوا: «وقوله على لسان أيوب الصدِّيق: "روح الله خلقني وهو يعلمني"».
فيقال: هذا لا حجَّة فيه؛ لأنَّكم ادَّعيتم أنَّ الأنبياء سمَّت «حياةَ الله»: روح القدس، وهذا لَـمْ يقُل: روح القدس، بل قال: روح الله.
و[روح الله] يُراد به: الملك الذي هو روحٌ اصطفاها الله فأحبَّها، كما قال في القرآن: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا﴾ [مريم: 17-19]. فقد أخبر أنَّه أرسل إليها روحَه فتمثَّل لها بشرًا سويًّا، وتبيَّن أنَّه رسُوله.
فعُلم أنَّ المراد بالرُّوح: مَلَكٌ، هو روحٌ اصطفاها فأضافها إليه كما يُضاف إليه الأعيان التي خصَّها بخصائص يحبُّها، كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13]، وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6].
وإذا كان كذلك؛ فهذا اللفظ إن كان ثابتًا عن النَّبيِّ وتُرْجِم ترجمةً صحيحة فقد يكون معناه أنَّ الـمَلَكَ صوَّرني في بطن أمي وهو يعلِّمني، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (إذا مَرَّ بالنُّطْفَةِ ثِنتَانِ وأربعُونَ ليْلةً بَعَث اللهُ إليها مَلَكًا فصوَّرَها وخلَقَ سمْعَها وبصَـرَها وجِلْدَها ولحْمَها وعِظَامَها، ثُمَّ قال: يا ربِّ أَ ذكرٌ أم أنثى؟، فيَقْضِـي ربُّك ما شَاء ويَكْتُبُ الـمَلَكُ، ثُمَّ يقُولُ: يا ربِّ أجلُه؟، فيقول رَبُّك ما شاء ويَكْتُبُ الـمَلَكُ، ثُمَّ يقُولُ: يا ربِّ رِزْقُهُ؟، فيقُولُ ربُّكَ ما شَاء ويَكْتُبُ الـمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الـمَلَكُ بالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ، فلا يُزادُ على أمرٍ ولا يُنْقَصُ)([57]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2645).
وقد يقال: مِن هذا قوله في الزبور في مزمور الخليقة: (تُرسِلُ روحَك فيُخْلَقون)([58]). وفي المزمور أيضًا: (هو قال فكانوا وأمر فخُلِقوا)([59])، فقد يضاف الخلق إلى الـمَلَك، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ﴾ [المائدة: 110]. فأخبر أنه يخلق من الطِّين كهيئة الطيْرِ فيكون طيرًا بإذن الله، وكذلك الـمَلَك يخلق النُّطفةَ في الرَّحِم بإذن الله. () انظر: سفر المزامير (104: 30). () انظر: سفر المزامير (148: 5).
ولا يجوز أن يريد به أن حياة الله خلقَتْني وتعلِّمُني، فإنَّ الصِّفة لا تَخْلق ولا تُعَلِّم، وإنَّما يَخْلق ويُعَلِّم الربُّ الموصوف الذي خلق الإنسان مِن علق، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لَـمْ يعلم، ولكن هو سبحانه يخلق بواسطة الملائكة؛ فإنَّ الملائكة رسل الله في الخلق، فجاز أن يُضاف الفعلُ إلى الوسائط تارة، وإلى الربِّ أخرى، وهذا موجودٌ في الكتب الإلهيَّة في غير موضعٍ، كما في القرآن: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]، وفي موضعٍ آخر: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61]. وفي موضعٍ ثالث: ﴿۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾ [السجدة: 11].
والجميع حقٌّ، فإذا وُجِدَ لفظٌ له معنًى في كلام بعض الأنبياء ولم يوجد له معنًى يخالف ذلك من كلامهم؛ كان حمله على ذلك المعنى أَوْلى من حمله على معنًى يخالف كلامهم، ولا يوجد في كلامهم أن حياة الله تسمى: «روحًا»، ولا أنَّ صفات الله تخلق المخلوقات.
قالوا: «وقال السَّيد المسيح في الإنجيل المقدَّس لتلاميذه الأطهار: "اذهبوا إلى جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الأب والابن وروح القدس الإله الواحد، وعلِّموهم أن يحفظوا جميعَ ما أوصيكم به"».
فيقال لهم: هذا عمدتكم على ما تدَّعونه من الأقانيم الثلاثة، وليس فيه شيءٌ يدُلُّ على ذلك لا نصًّا ولا ظاهرًا، فإن لفظ: «الابن» لَـمْ يُستعمل قطُّ في الكُتُب الإلهيَّة في معنى صفةٍ من صفات الله، ولم يُسَمِّ أحدٌ من الأنبياء علمَ الله: ابنه، ولا سمَّوا كلامه: ابنه، ولكن عندكم أنَّهم سمَّوا عبده أو عباده: ابنه أو بنيه، وإذا كان كذلك فدعواكم أنَّ المسيح أراد بالعلم: ابن الله وكلامه؛ دعوى في غاية الكذب على المسيح، وهو حملٌ للفظة على ما لَـمْ يستعمله هو ولا غيره فيه لا حقيقةً ولا مجازًا، فأيُّ كذبٍ وتحريفٍ لكلام الأنبياء أعظمُ من هذا؟!
ولو كان لفظ «الابن» يُستعمل في صفة الله لسُمِّيت حياتُه: ابنًا، وقدرتُه: ابنًا، فتخصيص العلم بلفظ «الابن» دون الحياة خطأ ثانٍ لو كان لفظ «الابن» يستعمل في صفة الله، فكيف إذا لم يكن كذلك؟
وكذلك «روح القدس» لَـمْ يستعملوها في حياة الله ولا أرادوا بهذا اللفظ حياة الله التي هي صفته، وإنَّما أرادوا بذلك ما ينزله على الصدِّيقين والأنبياء ويؤيِّدهم به كما في قول داود: «روحك القدس لا تنزع مني].
وعندهم أن «روح القدس» حلَّتْ في الحواريين، وقد قدَّمنا أنَّ «روح القدس» يراد به: الـمَلَك، ويراد به: ما يجعله في القلوب من الهدى والقوَّة، ومنه قوله في بعض النُّبوَّات: (وفي تلك الأيام أسْكُب من روحي على كل قِدِّيس)([60]). وفي زبور داود: (روحُك الصَّالح يَهْدِيني في أرضٍ مُسْتقيمة)([61]). () انظر: سفر أعمال الرسل (2: 17). () انظر" سفر المزامير (143: 3).
يوضِّح هذا أنهم قالوا في أمانتهم: «الذي من أجلنا نحن البشـر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسَّد من روح القدس، ومن مريم العذراء». وذكروا أن ذلك في الكتب المقدَّسة، والذي في الكتب المقدَّسة لا يكون إلا حقًّا. ولا ريب أنَّ فيها مثلَ ما في القرآن، وفي القرآن أن الله أرسل روحه إلى مريم فنفخ فيها فحملت بالمسيح عليه السلام، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ﴿١٩﴾ قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ﴿٢٠﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ﴿٢١﴾ ۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا﴾ [مريم: 17-22] إلى آخر القصة.
وهذا الرُّوح هو الرَّسول كما قال: ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا﴾ ونفخ فيها من هذا الرُّوح، فكان المسيح مخلوقًا من هذا الرُّوح ومن أمِّه مريم، كما قالوا في الأمانة: «إنه تجسَّد من مريم ومن روح القدس].
لكن اعتقدوا أنَّ «روح القدس» التي خُلق المسيحُ منها ومن مريم هي حياة الله، وهذا ليس في الكتب ما يدلُّ عليه، بل الكتب كلُّها صريحةٌ في نقيض هذا، وهو أيضًا مناقضٌ لقولهم: إن المتَّحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة وهو العلم، فإن كان قد تجسَّد من مريمَ وأقنومِ الكلمة لم يكن متجسدًا من «روح القدس» وإن كان من «روح القدس» لَـمْ يكن من الكلمة، وإن كان منهما جميعًا كان المسيح أقنومين: أقنوم الكلمة وأقنوم الروح، والنَّصَارى بفرقهم الثلاثة كلهم يقولون: «إنَّما المتَّحد به أقنوم الكلمة، لا أقنوم الحياة»؛ فتبيَّن:
تناقضُهم في أمانتهم.
[وخطؤهم] فيما فسَّروا به كلام الأنبياء.
[وأنَّ] ما ثبت عن الأنبياء فهو حقٌّ موافقٌ لِـمَا أخبر به محمَّدٌ خاتم النبيِّين، لا يناقض شيئًا من كلام الأنبياء كما أنَّه لا يناقض شيئًا من كلامهم صريح المعقول.
[وأنَّهم] حملوا كلام الأنبياء في لفظ «الابن»، و«روح القدس»، وغيره على ما لَـمْ يوجد استعمال هذا اللفظ فيه، وتركوا حمله على المعنى الموجود في كلامهم، وهذا من أبلغ ما يكون من تحريف كلامهم عن مواضعِه، وتبديل معاني كلام الله، فكيف يجوز أن يُحمل لفظُ «روحِ القدس» على معنًى لَـمْ يستعمله فيه الأنبياء ولا أرادوه به، ويُترك حملُه على المعنى المعروف الذي يستعملونه فيه دائمًا؟ وهل هذا إلا مِن فِعْل مَنْ يُحرِّف كلامَ الأنبياء ويفتري الكذب عليهم؟ بل ظاهر هذا الكلام أن يعمِّدُوهم باسم [الأب] الذي يريدون به - في لغتهم -: الرب، و[الابن] الذي يريدون به -في لغتهم-: المُربَّى، وهو هنا المسيح، و«روح القدس»، وهو روح القدس الذي أيَّدَ الله به المسيح من الـمَلَك والوحي، وغير ذلك، وبهذا فَسَّرَ هذا الكلام من فسَّـره من أكابر علمائهم.
فهذا ما ذكروه في كتابهم يحتجُّون بها على ما يعتقدونه من الأقانيم الثلاثة قائلين: «إنَّ تسمية الله أنه أبٌ وابنٌ وروحُ القدس أسماء لَـمْ نُسَمِّه نحن النَّصَارى بها من ذوات أنفسنا، بل الله سمَّى لاهوتَه بها».
وقد تبيَّن: أنه ليس فيما ذكروه عن الأنبياء ما يدلُّ لا نصًّا ولا ظاهرًا على أنَّ أحدًا من الأنبياء سمَّى الله ولا شيئًا من صفاته ابنًا، ولا روحَ قدس.
وتبيَّن: أنَّ تسميتهم لعلم الله وكلامه: [ابنًا]، وتسميتَهم لحياته: «روحَ القدس» أسماء ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، وأنَّه ليس معهم على ما ادَّعوه مِن الأقانيم حجةٌ أصلًا -لا سمعيّةٌ ولا عقليّةٌ-، وأنَّه ليس لقولهم بالتثليث وحصـرهم لصفات الله في ثلاثة مستندٌ شرعيٌّ، كما تبيَّن أنَّه ليس له مستندٌ عقليٌّ، وأن القوم ممن قيل فيهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، وممن قيل فيهم: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].
ثُمَّ أخذوا يزعمون أنَّ فيما أُنْزل على محمَّدٍ ﷺ حجةً لهم على الأقانيم التي ادَّعوها، وهم ابتدعوا القول بالأقانيم والتَّثليث قبل أن يُبْعَثَ محمَّدٌ ﷺ، وذلك معروفٌ عندهم من حين ابتدعوا: «الأمانة» التي لهم، التي وضعها الثلاثُمئة وثمانيةَ عشرَ منهم بحضـرة قُسْطَنطِين الملك، فإذا لَـمْ يكن لهم مستندٌ عقليٌّ ولا سمعيٌّ عن الأنبياء قبل محمَّدٍ ﷺ، فكيف يكون لهم مستندٌ فيما جاء به محمَّدٌ ﷺ بعد ابتداعهم الأمانة؟ لا سيَّما مع العلم الظَّاهر المتواتر أنَّ محمَّدًا ﷺ كفَّرَهم في الكتاب الذي أُنْزِل عليه وضلَّلهُم، وجاهدهم بنفسه وأمر بجهادهم، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ [المائدة: 17]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]. وقال: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ﴾ [النساء: 171]. ونحو ذلك من الآيات.
وقالوا: [وقد قال في هذا الكتاب أيضًا: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا الصالحين"».
فيقال لهم: حرَّفتم لفظ الآية ومعناها؛ فإنَّ لفظها: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173].
فالكلمة التي سبقت لعباده المرسلين قوله: ﴿إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ﴾ أخبر أنَّه سبق منه كلمة لعباده المرسلين لينصـرنَّهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى﴾ [طه: 129]، فسبق منه كلمته بما سيكون من نَصْـر المرسلين، وملء جهنَّم مِن الجِنَّة والنَّاس أجمعين، ونحو ذلك.
فحرَّف هؤلاء الضُّلَّال لفظ الآية؛ فقالوا: [لعبادنا الصالحين]، وجعلوا «الكلمة» هي: المسيح، وليس في اللَّفظ ما يدُلُّ على ذلك بوجهٍ من الوجوه، ولا في كون المسيح سَبَقَ لعبادنا المرسلين معنى صحيح، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173].
قالوا: [وقال أيضًا: ﴿يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [المائدة: 110]].
فيقال: هذا ممَّا لا ريب فيه، ولا حُجَّة لكم فيه بل هو حجَّةٌ عليكم؛ فإنَّ الله أيَّد المسيح عليه السلام بروح القدس كما ذكر ذلك في هذه الآية، وهذا ليس مُختَصًّا بالمسيح، بل قد أيَّد غيره بذلك.
[فهم] إمَّا أن يُسَلِّموا أنَّ «روح القدس» في حقِّ غيره ليس المراد بها([62]): حياة الله، فإذا ثبَتَ أنَّ لها معنًى غيرَ الحياة، فلو استُعملت في حياة الله أيضًا؛ لَـمْ يتعيَّن أن يُراد بها ذلك في حق المسيح، فكيف ولم يُستعمل في حياة الله في حق المسيح؟ () استعمال التأنيث في الإشارة إلى [روح القُدُس] المراد به: عبارة [روح القُدُس]، لا [روح القُدُس] نفسه.
وإمَّا أن يدَّعوا أنَّ المراد بها: حياة الله في حق الأنبياء والحواريِّين، فإنْ قالوا ذلك؛ لَزِمَهم أن يكون اللَّاهوت حَالًّا في جميع الأنبياء والحواريِّين، وحينئذٍ فلا فرق بين هؤلاء وبين المسيح.
ويلزمهم أيضًا؛ أن يكون في المسيح لاهوتان: لاهوت الكلمة، ولاهوت الرُّوح، فيكون قد اتَّحد به أقنومان.
ثُمَّ في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]، يمتنع أن يُراد بها: حياة الله، فإنَّ حياة الله صفةٌ قائمةٌ بذاته لا تقوم بغيره، ولا تختصُّ ببعض الموجودات غيره، وأمَّا عندهم فالمسيح هو الله الخالق؛ فكيف يؤيَّد بغيره؟
وأيضًا؛ فالمتَّحد بالمسيح هو «الكلمة» دون الحياة، فلا يصحُّ تأييده بها.
فتبيَّن: أنَّهم يُريدون أن يحرِّفوا القرآن كما حرَّفوا غيره من الكتب المتقدِّمة، وأنَّ كلامهم في تفسير المتشابه من الكتب الإلهيَّة من جنسٍ واحد.
قالوا: «وقال أيضًا: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾ [النساء: 164]».
فيقال لهم: وأي حُجَّةٍ لكم في هذا؟، وإنَّما هو حجَّةٌ عليكم، فإنَّه قد ثبَتَ أنَّ الله كلَّم موسى تكليمًا، وكلام الله الذي سمعه منه موسى عليه السلام ليس هو المسيح، فعُلِم أنَّ المسيح ليس هو كلام الله، وعندهم هو كلمة الله، وهو عِلْم الله، وهو الله!
ومعلومٌ أنَّ كلام الله كثير؛ كالتوراة والإنجيل والقرآن، وغير ذلك مِن كلامه، وليس المسيح شيئًا من ذلك، والمسيح عندهم خالق، ولو كان المسيح نفسَ كلام الله لَـمْ يكن خالقًا ولا معبودًا، فإنَّ كلام الله لَـمْ يخلق السماوات والأرض، ولا كلام الله هو الإله المعبود، بل كلامه كسائر صفاته مثل: حياته وقُدْرَته، ولا يقول أحد: يا عِلْمَ الله اغفر لي، ولا يا كلام الله اغفر لي. وإنَّما يُعْبَدُ ويُدْعَى الإله الموصوف بالعلم والقُدْرة والكلام، الذي كلَّم موسى تكليمًا.
قالوا: [وقال أيضًا في سورة التحريم: ﴿وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ﴾ [التحريم: 12]].
فيقال: أمَّا قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، وقوله: في سورة الأنبياء: ﴿وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91].
فهذا قد فسَّـرَه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا﴾ [مريم: 17- 19]، وفي القراءة الأخرى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
فأخبر أنَّه رسوله وروحه، وأنَّه تمثَّل لها بشـرًا، وأنَّه ذكر أنَّه رسول الله إليها، فعُلِمَ أنَّ روحَه مخلوقٌ مملوكٌ له، ليس المراد حياته التي هي صفته سبحانه وتعالى.
وكذلك قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ || ، وهو مثل قوله في آدم عليه السلام: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29].
وقد شُبِّه المسيح بآدم في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].
والشُّبْهة في هذا نشأت عند بعض الجهَّال من أنَّ الإنسان إذا قال: «روحي» فروحه هي الرُّوح التي في البدن، وهي عينٌ قائمةٌ بنفسها، وإنْ كان مِن النَّاس من يعني بها: الحياة.
والإنسان مؤلَّفٌ من بدن وروح، وهي عينٌ قائمةٌ بنفسها عند سلف المسلمين وأئمتهم وجماهيرِ الأمم، والربُّ تعالى منزَّهٌ عن هذا، وأنَّه ليس مُركَّبًا من بدنٍ وروح، ولا يجوز أنْ يُراد بروحه ما يريد الإنسان بقوله: «روحي»، بل تضاف إليه ملائكته وما يُنَـزِّله على أنبيائه من الوحي والهدى والتأييد ونحو ذلك.
قالوا: «وسائر المسلمين يقولون: إنَّ الكتابَ كلامُ الله، ولا يكون كلامٌ إلا لحيٍّ ناطق، وهذه صفاتٌ جوهرية تجري مجرى الأسماء، وكلُّ صفةٍ منها غير الأخرى، فالإله واحد، خالقٌ واحد، وربٌّ واحد، لا يتجزّأ».
فيقال لهم: أما قول المسلمين: إنَّ الكتاب -أي: القرآن- كلام الله، فهذا حقٌّ، والكلام لا يكون إلا لمتكلِّم.
والمسلمون يقولون: إنَّ الله حيٌّ متكلِّم، وإنَّه تكلَّم بالتَّوراة والإنجيل والقرآن وغير ذلك من كلامه، والقرآن قد أخبر بكلام الله في مواضعَ كثيرة. ومع هذا فلم يقل أحدٌ من المسلمين: إنَّ كلام الله يكون إلهًا ولا ربًّا، وكذلك حياته: لَـمْ يقل أحدٌ منهم: إنَّ حياته تكون إلهًا ولا ربًّا، ولا إنَّه مساوٍ للربِّ تعالى في الجوهر.
وأمَّا قولهم: «هذه صفاتٌ جوهريَّةٌ»:
فإنْ أرادوا بقولهم: «جوهرية»: أنَّ كلَّ صفةٍ جوهر؛ فهذا كلامٌ ظاهرُ الفساد؛ فإنَّ الصِّفة القائمةَ بغيرها لا تكون جوهرًا قائمًا بنفسه.
وإنْ أرادوا بقولهم: «جوهريَّة»: أنَّها صفاتٌ ذاتيَّة وغيرُها صفاتٌ فعليَّةٌ كالخالق والرازق؛ فمعلومٌ أنَّ صفاته الذاتيَّة منها: القُدْرة وغيرها، لم تنحصـر في هذه.
وإن أرادوا بـ[الجوهريَّة] أنها ذاتيَّةٌ مقوِّمة، وباقي الصِّفات عرضيَّةٌ على رأي أهل المنطق -اليونان- الذين يفرِّقون في الصِّفات اللازمةِ للموصوف بين هذا وهذا، كان هذا فاسدًا من وجوه:
منها: أن تفريق هؤلاء في الصِّفات اللازمة للموصوف بين صفةٍ وصفة، وجعْل بعضِها ذاتيًّا مقوِّمًا داخلًا في الماهيَّة، وبعضها عرضيًّا لاحقًا خارجًا عن الماهيَّة؛ كلامٌ باطلٌ عند جماهير نُظَّار الأمم من أهل الملل وغيرهم، كما قد بُسِط الكلام عليه في الردِّ على هؤلاء المتفلسفة، وبُيِّنَ أن ما يدَّعونه من تركيب الأنواع من الأجناس والفصول إنَّما هو تركيبٌ في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان، وأنَّ ما يقوم بالأذهان يختلف باختلاف تصوُّر الأذهان، فتارة يَتَصَوَّرُ الشـيءَ مُجْمَلًا، وتارة يَتَصَوَّرُه مُفَصَّلًا، وما سمَّوه «تمام الماهيَّة» و«الداخل في الماهيَّة» و«الخارج عنها اللازم لها» يعود عند التَّحقيق إلى ما يدلُّ عليه اللَّفظ بالمطابقة والتضمُّن والالتزام.
والنَّصَارى ليس مرادُهم بالجوهريَّة ما يريده هؤلاء بالذاتيَّة، فلهذا لم نبسط الكلام عليه، بل يقولون: إن الثلاثةَ جواهرٌ، وهؤلاء المنطقيون يفرِّقون بين اللَّازم للماهيَّة واللازم لوجودها بناءً على أن في الخارج شيئين: الوجود، وماهيَّةٌ أخرى غير الوجود.
ومنها: أنه لو قُدِّر أنَّ صفات الموصوفات اللَّازمة لها تنقسم إلى ذاتيٍّ مقوِّمٍ، وعرضَيٍّ لازم، وأنَّ صفاتِ الربِّ سبحانه كذلك؛ لَـمْ يكن تخصيص العلم بأنَّه ذاتيٌّ أَوْلى من القُدْرة، فليس ذِكْرُ القائم بنفسه الحيِّ العالم بأَوْلى من ذكر القائم بنفسه الحيِّ القادر.
والنَّصَارى لما كانت الأقانيم عندهم ثلاثة، وزعموا أنَّ الشَّـرْع المنزل دَلَّ على ذلك، وكانوا في ذلك مخالفين للشـرع المنزل إليهم، صار طائفةٌ منهم يقولون: موجودٌ حيٌّ عالم، وطائفةٌ يقولون: موجودٌ عالمٌ قادر، فيجعلون القادر مكان الحي، ويجعلون «روح القدس»؛ هو: القُدْرة.
وهذا القول وإن كان أحسنَ في المعنى، لكنَّ تفسير «روح القدس» بالقُدْرة في غاية البُعْد الذي يظهر فساده لكل أحدٍ، ولا بُدَّ لهم من إثبات أقنوم الكلمة الذي يقولون تارة: هي العلم. وتارة: هي الحكمة. ويسمُّونها تارة: النطق. كما سمَّوْها في كتابهم هذا؛ لأنَّ الذي اتَّحد بالمسيح عندهم هو أقنوم الكلمة، فصاروا تارةً يضمُّون إليها الحياة، وتارة يضمُّون إليها القُدْرة.
و«الأب» تارةً يقولون: هو الوجود. وتارةً يقولون: القائم بنفسه. وتارةً يقولون: الذَّات. وتُسَمَّى القائِمُ بنفسه بالسُّريانيَّة: الكيان. وتارةً يقولون: الجود.
وكلُّ هذا من الحيرة والضَّلال؛ لأنهم لا يجدون ثلاث معانٍ هي المستحَقَّة لأنْ تكون جوهريَّةً دون غيرها من الصِّفات، سواءٌ فُسِّـرت الجوهريَّة بأنها جواهر، أو بأنها ذاتيَّةٌ مقوِّمة، أو بغير ذلك.
وقولهم: «تجري مجرى الأسماء»:
إنْ أرادوا بذلك أسماءَ أعلام أو جامدة، وسائرها صفات، فاسم الحيِّ والعالم اسمٌ مشتَقٌّ يدلُّ على معنى العلم والحياة، كما يدل القدير على القُدْرة.
وإنْ أرادوا أنه يُسمَّى بها، فلله تعالى أسماءٌ كثيرة، فإنَّه سبحانه له الأسماء الحسنى، ومِن أسمائه: [القدير]، والقدرة تستلزم من قدرته على المخلوقات ما لا يدُلُّ عليه العلم، وخلقه للمخلوقات دلَّ على قدرته أبلغ من دلالته على علمه، واختصاصه بالقدرة أظهر من اختصاصه بالعلم.
وقولهم: «كل صفة منها غير الأخرى»:
فهذا إنْ أرادوا به أنَّ صفات الربِّ سبحانه وتعالى قد تباينه وتنفصل عنه -وهو حقيقة قولهم-، ويقولون مع ذلك: إنَّها متَّصِلةٌ به؛ فهو جمْعٌ بين النقيضين، وتمثيلُهم بشعاع الشمس تمثيلٌ باطل، وهوحجَّةٌ عليهم لا لهم، فإنَّ الشُّعَاع القائم بالهواء والأرض والجبال والشجر والحيطان ليس هو: قائمًا بذات الشمس، والقائم بذات الشمس ليس هو قائمًا بالهواء والأرض.
فإنْ قالوا: بل ما يقوم به من العلم يَفِيضُ منه على قلوب الأنبياء علومٌ كما يَفيض الشعاعُ من الشمس.
قيل لهم: لا اختصاص للمسيح بهذا، بل هذا قدرٌ مشتركٌ بينه وبين غيره من الأنبياء، وليس في هذا حلولُ ذات الربِّ ولا صفتِه القائمة به بشـيءٍ من مخلوقاته، ولا أنَّ العبدَ بما حلَّ فيه من العلم والإيمان يصير إلهًا معبودًا.
وإن أرادوا أنها قائمةٌ به، وتُسمَّى كلُّ واحدةٍ غير الأخرى، فهنا نزاعٌ لفظيٌّ، هل تُسَمَّى غيرًا، أو لا تُسَمَّى غيرًا؟.
وقولهم: «فالإله واحد، خالقٌ واحد، ربٌ واحد»:
هو حقٌّ في نفسه، لكن قد نقضوه بقولهم في عقيدة إيمانهم: «نؤمن بربٍّ واحد، يسوع المسيح ابن الله الوحيد، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حق، من جوهر أبيه، مساوٍ الأبَ في الجوهر»، فأثبتوا هنا إلهين، ثم أثبتوا روح القدس إلهًا ثالثًا، وقالوا: إنَّه مسجودٌ له، فصاروا يُثْبِتُون ثلاثةَ آلهةٍ، ويقولون: إنَّما نُثْبِتُ إلهًا واحدًا. وهو تناقضٌ ظاهر، وجمعٌ بين النَّقيضين، بين الإثبات والنفي.
ولهذا قال طائفةٌ من العقلاء: إنَّ عامَّة مقالات النَّاس يمكن تصوُّرها إلا مقالة النَّصَارى، وذلك أنَّ الذين وضعوها لَـمْ يتصوَّروا ما قالوا، بل تكلَّموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النَّقيضين، ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشْـرَةُ نصارى لتفرَّقوا عن أحدَ عشـرَ قولًا.
وقال آخر: لو سألتَ بعض النَّصَارى وامرأته وابنه عن توحيدهم؛ لقال الرجل قولًا، وامرأته قولًا آخر، وابنه قولًا ثالثًا.
وقولهم: «لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ»:
مناقضٌ لما ذكروه في أمانتهم، ولما يُمثِّلونه به، فإنَّهم يُمثِّلونه بشُعَاع الشمس، والشُّعَاعُ يتبعَّض ويتجزَّأ، فإنَّ ما يقوم منه بهذا الموضع بعضٌ وجزءٌ منه، ويمكن زوال بعضه مع بقاء بعض، فإنَّه إذا وُضِعَ على مَطْرَحِ الشعاع شيءٌ فُصِل ما بين جانبيه، وصار الشُّعاع الذي كان بينهما على ذلك الفوقانيِّ فاصلًا بين الشُّعاعين السَّافلين.
يُبيِّن ذلك أنَّ الشُّعاع قائمٌ بالأرض والهواء، وكلٌّ منهما مُتجزِّئ متبعِّض، وما قام بالمتبعِّض فهو متبعِّض، فإنَّ الحالَّ يتبع المحَلّ، وذلك يستلزم التبعيض والتجزيء فيما قام به.
ويقولون أيضًا: «إنَّه اتحد بالمسيح، وإنَّه صَعَد إلى السماء وجلس عن يمين الأب»؛ وعندهم أنَّ اللَّاهوت منذ اتحد بالنَّاسوت لَـمْ يُفَارقْه، بل لَـمَّا صَعَد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، كان الصَّاعد عندهم هو المسيح الذي هو ناسوتٌ ولاهوتٌ، إلهٌ تامٌّ وإنسانٌ تامٌّ، فهم لا يقولون: إنَّ الجالس عن يمين الأب هو النَّاسوت فقط، بل اللَّاهوت المتَّحد بالنَّاسوت جلس عن يمين اللَّاهوت، فأيُّ تبعيضٍ وتجزئةٍ أبلغُ من هذا؟!
وليس هذا من كلام الأنبياء حتى يُقال: إنَّ له معنًى لا نفهمه، بل هو مِن كلام أكابرهم الذي وضعوه وجعلوه عقيدةَ إيمانهم، فإنْ كانوا تكلَّموا بما لا يعقلونه، فهم جهالٌ لا يجوز أن يُتَّبعوا، وإن كانوا يعقلون ما قالوه فلا يَعْقِل أحدٌ من كون اللَّاهوت المتَّحدِ بالنَّاسوت جلس عن يمين اللَّاهوت المجرَّد عن الاتِّحاد، إلا أنَّ هذا اللَّاهوت المجرَّد منفصلٌ مباينٌ للَّاهوت المتَّحد، وليس هو متصلًا به، بل غايته أن يكون مماسًّا له، بل يجب أن يكون الذي يُماسُّ اللَّاهوت المجرَّدَ هو النَّاسوت مع اللَّاهوت المتَّحد به، فهذا حقيقة التبعيض والتجزئة مع انفصال أحد البعضيْن عن الآخر.
وأيضًا: فيقال لهم: المتَّحد بالمسيح أَ هُوَ ذات ربِّ العالمين، أم صفةٌ من صفاته؟
فإنْ كان هو الذَّات؛ فهو: الأب نفسه، ويكون المسيح هو الأب نفسه، وهذا مما اتَّفق النَّصَارى على بطلانه، فإنَّهم يقولون: هو الله، وهو ابن الله، كما حكى الله عنهم، ولا يقولون: هو الأب، والأب عندهم هو الله، وهذا من تناقضهم.
وإنْ قالوا: المتحد بالمسيح صفة الرب؛ فصفة الربِّ لا تفارقه، ولا يمكن اتحادها ولا حلولها في شيءٍ دون الذات.
وأيضًا: فالصِّفة نفسُها ليست هي الإله الخالق ربُّ العالمين، بل هي صفته، ولا يقول عاقل: إنَّ كلامَ الله، أو علمَ الله، أو حياة الله؛ هي: ربُّ العالمين الذي خلق السماوات والأرض. فلو قُدِّر أنَّ المسيح هو صفةُ الله نفسُها لم يكن هو الله، ولم يكن هو ربُّ العالمين، ولا خالق السماوات والأرض.
والنَّصَارى يقولون: إنَّ المسيح ربُّ العالمين خالقُ كلِّ شيء، وهو خالق آدم ومريم، وإن كان ابن آدم ومريم، فإنه خالق ذلك بلاهوته، وهو ابن آدم ومريم بناسوته.
فلو قُدِّرَ أنَّ المسيح هو صفةُ الرَّبِّ؛ لَـمْ تكن الصفةُ هي الخالق، فكيف والمسيح ليس هو صفةَ الله نفسَها، بل هو مخلوقٌ بكلمة الله، وسُمِّي كلمة الله؛ لأنَّ الله كوَّنه [بكن]، وسمَّاه روحَه؛ لأنَّه خلقه من نفخ روح القدس في أمِّه، لَـمْ يخلقْه كما خلق غيرَه من أبٍ آدميٍّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 45-47].
وإنْ قالوا: المتَّحد به بعض ذلك دون بعض، فقد قالوا بالتبعيض والتجزئة، فَهُم بين أمرين:
إمَّا بطلانُ مذهبهم.
وإما اعترافُهم بالتبعيض والتجزئة مع بطلانه.
وأيضًا: فقولهم: «إلهٌ حق من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه، مولودٌ غيرُ مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، ابنُ الله الوحيد، المولودُ قبل كلِّ الدُّهور».
يقال لهم: هذا الابن المولود المساوِي للأب في الجوهر، الذي هو إلهٌ حقٌّ مِن إلهٍ حق: هو صفةٌ قائمةٌ بغيرها؟، أو عينٌ قائمةٌ بنفسها؟
فإنْ كان الأوَّل؛ فالصَّفة ليست إلهًا ولا هي خالقة، ولا يقال لها: مولودة مِن الله، ولا إنَّها مساويةٌ لله في الجوهر، ولَـم يُسَمِّ قطُّ أحدٌ من الأنبياء ولا أتباعِ الأنبياء صفاتِ الله؛ لا ابنًا له ولا ولدًا، ولا قال: إنَّ صفة الله تولَّدَتْ منه، ولا قال عاقل: إنَّ الصِّفة القديمة تولَّدَتْ من الذَّات القديمة.
وهم يقولون: إنَّ المسيحَ إلهٌ خلق السماوات والأرض لاتِّحاد ناسوته بهذا الابن المولود قبل كلِّ الدُّهور، المساوِي الأبَ في الجوهر.
وهذا كلُّه نعتُ عينٍ قائمةٍ بنفسها، كالجواهر القائمة بنفسها، لا نعتُ صفاتٍ قائمةٍ بغيرها، وإذا كان كذلك كان التبعيض والتجزئة لازمةً لقولهم؛ فإنَّ القول بالولادة الطبيعيَّة مستلزمٌ لأن يكون خرج منه جزء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ﴿١٥﴾ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ﴿١٦﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿١٧﴾ أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ﴿١٨﴾ وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: 15- 19].
وأمَّا هذا المعنى الذي يُثْبِتُه مَنْ يثبته من علماء النَّصَارى ويُسَمُّونه ولادةً وبُنُوَّةً فيُسَمُّون الصِّفة القديمة الأزليَّةَ القائمة بالموصوف: ابنًا. ويسمُّونها تارةً: النطقَ. وتارةً: الكلمةَ. وتارةً: العلمَ. وتارةً: الحكمةَ. ويقولون: هذا مولود من الله، وابن الله؛ فهذا لَـمْ يقُلْه أحدٌ من الأنبياء وأتباعهم، ولا من سائر العقلاء غيرُ هؤلاء المبتدعة من النَّصَارى، ولا يَفْهَمُ أحدٌ من العقلاء من اسم الولادة والبُنُوَّة هذا المعنى.
والأنبياء لَـمْ يُطْلِقُوا لفظ: «الابن» إلا على مخلوق، وهم يقولون: [هو أبٌ للمسيح بالطَّبع، ولغيره بالوضع]، فلا يعقل جمهور العقلاء وغيرُهم من هذا المعنى إلا البنوَّة المعقولة بانفصال جزءٍ من الوالد، وهذا يُنْكِرُه مَن يُنْكِرُه من علمائهم؛ لكنَّهم لَـمْ يتَّبِعُوا الأنبياء، ولَـمْ يقولوا ما تعقله العقلاء، فضلَّوا فيما نقلوه عن الأنبياء، وأضلُّوا أتباعهم فيما قالوه وعوامَّهم، وإن كانوا لا يقولون: إنَّ ولادة الله مثل ولادة الحيوان بانفصال شيءٍ يوجد، فيقولون: ولادةٌ لاهوتيَّةٌ بانفصال جزءٍ من اللَّاهوت حلَّ في النَّاسوت، لا يُعْقَل من الولادة غير هذا.
وأيضًا؛ فقولهم: «ونؤمن بروح القدس الربِّ المحيي المنبثق من الأب، الذي هو مع الأب مسجودٌ له، وممجَّدٌ ناطقٌ في الأنبياء».
فقولهم: «المنبثق من الأب الذي هو مع الأب مسجود له وممجَّد»؛ يَمتنع أنْ يُقال هذا في حياة الربِّ القائمةِ به، فإنَّها ليست منبثقةً منه كسائر الصِّفات؛ إذ لو كان القائم بنفسه منبثقًا لكان علمه وقُدْرَته وسائر صفاته منبثقةً منه، بل الانبثاق في الكلام أظهرُ منه في الحياة؛ فإنَّ الكلام يخرج من المتكلِّم، وأمَّا الحياة فلا تخرج من الحيِّ، فلو كان في الصِّفات ما هو منبثقٌ لكان الصِّفةُ التي يُسَمُّونها «الابن»، ويقولون: هي العلم والكلام، أو النُّطق أو الحكمة، أَوْلى بأن تكون منبثقةً من الحياة التي هي أبعد عن ذلك من الكلام.
وقد قالوا أيضًا: «إنَّه مع الأب مسجودٌ له وممجَّد»، والصِّفة القائمةُ بالربِّ ليست معه مسجودٌ لها.
وقالوا: «هو ناطقٌ في الأنبياء»، وصفة الربِّ القائمةُ به لا تنطق في الأنبياء، بل هذا كُلُّهُ صفةُ «روح القدس» الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء، أو صفةُ ملكٍ من الملائكة كجبريل، فإذا كان هذا منبثقًا من الأب، والانبثاق الخروج، فأيُّ تبعيضٍ وتجزئةٍ أبلغُ من هذا؟!
وإذا شبَّهوه بانبثاق الشُّعاع من الشَّمْسِ؛ كان هذا باطلًا من وجوه:
منها: أنَّ الشُّعاع عَرَضٌ قائمٌ بالهواء والأرض، وليس جوهرًا قائمًا بنفسه، وهذا عندهم حيٌّ مسجودٌ له، وهو جوهر.
ومنها: أنَّ ذلك الشُّعاعَ القائمَ بالهواء والأرض ليس صفةً للشَّمس، ولا قائمًا بها، وحياةُ الربِّ صفةٌ قائمةٌ به.
ومنها: أنَّ الانبثاق خصُّوا به «روح القدس»، ولَـمْ يقولوا في «الكلمة»: إنَّها منبثقة، والانبثاق لو كان حقًّا لكان بالكلام أشبهَ منه بالحياة.
وكلَّما تدبَّر العاقل كلامهم في «الأمانة» وغيرِها؛ وجد فيه من التَّناقض والفساد ما لا يخفى إلا على أجهل العباد، ووجد فيه من مناقضة التَّوراة والإنجيل وسائرِ كتب الله ما لا يخفى على من تدبَّر هذا وهذا.
ووجد فيه من مناقضة صريح المعقول ما لا يخفى إلا على مُعاندٍ أو جهول، فقولهم متناقضٌ في نفسه، مخالفٌ لصـريح المعقول وصحيحِ المنقول عن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين.
[احتجاج النَّصَارى بالعقل]
قالوا: (وأما تَجَسُّمُ كلمة الله الخالقة بإنسانٍ مخلوقٍ وولادَتُهُما معًا، أي: الكلمة مع الناسوت، فإنه لم يخاطِب الباري أحدًا من الأنبياء إلا وحيًا أو من وراء حجاب، حسَب ما جاء في هذا الكتاب بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51].
وإذا كانت اللَّطائف لا تظهر إلا في الكثائف [مِثْل]: روح القدس وغيرها، فكلمة الله التي بها خلقت اللَّطائف والكثائف؛ تظهر في غير كثيفٍ كُلًّا؛ ولذلك ظهر في عيسى ابن مريم، إذ الإنسان أجلُّ ما خلقه الله، ولهذا خاطب الخلق، وشاهدوا منه ما شاهدوا)([63]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص420).
والجوابُ من طُرُقٍ:
[64]الطريق الأول: أنه يقال: هذا الذي ذكروه وادَّعوا أنه تجسُّم كلمة الله الخالقة بإنسانٍ مخلوقٍ وولادتُهما معًا، أي: الكلمة مع النَّاسوت، وهو الذي يُعَبَّر عنه باتِّحاد اللَّاهوت بالنَّاسوت؛ هو أمرٌ ممتنعٌ في صريح العقل، وما عُلِمَ أنَّه ممتنعٌ في صريح العقل لم يجز أن يخبِر به رسول؛ فإنَّ الرُّسُل إنَّما تُخبر بما لا يُعلم بالعقل أنَّه ممتنع، فأمَّا ما يُعْلَمُ بصـريح العقل أنَّه ممتنعٌ فالرُّسُل منزَّهون عن الإخبار عنه. تعليق جانبي/ الامتناع العقلي
[65]الطريق الثاني: أنَّ الأخبار الإلهيَّة صريحةٌ بأنَّ المسيح عبد الله، ليس بخالق العالم، والنَّصَارى يقولون: هو إلهٌ تامٌّ وإنسانٌّ تام. تعليق جانبي/ الامتناع النقلي
[66]الطريق الثالث: الكلام فيما ذكروه. تعليق جانبي/ البطلان التفصيلي
فأما الطَّريق الأول فمن وجوه:
الوجه الأول: أن يقال: المتَّحد بالمسيح إما أن يكون هو الذَّات المتَّصفة بالكلام أو الكلام فقط، وإن شئتَ قلت: المتَّحد به إما الكلام مع الذَّات، وإما الكلام بدون الذَّات.
فإن كان المتَّحد به الكلام مع الذَّات؛ كان المسيح هو الأب وهو الابن وهو روح القدس، وكان المسيح هو الأقانيم الثلاثة، وهذا باطلٌ باتِّفاق النَّصَارى، وسائرِ أهل الملل، وباتِّفاق الكتب الإلهيَّة، وباطلٌ بصريح العقل.
وإن كان المتَّحد به هو الكلمة فقط، فالكلمة صفة، والصِّفة لا تقوم بغير موصوفها، والصِّفة ليست إلهًا خالقًا، والمسيح عندهم إلهٌ خالق، فبطل قولهم على التقديرين.
وإن قالوا: المتَّحد الموصوف بالصِّفة، فالموصوف هو الأب، والمسيح عندهم ليس هو الأب.
وإن قالوا: الصِّفة فقط، فالصِّفة لا تفارق الموصوف ولا تقوم بغير الموصوف، والصِّفة لا تخلق ولا ترزق وليست الإله، والصفة لا تقعد عن يمين الموصوف، والمسيح عندهم صعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه!
وأما كونه هو الأب فقط، وهو الذَّات المجرَّدة عن الصِّفات، فهذا أشدُّ استحالة، وليس فيهم من يقول بهذا.
الوجه الثاني: أن الذَّات المتحدة بناسوت المسيح مع ناسوت المسيح إن كانتا بعد الاتِّحاد ذاتين، وهما جوهران كما كانا قبل الاتِّحاد، فليس ذلك باتحاد.
وإن قيل: صارا جوهرًا واحدًا كما يقول من يقول منهم: إنَّهما صارا كالنار مع الحديدة، أو اللبن مع الماء؛ فهذا يستلزم استحالةَ كلٍّ منهما وانقلابَ صفة كلٍّ منهما بل حقيقته، كما استحال الماء واللبن إذا اختلطا، والنارُ مع الحديدة، وحينئذٍ فيلزم أن يكون اللاهوت استحال وتبدَّلت صفته وحقيقته، والاستحالة لا تكون إلا بعدم شيءٍ ووجود آخر، فيلزم عدم شيء من القديم الواجب الوجود بنفسه.
وما وجب قِدَمه استحال عدمه، وما وجب وجوده امتنع عدمه؛ فإن القديم لا يكون قديمًا إلا لوجوبه بنفسه، أو لكونه لازمًا للواجب بنفسه؛ إذ لو لم يكن لازمًا له بل كان غير لازمٍ له لم يكن قديمًا بقِدَمه، والواجب بنفسه يمتنع عدمه، ولازمه لا يعدم إلا بعدمه، فإنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.
الوجه الثالث أن يقال: الناس لهم في كلام الله عز وجل عدَّة أقوال، وقول النَّصَارى باطلٌ على جميع الأقوال التي قالها الناس في كلام الله، فثَبَت بطلانُه على كلِّ تقدير.
وذلك أن كلام الله سبحانه:
إما أن يكون صفةً له قائمًا به.
وإما أن يكون مخلوقًا له بائنًا عنه.
وإما أن لا يكون لا هذا ولا هذا، بل هو ما يوجد في النفوس([67]). () القول الأول: قول السلف والأشاعرة. والقول الثاني: قول المعتزلة. والقول الثالث: قول الفلاسفة.
وهذا الثالث هو أبعد الأقوال عن أقوال الأنبياء، وهو قول من يقول من الفلاسفة والصابئة: إنَّ الربَّ لا تقوم به الصفات وليس هو خالقًا باختياره. ويقولون مع ذلك: إنَّه ليس عالِـمًا بالجزئيَّات ولا قادرًا على تغيير الأفلاك، بل كلامه عندهم ما يفيض على النُّفوس، وربما سمَّوه «كلامًا» بلسان الحال.
وهؤلاء ينفون الكلام عن الله، ويقولون: ليس بمتكلِّم، وقد يقولون: متكلِّمٌ مجازًا، لكن لَـمَّا نطقت به الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام-، أطلقه من دخل في الملل منهم؛ ثُمَّ فسَّره بمثل هذا، وهذا أحد قولَي الجهمية.
والقول الثاني: أنَّه متكلِّمٌ حقيقة، لكن كلامه مخلوق خلقه في غيره، وهو قول المعتزلة وغيرهم. والقول الآخر للجهمية.
وعلى هذين القولين، فليس لله كلامٌ قائمٌ به حتى يتَّحد بالمسيح أو يحُلَّ به، والمخلوق عرَضٌ من الأعراض ليس بإلهٍ خالق، وكثيرٌ من أهل الكتاب اليهود والنَّصَارى من يقول بهذا وهذا.
وأما القول الأول، وهو قول سلف الأمَّة وأئمتِها وجمهورِها، وقولُ كثيرٍ من سلف أهل الكتاب، وجمهورهم.
فإمَّا أن يقال: الكلام قديمُ النَّوع، بمعنى: أنَّه لم يزل يتكلم بمشيئته، أو قديمُ العين.
وإما أن يقال: ليس بقديم، بل هو حادث.
والأول هو القول المعروفُ عن أئِمَّة السُّنَّة والحديث.
وأما القائلون بقِدَم العين، فهم يقولون: الكلام لا يتعلَّق بمشيئته وقدرته، لاعتقادهم أنَّه لا تَحلُّه الحوادث، وما كان بمشيئته وقدرته لا يكون إلا حادثًا، ولهم قولان:
منهم من قال: القديم معنًى واحد، أو خمسةُ معانٍ، وذلك المعنى يكون أمرًا ونهيًا وخبرًا، وهذه صفاتٌ له لا أقسامٌ له، وإن عُـبِّـر عنه بالعربيَّة كان قرآنًا، وإن عُـبِّـر عنه بالعبريَّة كان توراة.
ومنهم من قال: هو حروف، أو حروفٌ وأصواتٌ قديمةُ الأعيان.
والقول الثالث: إنه متكلِّمٌ بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته، قالوا: وهو حادث، ويمتنع أن يكون قديمًا؛ لامتناع كون المقدور المراد قديمًا.
وهذه الطوائف بَنَوْا أقوالهم على أن ما لم يَخْلُ عن الحوادث فهو حادثٌ؛ لامتناع وجود ما لا نهاية له عندهم، وإذا امتنع ذلك تعيَّن أن يكون لنوع الحوادث ابتداءٌ، كما للحادث المعيَّن ابتداءٌ، وما لم يَسْبق الحوادث كان معه أو بعده فيكون حادثًا، فلهذا منع هؤلاء أن تكون كلماتُ الله لا نهاية لها في الأزل، وإن كان من هؤلاء من يقولُ بدوام وجودها في الأبد.
وأما القول بأن كلماتِ الله لا نهاية لها مع أنها قائمةٌ بذاته، فهو القول المأثور عن أئمَّة السلف، وهو قول أكثر أهل الحديث، وكثيرٍ من أهل الكلام ومن الفلاسفة، وهذه الأقوال قد بُسِط الكلام عليها في غير موضع.
والمقصود هنا: أنَّ قول النَّصَارى باطلٌ على كل قولٍ مِن هذه الأقوال الأربعة، كما تقدَّم بيان بطلانه على ذَيْنِكَ القولين؛ فإنَّهُ على قول الجمهور الذين يجعلون لله كلماتٍ كثيرة: إما كلماتٌ لا نهاية لها ولم تزل، وإما كلماتٌ لها ابتداء، وإذا كان له كلماتٌ كثيرةٌ فالمسيح ليس هو الكلمات [التي] لا نهاية لها، وليس هو كلماتٌ كثيرة، بل إنما خُلِقَ بكلمةٍ من كلمات الله، كما في الكتب الإلهيَّة القرآنِ والتوراةِ: أنَّه يخلق الأشياء بكلماته.
قال تعالى في قصَّة بشارة مريم بالمسيح: ﴿قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47].
وقد أخبر الله في القرآن بخلقه للأشياء بكلماته في غير موضعٍ بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].
وفي التوراة: (ليكن يوم الأحد، ليكن كذا، ليكن كذا)([68]). () انظر: سفر التكوين (1: 1-6).
وأيضًا؛ فعلى قول هؤلاء، وعلى قول من يجعل كلامَه إما معنًى واحدًا، وإما خمسة معان، وإما حروفًا وأصواتًا هي شيءٌ واحدٌ، فكلُّهم يقولون: إن الكلام صفةٌ قائمةٌ بالموصوف، لا يُتصَوَّر أن يكون جوهرًا قائمًا بنفسه، ولا يُتصَوَّر أن يكون خالقًا، ولا للكلام مشيئة، ولا هو جوهرٌ آخرُ غيرُ جوهرِ المتكلِّم، ولا يتَّحد بغير المتكلِّم، بل جمهورهم يقولون: إنَّه لا يَحُلُّ أيضًا بغير المتكلِّم.
ومن قال بالحلول منهم فلا يقول: إن الحالَّ جوهر، ولا إلهٌ خالق، فتبيَّن أنَّ ما قاله النَّصَارى باطلٌ على جميع الأقوال التي قالها النَّاس في كلام الله، مع أن أكثر هذه الأقوال خطأ، ولمَّا كان قول النَّصَارى فساده أظهر للعقلاء، كان الخطأ الذي في أكثر هذه الأقوال قد خفي على العقلاء الذين قالوها، ولم يَخْفَ عليهم فسادُ قول النَّصَارى.
وأيضًا؛ فالذين قالوا بالحلول من الغلاة الذين يكفِّرهم المسلمون، كالذين يقولون بحلوله في بعض أهل البيت أو بعض المشايخ، هم وإن كانوا كفارًا شاركوا النَّصَارى في الحلول، ولكن لم يقولوا: إن الكلمة التي حلَّت هي الإله الخالق فيتناقضون تناقضًا ظاهرًا، بل ما في قول النَّصَارى من التَّناقض البيِّن ما ليس في قول هؤلاء، وإن كانوا في بعض الوجوه قولُهم شرٌّ من قول النَّصَارى.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان المسيح نفسَ كلمةِ الله، فكلمةُ الله ليست هي الإله الخالق للسماوات والأرض، ولا هي تَغْفِر الذُّنوب، وتَجْزِي الناسَ بأعمالهم، سواءٌ كانت كلمتُه صفةً له أو مخلوقةً له كسائر صفاته ومخلوقاته.
فإن علمَ الله وقدرتَه وحياته لم تَخْلُق العالم، ولا يقول أحد: يا علم الله اغفر لي، ويا قدرة الله تُوْبي علي، ويا كلام الله ارحمني، ولا يقول: يا توراة الله، أو يا إنجيله، أو يا قرآنه، اغفر لي وارحمني، وإنما يُدْعى الله سبحانه، وهو سبحانه متَّصِفٌ بصفات الكمال، فكيف والمسيح ليس هو نفسَ الكلام؟!
فإن المسيح جوهرٌ قائمٌ بنفسه، والكلام صفةٌ قائمةٌ بالمتكلم، وليس هو نفسَ الرَّبِّ المتكلِّم، فإن الربَّ المتكلِّم هو الذي يُسَمُّونه الأب، والمسيح ليس هو الأب عندهم، بل الابن، فضلُّوا في قولهم من جهات:
منها: جَعْلُ الأقانيم ثلاثة، وصفات الله لا تختصُّ بثلاثة.
ومنها: جعل الصِّفة خالقة، والصفةُ لا تخلق.
ومنها: جعلُهم المسيحَ نفسَ الكلمةِ، والمسيحُ خُلِقَ بالكلمة، فقيل له: «كن» فكان.
وإنَّما خُصَّ المسيحُ بتسميته كلمةَ الله دون سائر البشـر؛ لأن سائر البشـر خُلِقوا على الوجه المعتاد في المخلوقات، يُخلق الواحد من ذرية آدم من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثُمَّ يُنفخ فيه الروح، وخُلِقوا من ماء الأبوين: الأب والأم.
والمسيح عليه السلام لم يُخْلَق من ماء رجل، بل لما نَفَخَ روح القدس في أمِّه حَبَلَتْ به، وقال الله له: «كن» فكان.
ولهذا شبَّهه الله بآدمَ في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، فإنَّ آدم عليه السلام خُلِقَ من ترابٍ وماء، فصار طينًا، ثُمَّ أيْبَس الطِّين، ثم قال له: «كن» فكان، وهو حين نَفَخَ الروحَ فيه صار بشـرًا تامًّا، لَـمْ يَحْتَجْ بعد ذلك إلى ما احتاج إليه أولادُه بعد نفخ الرُّوح.
فإن الجنين بعد نفخ الرُّوح يَكْمُلُ خَلْقُ جسدِه في بطن أمه، فيبقى في بطنها نحوَ خمسةِ أشهر، ثم يخرج طفلًا يَرتضِعُ، ثم يكبر شيئًا بعد شيء.
وآدمُ عليه السلام حين خُلِقَ جسده قيل له: «كن» فكان بشـرًا تامًّا بنفخ الروح فيه، ولكن لَـمْ يُسَمَّ كلمة الله؛ لأنَّ جسده خُلِق من التُّراب والماء.
وأما المسيح عليه السلام فخُلق جسدُه خلقًا إبداعيًّا بنفس نفخ روح القدس في أمِّه، قيل له: «كن» فكان. فكان له من الاختصاص بكونه خُلِق بكلمة الله ما لم يكن لغيره من البشر.
ومن الأمر المعتاد في لغة العرب وغيرهم أن الاسم العامَّ إذا كان له نوعان خَصَّت أحدَ النوعين باسم، وأبقت الاسم العامَّ مختصًّا بالنَّوع [الآخر]، كلفظ الدابَّة والحيوان، فإنَّه عامٌّ في كلَّ ما يدبُّ، وكلِّ حيوان، ثم لـمَّا كان للآدميِّ اسمٌ يخصُّه بقي لفظ الحيوان يختصُّ به البهيم، ولفظ الدابَّة يختصُّ به الخيل، أو هي والبغال والحمير ونحو ذلك، وكذلك لفظ الجائز، والممكن، وذوي الأرحام، وأمثال ذلك، فلمَّا كان لغير المسيح ما يختصُّ به أُبقي اسمُ الكلمة العامَّة مختصًّا بالمسيح.
الطريق الثاني: أن ما ذكروه حجةٌ عليهم؛ فإن الله إذا لم يكلِّم أحدًا من الأنبياء إلا وحيًا أو من وراء حجاب، فالمسيح عيسى ابنُ مريمَ يجب أن لا يكلِّمه إلا وحيًا، أو من وراء حجاب، أو يرسل إليه رسولًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51]. يعمُّ كلَّ بشر: المسيحَ وغيرَه.
وإذا امتنع أن يكلِّمه إلا وحيًا أو من وراء حجاب، فامتناع أن يتَّحد به، أو يَحُلَّ فيه أَوْلى وأحرى؛ فإن ما اتَّحد به وحلَّ فيه كلَّمه الله من غير حجابٍ بين اللَّاهوت والنَّاسوت، وهم قد سلَّموا أن الله لا يكلِّم بشرًا إلا من وراء حجاب.
الوجه الثالث([69]): أن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51]، يقتضـي أن يكون الحجاب حجابًا يحجُب البشـر كما حجب موسى، فيقتضي ذلك أنهم لا يرونه في الدنيا وإن كلَّمهم، كما أنَّه كلَّم موسى ولَـمْ يره موسى، بل سأل الرؤية فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]، قيل: أنا أول من آمن أنَّه لا يراك أحدٌ في الدنيا. () هكذا الترتيب في الأصل المحقق.
وعندهم في التوراة: (إن الإنسان لا يمكنه أن يرى الله في الدنيا فيعيش)([70])، وكذلك قال عيسى لَـمَّا سألوه عن رؤية الله فقال: (إنَّ الله لَـمْ يره أحد قط)([71]). وهذا معروفٌ عندهم. () انظر: سفر الخروج (33: 20). () انظر: إنجيل يوحنا (1: 18).
وإذا كان كذلك فلا بُدَّ أن يكون الحجابُ الحاجبُ للبشـر ليس هو من البشـر، وهذا يُبطِلُ قول النَّصَارى؛ فإنهم يقولون: إن الربَّ احتجب بحجابٍ بشـريٍّ، وهو الجسد الذي ولدته مريم فاتخذه حجابًا، وكلم الناس من ورائه، والقرآن يدلُّ على أن الحجاب ليس من البشر.
يبيِّن هذا الوجهُ الرَّابع: وهو أن ذلك الجسد الذي ولدتْه مريم هو من جنس أجسام بني آدم، فإن جاز أن يتَّحد به ويَحُلَّ فيه ويُطِيقَ الجسدُ البشـريُّ ذلك في الدنيا بما يجعله الله فيه من القوَّة، جاز أن يتَّحد بغيره من الأجسام بما يجعله [فيها] من القوة، وإذا جاز أن يتَّحد [بها] جاز أن يُكَلِّمها بغير حجابٍ بينه وبينها بطريق الأَوْلى والأحرى، وهذا خلاف ما ذكروه وخلافُ القرآن.
فتبيَّن أن نفي الأنبياء لِأَن يراه المرء في الدُّنيا هو نفيٌّ لمماسَّته ببشـرٍ بطريق الأَوْلى والأحرى، والنَّاسوت المسيحيُّ هو بشـر، فإذا لم يمكنه أن يرى الله؛ فكيف يمكنه أن يتَّحد به ويُمَاسَّه ويصيرَ هو وإياه كاللَّبن والماء، والنَّار والحديد، أو كالرُّوح والبدن؟
الوجه الخامس: أنَّه من المعلوم أن رؤية الآدمي له أيسرُ من اتحاده به، وحلولِه فيه، وأَوْلى بالإمكان، فإذا كانت الرؤية في الدنيا قد نفاها الله، ومنعها على ألسن رسله: موسى وعيسى ومحمدٍ صلوات الله عليهم وسلامه، فكيف يجوز اتصالُه بالبشـر واتِّحادُه به؟!
الوجه السادس: أنَّه لو كان حلولُه في البشـر ممَّا هو ممكنٌ وواقع، لم يكن لاختصاص واحدٍ من البشر بذلك دون مَنْ قبلَه وبعده معنى، فإن القدرة شاملة، والمقتضي وهو وجود الله وحاجة الخلق موجود، ولهذا لمَّا كانت الرسالة ممكنةً أرسل من البشـر غيرَ واحد، ولـمَّا كان سماع كلامه للبشر ممكنًا سمع كلامَه غيرُ واحد، ورؤيته في الدنيا بالأبصار لَـمْ تقع لأحدٍ باتفاق علماء المسلمين، لكن لهم في النَّبيِّ ﷺ قولان، والذي عليه أكابر العلماء وجمهورهم أنه لم يره بعيْنه، كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة.
والخُلَّةُ لـمَّا كانت ممكنةً اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ محمدًا أيضًا خليلًا كما في «الصَّحيحين» من غير وجهٍ عن النبي ﷺأنه قال: (إنَّ الله اتَّـخَـذَنِي خَلِيلًا كما اتَّـخَذَ إبراهِيمَ خَلِيلًا. لو كُنتُ متَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأرْضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا، ولكنْ صَاحِبُكُم خَلِيلُ الله)([72]). يعني نفْسَه. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (532)، (2383).
الوجه السابع: قولهم: «وإذا كانت اللَّطائف لا تظهر إلا في الكثائِف مِثْلِ: الرُّوحِ وغيرِها، فكلمة الله التي بها خلقت الكثائِفُ تظهر في غير كثيفٍ كُلًّا].
فيقال لهم: ظهور اللَّطائف في الكثائف كلامٌ مجمل، فإن أردتم أن روح الإنسان تظهر في جسده، أو الجنيَّ يتكلَّم على لسان المصـروع ونحو ذلك، فليس هذا ممَّا نحن فيه، وإن أردتم أن الله تعالى نفسَه يَحُلُّ في البشـر، فهذا محلُّ النزاع؛ فأين الدليل عليه وأنتم لَـمْ تذكروا إلا ما يدُلُّ على نقيض ذلك؟
الوجه الثامن: أن هذا أمرٌ لَـمْ يَدُلَّ عليه عقلٌ ولا نقل، ولا نطق نبيٌّ من الأنبياء بأن الله يَـحُلُّ في بشر، ولا ادَّعى صادقٌ قطُّ حلولَ الرب فيه، وإنما يدَّعِي ذلك الكذَّابون، كالمسيح الدَّجال الذي يظهر في آخر الزمان ويدَّعي الإلهيَّة، فيُنزِلُ الله تبارك وتعالى عيسى ابن مريم مسيحَ الهدى، فَيَقْتُلُ مسيحُ الهدى المسيحَ الدَّجال الذي ادَّعى الإلهيَّةَ بالباطل، ويُبيِّنُ أن البشر لا يَـحُلُّ فيه ربُّ العالمين.
ولـمَّا كان حلولُ اللَّاهوت في البشـر واتحادُه به مذهبًا ضلَّ به طوائفُ كثيرون من بني آدم: النَّصَارى وغيرهم، وكان المسيح الدَّجَال يأتي بخوارقَ عظيمةٍ، والنَّصَارى احتجُّوا على إلهيَّةِ المسيح بمثل ذلك؛ ذكر النبي ﷺ من علامات كَذِبه أمورًا ظاهرةً لا يُحتاج فيها إلى بيان مواردِ النِّزاع التي ضلَّ فيها خلقٌ كثيرٌ من الآدميين، فإنَّ كثيرًا من الناس بل أكثرهم، تُدْهِشُهم الخوارقُ حتى يصدِّقوا صاحبَها قبل النَّظر في إمكان دعواه، وإذا صدَّقوه صدَّقوا النَّصَارى في دعوى إلهيَّة المسيح، وصدّقوا أيضًا من ادَّعى الحلول والاتحاد في بعض المشايخ، أو بعضِ أهل البيت، أو غيرِهم من أهل الإفك والفجور.
الوجه التاسع: قولهم: «فكلمة الله التي بها خلقت اللَّطائف تظهر في غير كثيفٍ كُلًّا].
فيقال لهم: كلمة الله التي يدَّعون ظهورها في المسيح، أَ هي كلام الله الذي هو صفته، أو ذاتُ الله المتكلِّمةُ أو مجموعُها؟ فإن قلتم: الظَّاهر فيه نفس الكلام. فهذا يراد به شيئان:
إن أُرِيدَ به أن الله أنزل كلامَه على المسيح كما أنزله على غيره من الرُّسل، فهذا حقٌّ اتَّفق عليه أهل الإيمان، ونطق به القرآن.
وإن أُرِيدَ به أن كلام الله فارق ذاته وحلَّ في المسيح أو غيره، فهو باطل، مع أن هذا لا ينفع النَّصَارى؛ فإن المسيح عندهم إلهٌ خلق السماوات والأرض، وهو عندهم ابن آدم وخالق آدم، وابنُ مريم وخالقُ مريم: ابنها بناسوته وخالقها بلاهوته.
وإن أرادوا بظهور الكلمة ظهورَ ذات الله أو ظهورَ ذاته وكلامه في الكثيف الذي هو الإنسان، فهذا أيضًا يراد به ظهورُ نوره في قلوب المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ إلى قوله: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: 35] الآيات. وكما ظهر الله من طور سيناء، وأشرق من سَاعِير، واستَعْلَن من جبال فَارَان، وكما تجلَّى لإبراهيم، كما ذكره في التَّوراة، فهذا لا يختصُّ بالمسيح، بل هو لغيره كما هو له.
وإن أرادوا أن ذات الرَّب حلَّتْ في المسيح، أو في غيره، فهذا مَحَلُّ النِّزاع، فأين دليلهم على إمكان ذلك، ثم وقوعه؟ مع أن جماهير العقلاء من أهل الملل وغيرهم يقولون: هذا غير واقع، بل هو ممتنع.
الوجه العاشـر: قولهم: «فكلمة الله التي بها خُلِقت اللَّطائف تظهر في غير كثيفٍ كُلًّا»: كلامٌ باطل، فإنَّ ظهور ما يظهر من الأمور الإلهيَّة إذا أمكن ظهوره فظهوره في اللَّطيف أَوْلى من ظهوره في الكثيف؛ فإن الملائكة تَنْزل بالوحي على الأنبياء عليهم السلام، وتَتَلَقَّى كلام الله من الله، وتنزل به على الأنبياء عليهم السلام ، فيكون وصول كلام الله إلى الملائكة قبل وصوله إلى البشـر وهم الوسائط كما قال تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51].
والله تعالى أَيَّد رسله من البشـر حتى أطاقوا التلقِّي عن الملائكة، وكانت الملائكة تأتيهم أحيانًا في غير الصُّورة البشـريَّة، وأحيانًا في الصُّورة البشـريَّة، فكان ظهور الأمور الإلهيَّة باللَّطائف ووصولُها إليهم أَوْلى منه بالكثائف، ولو جاز أن يتَّحد الرَّبُّ سبحانه بحيٍّ من الأحياء ويَحُلَّ فيه لكان حلوله في مَلَكٍ من الملائكة واتحاده به أَوْلى من حلوله واتحاده بواحدٍ من البشر.
الوجه الحادي عشـر: أن النَّاسوت المسيحيَّ عندهم الذي اتحد به هو البدن والروح معًا؛ فإنَّ المسيح كان له بدنٌ وروحٌ كما لسائر البشـر، واتَّحَد به عندهم اللَّاهوت، فهو عندهم اسمٌ يقع على بدنٍ وروحٍ آدميَّيْنِ وعلى اللَّاهوت، وحينئذٍ فاللَّاهوت -على رأيهم- إنَّما اتَّحد في لطيفٍ وهو الرُّوح، وكثيفٍ وهو البدن، لَـمْ يظهر في كثيفٍ فقط، ولولا اللَّطيف الذي كان مع الكثيف، وهو الرُّوح لَـمْ يكن للكثيف فضيلةٌ ولا شرف.
الوجه الثاني عشـر: أنهم يُشَبِّهون اتِّحاد اللَّاهوت بالنَّاسوت باتِّحاد الرُّوح بالبدن، كما شبَّهوا هنا ظهورَه فيه بظهور الرُّوح في البدن، وحينئذٍ فمن المعلوم أنَّ ما يصيبُ البدن من الآلام تتألم به الرُّوح، وما تتألم به الرُّوح يتألم به البدن، فيلزم أن يكون النَّاسوت لما صُلِبَ وتألَّـم وتوجَّع الوجع الشَّديد كان اللَّاهوت أيضًا متألِّـمًا مُتوجِّعًا.
وقد خاطبتُ بهذا بعضَ النَّصَارى فقال لي: الروح بسيطة؛ أي: لا يلحقها ألـم.
فقلت له: فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت، أمنعَّمةٌ أو معذَّبة؟
فقال: هي في العذاب.
فقلت: فَعُلِم أن الرُّوحَ المُفَارِقَةَ تُنعَّم وتُعذَّب، فإذا شبَّهتم اللَّاهوت في النَّاسوت بالرُّوح في البدن لَزِمَ أن تتألَّـم إذا تألَّـم النَّاسوت كما تتألَّـم الرُّوح إذا تألَّم البدن، فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك.
الوجه الثالث عشـر: أن قولهم: «وإذا كانت اللَّطائف لا تظهر إلا في الكثائف، فكلمة الله لا تظهر إلا في كثيفٍ كُلًّا»: تركيبٌ فاسدٌ لا دلالة فيه، وإنَّما يدلُّ إذا بيَّنوا أنَّ كلَّ لطيفٍ بأنَّه يظهر في كثيف، ولا يظهر في غيره، حتى يقال: فلهذا ظهر الله في كثيفٍ ولَـمْ يظهر في لطيف، وإلا فإذا قيل: إنَّه لا يَحُلُّ لا في لطيفٍ ولا كثيف، أو قيل: «إنه يَحُلُّ فيهما» بطَلَ قولهم بوجوب حلوله في المسيح الكثيف دون اللطيف، وهم لم يؤلِّفوا الحُجَّة تأليفًا منتِجًا، ولا دلُّوا على مقدِّماتها بدليل، فلا أَتَوْا بصورة الدَّليل، ولا مادَّتِه، بل مغاليطَ لا تروج إلا على جاهلٍ يقلِّدُهم.
ولا يلزم من حلول الرُّوح في البدن أن يَحُلَّ كلُّ شيءٍ في البدن، بل هذه دعوى مجرَّدة، وأرواح بني آدم تظهر في أبدانهم، ولا تظهر في أبدان البهائم، بل ولا في الجن، والملائكة تتصوَّرُ في صورة الآدميِّين وكذلك الجن، والإنسان لا يظهر في غير صورة الإنسان، فأيُّ دليلٍ من كلامهم على أن الربَّ يَحُلُّ في الإنسان الكثيف، ولا يَحُلُّ في اللَّطيف؟!
والقوم شرعوا يحتجُّون على تجسُّم كلمة الله الخالقة فقالوا: «وأما تجسم كلمة الله الخالقة بإنسان مخلوق وولادتهما معًا، أي الكلمة مع الناسوت، فإن الله لم يكلِّم أحدًا من الأنبياء إلا وحيًا أو من وراء حجاب» وليس فيما ذكروه قطُّ دلالةٌ لا قطعيَّةٌ ولا ظنيَّةٌ على تجسيم كلمة الله الخالقة وولادتها مع الناسوت.
الوجه الرابع عشـر: أنهم قالوا: «وأما تجسُّم كلمة الله الخالقة»، ثُمَّ قالوا: «فكلمة الله التي بها خُلِقَت اللطائف»، فتارةً يجعلونها خالقة، وتارةً يجعلونها مخلوقًا بها، ومعلومٌ أن الخالق ليس هو المخلوق به، والمخلوقَ به ليس هو الخالق، فإن كانت الكلمة خالقة، فهي خَلقتِ الأشياء، لم تُخلَق الأشياءُ بها، وإن كانت الأشياءُ خُلقت بها، فلم تَخْلُقِ الأشياءَ، بل خُلقت الأشياءُ بها.
ولو قالوا: إن الأشياء خُلقت بها؛ بمعنى أنَّ الله إذا أراد أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، لكان هذا حقًّا، لكنهم يجعلونها خالقة، مع قولهم بما يناقِض ذلك.
الوجه الخامس عشـر: أن يقال لهم: إذا كان الله لم يخاطِب بشـرًا إلا وحيًا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولًا فيوحيَ بإذنه ما يشاء، فتكليمه للبشـر بالوحي ومن وراء حجاب، كما كلَّم موسى، وبإرسال ملَكٍ كما أرسل الملائكة، إمَّا أن يكون كافيًا في حصول مراد الربِّ من الرِّسالة إلى عباده أو ليس كافيًا، بل لا بُدَّ من حلوله نفسِه في بشـر.
فإن كان ذلك كافيًا أمكن أن يكون المسيحُ مثلَ غيره، فيوحيَ الله إليه أو يرسلَ إليه ملكًا فيوحيَ بإذن الله ما يشاء، أو يكلِّمه من وراء حجابٍ كما كلَّم موسى، وحينئذٍ فلا حاجة به إلى اتِّحاده ببشرٍ مخلوق.
وإن كان [التكَلُّم] ليس كافيًا وجب أن يتَّحد بسائر الأنبياء، كما اتَّحد بالمسيح، فيتَّحد بنوح وإبراهيم وموسى وداود وغيرهم، يبين هذا:
الوجه السادس عشـر: وهو أنَّهُ مِن المعلوم أنَّ الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح أفضلُ من عوامِّ النَّصَارى الذين كانوا بعد المسيح، وأفضلُ من اليهود الذين كذَّبوا المسيح.
فإذا كان الربُّ قد [تَفَضَّل] باتِّحاده في المسيح حتى كلَّم عباده بنفسه، فيتحد بالمسيح محتجبًا ببدنه الكثيف، وكلَّم بنفسه اليهود المكذِّبين للمسيح وعوامَّ النَّصَارى وسائرَ من كلَّمه المسيح، فكان أن يكلم من هم أفضلُ من هؤلاء من الأنبياء والصَّالحين بنفسه أَوْلى وأحرى، مثلَ أن يتَّحِد بإبراهيمَ الخليل فيكلِّم إسحاق ويعقوب ولوطًا محتجبًا ببدن الخليل، أو يتَّحِد بيعقوبَ فيكلِّم أولادَه أو غيرَهم محتجبًا ببدن يعقوب، أو يتَّحِد بموسى بنِ عمرانَ فيكلِّم هارون ويوشعَ بنَ نون وغيْرَهما محتجبًا ببدن موسى، فإذا كان هو سبحانه لم يفعل ذلك، إما لامتناع ذلك، وإما لأن عزَّته وحكمته أعلى من ذلك مع عدم الحاجة إلى ذلك، عُلم أنه لا يفعل ذلك في المسيح بطريق الأَوْلى والأحرى.
الوجه السابع عشـر: أنه إذا أمكنه أن يتَّحد ببشـرٍ فاتِّحاده بملكٍ من الملائكة أَوْلى وأحرى، وحينئذٍ فقد كان اتحادُه بجبريلَ الذي أرسله إلى الأنبياء أَوْلى من اتِّحاده ببشـرٍ يخاطب اليهود وعوامَّ النَّصَارى.
قالوا: «ولذلك ظهر في عيسى ابن مريم؛ إذ الإنسان أجلُّ ما خلقه الله، ولهذا خاطب الخلق، وشاهدوا منه ما شاهدوا].
فيقال: إن ادَّعيتم ظهوره في عيسى كما ظهر في إبراهيم وموسى ومحمدٍ صلوات الله عليهم وسلامه، وكما يظهر في بيوته التي أَذِن الله أن تُرْفَع ويُذكر فيها اسمُه، وذلك بظهور نوره ومعرفته، وذِكْرِ أسمائه وعبادته ونحو ذلك، من غير حلولِ ذاتِه في البشـر ولا اتِّحاده به؛ فهذا أمرٌ مشتركٌ بين المسيح وغيره، فلا اختصاص للمسيح بهذا، وهذا أيضًا قد يُسمَّى حلولًا، وعندهم أن الله يحُلُّ في الصَّالحين، وهذا مذكورٌ عندهم في بعض الكتب الإلهيَّة، كما في كُتُبِهِمْ في المزمور الرابع من الزبور، يقول داود عليه السلام في مناجاته لربه: (ولْيفرحِ المتوكِّلون عليك إلى الأبد، ويبْتَهِجُون، وتحُلُّ فيهم ويفتخرون)([73]). () انظر: سفر المزامير (5: 12).
فأخبر أنه يحُلُّ في الصَّالحين المذكورين، فعلم أن هذا لا اختصاص للمسيح به، وليس المراد بهذا -باتفاقهم واتفاق المسلمين- أن ذات الله نفسه تتَّحد بالبشـر، ويصير اللَّاهوت والناسوت كالنَّار والحديد، والماء واللبن، ونحو ذلك مما يمثِّلون به الاتِّحاد، بل هذا يراد به حلولُ الإيمانِ به ومعرفتِه ومحبَّتِه، وذكرِه وعبادتِه، ونورِه وهداه.
وقد يعبَّر عن ذلك بحلول المثال العلمي، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأنعام: 3]، ﴿وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الروم: 27]، فهو سبحانه له المثل الأعلى في قلوب أهل السماوات وأهل الأرض.
ومن هذا الباب ما يرويه النبيُّ ﷺ عن ربِّه قال: (يقُولُ اللهُ: أنا مَعَ عَبْدِي مَا ذكَرَني، وتحرَّكَتْ بِي شَفَتـَاهُ)([74])، فأخبر أن شفتيه تتحرَّك به، أي: باسمه. () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (815).
وكذلك قوله في الحديث الصحيح: (عَبْدي مَرِضْتُ فلم تعُدْني، فيقُولُ العَبْدُ: ربِّ كيْفَ أعودُكَ وأنتَ ربُّ العَالمِينَ؟، فيقُولُ: أما عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فَلانًا مَرِضَ، فَلَوْ عُدْتَهُ لوجَدْتَنِي عِنْدَهُ)([75]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2569).
فقال: [لوجَدْتَنِي عِنْدَهُ]، ولم يقل: لوجدتني إيِّاه، وهو «عنده» أي: في قلبه، والذي في قلبه: المثال العلمي.
وقال تعالى: (عبدي جُعْتُ فلم تُطْعِمْنِي، فيقُولُ: كَيْفَ أطْعِمُكَ وأنت ربُّ العالمين؟، فيقول: أما عَلِمْتَ أنّ عَبْدِي فلانًا جَاعَ، فَلَوْ أطْعَمْتَهُ لوَجَدْتَ ذلِكَ عِنْدِي)([76])، ولم يقل: لوجدتني قد أكلتُه. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2569).
وكذلك قوله في الحديث الصحيح الذي رواه [البخاري] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَـيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَـرَهُ الَّذِي يُبْصِـرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا)([77]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6502).
وهذا الحديث قد يحتجُّ به القائلون بالحُلولِ العام، أو الاتِّحاد العام، أو وحدة الوجود، وقد يَحْتجُّ به من يقول بالخاصِّ من ذلك، كأشباه النَّصَارى.
والحديثُ حجةٌ على الفريقين؛ فإنه قال: «مَنْ عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذنْتُه باِلحَرْبِ»، فأثبت ثلاثة: وليًّا له، وعدوًّا يعادي وليه، وميَّز بين نفسه وبين وليِّه، وعدوِّ وليِّه، فقال: «مَنْ عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذنْتُه باِلحَرْبِ»، ولكن دلَّ ذلك على أن وليَّه الذي والاه فصار يحبُّ ما يحبُّ، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يوالي، ويعادي من يعادي، فيكون الرَّبُّ مُؤْذِنًا بالحرب لمن عاداه، بأنه معادٍ لله.
ثُمَّ قال تعالى: «ومَا تقرَّب إليَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أدَاءِ ما افتَرَضْتُ عَلَيْهِ»، ففرَّقَ بين العبد المتقرِّب، والربِّ المتقرَّبِ إليه، ثُمَّ قال: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» || ، فبيَّن: أنَّه يحبُّه بعد تقرُّبِه بالنَّوافل والفرائض.
ثُمَّ قال: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَـرَهُ الَّذِي يُبْصِـرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِـي بِهَا]، وعند أهل الحلول والاتِّحاد العام أو الوحدة: هو صدره وظهره ورأسه وشعره، وهو كلُّ شيء، أو في كلِّ شيءٍ قبل التقرُّب وبعده. وعند أهل الحلول الخاصِّ صار هو وهو كالنَّار والحديد، والماءِ واللبن، لا يختصُّ بذلك آلةُ الإدراك والفعل.
فلفظ «الحلول» قد يُعبَّر به عن معنًى صحيح، وقد يعبَّر به عن معنًى فاسد.
وأيضًا؛ فلفظ «الحلول» يراد به: حلول ذات الشـيء تارةً، وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارةً كما تقدم ذكره.
وعندهم في النُّبوَّات([78]) أن الله حلَّ في غير المسيح من الصَّالحين، وليس المراد به أنَّ ذات الربِّ حلَّت فيه، بل كما يقال: فلان ساكِنٌ في قلبي، وحالٌّ في قلبي، وهو في سِـرِّي وسُوَيْدَاء قلبي، ونحو ذلك، وإنَّما حَلَّ فيه مثاله العلمي، وإذا كان كذلك فمعلومٌ أنَّ المكان إذا خلا ممَّن يعرفُ اللهَ ويعبدُه لَـمْ يكن هناك ذكر الله ولا حَلَّتْ فيه عبادته ومعرفته، فإذا صار في المكان من يَعْرِف الله ويَعْبُدُه ويذكره ظَهَرَ فيه ذكره، والإيمان به، وحلَّ فيه الإيمانُ بالله وعبادتُه وذكره، وهو بيت الله عز وجل، فيقال: إنَّ الله فيه، وهو حالٌّ فيه. () أي: أسفار الأنبياء في العهد القديم.
وإن أردتم بقولكم: «ظهر في عيسى» حلولَ ذاته واتحادَه بالمسيح أو غيره؛ فهذه دعوى مجرَّدةٌ من غير دليلٍ متقدِّم ولا متأخِّر، وكون الإنسان أجلَّ ما خلقه الله -لو كان مناسبًا لحلوله فيه- أمرٌ لا يختصُّ به المسيح، بل قد قام الدليل على أنَّ غير عيسى عليه السلام أفضلُ منه، مثل إبراهيمَ ومحمَّدٍ -صلى الله عليهما وسلم-، وهذان اتخذهما الله خليليْن، وليس فوق الخُـلَّة مرتبة، فلو كان يَحُلُّ في أجلِّ ما خلقه الله من الإنسان لكونه أجلَّ مخلوقاته لحلَّ في أجلِّ هذا النوع، وهو الخليل ومحمَّدٌ -صلى الله عليهما وسلم-، وليس معهم قطُّ حجةٌ على أنَّ الجسد المأخوذ من مريم إذا لَـمْ يتَّحد باللَّاهوت على أصلهم أنَّه أفضل من الخليل وموسى.
وإذا قالوا: إنه لم يعمل خطيئة، فيحيى بن زكريا لم يعمل خطيئة، ومن عمل خطيئةً وتاب منها فقد يصير بالتوبة أفضلَ مما كان قبل الخطيئة، وأفضلَ ممن لَـمْ يعمل تلك الخطيئة، والخليلُ وموسى أفضلُ من يحيى الذي يُسَمُّونه «يوحنَّا المعْمِدَاني].
وأما قولهم: «ولهذا خاطب الخلق»، فالذي خاطب الخلقَ هو عيسى ابن مريم، وإنَّما سمع الناسُ صوته، لم يسمعوا غيرَ صوته، والجنِّيُّ إذا حلَّ في الإنسان وتكلَّم على لسانه يَظهر للسامعين أنَّ هذا الصوت ليس هو صوت الآدمي، ويتكلَّم بكلامٍ يعلم الحاضرون أنه ليس كلام الآدمي.
والمسيح عليه السلام لم يكن يُسمَعُ منه إلا ما يُسمع مِنْ مِثْلِهِ من الرُّسُل، ولو كان المتكلِّم على لسان النَّاسوت هو جنيًّا، أو مَلَكًا لظهر ذلك، وعُرِفَ أنَّه ليس هو البشـر؛ فكيف إذا كان المتكلِّم هو ربُّ العالمين؟! فإنَّ هذا لو كان حقًّا لظهر ظهورًا أعظمَ من ظهور كلام الملك والجنيِّ على لسان البشر بكثيرٍ كثير.
وأما ما شاهدوه من معجزات المسيح عليه الصلاة والسلام، فقد شاهدوا من غيره ما هو مثلُها وأعظمُ منها، وقد أحيا غيرُه الميِّتَ وأخبر بالغيوب أكثر منه، ومعجزاتُ موسى أعظم من معجزاته وأكثر، وظهور المعجزات على يديه يدُلُّ على نبوَّته ورسالته كما دلَّت المعجزات على نبوَّة غيره ورسالتهم، لا تدُلُّ على الإلهيَّة.
والدَّجال لـمَّا ادَّعى الإلهيَّة لَـمْ يكن ما يظهر على يديه من الخوارق دليلًا عليها؛ لأنَّ دعوى الإلهيَّة ممتنعةٌ، فلا يكون في ظهور العجائب ما يدُلُّ على الأمر الممتنع.
[احتجاج النَّصَارى بالنقل]
قالوا: (وقد قال الله على أفواه الأنبياء والمرسلين، الذين تنبَّؤوا على ولادته مِن العذراء الطاهرة مريم، وعلى جميع أفعاله التي فعلها في الأرض، وصعوده إلى السماء. وهذه النُّبوات جميعُها عند اليهود مُقِرِّين ومعترفين بها، ويقرؤونها في كنائسهم، ولَـمْ يُنكروا منها كلمةً واحدة.
قالوا: وسبيلنا أن نذكر من بعض قول الأنبياء الذين تنبَّؤوا على السَّيد المسيح، ونزوله إلى الأرض)([79]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
فيقال: هذا كلُّه مما لا ينازع المسلمون فيه، فإنَّه لا ريب أنَّه وُلِد من مريم العذراء البتول التي لَـمْ يمَسَّها بشـرٌ قط، وأنَّ الله أظهر على يديه الآيات، وأنَّه صَعَدَ إلى السَّماء، كما أخبر الله بذلك في كتابه.
فإذا كان هذا مما أخبرتْ به الأنبياء في النُّبوَّات التي عند اليهود؛ لَـمْ يُنْكَر ذلك، وإنْ كان اليهود يتأوَّلون ذلك على غير المسيح، كما في النُّبوَّات من البشارة بمحمَّدٍ ﷺ فهو حقٌّ، وإنْ كان الكافرون به من أهل الكتاب يتأوَّلون ذلك على غيره.
[النَّص الأول]:
قالوا: (قال عِزْرا الكاهن حيث سباهم بُخْتَنَصَّـر الفريدي إلى أرض بابل إلى أربعِمِئةٍ واثنتينِ وثمانينَ سنة: "يأتـي المسيح ويخلِّص الشعوب والأمم". وفي كمال هذه المدة أتى السَّيد المسيح)([80]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر عزرا (2: 1).
فيقال: أما قول عِزْرا الكاهن فليس فيه إلا إخبارُه بأنه يأتي المسيحُ ويخلِّص الشعوبَ والأممَ، وهذا مما لا ينازِع فيه المسلمون، فإنهم يُقِرُّون بما أخبر الله به في كتابه من إتيان المسيح عليه السلام، وتخليصِ الله به كلَّ من آمن به من الشُّعوب والأمم إلى أن بُعِثَ محمدٌ ﷺ.
فكلُّ من كان مؤمنًا بالمسيح، متَّبعًا لما أنزل عليه من غير تحريفٍ ولا تبديل، فإنَّ الله خلَّصَهُ بالمسيح من شرِّ الدنيا والآخرة، كما خلَّص الله تعالى بموسى من اتَّبعه من بني إسرائيل.
ومن حرَّف وبدَّل فلم يتَّبِعِ المسيح، ومن كذَّب محمَّدًا ﷺ فهو كمن كذَّب المسيح بعد أن كان مُقِرًّا بموسى عليه السلام.
ولكنَّ هذا النصَّ وأمثالَه حجةٌ على اليهود الذين يتأوَّلون ذلك على أنَّ هذا ليس هو المسيح ابن مريم، وإنما هو مسيحٌ يُنتظر، وإنما ينتظرون المسيح الدَّجال مسيحَ الضلالة، فإن اليهود يتَّبعونه، ويقتلهم المسلمون معه (حتَّى يقولَ الشَّجَرُ والحَجَرُ: يا مُسلمُ هذا يَهُودِيٌّ ورائي تَعَالَ فاقْتُلْهُ)([81]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2921).
[النَّص الثاني]:
قالوا: (وقال أرْمِيا النَّبيِّ عن ولادته في ذلك الزمان: "يقوم لداود ابنٌ وهو ضوء النور، يَملِكُ الملْكَ، ويُعلِّمُ ويُفَهِّمُ، ويقيمُ الحقَّ والعدل في الأرض، ويخلِّص من آمنَ به من اليهود ومن بني إسرائيل وغيرهم، ويبقى بيتُ المقدس بغير مقاتل، ويُسَمَّى الإله")([82]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر إرميا (23: 5).
فقوله: «ابنٌ لداود» فلأن مريم كانت من نسل داود، ولأجل ذلك قال: «ويقوم لداود ابن].
وأما قوله: «واسمه الإله»:
فهذا يدل على أنه ليس هو الله ربُّ العالمين، وإنَّما لفظ «الإله» اسمٌ سُمِّي به كما سُمِّي موسى إلهًا لفرعونَ عندهم في التوراة؛ إذ لو كان هو الله ربُّ العالمين لكان أجلَّ من أن يقال: «ويُسَمَّى الإله»، فإنَّ الله تبارك وتعالى لا يُعْرَفُ بمثل هذا، ولا يقال فيه: إنَّ الله يُسَمَّى الإله، ولقال: [يأتي الله بنفسه فيظهر]. ويقال: [يملك الملك]، وربُّ العالمين ما زال ولا يزال مالكًا للملك سبحانه.
وأيضًا؛ فإنه قال: «يقوم لداودَ ابنٌ هو ضوءُ النُّور» ومعلومٌ أنَّ الابن الذي من نسل داود الذي اسمُ أمِّه مريم هو الناسوت فقط؛ فإنَّ اللَّاهوت ليس هو من نسل بشـر، وقد تبيَّن أنَّ هذا الناسوت الذي هو ابن داود يُسَمَّى [الإله]، فَعُلِمَ أن هذا اسمٌ للنَّاسوت المخلوق، لا للإله الخالق.
وأيضًا؛ فإنَّه قال: «وهو ضوء النور» لَـمْ يجعله النُّورَ نفسه، بل جعله ضوءَ النُّور، والله تعالى مُنَـوِّرُ كلِّ نور، فكيف يكون هو ضوءَ النور، والله تعالى قد سمَّى محمَّدًا ﷺ سراجًا منيرًا، ولم يكن بذلك خالقًا، فكيف إذا سُمِّي ضوء النور؟
وأيضًا: فإنَّه لَـمْ يجعل القائمَ إلا ابنَ داود، وابنُ داود مخلوق، وأضاف الفعل إلى هذا المخلوق، ولو كان هذا هو الله ربُّ العالمين قد اتَّحد بالنَّاسوت البشـري لبيَّن أرْمِيا وغيرُه من الأنبياء ذلك بيانًا قاطعًا للعذر، ولم يكتفوا بمثل هذه الألفاظ التي هي إما صريحة أو ظاهرة في نقيض ذلك، أو مجملةٌ لا تدُلُّ على ذلك، فإنَّه من المعلوم أنَّ إخبارهم بإتيان نبيٍّ من الأنبياء أمرٌ معتادٌ ممكن، ومع هذا يذكرون فيه من البشارات والدَّلائل الواضحة ما يزيل الشُّبهة، وأمَّا الإخبار بمجيء الربِّ نفسه وحلوله، أو اتِّحاده بناسوتٍ بشـريٍّ فهو: إما ممتنعٌ غيرُ ممكنٍ كما يقوله أكثر العقلاء من بني آدم، ويقولون: يُعلم بصـريح العقل أن هذا ممتنع، وإما ممكنٌ كما يقوله بعض الناس، وحينئذٍ: فإمكانه خفيٌّ على أكثر العقلاء، وهو أمرٌ غيرُ معتاد.
وإتيان الربِّ بنفسه أعظم من إتيان كل رسولٍ ونبي، لا سيَّما إذا كان إتيانه باتِّحاده ببشـرٍ لَـمْ يَظهر على يديه من الآيات ما يختصُّ بالإلهيَّة، بل لَـمْ يَظهر على يديه إلا ما ظهر على يد غيره من الأنبياء ما هو مثلُه أو أعظمُ منه.
والله تعالى لَـمَّا كان يُكَلِّم موسى، ولَـمْ يكن موسى يراه ولا يتَّحد لا بموسى ولا بغيره، ومع هذا فقد أظهر من الآيات على ذلك وعلى نبوَّة موسى ما لَـمْ يَظهر مثلُه ولا قريبٌ منه على يد المسيح.
فلو كان هو بذاته مُتَّحِدًا بناسوتٍ بشـريٍّ لكان الأنبياء يخبرون بذلك إخبارًا صريحًا بيِّنًا لا يحتمل التأويلات، ولكان الربُّ يُظهر على ذلك من الآيات ما لم يُظهر على يد رسولٍ ولا نبي، فكيف والأنبياء لَـمْ ينطقوا في ذلك بلفظٍ صريح؟ بل النُّصوص الصَّـريحة تدُلُّ على أنَّ المسيح مخلوق، ولم تأتِ آيةٌ على خلاف ذلك، بل إنَّما تدُلُّ الآيات على نبوَّة المسيح.
[النَّص الثالث]:
قالوا: (وقال زكريا النَّبيُّ: "افرحي يا بيت صِهيون، لأني آتيكِ وأحُلُّ فيك وَأَتَرَايَا، قال الله: ويؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة، ويكونون له شعبًا واحدًا، ويَحُلُّ هو وهم فيك، وتعرفين أني أنا الله القويُّ الساكنُ فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهوذا، ويملك عليهم إلى الأبد")([83]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر زكريا (2: 14-16).
فيُقال: مثل هذا قد ذُكِر عندهم عن إبراهيم وغيرِه من الأنبياء أنَّ الله تجلَّى له، واسْتَعْلَن له، وترايا له، ونحوَ هذه العبارات، ولم يدلَّ ذلك على حلوله فيه واتحاده به.
وكذلك إتيانه، وهو لم يقل: [إني أَحُلُّ في المسيح وأتَّحد به]، وإنَّما قال عن بيت صِهيون: «آتيكِ وأحُلُّ فيكِ» كما قال مثل ذلك عندهم في غير هذا ولَـمْ يدُلَّ على حلوله في بشـر.
وكذلك قوله: «وتعرفين أني أنا الله القوي الساكن فيك» لَـمْ يُرِدْ بهذا اللفظ حلولَه في المسيح، فإنَّ المسيح لَـمْ يسكن بيت المقدس وهو قويٌّ، بل كان يدخلها وهو مغلوبٌ مقهورٌ حتى أُخذ وصُلب أو شبهه([84])، والله سبحانه إذا حصلت معرفته والإيمان به في القلوب اطمأنَّت وسكنت. () أراد ابن تيمية رحمه الله التنزل معهم في الخطاب، أي: كما تعتقدون من صلبه. واعتقاد المؤلف في عدم صلب المسيح عليه السلام معروف.
وكان بيت المقدس لَـمَّا ظهر فيه دين المسيح عليه السلام بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك.
وجماع هذا أنَّ النُّبوَّاتِ المتقدِّمة، والكتبَ الإلهيَّة: كالتَّوراة والإنجيل والزبور، وسائر نبوَّات الأنبياء، لم تَخُصَّ المسيحَ بشـيءٍ يقتضـي اختصاصَه باتحاد اللَّاهوت به وحلوله فيه كما يقوله النَّصَارى، بل لم تَخُصَّه إلا بما خصَّه به محمَّدٌ ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النساء: 171].
فكُتُب الأنبياءِ المتقدِّمة وسائرُ النُّبوَّات موافقةٌ لما أخبر به محمَّدٌ ﷺ، يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، وسائر ما تستدلُّ به النَّصَارى على إلهيَّتِه من كلام الأنبياء قد يوجد مثل تلك الكلمات في حقِّ غير المسيح، فتخصيص المسيح بالإلهيَّة دون غيره باطل، وذلك مثلُ اسمِ الابن والمسيح، ومثلُ حلولِ روح القدس فيه، ومثلُ تسميتِه إلهًا، ومثلُ ظهورِ الربِّ، أو حلولِه فيه، أو سكونِه فيه، أو في مكانه. فهذه الكلمات وما أشبهها موجودةٌ في حقِّ غير المسيح عندهم، ولم يكونوا بذلك آلهة.
[النَّص الرابع]:
قالوا: (وقال في السِّفر الثالث من أسفار الملوك: "والآن يا ربّ إله إسرائيل لِتُحقِّقْ كلامك لداود؛ لأنه حقٌ أن يكون، إنه سَيَسْكُنُ اللهُ مع الناس على الأرض، اسمعوا أيتها الشعوب كلُّكم، ولْتُنصتِ الأرضُ وكلُّ من فيها، فيكون الربُّ عليها شاهدًا من بيته القدوس، ويخْرُج من موضعه، ويَنْزِلُ ويطأ على مشارق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب هذا كلِّه")([85]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر الملوك الأول (8: 26).
فيقال: هذا السِّفر يحتاج إلى أن يَثْبُتَ أن الذي تكلَّم به نبيٌّ، وأن ألفاظه ضُبطت وتُرجمت إلى العربيَّة ترجمةً مطابقة، ثم بعد ذلك يقال فيه ما يقال في أمثاله من الألفاظ الموجودة عندهم.
وليس فيها ما يدلُّ على اتحاده بالمسيح؛ فإن قوله: «إنَّ الله سيسكن مع الناس في الأرض» لا يدُلُّ على المسيح؛ إذ كان المسيح لَـمْ يسكن مع النَّاس في الأرض، بل لَـمَّا أظهر الدَّعوة لم يَبْقَ في الأرض إلا مدةً قليلة، ولم يكن ساكنًا في موضعٍ معيَّن، وقبل ذلك لَـمْ يظْهَر عنه شيءٌ من دعوى النُّبوَّة، فضلًا عن الإلهيَّة، ثُمَّ إنَّه بعد ذلك رُفِعَ إلى السماء فلم يسكن مع النَّاس في الأرض.
وأيضًا؛ فإذا قالوا: سكونه هو ظهوره في المسيح عليه السلام.
قيل لهم: أمَّا الظهور الممكن المعقول كظهور معرفته ومحبَّته ونوره وذكره وعبادته، فهذا لا فرق فيه بين المسيح وغيره، وحينئذٍ: فليس في هذا اللَّفظ ما يدُلُّ على أن هذا السُّكون كان بالمسيح دون غيره، وإن كان بالمسيح فليس هذا من خصائصه عليه السلام، وليس في ظهوره فيه، أو حلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي ما يوجب اتحاده به.
وأما قوله: «فيكون الرب عليها شاهدًا]:
فيقال: أولًا: شهود الله على عباده لا يستلزم حلولَه، أو اتحاده ببعض مخلوقاته، بل هو شهيدٌ على العباد بأعمالهم كما قال: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46]، ولفظ النصِّ: «ولتنصت الأرض، وكل من فيها فيكون الربُّ عليها شاهدًا»، وهذا كما في التَّوراة: أنَّ موسى لَـمَّا خاطب بني إسرائيل أشهد عليهم، وكذلك محمَّدٌ ﷺ كان يقول لأمَّته لَـمَّا بلَّغ الناس يقول: (ألا هَلْ بلَّغْتَ؟؛ فيقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ)([86])، وحينئذٍ: فليس في هذا تعرُّضٌ لكون المسيح هو الله. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1741)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1679).
وقد يقال أيضًا: ليس فيه أنَّ المراد بلفظ «الرَّبِّ» هنا هو الله، ولفظ «الرَّبِّ» يراد به: السيِّد المطاع. وقد غاير بين اللفظين، فقال هناك: «إنه سيسكن الله مع الناس»، فقال: «فيكون الربُّ عليها شاهدًا»، والأنبياء يشهدون على أُمَمهم، كما قال المسيح: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [المائدة: 117]، وقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا﴾ [المزمل: 15]. وحينئذٍ: فيكون الربُّ الشهيد هو المسيح الذي هو النَّاسوت، وهو الذي جاء من بيت المقدس وخرج من موضعه، ونزل ووطئ على الأرض من أجل خطيئة بني يعقوب؛ فإنَّهم لَـمَّا أخطأوا وبدَّلوا؛ أرسل الله إليهم المسيح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده وطاعتِه، فمن آمن به كان سعيدًا مُسْتَحِقًّا للثَّواب، ومن كفر به كان شقيًّا مُسْتَحِقًّا للعذاب.
[النَّص الخامس]:
قالوا: (وقال ميخا النَّبِيُّ: "وأنت يا بيت لحم قرية يهودا بيت أقرانا، يخرج لي رئيس الذي يرعى شعبي إسرائيل، وهو من قبل أن تكون الدنيا، لكنه لا يظهر إلا في الأيام التي تلده فيها الوالدة، وسلطانُه من أقاصي الأرض إلى أقاصيها")([87]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر ميخا (5: 1).
والجواب: أن عامَّة ما يذكرونه عن الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام- حجةٌ عليهم لا لهم، كما ذكروه عن المسيح عليه السلام في أمر التثليث، فإنه حجةٌ عليهم لا لهم، وهكذا تأَمَّلنا عامَّة ما يحتَجُّ به أهل البِدَع والضلالة من كلام الأنبياء، فإنَّه إذا تُدُبِّرَ حقَّ التدبُّر وجد حجَّةً عليهم لا لهم، فإنَّ كلام الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام- هدى وبيان، وهم معصومون لا يتكلَّمون بباطل.
فمن احتجَّ بكلامهم على باطلٍ فلا بُدَّ أن يكون في كلامهم ما يُبيِّنُ به أنَّهم أرادوا الحقَّ لا الباطل، وهذا مثلُ قوله في هذه النُّبوَّة: «منك يخرج لي رئيس» فهذا صريح في أن هذا الذي يخرج هو رئيسٌ لله ليس هو الله، بل هو رئيسٌ له كسائر الرؤساء الذين لله، وهم الرُّسل والأنبياء المطاعون مثل: داود وموسى، وغيرهما، ولهذا قال: «الذي يرعى شعبي إسرائيل»، ولو كان هو لكان هو راعي شعب نفسه.
وأمَّا قوله: «وهو من قبل أن تكون الدنيا» فهذا مِثْلُ قولِ النَّبيِّ ﷺ في حديثِ ميْسـرةَ الفجْر، وقد قيل له: (يا رسُولَ الله متى كنتَ نبيًّا؟ قال: وآدَمُ بيْنَ الرُّوحِ والجسَدِ)([88])، وفي لفظ: (متى كُتبْتَ نبيًّا؟ قال: وآدَمُ بيْنَ الرُّوحِ والجسَدِ)([89]). () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (4231). () أخرجه الضِّياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" برقم: (123).
ومراده ﷺ أنَّ الله كتب نبوَّته وأظهرها وذكر اسمه، ولهذا جعل ذلك في ذلك الوقت بعد خَلْقِ جسد آدم وقبل نَفْخِ الرُّوح فيه، كما يُكْتَب رزقُ المولود وأجلُه وعمله وشقيٌّ هو أو سعيد، بعد خَلْقِ جسده وقبل نَفْخِ الرُّوح فيه.
وكذلك قول القائل في المسيح عليه السلام: «وهو مِنْ قَبْلِ أن تكون الدُّنيا» فإنَّه مكتوبٌ مذكورٌ من قبل أن تكون الدنيا.
وهو قد قال: «قبل أن تكون الدنيا» ولم يقل: إنَّه كان قديمًا أزليًّا مع الله لَـمْ يزل كما يقول النَّصَارى: إنَّه صفةُ الله الأزليَّة، بل وقَّت ذلك بقوله: «قبل أن تكون الدنيا» ولا يَحْسُن أن يقال في رب العالمين: «كان قبل أن تكون الدنيا»؛ فإنَّه سبحانه قديمٌ أزَليٌّ، ولا ابتداءَ لوجوده، فلا يوقَّتُ بهذا المبدأ؛ لا سيَّما إن أريد بكون الدُّنيا عِمَارتُها بآدمَ وذريتِه؛ فإن الدُّنيا قد لا تدخل فيها السماوات والأرض، بل يُجعل من الآخرة، وأرواحُ المؤمنين في الجنَّة في السماوات، ويراد بالدُّنيا: الحياة الدُّنيا، أو الدَّار الدُّنيا.
ولهذا قال: «لكنَّه لا يظهر إلا في الأيام التي تلده فيها الوالدة كما يظهر غيرُه من الأنبياء بعد أن تلده أمُّه»، والوالدة إنما وَلَدَت النَّاسوت، وأما اللَّاهوت فهو عندهم مولودٌ من الله القديم الأزليِّ، وإذا قالوا: فهي ولدت اللَّاهوتَ مع النَّاسوت، كان هذا معلومَ الفساد من وجوهٍ كثيرة.
[النَّص السادس]:
قالوا: (وقال أشْعِيا النَّبيُّ: "ها هي العذراء تَحْبَل وتلد ابنًا، ويُدْعَى اسمُه عمانويل". وعمانويل: كلمةٌ عِبْرانيَّةٌ تفسيرها بالعربي: "إلهنا معنا" فقد شهد النَّبيُّ أنَّ مريم ولَدَتِ اللاهوتَ المتَّحد بالنَّاسوت كلاهما)([90]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر إشعيا (7: 14).
فيقال: ليس في هذا الكلام أن مريم ولدت اللَّاهوتَ المتَّحد بالنَّاسوت، وأنَّها ولدت خالق السماوات والأرض، بل هذا الكلام يدُلُّ على أنَّ المولود ليس هو خالق السماوات والأرض؛ فإنَّه قال: «تلد ابنًا] وهذا نكرة في الإثبات، كما يقال في سائر النساء: إنَّ فلانة ولدت ابنًا، وهذا دليلٌ على أنَّه ابنٌ من البنين، ليس هو خالقَ السماوات والأرضين.
ثُمَّ قال: «ويدعى اسمُه عمانويل» فدلَّ بذلك أنَّ هذا اسمٌ يوضع له، ويُسَمَّى به كما يُسَمِّي الناسُ أبناءَهم بأسماء الأعلام، أو الصِّفات التي يُسَمُّونهم بها، ومن تلك الأسماء ما يكون مُرْتَجلًا ارتجلوه، ومنها ما يكون جملةً يحكونها، ولهذا كثيرٌ من أهل الكتاب يسمي ابنَه عمانويل.
ثُمَّ منهم من يقول: [العذراءُ] المراد بها: غيرُ مريم، ويذكرون في ذلك قصةً جرت، ومنهم من يقول: بل المراد بها: مريم، وعلى هذا التقدير فيكون المراد أحدَ معنيين:
إمَّا أنه يريد أنَّ إلهنا معنا بالنَّصر والإعانة، فإنَّ بني إسرائيل كانوا قد خُذلوا بسبب تبديلهم، فلما بُعِثَ المسيح عليه السلام بالحقِّ كان الله مع من اتَّبع المسيح، والمسيح نفسُه لَـمْ يبْقَ معهم، بل رُفِع إلى السماء، ولكنَّ الله كان مع من اتَّبعه بالنَّصـر والإعانة، كما قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14]. وقال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ [آل عمران: 55]. وهذا أظهر.
وإما أن يكون يُسَمَّى المسيح إلهًا كما يقولون: إنه يُسَمَّى موسى: «إله فرعون» أي: هو الآمر النَّاهي له، المسلَّط عليه.
وقد حرَّف بعضهم معنى هذه الكلمة فقال: معناها: "الله معنا". فقال مَن رَدَّ عليهم من علمائهم: يُقال لهم: أَ هذا هو القائل: [أنا الربُّ ولا إله غيري، أنا أُمِيتُ وأنا أحيي]، أم هو القائل لله: [إنكَ أنتَ الإلهُ الحقُّ وحدك، والذي أرسلت يسوع المسيح]، وإذا كان الأول باطلًا. والثاني هو الذي شهد به الإنجيل؛ وجب تصديق الإنجيل، وتكذيبُ من كَتَب في الإنجيل أنَّ «عمانويل» تأويله: "الله معنا"، بل تأويل «عمانويل»: "معنا إله"، وليس المسيح مخصوصًا بهذا الاسم، بل عمانويل اسمٌ يُسَمَّى به النَّصَارى، واليهودُ من قبل النَّصَارى.
وهذا موجودٌ في عصرنا هذا، في أهل الكتاب من سمَّاه أبوه: عمانويل، يعني: شريف القَدْر، قال: وكذلك السُّرْيانُ أكثرهم يُسَمُّون أولادهم: عمانويل.
قلتُ: ومعلومٌ أنَّ الله مع المتقين والمحسنين والمقسطين بالهدايةِ والنَّصْـرِ والإعانة. ويقال للرَّجُل في الدعاء: الله معك. فإذا سُمِّي الرَّجل بقول: «الله معك»؛ كان هذا تبـرُّكًا بمعنى هذا الاسم، وإذا قيل: إن المسيح سُمِّي «الله معنا»، أو «إلهنا معنا» ونحو ذلك؛ كان ذلك دليلًا على أنَّ الله مع مَن اتَّبع المسيح وآمن به، فيكون الله هاديه وناصره ومعينه.
[احتجاج النصارى بالإجماع]
قالوا: (ومثلُ هذا القول في كتب الله المنزلة على أفواه الأنبياء والرُّسُل شيئًا كثيرًا عند النَّصَارى جميعِهم المختلفةِ ألسنتُهم، المفرَّقين في سبعة أقاليم العالَـم، المتمسِّكين بدين النصـرانيَّة: قولٌ واحدٌ، ونصٌّ واحد، على ما تَسَلَّمُوه من الحواريِّين حين أنذروهم، وردُّوهم عن عبادة الأصنام إلى معرفة الله تعالى، سَلَّمَوها إليهم كلُّ أمةٍ بلسانها، وهي على هيئتها إلى يومنا هذا)([91]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
[92]والجواب عن هذا من وجوه: تعليق جانبي/ ثبوت التحريف في كتب النصارى.
الوجه الأول: أنَّ القول في سائر ما يذكرونه من النُّصوص كما تقدَّم، وقد تكلَّم على هذا من تكلَّم عليه من علماء النَّصَارى الذين هداهم الله، وبيَّنوا ما وقع في ذلك من تحريفهم لمعاني الكتب التي عندهم، وذكروا ممَّا عندهم من النصوص الصَّـريحة بأنَّ المسيح عبدُ الله، ليس هو الله؛ ما يتبيَّن به بطلانُ قولهم، وأنَّهم ممن تركوا المحكم من الآيات واتَّبعوا المتشابه؛ ولهذا أنزل الله فيهم: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7].
وهذا كقول المسيح عليه السلام لما سُئِل عن علم الساعة فقال: (لا يعلمها إنسان، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الأبُ فقط)([93]). () انظر: إنجيل متَّى (24: 36).
فنفى عن نفسه علم الساعة، وهذا يدُلُّ على شيئين: على أنَّ اسم الابن إنَّما يقع على النَّاسوت دون اللَّاهوت، فإنَّ اللَّاهوت لا يجوز أن ينفى عنه علمُ الساعة، ويدُلُّ على أنَّ الابن لم يكن يعلمْ ما يعلمه الله، وهذا يُبطل قولهم بالاتِّحاد، فإنَّه لو كان الاتِّحاد حقًّا -كما يزعمون- لكان الابن يعلمُ ما يعلمُه الله، ويقْدِرُ على ما يقْدِر عليه، فإنَّه هو الله عندهم، والنَّاسوت لا يتميَّـزُ عندهم عن اللَّاهوت فيما يوصف به المسيح من كونه عالِـمًا قادرًا يُحيي ويُميت.
وقال المسيح لتلاميذه: «آمنوا بالله وآمنوا بي». وقال أيضًا: (من يؤمن بي فليس يؤمنُ بي فقط، بل وبالذي أرسلني)([94]). () انظر: إنجيل يوحنا (12: 44).
وهم يذكرون أنَّ المسيح عليه السلام استصـرخ لله قائلًا: (إلهي إلهي انظر، لماذا تركتني وتباعدت عن خلاصي)([95]). () انظر: إنجيل متَّى (27: 46).
[96]الوجه الثاني: قولهم: [إنَّ هذه الكتب التي بأيديهم من التوراة والإنجيل وسائرِ النُّبوَّات تسلَّموها من الحواريِّين كلُّ أمة بلسانها، وهي على هيئتها]: [97]قول لَـمْ يُقِيْمُوا على صحَّته دليلًا، بل ادَّعوْا ذلك دعوى مجردة، ومثلُ هذا النَّقلِ إن لَـمْ يَثْبُتْ بالتَّواتر لم يُحتَجَّ به في المسائلِ العلميَّة، لا سيَّما إذا قيل في: الوجه الثالث: [98] إن هذا كذبٌظاهر؛ فإن كثيرًا من الألسنة ليس عند أهله إنجيلٌ قديم، ومن ذلك لسان العرب، فإن العرب النَّصَارى كثيرون قبل الإسلام، ولا تُعرف توراةٌ وإنجيلٌ ونبواتٌ عربيَّة إلا ما عُرِّبَ من النُّسخ العبريَّة والرُّومية والسُّريانيَّة، ونحن نطالبهم بهذه الكتب التي هي بالعربيَّة التي في زمن الحواريِّين أين هي؟ ومَن رآها؟ ولو قُدِّر أنها كانت بالعربيَّة، فهذه النسخُ اليوم العربيَّةُ الموجودة بأيدي النَّاس هي مما عُرِّب ممَّا بأيديهم، وحينئذٍ فلا تُعْرف صحَّتُها إن لم تُعْرف صحَّةُ التَّرجمة، ويثبُت نقْلُ تلك عن المسيح عليه السلام، وهكذا القول في سائر الألسُن. تعليق جانبي/ عدم قيام دليل على صدق دعواهم تعليق جانبي/ أن النقل لم يكن من الحواريين بل من الأناجيل التي كُتبت بعد المسيح تعليق جانبي/ كذب هذه الدعوى
الوجه الرابع: أن التَّوراة والنُّبوَّات التي نُقِلَتْ من نُسَخ اليهود والأناجيل هي أربعةٌ كتبت بعد المسيح عليه السلام، اثنان ممَّن كتبها لَـمْ يَريَا المسيح وهما: لوقا ومرقس، واثنان رأياه وهما: يوحنَّا ومتَّى.
والنُّسَخ إنما كثُرت عن الأربعة، وما ينقله الأربعة لا يجب أن يكون متواترًا معلومًا، وإذا كثُرت الألسن بها فَمِنْ بعدِ الأربعة، لا أَنَّ الذين سمعوها من المسيح عليه السلام تكلَّموا باثنين وسبعين لسانًا، فإن هذا لم يقُله أحد، ولا يقوله عاقل؛ إذ الحواريون كانوا اثني عشـر، لَـمْ يكونوا اثنين وسبعين، فإذا قيل: إنه نقلها اثنان وسبعون، فهم نقلوها عمَّن نقلها إليهم من الحواريِّين، وهم إنما يُسْنِدُونَ نَقْلها إلى الأربعة.
[99]الوجه الخامس: أنّ الحواريِّين ليسوا معصومين، بل يجوز على أحدهم الغلط في بعض ما ينقله، وما يُنقل من خوارقهم للعادات، فمِنَ النَّاس من يُكذِّبه، ومنهم من يُصدِّقه، ولا دلالة فيه على عصمتهم، إلَّا أن يَثبُت أنهم ادَّعوا النبوة وأقاموا المعجزات الدَّالة على نبوَّتهم، ولم يكن الأمر كذلك، وإلا فالصَّالحون إذا كانت لهم كراماتٌ لم تدلَّ كراماتهُم على أنهم معصومون كالأنبياء، بل يجوز عليهم الغلط مع ثبوت كراماتهم، والحواريُّون عندهم ليسوا بأنبياء، وإن سَمَّوْهم رسلًا، فهم رسل المسيح، لا رسل الله تبارك وتعالى. تعليق جانبي/ عدم عصمة الحواريين فيما ينقلونه.
[100]الوجه السادس: أنَّ في هذه الكتب التي بأيديهم ما يناقض قولَهم من الأقوال الصَّـريحة الكثيرة ممَّا هو أكثرُ وأصرحُ مما احتجُّوا به على قولهم، والواجب حينئذٍ التمسُّك بالصَّـريح المحكم، وردِّ المتشابه إليه، لا يجوز التمسُّك بالمتشابه، وردُّ المحكَم إليه. تعليق جانبي/ تناقض أقوالهم.
[101]الوجه السَّابع: أنه بتقدير أن يكون في الأرض هذه الكتب باثنين وسبعين لسانًا، سواءٌ كانت كلُّها منقولةً عن الحواريِّين نقلًا صحيحًا، أو كان أكثرُها، أو كثيرٌ منها مترجمةً من لغةٍ إلى لغة؛ فمعلومٌ أنه بكلِّ لسانٍ عدَّةُ نسخ، ولو لم يكن بها إلا لسانٌ واحدٌ مع كثرة النُّسخ بها في مشارق الأرض ومغاربها لَـمْ يمكن أحدًا أنْ يقطع بأنَّ جميع النُّسخ على لفظٍ واحدٍ ونصٍّ واحد، كما ادَّعاه هؤلاء في الاثنين وسبعين لسانًا، حيث قالوا: «ومثل هذا القول في كتب الله المنزَّلة على أفواه الأنبياء والرُّسل كثيرٌ عند النَّصَارى جميعِهم، المختلفةِ ألسنتُهم، المتفرِّقين في سبعة أقاليم العالـم، المتمسِّكين بدين النَّصْـرانيَّة، قولٌ واحدٌ، ونصٌّ واحد، على ما تسلَّموه من الحواريين، وردوهم عن عبادة الأصنام فسلموها إليهم كل أمة بلسانها، وهي على هيئتها إلى يومنا هذا]. تعليق جانبي/ لا يمكن العلم بصحة دعواهم
فإنَّ هذا الكلام يتضمَّن عدَّة دعاوى ليس فيها ما يُمكن قائِلَه أن يكون عالِـمًا به، فعُلِمَ أنَّ هؤلاء تكلَّموا بهذا الكلام بلا علم، بل بالجهل والضَّلال كما هو عادتهم.
فإنَّه يقال لهم: مَن الذي جمع كلَّ نسخةٍ في العالم بجميع التَّوراة والإنجيل والزَّبور وسائر النُّبوات الأربعة والعشـرين بلسانٍ واحدٍ كالعربيِّ مثلًا، وهل مَيَّز جميعَ النسخ فلم يجد نسخةً تزيد على نسخة ولا تَنْقُصُ عنها؟!
ومعلومٌ إن كان هذا ممكنًا أمْكَن أن يقال: جمعَها جامعٌ، وغيَّر بعض ألفاظها، فلا يمكنُهُم دعوى بقائِها بلا تغيُّر، وإن لم يمكن ذلك لم يمكن أحدًا أن يقول: أنا أعلم موافقة كلِّ نسخةٍ من نسخ هذه الكتب لكل نسخةٍ توجد في سبعة أقاليم العالم بذلك اللسان، فضلًا عن اثنين وسبعين لسانًا، فضلًا عن أن يقال: أنا أعلم أن هذه الألسن كلَّها تكلمت بها الحواريُّون، وهي باقيةٌ على لفظهم إلى اليوم.
ومعلومٌ أنّ الإنسان إذا أمكنه جمع نسخِ كتابٍ واحدٍ من جميع الفنون من كتب الطبِّ والحساب والهندسة والنحو والفقه والحديث، كان إمكانُ تغيير بعضِ ألفاظ النُّسخ أيسـرَ عليهم من مقابلة ألفاظ كل نسخةٍ بألفاظِ تلك النسخ مثلَها، فإنَّ هذا لا يُقْدَرُ عليه في العادة، بل هو متعذرٌ أو متعسِّـر، لا سيَّما والمقابلةُ إن كانت بين اثنين، فكلٌّ منهما يَنْقُل للآخر لفظ نسخته، فيكون مدارُ المقابلة على خبرٍ واحد، لم يقترن بخبره ما يُعْلمُ به صدقُه، فقد يغلطان أو يكذبان جميعًا.
وإن كانت بين عددٍ يحصل بهم العلم احتاجت كلُّ نسخةٍ بكلِّ لسانٍ أن يَشهد بلفظها جمْعٌ يحصُل بهم العلم، وأولئك بأعيانهم يشهدون بلفظ كلِّ نسخةٍ بكلِّ لسان، وشهدوا بلفظ كل نسخة، ويشهدون لهم من هو مثلُهم بلفظ النسخة الأخرى وموافقتها لها، وهؤلاء، أو مثلهم بموافقة النُّسخة الثانية.
ومعلومٌ أن هذا لم يفعله أحد، ولا يَقدر عليه أحد، بل لو اجتمع جميع ملوكِ النَّصَارى على ذلك وعلماءُ بلادهم على ذلك لم يقدروا عليه؛ فإنّه من النسخ ما هو عند المسلمين، ومنها ما هو في بلادٍ لا حُكْم لهم عليها، وأيضًا فقد يكون في بلادهم من النُّسخ ما لم يُظْهِرها أصحابُها.
فكلُّ مَنْ شهد من النَّصَارى وغيرِهم بأنّ كلَّ نسخةٍ في العالم بهذه الكتب توافق جميع النسخ فهو شاهدُ زورٍ شهد بما لا يعلم، بل شهد بما يعلم أنه كاذبٌ فيه.
وكذلك لو شهد بمثل هذا لِنُسَخ أيِّ كتابٍ كان، فإن العادة المعروفة أنَّ نسخ الكُتُب تختلف، ويزيد بعضُها وينقصُ بعضها. والقرآن المنقول بالتَّواتر لم يكن الاعتماد في نقله على نسخ المصاحف، بل الاعتماد على حفْظ أهل التَّواتر له في صدورهم؛ ولهذا إذا وُجد مصحفٌ يخالف حِفْظَ النَّاس أصلحوه، وقد يكون في بعض نسخ المصاحف غلطٌ فلا يلتفت إليه، مع أن المصاحف التي كتبها الصَّحابة قد قيَّد الناس صورة الخطِّ ورسمَه، وصار ذلك أيضًا منقولًا بالتَّواتر، فنقلوا بالتَّواتر لفظ القرآن حفظًا، ونقلوا رسم المصاحف بالتَّواتر أيضًا.
ونحن لا ندَّعي اتفاق جميعِ نسخ المصاحف، كما لا نَدَّعي أنَّ كلَّ من يحفظ القرآن لا يغلط، بل ألفاظُه منقولةٌ بالتَّواتر حفظًا ورسمًا، فمن خرج عن ذلك علم الناس أنَّه غالطٌ؛ لمخالفته النقل المتواتر، بخلاف هذه الكتب، فإنَّ النَّصَارَى لم يحفظوها كلَّها في قلوبهم تلقِّيًا لها عن الحواريِّين حفظًا منقولًا بالتَّواتر، بل لم يكن أحد منهم يحفظها كلَّها، فضلًا عن أن يحفظها كلَّها أهلُ التَّواتر، فضلًا عن أن يحفظ كلَّ لسانٍ منها من تواتر بهم ذلك اللسان.
وهذا أمر معلومٌ لجميع النَّصَارى وغيرهم أنه لم يحفظها كلَّها بكل لسان من زمن الحواريِّين عددُ التَّواتر، بل ولا في زمنٍ من الأزمان، بل بعد انتشار النَّصَارى وكثرتهم وتفرُّقهم في الأقاليم السَّبعة لا يكاد يوجد فيهم من يحفظُها كلَّها عن قلبه، كما يحفظ صبيان المكاتب المسلمون القرآن، فكيف يحفظها في كلِّ زمانٍ أهلُ التَّواتُر؟ فكيف يحفظ كلَّ لسانٍ من الاثنين وسبعين أهلُ التواتر؟
وإذا كان اعتمادُهم إنّما هو على الكتب، وهم لا يمكنهم معرفةُ اتفاقِ جميع النسخ بلسانٍ واحد، فضلًا عن جميع الألسنة، عُلِمَ أن دعواهم أنها لم تزل متَّفِقةً على نصٍّ واحدٍ، ولفظٍ واحد، وأن جميع نسخها متفقةٌ في هذا الزمان، وفيما قبله؛ كلامُ مجازفٍ يتكلَّم بلا علم، بل يتكلَّم بما يَعْلَم أنه باطل.
[102]الوجه الثامن: أن هذا لو قُدِّر إمكانُه، فإنما يكون منقولًا لو لم يُعْلَم أنه كذبٌ؛ فكيف مع العلم بأنَّه كذِبٌ؟، فإنه يوجد في هذا الزَّمان نسخُ التَّوراة والإنجيل والزبور والنُّبوَّاتِ مختلفةً متناقضة، والنُّسخ التي عند النَّصَارى مختلفة، وهي أيضًا تخالف نسخ اليهود والسَّامرة في مواضع، وحينئذٍ فإذا قالت النَّصَارى: نُسَخنا هي الصحيحة، لم يكن هذا أَوْلى من قول اليهود: نُسَخنا هي الصحيحة، بل معلومٌ أنَّ اعتناء اليهود بالتَّوراة أعظمُ من اعتناء النَّصَارى. تعليق جانبي/ اختلاف الكتب التي بأيدي أهل الكتاب دليل على كذب دعواهم أنَّها لم تحرف
ثم بعد هذا ما ذكروه لا يكفي إن لم يُعلم أن نسخَهم توافقُ النُّسخَ التي عند اليهود حتى السَّامرة، وهذا غيرُ معلوم.
وإن قالوا: إذا خالف نقلُ اليهود [نقلَ] الحواريِّين لَـمْ يُلتفَت إليه لأنهم معصومون؛ كان هذا مبنيًّا على دعوى عصمتهم، وقد عُرف فسادُه.
وإذا قالت النَّصَارى: نحن ننقلها عن الحواريِّين المعصومين، قالت اليهود: نحن ننقلها عن موسى المعصوم باتفاق أهل الملل، أو عن المعصوم باتفاق اليهود والنَّصَارى وكثيرٍ من المسلمين، فالتوراة باتِّفاق الخلق مأخوذةٌ عن موسى بن عمران، وهو معصوم، وإنَّما يَطْعَنُ مَنْ يطعن في نقل بعضها لانقطاع التَّواتر في أثناء المدَّة لـمَّا خُرِّبَ بيتُ المقدس، ولَـمْ يبقَ فيه ساكنٌ أكثرَ من سبعين سنة، فيقول بعض الناس: إنَّ بعض ألفاظها غُيِّر حينئذ، ويقول بعضهم: لم تُغَيَّر ألفاظُ جميع النُّسخ، وإنَّما غُيِّـرَ ألفاظ بعض النُّسخ، وانتشـرت النُّسخ المغيَّرةُ عند كثيرٍ من النَّاس حتى لا يعرفوا غيرها.
ثم بنو إسرائيل لَـمْ يَزَلْ فيهم نبيٌّ بعد نبيٍّ حتَّى جاء المسيح، وبعد المسيح فلم يزالوا خلقًا كثيرًا لا يمكن تواطؤهم في مشارق الأرض ومغاربها على تغيير نسخ التَّوراة، بخلاف الإنجيل؛ فإنَّه إنَّما نقله أربعة، ومن كَتَبَ التوراةَ والزبورَ والنُّبوَّاتِ من أتباع المسيح فإنَّما كتبوها من النُّسخ التي كانت بأيدي اليهود.
وإذا قالوا: كانوا معصومين. فهذا ممنوعٌ عند المسلمين واليهود، وعلى تقدير تسليمه فاليهود ينقلونها أيضًا عن المعصوم قبل هؤلاء، فلا يمكن مع هذا أن يدَّعيَ مدَّعٍ أن النُّبوَّات التي عند النَّصَارى تواترت عن المعصوم أعظمَ من تواتر ما عند اليهود، بل لا يشكُّ العقلاء العادلون أن نَقْل حروف التَّوراة أصحُّ من نقل حروف الإنجيل.
وهذا أمرٌ يُعْرف من وجوهٍ متعددة؛ فإن التَّوراة أُخذت عن المعصوم باتفاق أهل الملل، وكانت منقولةً قبل المسيح بين الأنبياء وبين بني إسرائيل أعظمَ من نقل الإنجيل، وبعد المسيح نقَلَها اليهود والنَّصَارى.
وإذا كان كذلك، فإذا وُجِد ما عند اليهود والسَّامرةِ من نُسَخِ النُّبوَّات يخُالف ما عند النَّصَارى في بعض الألفاظ كان هذا دليلًا على أن هذه الكتبَ ليست ألفاظُها منقولةً عن نصٍّ واحد، وأنه ليس كلُّ لفظٍ من ألفاظها متواترٌ، والله أعلم.
[103]الوجه التاسع: أنَّ جميع ما عندهم من النُّصوص الصَّحيحة لا يدلُّ على مذهبهم البتَّة نصًّا، بل غاية ما يدَّعون فيها الظهور، وهم منازَعون في ذلك حتى يقال: بل الظَّاهر فيما يحتجُّون به خلافُ قولهم. تعليق جانبي/ ليس للنصارى دليل يقيني على سلامة كتبهم من التحريف.
ومعلومٌ أن أصول الإيمان التي يؤمن أهل الإيمان بها ويُكَفِّرون من خالفها لا بُدَّ أن تكون معلومةً عندهم عن الأنبياء، والعلم لا يحصل بلفظٍ محتمل، فعُلِم أنَّه لا عِلْم عندهم عن الأنبياء عليهم السلام، وهو مَحَـلُّ النِّزاع.
[104]الوجه العاشر: أنَّ أصْـرَح ما عندهم في التَّثليث هو قوله: (عَمِّدُوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس)([105])، وعلى هذا القولِ بنَوْا قولهم بالتَّثليث، وأثبتوا لله ثلاثةَ أقانيم. تعليق جانبي/ لفظ الأقانيم ليس من لفظ الأنبياء. () انظر: إنجيل متى (28: 19).
ولفظ: «الأقانيم» لَـمْ يَنْطق به أحدٌ من الأنبياء، ولا أحدٌ من الحواريِّين باتِّفاقهم، بل هو ممَّا ابتدعوه، قيل: إنَّه لفظٌ روميٌّ معناه: الأصل.
ثم أقنوم «الابن» تارةً يقولون: هو علمُ الله، وتارةً يقولون: هو حكمةُ الله، وتارةً يقولون: هو كلمةُ الله، وتارةً يقولون: هو نطق الله.
وروحُ القدس تارةً يقولون: هو حياة الله، وتارةً يقولون: هو قدرة الله.
والكتب المنقولةُ عن الأنبياء عندهم ليس فيها تسميةُ شيءٍ من صفات الله لا باسم «ابن»، ولا باسم «روح القدس» فلا يوجد أنَّ أحدًا من الأنبياء سمَّى علمَ الله وحكمتَه وكلامه ابنًا، ولا سمَّى حياة الله، أو قدرتَه «روحَ القدس»، بل «روحُ القدس» في كلام الأنبياء يرادُ بها معنًى ليس هو حياةَ الله، كما يراد بها مَلَكُ الله، أو ما يُنَزِّلُه في قلوب الأنبياء والصَّالحين من هُدَاهُ، ونورِه، وتأييدِه، ونحوِ ذلك.
وإذا كان كذلك؛ عُلِمَ أن ما فسَّروا به قولَ المسيح عليه السلام: (عَمِّدُوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس)([106]) كذبٌ صريحٌ عليه، وكذلك ما فسَّـروا به كلام الأنبياء من إثبات الأقانيم الثَّلاثة كذبٌ صريحٌ عليهم، كقولهم: «إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب» أرادوا به إثباتَ ثلاثة آلهة، فإنَّ هذا مما يُعلم بالضَّـرورة ضلالُهم فيه وافتراؤهم على الأنبياء، ويُعْلَم أن إله الثلاثة هو إلهٌ واحد، ليس إلهُ إبراهيم إلهًا آخر غير إلهِ إسحاق، حتى لو قيل بالأقانيم فلا يقول عاقل: إن أحد الأقانيم إلهُ هذا، والأقنومَ الآخرَ إلهُ الآخر، فإنَّ هذا لَـمْ يَقُلْه أحدٌ من العقلاء، لا النَّصَارى ولا غيرهم، لا يقولون: إنَّ الأب إلهُ إبراهيم مثلًا، والابنَ إلهُ إسحاق، وروحَ القدس إلهُ يعقوب، بل هم متَّفقون مع قولهم بالتَّثليث أن الجميع إلهٌ واحدٌ لجميع المرسلين، ليس إلهُ هذا أقنومًا، وإله الآخر أقنومًا آخر، فعلم أن ما يفسِّـرون به كلامَ الأنبياء كذب، لا يصحُّ لا على تثليثهم الذي ابتدعوه، ولا قولِ أهل التَّوحيد المتَّبعين لرسل الله تعالى. () انظر: إنجيل متى (28: 19).
[احتجاج النَّصارى على الأقانيم الثلاثة]
[النص الأول]:
قالوا: (وأما قولنا في الله: ثلاثة أقانيم، إلهٌ واحد، فهو أنَّ الله نطق به، وأوضحه في التّوراة، وفي كتب الأنبياء، ومن ذلك ما جاء في السِّفر الأول مِن التَّوراة يقول: "حيث شاء الله أن يخلق آدم. قال الله: لنخلق خَلْقًا على شِبْهِنا ومثالِنا"([107]). () انظر: سفر التكوين (1: 26).
فمَنْ هو شبهه ومثاله سوى كلمتِه وروحِه؟، وحين خالف آدمُ وعصـى ربَّه قال الله تعالى: "ها آدم قد صار كواحدٍ منَّا"([108]). وهو قولٌ واضحٌ أنَّ الله قال هذا القول لابنه وروح قدسه)([109]). () انظر: سفر التكوين (3: 22). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
والجواب: أنَّ استدلالهم بهذا على قولهم في المسيح هو في غاية الفساد والضَّلال فإنَّ لفظ التَّوراة: «نصنع آدم كصورتنا وشبهنا». وبعضهم يترجمه: «نخلق بشـرًا على صورتنا يشبهنا». والمعنى واحد، وهو كما قال النَّبيُّ ﷺ: (إنَّ اللهَ خلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)([110])، وفي رواية: (على صُورَةِ الرَّحْمَنِ)([111]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2612). () أخرجه الحارث بن محمد في "مسنده" (2/831)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1/228)، وعبد الله ابن أحمد في "السنة" (1/268)، وابن خزيمة في "التوحيد" (1/85).
فقولهم: «من هو شبهه ومثاله سوى كلمته وروحه»؛ مِن أبطل الباطل مِن وجوه:
الوجه الأول: أنَّ الله ليس كمثله شيء، وليس لفظ النصِّ: (على مثالنا)([112]). () قال تعالى: { ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ } [سورة الشورى:11]، وقال: {ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ } [سورة الإخلاص:4].
الوجه الثاني: أنَّه لا اختصاص للمسيح بما ذُكر على كلِّ تقدير-حق وباطل- فإنَّه بأيِّ تفسيرٍ فُسِّر قوله: «سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهنا» لَـمْ يخُصَّ ذلك المسيح.
الوجه الثالث: أنَّهم إنْ أرادوا بالكلمة التي هي شبْهُه ومثالُه صفتَه التي هي العلم القائم به، والحياة القائمة به؛ فالصِّفة لا تكون مثلًا للموصوف؛ إذ الموصوف هو الذَّات القائمة بنفسها والصِّفة قائمةٌ بها، والقائم بغيره لا يكون مِثْل القائم بنفسه.
وإنْ أرادوا به شيئًا غيرَ صفاتِه؛ مثل: بدن المسيح وروحه، فذلك مخلوقٌ له، والمخلوق لا يكون مثل الخالق، وكذلك روح القدس، سواء أُرِيد به مَلَكٌ، أو هدًى وتأييد، ليس مِثْلًا لله عز وجل.
الوجه الرابع: أنَّه قال: «لنخلق خَلْقًا» أو قال: «نخلق آدم» أو «نخلق بشـرًا على صورتنا وشبهنا» وعلى ما قالوه: «نخلق خلقًا على شِبْهِنا ومثالنا»، وبكُلِّ حال، فهذا مخلوق، وكلمة الله وروحُه عندهم غير مخلوق، فامتنع أن يكون المراد بذلك كلمتَه وروحَه.
وإن قالوا: أراد بذلك النَّاسوت المسيحيَّ؛ فلا فرق بين ذلك النَّاسوت وسائر النَّواسيت، مع أنَّ المراد بذلك النص آدمُ أبو البشـر باتِّفاق الأمم، والناسوتُ نفسُه ليس هو كلمةَ الله وروحَه.
الوجه الخامس: أنَّه لو قُدِّر أنَّه أُرِيد بذلك أنَّ كلام الله يُشْبِهُ ذاته من بعض الوجوه، مثل كونه قديمًا بقِدَمه؛ لَـمْ يكن في ذلك ما يدلُّ على الأقانيم الثلاثة.
وكذلك اللَّفظ المعروف وهو قوله: «سنخلق بشـرًا على صورتنا يشبهنا»، فهذا لا يدلُّ على التَّثليث بوجهٍ من الوجوه، وشِبْهُ الشَّـيءِ بالشَّـيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التَّماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب، ويجوز، ويمتنع. وإذا قيل: هذا حيٌّ عليمٌ قديرٌ، وهذا حيٌّ عليمٌ قديرٌ، فتشابها في مُسَمَّى الحيِّ والعليم والقدير؛ لَـمْ يوجب ذلك أن يكون هذا الـمُسَمَّى مماثلًا لهذا الـمُسَمَّى فيما يجب ويجوز ويمتنع؛ بل هنا ثلاثة أشياء:
أحدها: القَدْر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كُلِّيٌّ لا يختصُّ به أحدهما، ولا يوجد كُليًّا عامًّا مشتركًا إلا في علم العالِـم.
والثاني: ما يختصُّ به هذا، كما يختصُّ الربُّ بما يقوم به من الحياة والعلم والقُدْرة.
والثالث: ما يختصُّ به ذاك، كما يختصُّ به العبد من الحياة والعلم والقُدْرة، فما اختصَّ به الربُّ عز وجل لا يشْـرَكُه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيءٌ من النَّقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختصُّ به العبدُ لا يشْـرَكُه فيه الرب، ولا يستحقُّ شيئًا من صفات الكمال التي يختصُّ بها الربُّ عز وجل.
وأمَّا القَدْر المشترك كالمعنى الكُلِّـيِّ الثَّابت في ذهن الإنسان؛ فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه.
ولفظ التَّوراة فيه: «سنخلق بشـرًا على صورتنا يشبهنا»، لَـمْ يقُلْ: على مثالنا، وهو كقول النَّبيِّ ﷺ في الحديث الصَّحيح: (لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: قبَّحَ اللهُ وجْهَكَ ووجْهَ من أَشْبَهَ وجْهَك؛ فإنَّ اللهَ تعالى خلَقَ آدمَ على صُورَتِهِ)([113]). فلم تذْكُر الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم كموسى ومحمدٍ ﷺ- إلا لفظةَ [شِبْهٍ] دون لفظِ [مِثْل]. () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (7538)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1/229)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (7/261)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (3/470).
الوجه السادس: أن قوله: «سنخلق خلقًا على شبهنا» لا يتناول صفته، مثل كلامه وحياته القائمة به، فإنَّ ذلك ليس بمخلوق، وحينئذٍ فهذا لا يتناول اللَّاهوت الذي يزعمون أنه تدرَّع بالنَّاسوت، فإن اللَّاهوت ليس بمخلوق.
وأما النَّاسوت فهو كسائر نواسيت الناس، لا اختصاص له بأن يكون شبيهًا لله دون سائر النَّواسيت، فقوله: «فمن هو الشَّبَه المخلوق سوى كلمته وروحه»؛ باطلٌ على كلِّ تقدير.
وأما قوله: «ها آدم قد صار كواحدٍ منَّا»، وقولهم: «إن هذا قول واضحٌ أن الله قال هذا القول لابنه وروح قدسه»:
فإن أرادوا أنَّه يجعل الذي صار كواحدٍ منَّا لابنه، كان هذا من أبطل الكلام؛ فإنَّ هذا الابن إن كان المراد به: الكلمةَ التي هي صفةٌ لله؛ فتلك لَـمْ يُخْلَقْ لها أمرٌ يصير كواحدٍ منهم، وتلك لا تُسمَّى آدم، ولا سمَّاها الله ابنًا.
وإن أُريد به ناسوتُ المسيحِ؛ فذاك مخلوقٌ مبتدعٌ يمتنع أن يكون كالقديم الأزَلِيِّ.
وأيضًا؛ فإنَّ الله قال هذا عن آدم، وآدمُ ليس هو المسيح، ولا يجوز أن يقال: آدم، ويرادُ به المسيح، كما لا يجوز أن يقال: عصى آدم، ويراد به المسيح.
وأيضًا؛ فإنَّه قال: «ها آدم قد صار كواحد منَّا» وهذا إشارةٌ إلى أمرٍ قد كان في الزَّمن الماضي، ليس هو إشارةً إلى ما سيكون بعد ذلك بألوفٍ من السِّنين.
وإن أرادوا أنَّ الله قال لابنه الذي هو كلمته وروحه: «ها آدم قد صار كواحد منَّا» أي: أن الله خاطب ابنه وروحه وهذا هو مرادهم، كقولهم: إنَّه قال هذا القول يستهزئ بآدم، أي: إنَّه طلب أن يصير كواحدٍ منَّا، صار هكذا عريانًا مفتضحًا.
ويكون شبهتهم قوله: «منَّا»؛ لأنه عبَّر بصيغة الجمع، وكذلك إن أرادوا هذا بقوله: «نخلق بشرًا على صورتنا وشبهنا». فاحتجُّوا على التَّثليث بصيغة الجمع.
وهذا مما احتجَّ به «نصارى نجران» على النَّبيِّ ﷺ، فاحتجُّوا بقوله تعالى: «إنَّا»، و«نحن» قالوا: وهذا يدُلُّ على أنَّهم ثلاثة، وكان هذا من المتشابه الذي اتَّبعوه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وتركوا المحكم المبيَّن الذي لا يحتمل إلا واحدًا، فإنَّ الله في جميع كتبه الإلهيَّة قد بيَّن أنَّه إلهٌ واحد، وأنَّه لا شريك له، ولا مِثْلَ له.
وقوله: «إنَّا»، و«نحن» لفظٌ يقع في جميع اللُّغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوانٌ يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء، والله تعالى خلق كلَّ ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريكٌ أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنودُه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 7].
فإذا كان الواحد من الملوك يقول: «إنَّا» و«نحن»، ولا يريدون أنَّهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك ربُّ العالمين، وربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه هو أحقُّ بأن يقول: «إنَّا» و«نحن» مع أنَّه ليس له شريكٌ ولا مِثْل، بل له جنود السماوات والأرض.
وأيضًا؛ فمن المعلوم أنَّ آدم لم يطلب أن يصير مثل الله، ولا مِثْلَ صفاتِه كعلمه وحياته.
وأيضًا؛ فليس في ظاهر اللَّفظ أنَّ الله خاطب صفاتِه بذلك.
وأيضًا؛ فالصِّفة القائمة بالموصوف لا تخاطِب ولا تخاطَب، وإنَّما يخاطَب الموصوف، ولَـمْ يكن قد خلق آدمَ ناسوتَ المسيح، ولا غيره من البشـر حتى يخاطب، فعُلِمَ أنَّ دعواهم أنَّ الله خاطَب صفته التي سمَّوْها هم ابنًا وروح قدس؛ كلام باطل، بل قد يخاطِب ملائكتَه.
وآدم عليه السلام أراد ما أطمعه الشيطان من الخُلْد والـمُلْك، كما قال تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ﴾ [طه: 120].
[النص الثاني]:
قالوا: (وقال الله عندما أخْسِفُ بِسَدُومَ وعامُورَةَ، قال في التَّوراة: "وأمطر الربُّ من عند الربِّ من السَّماء على سَدُومَ وعامورةَ نارًا وكِبْريتًا". أوضح بهذا ربوبيَّة الأب والابن)([114]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر التكوين (19: 24).
والجواب: أنَّ احتجاجهم بهذا من أبطل الباطل؛ لوجوه:
الوجه الأول: أنَّ تسمية الله علمَه وحياتَه ابنًا وربًّا؛ تسميةٌ باطلة، لَـمْ يُسَمِّ موسى في التَّوراة شيئًا من صفات الله باسم: «الابن» ولا باسم «الأب»، فدعوى المدَّعي أن موسى عليه السلام أراد بالربِّ شيئًا من صفات الله، أو أنَّ له صفةً تُسَمَّى ابنَه؛ كلامٌ باطل.
الوجه الثَّاني: أنَّه لو قُدِّرَ أنَّ صفة الله تُسَمَّى بذلك؛ فمعلومٌ أنَّ الذي أمطر كان هو الذي كان المطر عنده، لَـمْ يكن المطر عند أحدهما، والآخَر هو الممطِر، كما لا يجوز أن يُقال: خُلِق أحدُهما من شيءٍ عند الآخر، ولا أَنْزَل أحدُهما المطر من سحاب الآخر.
الوجه الثَّالث: أنَّ الصِّفة لا تفعل شيئًا، ولا عندها شيء، بل هي قائمةٌ بالموصوف، والذَّات المتَّصفة بالصِّفة هي التي تفعل، وعندها يكون ما يكون.
الوجه الرَّابع: أنَّ هذا بمنزلة قوله: «أمطر الرب من عنده» لكن جَعَلَ الاسمَ الظَّاهر موضع المضمر إظهارًا؛ لأنَّ الأمر له وحده في هذا وهذا.
ومثل هذا في القرآن كقوله: ﴿ٱلۡحَآقَّةُ ﴿١﴾ مَا ٱلۡحَآقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-2]. ﴿ٱلۡقَارِعَةُ ﴿١﴾ مَا ٱلۡقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-2]. وقال تعالى: ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [الزمر: 1]. ﴿تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 2]. والله هو الـمُـنْـزِل، ولَـمْ يقل: «مِنِّي».
[النص الثالث]:
قالوا: (نذكر ثالث، وقال داود في الزَّبور في المزْمُور المئة والتِّسعةِ قائلًا: "قال الربُّ لرَبِّي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت موْطأ قدميك")([115]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر المزامير (110: 1).
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنَّه لا يجوز أن يُراد بـ«ربِّي» شيئًا من صفات الله، فإنَّه لَـمْ يُسَمِّ داودُ ولا أحدٌ من الأنبياء شيئًا من صفات الله: ربًّا ولا ابنًا، ولا قال أحدٌ لشـيءٍ من صفات الله: يا ربِّ ارحمني، ولا قال لعلم الله أو كلامه أو قدرته: يا رب! وإذا لَـمْ يكونوا يُسَمُّون صفات الله ربًّا، فلو كان المسيح صفةً من صفاته؛ لَـمْ يَجُزْ أن يكون هو المراد بلفظ الربِّ، فكيف وناسوتُه أبعدُ عن اللَّاهوت أن يُراد بذلك؟ فعُلِمَ أنَّهم لَـمْ يُريدوا بذلك لا اللَّاهوتَ ولا النَّاسوت.
الوجه الثاني: أنَّه قال: «قال الربُّ لربِّي» فأضاف إليه الثَّاني دون الأول، وأنَّه هو ربُّه الذي خلقه، وعامَّةُ ما عند النَّصَارى من الغُلُوِّ أن يقولوا: «إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ»، ويجعلونه خالقًا. أمَّا أن يجعلوه أحقَّ من الأب بكونه ربَّ داود، فهذا لَـمْ يقولوه، وهو ظاهر البطلان.
الوجه الثَّالث: أنَّه ليس في هذا ذكرُ الأقانيم الثلاثة، غايته -لو كان كما تأوَّلوه- أنْ يكون فيه ذكرُ الابن، وأمَّا الأقانيم الثلاثة فلم يَنْطق بها شيءٌ من كتب الله التي بأيديهم فضلًا عن القرآن -لا بلفظها ولا معناها-، بل ابتدعوا لفظ «الأقنوم»، وعبَّروا به عمَّا جعلوه مدلولَ كتب الله، وهي لا تدُلُّ على ذلك، فكانوا في ذلك مترجِمين لكلام الله وهم لَـمْ يفهموا معناه، ولا عبَّروا عنه بعبارةٍ تدُلُّ على المراد.
الوجه الرابع: أنَّه قال: «لربِّي» وهذا يُراد به: السيِّد، كما قال يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: 23]، وقال لغلام الملك: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 42].
ولهذا ذكر الأوَّل مطلقًا، والثاني مقيَّدًا، فيكون المعنى: وقال الله لسيِّدي: قال ربُّ العالمين لسيِّدي. وسماه: «سيِّدًا» تواضعًا من داود وتعظيمًا له؛ لاعتقاده أنَّه أفضل منه.
[النص الرابع]:
قالوا: (نذكر رابع، وقال في المزمور الثاني: الذي قال لي: "أنتَ ابني، وأنا اليوم ولدتك")([116]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة. وانظر: سفر المزامير (2: 7).
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ هذا ليس فيه تسميةُ صفات الله -علمه وحياته- ابنًا، ولا فيه ذِكْرُ الأقانيم الثلاثة؛ فليس فيه حجَّةٌ لشيءٍ ممَّا تدَّعونه.
الوجه الثاني: أنَّ هذا حجَّةٌ عليهم، فإنَّه هو سمَّى داود ابنه، فعُلِم أنَّ اسم «الابن» ليس مختصًّا بالمسيح عليه السلام، بل سمَّى غيره من عباده ابنًا، فعُلِم أنَّ اسم «الابن» ليس اسمًا لصفاته، بل هو اسمٌ لمن ربَّاه من عبيده، وحينئذٍ فلا تكون تسميةُ المسيح ابنًا لكون الربِّ أو صفتِه اتَّحدت به، بل كما سمَّى داود ابنًا، وكما سمَّى إسرائيل ابنًا فقال: «أنتَ ابني بِكْري».
وهذا في كتبهم -كما ذُكر-، فإنْ كان ما في كتبهم قولَ الله فلا حجَّة فيه؛ لأنَّه أراد المربَّى، وإنْ لَـمْ يكن قولَ الله ورسله فلا حُجَّة فيه؛ لأنَّ قول غير المعصوم ليس بحجة.
الوجه الثَّالث: أنَّ قوله: «وأنا اليوم ولدتك» يدلُّ على حدوث هذا الفعل، وعندهم تولُّد الكلمة التي سمَّوها الابن من الأب قديمٌ أزليٌّ، كما قالوا في أمانتهم: «وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كلِّ الدُّهور، نورٍ من نور، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ من جوهر أبيه، مولودٍ غيرِ مخلوق، مساوٍ الأبَ في الجوهر، الذي به كان كلُّ شيء».
فهذا الابن عندهم مولودٌ من الأب قبل كلِّ الدُّهور، وذاك وُلِدَ في يوم خاطَبَه بعد خلق داود، فلم يكن في هذا المحدَث دليلٌ على وجود ذلك القديم.
الوجه الرَّابع: أنه إذا كان «الأب» في لغتهم هو الرَّبُّ الذي يُرَبِّي عبدَه أعظمَ مما يربِّي الأب ابنه؛ كان معنى لفظِ الولادة ممَّا يُناسب معنى هذه الأبُوَّة، فيكون المعنى: اليوم جعلتك مرحومًا مصطفًى مختارًا.
والنَّصَارى قد يجعلون الخطاب الذي هو ضميرٌ لغير المسيح يُراد به المسيح، فقد يقولون: المراد بهذا المسيح، وهذا باطلٌ لا يدلُّ اللَّفظ عليه، وبتقدير صحَّته فهو يدلُّ على أنَّ المسيح هو النَّاسوت المخلوق، وهو المسَمَّى بالابن، كقوله: «وأنا اليوم ولدتك».
واللَّاهوت عندهم مولودٌ من قبل الدُّهور، وحينئذٍ فإنْ كان المراد به يومَ ولادته؛ فالمعنى: خلقْتُك. وإن كان يوم اصطفاه؛ فالمراد: اليوم اصطفيْتُك وأحببْتُك، كأنَّه قال: اليوم جعلتك ولدًا وابنًا على لغتهم.
[النص الخامس]:
قالوا: (نذكر خامس. وفي السِّفر الثَّاني من التَّوراة: "وكلَّم الله موسى مِن العُلَيْقَةِ قائلًا: أنا إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب"([117]). ولَـمْ يقُلْ: أنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، بل كرَّر اسم "الإله" ثلاثَ دفوعٍ قائلًا: "أنا إله، وإله، وإله"؛ لتحقُّق مسألة الثلاث أقانيم في لاهوتيه)([118]). () انظر: سفر الخروج (3: 15). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
والجواب: أنَّ الاحتجاج بهذا على الأقانيم الثَّلاثة من أفسد الأشياء، وذلك يظهر من وجوه:
الوجه الأول: أنَّه لو أُريد بلفظ [الإله]: أقنومُ الوجود، وبلفظ «الإله» مرةً ثانيةً: أقنومُ الكلمة، وبالثَّالث: أقنومُ الحياة؛ لكان الأقنوم الواحد إلهَ إبراهيم، والأقنوم الثاني إلهَ إسحاق، والأقنوم الثالث إلهَ يعقوب، فيكون كلٌّ مِن الأقانيم الثلاثة إلهَ أحدِ الأنبياء الثَّلاثة، والأقنومين ليسا بإلهين له، وهذا كُفْرٌ عندهم، وعند جميع أهل الملل.
وأيضًا؛ فيلزم من ذلك أن يكون الآلهة ثلاثة، وهم يقولون: إلهٌ واحد، ثُمَّ هُمْ إذا قالوا: كلٌّ من الأقانيم إلهٌ واحد، فيجعلون الجميع إله كلِّ نبيٍّ، فإذا احتجُّوا بهذا النصِّ على قولهم؛ لَزِمَ أن يكون إلهُ كُلِّ نبيٍّ ليس هو إلهَ النَّبيِّ الآخر، مع كون الآلهة ثلاثة.
الوجه الثاني: أنَّه يقال: إنَّ الله رب العالمين، ورب السماوات، ورب الأرض، ورب العرش، ورب كل شيء، فيلزم أن يكون رب السماوات ليس هو رب الأرض، وكذلك يُقال: إله موسى، وإله محمد، مع قولنا: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أفتكون الآلهة خمسة، وقد قال يعقوب لبنيه: ﴿مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ || ، أفتراه أثبت إلهين: أحدهما إلهه، والآخر إله الثلاثة؟!.
الوجه الثالث: أنَّ العطف يكون تارة لتغاير الذوات، وتارة لتغاير الصفات كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ﴿١﴾ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ﴾ [الأعلى: 1-5]، والذي خلق؛ هو الذي قدَّر وأخرج. وكذلك قوله: ﴿إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ﴾ [البقرة: 133]، وهو هو سبحانه. وقال إبراهيم الخليل - صلوات الله عليه وسلامه - لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿٧٧﴾ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ﴿٧٨﴾ وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ﴿٧٩﴾ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ﴿٨٠﴾ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ﴿٨١﴾ وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ﴾ [الشعراء: 75-82] والذي خلقه هو الذي يطعمه ويسقيه، وهو الذي يميته ثم يحييه.
فقوله في التَّوراة: «إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب» هو مِن هذا الباب، ولا يختصُّ هذا بثلاثة، بل يُقال هذا في الاثنين والأربعة والخمسة؛ بحسب ما يقصد المتكلم ذكرَه من الصِّفات، وفي هذا من الفائدة ما ليس في قوله: إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فإنَّه لو قيل ذلك لَـمْ يُفدْ إلا أنَّه معبودُ الثَّلاثة، لا يدلُّ على أنَّهم عبدوه مستقِلِّين، كلٌّ منهم عبده عبادةً اختصَّ بها لَـمْ تكن هي نفس عبادة الأول.
وأيضًا؛ فإنَّه إذا قيل: «إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب»؛ دَلَّ على عبادة كُلٍّ منهم باللزوم، وإذا قال: «وإله» دلَّ على أنَّه معبودُ كلٍّ من الثلاثة، فأعاده باسم الإله الذي يدلُّ على العبادة دلالةً باللَّفظ المتضمِّن لها، وفي ذلك مِن ظهور المعنى للسَّامع وتنوعه بصورةٍ له من غير ذكرٍ ما ليس في دلالة الملزوم.
قالوا: (فنحن لأجل هذا البيان الواضح الذي قاله الله في التَّوراة، وفي كُتُب الأنبياء؛ نجعل ثلاثة أقانيم: جوهرًا واحدًا، إلـهًا واحدًا، ربًّا واحدًا، خالقًا واحدًا، وهو الذي نقوله: أبٌ وابنٌ وروحُ قدس)([119]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ في التَّوراة والكتب الإلهيَّةِ من إثبات وحدانيَّة الله، ونفي تعدُّد الآلهة، ونفي إلهيَّة ما سواه؛ ما هو صريحٌ في إبطال قول النَّصَارى ونحوهم، وليس فيها ذكرُ الأقانيم لا لفظًا ولا معنًى، حيث يجعلون الأقنوم اسمًا للذَّات مع الصفة، والذَّاتُ واحدة، والتعدُّد في الصِّفات لا في الذَّات.
الوجه الثاني: أنَّهم يقولون: إنَّما نُثْبِتُ إلـهًا واحدًا، ثُمَّ يقولون في أمانتهم وأدلَّتهم وغيرِ ذلك من كلامهم ما هو صريحٌ بإثبات ثلاثة آلهة، فينقضون كلامهم بعضُهم ببعض، ويقولون من الأقوال المتناقضة ما يَعلَم بطلانَه كلُّ عاقلٍ تصوَّره.
الوجه الثَّالث: قولهم: «وهو الذي نقوله: أبٌ وابنٌ وروح القدس»؛ فهذا القول هم مُعترفون بأنَّهم لَـمْ يقولوه ابتداءً، ولا عَلِمُوا بالعقل التَّثليث الذي قالوه في أمانتهم، ثُمَّ عبَّروا عنه بهذه العبارة، بل هذه العبارةُ منقولةٌ عندهم في بعض الأناجيل: أنَّ المسيح عليه الصلاة والسلام أمر أن يُعَمِّدوا الناس بها، وحينئذٍ فالواجب إذا كان المسيح قالها: أن يُنْظَر ما أراد بها، ويُنْظَر سائرُ ألفاظه ومعانيها، فيُفَسَّـر كلامُه بلغته التي تكلَّم بها تفسيرًا يناسب سائر كلامه.
وهؤلاء حملوا كلام المسيح والأنبياء عليهم السلام على شيءٍ لا يدلُّ عليه كلامُهم؛ بل يدلُّ على نقيضه، فسمَّوا كلامَ الله أو علمه أو حكمته أو نطقه: ابنًا، وهذه تسميةٌ ابتدعوها، لَـمْ يُسَمِّ أحدٌ من الأنبياء شيئًا من صفات الله باسم الابن، ولا باسم الربِّ، ولا إله، ثُمَّ لَـمَّا أحدثوا هذه التَّسمية قالوا: مراد المسيح بالابن هو: الكلمة، وهذا افتراءٌ على المسيح عليه السلام، وحملٌ لكلامه على معنًى لا يدلُّ عليه لفظُه.
[الفصل الرابع: دعوى النَّصَارى أنَّ التثليث ثابثٌ بالعقل والنقل]
[الاستدلال العقلي على التثليث]
[1]قالوا: (وقد علمنا أنَّه لا يلزمُنا -إذا قلنا هذا- عبادةُ ثلاثةِ آلهة، بل إلهٍ واحد، كما لا يلزمُنا إذا قلنا: الإنسان ونطقُه وروحُه؛ ثلاثةُ أَنَاسِيٍّ، بل إنسانٌ واحد. ولا إذا قلنا: لهيبُ النَّار، وضوء النَّار، وحرارة النَّار؛ ثلاثة نيران. ولا إذا قلنا: قرصُ الشَّمس، وضوء الشَّمس، وشعاع الشمس؛ ثلاثةُ شموس، وإذا كان هذا رأْيُنا في الله -تقدَّست أسماؤه وجلَّت آلاؤه- فلا لوم علينا ولا ذنب لنا؛ إذ لم نُهْمِل ما تسلَّمناه، ولا نرفضُ ما تقلَّدناه، ونتَّبع ما سواه، ولا سيِّما أنَّ لنا هذه الشَّهادات البيِّنات، والدَّلائل الواضحات من الكتاب الذي أتى به هذا الرَّجل)([2]). تعليق جانبي/ دعوى النصارى عدم التعارض بين التثليث والتوحيد () رسالة بولس الأنطاكي (ص421).
والجوابُ من وجوه:
[3]الوجه الأول: أنَّكم صرَّحْتُم بتعدُّد الآلهة والأرباب في عقيدة إيمانكم، وفي استدلالكم وغير ذلك من كلامكم، فليس ذلك شيئًا ألزَمَكُم الناسُ به؛ بل أنتم تُصَـرِّحون بذلك، كما تقدَّم من قولكم: (نؤمن بإلهٍ واحد، أبٍ ضابط الكل، خالقِ ما يُرى وما لا يُرى، وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابنِ الله الوحيد، المولود من الأب قبل كلِّ الدُّهور، نورٍ من نور، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه، مولودٍ غيـرِ مخلوق، مساوٍ الأبَ في الجوهر، وبروح القدس الربِّ المحيي المنبثق من الأب، الذي مع الأب، مسجودٍ له وممجَّد)([4]). تعليق جانبي/ النصارى صرَّحوا بتعدد الأرباب في "الأمانة" () انظر نص قانون الإيمان في كتاب: [البابا أثناسيوس الرسولي] لمينا بديع (ص35)، و[الأرثوذكسية قانون إيمان لكل العصور] للآب أنتوني م. كونيارس (ص26).
فهذا تصريحٌ بالثلاثة أرباب، وأنَّ الابن: إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقّ. ومع تصـريحكم بثلاثة أرباب، وتصـريحكم بأنَّ هذا إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، تقولون: إنَّ ذلك إلهٌ واحد، وهذا تصريحٌ بتعدُّدِ الآلهة مع القول بإلهٍ واحد.
[5]الوجه الثاني: قولهم: «ولا يلزمنا إذا قلنا هذا عبادةُ ثلاثةِ آلهة، بل إلهٌ واحد، كما لا يلزمنا إذا قلنا: الإنسان وروحُه ونطقُه ثلاثُ أناسيٍّ، ولا إذا قلنا: النَّارُ وحرُّها وضوءها ثلاثُ نيران، ولا إذا قلنا: الشَّمس وضوءها وشعاعها ثلاثُ شموس». تعليق جانبي/ بطلان تمثيل النصارى بتعدد الآلهة بصفات الإنسان والنار والشمس.
فيقال: هذا تمثيلٌ باطلٌ لوجوه:
أحدها: أنَّ حرَّ النَّار وضوءَها القائمَ بها ليس نارًا من نار، ولا جوهرًا من جوهر، ولا هو مُسَاوِ النَّار والشَّمس في الجوهر، وكذلك نُطْقُ الإنسان ليس هو إنسانًا من إنسان، ولا هو مُسَاوِ الإنسانَ في الجوهر، وكذلك الشمس وضوءها القائمُ بها وشعاعها القائمُ بها؛ ليس شمسًا ولا جوهرًا قائمًا بنفسه، وأنتم قلتم: «إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ»، فقلتم في «الأمانة»: «نؤمن بإلهٍ واحدٍ، أبٍ ضابطِ الكل، وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح ابنِ الله الوحيد، المولود من الأب قبل كلِّ الدُّهور، نورٍ من نور، إلهٍ حقٍّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه، مساوي الأب في الجوهر»، وقُلْتُم في «روح القدس»: «إنَّه ربٌّ ممجَّدٌ مسجودٌ له»؛ فأثبتُّم ثلاثة أرباب.
والثاني: أنَّ الضَّوءَ في الشمس والنَّار يرادُ به: نفسُ الضَّوءِ القائم بها، ويرادُ به: الشُّعاعُ القائِمُ بالأرض والجُدران، وهذا مباينٌ لها ليس قائـمًا بها، ولفظ النُّور يعبَّر به عن هذا وهذا، وكلاهما صفة قائمة بغيرها وعَرَض، وقد يراد بلفظ النُّور: نفسُ النَّار ونفس الشَّمس والقمر، فيكون النُّور جوهرًا قائـمًا بنفسه، وإذا كان كذلك؛ فهم جعلوا «الأبَ» ربًّا جوهرًا قائمًا بنفسه، و«الابنَ» أيضًا ربًّا جوهرًا قائمًا بنفسه، و«روحَ القدس» ربًّا جوهرًا قائمًا بنفسه.
ومعلومٌ أنَّ ضوء النَّار والشمس وحرارتَها؛ ليس كلٌّ منهما شمسًا ونارًا قائمةً بنفسها، ولا جوهرًا قائمًا بنفسه، فلو أثبتوا حياة الله وعلمَه أو كلامَه صفتين قائمتين به، ولَـمْ يجعلوا هذا ربًّا جوهرًا قائمًا بنفسه، وهذا ربًّا جوهرًا قائمًا بنفسه؛ لكان قولهم حقًّا وتمثيلُهم مطابقًا، ولكنهم لم يقتصروا على مجرَّد جعلهما صفتينِ لله حتى جعلوا كُلًّا منهما ربًّا وجوهرًا وخالقًا، بل صرَّحوا بأنَّ المسيح الذي يزعمون اتِّحادَ أحدِهما به؛ إلهًا وخالقًا، فلو كان نفسَ كلمة الله وعلمَه لَـمْ تكن إلهًا خالقًا، فإنَّ كلام الله وعلمَه ليس إلهًا خالقًا، فكيف والمسيح مخلوقٌ بكلمة الله، ليس هو نفسَ كلمة الله؟
الثالث: أنَّ قولَهم: «الشمس وشعاعها وضوءُها» إنْ أرادوا بالضَّوء ما يقوم بها، وبالشُّعاع ما ينفصل عنها؛ فليس هذا مثالَ النَّار وحرِّها ولهبها؛ إذ كلاهما يقوم بها.
وعلى هذا؛ فالشَّمس لَـمْ تقم بها إلا صفةٌ واحدةٌ لا صفتين، فلا يكون التَّمثيل بها مطابقًا.
وإنْ أرادوا بالضَّوء والشُّعاع كلاهما ما يقوم بها، أو كلاهما ما ينفصل عنها، فكلاهما صفةٌ واحدةٌ ليس هما صفتان كالحياة والعلم، فعُلِم أن تمثيلهم بالشَّمس خطأ.
وبعضهم يقول: الشَّمس وحرُّها وضوءها، كما يقولون مثل ذلك في النَّار، وهذا التَّمثيل أصحُّ لو ثبت أنَّ في جِرْم الشَّمس حرارةً تقوم بها، فإنَّ هذا لَـمْ يقُمْ عليه دليل، وكثيرٌ من العقلاء يُنكرُه، ويزعم أنَّ جِرم الشَّمس والقمر والكواكب لا توصف بحرارةٍ ولا ببرودة، وهو قول أرِسْطُو وأتباعه.
وأمَّا تمثيلهم بروح الإنسان ونطقه؛ فإنْ أرادوا بالرُّوح حياتَه؛ فليس هذا هو مفهومَ الرُّوح. وإنْ أرادوا الرَّوح التي تفارقُ بدنه بالموت وتُسَمَّى النفسَ الناطقةَ؛ فهذه جوهرٌ قائمٌ بنفسه ليس عرَضًا مِن أعراضه، وحينئذٍ فيلزم أنْ يكون روحُ الله جوهرًا قائمًا بنفسه مع جوهرٍ آخرَ نظيرَ بدنِ الإنسان، ويكونَ الربُّ سبحانه وتعالى مُركَّبًا مِن بدنٍ وروحٍ كالإنسان، وليس هذا قولَ أهل الملل، لا المسلمين ولا اليهودِ والنَّصَارى، بل هو كُفْرٌ عندهم، فتبيَّن أنَّ تمثيلهم بالثلاثة باطل.
الرَّابع: أنَّ التَّمثيل إمَّا أنْ يقع بصفاتِ الشَّمس والنَّار والإنسان، أو النَّفس القائمة بهذه الجواهر، أو بما هو مباينٌ لذلك، كالضَّوء الذي يقع على الأرض والحيطان والهواء، وغير ذلك من الأجسام إذا قابلت الشَّمس أو النَّار:
فإنْ أريد هذا؛ فهذا شُعَاعٌ مُنعكس وضوءٌ منقلب، ليس هو صفةً قائمةً بالشَّمس والنَّار.
وإنْ أرادوا بتمثيلهم بصفات الشَّمس والنَّار والنَّفْس التمثيلَ بنفس ما يقوم بالشَّمس والنَّار والنَّفْس من الضَّوء والحياة والنُّطق، وجعلوا ما يُثبِتُونه من الأب والابن وروحِ القدس صفاتٍ لله، كما أنَّ هذه صفاتٌ لهذه المخلوقات؛ قيل لهم:
أولًا: لَـمْ يُعَـبِّـر أحدٌ من الأنبياء عليهم السلام عن صفات الله باسم الأب والابن وروح القدس.
ثانيًا: إذا جعَلْتُم ذلك صفاتٍ لله، كما أنَّ الضَّوْء والنُّطْق والحرارة صفاتٌ لِـمَا تقوم بها؛ امتنع أنْ تحُـلَّ بغيرها، وامتنع مع الحلول أن تكون فاعلةً فعل النَّار والشَّمس والنَّفْس، وأنتم جعَلْتُم الكلمة والحياة حالّةً بغير الله، وجعلتم ما يحُلُّ به إلهًا خالقًا، بل هو الإله الخالق، ومعلومٌ أنَّ أحدًا من العقلاء لا يجعلُ ما يحصلُ فيه ضوءُ النَّار نارًا، ولا مَا يحصُل فيه شُعَاع الشَّمس شمسًا، ولا ما يحصُل فيه نُطْقُ زيدٍ وعلمُه هو نفسَ زيد، فكان جعْلُكم المسيح هو الخالقَ للعالَـم؛ مخالفًا لتمثيلكم.
وتَبيَّن بذلك: أنَّ ما ذكرتموه لا يُطابقه شيءٌ من الأمثلة؛ إذ كان كلامًا باطلًا متناقضًا يمتنع تحقُّقُه، فلا يُمثَّل بشيءٍ من الموجودات الثَّابتة المعلومة إلا كان تمثيلًا غير مطابق.
[6]وأمَّا قولهم: «إذ لَـمْ نُهْمِل ما تسلَّمْناه، ولَـمْ نرْفُض ما تقلَّدْناه»؛ فقولهم في ذلك بمنزلة قول اليهود للمسيح: «إنَّا لا نُهْمِل ما تسلَّمْناه، ولا نرفض ما تقلَّدْناه مِن موسى عليه السلام»؛ وجواب الطائفتين من وجهين: تعليق جانبي/ دعوى النصارى عدم إهمال ما جاءهم من الأنبياء في السابق والحال
أحدهما: أنَّـكم بدَّلتم وحرَّفتم الكتاب الذي أُنْزِل إليكم، والشَّـرعَ الذي شُرِعَ لكم، وتبديلُ المعاني والأحكام لا ريب فيه عند جميع عقلاء الأنام، وما كان عليه اليهود بعد التَّبْدِيل لَـمْ يكن هو الشـرعَ الذي شرعه موسى عليه السلام، وما كان عليه النَّصَارى بعد التَّبديل لَـمْ يكن هو الشـرعَ الذي شرعه المسيح عليه السلام.
والثاني: أنَّـكم كذَّبتم بالكتاب الآخر، والرسول الآخر الذي أُرْسِل إليكم، ومن كذَّب بما أنزل إليه من ربِّه، والرسول الذي أُرْسِل إليه كان كافرًا مُسْتحِقًّا لعذاب الدُّنيا والآخرة، وإنْ كان قبل ذلك مُتَّبعًا لشرع رسولٍ وكتابٍ غير مبدَّل، فكيف إذا كان قد بُدِّل ما بُدِّل من أحكامه ومعانيه؟
وأما قولهم: «ولنا هذه الشَّهادات والدَّلائل من الكتاب الذي في أيدي هؤلاء القوم».
فيقال: لا يصحُّ استشهادُهم بهذا الكتاب واستدلالُهم به بوجهٍ من الوجوه، فإنَّ الذي قد جاء به قد تواتر عنه أنَّه أَخبر أنَّه مُرْسَلٌ إليهم، وأنَّهم كُفَّارٌ إذا لَـمْ يُؤمِنُوا به، مُسْتَحِقُّون للجهاد، ومَن لَـمْ يسْتَحِلَّ جهادَهم فهو كافر، والقرآنُ مملوءٌ بكُفْرِهم، فإنْ كان هذا رسولًا مِن الله، وقد أخبر بكُفْرِهم؛ ثبَتَ أنَّهم كُفَّار؛ فإنَّ الرَّسول لا يقول على الله إلا حقًّا، لا يَكْذِبُ على الله في شيء، ومَن كَذَب على الله ولو في كلمةٍ واحدةٍ فهو مِن الكذَّابين المفتَرين على الله الكذب، مُسْتَحِقٌّ لعقوبة الكذَّابين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ﴿٤٤﴾ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ﴿٤٥﴾ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ﴿٤٦﴾ فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى:24].
[7]قالوا: (وأمَّا تجَسُّم كلمة الله الخالقة التي بها خَلَقَ كلَّ شيء، وتجسُّدُها بإنسانٍ مخلوق، وهو الذي أُخذ مِن مريمَ العذراء المصطفاةِ التي فُضِّلَت على نساء العالمين، واتَّحدَت الكلمةُ به اتحادًا بريًّا من اختلاطٍ أو تغيُّرٍ أو استحالة، وخاطب النَّاس كما خاطب الله موسى النبيَّ من العَوْسَجَة، ففعل المعْجِز بلاهوته، وأظهر العَجْزَ بناسوته، والفِعْلان هما من المسيح الواحد)([8]). تعليق جانبي/ دعوى تجسُّم الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق. () رسالة بولس الأنطاكي (ص420).
والجواب: أنَّ في هذا الكلام مِن أنواع الكَذِب، والكُفْر، والتَّناقض أمورًا كثيرة، وذلك يظهر بوجوه:
[9]الوجه الأول: أنَّ قولهم: «كلمة الله الخالقة التي بها خَلَقَ كلَّ شيء»؛ كلامٌ متناقض، فإنَّ الخالقَ هو الإله الخالق، وهو خلَق الأشياء بكلامه، وهو قوله: «كُنْ»، فالخالق لَـمْ تُخلق به الأشياء، بل هو خلقها، والكلام الذي به خُلِقَت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خَلق الخالقُ الأشياء، والفَرْق بين الخالق والمخلوق، وبين ما به خَلَق الخَالِقُ؛ معقول. تعليق جانبي/ تناقضهم في أنَّ الكلمة خالقة أو خلق بها الخلق
وهؤلاء جعلوا الخالق هو الذي به خُلِقَت المخلوقات، فجعلوا الكلمة هي الخالق، وجعلوا المخلوقات خُلِقَت [بها].
وإيضاح هذا: أنَّ الكلمة إنْ كانت مجرَّد الصِّفة، فالصِّفة ليست خالقة، وإنْ كانت الصِّفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هذا هو المخلوق به.
[10]الوجه الثاني: قولهم: «تجسُّدها بإنسان مخلوق»، وقولهم: «تجسُّم كلمة الله»، فإنَّ قولهم: «تجسَّمت، وتجسَّدت»؛ يقتضـي أنَّ الكلمة صارتْ جَسَدًا وجِسْمًا بالإنسان المخلوق، وذلك يقتضي انقلابها جَسَدًا وجِسْمًا، وهذا يقتضـي استحالتَها وتغيُّرها، وهم قالوا: «اتحادًا بريًّا من تغيُّرٍ واستحالة». تعليق جانبي/ تناقضهم في أن الكلمة تجسَّدت دون تغير واستحالة
[11]الوجه الثالث: قولهم: «اتَّحدَت الكلمة به اتحادًا بريًّا من اختلاطٍ أو تغيُّرٍ أو استحالة»؛ كلامٌ متناقضٌ أيضًا؛ فإنَّ الاتِّحاد أنْ يُصَيَّر الاثنان واحدًا؛ فيُقال: قبل الاتِّحاد كان اللَّاهوت جوهرًا والنَّاسوت جوهرًا آخر، وإنْ شِئْت قلت: كان هذا شيئًا وهذا شيئًا، أو هذا عينًا قائمةً بنفسها وهذا عينًا قائمةً بنفسها. فبعد الاتِّحاد: إمَّا أن يكونا اثنين كما كانا؟ أو صار الاثنان واحدًا؟ تعليق جانبي/ تناقض قولهم بالاتحاد مع قولهم بعدم الاختلاط والاستحالة
فإن كانا اثنين كما كانا؛ فلا اتحاد؛ بل هما متعدِّدان كما كانا متعدِّدَين.
وإن كانا قد صارا شيئًا واحدًا؛ فإنْ كان هذا الواحد هو أحدَهما؛ فالآخر قد عُدِم، وهذا عَدَمٌ لأحدهما لا اتحاده. وإن كان هذا الذي صار واحدًا ليس هو أحدَهما، فلا بُدَّ مِن تغييرِهِما واستحالَتِهما، وإلا فلو كانا بعد الاتِّحاد اثنين باقيين بصفاتهما؛ لَـمْ يكن هناك اتحاد.
فإذا قيل: «اتحد اتحادًا بريًّا من اختلاطٍ أو تغيُّرٍ أو استحالة»؛ كان هذا كلامًا مُتناقضًا، ينقضُ بعضُه بعضًا، فإنَّ هذا إنَّما يكون مع التَّعدُّد والمباينة لا مع الاتِّحاد.
يُوضِّح ذلك: أنَّه إذا اتحد الماء واللبن، أو الماء والخمر، ونحو ذلك، كان الحاصل من اتحادهما شيئًا ثالثًا ليس ماءً محضًا ولا لبنًا محضًا، بل هو نوعٌ ثالث، وكلٌّ من الماء واللَّبن قد استحال وتغيَّر واختلط، وأمَّا اتحادٌ بدون ذلك؛ فغير معقول.
ولهذا عَظُم اضطراب النَّصَارى في هذا الموضع، وكثُرَ اختلافهم، وصار كُلٌّ منهم يَرُدُّ على الآخر ما يقوله، ويقول هو قولًا يكون مردودًا، فكانتْ أقوالهم كلُّها باطلةً مردودةً؛ إذ كانوا قد اشتركوا في أصلٍ فاسدٍ يستلزم أحدَ أمورٍ كلُّها باطلة، فأيُّ شيءٍ أُخِذَ من تلك اللَّوازم كان باطلًا، ولا بُدَّ له منها، فيأخذ هذا بعضَ اللَّوازم فيردُّه الآخَرُ، ويأخذ الآخَرُ لازمًا آخر فيرُدُّه الآخر.
وهذا شأن جميع المقالات الباطلة، إذا اشترك فيها طائفةٌ لزمها لوازمُ باطلة، وفساد اللَّازم يدلُّ على فساد الملزوم، فإنه إذا تحقَّق الملزوم تحقَّق اللازم، وإذا انتفى اللَّازم انتفى الملزوم.
[12]الوجه الرابع: وهو أن يقال: كثيرٌ من النَّصَارى يقول: إنهما بعد الاتِّحاد جوهرٌ واحد، وطبيعةٌ واحدة، ومشيئةٌ واحدة، وهذا القول يُضاف إلى اليعْقُوبِيَّة، ويقولون: إنَّ اللَّاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا، كما يختلط الماء واللَّبن، والماء والخمر، وهذا القول هو حقيقة الاتِّحاد، لا يُعقل الاتِّحاد إلا هكذا، لكنَّ فسادَه ظاهرٌ لعقول الناس، فإذا كان هذا لازمًا لقول النَّصَارى وفساده ظاهرٌ، كان فساد اللازم يدلُّ على فساد الملزوم، فإنَّ حقيقة هذا القولِ أن الذي كان يأكل ويشـرب، ويبول ويتَغَوَّط، والذي ضُرب وبُصق في وجهه، ووُضِع الشَّوكُ على رأسه هو ربُّ العالمين. تعليق جانبي/ فساد القول بالاتحاد لأنَّه يلزم منه اتصاف الرب بصفات الإنسان الناقصة
ونفس تصَوُّرِ هذا القول ممَّا يوجب العلم ببطلانه، وتنزيهِ الله عن ذلك، وأنَّ قائله من أعظم المفترين على الله، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ﴿٨٨﴾ لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ﴿٩٣﴾ لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا﴾ [مريم: 88-95].
[13]الوجه الخامس: قولهم «وخاطب النَّاس كما خاطب الله موسى مِن العَوْسَجة»؛ يوجِبُ أنْ يكون الذين كلَّمَهم المسيح ممَّن آمن به وكفَرَ به، بمنزلة موسى بن عمران الذي كلَّمَه الله تكليمًا. تعليق جانبي/ الإلزام بأن اتباع عيسى كالأنبياء سواء
ومعلومٌ أنَّ تكليم الله لموسى مما فضَّله به على غيره من النَّبيِّين، فإنْ كان آحادَ النَّاس بمنزلة موسى بن عمران؛ لَزِمَ أنْ يكون كلٌّ مِن آحاد النَّاس في ذلك بمنزلة موسى بن عمران، وهذا مما يُعْلَم فسادُه بالاضطرار من دين الرُّسُل.
[14]الوجه السَّادس: أنَّه من المعلوم أن خطاب الله لأنبيائه ورسله أفضلُ من خطابه لمن ليس بنبيٍّ ولا رسول، والمسيح عليه السلام لَـمْ يكلِّم عامَّة النَّبيِّين والمرسلين، بل لَـمْ يُكلِّم إلا ناسًا منهم من آمن به، ومنهم من كفر. تعليق جانبي/ الإلزام بأن الكفار الذين كلمهم عيسى أكمل من الرسل الذين لم يكلمهم الله مباشرة
والتَّحقيق أنه لم يكلِّم أحدًا من رسل الله، ولكنَّ النَّصَارى يزعمون أنَّ الحواريِّين رسل الله، وهذا باطل، ولو سُلّم فلم يكلِّم إلا اثني عشـر رسولًا، وقد بعث الله قبله رسلًا كثيرين، قد روي في حديث أبي ذرٍّ أن عِدَّتهم ثلاثُمِئةٍ وثلاثةَ عشـر([15]). () انظر: مسند أبي داود الطيالسي (1/384) رقم: (480)، المعجم الكبير للطبراني (8/217) رقم: (7871)، شعب الإيمان للبيهقي (1/276) رقم: (129).
وقد قال الله في القرآن: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].
وفي الحديث الذي في المسند، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنَّه قال: (أنتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنتُمْ خَيْرُهَا وأكْرَمُهَا علَى الله عز وجل)([16])، وهذه السَّبعون سواء كانت هي التي هداها أو هي الجميع، فإنه يدُلُّ على كثرة الرُّسل، ولم يكلِّم الله أحدًا من هؤلاء من بشـرٍ حلَّ فيه، فلو كان المكلِّم للناس في عيسى هو الله، لكان تكليمُ الله للذين كلَّمهم عيسى من الكفار والمؤمنين أكملَ من تكليمه رسلَ الله الذين أرسلهم. () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (7080)، أحمد في "مسنده" برقم: (20269).
[17]الوجه السَّابع: أنَّ النَّاسوتَ ناسوتَ المسيح هو من جنس سائر النَّواسيت، والإنسانُ لا يستطيع أن يرى الله في الدنيا كما أخبر بذلك موسى وعيسى ومحمَّدٌ ﷺ، فإذا لم يستطع أن يراه كان أن لا يستطيع الاتصالَ به ومماسَّتَه فضلًا عن الاتِّحاد به أَوْلى وأحرى. تعليق جانبي/ أن عيسى إنسان كبقية الناس وهو غير قادر على رؤية الله في الدنيا والاتحاد به
[18]الوجه الثامن: أنَّ الله لَـمَّا كلَّم موسى عليه السلام مِن الشَّجرة، كان الكلام المسموع مُخالفًا لما يُسْمَعُ من كلام النَّاس، ولهذا لَـمْ تُطِقْ بنو إسرائيل سماعَ ذلك الصَّوت، بل قالوا لموسى: صِفْ لنا ذلك، وهذا عندهم في التَّوراة، كما روى الخلال في كتاب «السُّنَّة»، عن أحمدَ بنِ حنبل، فيما رواه من حديث الزهري، قال: (لَـمَّا سَمِع مُوسَى كَلامَ الله قالَ: يَا رَبِّ هذا الذي أسمعُ هو كلامُكَ؟، قال: نعَم يا مُوسَى، هو كَلامِي، وإنَّـمَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عشْـرةِ آلافِ لسَان، ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها، وأنا أقْوَى مِنْ ذلِكَ، وإنَّـمَا كَلَّمْتُكَ على قَدْرِ ما يُطِيقُ بدَنُك، ولَوْ كلَّمْتُك بأكْثَرَ مِنْ هَذَا لمِتَّ، فلمَّا رجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِه قَالُوا لَهُ: صِفْ لنَا كَلامَ رَبِّك. فقالَ: سُبْحَانَ الله، وهَلْ أستْطِيعُ أنْ أصِفَهُ لَكُمْ؟ قالَوا: فَشَبِّهْهُ لنَا. قالَ: هَلْ سَمِعْتُمْ أصْوَاتَ الصَّوَاعِقِ التِي تُقْبِلُ في أحْلَى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهَا، فَكَأنَّه مِثْلُهُ)([19]). تعليق جانبي/ أن صوت الله وكلامه ليس كالبشـر وعيسى تكلم بصوت بشـري كالبشر () أخرجه الآجري في "الشـريعة" (3/1117)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (6/310-311)، والنَّص غير موجود في كتاب [السنة] للخلال في المطبوع بين أيدينا.
وأمَّا المسيح عليه السلام فكان كلُّ أحدٍ يسمع صوتَه كصوت سائر النَّاس، لَـمْ يتميَّز عنهم بما يوجِب أنْ يكونوا سَمِعُوا كلام الله كما سَمِعَه موسى بن عمران.
[20]الوجه التاسع: أنَّ الجنِّيَّ إذا حلَّ في الإنسيِّ، كما يحُلُّ في المصـروع ويتكلَّم على لسانه، فإنَّه يتغيَّر الكلام، ويعرف الحاضرون أنه ليس هو كلامَ الإنسـيِّ، مع أنَّه يتكلَّم بلسان الإنسيِّ، وحركة أعضائه، فَيَعْلَمُ أن الصَّوت حصل بحركة بدن الإنسـيِّ، مع العلم بأنَّه قد تغيَّر تغيُّرًا خالف به المعهودَ من كلام الإنسـيِّ، والإنسان الذي حلَّ فيه الجنِّيُّ يغيبُ عقلُه، ولا يشعر بما تكلَّم الجِنِّيُّ على لسانه. تعليق جانبي/ أن الرب لو اتحد بعيسى لتغيَّر عن صفته الإنسية وهذا لم يحصل
فربُّ العالمين سبحانه وتعالى لو حلَّ في بشـرٍ، واتَّحد به، وتكلَّم بكلامه، وكان الكلامُ المسموعُ كلامَ الله المسموعَ منه، لكان يظهر من الفرق بين ذلك وبين المعهود من كلام الإنسـيِّ ما هو في غاية الظُّهور، وكان يتغيَّر حالُ الإنسيِّ غايةَ التغَيُّر؛ فإنَّ الربَّ عز وجل لما تجلَّى للجبل جعله دكًّا، وخرَّ موسى صعقًا، فإذا كان البدن الإنسـيُّ لا يثبت لتجلِّيه للجبل، فكيف يثبت لحلوله فيه، وتكلُّمه على لسانه من غير تغيُّرٍ في البدن؟
وقد كان الوحي والملائكة إذا نزلت على الأنبياء في باطنهم يظهر التغيُّر في أبدانهم، فكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثَقُل حتى يَبْرُكَ به البعير. وإن كان فخذه على فخِذ أحدٍ ثَقُل حتى كاد يَرُضُّه.
وفي «الصَّحيحين» عن عائشة، أن الحارث بنَ هشامٍ قال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟، قال: (أحْيَانًا يأتِينِي في مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّه عليَّ، فَيُفْصَم عنِّي وقد وعَيْتُ ما قال، وأحيانًا يتمَثَّلُ ليَ المَلَكُ رجُلًا فَيُكَلِّمُني فأعِي ما يَقُول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشَّديد البرد فَيَفْصِم عنه، وإن جبينَه ليتفصَّد عرقًا)([21]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2333).
وموسى عليه السلام لما سمع كلام الله مَقَتَ الآدميين؛ لِـمَا وقَرَ في سمعه من كلام الله، وكان النُّور يظهر على وجهه حتى كان يتبَرْقَع.
والمسيح عند النَّصَارى قد اتَّحد به اللَّاهوت من حين عَلِقَتْ به مريم، ولم يزل متَّحدًا به وهو حملٌ في بطنها، يعظُم اتِّحادُه به كلَّما كَبُر، ثم كذلك كان متَّحدًا به وهو صبيٌّ إلى أن رُفع إلى السماء وقعد عن يمين أبيه، وهو متَّحدٌ به عندهم، واللَّاهوت والنَّاسوت جميعًا، ومع هذا لم يتغيَّر بدن المسيح تغيُّرًا يناسب ذلك، ولا ظهر من الأنوار ما يناسب ذلك، بل عندهم أن المسيح قبل أن يُعَمِّدَه «يوحنا» ويرى شِبْهَ الحمامة نازلًا عليه، لم يُظْهِر الآيات، بل كان كآحاد الناس، وأول ما ظهر من الآيات قَلْبُ الماء خمرًا.
وموسى عليه السلام بمجرَّد ما سمع الكلام ظهر عليه النور، وأين سَمْعُ الكلام من الاتِّحاد به؟
وموسى لما سمع الكلام، وكلَّمه الله من الشَّجرة، نزلت الملائكة، وظهر من آيات الله وعظمته ما يناسب تكليم الله عز وجل.
والربُّ دائمًا عند النَّصَارى متَّحِدٌ ببدن المسيح، ولم يُظهِرْ من آيات الربوبيِّة والعظمة إلا ما يظهر أكثر منه لبعض الأنبياء.
[22]الوجه العاشر: أن المخاطِب للنَّاس إن كان هو مجموعَ اللَّاهوت والنَّاسوت فكلامه صريحٌ في أنه مخلوقٌ مربوبٌ، يدعو ويسأل، والمجموع ليس بمخلوقٍ يسأل اللهَ ويعبُدُه. تعليق جانبي/ أنَّ عيسى صَرَّح بأنَّه مخلوق وكلامه المسموع منه مخلوق بينما سمع موسى كلام الإله صريحًا، فلا وجه للتشبيه
وإن كان هو اللَّاهوت وحده كما يقتضيه كلامهم هذا فهو أبعد وأبعد، وإن كان هو النَّاسوتَ وحدَه فلم يكن اللَّاهوت مخاطِبًا للناس، ولم يكلِّم الله الناس من النَّاسوت كما كلم الله موسى من الشجرة.
وأيضًا؛ فلم يكن فرقٌ بين حقيقة كلام النَّاسوت وكلام اللَّاهوت.
وكلام المسيح الصَّريحُ في أنه مخلوقٌ كثيرٌ، وهم يُقِرُّون به، لكن يقولون ذلك كلام النَّاسوت، فيقال لهم حينئذٍ: فالمخاطِب للنَّاس هو الناسوت دون اللَّاهوت، وأنتم قلتم: إن الله خاطب الخلق من بدن المسيح كما خاطب موسى من الشجرة.
والخطاب الذي سمعه موسى من الشَّجرة هو كلُّه كلام اللَّاهوت، والكلام الذي كان يُسْمَع من المسيح ليس فيه شيءٌ يختصُّ باللَّاهوت، بل عامَّتُه صريحٌ في أنه كلام الناسوت.
[23]الوجه الحادي عشر: أنَّ الله لَـمَّا كلَّمَ موسى مِن الشَّجرة كان الكلامُ كلامَ الله وحده، لَـمْ يكن للشَّجَرة كلامٌ أصلًا بوجهٍ من الوجوه، فإنْ كان هذا المثل مُطَابقًا كان الذي يُكَلِّم النَّاس من ناسوت المسيح هو اللاهوتَ وحده. تعليق جانبي/ أن كلام الله من الشجرة: لله، وليس للشجرة. بينما كلام عيسى له وليس لغيره، فيبطل التشبيه
ومعلومٌ أنَّ في الإنجيل وغيره من النُّصوص الصَّـريحة ما يدلُّ على أنَّ النَّاسوت كان هو المتكلِّم ما يُبَيِّنُ الفرقَ الواضح بين هذا وهذا.
[24]الوجه الثاني عشر: أنَّ الذي نادى موسى مِن الشَّجَرة لَـمْ يتكلَّم إلا بكلام الرُّبوبيَّة؛ فقال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: 30]، ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ﴿١٤﴾ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ﴿١٥﴾ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ﴾ [طه: 14- 16]. تعليق جانبي/ أن كلام الله لموسى هو كلام الربوبية، وكلام عيسى إقرار بالشرية، فيبطل التشبيه
وسائر ما تكلَّم به كلُّه يقتضي أنَّه كلامُ ربِّ العالمين، وأمَّا المتكلِّم على لسان المسيح فلم يقل كلمةً مِن هذا أصلًا، بل كان في كلامه مِن الإقرار بأنَّه رسول، وأنَّه محتاجٌ، وأنَّه ابن البشر، وغيرُ ذلك ما يناقض من كل وجهٍ كلامَ المنادي لموسى مِن الشَّجَرة، فمن سوَّى بين هذا وهذا كان قد سوَّى بين رب العالمين وبين إنسانٍ من الآدميِّين، وهو أضلُّ من الذين قال الله فيهم: ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الشعراء: 97 - 98].
فإنَّ أولئك جعلوهم أندادًا لله في بعض الأمور مع اعترافهم بأنَّهم مخلوقون، وهؤلاء الضُّلَّال جعلوا هذا الإنسان الذي يتكلَّم هو ربُّ العالمين الذي كلَّم موسى مِن الشَّجَرة، وقالوا: إنَّ هذا الذي كلَّم العِبَاد هو ذاك الذي نادى موسى مِن الشَّجَرة.
[25]الوجه الثَّالث عشـر: أن يقال: معلومٌ أن الله أجلُّ وأعظمُ وأكبرُ من رسله بما لا يقدر المخلوقُ قَدْرَه، فلو كان هو الذي كلَّم الخلق على لسان المسيح، وكان الحواريُّون رسلَه الذين سمعوا كلامه منه بلا واسطة، لكان الحواريُّون إما مثل موسى وإما أعظم. تعليق جانبي/ أن آيات عيسى مثل بقية الأنبياء، وهي أقل من آيات موسى، فلو أن الله حَلَّ به لكانت آياته أعظم
ومعلومٌ أن المسيح نفسه لم تكن له آياتٌ مثل آياتِ موسى فضلًا عن الحواريِّين، فإنَّ أعظمَ آيات المسيح عليه السلام إحياءُ الموتى، وهذه الآية قد شاركه فيها غيرُه من الأنبياء كإلياسَ وغيرِه.
وأهل الكتاب عندهم في كتبهم أن غيرَ المسيح أحيا الله على يديه الموتى، وموسى ابن عمران من جملة آياته العصا التي انقلبت فصارت ثعبانًا مبينًا حتى بلعت الحبال والعِصـيَّ التي للسَّحرة، وكان غيرَ مرَّةٍ يلقيها فتصير ثعبانًا، ثُمَّ يُمْسِكُها فتعود عصًا.
ومعلوم أن هذه آيةٌ لم تكن لغيره، وهي أعظم من إحياء الموتى، فإن الإنسان إذا كانت فيه الحياة، فإذا عاش فقد عاد إلى مثل حاله الأول، والله تعالى يحيي الموتى بإقامتهم من قبورهم، وقد أحيا غير واحدٍ من الموتى في الدنيا.
وأما أنَّ خشبةً تصير حيوانًا، ثم تعود خشبةً مرةً بعد مرة، وتبْتَلِع الحبال والعصِـيّ، فهذا أعجب من حياة الميت.
وأيضًا؛ فالله قد أخبر أنه أحيا من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل أعظمَ مِمَّن أحياهم على يد المسيح، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ﴿٥٥﴾ ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة: 55-56]، وقال تعالى: ﴿فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]، وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ﴾ [البقرة: 243].
وأيضًا؛ فموسى عليه الصلاة والسلام كان يُخْرِج يده بيضاءَ من غير سوءٍ، وهذا أعظمُ من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح عليه السلام، فإن البَرَصَ مرضٌ معتاد، وإنَّما العجب الإبراءُ منه، وأما بياضُ اليد من غير برصٍ ثم عَوْدُها إلى حالها الأوَّل ففيه أمران عجيبان لا يُعْرف لهما نظير.
وأيضًا؛ فموسى فلق الله له البحر حتى عَبَرَ فيه بنو إسرائيل، وغرِق فيه فرعون وجنودُه، وهذا أمرٌ باهرٌ، فيه من عظمة هذه الآية، ومن إهلاك الله لعدوِّ موسى ما لَـمْ يكن مثلُه للمسيح.
وأيضًا؛ فموسى كان الله يطعمُهم على يده المنَّ والسَّلوى مع كثرة بني إسرائيل، ويُفَجِّر لهم بضربه للحجر كلَّ يومٍ اثنَي عشَر عينًا يكفيهم.
وهذا أعظم من إنزال المسيح عليه السلام للمائدة، ومِن قَلْبِ الماء خمرًا، ونحو ذلك مما يُحْكَى عنه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وكان لموسى في عدوِّه من القمل، والضَّفادع، والدم، وسائر الآيات ما لمْ يكن مثلُه للمسيح، فلو كان الحواريُّون رسلًا قد كلَّمهم الله مثلَ ما كلَّم موسى من الشَّجرة كانوا مثلَ موسى؛ فكيف والمسيحُ نفسه لم يكن له آياتٌ مثلَ آيات موسى.
ولو كان المسيحُ اللَّاهوت الذي كلَّم موسى لكان يُظْهِر من قدرته أعظم مما أظهره على يد موسى، فإنه لم يَحُلَّ في بدن موسى، ولا كان اللَّاهوت يكلِّم الخلق من موسى، كما يزعمه هؤلاء في المسيح، ومع هذا فالآيات التي أَيَّدَ بها عبده موسى تلك الآيات العظيمة، فكيف تكون آياتُه إذا كان هو نفسَه الذي قد حلَّ في بدن المسيح، وهو الذي يخاطِب الناس على لسان المسيح؟
[26]الوجه الرابع عشـر: أنْ يقال: إنَّ قولهم: «إنَّ الله خاطب النَّاس في المسيح كما خاطب موسى النَّبِيَّ من العَوْسَجَة» من أبطل الباطل؛ فإنَّ الله باتِّفاق الأمم كلِّها لَـمْ يحُلَّ في الشَّجَرة ولَم يتَّحِد بها، كما يزعمون هم أنَّه حَلَّ بالمسيح واتَّحد به، فإنَّه عندهم حلَّ بباطن المسيح، بل وبظاهره، واتَّحد به باطنًا وظاهرًا، والربُّ تعالى لَـمْ يكن في باطن الشَّجَرة، ولا حلَّ فيها، ولا اتَّحد بها. تعليق جانبي/ أن الله لم يحلّ بالشجرة التي كلم الله موسى منها، والنصارى يقولون بالاتحاد بالمسيح؛ فيبطل التشبيه المزعوم.
وقول الله: إنه كلَّمه منها، وناداه منها كقوله إنه: نودي من شاطئ الواد الأيمن، وذلك مثل قوله: ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ﴿١٥﴾ إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: 15- 16]، وفي البقعة المباركة، ونحو ذلك، وليس في شيءٍ من ذلك أن الربَّ تعالى حلَّ في باطن الوادي المقدس، أو البقعةِ المباركة، أو الجانب الأيمن، ولا أنه اتَّحد بشـيءٍ من ذلك، ولا صار هو وشيءٌ من ذلك جوهرًا واحدًا، ولا شخصًا واحدًا، كما يقول بعض النَّصَارى: إن اللَّاهوت والنَّاسوت صارا جوهرًا واحدًا، وبعضهم يقول: صارا شخصًا واحدًا.
بل ولا قال أحدٌ: إنه حلَّ في شيء من ذلك كحُلُول الماء في اللبن، أو النَّار في الحديد، كما يقول بعضهم: إن اللَّاهوت حلَّ في النَّاسوت.
كذلك ولو قُدِّر أن بعض الناس قال شيئًا من المقالات التي لا تدلُّ عليها الكتب الإلهيَّةُ، ولا تُعْلَم بالعقل، لم يكن قولُه حجة؛ إذ لا يُحْتَجُّ إلا بنقلٍ ثابت عن الأنبياء، أو بما يُعلم بالعقل.
[27]الوجه الخامس عشر: أن الذي كلَّم موسى وناداه هو الله رب العالمين، وتكليمُه له من الشجرة من جنس ما أخبر بنُزُوله إلى السماء الدُّنيا، ونزوله يوم القيامة لحساب الخلق، وأما حلوله في البشر، أو اتِّحادُه به، فيمتنع من وجوهٍ كثيرةٍ عقلًا وسمعًا، مع أنَّه لم يُخْبِر به نَبِيٌّ. تعليق جانبي/ أن كلام الله لموسى من الشجرة هو من جنس نزوله، أمَّا الحلول والاتحاد بعيسى فهو متناقض فلا تشابه.
وما تقوله النَّصَارى في غاية التَّناقض؛ فإنَّهم يزعمون أن المسيح هو الكلمة، وهو الخالق؛ لأن الكلمة والذَّاتَ شيءٌ واحد، فلا يفرِّقون بين الصِّفة والموصوف، ثُمَّ يقولون: المتَّحد بالمسيح هو الكلمةُ دون الذَّات التي يُسَمُّونها الأب، ويقولون مع ذلك: إنه لم يتبعَّض، ولم يتجزأ.
ومعلومٌ بصريح العقل أن الكلمة التي هي الصِّفة لا يمكن مفارقتها للموصوف، فلا تَتَّحد وتحُلُّ دون الموصوف، لا سيَّما والمتَّحدُ الحالُّ عندهم هو الخالق، فيجب أن يكون هو الأب، وهم لا يقولون: المتَّحدُ الحالُّ هو الأب، بل هو الابن، وإذا قالوا: إنَّ الابن هو المتَّحد الحالُّ دون الأب، فالمُتَّحد ليس هو الذي ما اتَّحد، والابن اتَّحد، والأب ما اتَّحد.
ويقولون: إن المتَّحد اتخذ عيسى حجابًا احتجب به، ومسكنًا يسكن فيه، خاطب الناس فيه، ويقولون مع ذلك: إنه اتَّحد به، والأب لم يحتجب به، ولم يسكن فيه، ولم يتَّحد به، فلزم قطعًا أن يكون منه شيءٌ اتَّحد، ومنه شيءٌ لم يتَّحد، فالأب لم يتَّحد، والابن اتَّحد، وهذا يناقض قولهم: «لم يتبعَّض» ويُبْطِلُ تمثيلَهم بالمخاطِب من الشجرة، فإنَّ ذاك هو الله ربُّ العالمين، ليس هو الابن دون الأب، مع ما ذُكِرَ مِنَ الفروق الكثيرة البيِّنة التي تبين بطلان تمثيل هذا بهذا.
[28]الوجه السادس عشـر: أنَّ الرَّبَّ عز وجل إذا تكَلَّم تكَلَّم بكلام الرُّبوبيَّة، فلو كان في المسيح اللَّاهوتُ الذي أَرْسَل موسى وغيرَه؛ لَـمْ يخضع لموسى ولتوراته، ويذْكر أنَّه إنَّما جاء ليُكْمِلَها لا ليَنْـقُضَها، ولا كان يقوم بشـرائعها، فإنَّ ربَّ العالمين أعظمُ وأجلُّ من ذلك، بل لو كان مَلَكًا من الملائكة لَـمْ يفعل مثل ذلك، فكيف بربِّ العالمين؟ تعليق جانبي/ أن المسيح خاضع للتوراة وأحكامها ولو كان الله متَّحِدًا به لما حصل ذلك؛ لأنَّه أعظم من أن يخضع لها وهو رب العالمين
وإذا قالت النَّصَارى: فَعَل ذلك خوفًا من بني إسرائيل، أو خوفًا أن يُكَذِّبوه، كان عذْرُهم أقبح من ذنبهم، فرَبُّ العالمين مِمَّن يَخافُ سبحانه وتعالى؟!
وموسى لَـمَّا كان فرعون يُكَذِّبُه، كان يُظْهِر من الآيات ما يُذِلُّ بها فرعونَ وقومَه، مع عُتُوِّه وعتوِّ قومِهِ، ولَـمْ تكن بنو إسرائيل أعتى من فرعونَ وقومِه، فلو كان هو رب العالمين؛ كان ما يؤيِّد به نفْسَه من الآيات أعظمَ ممَّا يُؤَيِّد به عبدَه موسى.
ومن عجائب النَّصَارى أنهم يدَّعون فيه الإلهيَّة مع ادعائهم فيه غايةَ العجز حتَّى صُلِب.
وأما المسلمون فيقولون: هو رسولٌ مؤيَّد، لم يُصْلَب، وهذه سنَّته سبحانه في رسله، فإنَّه يُؤَيِّدُهم وينصُرُهم على عدوِّهم، كما نصَـرَ نوحًا وإبراهيم ومحمَّدًا صلوات الله عليهم وسلامه، فإذا كان لا يجوز أن يكون رسولًا مغلوبًا، فكيف يكون ربًّا مغلوبًا مصْلُوبًا؟!
[29]الوجه السابع عشر: قولهم: [فعل المعْجِز بلاهوته، وأظهر العَجْزَ بناسوته]. تعليق جانبي/ أن معجزات المسيح أقل من بعض الأنبياء، ولم يتحد بهم، فلا ضرورة للاتحاد بالمسيح
فيقال لهم: إنَّ الله فَعَلَ مِن المعجزات ما هو أعظم من المعجزات التي ظهرتْ على يد المسيح عليه السلام، ولَـمْ يكن مُتَّحدًا بشـيءٍ مِن البَشَـر، فأيُّ ضرورةٍ له إلى أنْ يتَّحِد بالبشـر إذا فعل مُعجزاتٍ دون ذلك؟!
[30]الوجه الثامن عشـر: أنَّ المسيحَ ظهرت على يديه معجزاتٌ كما ظهر لسائر المرسلين، ومعجزاتُ بعضهم أعظمُ من معجزاته، ومع هذا فلم تكن المعجزات دليلًا على اتِّحاد اللَّاهوت بالنَّبيِّ الذي ظهرت على يديه، فَعُلم أن الاستدلال بظهور المعجزات على يديه في غاية الفساد. تعليق جانبي/ أن الاستدلال بالمعجزات على الاتحاد في غاية الفساد.
[31]الوجه التاسع عشر: أن اللَّاهوت إن كان متَّحدًا بالنَّاسوت لم يتميَّز فعله عن فعل النَّاسوت؛ فإنَّهما إذا صارا شيئًا واحدًا كان كلُّ ما فعله من عجزٍ ومعجزٍ هو ذلك الواحد، كالأمثال التي يضربونها لله سبحانه، فإنهم يمثِّلون ذلك بالنَّار مع الحديد، والماء مع اللَّبن والخمر. أن الاتحاد يلزم منه عدم تمييز فعل اللاهوت من الناسوت
ومعلومٌ أن الحديدة إذا أُدْخِلت النَّارَ حتى صارت بيضاء كالنَّارِ البيضاء، فَفِعْلُها فعلٌ واحد، ليس لها فِعْلانِ متميِّزان: أحدُهُما بالحديد، والآخَر بالنَّار، بل فيها قُوَّةُ الحَدِيدِ وقُوَّةُ النَّار، بل فيها قوَّةٌ ثالثةٌ ليست قوَّة الحديد ولا قوَّة النَّار؛ إذ ليست حديدًا محضًا ولا نارًا محضة.
وكذلك الماء إذا اختلط باللَّبن والخمر، فالمتَّحد منهما شيءٌ واحد، فِعْلُه فِعْلٌ واحد منه، ليس ماءً محضًا ولا لبنًا محضًا، لا يقول عاقل: إن له فِعْلَيْنِ يتميَّزُ أحدُهما عن الآخر، فِعْلٌ بكونه لبنًا محضًا، وفعلٌ بكونه ماءً محضًا.
فقولهم بالاتحاد يوجب استحالة اللَّاهوت بالنَّاسوت، وأن يصير فِعْلُ المتَّحِد شيئًا واحدًا.
وإن كان اللَّاهوت لم يتَّحِد به فهما اثنان شخصان، وجوهران، وطبيعتان، ومشيئتان، وليس هذا دينُ النَّصَارى، مع أن حلولَ الرَّبِّ عز وجل في البشـر ممتنع.
وكذلك إذا مثَّلوه بالنَّفس مع البدن؛ فإن النفْس تتغيَّر صفاتها بمفارقة البدن، وكذلك البدن تتغيَّر صفاته بمفارقة الرُّوح له.
والإنسان الذي نُفِخَت فيه الرُّوح فصارت بدنًا فيه الرُّوح هو نوعٌ ثالث، ليس فيه بدنٌ محضٌ وروحٌ محض، حتى يقال: إنه يفعل كذا ببدنه، وكذا بنفسه، بل أفعالُه تشترك فيها الرُّوح، فهو إذا أكل وشرِب فالرُّوح تَتَلذَّذ بالأكل والشُّـرب، وبها صار آكلًا شاربًا، وإلا فالبدن المَيِّتُ لا يأكلُ ولا يشـرب، وإذا نظر واستدلَّ وسمِع ورأى وتعلَّم، فالنَّفْس فعلت ذلك بالبدن، والبدنُ يظهر فيه ذلك، والرُّوح وحدها لا تفعلُ ذلك، وعندهم أن فعل اللَّاهوت بعد الاتِّحاد كفعله قبله، وكذلك فِعْل النَّاسوت، وهذا يناقض الاتحاد.
والقول بهذا مع الاتِّحاد في غاية التَّناقُض والفساد، ولا يُعقل نظيرُ هذا في شيءٍ من الموجودات، ونفسُ المتكلِّم بهذا من النَّصَارى لا يتصوَّر ما يقول، ولا يمكنه أن يُمَثِّلَه بشيءٍ معقول.
[الاستدلال النقلي على التثليث]
[32]قالوا: (وقد جاء في هذا الكتاب الذي جاء به هذا الإنسان يقول: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النساء: 171]، وهذا يوافق قولَنا؛ إذ قد شَهِدَ أنَّه إنسانٌ مثلُنا، أي بالنَّاسوت الذي أُخِذ من مريم، وكلمةِ الله وروحِه المتَّحدةِ فيه، وحاشا أن تكون كلمةُ الله وروحُه الخالقة مثلَنا نحن المخلوقين. تعليق جانبي/ الدليل الأول.
[33]وأيضًا قال في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ﴾ || [النساء: 157]، فأشار بهذا القول إلى اللَّاهوت الذي هو كلمة الله التي لَـمْ يَدْخل عليها ألَـم ولا عَرَضٌ. تعليق جانبي/ الدليل الثاني.
[34]وقال أيضًا: ﴿يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ || [آل عمران: 55]. تعليق جانبي/ الدليل الثالث.
[35]وقال في سورة المائدة عن عيسى أنَّه قال: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117]، فأعنى بموته عن موت النَّاسوت الذي أُخِذ مِن مريم العذراء. تعليق جانبي/ الدليل الرابع.
وقال أيضًا في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ﴾ [النساء: 157-158]، فأشار بهذا إلى اللَّاهوت الذي هو كلمةُ الله الخالقة، وعلى هذا القياس نقول: إنَّ المسيح صُلِب وتألَّـمَ بناسوته، ولَـمْ يُصْلَب ولا تألَّـمَ بلاهوته)([36]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة، إلا من قوله: (وعلى هذا القياس نقول ...) إلى آخر النَّص. انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص420).
[37]والجواب من وجوه: تعليق جانبي/ من المعلوم بالاضطرار من الدين أن محمدًا ﷺ لم يثبت الاتحاد في المسيح
الوجه الأول: أن يُقال: دعواهم على محمَّدٍ ﷺ أنَّه أثْبَتَ في المسيح اللَّاهوت والنَّاسوت كما يزعمه هؤلاء النَّصَارى فيه؛ هو: من الكذب الواضح المعلوم على محمَّدٍ ﷺ الذي يُعْلَم من دينه بالاضطرار، كما يُعلم من دينه تصديقُ المسيح عليه السلام وإثباتُ رسالته، فلو ادَّعى اليهوديُّ على محمَّدٍ ﷺ أنَّه كان يُكَذِّبُ المسيح ويجحدُ رسالته؛ كان كدعوى النَّصَارى عليه أنَّه كان يقول: إنَّه ربُّ العالمين، وإنَّ اللَّاهوت اتَّحد بالنَّاسوت، ومحمَّدٌ ﷺ قد أخبر فيما بلغه عن الله عز وجل بِكُفْرِ من قال ذلك، وبما يناقِضُ ذلك في غير موضعٍ، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 17].
وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ ([38]) [المائدة: 116]. () وانظر الآيات: [المائدة: 72-77]، [التوبة: 30-34]، [الزخرف: 57-65].
فأخبر عَن المسيح أنَّه لَـمْ يقُلْ لهم إلا ما أمره الله به: اعبدوا الله ربِّي وربَّكم، وكان عليهم شهيدًا ما دام فيهم، وبعد وفاته كان الله هو الرقيب عليهم، فإذا كان بعضهم قد غلط في النَّقل عنه، أو في تفسيرِ كلامه، أو تعمَّد تغيير دينه؛ لَـمْ يكن على المسيح عليه السلام من ذلك دَرَك، وإنَّما هو رسولٌ عليه البلاغ المبين.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنَّ أوَّل ما تكلَّم به المسيح أنَّ قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ || [مريم: 30-32]، ثُمَّ طلَبَ لنفسه السَّلام؛ فقال: ﴿وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا﴾ [مريم: 33].
والنَّصَارى يقولون: «علينا منه السلام» كما تقوله الغالية فيمن يدَّعون فيه الإلهيَّةَ كالنُّصَيْريَّة في عليٍّ، والحاكميَّة في الحاكم.
[39]الوجه الثاني: أن يُقال: إنَّ الله لَـمْ يذكُر أنَّ المسيحَ مات ولا قُتل، وإنَّما قال: ﴿يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: 55]، وقال المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ || [المائدة: 117]. تعليق جانبي/ أن الله لم يذكر أنَّ المسيح قُتل أو مات
وقال تعالى: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ || [النساء: 157-158].
فذمَّ الله اليهودَ بأشياءَ:
منها: قولهم على مريم بهتانًا عظيمًا، حيث زعموا أنَّها بغيٌّ.
ومنها: قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 157]. قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ﴾ || [النساء: 157]، وأضاف هذا القول إليهم وذمَّهم عليه.
ولَـمْ يذكُر النَّصَارى؛ لأنَّ الذين تولَّوا صَلْبَ المصلوب المشبَّه به هم اليهود، ولم يكن أحدٌ مِن النَّصَارى شاهدًا هذا معهم، بل كان الحواريُّون خائفين غائبين، فلم يَشْهد أحدٌ منهم الصَّلْب، وإنَّما شَهِدَه اليهود، وهم الذين أخبروا النَّاس أنَّهم صلبوا المسيح، والذين نقلوا أنَّ المسيحَ صُلِبَ من النَّصَارى وغيرِهم إنَّما نقلوه عن أولئك اليهود، وهم شُرَطٌ من أعوان الظلمة، لَم يكونوا خلقًا كثيرًا يمتنع تواطؤهم على الكذب، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ﴾ [النساء: 157]. فنفَى عنه القتل، ثُمَّ قال: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِ﴾ [النساء: 159].
فقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فِعْلٌ مُقْسمٌ عليه، وهذا إنَّما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا.
وأيضًا فإنَّه قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهذا يعمُّ اليهود والنَّصَارى، فدلَّ ذلك على أنَّ جميع أهل الكتاب اليهود والنَّصَارى، يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح؛ وذلك إذا نزَلَ آمنت اليهودُ والنَّصَارى بأنَّه رسولُ الله ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النَّصَارى.
فالله تعالى ذكر إيمانهم به إذا نزَلَ إلى الأرض، فإنَّه تعالى لما ذكَرَ رفعه إلى الله بقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ، وهو ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ويموت حينئذٍ، أخبر بإيمانهم به قبل موته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ﴿٥٩﴾ وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ﴿٦٠﴾ وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ﴿٦١﴾ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ﴿٦٢﴾ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٦٣﴾ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ﴿٦٤﴾ فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف: 59 - 65].
وفي «الصَّحيحين» عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: (يوشِكُ أن يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مرْيمَ حكَمًا عَدلًا، وإمامًا مُقسِطًا، فيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضعُ الجِزْيةَ)([40]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3448)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (155).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 157-158]. بيان أن الله رفعه حيًّا وسلَّمه من القتل، وبيَّن أنهم يؤمنون به قبل أن يموت. وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ || ، ولو مات لم يكن فرقٌ بينه وبين غيره.
ولفظ «التوفِّي» في لغة العرب معناه: الاستيفاء والقبض، وذلك ثلاثة أنواع:
أحدها: توفّي النوم.
والثّاني: توفّي الموت.
والثّالث: توفِّي الرُّوح والبدن جميعًا، فإنَّه بذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشُّـرب واللِّباس والنوم، ويخرج منهم الغائط والبول، والمسيح عليه السلام توفَّاه الله، وهو في السَّماء الثَّانية إلى أن ينزل إلى الأرض، ليست حاله كحالة أهل الأرض في الأكل والشُّـرْب واللِّباس والنوم، والغائط والبول، ونحو ذلك.
[41]الوجه الثالث: قولهم: «إنَّه عنَى بموته عن موت النَّاسوت»؛ كان ينبغي لهم أنْ يقولوا على أصلهم: عنى «بِتَوْفِيَتُه» عن توفِّي النَّاسوت، وسواءٌ قيل موْتُه أو تَوْفِيَتُه فليس هو شيئًا غيرَ النَّاسوت، فليس هناك شيءٌ غيره لَـمْ يُتَوَفَّ، والله تعالى قال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ || ؛ فالـمُتَوفَّى هو المرفوع إلى الله. تعليق جانبي/ أن القرآن أخبر أنَّ المرفوع هو المتوفى، وهم يقولون: المرفوع اللاهوت والمتوفى الناسوت
وقولهم: «إنَّ المرفوع هو اللَّاهوت»؛ مخالفٌ لنصِّ القرآن ولو كان هناك موت، فكيف إذا لَـمْ يكن؟ فإنَّهم جعلوا المرفوع غيرَ المتوفَّى، والقرآن أخبر أنَّ المرفوع هو المتوفَّى.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ﴾ ، هو تكذيبٌ لليهود في قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 157]، واليهود لَـمْ يدَّعوا قتل لاهوت، ولا أثبتوا لله لاهوتًا في المسيح، والله تعالى لَـمْ يذكر دعوى قتْلِه عن النَّصَارى حتى يقال: إنَّ مقصودهم قتلُ النَّاسوت دون اللَّاهوت، بل عن اليهود الذين لا يُثْبِتُونَ إلا النَّاسوت، وقد زعموا أنَّهم قتلوه، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ﴿١٥٧﴾ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ﴾ . فأثْبَتَ رفع الذي قالوا إنَّهم قتلوه، وإنَّما هو النَّاسوت؛ فعُلِم أنَّه هو الذي نُفِيَ عنه القتل، وهو الذي رُفع.
والنَّصَارى معترفون برفع النَّاسوت، لكن يزعمون أنَّه صُلب وأقام في القبر، -إمَّا يومًا، وإمَّا ثلاثة أيام-، ثُمَّ صعد إلى السماء، وقعد عن يمين الأب النَّاسوت مع اللَّاهوت.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾؛ معناه: أنَّ نَفْيَ قَتْلِه هو يقينٌ لا ريْب فيه، بخلاف الذين اختلفوا، فإنَّهم في شكٍّ منه مِن قَتْلِه وغير قَتْلِه، فليسوا مُسْتَيقِنين أنَّه قُتِلَ؛ إذ لا حُجَّة معهم بذلك.
ولذلك كانت طائفةٌ مِن النَّصَارى يقولون: إنَّه لَـمْ يُصْلب، فإنَّ الذين صَلَبوا المصْلوب هم اليهود، وكان قد اشتبه عليهم المسيحُ بغيره، كما دَلَّ عليه القرآن، وكذلك عند أهل الكتاب أنَّه اشتبه بغيره، فلم يعرفوا مَن هو المسيح من أولئك، حتى قال لهم بعض النَّاس: أنا أعرفه؛ فعرفوه.
[42]الوجه الرابع: أنَّه قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: 55]، فلو كان المرفوع هو اللَّاهوت لكان ربُّ العالمين قال لنفسه أو لكمته: [إنِّي أرفعك إليَّ]. تعليق جانبي/ لو كان المرفوع هو اللاهوت فإنَّه يلزم أن يخاطب الله نفسه بأنَّه يرفع نفسه إليه، وهذا باطل
وكذلك قوله: ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ﴾ [النساء:158]، فالمسيح عندهم هو الله، ومن المعلوم أنَّه يمتنع رفع نفسِه إلى نفسه.
وإذا قالوا: هو الكلمة، فهم يقولون مع ذلك إنَّه الإله الخالق، لا يجعلونه بمنزلة التوراة والقرآن، ونحوهما ممَّا هو من كلام الله الذي قال فيه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]، بل عندهم هو الله الخالق الرَّازق ربُّ العالمين، ورَفْعُ ربِّ العالمين إلى ربِّ العالمين ممتنع.
[43]الوجه الخامس: قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ ؛ دليلٌ على أنَّه بعد تَوْفِيَتِه لَـمْ يكن الرقيبُ عليهم إلا الله، دون المسيح، فإنَّ قوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ﴾ يدل على الحصْـر، كقوله: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: 32]، ونحو ذلك، فعُلِم أنَّ المسيح بعد تَوْفِيَتِه ليس رقيبًا على أتباعه، بل الله هو الرقيبُ المطَّلِع عليهم، الـمُحْصِي أعمالَهم المجازي عليها، والمسيحُ ليس برقيبٍ فلا يطَّلع على أعمالهم، ولا يحصيها ولا يجازيهم بها. تعليق جانبي/ أنَّ الله أخبر أنَّه الرقيب بعد رفعه، والمسيح ليس رقيبًا بعد رفعه
[44]قالوا: (وقد سمَّاه الله أيضًا في هذا الكتاب خالقًا حيث قال: ﴿وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ﴾ [المائدة: 110]. تعليق جانبي/ الدليل الخامس
فأشار بالخالق إلى كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت المأخوذِ من مريم؛ لأنَّه كذا قال على لسان داود النَّبيِّ: "بكلمة الله خُلِقَت السماوات والأرض. ليس خالق إلا الله وكلمته وروحه"، وهذا ممَّا يوافق رأْيَنا واعتقادَنا في السَّيِّد المسيح لذكره؛ لأنه حيث قال: ويخلق لكم من الطِّين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله؛ أي: بإذن لاهوت الكلمة المتَّحدة في النَّاسوت)([45]). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة.
والجواب: أن جميع ما يحتجُّون به من هذه الآيات وغيرِها فهو حجَّةٌ عليهم لا لهم.
وهكذا شأن جميع أهل الضَّلال إذا احتجُّوا بشيءٍ من كتب الله وكلام أنبيائِه، كان في نفس ما احتجُّوا به ما يدُلُّ على فساد قولهم، وذلك لعظمة كُتُبِ الله المُنَزَّلة، وما أنْطَقَ به أنبياءَه؛ فإنه جعل ذلك هدًى وبيانًا للخلق، وشفاءً لما في الصدور، فلا بدَّ أن يكون في كلام الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين من الهدى والبيان ما يفرِّق الله به بين الحقِّ والباطل، والصِّدق والكذب، لكنَّ الناس يُؤْتَوْنَ من قِبَلِ أنفسهم لا من قِبَلِ أنبياء الله تعالى؛ إمَّا من كونهم لم يتدبَّروا القول الذي قالتْه الأنبياء حقَّ التَّدبر حتى يفقهوه ويفهموه، وإمَّا من جهة أخْذِهم ببعض الحقِّ دون بعض، مثل أن يؤمنوا ببعض ما أنزله الله دون بعض، فَيَضِلُّون من جهة ما لم يؤمنوا به، كما قال تعالى عن النَّصارى: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ [المائدة: 14].
وإما من جهة نِسْبتهم إلى الأنبياء ما لم يقولوه من أقوالٍ كُذِبتْ عليهم، ومن جهة ترجمة أقوالهم بغير ما تسْتَحِقُّه من التَّرجمة وتفسيرِها بغير ما تستحقُّه من التَّفسير الذي دلَّ عليه كلام الأنبياء صلوات الله وسلامُه عليهم أجمعين، فإنه يجب أن يُفَسَّـرَ كلامُ المتكلِّم بعضُه ببعض، ويؤخذَ كلامُه هاهنا وهاهنا، وتُعْرفَ ما عادتُه يعنيه ويريدُه بذلك اللفظ إذا تكلَّم به، وتُعرف المعاني التي عُرِف أنه أرادها في موضعٍ آخر، فإذا عُرِف عُرْفُه وعادتُه في معانيه وألفاظه، كان هذا ممَّا يُستعان به على معرفة مراده.
وأما إذا استُعْمِل لفظُه في معنًى لم تَجْرِ عادته باستعماله فيه، وتُرِك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحُمِل كلامُه على خلاف المعنى الذي قد عُرِف أنه يريده بذلك اللَّفظ بِجَعْل كلامه متناقضًا، وتَرْكِ حَمْلِه على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفًا لكلامه عن موضعه، وتبديلًا لمقاصده وكذبًا عليه.
فهذا أصل من ضلَّ في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم، فإذا عُرِف هذا، فنقول:
الجواب عمَّا ذكروه هنا من وجوه:
[46]الوجه الأول: أنَّ الله لَـمْ يذكُر عن المسيح خلقًا مُطلقًا، ولا خلقًا عامًّا، ولم يصف قطُّ شيئًا مِن المخلوقات بهذا لا ملكًا ولا نبيًّا، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ﴿٦٢﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: 62-63]. وقال تعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: 101]. تعليق جانبي/ أن الله لَـمْ يصِف المسيح بالخلق المطلق ولكن خَلْقًا معيَّنًا بإذن الله تعالى
ووصف نفسه بأنَّه ربُّ العالمين، وبأنَّه ملك يوم الدين، وأنَّه له الملك وله الحمد، وأنَّه الحيُّ القيُّوم، لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، وأنَّه على كل شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ عليم، ونحو ذلك من خصائص الرُّبوبيَّة، ولَـمْ يصف شيئًا مِن مخلوقاته -لا ملكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا- بشيءٍ من الخصائص التي يختصُّ بها، التي وصف بها نفسه سبحانه وتعالى.
وأمَّا المسيح عليه السلام؛ فقال فيه: ﴿وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ﴾ [المائدة: 110].
وقال المسيح عن نفسه: ﴿أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ﴾ [آل عمران: 49]؛ فلم يذكر إلا خلقَ شيءٍ معينٍ خاصٍّ بإذن الله، فكيف يكون هذا الخالقُ هو ذاك؟
[47]الوجه الثاني: أنَّه خَلَقَ من الطِّين كهيئة الطَّير، والمراد به: تصويرُه بصورة الطَّير، وهذا الخلْقُ يقدر عليه عامَّةُ النَّاس، فإنَّه يمكن أحدُهم أن يُصَوِّر مِن الطِّين كهيئة الطَّير، وغيرِ الطَّير من الحيوانات، ولكنَّ هذا التَّصوير مُحرَّمٌ، بخلاف تصوير المسيح، فإنَّ الله أذن له فيه، والمعجزة: أنَّه ينْفُخُ فيه الرُّوحَ؛ فيصيرُ طيرًا بإذن الله عز وجل، ليس المعجزةُ مجردَ خَلْقِه من الطِّين، فإنَّ هذا مشترك. تعليق جانبي/ أن خلق الطير يعني تصويره، وهذا مقدور عليه للبشـر، والمعجزة نفخ الروح ويحصل هذا بإذن الله
وقد لعن النَّبيُّ ﷺ المصوِّرين، وقال: (إنَّ أشَدَّ النَّاس عذابًا يوْمَ القِيامَةِ المُصَوِّرونَ)([48]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (5950)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2109).
وفي «الصَّحيح» يقول النَّبيُّ ﷺ: (يقول الله تعالى: ومَنْ أظْلَمُ مِمَّن ذهَبَ يخْلُق كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذرَّة، فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)([49]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (7559)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2111).
[50]الوجه الثالث: أنَّ الله أخبر أنَّ المسيح إنَّما فَعَل التَّصوير والنَّفخ بإذنه تعالى، وأخبر المسيح عليه السلام أنَّه فعله بإذن الله، وأخبر الله أنَّ هذا مِن نِعَمه التي أنعم بها على المسيح عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. وقال تعالى له: ﴿يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ [المائدة: 110]. تعليق جانبي/ أن المسيح يفعل ذلك بإذن الله، وهذا يدُلُّ على التمايز بينهما
وهذا كلُّه صريحٌ في أنَّه ليس هو الله، وإنَّما هو عَبْدُ الله، فَعَلَ ذلك بإذن الله، كما فعل مثل ذلك غيرُه من الأنبياء، وصريحٌ بأنَّ الآذِن غيرُ المأذون له، والمعلِّم ليس هو المعلَّم، والمنعَم عليه وعلى والدته ليس هو إيَّاه، كما ليس هو والدته.
[51]الوجه الرابع: أنَّهم قالوا: [أشار بالخالق إلى كلمة الله المتَّحِدة في النَّاسوت]. ثُمَّ قالوا في قوله: «بإذن الله» أي: [بإذن الكلمة المتَّحدة في النَّاسوت]. تعليق جانبي/ تناقضهم في جَعْلِ الخالق والآذِن واحدًا مع أنَّ الله فرَّق بينهما
وهذا يبُيِّن تناقُضَهم وافتراءَهم على القرآن؛ لأنَّ الله أخبر في القرآن أنَّ المسيح خلق مِن الطِّين كهيئة الطَّيْر بإذن الله، ففرَّق بين المسيح وبين الله، وبيَّن أنَّ الله هو الآذِن للمسيح، وهؤلاء زعموا أنَّ مُرَاده بذلك أنَّ اللَّاهوتَ المتَّحِدَ بناسوت المسيح هو الخالق وهو الآذِن، فجعلوا الخالق هو الآذِن، وهو تفسيرٌ للقرآن بما يخالف صريح القرآن.
[52]الوجه [الخامس]: قولهم: «فأشار بالخالق إلى كلمة الله المتَّحدة في النَّاسوت المأخوذ مِن مريم؛ لأنَّه كذا قال على لسان داود النَّبيِّ: "بكلمة الله خُلِقَت السماوات والأرض"». تعليق جانبي/ أن كلام الأنبياء حجة عليهم
يُقال لهم: هذا النَّصُّ عن داود حجَّةٌ عليكم، كما أنَّ التَّوراة والقرآن وسائر ما ثبَتَ عن الأنبياء حجَّةٌ عليكم، فإن داود عليه السلام قال: «بكلمة الله خُلِقت السَّماوات والأرض»، ولَـمْ يقُلْ: إنَّ كلمة الله هي الخالقة، كما قُلتم أنتم أنَّه أشار بالخالق إلى كلمة الله.
والفرق بين الخالق للسَّماوات والأرض، وبين الكلمة التي بها خُلِقت السَّماوات والأرض؛ أمرٌ ظاهرٌ معروف، كالفَرْق بين القادر والقُدْرة، فإنَّ القادر هو الخالق وقد خلق الأشياء بقُدْرتِه، وليست القُدْرة هي الخالقة، وكذلك الفَرْق بين المريد والإرادة، فإنَّ الله خلق الأشياء بمشيئته، وليست مشيئته هي الخالقة.
وكذلك الدُّعاء والعبادة هو للإله الخالق، لا لشـيءٍ من صفاته، فالنَّاس كلُّهم يقولون: يا الله، يا ربَّنا، يا خالقنا، ارحمنا واغفر لنا، ولا يقول أحد: يا كلام الله اغفر لنا وارحمنا، ولا يا قُدْرة الله، ويا مشيئة الله، ويا عِلْمَ الله اغفر لنا وارحمنا، والله تعالى يخلق بقُدْرته ومشيئته وكلامه، وليست صفاته هي الخالقة.
[53]الوجه [السادس]: أن قول داود عليه السلام: «بكلمة الله خُلِقت السَّماوات والأرض»؛ يوافق ما جاء في القرآن والتَّوراة وغير ذلك من كتب الأنبياء: أنَّ الله يقول للشـيء: «كن» فيكون، وهذا في القرآن في غير موضع، وفي التَّوراة قال الله: (ليكن كذا ليكن كذا)([54]). تعليق جانبي/ أن الكلمة خلق الله، وليست هي الخالقة، وهذا متفق عليه بين الأنبياء () انظر: سفر التكوين (1: 1-6).
[55]الوجه [السابع]: قولهم: «لأنَّه ليس خالقٌ إلا اللهُ وكلمتُه وروحُه» تعليق جانبي/ تناقضهم في المراد بالكلمة والروح
- إنْ أرادوا بكلمتِه: كلامَه. وبروحِه: حياتَه؛ فهذه مِن صفات الله كعِلْمِه وقُدْرَتِه، فلم يُعبِّر أحدٌ من الأنبياء عن حياة الله بأنها: روح الله، فمن حَمَلَ كلام أحدٍ من الأنبياء بلفظ: «الروح» أنه يُرَاد به: حياةُ الله؛ فقد كذب عليه.
- وإنْ أرادوا بكلمتِه وروحِه: المسيح، أو شيئًا اتَّحد بناسوت المسيح، فالمسيح عليه السلام كلُّه مخلوقٌ كسائر الرُّسل، والله وحده هو الخالق.
وإنْ شئت قلتَ: إنْ أُرِيدَ بالرُّوح والكلمة ما هو صفةٌ لله: فتلك داخلةٌ في مسمَّى اسمه، وإنْ أُرِيدَ ما ليس بصفةٍ: فذلك مخلوقٌ له كالنَّاسوت.
ثم يقال: هذه كلامه وحياته من صفات الله كعلْمه وقدرته، وحينئذٍ فالخالق هو الله وحده، وصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه لا يُحْتَاجُ أن تُجْعَل معطوفةً على اسمه بواو التَّشْـريك التي تُؤْذِنُ أن الله له شريكٌ في خلقه، فإنَّ الله لا شريك له.
ولهذا لَـمَّا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] دخل كل ما سواه في مخلوقاته، ولم تدخل صفاته: كعِلْمِه وقدرتِه ومشيئتِه وكلامِه؛ لأن هذه داخلةٌ في مسمَّى اسمه، ليست أشياء مباينةً له، بل أسماؤه الحسنى متناولةٌ لذاته المقدَّسة المتَّصفةِ بهذه الصفات، لا يجوز أن يرادَ بأسمائه ذاتًا مجرَّدةً عن صفات الكمال، فإنَّ تلك لا حقيقةَ لها، ويمتنع وجود ذاتٍ مجرَّدةٍ عن صفةٍ فضلًا عن وجود ذاته تعالى مجردةً عن صفات كماله التي هي لازمةٌ لذاته، فيمتَنِع تحقُّق ذاته دونها، ولهذا لا يقال: الله وعلمه خلق، والله وقدرته خلق.
[56]الوجه [الثامن]: أنَّ داود عليه السلام لا يجوز أنْ يُريدَ بكلمة الله: المسيح؛ لأنَّ المسيح عند جميع النَّاس؛ هو: اسمٌ للنَّاسوت، وهو عندهم: اسمٌ للَّاهوت والنَّاسوت لَـمَّا اتَّحدا، والاتِّحاد فِعْلٌ حادثٌ عندهم، فقَبْل الاتِّحاد لَـمْ يكن هناك ناسوتٌ، ولا ما يُسَمَّى مسيحًا، فعُلِم أنَّ داود لَـمْ يُرِدْ بكلمة الله المسيح، ولكن غايتُهم أنْ يقولوا: أراد الكلمة التي اتَّحدت فيما بعدُ بالمسيح، لكنَّ الذي خَلَق بإذن الله هو المسيح، كما نطق به القرآن بقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45]. فالكلمة التي ذكرها، وأنَّها هي التي بها خُلِقَت السماوات والأرض؛ ليست هي المسيح الذي خَلَقَ من الطِّين كهيئة الطير بإذن الله، فاحتجاجُهم بهذا على هذا احتجاجٌ باطل، بل تلك الكلمة التي بها خُلِقَت السَّماوات والأرض؛ لَـمْ يكن معها ناسوتٌ حين خُلِقَت باتِّفاق الأمم، والمسيح لا بُدَّ أنْ يَدْخُل فيه النَّاسوت، فعُلِمَ أنَّه لَـمْ يُرِد بالكلمة: المسيح. تعليق جانبي/ أن كلام داود لا يلزم منه أنَّ الكلمة هي المسيح
[57]قالوا: (وقال أيضًا في موضعٍ آخر: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ﴾ [آل عمران: 59]. فأعنَى بقوله: مثل آدم إشارةً إلى النَّاسوت المأخوذ من مريمَ الطَّاهرة لأنَّه لَـم يَذْكُر هاهنا اسم المسيح إلا ذكر عيسى فقط، وكما أنَّ آدمَ خُلِق من غير جماعٍ ولا مباضَعَة، فكذلك جسد السَّيِّدِ المسيح خُلِقَ من غير جماعٍ ومباضَعَة، وكما أنَّ جسد آدم ذاق الموت، فكذلك جسد المسيح ذاق الموت. تعليق جانبي/ الدليل السادس
وقد يُبَرْهَنُ بقوله: رأينا أيضًا قائلًا: إنَّ الله ألقى كلمته إلى مريم، وذلك حسب قولنا معشـر النَّصَارى: إنَّ كلمة الله الأزليَّةَ الخالقة حَلَّتْ في مريم، وتجسَّدتْ بإنسانٍ كامل.
وعلى هذا المثال نقول: في السَّيِّد المسيح طبيعتان:
طبيعةٌ لاهوتيَّة: التي هي طبيعةُ كلمةِ الله وروحِه.
وطبيعةٌ ناسوتيَّة: التي أخذتْ مِن مريم العذراء واتحدت به.
ولِما تقدم به القول من الله تعالى على لسان موسى النَّبيِّ إذ يقول: "أليس هذا الأبُ الذي خلقك وبراك واقتناك"([58]). قيل: وعلى لسان داود النَّبيِّ: "روحك القُدُس لا تُنزَع منِّي"([59])، وأيضًا على لسان داود النبي: "بكلمة الله تشدَّدت السَّماوات، وبروح فاه جميع فواهن"([60]). وليس يدُلُّ هذا القول على ثلاثة خالقين؛ بل خالق واحد: الأب ونطقه؛ أي: كلمته. وروحه؛ أي: حياته)([61]). () انظر: سفر التثنية (32: 6). () انظر: سفر المزامير (51: 6). () انظر: سفر المزامير (33: 2). () هذا النص غير موجود في رسالة بولس الأنطاكي المطبوعة، إلا من قوله: (ولما تقدم به القول ...) إلى آخر النَّص. انظر: رسالة بولس الأنطاكي (ص420).
والجواب من وجوه:
[62]الوجه الأول: أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ؛ كلامٌ حقٌّ؛ فإنَّه سبحانه خلَقَ هذا النوع البشـريَّ على الأقسام الممكنة؛ ليُبيِّن عمومَ قُدْرتِه، فَخَلَق آدم من غير ذكرٍ ولا أنثى، وخَلَقَ زوجته حواءَ من ذكرٍ بلا أنثى، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا﴾ [النساء: 1]، وخَلَقَ المسيح من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكرٍ وأنثى، وكان خَلْقُ آدم وحواء أعجبَ مِن خَلْقِ المسيح، فإنَّ حواء خُلِقَتْ مِن ضِلَعِ آدم، وهذا أعجب مِن خَلْقِ المسيح في بطن مريم، وخَلْقُ آدم أعجبُ من هذا وهذا، وهو أصل خَلْق حواء. تعليق جانبي/ أنَّ عيسى هو المسيح وهو رسول وليس بإله.
فلهذا شبَّهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب مِن خَلْقِ المسيح، فإذا كان سبحانه قادرًا أنْ يخلُقَهُ مِن تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يَخْلُقه من امرأةٍ هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو سبحانه خَلَقَ آدم مِن تراب ثُمَّ قال له: «كن» فيكون، لَـمَّا نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له: «كن» فيكون، ولَـمْ يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتًا وناسوتًا، بل كلُّه ناسوت، فكذلك المسيح كلُّه ناسوت، والله تبارك وتعالى ذكر هذه الآية في ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النَّصَارى، لَـمَّا قَدِمَ على النبي ﷺ: نصارى نجران، وناظروه في المسيح، وأنزل الله فيه ما أنزل، فبيَّن فيه قول الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنَّصَارى، فكذَّب الله الطائفتين: هؤلاء في غُلُوِّهِم فيه، وهؤلاء في ذَمِّهِم له.
وقال عَقِب هذه الآية: ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ﴿٦١﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴿٦٢﴾ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ﴿٦٣﴾ قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 61- 64].
وقد امتثل النبيُّ ﷺ قولَ الله فدعاهم إلى المباهلة، فعرفوا أنَّهم إنْ باهَلُوه أنزل الله عليهم لعنته، فأقرُّوا بالجزية وهم صاغرون، ثُمَّ كتب النَّبيُّ ﷺ إلى هرقل ملك الروم بقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 64]، إلى آخرها، وكان أحيانًا يقرأ بها في الرَّكْعَةِ الثَّانيةِ من ركعتَي الفجر، ويقرأ في الأُوْلَى بقوله: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].
وهذا كله يُبيِّن به أنَّ المسيح عبدٌ ليس بإله، وأنَّه مخلوقٌ كما خلق آدم، وقد أمر أنْ يُباهِل مَن قال: [إنَّه إله]، فيدعو كلٌّ من المتباهلين أبناءَه ونساءَه وقريبه المختصَّ به، ثم يبتهلُ هؤلاء وهؤلاء، ويدعون الله أن يجعل لعنته على الكاذبين، فإنْ كان النَّصَارى كاذبين في قولهم: [هو الله]؛ حقَّتْ اللعنة عليهم، وإن كان مَن قال: [ليس هو الله بل عبد الله] كاذبًا، حقَّتْ اللعنة عليه، وهذا إنصافٌ مِن صاحب يقينٍ يعلم أنَّه على الحق.
والنَّصَارى لَـمَّا لَـمْ يعلمُوا أنَّهم على الحقِّ نكَلُوا عن المباهلة، وقد قال عَقِبَ ذلك: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ [آل عمران: 62]، تكذيبًا للنَّصَارى الذين يقولون: [هو إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ]، فكيف يُقال: إنَّه أراد أنَّ المسيح فيه لاهوت وناسوت، وأنَّ هذا هو النَّاسوت فقط دون اللاهوت؟
وبهذا ظهر الجواب عن قولهم: [قال في موضعٍ آخر: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ﴾ || ، فأعنَى بقوله: عيسى، أشار إلى البشـريَّةِ المأخوذة من مريم الطَّاهرة، لأنَّه لَـمْ يذكر هاهنا اسم المسيح إلا ذكر عيسى فقط].
فإنَّه يقال: عيسى هو المسيح، بدليل أنَّه قال: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ [المائدة: 75]، فأخبر أنَّه ليس المسيح إلا رسول، ليس هو بإله، وأنَّه ابن مريم، والذي هو ابن مريم هو النَّاسوت، وقال: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ﴿١٧١﴾ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا﴾ [النساء:171- 172]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ﴾ [المائدة: 17].
[63]الوجه الثاني: أنَّ ما ذكروه من موته قد بيَّنَّا أنَّ الله لَـمْ يذكر ذلك، وأنَّ المسيح لَـمْ يمُتْ بعد، وما ذكروه مِن أنَّه صُلِبَ ناسوتُه دون لاهوته؛ باطلٌ مِن وجهين، فإنَّ ناسوته لَـمْ يُصْلب، وليس فيه لاهوت، وهم ذكروا ذلك دعوى مجردة، فيكتفى في مقابلتها بالمنع. تعليق جانبي/ بطلان قولهم في موته وصلبه
[64]لكن نقول في الوجه الثالث: إنَّهم في اتِّحاد اللَّاهوت بالنَّاسوت يُشَبِّهُونَه تارةً باتِّحاد الماء باللبن، وهذا تشبيهُ اليعقوبيَّة. وتارةً باتِّحاد النَّار بالحديد، أو النَّفْس بالجسم، وهذا تشبيه الملكانيَّة وغيرهم. تعليق جانبي/ اللوازم الباطلة على القول بالاتحاد
ومعلومٌ أنَّه لا يصل إلى الماء شيءٌ إلا وصل إلى اللَّبن، فإنَّه لا يتميَّز أحدُهما عن الآخر، وكذلك النَّار التي في الحديد؛ متى طرق الحديد أو بصق عليه لحق ذلك بالنَّار التي فيه، والبدن إذا ضُرب وعُذِّبَ؛ لَحِقَ ألـمُ الضَّـرْبِ والعَذَاب للنَّفْس، فكان حقيقةُ تمثيلهم يقتضـي أنَّ اللَّاهوت أصابَه ما أصاب النَّاسوت مِن إهانة اليهود، وتعذيبهم له، وإيلامهم له، والصَّلْب الذي ادَّعوه، وهذا لازمٌ على القول بالاتِّحاد؛ فإنَّ الاتِّحاد لو كان ما يصيب أحدَهما لا يَشْـركه الآخَرُ فيه؛ لَـمْ يكن هنا اتحادٌ، بل تعدُّد.
[65]الوجه [الرابع]: قولهم: «إنَّه كلمته وروحه» تناقضٌ منهم؛ لأنَّه عندهم أقنوم الكلمة فقط، لا أقنوم الحياة. تعليق جانبي/ تناقضهم في أنَّ عيسى الروح
[66]الوجه [الخامس]: قولهم: «[وقد يُبَرْهَنُ بقوله: رأينا أيضًا قائلًا]: إنَّ الله ألقى كلمته إلى مريم، وذلك حسب قولنا معشـر النَّصَارى: إنَّ كلمة الله الخالقة الأزليَّة حَلَّتْ في مريم، وتجسَّدتْ بإنسانٍ كامل». تعليق جانبي/ بطلان فهمهم وتأويلهم للكلمة
فيقال: أمَّا قول الله في القرآن فهو حقٌّ، ولكن ضللتم في تأويله كما ضللتم في تأويل غيره من كلام الأنبياء، وما بلَّغُوه عن الله، وذلك أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 45-47].
ففي هذا الكلام وجوهٌ تُبيِّن أنَّه مخلوق، ليس هو ما يقوله النَّصَارى:
- منها: أنَّه قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، وقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ نكرةٌ في الإثبات تقتضـي أنَّه كلمة من كلمات الله، ليس هو كلامه كله كما يقوله النَّصَارى.
- ومنها: أنَّه يُبيِّن مراده بقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، وأنَّه مخلوقٌ حيث قال: ﴿كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، وقال تعالى في سورة كهيعص: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ﴿٣٤﴾ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 34 -35].
فهذه ثلاثُ آياتٍ في القرآن تُبيِّن أنَّه قال له: «كن» فيكون، وهذا تفسير كونه كلمةً منه.
وقال ﴿ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ﴾ [آل عمران: 45]؛ أخبر أنَّه ابن مريم، وأخبرَ أنَّه وجيهٌ في الدنيا والآخرة، ومِن المقرَّبين، وهذه كلها صفة مخلوق، والله تعالى وكلامه الذي هو صفته لا يُقال فيه شيءٌ من ذلك.
وقالت مريم: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ﴾ || ، فبيَّن أنَّ المسيح الذي هو الكلمة هو وَلَدُ مريم، لا ولد الله سبحانه وتعالى.
وقال في سورة النساء: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ﴿١٧١﴾ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ﴿١٧٢﴾ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا﴾ [النساء: 171-173].
فقد نهى النَّصَارى عن الغُلُوِّ في دينهم، وأنْ يقولوا على الله غير الحق، وبيَّن أنَّ المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته وروحٌ منه، وأمرهم أنْ يُؤمنوا بالله ورسله، فبيَّن أنَّه رسُوْلُه، ونهاهم أنْ يقولوا ثلاثة، وقال: ﴿ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ﴾ || ، وهذا تكذيبٌ لقولهم في المسيح إنَّه: [إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حق، من جوهر أبيه].
ثُمَّ قال: ﴿سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ﴾ || ؛ فنزَّه نفسه وعظَّمها أنْ يكون له ولد -كما تقوله النَّصَارى-، ثُمَّ قال: ﴿لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ ؛ فأخبر أنَّ ذلك مُلْكٌ له، ليس فيه شيءٌ من ذاته، ثُمَّ قال: ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ﴾ أي: لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدًا لله تبارك وتعالى.
فمع هذا البيان الواضح الجليِّ هل يظن ظانٌّ أنَّ مراده بقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أنَّه إلهٌ خالق؟! أو أنَّه صفةٌ لله قائمةٌ به؟! وأنَّ قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ المراد به: أنَّه حياته، أو روحٌ منفصلةٌ من ذاته؟
ثُمَّ نقول أيضًا: أمَّا قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾؛ فقد بيَّن مُراده أنَّه خلقه بـ[كن]، وفي لغة العرب التي نزل بها القرآن أن يُسمَّى المفعول باسم المصدر، فيُسَمَّى المخلوق خَلْقًا؛ لقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، ويقال: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأَمِيْرِ، أي: مضروب الأمير، ولهذا يُسَمَّى المأمور به أمرًا، والمقدور قُدْرَة وقدرًا، والمعلوم عِلْمًا، والمرحوم به رَحْمة، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]، وقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]، وقال النبي ﷺ: (يقُولُ الله للجَنَّة: أنْتِ رحْمَتِي، أرْحَمُ بكِ منْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي، ويَقُولُ للنَّارِ: أنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي)([67]). وقال: (إن الله خَلقَ الرَّحْمةَ يوْمَ خلَقَها مئةَ رحْمَة، أنْزَلَ مِنْها رَحْمَةً وَاحِدَةً فَبِها يَتَراحَمُ الخَلْقُ ويتَعَاطَفُونَ، وأمْسَكَ عِنْدهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَمَعَ هَذِه إلى تِلْكَ، فَرَحِمَ بِهَا الخَلْقَ)([68]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4850)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2846). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6469)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2752).
ويُقال للمطر والآيات: هذه قُدْرةٌ عظيمة، ويقال: غفر الله لك عِلْمَه فيك، أي: معْلُومَه، فتَسْمِيةُ المخْلُوقِ بالكلمةِ كلمةً مِن هذا الباب.
وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ؛ لا يوجب أن يكون مُنفصِلًا مِن ذات الله، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وقال تعالى: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ﴾ [النساء: 79]، وقال تعالى: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ﴿١﴾ رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ﴾ [البينة: 1-2].
[69]فهذه الأشياء كلُّها مِن الله وهي مخلوقة، وأبلغ من ذلك روح الله التي أرسلها إلى مريم، وهي مخلوقة، فالمسيح الذي هو روحٌ من تلك الرُّوح أَوْلى أنْ يكون مخلوقًا، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا﴾ [مريم: 17-19]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: 12]، وقال: ﴿وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91]. فأخبر أنَّه نفخَ في مريم مِن روحه، كما أخبر أنَّه نفخ في آدم من روحه، وقد بيَّن أنَّه أرسل إليها روحَه ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ﴿١٩﴾ قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ﴿٢٠﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ﴿٢١﴾ فَحَمَلَتْهُ ﴾ [مريم: 17-22]. تعليق جانبي/ معنى: "روح منه"
فهذا الرُّوح الذي أرسله الله إليها ليَهَبَ لها غُلامًا زَكيًّا؛ مخلوق، وهو روحُ القُدُس الذي خُلِق المسيحُ منه ومِن مريم، فإذا كان الأصل مخلوقًا؛ فكيف الفرع الذي حصل به؟
وقوله عن المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ خَصَّ المسيح بذلك؛ لأنَّه نفخَ في أمِّه مِن الرُّوح، فحَبَلَت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشـر، فامتاز بأنْ حبَلتْ به مِن نفخ الرُّوح، فلهذا سُمِّي روحًا منه؛ ولهذا قال طائفةٌ من المفسِّـرين([70]): «روحٌ منه»؛ أي: رسولٌ منه، سمَّاه باسم الرُّوح الرَّسول الذي نَفَخَ فيها، فكما يُسَمَّى «كلمة» يُسَمَّى «روحًا»؛ لأنَّه كُوِّن بالكلمة، لا كما يُخْلَقُ الآدميُّون غيره، ويُسَمَّى «روحًا»؛ لأنَّه حَبَلَت به أمُّه بنفْخِ الرُّوح الذي نَفَخَ فيها، لَـمْ تحبل به من ذكرٍ كغيره من الآدميين، وعلى هذا فيقال: لَـمَّا خُلِقَ مِن نفخ الروح ومِن مريم؛ سُمِّي «روحًا» بخلاف سائر الآدميِّين، فإنَّه يُخْلَقُ مِن ذكرٍ وأنثى، ثم يُنْفَخُ فيه الرُّوح بعد مُضيِّ أربعةِ أشهر. () انظر: تفسير الطبري (7/703)، تفسير ابن كثير (2/479).
والنَّصَارى يقولون في أمانتهم: «تجسَّد مِن مريم ومِن روح القُدُس»، ولو اقتصـروا على هذا، وفسَّـرُوا روح القُدُس بالـمَلَكِ الذي نَفَخَ فيها -وهو روح الله- لكان هذا مُوافقًا لما أخبر الله به، لكنهم جعلوا «روح القدس»: حياة الله وجعلوه ربًّا، وتناقضوا في ذلك، فإنَّه على هذا كان ينبغي فيه أقنومان: أقنوم الكلمة، وأقنوم الرُّوح، وهم يقولون: ليس فيه إلا أقنوم الكلمة، وكما يُسمَّى المسيح: «كلمة»؛ لأنَّه خُلِقَ بالكلمة، يُسمَّى «روحًا»؛ لأنَّه حَلَّ به مِن الرُّوح.
والمقصود هنا: أنَّه ليس للنَّصَارى حجَّةٌ لا في ظاهر النُّصوص ولا في باطنها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ ، والكلمة عندهم هي جوهر، وهي ربٌّ لا يُخلَق بها الخالق، بل هي الخالقة لكلِّ شيء، كما قالوا في كتابهم: «إنَّ كلمة الله الخالقةَ الأزليَّةَ حلَّت في مريم»، والله تعالى قد أخبر أنَّه سبحانه ألقاها إلى مريم، والربُّ سبحانه هو الخالق، والكلمة التي ألقاها ليست خالقة، والخالق لا يُلْقِيه شيء، بل هو يُلْقِي غيرَه.
[عقيدة النصارى في طبيعة المسيح]
وأمَّا قولهم: [وعلى هذا المثال نقول: في السيد المسيح طبيعتان: طبيعةٌ لاهوتية: التي هي طبيعةُ كلمةِ الله وروحه. وطبيعةٌ ناسوتيّةٌ: الذي أُخذ من مريم العذراء واتَّحد به].
فيُقال لهم: كلام النَّصَارى في هذا الباب مضطرب مختلف متناقض، وليس لهم في ذلك قولٌ اتفقوا عليه، ولا قولٌ معقول، ولا قول دلَّ عليه كتاب، بل هم فيه فِرَقٌ وطوائفُ، كلُّ فرقة تُكفِّر الأخرى؛ كاليعقوبية والملَكانيَّة والنُّسْطُورية، ونَقْل الأقوال عنهم في ذلك مضطربةٌ، كثيرةُ الاختلاف([71]). () هنا يوضِّح شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله فكرتين أساسيَّتين:الأولى: أنَّ كلام النَّصارى في مسألة: [طبيعة المسيح]، وكذلك قولهم في [التثليث] و[الاتِّحاد] و[الحلول]؛ شديد الاختلاف والاضطراب، وأعاد ابن تيمية رحمه الله سبب هذا إلى أنَّ هذه العقائد في أساسها لم تُتَلقَّ عن المسيح، ولا عن أحدٍ من الحواريِّين، ولا نطق بها أحدٌ من الأنبياء، وإنَّما تمسَّكوا ببعض الألفاظ المتشابهة في كتبهم فتنازعوا في فهمها، فبسبب هذا التنازع في الفهم وقعوا في الاختلاف والاضطراب.الثانية: أنَّ هذا الاختلاف أدَّى إلى اختلاف نقل النَّقلة لمذهبهم، يوضِّحه: أنَّ كل ناقلٍ لمذهب النَّصَارى في تلك المسائل كان ينقل عن طائفة منهم، فلمَّا كان النَّصَارى في أصلهم متنازعين فيها؛ أدَّى ذلك إلى اختلاف نقل النَّقلة لمذهبهم، ولذا كان الصحيح أنْ يُفصَّل في نقل مذهب النَّصَارى في هذه المسائل= =بحسب طوائفهم، وأنَّ لكل طائفة قولًا يُخالف الطائفة الأخرى، لا أنَّ لهم قولًا واحدًا، أو أن يُرجَّح من هذه الأقوال ما هو حقيقة قولهم؛ فإنَّ المسيح عليه السلام لم يأتِ بهذه المسائل أصلًا ليُفصل القول فيها، وهذا الاختلاف البيِّنُ الجوهريُّ في أصل اعتقادهم؛ يدُلُّ على اضطرابهم في أمر دينهم، وأنَّهم ليسوا على شيء مُطَّرِد، وهذا ما أكَّده ابن تيمية رحمه الله كثيرًا في هذا الكتاب.والفكرة الثانية دفعت بابن تيمية رحمه الله إلى استعراض بعض النماذج التي نقلت مذاهب النَّصارى، كنقل الجويني، وأبي القاسم الأنصاري، وابن الزاغوني، وابن حزم، والحسن بن أيوب، وسعيد بن البطريق، ولسنا بحاجة -في هذا المختصـر- إلى التوسُّع في نقل هذه النماذج واستعراض المقارنات بين تلك الطوائف، ويمكن للباحث المهتم مطالعتها في الكتاب الأصل. انظر: الجواب الصحيح (3/6-17).
[72]ومِن أخبر النَّاس بمقالاتهم؛ مَن كان من علمائهم وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكُتُبهم ومقالاتهم؛ كالحسن بن أيوب، الذي كتب رسالة إلى أخيه علي بن أيوب، يذكر فيها سبب إسلامه، ويذكر الأدلة على بُطلان دين النَّصَارى، وصحة دين الإسلام. تعليق جانبي/ رسالة الحسن ابن أيوب في مقالات النصارى في طبيعة المسيح
قال في رسالته([73]): (ولَـمَّا نظرتُ في مقالات النَّصَارى وجدتُّ صنفًا منهم [74]يُعرفون بالأريوسية يُجرِّدون توحيدَ الله، ويعترفون بعبودية المسيح عليه السلام، ولا يقولون فيه شيئًا مما يقولُه النَّصَارى من ربوبيَّةٍ ولا بنوُّةٍ خاصة ولا غيرهما، وهم مُتَمَسِّكون بإنجيل المسيح عليه السلام مُقرُّون بما جاء به تلاميذُه والحاملون عنه، فكانت هذه الطبقةُ قريبةً من الحق، مخالِفةً لبعضه في جحدِ نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، ودَفْع ما جاء به من الكتاب والسنة. () نقل ابن تيمية رحمه الله رسالة الحسن بن أيوب كاملة، وأتت فيما يُقارب تسعين صفحة (3/18-106)، وقد ذكر فيها الحسن قضايا متعددة وناقشها، وبيَّن بطلانها، وبيَّن تصـريحهم بالشِّـرْك، كما بيَّن تناقض طوائفهم كالملكانية واليعقوبية والنسطورية، وردَّ على ما يحتَجُّون به من حجج سمعية أو عقلية بمثلها، وقد علَّق ابن تيمية رحمه الله على أجزاء منها يسيرة، وسوف نُبْقي في هذا المختصر أوَّل الرسالة وهو ما يتعلَّق بمسألة [طبيعة المسيح] وتعليق ابن تيمية رحمه الله على ذلك. وأمَّا بقية الرسالة فكثيرٌ من قضاياها مضمَّنة في ثنايا الكتاب الأصل، فرأينا الاستغناء عنها تلافيًا للتكرار والتطويل. تعليق جانبي/ مذهب الآريوسية
[75]قال: ثم وجدتُ منهم صنفًا يُعرفون باليعقوبية، يقولون: إنَّ المسيح طبيعةٌ واحدةٌ من طبيعتين: إحداهما طبيعة الناسوت، والأخرى طبيعة اللاهوت، وأنَّ هاتين الطبيعتين تركَّبتا كما تركَّبت النفسُ مع البدن، فصارتا إنسانًا واحدًا وشخصًا واحدًا وجوهرًا واحدًا، وأن هذه الطبيعةَ الواحدةَ والشخصَ الواحدَ هو المسيحُ، وهو إلهٌ كلُّه وإنسان كلُّه، وهو شخصٌ واحدٌ وطبيعة واحدة من طبيعتين. تعليق جانبي/ مذهب اليعقوبية
وقالوا: إنَّ مريم وَلدت الله -تعالى الله عما يصفون- وإن الله مات وأَلِـمَ وصُلِب متجسِّدًا، ودُفن وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء، فجاؤوا مِن القول بما لو عُرض على السماء لانفطرت، أو على الأرض لانشقَّت، أو على الجبال لانهدَّت، فلم يكن لمحاجَّة هؤلاء وجهٌ؛ إذ كان كفرُهم -بما صرَّحوا به- أوضحَ من أن يقع فيه الشكُّ، وكنتم جميعًا تشهدون بذلك عليهم.
[76]قال: ثم نظرتُ في قول الـمَلَكانيَّة، وهم الروم -وهم أكثر النَّصَارى-، فوجدتُهم قالوا: إنَّ الابن الأزليَّ الذي هو اللهُ الكلمةُ تجسَّد من مريم تجسُّدًا كاملًا كسائر أجساد الناس، ورُكِّب في ذلك الجسد نفسًا كاملةً بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس، وأنَّه صار إنسانًا بالنفس والجسد اللَّذَين هما من جوهر الناس، وإلهًا بجوهر اللاهوت كمثل أبيه لَـمْ يزَل، وهو إنسانٌ بجوهر الناسوت مثل: إبراهيم وداود، وهو شخصٌ واحد لَـمْ يزِد عددُه، وثَبَت له جوهرُ اللاهوت كما لَـمْ يزَل يصحُّ له جوهرُ الناسوت الذي اكتسبه من مريم، وهو شخصٌ واحدٌ لَـمْ يزِد عددُه وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئةٌ كاملةٌ، فله بلاهوته مشيئةٌ مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئةٌ مثل مشيئة إبراهيم وداود. تعليق جانبي/ مذهب الملكانية
وقالوا: إنَّ مريم وَلدت إلهًا، وإنَّ المسيح -وهو اسمٌ يجمع اللاهوت والناسوت- مات.
وقالوا: إنَّ الله لم يَمُتْ، والذي وَلدتْ مريمُ قد مات بجوهر ناسوته، فهو إلهٌ تامٌّ بجوهر لاهوته، وإنسانٌ تامٌّ بجوهر ناسوته، وله مشيئةُ اللاهوت ومشيئةُ النّاسوت، وهو شخصٌ واحدٌ لا نقول: شخصان؛ لئلا يلزمَنا القولُ بأربعة أقانيم.
قال: فهؤلاء أَتوا من ذلك بمثل ما أتتْ به اليعقوبية في ولادة مريم -تعالى الله عما يقول الظالمون-.
وقالوا: إنَّ المسيح -وهو اسمٌ لا تشكُّ جماعةُ النَّصَارى أنَّه واقعٌ على اللاهوت والنَّاسوت- مات، وإن الله لم يَمُت، فكيف يكون ميتًا لَـمْ يمت! وقائمًا قاعدًا في حال واحدة! وهل بين المقالتين فرقٌ إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع؟
[77]قال: ثم نظرت في قول النُّسْطُورية فوجدتهم قالوا: إنَّ المسيحَ شخصان وطبيعتان لهما مشيئةٌ واحدةٌ، وأنَّ طبيعةَ اللاهوت التي للمسيح غيرُ طبيعة ناسوته، وأنَّ طبيعة اللاهوت لما توحَّدت بالناسوت بشخصها الكلمة صارت الطبيعتان بجهةٍ واحدةٍ وإرادةٍ واحدةٍ، واللاهوتُ لا يقبلُ زيادةً ولا نقصانًا، ولا يَمتزج بشـيءٍ، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان، فكان المسيح بتلك إلهًا وإنسانًا، فهو إلهٌ بجوهر اللاهوت الذي لا يزيد ولا ينقص، وهو إنسانٌ بجوهر الناسوت القابلِ للزيادة والنقصان. تعليق جانبي/ مذهب النسطورية
وقالوا: إنَّ مريم وَلدت المسيح بناسوته، وإنَّ اللاهوت لم يفارقْه قطُّ منذُ توحَّدت بناسوته.
[78]قلتُ([79]): ومما يُوضِّح تناقضَهم أنَّهم يقولون: إنَّ المسيحَ -وهو اللاهوت والنَّاسوت- شخصٌ واحدٌ، وأقنومٌ واحدٌ، مع قولهم: إنَّهما جوهران بطبيعتين ومشيئتين، فيُثْبِتُونَ للجوهرين أقنومًا واحدًا؛ ويقولون: هو شخصٌ واحدٌ، ثُمَّ يقولون: إنَّ ربَّ العالمين إلهٌ واحدٌ، وجوهرٌ واحدٌ، وهو ثلاثةُ أقانيم، فيُثْبِتُونَ للجوهرِ الواحد ثلاثةَ أقانيم، وللجوهرين المتَّحدَين أقنومًا واحدًا، مع أنَّ مشيئةَ الأقانيمِ الثلاثة عندهم واحدةٌ، والنَّاسوت واللاهوت يُثبِتُونَ لهما مشيئتين وطبيعتين، ومع هذا هما عندهم شخصٌ واحدٌ، أقنومٌ واحدٌ، وهذا يقتضـي غاية التناقض سواءً فسَّـروا الأقنومَ بالصفةِ، أو الشخصِ، أو الذاتِ مع الصفةِ، أو أيِّ شيءٍ قالوه. تعليق جانبي/ تناقض النصارى في طبيعة المسيح () القائل هنا: ابن تيمية رحمه الله.
وهو يُبيِّن أنَّ الذين تكلَّمُوا بهذا الكلامِ ما تصوَّروا ما قالوه، بل كانوا ضُلَّالا جُهَّالًا، بخلاف ما يقوله الأنبياء فإنَّه حقٌّ، فلهذا لا يوجد عن المسيح ولا غيـرِه من الأنبياء ما يوافقُ قولَهم في التثليث والأقانيم والاتِّحاد ونحو ذلك مما ابتدَعُوه بغير سمع وعقل، بل ألَّفوا أقوالًا مخالفةً للشَّرْع والعقل.
قلتُ([80]): والحسن بن أيوب من أجِلَّاء علماء النَّصَارى وأخبر النَّاس بأقوالهم، فنقْلُه لقولهم أصحُّ من نقل غيره، وقد ذَكَر في كتابه من الرد على ما يحتجُّون به من الحجج العقلية والسمعية، وما يُبطل قولهم من الحجج السمعية والعقلية ما يُبَيِّنُ ذلك. () القائل هنا: ابن تيمية رحمه الله.
[81]ونحن نذكر مع ذلك كلامَ مَن نَقَل مذاهبَهم من أئمتهم المنتصـرين لدين النصـرانية، مثل ابن البطريق([82])، بترك الإسكندرية، فإنَّه صنَّف كتابه الذي سماه: «نظم الجوهر»، وذكر فيه أخبارَ النَّصَارى ومجامعَهم واختلافَهم، وسببَ إحداثهم ما أحدثوه، مع انتصاره لقول الـمَلَكِيَّة، والرد على من خالفهم. تعليق جانبي/ كلام ابن البطريق في آرائهم في طبيعة المسيح () ثُمَّ نقل ابن تيمية رحمه الله بعد نقله رسالة الحسن بن أيوب؛ قطعة من تاريخ سعيد بن البطريق، حيث أتى نقله عنها فيما يُقارب مئة وتسعين صفحة (3/106-294)، وسبب نقله هذا يأتي في سياق الفكرة الثانية التي أشرنا إليها سابقًا: من ذكر اختلاف النَّقلة لمذهب النَّصارى، فبعد أن نقل رسالة الحسن بن أيوب، أتبعها بنقل ما ذكره ابن البطريق في تاريخه من مذهب النَّصارى وحججهم، وتاريخهم الدِّيني، وصراعاتهم التي أفرزت عقائدهم في مجامعهم المسكونية، وهو -كما ذكر ابن تيمية رحمه الله- من أئمة النَّصرانية المنتصـرين لدينهم، وهو ملكي، ولذا نجده في تاريخه يردُّ على مقالات طوائف النَّصارى الأخرى كالنسطورية ويُعَقِّب ابن تيمية رحمه الله على كلامه، ويردُّ عليه ردودًا مطولة، وكان من غرض نقله عنه أيضًا: أنَّه يمكن لقارئ هذا التاريخ أن يعلم أنَّ عامة دين النَّصَارى ليس مأخوذًا عن المسيح عليه السلام، وهذه إحدى الأفكار الرئيسية التي أكَّدها ابن تيمية رحمه الله في هذا الكتاب كثيرًا، والتي تعني فساد دين النَّصـرانية، وأنَّ شريعة إيمانهم ما هي إلا بدعة من بدع طوائفهم، وأنَّ ما هم عليه من الدِّين ليس هو دين الله تعالى المرضي. وبعض الحجج التي ذكرها ابن البطريق على صحة دين النَّصَارى مضَمَّنة في رسالة بولس الأنطاكي، وهي الرسالة التي من أجلها كتب ابن تيمية رحمه الله كتابه هذا -الجواب الصحيح- للرَدِّ عليها. == وإثبات نقل ابن البطريق في هذا المختصـر تطويلٌ وتكرار، لذلك أثبتنا ما له صلة بمسألة: [طبيعة المسيح]، ورأينا الاستغناء عن باقي النقل، ويمكن مراجعته كاملًا في الكتاب الأصل.
قال سعيد بن البطريق بطريرك الإسكندرية في تاريخه المعروف عند النَّصَارى الذي سماه «نظم الجوهر»، وذكر فيه مَبْدأ الخلق وتواريخَ الأنبياء والملوك والأمم، وأخبارَ ملوك الروم وأصحاب الكراسي بروميَّة وقسطنطينية وغيرهما، ووصَفَ دينَ النصـرانية وفِرَقَ أهلِها، وهو مَلَكيٌّ، ردَّ على سائر طوائف النَّصَارى لما ذكر مولد المسيح -صلوات الله عليه- وأنَّه وُلد في عهد ملك الروم قيصـر المسمَّى: «أغسطس» لاثنتين وأربعين سنة من مُلكه.
قال: ومَلَكَ [قسطنطين] في إحدى وأربعين سنة من سنة ملك [سابور بن هرمز] ملك الفرس.
قال: وتنصَّر «قسطنطين» في مدينةٍ يقال لها: «نيقوميديا»، وذلك في اثنتي عشـرة سنة من ملكه، وأمر ببنيان الكنائس في كل بلد، وأن يُخرَج من بيت المال الخراجُ مما يُعمل به أبنيةُ الكنائس.
قال: وفي خمس سنين من ملكه صُيِّر «الأكصندروس» بَطركًا على الإسكندرية، وهو تلميذ بَطركها «بطرس» الذي قُتل، وهو رفيقُ «أشلا»، أقام ستَّ عشـرةَ سنة، وفي خمس عشرة سنة من رياسته، كان الـمَجْمَعُ بمدينة «نيقية» الذي رُتِّبتْ فيه «الأمانةُ» الأرثذكسية.
فمنع «الأكصندروس» بترك الإسكندرية «أريوس» من دخول الكنيسة، ولعَنَهُ، وقال: إن «أريوس» ملعون؛ لأن «بطرس البترك» -قبل أن يستشهد- قال لنا: إنَّ الله لعن «أريوس»، فلا تَقبلوه ولا تُدخِلوه الكنيسة.
وكان على مدينة «أسيوط» -مِن عمل مصـر- أسقفٌ يرى رأي «أريوس» فلعنه أيضًا.
وكان بالإسكندرية هيكلٌ عظيمٌ كانت «كلاوبطرة الملكة» بَنَتْه على اسم زُحَل، وكان فيه صنمٌ -من نحاس- عظيمٌ، يسمَّى: «ميكائيل»، وكان أهل الإسكندرية ومصـر في اثني عشـر يومًا من شهر «هتور» وهو «تشـرين الثاني» يُعَيِّدون لذلك الصنم عيدًا عظيمًا، ويذبحون الذبائح الكثيرة.
فلما صار هذا بَطركًا على الإسكندرية وظهرت النصـرانية؛ أراد أن يَكسـر الصنم ويُبْطِل الذبائح.
فامتنع عليه أهل الإسكندرية، فاحتال لهم بأن قال: إن هذا صنمٌ لا منفعة فيه ولا مضرَّة، فلو صيَّرتم العيد لميكائيل الملاك، وجعلتم هذه الذبائحَ له كان أنفعَ لكم عند الله، وكان خيرًا لكم من هذا الصنم، فأجابوه إلى ذلك، فكسـر الصنم، وأَصلح منه صليبًا، وسمَّى الهيكل «كنيسة ميكائيل» وهي الكنيسة التي تسمى «قيسارية» احترقت بالنار وقتَ موافاة الجيوش من المغاربة القرامطة مع المسمَّى: «أبو عبيد الله»، وكان معه أميرٌ من أصحابه يسمَّى «حباسة» وذلك في خلافة «المعتضد بالله»، وكان عامله على مصـر يومئذٍ مولاه المعروف «بتكين الحاجب» رجلٌ تركيٌّ، فنفَر إلى المغاربة وجاءه مددٌ من الشرق مع الخادم الملقب بـ «مونس» الأستاذ، فهرب منه أبو عبيد الله وحباسة وجنودهما.
وصُيِّر العيدُ لميكائيل الملك والذبائحُ، وإلى اليوم القبطُ بمصـر والإسكندرية يُعَيِّدون في هذا اليوم عيدَ ميكائيل الملاك، ويَذبحون فيه الذبائح الكثيرة، وكذلك المَلَكِيَّة يُعيِّدون في هذا اليوم عيد ميكائيل الملاك، وصار رسمًا إلى اليوم.
قال: فلما مَنع بتركُ الإسكندرية «أريوس» من دخول الكنيسة ولعَنَه، خرج «أريوس» مستعْدِيًا عليه ومعه أسقفان، فاستغاثوا إلى «قسطنطين» الملك.
[83]وقال «أريوس»: إنه تعدَّى علي وأخرجني من الكنيسة ظلمًا. تعليق جانبي/ مذهب الآريوسية
وسأل الملك أن يُشْخِصَ «الأكصندروس» بَطْرَك الإسكندرية ليناظره قُدَّام الملك، فوجَّه «قسطنطين» برسول إلى الإسكندرية فأشخص البَطرك، وجَمَع بينه وبين «أريوس» ليناظره، فقال [قسطنطين] [لأريوس]: اشرح مقالتك.
قال «أريوس»: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن، ثم إنه أحدثَ الابنَ، فكان كلمةً له؛ إلا أنه محدَثٌ مخلوقٌ، ثم فوَّض الأمرَ إلى ذلك الابن المسمَّى كلمة، فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال في إنجيله، إذ يقول: «وَهَبَ لي سلطانًا على السماء والأرض» فكان هو الخالق لهما بما أُعطي من ذلك، ثم إنَّ الكلمة تجسَّدت من مريم العذراء ومن روح القدس فصار ذلك مسيحًا واحدًا.
فالمسيح الآن معنيان: كلمةٌ وجسدٌ، إلا أنهما جميعًا مخلوقان.
قال: فأجابه عند ذلك بَطْرَك الإسكندرية، وقال: تُخبرنا الآن أيُّما أوجبُ علينا عندك، عبادةُ من خَلَقنا أو عبادة من لم يَخلقنا؟
قال «أريوس»: بل عبادة من خَلَقنا.
قال له البطرك: فإن كان خالقُنا الابنُ كما وصفتَ، وكان الابن مخلوقًا، فعبادة الابن المخلوق أوجبُ من عبادة الأب الذي ليس بخالق، بل تصير عبادةُ الأب - الخالقِ الابنَ- كفرًا، وعبادةُ الابن المخلوق إيمانًا، وذلك من أقبح الأقاويل.
فاستحسن الملك وكلُّ من حضـر مقالةَ البَطرك، وشَنُع عندهم مقالةُ «أريوس»، ودار بينهما أيضًا مسائلُ كثيرة.
فأمر «قسطنطين» البَطرك «الأكصندروس» أن يلعن «أريوس» وكلَّ من قال بمقالته.
فقال له: بل يوجِّه الملك يُشْخِص البطاركة والأساقفة حتى يكون لنا مَجْمَع، ونضع فيه قضية، ونلعن «أريوس» ونشرح الدِّين ونوضِّحه للناس.
[84]فبعث «قسطنطين الملكُ» إلى جميع البلدان فجمع البطاركة والأساقفة فاجتمع -في مدينة «نيقية» بعد سنة وشهرين- ألفان وثمانيةٌ وأربعون أسقفًا، وكانوا مختلفي الآراء مختلفي الأديان. تعليق جانبي/ مجمع نيقية
فمنهم من يقول: المسيح ومريم إلهان من دون الله، وهم «المَرْيَمانيَّة»، ويسمون «المريميِّين».
ومنهم من كان يقول: إنَّ المسيح من الأب بمنزلة شُعلةِ نار تعلَّقت من شُعلة نار، فلم تَنقُص الأُوْلَى لإيقاد الثانية منها، وهي مقالة «سابليوس» وأشياعه.
ومنهم من كان يقول: لم تَحبلْ مريم لتسعة أشهر، وإنما مرَّ نور في بطن مريم كما يمرُّ الماء في الميزاب؛ لأن كلمة الله دخلتْ من أُذنها وخرجتْ من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة «أليان» وأشياعه.
ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسانٌ خُلِق من اللاهوت كواحدٍ منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطُفي؛ ليكون مُخَلِّصا للجوهر الإنسـيِّ، صَحِبتْه النعمةُ الإلهيةُ فحلَّت فيه بالمحبة والمشيئة، فلذلك سمي «ابن الله» ويقولون: إن الله جوهرٌ واحدٌ وأقنومٌ واحدٌ، يسمُّونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس، وهي مقالة «بولص الشِّمْشاطي» -بَطْرَك أنطاكية- وأشياعُه، وهم «البوليانيون».
ومنهم من كان يقول بثلاثة آلهة لم تَزَل، صالح وطالح وعدل بينهما، وهي مقالة «مَرْقِيُون» وأشياعه. وزعموا أن «مَرْقِيُون» رئيس الحواريين.
ومنهم من كان يقول: ربُّنا هو المسيح، وهي مقالة «بولس» الرسول، ومقالة الثلاثمئة وثمانية عشر أسقفًا.
قال: فلما سمع «قسطنطين» الملك مقالاتهم، عجب من ذلك وأخلى لهم دارًا، وتقدَّم لهم بالإكرام والضيافة، وأمرَهم أن يتناظروا فيما بينهم؛ ليَنْظُر من معه الحقّ فيتَّبعه.
فاتفق منهم ثلاثمئة وثمانية عشر أسقفًا على دين واحد ورأي واحد، فناظروا بقية الأساقفة المختلفين فأفلجوا عليهم حججهم وأظهروا الدين المستقيم، وكان أيضًا باقي الأساقفة مختلفي الأديان والآراء.
وصَنع الملكُ للثلاثمئة والثمانية عشـر أسقفًا مجلسًا خاصًّا عظيمًا، وجلس في وسطه، وأخذ خاتمه وسيفَه وقضيبَه فدفعها إليهم، وقال لهم: قد سلَّطتُكم اليوم على المملكة، لتصنعوا ما بدا لكم، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين وصلاح المؤمنين.
فباركوا على الملك وقلَّدوه سيفه، وقالوا له: أَظهِر دين النصرانية وذُبَّ عنه.
ووضعوا له أربعين كتابًا، فيها السنن والشرائع، وفيها ما يصلح أن يعمل به الأساقفة وما يصلح للملك أن يعمل بما فيها.
وكان رئيس الـمَجْمع والمقدَّم فيه «الأكصندروس» بطريرك الإسكندرية، وبَطرك الإنطاكية، وأسقف بيت المقدس.
ووجَّه بَطْرَك رومية مِن عنده رجلين، فاتَّفقوا على نفي «أريوس» وأصحابِه ولعنوهم وكلَّ من قال مقالتَه، ووَضعوا تلك الأمانة، وثبَّتوا أن الابن مولود من الأب قبل كل الخلائق، وأن الابن من طبيعة الأب غير مخلوق.
واتفقوا على أن يكون فصح النَّصَارى في يوم الأحد الذي يكون بعد فصح اليهود، وأن لا يكون فصح اليهود مع فصح النَّصَارى في يومٍ واحدٍ، وثبَّتوا ما وضعه مَن تقدَّم ذكرُه مِن حساب الصوم والفِصْح، وأن يكون فِطر النَّصَارى يوم فصحهم، يوم الأحد الذي يكون بعد فصح اليهود؛ لأن النَّصَارى -كما قلنا من قبل- كانوا إذا عيَّدوا عيد الحميم -وهو عيد الغِطَّاس- صاموا من الغد أربعين يومًا ويفطرون، فإذا كان عيد اليهود عيَّدوا معهم الفِصْح، فصيَّروا يوم الفِصْح للفطر.
ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة، وذلك أن الأساقفة منذ وقتِ الحواريين إلى مَجْمع الثلاثمئة وثمانية عشـر كان لهم نساء؛ لأنه كان إذا صُيِّر واحد أسقفًا وكانت له زوجة، تبيت معه ولم تتنح عنه، ما خلا البطاركة، فإنه لم يكن لهم نساء، ولا كانوا أيضًا يُصيِّرون أحدًا بَطركًا له زوجة.
قال: وانصـرفوا مكَرَّمين محظوظين، وذلك في سبع عشـرة سنة من مُلك «قسطنطين».
قال: وسَنَّ «قسطنطين» الملكُ ثلاثَ سنن:
إحداها: كسر الأصنام، وقتلُ كلِّ من يعبدها.
والثانية: أن لا يُثْبَتَ في الديوان إلا أولاد النَّصَارى، ويكونون أمراء وقوَّادًا.
والثالثة: أن يُقيم الناسُ جمعةَ الفِصْح والجمعة التي بعدها لا يعملون فيها عملًا، ولا يكون فيها حرب.
قال: وتقدم «قسطنطين» إلى أسقف بيت المقدس أن يَطلُب موضعَ المقبرة والصليب، ويَبني الكنائسَ، ويبدأ ببناء القيامة المقدسة.
[85]فقالت «هيلانة» أم «قسطنطين الملك»: إني نذرتُ أن أَصير إلى بيت المقدس فأطلبَ المواضع المقدَّسة فأبنيَها، فدفع الملكُ إليها أموالًا كثيرةً جزيلةً. تعليق جانبي/ بناء كنيسة القيامة
وسارتْ إلى بيت المقدس مع أسقف بيت المقدس، فلما وصلتْ لَـمْ يكن لها حرصٌ ولا همة إلا طلب الصليب.
فجمعت اليهود والسكان في بيت المقدس، واختارتْ منهم عشـرة، ومن العشـرة ثلاثةً، وكان واحدٌ منهم يقال له: «يهوذا» فسألتْهم أن يَدلُّوها على موضع الصليب فامتنعوا، وقالوا: ليس عندنا علمٌ منه ولا خبرةٌ بالموضع.
فأمرتْ بهم فطرحتْهم في جبٍّ ليس فيه ماء، فأقاموا سبعة أيام لم يُطعَموا ولم يُسقَوا، فقال أحدُهم -الذي اسمه «يهوذا»- لصاحبَيْه: إن أباه عرَّفه بالموضع الذي تطلب هذه المرأة، وإنَّ جدَّه عرَّف أباه.
فصاح الاثنان من الجبِّ: أخرِجونا حتى نُعلِم الملِكة بحال هذا الرجل.
فأخرَجوهم، فأخبروا الملِكة بما قال لهما «يهوذا» فأمرتْ بضـربه بالسِّيَاط فأقرَّ أنَّه يعرف الموضع، فخرج حتى جاء إلى الموضع الذي فيه المقبرة والإقرانيون -وكانت مزبلة عظيمة هناك- فصلَّى، وقال: اللهم إن كان في هذا الموضع المقبرةُ فأسألك أن تزلزل المكان وتُخرِجَ منه دخانًا حتى أؤمن، فزُلزِل الموضعُ وخرَج منه دخانٌ كما سأل، فآمن.
فأمرتْ «هيلانة» بِكَنْس الموضع من التراب، فظهرت المقبرةُ والإقرانيون، ووُجِدَ ثلاثة صلبان، قالت «هيلانة» كيف لنا أن نَعلم بصليب السيد المسيح؟ وكان بالقُرْب منهم عليلٌ شديد العلة قد يُئِس منه، فوُضِع الصليبُ الأول عليه والثاني، والثالثُ فقام المريض وليس به شيءٌ يكره.
فعلمتْ «هيلانة» أنَّه الصليب الذي لسيدنا المسيح، فجعلتْه في غلاف مِن ذهب، وحملتْه معها، وجمَّلْته بما تقدر عليه، وأظهرتْ كلَّ ما كان مدفونًا من آثارِ سيدنا المسيح، وحملَتْه إلى ابنها «قسطنطين»، وبَنَتْ «كنيسةَ القيامة» في موضع الصليب والإقرانيون، وكنيسةَ «قسطنطين»، وانصـرفتْ وأمرتْ أسقف بيت المقدس أن يبني باقي الكنائس، وذلك في اثنتين وعشـرين سنة من ملك «قسطنطين».
قال: فمن ميلاد سيدنا المسيح إلى أن وُجِد الصليب ثلاثمئة وثمانية وعشـرون سنة.
قال سعيد: وكان لـ «قُسطنطين» ثلاثة أولاد؛ أكبرهم «قُسطنطين بن قُسْطنطين»، وذلك حين مَلَك «أزدشير بن سابور بن هُرْمز» على الفرس، ومَلَك بعده «سابور ابن سابور» لخمس سنين من مُلك «قسطنطين».
قال: وفي ذلك العصـر اجتمع أصحاب «أريوس» وكلُّ من قال بمقالته إلى الملك «قسطنطين»، فحسَّنوا له دينَهم ومقالتهم، وقالوا: إنَّ الثلاثمئة وثمانية عشـر أسقفًا الذين كانوا اجتمعوا بنيقية قد أخطأوا وحادُوا عن الحق في قولهم: إنَّ الابن متَّفِقٌ مع الأب في الجوهر، فتأمر أن لا يقال هذا، فإنَّه خطأٌ، فأراد الملك أن يفعل ذلك.
فكتب أسقف بيت المقدس إلى «قسطنطين بن قسطنطين» أن لا يَقبل قول أصحاب «أريوس»، فإنَّهم حائدون عن الحق كفار، قد لعنهم الثلاثمئة وثمانية عشـر أسقفًا، ولعَنوا كلَّ من يقول بمقالتهم، فَقَبِل قوله.
ومات الملك «قسطنطين بن قسطنطين» وله في الملك أربع وعشرون سنة.
قال سعيد: وفي زمنه كانت قصةُ بترك قسطنطينية «يوحنَّا» الملقب بـ«فم الذهب».
وتولى بعده ابنه «ثذوس الصغير» اثنتين وأربعين سنة، لإحدى عشـرة سنة من ملك «يزدجرد بن بهرام».
[86]وفي زمنه جُعِل «نسطورس» -الذي تُنسب إليه مقالة النسطورية- بَطركًا على قسطنطينية. تعليق جانبي/ مذهب النسطورية
قال: وكان «نسطورس» يقول: إنَّ مريم العذراء ليست بوالدةٍ إلهًا على الحقيقة، ولذلك كان ابنان:
أحدهما: الذي هو إلهٌ مولودٌ من الأب.
والآخر: الذي هو إنسانٌ مولودٌ من مريم، وأنَّ هذا الإنسانَ -الذي يقول: إنَّه مسيحٌ بالمحبة- متوحِّدٌ مع ابن إله، ويقال له: إلهٌ وابنُ الإله، ليس بالحقيقة ولكن موهبةً واتفاقَ الاسمين والكرامة، شبيهًا بأحد الأنبياء.
فبلغ قولُه بَطْرَك الإسكندرية فأنكر ذلك، وكتب إليه يُقَبِّح عليه فعلَه ومقالتَه، ويعرِّفه فسادَ ما هو عليه، ويسألُه الرجوعَ إلى الحق، فَجَرَتْ بينهما رسائلُ كثيرة، ولَـمْ يرجع «نسطورس» عن مقالته.
فكتب إلى بَطْرَك أنطاكية يسأله أن يكتب إلى «نسطورس»، ويعرِّفَه قُبْحَ فعلِه ورأيِه وفسادَ مقالته ويسألَه الرجوعَ إلى الحق.
فكتب إلى «نسطورس» إن هو لَـمْ يرجع اجتَمَعوا ولَعنوه، وجَرتْ بينهما رسائلُ كثيرة فلم يرجع.
فكتبوا إلى بَطْرَك رومية وأنطاكية وبطرك بيت المقدس أن يجتمعوا في مدينة «أفسس» لينظروا في مقالة «نسطورس».
فاجتمع بالمدينة مائتا أسقف مُقدَّمهم بَطْرَك الإسكندرية، وتأخَّر بَطْرَك أنطاكية فلم ينتظروه، وبعثوا إلى «نسطورس» فلم يحضر معهم، فنظروا في مقالته وأَوجبوا عليه اللعن، فلعنوه ونَفَوْه، وثبَّتوا أنَّ مريم العذراء والدة إلهٍ، وأن المسيح إلهٌ حقٌّ وإنسان معروف بطبيعتين متوحِّدٌ في الأقنوم.
وهذا هو خلاف المحبة؛ لأن «نسطورس» كان يقول: إن التَّحيُّد -أي: الاتحاد-: اتفاق الوجهين، وأما التَّحيُّد -أي: الاتحاد المستقيم-: فإنَّما هو أن يكون أقنومًا واحدًا من طبيعتين.
فلما لعنوا «نسطورس»؛ قَدِم «يوحنَّا» بَطْرَك أنطاكية، فلما وجدهم قد لعنوه قبل حضوره غَضِبَ؛ وقال: ظلمتم «نسطورس» ولعنتموه باطلًا، وتعصَّبَ مع «نسطورس»، فجَمَع الأساقفة الذين قدِموا معه، فقَطَع بَطْرَك إسكندرية وقَطَع أسقف «أفسس».
فلما رأى أصحاب بَطْرَك إسكندرية قُبح فعالِه وقع بينهم شرٌّ عظيم، وخرجوا من «أفسس»، وصار أصحابُ بَطْرَك إسكندرية والمشـرقيون حِزْبَين، فلم يزل «ثذوس الملك» حتى أَصْلَح بينهم.
وكتب المشرقيون صحيفة وثبَّتوا فيها الأمانة الصحيحة، وقالوا فيها: إنَّ مريم العذراء القِدِّيسة ولدتْ إلهًا؛ ربّنا يسوع المسيح، الذي هو مع أبيه في الطبيعة، ومع النَّاس في الناسوت، وأقرُّوا بطبيعتين ووجْهٍ واحد وأقنوم واحد، ولعَنوا «نسطورس» ووجَّهوا بالصحيفة إلى بَطْرَك إسكندرية، فَقَبِل الصحيفةَ، وأجابهم عنها بموافقتهم على ذلك.
وقال قوم: لما قَبِلَ صحيفة المشرقيين بَدا لَه، ولم يقبل طبيعتين ووجهًا واحدًا.
قال سعيد بن البطريق: وهم في ذلك كاذبون؛ لأن كُتُبَه تنطق بذلك.
ثم أرسل نسخةَ صحيفةِ المشـرقيِّين إلى جماعةٍ من الأساقفة يُعْلِمهم أن المشـرقيين رجعوا إلى الإيمان، وأنهم غيرُ موافقين لنسطورس؛ بل على مقالة الـمَجْمَع الثاني المئة والخمسين أسقفًا الذين اجتمعوا بمدينة «قسطنطين»، ولَعَنوا «مقدونيوس».
قال: فمن المجمع الثاني إلى هذا المجمع المائتين أسقفًا المجتمعين بأفسس على «نسطورس» إحدى وخمسون سنة.
قال: ولما نُفِي «نسطورس» صار إلى مصـر فأقام بِضَيْعةٍ في صعيد مصـر يُقَال لها: «إخميم»، ومات ودفن بها.
وكانت مقالته قد اندَرَسَتْ، فأحياها -مِن بعده بزمان طويل- مطْرانُ نِصِّيبين في عصـر «يوستينيانوس» ملك الروم، و«قباذ بن فيروز» ملك الفرس، فبثَّها بالمشـرق، فلذلك كثُر النسطورية بالمشـرق، وخاصةً أرض فارس بالعراق والموصل والفرات والجزيرة.
[87]قال سعيد بن البطريق: [رأيتُ أن أردَّ على النسطورية في هذا الموضع وأبيِّن بطلان قولهم وفساده؛ لأن النسطورية في عصـرنا هذا خالفوا قول «نسطور» القديم، وزعموا أن «نسطور» كان يقول: إن المسيح جوهران وأقنومان، إله تام بأقنومه وجوهره، وإنسان تام بأقنومه وجوهره. تعليق جانبي/ رد ابن البطريق على النسطورية
وإن مريم وَلدت المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته؛ لأن الأب عندهم وَالِدٌ إلها ولم يلدْ إنسانًا، ومريم ولدتْ إنسانًا ولم تَلِد إلهًا.
فيقال لهم: إن كان الأمر على ما تقولون، فالمسيح مسيحان وابنان، فمسيحٌ إلهٌ وابنُ إلهٍ، ومسيحٌ إنسانٌ وابنُ إنسان؛ لأنه لا بُدَّ لمريم من أن تكون ولدت المسيح أو لم تَلده.
فإن كانت ولدتْه؛ فلا بُدَّ أن يكون وِلادًا روحانيًّا أو جسمانيًّا.
فإن كان جسمانيًّا؛ فهو غير الذي وَلده الأب، وذلك يوجب أن يكون مسيحيْن.
وإن كان روحانيًّا؛ فالمسيح ابنٌ واحد، أقنومٌ واحد، مسيحٌ واحد.
والدليل على ذلك: صفيحة الحديد التي تتَّحد بها النار؛ فإنها سيفٌ واحدٌ تُحرِق وتَمنع وتَقطع وتُضيء، لا يجوز أن يكون من الجهة الحديدية هي المحرقة المضيئة من غير جهة النار؛ إذ كان ما لم يكن فيه نارٌ من الحديد غيرَ مُحْرِق، ولا الجهة النارية هي القاطعةُ المانعة؛ إذ كان شأن النار الإضاءةَ والإحراقَ لا القطع، فقد ثبت بهذا وصحَّ ما تعتقده المَلَكِيَّة من أن المسيح أقنومٌ واحد، وبانَ زَيْفُ قول النسطورية: إن المسيح أقنومان([88]). () إلى هنا انتهى النقل عن ابن البطريق.
[89]قلت([90]): يقال لهذا: إن قول النُّسطورية والمَلَكِيَّة، وإن كانا باطلَيْن فقولُ الـمَلَكِيَّة أشدُّ بطلانًا وأعظمُ كفرًا وتناقضًا، وما ذكره هذا باطل. تعليق جانبي/ مناقشة ابن تيمية لرد ابن البطريق () القائل هنا؛ هو: ابن تيمية رحمه الله.
أما قوله: [لو كان الأمرُ على ما تقولون، فالمسيح مسيحان].
فيقال له: هذا إنما يلزم أن لو كان اللاهوت بمجرَّده يسمى مسيحًا، فإنَّ النسطورية وافقوهم على باطل، وهو أن الرب وَلَد إلهًا، وهذا باطل، ولم يقل أحدٌ قطُّ من الأنبياء لا في الإنجيل ولا غيره: إن صفة الله القائمة به مولودة، ولا أن الربَّ له مولود قديم أزليٌّ، لكن إذا قُدِّر أن الأمر كذلك، فصفة الله لم يسمِّها أحدٌ مسيحًا.
فإذا قُدِّر أن اللاهوت والناسوت جوهران أقنومان لا اتَّحاد بينهما، لَـمْ يلزم أن يكون اللاهوت مسيحًا، ولا هناك مسيحٌ هو إله، ولا مسيحٌ هو ابن إله.
وقد تقدم عن «نسطور» أنه كان يقول: إن هذا الإنسان -الذي نقول: إنَّه مسيح- متوحِّدٌ بالمحبة مع ابن إله، ويقال له إله وابن إله، ليس بالحقيقة، ولكنْ موهبة.
فقد صَرَّح بأنَّ المسيح هو الإنسان فقط دون اللاهوت، وأن المسيح ليس بإله ولا ابن إله في الحقيقة؛ فبطل ما ألزمه إياه، من أنه يلزم أن يكون هنا مسيحان.
وأما قوله: [لا بُدَّ لمريم من أن تكون ولدت المسيح أو لم تلده].
فيقال: بل وَلدت المسيح، وهو الإنسان وهو غيرُ اللاهوت الذي تزعمون أنَّ الأب وَلده، وليس في ذلك مسيحان، بل مسيح واحدٌ إنسان مخلوق.
وأيضًا فقوله: [فإن كانت وَلَدتْه فلا بُدَّ أن يكون وِلادًا روحانيًّا أو جسمانيًا. فإن كان روحانيًّا، فالمسيح ابن واحد، أقنوم واحد، مسيح واحد]؛ تقسيم باطلٌ وحجةٌ فاسدة داحضة.
فإنَّ مريم لم تَلِد وِلادةً روحانية، بل خرج الولد من فرجها كما تخرج أولاد النساء من فروجهن، سواء كانت عُذْرَتُها باقيةً أو لم تكن.
وأما ما ذكره من التمثيل بصفيحة الحديد؛ فلو قُدِّر أنه مَثَلٌ مطابقٌ؛ لم يدُلّ على صحة قولهم، بل غايته أنه يدلُّ على إمكانه.
فأين الدليل على أنَّ هذا هو الواقع؟، فليس فيه ما يدل على صحة قول المَلَكِيَّة وفساد قول خصومهم، فكيف وهو تمثيلٌ غيرُ مطابِق؟
فإنَّ الحديد إذا اتَّحدتْ به النار كان الحديدُ قد استحال عن صفته، فلم يَبْقَ حديدًا محضًا، وليست نارًا محضةً، والخشبُ وغيرُه إذا أُحْرِق وصار نارًا، فليس هو خشبًا محضًا وليس هو نارًا محضةً بسيطةً.
فمن شأن الشيئين إذا اتَّحدا، أن يستحيل كلٌّ منهما إلى جوهر ثالث وطبيعة ثالثة ليست لا هذا ولا هذا، كالماء واللبن إذا اتَّحدا فإن ذلك يَصِيرُ جوهرًا ثالثًا وطبيعةً ثالثةً، لا لبنًا محضًا ولا ماءً محضًا، وكذلك النار مع الحديد أو الخشب أو غير ذلك، فإنَّ ذلك يصير جوهرًا ثالثًا ليس حديدًا محضًا وخشبًا محضًا ولا نارًا محضةً، لكن الحديد إذا برَد فهو حديد، لكنه تغيَّرتْ حقيقتُه، فالنار تُليِّنه وتُذهِب خبثَه، ولا يبقى بعد اتحاده بالنار كما كان قبلُ، والخشب يصير فحمًا وهو جوهر ثالث، إذ كان من طبع النار أنها تؤثِّر في كلِّ جسد بحسبه، فتؤثِّر في الحديد بحسبه، وفي الخشب بحسبه.
وكل شيئين اتَّحدا فإنهما يصيران جوهرًا ثالثًا، وأقنومًا ثالثًا، وطبيعةً ثالثة.
فإن كان اللاهوت والناسوت قد اتَّحدا -كما زعموا- فقد استحالتْ صفة اللاهوت، واستحالت صفة الناسوت، فلم يَبق اللاهوت لاهوتًا ولا الناسوت ناسوتًا، بل صارا جوهرًا ثالثًا لا لاهوتًا ولا ناسوتًا، وهم يُنكرون هذا القول، وهو باطل.
فإنَّ ربَّ العالمين لا يتبدَّل وتستحيلُ صفاته بصفات المحدَثات، ولا يَنقلِب القديم ولا شيء من صفاته محدثًا، ولا يستحيلُ القديمُ الربُّ الخالقُ والمخلوقُ المحدَثُ إلى شيء ثالث.
بل صفات الرب لا تتبدَّل ولا تنقلب ولا تستحيل، فضلًا عن أن تستحيل إلى أمر ثالث.
ثُمَّ هذا الثالث، إن كان قديمًا خالقًا، صار هنا خالقان قديمان.
وإن كان مخلوقًا محدثًا، كان الخالق قد صار مخلوقًا محدثًا، ومعلومٌ أن استحالة الخالقِ إلى خالقٍ آخر أو إلى مخلوقٍ، ممتنعٌ ظاهرُ الامتناع.
ومما يوضِّح هذا، أن ما مثَّلوا به من الحديدة الـمُحَمَّاة بالنار، هي جوهرٌ ثالثٌ يجري على نارها ما يجري على حديدها، فإذا طُرِقتْ، فالتَّطريقُ واقعٌ على نارها كما هو واقعٌ على حديدها، وكذلك إذا قُدَّت، وكذلك إذا بُصِقَ عليها، وكذلك إذا أُلقيتْ في الماء.
فإن كان هذا التمثيلُ مطابقًا؛ لزِم أن يكون ما حلَّ بالناسوت قد حلَّ باللاهوت، فيكون ربُّ العالمين هو الذي كان يأكل ويشرب ويبول ويتغوَّط، وهو الذي صُفِع عندهم، وبُصِق في وجهه، وجُعِل الشوكُ على رأسه، وضُرِب بالسياط، وصُلب ومات وتألَّم، كما يُحكى مثلُ هذا عن اليعقوبيَّة.
وهذا لازمٌ لكل من قال بالاتَّحاد، حتى النُّسطورية إن قالوا: إنهما متَّحدان بالمشيئة بمعنى أن مشيئة هذا عينُ مشيئة هذا، بخلاف ما إذا قالوا: إنَّ مشيئته موافِقةٌ لمشيئته، ليست إياها، ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ﴿٧٢﴾ لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٧٤﴾ مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٢-٧٥]؛ لأنَّ ذلك من أظهر الأدلة على أنهما مخلوقان مربوبان؛ إذ كان هو الخالقُ، أحدًا صمدًا لا يأكل ولا يشرب.
وذَكَر مريمَ مع المسيح؛ لأنَّ من النَّصَارى من اتخذها إلهًا آخرَ فعبَدَها كما عَبَدَ المسيح، والذين لا يقولون بهذا كثيرٌ منهم يَطلُبُ منها كلَّ ما يُطلَب من الله حتى يقول لها: اغفري لي وارحميني، وغيرَ ذلك، بناءً على أنها تشفع في ذلك إلى ابنها.
فتارة يقولون: يا والدةَ الإله، اشفعي لنا إلى الإله. وتارةً يسألونها الحوائج التي تُطلب من الله ولا يذكرون شفاعةً، وآخرون يَعبدونها كما يَعبدون المسيح.
[91][فعُلِمَ أنَّ قولَهم]: (وعلى هذا المثال نقول: في السيد المسيح طبيعتان: طبيعةٌ لاهوتية: التي هي طبيعةُ كلمةِ الله وروحه. وطبيعةٌ ناسوتيّةٌ: الذي أُخذ من مريم العذراء واتَّحد به)([92])، [ليس إلا] قولًا من أقوال النَّصَارى، وأنَّ لهم أقوالًا أُخَرَ تناقض هذا. وكل فريق منهم يُكفِّر الآخر؛ إذ كانوا ليسوا على مقالةٍ تلقَّوها عن المسيح والحواريين، بل هي مقالات ابتدعها مَن ابتدعها منهم، فضلُّوا بها وأضلُّوا، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. تعليق جانبي/ اختلاف النصارى في طبيعة المسيح () تقدَّم نقله. انظر: (ص442).
فذكر سبحانه أنَّهم ضَلُّوا من قبل مبعث محمَّدٍ ﷺ، والنَّصَارى أمة يلزمهم الضلال الذي أصله الجهل، ولا يوجد قط من هو نصـراني باطنًا وظاهرًا، إلا وهو ضال جاهل بمعبوده وبأصل دينه، لا يَعرف من يَعبد ولا بماذا يعبد، مع اجتهاد من يجتهد منهم في العبادة والزهد، ومكارم الأخلاق.
ثُمَّ يُقال على هؤلاء: قولهم: «طبيعتان»، ويقولون أيضًا: «له مشيئتان»، ويقولون أيضًا: «إنَّه شخص واحدٌ لَـمْ يَزِد عدده». فإنَّهم يقولون: «إنَّهما اتَّحدَا» كما ذكروه في كتابهم هذا، لا يقولون بشخصين؛ لئلا يلزمهم القول بأربعة أقانيم.
ومنهم من يقول: «هما جوهران».
ومنهم من يقول: «هو جوهر واحد».
فإن قالوا: «جوهر واحد»، صار قولهم من جنس قول اليعقوبية، لاسيما وهُمْ يقولون: إنَّ مريم ولدت اللاهوت والنَّاسوت، وإنَّ المسيحَ اسم يجمع اللاهوت والنَّاسوت، وهو إله تام، وإنسان تام.
فإذا كان جوهرًا واحدًا؛ لَزِمَ مِن ذلك أنْ يكون اللاهوت قد استحَال وتغيَّر، وكذلك النَّاسوت، فإنَّ الاثنين إذا صارا شيئًا واحدًا، فذلك الشـيء الثالث ليس هو إنسانًا محضًا، ولا إلهًا محضًا، بل اجتمعتْ فيه الإنسانية والإلهية، مع أنَّه قد كان الإنسان والإله اثنين متباينين، وهما في اصطلاحهم جوهران، فإذا صارَ الجوهران جوهرًا واحدًا لا جوهريْن، فقد لَزِمَ ضرورةً أن يكون هذا الثالث ليس هو إلهًا محضًا، ولا إنسانًا محضًا، ولا هو جوهران إنسانًا وإلهًا، فإنَّ هذين جوهران لا جوهر واحد، بل هو شيءٌ ثالثٌ اختلط وامتزج واستحال مِن هذا وهذا؛ فتبدَّلت حقيقة اللاهوت وحقيقة النَّاسوت حتى صار هذا الجوهر الثالث الذي ليس لاهوتًا محضًا، ولا ناسوتًا محضًا؛ كسائر ما يُعرف من الاتِّحاد.
فإنَّ كل اثنين اتَّحدا فصارا جوهرًا واحدًا؛ فلا بُدَّ في ذلك مِن الاستحالة، كما في اتحاد الماء واللَّبَن والخمر وسائر ما يَختلط بالماء، بخلاف الماء والزيت، فإنَّهما جوهران كما كانا، لكن الزيت لاصَقَ الماءَ وطَفَا عليه لَـمْ يتَّحِدْ به، ومثل اختلاط النَّار والحديد، فإنَّ الحديد استحال عما كان، ولهذا إذا بَرُد عاد إلى ما كان، وهكذا اتحاد الهواء مع الماء أوالتراب، حتى يصير بخارًا أو غبارًا وأمثال ذلك.
وفي الجملة: فجميع ما يَعرفه الناس من الاتِّحاد إذا صار الاثنان واحدًا وارتفعت الثَّنوية؛ فلا بُدَّ من استحالة الاثنين.
وإذا قيل: فيه طبيعةُ الاثنين ومشيئةُ الاثنين، كما في الماء واللَّبَن: قوة الماء وقوة اللبن.
قيل: لا بُدَّ -مع ذلك- أنْ تتغيَّر كلُّ قوة عمَّا كانتْ عليه فتَنكسِـر الأخرى، كما يُعرَف في سائر صور الاتِّحاد؛ إذا اتحد هذا مع هذا كَسَـر كلٌّ منهما قوة الآخر عمَّا كانت عليه، كما إذا اتحد الماء البارد بالماء الحار، انكسـرت قوة الحر وقوة البرد عمَّا كانت، فيبقى مرتبة متوسطة بين البرد المحض والحرِّ المحض. وكذلك الماء واللَّبَن وسائر صور الاتِّحاد.
وعلى هذا؛ فيجب إذا اتَّحد أنْ تتغيَّر قوة اللاهوت وطبيعته ومشيئته عمَّا كانت، وتَنكسر قوة النَّاسوت وطبيعته ومشيئته عما كانت عليه، ويبقى هذا المتَّحد ممتَزِجًا مِن لاهوت وناسوت، وذلك يستلزم نقص اللاهوت عمَّا كان، وبطلان كماله، كما أنَّه يُوْجِبُ مِن كمال النَّاسوت بما لَـمْ يكن.
فكلُّ ما يصفون به النَّاسوت من اتِّحادِ اللاهوت به؛ فهو مستلزِمٌ مِن نقْصِ اللاهوت وسَلْبِ كماله الذي يختصُّ به وبطلان صفاته التامة بحسب ما حصل له من ذلك النَّاسوت بحكم الاتِّحاد، وإلا فإنْ كان اللاهوت كما كان؛ فلا اتِّحادَ بوجهٍ من الوجوه، بل النَّاسوت كما كان، ثُمَّ هما اثنان لَـمْ يتَّحِدْ أحدهما بصاحبه، ولا صارا شيئًا واحدًا.
وأيضًا؛ فمع كون الجوهر واحدًا، يجب أن تكون مشيئة واحدة وطبيعة واحدة؛ فإنَّه لو كان مشيئتان، لكان محلُّ إحدى المشيئتين إنْ كان هو محلَّ الأخرى مع تضادِّ موجب المشيئتين؛ لَزِمَ اجتماع الضِّدَّين في محل واحد؛ فإنَّ الإرادة النَّاسوتية: تطْلُب الأكل والشـرب، وأن تَعبُدَ وتصوم وتصلي. واللاهوتية: توجب امتناعَه من إرادة هذه الأشياء. وإرادته أن يَخلُقَ ويَرزُقَ ويُدبِّر العالَـمْ، والنَّاسوتية: تمتنع من هذه الإرادة.
فإذا قامت الإرادتان والكراهتان بمحلٍّ واحدٍ؛ لَزِمَ أنْ يكون ذلك الجوهر الموصوف بهذا وهذا؛ مُريدًا للشيء ممتنِعًا من إرادته غير مريد له، كارهًا للشـيء غير كاره له، وذلك جمع بين النقيضين من وجوه متعددة.
ويمتنع أن يقوم بالموصوف الواحد إرادتان جازمتان بالشـيء ونقيضه، أو كراهيتان جازمتان للشيء أو نقيضه، والفعلُ لا يقع إلا بإرادة جازمة مع القُدْرة، فاللاهوت ما شاء كان، وما لَم يشأ لَـمْ يكن، ومتى شاء شيئًا مشيئة جازمة، فإنَّه على ما شاء قادر، والنَّاسوت لا يفعل شيئًا من خصائص البشـرية حتى يُريد ذلك إرادة جازمة.
والناسوت يَمتنع أن يُريد إرادة اللاهوت ويَكره ذلك، فيصير الشـيء الواحد مريدًا للشـيء إرادة جازمة قادرًا عليه، ليس مريدًا له إرادة جازمة بل هو عاجز عنه.
ويلزم أيضًا: إذا كانا جوهرًا واحدًا وقد وُلِدَ وصُفِعَ وضُرِبَ وصُلِبَ ومات وتألَّـم؛ أنْ يكون نفس اللاهوت ضُرِبَ وصُلِبَ ومات وتألَّـم كما تقوله اليعقوبية، وهذا لازمٌ لجميع النَّصَارى، وهو موجب عقيدة إيمانهم.
فإن قالوا: بل هما جوهران مع كونهما -عندهم- شخصًا واحدًا لا تعدُّد فيه، كما يقوله من يقوله من الملَكِيَّة؛ كان هذا كلامًا متناقضًا، فإنَّ الشخص الواحد الذي لا تعَدُّدَ فيه: جوهر واحد، ولهذا يُحَدُّ بأنَّه جسم.
وإنْ شَبَّهُوا ذلك بالنَّفْس مع الجسد؛ لَزِمَهم المحدود، فإنَّ الإنسان كما يُقال فيه: إنَّه شخص واحد؛ يُقال: إنَّه جوهر واحد بما بينهما من الاتِّحاد، ولهذا يُحدُّ بأنَّه جسم حسَّاس تام، متحرك بالإرادة، ناطق. هذا يتناول جسده وروحه، وللنَّفْس والبَدَنِ مشيئة واحدة، ومتى شاء الإنسان الفعل مشيئةً جازمة مع قُدْرته عليه؛ فَعَلَه، ولَـمْ يكن معه جوهر آخر له مشيئة غير مشيئته.
فإذا شبَّهوا اتِّحادَ اللاهوت بالنَّاسوت بهذا؛ لَزِمَهم أنْ يكونا جوهرًا واحدًا ومشيئة واحدة وهذا قول اليعقوبية، ولهذا تتألَّـمْ النَّفْس بما يَحدثُ في الجسد مِن الآلام، ويتألَّـمْ الجسم الذي هو القلب الصَّنَوْبَرِيُّ، بما يحدث في النَّفْس مِن الآلام، فإذا تألَّمت النَّفس، تألَّم قلب الجسد وغيرُ قلب الجسد، وكذلك إذا تألَّم الجسد وإذا صُفِعَ الجسد، وصُلب وبُصق في وجهه، ووُضع الشَّوْكُ عليه، وتألَّم ومات، كان ذلك كله حَالًّا بالنَّفْس، ونالها من إهانة الصَّفْعِ وألم النزع ما ينالها كما يُسَلِّمون هم أنَّه حَلَّ بالمسيح وبدنه، فإنَّهم لا يُنَازِعُون أنَّ الألـمَ حَلَّ ببدن المسيح ونفسه، وإنَّما يتنازعون في اللاهوت، مع أنَّ النَّفْس مفارِقة للبدن بالموت، واللاهوت عندهم لَـمْ يُفَارِق النَّاسوت بالموت، بل صعَدَ إلى السماء، والمسيح -الذي هو إله تام وإنسان تام- يقعد عن يمين أبيه، وكذلك يجيء يوم القيامة.
وأيضًا؛ فالبَدَن إذا كانت فيه النَّفْس، تتغيَّر صفاته وأحكامه، وتختلف أحواله باجتماعها وافتراقها، والنَّفْس إذا كانت في البَدَن تختلف صفاتها وأحكامها؛ فيَلْزَمُ أنْ يكون ناسوت المسيحِ مُخالفًا في الصفات والأحكام لسائر النواسيت، وأن يكون اللاهوت لـمَّا اتَّحدَ به تغيَّرت صفاته وأحكامه، وهذا هو الاستحالة والتغيُّر والتبدُّل للصفات، مع أنَّ ناسوت المسيح كان من جنس نواسيت البشـر، لَـمْ يَظهر عليه إلا ما ظهر مثلُه على غيره، بل ظهر على غيره من خوارق العادات أكثرَ مما ظهر عليه.
وبالجملة: فأيُّ مثل ضربوه للاتِّحاد، كان حجةً عليهم وظهر به فساد قولهم.
وإن قالوا: هذا أمرٌ لا يُعقَل، بل هو فوق العقول، كان الجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّه يجب الفَرْقُ بين ما يَعلم العقلُ بطلانَه وامتناعَه، وبين ما يَعجَزُ العقل عن تصوُّرِهِ ومعرفته، فالأول مِن مُحالات العقول، والثاني مِن مَحارات العقول. والرُّسُل يخبرون بالثاني، وأمَّا الأول فلا يقوله إلا كاذب، ولو جاز أنْ يقول هذا لجاز أنْ يُقال: إنَّ الجسم الواحد يكون أبيض أسود في حال واحدة، وإنَّه بعينه يكون في مكانيْن، وإنَّ الشيءَ الواحدَ يكون موجودًا معدومًا في حال واحدة، وأمثال ذلك مما يَعْلَمُ العقل امتناعه، وقول النَّصَارى مما يُعَلْمُ بصـريح العقل أنَّه باطل، ليس هو مما يعجَز عن تصوُّره، يوضِّح هذا؛ أنَّه لو قال قائل في مريم أم المسيح: إنَّها امرأة الله وزوجته، وإنَّه نكحها نكاحًا عقليًّا كما يقولون: [إنَّ المسيحَ [وُلِدَ] ولادة عقلية]؛ لَـمْ يكن هذا القول أفسدَ في العقل مِن قولهم في المسيح، وهم يُكفِّرون مَن يقول ذلك، ويحتجُّون بالعقل على فساده.
وإذا قال: «هذا فوق العقل» لَـمْ يَقبَلُوه، وكذلك كل طائفة من طوائفهم احتجَّت على الأخرى بالعقل، وإذا قالوا: «قولنا فوق العقل»؛ لَـمْ يقبلوا هذا الجواب.
فإنْ كان هذا جوابًا صحيحًا، فيجِبُ أن لا يُبْحَثَ في شيءٍ من الإلهيات بالعقل، بل يقول كلُّ مُبْطِل ما شاء مِن الباطل، ويقول: [كلامي فوق العقل]، كما يقول أصحاب الحلول والاتِّحاد والوحدة الذين يقولون: إن وجود الخالق وجود المخلوق؛ ويقولون: إنَّ هذا فوق العقل، وإنَّه إنَّما يُعلَم بالذوق لا بالسمع ولا بالعقل.
الثاني: أنْ يُقال: ما يَعجز العقلُ عن تصوُّره إذا أخبرتْ به الأنبياء عليهم السلام قُبِل منهم؛ لأنَّهم يعلمون ما يَعجَز غيرهم عن معرفته.
وهذه الأقوال لَـمْ يَقل الأنبياء شيئًا منها، بل نفْس فِرَق النَّصَارى قالوها بآرائهم، وزعموا أنَّهم استنبطوها من بعض ألفاظ الكتب.
فيقال لمن قالها منهم: أنت تتصوَّر ما تقول، أم لا تتصوره وتفهمه وتعقله؟.
فإن قال: لا أتصور ما أقول ولا أفقهه ولا أعقله.
قيل له: فقد قُلْتَ على الله ما لا تعلم، وقَفَوْت ما ليس لك به علم، ومِن أعظم القبائح المحرَّمة في جميع الشـرائع، أن يقول الإنسان برأيه على الله قولًا لا يتصوَّرُه ولا يفهمه، وجميع العقلاء يعلمون أنَّ مَن قال قولًا وهو لا يتصوَّرُه ويفقهه؛ فإنَّ قوله مردود عليه غير مقبول منه، وإنَّ قوله مِن الباطل المذموم.
وإن قال قائلهم: إنِّي أفقه ما أقول وأتصوَّرُه وأعقله.
قيل له: بَيِّنه لغيرك حتى يفقهه ويعقله ويتصوَّره، ولا تقل هو فوق العقل، بل هو قول قد عَقِلته وفقِهته.
وهذا تقسيم لا محيد لهم عنه؛ فإنَّهم إنْ كانوا يفقهون ما يقولون ويعقلونه؛ لَزِمَ أن يكون معقولًا، وإن كانوا لا يفقهونه ولا يعقلونه؛ لَزِمَ أنَّهم قالوا على الله ما لا يفقهونه ولا يعقلونه قولًا برأيهم وعقلهم، لا نقلًا لألفاظ الأنبياء، فإنَّ مَن نَقَل ألفاظ الأنبياء الثابتة عنهم، لَـمْ يكن عليه أن يفقه ويعقل ما يقول؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (نَضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَـمْ يَسْمَعْهُ، فَـرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيْهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)([93])، فقد يحفظ الرجل كلامًا فيُـبَلِّغه غيره وهو لا يفقه معناه ولا يعقله. () أخرجه أبوداود في "سننه" برقم: (3660)، والترمذي في "جامعه" برقم: (2656).
فمن نَقَل لفظ التوراة أو الإنجيل أو القرآن أو ألفاظ سائر الأنبياء؛ لَـمْ نُطَالِبْه ببيان معناه، بخلاف مِن ادَّعى أنَّه فَهِم ما قاله الأنبياء، وعبَّر عن ذلك بعبارة أخرى، فإنَّه يُقال له: إنْ كُنْتَ فهمتَ ما قالوه، فهو معنى واحدٌ عبَّروا عنه بعبارة، وعبَّرت عنه بعبارة أخرى كالتُّرجمان، فهذا يعقل ما يقول ويفقهه.
وإنْ قال: إنِّي لم أفهم كلامهم، أو لم أفهم ما قلتُه؛ فقد اعترف بجهله وضلاله، وأنَّه مِن الذين لَـمْ يفهموا كلام الأنبياء عليهم السلام، ولَـمْ يفقهوا ما قالوه هم.
فلو قالوا: لَـمْ نفهم كلام الأنبياء، وسكتوا، لكانوا أسوةَ أمثالهم من الجهَّال بمعاني كلام الأنبياء، وأمَّا إذا وضعوا عبارة وكلامًا ابتدعوه، وأمرُوا النَّاس باعتقاده، وقالوا: هذا هو الإيمان والتوحيد، وقالوا: إنَّا مع هذا لا نتصوَّر ما قلناه ولا نفقهه ولا نعقله، فهؤلاء من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفترون على الله وعلى كتب الله وأنبياء الله بغير علم، بل يقولون الكذبَ المفترى والكفرَ الواضح، ويقولون مع ذلك: إنَّا لا نعقله. وهذا حال النَّصَارى بلا ريب.
[الفصل الخامس: دعوى أنَّ النَّصَارى موحدون وأنَّ ألفاظ التثليث مثل إثبات الصفات]
[1]قال الحاكي عنهم: (فقلتُ لهم: إنَّهم يقولون لنا: إذا كان اعتقادكم في الباري تعالى أنَّه واحد فما حمَلَكم على أنْ تقولوا: أبٌ وابنٌ وروحُ قُدُسٍ، فتُوهِمون السامعين أنَّكم تعتقدون في الله ثلاثةَ أشخاص مُرَكَّبَةٍ، أو ثلاثةَ آلهةٍ، أو ثلاثةَ أجزاءٍ، وأنَّ له ابنًا، ويَظُنُّ مَن لا يَعْرِفُ اعتقادكم أنَّكم تُريْدُون بذلك ابنَ المباضَعةَ والتناسل، فتُطَرِّقُونَ على أنفسكم تُهمةً أنتم منها بريئون؟ تعليق جانبي/ زَعْم النصارى أن التثليث مثل إثبات الصفات
قالوا([2]): وهم أيضًا([3]) لَـمَّا كان اعتقادهم في الباري جَلَّتْ عظمتُه أنَّه غير ذي جسم، وغير ذي جوارح وأعضاء، وغير محصور في مكان، فما حملهم على أنْ يقولوا: إنَّ له عينين يُبْصِرُ بهما، ويَدَيْن يبسطهما، وساقًا، ووَجهًا يولِّيه إلى كُلِّ مكان، وجَنْـبًا، وأنَّه يأتي في ظُلَل من الغمام، فيُوْهِمُون السَّامِعين أنَّ الله ذو جسم، وذو أعضاء وجوارح، وأنَّه ينتقل من مكان إلى مكان في ظلل من الغمام؛ فيَظُنُّ مَن لا يَعْرِف اعتقادهم أنَّهم يُجسِّمون الباري، حتى إنَّ قومًا منهم اعتقدوا ذلك واتخذوه مذهبًا، ومَن لَـمْ يتحقق اعتقادهم يتَّهِمهم بما هم بريئون منه. () أي: علماء النَّصَارى. () أي: علماء المسلمين.
قال: فقلتُ لهم: إنَّهم يقولون: إنَّ العلة في قولهم هذا: إنَّ الله له عينان ويدان ووجه، وساق وجَنْب، وأنَّه يأتي في ظلل من الغمام فهو أنَّ القرآن نَطَق به، وأنَّ ذلك غير ظاهر اللفظ، وكل من يَحمِل ذلك على ظاهر اللفظ ويَعتقد أنَّ الله له عينان ويدان ووجه، وجنب وجوارح وأعضاء، وأنَّ ذاته تنتقل؛ فهم يلعنونه ويُكفِّرونه، فإذا كفَّروا مَن يعتقد هذا، فليس لمخالفيهم أنْ يُلْزِمُوهم هذا بعد أن لا يعتقدوه.
قالوا: وكذلك نحن أيضًا النَّصَارى، العلة في قولنا: "إنَّ الله ثلاثة أقانيم: أبٌ وابنٌ وروحُ قُدُسٍ"، أنَّ الإنجيل نَطق به.
والمراد بالأقانيم: غير الأشخاص المركَّبة، والأجزاء والأبعاض، وغير ذلك مما يقتضـي الشِّـرْكَ والتكثير. وبالأب والابن: غيرُ أبوَّة وبنوَّةِ نكاحٍ أو تناسل، أو جماعٍ أو مباضَعةٍ. وكُل مَن يعتقد أنَّ الثلاثةَ أقانيم: ثلاثة آلهة مختلفة، أو ثلاثة آلهة متَّفِقَة، أو ثلاثة أجسام مؤلَّفة، أو ثلاثة أجزاء مُتفرِّقة، أو ثلاثة أشخاص مُرَكَّبَة، أو أعراض أو قُوى أو غير ذلك مما يقتضـي الاشتراك والتكثير والتبعيض والتشبيه، أو بنوَّة نكاح أو تناسل، أو مباضعة أو جماع أو ولادة زوجة، أو مِن بعض الأجسام، أو مِن بعض الملائكة، أو مِن بعض المخلوقين؛ فنحن نَلْعَنُه ونُكَفِّرُه ونُجَرِّمُه.
وإذا لعَنَّا وكَفَّرنا مَن يعتقد ذلك، فليس لمخالفينا أنْ يُلْزِمُونا بعد أن لا نعتقده، وإنْ ألزمونا الشِّرْك والتشبيه لأجل قولنا: "أبٌ وابنٌ وروحُ قُدُسٍ"؛ لأنَّ ظاهر ذلك يقتضـي التكثير والتشبيه؛ ألزمناهم أيضًا نحن التجسيم والتشبيه لقولهم: "إنَّ الله له عينان ويدان ووجه، وساق وجَنْب، وأن ذاتَهُ تنتقل من مكان إلى مكان، وأنَّه استوى على العرش من بعد أنْ لَـمْ يكن عليه"، وغيرَ ذلك مما يقتضـي ظاهرُه التجسيم والتشبيه)([4]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص422-423).
والجواب من وجوه:
[5]الوجه الأول: أنْ يُقال: مَن آمن بما جاءتْ به الرُّسُل وما قالوه من غير تحريف للفْظِه ولا معناه؛ فهذا لا إنكار عليه. بخلاف مَن ابتدع أقوالًا لَـمْ تقُلْها الرُّسُل، بل هي تُخالِفُ ما قالوه، وحَرَّفَ ما قالوه: إمَّا لفظًا ومعنى، وإمَّا معنى فقط؛ فهذا يستحق الإنكار عليه باتفاق الطوائف. تعليق جانبي/ إثبات الصفات حق لا ريب فيه، وهو ليس مثل أقانيم النصارى.
وأصل دين المسلمين أنَّهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كُتُبِهِ، وبما وصفتْه به رُسُلُه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يُثْبِتُونَ له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتَّبِعُونَ في ذلك أقوال رُسُلِه، ويجتنبون ما خالف أقوال الرُّسُل، كما قال تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، أي: عمَّا يصِفُهُ الكُفَّار المخالفون للرُّسُل. ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾؛ لسلامة ما قالوه مِن النَّقْصِ والعيب. ﴿وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾.
فالرُّسُل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزَّهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزَّهُوه عن أنْ يكون له مِثْلٌ في شيء من صفات الكمال، وأثبَتُوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفَوا عنه التمثيل، فأتوا بإثباتٍ مُفَصَّلٍ ونفي مُجمَلٍ، فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه مِن الصفات؛ كان مُعَطِّلًا، ومَن جعلها مثل صفات المخلوقين؛ كان مُمثِّلًا. والمعطِّلُ يَعبُدُ عَدَمًا، والممثِّل يَعبُدُ صَنَـمًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ وهو رد على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهو رد على المعطِّلة.
وما ورد في القرآن والسُّنَّة مِن إثبات صفات الله، فقد ورد في التوراة وغيرها من كتب الله مثل ذلك، فهو أمر اتَّفَقَتْ عليه الرُّسُل، وأهل الكتاب في ذلك كالمسلمين.
وإذا كان كذلك، فَهُمْ في أمانتهم لَـمْ يقولوا ما قاله المسيح والأنبياء، بل ابتدعوا اعتقادًا لا يوجد في كلام الأنبياء، فليس في كلام الأنبياء -لا المسيح ولا غيره- ذكر أقانيم لله، لا ثلاثة ولا أكثر، ولا إثبات ثلاث صفات، ولا تسمية شيء من صفات الله: ابنًا لله ولا ربًّا، ولا تسمية حياته: روحًا، ولا أنَّ لله ابنًا هو [إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه]، وأنَّه خالقٌ كما أنَّ الله خالق، إلى غير ذلك من الأقوال المتضَمِّنة لأنواع من الكفر؛ لَـمْ تُنْـقَلْ عَن نبيٍّ من الأنبياء.
فقالوا في شريعة إيمانهم: (نؤمن بالله الأب، مالك كل شيء، صانع ما يُرى وما لا يُرى]؛ وهذا حق.
ثم قالوا: [وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بِكر الخلايق كُلِّها، مولود ليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، نور من نور، مساوٍ للأب في الجوهر، الذي بيده أُتقِنَت العوالم، وخُلِق كلُّ شيء، الذي مِن أجلنا –معشـر الناس-، ومِن أجل خلاصنا نزل مِن السَّمَاء، وتجسَّد مِن روح القُدُس، ومِن مريم العذراء البتول، وصار إنسانًا، وحُبل به ووُلد من مريم البتول، وألِـم وصُلب ودُفن، وقام في اليوم الثالث، كما هو مكتوب، وصعد إلى السَّمَاء، وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القُدُس المحيي، وروح الحق المنبثق من أبيه، أو الذي يخرج من أبيه روح محييه)([6]). () انظر نص قانون الإيمان في كتاب: [البابا أثناسيوس الرسولي] لمينا بديع (ص35)، و[الأرثوذكسية قانون إيمان لكل العصور] للآب أنتوني م.كونيارس (ص26).
فأين في كلام الأنبياء أنَّ شيئًا مِن صفات الله، أو مِن مخلوقاته يُقال فيه: إنَّه أقنوم، وإنَّه إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، وإنَّه مساو لله في الجوهر، وإنَّه خالقُ كلِّ شيء، وإنَّه قعد عن يمين الله فوق العرش، وإنَّه الذي يقضـي بين النَّاس يوم القيامة؟ وأين في كلام الأنبياء أنَّ لله ولدًا قديمًا أزليًّا؟ ومَن الذي سَمَّى كلام الله أو عِلْمَه أو حكمته: مولودًا له أو ابنًا له، أو شيئًا مِن صفاته: مولودًا له أو ابنًا له؟ ومَن الذي قال مِن الأنبياء: إنَّه مولود، وهو مع ذلك قديمٌ أزليٌّ؟ وأين في كلامهم أنَّ لله أقنومًا ثالثًا هو حياته، ويُسَمَّى بـ[روح القُدُس]، وأنَّه أيضًا ربٌّ حَقٌّ مُحيي.
فلو كان النَّصَارى آمنوا بنصوص الأنبياء -كما آمن المؤمنون-؛ لَـمْ يكن عليهم ملام، ومَن اعترض على نصوص الأنبياء، كان لِفساد فهمه ونقص معرفته، ولكنَّهم ابتدعوا أقوالًا وعقائد ليست منصوصة عن أحد من الأنبياء عليهم السلام، وفيها كُفْر ظاهر وتناقض بَـيِّن. فلو قُدِّر أنَّهم أرادوا بها معنىً صحيحًا؛ لَـمْ يكن لأحد أنْ يبْتَدِع كلامًا لَـمْ يأتِ به نبيٌّ يدُلُّ على الكفر المتناقض الذي يخالف الشَّـرْع والعقل، ويقول: إنِّي أردتُ به معنى صحيحًا، من غير أن يكون لفظُه دالًّا على ذلك، فكيف والمراد الذي يفسِّـرون به كلامَهم فاسدٌ متناقض كما تقدم؟
فهم ابتدعوا أقوالًا مُنكَرة وفسَّـرُوها بتفسير منكَر، فكان الردُّ عليهم مِن كل واحد من الوجهين، وهم في ذلك نظيرُ بعض ملاحدة المسلمين الذين يعتقدون إلهية بعض أهل البيت أو بعض المشايخ، ويصفون الله بصفات لَـمْ يَنطق بها كتاب، وهؤلاء ملحدون عند المسلمين، بخلاف المؤمنين الذين آمنوا بالله ورُسُله، الذين آمنوا بما قالت الأنبياء، ولَـمْ يبْتَدِعُوا أقوالًا لَـمْ يأتِ بها الأنبياء، وجعلوها أصل دينهم.
[7]الوجه الثاني: أن يُقال: ما ذكرتموه عن المسلمين كذب ظاهر عليهم، فهذا النَّظم الذي ذكروه ليس هو في القرآن ولا في الحديث، ولا يُعرَف عالم مشهور مِن علماء المسلمين، ولا طائفة مشهورة مِن طوائفهم يُطلقون العبارة التي حكوها عن المسلمين، حيث قالوا عنهم: إنَّهم يقولون: «إنَّ لله عينين يُبصِـرُ بهما، ويدَيْن يبسطهما، وساقًا ووجهًا يولِّيه إلى كل مكان، وجَنْـبًا»، ولكن هؤلاء ركَّبوا من ألفاظ القرآن -بسوء تصـرفهم- تركيبًا زعموا أنَّ المسلمين يُطلقونه، وليس في القرآن ما يدُلُّ ظاهرُه على ما ذكروه. تعليق جانبي/ أنَّ نقل النصارى لاعتقاد المسلمين في إثبات الصفات باطل محرَّف
فإنَّ الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ [المائدة:٦٤]، واليهود أرادوا بقولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ): أنَّه بخيل، فكذَّبهم الله في ذلك، وبيَّن أنَّه جواد لا يَبخل، فأخبر أنَّ يديه مبسوطتان، كما قال: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: ٢٩].
فبَسْط اليدين المراد به: الجود والعطاء، ليس المراد ما أوهموه من بسْطٍ مجرَّد، ولـمَّا كان العطاء باليد يكون بِبسْطِها، صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء، فلما قالت اليهود: ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ﴾ وأرادوا بذلك أنَّه بخيل، كذَّبهم الله في ذلك، وبيَّن أنَّه جواد ماجد، وإثبات اليدين له موجود في التوراة وسائر النبوات، كما هو موجود في القرآن.
فلَمْ يكن في هذا شيء يخالف ما جاءت به الرُّسُل، ولا ما يناقض العقل، وقد قال تعالى لإبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص:٧٥]. فأخبر أنَّه خلق آدم بيديه.
وأما لفظ: «العينين»، فليس هو في القرآن، ولكن جاء فيه حديث، وذكر الأشعري عن أهل السُّنَّة والحديث أنَّهم يقولون: (إنَّ لله عينين)([8])، ولكن الذي جاء في القرآن: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩]، (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) [هود: ٣٧]، ﴿وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ﴿13﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر: ١3-١٤]. () انظر: الإبانة عن أصول الديانة (ص22).
وأمَّا قولهم: «له وجه يولِّيه إلى كل مكان»، فليس هذا في القرآن، ولكن في القرآن: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ﴿26﴾ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦-27]، وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: ١١٥]، وهذا قد قال فيه طائفة من السلف: فثَمَّ قِبلة الله، أي: فثم جِهَة الله، والوجه والجهة كالوعد والعِدَة، والوزن والزِّنَة.
والمراد بوجه الله وجِهةِ الله: الوجهُ والجهة، والوجهة الذي لله يُستقبَل في الصلاة، كما قال في أول الآية: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُ﴾ ثُمَّ قال: ﴿فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِ﴾ كما قال تعالى: ﴿۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [البقرة: ١٤٢]. فإذا كان لله المشـرق والمغرب، ﴿وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقوله: (مُوَلِّيهَا)؛ أي: مُتولِّيها، أي: مستقبلها، فهذا كقوله: ﴿فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾؛ أي: فأينما تستقبلوا فثَمَّ وِجْهَةُ الله.
وقد قيل: إنَّه يدُلُّ على صفةٍ لله، لكن يدُلُّ على أنَّ ثَمَّ وجهًا لله، وأنَّ العِبَاد أينما يولُّونَ فثَمَّ وَجْهُ الله، فهم الذين يولُّون ويستقبلون، لا أنَّه هو يُولِّي وجهه إلى كل مكان، فهذا تحريف منهم للفظ القرآن عن معناه وكَذِبٌ على المسلمين.
وأمَّا قولهم: «وجَنْب»، فإنَّه لا يُعرَف عالِـمٌ مشهور عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين، أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٦]، وليس في مجرَّد الإضافة ما يستلزم أنْ يكون المضاف إلى الله صفةً له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتِّفَاقِ الخلق؛ كقوله تعالى: «بيت الله»([9])، و (نَاقَةَ اللَّهِ)، و (عِبَادَ اللَّهِ)، بل وكذلك (مِنْ رَوْحِ اللَّهِ)، عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم. () قد يكون أراد ابن تيمية رحمه الله قوله تعالى: ﴿ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾.
ولكن إذا أُضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره، مثل: كلام الله، وعلم الله، ويد الله ونحو ذلك؛ كان صفة له.
وفي القرآن ما يُبيِّن أنَّه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جَنْب الإنسان؛ فإَّنه قال: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٦]، والتفريط ليس في شيء من صفات الله عز وجل.
والإنسان إذا قال: فلان قد فرَّط في جَنْبِ فلان أو جانبه، لا يُريد به: أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يُريد به أنَّه فرط في جهته وفي حقه.
فإذا كان هذا اللفظ إذا أُضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جَنْبِ الإنسان المتَّصِل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لَـمْ يُلاصِقه، فكيف يُظَنُّ أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته؟
وجَنْب الشـيء وجانبه، قد يُراد به منتهاه وحدُّه، ويسمى جَنْب الإنسان جنبًا بهذا الاعتبار، قال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين رضي الله عنهما: (صَلِّ قَائِـمًا، فِإِنْ لَـمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَـمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ)([10]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1117).
وإذا قُدِّرَ أنَّ الإضافة تتضَمَّنُ صفة الله، كان الكلام في هذا كالكلام في سائر ما يُضَاف إليه تعالى من الصفات، وفي التوراة من ذلك نظير ما في القرآن.
[11]وهذا يتبيَّن بالوجه الثالث: وهو أن يُقال: ما في القرآن والحديث عن النبي ﷺ مِن وَصْف الله بهذه الصفات التي يُسَمِّيها بعض الناس تجسيمًا، هو مثل ما في التوراة وسائر كتب الأنبياء، وهو الذي في التوراة وكتب الأنبياء، ليس مما أحدثه أهل الكتاب، ولو كانوا هم ابتدعوا ذلك، ووصفوا الخالق بما يمتنع عليه مِن التجسيم؛ لكان النبي ﷺ ذمَّهم على ذلك، كما ذمَّهم على ما وصفوه به مِن النقائص في مثل قوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ [المائدة: ٦٤]. تعليق جانبي/ أنَّ إثبات الصفات ليس مما اختص به المسلمون، بل موجود في التوراة إلَّا ما حرَّفوه
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ﴾ [ق: ٣٨]، فنفى عنه اللُّغُوب الذي يُظنُّ في لفظ الاستراحة الذي في التوراة، فإنَّ فيها أنَّ الله خلق العالَـمَ في ستَّةِ أيامٍ، ثُمَّ استراح في يوم السبت، فظَنَّ بعضُ الناس أنه تَعِب فاستراح.
ثُمَّ مِن علماء المسلمين مَن قال: إنَّ هذا اللفظ حرَّفوا معناه دون لفظه، وهذا لفظ التوراة المنزلة -قاله ابن قتيبة وغيره-، قالوا معناه: ثُمَّ تَرك الخلق، فعبَّر عن ذلك بلفظ: [استراح]([12]). () انظر: تأويل مشكل القرآن (ص70).
ومنهم مَن قال: بل حرَّفوا لفظه -كما قاله أبو بكر الأنباري وغيره-، وقالوا: ليست هذه ألفاظه المنزلة([13]). () انظر: الزاهر (2/138)، تهذيب اللغة (12/268).
وأمَّا ما في التوراة مِن إثبات الصفات، فلم يُنْكِر النبي ﷺ شيئًا مِن ذلك، بل كان علماء اليهود إذا ذكروا شيئًا من ذلك يُقرُّهم عليه ويُصَدِّقهم عليه، كما في [الصَّحيحين] عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أنَّ حَبْرًا من اليهود جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الله عز وجل يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْماءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخْلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الملِكُ. قَالَ: فَضَحِكَ النَبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية)([14]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4811)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2786).
وفي التوراة: (إنَّ الله كتب التوراة بإصبعه)([15]). () انظر: سفر الخروج (31: 18).
وإذا ثبَتَ أنَّ مثل هذه النُّصُوص في التوراة والكتب المتقدِّمَة باتِّفَاق أهل الكتاب، وبما يَشْهَدُ على ذلك مِن إخبار الرسول بنظير ذلك، وتَركِ إنكاره لِـمَا في التوراة، وتصديقه على ما كانوا يذكرونه من ذلك؛ لَـمْ يكن المسلمون مختصِّين بِذِكْر ما سمَّوه تجسيمًا، بل يلزم أهل الكتاب اليهود والنَّصَارى مِن ذلك نظيرُ ما يلزم المسلمين.
وقد افترق أهل الكتاب في ذلك كما افترق فيه المسلمون:
منهم: الغالي في النفي والتعطيل.
ومنهم: الغالي في التشبيه والتمثيل.
والمسلمون -أئمتهم وجمهورهم- مقتصدون بين التعطيل والتمثيل، وكذلك طائفة من أهل الكتاب.
[16]والمقصود: أنَّه إذا كانت هذه الصفات قد جاءت في الكتب الإلهية -التوراة وغيرها-، كما جاءت في القرآن؛ لَـمْ يكن للمسلمين بذلك اختصاص، ولَـمْ يَـجُزْ للنَّصَارى أن يجعلوا ذلك نظير ما اختصُّوا به من التثليث والاتِّحاد، فإنَّ ذلك مُختَصٌّ بهم، وهذه الصفات قد اشترك فيها الملل الثلاث؛ لأنَّ التثليث والاتِّحاد ليس منصوصًا عن أحد من الأنبياء عليهم السلام، وهذه الصفات منصوصة في القرآن والتوراة وغيرهما من كتب الأنبياء، فكيف يجوز تشبيه هذا بهذا؟ تعليق جانبي/ بطلان نسبة النصارى التشبيه والتجسيم للمسلمين
الوجه الرابع: قولهم: «فيُوْهِمُون السَّامِعين أنَّ الله ذو جسم وأعضاء وجوارح»؛ كلام باطل، وذلك أنَّ الله سمَّى نفسه وصفاته بأسماء، وسمَّى بعض عباده وصفات عباده بأسماء هي في حقِّهم نظيرُ تلك الأسماء في حقِّه سبحانه وتعالى.
فسَمَّى نفسه حيًّا، كقوله: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الآية، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان: ٥٨]. وسَمَّى بعض عباده حيًّا، كقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) [الأنعام: ٩٥]، مع العلم بأنَّه ليس الحي كالحي.
وسَمَّى نفسه عليمًا، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وسَمَّى بعض عباده عليمًا، كقوله: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الذاريات: ٢٨]، مع العلم بأنَّه ليس العليم كالعليم.
وكذلك سَمَّى نفسه ملكًا جبَّارًا مُتكبِّرًا عزيزًا، وسَمَّى بعض عباده ملكًا، وبعضهم عزيزًا، وبعضهم جبَّارًا متكبِّرًا، وليس هو في ذلك مماثلًا لخلقه([17]). () وذكر ابن تيمية رحمه الله أمثلة أخرى مثل: الحليم، والرؤوف، والرحيم، وقد توسَّع في ذكر مسألة القدر المشترك في كتابه: التدمرية (ص20-30).
وكذلك ما أخبر به عن نفسه من استوائه على العرش، ومجيئه في ظُلَلٍ مِن الغمام، وغير ذلك مِن هذا الباب، ليس استواؤه كاستوائهم، ولا مجيئه كمجيئهم.
وهذه المعاني التي تضاف إلى الخالق تارة وإلى المخلوق أخرى، تُذكَر على ثلاثة أوجه:
تارة تُقيَّد بالإضافة إلى الخالق أو بإضافته إليها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الآية. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، فإذا قُيِّدتْ بالخالق: لَـمْ تدُلَّ على شيء مِن خصائص المخلوقين.
فإذا قيل: عِلْم الله وقُدْرَتُه واستواؤه ومجيئه ويده ونحو ذلك، كانت هذه الإضافة توجب ما يختص به الرَّبُّ الخالق، وتمنع أن يدخل فيها ما يختَصُّ به المخلوق.
وتارة تُقيَّد بالمخلوق؛ كقوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. وكذلك إذا قيل: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) [المؤمنون: ٢٨]، كانت هذه الإضافة توجب ما يختَصُّ بالعبد، وتمنع أن يدخل في ذلك ما يختص بالرَّبِّ عز وجل.
وتارة تُطلَق مجرَّدة؛ فإذا جُرِّد اللفظ عن القيود فذُكِر بوصف العموم والإطلاق، تَناول الأمرين كسائر الألفاظ التي تُطلق على الخالق والمخلوق.
والمقصود هنا: أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أضاف إلى نفسه ما أضافه إضافةً يختَصُّ بها، وتمنع أن يَدخُل فيها شيء من خصائص المخلوقين، وقد قال مع ذلك: إنَّه ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ وأنكر أن يكون له سَمِيٌّ، كان مَن فَهِم من هذه ما يختَصُّ به المخلوق قد أُتي مِن سُوْءِ فهمه ونَقْصِ عقله، لا مِن قصورٍ في بيان الله ورسوله، ولا فَرْقَ في ذلك بين صفة وصفة.
فمن فهِم من علم الله ما يختَصُّ به المخلوق من أنَّه عَرَضٌ مُحدَثٌ باضطرار أو اكتساب؛ فمن نفسه أُتِي، وليس في قولنا: [علم الله] ما يدُلُّ على ذلك.
وكذلك مَن فهم من قوله: ﴿بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ﴾ الآية. (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ما يختص به المخلوق من جوارحه وأعضائه؛ فمن نفسه أُتي، فليس في هذا اللفظ ما يدُلُّ على ما يختَصُّ به المخلوق كما في سائر الصفات.
[18]الوجه الخامس: قولهم: «لما كان اعتقادهم في الباري جَلَّتْ قُدْرَته أنَّه غير ذي جسم»، استعمالٌ منهم للفظ «الجسم» في القَدْر والغِلَظ، لا في ذي القَدْرِ والغِلَظ، وهذا أحد مَوْرِدَي استعماله، وهو الأشهر في لغة العامة، فيقولون: هذا الثوب له جسم، وهذا ليس له جسم؛ أي: هذا له غِلَظٌ وكثافةٌ دون هذا، ولكنَّ النُّظَّار أكثر ما يستعملون لفظ «الجسم» في نفس ذي القَدْر، فيقولون للقائم بنفسه ذي القَدْر: إنَّه جسم. تعليق جانبي/ بطلان اعتقاد النصارى على كل أقوال وفرَق المسلمين
وهذا اللفظ لما كثُر استعماله في كلام النُّظَّار، تفرَّقُوا في معانيه لغةً وعقلًا وشرعًا، تفرُّقًا ضَلَّ به كثير مِن النَّاس، فإنَّ هذا اللفظ أصله في اللغة هو: الجسد. قال غير واحد من أهل اللغة، كالأصمعي وأبي زيد وغيرهما: الجسم هو الجسد.
وهذا إنَّما يستعمله أهل اللغة فيما كان غَلِيْظًا كثيفًا، فلا يُسمُّون الهواء جِسْمًا ولا جسدًا، ويُسَمُّون بدن الإنسان: جسدًا.
[فالجسم] يراد به: نفس الجسد، ويراد به: قَدْر الجسَدِ وغِلَظُه، قال تعالى: ﴿وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) [المنافقون: ٤].
وقد يراد به هذا وهذا.
ثُمَّ إنَّ أهل النَّظَر استعملوا لفظ «الجسم» في أعم من معناه في اللغة، كما فعلوا مثل ذلك في لفظ «الجوهر»، ولفظ «العرض»، ولفظ «الوجود»، ولفظ «الذات»، وغير ذلك، فاستعملوا لفظ «الجسم» فيما يقوم بنفسه وتُمكِن الإشارة الحسية إليه.
والمقصود هنا: أنَّ هؤلاء المثبتة نزاعهم مع النُّفَاة قد يكون لفظيًّا، كنزاع النَّصَارى في لفظ «الجوهر»، وقد يكون عقليًّا، كنزاعهم في المشار إليه، هل هو مُرَكَّبٌ من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا.
ومَن قال مِن القائلين بأنَّه [جسم]؛ فيقول: إنَّه مُرَكَّبٌ من الجواهر المنفردة، أو مِن المادة والصورة، فهؤلاء مذمومون لفظًا ومعنى عند جماهير المسلمين وغيرهم، وإنْ كان النَّصَارى وغيرهم يعجزون عن الرَّدِّ على هؤلاء؛ إذ كان ما يعتمدون عليه في تنزيه الله عن خصائص الأجسام طُرُقًا ضعيفة لا تثْبُتُ على المعيار العقلي، بخلاف مَن كان نزاعه لفظيًّا، فهذا يُذمُّ إما لغة، وإما لغة وشرعًا؛ لكونه أَطلق لفظًا لم يأذن به الشرع، أو استعمله في خلافِ معناه اللغوي، كما قد يُذَمُّ النافي بمثل ذلك لغة وشرعًا، إذا كان معناه صحيحًا.
وأمَّا مَن كان مِن النُّفَاة أو المثبتة نفى حقًّا أو أثبت باطلًا؛ فهذا مذموم ذمًّا معنويًّا شرعًا وعقلًا.
وأمَّا الشَّـرْعُ: فالرسل وأتباعهم الذين مِن أمَّة موسى وعيسى ومحمَّدٍ ﷺ؛ لَـمْ يقولوا: إنَّ الله جسم، ولا إنَّه ليس بجسم، ولا إنَّه جوهر، ولا إنَّه ليس بجوهر، لكن النزاع اللغويَّ والعقليَّ والشـرعيَّ في هذه الأسماء، هو مما أُحدِث في الملل الثلاث بعد انقراض الصَّدْر الأول من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.
والذي اتَّفَقَتْ عليه الرُّسُل وأتباعهم، ما جاء به القرآن والتوراة مِن أنَّ الله موصوف بصفات الكمال وأنَّه ليس كمثله شيء، فلا تُمثَّل صفاته بصفات المخلوقين مع إثبات ما أثبته لنفسه من الصفات، ولا يُدخَل في صفاته ما ليس منها، ولا يُخرَج منها ما هو داخل فيها.
إذا تبيَّن هذا؛ فالمسلمون لما كان اعتقادهم بأنَّ الله تعالى موصوف بما وصف به نفسه، وأنَّه ليس كمثله شيء، وكان ما أثبتوه له من الصفات مما جاءتْ به الرُّسُل؛ لَـمْ يكن عليهم ملام؛ لأنَّهم أثبتوا ما أثبتَهُ الرُّسُل، ونفَوا ما نفَتْهُ الرُّسُل، فكان في هذا النَّفي ما يَنفي الوهم الباطل، بخلاف مَن أثبَتَ أمورًا لَـمْ تأتِ بها الرُّسُل، وضمَّ إليها ما يُؤَكِّد المعنى الباطل، لا ما ينفيه، وكان فيما نفَوْا عنه أنَّه ليس بجسم مُرَكَّبٍ مِن الجواهر المنفردة، ولا مِن المادة والصورة.
أمَّا على أحد قولي النُّظَّار بل أظهرهما، فإنَّ ما سواه مِن الموجودات القائمة بأنفسها، ليس مُرَكَّبًا لا من هذا ولا من هذا، فهو سبحانه أحقُّ بتنزيهه عن مثل هذا؛ إذ كل نقْصٍ نُفيَ عن المخلوق، فالخالق أحق بتنزيهه منه.
وأمَّا على القول الآخر، فتارة يقولون: لأنَّ المركَّب مِن الجواهر المنفردة يمكن افتراق أجزائه، وذلك ممتنع في حق الله تعالى. وتارة يقولون: لأنَّه مُفتقر إلى أجزائه، وذلك ممتنع في حق الله تعالى، إذ جزؤه غيرُه، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه قديمًا أزليًّا.
ثُمَّ منهم مَن لا يُطْلِقُ مِن النَّفي والإثبات إلا الألفاظ الشـرعية، فكما لا يقول: هو جسم وجوهر، لا يقول: ليس بجسم ولا جوهر. ومنهم مَن يُطلق هذه الألفاظ. وهؤلاء منهم من ينفيها، ومنهم من يثبتها.
وكلٌّ من الطائفتين قد يُدخِل في ذلك ما يوافق الشَّـرْع، وقد يُدخِل في ذلك ما يخالف الشَّـرْع، وكلٌّ مِن الطائفتين يدَّعي النظر العقليَّ أو اللغويَّ، وربما اعتَصم بعضهم بما يظنه دليلًا شرعيًّا، والغالب عليهم أنَّهم لا يعتصمون في ذلك بشَـرْعٍ؛ إذ لم يكن في ذلك شَـرْعٌ، وإنَّما يتكلَّفون تغيير اللغة التي بُعِث بها الرَّسُول، ثُمَّ يَحملون ألفاظه على ما ابتدعوه من اللغة، كما فعلتْه النَّصَارى في حمل كلام الأنبياء على ما ابتدعوه من اللغة.
فإنَّ الأنبياء لَـمْ يُسَمُّوا عِلْمَ الله وحياته: ابنًا وروح قُدُس ولا ربًّا، فسَمَّى النَّصَارى علمه وحياته: ابنًا وروحَ قُدُسٍ وربًّا، ثُمَّ حملوا كلام الأنبياء على ذلك.
كذلك طائفة من أهل الكلام كان السلف يسمونهم الجهمية، أحدثوا تسمية الواحد والأحد ونحوهما لِـمَا لا يُشَار إليه، ولا يُميِّز الحسُّ منه شيئًا عن شيء، وهذا خلاف اللغة، فإنَّ أهل اللغة يُسمُّون بالواحد والوحيد والأحد في النَّفي لِـمَا يُشار إليه ويُميِّز الحسُّ منه شيئًا من شيء، كقوله تعالى: ﴿ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا﴾ [المدثر: ١١]، فسمَّى الإنسان: وحيدًا. وقال تعالى: ﴿وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ﴾ [النساء: ١١]، فسَمَّى المرأة: واحدة. وقال: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [التوبة: ٦]، فسمَّى المستجير -وهو إنسان-: أحدًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص: ٤]، فنفى أن يكون أحدٌ كفوًا له.
فلو كان ما يُشار إليه لا يُسَمَّى أحدًا؛ لَـمْ يكن قد نَزَّه نفسه عن مماثلة المخلوقات له، فإنَّ المشهود مِن المخلوقات كلها يُشَار إليها، فإنْ لَـمْ يَدخل في «أحد»، لَـمْ يكن قد نزَّه نفسه عن مماثلتها.
فهؤلاء لَـمَّا أحدثوا أنَّ مُسَمَّى الأحد والواحد لا يكون مشارًا إليه؛ قالوا: والرب قد سَمَّى نفسه أحدًا وواحدًا، فيجب أن لا يكون مشارًا إليه.
ولغة الرَّسُول التي خاطب بها النَّاس لَـمْ تكن موافِقة لِـمَا ابتدعوه من اللغة.
وكذلك الذين قالوا: «هو جسم»؛ غيَّروا اللغة، وجعلوا [الجسم] اسمًا لِـمَا يُشَار إليه، أو لكل موجود، أو لكل قائم بنفسه. ثُمَّ قالوا: وهو موجود، أو قائم بنفسه، أو مشار إليه، فيكون جسمًا، ولا يوجد في اللغة اسم [الجسم]: لا لهذا، ولا لهذا.
وقالوا: لا يلزم من كونه مشارًا إليه أن يكون مُرَكَّبا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وقال أولئك: بل يلزم أنَّ كل مُرَكَّبٍ فإنَّه يُسَمَّى في اللغة جِسْمًا، فيلزم أن يُسَمَّى جِسْمًا إذا قلنا: هو مشار إليه، أو يُرى بالأبصار، أو مُتَّصِفًا بصفاتٍ تقوم به، وليس ما ذكروه عن اللغة بمستقيم، فإنَّ أهل اللغة لا يَعْنُونَ بالجسم: المركَّب، بل الجسم عندهم؛ هو: الجسد، ولا يُسمُّون الهواء: جسمًا.
إذا تبيَّن هذا: فتمثيل هؤلاء النَّصَارى باطل، على كل قول طائفة من طوائف المسلمين.
فإنَّ مَن يقول: الجسم في اللغة هو: المركَّب، والله ليس بمُرَكَّبٍ فليس بجسم، لا يقولون ما ذكروه مِن أنَّ الله له وجه يولِّيه إلى كل مكان، وجَنْب ونحو ذلك.
وكذلك مَن قال: إنَّ الله ليس بمُرَكَّبٍ، وسمَّاهُ جسمًا -بمعنى أنَّه قائم بنفسه- أو لَـمْ يُسَمِّه جسمًا: لا يقول بذلك أيضًا، ومَن حكَى عنه أنَّه يُثبِتُ له خصائصَ الأجسام المركَّبة [فهو غالط]، فهؤلاء إنْ أطلقوا ما نفاه فلا حجة للنَّصَارى عليهم، وإنْ لَـمْ يُطْلِقُوهُ فحُجَّتُهم أبعد، فتبيَّن أنَّه ليس لهم حجة على أفسد النَّاس قولًا في التجسيم، فضلًا عن غيرهم.
[19]46050204000500الوجه السادس: أنْ يُقال لهؤلاء النَّصَارى: إمَّا أن تَعْنوا بلفظ [الجسم] المعنى اللغوي وهو الجسد، وإمَّا أن تَعْنوا به المعنى الاصطلاحي عند أهل الكلام، كالمشار إليه مثلًا. تعليق جانبي/ الاستفصال في معنى الجسم لأنَّه لفظ مجمل يُريدون به أحيانًا معنى صحيحًا وأحيانًا معنًى باطلًا
- فإنْ عَنَـيْـتُم الأوَّل؛ لَـمْ يلْزَم من نفي ذلك نفيُ ما ذكرتموه مِن الصفات، لاسيما وأنتم تقولون: إنَّه جوهر، وقسَّمْتُم الجوهر إلى لطيف وكثيف.
فإذا كان الكثيف هو الجسم، واللطيف جوهر ليس بجسم، لم يمتنع على مثل هذا أن يكون له ما يناسبه من الصفات كالملائكة، فإنَّ الملائكة لا يمتنع وصفها بذلك، وإنْ لم تكن أجسامًا على هذا الاصطلاح، بل هي جواهر روحانية.
وكذلك روح الإنسان التي تَخرج منه، لا يمتنع وصفها بما يناسبها مِن ذلك، وإنْ كانت ليست بجسم على هذا التقدير.
فتبيَّن: أنَّ نفي مُسَمَّى الجسم اللغوي عن الشـيء، لا يمتنع اتصافه بما ذُكِر مِن الصفات وأمثالها.
- وإن عَنَـيْـتُم بالجسم: القائم بنفسه أو المشار إليه؛ لَـمْ يمتنع عندكم أن يكون جسمًا، فإنَّـكم سمَّيْتُمُوه جوهرًا، وعَنَـيْتُم القائم بنفسه.
فإنْ قام الدليل على أنَّ كل قائم بنفسه يشار إليه؛ كان أيضًا مشارًا إليه.
وإن قام دليل على أنَّه قائم بنفسه لا يشار إليه؛ كان جوهرًا وجسمًا عند مَن يُفَسِّـر الجسم بالقائم بنفسه، ومَن فسَّره بالمشار إليه لَـمْ يُسَمَّ عنده جسمًا.
فتبيَّن أنَّه على أصلكم: لا يمتنع أن يُسَمَّى جسمًا مع تسميتكم له جوهرًا، إلا إذا ثبَتَ أنَّ مِن الموجودات ما هو جوهر قائم بنفسه لا يُشار إليه، وهذا لم يُقِيْمُوا عليه دليلًا، وليس هذا قول أهل الملل من المسلمين واليهود والنَّصَارى، وإنَّما هو قول طائفة مِن الفلاسفة، وقليل من أهل الملل وافقوهم.
ثُمَّ يُقال لكم: أنتم قلتم: [إنَّه حي ناطق، وله حياة ونطق]، بل زِدتُم على ذلك حتى جعلتموه أقانيم ثلاثة، ومعلوم أنَّ الحياة والنُّطْقَ لا تُعقَل إلا صفةً قائمة بموصوف، ولا يُعلَم موصوفٌ بالحياة والنُّطْقِ إلا ما هو مشار إليه، بل ما هو جسم كالإنسان، فإنْ جاز لكم أن تُثبِتُوا هذه الأعراض في غير جسم، جاز لغيركم أن يُثبِتَ المجيء واليد ونحوَ ذلك لغير جسم.
وإنْ قُلتم: هذا لا يُعقَل إلا لجسم.
قيل لكم: وذلك لا يُعقَل إلا لجسم، فإنْ رجَعْتُم إلى الشاهد كان حجة عليكم، وإنْ جاز لكم أن تُثبِتُوا في الغائب حُكْمًا على خلاف الشاهد؛ جاز لغيركم.
وحينئذ: فلا تناقض بين ما نفاه المسلمون وأثبتُوه، لو كان ما ذكرتموه عنهم من النفي والإثبات حقًّا على وجهه، فكيف وقد وقع التحريف في الطرفين؟
[20]الوجه السابع: أن يُقال: غاية مقصودكم أنْ تقولوا: إنَّ المسلمين لَـمَّا أطلقوا ألفاظًا ظاهرها كفر عندهم لمجيء النَّصِّ بها، وهم لا يعتقدون ظاهر مدلولها؛ كذلك نحن أطلقنا هذه الألفاظ التي ظاهرها كفر؛ لمجيء النَّصِّ بها، ونحن لا نعتقد مدلولها. تعليق جانبي/ بطلان دعوى أنَّ إطلاقات المسلمين في صفات الله مثل إطلاقات النصارى في التثليث
فيقال لكم: أولًا: إنَّ ما أطلقه المسلمون مِن نصوص الصفات أطلقْتُمُوه أنتم، كما وردتْ به التوراة، فهذا مشترك بينكم وبينهم، وما اختصصْتُم به مِن التثليث، والاتِّحاد؛ لَـم يَشْرَكوكم فيه.
ثُمَّ يُقال ثانيًا: إنَّ المسلمين أطلقوا ألفاظ النُّصوص، وأنتم أطلقتم ألفاظًا لَـمْ يَرد بها نَصٌّ.
والمسلمون قرنوا تلك الألفاظ بما جاءتْ به النُّصوص مِن نفي التمثيل، وأنتم لَـمْ تقرنوا بألفاظكم ما ينفي ما أثبتُّمُوه مِن التثليث والاتِّحاد.
والمسلمون لم يعتقدوا معنى باطلًا، وأنتم اعتقدتم من التثليث في الأقانيم والاتِّحاد ما هو معنى باطل.
والمسلمون لَـمْ يُسَمُّوا صفات الله بأسماء أحدثوا تسمية الصفات بها، وحَملوا كلام الرُّسُل عليها، وأنتم أحدثتم لصفات الله أسماء سميتموه أنتم بها، لَـمْ تُسَمِّه بها الرُّسُل، وحملتم كلام الرسل عليها.
والمسلمون لَـمْ يَعدِلوا عن النُّصوص الكثيرة المحكمة البيِّنة الواضحة إلى ألفاظ قليلة متشابهة، وأنتم عدَلْتُم عن هذا إلى هذا.
والمسلمون لَـمْ يضعوا لهم شريعة اعتقاد غير ما جاءتْ به الرُّسُل، وأنتم وضعتم شريعة اعتقاد غير ما جاءت به الرسل.
والمسلمون لَـمْ يقولوا قولًا لا يُعقل، وأنتم قلتم قولًا لا يُعقل.
والمسلمون لَـمْ يتناقضوا، فيجعلوا الإله واحدًا، وتجعلونه اثنين، بل ثلاثة، وأنتم تناقضتم.
[21]فهذه الفروق وغيرها مما يبيِّن فساد تشبيهكم أنفسكم بالمسلمين. تعليق جانبي/ بطلان الاحتجاج بنص الإنجيل عن التثليث
الوجه الثامن: قولكم: «وكذلك نحن النَّصَارى العلةُ في قولنا: إنَّ الله ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح قدس، أنَّ الإنجيل نطق به».
فيُقال لكم: هذا باطل؛ لَـمْ ينطق لا الإنجيل ولا شيء مِن النُّبوات بأنَّ الله ثلاثة أقانيم، ولا خَصَّ أحدٌ مِن الأنبياء الرب بثلاث صفات دون غيرها، ولا قال المسيح ولا غيره: إنَّ الله هو الأب والابن وروح القُدُس، ولا إنَّ له أقنومًا هو الابن، وأقنومًا هو روح القُدُس، ولا قال إنَّ الابن: كلمته أو عِلْمه أو حِكْمَته أو نطقه، وإنَّ روح القُدُس: حياته، ولا سمَّى شيئًا من صفاته ابنًا ولا ولدًا، ولا قال عن شيء مِن صفات الرَّبِّ إنَّه مولود، ولا جعل القديم الأزلي مولودًا، ولا قال لا عن قديم ولا مخلوق: [إنَّه إله حق من إله حق]. ولا قال عَن صفات الله إنَّها آلهة، وإنَّ الكلمة إله والروح إله. ولا قال: إنَّ الله اتَّحد -لا بذاته ولا بصفاته- بشـيءٍ مِن البشـر، بل هذا كله مما ابتدعتموه وخرَجْتُم به عن الشَّـرْع والعقل، فخالفتم الكتب المنزلة والعقول الصـريحة، وكنتم ممن قيل فيه: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: ١٠].
فإنَّـكم أنتم الذين سَمَّيتُم نُطق الله: ابنًا، وقلْتُم: سمَّيناه ابنًا؛ لأنَّه تولَّد منه كما يتولَّد الكلام مِن العقل، فكان ينبغي أيضًا أنْ تُسَمُّوا حياته: ابنًا؛ لأنَّها منبثقة منه ومتولِّدة عنه أيضًا؛ إذ لا فرق بين علم الرب وحياته، فعلمه لازم له، وحياته لازمة له.
فلماذا جعلتم هذا ابنًا دون هذا، وقلتم: إنَّه مولود مِن الله، وإنَّه قديم أزلي، وأنتم تعترفون بأنَّ أحدًا مِن الأنبياء لَـمْ يُسَمِّ علم الله ولا كلامه ولا حكمته: مولودًا منه، والذي يَعقِلُه الخلق في المولود الذي يُولَدُ مِن غيره -كما يتولَّدُ العلم والكلام من نفس الإنسان- أنَّه حادث فيه أو منفصل عنه، لا يَعقِل أنَّه قائم به، وأنَّه قديم أزلي.
وغاية ما عندكم ما وُجِدَ في إنجيل: «متى» دون سائر الأناجيل من أنَّ المسيح عليه السلام قال: (عمِّدُوا النَّاس باسم الأب والابن وروح القُدُس)([22]). () انظر: إنجيل متى (28: 19).
وأنتم قد عرفتم في كلام المسيح وغيره من الأنبياء أنَّهم لا يُريْدُون بـ[الابن] صفة الله، لا كلامه ولا علمه ولا حِكْمَته، ولا يريدون بـ[الابن]: إله حق من إله حق، ولا مولود قديم أزلي، بل يُريْدُونَ به: وَلِيُّه، وهو ناسوت لا لاهوت، كيعقوب والحواريين.
ولا يُريْدُونَ بـ[روح القُدُس]: نفس حياة الله، ولا يريدون به أنَّه رب حي، وإنَّما يُريْدُون بها: الملَكَ، أو ما يُنَـزِّله الله على قلوب أنبيائه وأصفيائه مِن الهُدَى والتأييد ونحو ذلك، فـ[روح القُدُس] يكون عندكم وعند المسلمين في الأنبياء وغيرهم، كما كانت في داود وغيره وكانت في الحواريين.
فلو قُدِّر أنَّ لفظ «الابن» وُجد في كلام المسيح مُسْتَعمَلًا تارةً في كلمة الله، وتارةً في وليِّه النَّاسوت. و«روح القُدُس» مُسْتَعمَلًا تارةً في حياته، وتارةً فيما ينزله على قلوب أنبيائه؛ كان جزْمُكُم بأنَّه أراد بذلك هنا صفات الله جَزْمًا باطلًا، فما وُصِف به المسيح مِن أنَّه ابن الله، ومِن أنَّ روح القُدُس فيه؛ قد وُصف به غيره من الأنبياء والصالحين.
فإن كان الابن وروح القدس: صفتين لله؛ وَجَبَ أن ْيكون غير المسيح لاهوتًا وناسوتًا كالمسيح، إذ الذي حَلَّ في المسيح حَلَّ في غيره.
ثُمَّ جَزْمُكُم بأنَّ هذه الصفات: أقانيم، وأنَّه ليس لله صفات ذاتية أو جوهرية أو نحو ذلك إلا هذه الثلاثة، ثُمَّ تفرَّقتم في الثلاثة:
هل المراد بالأقانيم: الوجود والعلم والحياة.
أو المراد: الوجود والعلم والقُدْرة.
أو المراد: الوجود والحياة والقُدْرة.
أو المراد: الوجود مع الحياة والعلم والقدرة. إلى أقوال أخرى يطُول أمرها.
فيا ليتَ شعري، ما الذي أراد المسيح بلفظ الأب والابن وروح القُدُس مِن هذه الأمور التي اختلَفْتُم فيها، لو كان مراده ما ادَّعيتموه من الأقانيم، والأقانيم -لفظًا ومعنى- لا يوجد في كلام أحدٍ مِن الأنبياء، بل قيل فيها: إنَّها لفظة روميَّة، يُفَسِّـرونها تارةً: بالأصل. وتارةً: بالشخص. وتارةً: بالذات مع الصفة. ويُفَسِّـرونها تارةً: بالخاصة. وتارةً: بالصفة.
[23]فهلا تركتم كلام المسيح على حاله، ولم تحرِّفوه هذه التحريفات، ولقد أحسن بعض الفضلاء إذ قال: لو سألتَ نصـرانيًّا وابنه وابن ابنه عما يعتقدونه؛ لأخبركَ كل واحدٍ بعقيدةٍ تخالف عقيدة الآخر؛ إذ كان أصل اعتقادهم جهلًا وضَلالًا، ليس معهم علم لا نقل ولا عقل، فهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [الحج: 8]، ليس معهم بما اعتقدوه مِن التثليث والاتِّحاد علم بوجهٍ من الوجوه فضلًا عما هو أخصُّ مِن ذلك، وهو عِلْمٌ يهتدون به، فليسوا بمهتدين فضلًا عما هو أخصُّ مِن الهدى، وهو: «كتاب منير»، فليس معهم به «كتاب منير». تعليق جانبي/ تناقض النصارى في لعن مَنْ قال بتعدد الآلهة، ولعن من جرَّد التوحيد بلا تثليث.
الوجه [التاسع]: قولهم: [من قال: ثلاثةُ آلهة مختلفة أو متَّفقة، أو ثلاثة أشخاص مركَّبة، أو غير ذلك مما يقتضي الاشتراك والتكثير والتبعيض والتشبيه؛ فنحن نلعنه ونكفره].
فيقال لهم: أنتم أيضًا تلعنون مَن قال: [إنَّ المسيح ليس هو إله حق من إله حق، ولا هو مساوٍ الأب في الجوهر]، ومَن قال: [ليس بخالق]، ومَن قال: [إنَّه ليس بجالس عن يمين أبيه]، ومَن قال أيضًا: [إنَّ روح القُدُس ليس برب حيٍّ محيي]، ومَن قال: [إنَّه ليس ثلاثة أقانيم].
وتلعنون أيضًا -مع قولكم إنَّه الخالق- مَن قال: [إنَّه الأب]، والأب هو الخالق، فتلعنون مَن قال: [هو الأب الخالق]، ومَن قال: [ليس هو الخالق]، فتجمعون بين النقيضين.
فتلعنون مَن جرَّد التوحيد بلا شرك وتثليث، ومَن أثبت التثليث مع انفصال كل واحد عن الآخر، وتَجمعون بين النقيضين، فمن أَثبت أحدَهما مُنْفَكًّا عن الآخر لعنتموه؛ كمن قال: عندي واحد ثلاثة، فمن قال: هو واحد ليس بثلاثة؛ كذَّبه، ومَن قال: هو ثلاثة ليس واحدًا؛ كذَّبه. ومن قال: عندي شيء موجود معدوم، فمن قال: هو موجود ليس بمعدوم؛ كذَّبه، ومن قال: معدوم ليس بموجود؛ كذَّبه. ومن قال: عندي شيء هو حَيٌّ ميِّت، هو عالم جاهل، هو قادر عاجز، فمن قال: هو حَيٌّ ليس بميِّتٍ؛ كذَّبه، ومن قال: هو ميِّتٌ ليس بحيٍّ؛ كذَّبه.
فهكذا أنتم تجمعون بين قولين متناقضين، أحدهما حق، والآخر باطل، فمَن قال الحق ونفى الباطل؛ لعنتموه، ومَن قال الباطل ونفى الحق؛ لعنتموه.
[24]الوجه [العاشر]: قولهم: «ويُراد بالأب والابن غيرُ أبوَّة وبنوةِ نكاح، ومَن أراد ولادةَ زوجةٍ لعنَّاه». تعليق جانبي/ التناقض والاضطراب في وصف الولد والولادة ولوازمها الباطلة
فيُقال: لفظ الولادة المعروف، إنَّما يكون مِن أصلين، وإنَّما يكون بانفصال جزءٍ مِن الأصلين، وإنَّما يكون بحدوثِ المولود، سواءٌ أريد ولادةُ الحيوان أو غيرها، كما تتولَّد النَّار مِن الزِّنَادَيْن، فإذا قُدِح أحدُهما بالآخر، خرج منهما جزءٌ لطيف، فاستحال نارًا، ثُمَّ سَقَط على الحِراق.
وقد توسَّع بعضُ النَّاس في الولادة حتى عبَّر به عما يَحدث عن الشـيء وإنْ لَـمْ يكن بانفصال جزءٍ منه، كتولُّد الشعاع عن النَّار والشمس وغيرها؛ لأنَّ هذا يَحدُث بشيئين:
أحدهما: ما يَصدر عنه مِن الشمس والنَّار.
والثاني: المحلُّ القابل الذي ينعكس عليه، وهو الجُرم المقابِل له الذي يقوم به الشعاع.
فأمَّا ما يحدث عن شيء واحد؛ فلا يُعرَف أنَّه يُسَمَّى ولادة -إن قُدِّر وجود ذلك- وكذلك لا يُعرَف ما يَلزمُ الشيءَ الواحدَ أنَّه يُسَمَّى ولدًا.
فأمَّا مَا يقوم بالموصوف مِن صفاته اللازمة له، فهذا أبعدُ عن أن يُسَمَّى هذا الملزومُ: ولادة، بل لا تكون الولادة إلا عن أصلين.
وكلُّ مَن قال: إنَّ لله ولدًا؛ لَزِمَه أن يكون له صاحبة بأيِّ وجهٍ فَسَّر الولادة، وأن يكون له ولدٌ حادثٌ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهْوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠-101].
فاستفهم تعالى استفهام إنكار؛ لِيُبَـيِّن امتناع أن يكون له ولد إذا لم تكن له صاحبة، فإنَّ الولد لا يكون إلا مِن أصلين، وهذا مما ينبغي أن يُتفطَّن له، فإنَّ تسمية ما يلزم الشـيءَ الواحدَ متولِّدًا عنه؛ لا يُعرف، لاسيَّما الصفاتُ القديمةُ الأزليَّةُ اللازمةُ لذات ربِّ العالمين، الذي لَـمْ يزل ولا يزال موصوفًا بها، فإنَّ صفات العبد اللازمة له، كحياته وقدرته ونحو ذلك؛ ليست متولِّدة عنه عند جميع العقلاء، ولا يقول عاقل يَعقِل ما يقول: إنَّ لون السماء وقَدْرها؛ متولِّدٌ عنها، ولا إنَّ قَدْر الشمس وضوءها القائمَ بها اللازمَ لها؛ متولِّدٌ عنها، ولا يقول أحد: إنَّ حرارة النَّار وضوءها القائمَ بها؛ متولِّدٌ عنها.
وإنَّما يُقال -إن قيل- فيما ليس بقائم بها، بل قائمٌ بغيرها، أو فيما هو حادثٌ بعد أن لَـمْ يكن، كالشعاع القائم بالأرض والحيطان، وهذا ليس بقائم بها، بل قائم بغيرها؛ وهو حادثٌ متولِّدٌ عن أصلَين لا عن أصل واحد.
فأمَّا صفات المخلوق القائمة به اللازمة له، فلا يقول أحدٌ من العقلاء: إنَّها متولِّدة عنه.
والنَّصَارى يزعمون أنَّ [كلمة الله] التي يُفَسِّـرونها بعِلْمِهِ أو حكمته، و[روح القُدُس] التي يُفَسِّرونها بحياته أو قدرته؛ هي صفة له قديمة أزليَّة، لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، ويقولون -مع ذلك-: إنَّ الكلمة هي مولودة منه، فيجعلون عِلْمَه القديمَ الأزليَّ متولِّدًا عنه، ولا يجعلون حياته القديمة الأزليَّة متولِّدة عنه.
وقد أصابوا في أنَّهم لَـمْ يجعلوا حياته متولِّدة عنه، لكن ظهر بذلك بعضُ مناقضاتهم وضلالهم، فإنَّه أنواع كثيرة، فإنَّه إنْ كانت صفة الموصوف القديمة الأزليَّة اللازمة لذاته يقال: إنَّه ابنه وولده ومتولِّد عنه، ونحو ذلك؛ فتكون حياتُه أيضًا ابنَه وولدَه ومتولِّدة عنه، وإن لم يكن كذلك؛ فلا يكون علمُه ابنَه ولا ولدَه ولا متولِّدًا عنه.
وأفظع من ذلك: أنَّ [روح القُدُس] المنفصلةَ عنه القائمةَ بالأنبياء والصدِّيقين؛ لا يقولون إنَّها ولده، ولا إنَّها متولِّدة عنه، بل يخصُّون ذلك بالكلمة، فلا ينقُلُون عن أحدٍ مِن الأنبياء أنَّه سَمَّى شيئًا مِن صفات الله ابنًا ولا ولدًا، ولا قال: إنَّ علم الله أو كلامه أو حكمته؛ ولدُه أو ابنُه، أو هو متولِّد عنه.
فعُلِم أنَّ القوم في غاية التناقض في المعاني والألفاظ، وأنَّهم مخالفون للكتب الإلهية كلّها، ولِـمَا فطر الله عليه عبادَه مِن المعقولات التي يسمُّونها: نواميس عقلية، ومخالفون لجميع لغات الآدميين، وهذا مما يَظهر به فسادُ تمثيلهم، فإنَّهم قالوا: [تولَّدت الكلمة عنه، كما تُولَد الكلمة والحكمة فينا عن العقل].
فيقال لهم: لو قُدِّر أنَّ الأنبياء سمَّوا ذلك ولدًا، فما يتولَّد فينا حادث بعد أن لم يكن، وحدوثه بِتَسَبُّبٍ مِن فعلنا وقدرتنا ومشيئتنا، فأمَّا صفاتنا اللازمة لنا التي لا اختيار لنا في اتِّصافنا بها، ولَـم نزلْ متَّصفين بها؛ فلا يقول عاقل: إنَّها متولِّدة فينا وعنَّا، وأنتم تجعلون صفة الله القديمة اللازمة له التي لَـمْ يزل ولا يزال متَّصِفًا بها متولِّدة عنه.
فلو قُدِّر أنَّ ما ذكرتموه من التولُّد العقليِّ كان أمرًا معروفًا في اللغة والعقل والشَّـرْع؛ لَـمْ يكن لكم أن تجعلوا عِلْمَ الله وحكمته التي فسَّـرْتُم بها كلمتَه؛ ابنًا له ومولودًا منه، لَـمْ يزل مولودًا منه؛ لأنَّ هذا باطلٌ عقلًا وشرعًا ولغةً.
أمَّا العقل؛ فإنَّ صفة الموصوف اللازمة له -وإن كان مخلوقًا- ليست متولِّدة عنه، فكيف الصفة القديمة للموصوف القديم!، ولو جاز هذا؛ جاز أن يُجعَل ما كان لازمًا لغيره ولدًا له ومولودًا منه، فيُجعَل كيفيات الأشياء وكمِّياتها متولِّدةً عنها وأمثالها.
ويقال: إنَّ طُول الجسم وعرضَه وعمقَه متولِّدٌ عنه، وإنَّ حياة الحي متولِّدة عنه، وإنَّ القوى والطبائع التي جعلها الله في المخلوقات متولِّدة عنها.
وأمَّا الشـرع؛ فإنَّ هذا لو كان متولِّدًا وهو في بعض اللغات يُسمَّى ولدًا؛ لَـمْ يجزْ أنْ يُحمَل على ذلك كلامُ الأنبياء، إلا أن يكون في لغتهم يُسمَّى ولدًا.
وكلُّ مَن نظر في كتب الأنبياء مِن علماء النَّصَارى وغيرهم؛ لَـمْ يجد أحدًا من الأنبياء يُسِمِّي عِلْمَ الله وكلمته وحياته؛ ولدًا له، ولا ابنًا له، ولا قال: إنَّ ذلك يَتولَّد عنه.
فقولهم عن المسيح: (عَمِّدُوا النَّاس باسم الأب والابن وروح القُدُس)([25]): إنَّه أراد بالابن: كلمةَ الله القديمةَ الأزليَّة، وأنَّها متولِّدة منه، وإنَّه أراد بروح القدس: حياةَ الله القديمةَ الأزليَّة؛ كذبٌ محض على المسيح عليه السلام لا يوجد قط في كلامه ولا كلام غيره من الأنبياء أنَّهم سَمَّوا عِلْمَ الله وحكمته ولا شيئًا مِن صفاته القائمة به: ابنًا. ولا سمَّوا حياته: روح القُدُس. () انظر: إنجيل متى (28: 19).
وأمَّا اللغة؛ فإنَّ هذا التعبير الذي ذكروا -وهو تسمية صفات الموصوف اللازمة له ولدًا وابنًا ومتولِّدًا- لا يُعرف في لغات بني آدم المعروفة، وقد يتبنَّى الرجل ولدَ غيره فيتَّخذُه ولدًا ويجعلُه بمنزلة الولد، وإنْ لَـمْ يكن متولِّدًا عنه، كما كانت تفعله أهل الجاهلية مِن العرب وغيرهم، ولهذا نزَّه الله تعالى نفسَه عن الولادة، وعن اتخاذ الولد فقال تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ﴿151﴾ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [الصافات:١٥١-١٥٢]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ﴿116﴾ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦-١١٧].
وأهل الكتاب يَذكرون أنَّ في كتبهم تسميةَ عباد الله الصالحين: ابنًا. وتسمية الله: أبًا.وتسمية المصْطَفين: أبناء. وهذا إذا كان ثابتًا عن الأنبياء، فإنَّهم لا يعنون به إلا معنى صحيحًا.
واللفظ قد يكون له في لغة معنًى، وله معنىً آخر في لغةٍ أخرى غير ذلك، والمرادُ بهذا الولدِ والابنِ؛ لا ينافي كونه مخلوقًا مربوبًا عبدًا لله عز وجل.
وأما تسمية شيءٍ من صفات الله: ابنًا أو ولدًا، فهذا لا يُعْرَف عن أحد مِن الأنبياء، ولا الأمم أهل اللغات سوى مبتدعة النَّصَارى.
ولَـمْ يبقَ للتولُّد إلا معنيان:
أحدهما: أن يَنفصل عنه جزء.
والثاني: أن يَحدُث عنه شيء: إمَّا باختياره، وإمَّا بغير اختياره وقُدْرَته، كحدوث الشعاع عن النار والشمس.
وكلٌّ مِن الأمرين لا يكون إلا عن أصلين، ولا بُدَّ أن يكون حادثًا، لا يكون مِن صفاته اللازمة له، فيَمتنع أن يتولَّد عنه شيء إن لم يكن معه أصلٌ آخر يتولَّد عنهما.
والتولُّد عنه بغير قُدْرَته ومشيئته ممتنعٌ عند أهل الملل -المسلمين واليهود والنَّصَارى وسائر الأمم- سوى طائفة مِن المتفلسفة يقولون: إنَّه موجِبٌ بذاته مستلزمٌ لِـمَا يصدر عنه، فهؤلاء قولهم يناسب هذا التولُّد.
والمقصود هنا: أنَّ كلام الأنبياء لا يجوز أن يُحمَل إلا على لغتهم التي عادتُهم أن يخاطبوا بها النَّاس، لا يجوز أن يُحدِث أحدٌ لغة غير لغتهم، ويَحمِل كلامهم عليها، بل إذا كان لبعض الناس عادةٌ ولغةٌ يخاطِب بها أصحابَه، وقُدِّر أنَّ ذلك يجوز له؛ فليس له أن يجعل ذلك لغةَ النبي، ويحمِل كلامَ النبي على ذلك.
ومِن هذا إخبار الأنبياء بأنَّ الله يقول ويتكلَّم ويُنادِي ويُناجِي، وأنَّه قال كذا وتكلَّم بكذا، ونادى موسى ونحو ذلك.
والمعروف في لغتهم ولغة سائر الأمم، أنَّ المتكلِّم: مَن قام به الكلام، وإنْ كان مُتكَلِّمًا بقُدْرَته ومشيئته، لا يُعرَف في لغتهم أنَّ المتكلِّم: مَن أَحدثَ كلامًا مُنفصِلًا عنه، ولا أنَّ المتكلِّم: مَن قام به الكلامُ بدون قُدْرَته ومشيئته، فليس لأحد -إذا جعل اسم المتكلِّم لمن يُحدِث كلامًا بائنًا عنه، أو مَن قام به بدون قُدْرَته ومشيئته- أن يَحمِل كلام الأنبياء على هذا، بل المتكلِّم عند الإطلاق: مَن تكلَّم بقُدْرَته ومشيئته مع قيام الكلام به، وهذا هو المعروف في لغة الأنبياء وسائر الأمم عند الإطلاق، ونظائر هذا متعددة.
فمن فسَّر كلامَ الأنبياء بغير لغتهم المعروفة؛ فهو ممن بَدَّل كلامهم وحرَّفه، والنَّصَارى من هؤلاء.
[فمعرفة] اللغة التي خاطبنا بها الأنبياءُ، وحمل كلامهم عليها؛ أمرٌ واجبٌ متعيِّن، ومَن سلك غير هذا المسلك، فقد حرَّف كلامهم عن مواضعه، وكذَب عليهم وافترى.
ومثل هذا التحريف والتبديل قد اتفق المسلمون واليهود والنَّصَارى على أنَّه وقع فيه خلقٌ كثير من أهل الكتب الثلاثة، وأنَّ التوراة والإنجيل حُرِّفَا بهذا الاعتبار، وكذلك القرآن حَرَّفه أهل الإلحاد والبِدَع بهذا الاعتبار.
فأهل الكتاب نقلوا عن الأنبياء أنَّهم تكلَّمُوا بلفظ: [الأب] و[الابن]، ومرادهم -عندهم- بـ[الأب]: الرَّبُّ، وبـ[الابن]: المصطفى المختار المحبوب، ولَـمْ يَنقل أحدٌ منهم عن الأنبياء أنَّهم سمَّوا شيئًا مِن صفات الله: ابنًا، ولا قالوا عن شيء من صفاته: إنَّه تولَّد عنه، ولا إنَّه مولودٌ له.
فإذا وُجد في كلام المسيح عليه السلام أنَّه قال: (عَمِّدُوا النَّاس باسم الأب والابن وروح القُدُس)([26])، ثُمَّ فسَّروا [الابن]: بصفة الله القديمة الأزليَّة؛ كان هذا كَذِبًا بيِّـنًا على المسيح، حيث لم يكن في لغته أنَّ لفظ [الابن] يُراد به: صفةُ الله القديمة الأزلية. () انظر: إنجيل متى (28: 19).
وكذلك إذا لم يَكن في كلام الأنبياء أنَّ حياة الله تُسَمَّى: روح القُدُس، وإنَّما يريدون بـ[روح القُدُس]: ما يُنزِّله الله تبارك وتعالى على الأنبياء والصالحين ويؤيِّدهم به، كان تفسيرُ قول المسيح «روح القُدُس» أنَّه أراد: حياة الله؛ كذبًا على المسيح.
ومما يُوضِّحُ ذلك: أنَّ خواصَّ النَّصَارى وعلماءَهم -مع تجويزهم أنْ يُقال: إنَّ المسيح ابن الله- يلزمهم أنْ تكون مريمُ صاحبةَ الله وامرأته، كما قال ذلك مَن يغلو منهم، ومنهم: مَن يجعل مريم إلـهًا مع الله، كما جَعَل المسيح إلـهًا.
فإن قالوا بذلك: جعلوا لله صاحبةً وولدًا، وجعلوا المسيح ابنَ مريم وأُمَّه مريمَ إلهين من دون الله، كما فَعل ذلك من فَعَله منهم.
ومنهم مَن يقول عن مريم: إنَّها صاحبة الله سبحانه وتعالى.
وبيان لزوم ذلك: أنَّ المسيح عندهم إنسان تام وإله تام، ناسوت ولاهوت، فناسوته مِن مريم، ولاهوته الكلمة القديمة الأزليَّة، وهي الخالق عندهم، فالمسيح بين أصلين: ناسوت ولاهوت، فإذا كان [الأب]؛ هو: الله عندهم، والكلمة المولودة عن الأب: ابن الله؛ فمعلوم أنَّ اللاهوت لَـمَّا التحم بالنَّاسوت ليصير منهما المسيح ازْدَوجَ به وقارنه، وهذا معنى الزوجيَّة.
فكما أنَّهم قالوا: إنَّ الولادة عقليَّة لا حسيَّة، فكذلك الازدواج والنكاح عقليٌّ لا حسيٌّ، فإنَّ اللاهوت على قولهم ازدوج بناسوت مريم ونكَحَها نكاحًا عقليًّا، وخُلِق المسيح مِن هذا وهذا.
وهم يقولون في الأمانة: [إنَّ المسيح تجسَّد مِن مريم ومن روح القُدُس].
فإن فسَّـروا [روح القُدُس]: بجبريل -كما يقوله المسلمون- فهو الحق وبطَلَ قولهم، لكنهم يقولون: روح القُدُس هو الأقنوم الثالث، كما يقولون في الكلمة، وهو اللاهوت عندهم.
فهم قد ذكروا أنَّه تجسَّد مِن النَّاسوت واللاهوت، فيلزمهم على هذا أن يكون المسيح هو الابن وهو روح القُدُس. فيكون أقنومين لا أقنومًا واحدًا.
والمقصود هنا: أنَّهم إذا قالوا: إنَّ الرب أو بعض صفاته اتَّحدَ بما خلق مِن مريم؛ فلا بُدَّ أن يحصل له اتصالٌ بمريم قبل اتصاله بما خلق منها، وذلك هو معنى النكاح والازدواج.
وعند جمهور النَّصَارى أنَّ مريم ولدت اللاهوت كما ولدت النَّاسوت، وهي أمُّ اللاهوت، ويقولون في دعائهم: يا والدةَ الإله.
واللاهوت الذي ولدتْه مريم هو عندهم ربُّ العالمين، واللاهوت اتَّحدَ بالنَّاسوت عندهم، من حينِ خُلِق النَّاسوت في بطن مريم، لم يَحدُثْ بعد الولادة، فإذا جاز أن يكون لرَبِّ العالمين عندهم أمٌّ ولدتْه بوجهٍ من الوجوه؛ فإمكانُ أن يكون له صاحبةٌ وزوجةٌ أَوْلى وأحرى، وليس في ذلك ما يُحيله العقل والشـرع إلا وهو لكونها أُمًّا للاهوت أشدُّ إحالةً.
فإنْ جاز أن يكون للاهوت أمٌّ -والأمُّ أصلٌ-، فَلَأَنْ يكون له صاحبةٌ هي زوجةٌ ونظيرٌ أقرب وأَوْلى، فإنَّ مِن المعلوم أنَّ وَلَدَ الشـيء المتفرِّع المتولِّد عنه؛ أنقصُ بالنسبة إليه من نظيره.
فإذا قالوا: إنَّ لرَبِّ العالمين ولدًا اتَّحد بالنَّاسوت هو نظيره المساوي له في الجوهر، وقالوا: إنَّ النَّاسوت أُمُّ هذا المسيح الذي هو الله، وهو ابن الله، وقالوا: إنَّ النَّاسوت مريم وَلَد اللاهوتَ كما وَلَد النَّاسوت، ولم يكن هذا عيبًا يُنزَّه الرَّبّ عنه؛ فَلَأَنْ يجعلوا أُمَّ هذا الولدِ -الذي حَبلتْ به واتَّحد به اللاهوت وهو منها ووَلَدت اللاهوت- صاحبةً وزوجةً للأب أَوْلى وأحرى، وإلا فكيف تلِدُ ابنه الذي هو اللاهوت ولا تكون صاحبته وامرأته؟!
وهم يقولون: نحن سَمَّينا عِلْمَه مولودًا عنه؛ لكونه تولَّد عنه تولُّد الكلمة عن العقل، وهذا الولد اتَّحد بالنَّاسوت فسَمَّينا المجموعَ ولدًا.
وبهذا يفرِّقون بين كون المسيح ابنًا وغيـرِه من الأنبياء يسمى ابنًا، فإنَّهم يقولون: [هؤلاء أبناءُ بالوضع، والمسيحُ ابنٌ بالطبع]؛ أي: أولئك سُمُّوا أبناء بمشيئة الرَّبِّ وقُدْرَته؛ لأنَّه اصطفاهم، والكلمةُ التي جعلوها متَّحدة بالمسيح هي عندهم متولِّدة عن الله تولُّدًا قديمًا أزليًّا، لا يتعلق بمشيئته وقُدْرته، ولهذا قالوا: [مولودٌ غير مصنوع]، فإنَّ القديم الأزليَّ -مع كونه قائمًا بذاته- لا يكون مصنوعًا عند أحد من العقلاء، ولا القائلين بقِدَم العالـم!.
فإذا كانت الكلمة اتَّحدتْ بالمسيح المخلوق مِن مريم والتحمتْ به، فإذا قيل مع ذلك: إنَّ القديم مَسَّ المحدَث أو لاصَقَه أو باشَـرَه؛ كان أيسـرَ مِن هذا كلِّه، ولهذا كان الحلولُ أسهلَ مِن الاتِّحاد.
فمَن قال: إنَّه حَلَّ في جسد المسيح وباشره، كما يحُلُّ الماء في اللبن؛ كان أهونَ ممن يقول: إنَّه اتَّحد به والتحم به.
فإذا قيل: إنَّ مريم امرأةُ القديم وصاحبتُه وزوجتُه؛ كان ما في هذا مِن إثبات مباشرته لها ومماسَّته لها واتصاله بها -ومهما قُدِّر من اتصال الزوج بزوجته- أهونَ مما قالوه مِن اتِّحادِ القديم بالمحدَث، ومصيرِه وإياه: إمَّا جوهرًا واحدًا، وإمَّا شخصًا واحدًا، وإمَّا مشيئة واحدة.
ولهذا كان كلُّ عاقل يعلم أنَّ النكاحَ الحسـيَّ أسهلُ من الولادة الحسية، فالذكر من الحيوان إذا نكَحَ الأنثى، فإنَّما مَسُّ الذكر للأنثى، لَـمْ تَصِـرْ الأنثى متولدةً عنه؛ فإذا جوَّزوا أن يكون للرَّبِّ القديم الأزليِّ ما يتولَّد عنه ويتَّحِدَ به -وهو محدَثٌ مخلوق-؛ فَلَأَنْ يكون له ما يمَسُّه أَوْلى وأحرى.
وإذا قالوا: إنَّ المسيح إنَّما كان ابنًا؛ لأنَّ الكلمة القديمة -التي هي ابن- اتَّحدت به.
قيل: فقد يُسمَّى النَّاسوت الذي اتَّحد به القديمُ؛ ابنًا عندكم باسم القديم، وجعلتموه إلهًا خالقًا، فما المانع مِن جَعْل أمِّ ذلك النَّاسوت الذي جعلتموه ابنَ الله صاحبة لله وزوجة، باعتبار أنَّ القديمَ الأزليَّ حصَلَ منه ومنها ما هو ابن للقديم الأزلي؟
[قول النصارى: إنَّ الله جوهر]
قال الحاكي عنهم: (فقلتُ: فإنَّهم يُنكِرون علينا قولنا: إنَّ الله تعالى جوهرٌ.
قالوا([27]): إنَّنا نسمع عن هؤلاء القوم أنَّهم ذوو فَضْلٍ وأدبٍ ومعرفةٍ، ومَن هذا صورتُه، وقد قرأ شيئًا من كتب الفلاسفة والمنطق؛ فما حقُّهم يُنكرون هذا علينا، وذلك أنَّه ليس في الوجود شيءٌ إلا وهو: إمَّا جوهر. وإمَّا عرَض، لأنَّ أيَّ أمرٍ نظرناه وجدناه: إمَّا قائمًا بنفسه غيرَ مفتقِر في وجوده إلى غيره؛ وهو: الجوهر. وإمَّا مفتقِرٌ في وجوده إلى غيره لا قِوام له بنفسه؛ وهو: العَرض. ولا يمكن أنْ يكون لهذين القسمين قسمٌ ثالث. فأشرفُ هذين القسمين القائمُ بذاته، الغيرُ مفتقِرٍ في وجوده إلى غيره؛ وهو: الجوهر. () أي: علماء النَّصَارى.
ولَـمَّا كان الباري -تقدَّست أسماؤه- أشرفَ الموجودات؛ إذ هو سبب سائرها؛ أَوْجبَ أن يكون أشرفَ الأمور وأعلاها: الجوهر؛ ولهذا قلنا: إنَّه جوهر لا كالجواهر المخلوقة، كما نقول: إنه شيءٌ لا كالأشياء المخلوقة، وإلا لَزِمَ أن يكون قِوامُه بغيره، ومُفْتَقِرًا في وجوده إلى غيره، وهذا من القبيح أن يُقال على الله تعالى.
فقلتُ لهم: إنَّهم يقولون [لنا]([28]): إنَّما نمتنع مِن أن نُسمِّيَه جوهرًا؛ لأنَّ الجوهرَ ما قَبِل عَرَضًا وما شَغَل الحيِّز، ولهذا ما يُطلَق عليه القول بأنَّه تعالى جوهر. () أي: المسلمون، والتصويب من رسالة بولس الأنطاكي.
قالوا([29]): إنَّ الذي يَقبل عَرَضًا ويشغَل حيِّزًا؛ هو: الجوهر الكثيف، فأمَّا الجوهر اللطيف فما يَقبل عرضًا ولا يشغل حيِّزًا، مثلَ جوهر النَّفْس، وجوهر العقل، وجوهر الضوء، وما يجري هذا المجرى من الجواهر اللطيفة المخلوقة. () أي: علماء النَّصَارى.
فإذا كانت الجواهر اللطيفة المخلوقة لا تَقبل عرضًا، ولا تشغَل حيِّزًا؛ فيكون خالقُ الجواهر -اللطائف والكثائف، ومركِّبُ اللطائف بالكثائف- يَقبل عرَضًا ويشغَل حيِّـزًا!؟، كلَّا)([30]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص423-424).
والجواب من وجوه:
[31][الوجه الأول]: أنْ يُقال لهم: أنتم تقولون إنكم متِّبعون للكتب الإلهية، وإذا كان كذلك؛ لَـمْ يَنْبغي([32]) لكم في شريعة إيمانكم من الأسماء إلا ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، والأنبياء لَـمْ يُسَمِّيه أحدٌ منهم جوهرًا، وإنَّما سمَّاه بذلك «أرسطو» وأمثاله، وهؤلاء كانوا مشـركين يعبدون الأصنام، ولم يكونوا يعرفون الله المعرفة الصحيحة، ولا يقولون: إنَّه خالق السماوات والأرض، ولا إنَّه بكل شيء عليم، ولا على كل شيء قدير، وإنَّما كانوا يعبدون الكواكب العُلْويَّة والأصنام السُّفْليَّة، ويعبدون الشياطين، ويؤمنون بالجبت والطاغوت، وإنَّما صاروا مؤمنين لَـمَّا دخل إليهم دين المسيح -صلوات الله عليه وسلامه- بعد «الإسكندر المقدوني» صاحب «أرسطو» بنحو ثلاثمئة سنة. تعليق جانبي/ أن لفظ الجوهر لم يأتِ به الأنبياء، وإنَّما جاء به أرسطو وهم يدَّعُون متابعة الأنبياء. () ذكر مُحقِّق الأصل أنَّها هكذا في النُّسَخ الخطية بالياء، وهي لغة صحيحة، يشهد لها قراءة قُنْبُل: { إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِۦ } [يوسف:90]. بإثبات الياء. انظر: الحجة للقراء السبعة (4/447-448).
وحينئذ: فعُدُولُكُمْ عن طريقة الأنبياء والمرسلين، إلى طريقة الكفار والمشـركين المعطِّلِين؛ مِن الضلال المبين.
وفي كتبهم: أنَّ بولص لما صار إلى «أيثينية» دار الفلاسفة، وفيها دارُ الأصنام، وجد مكتوبًا على باب دار العلماء: «الإله الخفيُّ الذي لا يُعرَف هو الذي خلق العالم»، فكانوا لا يَعرفون ربَّ العالمين، فكيف يُعْدَلُ عن طريقة رُسُل الله وأنبيائه كموسى وداود والمسيح، إلى طريقة هؤلاء الكفار المشركين المعطِّلِين.
ولكن النَّصَارى ركَّبوا دينًا مِن دينين: من دين الأنبياء الموحِّدين، ودين المشـركين، فصار في دينهم قِسْطٌ مما جاءت به الأنبياء، وقِسطٌ مما ابتدعوه مِن دين المشـركين في أقوالهم وأفعالهم، كما أحدثوا ألفاظ الأقانيم، وهي ألفاظ لا توجد في شيء من كلام الأنبياء، وكما أحدثوا الأصنام المرقومة([33]) بدل الأصنام المجسَّدة، والصلاةَ إلى الشمس والقمر والكواكب، بدل الصلاة لها، والصيام في وقت الربيع، ليجمعوا بين الدين الشَّـرْعي والأمر الطبيعي وغير ذلك. () أي: التماثيل المرسومة على الجدران.
[34][الوجه الثاني]: قولهم: «وجوهر الضوء». تعليق جانبي/ الاجمال في لفظ: (الضوء) وعدم اتفاقهم مع معانيه كلها
فيقال لهم:
إن أردتم بالضوء: نفس الشمس والنَّار؛ فهذا جسم مُتحيِّز، يشغَل حيِّزًا، ويَقبل عرضًا، ليس هو مِن الجواهر اللطيفة [التي] مثَّلْتُم بها.
وإنْ أردتم بالضوء: الشعاعَ القائمَ بالهواء والجدران ونحو ذلك؛ فليس هذا بجوهر، لا لطيف ولا كثيف، بل هو عرَضٌ قائم بغيره.
[35]الوجه الثالث]: قولكم: «إن الجوهر اللطيف لا يقبل عرَضًا»؛ كلام ممنوع، وهو باطل أيضًا. فإنَّ نفس الإنسان تَقبل الأعراض القائمة بها، وكذلك النَّـفْس الفلكيَّة -عند من أثبتها- تقوم بها إراداتٌ وتصوُّرَاتٌ متجدِّدة. تعليق جانبي/ بطلان امتناع قبول الجوهر اللطيف للعرض
ولفظ: «العرَض» في اصطلاح النُّظَّار يُراد به: ما قام بغيره، سواءٌ كان صفة لازمة أو عارضة، وهذا موجب تقسيم النَّصَارى، كما هو قول الفلاسفة، فإنَّهم قالوا: ليس في الوجود شيءٌ إلا وهو إما جوهرٌ وإما عرضٌ؛ لأنَّه أي أمرٍ نظرناه وجدناه إمَّا قائمًا بنفسه، غير مفتقر في وجوده إلى غيره، وهو: «الجوهر». وإمَّا مفتقر في وجوده إلى غيره، لا قِوام له بنفسه وهو: «العرض». قالوا: ولا يُمكن أن يكون لهذين قسم ثالث.
وهذا الذي قالوه هو تقسيم أرسطو وأتباعِه، وهو يُسَمِّي المبدأ الأول: جوهرًا، وهذا تقسيم سائر النُّظَّار. لكن أكثرهم لا يُدخلون رَبَّ العالمين في مُسَمَّى الجوهر، ومنهم من يُدخله فيه، وبعض النزاع في ذلك لفظي.
وإذا كان الأمر على ما قالوه؛ فالضوء القائم بالأرض والهواء عرَضٌ ليس جوهرًا قائـمًا بنفسه، وقد جعلوه جوهرًا، وهذا تناقض بيِّن.
وأيضًا، فالجواهر اللطيفة تقوم بها الأعراض؛ كالحياة والعلم، بل والرب على قولهم تقوم به الحياة والعلم، فإذا سمَّوه جوهرًا؛ لَزِمَهم أن يُسَمُّوا صفاته: أعراضًا إذا قالوا: لا موجود إلا جوهر أو عرض، وهذا يناقِض قولهم: الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض، فليس في الموجودات إلا هذا أو هذا، بل موجب كلامهم أنَّها قائمة بذات الله، فكيف بذات غيره!
وإنْ قالوا: يُعْنَى بالأعراض: الصفاتُ العارضة أو القائمة بالأجسام؛ كان هذا مناقِضًا لقولهم: [الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرضٍ]، مع قولهم: [إنَّ الرب جوهر ثلاثة أقانيم، والأقنوم ذات وصفة]، ومع قولهم: [إنَّ الرب جوهر]؛ فقولهم يقتضـي أنَّ الرب جوهر تقوم به الأعراض، فكيف غيره!
ثُمَّ يُقال: إذا قُدِّر أنَّهم يدَّعون ثبوت جوهر لا [تقوم] به الأعراض، فهذا اصطلاحٌ لهم وافقوا فيه نفاةَ الصفات من الفلاسفة كأرسطو وذويه، فإنَّهم يقولون: إنَّ الرب جوهر لا يتصف بشـيءٍ من الصفات الثبوتية، لكن ليس هذا قول النَّصَارى، فتبيَّن: أنَّهم في قولهم: [إنَّ الرب جوهر]، وفي قولهم: [إنَّ مِن الجواهر ما لا يقوم به الصفات]؛ موافقون للمشـركين الفلاسفة -أرسطو وأتباعه-، لا موافقين للمسيح والحواريين، وأنَّهم أثبتوا الصفات لله موافقة للمسيح والحواريين ثُمَّ جعلوه جوهرًا، ثُمَّ قالوا: [إنَّ الجوهر اللطيف لا تقوم به الصفات]، وهذا قول الفلاسفة المشـركين المعطِّلِين، وهذا تحقيق ما ذكرناه عنهم من أنَّهم ركَّبوا دينًا من دين المسيح والحواريين، ومن دين الكفار المشركين ونُظَّار المسلمين.
فهؤلاء إن عَنَوا بالعَرَض هذا؛ فكلُّ جوهر يقبل الصفات.
وإن أرادوا بالعَرَض ما يعنيه المتفلسفة بالصفات العرضية التي يفرِّقون بينها وبين الذاتية؛ [فهذا] تقسيم باطل، وبتقدير أن يكون حقًّا؛ فالنَّـفْس -أيضًا- تَقبل الصفات العرضية، بل وكذلك كل جوهر سواء كان لطيفًا أو كثيفًا.
فقولهم: «إنَّ الجوهر اللطيف لا يقبل عرضًا؛ مثل جوهر النَّفْس وجوهر العقل وجوهر الضوء، وما يجري هذا المجرى من الجواهر اللطيفة»؛ كلامٌ باطلٌ على كل تقدير.
وإن عَنَوا بلفظ العرَض شيئًا آخر؛ لَـمْ ينفعهم ذلك، فإنَّ المتكلِّمين الذين قالوا: «الجوهر هو ما يشغَل حيِّـزًا ويقبل عرضًا»؛ إنَّما أرادوا بالعرض: ما يقوم بغيره من المعاني، سواء كان لازمًا له أو عارضًا له، ومعلومٌ أنَّ كل جوهر فإنَّه تقوم به المعاني. والخالق تعالى عندهم [تقوم] به الحياة والعلم، فإذا كان الخالق تعالى تقوم به المعاني، وهم يُسَمُّونه جوهرًا؛ فكيف لا تقوم المعاني بغيره.
وهؤلاء يُثبتُونَ جوهرًا لطيفًا لا تقوم به الأعراض، مع قولهم: إنَّه تقوم به المعاني، وهذا اصطلاحٌ لهم لا يوافقهم عليه أحد، ثُمَّ يتناقضون فيقولون: الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض، وهذا تناقض!
ونُظَّار المسلمين لهم في تسمية صفات الله القائمة به أعراضًا نزاع بينهم، بعضهم يُسَمِّيها أعراضًا، وبعضهم يُنكر هذه التسمية، مع اتفاق هاتين الطائفتين على قيام الصفات به، وجمهور نُظَّار المسلمين لا يُسَمُّونه جوهرًا، وبعضهم يُسَمِّيه جوهرًا، وأمَّا مَن أنكر قيام الصفات به فذاك لا يُسَمِّيه جوهرًا ولا جسمًا.
وهؤلاء النَّصَارى متناقضون تناقضا بيِّـنًا، ولهذا كان لهم طريقة لا يوافقهم عليها أحد من طوائف العقلاء، وذلك يظهر:
[36][بالوجه الرابع]: وهو أنَّ النَّاس لهم في إثبات الصفات القائمة بذات الله تعالى قولان: تعليق جانبي/ اختلاف مقالة النصارى عن سائر مقالات الفِرَق من المسلمين.
فسلف المسلمين وأئمتهم وجمهور الخلق من أهل الملل وغير أهل الملل، يثبتون قيام الصفات بالله تبارك وتعالى، وهل تُسمَّى أعراضًا؟؛ على قولين.
والقول الثاني: قول مَن ينفي الصفات؛ مثل: الملاحدة الجهمية ونحوهم مِن مبتدعة المسلمين، ومَن وافقهم مِن الفلاسفة، وبعض اليهود والنَّصَارى، فهؤلاء لا تقوم به المعاني والصفات عندهم، فلا يقولون: تقوم به الأعراض.
ثُمَّ مِن هؤلاء مَن يُسَمِّيه جوهرًا؛ كأرسطو وأتباعه، ومنهم من لا يُسَمِّيه جوهرًا؛ كمتأخري الفلاسفة: ابن سينا وأمثاله، مع جمهور نُظَّار المسلمين وغيرهم.
وأمَّا الجمهور القائلون بقيام المعاني به؛ فبعضهم يُسَمِّيها أعراضًا وإن لم يُسَمِّه جوهرًا، وقد سَمَّاه بعضهم جوهرًا، وبعضهم ينفي أن يكون أعراضًا، وبعضهم يسكت عن النفي والإثبات، فلا يُسَمِّيها أعراضًا ولا ينفي تسميتها بذلك، أو يستفصل القائل عن كونها أعراضًا.
وأمَّا هؤلاء النَّصَارى فقالوا: هو [جوهر ثلاثة أقانيم]، ووصفوه بالصفات الثبوتية؛ وهي الحياة والنُّطْق، وقالوا: [الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض]؛ فلَزِمَهم أن تكون صفات الله أعراضًا عندهم.
ثُمَّ قالوا: [الجوهر اللطيف لا يقوم به الأعراض]، ونزَّهوا الرب أن تقوم به الأعراض، مع قولهم: إنَّه جوهر، فتناقضوا تناقضًا بيِّنا، حيث جمعوا بين كلام الرُّسُل وأتباعهم، وبين كلام المشركين المعطِّلِين الفلاسفة. فما تلقَّوه عن المسيح؛ فهو: حق، وما ابتدعوه مِن قولِ مَن خالف الرُّسُل؛ فهو: باطل. فجمعوا في قولهم بين الحق والباطل، وسلكوا مسلكًا لا يُعرف عن غيرهم.
وإيضاح هذا أن يُقال في:
[37]الوجه [الخامس]: أنَّ هذا الذي ذكروه تناقضٌ بيِّن؛ فإنَّهم قالوا: [الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض]، فالقائم بذاته هو الجوهر، والقائم بغيره هو العرض. ثُمَّ قالوا: [إنَّه موجود حي ناطق، له حياة ونطق]. تعليق جانبي/ تناقض النصارى في إثبات جوهر لا يقبل العرض مع قولهم: إنَّ الموجود منقسم إلى جوهر وعرض، ومع قولهم بالأقانيم
فيقال لهم: حياته ونطقه؛ إمَّا جوهر وإمَّا عرض، وليس جوهرًا؛ لأنَّ الجوهر ما قام بنفسه، والحياة والنُّطْق لا يقومان بأنفسهما بل بغيرهما، فهما مِن الأعراض، فتعيَّن أنَّه عندهم جوهر يقوم به الأعراض، مع قولهم: إنَّه جوهر لا يقبل عرضًا.
فإن قيل: أرادوا بقولهم: [لا يقبل عرضًا]؛ ما كان حادثًا.
قيل: فهذا ينقُضُ تقسيمهم الموجود إلى جوهر وعرض، فإنَّ المعنى القديم الذي يقوم به ليس جوهرًا وليس حادثًا، فإن كان عرضًا؛ فقد قام به العَرَض وقَبِلَهُ، وإن لَـمْ يكن عرضًا؛ بطل التقسيم.
يُبيِّن هذا: أنَّه يُقال: أنتم قلتم: [إنَّه شيءٌ حي ناطق]. وقلتم: [هو ثلاثة أقانيم]. وقلتم: [المتِّحد بالمسيح أقنوم الكلمة]. وقلتم في الأمانة: «نؤمن بإله واحد أب ضابط الكُلّ، وبربٍّ واحد، يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود مِن الأب قبل كل الدهور، إله حق من إله حق من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر».
ثُمَّ قلتم: [إنَّ الرب جوهر]. وقلتم: [إنَّ الذي يشغل حيِّزًا أو يقبَل عرضًا هو الجوهر الكثيف، فأمَّا الجوهر اللطيف فلا يقبل عرضًا، ولا يشغل حيِّزًا؛ مثل جوهر النَّفْس، وجوهر العقل، وما يجري هذا المجرى من الجواهر اللطيفة. فإذا كانت الجواهر اللطيفة المخلوقة لا تَقبل عرضًا ولا تشغَل حيِّزًا؛ فكيف خالق الجواهر اللطائف والكثائف، ومُركِّب اللطائف بالكثائف؛ يقْبَل عرضًا ويشغَل حيِّـزًا؟، كَلَّا].
فصـرَّحْتُم بأنَّه جوهر لا يقبل عرضًا، وقلتم: [ليس في الموجود شيءٌ إلا وهو إمَّا جوهر وإمَّا عرض، فإنْ كان قائمًا بنفسه غير محتاج في وجوده إلى غيره فهو الجوهر، وإن كان مفتقرًا في وجوده إلى غيره لا قوام له بنفسه؛ فهو العرض].
فيقال لكم: الابن القديم الأزليُّ المولود من جوهر أبيه، الذي هو مولودٌ غير مخلوق، الذي تجسَّد ونزل: هو جوهر قائم بنفسه؟ أم هو عرض قائم بغيره؟ والوجود عندكم: إمَّا جوهر وإمَّا عرض.
فإنْ قُلتُم: هو جوهر؛ فقد صرَّحتم بإثبات جوهرين: الأب جوهر، والابن جوهر، ويكون حينئذ أقنوم الحياة جوهرًا ثالثًا، فهذا تصـريح بإثبات ثلاثة جواهر قائمة بنفسها، وحينئذ فيبطل قولهم: إنَّه [إله واحد]، وإنَّه [أَحدِيُّ الذات ثُلاثيُّ الصفات]، وإنَّه [واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنوم]؛ إذ كنتم قد صرَّحتُم -على هذا التقدير- بإثبات ثلاثة جواهر.
وإن قلتم: [هو] عرضٌ قائم بجوهر الأب، ليس جوهرًا ثانيًا؛ فقد صرَّحتُم بأنَّ الرب جوهر تقوم به الأعراض، وقد أنكرتم هذا في كلامكم، وقلتم: [هو جوهر لا تقوم به الأعراض]. وقلتم: إنَّ في المخلوقات جواهر لا تقوم بها الأعراض، فالخالق أَوْلى، وهذا تناقضٌ بيِّن لا حيلة فيه لمن تدبَّر كلامهم أوَّله وآخره، فإنَّ كلامهم هذا يوجب أنَّه جوهرٌ واحد، لا يقوم به شيءٌ من الأعراض.
وهم يقولون: [جوهر واحد، ثلاثة أقانيم]. وسواء سمَّوها صفات أو خواص أو أعراضًا، أو قالوا: الأقنوم هو الذات والصفة.
فيقال لهم: الرب مع الأقانيم: ثلاثة جواهر؟، أو جوهر واحد له ثلاث صفات؟، أو جوهر لا صفة له؟
فإن قالوا: ثلاثة جواهر؛ أثبتوا ثلاثة، وبطل قولهم: [إنَّ الرب جوهر واحد وإله واحد]، وصرَّحوا بإثبات ثلاثة آلهة.
وإن قالوا: بل جوهر واحد له ثلاث صفات؛ فقد صرَّحُوا أنَّ هذا الجوهر تقوم به الصفات، وإذا قامت به الصفات -وقد سموه جوهرًا- وقالوا: [كل موجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض]؛ لَزِمَهم قطعًا أن تكون صفاته أعراضًا؛ فبطل قولهم: [إنَّه جوهر لا تقوم به الأعراض].
وإن قالوا: جوهر واحد لا تقوم به الصفات؛ بطل قولهم: [له حياة ونطق]. وإذا نفوا الصفات؛ أبطلوا التثليث والاتِّحاد وبطلت الأمانة، مع مخالفتهم لكتب الأنبياء، فإنَّها مُصَـرِّحة بإثبات الصفات، ومع مخالفتهم لصـريح العقل.
والمقصود: أنَّهم يتناقضون تناقضًا بيِّنًا؛ لأنَّهم أثبتوا جوهرًا لا تقوم به الأعراض، مع قولهم: [الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض]، ومع قولهم: [إنَّه جوهر ثلاثة أقانيم]. فإذا لَـمْ تَقُم به الأعراض؛ لَـمْ يكن له صفات؛ فإنَّ الصفة قائمة بغيرها ليست جوهرًا، بل هي إذا كان الموجود إمَّا جوهر وإمَّا عرض من قِسم الأعراض، لا من قسم الجواهر، فكان هذا الكلام نافيًا لقيام الصفات به مطلقًا.
[الفصل السادس: دعوى النَّصَارى أنَّ كمال رسالة المسيح عليه السلام تدُلُّ على عدم الحاجة إلى رسالة محمَّدٍ ﷺ]
ثُمَّ قالوا: (إنَّا نعجب مِن هؤلاء القوم، الذين مع أدبهم وما يأخذون به أنفسهم مِن الفَضْل، كيف لَـمْ يعلموا أنَّ الشـرائع شريعتان: شريعة عدل، وشريعة فَضْل؛ لأنَّه لَـمَّا كان الباري عدلًا وجوادًا وجب أن يُظْهِر عدْلَه على خلقه فأَرسل موسى إلى بني إسرائيل فوَضع شريعة العدل، وأمرهم بفعلها إلى أن استقرَّتْ في نفوسهم.
ولَـمَّا كان الكمال الذي هو الفَضْل لا يُمكن أن يضَعَه إلا أَكمل الكُمَّال؛ وجب أن يكون هو -تقدَّستْ أسماؤه وجلَّتْ آلاؤه- الذي يَضَعُه؛ لأنَّه ليس شيءٌ أكملَ منه، ولأنَّه جواد؛ وَجَب أن يجود بأجلِّ الموجودات وليس مِن الموجودات أكملُ مِن كلِمَته؛ ولذلك وَجَب أن يجود بكلمته، فلهذا وجب أنْ يتَّحِدَ بذاتٍ محسوسةٍ يُظْهِر منها قُدْرَته وجُودَه.
ولَـمَّا لَـمْ يكن في المخلوقات أجلُّ من الإنسان؛ اتَّحدَ بالطبيعة البشـرية مِن السَّيِّدةِ الطاهرة، مِن مريم البتول المصطفاة على نساء العالمين، وبعد هذا الكمال ما تبقَّى شيء يوضع؛ لأنَّ جميع ما يتقدَّمه مقتضيه، وما يأتي بعد الكمال غيرُ محتاجٍ إليه؛ لأن ليس شيءٌ يأتي بعد الكمال فيكون فاضلًا بل دُوْنٌ، أو أَخَذَ منه، والآخذ منه فهو فَضْلٌ لا يُحتاج إليه، وفي هذا القول نفع، والسلام على مَن اتَّبع الهدى.
وهذا مما عرفتُه مِن أمر القوم الذين رأيتُهم وخاطبتُهم في محمَّد عليه السلام وما يحتَجُّون به عن أنفسهم، فإنْ يكن ما ذكروه صحيحًا؛ فلله الحمد.
وإن كان خلاف ذلك؛ فمولانا يكتب ذلك، فقد جعلوني سفيرًا، والحمد لله ربِّ العالمين)([38]). () رسالة بولس الأنطاكي (ص424-425)، وبهذا النَّص تتم الرسالة.
والجواب عن هذا من وجوه:
[39]الوجه الأول: أنْ يُقال: بل الشرائع ثلاثة: شريعةُ عدل فقط، وشريعةُ فَضْل فقط، وشريعةٌ تجمع العَدْل والفَضْل: فتُوجِب العدل وتندُب إلى الفضل، وهذه أكمل الشـرائع الثلاث، وهي شريعة القرآن الذي جُمِع فيه بين العدل والفضل، مع أنَّا لا ننكِر أن يكون موسى عليه السلام أوجَبَ العدل وندَب إلى الفَضْل، وكذلك المسيح أيضًا، أوجَبَ العدل وندَب إلى الفضل. تعليق جانبي/ شريعة القرآن تجمع بين العدل والفَضْل
وأمَّا مَن يقول: إنَّ المسيح أَوجَبَ الفَضْل، وحَرَّم على المظلوم أن يقتصَّ مِن ظالمه، أو أنَّ موسى لَـمْ يَندُب إلى الإحسان، فهذا فيه غضاضة بشـريعة المرسلين، لكن قد يُقَال: إنَّ ذِكْر العَدْل في التوراة أكثر، وذِكْر الفَضْل في الإنجيل أكثر، والقرآن جَمَع بينهما على غاية الكمال.
والقرآن بيَّن أنَّ السُّعداء -أهل الجنَّة وهم أولياء الله- نوعان:
أبرار مُقتصدون: وهذه الدرجة تحصل بالعَدْل، وهو: أداء الواجبات وترك المحرمات.
ومُقرَّبون سابقون: وهذه الدرجة لا تحصل إلا بالفَضْل، وهو: أداء الواجبات والمستحبَّات، وترك المحرَّمات والمكروهات.
فالشريعة الكاملة تَجمع العَدْل والفَضْل؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فهذا عدل واجب، مَن خرج عنه استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، ثُمَّ قال: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فهذا فَضْلٌ مستحبٌّ مندوب إليه، مَن فَعله أثابه الله ورفع درجته، ومن تركه لَـمْ يُعَاقِبْه.
وقال تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ﴾ [النساء: ٩٢]، فهذا عدل، ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾ [النساء: ٩٢]، فهذا فَضْل.
وقال تعالى: ﴿وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ﴾ [المائدة: ٤٥]، فهذا عدل، ثُمَّ قال: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ﴾ [المائدة: ٤٥]، فهذا فَضْل.
[40]الوجه الثاني: أن يُقال لهم: إنَّ في شريعته من الهدى ودين الحق [ما هو] أكملَ مما في الشـريعتين المتقدِّمتين، وتيسيرُ الله مِن اتباع الخلق له واهتدائهم به ما لَـمْ يتيسـر مثلُه لمن قبله، فحصل فضيلةُ شريعته من جهة فضلها في نفسها، ومن جهة كثرة مَن قَبِلها وكمالِ قبولهم لها، بخلاف شريعة مَن قَبْله، فإنَّ موسى ﷺ بُعِث إلى بني إسرائيل، وكان فيهم مَن الرَّدِّ والعِنَاد في حياة موسى وبعد موته ما هو معروف، وقد ذكر النَّصَارى في كتابهم هذا مِن ذلك ما تقدم. تعليق جانبي/ الشـريعة الإسلامية أكمل من كافة الشـرائع السابقة
ولَـمْ تكن شريعةُ التوراة في الكمال مثلَ شريعة القرآن، فإنَّ القرآن فيه: مِن ذِكْر المعاد وإقامةِ الحُجَج عليه وتفصيلِه، ووصفِ الجنَّة والنَّار، ما لَـمْ يُذكَر مثلُه في التوراة.
وفيه: مِن ذِكر قصة هود وصالح وشعيب وغيرهم من الأنبياء، ما لَـمْ يُذكَر في التوراة.
وفيه: مِن ذكر أسماء الله الحسنى وصفاته، ووَصْف ملائكته وأصنافهم وخَلْق الإنس والجن ما لَـمْ يُفصَّل مِثْلُه في التوراة.
وفيه: مِن تقرير التوحيد بأنواع الأدلة ما لَـمْ يُذكَر مِثْلُه في التوراة.
وفيه: مِن ذِكْر أديان أهل الأرض ما لَـمْ يُذكَر مِثْلُه في التوراة.
وفيه: مِن مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لَـمْ يُذكَر مِثْلُه في التوراة، مع أنَّه لَـمْ يَنزِل كتابٌ مِن السماء أهدى مِن القرآن والتوراة.
وفي شريعة القرآن: تحليلُ الطيبات وتحريمُ الخبائث، وشريعةُ التوراة: فيها تحريم كثير مِن الطيبات عليهم، حُرِّمت عليهم عقوبة لهم.
وفي شريعة القرآن: من قَبول الدِّيَة في الدماء ما لَـمْ يُشرع في التوراة.
وفيها: مِن وَضْع الآصار والأغلال التي في التوراة ما يَظهر به أنَّ نعمة الله على أهل القرآن أكمل.
وأمَّا الإنجيل؛ فليس فيه شريعة مُستَقلَّة، ولا فيه الكلام على التوحيد وخَلْق العالم وقصص الأنبياء وأممهم، بل أحالهم على التوراة في أكثر الأمر، ولكنْ أحلَّ المسيح بعضَ ما حُرِّمَ عليهم، وأمَرهم بالإحسان والعفو عن المظالِـم، واحتمال الأذى والزُّهْد في الدنيا، وضَرَبَ الأمثال لذلك، فعامة ما امتاز به الإنجيل عن التوراة بمكارم الأخلاق المستحسنة، والزُّهد المستَحبِّ، وهذا كله في القرآن، وهو في القرآن أكمل.
فليس في التوراة والإنجيل والنبوات ما هو من العلوم النافعة والأعمال الصالحة إلا وهو في القرآن، أو ما هو أفضل منه.
وفي القرآن من العلوم النافعة والأعمال الصالحة من الهدى ودين الحق ما ليس في الكتابيْن، لكن النَّصَارى لَـمْ يتَّبِعُوا لا التوراة ولا الإنجيل، بل أحدثوا شريعة لَـمْ يُبعَثْ بها نبيٌّ من الأنبياء، كما وضعوا لقسطنطين «الأمانة»، ووضعوا له أربعين كتابًا، ويُسمُّونها: [القوانين]، فيها بعض ما جاءتْ به الأنبياء، وفيها شيءٌ كثير مخالِفٌ لشـرع الأنبياء، وصاروا إلى كثير من دين المشـركين الذين عَبَدُوا مع الله آلهة أخرى، وكذَّبوا رُسُله؛ فصار في دينهم مِن الشِّرْك، وتغيير دين الرُّسُل ما غيَّروا به شريعة الإنجيل، ولهذا التبَسَتْ عند عامتهم شريعةُ الإنجيل بغيرها، فلا يَعرفون ما نسَخَهُ المسيح مِن شريعة التوراة مما أقرَّه، ولا ما شرعه مما أُحدث بعده.
[41]الوجه الثالث: وهو أنْ يُقال: هَبْ أنّ شريعة الكتابين كانت كافية، فإنَّما ذاك إذا كانت محفوظة معمولًا بها، ولَـمْ يكن الأمر كذلك، بل كانت قد دَرَسَ كثيرٌ من معالمها، وقد اختَلف أهل الكتاب في المسيح وغيره اختلافًا عظيمًا كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: 14]. وقد قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [البقرة: 213]، أي: فاختلفوا. ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ﴾ [البقرة: ٢١٣]. تعليق جانبي/ أنَّ شريعة الكتابين غير محفوظة، ودَرَسَ كثيرٌ من معالمها
والوقت الذي بَعَثَ الله فيه محمَّدًا ﷺ لَـمْ يكن قد بَقِي أحدٌ مُظهِرًا لِـمَا بَعَثَ الله به الرُّسُل قبله، فبعثه على حين فترة مِن الرُّسُل، وطُمُوسٍ مِن السُّبُل، أحوجَ ما كان النَّاس إلى رسول، كما في [صحيح مسلم] عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ الله نَظَرَ إِلى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلا بَقَايَا مِن أَهْلِ الكِتَابِ)([42]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2865).
وكان النَّاس حين مبعث محمَّدٍ ﷺ: إمَّا أُمِّـيِّين لا كتابَ لهم، يُشْـرِكُون بالرَّحمن ويعبدون الأوثان، وإمَّا أهل كتاب قد بدَّلُوا معانيه وأحكامَه، وحرَّفُوا حلالَه وحرامَه، ولبَّسوا حقَّه بباطِلِه، كما هو الموجود.
فلو أراد الرَّجُل أن يُميِّـزَ له أهلُ الكتاب ما جاءت به الأنبياء مما هم عليه مما أحدثوه بعدهم؛ لَـمْ يَعرف جمهورُهم ذلك، بل قد صار الجميع عندهم دِينًا واحدًا.
فبَعَث الله تبارك وتعالى محمَّدًا ﷺ بالكتاب الذي أنزله عليه مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا، فميَّز به الحق مِن الباطل، والهُدى مِن الضلال، والغَيَّ مِن الرشاد. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ﴿15﴾ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ﴿16﴾ لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ﴾ [المائدة: 15-17]، إلى قوله: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 19].
[43]الوجه الرابع: أنَّ شريعة التوراة تَغلِب عليها الشِّدَّة، وشريعةَ الإنجيل يغلِب عليها اللِّيْن، وشريعة القرآن معتدِلةٌ جامعةٌ بين هذا وهذا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾ [البقرة: ١٤٣]. تعليق جانبي/ أن شريعة القرآن معتدلة جامعة للشدة واللِّين بخلاف غيرها
وقال في وصف أمته: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩]، وقال أيضًا: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، فوصفهم بالرحمة للمؤمنين والذِّلَّة لهم، والشِّدَّة على الكفار والعِزَّة عليهم.
وكذلك كان صفة محمَّدٍ ﷺ نبيِّهم، أكملِ النبيين وأفضلِ الرُّسُل؛ بحيث قال: (أنا محمَّد، وأنا أحمد، وأنا نبيُّ الرحمة، وأنا نبيُّ الملْحَمة، وأنا نبيُّ التوبة)([44])، وأنا الضَّحُوك القَـتَّال([45]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2355)، والترمذي في "الشمائل المحمدية" برقم: (367). () وصف النبي ﷺ بـ:[الضحوك القتَّال]، لا يصح فيه حديثٌ مرفوع، بل هو مما ورد في كتب بني إسرائيل، ومحل الشاهد يثبتُ بدونها، فإنَّ النبي ﷺ وُصِفَ بنبي الرحمة مع وصفه بنبي الملحمة، وهذا فيه من كمال الاعتدال ما جعل نبينا محمَّدًا ﷺ من أكمل النبيين وأفضل المرسلين.
فوَصَف نفسه بأنَّه نبيُّ الرحمة والتوبة، وأنَّه نبيُّ الملحمة، وأنَّه الضَّحُوك القتَّال، وهذا أكمل ممن بُعِثَ بالشِّدَّة والبأس غالبًا، أو باللِّيْن غالبًا، وقد قيل بسبب ذلك: أنَّ بني إسرائيل كانت نفوسهم قد ذَلَّتْ لقهر فرعون لهم، واستعباد فرعون لهم، فشُـرِعَتْ لهم الشِّدَّة لتقوى أنفسهم ويزول عنهم ذلك الذُّلُّ، ولهذا لَـمَّا أُمِروا بالجهاد نكَلوا عنه؛ وقال لهم موسى: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ﴿٢١﴾ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ﴿٢٢﴾ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ﴿٢٣﴾ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢١–٢٤].
وأمَّا أصحاب محمَّدٍ ﷺ؛ فقال له قائلهم يوم بدر: (والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، بل نقاتل أمامك، ووراءك، وعن يمينك، وعن يسارك، والذي بعثَكَ بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه لخضناه معك، ولو سِرتَ بنا إلى برْكِ الغِمَاد لسِـرْنا معكَ)([46])، وكان الكلام قريبًا من «بدر»، والبحر من جهة الغرب، و«برْك الغماد»: مكان من يماني مكة، بينه وبين مكة عدَّة ليال، والكفار كانوا -إذ ذاك- بمكة، وأصحابه مِن ناحية المدينة شاميّ مكة، فمكةُ جنوبهم، والبحرُ غربهم. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (1779).
يقول: لو طلبتَ أن ندخل بلد العدو، ونذهبَ إلى تلك الناحية؛ لفعلناه.
قالوا: فلمَّا نصَـرَ الله بني إسرائيل وأظهرَهم؛ ظهرتْ فيهم الأحداثُ بعد ذلك وتجبَّروا وقسَتْ قلوبهم، وصاروا شَبَهًا بآل فرعون، فبَعَثَ الله المسيح عليه السلام باللِّيْن والصَّفْح والعفو عن المسـيء واحتمال أذاه؛ لِيُلِين أخلاقهم، وتزول ما كانوا فيه من الجبريَّة والقسوة.
فأفرطَ هؤلاء في اللِّيْن حتى تركوا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، والجهادَ في سبيل الله، وتركوا الحكمَ بين النَّاس بالعَدْل وإقامةَ الحدود، وتَرهَّب عُبَّادُهُم منفردين، مع أنَّ في ملوك النَّصَارى مِن الجبريَّة والقسوة والحكم بغير ما أنزل الله وسَفْك الدماء بغير حق مما يأمرهم به علماؤهم وعُبَّادُهُم، ومما لم يأمروهم به ما شاركوا فيه اليهود.
فبَعَثَ الله محمَّدًا ﷺ بالشـريعة الكاملة العادلة، وجعَل أمَّتهُ عدلًا خيارًا لا ينحرفون إلى هذا الطرف، ولا إلى هذا الطرف، بل يشْتَدُّون على أعداء الله ويَلِيْنون لأولياء الله، ويستعملون العفو والصَّفْح فيما كان لنفوسهم، ويستعملون الانتصار والعقوبة فيما كان حقًّا لله.
وهذا كان خُلُق نبيِّهم كما في [الصَّحيحين] عن عائشة قالت: (مَا ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا، ولا امرأة، ولا دابَّة، ولا شيئًا قط، إلا أنْ يُجاهد في سبيل الله، ولا نِيل منه شيءٌ قط فانتقم لنفسه، إلا أن تُنتهَك محارمُ الله، فإذا انتُهِكت محارمُ الله لَـمْ يَقُم لغضبه شيءٌ حتى ينتقم لله)([47]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2328).
وفي [الصَّحيح] عن أنس أنَّه قال: (خدمْتُ رسول الله ﷺ عشـر سنين، فما قال لي أفٍّ قطُّ، ولا قال لشـيءٍ فعلتُه لَـمْ فعلتَه؟، ولا لشـيء لَـمْ أفعله: لِـمَ لا فعلتَه؟)([48]). وكان بعضُ أهله إذا عَتَبوني على شيء يقول: (دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ؛ لَكَانَ)([49]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6038)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2309). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (13418)، وأبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة" (ص183).
هذا مع قوله في الحديث الصحيح، لَـمَّا سَرقتْ امرأةٌ كانت مِن أشرف قريش من بني مخزوم؛ فأَمر بقطع يدها، فقالوا: من يُكلِّمْ فيها رسولَ الله ﷺ؟ فقالوا: مَن يجترِئُ عليه إلا أسامة بن زيد؟ فكلَّموه، فكلَّمَهُ فيها، فقال: (يَا أُسَامَةُ!، أَتشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟، إِنَّـمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّـرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحدَّ، وَالَّذِيْ نَفْسِـي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)([50]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3475)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1688).
ففي شريعته ﷺ مِن اللِّيْن والعفو والصَّفْح ومكارم الأخلاق؛ أعظمُ مما في الإنجيل، وفيها مِن الشِّدَّة والجهاد، وإقامة الحدود على الكُفَّار والمنافقين؛ أعظمُ مما في التوراة، وهذا هو غاية الكمال.
ولهذا قال بعضهم: بُعِثَ موسى بالجلال، وبُعِثَ عيسى بالجمال، وبُعِثَ محمَّد بالكمال.
[51]الوجه الخامس: إنَّ نِعَمَ الله على عباده تتضمَّن نفعَهم والإحسانَ إليهم، وذلك نوعان: تعليق جانبي/ أن في الرسالة المحمدية كمال النعم وتواصلها من دفع المضـرة وجلب المنقعة والحاجة لها ضرورية
أحدهما: أنْ يَدْفَع بذلك مضـرَّتهم، ويُزيل حاجتهم وفاقتهم؛ مثل: رِزقهم الذي لولا هو لماتوا جوعًا، ونصْرهم الذي لولا هو لأهلكهم عدوهم، ومثل: هداهم الذي لولا هو لضلُّوا ضَلالًا يضُرُّهم في آخرتهم.
وهذا النوع مِن النِّعْمَة لا بُدَّ لهم منه، وإنْ فقدوه حصل لهم ضرر: إمَّا في الدنيا، وإما في الآخرة، وإما فيهما، ولهذا كان في سورة النَّحْل -وهي سورة النِّعَم- في أولها أصول النِّعَم، وفي أثنائها كمال النِّعَم.
والنوع الثاني: النِّعَم التي يحصلُ بها مِن كمالِ النِّعَم وعلوِّ الدَّرَجة ما لا يحصل بدونها، كما أنَّهم في الآخرة نوعان: أبرار أصحاب يمين، ومقرَّبون سابقون، ومن خرج عن هذين كان من أصحاب الجحيم.
وإذا كانت النِّعْمَة نوعين؛ فالخلق كانوا محتاجين إلى إرسال محمَّدٍ ﷺ مِن هذين الوجهين، وحصل بإرساله هذان النوعان مِن النِّعْمَة.
فإنَّ النَّاس بدونه كانوا جُهَّالًا ضَالِّين، أُمِّيُّهم وأهل الكتاب منهم، ولم يكن قد بقي من أهل الكتاب -أتباع المسيح- مَن هو قائم بالدِّين الذي يُوجِب السعادة عند الله في الآخرة، بل كانوا قد بدَّلُوا وغيَّروا.
وأيضًا؛ فلو قُدِّرَ أنَّهم لم يُبَدِّلُوا شيئًا، ففي إرساله مِن كمال النِّعَم وتواصلها وعلوِّ الدرجات في السعادة ما لَـمْ يكن حاصلًا بالكتاب الأول، فكان إرساله أعظمَ نعمة أنعم الله بها على أهل الأرض من نوعي النعيم.
ومن استبرأ أحوال العالم تبيَّن له أنَّ الله لَـمْ يُنعِم على أهل الأرض نعمةً أعظمَ من إنعامه بإرساله ﷺ، وإنَّ الذين ردُّوا رسالته هم ممن قال الله فيهم: ﴿۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
ولهذا وُصِفَ بالشكر مَن قَبِلَ هذه النِّعْمَة؛ فقال تعالى: ﴿بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
[52]الوجه السادس: أنْ يُقال: قولهم: «إنِّا نعجب من هؤلاء القوم...»، إلى آخر الفصل؛ قولُ جاهلٍ ظالمٍ يستحقُّ أنْ يُقال له: بل العجب مِن هذا العجب هو الواجب، بل هو الذي لا ينقضـي منه العجب، وإنَّ كُلَّ عاقل ليَعجب ممن عَرف دين محمَّدٍ ﷺ -وقَصْدُه الحقَّ- ثُمَّ اتَّبع غيره، ويعلمُ أنَّه لا يفعل ذلك إلا مُفْرِطٌ في الجهل والضَّلَال، أو مُفْرِطٌ في الظُّلْم واتِّبَاع الهوى، وذلك أنَّ أهل الأرض نوعان: تعليق جانبي/ أن العجب متحقِّقٌ فيمن ترك الإسلام مع شهادة كافة الملل بالانتفاع بها
أهل الكتاب؛ وهم: اليهود والنَّصَارى.
وغير أهل الكتاب؛ كالمشـركين مِن العرب والهند والترك، وغيرهم، كالمجوس مِن الفرس وغيرهم، وكالصابئة من المتفلسفة، وغيرهم.
وأهل الكتاب يُسَلِّمون لنا أنَّ مَن سوى أهل الكتاب انتفع بنبوة محمَّدٍ ﷺ منفعة ظاهرة، وأنَّه دعا جميع طوائف المشـركين والمجوس والصابئين إلى خيرٍ مما كانوا عليه، بل كانوا أحوجَ النَّاس إلى رسالته.
وأمَّا أهل الكتاب: فاليهود مُسلِّمون لنا حاجة النَّصَارى إليه، وأنَّه دعاهم إلى خيرٍ مما كانوا عليه، والنَّصَارى تُسلِّم لنا حاجة اليهود إليه، وأنَّه دعاهم إلى خيرٍ مما كانوا عليه.
فما من طائفةٍ من طوائف أهل الأرض إلا وهم مُقِرُّون بأنَّ محمَّدًا ﷺ دعا سائر الطوائف -غيرهم- إلى خيرٍ مما كانوا عليه، وهذه شهادةٌ مِن جميع أهل الأرض بأنَّه دعا أهلَ الأرض إلى خيرٍ مما كانوا عليه، فإنَّ شهادةَ جميع الطوائف مقبولةٌ على غيرهم؛ إذ كانوا غير مُتَّهمِين عليهم، فإنَّهم مُعَادُون لمحمَّدٍ وأمَّتِهِ، ومُعَادُون لسائر الطوائف، وأمَّا شهادتهم لأنفسهم؛ فغيرُ مقبولة؛ فإنَّهم خصومه، وشهادة الخصم على خصمه غير مقبولة.
وقد اعتَرف الفلاسفة بأنَّه لَـمْ يَقْرَعْ العالَـمَ ناموسٌ أفضل مِن ناموسه، واعترفوا بأنَّه أفضلُ مِن ناموس موسى والمسيح -عليهم الصَّلاة والسَّلام-، بل لهم مِن الطَّعْنِ في نواميس غيرِه ما ليس هذا موضع ذكره، بخلاف ناموس محمَّدٍ ﷺ؛ فإنَّه لَـمْ يطْعَنْ فيه أحدٌ منهم، إلا مَن كان خارجًا عن قانون الفلسفة التي تُوجب عندهم العدلَ والكلامَ بعِلم. وأمَّا مَن التزم منهم الكلام بعِلْم وعَدْل فهم مُتَّفِقُونَ على أنَّ ناموس محمَّدٍ ﷺ أفضلُ ناموس طَرَق العالَـم، فكيف يُعجَبُ مِن مثل هذا الناموس؟!
[53]الوجه السابع: أنْ يُقال لأهل الكتاب خصوصًا: تعليق جانبي/ أن المسلمين ليس فيهم ذلة اليهود ولا ضلال النصارى بل فيهم طائفة قائمة بالحق، ترفض الذلة وتنفي الضلال
فيُقال لليهود: أنتم أذلُّ الأمم، فلو قُدِّرَ أنَّ ما أنتم عليه دينُ الله الذي لَـمْ يُبدَّل؛ فهو مغلوب مقهور في جميع الأرض، فهل تعجبون مِن أنْ يَبْعثَ الله رسولًا يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فيبعثه بالهُدى ودين الحق ليُظْهِره على الدِّيْن كُلِّه؛ حتى يصير دين الله الذي بَعَث به رسله، وأنزل به كتبَه منصورًا ظاهرًا بالحجة والبيان، والسيف والسِّنَان.
ويُقَال للنَّصَارى: أنتم لَـمْ تُخلِّصوا دين الله الذي بَعَثَ به رُسُله مِن دين المشـركين والمعطِّلِين، بل أَخذتم من أصول المشـركين والمعطِّلِين مِن الفلاسفة وغيرهم ما أدخلتموه في دينكم، وليس لكم على أكثر الكُفَّار حُجَّةٌ علمِيَّةٌ، ولا يدٌ قهريَّةٌ، بل للكُفَّار في قلوبكم مِن الرُّعْبِ والخوف والتعظيم ما أنتم به مِن أضعف الأمم حُجَّةً وأضيقها محجَّةً، وأبعدِها عن العلم والبيان، وأعجزِها عن إقامة الحجة والبرهان، تارة تخافون من كُفَّار الفلاسفة وغيرهم مِن المشـركين والمعطِّلِين: فإمَّا أن توافقوهم على أقوالهم، وإمَّا أن تَخضعوا لهم متواضعين، وتارة تخافون مِن سيوف المشـركين: فإمَّا أن تتركوا بعضَ دينكم لأجلهم، وإمَّا أن تذِلُّوا لهم خاضعين.
ففيكم مِن ضَعْف سلطان الحُجَّةِ، وضَعْف سلطان النُّصْـرَةِ ما يَظهر به حاجتُكم إلى قيام الهُدى ودين الحق الذي بَعث الله به رُسُله، وأنزل به كتبه، فالعجب منكم كيف تعدِلون عمَّا فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة إلى ما فيه شقاؤكم في الدنيا والآخرة!، هذا هو العجب، ليس العجب ممن آمن بما فيه سعادةُ الدنيا والآخرة، وفي خلافه شقاوة الدنيا والآخرة.
[54]ومثل هذا لا يَرِدُ على المسلمين، فإنَّه لم يزل ولا يزال فيه طائفة قائمة بالهُدى ودين الحق، ظاهرةٌ بالحجة والبيان، واليد والسِّنان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، كما ثبت في [الصِّحَاح] عن النبي ﷺ أنَّه قال: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ الله، لَا يَضُـرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة. وفي لفظ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ حَتَّى يَأْتِـيَ الله بِأَمْرِهِ)([55]). تعليق جانبي/ أن التوراة والإنجيل حُرِّفَا وبُدِّلا ولا تعبران عن الدين الصحيح فالحاجة إلى الاسلام ضرورية () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3641)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1037).
الوجه [الثامن]: إنَّ الله سبحانه وتعالى كانت سُنَّـتُه قبل إنزال التوراة، إذا كُذِّب نبيٌّ مِن الأنبياء؛ يَنتقِم له مِن أعدائه بعذابٍ مِن عنده، كما أهلك قومَ نوح بالغرق، وقومَ هود بالرِّيح الصَـرْصَر، وقومَ صالح بالصَّيْحَة، وقومَ شعيب بالظُلَّة، وقومَ لوط بالحاصب، وقومَ فرعون بالغَرَق، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43].
فلما أنزل التوراة، أمرَ أهل الكتاب بالجهاد؛ فمنهم من نَكَل، ومنهم من أطاع، وصار المقصودُ بالرِّسَالة لا يحصل إلا بالعلم والقُدْرة؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾ [الفتح: 28].
فقول هؤلاء: إنَّ التوراة جاءت بالعَدْل، والإنجيلَ بالفَضْل فلا حاجة إلى غيرهما؛ لو قُدِّر أنَّه حق؛ إنَّما يستقيم إذا كان الكتابان لم يُبَدَّلا، بل كانا مُتَّـبَعَيْن عِلْـمًا وعَمَلًا، وكان أهلُهما مع ذلك منصورين مؤيَّدين على مَن خالفهم، فكيف وكلٌّ منهما قد بُدِّلَ كثيرٌ مما فيه، وأهلُهما غير منصورين على سائر الكُفَّار، بل الكُفَّار ظاهرون عليهم في أكثر الأرض؛ كأرض اليمن والحجاز وسائر جزيرة العرب، وأرض العراق وخراسان والمغرب، وأرض الهند والسِّند والتُّرك، وكان بأيدي أهل الكتاب الشَّام ومصـر وغير ذلك، ومع هذا فكانت الفُرْس قد غلبَتْهم على ذلك، ثُمَّ إنَّ الله أظهر النَّصَارى عليهم، فكان ظهورُهم تَوطِئةً وتمهيدًا لإظهار دين الإسلام.
فإنَّ الفرس المجوس لـمَّا غلبُوا الرُّومَ ساءَ ذلك النبيَّ ﷺ والمؤمنين به، وفرِح بذلك مُشْـرِكُو العرب وكانوا أكثرَ مِن المؤمنين؛ لأنَّ أهل الكتاب أقربُ إلى المؤمنين مِن المجوس، والمجوس أقرب إلى المشـركين منهم إلى أهل الكتاب، ووعَد الله المؤمنين أن تَغلِب الرُّوم بعد ذلك، وأنَّه يومئذ يفرح المؤمنون بنصـر الله، فأضاف النصـرة إلى اسم الله، ولم يقل: {بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُم}، وذلك أنَّه حين ظهرتْ الرُّومُ على فارس؛ كان النبي ﷺ وأصحابُه قد ظهروا على المشركين واليهود.
وأرسل النبيُّ ﷺ إذ ذاك يدعو ملوك النَّصَارى بالشَّام ومصـر إلى الإيمان به، فعرفوه وعرفوا أنَّه النبيُّ المبشَّر به، وكان ذلك أولَ ظهور دينه.
[56]الوجه [التاسع]: قولهم: «لَـمَّا كان الباري عَدْلًا جوادًا؛ أَوجب أن يُظهِر عدلَه وجودَه». تعليق جانبي/ أن شريعة الإنجيل لا تتضمن العدل وأَخْذَ الحقوق، وحاجة النَّاس إليه ضرورية وهو موجود في الإسلام
فيُقال لهم: جُود الجواد غير إلزام النَّاس بترك حقوقهم، فإنَّ الجواد هو الذي يُحسِنُ إلى النَّاس ليس هو الذي يُلزِم النَّاس بترك حقوقهم، وهؤلاء يزعمون أنَّ شريعة الإنجيل أَلزمت النَّاس بترك حقوقهم، وأنَّه لا يُنصَف مظلومٌ مِن ظالمه، ولهذا ليس عندهم حُكْمٌ عَدْلٌ يحكمون به بين النَّاس، بل الحكم عندهم حكمان:
حكم الكنيسة: وليس فيهم إنصافُ المظلوم مِن الظالـم.
وحكم الملوك: وليس هو شَرْعًا مُنَـزَّلًا، بل هو بحسب آراء الملوك.
ولهذا تجدهم يردُّون النَّاس إلى حُكْمِ شَرْعِ الإسلام في الدِّمَاء والأموال ونحو ذلك، حتى في بعض بلادهم يكون الـمَلِكُ والعسكر كلُّهم نصَارى، وفيهم طائفة قليلةٌ مسلمون لهم حاكم، فيردُّون النَّاس في الدِّمَاء والأموال إلى حُكْمِ شَرْع المسلمين، وذلك أنَّ الدِّمَاء والأموال وإنْ كان يُستَحَبُّ للمظلوم أن يعفو فيها عَن ظالمه، فالحاكم الذي يَحكم بين النَّاس، متى حكم على المظلوم بترك حقه؛ كان حاكمًا بالظُّلْمِ لا بالعَدْل.
ولو أَمَرْنَا كل وليِّ مقتولٍ أن لا يقتَصَّ مِن القاتل، وكلَّ صاحب دَيْنٍ أن لا يُطَالِب غريمَه، بل يدَعَه على اختياره، وكلَّ مشتوم ومضـروب أن لا يَنتصِف مِن ظالمه؛ لَـمْ يكن للظالمين زاجرٌ يزجُرُهم، وظَلَم الأقوياءُ الضعفاءَ، وفسدت الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: 251]، فلا بُدَّ مِن شَرْعٍ يتضمَّن الحكم بالعَدْل، ولا بُدَّ -مع ذلك- مِن ندْبِ النَّاس إلى العفو والأخذ بالفَضْل.
وهذه شريعة الإسلام كما تقدم ما ذكرناه من الآيات، مثل قوله: ﴿وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ﴾ [المائدة: 45]. ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ [البقرة: 280]. وقوله: ﴿وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾ [النساء: 92]. وقال أنس: (ما رُفِعَ للنَبِيِّ ﷺ أَمْرٌ فِيْهِ القِصَاصُ، إِلَا أَمَرَ فِيْهِ بَالعَفْوِ)([57])، فكان يأمر بالعفو، ولا يُلزِم النَّاس به، ولهذا لَـمَا عَتَقَتْ بريرةُ، وكان لها أن تفسخ النِّـكَاح، وطلب زوجُها أن لا تفارقه؛ شَفَعَ إليها أن لا تفارقه، فقالت: أتأمرني؟، قال: (لا، إِنَّـمَا أَنَا شَافِعٌ)([58]). فلم يُوجِب عليها قبولَ شفاعته ﷺ. () أخرجه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" برقم: (2337)، وأبو داود في "سننه" برقم: (4497)، وأحمد في "مسنده" برقم: (13220). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (5283)، وابن حبان في "صحيحه" برقم: (4273).
[59]الوجه [العاشر]: قولهم: «ولَـمَّا كان الكَمال الذي هو الفَضْل لا يُمكن أنْ يضَعَه إلا أكمل الكُـمَّال». تعليق جانبي/ أن الشـريعة التي جمعت العدل والفَضْل أحق أن تضاف إلى الله ممن لم تجمعهما
فيقال لهم: العَدْل والفَضْل لا يَشْـرَعُهُ إلا الله، فشـريعة التوراة لَـمْ يَشْـرَعْها إلا الله، وشريعة الإنجيل لَـمْ يَشرعها إلا الله عز وجل.
يُبيِّن ذلك: أنَّ الله كلَّمَ موسى مِن الشجرة تكليمًا، وهم غايةُ ما قرَّرُوا به إلهيَّةَ المسيح؛ أنْ زعموا أنَّ الله كلَّم النَّاس مِن ناسوت المسيح، كما كلَّمَ موسى مِن الشجرة، ومعلومٌ عند كل عاقل -لو كان هذا حقًّا- أنَّ تكليمه لموسى مِن الشجرة أعظمُ تكليمٍ كَلَّمَهُ الله لعباده، فكيف يُقَال: إنَّ شريعة العَدْل لَـمْ يشْرَعها الله عز وجل؟
ثُمَّ يُقال لهم: بل شريعة العَدْل أحقُّ بأنْ تُضَاف إلى الله مِن شريعة الفَضْل، فإنَّ الأمر بالإحسان والعفو يُحسنه كل أحد، وأمَّا معرفة العَدْل والحكم بين النَّاس به، فلا يقدِر عليه إلا آحاد النَّاس، ولهذا يوجد الذي يُصلح بين النَّاس بالإحسان خلقٌ كثيرٌ، وأمَّا الذي يُحسِن أن يَفْصِلَ بينهم بالعَدْل فنَاسٌ قليل، فكيف يُقال: إنَّ الذي يأمر بشَرْع الفَضْل هو الله، دون الذي يأمر بشَرْع العَدْل؟ والله تعالى أرسل الرُّسُل وأنزل الكتب؛ ليقوم النَّاس بالقِسْطِ كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾ [الحديد: 25].
وأمْر المسيح عليه السلام للمظلوم بالعفو عن الظالِـم؛ ليس فيه ما يدُلُّ على أنَّه مِن الواجب الذي مَن تركه استحقَّ الذَّمَّ والعقاب، بل هو مِن المـرَغَّبِ فيه، الذي مَن فَعَله استحق المدح والثواب. وموسى عليه السلام أَوْجب العَدْل الذي مَن تركه استحقَّ الذَّمَ والعقاب، وحينئذ: فلا منافاة بين إيجاب العَدْل، وبين استحباب الفَضْل، لكن إيجاب العَدْل يَقتَرن به الترهيب والتخويف في تركه، واستحبابُ الفضل يقترن به الترغيب والتشويق إلى فعله، فذاك فيه رهبةٌ مع ما فيه مِن الرغبة، وهذا فيه رغبة بلا رهبة.
ولهذا قال المسيح عليه السلام: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ﴿117﴾ إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117-118].
ولهذا قيل: إنَّ المسيح عليه السلام بُعِثَ لتكميل التوراة، فإنَّ النوافل تكون بعد الفرائض كما في [صحيح البخاري] عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال: (يَقُول اللهُ تعَالَى: مَنْ عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمحَارَبَةِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِـيْ بَهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِـرُ، وبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِـيْ، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّـهُ، وَلَئِن اسْتَعَاذِنِي لَأُعِيْذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِيْ عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي المؤُمِنْ، يَكْرَهُ الموْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ)([60]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6502)، مع اختلافٍ يسير في الألفاظ.
وإلا فلو قيل: إنَّ المسيح عليه السلام أَوجَبَ على المظلوم العفو عن الظالـم؛ بمعنى أنَّه مُستَحِقٌّ للوعيد، والذَّمِّ والعقابِ إن لَـمْ يَعْفُ عنه؛ لَزِمَ مِن هذا أنْ يكون كلُّ مَن انتصف مِن الظالم ظالـمًا مُستَحقًّا للذَّمِّ والعقابِ، وهذا ظُلْمٌ ثانٍ للمظلوم الذي انتَصف، فإنَّ الظالِـمَ ظَلَمه أولًا، فلما انتصف منه ظُلِمَ ظُلْمًا ثانيًا، فهو ظُلْمٌ لعادلٍ انتَصف مِن ظالمه.
وما أحسنَ كلامَ الله حيث يقول: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ﴿36﴾ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ﴿38﴾ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ﴿39﴾ وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿40﴾ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿41﴾ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ﴿42﴾ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورى: 36-43].
وقال: ﴿۞ ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ﴾ [الحج: 60].
فهذا مِن أحسن الكَلَام وأعدله وأفضله حيث شَرَع العَدْل؛ فقال: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، ثُمَّ ندَبَ إلى الفَضْل؛ فقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى: 40].
ولَـمَّا ندب إلى العفو، ذكر أنَّه لا لوم على المنتصف، لئلا يُظَنَّ أنَّ العفو فرضٌ فقال: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41]، ثُمَّ بيَّن أنَّ السَّبِيْل إنَّما يكون على الظالمين؛ فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [الشورى: 42]، ثُمَّ لما رفَعَ عنهم السَّبِيْل ندَبهم مع ذلك إلى الصَّبْر والعفو؛ فقال: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].
فهذا أحسنُ شَرْعٍ وأجمله، يُرغِّب في الصَّبْر والغفر والعفو والإصلاح بغاية الترغيب، ويَذكر ما فيه مِن الفضائل والمحاسن وحميد العاقبة، ويَدفع عن المنتصف ممن ظلمه الملامَ والعَذْل، ويُبيِّن أنَّه لا حرج عليه ولا سبيل إذا انتَصر بعدما ظُلِم.
فهل يمكن أن تأتي شريعةٌ بأنْ تجعل على المنتصف سبيلًا مع عدله وهي لا تجعل على الظالـم سبيلًا مع ظلمه؟
فعُلِمَ أنَّ ما أَمر به المسيح مِن العفو لم يكن لأنَّ تاركَه مُستَحِقٌّ للذَّمِّ والعقاب، بل لأنَّه محرومٌ مما يحصل للعافي المحسن مَن الأجر والثواب، وهذا حقٌّ لا يُناقِض شرعَ التوراة، فعُلم أنَّ شَرْع الإنجيل لَـمْ يُناقِض شرع التوراة؛ إذ كان فَرْعًا عليها ومُكَمِّلًا لها، وحينئذ فزَعْمُهم أنَّ شَرْع الإنجيل شرَعه الله دون شَرْع التوراة؛ كلامُ مَن هو مِن أجهل النَّاس وأضَلِّهم، ولهذا كان هذا فَرْعًا على قولهم بالاتِّحاد، وأنَّ المسيح هو الله، فذاك الضَّلَالُ أوجب هذا القول المحال([61]). () إلى هنا ينتهي تعليق شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله على كامل رسالة بولس الأنطاكي، ثُمَّ تكلم ابن تيمية بعد ذلك عن قضيتين:الأولى: الجواب على سؤالٍ مشهورٍ لدى النَّصَارى متعلِّقٍ بصحة نبوة نبيٍّ من الأنبياء.الثانية: كلام مستفيض في دلائل النبوة، وبها ختم الكتاب.
[اشتراط النَّصَارى لصحة نبوة محمِّدٍ ﷺ إخبار الأنبياء به]
والنَّصَارى لهم سؤالٌ مشهور بينهم، وهو أنَّ منهم مَن يقول: محمَّدٌ ﷺ لَـمْ تُبشِّـر به النبوَّات، بخلاف المسيح؛ فإنَّه بشَّـرَتْ به النبوَّات، وزعموا أنَّ مَن لَـمْ تُبشِّـر به؛ فليس بنَبِيٍّ؛ وهذا السؤال يورَدُ على وجهين:
أحدهما: أنَّه لا يكون نبيًّا حتى يُبَشَّـر به.
والثاني: أنَّ مَن بُشِّر به أفضلُ أو أكملُ ممن لَـمْ يُبَشَّـر به، أو أنَّ هذا طريق تُعرَف به نبوَّة المسيح اختصَّ به، وأنتم قد قلتم: مَا مِن طريق ثبتَتْ به نبوَّة نبي إلا ومحمَّدٌ تثبت نبوَّته بمثل تلك الطريق وأفضل.
فأمَّا هذا الثاني، فيستحق الجواب.
[62]وأمَّا الأول؛ فنحن نجيبهم عنه أيضًا، لكن هل تجب الإجابة عنه؟ فيه قولان بناءً على أصلٍ؛ وهو أنَّه: هل مِن شرط النَّسْخ الإشعارُ بالناسخ؟([63])، ولنظَّار المسلمين فيه قولان: تعليق جانبي/ حكم الإشعار بالناسخ () انظر في هذه المسألة: قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني (1/423)، الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء (4/254-255).
أحدهما: أنَّه لا بُدَّ إذا شَرَع حُكْمًا يريد أن ينسخه، فلا بُدَّ أن يُشعِر المخاطَبِين بأنَّه سينسخه؛ لئلا يظُنُّوا دوامه؛ فيكون ذلك تجهيلًا لهم.
والثاني: لا يشترط ذلك.
وأيضًا؛ فمَن بُعِثَ بعد موسى بشـريعةٍ، هل يجب أن يكون مُبَشَّـرًا به؟. فيه قولان.
وبكل حال، فلا ريب عند علماء المسلمين أنَّ المسيح عليه السلام بَشَّـر بمحمَّدٍ ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [الصف: ٦].
وإذا كان كذلك؛ فيُقال: معلومٌ باتِّفاق أهل الملل، أنَّه ليس مِن شرط نُبوَّةِ كُلِّ نبيٍّ أن يُبشِّـر به مَن قَبْلَه؛ إذ النُّبوَّة ثابتةٌ بدون ذلك، لاسيما ونوح وإبراهيم وغيرهما لَـمْ يُعلَم أنَّه بَشَّـر بهما مَن قَبْلَهُما، وكذا عامَّة الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل لَـمْ تتقدَّم لهم بشارات؛ إذ كانوا لَـمْ يُبعثوا بشـريعةٍ ناسخة، كداود وأَشْعِيا وغيرهما.
وإنَّما قد يُدَّعَى هذا فيمن جاء بنسخِ شَرْعِ مَن قَبْلَه، كما جاء المسيح بنسخ بعض أحكام التوراة، وكذلك محمَّدٌ ﷺ، ففي مثل هذا يَتنازع المتنازعون من علماء المسلمين وغيرهم: هل يشترط أن يكون قد أخبر بذلك قبل النسخ؟؛ على قولين.
وحينئذٍ؛ فالمسلمون يقولون: شريعة التوراة والإنجيل لم تشْـرَع شَرْعًا مُطْلَقًا، بل مُقَيَّدًا إلى أن يأتي محمَّد ﷺ، وهذا مثل الحكم المؤقَّتِ بغايةٍ لا يُعلم متى يكون، كقوله تعالى: ﴿فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا﴾ [النساء: ١٥]، ومثل هذا جائزٌ باتفاق أهل الملل.
وهل يسمَّى هذا نسخا؟؛ فيه قولان:
قيل: لا يُسَمَّى نَسْخًا، كالغاية المعلومة، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ﴾ [البقرة: 187]، فإنَّ ارتفاع وجوب الصيام بمجيء الليل لا يُسَمَّى نسخًا باتفاق الناس، فقيل: إنَّ الغاية المجهولة كالمعلومة.
وقيل: بل هذا يُسَمَّى نسخًا، ولكن هذا النسخ جائز باتفاق أهل الملل: اليهود وغيرهم، وعلى هذا فثُبُوت نُبوَّة المسيح ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهما- لا تتوقَّف على جواز النسخ المتنازَع فيه، فإنَّ ذلك إنَّما يكون في الحكم المطلق، والشرائعُ المتقدِّمة لَـمْ تُشْرَع مُطْلقًا.
وسواء قيل: إنَّ الإشعار بالناسخ واجب أو قيل: إنَّه غير واجب، فعلى القولين قد أَشْعرَ أهلَ الشَّـرْع الأول بأنَّه سيُنسَخ، فإنَّ موسى بَشَّـرَ بالمسيح، وكذلك غيره من الأنبياء، وموسى والمسيح وغيرُهما من الأنبياء بشَّـرُوا بمحمَّدٍ ﷺ، وإذا كان هذا هو الواقع؛ فنُبوَّة المسيح ومحمَّد -صلى الله عليهما وسلم- لا تتوقَّف على ثبوت النَّسْخ المتنازَع فيه.
[64]وحينئذٍ؛ فنقول: العلم بنُبوَّة محمَّدٍ ﷺ ونُبوَّة المسيح لا يتوقَّف على العلم بأنَّ مَن قبلهما بَشَّـر بهما، بل طُرق العلم بالنبوَّة مُتعدِّدَة، فإذا عُرِفَتْ نبوَّته بطريق من الطُّرُق؛ ثبتَتْ نبوَّته عند مَن عَلِم ذلك، وإن لَـمْ يعلم أنَّ مَن قَبْلَه بَشَّـرَ به، لكن يُقال: إذا كان الواجب أو الواقع أنَّه لابُدَّ مِن إخبار مَن قَبْلَه بمجِيْئه، وأنَّ الإشعار بنسخِ شريعةِ مَن قَبْلَه واجبٌ أو واقع؛ صار ذلك شرطًا في النُّبوَّة، ومَن عَلِم نُبوَّته عَلِمَ أنَّ هذا قد وقع، وإنْ لَـمْ يُنقَلْ إليه. تعبيق جانبي طُرُق العلم بالنبوة متعددة، وليس شرطًا التبشير بنبوته
فإذا قال المعارِض: عدمُ إخبار مَن قَبْلَه به قد يقدح في نُبوَّته، فإنَّه إذا قُدِّر أنَّه لَـمْ يُخبِر به مَن قَبْلَه، والإخبار شَرْطٌ في النبوة؛ كان ذلك قَدْحًا.
قيل: الجواب هنا مِن طريقين:
الطريق الأول: أنْ يُقال: إذا عُلِمَتْ نبوَّته بما قام عليها مِن أعلام النُّبوَّة: فإمَّا أن يكون تبشير مَن قَبْلَه به لازمًا لنبوته -واجبًا أو واقعًا-، وإمَّا أن لا يكون لازمًا.
فإن لَـمْ يكن لازمًا؛ لَـمْ يجب وقوعه.
وإنْ كان لازمًا؛ علم أنَّه قد وقع، وإنْ كان ذلك لَـمْ يُنقل إلينا؛ إذ ليس كلُّ ما قالتْه الأنبياء المتقدِّمون علِمناه ووصل إلينا، وليس كلُّ ما أخبر به المسيح ومَن قَبْلَه من الأنبياء وصل إلينا، وهذا مما يُعلم بالاضطرار.
ولو قُدِّر أنَّ هذا ليس في الكتب الموجودة؛ لَـمْ يلزم أنَّ المسيح ومَن قَبْلَه لَـمْ يذكروه، بل يمكن أنَّهم ذكروه وما نُقِلَ، ويمكن أنَّه كان في كُتُبٍ غيرِ هذه، ويمكن أنَّه كان في نُسَخٍ غيرِ هذه النُّسَخ فأُزيل مِن بعضها، ونُسِختْ هذه مما أزيل منه، وتكون تلك النُّسخ التي هو موجودٌ فيها غيرَ هذه، فكلُّ هذا ممكنٌ في العادة، لا يُمكن الجزم بنفيه.
فلو قُدِّر أنَّه ليس في هذه الكُتُب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب؛ لَـمْ يُقطَع بأنَّ الأنبياء لَـمْ يُبشِّروا به، فإذا لَـمْ يمكن اليهود أن يقطعوا بأنَّ المسيح لم تُبشِّـرْ به الأنبياء، ولا يمكن أهل الكتاب أن يقطعوا بأنَّ محمَّدًا لم تُبشِّـرْ به الأنبياء؛ لَـمْ يكن معهم عِلْمٌ بعدم ذلك، بل غاية ما يكون عند أحدهم ظَنٌّ؛ لكونه طلب ذلك فلَمْ يجده.
ودلائل نبوة المسيح ومحمَّد قطعية يقينية، لا يُمكن القَدْح فيها بظَنٍّ؛ فإنَّ الظَنَّ لا يَدْفع اليقين، لاسيَّما مع الآثار الكثيرة المخْبِرة بأنَّ محمَّدًا كان مكتوبًا باسمه الصريح فيما هو منقول عن الأنبياء، كما في [صحيح البخاري] أنَّه قيل لعبد الله بن عمرو: أَخبِرْنا ببعض صفة رسول الله ﷺ في التوراة؛ فقال: (إنَّه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيُّها النبي إنَّا أرسلناك شاهدًا ومبشِّـرًا ونذيرًا، وحِرزًا للأُمِّـيِّـين، أنتَ عبدي ورسولي، سمَّيتُك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍّ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسَّيِّئة السَّيِّئة، ولكن يجزي بالسَّيِّئة الحسنة ويعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملَّة العَوْجَاء، فأفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، بأنْ يقولوا: لا إله إلا الله)([65]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2125).
ولفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزَّبُور قد يُراد به: الكتب المعيَّنة، ويراد به: الجنس، فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور وغيره، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ القرآن فَكَانَ مَا بَيْنَ أَنْ تُسْـرَجَ دَابَّـتُهُ إِلَى أَنْ يَرْكَبهَا يَقْرَأُ القُرْآنَ)([66]). والمراد به: قرآنه وهو: الزبور، ليس المراد به: القرآن الذي لَـمْ يَنزل إلا على محمَّدٍ. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3417).
وكذلك ما جاء في صفة أمة محمد: (أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ)([67])، فسَمَّى الكتب التي يقرؤونها -وهي القرآن-: أناجيل. () أخرجه الطبراني في "الكبير" برقم: (10046).
وكذلك في التوراة: (إنِّي سأقيم لبني إسرائيل نبيًّا مِن إخوتهم، أنزل عليه توراةً مثل توراة موسى)([68])، فسَمَّى الكتاب الثاني: توراةً. () انظر: سفر التثنية: (18: 18).
فقوله: «أخبرني بصفة رسول الله ﷺ في التوراة»؛ قد يراد بها: نفسُ الكُتُب المتقدِّمة كلِّها، وكلُّها تُسمَّى توراة، ويكون هذا في بعضها، وقد يراد به: التوراةُ المعيَّنة، وعلى هذا فيكون هذا في نسخةٍ لَـمْ تُنسَخ منها هذه النُّسَخ، فإنَّ النُّسَخ الموجودة بالتوراة التي وقفنا عليها ليس فيها هذا، لكن هذا عندهم في نبوَّة أشعيا، قال فيها: (عبدي الذي سُرَّتْ به نفسي، أُنْزِلُ عليه وحيي، فيُظهِر في الأُمَمِ عَدْلي، ويُوصيهم بالوصايا، لا يضْحَكُ ولا يُسمَعُ صوتُه في الأسواق، يفتح العيون العُور، والآذانَ الصُّمَّ، ويُحيي القلوب الغُلْف، وما أعطيه لا أعطيه أحدًا، يحمد الله حمدًا جديدًا، يأتي من أقصـى الأرض، وتفرح البَرِيَّة، وسكانها يُهلِّلُون الله على كل شَرَفٍ، ويُكبِّرونه على كل رابية، لا يَضْعُف ولا يُغلَب ولا يميل إلى الهوى، مُشَقَّحٌ، ولا يذلُّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يُقوِّي الصِّدِّيقين، وهو رُكْن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يُطفى، أثر سلطانه على كتفَيه)([69])، وهذه صفاتٌ منطبقة على محمَّدٍ ﷺ وأمَّته، وهي مِن أجلِّ بشارات الأنبياء المتقدِّمين به. () انظر: سفر أشعيا (42: 1-15).
الطريق الثاني من الجواب: أنْ نُبيِّن أنَّ الأنبياء قَبْله بشَّـرُوا به، وهذا هو دليل مُستَقِلٌّ على نبوَّتِه، وعَلَمٌ عظيمٌ مِن أعلام رِسَالته.
وهذا أيضًا يدُلُّ على نُبوَّة ذلك النبيِّ إذ أخبر بأنباءٍ من الغيب مع دعوى النُّبوَّة، ويدُلُّ على نُبوَّة محمَّدٍ ﷺ لإخبار مَن ثبتَتْ نُبوَّته بنبوته، هذا إذا وُجِدَ الخبر ممن لا نعلم نحن نُبوَّته، ولَـمْ يُذْكَر في كتابنا.
وأمَّا مَن ثبتَتْ نُبوَّته بطُرُقٍ أخرى كموسى والمسيح، فهذا مما تَظاهَرَ فيه الأدلة على المدلول الواحد، وهو أيضًا يتضَمَّن أنَّ كل ما ثبتَتْ به نُبوَّة غيره فإنَّه تثْبُتُ به نُبوَّتُه، وهو جواب ثان لِـمَن يَجعل ذلك شرطًا لازمًا لنُبوَّته.
[طرق معرفة بشارات الأنبياء بمحمَّدٍ ﷺ]
ثُمَّ العلم بأنَّ الأنبياء قبله بشَّروا به يُعلَم من وجوه:
الوجه الأول: ما في الكُتُب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب مِن ذِكْره.
الوجه الثاني: إخبار مَن وقف على تلك الكُتُب وغيرها مِن كُتُب أهل الكتاب -ممن أسلم ومَنْ لَـمْ يُسْلِم- بما وجدوه مِن ذِكره فيها.
وهذا مثلُ ما تواتر عن الأنصار أنَّ جيرانهم مِن أهل الكتاب كانوا يُخبِرون بمَبْعَثِه، وأنَّه رسول الله، وأنَّه موجود عندهم، وكان هذا مِن أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به؛ لـمَّا دعاهم إلى الإسلام، حتى آمن الأنصار به وبايعوه من غير رهبة ولا رغبة، ولهذا قيل: إنَّ المدينة فُتِحَتْ بالقرآن، لَـمْ تُفْتَحْ بالسَّيْف كما فُتِحَ غيرها.
ومثلُ ما تواتر عن إخبار النَّصَارى بوجوده في كُتُبهم؛ مثلَ: إخبار هرقل ملك الروم، والمقوقس ملك مصـر صاحب الإسكندرية، والنجاشي ملك الحبشة، والذين جاؤوه بمكة.
وقد ذكر الله ذلك عنهم في القرآن؛ في قوله عن اليهود: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
قال أبو العالية وغيره: (كانوا -يعني: اليهود- إذا استَنصَـروا بمحمَّدٍ على مشـركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبيَّ الذي نجدُه مكتوبًا عندنا، حتى نُعَذِّب المشـركين ونقتلهم، فلمَّا بعَثَ الله محمَّدًا ﷺ ورأوا أنَّه مِن غيرهم كفروا به؛ حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنَّه رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآيات ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89])([70]). () انظر: تفسير الطبري (2/240)، تفسير ابن كثير (1/326).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أنَّ غُلَامًا يهوديًّا كان يَخْدِمُ النبيَّ ﷺ، فمرض فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله: يَا يَهُوْدِيّ!، أَنْشُدُكَ بِالله الَّذِيْ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوْسَى، هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟، قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنَّا نَجِدُ في التوراة نَعتَكَ ومَخرجك، وإنِّي أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّكَ رسول الله، فقال: النَّبيُّ ﷺ: أَقِيمُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَلُوا أَخَاكُمْ). رواه البيهقي بإسناد صحيح([71]). () أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (6/272).
وقال عن النَّصَارى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ﴿52﴾ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا) [القصص: ٥٢-٥٣].
وفي [الصَّحيحين] من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب، لَـمَّا حدَّثَهُ عن هِرَقل، وذكر فيه أنَّ هِرَقل لَـمَّا سأله عن صفات رسول الله ﷺ قال: (إنْ يكن ما تقول فيه حَقًّا، إنَّه لنَبيٌّ، وقد كنتُ أعلم أنَّه خارج، ولَـمْ أكن أظُنُّه منكم، ولو أعلم أنِّي أخلُص إليه لأحببتُ لقاءَه، ولو كنتُ عنده لغَسَلْتُ عن قدميه)([72]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4553)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1773).
وكذلك النجاشي ملك الحبشة، لما هاجر الصحابة إليه، لما آذاهم المشـركون وخافوا أن يَفتنوهم عن دينهم، وقرؤوا عليه القرآن، قال: (فأخذ عُودًا بين أصبعيه، فقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قُلْت هذا العودَ، فتناخرتْ بطارقتُه؛ فقال: وإن نَخَرْتم، اذهبوا فأنتم سِيُومٌ بأرضي)([73]). يعني أنتم آمنون. () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (1764).
وقال هذا؛ لأنَّ قريشًا أرسلوا هدايا إليه، وطلبوا منه أن يرُدَّ هؤلاء المسلمين وقالوا: هؤلاء فارقوا ديننا وخالفوا دينك.
قال ابن إسحاق: (وقَدِمَ على رسول الله ﷺ عشـرون رجلًا -أو قريب مِن ذلك- وهو بمكة، مِن النَّصَارى حين ظَهَر خبرُه بالحبشة، فوجدوه في المجلس فكلَّمُوه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم، فلَمَّا فَرَغُوا مِن مسألتهم رسول الله ﷺ عمَّا أرادوا، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن، فلـمَّا سمعوا فاضت أعينهم مِن الدَّمْعِ، ثُمَّ استجابوا له، وآمنوا به وصدَّقُوه، وعرفوا منه ما كان يُوصَفُ لهم في كتابهم من أمره.
فلمَّا قامُوا مِن عنده؛ اعترَضَهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا: خيَّبكُم الله مِن رَكْبٍ، بعَثَكم مَن وراءكم مِن أهل دينكم لترتادوا لهم فتأتونهم بخبر الرجل؛ فلم تطمئنَّ مجالسُكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدَّقْتُمُوه بما قال لكم، ما نعلم ركبًا أحمقَ منكم -أو كما قالوا لهم-؛ فقالوا: سلام عليكم لا نُجاهِلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ويقال: فيهم نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ الآية)([74]). () سيرة ابن إسحاق (4/200)، وانظر: سيرة ابن هشام (1/391).
[75]الوجه الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرَّةً بعد مرَّةٍ، واستشهادُه بأهل الكتاب، وإخبارُه بأنَّه مذكور في كتبهم؛ مما يدُلُّ العاقل على أنَّه كان موجودًا في كُتبهم، فإنَّه لا ريب عند كل مَن عرف حال محمَّدٍ مِن مؤمن وكافر، أنَّه كان مِن أعقل أهل الأرض، فإنَّ المكذِّبين له لا يشُكُّون في أنَّه كان عنده من الخِبرة والمعرفة والحِذْق، ما أوجب أن يُقيم مثل هذا الأمر العظيم، الذي لم يحصل لأحدٍ مثلُه، لا قَبْلَه ولا بعده، فعُلِم ضرورة أنَّه لا يفعله ولا يُخبِر به، وهو مِن أحرص النَّاس على تصديقه، وأخبرِهِم بالطُّرُق التي يُصدَّق بها، وأبعدِهم عن أن يفعل ما يَعلم أنَّه يُكذَّب به. تعليق جانبي/ إخبار القرآن بالبشارات
فلو لَـمْ يَعلم أنَّه مكتوبٌ عندهم بل عَلِم انتفاءَ ذلك؛ لامتنع أن يُخبِر بذلك مرَّةً بعد مرَّةٍ، ويَستشهد به، ويُظهِر ذلك لموافقيه ومخالفيه، وأوليائه وأعدائه، فإنَّ هذا لا يفعله إلا مَن هو أقلُّ النَّاس عقلًا؛ لأنَّ فيه إظهارَ كذِبِه عند مَن آمن به منهم، وعند مَن يَخْبُرونه، وهو ضدُّ مقصوده، وهو بمنزلة من يريد إقامة شهودٍ على حقِّه فيأتي إلى مَن يعلم أنَّه لا يكذب، ويعلم أنَّه ليس بشاهدٍ ولا حَضَـر قضيته، ويقول: هذا يشهد لي، وهذا يشهد لي، فإنَّهم كانوا حاضرين هذه القضية، فيقول أولئك: لسنا نشهد له، ولا حضـرنا هذه القضية، فهذا لا يفعله عاقل يعلم أنَّهم لَـمْ يكونوا حاضرين، وأنَّهم يُكذِّبونه، ولا يشْهَدُون له.
[76]الوجه الرابع: أنْ يُقال: لَـمَّا قامَتْ الأعلام على صِدْقِه، وقد أَخبر أنَّه مكتوبٌ في الكُتُب المتقدِّمة، وأنَّ الأنبياء بشَّـروا به؛ عُلِمَ أنَّ الأمر كذلك؛ لكن هذا لا يُذكر إلا بعد أن يُقام دليلٌ منفصلٌ على نُبوَّته. تعليق جانبي/ إخباره بالبشارات بعد قيام الأدلة على صِدْقه.
و[الوجه] الأول هو مِن أَظهر الحجج على أهل الكتاب، وأَظهر الأعلام على نُبوَّته.
وقد استخرج غير واحد مِن العلماء مِن الكُتُب الموجودة الآن في أيدي أهل الكتاب من البشارات بنُبوَّتِه مواضع متعدِّدَة، وصنَّـفُوا في ذلك مصنَّفاتٍ، وهذه البشارات في هذه الكُتُب مِن جنس البشارات بالمسيح ﷺ.
[77]الوجه الخامس: أنْ يُقال: معلوم أنَّ ظهورَ دين محمَّدٍ ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها، أعظمُ حادث حدَثَ في الأرض؛ فلم يُعرَف قطُّ دينٌ انتشـر ودام كانتشاره ودوامه. تعليق جانبي/ أن ظهور الدين المحمدي يستلزم إخبار الأنبياء السابقين به لأنَّهم أخبروا بمن هو أقل شأنًا منه كالدَّجَّال.
فإنَّ شَرْع موسى وإن دام، فلم ينتشـر انتشاره، بل كان غايةُ ظهوره ببعض الشَّام.
وأمَّا شَرْع المسيح، فقَبْل قسطنطين لَـمْ يكن له مُلْكٌ، بل كانوا يكونون ببعض بلاد الروم وغيرها، وكانوا مستضعفين بقَتْل أعيانهم أو عامَّتهم في كثير من الأوقات، ولَـمَّا انتشر تَفرَّق أهلُه فِـرَقًا متباينةً يُكفِّر فيها بعضهم بعضًا.
ثُمَّ إنَّ شَرْع محمَّدٍ ﷺ ظهر في مشارق الأرض ومغاربها، وفي وسط الأرض المعمورة، وظهرتْ أمَّته على النَّصَارى في أفضل الأرض وأجلِّها عندهم؛ كأرض الشَّام ومصـر والجزيرة وغيرها، ودام شرعُه، فله اليوم أكثرُ من سبعمئة سنة([78]). () ولا يزال الأمر مستمِرًّا ودينه ينتشـر في الأرض، وله سبعمئة سنة بعد كلام ابن تيمية رحمه الله، لم ينقطع، بل في ازدياد وسوف يستمر إلى قيام الساعة بمشيئة الله ونصـره.
ومعلومٌ أنَّ هذا المدَّعِي للنُّبـُوة، سواءٌ كان صادقًا أو كاذبًا؛ لابُدَّ أنْ يُخبِر به الأنبياء، فإنَّهم أخبروا بظهور الدَجَّال الكذَّاب؛ تحذيرًا للنَّاس مِن فتنته، وأنَّه كذَّاب، يَظهر على يديه أمورٌ يفتتن بها النَّاس، مع أنَّ الدَجَّال مُدَّتُه قليلة.
فلو كان ما يقوله المكذِّب لمحمَّدٍ حقًّا، وأنَّه كاذب ليس برسول؛ لكانت فتنتُه أعظمَ مِن فتنة الدَجَّال مِن وجوهٍ كثيرة؛ لأنَّ الذين اتبعوه أضعاف أضعاف من يتَّبع الدَجَّال.
فلو كان كاذبًا لكان الذين افتتنوا به أضعاف أضعاف من يفتتن بالدَجَّال، فكان التحذيرُ منه أَوْلى من التحذير مِن الدَجَّال؛ إذ ليس في العالَـمِ مِن زمان آدم إلى اليوم كذَّابٌ ظهر ودام هذا الظهورَ والدوامَ، فكيف تُغْفِل الأنبياءُ التحذيرَ عن مثل هذا لو كان كاذبًا؟
وإذا كان صادقًا: فالبِشَارة به للإيمان به أَوْلى ما تبشِّـر به الأنبياء من المستقبلات وتُخبِر به؛ فعُلم أنَّه لابُدَّ أن يكون في الكُتُب ذِكرُه.
ثُمَّ قد وُجِدَ مواضع كثيرة في الكُتُب تزيد على مئة موضع استدلوا بها على أنَّه مذكور، وتواتر عن خَلْقٍ كثيرٍ مِن أهل الكتاب أنَّه موجودٌ في كُتُبهم، وتواتر عن كثيرٍ ممن أسلم أنَّه كان سببَ إسلامهم أو من أعظم سبب إسلامهم علمَهم بذِكره في الكُتُب المتقدِّمة:
إمَّا بأنَّه وُجد ذِكره في الكُتُب، كحال كثيرٍ ممن أسلم قديمًا وحديثًا.
وإمَّا بما ثبَتَ عندهم مِن أخبار أهل الكتاب كالأنصار، فإنَّه كان مِن أعظم أسباب إسلامهم ما كانوا يسمعُونَه مِن جيرانهم أهلِ الكتاب مِن ذِكْره ونَعْته، وانتظارِهم إيَّاه، وأنَّ مِن خيارهم مَن لَـمْ يسكُنْ أرضَ يثرب -مع شدَّتها ويدَعْ أرض الشَّام مع رخائها- إلا لانتظاره لهذا النبيِّ العربي الذي يُبعَث مِن ولد إسماعيل.
ولم يُمكِن أحدًا قطُّ أن يَنقل عن شيء من الكتب أنَّه وَجد فيها ذكرَه بالذَّمِّ والتكذيب والتحذير، كما يوجد ذِكر الدَجَّال.
فإذا كان الذين استخرَجوا ذِكْرَه من كتب أهل الكتاب، والذين سمِعوا خبرَه من علماء أهل الكتاب إنَّما يذكرون نعتَه فيها بالمدح والثناء؛ عُلِمَ بذلك أنَّ الأنبياء المتقدِّمين ذكروه بالمدح والثناء، ولَـمْ يذكروه بذمٍّ ولا عيب.
وكلُّ مَن ادَّعَى النُّبوَّة ومدَحه الأنبياء وأثنوا عليه؛ لَـمْ يكن إلا صادقًا في دعوى النبوة، إذ يَمتنع أنَّ الأنبياء يُثْنُونَ على مَن يَكذِب في دعوى النُّبوَّة: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ﴾ [الأنعام: 93].
وهذا مما يُبيِّن أنَّه لابُدَّ أنْ يكون الأنبياء ذكروه وأخبروا به، وأنَّهم لم يذكروه إلا بالثناء والمدح لا بالذَّمِّ والعَيْب، وذلك -مع دعوى النبوة- لا يكون إلا إذا كان صادقًا في دعوى النُّبوَّة، فتبيَّن أنَّهم بشَّرُوا بِنُبوَّتِه، وهو المطلوب.
[وأيضًا]؛ فالكتاب الذي بُعِث به مملوءٌ بشهادة الكُتُب له، والكُتُب الموجودة فيها مواضع كثيرة شاهدةٌ له مِن وجوه متعدِّدَة، والأخبار متواترة عمَّن اطلع على ما فيها بذلك، والأخبار متواتِرة عمَّن أسلم لأجل ذلك، وهذا مما يوجِب القطعَ بأنَّه مذكورٌ فيها بما يدُلُّ على صِدْقه في دعوى النُّبوَّة، وليس فيها ما يُخبِـرُ بكذبه والتحذير منه، وهذا هو المطلوب.
[خاتمة في دلائل النبوة]
[مقدمة]:
[79]الآيات والبراهين الدالة على نبوَّة محمَّدٍ ﷺ كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، ويُسَمِّيها مَن يُسَمِّيها مِن النُّظَّار: «معجزات»، وتُسمَّى: «دلائل النبوة»، و«أعلام النبوة»، ونحو ذلك. تعليق جانبي/ استعمال لفظ "الآيات" أدل على المقصود من لفظ "المعجزات"
وهذه الألفاظ إذا سُمِّيَتْ بها آيات الأنبياء؛ كانت أدَلَّ على المقصود مِن لفظ: [المعجزات]، ولهذا لَـمْ يكن لفظ «المعجزات» موجودًا في الكتاب والسنة، وإنَّما فيه لفظ: [الآية]، و[البيِّـنَة]، و[البرهان]، كما قال تعالى في قصة موسى: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ) [القصص: 32]، في العصا واليد، وقال تعالى في حق محمَّدٍ ﷺ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 174].
وأمَّا لفظ: «المعجز»، فإنَّما يدُلُّ على أنَّه أعجز غيره؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: 51]، وقال: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [العنكبوت: 22].
وأمَّا لفظ: «الآيات»، فكثير في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَٰلَٰتِهِ﴾ [الأنعام: 124]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101]، وقال في حقِّ محمَّدٍ: [80] ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ﴿٤﴾ فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [الأنعام: 4-5]([81]). تعليق جانبي/ أنواع الآيات باعتبار استمرارها وبقائها () انظر بقية الآيات: [آل عمران: 13]، [الأنعام: 25]، [يونس: 15، 101]، [يوسف: 105]، [المؤمنون: 50]، [العنكبوت: 50-51]، [فصلت: 53]، [الفتح: 20].
[والآيات] نوعان:
منها: ما مضى وصار معلومًا بالخبر؛ كمعجزات موسى وعيسى.
ومنها: ما هو باقٍ إلى اليوم؛ كالقرآن الذي هو مِن أعلام نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، وكالعلم والإيمان الذين في أَتْباعه، فإنَّه مِن أعلام نبوَّته، وكشـريعته التي أتى بها فإنَّها أيضًا مِن أعلام نبوَّته، وكالآيات التي يظهرها الله وقتًا بعد وقتٍ مِن كرامات الصالحين مِن أمَّتِهِ، ووقوع ما أخبر بوقوعه؛ كقوله: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ)([82])، وقوله: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ؛ تُضِـيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْـرَى)([83])، وقد خرجت هذه النَّار سنة خمس وخمسين وستمئة، وشاهد النَّاس أعناق الإبل في ضوء النَّار ببُصْرى. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2928)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2912). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (7118)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2902).
و[كظهور] دينه ومِلَّتِه بالحُجَّة والبرهان واليد والسِّنَان، ومثل المثلات والعقوبات التي تحيق بأعدائه، وغير ذلك، وكنعته الموجود في كتب الأنبياء قبله، وغير ذلك.
والقرآن كلام الله، وفيه الدعوة والحُجَّة، فله به اختصاص على غيره كما ثبت عنه في [الصحيح] أنَّه قال: (مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إلا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَـرُ، وَإِنَّـمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَـيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([84]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4981)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (152).
[أنواع آيات النبي ﷺ]
[النوع الأول: الآيات المتعلِّقة بالعلم] والخبر والمكاشفة.
[والنوع الثاني: الآيات المتعلِّقة بالقُدْرَة] والتأثير والتصَرُّف.
وفي القرآن مِن الإخبار بالمستقبلات شيء كثير، كقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ﴿3﴾ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ﴾ [الروم: 1-4]؛ فغلبت الروم فارس في بضع سنين.
وكقوله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ﴾ [النور: 55]؛ وكان كما أخبر.
وقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾ [الفتح: 28]؛ وكان كما أخبر ووعد.
وقال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) [الإسراء: 88]؛ وكان كما أخبر.
وقال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة: 23-24]؛ فأخبر أنَّهم لن يفعلوا، وكان كما أخبر.
وأخبر أنَّه قال للمسيح: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ [آل عمران: 55]؛ وكان كما أخبر.
وقال تعالى خطابًا لليهود: ﴿قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﴿94﴾ وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ﴿95﴾ وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ﴾ [البقرة: 94-96]، وقال: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﴿6﴾ وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الجمعة: 6-7]؛ فأخبر عن اليهود أنَّهم لن يتمنوا الموت أبدًا، وكان كما أخبر، فلا يتمَنَّى اليهود الموت أبدًا، وهذا دليلٌ مِن وجهين:
مِن جهة إخباره بأنَّه لا يكون أبدًا.
ومِن جهة صرف الله لدواعي اليهود عن تمنِّي الموت، مع أنَّ ذلك مقدور لهم، وهذا مِن أعجب الأمور الخارقة للعادة، وهم مع حرصهم على تكذيبه لَـمْ تنبعِثْ دواعيهم لإظهار تكذيبه بإظهار تمنِّي الموت.
[أولًا: بشارات الأنبياء]:
[بشارات التوراة]
[بشارة [1]]
قوله في التوراة -ما قد تُرجم بالعربية-: (جاء الله مِن طور سيناء)، وبعضهم يقول في الترجمة: (تجلَّى الله مِن طور سيناء، وأشرق مِن ساعير، واستعلن مِن جبال فاران)([85]). () انظر: سفر التثنية (33: 2).
قال كثير من العلماء -واللفظ لأبي محمد بن قتيبة-: (ليس بهذا خفاء على مَن تدَبَّره ولا غموض؛ لأنَّ مجيء الله مِن طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى بطور سينا، كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا، وكذلك يجب أن يكون إشراقه مِن سَاعير إنزاله على المسيح الإنجيل، وكان المسيح من سَاعير -أرض الخليل بقرية تدعى: ناصرة-، وباسمها سُمِّيَ مَن اتَّبعه: نصارى.
وكما وجب أن يكون إشراقه من سَاعير بالمسيح؛ فكذلك يجب أنْ يكون استعلانُه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمَّدٍ ﷺ. وجبال فاران؛ هي: جبال مكة)([86]). () انظر: البدء والتاريخ (5/33)، أعلام النبوة للمارودي (ص150).
قال: «وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أنَّ فاران هي مكة، فإن ادَّعوا أنَّها غير مكة -وليس يُنكرُ ذلك مِن تحريفهم وإفكهم- قلنا: أَليس في التوراة أنَّ إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟
وقلنا: دُلُّونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتابًا بعد المسيح، أَو ليس «استعلن» و«علن» بمعنى واحد؟، وهما: ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينًا ظهر ظهور دين الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فُشُوَّهِ».
وقال ابن ظَفَر([87]): (ساعير: جبل بالشام، منه ظهرت نبوَّة المسيح)([88]). () وهو: محمد بن عبد الله أبي محمد بن محمد بن ظفر الصقلي المكيِّ، ولد سنة (497هـ)، أديب رحالة مُفَسِّر، له: خير البِشَر بخير البَشَر، وأنباء نجباء الأبناء، وغيرها، وتوفي سنة (565هـ)، انظر: الأعلام للزركلي (6/320-231). () انظر: خير البِشَر بخير البَشَر (ص129).
قلتُ: وبجانب بيت لحم -القرية التي ولد فيها المسيح- قرية تُسَمَّى إلى اليوم [سَاعير]، ولها جبال تُسَمَّى [سَاعير]، وفي التوراة: «أنَّ نَسْلَ العيص كانوا سُكانًا بسَاعير، وأمر الله موسى أنْ لا يؤذيهم».
وعلى هذا؛ فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقًّا، جبل حراء الذي كان [منه] نزول أول الوحي على النبي ﷺ، وحوله من الجبال جبال كثيرة، حتى قد قيل: إنَّ بمكة اثني عشـر ألف جبل، وذلك المكان يُسَمَّى: [فاران] إلى هذا اليوم، وفيه كان ابتداء نزول القرآن.
والبريَّة التي بين مكة وطور سينا تُسَمَّى: [برِّيَّة فاران]، ولا يُمكن أحدًا أن يدَّعي أنَّه -بعد المسيح- نزل كتاب في شيء مِن تلك الأرض ولا بُعِثَ نبي؛ فعُلِمَ أنَّه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمَّدٍ ﷺ.
وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة ثُمَّ الإنجيل ثُمَّ القرآن، وهذه الكتب نور الله وهداه، وقال في الأول: جاء، أو: ظهر. وفي الثاني: أشرق. وفي الثالث: استعلن. وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر، أو ما هو أظهر من ذلك، ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس، زاد به النور والهدى، وأمَّا نزول القرآن، فهو بمنزلة ظهور الشمس في السَّماء؛ ولهذا قال: «واستعلن من جبال فاران»، فإنَّ محمَّدًا ﷺ ظهر به نور الله وهداه في مشـرق الأرض ومغربها أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدِّمين، كما يظهر نور الشمس إذا استعلن في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا سَمَّاهُ الله: [سِرَاجًا مُنيرًا]، وسَمَّى الشمس: [سراجًا وهَّاجًا].
والخلق يحتاجون إلى السِّـرَاج المنير أعظم مِن حاجتهم إلى السِّـرَاج الوهَّاج؛ فإنَّ الوهَّاجَ يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وكما قيل: قد يتضَـرَّرُونَ به بعض الأوقات، وأمَّا السِّـرَاج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان ليلًا ونهارًا، سِرًّا وعلانيةً، وقد قال ﷺ: (زُوِيَتْ لي الأَرْض مشارقها ومغاربها، وسيبلغُ ملكُ أمتي ما زُوِيَ لي منها)([89]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2889).
وهذه الأماكن الثلاثة أقسَمَ الله بها في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ ﴿1﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿2﴾ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ ﴿3﴾ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ﴿4﴾ ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ ﴿5﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ﴿6﴾ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ ﴿7﴾ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾ [التين: 1-8].
فأقسم بـ[التين والزيتون] وهو الأرض المقدسة الذي يَنْبُتُ فيها ذلك، ومنها بُعِثَ المسيح وأُنْزِلَ عليه فيها الإنجيل.
وأقسم بـ[طور سينين] وهو الجبل الذي كلَّمَ الله فيه موسى وناداه مِن واديه الأيمن مِن البقعة المباركة مِن الشَّجَرة.
وأقسم بـ[البلد الأمين] وهي مكة، وهو البلد الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل وأمَّه هاجر، وهو الذي جعله الله حَرَمًا آمنًا ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حوله، وجعله آمنًا خَلْقًا وأَمْـرًا، قَدَرًا وشَـرْعًا.
وما ذكره ابن قتيبة -وغيره من علماء المسلمين- من تربية إسماعيل في [برِّيَّة فاران]؛ فهكذا هو في التوراة، وقال فيها: (وغَدَا إبراهيم فأخذ الغلام، وأخذ خبزًا وسقاءً مِن ماء ودفعه إلى هاجر وحمله عليها، وقال لها: اذهبي، فانطلقتْ هاجر، فضَلَّت في بَـرِّيَّة سبعٍ، ونفد الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة، وجلست مقابلته على مقدار رمية بسهم لئلا تُبْصِر الغلام حين يموت، ورفعتْ صوتها بالبكاء، وسَمِعَ الله صوت الغلام، فدعا مَلَكُ الله هاجر، وقال لها: ما لك يا هاجر؟، لا تخشـي، فإنَّ الله قد سَمِعَ صوت الغلام حيث هو، فقومي فاحملي الغلام وشدي يديك به، فإنِّي جاعله لأمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت بئر ماء؛ فسَقَت الغلام، وملأت سِقَاءَها، وكان الله مع الغلام، فرُبِّي وسَكَن في بَرِّيَّة فَاران)([90]). () انظر: سفر التكوين (21: 14-21).
فهذا خبر الله في التوراة، أنَّ إسماعيل سَكَن ورُبِّيَ في [برِّيَّة فاران] بعد أن كاد يموت مِن العطش، وأنَّ الله سقاه مِن بئر ماء، وقد عُلِمَ بالتواتر واتِّفَاق الأمم أنَّ إسماعيل إنَّما رُبِّي بمكة، وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت، فعُلِمَ أنَّ أرضَ مكة: [فاران]، والله تعالى قال في إسماعيل: (إنِّي جاعله لأمَّةٍ عظيمة، ومُعَظَّمَةٍ جدًّا جدًّا)([91]). () انظر: سفر التكوين (17: 20).
وهذا التعظيم المؤكَّد: «جدًّا جدًّا» يقتضـي أن يكون تعظيمًا مُبالغًا فيه، فلو قُدِّرَ أنَّ البيت الذي بناه لا يحُجُّ إليه أحدٌ، وأنَّ ذُرِّيَّته ليس منهم نبي -كما يقوله كثير من أهل الكتاب- لَـمْ يكن هناك تعظيمٌ مُبالغٌ فيه «جدًّا جدًّا»، إذ أكثر ما في ذلك أن يكون له ذُرِّيَّة، ومجرد كون الرجل له نسل وعقب لا يُعَظَّم به إلا إذا كان في الذُّرِّيَّة مؤمنون مُطِيْعُون لله.
وكذلك قوله: «أجعله لأمَّة عظيمة»؛ إن كانت تلك الأمة كافرة لَـمْ تكن عظيمة، بل كان يكون أبًا لأُمَّةٍ كافرةٍ، فعُلِمَ أنَّ هذه الأُمَّة العظيمة كانوا مؤمنين، وهؤلاء يحُجُّون البيت؛ فعُلِمَ أنَّ حَجَّ البيت مما يُحبُّه الله ويأمر به.
وليس في أهل الكتاب مَن يحُج إليه إلا المسلمون؛ فعُلِمَ أنَّهم الذين فعلوا ما يُحبه الله ويرضاه، وأنَّهم وسلفهم الذين كانوا يحُجُّون البيت أمَّة أثنى الله عليها وشرَّفَها، وأنَّ إسماعيل عظَّمَه الله جدًّا جدًّا، بما جعل في ذُرِّيَّته مِن الإيمان والنبوَّة، وهذا هو كما امتَنَّ الله على نوح وإبراهيم بقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [الحديد: 26]، وقال تعالى في الخليل: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [العنكبوت: 27]، ولَـمَّا قال في نوح: ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77]؛ كان في ذُرِّيَّته أهل الإيمان كلهم؛ فعُلِمَ بذلك أنَّ إسماعيل وذُرِّيَّته مُعَظَّمُون عند الله ممدوحون، وأنَّ إسماعيل مُعَظَّمٌ جدًّا جدًّا، كما عَظَّمَ الله نوحًا وإبراهيم، وإنْ كان إبراهيم أفضل مِن إسماعيل، لكن المقصود: أنَّ هذا التعظيم له ولذُرِّيَّته إنَّما يكون إذا كانت ذُرِّيَّته مُعَظَّمة على دين حق، وهؤلاء يحُجُّون إلى هذا البيت، ولا يحُجُّ إليه بعد مجيء محمَّدٍ غيرهم.
ولهذا لَـمَّا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ﴾ [آل عمران: 97]، فقالوا: لا نحُج، فقال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]([92]). () انظر: الأم للشافعي (2/119)، سنن سعيد بن منصور (3/1063)، برقم: (506).
وأيضًا؛ فهذا التعظيم المبالغ فيه الذي صار به ولد إسماعيل فوق النَّاس لَـمْ يظهر إلاَّ بنبوَّة محمَّدٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّها حَـقٌّ مُبشَّـرٌ به.
[بشارة [2]]
قال داود في الزبور: (سَبِّحوا الله تسبيحًا جديدًا، وليفرح بالخالق مَن اصطفى الله له أمَّته، وأعطاه النَّصْـر، وسدَّدَ الصالحين منهم بالكَرَامة، يُسَبِّحُونه على مضاجعهم، ويكبـرون الله بأصواتٍ مرتفعة، بأيديهم سيوف ذات شفرتين؛ لينتقم بهم مِن الأمم الذين لا يعبدونه)([93]). () انظر: سفر المزامير (149: 1-7) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/659).
وهذه الصفات إنَّما تنطبق على صفات محمَّدٍ ﷺ وأمَّته، فهم الذين يُكَبِّرون الله بأصوات مرتفعة في أذانهم للصَّلوات الخمس، وعلى الأماكن العالية، كما قال جابر بن عبد الله: (كُنَّا مع رسول الله ﷺ إذا علونا كبَّـرْنا، وإذا هبطنا سبَّحْنا، فوُضِعَت الصلاة على ذلك) رواه البخاري([94]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2993).
وعن أبي هريرة: (أنَّ رجُلًا قال: يا رسول الله، إنِّي أريد أن أسافر فأوصني، قال: "عَلَيْكَ بِتَقْوَى الله وَالتَّـكْبِيـرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ"، فلَـمَّا أنْ وَلَّى الرَّجُل قال: "اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ ")، رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي، وحسَّنه الترمذي([95]). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (8310)، والترمذي في "جامعه" برقم: (3445)، والنسائي في "سننه الكبرى" برقم: (10266).
وهم يُكَبِّرون الله بأصوات عاليَةٍ مُرتفعةٍ في أعيادهم: عيد الفطر، وعيد النَّحْر في الصلاة والخطبة، وفي ذهابهم إلى موضع الصلاة، وفي أيام مِنى: الحُجاج وسائر أهل الأمصار يُكَبِّرون عَقِبَ الصَّلوات، فإمام الصلاة يُسَنُّ له الجهر بالتكبير.
والنَّصَارى يُسَمُّون عيد المسلمين: عيد [الله أكبر]، لظهور التكبير فيه، وليس هذا لأحدٍ مِن الأمم، لا أهل الكتاب ولا غيرهم غير المسلمين، وإنَّما كان موسى يجمع بني إسرائيل بالبوق، والنَّصَارى شعارهم الناقوس، وأمَّا تكبير الله بأصواتٍ مرتفعة: فإنَّما هو شعار المسلمين، فإنَّ الأذان شعار المسلمين.
وكذلك قوله: «بأيديهم سيوف ذات شفرتين» وهي السيوف العربية التي بها فتح الصحابة وأتباعهم البلاد.
وقوله: «يُسَبِّحونه على مضاجعهم» بيان لنعت المؤمنين الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويصلي الفرضَ أحدُهم قائمًا، فإن لَـمْ يستطع فقاعدًا، فإنْ لَـمْ يستطع فعلى جَنْب.
فلا يتركون ذكر الله في حالٍ، بل يذْكُرونَه حتى في هذه الحال، ويُصَلُّون في البيوت على المضاجع، والصلاة أعظم التسبيح، كما في قوله تعالى: ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ﴿17﴾ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ﴾ [الروم: 17-18]، وقوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) [طه: 130].
وفي [الصَّحيحين] عن جرير بن عبد الله قال: (كُنَّا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إِنَّكَمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"؛ ثُمَّ قرأ قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾)([96]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (554)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (633).
وهذا معنى قول داود: «سَبِّحُوا الله تسبيحًا جديدًا»، يعني التسابيح التي يشْـرَعُها الله جديدًا؛ كالصَّلوات الخمس التي شرعها للمسلمين جديدًا، ولَـمَّا أقامها جبريل للنبي ﷺ؛ قال: (هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ)([97])، فكان الأنبياء يُسَبِّحُون في هذه الأوقات، وذلك هو التسبيح المقدم، والتسبيح الجديد للمسلمين كما يدُلُّ عليه سائر الكلام. () أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" برقم: (325)، وابن حبان في "صحيحه" برقم: (6223).
ولا يمكن أن يكون ذلك للنَّصَارى؛ لأنَّهم لا يُكَبِّرون الله بأصوات مُرتفعة، ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم الله بهم مِن الأمم، بل أخبارهم تدُلُّ على أنَّهم كانوا مغلوبين مع الأمم، ولم يكونوا يجاهدونهم بالسَّيْف، بل النَّصَارى قد تعِيْبُ مَن يُقاتل الكفار بالسَّيْف، ومنهم من يجعل هذا مِن معايب محمَّدٍ ﷺ وأمته، ويغفلون عمَّا عندهم مِن أنَّ الله تعالى أمر موسى بقتال الكفار، وقاتلهم بنو إسرائيل بأمره، وقاتلهم يوشع وداود وغيرهما من الأنبياء، وإبراهيم الخليل قاتل لدفع الظلم عن أصحابه.
[بشارة [3]]
قال داود: (إنَّ ربَّنَا عَظِيْمٌ محمود جدًّا)، وفي ترجمةٍ: (إلهنا قُدُّوسٌ، ومحمَّدٌ قد عَمَّ الأرض كلها فرحًا)([98]). () انظر: سفر المزامير (99: 3) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/661).
قالوا([99]): (فقد نَصَّ داود على اسم محمَّدٍ وبلده وسمَّاها قرية الله، وأخبر أنَّ كلمَتَه تعُمُّ الأرض كلها)([100]). () المقصود بـ[قالوا] هنا وما يأتي لاحقًا في التعليق على البشارات، ما ينقله ابن تيمية رحمه الله من كتاب تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل، للقاضي أبي البقاء الجعفري الهاشمي (ت: 668هـ). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/661).
[بشارة [4]]
وفي نبوة أشعياء: (قيل لي: قُمْ نظَّارًا، فانظر ماذا ترى؟، فقلت: أرى راكبين مُقبلين، أحدهما على حمار، والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصحابها للمنخر)([101]). () انظر: سفر أشعياء (21: 6-9) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/665).
قالوا: (فراكب الحمَار؛ هو: المسيح عليه السلام، وراكب الجمَل؛ هو: محمَّدٌ ﷺ، وهو أشهر بركوب الجمل مِن المسيح بركوب الحمار، وبمحمَّدٍ ﷺ سقطت أصنام بابل)([102]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/666).
[بشارة [5]]
قال أشعياء النبي عليه السلام مُعْلِنًا باسم رسول الله ﷺ: (إنِّي جعلتُ أمْرَكَ محمَّدًا يا محمَّد، يا قُدُّوس الرَّبِّ، اسمك موجود مِن الأبد)([103]). () انظر: سفر أشعياء (63: 15-16) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/673).
قالوا: (فهل بَقِيَ بعد ذلك لزائغ مقال أو لطاعن مجال؟ وقول أشعياء: إنَّ [اسم محمَّدٍ موجود من الأبد] موافق لقول داود عليه السلام: أنَّ [اسمه موجود قبل الشمس]. وقوله:«يا قُدُّوس الرَّبِّ»؛ يعني: يا مَن طَهَّرَهُ الرَّبُّ، وخلَّصَهُ مِن بشَـرِيَّـتِه، واصطفاه لنفسه)([104]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/673).
[بشارة [6]]
قال أشعياء النبي -ونصَّ على خاتم النبوة- : (وُلِدَ لنا غلامٌ، يكون عَجَبًا وبشـرًا، والشامة على كَتِفِه، أُرْكون السلام، إله جبار، وسلطانه سلطان السلام، وهو ابن عالمه، يجلس على كرسي داود)([105]). () انظر: سفر أشعياء (9: 1-7) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/675).
قالوا: (الأُرْكون؛ هو: العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة: المعظَّمون. ولَـمَّا أبرأ المسيح مجنونًا من جنونه، قال اليهود: «إنَّ هذا لا يخرج الشياطين مِن الآدميين إلا بأركون الشياطين»؛ يعنون: عظيمهم)([106]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/675).
فقد شَهِدَ أشعياء بصحة نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، ووصفه بأخص علاماته وأوضحها، وهي شامته([107])، فلعمري لَـمْ تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح، وقد وصفه بالجلوس على كرسي داود، يعني أنَّه سيَرِثُ بني إسرائيل: نبوَّتهم ومُلْكهم ويبتزهم رياستهم. () أي: خاتم النبوة، وكان على كتفه اليُـسـرى، شامة مثل بيضة الحمامة، عليها شعرات مجتمعات. انظر: صحيح مسلم رقم: (2344)، (2346)، والشمائل المحمدية (ص44).
[بشارة [7]]
قال أشعياء في وصف أمة محمد ﷺ: (ستمتلئ البادية والمدن من أولاد قيذار يُسبِّحون، ومن رؤوس الجبال ينادون، هم الذي يجعلون لله الكرامة، ويُسبِّحونه في البر والبحر)([108]). () انظر: سفر أشعياء (42: 11-12) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/676).
قلتُ: وقيذار هو ابن إسماعيل باتفاق النَّاس، وربيعة ومُضَـر من ولده، ومحمَّدٌ ﷺ من مُضَـر، وهذا الامتلاء والتسبيح في البر والبحر لَـمْ يحصل لهم إلا بمبعث محمَّدٍ ﷺ، وقد جُعلت لهم الأرض مسجدًا وطهورًا، فهم يُصَلُّون الخمس في البر والبحر.
[بشارة [8]]
قال أشعياء -حاكيًا عن الله تعالى- : (اشكر حبيبي وابني أحمد)([109]). () لم أقف على النص في سفر أشعياء، وانظر: تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/678).
(فسَمَّاه الله حبيبًا، وسماه ابنًا، وداود ابنًا غير أنَّ الله خصَّه عليهم بمَزِيَّة؛ فقال: «حبيبي ابني، اشكره»، فتعبَّد أشعياء بشُكْرِ محمَّدٍ، ووظَّفَ عليه وعلى قومه شُكْرَهُ وإجلاله؛ ليتبيَّن قَدْرَه ومنزلته عنده، وتلك منزلة لَـمْ يُؤْتَها غيره مِن المرسلين)([110]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/678).
[بشارة [9]]
قال أشعياء: (إنَّا سمعنا مِن أطراف الأرض صوت محمد)([111]). () انظر: سفر أشعياء (24: 16) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/679).
(وهذا إفصاح من أشعياء باسم رسول الله ﷺ، فلْيُـرِنَا أهل الكتاب نبيًّا نصَّت الأنبياء على اسمه صريحًا سوى رسول الله ﷺ)([112]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/679).
[بشارة [10]]
قال حبقوق -وسمَّى محمدًا رسول الله ﷺ مرَّتين في نبوَّته- : (إنَّ الله جاء مِن التيَمُّنِ، والقُدُّوس مِن جبال فاران، لقد أضاءَت السماء مِن بهاء محمَّدٍ، وامتلأت الأرض مِن حمده، شعاع منظره مثل النور، يحوط بلاده بعزِّهِ، تسير المنايا أمامه، وتصحب سباع الطير أجناده، قام فمسح الأرض فتضَعْضَعَتْ له الجبال القديمة، وانخفضَت الروابي، وتزَعْزَعَتْ ستور أهل مدين ولقد حاز المساعي القديمة).
ثُمَّ قال: (زجرك في الأنهار، واختدام صوامك في البحار، ركبت الخيول، وعلوت مراكب الإنقاذ، وسينزع في قِسيِّك [إغراقًا] ونزعًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمَّد ارتواءً، ولقد رَأَتْكَ الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السَّبيل، ونعرت المهاوي نعيـرًا ورُعْبًا، رفعت أيديها وَجَلًا وخوفًا، وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك، وتدوخ الأرض غضبًا، وتدُوْس الأمم رجزًا؛ لأنَّك ظهرت بخلاص أُمَّتِكَ وإنقاذ تراث آبائك)([113]). () انظر: سفر حبقوق (3: 3-15) بنحوه، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/689-690).
قالوا: (وهذا تصـريح بمحمَّدٍ، ومَن رام صرف نبوَّة حبقوق هذه عن محمَّدٍ رسول الله ﷺ؛ فقد رام ستر النَّهار وحبس الأنهار، وأنَّى يقدر على ذلك وقد سَمَّاه باسمه مرَّتين؟ وأخبر بقوة أمته، وسير المنايا أمامهم، واتباع جوارح الطير آثارهم، وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمَّدٍ، ولا تصلح إلا له، ولا تدُلُّ إلا عليه، فمَن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعًا)([114]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/690).
قلتُ: وقد ذكر فيها مجيء نور الله مِن التيَمُّن -وهي ناحية مكة والحجاز-، فإنَّ أنبياء بني إسرائيل كانوا يكونون من ناحية الشام، ومحمَّدٌ ﷺ جاء مِن ناحية اليَمَن، وجبال فاران هي جبال مكة -كما قد تقدَّم بيان ذلك-، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه.
وأمَّا امتلاء السَّماء مِن بهاء أحمد؛ فأنوار الإيمان والقرآن التي ظهرت منه ومن أمته، وامتلاء الأرض مِن حمده وحمد أمته في صلواتهم؛ فأمر ظاهر، فإنَّ أمته هم الحمَّادون، لا بُدَّ لهم مِن حمد الله في كل صلاة وكل خطبة، ولا بُدَّ لكل مُصَلٍّ في كُلِّ ركعة مِن أن يقول: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿٢﴾ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ قال الله: حَمِدَني عبدي، فإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ قال: أثنى عَلَـيَّ عبدي، فإذا قال: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)؛ قال: مجَّدني عبدي([115]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (395).
فهم يفتتحون القيام في الصلاة بالتحميد، ويختمونها بالتحميد، وإذا رفعوا رؤوسهم مِن الركوع يقول إمامهم: [سمع الله لمن حمده]، ويقولون جميًعا: [ربَّنَا ولك الحمد]، ويختمون صلاتهم بتحميده، بجعل التحيات له والصَّلوات والطيبات، وأنواع تحميدهم لله، وثنائهم عليه يطُول وصفه.
[بشارة [11]]
قال: دانيال عليه السلام، وذكر محمَّدًا رسول الله ﷺ باسمه؛ فقال: (سينزع في قِسيِّك إغراقًا، وترتوي السِّهَام بأمرك يا محمَّد ارتواءً)([116]). () لم أقف على النص في سفر دانيال، وانظر: تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/696).
(فهذا تصريح بغير تعريض، وتصحيح ليس فيه تمريض، فإنْ نازع في ذلك مُنازِعٌ فليوجدنا آخر اسمه محمَّد، له سِهَامٌ تُنزع، وأمرٌ مُطَاع لا يُدفع)([117]). () تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/696).
[بشارات الإنجيل]
[بشارة [1]]
قال يوحنَّا الإنجيلي: قال يسوع المسيح في الفصل الخامس عشـر مِن إنجيله: (إنَّ الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يُعَلِّمُكُم كُلَّ شيء)([118]). () انظر: إنجيل يوحنا: (14: 26)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/701).
[بشارة [2]]
وقال يوحنَّا التلميذ أيضًا -يعني عن المسيح- إنَّه قال لتلاميذه: (إن كُنْتُم تحبُّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب مِن الأب أنْ يُعْطِيَكُم فَارقليطًا آخر، يثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لَـمْ يُطِق العالَـم أن يقتلُوه، لأنَّهم لَـمْ يعرفوه، ولستُ أدعكم أيتامًا؛ لأنِّي سآتيكم عن قريب)([119]). () انظر: إنجيل يوحنا (14: 15-19)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/704).
[بشارة [3]]
وقال يوحنَّا: (قال المسيح: مَن يُحبُّنِي يحفظ كلمتي، وأبي يحبُّه وإليه يأتي، وعنده يتخذ المنزل، كلمتكم بهذا لأنِّي عندكم مقيم، والفارقليط روح الحق الذي يُرْسِلُه أبي، هو يُعَلِّمُكُم كُلَّ شيء، وهو يُذَكِّرُكُم كُلَّ ما قلتُ لكم، استودعتكم سلامي، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، فإنِّي مُنْطِلقٌ وعائدٌ إليكم، لو كُنْتُم تحبُّوني كُنْتُم تفرحون بمُضِيِّي إلى الأب، فإن أنتم ثبتم في كلامي وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدون، وبهذا يمجد أبي)([120]). () انظر: إنجيل يوحنا (14: 23-31)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/705-706).
[بشارة [4]]
وقال [يوحنَّا]: (إذا جاء الفارقليط الذي أبي يُرسله، روح الحق الذي مِن أبي، هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشُكُّوا فيه)([121]). () انظر: إنجيل يوحنا (15: 26-27)، تخجيل من حرَّف التوارة والإنجيل (2/708).
[بشارة [5]]
وقال [يوحنَّا]: (إنَّ خيرًا لكم أن أنطلق؛ لأنِّي إن لَـمْ أذهب لَـمْ يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقتُ أرسلْتُه إليكم، فهو يُوَبِّخ العالَـم على الخطيئة، وإنَّ لي كلامًا كثيـرًا أريد أن أقوله، ولكنَّـكُم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنَّه ليس ينطق من عنده، بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب) ([122]). () انظر: إنجيل يوحنا (16: 7-16)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/711).
[بشارة [6]]
وقال يوحنَّا الحواري: «قال المسيح: إنَّ أركون العالم سيأتي وليس لي شيء)([123]). () انظر: إنجيل يوحنا (14: 29-30)، تخجيل من حرَّف التوارة والإنجيل (2/714)، وقد سبق الحديث عن معنى [أركون] في البشارة السادسة من بشارات التوراة، انظر: (ص586-587).
[بشارة [7]]
وقال متَّى التلميذ: «قال المسيح: ألـم تقرؤوا أنَّ الحجَرَ الذي أرذله البناؤون صار رأسًا للزاوية مِن عند الله، كان هذا وهو عجيب في أعيننا، ومِن أجل ذلك أقول لكم: إنَّ ملكوت الله سيُؤخذ منكم، ويُدْفَعُ إلى أمَّة أخرى تأكل ثمرتها، ومَن سقط على هذا الحجَرِ ينشدخ، وكل مَن سقط هو عليه يَمْحَقُه)([124]). () انظر: إنجيل متَّى (21: 34-46)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/715).
[بشارة [8]]
وقال يوحنا التلميذ في كتاب: رسائل التلاميذ المسَمَّى "بفراكسيس": «يا أحبابي، إيَّاكم أن تؤمنوا بكل روح، لكن مَيِّزُوا الأرواح التي مِن عند الله مِن غيرها، واعلَمُوا أنَّ كل روح تُؤمِنُ بأنَّ يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيًّا فهي مِن عند الله، وكل روح لا تؤمن بأنَّ يسوع المسيح جاء وكان جسدانيًّا فليست من عند الله، بل مِن المسيح الكَذَّابِ الذي سمعتُمْ به، وهو الآن في العالـم)([125]). () انظر: رسالة يوحنا الأولى (4: 1-3)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/717).
[بشارة [9]]
وقال شمعون الصفا، رئيس الحواريين في كتاب "فراكسيس": «إنَّه قد حان أنْ يُبتَدَأَ الحكم مِن بيت الله ابتداءً)([126]). () انظر: رسالة بطرس الأولى (4: 17)، تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/717).
قلتُ: وهذا اللفظ -لفظ الفارقليط- في لغتهم ذكروا فيه أقوالًا:
قيل: إنَّه الحمَّاد.
وقيل: الحامد.
وقيل: الـمُـعِـزُّ.
وقد قيل: إنَّه الحمد، ورجَّحَ هذا طائفة، وقالوا: الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنَّه: الحمد، والدليل عليه قول يوشع: «مَن عَمِلَ حسنةً تكون له فارقليط جيِّد»، أي: حمدٌ جيِّدٌ، وقولهم المشهور في مخاطبتهم: فارقليط، وفارقليطان، وما زاد على الجميع، أي: حمدٌ، ومِنَّةٌ، كما نقول نحنُ: يد ومِنَّة.
وأكثر النَّصَارى على أنَّه: المخَلِّص، وقيل: هو الحكيم.
والمسيح نفسه يُسَمُّونَه المخلِّص، وفي الإنجيل الذي بأيديهم أنَّه قال: (إنِّي لَـمْ آتِ لأزيِّن العالَـم، بل لأُخَلِّصَ العالـم)([127])، والنَّصَارى يقولون في صلواتهم: «[يا والدة الإله لقد وَلَدْتي]([128]) لنا مخلصًا». () انظر: إنجيل يوحنا (12: 47). () تصحيح النَّص من: تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/702).
ومَن قال معناه: المخَلِّص؛ فيحتجون بأنَّها كلمة سريانية، ومعناها: المخَلِّص، وقالوا: هو مشتق من قولنا: «راوق»، ويُقال بالسـريانية «فاروق»، فجُعِلَ «فارق»، قالوا: ومعنى «ليط» كلمة تزاد للتثبيت والتقدير كما يقال في العربية: رجل هو، وحجر هو، وبَدْرٌ هو، وذَكَرٌ هو، قالوا: وكذلك يُزاد في السريانية: «ليط».
والذين قالوا: هو الـمُعِزُّ، قالوا: هو في لسان اليونان: الـمُعِزُّ.
ويُعْتَرضُ على هذين القولين: بأنَّ المسيح لَـمْ تكن لغته سـريانية ولا يونانية؛ بل عبرانية.
ويجاب عنه: بأنَّه تكلَّم بالعبرانية، وتُرْجِمَ عنه بلغة أخرى كما أَمْلَوا أحد الأناجيل باليونانية، والآخر بالسـريانية، والآخر بالرومية، وواحد منها بقي عبرانيًّا.
وقد اختلف فيه([129]): فمن النَّصَارى مَن قال: هو روح نزَلَتْ على الحواريِّين، وقد يقولون: إنَّه ألْسُنٌ ناريَّةٌ نزلت مِن السَّماء على التلاميذ، ففعلت الآيات والعجائب، ولهذا يقول مَن خَبر أحوال النَّصَارى: إنَّه لَـمْ يرَ أحدًا منهم يُحسِنُ تحقيق مجيء هذا الفارقليط الموعود به. () أي: في الفارقليط.
منهم مَن يزعم أنَّه المسيح نفسه؛ لكونه جاء بعد الصلب بأربعين يومًا، وكونه قام من قبره.
وتفسيره بالروح باطل، وأبطل منه تفسيره بالمسيح؛ لوجوه:
منها: أنَّ روح القُدُس ما زالتْ تنزل على الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده وليست موصوفة بهذه الصفات، وقد قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) [المجادلة: 22]. وقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت -لَـمَّا كان يهجو المشركين-؛ قال: (اللَّهُمَّ أيِّدْه بِروحِ القُدُس)([130])، وقال: (رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عن نَبيِّه)([131])، وإذا كان كذلك؛ ولَـمْ يُسَمِّ أحدٌ هذه الروح فارقليطًا؛ دَلَّ على أنَّ الفارقليط أمرٌ غير هذا. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3212)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2485). () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (7146).
وأيضًا: فمثل هذه ما زالت يؤيَّد بها الأنبياء والصالحون، وما بُشِّـرَ به المسيح أمر عظيم، يأتي بعده أعظم من هذا.
وأيضًا: فإنَّه وصف الفارقليط بصفات لا تناسب هذا، وإنَّما تُنَاسِبُ رجُلًا يأتي بعده نظيرًا له، فإنَّه قال: (إن كُنْتُم تحبُّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب مِن الأب أن يُعْطِيَكُم فارقليطًا آخر، يثبت معكم إلى الأبد)([132]). () انظر: إنجيل يوحنا (14: 15-16).
فقوله: «فارقليطًا آخر»: دَلَّ على أنَّه ثانٍ لأول كان قبله، ولم يكن معهم في حياة المسيح إلا هو، لم تنزل عليهم روح، فعُلِمَ أنَّ الذي يأتي بعده نظيرًا له، ليس أمرًا معتادًا يأتي للنَّاس.
وأيضًا: فإنَّه قال: «يثبت معكم إلى الأبد»، وهذا إنَّما يكون لما يدوم ويبقى معهم إلى آخر الدَّهْر، ومعلوم أنَّه لَـمْ يُرِدْ بقاء ذاتِه، فعُلِمَ أنَّه بقاء شَـرْعِهِ وأمره، فعُلم أنَّ الفارقليط الأول لَـمْ يثْبُت معهم شرعه ودينه إلى الأبد، وهذا يُبيِّن أنَّ هذا الثاني صاحب شَرْعٍ لا يُنسخ بخلاف الأول، وهذا إنَّما ينطبق على محمَّدٍ ﷺ.
وأيضًا: فإنَّه أخبر أنَّ هذا الفارقليط الذي أخبر به يشْهَد له، ويُعلِّمُهُم كلَّ شيء، وأنَّه يُذَكِّرُهم كلَّ مَا قال المسيح، وأنَّه يُوَبِّخُ العالم على الخطيئة، فقال: (والفارقليط الذي يُرْسِلُه أبي هو يُعَلِّمُكُم كل شيء، وهو يُذَكِّرُكم كل ما قلتُ لكم)([133]). () انظر: إنجيل يوحنا (14: 26).
وقال: (إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، هو يشهد لي، قلتُ لكم هذا حتَّى إذا كان تؤمنوا به، ولا تشُكُّوا فيه)([134]). () انظر: إنجيل يوحنا (15: 26).
وقال: (إنَّ خيـرًا لكم أنْ أنطلق؛ لأنِّي إنْ لَـمْ أذهب لَـمْ يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقتُ أرسلته إليكم، فهو يُوَبِّخُ العالم على الخطيئة، وإنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله، ولكنَّكُم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنَّه ليس ينطق مِن عنده بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبِرُكُم بكل ما يأتي، ويُعَرِّفُكم جميع ما للأب)([135]). () انظر: إنجيل يوحنا (16: 5-16).
فهذه الصفات والنعوت -التي تلَقَّوها عن المسيح- لا تنطبق على شيء في قلب بعض النَّاس لا يراه أحدٌ ولا يسمع كلامَه، وإنَّما ينطبق على مَن يراه النَّاس ويسمعون كلامه، فيشْهَدُ للمسيح، ويُعَلِّمُهُم كُلَّ شيء، ويُذَكِّرُهُم كل ما قال لهم المسيح، ويُوَبِّخُ العالم على الخطيئة، ويُرشِدُ النَّاس إلى جميع الحق، وهو لا ينطق مِن عنده بل يتكَلَّم بما يسمع، ويخبرهم بكل ما يأتي، ويعرفهم جميع ما لرب العالمين.
وهذا لا يكون مَلَكًا لا يراه أحد، ولا يكون هُدًى ولا عِلْمًا في قلب بعض النَّاس، بل لا يكون إلا إنسانًا عظيم القَدْر، يُخَاطب النَّاس بما أخبر به المسيح، وهذا لا يكون إلا بشـرًا رسولًا، بل يكون أعظم مِن المسيح، فإنَّ المسيح بيَّن أنَّه يقْدِرُ على ما لا يَقْدِرُ عليه المسيح، مِن خطاب النَّاس بأمورٍ عظيمةٍ لا تَحْمِلُها عقول أولئك، ويعلم ما لا يَعْلَمُه المسيح، ويخبر بكل ما يأتي، وبما يستحقه الرَّبُّ حيث قال: «وإنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله، ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنَّه ليس ينطق مِن عنده، بل يتكَلَّم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب».
وهذه الصفات لا تنطبق إلا على محمَّدٍ ﷺ، وذلك أنَّ الإخبار عن الله بما هو متَّصِفٌ به مِن الصفات، وعن ملائكته وملكوته، وعمَّا أعدَّهُ في الجنَّة لأوليائه وفي النَّار لأعدائه؛ أمر لا يحتمل عقول كثير مِن النَّاس معرفته على التفصيل.
فقال لهم المسيح عليه السلام: «إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله»، وهو الصادق المصدوق في هذا، لهذا ليس في الإنجيل مِن صفات الله وصفات ملكوته، ومِن صفات اليوم الآخر إلا أمور مجملة، وكذلك التوراة، ليس فيها مِن ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أنَّ موسى كان قد مهَّدَ الأمر للمسيح، ومع هذا فقد قال لهم المسيح: «إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله»، ثُمَّ قال: «ولكن إذا جاء روح الحق ذلك الذي يرشدكم إلى جميع الحق»، وقال: «إنَّه يخبركم بكل ما يأتي، ويُعَرِّفُكم جميع ما للرَّبِّ».
فدَلَّ هذا على أنَّ هذا الفارقليط هو الذي يفعل هذا دون المسيح، وكذلك كان محمَّدٌ ﷺ أرشد النَّاس إلى جميع الحق، حتى أكمل الله له الدِّين، وأتَمَّ به النِّعْمَة؛ ولهذا كان خاتم الأنبياء، فإنَّه لَـمْ يَبْقَ شيءٌ يأتي به غيره.
وأخبر محمَّدٌ ﷺ بكل ما يأتي مِن أشراط الساعة والقيامة والحساب والصِّـرَاط ووزن الأعمال، والجنَّة وأنواع نعيمها، والنَّار وأنواع عذابها، فلهذا كان في القرآن مِن تفصيل أمر الآخرة، وذكر الجنَّة والنَّار، وما يأتي مِن ذلك أمور كثيرة لا توجد في التوراة ولا في الإنجيل، وذلك تصديق قول المسيح: «إنَّه يخبر بكل ما يأتي».
ومحمَّدٌ ﷺ بعثه الله بين يدي الساعة كما قال: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ)([136])، وأشار بأصابعه السبابة والوسطى، وكان إذا ذكر السَّاعة علا صوته، واحمَرَّ وجهه، واشتد غضبه كأنَّه مُنذِر جيش، وقال: (أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ)([137])، وقال: (إنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)([138]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6505)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (867). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6482)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2283). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4770)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (208).
فأخبر مِن الأمور التي تأتي في المستقبل بما لم يخبِر به نبيٌّ مِن الأنبياء، كما نعته به المسيح حيث قال: «إنَّه يُخْبِـركم بكل ما يأتي»، ولا يوجد قط مثل هذا عن أحد مِن الأنبياء قبل محمَّدٍ ﷺ، فضلًا عن أنْ يُوْجَد عن شيءٍ ينزل في قلب بعض الحواريِّين.
وأيضًا: فقال: «ويُعَرِّفُكم جميع ما للرَّبِّ»، فبيَّن أنَّه يُعَرِّف النَّاس جميع ما لله، وذلك يتناول ما لله مِن الأسماء والصفات، وما له مِن الحقوق، وما يجب من الإيمان به وبملائكته وكتبه ورُسُله، بحيث يكون ما يأتي به جامعًا لكل ما يستحَقِّه الرَّبُّ.
وهذا لَـمْ يأتِ به أحدٌ غير محمَّدٍ ﷺ، حيث تضمَّن ما جاء به مِن الكتاب والحكمة هذا كله، ومعلوم أنَّ ما نزل على الحواريين لَـمْ يكن فيه هذا كله ولا نصفه ولا ثلثه، بل ما جاء به المسيح أعظم مما جاء به الحواريُّون، وهذا الفارقليط الثاني جاء بأعظم مما جاء به المسيح.
وأيضًا: فإنَّ المسيح قال: «إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشُكُّوا فيه»، فبيَّن أنَّه أخبرهم به ليؤمنوا به إذا جاء ولا يشكُّوا فيه، وأنَّه يَشْهد له، وهذه صفة مَن بشَّـر به المسيح، وشَهِد للمسيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ﴾ [الصف: 6].
وأخبر أنَّه يُوبِّخ العالم على الخطيئة، ولَـمْ يُوْجَد أحدٌ وَبَّخَ جميع العالم على الخطيئة إلا محمَّدٌ ﷺ، فإنَّه أنذر جميع العالمين مِن أصناف النَّاس، ووبَّخَهُم على الخطيئة: مِن الكفر والفسوق والعصيان؛ وَبَّخَ المشركين مِن العرب والهند والتُّـرْك وغيرهم، ووبَّخَ المجوس، وكانت مملكتهم أعظم الممالك، ووَبَّخَ أهل الكتابيْن: اليهود والنَّصَارى، وقال في الحديث الصحيح عنه: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)([139])، لَـمْ يقتصر على مجرد الأمر والنَّهْي، بل وبَّخَهُم وقرَّعَهُم وتهدَّدَهُم. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2865).
وأيضًا: فإنَّه أخبر أنَّه ليس ينطق مِن عنده، بل يتكَلَّم بكل ما يسمع، وهذا إخبار بأنَّ كل ما يتكَلَّم به فهو وحي يسمعه، ليس هو شيئًا تعلَّمَه مِن النَّاس، أو عرفه باستنباطه، وهذه خاصة محمَّدٍ ﷺ، فإنَّ المسيح ومَن قبله مِن الأنبياء كانوا يتعَلَّمُون مِن غيرهم مع ما كان يُوحَى إليهم، فعندهم علم غير ما يسمعونه مِن الوحي، ومحمَّد ﷺ لَـمْ ينطق إلا بما يَسْمَعُه مِن الوحي، فهو مُبَلِّغ لِـمَا أُرْسِلَ به وقد قيل له: ﴿بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ [المائدة: 67].
فضَمِنَ الله له العِصْمَة إذا بلَّغَ رسالاته، فلهذا أرشد النَّاس إلى جميع الحق، وألقى إلى النَّاس ما لَـمْ يمكن غيره مِن الأنبياء إلقاءه خوفًا أنْ يقْتُلُوه، كما يذكرون عن المسيح وغيره.
وقد أخبر المسيح بأنَّه لَـمْ يذْكُرْ لهم جميع ما عنده، وأنَّهم لا يُطِيْقُونَ حمله، وهم مُعْتَـرِفُونَ بأنَّه كان يخاف منهم إذا أخبرهم بحقائق الأمور، ومحمَّدٌ ﷺ أيَّدَهُ الله تعالى تأييدًا لَـمْ يُؤَيِّدْه لغيره، فعَصَمَهُ مِن النَّاس حتى لَـمْ يخَفْ مِن شيءٍ يقوله، وأعطَاهُ مِن البيان والعلم ما لم يُؤْتِهِ غيره، فالكتاب الذي بُعِثَ به فيه مِن بيان حقائق الغيب ما ليس في كتاب غيره.
وأيَّد أمَّتَه تأييدًا أطاقت به حمل ما ألقاه إليهم، فلم يكونوا كأهل التوراة الذين حملوا التوراة، ثُمَّ لَـمْ يحملوها، ولا كأهل الإنجيل الذين قال لهم المسيح: «إنَّ لي كلامًا كثيـرًا أريد أن أقوله لكم، ولكن لا تستطيعون حمله»، ورُوِيَ أنَّ المسيح قال: [جئتكم بالأمثال، وهو يجيئكم بالتأويل].
ولا ريب أنَّ أمَّة محمَّدٍ أكمل عقولًا، وأعظم إيمانًا، وأتم تصديقًا وجهادًا، ولهذا كانت علومهم وأعمالهم القلبِيَّة وإيمانهم أعظم، وكانت العبادات البدنية لغيرهم أعظم.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ﴿285﴾ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 285-286].
وقد ثبَتَ في [الصَّحيح] عن النبي ﷺ أنَّ الله قال: (قَدْ فَعَلْتُ)([140]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (126).
وأيضًا: فإنَّه أخبر عن الفارقليط أنَّه يَشْهَدُ له، وأنَّه يُعَلِّمُهُم كُلَّ شيءٍ، وأنَّه يُذَكِّرُهم كُلَّ ما قال المسيح، ومعلومٌ أنَّ هذا لا يكون إلا إذا شَهِدَ له شهادة يسمعها النَّاس، لا يكون هذا شيئًا في قلب طائفة قليلة، ولَـمْ يشهد أحدٌ للمسيح شهادةً سمعها عامَّة النَّاس إلا محمَّدٌ ﷺ، فإنَّه أظهر أمر المسيح، وشهد له بالحق حتى سمع شهادته له عامَّة أهل الأرض، وعَلِمُوا أنَّه صدَّق المسيح، ونزَّهه عما افترته عليه اليهود، وعمَّا غلَتْ فيه النَّصَارى، فهو الذي شَهِدَ له بالحق.
ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به محمَّدٌ ﷺ للمسيح قال لهم: (ما زاد عيسى على ما قلتم هذا العود)([141]). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (1764).
وجعل الله تعالى أمَّة محمَّدٍ شُهَداء على النَّاس، يشهدون عليهم بما عَلِمُوه مِن الحق إذ كانوا وسطًا عَدْلًا، لا يشهدون بباطل، فإنَّ الشهيد لا يكون إلا عَدْلًا بخلاف مَن جار في شهادته، فزاد على الحق أو نقص منه، كشهادة اليهود والنَّصَارى في المسيح.
وأيضًا: فإنَّ معنى الفارقليط إنْ كان هو الحامد أو الحمَّاد أو الحمد أو الـمُعِزُّ؛ فهذا الوصف ظاهر في محمَّدٍ ﷺ، فإنَّه وأمَّته الحمَّادون الذين يحمدون الله على كل حال، وهو صاحب لواء الحَمْد، والحَمْد مفتاح خُطَبِهم وصلواتهم، ولهذا لَـمَّا كان حمَّادًا جُوزي بوصفه، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكان اسمه محمَّدًا وأحمد.
أمَّا محمَّدٌ: فهو على وزن مُكَرَّم ومُعَظَّم ومُقَدَّس، وهو الذي يُحمد حمدًا كثيرًا مبالغًا فيه، ويستحقُّ ذلك، فلما كان حـمَّادًا لله كان مُحمَّدًا، وفي شعر حسَّان:
وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَاٍ مُحَمَّدُ
وأمَّا أحمد: فهو أفعل التفضيل، أي: هو أحمدُ مِن غيره، أي: أحقُّ بأنْ يكون محمُودًا أكثر مِن غيره، يُقَال: هذا أحمدُ مِن هذا، أي: هذا أحق بأنْ يُحمَدَ مِن هذا، فيكون فيه تفضيل له على غيره في كونه محمَّدًا.
فلفظ «محمَّد» يقتضي فضله في الكمية، ولفظ «أحمد» يقتضي فضله في الكيفية.
ومِن النَّاس مِن يقول: أحمد أي: أكثر حمدًا من غيره، فعلى هذا يكون بمعنى الحامد والحمَّاد.
وقال مَن رجَّح أنَّ معنى الفارقليط في لغتهم هو الحمد -كما تقدم-: وإذا كان كذلك فهو ما جاء في القرآن: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: 6].
قالوا: ولا شك عندهم أنَّه اسم مشتق مِن الحمد، مثل ما نقول في لغتنا: ضارب، ومضروب.
وأمَّا اسم الـمُعِـزُّ: فلم يُعْرَف قط نبيٌّ أعزَّ أهل التوحيد لله والإيمان كما أعزَّهم محمَّدٌ، فهو أحق باسم الـمُعِـزِّ مِن كل إنسان.
وأمَّا معنى الـمُخَلِّص: فهو أيضًا ظاهر فيه، فإنَّ المسيح هو المخلص الأول كما ذُكِرَ في الإنجيل، وهو معروف عند النَّصَارى أنَّ المسيح صلوات الله عليه سُمِّيَ مُخلِّصًا، فيكون المسيح هو: الفارقليط الأول، وقد بشَّـر بفارقليط آخر، فإنَّه قال: «وأنا أطلب مِن الأب أن يُعْطِيَكُم فارقليطًا آخر، يَثْبُتُ معكم إلى الأبد»، فهذه بشارة بمُخَلِّصٍ ثانٍ يثْبُتُ معهم إلى الأبد، والمسيح هو المخَلِّص الأول.
وأمَّا ما ينْزِلُ في القلوب؛ فلم يُسَمِّهِ أحدٌ مُخلِّصًا، ولا فارقليطًا، فلا يجوز أن يُفَسَّـرَ كلام المسيح إلا بلغته، ومعانيه المعروفة في لغته التي خاطب بها، وكذلك سائر الأنبياء، بل وسائر الناطقين.
وقد وُصِفَ هذا المخَلِّص الثاني بأنَّه يَثْبُتُ معهم إلى الأبد، ومحمَّدٌ هو المخَلِّص الذي جاء بشَرْعٍ باقٍ إلى الأبد، لا يُنْسَخ.
[ثانيًا: الإخبار بالمغيبات]:
[فقد بيَّن القرآن أنوعًا متعدِّدة مِن الآيات والبراهين الدالة على نبوَّة محمَّدٍ ﷺ، فمن ذلك]: إخباره لقومه بالغيب الماضي الذي لا يمكن بشـرًا أنْ يَعْلَمَه إلا أن يكون نبيًّا، أو يكون ممن تلَقَّاهُ عن نبي، وقومه يعلمون أنَّه لَـمْ يتعَلَّم ذلك مِن بشـر: لا من أهل الكتاب ولا غيرهم، وهذا نوعان:
منه: ما كان يسأله عنه المشـركون، أو أهل الكتاب لينظروا هل هو نبي أم لا؟ وكان قومه يُرْسِلُونَ إلى أهل الكتاب البعيدين عنهم، مثل مَن كان بالمدينة، وغيرها مِن أهل الكتاب، يطْلُبُونَ منهم ما يسألونه عنه، فيُرْسِلُونَ إليهم ليَسْأَلُوهُ عَن ذلك، ويمتحِنُونَ بذلك هل هو نبي أم لا؟
ومنه: ما كان الله تعالى يخبره به ابتداءً، ويجعله عَلَمًا وآية لنبوته، وبرهانًا لرِسَالته، مع ما في ذكر هذه القصص مِن الاعتبار لأمور أخرى.
فكان كلٌّ من هذين النوعين دليلًا وعبرة على نبوَّته، مِن طريقين:
[الطريق الأول: من جهة] إخباره بالغيب الذي لا يعلمه إلا نبي.
[والطريق الثاني: من جهة ما] فيها مِن أحوالِ المؤمنين والكافرين التي تُوجِبُ اتِّبَاعَ سبيل المؤمنين الذين اتَّبَعُوا مثله، وتجَنُّب سبيل الكافرين الذين خالفوا مثله، وحُكْمُ الشيء حُكْمُ نظيره، فإذا كان مَن كان مثله، ومثل مَن اتَّبَعهُ سعيدًا، وكان مَن خالف مثله ومثل مَن اتَّبَعهُ شَقِيًّا؛ كان في هذا دلالة وعبرة تُوجِبُ اتِّباعَهُ، وتنهى عن مخالفته، وهذا أيضًا دليلٌ على نبوَّة مَن قبله مِن الأنبياء؛ من وجهين:
الجهة الأولى: أنَّهم أخبروا به قبل أنْ يُبْعَث بسنين كثيرة، فكان الأمر كما أخبروا به. وهذا آية لنُبوَّتهم، وإخبارهم بنبوَّته دليلٌ على نبوَّته، فصار ما في الكتب المتقَدِّمَة مِن خبره دليلًا على نبوَّة مَن قبله وعلى نبوَّته، كما أنَّ إخباره هو أيضًا عنهم مع بُعْدِ العَهْد خبـرًا لَـمْ يتعَلَّمْه مِن بشَـرٍ دليلًا على نبوَّته، وقد أخبـر بنبوَّتهم؛ فثبَتَتْ نبوَّته ونبوَّتهم ﷺ أجمعين.
الجهة الثانية: أنَّه أخبر بمثل ما أخبـروا به مِن غير مواطأة بينه وبينهم، لَـمْ يأخذوا عنه، ولَـمْ يأخذ عنهم، وكُلٌّ منهما أخبر عن الله بأخبار مُفَصَّلَةٍ، يمتنع الاتفاق عليها عادَةً إلا بتواطُؤٍ، فإذا لَـمْ يكن تواطُؤٌ وتشَاعُرٌ؛ وامتنع اتِّفَاقُ ذلك مِن غير مواطَأةٍ؛ عُلِمَ أنَّ كُلاًّ مِن المخبِـرِين صادق.
قال تعالى: ﴿۞ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ﴾ [يوسف: 7]، وقَصَّ قصته في السورة، وقال تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا﴾ [الكهف: 83]، وقال: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 85].
وقال تعالى لما قَصَّ قصة نوح مِن سورة هود -وهي أطول ما قصه في القرآن من قصة نوح-: ﴿تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]، فذكر سبحانه أنَّ هذا الذي أوحاه إليه: (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) ما كان يعلمه هو ولا قومه مِن قبل هذا، فإذا لَـمْ يكن قومه يعلمون ذلك لا مِن أهل الكتاب، ولا مِن غيرهم، وهو لَـمْ يُعَاشِر إلا قومه، وقومه يعلمون ذلك منه، ويعلمون أنَّهم لَـمْ يكونوا يعلَمُونَ ذلك، ويعلمون أيضًا أنَّه هو لَـمْ يكن يعلم ذلك، وأنَّه لَـمْ يكن يُعَاشِر غيرهم وهم لا يعلمون ذلك؛ صار هذا حُجَّة على قومه، وعلى مَن بلغه خبر قومه.
ومثل: ما أخبرهم عن قصة آدم، وسجود الملائكة له، وتزيين إبليس له حتى أكل مِن الشجرة، وهبط هو وزوجه.
وأخبرهم عن نوح، ودعائه لقومه، ومُكْثِهِ فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهذا في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب: مقدار لبثه في قومه قبل الغرق وبعده([142]). () انظر: سفر التكوين (9: 28-29).
وأخبرهم عن قصة الخليل، وما جَرَى له مع قومه، وإلقائه في النَّار، وذبح ولده، ومجيء الملائكة إليه في صورة ضيفان، وتبشيره بإسحاق ويعقوب، وذهاب الملائكة إلى لوط، وما جَرَى للوط مع قومه، وإهلاك الله مدائن قوم لوط.
وذكر قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين، وغير ذلك مِن قصص الأنبياء والصالحين والكُفَّار مُفَصَّلَة مُبَيَّنة بأحسن بيان وأتمِّ معرفة، مع عِلْمِ قومه الذين يعرفون أحواله مِن صِغَرِهِ إلى أن ادَّعى النبوة أنَّه لَـمْ يتعَلَّم هذا مِن بشـر، بل لم يجتمع هو بأحدٍ مِن البشر يعرف ذلك، ولا كان عندهم بمكة مَن يعرف ذلك، لا يهودي ولا نصـراني، ولا غيرهم.
فكان هذا مِن أعظم الآيات والبراهين لقومه بأنَّ هذا إنَّما أعلَمَهُ به وأنبأَهُ به الله، ومثل هذا الغيب لا يعلمه إلا نبيٌّ، أو مَن أخذ عن نبيٍّ، فإذا لَـمْ يكن هو قد أخذه عن نبيٍّ تعيَّن أن يكون نبيًّا.
ثُمَّ سائر أهل الأرض يعلمون أنَّه لَـمْ يتعَلَّم ذلك مِن بشر، من طرق:
أحدها: أنَّ قومه المعادِين له -الذين هم مِن أحرص النَّاس على القَدْح في نبوَّتِهِ مع كمال علمهم- ما زالوا معترفين بصِدْقه ﷺ، وأنَّهم لَـمْ يُجرِّبُوا عليه كَذِبًا قط، ومعترفين بأنَّ ما يقوله ليس بشعر ولا كهانة، وأنَّه ليس بساحر، فلو علِمُوا أنَّه تعلَّمَ ذلك مِن بِشَـرٍ؛ لطعنوا عليه ذلك وأظهروه، فإنَّهم -مع علمهم بحاله- يمتنع أن لا يعلموا ذلك لو كان، ومع حرصهم على القَدْح فيه يمتنع أن لا يقْدَحُوا فيه، ويمتنع أن لا يظهر ذلك، فلـمَّا لَـمْ يقع ذلك؛ دَلَّ على أنَّهم لَـمْ يكونوا يعلمون ذلك، ولَـمْ يتمَكَّنُوا من القَدْح به فيه مع عِلْمِهم بحاله ورغبتهم في القَدْح فيه، ومع كمال الدَّاعي والقُدْرة يجب وجود المقدور، فلمَّا كان داعيهم تامًّا ولَـمْ يقْدَحُوا؛ عُلِمَ أنَّ ذلك لعجزهم، وعجزهم عن القَدْح مع عِلْمِهم بحاله؛ دليلٌ على أنَّهم علموا أنَّه لَـمْ يتعَلَّمْه من بشـر.
الثاني: أنَّه قد تواتر عن قومه أنَّهم كانوا يقولون: إنَّه لَـمْ يكن يجتمع به مَن يُعلِّمُه ذلك.
الثالث: أنَّه لو كانت هذه القصص المتنوعة قد تعلَّمَها مِن أهل الكتاب -مع عداوته لهم-؛ لكانوا يُخْبِـرُون بذلك ويُظْهِرُونَه، ولو أظهروا ذلك لنُقِلَ وعُرِفَ، فإنَّ هذا مِن الحوادث التي تتوفَّر الهمم والدَّواعِي على نقله.
الرابع: أنَّه أخبر في القرآن بما لا يُوجَد عند أهل الكتاب، مثل: قصة هود وصالح وشعيب، وبعض التفاصيل في قصة إبراهيم وموسى وعيسى. مثل: تكليم المسيح في المهد. ومثل: نزول المائدة، فإنَّ هذا لا يعرفه أهل الكتاب. ومثل: إيمان امرأة فرعون، وغير ذلك. فيمتنع أن يُقال: إنَّ هذا تعَلَّمَه مِن أهل الكتاب، وقومه لَـمْ يكونوا يعلمون ذلك. بل قد رأوا هُم وغيرهم آثار المنذَرِين الذين عاقبهم الله لَـمَّا كذَّبُوا الرُّسُل، كقوم عادٍ وثمودَ وغيرهم؛ فيَسْتَدِلُّ النَّاس بالآثار الموجودة على صِدْق الرُّسُّل، وعقوبة الله لمن يُكَذِّبُهم، ويَسْتَدِلُّ قومه وغيرهم على صِدْقِهِ فيما أخبر به مِن هذه الأمور التي لَـمْ يتعلَّمْهَا مِن أهل الكتاب بتصديق أهل الكتاب له فيما وافقهم فيه، مع علمهم أنَّه لَـمْ يتعلَّم ذلك منهم، ويكون هذا مما يدُلُّ على أنَّه لَـمْ يتعلَّم ذلك مِن أهل الكتاب كما قد يظُنُّه بعضهم.
الخامس: أنَّه حين بُعِثَ كان النَّاس: إمَّا مشـركًا، وإمَّا كتابيًّا، فلم يكن هناك أحدٌ على الدِّين الذي دعا إليه، وقد عَلِمَ النَّاس بالتواتر أنَّ المشـركين مِن قريش وغيرهم لَـمْ يكونوا يعرفون هذه القصص، ولو قُدِّرَ أنَّهم كانوا يعرفونها فَهُمْ أول مَن دعاهم إلى دينه فعادوه وكذَّبُوه، فلو كان فيهم مَن علَّمَه، أو مَن يعْلَم أنَّه تعَلَّمَه مِن غيره؛ لأظهر ذلك.
السادس: أنَّ مثل هذا لو كان فلا بُدَّ أن يعْرِفَه ولو خوَاصُّ النَّاس، وكان في أصحابه الذين آمنوا به مَن يعْرِف ذلك، وكان ذلك يَشِيعُ، ولو تواصَوْا بكِتمانه، كما شاع ما كُتِمَ مِن أمر الدُّول الباطنية، ولكان خواصُّه في الباطن يعلمون كَذِبَه، وكان عِلْمُهُم بذلك يناقض تصديقه في الباطن كما عُرِفَ في نظائر ذلك، فكيف وكان أخصُّ أصحابه وأعلمهم بحاله أعظمهم محبةً وموالاةً، بخلاف حال مَن يُبْطِنُ خلاف ما يُظْهِر، فإنَّ خواص أصحابه لا يُعَظِّمُونه في الباطن.
فإذا عَلِمَ النَّاسُ أنَّ قومه الذين كانوا مُعَادِين له غاية العداوة، وكانوا يطلبُون القَدْح في نبوَّته بكل طريق؛ يُخْبِـرُون أنَّه لَـمْ يكن عندهم بَشَـرٌ يُعَلِّمُه مثل هذا، وأنَّه لَـمْ يكن في قومه ولا بلده مَن يعرف هذا؛ عَلِمَ النَّاس ما عَلِمَه قومه مِن أنَّ هذا إنَّما أنبأَهُ به الله، وكان هذا مِن أعلامه وآياته وبراهينه.
وهذا مما بُيَّن الله في القرآن أنَّه مِن آياته، وأنَّه حين أخبر قومه بهذا -مع تكذيبهم وعداوتهم له- لَـمْ يمكن أحدًا منهم أن يقول له: [بل فينا مَن كان يعْلَمُ ذلك، وأنتَ كُنْتَ تعْلَمُ ذلك، وقد تعَلَّمْتَه مِنَّا، أو مِن غيرنا]؛ فكان إقرارهم بعدم عِلْمِه وعِلْمِهِم -مع فرط عداوتهم له- آية بيِّنَة لجميع الأمم أنَّه لَـمْ يكن هو ولا هم يعلمون ذلك.
ولهذا لَـمَّا كان بعضهم يفتري عليه فرية ظاهرة؛ كانوا كلهم يعلمون كَذِبَه، وإذا اجتمعوا وتشاوروا في أمره يعرفون أنَّ هذا كذِبٌ ظاهر عليه، كما كان بعضهم يقول: [إنَّه مجنون]، وبعضهم يقول: [إنَّه كاهن]، وبعضهم يقول: [إنَّه ساحر]، وبعضهم يقول: [إنه مُعَلَّم تعَلَّمَه مِن بشـر]، وبعضهم يقول: [أضغاث أحلام]، فحكى الله أقوالهم مُبيِّنًا ظُهُور كَذِبِ مَن قال ذلك، وأنَّه قول ضالٌّ جائرٌ، قد بهَرَهُ حال الرَّسُول فحار، فلم يدْرِ ما يقول.
[ أ. المغيبات التي أخبر بها النبي ﷺ ووقعت بعد زمنه]:
وآياته ﷺ قد استوعبت جميع أنواع الآيات الفعلية والخبرية، فإخباره عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل بأمور باهرة، لا يوجد مثلها لأحدٍ مِن النبيِّين قبله، فضلًا عن غير النبيِّين.
ففي القرآن مِن إخباره عن الغيوب شيءٌ كثير -كما تقدم بعض ذلك-، وكذلك في الأحاديث الصحيحة، مما أخبر بوقوعه، فكان كما أخبـر.
ففي [الصَّحيحين] عن حذيفة قال: (قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا ما ترك شيئًا يكون مِن مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّثَ به، حفظه من حفظه، ونسيه مَن نسيه، قد علِمَهُ أصحابي هؤلاء، وإنَّه ليكون منه الشـيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثُمَّ إذا رآه عرفه)([143]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6604)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2891).
وفي [صحيح مسلم]، عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: (صَلَّى بنا رسول الله ﷺ الفجر، ثُمَّ صعد المنبر، فخطبنا حتى حضـرت الظهر، ثُمَّ نزل فصَلَّى بنا، ثُمَّ صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصـر، ثُمَّ نزل فصَلَّى بنا، ثُمَّ صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس؛ قال: وأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأحفظنا أعلمنا)([144]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2892).
وفي [صحيح البخاري] عن عدي بن حاتم قال: (بينا أنا عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فشكا إليه الفاقة، ثُمَّ أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يَا عَدِيُّ!، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيـرَةَ"، فقلتُ: لَـمْ أرها وقد أُنبئت عنها، قال: "فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيـرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إلا الله"، -قال: قلتُ فيما بيني وبين نفسـي: فأين دُعَّار طَيِّئٍ الذين سَعَّروا البلاد؟- "وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْـرَى، قلتُ: كسـرى بن هُرمز؟! قال: "كِسْـرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ عَنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ؛ فَيَقُولَنَّ: أَلَـمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ؟، فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَـمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟، فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ؛ فَلَا يَرَى إلا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ؛ فَلَا يَرَى إلا جَهَنَّمَ".
قال عديٌّ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْـرَةٍ، فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
قال عديٌّ: فرأيتُ الظعينة ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسـرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال رسول الله ﷺ: يخرج الرجل ملء كفه)([145]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3595).
قلتُ: وهذا الذي أخبر به مِن خروج الرجل بملء كفه مِن ذهب أو فضة فلا يجد مَن يقبله؛ ظهر كما أخبر في زمن عمر بن عبد العزيز.
وفي [صحيح مسلم]، عن جابر بن سمرة، عن نافع بن عُتبة قال: (كُنَّا مع رسول الله ﷺ في غزوة، قال: فأتى النبي ﷺ قوم من قِبل المغرب، عليهم ثياب الصوف، فوافقوه عند أكمة، فإنَّهم لقيام ورسول الله ﷺ قاعد، قال: فقالت لي نفسـي: "ائتهم فقم بينهم وبينه لا يغتالونه"، قال: ثُمَّ قلتُ: "لعله نجيٌّ معهم، فأتيتهم فقمت بينهم وبينه"، قال: "فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي"، قال: "تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ")([146]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2900).
وروى [البخاري] عن عوف بن مالك قال: (أتيتُ النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: "اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، وفَتْحُ بَيْتِ الْمقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إلا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايةً، تَحْتَ كُلِّ غَايةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْـفًا)([147]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3176).
قلتُ: ففُتِحَ بيت المقدس بعد موته في خلافة عمر بن الخطاب، ثُمَّ بعد ذلك وقع الطاعون العظيم بالشام، طاعون عمواس في خلافة عمر أيضًا، ومات فيه: معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح، وخلق كثير، وكان ذلك أول طاعون وقع في الإسلام، فكان ما أخبر به، حيث أخذهم طاعون كقُعاص الغنم، ثُمَّ استفاض المال في خلافة عثمان بن عفان حتى كان أحدهم يُعطى مئة دينار فيتسخطها، وكثر المال حتى كانت الفَرس تُشْتَـرَى بوزنها، ثم وقعت الفتنة العامة التي لَـمْ يبقَ بيتٌ مِن العرب إلا دخلته لَـمَّا قُتِلَ عثمان، ووقعت الفتنة بين المسلمين، واقتتلوا يوم الجمل ويوم صفين.
وفي [الصَّحيحين] عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوَسِّدٌ بُردةً له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشـركين شدة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، قال: فجلس مُحمَـرًّا وجهه، ثُمَّ قال: "وَالله إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيْدِ مَا بَيْنَ لَحمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْـرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ، ويُؤْخَذُ فَتُحْفَرُ لَهُ الحْفْرَةُ فَيُوضَعُ المنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِيْنِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْكُمْ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْـرَمَوْتَ لَا يَخْشَى إلا اللهَ عز وجل وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّـكُمْ تَعْجَلُونَ)([148]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3612)، و(3852)، و(6943).
وفي [الصَّحيحين] -واللفظ للبخاري- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمجَانُّ الْمطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهمُ الشَّعَرُ)([149]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2928)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2912).
قلتُ: وهؤلاء الطوائف كلهم قاتلهم المسلمون كما أخبـر ﷺ، وأَمْرُ هذه الطوائف معروف، فإنَّ قتال التُّرْكِ مِن التتار وغيرهم -الذين هذه صفتهم- معروف مشهور، وحديثهم في أكثر مِن عشـرة آلاف نسخة -كبار وصغار- مِن كتب المسلمين، قبل قتال هؤلاء الذين ظهروا مِن ناحية المشـرق الذين هذه صفتهم، التي لو كُلِّفَ مَن رآهم بعينه أن يصفهم لَـمْ يُحسِن مثل هذه الصفة.
وفي [الصَّحيحين] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ لَها أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْـرَى)([150]). وقد ظهرت هذه النَّار سنة بضع وخمسين وستمئة، ورآها النَّاس، ورأوا أعناق الإبل قد أضاءَتْ ببُصْرَى، وكانت تحرق الحجر، ولا تُنْضِجُ اللَّحْم. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (7118)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2902).
وفي [صحيح البخاري] عن أبي بكرة، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال عن الحسن -ابن ابنته- وهو يخطب على المنبر: (إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتِيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المسْلِمِينَ)([151]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2704).
قلتُ: فوقع هذا كما أخبر به، بعد موت الرَّسُول بنحو ثلاثين سنة، وهو سنة أربعين من الهجرة لـمَّا أصلح الله بالحسن بين الفئتين العظيمتين اللتين كانتا مُتحاربتين بصِفِّين -عسكر علي، وعسكر معاوية-.
وفي [الصَّحيحين] من غير وجه أنَّه: (لَـمَّا قال له ذو الخويصـرة: يا محمد، اعدل فإنَّك لَـمْ تعدل. فقال: "وَيْحَكَ، قَدْ خِبْتُ وَخَسِـرْتُ إِنْ لَـمْ أَعْدِلْ"؛ فقال بعض أصحابه: دعني أضـرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَقْوَامٌ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، آيَتُهُمْ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا مُخَدَّجَ الْيَدِ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ الْبَضْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ تَدَرْدَرُ، عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ")([152]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3610)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1063).
وفي رواية في [الصَّحيحين]: (تَمْـرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمسْلِمِينَ، تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحقِّ)([153]). وهؤلاء ظهروا بعد موته ببضع وعشـرين سنة في أواخر خلافة علي، لَـمَّا افترق المسلمون، فكانت الفتنة بين عسكر علي وعسكر معاوية، وقتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه، وهم أدنى الطائفتين إلى الحق، والطائفة الأخرى قتلوا عمَّار بن ياسر، وهي الطائفة الباغية، وكان عليٌّ قد أخبرهم بهذا الحديث، وبعلامتهم فطلبوا هذا المخَدَّج فلم يجدوه، حتى قام عليٌّ بنفسه ففتش عليه؛ فوجده مقتولًا، فسجد شُكْرًا لله. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (1065).
وفي [الصَّحيح] عنه أنَّه قال: (سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً)([154]). وهؤلاء ظهروا بعده بمُدَّة؛ فكانوا يُؤَخِّرون الظهر إلى وقت العصـر، ويُؤَخِّرون العصـر إلى اصفرار الشمس. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (648).
وفي [صحيح مسلم]، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَـمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْـرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)([155]). وهؤلاء ظهروا بعده بمُدَّةٍ طويلةٍ، وظهر النِّسْوة بعد ذلك بسنين كثيرة، وعلى رءوسهن عمائم كأسنمة الجمال البُخَاتي، يسمون العمامة: سَنَام الجمل. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2128).
وفي [حديث مسلم]، عن أسماء بنت أبي بكر، عن النبي ﷺ أنَّه قال: (سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ)([156]). وظهر الكذَّابُ مِن ثقيف، وهو: المختار بن أبي عُبيد، الذي أظهر التشيُّع والانتصار للحسين، وقتل عُبيد الله بن زياد وغيره مِن قتلة الحسين، ثُمَّ أظهر أنَّه يُوْحَى إليه، وأنَّه ينزل عليه، حتى قيل لابن عمر وابن عباس عنه، قيل لأحدهما: إنَّه يُوْحَى إليه، وللآخر: إنَّه ينزل عليه. فقال أحدهما: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) [الأنعام: 121]، وقال الآخر: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ﴿221﴾ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ﴾ [الشعراء: 221 - 222]. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2545).
وأمَّا المبير فكان هو: الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان مبيرًا سفاكًا للدِّمَاء بغير حق، انتصارًا لـمُلْكِ عبد الملك بن مروان الذي استنابه.
وفي [صحيح ابن حبان] عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: (لما أقبلت عائشة مرَّتْ ببعض مياهِ بني عامر، طرقتهم ليلًا؛ فسمعت نُباح الكلاب، فقالت: أيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قالوا: مَاءُ الحوْأَب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، قالوا: مهلًا -يرحمك الله- تقدَمِينَ فيراكِ المسلمون، فيُصْلِحُ الله بك. قالت: ما أظنُّنِي إلا راجعة، إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ يَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحوْأَبِ")([157]). () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (6732)، وأحمد في "مسنده" برقم: (24862).
وفيه أيضًا: عن ابن أبي طالب قال: (قال لي عبد الله بن سلام، وقد وضعت رجلي في الغرز، وأنا أريد العراق: لا تأتِ العراق، فإنَّكَ إن أتيتهم أصابك ذَنَبُ السيف، قال علي: وايم الله لقد قالها لي رسول الله ﷺ، قال أبو الأسود: فقلت في نفسـي: ما رأيتُ كاليوم رجلًا مُحاربًا يُحدِّث النَّاس بمثل هذا)([158]). () أخرجه ابن حبان في "صحيحه" برقم: (6733)، والحاكم في "مستدركه" برقم: (4703).
وهذا وأمثاله مما أخبر به ﷺ مِن المستقبلات، فوقع بعده كما أخبر، ورأى النَّاس ذلك.
[ ب. المغيبات التي أخبر بها النبي ﷺ ووقعت في زمنه]:
ففي [الصَّحيحين] عن سهل بن سعد، أنَّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ)([159])، فكان كذلك. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4210)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2406).
وفي [الصَّحيحين] عن علي رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله ﷺ، وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام، والمقداد -وكلنا فارس-، فقال: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بَهَا امْرَأَةً مَعَهَا كِتَابٌ مِن حَاطِبٍ إِلى المشْرِكِيْنَ".
قال: فأدركناها تسير على بعير لها خبب فقلنا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، قال: فأنخنا بها، فالتمسنا الكتاب في رحلها، فلم نرَ كتابًا، قال: قلنا: ما كَذَبَ رسول الله ﷺ، لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنُجَرِّدَنَّكِ، قال: فلما رأت أنِّي أهويت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء، فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشـركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ.
فقال رسول الله ﷺ: "يَا حَاطِبُ!، مَا هَذَا؟".
قال: لا تعجَلْ علَيَّ، إنِّي كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولَـمْ أكن من أنفسها، وكان مَن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببتُ إذ فاتني ذلك مِن النَّسَبِ فيهم أن أتخذ يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفرًا، ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ: "إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُم".
فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ؛ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَاْ شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)([160]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3983)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2494).
فكان في هذا الكتاب إخبار المشركين بأنَّ النبي ﷺ يريد غزوهم، فأعلمه الله بذلك.
وفي [الصَّحيحين] عن أبي هريرة قال: (نعى رسول الله ﷺ للنَّاس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات)([161]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1333)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2494).
وروى [البخاري] عن أنس بن مالك؛ قال: (نعى رسول الله ﷺ زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للنَّاس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أَخَذَ الرَّايةَ زيدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ عَبْدُالله بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وإنَّ عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيْدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوْفِ الله، حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ)([162]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3757).
[ثالثًا: سؤالات أهل الكتاب الدالة على نبوة محمِّدٍ ﷺ]:
فمِمَّا سأله عنه أهل الكتاب في المدينة مسائل، وهي غير المسائل التي كان يُسأَلُ عنها وهو بمكة، كما كان مشـركو قريش يُرْسِلُونَ إلى اليهود بالمدينة، يسألونهم عن محمَّدٍ ﷺ، فيُـرْسِلُ اليهود إليهم بمسائل يمتحنون بها نبوته.
[سؤالات عبدالله بن سلام]
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء عبد الله بن سَلَام إلى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة؛ فقال: إنِّي سائلك عن ثلاثٍ لا يعلَمُهُنَّ إلا نبيٌّ: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنَّة، والولد ينزع إلى أمه وإلى أبيه؛ قال: "أخبرنِـي جِبْـرِيلُ آنِـفًا"، قال عبدالله: ذاك عدو اليهود مِن الملائكة. "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِن المشْـرِقِ إِلَى المغِرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجنَّةِ: فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوْتٍ، وَأَمَّا الوَلَدُ: فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المرْأَةِ؛ نَزَعَ الوَلَدُ إِلَى أَبِيْهِ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ؛ نَزَعَ الوَلَدُ إِلَى أُمِّهِ"، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّكَ رسول الله.
قال: يا رسول الله، إنَّ اليهودَ قومٌ بُهْتٌ، فإنْ علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنِّي بهتوني عندك، فجاءت اليهود؛ فقال لهم النبي ﷺ: "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ الله فِيْكُم؟"، قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الله"، قالوا: أعاذه الله مِن ذلك، فخرج إليهم عبد الله بن سَلَام؛ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؛ فقالوا: شَرُّنا وابن شَرِّنا، وتنقَّصُوه، قال: فهذا ما كُنْتُ أخاف وأَحْذَر)([163]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3938).
[سؤالات الحبر اليهودي]
روى [مسلم في صحيحه] عن ثوبان قال: (كنتُ قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حَبْـرٌ مِن أحبار اليهود، وقال: السلام عليك يا محمَّدُ، فدفعته دفعة كاد يُصْـرَعُ منها؛ فقال: لِـمَ تدفعني؟، قال: قلتُ: ألا تقول يا رسول الله؟، قال: إنَّما سمَّيته باسمه الذي سمَّاه به أهله؛ فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ اسْمِي الَّذِي سَمَّانِـي بِهِ أَهْلِـي: مُحَمَّدٌ"، فقال اليهودي: جئتُ أسألك؛ فقال رسول الله ﷺ: "يَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ"، قال: أسمع بأذني. فنكَتَ([164]) بعود معه؛ فقال له: "سَلْ". () أي: رسول الله ﷺ.
فقال اليهودي: أين النَّاس يوم تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟؛ فقال: رسول الله ﷺ: "فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجسْـرِ".
قال: فمَن أوَّل النَّاس إجازة؟؛ قال: "فُقَرَاءُ المهَاجِرِينَ".
فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنَّة؟؛ قال: "زِيَادَةُ كَبِدِ نُونٍ".
قال: وما غذاؤهم على أثره؟؛ قال: "يُنْحَرُ لَـهُمْ ثَوْرُ الجنَّةِ الَّذِيْ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا".
قال: فما شرابهم عليه؟؛ قال: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا".
قال: صدقت.
قال: وجئتُ أسألك عن شيء لا يعلمه أحدٌ مِن أهل الأرض إلا نبِيٌّ أو رجُلٌ أو رجلان، قال: "يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ"، قال: أسمع بأذني.
قال: جئتُ أسألك عن الولد؛ قال: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا: فَعَلَا مَنِـيُّ الرَّجُلِ مَنِـيَّ الْمرْأَةِ؛ أَذْكَرَ بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ؛ آنـثَا بِإِذْنِ الله".
فقال اليهودي: صدقت، وإنَّكَ لنَبِيٌّ. ثُمَّ انصرف.
فقال النبي ﷺ: "إِنَّهُ سَأَلَنِي عَنْ هَذَا الَّذِيْ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى أَتَانِيَ بِهِ اللهُ تَعَالَى")([165]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (315).
[سؤالات عصابة من اليهود]
روى [أبو داود الطيالسي]: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شَهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: (حضَـرَتْ عصابةٌ مِن اليهود يومًا إلى النبي ﷺ؛ فقالوا: يا رسول الله!، حَدِّثْنَا عن خِلَالٍ نسألك عنها لا يعلمها إلا نبيٌّ؛ فقال: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ الله، وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ، إِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَـيْءٍ تَعْرِفُونَهُ صِدْقًا لَـتُبـَايِعُوني عَلَى الْإِسْلَامِ"، فقالوا: لك ذلك.
قال: "فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ"، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا عن الطعام الذي حرَّمَ إسرائيل على نفسه مِن قبل أن تُنَـزَّلَ التوراة، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذَّكَرُ منه حتى يكون ذكرًا، وكيف تكون الأنثى حتى تكون أنثى، وأخبرنا كيف هذا النبي في النوم، ومن وَلِيُّكَ مِن الملائكة؟
قال: "فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ الله وَمِيثَاقُهُ، لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ لَـتُبـَايِعُوني؟"، فأعطوه ما شاء مِن عَهْدٍ وميثاق؛ قال: "أَنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا طَالَ سَقَمُهُ فِيْهِ، فَنَذَرَ لله نَذْرًا، لَئِنْ شَفَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّـرَابِ إِلَيْهِ، وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبَّ الشَّـرَابِ إِلَيْهِ: أَلْبَانُ الْإِبِلِ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ: لُحُوْمُ الْإِبِلِ".
قالوا: اللهم نعم؛ فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ".
قال: "فَأَنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ، الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَأَنَّ مَاءَ الْمرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَأَيُّـهُـمَا عَلَا كَانَ لَهُ الْوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ الله".
قالوا: اللهم نعم؛ فقال: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ".
قال: "أَنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ".
قالوا: اللهم نعم؛ قال: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ".
قالوا: أنتَ الآن حدِّثْنَا مَن وَليُّكَ مِن الملائكة، فعندها نُجَامِعكَ أو نُفَارِقكَ.
قال: "وَلِيِّي جِبْـرِيلُ عليه السلام، ولَـمْ يَبْعَث الله نَبِـيًّا قَطُّ إِلَا وَهُوَ وَلِيُّـهُ".
قالوا: فعندها نُفارقك، لو كان وَليُّكَ غيره لاتَّبَعْنَاكَ وصدَّقْنَاك.
قال: "فَـمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوهُ".
قالوا: إنَّه عَدُوُّنَا مِن الملائكة؛ فأنزل الله عز وجل: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا)، إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾)([166]). () أخرجه الطيالسي في "مسنده" برقم: (2854).
[دلالة سؤالات أهل الكتاب]
ففي هذه الأحاديث أنَّ علماء اليهود -كعبد الله بن سَلَام وغيره- كانوا يسألونه عن مسائل، يقولون فيها: لا يعلمها إلا نبي، أي: ومن تعلَّمها مِن الأنبياء، فإنَّ السائلين كانوا يعلمونها، كما جاء أيضًا: «لا يعلمها إلا نبي أو قليل من الناس».
وكانوا يمتحنونه بهذه المسائل ليتبيَّن هل يعلمها، وإذا كان يعلم ما لا يعلمه إلا نبي كان نبيًّا، ومعلوم أنَّ مقصودهم بذلك إنَّما يتم إذا علموا أنَّه لَـمْ يتعَلَّم هذه المسائل مِن أهل الكتاب ومَن تعلَّم منهم، وإلا فمعلوم أنَّ هذه المسائل كان يعلمها بعض النَّاس، لكن تعَلَّمَها هؤلاء مِن الأنبياء.
وهذا يُبيِّن أنَّ هؤلاء السائلين له مِن أهل الكتاب كانوا يعلمون أنَّ أحدًا مِن البشـر لَـمْ يُعَلِّمْهُ ما عند أهل الكتاب مِن العلم، إذ لو جوَّزُوا ذلك عليه؛ لَـمْ يحصل مقصودهم مِن امتحانه هل هو نبي أم لا؟ فإنَّهم إذا جوَّزُوا أن يكون تعلَّمَ ما لا يعلمه إلا نبي مِن أهل الكتاب كان مِن جنسهم، فلم يكن في عِلْمِهِ بها وإجابتهم عنها؛ دليلٌ على نبوَّته، فلا بُدَّ أن يكون هؤلاء السائلون يقطعون بأنَّه لَـمْ يتعَلَّم مِن أهل الكتاب.
وهذا كان بالمدينة بعد أن أقام بمكة بضع عشـرة سنة، وانتشـر أمره وكذَّبَه قومه، وحرصوا على إبطال دعوته بكل طريق يقدرون عليه، فلو كان بمكة أو بالمدينة أحدٌ مِن أهل الكتاب يتعلَّم منه، أو لقي أحدًا مِن أهل الكتاب في طريق فتعلَّم منه؛ لكان ذلك يقدح في مقصود هؤلاء السائلين، فتبيَّن أنَّه كان معلومًا عند أهل الكتاب أنَّه لَـمْ يتعلَّم شيئًا مِن الغيب مِن بشـر، لا سيما ولو كان قد تعَلَّمَه مِن أهل الكتاب -وقد كذَّبَهم وحاربهم- لأظهروا ذلك، ولشاع في أهل الكتاب، فكان إذا أجابهم قالوا: هذا تعلَّمْتَه مِن فلان، وفلان مِنَّا، أو هذا علمكه بعض أهل ديننا.
وهذا كما كانوا يُرسِلُون إلى قومه مِن قريش ليسألوه عن مسائل، ويقولون: [إنْ أخبركم بهنَّ فهو نبي مُرْسَل، وإلا فهو متقَوِّل]، ويقولون: [سلوه عن مسائل لا يعلمها إلا نبيٌّ].
فهذا مِن أهل المدينة ومِن قريش قومه؛ يُبيِّن أنَّ قومه المشـركين وأهل الكتاب كانوا مُتَّفِقِين على أنَّه لَـمْ يتعَلَّم شيئًا مِن ذلك مِن البشـر، إذ لو جوَّزُوا ذلك لم يحصل مقصودهم بذلك، ولَـمْ يجُزْ أن يقولوا: [لا يعلمها إلا نبيٌّ]، فإنَّهم كانوا جميعًا يعلمون أنَّ مِن أهل الكتاب مَن يعلَمُ هذه المسائل، وبذلك يُعْرَف هل يجيب فيها بما قالته الأنبياء، أو بخلاف ذلك.
ويعلمون أنَّ مَن كان يعْلَمُها مِن أهل الكتاب، ومن تعَلَّم منهم لا يدُلُّ جوابه عنها على نبوَّته، كما لو أجاب عن تلك المسائل بعض أهل الكتاب، وكما لو سأل في زماننا بعض النَّاس لبعض المسلمين عن تلك المسائل أو غيرها مِن أنباء الغيب التي لا يعلمها إلا نبيٌّ، فإنَّ ذلك لا يدُلُّ على نبوَّته؛ لأنَّه قد تعلَّمَ ذلك مِن الأنبياء، فدَلَّ على أنَّ مُرادهم بقولهم: [لا يعلمها إلا نبي]؛ أي: لا يعلمها ابتداءً بدون تعليم بشـر إلا نبيٌّ.
ويدلُّ على أنَّ المشـركين وأهل الكتاب كانوا جميعًا مُتَّفِقِين على أنَّه لَـمْ يتعَلَّم مِن بشـر مع انتشار أخباره، ومع اطلاع قومه على أسراره، ومع ظهور ذلك لو وُجِدَ، مع أنَّهم لو جوَّزُوا تجويزًا أن يكون قد تعَلَّمَها مِن بشـر في الباطن؛ لَـمْ يجُزْ أن يُستَدَلَّ بها على نبوَّته، فدَلَّ على أنَّهم كانوا قاطعين بأنَّه لَـمْ يتعَلَّم ذلك مِن بشـر، لا في الباطن ولا في الظاهر، وهذا طريق بيِّنٌ يدُلُّ على أنَّه لَـمْ يتعَلَّم ذلك مِن بشـرٍ سوى الطرق المذكورة هنا.
[رابعًا: الإعجاز القرآني]:
وذلك يظهر من وجوه: جملةً وتفصيلًا.
أمَّا الجملة: فإنَّه قد عَلِمَت الخاصة والعامَّة مِن عامَّة الأُمَم عِلْـمًا متواترًا أنَّه هو الذي أتى بهذا القرآن، وتواترتْ بذلك الأخبار أعظم مِن تواترها بخبر كل أحدٍ مِن الأنبياء والملوك والفلاسفة، وغيرهم.
والقرآن نفسه فيه تحدِّي الأُمَم بالمعارَضَة، والتحدِّي هو أن يحدوهم؛ أي: يدعُوهم ويبعثَهُم إلى أن يُعَارِضُوه؛ فيقال فيه: حداني على هذا الأمر؛ أي: بعثني عليه، ومنه سُمِّيَ [حادي العيس]؛ لأنَّه بحداه يبعثها على السير، وقد يريد بعض النَّاس بالتحدِّي: دعوى النبوَّة، ولكن أصله الأول.
قال تعالى في سورة الطور: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ﴿33﴾ فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ﴾ [الطور: 33-34]، فهنا قال: ﴿فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ﴾؛ في أنَّه تقَوَّلَه، فإنَّه إذا كان محمَّدٌ قادرًا على أنْ يتقَوَّلَه كما يقدر الإنسان على أن يتكَلَّم بما يتكَلَّم به مَن نظم ونثر؛ كان هذا ممكنًا للنَّاس الذين هم مِن جِنْسه، فأمكن النَّاس أن يأتوا بمثله.
ثُمَّ إنَّه تحدَّاهُم بعَشْـرِ سور مثله؛ فقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ فَأْتُوا دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [هود: 13]، ثُمَّ تحدَّاهُم بسورة واحدة منه؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿37﴾ أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [يونس: 37 - 38].
فطلب منهم أن يأتوا بعَشْـر سور مثله مفتريات هُم وكل مَن استطاعوا مِن دون الله، ثُمَّ تحداهم بسورة واحدة هم ومَن استطاعوا؛ وقال: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [هود: 14]، وهذا أصل دعوته، وهو الشهادة بأنَّه لا إله إلا الله، والشهادة بأنَّ محمَّدًا رسول الله.
وقال تعالى: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ)، كما قال: ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ﴾ [النساء: 166]، أي: هو يعلم أنَّه منزل، لا يعلم أنَّه مُفتـرًى؛ كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) [يونس: 37]، أي: ما كان لأن يُفْتَـرَى، يقول: ما كان ليفعل هذا، فلم ينفِ مجرد فِعْله، بل نفى احتمال فِعْله، وأخبر بأنَّ مثل هذا لا يقع، بل يمتنع وقوعه، فيكون المعنى: ما يمكن، ولا يُحتَمل، ولا يجوز أن يُفْتَرى هذا القرآن مِن دون الله، فإنَّ الذي يفتريه من دون الله مخلوق، والمخلوق لا يَقْدِرُ على ذلك.
وهذا التحدي كان بمكة، فإنَّ هذه السور مكية: سورة يونس، وهود، والطور، ثُمَّ أعاد التحدِّي في المدينة بعد الهجرة؛ فقال في البقرة -وهي سورة مدنية- : ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ ثُمَّ قال: ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24]؛ فذكر أمرين:
أحدهما: قوله: ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ﴾ [البقرة: 24]، يقول: إذا لَـمْ تفعلوا فقد علِمْتُم أنَّه حقٌّ، فخافوا الله أن تُكَذِّبُوه، فيحِيْقَ بكم العذاب الذي وعد به المكَذِّبين، وهذا دعاء إلى سبيل ربِّه بالموعظة الحسنة، بعد أن دعاهم بالحكمة، وهو جدالهم بالتي هي أحسن.
والثاني: قوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا)، و«لن»: لنفي المستقبل، فبَتَّ الخبر أنَّهم فيما يستقبل مِن الزَّمَان لا يأتون بسورة مِن مِثْلِه، كما أخبر قبل ذلك.
وأمره أن يقول في سورة «سبحان» -وهي سورة مكية- افتتحها بذِكْر الإسراء، وهو كان بمكة بنَصِّ القرآن والخبر المتواتر، وذكر فيها مِن مخاطبته للكفار بمكة ما يُبيِّن ذلك، بقوله: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ [الإسراء: 88].
فإذا كان قد تحدَّاهم بالمعارَضة -مرَّة بعد مرَّةٍ- وهي تُبطل دعوته، فمعلوم أنَّهم لو كانوا قادرين عليها لفعلُوها، فإنَّه مع وجود هذا الدَّاعي التام المؤكَّد إذا كانت القُدْرَة حاصلة؛ وجَبَ وجود المقدور، ثُمَّ هكذا القول في سائر أهل الأرض.
فهذا القَدْر يُوْجِبُ عِلْـمًا بيِّـنًا لكل أحدٍ بعجز جميع أهل الأرض عَنْ أن يأتوا بمِثْلِ هذا القرآن بحيلة وبغير حيلة، وهذا أبلغ مِن الآيات التي تكرَّر جنسها؛ كإحياء الموتى، فإنَّ هذا لَـمْ يأتِ أحد بنظيره.
وكون القرآن آيةً معجزة ليس هو مِن جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نَظْمِهِ وأسلوبه فقط، ولا مِن جهة إخباره بالغيب فقط، ولا مِن جهة صَرف الدَّوَاعِي عن معارَضَتِهِ فقط، ولا مِن جهة سَلْبِ قُدْرَتِهم على معارضته فقط؛ بل هو آيةٌ بيِّنةٌ معجزة من وجوه متعددة:
مِن جهة اللفظ.
ومِن جهة النَّظْم.
ومِن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى.
ومِن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك.
ومِن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل.
ومِن جهة ما أخبر به عن المعاد.
ومِن جهة ما بيَّن فيه مِن الدَّلائل اليقينية، والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضـروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾ [الإسراء: 89]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾ [الكهف: 54]، وقال: ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ﴿27﴾ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 27-28].
وكل ما ذكره النَّاس مِن الوجوه في إعجاز القرآن؛ هو: حُجَّةٌ على إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم بيَّنوا لَـمَّا تنبَّهُوا له.
وأما التفصيل: فيُقال: نفس نَظْمِ القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس مِن جنس أساليب الكلام المعروفة، ولَـمْ يأتِ أحدٌ بنظير هذا الأسلوب، فإنَّه ليس مِن جنس الشِّعْر، ولا الرَّجَز، ولا الخطابة، ولا الرسائل، ولا نظمه نظْمَ شيءٍ مِن كلام النَّاس عربهم وعجمهم.
ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة، ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا وتفصيله طويل، يعرفه مَن له نظَـرٌ وتدبُّـر.
ونفس ما أخبر به القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته أمر عجيب خارق للعادة، لَـمْ يوجد مثل ذلك في كلام بشـر -لا نبي ولا غير نبي-.
وكذلك ما أخبر به عن الملائكة والعَرْش والكرسي والجن وخلق آدم، وغير ذلك، ونفس ما أمر به القرآن مِن الدِّين والشَّـرائع كذلك، ونفس ما أخبر به مِن الأمثال وبيَّـنَه مِن الدَّلائل؛ هو أيضًا كذلك.
ومَن تدبَّر ما صنَّفَه جميع العقلاء في العلوم الإلهية والخلقية والسياسية؛ وجَدَ بينه وبين ما جاءَ في الكتب الإلهية -التوراة والإنجيل والزبور وصُحُفِ الأنبياء- تفاوتًا عظيمًا، ووجد بين ذلك وبين القرآن مِن التفاوت أعظم مما بين لفظه ونظمه، وبين سائر ألفاظ العرب ونظْمِهِم.
فالإعجاز في معناه أعظم وأكبر مِن الإعجاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم مِن عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه.
وما في التوراة والإنجيل -لو قُدِّر أنَّه مِثْل القرآن- لا يقْدَحُ في المقصود، فإنَّ تلك كتب الله أيضًا، ولا يمتنع أن يأتي نبي بنظير آية نبي، كما أتى المسيح بإحياء الموتى، وقد وقع إحياء الموتى على يد غيره، فكيف وليس ما في التوراة والإنجيل مماثلًا لمعاني القرآن لا في الحقيقة ولا في الكيفية ولا الكمية، بل يظهر التفاوت لكل مَن تدبَّـرَ القرآن وتدبَّـرَ الكتب.
وهذه الأمور مَن ظهرت له مِن أهل العلم والمعرفة؛ ظهَرَ له إعجازه مِن هذا الوجه، ومَن لَـمْ يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله؛ كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمِثْله مع تحدِّي النبي وإخباره بعجزهم، فإنَّ هذا أمر ظاهر لكل أحد.
ودلائل النبوَّة مِن جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر البيِّن لكل أحدٍ؛ كالحوادث المشهودة، مثل: خلق الحيوان والنبات والسحاب وإنزال المطر، وغير ذلك، وفيها ما يختص به مَن عرفه، مثل: دقائق التشـريح، ومقادير الكواكب وحركاتها، وغير ذلك.
فإنَّ الخلق كلهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق والإقرار برُسُله، وما اشتَدَّتْ الحاجة إليه في الدِّين والدنيا؛ فإنَّ الله يجود به على عباده جودًا عامًّا مُيَسَّـرًا.
فلمَّا كانت حاجتهم إلى النَّـفَس أكثر مِن حاجتهم إلى الماء، وحاجتهم إلى الماء أكثر مِن حاجتهم إلى الأكل، كان سبحانه قد جاد بالهواء جودًا عامًّا في كل مكان وزمان لضـرورة الحيوان إليه، ثُمَّ الماء دونه، ولكنَّه يُوجَد أكثر مما يُوجَد القوت وأيسـر؛ لأنَّ الحاجة إليه أشد.
فكذلك دلائل الربوبية حاجة الخلق إليها في دينهم أشد الحاجات، ثُمَّ دلائل النبوَّة، فلهذا يسَّـرَها الله وسهَّلَها أكثر مما لا يحتاج إليه العامة، مثل: تماثل الأجسام واختلافها، وبقاء الأعراض أو فنائها، وثبوت الجوهر الفرد أو انتفائه، ومثل: مسائل المستحاضة، وفوات الحج وفساده، ونحو ذلك مما يتكَلَّم فيه بعض العلماء.
[خامسًا: الآيات المتعلِّقة بالقُدْرَةِ والفِعْل والتأثير]
[النوع الأول]: ما هو في العالـم العُلْوي:
كانشقاق القمر، وحراسة السَّماء بالشُّهُب الحراسة التامة لَـمَّا بُعِثَ، وكمعراجه إلى السماء، فقد ذكر الله انشقاق القمر، وبيَّن أنَّ الله فعله، وأخبر به لحكمتين عظيمتين:
إحداهما: كونه مِن آيات النبوَّة لَـمَّا سأله المشـركون آية، فأراهم انشقاق القمر.
والثانية: أنَّه دلالة على جواز انشقاق الفلك، وأنَّ ذلك دليل على ما أخبرت به الأنبياء مِن انشقاق السماوات، ولهذا قال تعالى: ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ﴿١﴾ وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ ﴿٢﴾ وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ﴿٣﴾ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ ﴿٤﴾ حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ ﴿٥﴾ فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ﴿٦﴾ خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ﴾ [القمر: 1-7].
فذكر اقتراب الساعة وانشقاق القمر، وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب؛ لأنَّهُ أقرب إلى الأرض مِن الشمس والنُّجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك؛ إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر فيه الانشقاق لكل مَن يراه ظُهُورًا لا يُتَمارَى فيه، وأنَّه -نفسه- إذا قَبِلَ الانشاق فقبول محلِّه أَوْلى بذلك، وقد عاينه النَّاس وشاهدوه.
وكان النبيُّ ﷺ يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار؛ مثل: صلاة الجمعة، والعيدين؛ ليسمع النَّاس ما فيها من آيات النبوُّة ودلائلها، والاعتبار بما فيها، فكل النَّاس تُقِرُّ بذلك ولا تنكره، فعُلِمَ أنَّ انشقاق القمر كان معلومًا عند النَّاس عامة.
وفي [صحيح مسلم] أنَّ عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: (ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟، فقال: كان يقرأ فيهما بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، و (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ))([167]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (891).
ومعلوم بالضرورة -في مطرد العادة- أنَّه لو لَـمْ يكن انشق لأسرع المؤمنون به إلى تكذيب ذلك، فضلًا عن أعدائه الكُفَّار والمنافقين، ومعلوم أنَّه كان مِن أحرص النَّاس على تصديق الخلْقِ له، واتِّبَاعِهم إيَّاه، فلو لَـمْ يكن انشق؛ لَـمَا كان يخبر به ويقرؤه على جميع النَّاس، ويستدِلُّ به، ويجعله آيةً له.
وفي [الصَّحيحين] عن أنس بن مالك قال: (إنَّ أهل مكة سألوا نبيَّ الله ﷺ أنْ يُرِيَهُم آيةً؛ فأراهم انشقاق القمر مرتين)([168]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3637)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2802).
وعنه قال: (إنَّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُرِيَهُم آيةً؛ فانشق القمر فرقتين)([169])، زاد [الترمذي]: (فنزلت: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إلى قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾؛ يقول: ذاهب)([170]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4868)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2802). () أخرجه الترمذي في "جامعه" برقم: (3286).
وفي [الصحيحين] عن ابن مسعود قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين فقال رسول الله ﷺ: "اشْهَدُوا")([171]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3636)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2800).
وعن ابن مسعود أيضًا قال: (رأيتُ القمر مُنْشَقًّا شِقَّتين بمكة قبل مخرج النبي ﷺ، شقة على جبل أبي قبيس، وشقة على السويداء، فقال كُفَّارُ قريش -أهل مكة-: هذا سِحْرٌ سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السُّفَّار فإنْ كانوا رأوا ما رأيتم؛ فقد صَدَق، وإن لَـمْ يكونوا رأوا ما رأيتم؛ فهو سحر، قال: فسُئِلَ السُّفَّار، وقدموا مِن كل وجه، فقالوا: رأينا)([172]). رواه البخاري ومسلم. () أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (2/266-267)، والحاكم في "مستدركه" برقم: (3778)، وهو موجودٌ في الصحيحين بلفظ الحديث الذي قبله، ليس بنفس هذا اللفظ.
وكذلك صعوده ليلة المعراج إلى ما فوق السماوات، وهذا مما تواترتْ به الأحاديث وأخبر به القرآن، أخبر بِمَسْـرَاهُ ليلًا مِن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو البيت المقدس، وفي موضع آخر بصعوده إلى السماوات؛ فقال تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
فأخبر هنا بمسراه ليلًا بين المسجدين، وأخبر أنَّه فعل ذلك ليُرِيَهُ مِن آياته، ومعلوم أنَّ الأرض قد رأى سائر النَّاس ما فيها مِن الآيات، فعُلِمَ أنَّ ذلك ليُرِيَه آياتٍ لَـمْ يرَهَا عموم النَّاس، كما قال في السورة الأخرى: ﴿أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ﴿١٢﴾ وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ﴿١٣﴾ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ﴿١٤﴾ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ ﴿١٥﴾ إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ﴿١٦﴾ مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴿١٧﴾ لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ﴾ [النجم: 12-18].
وفي [الصَّحيحين] عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: (هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أُسْرِيَ به)([173]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3888).
فكان في إخباره بالمسْرَى -ليُرِيَه مِن آياتنا- بيانٌ أنَّه رأى مِن آياته ما لَـمْ يَرَهُ النَّاس، وقد بيَّن ذلك في السورة الأخرى، فإنَّه رأى جبريل عند سدرة المنتهى، عندها جنَّة المأوى، إذ يغشى السِّدْرَة ما يغشى، وأنَّه رأى بالبصر آيات ربِّه الكُبْرى.
وذكر في تلك السورة المسْرَى؛ لأنَّه أمكنه أنْ يُقِيْمَ عليه بُرهانًا، فإنَّه لما أخبرهم به فكذَّبَهُ مَن كذَّبَه، وتعجَّبُوا مِن ذلك، سألوه عَن نعته وصفته، فنعَتَهُ لهم لَـمْ يخْرِمْ مِن النَّعْتِ شيئًا، وأخبر خبر عِيْرهم التي كانت في الطريق؛ فظهر لهم صِدْقَهُ، وكان صِدْقُهُ في هذا آية على صِدْقِهِ فيما غاب عنهم، وكان قطع المسافة البعيدة في الزَّمَانِ اليسير لأجل ما أراه مِن الآيات التي تختص برؤيتها الأنبياء.
النوع الثاني: آيات الجو:
كاستسقائه ﷺ، واستصحائه، وطاعة السَّحَاب في حصوله وذهابه بدعائه ﷺ، ونزول المطر بدعائه.
ففي [الصَّحيحين] عن أنس بن مالك: (أنَّ رَجُلًا دخل المسجد في يوم جمعة مِن باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثُمَّ قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا"، قال أنس: ولا والله ما نرى في السَّماء مِن سحاب ولا مِن قزعة، وإنَّ السَّماء لمثل الزجاجة، وما بيننا وبين سلع مِن دار، فوالذي نفسـي بيده ما وضع يديه حتى ثار السَّحَابُ أمثال الجبال، ثُمَّ لَـمْ ينْزِلْ عَن مِنْبَـرِهِ حتَّى رأيتُ المطر يتحادَرُ عن لحيته)([174]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1013)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (897).
وفي رواية أخرى: (فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا. قال: ثُمَّ دخل رجُلٌ مِن ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبله قائمًا؛ فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادع الله يُمْسِكَهَا عَنَّا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّـرَابِ، وَبُطُوْنِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ". قال: فما يُشِيْرُ بيده إلى ناحية إلا انفرجت، حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولَـمْ يجئ أحدٌ مِن ناحية إلا أخبر بجود)([175]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (933)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (897).
ومِن هذا الباب: نصر الله تعالى له بالرِّيْحِ التي قال الله فيها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].
قال مجاهد: يعني رِيْح الصَّبَا، أُرْسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم، وجنودًا لَـمْ تروها: يعني الملائكة.
وفي [صحيح مسلم]، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: (نُصِـرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)([176]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1035)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (900).
وفي المغازي والسير: قصة الأحزاب، وكيف أُرْسِلَتْ عليهم الريح والملائكة، وانهزموا بغير قتال.
النوع الثالث: تصرُّفُه في الحيوان -الإنس والجن والبهائم-:
رُوي عن عبد الله بن جعفر قال: (أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أُحَدِّثُ به أحدًا مِن النَّاس، قال: وكان أحب ما استتر به هدف أو حَائش نخل([177])، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل؛ فلمَّا رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفتْ عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسَحَ رأسه وذفراه فسَكَن، ثُمَّ قال: "لِـمَنْ هَذَا الجمَلُ؟"، فجاء فتًى مِن الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله؛ فقال له النبي ﷺ: "أَلَا تَتَّقِي اللهَ في هَذِهِ البَهِيْمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا، فإنَّه شَكَا إِليَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ"). روى مسلم بعضه وبقيته على شرطه، رواه أبو داود وغيره([178]). () [الهدف]: ما ارتفع من الأرض من بناءٍ ونحوه، وكل مرتفع هدف. و[حائش النخل]: ما اجتمع منه والتف، وهو البستان. انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/192)، كشف المشكل من الصحيحين (4/11-12)، شرح صحيح مسلم للنووي (4/35). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (342)، وأبو داود في "سننه" برقم: (2549).
وروى أبو داود الطيالسي، عن ابن مسعود قال: (كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر فدَخَلَ رجل غَيضة، فأخرج منها بيضة حمرة، فجاءت الحمرة ترِفُّ على رأس رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: "أيكم فجع هذه؟"، فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: "رده، رحمة لها")([179]). () أخرجه الطيالسي في "مسنده" برقم: (334).
وروى الحاكم في [صحيحه] عن سَفِينة مولى رسول الله ﷺ قال: (ركبتُ البحر في سَفينة، فانكسرت السفينة، فركبت لوحًا من ألواحها، فطرحني في أجمة فيها أسد فلم يرعني إلا به، فقلتُ: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ، فطأطأ رأسه، وغمز بمنكبه شقي، فما زال يغمزني ويهديني الطريق حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق همهم، فظننت أنَّه يودعني)([180]). () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (4258).
وروى الدارمي عن ابن عباس: (أنَّ امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ ابني به جنون، وإنَّه يأخذه عند غدائنا وعشائنا، فيخبث علينا، فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا، فثعَّ ثعَّة، خرج من جوفه مثل الجرو الأسود، فشُفِي)([181]). () أخرجه الدرامي في "مسنده" برقم: (19)، وأحمد في "مسنده" برقم: (2165).
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي، عن عائشة قالت: (كان لآل رسول الله ﷺ وحش([182])، إذا خرج رسول الله ﷺ اشتد ولعب وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل؛ ربض فلم يترمرم، كراهية أن يؤذيه)([183]). () ذكر الطحاوي أنَّ أهل المدينة كانوا يَأوون الوحوش ويتَّخِذونها، ويُغْلِقُون دونها الأبواب. انظر: شرح معاني الآثار (4/195)، وذكر الجوهري أنَّ الوحش: حيوان البر. انظر: الصحاح (3/1024). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (25808)، وأبو يعلى في "مسنده" برقم: (4441).
النوع الرابع: آثاره في الأشجار والخشب:
ففي [الصَّحيحين] عن جابر بن عبد الله قال: (كان المسجد مَسْقُوفًا على جذوع النَّخْل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنِعَ المنبر، وكان عليه؛ سَمِعْنَا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشَارِ، حتى جاء إليه النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت)([184])، وفي رواية: (فصاحت النَّخْلَة صِيَاحَ الصَّبِيِّ)([185]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3585). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3584).
وفي [صحيح مسلم] من حديث جابر قال: (سِرْنَا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديًا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة مِن ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم يرَ شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغُصْنين مِن أغصانها؛ فقال: "انقَادِي عَليَّ بِإذْنِ الله"، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يُصَانِعُ قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغُصْنٍ من أغصانها؛ فقال: "انقَادِي عَليَّ بِإذْنِ الله"، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف فيما بينهما؛ فلَأَمَ بينهما حتى جمع بينهما، فقال: "الْتَئِـمَا عَليَّ بِإذْنِ الله"، فالتأمتا عليه، فخرجتُ أحضـر مخافة أن يُحِسَّ رسول الله ﷺ بقُرْبي فيتباعد، فجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نفسي فحانت مِنِّي لفتة، فإذا برسول الله ﷺ مُقبلًا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق)، وذكر الحديث([186]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (3014).
وروى [الدارمي] عن عبدالله بن عمر قال: (كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي فلمَّا دنا منه؛ قال له النبي ﷺ: "أَيْنَ تُرِيدُ؟"، قال: إلى أهلي، قال: "هَلْ لَكَ فِي خَيْـرٍ؟"، قال: وما هو؟، قال: "تَشْهَدُ أن لَا إِلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"؛ فقال: ومَنْ يشهد على ما تقول؟، قال: "هَذِهِ السَّلَمَة"، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي فأَقْبَلَتْ تخدُّ الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا، فشهدت ثلاثًا أنَّه كما قال، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى مَنْبَتِهَا، ورجع الأعرابي إليه؛ فقال: إن اتَّبعُوني أَتَيْتُكَ بهم، وإلا رَجَعْتُ فكُنْتُ مَعَكَ)([187]). () أخرجه الدارمي في "مسنده" برقم: (16).
وفي [الترمذي] عن علي قال: (كنتُ مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا هو يقول: السَّلَامُ عليك يا رسول الله)، رواه الحاكم في صحيحه([188]). () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (4261)، والترمذي في "جامعه" برقم: (3626).
النوع الخامس: الماء والطعام والثمار، الذي كان يكثر ببركته فوق العادة:
وهذا باب واسع نذكر منه ما تيسَّر.
أمَّا الماء:
ففي [الصحيحين] عن أنس: (رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصـر، فالتمس الناسُ الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم)([189]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (169)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2279).
وفي [الصَّحيحين] عن جابر قال: (قد رأيتني مع رسول الله ﷺ، وقد حضـرت صلاة العصر، وليس معنا ماء غير فضلة، فجُعل في إناء فأُتيَ النبي ﷺ به فأدخل يده فيه، وفرج أصابعه، ثُمَّ قال: "حَيَّ عَلَى الوَضُوءِ، وَالبَـرَكَةُ مِنَ الله". فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، فعلمتُ أنَّه بركة، قلتُ: لجابر: كم كنتم يومئذ؟، قال: ألفًا وأربعمئة)([190]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (5639)، ولم أجده في صحيح مسلم.
وفي [صحيح البخاري]، عن جابر أيضًا قال: (عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه رِكْوَة، فتوضأ، فجهش الناس نحوه، قال: "مَا لَكُمْ؟"، قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشـرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشـربنا وتوضأنا، قلتُ: كم كنتم؟، قال: لو كُنَّا مئة ألف لكفانا، كُنَّا خمس عشرة مئة)([191]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3576).
وأمَّا تكثير الطعام:
ففي [الصَّحيحين] عن جابر قال: (لما حُفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خَمَصًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؟، فإنِّي رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بُهيْمة داجن، قال: فذبحتُها وطحنتْ، ففرغتْ إلى فراغي، فقطعتُها في بُرمَتها، ثم وليتُ إلى رسول الله ﷺ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، قال: فجئت فساررته، فقلتُ: يا رسول الله، إنا ذبحنا بُهيمة لنا، وطحنت صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنتَ ونفر معك، فصاح رسول الله ﷺ، وقال: "يَا أَهْلَ الخنْدَقِ إِنَّ جَابرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُؤْرًا، فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ"، وقال رسول الله ﷺ: "لا تُنزِلُنَّ بُرْمَتَـكُمْ، ولا تَخبُزَنَّ عَجَينَـكُمْ حَتَّى أَجِيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، قلتُ: قد فعلت الذي قلتِ لي.
فأخرجتُ له عجيننا؛ فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، ثم قال: "ادْعُوا لي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ولا تُنْزِلُوهَا"، وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليُخبز كما هو)([192]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4102)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2039).
وأما الثمار:
ففي [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله (أنَّ أباه استشهد وترك دينًا، وترك ستَّ بنات، فلما حضر جَدَاد النخل قال: أتيت النبي ﷺ، فقلتُ: قد علمتَ أنَّ والدي قد استشهد يوم أحدٍ وترك دينًا كثيرًا، وإنِّي أحب أن يراكَ الغُرماء.
قال: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَـمْـرٍ عَلَى نَاحِيَـةٍ". ففعلت، ثُمَّ دعوته.
فلمَّا نظروا إليه كأنَّهم أغروا بي تلك الساعة، فلمَّا رأى ما يصنعون، أطاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: "ادعُ لي أصحابك"، فما زال يكيل لهم حتى أدَّى الله عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي الله عن والدي أمانته، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسَلَّم الله البيادر كلها، حتَّى إنِّي لأنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنَّه لَـمْ ينقُص تمرة واحدة)([193]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (2781).
وروى [الإمام أحمد والترمذي] عن أبي هريرة قال: (أتيتُ النبي ﷺ بتمرات، وقلتُ: ادع الله لي فيهن بالبركة، قال: فصفهن بين يديه، قال: ثم دعا، فقال لي: "اجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ، وَأَدْخِلْ يَدَكَ وَلَا تَنْثُرْهُ"، قال: فحملتُ منه كذا وكذا وسقًا في سبيل الله ونأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي، فلمَّا قُتِلَ عثمان انقطع من حقوي؛ فسقط)([194]). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (8748)، والترمذي في "جامعه" برقم: (3839).
وروى [الإمام أحمد في مسنده] عن دُكين بن سعيد المزني قال: (أتينا رسول الله ﷺ أربعين وأربعمئة نسأله الطعام، فقال لعمر: "اذْهَبْ فَأَعْطِهِمْ"، فقال: يا رسول الله، ما بقي إلا آصعٌ من تمر ما أرى تُقَيِّظني، قال: "اذْهَبْ فَأَعْطِهِمْ"، قال: سمع وطاعة.
قال: فأخرج عمر المفتاح من حُجْزته، ففتح الباب، فإذا شِبْهُ الفصيل الرابض من تمر؛ فقال لنا: خذوا، فأخذ كل رجل منا ما أحب، ثم التفتُّ وكنتُ من آخر القوم، وكأنَّا لَـمْ نرزأ تمرة)([195]). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (17851).
النوع السادس: تأثيره في الاحجار وتصرفه فيها، وتسخيرها له:
ففي [صحيح البخاري] عن أنس قال: (صَعِدَ النبي ﷺ أُحُدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فقال: "اسْكُنْ -وضربه برجله- فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ")([196]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3699).
وفي [الصَّحيحين] عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ أنه قال: (إنِّي لأعرف حجرًا بمكة كان يُسَلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إنِّي لأعرفه الآن)([197]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2277)، وقد ذكر الإشبيلي أنَّ البخاري لم يُخْرِج هذا الحديث. انظر: الجمع بين الصحيحين للإشبيلي (3/419).
وفي [الترمذي] عن علي، قال: (كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله)([198]). () أخرجه الترمذي في "جامعه" برقم: (3626)، والحاكم في "مستدركه" برقم: (4261).
النوع السابع: تأييد الله له بملائكته:
قال الله تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].
وقال: ﴿إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ﴿124﴾ بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 124-125].
وفي [الصَّحيحين] -واللفظ لمسلم- عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: (لَـمَّا كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشـركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمئة وسبعة عشـر رجلًا، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ثُمَّ مدَّ يديه، وجعل يهتف بربه: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِني مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ"، فما زال يهتف بربِّه مَادًّا يديه مستقبِل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثُمَّ التزمه من ورائه فقال: يا نبيَّ الله كفاك مناشدتك ربك، فإنَّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فأمَدَّهُ الله بالملائكة.
قال أبو زُمَيل: فحدَّثني ابن عباس قال: بينما رجل مِن المسلمين يومئذٍ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة سوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشْـرِك أمامه فخر مُسْتَلْقِـيًا، فنظر إليه فإذا قد خُطِمَ أنفه، وشُقَّ وجهه كضَـرْبة بالسوط، فاخضرَّ ذلك أجمع.
فجاء الأنصاري فحدَّث ذلك رسول الله ﷺ؛ فقال: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ"، فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين)([199]). وذكر الحديث. () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (1763).
وفي [الصَّحيحين] عن سعد بن أبي وقاص قال: (رأيتُ يوم أحدٍ عن يمين النبي ﷺ وعن يساره؛ رجلين عليهم ثياب بيض، يقاتلان عن رسول الله ﷺ أشدَّ القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده)([200]). يعني: جبريل وميكائيل عليهما السلام. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4054)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2306).
وفي [الصَّحيحين] عن عائشة قالت: (أُصِيْبَ سعد يوم الخندق، رمَاهُ رجُلٌ مِن قريش -ابن العَرِقَة-، رماه في الأكحل، فضَـرَبَ عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد يعوده مِن قريب، فلمَّا رجع رسول الله ﷺ مِن الخندق ووضع السلاح فاغتسل فأتاه جبريل عليه السلام، وهو ينفض رأسه مِن الغبار، فقال: "وَضَعْتَ السِّلَاحَ!، وَالله مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلِيْهِمْ"، فقال رسول الله ﷺ: "فَأَيْنَ؟"، فأشار إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله ﷺ، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فردَّ رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد، قال: فإنِّي أحكم فيهم أن تُقتَلَ المقاتلة، وأن تُسْبَى الذُّرِّيَّة والنِّسَاء، وتُقْسَمَ أموالهم)([201]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (4122)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1769).
وفي بعض طرق [البخاري]: (فأتاه جبريل، وقد عصب رأسَه الغبارُ)([202]). () أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (2813).
وفي [الصَّحيحين] عن عائشة أنَّها قالت لرسول الله ﷺ: (يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟، قال: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمُ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِـي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ ابْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي؛ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ".
قال: "فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ؛ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ!، إنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ، وَمَا رَدُّوا إِلَيْكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ مَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟".
فقال رسول الله ﷺ: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ")([203]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3231)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (1795).
النوع الثامن: في كفاية الله له أعداءه، وعصمته له مِن النَّاس:
وهذا فيه آية لنبوته مِن وجوه:
منها: أنَّ ذلك تصديقٌ لقوله: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ﴿94﴾ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ﴾ [الحجر: 94-96]، فهذا إخبار الله بأنَّه يكفيه المشركين المستهزئين.
وأخبر أنَّه يكفيه أهل الكتاب بقوله: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿136﴾ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136-137]، فأخبره الله تعالى أنَّه يكفيه هؤلاء المشاقِّين له مِن أهل الكتاب.
وأخبره أنَّه يعصمه مِن جميع النَّاس بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ [المائدة: 67]، فهذا خبرٌ عام، فإنَّ الله يعصمه مِن جميع النَّاس.
فكل مِن هذه الأخبار الثلاثة العامة؛ قد وقع كما أخبر.
وقد سَمَّى أهل العلم بعض مَن كفاه الله إيَّاه مِن المستهزئين، وكانوا معروفين مشهورين عند الصحابة بالرِّياسة والعظمة في الدُّنيا، فذكروهم ليُعْرَفَ هذا الأمر العظيم الذي أكرم الله به نبيه.
ففي [صحيح مسلم] عن أبي هريرة قال: (قال أبو جهل: هل يعفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟، قيل: نعم، قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له ما لك؟، قال: إنَّ بيني وبينه لخندقًا مِن نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ: "لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الملائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا"، وأنزل الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾)([204]). () أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم: (2797).
وفي [صحيح الحاكم] عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: (كان فلانٌ يجلس إلى النبي ﷺ، فإذا تكَلَّم النبي ﷺ؛ اختلج بوجهه([205])؛ فقال له النبي ﷺ: "كُنْ كَذَلِكَ"، فلم يزل يختلج حتى مات)([206]). () أي: كان يُحرِّك شفتيه وذقنه استهزاءً وحكاية لفعل النبي ﷺ. انظر: المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (2/604)، النهاية في غريب الحديث والأثر (2/60). () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (4264).
وفي [الصَّحيحين] عن أنس بن مالك قال: (كان رجل نصـرانيٌّ فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكْتُب للنبيِّ ﷺ؛ فعاد نصْـرَانِيـًّا، فكان يقول: ما يدري محمَّد إلا ما كتبت له؛ فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ آيَةً"، فأماته الله، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمَّدٍ وأصحابه، لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا مثل الأول، فحفروا له وأعمقوا فلفظته الثالثة، فعلموا أنَّه ليس مِن فعل النَّاس، فتركوه منبوذًا)([207]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (3617)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2781).
ومن المشهور عند أصحاب السِّيَر وغيرهم؛ دعوته على عُتيبة بن أبي لهب، وكان أبو لهب لَـمَّا عادَى النبيَّ ﷺ؛ أمر ابنيه أنْ يُطَلِّقَا ابنتي النبي ﷺ: رقية، وأم كلثوم قبل الدخول، وقال عُتيبة لرسول الله ﷺ: (كفَرْتُ بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبُّكَ، ثُمَّ تسَلَّطَ عليه بالأذى، وشَقَّ قميصه؛ فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلِيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ".
فخرج في نفر مِن قريش حتى نزلوا في مكان مِن الشام يُقال له: الزرقاء ليلاً، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمَّدٌ عليَّ، قتلني وهو بمكة وأنا بالشام، فعدا عليه الأسد من بين القوم، وأخذ برأسه فذبحه)([208]). () أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (ص454)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (2/338-339).
ويدخل في هذا الباب: ما لم يزَل النَّاس يرونه ويسمعونه؛ مِن انتقام الله ممن يسُبُّه ويذُمُّه، ويذُمُّ دينه بأنواع مِن العقوبات، وفي ذلك مِن القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا مِن ذلك ما يطول وصفه مِن انتقام الله ممن يُؤذيه بأنواع مِن العقوبات العجيبة، التي تُبيِّن كلاءَة الله لعِرْضِه، وقيامه بنصـره، وتعظيمه لقَدْرِه، ورفعه لذِكْرِه، وما مِن طائفة مِن النَّاس إلا وعندهم مِن هذا الباب ما فيه عبرة لأولي الألباب.
ومن المعروف المشهور المجَرَّبِ عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب، أنَّه يتعَسَّـرُ عليهم فتح الحصن، ويطول الحصار إلى أن يسُبَّ العدو الرَّسُول ﷺ، فحينئذٍ يستبْشِـرُ المسلمون بفتح الحصن، وانتقام الله مِن العدو، فإنَّه يكون ذلك قريبًا كما قد جرَّبَهُ المسلمون غير مرَّة؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾ [الكوثر: 3]، ولَـمَّا مزَّق كسـرى كتابه؛ مَزَّقَ الله مُلْكَ الأكاسـرة كل ممزق، ولَـمَّا أكرم هرقل والمقوقس كتابه؛ بقي لهم ملكهم.
النوع التاسع: في إجابة دعواته.
وإجابة الدعاء؛ منه: ما تكون إجابته معتادة لكثيرٍ مِن عباد الله؛ كالإغناء، والعافية، ونحو ذلك. ومنه: ما يكون المدعو به مِن خوارق العادات؛ كتكثير الطعام والشـراب كثرة خارجة عن العادة، وإطعام النَّخْل في العام مرَّتين، مع أنَّ العادة في مثله مرَّة، ورد بَصَـرِ الذي عَمِي، ونحو ذلك؛ كدعائه على الملأ مِن قريش فقُتِلُوا يوم بدر، وأُلْقُوا في القليب.
ومثل: دعائه على عُتيبة بن أبي لهب.
ومثل: دعائه على الذي كَذَبَ عليه بأن يجعله آية.
ومثل: دُعائه لَـمَّا قَلَّ الزاد وجمعوه على نِطَعٍ([209])؛ فكَثَّرَهُ الله ببركة دعوته حتَّى كفى الجيش العظيم في غزوة تبوك. () [النِّطَع]: بِساطٌ يُتَّخَذُ من الأَدَم. انظر: العين (2/16)، القاموس المحيط (1/767).
ومثل: دعائه في غزوة الخندق فكفى الطعام -وهو صاع مِن شعير- لألف نفر.
ومثل: دعائه لَـمَّا نزحتْ بئر الحديبية؛ فكثر ماؤها حتى كفى الركب -وهم ألف وخمسمئة- وركابهم.
وقال الله تعالى له يوم بدر: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]، وأمثال ذلك.
وفي [الصَّحيحين] عنه ﷺ قال: (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي اثنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ؛ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهم عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحُهُمْ؛ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ؛ فَمَنَعَنِيهَا)([210]). فلن يزال الهرج فيكم إلى يوم القيامة([211]). () أخرجه مسلم في صحيحه برقم: (2890). () من قول ابن عمر ؛ أخرجه مالك في "موطئه" برقم: (35)، وأحمد في "مسنده" برقم: (24246).
وفي [الصَّحيحين] عن أنس بن مالك؛ قال: (قالت أم سليم: يا رسول الله!، خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ")([212]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (6334)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (2480).
وروى [البخاري] قال: (دخل النبي ﷺ على أمِّ سُلَيم، فأتته بتمر وسمن؛ فقال: "أَعِيدُوا سَمْنَـكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ"، ثُمَّ قام إلى ناحية البيت، فصَلَّى غير المكتوبة، فدعا لأُمِّ سُلَيم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول اللهَ، إنَّ لي خويصة؛ فقال: "ما هي؟"، قالت: خادمك أنس، قال: فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا به: "اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا ، وَوَلَدًا ، وَبَارِكْ لَهُ فِيْهِ"، فإنِّي لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدَّثتني ابنتي أمينة، أنَّه دُفِنَ لصلبي إلى مقدم الحجاج البصـرة: بضع وعشرون ومئة)([213]). () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1982).
وروى [الحاكم في صحيحه] عن علي رضي الله عنه قال: (مرضتُ فعادني رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضَـرَ فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني؛ فقال: "اللَّهُمَّ اشْفِهِ، اللَّهُمَّ عَافِهِ"، ثُمَّ قال: "قُمْ" فقمتُ، فما عادَ إليَّ ذلك الوجع بعد)([214]). () أخرجه الحاكم في "مستدركه" برقم: (4262)
وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله ﷺ: ("ادْنُ مِنِّي"، فمسح بيده على رأسي ولحيتي؛ ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ وَأَدِمْ جَمَالَهُ".
قال الراوي عنه: فبلغ بضعًا وثمانين سنة، وما في لحيته بياض إلا نزر يسير، ولقد كان منبسط الوجه، ولم يتقَبَّضْ وجهه حتى مات). رواه الإمام أحمد، وقال البيهقي: إسناده صحيح([215]). () أخرجه أحمد في "مسنده" برقم: (21064)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/210).
ورواه [الترمذي]، وقال: ("مسح رسول الله ﷺ يده على وجهي، ودعا لي". قال عزرة: إنَّه عاش مئة وعشـرين سنة، وليس في رأسه إلا شعيرات بيض)([216]). قال الترمذي: حديث حسن. () أخرجه الترمذي في "جامعه" برقم: (3629).
[دلائل النبوة وإفادتها العلم اليقيني]
وهذه الأخبار:
منها: ما هو في القرآن.
ومنها: ما هو متواتر يَعْلَمُهُ العامة والخاصة؛ كنبع الماء مِن بين أصابعه، وتكثير الطعام، وحنين الجذع، ونحو ذلك، فإنَّ كُلًّا مِن ذلك تواترت به الأخبار واستفاضت، ونقلته الأمة جيلًا بعد جيل، وخلفًا عن سلف، فما مِن طبقة من طبقات الأُمَّة إلا وهذه الآيات منقولة مشهورة مستفيضة فيها ينقلها أكثر ممن ينقل كثيرًا مِن القرآن، وقد سمعها ونقلها مِن الأمة أكثر ممن سمع ونقل كثيرًا مِن آيات القرآن، وأكثر ممن سَمِع ونقل أنَّه كان يسجد في الصلاة سجدتي السهو، وممن سَمِع ونقل نُصُب الزكوات وفرائضها، بل مواقيت الصلاة وأعدادها إنَّما شاع نقلها للعمل الدائم بها.
وأمَّا هذه الآيات فنقلها أكثر ممن نقل مواقيت الصلاة مِن جهة الأخبار المعينة، وذلك أنَّ آيات الرسول كان كثيرًا منها يكون بمَشْهَدٍ مِن الخلق العظيم فيُشَاهدون تلك الآيات، كما شاهدَ أهلُ الحديبية -وهم ألف وخمسمئة- نبعَ الماء مِن بين أصابعه، وظهورَ الماء الكثير من بئر الحديبية لَـمَّا نزحوها، ولَـمْ يتركوا فيها قطرة، فكَثُر حتى روى العسكر.
وكما شاهد العسكر في غزوة ذات الرِّقَاع الماء اليسير لَـمَّا صَبَّه جابر في الجفنة وامتلأت، وملأ منها جميع العسكر.
وكما شاهد الجيش في رجوعهم مِن غزوة خيبر المزادتين مع المرأة، وقد مَلَؤُوا كل وعاءٍ معهم وشربوا، وهي مَلْأَى كما هي.
وكما شاهد أهل خيبر -وهم ألف وخمسمئة- الطعام الذي كان كربضة الشَّاة فأشبع الجيش كلهم.
وكما شاهد الجيش العظيم -وهم نحو ثلاثين ألفًا- في غزوة تبوك العين لَـمَّا كانت قليلة الماء؛ فكَثُرَ ماؤها حتى كفاهم، وشاهدوا الطعام الذي جمعوه على نِطَع، فأخذوا منه حتى كفاهم.
وكما شاهد أهل الخندق -وهم أكثر مِن ألف- كثرة الطعام في بيت جابر بعد أنْ كان صاعًا مِن شعير وعناقًا، فأكلوا كلهم بعد الجوع حتى شبعوا، وفضلتْ فضلة.
وكما شاهد الثلاثمئة كثرة الماء لَـمَّا توضؤوا مِن قدح، والماء ينبع من بين أصابعه، حتى كفاهم للوضوء.
وأهل الصفة لَـمَّا شَرِبُوا كلهم مِن اللَّبَنِ القليل وكفاهم وفضل.
وكانوا ينقلون ذلك بينهم وهو مشهور، ينقله بعض مَن شاهدَهُ إلى مَن غاب عنه، فمن تدَبَّرَ نقل هذه الآيات؛ وجد شُهْرتها في كل زمان، وظهور الأخبار بها أعظم مِن شهرة ما يُنْقَل مِن آيات الأنبياء وأخبار الملوك والدُّول التي جرت العادة بتوفر الهمم والدَّوَاعِي على نقلها.
فظهور هذه الآيات مشهورة بين الأمة -عامتها وخاصتها-، ونَقَلَةُ هذه الآيات مِن الخاصة أهل العلم، وكتب الحديث والتفسير والمغازي والسِّيَر وكتب الأصول والفقه التي توجد فيها هذه الأخبار أصح نقلًا باتِّفاقِ أهل العقل والعلم مِن كُتُبِ التواريخ المرْسَلة، فإنَّ تلك كثير مِن أخبارها منقطع الإسناد، وفيها مِن الأكاذيب ما لا يُحصيه إلا الله، وإنْ كان أصل القصة قد يكون متواترًا.
وهذه الآيات المشهورة في الأمة، كثير مِن أجناسها متواتر عند العامة، وكثير مِن آحادها متواتر عند الخاصة أهل العلم، [فهذان] طريقان في تصديق هذه الآيات: التواتر العام، والتواتر الخاص.
الطريق الثالث: التواتر المعنوي: وهذا مما اتَّفقَ على معرفته عامَّة الطوائف، فإنَّ النَّاسَ قد يسمَعُونَ أخبارًا متفرقة بحكايات يشترك مجموعها في أمر واحد، كما سمعوا أخبارًا متفرِّقَة تتضَمَّنُ شجاعة عنترة، وخالد بن الوليد وأمثالهما، وتتضَمَّنُ سخاء حاتم، ومعن بن زائدة، وأمثالهما، وتتضَمَّنُ حلم الأحنف بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وأمثالهما، وتتضَمَّنُ شعر امرئ القيس، والنابغة، ولبيد، وأمثالهم مِن المتقدِّمين، وشعر الفرزدق، وجرير، وعمر بن أبي ربيعة، وأمثالهم مِن الموَلَّدِين، وشعر أبي نواس، والمتنبي، وأبي تمام، وأمثالهم من الـمُحْدَثين، بل وسمعوا أقوالًا وفتاوي متفرقة تتضَمَّنُ فقه مالك، والثوري، واللِّيث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من العلماء.
وأخبارًا متفرقة تتضَمَّنُ العَدْل وحسن السِّيْرة من عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما مِن ولاة الأمر.
وسمعوا أخبارًا متفرقة تتضَمَّنُ الزهد عن مثل الحسن البصـري، وعامر ابن عبدالله القيسـي، ومالك بن دينار، والفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهم مِن الزُّهَّاد.
وسمعوا أخبارًا متفرقة تتضَمَّنُ معرفة أبقراط وجالينوس ونحوهما بالطب، فيحصل بمجموع الأخبار علم ضروري بأنَّ الشخص موصوف بذلك النعت، وإنْ كان كل مِن الأخبار لو تجرَّدَ وحده لَـمْ يُفِد العلم، وإن كان كل مِن الحكايات ليست وحدها منقولة بالتواتر.
ومِن هذا الباب: العلم القطعي بالإيمان والموت، ونحو ذلك مما يحصل به استفاضةٌ تُوجِبُ العلم القطعي، كعلم النَّاسِ بأنَّ خديجة وعائشة ونحوهما مِن أمهات المؤمنين، وأنَّ فاطمة وزينب مِن بنات النبي ﷺ، وأنَّ عائشة بنت أبي بكر، وأنَّ أبا بكر وعمر وعثمان توَلَّوا الخلافة بعده، وأنَّ أبا بكر وعمر دُفِنَا في حجرته.
وإذا عُرِفَ هذا؛ فهذه الأحاديث -وأضعاف أضعافها- هي أضعاف أضعاف ما يُنْقَلُ عن الواحد مِن هؤلاء، ونقلتها أجَلُّ وأكثر وأفضل مِن نقلة أخبار هؤلاء، وهي كلها تتضَمَّنُ أنَّ محمَّدَ بن عبدالله كان يجري على يديه مِن الآيات الخارقة للعادة والعجائب العظيمة ما لا يُعْرَفُ نظيره عن أحد مِن النَّاس.
الطريق الرابع: أنْ يُقال: هذه الآيات التي ذكرنا بعضها كانت تكون بمَحْضَـرٍ مِن الخلق الكثير؛ كتكثير الطعام يوم الخندق، فإنَّه كان أهل الخندق رجالهم ونساؤهم ألوفًا، وكذلك نبع الماء من بين أصابعه، وفيضان البئر بالماء يوم الحديبية، وكانوا يومئذ ألفًا وخمسمئة، وكلهم صالحون مِن أهل الجنة، لا يُعْرَفُ فيهم مَن تعَمَّدَ كذبة واحدة على النبيِّ ﷺ.
وكذلك تكثير الماء والطعام في غزوة خيبر كانوا عددًا كثيرًا، وفي تبوك كانوا ألوفًا مؤلفة، وكان بعض مَن حضـر هذه المشاهد ينقل هذه الآيات قدام آخرين ممن حضـرها، وينقلها لأقوام، فيذهب أولئك فيخبرون بها أولئك، ويُصَدِّقُ بعضهم بعضًا، ويحكي هذا مثل ما حَكَى هذا مِن غير تواطُؤٍ وتشاعر، وأدنى أحواله أن يُقِرَّهُ ولا يُنكرَ عليه روايتها.
ونحن نعلم بموجب العادة الفطرية التي جبل الله تعالى عليها عباده، وبموجب ما كان عليه سلف الأُمَّة مِن اعتياد الصِّدْقِ وتحرِّيْهِ، واعتقادهم أنَّ ذلك واجب، ومِن شِدَّةِ توقِّيْهِم الكذب على نبيهم، وتعظيمهم ذلك، إذ قد تواتر عنه عندهم أنَّه قال: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبـَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)([217])، فنحن نعلم أنَّهم لَـمْ يكونوا يُقِرُّون مَن يعلمون أنَّه يكذب عليه، ومَن أخبر عنه بما كانوا مشاهدين له وكذب عليه فقد علموا أنَّه كذب عليه، فلما اتَّفَقُوا على الإقرار على ذلك، وعلى تناقله بينهم -من غير إنكار أحد منهم لذلك-؛ عُلم قطعًا أنَّ القوم كانوا مُتَّفِقِينَ على نقل ذلك كما هم مُتَّفِقُونَ على نقل القرآن والشـريعة المتواترة، وإن كان جمهورهم ليس مُنْتَصِبًا لتَلْقِين القرآن، بل هذا يلقنه وهذا يسمعه مِن هذا المتلَقِّن، لا يُنكر بعضهم على بعض القراءة، وهذا يعلم هذا الصلاة أنَّ الظهر في الحضـر أربع ركعات، والمغرب ثلاثًا، والفجر ركعتين، وهذا يُقِرُّ هذا، فلمَّا كان بعضهم يُقِرُّ بعضًا على نقل ذلك؛ عُلِمَ اتِّفَاقُهُم على نقل ذلك، وهذا غاية التواتر. () أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم: (1291)، ومسلم في "صحيحه" برقم: (3).
الطريق الخامس: أن نقول: مَا مِن صِنْفٍ مِن أصناف العلماء إلا وقد تواتر عندهم مِن الآيات ما فيه كفاية، فكُتُب التفسير مشحونة بذكر الآيات متواترٌ ذلك فيها، وكُتُب الحديث مشحونة بذكر الآيات متواترٌ ذلك فيها، وكُتُب السِّيَر والمغازي والتواريخ مشحونة بذكر الآيات متواترٌ ذلك فيها، وكُتُب الفقه مشحونة بذكر الآيات متواترٌ ذلك فيها، وإن لم يكن هذا مقصودًا منها، وإنَّما المقصود الأحكام؛ لكنَّهم في ضِمْن ما يروونه مِن الأحكام يروون فيها مِن الآيات ما هو متواتر عندهم، وكُتُب الأصول والكلام مشحونة بذكر الآيات متواترٌ ذلك فيها.
ونقل كل طائفة مِن هذه الطوائف يُفِيْدُ العلم اليقيني، فكيف بما ينقله كل طائفة مِن هذه الطوائف.
وهذه الطريق وغيرها مثل طريق الإقرار والتصديق، وطريق التواتر المعنوي، وطريق تصديق أهل الحديث والعلم بها، وغير ذلك، يُسْتَدَلُّ بها:
تارةً على: تواتر الجنس العام للآيات الخارقة للعادة، وهذا أقل ما يكون.
[وتارةً] على: تواتر جِنْسِ جِنْسٍ منها؛ كتواتر تكثير الطعام، وتواتر تكثير الطهور والشراب.
[وتارةً على]: تواتر نَوْعِ نَوْعٍ منها؛ كتواتر نبع الماء مِن بين أصابعه، وتواتر إشباع الـخَلق العظيم مِن الطعام القليل.
[وتارةً على]: تواتر شَخْصِ شَخْصٍ منها؛ كتواتر حَنين الجذع إليه، وأمثال ذلك.
وكُلَّمَا أمعن الإنسان في ذلك النَّظر واعتبر ذلك بأمثاله؛ وأعطاه حقَّه مِن النَّظر والاستدلال؛ ازداد بذلك عِلْـمًا ويقينًا، وتبيَّن له أنَّ العلم بذلك أظهر مِن جميع ما يُطلب مِن العلم بالأخبار المتواترة، فليس في الدنيا علم مطلوب بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات الرسول وشرائع دينه أظهر مِن ذلك.
وما مِن حال أحدٍ مِن الأنبياء والملوك والعلماء والمشايخ المتقدِّمين وأقواله وأفعاله وسيرته إلا والعلم بأحوال محمَّدٍ أظهر مِن العلم به وأبين، ونقله أكمل وأتم.
وما مِن عِلْمٍ يُعلم بالتواتر مما هو موجود الآن؛ كالعِلْم بالبلاد البعيدة كعلم أهل الشام: بالعراق وخُراسان والهند والصين والأندلس. وعلم أهل المغرب: بالشام والعراق وخُراسان والهند. وعلم أهل خراسان: بالشام والعراق ومصـر. وعلم أهل الهند: بالعراق والشام. وأمثال ذلك مِن عِلْمِ أهل البلاد بعضهم بحال بعض، إلا وعلم الإنسان بحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ما هم عليه من الدين، وما ينقلونه عن نبيهم من آياته وشرائعه؛ أظهر مِن علمه بهذا كله.
وهذا مما يُبيِّن أنَّه ليس في الوجود أمر يُعْلَمُ بالنقول المتواترة إلا وآيات الرسول وشرائعه تُعْلَمُ بالنقول المتواترة أعظم مما يُعْلَم ذلك الأمر، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾ [الفتح: 28].
وظهوره على الدِّين كُلِّه -بالعلم والحجة والبيان- إنَّما هو بما يظهره مِن آياته وبراهينه، وذلك إنَّما يتم بالعِلْم بما يُنقل عن محمَّدٍ ﷺ مِن آياته التي هي الأدلة، وشرائعه التي هي المدلول المقصود بالأدلة، فهذا قد أظهره الله عِلْمًا وحُجَّةً وبيانًا على كل دين، كما أظهره قوةً ونصرًا وتأييدًا على كل دين، كما أنَّه ما مِن دليل عقلي يُستدَلُّ به على مدلول؛ إلا والأدلة على آيات الرَّبِّ أكبر وأكثر، والحمد لله رب العالمين.
الطريق السادس: أنَّ العلماء قد صَنَّفُوا مُصَنَّفاتٍ كثيرة في ذكر آياته وبراهينه المنقولة في الأخبار، وجردوا لذلك كُتُبًا، مثل: كتاب «دلائل النبوة» للفقيه الحافظ أبي بكر البيهقي، وقبله «دلائل النبوة» للشيخ الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وقبله «دلائل النبوة» لأبي الشيخ الأصبهاني، ولأبي القاسم الطبراني، وقبلهما «دلائل النبوة» للإمام الحافظ أبي زُرْعَة الرازي، وللشيخ المصنف أبي بكر عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا، وللإمام أبي إسحاق إبراهيم الحربي، وللمصنف الحافظ جعفر الفريابي، وما صنفه الشيخ العالِـم أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المسمى بـ:«الوفا في فضائل المصطفى»، وما صنفه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في «دلائل النبوة»، وهؤلاء -كلهم وغيرهم- يذكرون ما يذكرون بالأسانيد المعروفة، والطرق المتعددة الكثيرة المتواترة.
فهذه الكُتُب فيها مِن الأحاديث المتضَمِّنة لآيات نبوته وبراهين رسالته أضعاف أضعاف الأحاديث المأثورة فيما هو متواتر عنه، بل في كل صِنْفٍ مِن أصناف آياته مِن الأحاديث أضعاف ما يوجد في مثل ذلك.
والمقصود هنا: أنَّ تواتر أنواع آياته المستفيضة في الأحاديث أعظم مِن تواتر أمورٍ كثيرة هي متواترة عند الأمة أو عند علمائها أو علماء أهل الحديث، وهذا غير الآيات والبراهين المستفادة بالقرآن، فإنَّ تلك قد تجرَّدَ لها طوائف من المسلمين ذكروا مِن أنواعها وصفاتها ما هو مبسوط في غير هذا الموضع، حتى بيَّنُوا أنَّ ما في القرآن مِن الآيات تزيد على عشـرات ألوف مِن الآيات، وهذان غير ما في كُتُب أهل الكتاب مِن الإخبار به.
وهذه الأجناس الثلاثة غير ما في شريعته التي بُعِثَ بها، وغير صفاتِ أُمَّتِهِ، وغير ما يدُلُّ مِن المعرفة بسيرته وأخلاقه وصفاته وأحواله، وهذا كله غير نَصْـرِ الله وإكرامه لمن آمن به، وعقوبته وانتقامه ممن كفَرَ به، كما فعل بالأنبياء المتقدِّمين، فإنَّ تعداد أعيان دلائل النبوة مما لا يمكن بشرًا الإحاطةُ به إذ كان الإيمان به واجبًا على كل أحد.