حبنا لعيسى هدانا للإسلام
الكتاب يحتوي على عشرين رحلة إلى الإسلام،. كتب الكتاب بأسلوب جميل شيق للقارئ، تحكي قصص الذين أسلموا، وطرق دخولهم في الإسلام، وكيف اقتنعوا به، حيث أن كثيرا منهم كانوا من وجهاء أقوامهم قبل دخول في دين الله، وبعضهم كانوا من ألد الأعداء للإسلام، لكن لما وقفوا على القرآن والبراهين القاطعة ما وجدوا سبيلًا إلا للخضوع له والتسليم لرب العالمين. فالكتاب يبرز قوة الحجة التي تحملها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها تخاطب العقول السليمة.
حُبُّنا لعِيسى هَدانا للإسلام
عشرون رحلةً إلى الإسلام
Our Love for Jesus guided us to Islam
جمع وإعداد:
جوتيار بامرني
Jotiar Bamarni
https://postimg.cc/wyLwwdPc1099185105092500
(حقوق الطَّبع لكلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ)
رحم الله مَن طَبعه أو صوَّره أو ترجمه أو نشره عبر وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ المُختلفة، بِدون زيادةٍ أو نقصٍ، وجزاه اللهُ تعالى خيرًا كثيرًا، وَثَبَّتَنا وإيَّاه على الإسلام
لطلَب ملفٍّ جاهزٍ لطباعة هذا الكتاب، أو النُّسَخ المترجمة إلى لغاتٍ أخرى، تواصل مع البريد الالكترونيِّ:
الطَّبعة الأولى 2022م
دار القرن الجديد للإعلام والنَّشر
NEW CENTURY for media and publishing
https://www.youtube.com/channel/UC9d6lWenN1qv9alcB_HcBHA/videos ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ﴿٨٢﴾ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴿٨٣﴾﴾ [المائدة: ٨٢-٨٣]
بسم الله الرحمن الرحيم
التَّعريف بالكتاب
هذه القصص الحقيقيَّة[1] عاشها وعايشها المؤلِّفون لسنواتٍ طوال، مع حبِّهم وتعلُّقهم بالمسيح؛ وبالنَّصرانيَّة والإنجيل، وهذا الحبُّ دفعهم -بالفطرة- إلى البحث عنِ المكانة الصَّحيحة العظيمة لنبيِّ الله عيسى؛ عند الله، والبحث عن خالق الأكوان ومدبِّرها، وأرادوا معرفة موقف الإسلام مِن عيسى؛ ومِن أمِّه الصِّدِّيقة البتول، ومراجعة الأناجيل، صادقين مع أنفسهم، لمعرفة هل يليق بأن يكون هذا كلام الله وأنبيائه المعصومين، أو بعد كثرة التَّحريفات لم يبقَ شيءٌ ليتَّبعوه، ففضولهم وإنصافهم أدَّى إلى اكتشاف الادِّعاءات الظَّالمة عن موقف الإسلام والمسلمين عن المسيح وبقيَّة الرُّسل، فوجدوا عكس ذلك، فقادتهم إلى معرفة حقيقة هذا الدِّين الصَّحيح الوحيد على الكُرة الأرضيَّة الباقية، فقادهم هذا الفضول إلى الانتقال مِن مرحلة التَّشكيك بأكاذيب الإعلام الغربيَّ، وحربها -غير الأخلاقيَّة- ضدَّ الإسلام؛ الحرب الَّتي لاحظوا أنَّها مليئةٌ بالتَّناقضات الَّتي لا تخفى على عاقلٍ مُنصفٍ، والَّذي رأوه بعد استقراءِ ومقارنةِ بين ما هم عليه مِن معتقدٍ وبين الإسلام، مِن خلال مدارسة ومطالعة العديد مِن الكتب والمؤلَّفات الَّتي تخصَّصت في مقارنة الأديان، والبحث والتَّحرِّي، ليكتشفوا بأنفسهم أنَّ الدِّين الَّذي يتوافق ويتطابق مع الصورة الَّتي رسموها هم بأنفسهم لحقيقة الإله الحقِّ والدِّين الصَّحيح، وأسلوب الحياة المستقيم الَّذي يدفع إلى طريق الفلاح في الدَّينا والآخرة، فأقرَّ الباحثون عن الحقيقة بالإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّ عيسى؛ رسول الله. لكلِّ قِصَّةٍ تسجيلٌ لمقابلةٍ مع أصحاب القِصص أو مصدر الحوار معهم، أصدرنا لها (باركود)، للذهاب مباشرةً والاستماع إليها.
1-كيف قادني الكتاب المُقدَّس إلى الإسلام؟
قِصَّة وزير الشَّباب النَّصرانيِّ السَّابق (يوشع إيفانز)
https://www.youtube.com/watch?v=dBrmKfOX-ww&t=66s
https://www.youtube.com/watch?v=0pGKogXSFeE
يوشع إيفانز (Yusha Evans)، وُلد ونشأ في (جرينفيل)، جنوب (كارولينا)، في منزلٍ نصرانيٍّ محافظٍ للغاية، انخرط في سِنِّ المُراهقة المُبكِّرة بشدَّةٍ في الكنيسة، بالقُرب مِن منزله، كما انضمَّ لمنظمة (Young Life)، وهي منظَّمةٌ غير طائفيَّةٍ، موجَّهةٌ نحو الشَّباب، بهدف المشاركة في وزارة التَّعليم والوعظ.
كان يوشع ينوي التَّسجيل في جامعة (بوب جونز)، وهي كلِّيَّة الكتاب المُقدَّس، ذات الشُّهرة العالميَّة، في مسقط رأسه، بعد التَّخرُّج مِن المدرسة الثَّانويَّة، ولكن في صيف عام (1996م) تغيَّرت حياته، بعد دِراسة الكِتاب المُقدَّس مِن الغلاف إلى الغلاف، وإدراك أشياء كثيرةٍ كانت تُخالف قناعاته، والكثير مِمَّا يعتقد أنَّ حياته بأكملها لا تتماشى مع ما وجده بحثه، غادر المسيحيَّة وذهب بحثًا عن الحقيقة، بعد العديد مِن التَّحوُّلات والانعطافات، والصعود والهبوط، وبعد النَّظر إلى العديد مِن أديان العالَم الَّتي تبحث عن الدَّليل الملموس على الطَّريقة الصَّحيحة للحياة.
قرأ الكتاب المُقدَّس مِن الغلاف إلى الغلاف، حيث أدرك بأنَّ فيه الكثير مِن الثَّغرات والأشياء الَّتي لا معنى لها، وأنَّ هناك نسخًا كثيرةً، حيث كان يمكن لأيِّ شخصِ أن يضيف أو يحذف بما يناسب أغراضه الخاصَّة.
كما لفت انتباهه أنَّ الشَّخصيات الَّتي ورد ذِكرها في الكتاب المُقدَّس لا تبدو نموذجيَّةً، وخاصَّةً هذه المُتناقضات الَّتي جعلَته في وضعٍ نفسيٍّ مُحيِّرٍ، خاصَّةً عند اتَّهام الرُّسل -وهم أفضل الخلق- بأقبح الأخلاق الَّتي عرفها الإنسان؛ مِن سُكرٍ وزنا وقتلٍ وخيانةٍ، مِمَّا دعاه لقراءة كتب الأديان الأخرى الكثيرة، ولكنَّه لم يجد فيها ما يروي عطشه حقيقةً، وكان مِنها -للأسف- أوَّل كتابٍ قرأه عن الإسلام، فقد كان المؤلِّف مِن أحد أعداء الإسلام، حيث كان يفتري ويقبِّح الإسلام، لذلك قرَّر عدم مواصلة البحث عن الإسلام، استمرَّ به الحال وهو حائرٌ في البحث..
بائع مخدِّراتٍ يعرض الإسلام على (يوشع إيفانز):
السَّبب في إسلام الدَّاعية (يوشع إيفانز) بعد حياة الضَّياع الَّتي عاشها بين الملاهي والحشيش..
كان بائعَ مخدِّراتٍ مسلمٍ بعيدًا عن الدِّين، ثمَّ حصل على نسخةٍ مِن القرآن، فبدأ يقرأ القرآن، فإذا به يذوب في سحر الكلام الإلهيِّ الخالص، ويغوص في بحرٍ عميقٍ مِن عِطر الوحي، جعله يقرأ نصف القرآن في ليلةٍ واحدةٍ..
أبهرَه وصف القرآن، لطهارة مريم، وشهادة ابنها عيسى؛ بعفَّة أمِّه، وهو لا يزال صبيًّا في المهد، يصف (يوشع) هذه اللَّيلة بأنَّها أجمل ليلةٍ في حياته!
قرَّر بعدها أنَّ هذا الكتاب هو الَّذي كان يبحث عنه طول حياته، ويذكر بعد ذلك أنَّه أنَّهى قراءة القرآن كاملًا -بالتَّفصيل- في ثلاثة أيَّامٍ، ليُعلِن بعدها الشَّهادة في (ديسمبر/1998م).
وزير الشَّباب الأمريكيِّ (يشوع إيفانز) يصبح داعيةً إلى الإسلام!
(يوشع إيفانز / Joshua Evans) شابٌّ أمريكيٌّ، يُعدُّ مِن أذكى الأمريكان الَّذين اعتنقوا الإسلام، فهو متخصِّصٌ في عِلم النَّفس، وكان مِن عائلةٍ نصرانيَّةٍ صارمةٍ، والآن يُجنِّد نفسه للدَّعوة إلى الإسلام في جميع أنحاء العالم، كمُحاضرٍ ومُعرِّفٍ بجمال الإسلام، ويبكي حزنًا على وضع الملايين الحائرين مِن أمثاله سابقًا، ويحثُّ جميع المسلمين أن يوصلوا النَّور الَّذي لديهم للعالَمين.
ولمعرفة المزيد عن قصَّته الشَّيِّقة: شاهد المزيد مِن الفيديوهات الَّتي يتحدَّث فيها (يوشع إيفانز) -بلُغَة المجتمع الأمريكيِّ- عن قصة انتقاله إلى الهدى، بل وتعلَّم منه الإسلام في موقعه[2]. (https://yushaevans.com/bio).
https://www.youtube.com/watch?v=Mx11OZH8gDI&t=485s
2- كيف عثرتُ على الإسلام؟
https://www.youtube.com/watch?v=Ouo76Zs0TxM&t=261s
https://www.youtube.com/watch?v=Ouo76Zs0TxM&t=232s
الدَّاعية عبد الرحيم غرين
Anthony Waclaw Gavin Green
وُلد باسم (أنتوني فاتساوف غالفين غرين)، بريطانيٌّ..
النَّشأة:
وُلد غرين في تنزانيا، لأبٍ كان مسؤولاً في مستعمرَةٍ تابعةٍ للإمبراطوريَّة البريطانيَّة، ولأمٍّ مِن أصلٍ بولنديٍّ.
كان يعتنق والده الإلحاد، أمَّا والدته فكانت مِن أتباع الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، ونتيجةً لهذا نشأ (عبد الرَّحيم غرين) على الإيمان بالمعتقدَات الكاثوليكيَّة منذ نعومة أظفاره، وبعد استقلال مستعمرَة (دار السَّلام) في (تنزانيا) عادا والداه إلى المملكة المتَّحدة، حيث التحق (جرين) بمدرسة (الرُّهبان الكاثوليك) الدَّاخليَّة، ثمَّ مدرسة (جيلينج كاسل)، وأخيرًا في كلِّيَّة (إمبل فورث).
شارك (عبد الرَّحيم) في حضور الكنائس الكاثوليكيَّة.
انتقل في سنِّ الحادية عشر إلى القاهرة، لقبول والده وظيفةً هناك، وكان يحضرها في عطله الطَّويلة.
اعتناقه الإسلام:
بدأ عبد الرَّحيم يطرح أسئلةً عن الحياة والإيمان منذ صغره على معلِّمه الكاثوليكيِّ، ودافع عن الإيمان ضدَّ الملحِدين، رغم عدم اعتقاده بصحَّة ما يؤمن به.
بدأ اهتمام (عبد الرَّحيم) بالإسلام كدِينٍ مِن عام (1987م)، واستطاع خلاله الحصول على نسخةٍ مِن القرآن المترجَم.
ما الَّذي حصل؟
"انبهرتُ بهذا الكتاب العظيم المذهِل" كما يقول، ثمَّ اعتنق الإسلام رسميًّا في عام (1988م)، لكنَّه كان ما يزال يحتسي الخمر ويأكل لحم الخنزير، ومِن الطَّريف ما يحكيه في إحدى الفيديوهات: "كنتُ أحدِّث النَّاس في الحفلات عن عظَمة الإسلام وأختم بقولي: وكنتُ سأحدِّثكم أكثر إن لم أكن مخمورًا"!
بعد اعتناقه الإسلام وسهر الليالي على مصادر موثوقةٍ للدِّراسة العميقة لتفاصيل هذا الدِّين أصبح (عبد الرَّحيم) مِن أبرز الدُّعاة في الغرب إلى الإسلام، وسخَّر حياته لخدمة الإسلام والدَّعوة إليه، وله العديد مِن المحاضرات على القنوات الإسلاميَّة الإنجليزيَّة، ومنها ما هو متوفِّر على (يوتيوب).
كما عكف (الشَّيخ عبد الرَّحيم جرين) على إلقاء العديد مِن المحاضرات في رُكن المتحدِّثين ضمن حديقة (هايد بارك) الشَّهيرة في العاصمة البريطانيَّة (لندن)، إضافةً إلى إطلالته المستمرَّة على شاشة تلفزيون (السَّلام) وقناة (الإسلام)، وللأسف لم يُترجم الكثير منها إلى العربيَّة، تحتاج فقط كتابة اسمه في (الجوجل أو اليوتيوب) وستجد كنوزًا مِن الموادِّ الدَّعويَّة الَّتي تعْرِض الإسلام بأسلوب حكيمٍ، كما أنَّه مِن أبرز مدرِّبي مهارات نموذج (GORAP) الشَّهير للتَّعريف بجمال الإسلام ومحاسنه، للدُّعاة المتخصِّصين في دعوة غير المسلمين.
والشَّيخ (عبد الرَّحيم جرين) هو مَن أسَّس أكاديميَّة البحث والمنهج الإسلاميِّ (iera.org)، وعرَفه الوسط الإسلاميُّ بممارسته للدَّعوة إلى الإسلام في بلدانٍ مختلفةٍ، وهو مستمرٌّ حاليًا في قناة (السَّلام) وقناة (الإسلام) النَّاطقتَين باللَّغة الإنجليزيَّة، ومشاركته في بعض المحافل الدُّوليَّة؛ مثل مؤتمر السَّلام في (بومباي)، وتنظيمه للقوافل الدَّعويَّة والإنسانيَّة في (أفريقيا) و (جنوب شرق آسيا).
ولديه مقالاتٌ ومؤلَّفاتٌ جميلةٌ تُرجِمت إلى لغاتٍ كثيرةٍ، منها:
The Man in the Red Underpants
"https://postimg.cc/wyXS7J6p " https://postimg.cc/wyXS7J6p
3- (جولي) تُريد تنصير صديقتها المسلِمة
Julie Carol Sanders
https://www.youtube.com/watch?v=SBYeAEZaneg
https://www.youtube.com/watch?v=4Sdt8QpXiGA
حاولت (جولي) تنصير صديقتها المسلِمة، وبعد إلحاحٍ وافقت صديقتها، ولكن بشرطٍ واحدٍ، فشِلت (جولي) في تحقيقه، فأسلمت وتحجَّبت.
(جولي) مسيحيَّةٌ متديِّنَةٌ جدًّا، حاولت تنصير صديقتها المسلِمة -الَّتي تعرَّفت عليها حديثًا بسبب أخلاقها الجميلة- ووافقت صديقتها على طلبها بعد إلحاحٍ، ولكن بشرطٍ واحدٍ، إذا نفَّذته ستترك الإسلام وتدخل المسيحيَّة، ما هو هذا الشَّرط؟
بعد أن ألحَّت على مسلِمةٍ اسمها (حميدة) أن تتنصَّر.. لكنَّ (حميدة) حين ملَّت قالت لها: "إن وجدتِ خطأً واحدًا في الإسلام فسأتحوَّل للنَّصرانيَّة"!
قرَأت.. وبحَثت.. فلم تجد..
فعكست الأمر، قالت لِـ (حميدة): ابحثي عن خطأٍ في النَّصرانيَّة، ولم تحتَج (حميدة) لقراءة كتابٍ، بل أهدَتها كتابًا لِـ (ديدات)، ثمَّ أسلمت (جولي).. لكنَّ (حمدية) نصحَتها بعدم ارتداء الحجاب! لكنَّ (جولي) تحجَّبت بعد أن رأت مسلمةً كادت أن تفقد وظيفتها مِن أجل التَّمسُّك بحجابها، وطلبت مِن (جولي) أن تقرأ عن الحجاب، ولم تعلم بالصِّيام إلَّا بعد دخولها الإسلام بسبع سنواتٍ! وقد تزوَّجت مِن مسلمٍ؛ لكنَّه لا يصوم!
كانت لها تجارب مُرَّةٌ مع البعض – ممن لا يفهم الإسلام-، واشتكت مِن تناقض المسلمين: المغربيُّ يقدِّم إسلامًا، والمصريُّ يقدِّم آخر، والباكستانيُّ يقول هذا هو الدِّين الصَّحيح، تقول (جولي/جميلة):
"النَّصيحة الأولى الَّتي أقدِّمها للمعتنِقين الجدد للإسلام هي: أرجوكم لا تتحدَّثوا إلى المسلمين.. اقرؤا قدر ما استطعتم، وتأكَّدوا مِن المصادر الصَّحيحة، واقرؤا ثلاثة كتبٍ مِن كلِّ موضوعٍ، لأنَّ واحدًا منها قد لا يكون على صوابٍ، اتبَعوا قلبكم، لأنَّ العقل السَّليم يفرِّق بين الخطأ والصَّواب".
4- أقوى راديكاليَّةٍ ومذيعةٍ صحفيَّةٍ أمريكيَّةٍ تتعرَّض للاغتيال
وتُهدَّد بالحبس في مصحَّةٍ نفسيَّةٍ
اسمع ماذا تقول!
https://www.youtube.com/watch?v=EgQgbfZ3rYI
https://www.youtube.com/watch?v=HXR2OdjHe0w
قالت لأعضاء (الكونجرس الأمريكيِّ): "اتركوا المجتمع يتعرَّف عليَّ وعلى ما أؤمن به...".
لقد كانت (جانيس هوف Janice Huff) فتاة معمدانيَّةً، مِن (جنوب الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة)، متطرِّفةً في أفكارها المناصرَة للمرأة، ومذيعةً صحفيَّةً، وتتمتَّع بقدراتٍ عقليَّةٍ متميِّزةٍ، تفوَّقت في دراستها، وحصلت على البعثات الدِّراسيَّة، وأدارت أعمالها بنفسها، نافست المحترِفين وحصلت على الجوائز، وحقَّقت كلَّ هذه الإنجازات وهي لا تزال طالبةً في الكلِّيَّة، ثمَّ وفي أحد الأيَّام -وبسبب خطأٍ حاسوبيٍّ- قُدِّر لها أن تتولَّى مهمَّةً أُنيطت بها -لكونها نصرانيَّةً مخلِصةً- تمخَّضت عن تغيُّر مخالفٍ تمامًا لِما كان مخطَّطًا له، غيَّر مِن مجرى حياتها بالكامل.
بدأت رحلتها مع إيمانها وتضحياتها في سبيله:
لقد كان ذلك في عام (1975م) عندما أُدخِل الحاسوب لأوَّل مرَّةٍ في الكلِّيَّات، وتمَّ تسجيلها في إحدى الموادِّ في الكلِّيَّة الَّتي كانت تدرس فيها، حيث كانت تنهمك في الدِّراسة للحصول على الدَّرجة العلميَّة في أوقات راحتها خارج العمل، سجَّلت مسبقًا في إحدى الموادِّ وذهبت إلى مدينة (أوكلاهوما) للتَّفرُّغ لبعض شؤون عملها، واضطرَّت إلى التَّأخُّر لفترة أسبوعين عن موعد الإياب للالتحاق بمقعد الدِّراسة في الكلِّيَّة، لم يكن استدراك ما فات مِن العمل يعني أيَّة مشكلةٍ لها، لكنَّها تفاجأت عندما علمت بأنَّه تمَّ تسجيلها في مادَّة المسرح، وذلك نتيجةً لخطأٍ حاسوبيٍّ، حيث كان على الطُّلَّاب أداء الأدوار أمام الآخرين، لقد كانت خجولةً، ونعتتها تقاريرها الأكاديميَّة بالصَّمت الشَّديد، ووجدت نفسها الآن مضطرَّةً للوقوف أمام الطُّلَّاب -وهذا بحدِّ ذاته سبَّب لها الهلع والخوف- ولم يكن باستطاعتها سحب المادَّة، لأنَّ ذلك جاء متأخِّرًا جدًّا.. لم تحبِّذ فكرة الاستنكاف عن المادَّة، لأنَّ هذا يعني حصولها على علامةٍ متدنِّيةٍ، وبالتَّالي حرمانها مِن المنحة الَّتي كانت تنتظرها، والَّتي سوف تغطِّي تكاليف دراستها.. أخذت بنصيحة زوجها وقامت بمراجعة المدرِّس لعلها تقنعه بأن تقوم بدورٍ بديلٍ؛ كتحضير الأزياء للَّذين يؤدُّون الأدوار…إلخ، وأكَّد لها المدرِّس بأنَّه سوف يحاول القيام بمساعدتها قدر استطاعته، وعندما ذهبت إلى المحاضرة صُدمت لِما رأته، لقد كان الصَّفُّ مزدحمًا بِـ (الكمل جوكيز) -عبارة سخريةٍ واستهزاءٍ للعرب- وقد كان هذا مبرِّرًا كافيًا لمزيدٍ مِن النُّفور، فرجَعت إلى بيتها وهي عازمةٌ على عدم حضور ذلك الصَّفِّ مِن الآن فصاعدًا، ولم تكن فكرة الجلوس بين العرب واردةً في مخيِّلتها مطلقًا، "مِن المُحال أن أذهب للجلوس في غرفةٍ مليئةٍ بالوثنيِّين القذِرين"..
كان زوجها هادئًا بطبيعته، فقد ذكَّرها بالمقولة الَّتي كانت تردِّدها دائمًا، بأنَّ الله جعل لكلِّ شيءٍ سببًا، وأنَّ عليها التَّفكير مليًّا في قرارها في الاستنكاف عن تلك المادَّة، وخصوصًا أنَّ استنكافها يعني المجازفة بالمنحة الَّتي ستُمنح لها لتغطية تكاليف الدِّراسة.. أغلقت على نفسها الأبواب ومكثت مدَّة يومين للتَّفكير بهذا الموضوع، وعندما خرجت مِن عزلتها قرَّرت الاستمرار في الانضمام إلى ذلك الصَّفِّ بدافع الشُّعور بأنَّ الله قد قدَّر لها أن تتولَّى مهمَّة تحويل أُولئك العرب إلى الدِّيانة النَّصرانيَّة.
وهكذا وجدَت نفسها مكلَّفةً بمهمَّةٍ عليها إنجازها، سوف تقوم بالحديث عن الدِّيانة النَّصرانيَّة مع زملائها العرب، فقالت: "بدأتُ أشرح لهم كيف أنَّهم سوف يحترقون بنيران جهنَّم للأبد إذا لم يقبلوا بالمسيح كمخلِّصٍ لهم، لقد كانوا يستمعون لكلامي بأدبٍ، لكنَّهم لم يتأثَّروا بكلامي ولم يُغيِّروا ديانتهم، بعدها شرعتُ أُحدِّثهم عن مدى حبِّ المسيح لهم، وكيف مات على الصَّليب لينقذهم مِن خطاياهم، لقد كان كلُّ ما عليهم فعله هو أن يؤمنوا بذلك في قلوبهم"، مع ذلك لم يعتنقوا النَّصرانيَّة، فقرَّرت أن تفعل شيئًا آخر: "قرَّرتُ أن أقرأ لهم مِن نفس كتابهم، لأقنعهم بأنَّ الإسلام هو دِينٌ زائفٌ، وأنَّ محمَّدًا كان إلهًا زائفًا أيضًا".
قام أحد التَّلاميذ، وبناءً على طلبها بتسليمها نسخةً مِن القرآن الكريم وكتابًا آخر يتحدَّث عن الإسلام، وبدأت بحثها بهذين الكتابين، حيث تطلَّب الاستمرار في ذلك فترة سنةٍ ونصفٍ.. قامت بقراءة القرآن كاملًا، وثمَّ خمسة عشر كتابًا عن الإسلام، وأعادت الكَرَّة في قراءة القرآن للمرَّة الثَّانية، وخلال بحثها كانت تقوم بتدوين الملاحظات الَّتي ترى أنَّها داحضةٌ لمصداقيَّة القرآن الكريم، والَّتي سوف تستطيع مِن خلالها إقامة الدَّليل على زيف الدِّين الإسلاميِّ، مع ذلك فقد وجدَت -وبدون وعيٍ منها- بأنَّ تغيُّرًا ما قد بدأ يتسلَّل إلى أعماقها، ولم يكن ذلك غائبًا عن انتباه زوجها: "لقد كنتُ أتغيَّر في بعض السِّمات، لكنَّها كانت كافيةً لإقلاقه، لقد اعتدنا الذَّهاب إلى الحانة يومي الجمعة والسَّبت، أو إلى الحفلة، ولم أعد أرغب في الذَّهاب إليها، لقد أصبحتُ أكثر هدوءً وأقلَّ انسجامًا".
لقد توقَّفَت عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وما كان مِن زوجها إلَّا أن اشتبه بوقوعها في علاقةٍ غراميَّةٍ مع رجلٍ آخر، لأنَّ تغيُّر المرأة ما كان يُعزى إلَّا إلى رجلٍ، أخيرًا طلب منها الرَّحيل، ولم تلبث أن وجدت نفسها تعيش مع طفليها في شقَّةٍ مستقلَّةٍ.
"عندما بدأتُ في دراسة الإسلام لم أتوقَّع أنَّني سوف أجد شيئًا جديدًا كنت أبتغيه أو أحتاجه في حياتي الشَّخصيَّة، لم يدُر في خلدي أنَّ الإسلام سوف يغيِّر مِن حياتي، ولم يكن في استطاعة أيِّ إنسانٍ أن يقنعني بأنَّ الإسلام سوف يجعلني -في نهاية المطاف- أشعر بالأمان، وأنَّه سوف يملأ جوارحي بالحبِّ والفرح بسبب اعتناقي له".
خلال تلك الأثناء، استمرَّت في البحث والتَّنقيب، وعلى الرَّغم مِن أنَّها كانت تتغيَّر شيئًا فشيئًا وبشكلٍ دقيقٍ في داخلها؛ إلَّا أنها ظلَّت مخلِصةً لنصرانيَّتها، ثمَّ وفي أحد الأيَّام سمِعت قرعًا على بابها، لقد كان رجلًا يلبس رداء المسلمين التَّقليديَّ، والَّذي لم يسبق لها أن رأته مِن قبل، حيث وصفته بأنَّه: "رجلٌ بلباس نومٍ أبيض طويلٍ، وعلى رأسه قطعة قماشِ طويلةٍ مقلَّمةٍ بخطوطٍ على شكل مربَّعاتٍ؛ باللَّونين الأبيض والأحمر"، كان اسمه (الشَّيخ عبد العزيز) وبصحبته ثلاثة أشخاصٍ بلباسٍ مماثلٍ للباسه، لقد كان مجيئهم إلى بيتها وهم يرتدون قمصان النَّوم والبيجامات مؤذيًا لمشاعرها، ناهيك عن الصَّدمة الَّتي ألمَّت بها عندما بادرها بالكلام قائلًا: بأنَّه علم بأنَّها كانت تنتظر حدَث اعتناقها الإسلام، حيث أجابته بأنَّها نصرانيَّةٌ، وليس لديها أيَّة خطَّةٍ للتَّحوُّل إلى الإسلام، وبالرَّغم مِن كلِّ هذا فقد طلبت منهم الإجابة على بعض الأسئلة؛ إذا كان وقتهم يسمح بذلك.. الآن وبعد أن لبُّوا دعوتها بالدُّخول إلى المنزل لم تجد بُدًّا مِن إثارة الأسئلة والاعتراضات الَّتي كانت تجول في خاطرها، والَّتي قامت بتدوينها أثناء إجراء بحثها.
"لن أنسى اسمه مطلقًا"، هذا ما قالته لاحقًا بعد أن أثبت لها مدى الصَّبر والخلُق الرَّفيع الَّذي كان يتحلَّى به: "لقد كان صبورًا جدًّا، وناقش معي كلَّ سؤالٍ كنتُ أُوجِّهه له، ولم يجعلني أشعر بالسُّخف أو الحماقة بسبب أيِّ سؤالٍ وُجِّه له، استمع (عبد العزيز) لكلِّ سؤالٍ واعتراضٍ وُجِّه له، وقام بالإجابة عليها ضمن السِّياق المناسب، لقد شرح لي بأنَّ الله طلب مِنَّا أن ننشُد العِلم، وأنَّ السُّؤال هو السَّبيل الَّذي يؤدِّي إلى نيله، لقد بدا لي عند انتقالنا مِن موضوعٍ الى آخر وكأنَّني أُراقب بتلات زهرةٍ تتفتَّح بتلةً بعد أُخرى، حتَّى تصل إلى كامل بهجتها ورونقها، كلَّما كنتُ أُبدي اعتراضي وعدم موافقتي على بعض الأمور -مع بيان السَّبب- كان ردُّه دائمًا بأنَّني على صوابٍ، حتَّى يصل النِّقاش إلى نقطة تحوُّلٍ؛ فيبدأ في البيان والتَّوضيح، ثمَّ يُرشدني إلى النَّظر للمسألة بشكلٍ أعمق، ومِن زوايا مختلفةٍ، للوصول إلى فهمٍ وتصوُّرٍ شاملٍ".
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على بدء الرُّضوخ والاستسلام العلَنيِّ لما كانت قد رضخت له أصلًا في سرِّها، خلال السَّنة ونصف السَّنة الأخيرة، ففي نفس ذلك اليوم قامت هذه المعمدانيَّة الجنوبيَّة بإعلان شهادتها أمام (الشَّيخ عبد العزيز وأصحابه): "أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله".
"لقد كان ذلك في (الحادي والعشرين مِن شهر أيَّار عام 1977م)، وقد أثار ذلك دهشة معظم أفراد عائلتي، لقد كانت ردَّة الفعل لديهم قاسيةً جدًّا، إلى حدِّ أنَّ أحدهم حاول فعلًا قتلي".
قليلٌ مِن النَّاس مَن يستطيع التَّوكُّل والاعتماد على الله في مثل هذه الظُّروف، كما فعلت هذه المرأة، لقد وقَفت بثباتٍ، وواجهت التَّحدِّيات، وقدَّمت التَّضحيات، مع ذلك فقد حافظت على رباطة جأشها ومواقفها الإيجابيَّة، وظلَّت تؤثِّر فيمن حولها، وتعكس لهم جماليَّة ما وجدته وآمنت به.
لقد خسرِت معظم أصدقائها، ولم تتقبَّل أُمُّها فكرة إسلامها، وتمنَّت أن تكون نزوةً عابرةً سرعان ما تتغلَّب عليها، حتَّى أنَّ أُختها حاولت وضعها في مؤسَّسة الأمراض العقليَّة، أمَّا والدها فقد كان معروفًا بهدوئه واتِّزانه، وكان النَّاس يأتون إليه لأخذ النَّصيحة، وكان يسرِّي عنهم في شدائدهم، ولمَّا تناهى إليه خبر إسلام ابنته قام بتعبئة مسدَّسه بالذَّخيرة عازمًا على قتلها قائلًا: "إنَّه مِن الأفضل أن تكون في عداد الأموات، بدلًا مِن معاناتها في قعر جهنَّم" كما جاء على لسانه.
بعد وقتٍ قريبٍ بدأَت في لبس الحجاب، ففي اليوم الَّذي ارتدته فيه حُرِمت مِن عملها، وأصبحت الآن دون عائلةٍ أو أصدقاء أو مصدر رزقٍ لتأمين لقمة العيش، أمَّا التَّضحية الكبرى الَّتي كان عليها أن تقدِّمها فلم يكن قد آن أوانها بعد.. لقد كانت تربطها مع زوجها علاقة حبٍّ متينةٍ، وكانت السَّعادة تغمر حياتهما الزَّوجيَّة، لكنَّها ما أن بدأت في دراسة الإسلام وجدت الشُّكوك والوساوس طريقًا إلى قلب زوجها، وتبدَّلت أحوالهما، نتيجةً لسُوء الفهم للتَّغيُّرات الَّتي طرأت على سلوكها، والَّتي بدت واضحةً للعيان، فلقد أصبحت أكثر هدوءً، وتوقَّفت عن ارتياد الحانات، وكان هذا التَّغيُّر مبرِّرا كافيًا لزوجها، لاتِّهامها بإقامة علاقةٍ مشبوهةٍ مع رجلٍ آخر، لم تفلِح في محاولاتها لإقناعه وتفسير ما كان يحصل معها.
"لم يكن أمامي أيُّ سبيلٍ لأوضِّح له سبب التَّغيِّر الَّذي ألمَّ بي، لأنَّني أنا شخصيًّا لم أكن أعلم كُنهه"، وأخيرًا طلب منها الرَّحيل، وبدأت تعيش لوحدها.
فبعد أن تقبَّلت الإسلام علانيةً، أخذت الأمور تتَّجه إلى منحىً أسوأ مِن ذي قبل، حيث لم يكن هناك مفرٌّ مِن الطَّلاق، لقد حصل هذا في الوقت الَّذي كان فيه النَّاس أقلَّ معرفةً وفهمًا لحقيقة وجوهر الإسلام، لقد رُزقت مِن زوجها بطفلين، أحبَّتهما بكلِّ جوارحها، فمع أنَّ العدالة تقتضي أن تقوم الأمُّ المطلَّقة بحضانة أطفالها، كونها هي الأقدر على توفير الحبِّ والرِّعاية لهما، إلَّا أنَّ القضاء الأمريكيَّ حرمها مِن حضانة طفليها، لا لذنبٍ اقترفَته، ولكن لاعتناقها الإسلام، الأمر الَّذي شكَّل خرقًا للعدل والقانون الأمريكيِّ، فقبل النُّطق بالحكم النِّهائيِّ خيَّرها القاضي خيارًا في منتهى القسوة: فإمَّا التَّخلِّي عن الإسلام وتحتفظ بحضانة طفليها، وإمَّا البقاء على الإسلام وحرمانها مِن حضانتهما، وتمَّ منحها عشرين دقيقةً فقط لاتِّخاذ ذلك القرار المصيريِّ.
لقد أحبَّت أطفالها حُبَّا لا يُوصف، وربَّما أسوأ كابوسٍ تمرُّ فيه الأمُّ، أن يُطلب منها هجر أولادها طواعيةً، ليس ليومٍ واحدٍ أو شهرٍ أو سنةٍ، بل إلى الأبد، ومِن جانبٍ آخر: كيف لها أن تعيش مع طفليها كالمنافقة، وهي تُخفي حقيقة إسلامها عنهما.
"لقد كانت تلك العشرين دقيقةً الأقوى والأشدَّ في حياتي"، ذلك ما صرَّحت به في إحدى المقابلات.
لو كُنَّا آباء أو أُمَّهات -خصوصًا- فلنتخيَّل مدى العذاب والألم الَّذي يجب أن تكتوي بناره هذه الأمُّ في كلِّ دقيقةٍ تمرُّ مِن تلك الدَّقائق العشرين، والَّذي زاد في ألمها وحُزنها: ما ورد في تقارير الأطِبَّاء مِن استحالة حملِها مرَّةً أخرى، نتيجةً لبعض المشاكل الصِّحِّيَّة.
"لقد دعوتُ الله دعوةً لم يسبق لي أن دعوتها مِن قبل.. لقد علمتُ بأنَّه لن يكون هناك ملاذٌ لأولادي خيرٌ مِن كنف الله ورعايته، وإذا ما أنكرتُ الله فلن يكون أمامي سبيلٌ -مستقبلًا- لأن أُظهر لأولادي مدى التَّجلِّيات والأحوال العجيبة الَّتي عشتها مع الله".
قرَّرت أن تختار الإسلام، وتتوكَّل على الله بخصوص طفليها، وتمَّ أخذهما بعيدًا عنها -طفلٌ وطفلةٌ- ليعيشا في حضانة والدهما.
فبالنِّسبة لأيِّ أمٍّ هل هناك تضحيةٌ أعظم مِن هذه التَّضحية؟ التَّضحية ليس مِن أجل عرَضٍ مادِّيٍّ دُنيويٍّ! ولكنَّ التَّضحية مِن أجل الإيمان والعقيدة.
"تركتُ المحكمة، وأنا على يقينٍ بأنَّ حياتي سوف تكون صعبةً ومريرةً دون أولادي، لقد أدمى ذلك قلبي، ومع ذلك فإنَّني علمت في قرارة نفسي بأنَّني قد فعلت ما هو الأصوب".
لقد كانت تجد العزاء والسَّلوى في أعظم آيةٍ في القرآن الكريم؛ ألا وهي آية الكرسيِّ: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ (البقرة:255).
والآن: بعد غرس بذرة الإسلام في قلبها، ونموِّها على الإيمان والصَّبر والتَّوكُّل على الله، حان وقت قطف الثِّمار الطَّيِّبة، وتحقيق وعد الله للمؤمنين: أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ||﴿البقرة: 214﴾.
ربَّما كان هواء (كولورادو) أرقُّ مِن أن يحمل العدل في ثناياه، أو ربَّما كانت هناك خطَّةٌ أعظم؛ وضعها الله تعالى لتصريف الأمور، لم تستكن (أمينة السلمي) ودافعت عن نفسها في الحرب المعلَنة ضدَّها، حيث أنَّها أوصلت قضِّيَّتها إلى الإعلام، وعلى الرَّغم مِن أنَّها لم تنجح في كسب حضانة أطفالها، لكن طرأ هناك تعديلٌ في القانون المطبَّق في (كولورادو)، ينصُّ على أنَّه: لا يجوز للمرء أن يُحرم مِن حضانة الطِّفل على أساس ديانته.
فعلًا: لقد كانت عناية الله ورعايته تكلؤها، وبدأ الأمر وكأنَّ الله قد اختارها ليخصَّها بعطائه، بأن جعلها محطَّ إعجاب ومحبَّة النَّاس، ومنحها شرف نشر نور الإسلام بين النَّاس، فأينما ذهبت وحلَّت كان النَّاس يتأثَّرون بكلماتها العذبة، وبأخلاقها الإسلاميَّة السَّمحة، ممَّا دفع الكثير منهم إلى الدُّخول في الإسلام.
أصبحت (أمينة) بعد قبولها للإسلام إنسانةً أخرى، تتمتَّع بشخصيَّةٍ فريدةٍ، إلى حدِّ أنَّ أفراد عائلتها وأقربائها والنَّاس مِن حولها بدأوا يُعجبون بأخلاقها، وذلك الإيمان الَّذي أحدث ذلك التَّغيُّر في كيانها، فعلى الرَّغم مِن ردَّة الفعل الأُولى لأفراد عائلتها إلَّا أنَّها لم تقطع صِلتها بهم، واستمرَّت في التَّواصل معهم، وكانت تخاطبهم بكلِّ احترامٍ وتواضعٍ، تطبيقًا لما أمر الله به المسلمين في القرآن الكريم، كانت تُرسل البطاقات لوالديها في مناسباتٍ مختلفةٍ، لكنَّها كانت تقتبس آيةً مِن القرآن أو حديثًا نبويًّا وتُزيِّن كلَّ بطاقةٍ بها، دون ذِكر مصدر هذه الكلمات الجميلة الَّتي تزخر بالحكمة، سرعان ما بدأ تأثيرها الإيجابُّي يأخذ دورًا كبيرًا بين أفراد عائلتها.
بدأت المكافآت وجبر قلبها تترى:
كانت جدَّتها أوَّل فردٍ مِن أقربائها يدخل في الإسلام، لقد تجاوز عمرها المائة عامٍ، وبعد دخولها للإسلام بفترةٍ قصيرةٍ توفَّاها الله، في اليوم الَّذي أعلنت فيه الشَّهادة محى الله بإسلامها كلَّ ذنوبها وأبقى أعمالها الخيِّرة، لقد توفِّيت بوقتٍ قريبٍ، بعد قبولها للإسلام، ممَّا يجعل صحيفة أعمالها مثقلةً بالحسنات إن شاء الله، لقد غمرني هذا بالسَّعادة.
الثَّاني دخولاً للإسلام كان أبوها، والَّذي عقد العزم على قتلها بعد إسلامها، وبهذا فقد جسَّد قصَّة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، لقد كان عُمر رضي الله عنه صحابيًّا، وقد اضطهد المسلمين الأوائل قبل إسلامه، فعند سماعه بإسلام أخته خرج ذات يومٍ مشرِعًا سيفه لقتلها، لكنَّه بعد سماعه لبعض آيات القرآن الكريم انشرح صدره للإسلام، وأدرك أنَّه الحقُّ، وانطلق مِن فوره إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأعلن شهادته.
وبعد عامين مِن إسلام (أمينة السلمي) دعتها أمُّها، وعبَّرت لها عن إعجابها بما آمنت به، وتمنَّت لها الاستمرار في التَّمسُّك به، بعد ذلك بعامين دعتها مرَّةً أخرى، وسألتها عمَّا يتوجَّب على المرء فِعله إذا أراد أن يدخل الإسلام، فأجابت (أمينة) بأنَّ عليه أن يؤمن بأنَّه لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وردَّت الأمُّ قائلةً: "ليس ذلك بخافٍ حتَّى على الإنسان الغبيِّ، ولكن ما الَّذي يتوجَّب عليَّ فعله؟" أجابتها (أمينة) بأنَّه لو كان ذلك هو ما تؤمن به فهي مسلمةٌ حقًّا، أجابت أمُّها قائلةً: "حسنًا، لكن دعينا نحاول أن نُبقي الأمر سِرَّا لبعض الوقت، ولا نحدِّث عنه والدك".
لم تكن تعلم بأنَّ زوجها (زوج أمِّ أمينة) قد اعتنق الإسلام قبلها بأسبوعين فقط، وهكذا عاش الاثنان مسلمَين لسنواتٍ دون أن يعلم أحدهما بإسلام الآخر.
أمَّا شقيقتها الَّتي حاولت أن تضعها في مصحٍّ عقليٍّ اعتنقت الإسلام أيضًا، حتمًا أنَّها أدركت بأنَّ دخول الإسلام هو الأنفع لصحَّة العقل والبدن، وأصوب عملٍ يقوم به المرء.
بعد أن بلغ ابنها (ويتني) الحادية والعشرين مِن عمره دعاها، وأبلغها بأنَّه يريد أن يصبح مسلمًا.
بعد (ستَّة عشر عامًا) مِن الطَّلاق، اعتنق زوجها السَّابق الإسلام، لقد قال لها بأنَّه كان يتابع أخبارها خلال تلك الفترة، وأنَّه يريد لابنته أن تحذو حذو أمِّها، وأن تعتنق هذا الدِّين العظيم، جاء إليها معتذِرًا عمَّا بدر منه، لقد كان إنسانًا لطيفًا، وقد صفحت عنه (أمينة) منذ فترةٍ طويلةٍ.
مزيدٌ مِن المكافآت:
لعلَّ المكافأة الكبرى كانت تلك الَّتي لمَّا تأتِ بعد.. لقد تزوَّجت أمينة فيما بعد مِن رجلٍ آخر، وقد منَّ الله عليها -بفضله وكرمه- ورزقها بطفلٍ جميلٍ، على الرَّغم مِن قرار الأطبَّاء باستحالة الإنجاب، فمَن ذا الَّذي يستطيع أن يقف حائلًا بين الإنسان وبين عطاء الله؟ لقد كانت بحقٍّ نعمةٌ جليلةٌ مِن الله، وعرفانًا منها بهذا العطاء، اختارت لابنها اسم (بركة).
"سرعان ما بدأتُ أدرك قيمة النِّعمة الَّتي أنعمها الله عليَّ، لقد تعلَّمت مدى أهمِّيَّة مشاركة النَّاس لي بالتَّعرُّف على حقيقة الإسلام، لم يعد مهمًّا بالنِّسبة لي رأي النَّاس، مسلمين أو غيرهم، فيما إذا كانوا متَّفقين معي أو معارضين لي، أو حتَّى مدى إعجابهم بي، القبول والاستحسان الَّذي كنت أبتغيه فقط هو مِن الله تعالى، مع ذلك لقد بدأتُ أكتشف بأنَّني أحظى بمحبَّة كثيرٍ مِن النَّاس دون سببٍ يُذكر، ولقد ابتهجتُ كثيرًا عندما تذكَّرتُ مِن بعض قراءاتي أنَّ الله إذا أحبَّ إنسانًا فإنَّه يحمل النَّاس على محبَّة هذا الإنسان، مع أنَّني لا أستحقُّ كلَّ هذا الحبِّ، ذاك يعني أنَّها هبةٌ أخرى مِن الله تعالى، الله أكبر".
بأسلوبها المميَّز وكلماتها الرَّقيقة الَّتي تحمل إيمانًا صادقًا صلبًا كالجبال، لا تستطيع زلازل العالم أن تهزُّه قيد أنملةٍ، ولا البراكين المعمورة أن تمحو منه مقدار ذرَّةٍ، إنَّها الدَّاعية إلى الحقِّ (أمينة) الَّتي قالت: "أنا على استعدادٍ أن أتنازل عن أيِّ شيءٍ، إلَّا الإسلام!".
وقالت: "أنا سعيدةٌ جدًّا، أنا أُحبُّ الإسلام، هو حياتي ودقَّات قلبي بِلا شكٍّ، لا يوجد شيءٌ مُهمٌّ بالنَّسبة إليَّ مثل الإسلام، إنَّه الدَّم الَّذي يجري في عروقي، إنَّه مصدر قوَّتي، إنَّه أجمل وأروع شيءٍ في حياتي، فبدونه أنا لا أساوي شيئًا، ولو أشاح الله بوجهه الكريم عنِّي لما كتب لي النَّجاة أبدًا، أنا أعرف قُدرة الله ومحبَّته وحكمته، وأفهم رحمته وعدله".
وقالت أيضًا: "كانت ردَّة فعل عائلتي قاسيةً للغاية، إلى درجة أنَّ أحد أفراد أسرتي حاول قتلي، وحاول آخر إدخالي مصحَّةً نفسيَّةً، لأنَّهم لم يصدِّقوا دخولي في الإسلام، ولكنِّي عندما طبَّقت الإسلام أمامهم، وعشتُ كمسلمةِ؛ أغلب أفراد أسرتي اليوم مسلمون، والحمد لله".
"فإذا عشتَ الإسلام الصَّحيح، وأظهرتَه في كلِّ مكانٍ تذهبُ إليه، ستترك بصمةً عند الآخرين، وستغيِّر طريقة تفكيرهم".
إنَّ التَّضحية الَّتي قدَّمتها (أمينة) في سبيل الله هي بحقِّ مِن أعظم التَّضحيات، ولأنَّ (الجزاء مِن جِنس العمل) فقد استحقَّت رحمة الله تعالى، بأن مَنَّ عليها بعظيم نِعمه، لقد تخلَّت عنها عائلتها بعد إسلامها، والآن فإنَّ معظمهم أصبحوا يدينون بالإسلام، ثمَّ إنَّها فقدت الكثير مِن أصدقائها بسبب الإسلام، والآن حظيت بمحبَّة كثيرٍ مِن النَّاس، "كلُّ هؤلاء الأصدقاء أتوا مِن المجهول، بدأت نِعم الله تتوالى عليَّ، نِعمةً بعد أخرى، إلى حدِّ أنَّ كلَّ النَّاس الَّذين كنت أقابلهم في حِلِّي وترحالي تأثَّروا بجماليَّة الإسلام، وتقبَّلوا الحقَّ".
لقد أصبح الكثير مِن النَّاس يرجعون إليها لأخذ النَّصيحة والمشورة، وليس ذلك مقصورًا على المسلمين فقط.
بعد أن فقدت وظيفتها بسبب ارتدائها الحجاب تبوَّأت منصب (رئيسة الاتِّحاد الدُّوليِّ للمرأة المسلمة)، وصارت تلقي المحاضرات على نطاقٍ واسعٍ، وزاد الإقبال على محاضراتها[3]، يرجع الفضل إلى مؤسَّستها الَّتي نجحت في كسب التَّأييد في إصدار (طابع العيد) والَّذي صادق على إصداره (مصلحة الخدمات البريديَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة)، بعد جهودٍ مضنيةٍ استمرَّت العديد مشن السَّنوات، ثمَّ بدأت (الأستاذة أمينة) تسعى لجعل يوم العيد عطلةً رسميَّةً على المستوى الوطنيِّ. لدى الأستاذة (أمينة السلمي رحمها الله-Janice Huff) محاضراتٌ قيِّمةٌ باللُّغة الإنجليزيَّة على قناة اليوتيوب، ستجدها بسهولةٍ.
إنَّ ثقتها الكبيرة بمحبَّة الله ورحمته رسَّخ في جوانحها الإيمان والتَّصديق والرِّضى بقضائه، لقد تمَّ تشخيصها طبِّيًّا، ودلَّت التَّقارير على إصابتها بالسَّرطان، وفي المراحل المتأخِّرة.. وتنبَّأ لها الأطبَّاء بالعيش لمدَّة سنةٍ واحدةٍ فقط، ولم يزعزع ذلك مِن إيمانها بالله، وبالاستمرار في نشر الإسلام إلى آخر رمقٍ.
"الموت محتَّمٌ علينا جميعا، لقد كنتُ واثقةً بأنَّ الألم الَّذي كنت أعاني منه يحمل في طيَّاته نعمًا كثيرةً"، وأقوى مثالٍ على مدى محبَّة الإنسان لربِّه سبحانه وتعالى هو ما ذكرَته في قصَّتها عن صديقٍ لها اسمه (كريم الميساوي) والَّذي مات بمرض السَّرطان وعمره لا يتجاوز العشرين عامًا: "قبل موته بقليلٍ كان يحمد الله ويثني عليه، ويصف لي مدى رحمة الله عز وجل، لقد كان يشكو مِن الآلام الَّتي لا تُطاق، ومع ذلك كان وجهه مشرقًا بمحبًّة الله، لقد قال يومًا: لقد شاء الله أن يدخلني الجنَّة وصحيفة أعمالي بيضاء ناصعةٌ، لقد كان موته عبرةً وعظةً لي، لقد تعلَّمت منه أن أؤمن بحبِّ الله وبرحمته".
بعد تلك الرِّحلة العظيمة مع الإسلام، هذا الدِّين الحنيف.. توفَّاها الله، وهي مقتنعةٌ بأنَّ إصابتها بالسَّرطان هو مِن أعظم نِعم الله الَّتي أسبغها عليها، ولكنَّها لم تقف في العطاء، ولم تنتظر إلى أن تُتوفَّى بالسَّرطان، وإنَّما استغلَّت كلَّ يومٍ مِن حياتها لعرض جمال الإسلام ومحاسنه للنَّاس، إلى أن توفِّيت بحادث سيَّارةٍ في (الخامس مِن مارس 2010م) خارج مدينة (نيوبورت) في (ولاية تينيسي)، وكانت ـــرحمة الله عليها ـــ في (الخامسة والسِّتِّين) مِن العمر، ووقع هذا الحادث بينما كانت عائدةً برفقة ابنها مِن إحدى المحاضرات الَّتي ألقتها في مدينة (نيويورك).
إنَّ قصَّة هذه المرأة تتضمَّن الكثير مِن الدُّروس والعِبر والقيَم الأصيلة، فلقد ضربت أروع الأمثلة في الصَّبر والثَّبات على الحقِّ، وقدَّمت التَّضحيات الكبيرة في سبيل الإسلام، ولم تخشَ في الله لومة لائمٍ، فاستحقَّت بذلك محبَّة الله تعالى، ووضَع لها القبول في الأرض، وأبدلها مِن بعد خوفها أمنًا، وتحقَّق بذلك وعد الله لها: "ما أصدق وعد الله، فلقد ابتلاني وامتحنني، وكان العطاء أكثر بكثيرٍ ممَّا كنت أتوق إليه".
فتأمَّلي أيَّتها المسلمة قصَّة هذه المرأة المجاهدة، الَّتي تخلَّت عن زخارف الدُّنيا ومباهجها الفانية، في ذلك البلد الَّذي يمثِّل قمَّة الحضارة الغربيَّة، وكلُّ ذلك مِن أجل الفوز برضوان الله ومحبَّته، أفيقي أيَّتها المسلمة مِن غفلتك، واجعلي هذه المرأة قدوةً لك؛ لتنالي بذلك رضوان الله، واعلمي بأنَّ السَّعادة الحقيقيَّة هي في اتِّباع أوامر الله، لا في اللُّهاث وراء الموضة وكلِّ ما تعرضه دُور الأزياء وما تنشره المجلَّات مِن أشكال العُريِّ والسُّفور الَّذي يغضب الله، ولا تنخدعي بالشِّعارات والدَّعوات الَّتي يطلقها أعوان الشَّيطان مِن خلال وسائل الإعلام، والَّتي تدعو إلى الرَّذيلة ونبذ الفضيلة، وتيقَّني بأنَّ تمسُّكك بدينك هو صونٌ لعفَّتك وطهارتك.
اللَّهمَّ اغفر لها وارحمها، واجعل قبرها روضةً مِن رياض الجِنان.
5- كيف تحوَّل قِسِّيسٌ أمريكيٌّ إلى داعيةٍ!
(صاموئيل شرابشر)
https://www.youtube.com/watch?v=MlDd8zVXoas
https://www.youtube.com/watch?v=Wi4Uyl9_kBM&t=171s
كشف الدَّاعية الإسلاميُّ الأمريكيُّ (صاموئيل شرابشر / Samuel Shropshire) قصَّة إسلامه، أثناء وجوده في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، ضِمن مشاركته في مشروعٍ لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزيَّة.
وقال (شرابشر) الَّذي كان دوره يقتصر على تصحيح المفردات الخاصَّة باللَّغة الإنجليزيَّة: أنَّه لم يقرأ القرآن سابقًا، ولم تكن لديه أيَّة فكرةٍ عن الإسلام، وقيل له في أمريكا قبل مجيئه إلى المملكة: أنَّها بلدٌ خطيرٌ، مُضيفًا أنَّه عندما وصل إلى المملكة في (2011م)، استقرَّ في سكنه، ولم يخرج منه، وكان يخشى السَّير في الطَّريق.
وأوضح خلال فيديو بثَّته (قناة السُّعوديَّة)، أنَّه عندما أراد الذَّهاب لشراء الطعام، فوجئ بحفاوة الاستقبال مِن جانب المواطنين، دون سابق معرفةٍ، مضيفًا -وعيناه تذرفان مِن الدُّموع- أنَّه شعر بالصَّدمة مِن ترحيب النَّاس به، حيث أنَّهم كانوا يستقبلونه بالأحضان، ويدعونه لتناول العشاء واحتساء الشَّاي والقهوة.
وبين (شرابشر) أنَّه كان يقرأ كلَّ ليلةٍ فصولًا مِن الترجمة الإنجليزيَّة للقرآن الكريم، ويدوِّن بعض الأسئلة، ليطرحها على الدُّكتور (صافي قصقص)، حتَّى أعلن إسلامه في (يونيو/2012م).
وأشار (صاموئيل) إلى أنَّه أدَّى فريضة الحجِّ عام (2013م)، وكان ذلك يُمثِّل نعمةً كبيرةً في حياته، لأنَّه بمثابة تطهيرٍ روحيٍّ، وغفرانٌ لكلِّ الخطايا الَّتي اقترفها، مضيفًا أنَّه سعيدٌ جدًّا، ويشعر بالفخر كونه مسلمًا.
أثناء إعدادنا لهذا الكتاب تواصلنا مع فريق الدَّاعية (صاموئيل)، وهم يتجوَّلون في جميع أنحاء أمريكا للدَّعوة إلى الله، ولتثبيت المسلمين، رغم تعقيدات إجراءات جائحة كورونا.
6- أردتُ أن أكون راهبةً، بدلًا مِن ذلك أصبحتُ مُسلِمةً
Wanted To Become A Nun Instead I Became A Muslim, Aisha Journey to Islam
رحلة روايما إلى الإسلام
https://www.youtube.com/watch?v=hFmT0dymTuQ
https://www.youtube.com/watch?v=NQAQ6zgI5yg
استمع إلى قصَّتها منها
(روايما عائشة كنار) تقول: وُلدتُ في (جزيرة كوبا)، ووالدي مِن جزر كناري، والأُمُّ مِن إسبانيا، عشتُ مع والدَي في جزيرة كوبا حتَّى سنِّ الخامسة، ثمَّ انتقلتُ إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وهناك ذهبتُ إلى المدرسة الكاثوليكيَّة؛ لمدَّة اثني عشر عامًا، حتَّى تخرَّجتُ مِن الثَّانوية، وكانت تجربتي في تلك المدرسة جيَّدةً، فقد حظيتُ على العديد مِن الأصدقاء والأخوات، وتأثَّرتُ بالرَّاهبات ومدى قُربهنَّ مِن الإله، وأحببتُ ملابسهنَّ وحِجابهنَّ، وعند اقترابي مِن إنهاء المرحلة الثَّانية، قرَّرتُ أن أصبحَ راهبةً، أخبرتُ أمِّي بذلك، اعتقدتُ أنَّها ستفرح بتلك الهدِّية، لكن كانت صدمةً بالنسبة لها، وقد شرعَتْ بالبكاء، وأخبرتني أنَّها تُريد مِنَّي الزَّواج، وتريد أحفادًا، وأنَّ ذلك لن يحدث، في هذا الوقت بدأتُ التَّساؤل عن ديانتي، أخبرتُها أنَّي أريد الذَّهاب إلى أفريقيا، وهذا -أيضًا- جعلها حزينةً جدًّا، كانت لا تريد مِنِّي مغادرة المنزل..
وفي جامعة (ميامي) التقيتُ بشخصين، واللَّذان مِن خلالهما بدأتُ التَّعرُّف على الإسلام، وأعطوني القرآن، وأعطوني كتبًا مُختلفةً، وتعرَّفتُ -أيضًا- على أسرة هذين الشَّابَّين، اللَّذَين قابلتُهما في الجامعة.
قد وجدتُ اختلافاتٍ بين الإسلام والكاثوليكيَّة الَّتي نشأتُ عليها منذ طفولتي، في الكاثوليكيَّة كان عليَّ أن أومنَ بأشياء ليست منطقيَّةً بالنِّسبة لي، منها: عندما أُذنب كان عليَّ أن أعترف بذنبي لبشرٍ له السُّلطة، كيف ذلك؟ وهو بشرٌ مثلي يُذنب! مَن أعطاه السُّلطة لأعترف له؟
في الكاثوليكيَّة يجب الإيمان بأرواح مريم السَّبعة وروح القدُس والثَّالوث، وهذه أشياء غير منطقيَّةٍ مِن النَّاحية الفكريَّة، أتيتُ القساوسةَ؛ فقالوا لي: ما مشكلتك؟ وقالوا لي: لن تستطيعي التَّواصل مع الكنيسة؛ إذا لم أومن بهذه الأشياء، اكتشفتُ أنَّ الله الَّذي أنعم عليَّ بالعقل لأسأل وأفكِّر، وأنعَم عليَّ بالقرآن، حيث وجدتُ فيه الإجابة على كلِّ أسئلتي، قد ساعدني الإسلام على استرجاع حيائي أو خجلي؛ الَّذي وُلدنا بهما، والَّذي يفقدهما غير المسلم، بل وبعض المسلمين، ذهبتُ إلى سورية.. ذهبتُ إلى منزل شيخةٍ، وكانت توجد العديد مِن النَّساء، هنالك نطقتُ الشَّهادة، هؤلاء قادوني إلى الإسلام، لقد اعتقدتُ أنَّهم مجرَّد أصدقاء، بدأتُ الصَّلاة باللُّغة العربيَّة، وكنتُ أُصلِّي بالفاتحة، وقُل هوَ الله أحدٌ...
(روايما): أحبَّت سيرة وأخلاق أمِّ المؤمنين؛ السَّيِّدة عائشة ل، فغيَّرت اسمها إلى عائشة.
7- مِن حلُم التَّبشير إلى مدافعٍ عن حقوق المسلمين
أمريكيٌّ درس القرآن ليجد أخطاءً، فترك النَّصرانيَّة واعتنق الإسلام
(جيمس ايريك ميك)
https://www.youtube.com/watch?v=SdeCXAvAcQo&t=17s
https://www.youtube.com/watch?v=emyxPZEywTU
(خليل ميك) أحد مؤسِّسي الصُّندوق القانونيِّ للمسلمين في أمريكا، والمدير التَّنفيذيُّ له، وكان وراء إثبات براءة كثيرٍ مِن المتَّهمين المسلمين في قضايا أهمَّت الرَّأي العامَّ الأمريكيَّ، الَّذي تمَّ التَّحقيق معهم فيها، دُون اتخاذ الإجراءات التي يكفلها لهم يكفله لهم القانون.
وُلد (خليل ميك) في (اليابان)، وقت خدمة والده في الجيش الأمريكيِّ (1964-1965م)، ثمَّ عاد مع والديه وإخوته إلى الولايات المتَّحدة، حيث تربَّى في أسرةٍ كاثوليكيَّةٍ محافِظةٍ.
التحق ميك بجامعة (دينتون) في (تكساس)، لدراسة الاستثمارات الماليَّة، لكنَّه قرَّر أن يعمل مُبشِّرًا معمدانيًّا، وهذه الرَّغبة دفعته إلى رحلة حواراتٍ وبحثٍ، انتهت بإسلامه عام (1989م).
كيف وُلدت فكرة إنشاء الصُّندوق القانونيِّ للمسلمين؟
بعد أحداث (سبتمبر/2001م)، والاضطهاد العامِّ والخاصِّ ضدَّ المسلمين، أُثيرت فكرة إقامة مشروعٍ للدِّفاع عن حقوقهم القانونيَّة، ووافقتُ على العمل معهم لمدة ستَّة أشهرٍ، لوضع خطَّةٍ ماليَّةٍ لهذا الكيان، الَّذي يحتاج إلى كثيرٍ مِن المال ليقوم بدوره، هكذا وُلد الصُّندوق، والآن -وبعد 15 عامًا- ها أنا ذا ما زلتُ فيه.
ما هي مهامُّ هذا الصُّندوق؟
نحن نقوم بأنشطةٍ مختلفةٍ؛ مِن عقد مؤتمراتٍ، وتوعيةٍ لأئمَّة المساجد، والقادة بالقانون، كما يتكفَّل الصُّندوق بإيجاد وتعيين أفضل المحامين للدِّفاع عن المسلمين وحماية حقوقهم في المحاكم الأمريكيّة، نحن لسنا محامون، لكننا نختار المحامين ونوفِّرهم للمتَّهمين.
وبعد أعوامٍ مِن الخبرة صرنا نعرف مَن المحامي الَّذي يحمل سيرةً ذاتيَّةً جيَّدةً، لكن لا يحسُن في المحكمة، ومَن القويُّ أمام هيئة القضاء، فبعد 14 عامًا مِن تمويل القضايا؛ أصبحَت لدينا خبرةٌ في اختيار الأفضل، بحسب نوع القضيَّة الَّتي تُعرض علينا.
تلخيصٌ مِن حوار (مروة صبري) معه، في (كاليفورنيا).
8- القِسُّ السَّابق الباحث عن الحقيقة، والَّذي وجد في الإسلام لكلِّ سؤالٍ جوابًا شافيًا
https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%89-%D9%83%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D9%86-pdf
https://www.youtube.com/watch?v=hBuoZrSnrFw
ألَّف كتاب (الأديان في كفَّة الميزان)، وتحَّدث فيه عن أنَّ قصده مِن البحث في الإسلام كان استخراج العيوب الَّتي أوحى إليه بها أساتذته وأهله، لكنَّه وجد أنَّ ما زعموه في الإسلام عيوبًا هو في الحقيقة مزايا.. فأخذ الإسلامُ بِلُبِّه، فانقاد إليه، وآمن به، عن تفكُّرٍ ودراسةٍ وتمحيصٍ، وكان هو الكفَّة الرَّاجحة"[4]. انظر: محمَّد فؤاد الهاشميّ، الأديان في كفَّة الميزان، ص170-171.
وُلد لأبوين نصرانيِّين في مِصر، غرسوا فيه حُبَّ النُّصرانيَّة، حتَّى ينخرط مع غيره مِن النَّصارى، ولكنَّه بدأ يتأمَّل ويناقش، ساورَته بعض الشُّكوك الَّتي أوقدت في داخله نار القلق؛ ممَّا دفعه إلى البحث عن الحقيقة والدِّين السَّليم.
وعندما نما عقله بدأ في البحث عن الحقيقة، يقول عن ذلك:
"قادتني الدِّراسة إلى إصغاء السَّمع إلى عدَّة نداءاتٍ، وصلت إلى سمعي نتيجة الثَّغرات الَّتي أوجدَتها الرِّيبة والشَّكُّ، فيما لم يستطع العقل قبوله، ولم يطمئنَّ إليه الضَّمير لحظة الطُّهر الوجدانيِّ، ممَّا أدرسه أو أُعَدُّ لتحمُّله مِن المهامِّ، فكان لتلك النَّداءات حظٌّ مِن الإنصات، الَّذي أعقبه التَّفكير في الأديان السَّابقة على دِيني، فكنتُ كالمستجير مِن الرَّمضاء بالنَّار"[5]. محمَّد عبد العظيم عليّ، سرُّ إسلام روَّاد الفِكر الحرِّ في أوربَّا وعلماء الدِّين المسيحيِّ الأجلَّاء، ص155-156.
قصَّة إسلام (محمَّد فؤاد الهاشميّ):
بدأ (الهاشميُّ) يبحث في الأديان السَّابقة على النصرانيَّة، وفي الأديان الوضعيَّة؛ لعلَّه يجد فيها ما يبحث عنه، ثمَّ توجَّه بعد ذلك إلى البحث في الدِّين الإسلاميِّ، ولكنَّه كان حانقًا وكارهًا له، لم يكن يريد الدَّخول فيه، بل يريد أن يستخرج العيوب، ويلتمس الأخطاء، ويفتِّش عن المتناقضات، لهدمه، وليُخلِّص النَّاس منه، ولكن سبحان مغيِّر الأحوال! فلقد وجد هذا الرَّجل في الدِّين الإسلاميِّ طريق الهداية، ووجد النُّور الَّذي كان يبحث عنه طوال حياته.
يقول واصفًا ما رآه في الدِّين الإسلاميِّ: "وجدتُ لكلِّ سؤالٍ جوابًا شافيًا، لم يستطع الإجابة عنه أيُّ دينٍ سابقٍ، سواءً كان وضعيًّا أو منحدِرًا مِن الأديان السَّماويَّة، أو مبدًا مِن المبادئ الفلسفيَّة، (وقولي: منحدِرًا يرجع إلى انحدار الدِّيانات على أيدي رِجال الدِّين، الَّذين خرجوا بها عمَّا جاءت مِن أجله)، وجدتُ أنَّ ما زعموه في الإسلام عيوبًا هي مزايا، وما ظنُّوه متناقضاتٍ هي حِكَمٌ أو أحكامٌ وشرائعُ فُصِّلت لأولي الألباب، وأنَّ ما عابوه على الإسلام كان علاجًا للبشريَّة، الَّتي طالما تردَّتْ في بيداء الظُّلمات، حتَّى أخرجها الإسلام مِن الظُّلمات إلى النُّور، وهُدِي النَّاس -بإذن ربهم- إلى صراطٍ مستقيمٍ".
بعد ذلك أعلن (محمَّد فؤاد الهاشميّ) إسلامه.
إسهامات (محمَّد فؤاد الهاشميّ):
بعد أن أسلم (محمَّد فؤاد الهاشميّ) قام بالعديد مِن الأمور لخدمة الإسلام، فقام بمقارناتٍ وموازناتٍ بين الأديان، وكان مِن ثمَرات هذه المقارنات: الكتاب الرَّائع الَّذي قدَّمه للمسلمين (الأديان في كفَّة الميزان)، هذا إضافةً إلى العديد مِن الكتب، فضلًا عن إعلاء كلمة الله ونُصرة دينه[6]،وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌﱠ[7]. محمَّد عبد العظيم عليّ، سرُّ إسلام روَّاد الفِكر الحرِّ في أوربَّا وعلماء الدِّين المسيحيِّ الأجلَّاء، ص157-159. [الحجّ: 40].
وله كتاب (سرُّ إسلامي.. لماذا اخترتُ الإسلام دينًا"، وكتاب (النَّبيُّ لا كذب)، وكتاب (حِوارٌ بين مسيحيٍّ ومسلمٍ)، وكتاب (اليهوديَّة مِن الكتب المُقدَّسة).
المصدر: كتاب (عظماء أسلموا) للدُّكتور راغب السَّرجانيّ.
أغلفة بعض كتب القِسِّ السَّابق (محمَّد فؤاد الهاشميّ):
https://postimg.cc/FkvDqBXt
https://postimg.cc/y3Tvzy7D
https://postimg.cc/D47RsZZb
https://postimg.cc/JtcLnwnk9- البريطانيَّة (بليك)
كانت تبحث وتقارِن القرآن والإنجيل
Jane Blake
https://www.youtube.com/watch?v=q9Sn4cgneuU&t=145s
https://www.youtube.com/watch?v=KyZ8QR-SbuA
الأستاذة (أمينة بليك Ustadha Ameena Blake)، تقول: "تدرَّجتُ في التَّعليم حتَّى ذهبت إلى الجامعة وحصلتُ على درجةٍ علميَّةٍ باللُّغة الإنجليزيَّة، واقتفيت أثر أبي في تدريس اللُّغة، وأصبحتُ مدرِّسةً، ثمَّ حصلت على درجة الماجستير في القيادة الإداريَّة في التَّدريس بمنطقة (بتشيفيلد)، ديانتي السَّابقة: النَّصرانيَّة، ورغم أنَّ الإنجيل مليءٌ بالقصص المدهشة، وكنتُ شغوفةً بالجانب الرُّوحيِّ والإيمانيِّ، وهذا الجانب جزءٌ أصيلٌ مِن كيان الإنسان، لا يستطيع العيش بدونه، ولكنَّني دائمًا ما كنتُ أريد أن أكون على بيِّنةٍ ممَّا أعتقد وأعتنق، فالله أكرم الإنسان بالعقل، وميَّزه به عن سائر المخلوقات، وساعدني في ذلك كوني مهتمَّةٌ جدًّا بالجانب العلميِّ، فهذا الكون لم يأتِ مِن فراغٍ، بل هو هندسةٌ كونيَّةٌ دقيقةٌ جدًّا، وبالتَّالي فهذه الحياة لا بدَّ أن تستقيم مع مراد الله .
كنتُ كثيرة القراءة في الإنجيل، ولكنَّني دائمًا ما كنت أرى فيه أنَّه لا يتواءم مع العلم، فالعلم له حقائق وأشياء، والكتاب المقدَّس يقول شيئًا آخر، وأنا لا يمكن أن أؤمن بشيءٍ إلَّا بدليلٍ، ممَّا سبَّب صراعًا بداخلي، وبدأت الأسئلة تتزاحم في فكري ووجداني، وبدأت الشُّكوك تتسرَّب إلى نفسي، فقلت: لا بدَّ مِن الذَّهاب إلى الكنيسة، وبالفعل ذهبتُ وقابلت القسِّيس، وطرحت عليه أسئلةً عديدةً، منها: لماذا الإله ثلاثةٌ بالرَّغم مِن أنَّ المفترض أن يكون واحدًا؟ لقد طلبت منه إقناعي بدعوى التَّثليث، ولماذا الخلاص؟ فإذا كان المسيح إلهًا، فلماذا كان الخلاص؟ وغير ذلك، فأجابني: عليك أن تصدِّقي بقلبك فقط، وكانت هذه العبارة كمن يقول لي: لا تفكِّري.. لا تناقشي.. لا تسألي.. وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك، لا يمكنني أن أؤمن بشيءٍ إلَّا إذا ثبت لديَّ بدليلٍ.
في هذه الفترة كان لي صديقةٌ مسلمةٌ، وبينما كنَّا نسير في طريقنا ليلًا سألتها عن الإسلام؟ وهل يستطيع الإسلام أن يجيب عن أسئلتي بطريقةٍ علميَّةٍ؟ وهل هناك ارتباطٌ بين الإسلام والعِلم؟ وكنت مهتمَّةً بمعرفة الله عزَّ وجلَّ والدَّليل على أنَّ القرآن كلام الله، ولمَّا كانت معلوماتها محدودةً جدًّا، أرشدتني إلى ترجمة القرآن الكريم، فظللتُ أقرأ منها.. وفي أحد الأيَّام جاءت إليَّ تلك الصَّديقة قائلةً: حسنًا! هناك جارٌ لنا -إنجليزيٌّ– دخل الإسلام منذ فترةٍ طويلةٍ، ويُدعى (داوُد) أظنُّه يستطيع أن يُجيبك..
لقد كان (داوُد) بالنَّسبة لي كغريقٍ يتعلَّق بأيِّ شيءٍ لينقذه مِن صراعه الدَّاخليِّ، فذهبت إليه وسألته نفس السُّؤال عن الإسلام، فجاءني بالقرآن وبآياتٍ منه تتوافق مع العِلم، ومع حقائق العِلم، وهنا أقول (آيات)، وليست آيةً واحدةً، آياتٌ تسير مع العِلم، مثل الآيات الَّتي يتكلَّم فيها الله عن دورة الماء؛ موضِّحًا لي بشكلٍ جليٍّ جميع الحقائق الَّتي تتعلَّق بتلك الدَّورة في صورها الثَّمانية: الشَّمس، الرِّياح، تخزين المياه، الغيوم… ذاكرًا لي قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ (النُّور: 43).
بعد ذلك بدأ بسرد آياتٍ أخرى، مثل الآيات الَّتي يتكلَّم فيها الله عن الجبال وأوتادها الَّتي تتشعَّب في الأرض، وهذا لم يتوصَّل إليه علم الجيولوجيا إلَّا منذ ثلاثين أو أربعين سنةً فقط، سبحان الله! والآيات الَّتي تقول إنَّ الأرض على شكل البيضة، بينما يقول الكتاب المقدَّس إنها مستويةٌ.. كما أنَّ هناك آيتين مبهِرتين، الأولى: يتكلم فيها الله عن الجنين، وهذا أمرٌ لا يمكن أن تراه إلَّا بالمجهر! أنت لا يمكن أن تراه بعينيك المجرَّدتين، سبحان الله! ويذكره الله في القرآن! كلِّ هذه أدلَّةٌ، وليست أدلَّةً منذ ألفٍ وأربعمائة عامٍ مضت فقط، بل هي أيضًا أدلَّةٌ الآن! وهذه معجزةٌ أخرى على أنَّ القرآن خالدٌ.. فهو وثيق الصِّلة بالماضي والحاضر وإلى الأبد، سبحان الله! والآية الثَّانية عن العدل بين الرَّجل والمرأة في القرآن.. وأنا مِن الَّذين يدعُون لإعطاء النِّساء مزيدًا مِن الحقوق والأعمال، ولكن في الإطار الإسلاميِّ، وأهتمُّ بشِدَّةٍ بحقوق المرأة.. ولمَّا تجلَّت لي العدالة بين الرَّجل والمرأة في القرآن للدَّرجة الَّتي تجعل القرآن يذكر الرَّجل والمرأة نفس عدد المرَّات؛ فالرَّجل يُذكرُ (23) مرَّةً، والمرأة تُذكرُ (23) مرَّةً! فهل لي أن أسأل: كم عدد الكروموزومات في الإنسان؟ إنَّه (46) كروموزوم، سبحان الله! (23) للأب، و (23) للأمِّ..
عندما انتهى (داوُد) قلت في نفسي: هذا هو الشَّيء الَّذي يجب أن أؤمن به.. إنَّ هذا هو الدِّين الصَّحيح، يخاطب العقل بالحُجَّة والدَّليل.. فعلًا، هذا ليس بكلام بشرٍ.. لقد كنت بحاجةٍ إلى دليلٍ يقول: إنَّ هذا هو الحقُّ، فقد أضعت عمري في اتِّباع شيءٍ، ثمَّ تبيَّن في آخر الأمر أنَّه خطأٌ، سبحان الله!
والآن أصبح معي دليلٌ مِن الدِّين، ولكن ما زلت أحتاج مِن هذا الدَّليل أن يُغيِّر أحاسيسي: قلبي.. إحساسٌ يدعوني، يجذب عاطفتي؛ فقد كنت في تلك الفترة في (السَّابعة عشرة) مِن عمري، فأهداني أخي (داوُد) نسخةً مِن فيلم (الرِّسالة)، الَّذي يتحدَّث عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينما كنت أشاهد ذلك الفيلم، أصابني الملل، فقد كانت مدَّة الفيلم طويلةً جدًّا، حيث استغرق نحوًا مِن ثلاث ساعاتٍ، لذا كنت تارةً أدخل الغرفة وتارةً أخرج منها.. فجأةً كأنَّ حركة الكون توقَّفت في لحظةٍ مِن اللَّحظات، ففي المشهد الَّذي يرتقي فيه بلالٌ رضي الله عنه الكعبة وجهر لأوِّل مرَّةٍ بالأذان، اندفعت -سبحان الله- نحو الغرفة الَّتي فيها التِّلفاز، ما هذا الصَّوت؟ إنَّه الأذان.. ولم أكن سمعته مِن قبل، كانت كلُّ (ها) -في كلِّ وقفةٍ وتكرارٍ في نهاية كلمات وجمل الأذان- تمنحني إحساسًا دافئًا، لم يعش قلبي مثل تلك اللَّحظات الدَّافئة مِن قبل، بل وشعر أنَّ عليه أن يتحوَّل هو إلى مشهدٍ مِن مشاهد هذا الفيلم المذهِل، ويكون جزءًا منه، رغم أنَّني لم أفهم حتَّى كلمةً واحدةً! لم أفهم أيَّ شيءٍ! سبحان الله، إنَّه باللَّغة العربيَّة، وأنا إنجليزيَّةٌ! إنَّه إحساسٌ جديدٌ لم أعهده، أحتاج أن أكون كيانًا مِن كيانات هذا الفيلم الرَّائع، سبحان الله! وبعدها بثلاثة أيَّامٍ يمَّمت وجهي شطر المسجد ونطقت بالشَّهادة، وقع هذا منذ (22) عامًا، والحمد لله".
الأستاذة (أمينة) داعيةٌ ومحاضرةٌ محترفةٌ ونشيطةٌ في عرض جمال الإسلام وقيمه للمجتمع البريطانيِّ، وهي نائب رئيس (الرَّابطة الإسلاميَّة في بريطانيا – Muslim Association of Britain).
10- فلوبوس راعي الكنيسة الإنجيليَّة وأستاذ اللَّاهوت
https://shamela.ws/author/1181
نُبذةٌ عنه:
يحمل شهادة الماجستير في اللَّاهوت مِن جامعة (برنسـتون) الأمريكيَّة.
مِن كتبه:
(محمَّدٌ في التَّوراة والإنجيل والقرآن).
(المسيح إنسانٌ لا إلهٌ).
(الإسلامُ في الكتب السَّماويَّة).
(اِعْرِف عدوَّك إسرائيل).
(الاستشراقُ والتَّبشيرُ وصلتُهما بالإمبرياليَّة العالميَّة).
(المبشِّرون والمستشرقون في العالم العربيِّ الإسلاميِّ).
وقد كان راعيًا للكنيسة الإنجيليَّة، وأستاذًا للَّاهوت، أَسْلَم على يديه عددٌ كبيرٌ من النَّاس.
ردَّه العقلُ الحرُّ:
يحدِّثنا الشَّيخ إبراهيمُ عن رحلته إلى الإسلام، فيقول:
"في مؤتمرٍ تبشيريٍّ دُعيت للكلام، فأطلتُ الكلامَ في ترديدِ كلِّ المطاعنِ المحفوظة ضدَّ الإسلام، وبعد أنْ انتهيتُ من حديثي بدأتُ أسألُ نفسي: لماذا أقول هذا وأنا أعلم أنَّني كاذبٌ؟! واستأذنتُ قبل انتهاء المؤتمر، وخرجتُ وحدي متَّجهًا إلى بيتي، كنت مهزوزًا من أعماقي، متأزِّمًا للغاية، وفي البيت قضيتُ الليلَ كلَّه وحدي في المكتبة أقرأ القرآن، ووقفت طويلًا عند الآية الكريمة:
﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وفي تلك الليلة اتَّخذتُ قرارَ حياتي فأسلمتُ، ثمَّ انضمَّ إليَّ جميعُ أولادي، وكان أكثرَهم حماسًا ابني الأكبرُ (أسامةُ)، وهو دكتورٌ في الفلسفة، ويعملُ أستاذًا لعلم النَّفس في جامعة (السُّوربون)".
قصَّتُه:
الأستاذ السَّابق بكلِّيَّة اللَّاهوت الإنجيليَّة (إبراهيم خليل فلوبوس) واحدٌ من الملايين الَّذين انقادوا لِمَا وجدوا عليه آباءَهم من غير بني الإسلام، نشأ في الكنيسة، وترقَّى في مدارس اللَّاهوت، وتبوَّأَ مكانةً مرموقةً في سُلَّم التَّنصير، وبأنامل يديه خطَّ عصارةَ خبرته الطَّويلة في عدَّة مئاتٍ من الصَّفحات، مِن خلال رسالةٍ للماجستير تحت عنوان: (كيف ندمِّر الإسلامَ بالمسلمين)؟!
في علم اللَّاهوت كان (فلوبوس) متخصِّصًا لا يُجارى، وفي منظار (النَّاسوت) كان ابنُ الكنيسة الإنجليَّة الأمريكيَّة يتيه خُيلاءَ، ولأسبابِ القوّة والمتعة والحماية المتوفِّرة ما كان (إبراهيمُ) يقيم لعلماءِ الأزهر ـوقد شفَّهم شظفُ العيش- أيَّ وزنٍ أو احترامٍ!
لكنَّ انتفاضةَ الزَّيف لم تلبثْ فجأةً أنْ خَبَتْ، وضلالاتِ التحريفِ الإنجيليِّ والتَّخريفِ التَّوراتيِّ أنِ انصدعت على غير ميعادٍ، وتساقطت إذْ ذاك غشاوةُ الوهم، وتفتَّحت بصيرةُ الفطرة، فكان لِـ (إبراهيم خليل فلوبوس) ـ وقد خطا عتبات الأربعين يوم الخامس والعشرين مِن 59- ميلادًا جديدًا.
مع الأستاذِ (إبراهيم خليل أحمد) داعيةِ اليوم كان هذا اللِّقاءُ، وعبرَ دهاليز الضَّلالة والزَّيف نحوَ عالم الحقِّ والهداية والنُّور كان هذا الحوار.
س: كيف كانت رحلة الهداية الَّتي أوصلتكَ شاطئَ الإيمان والإسلام، ومِن أين كانت البداية؟
ج: في مدينة الإسكندريَّة وفي (الثالثَ عشرَ مِن يناير عام 1919م) كان مولدي، نشأتُ نشأةً نصرانيَّةً ملتزمةً، وتهذَّبتُ في مدارس الإرساليَّة الأمريكيَّة، وتصادف وصولي مرحلةَ (الثَّقافة) المدرسيَّة مع اندلاع الحرب العالميَّة الثَّانية، وتعرضتْ مدينةُ الإسكندريَّة لأهوال قصف الطائرات فاضطررنا للهجرة إلى أسيوط؛ حيث استأنفتُ في كلِّيَّتها التَّعليمَ الدَّاخليَّ وحصلتُ على الدِّبلوم عام (1941/1942م)، وسُرعان ما تفتَّحت أمامي سُبُلُ العمل فالتحقتُ بالقوَّات الأمريكيَّة، مِن عام (1942م)، وحتَّى عام (1944م).
س: ما طبيعة هذا العمل؟ وكيف حصلتَ عليه؟
ج: كان للقوّات الأمريكيَّة حينئذٍ معاملُ كيماويَّةٌ لتحليل فلزات المعادن الَّتي تشكِّل هياكلَ الطَّائرات الَّتي تسقط مِن أجل معرفة تراكيبها ونوعيَّاتها، وبحكم ثقافتي في كلِّيَّة أسيوط ولتمكُّني مِن اللُّغة الإنجليزيَّة، ولأنَّ الأمريكان كانوا يهتمُّون اهتمامًا بالغًا بالخرِّيجين ويستوعبونهم في شركاتهم؛ فقد أَمضيتُ في هذا العمل سنتين، لكنَّ أخبار الحرب والنَّكبات دفعتني لأنْ أنظرَ إلى العالم نظرةً أعمقَ، قادتني للاتِّجاه إلى دعوة السَّلامِ وإلى الكنيسة الَّتي كانت ترصُد رغباتي وتؤجِّجُ توجُّهاتي، فالتحقتُ بكلِّيَّة اللَّاهوت سنة (1945م)، وأمضيتُ فيها ثلاث سنين.
س: ماهي الخطوط العامَّة لمنهج الكلِّيَّة؟ وأين موقع الإسلام فيه؟
ج: في الأشهر الثَّمانية الأولى كنَّا ندرسُ دراساتٍ نظريَّةً، حيثُ يقدِّم الأستاذُ المحاضرةَ على شكل نقاطٍ رئيسيَّةٍ، ونحن علينا أنْ نكملَ البحثَ مِن المكتبة، وكان علينا أنْ ندرسَ اللُّغاتِ الثَّلاثَ: اليونانيَّةَ والآراميَّةَ والعبريَّةَ، إضافةً إلى اللُّغة العربيَّة كأساسٍ، والإنجليزيَّةِ كلغةٍ ثانيةٍ.
بعد ذلك درسنا مقدِّماتِ العهد القديم والجديد، والتَّفاسيرَ والشُّروحاتِ وتاريخَ الكنيسة، ثمَّ تاريخَ الحركة التَّنصيريَّة وعلاقتَها بالمسلمين، وهنا نبدأُ بدراسة القرآن الكريم والأحاديث النَّبويَّة، ونتَّجه للتَّركيز على الفِرَق الَّتي خرجتْ عن الإسلام؛ أمثالَ: الإسماعيليَّة، والعلويَّة، والقاديانيَّة، والبهائيَّة.
وبالطَّبع كانت العنايةُ بالطُّلَّاب شديدةً؛ ويكفي أنْ أذكر أنَّنا كنَّا حوالي (12) طالبًا، وُكِّل بتدريسنا (12) أستاذًا أمريكيًّا و (7) آخرون مصريُّون.
س: هذه الدِّراسات عن الإسلام وعن الفِرَق، هل كانت للاطِّلاع العلميِّ وحسْب؟ أم أنَّ هدفًا آخر كان وراءها؟
ج: في الواقع كنَّا نؤسِّسُ على هذه الدِّراسات حواراتِنا المستقبليَّةَ مع المسلمين، ونستخدمُ معرفتنا لنحاربَ القرآنَ بالقرآن والإسلامَ (بالنُّقاط السَّوداء) في تاريخ المسلمين! كنَّا نحاورُ الأزهريِّين وأبناءَ الإسلام بالقرآن لنفتنَهم، فنستخدمُ الآياتِ مبتورةً -بعيدةً عن سياق النَّصِّ- لنخدم بهذه المغالطة أهدافَنا.
وهناك كُتُبٌ لدينا في هذا الموضوع أهمُّها: كتابُ (الهداية) مِن (4) أجزاءٍ، و (مصدر الإسلام)، إضافةً إلى استعانتنا واستفادتنا مِن كِتابات عُملاء الاستشراق؛ أمثال (طه حسين)، الَّذي استفادت الكنيسة مِن كتابه (الشِّعرُ الجاهليُّ) مائةً في المائة، وكان طلَّابُ كلِّيَّة اللَّاهوت يعتبرونَه مِن الكُتُب الأساسيَّة لتدريس مادَّة الإسلام!
وعلى هذا المنهج كانت رسالتي في الماجستير، تحت عنوان: (كيف ندمِّر الإسلام بالمسلمين) سنة (1952م)، والَّتي أمضيتُ أربع سنواتٍ في إعدادها، مِن خلال الممارسة العمليَّة للوعظِ والتَّنصير بين المسلمين، مِن بعد تخرُّجي عام (1948م).
س: كيف -إذًا- حدث الانقلاب فيك؟ ومتى اتَّجهت لاعتناق الإسلام؟
ج: كانت لي -مثلما ذكرت- صولاتٌ وجولاتٌ تحتَ لواء الحركة التَّنصيريَّة الأمريكيَّة، ومِن خلال الاحتكاك الطَّويل، وبعد الاطِّلاع المباشر على خفاياهم تأكَّد لي أنَّ المنصِّرينَ في (مصر) ما جاؤوا لِبَثِّ الدِّين؛ وإنَّما لمساندة الاستعمارِ والتَّجسُّس على البلاد!
س: وكيف؟
ج: الشَّواهد كثيرةٌ، وفي العديد مِن المواقف، فعندما كانت البلدُ تَستعدُّ للانتفاضة على الظُّلم كانت الكنيسةُ أوَّلَ مَن تدركُ ذلك؛ لأنَّ القبطيَّ والمسلمَ يعيشان على أرضٍ واحدةٍ، ويومَ يتأوَّه المسلمُ سُرعان ما يسمع النَّصرانيُّ تأوُّهاتِه فيوصلُها إلينا لنقوم بتحليلها وترجمتها بدَورنا، ومِن جانبٍ آخر كان رعايا الكنيسة في القوَّات المسلَّحة أداةً مباشرةً لنقل المعلومات العسكريَّة وأسرارها، وعن طريق المراكز التَّنصيريَّة -التَّابعة لأمريكا والَّتي تتمتَّع بالرِّعاية وبالحماية الأمريكيَّة- كانت تُدار حربُ التَّجسُّس.
ولك أنْ تعلمَ هنا أنَّ النَّصرانيَّ في (مصر) له جنسيَّتان وانتماءان: انتماؤُه للوطن الَّذي وُلِد فيه؛ وهو انتماءٌ مدنيٌّ تُعبِّر عنه جنسيَّته المصريَّة، وانتماءٌ دينيٌّ أقوى تمثِّله الجنسيَّة النَّصرانيَّة، فهو يُحسُّ في أوروبَّا وفي أمريكا بالحصانة وبأنَّه مواطنٌ مِن الدَّرجة الأولى، بينما يشعرُ النَّصارى في مصرَ أنَّهم غُرباء! تمامًا كالانتماء الإسرائيليِّ الَّذي يَعتبر انتماءَه بالرُّوح إلى أرض (أورشليم) انتماءً دينيًّا، وانتماءَه إلى الوطن الَّذي وُلِد فيه انتماءً مدنيًّا وحسب! ولذلك قام مخطَّط المنصِّرين والكنيسة على جعل (مصرَ) تدورُ في فلك الاستعمار، فلا تستطيع أن تعيشَ بعيدًا عنه، الأمرُ الَّذي جعلني أشعرُ بمصريَّتي وأُحِسُّ أنّ هؤلاء أجانبُ عنِّي، وأنّ جاريَ المسلمَ أقربُ إليَّ منهم بالفعل، فبدأتُ أتسامحُ، عفوًا أقول: (أتسامح) وأعني: أنْ أقرأ القرآنَ بصورةٍ تختلف عمَّا كنتُ أقرؤُه سابقًا.
وفي شهر يونيو -تقريبًا عام (1955م)- استمعتُ إلى قول الله سبحانه: (قل أوحي إلي أنَّه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به)، هذه الآية الكريمة مِن الغريب أنَّها رسَخت في القلب، ولَمَّا رجعتُ إلى البيت سارعتُ إلى المصحف وأمسكتُه وأنا في دهشةٍ من هذه السُّورة.
س: كيف؟
-إنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾.
(إبراهيم خليل) الَّذي كان إلى عهدٍ قريبٍ يحاربُ الإسلامَ ويقيمُ الحُججَ مِن القرآنِ والسُّنَّةِ ومِنَ الفِرَقِ الخارجة عن الإسلام لحرب الإسلام؛ يتحوَّلُ إلى إنسانٍ رقيقٍ يتناول القرآنَ الكريمَ بوقارٍ وإجلالٍ، فكأنَّ عينَيَّ رُفعت عنهما غشاوةٌ وبصري صار حديدًا، لأرى ما لا يُرى، وأُحِسَّ إشراقات الله تعالى نورًا يتلألأ بين السُّطور، فاعكتفتُ على كتاب الله، فقرأتُ قوله تعالى: (الَّذين يتبعون الرسول النبي الأمي الَّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل)، وفي سورة الصَّفِّ قرأتُ: (ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)، إذًا فالقرآن الكريم يؤكِّد أنَّ هناك تنبُّؤاتٍ في التَّوراة وفي الإنجيل عن النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا بدأتُ -ولعدَّة سنواتٍ- بدراسة هذه التَّنبُّؤات ووجدتُّها حقيقةً لم يمسَّها التَّبديلُ والتَّغييرُ؛ لأنَّ بني إسرائيل ظنُّوا أنَّها لن تخرجَ عن دائرتهم، وعلى سبيل المثال جاء في (سِفْر التَّثنية) وهو الكتاب الخامس مِن كتب التَّوراة: (أُقيم لهم نبيًّا مِن وسط إخوتهم مثلَكَ، وأَجعل كلامي في فمه فيكلِّمهم بكلِّ ما أُوصيه به).
توقَّفتُ أوَّلًا عند كلمة (إخوتهم) وتساءلتُ: هل المقصود بها (بني إسرائيل)؟ لو كان كذلك لقال: (مِن أنفسهم)، أمَا وقد قال: (مِن وسط إخوتهم) فالمرادُ بها أبناءُ العمومة، ففي (سِفْر التَّثنية) إصحاح (2) عدد (4) يقول الله لسيِّدنا موسى؛: (أنتم مارُّون بنجم إخوتكم بني عيسو…)، و (عيسو) هذا الَّذي نقول عنه في الإسلام (العيس) هو شقيق يعقوب؛، فأبناؤُه أبناءُ عمومةٍ لبني إسرائيل، ومع ذلك قال: (إخوتكم)، وكذلك أبناءُ (إسحق) وأبناءُ (إسماعيل) هم أبناءُ عمومةٍ، لأنّ (إسحقَ) شقيقُ (إسماعيل) إ، ومِن (إسحق) سلالة بني إسرائيل، ومِن (إسماعيل) كان (قيدار)، ومِن سلالته كان سيِّدنا محمَّدٌ ع، وهذا الفرع الَّذي أراد بنو إسرائيل إسقاطَه، وهو الَّذي أكَّدَته التَّوراة؛ حين قالت: (مِن وسط إخوتهم)، أي مِن أبناء عمومتهم .
وتوقّفْتُ بعدَ ذلك عند لفظة: (مثلك)، ووضعتُ الأنبياءَ الثلاثةَ: موسى، وعيسى، ومحمَّدٍ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ للمقابلة؛ فوجدتُ أنَّ عيسى؛ مختلِفٌ تمامَ الاختلافِ عن موسى وعن محمَّدٍ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفقًا للعقيدة النَّصرانيَّة ذاتِها -والَّتي نرفضها بالطَّبع - فهو الإلهُ المتجسِّدُ، وهو ابنُ الله حقيقةً، وهو (الأقنوم الثَّاني) في (الثَّالوث)، وهو الَّذي مات على الصَّليب .. أمَّا موسى؛ فكان عبدَ الله، وكان رجلًا، وكان نبيًّا، ومات ميتةً طبيعيَّةً ودُفن في قبرٍ كباقي النَّاس، وكذلك سيُّدنا رسولُ الله محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.
إذًا فالتماثلُ إنّما ينطبق على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، بينما تتأكَّد المغايرة بين المسيح وموسى إ، وذلك وفقًا للعقيدة النَّصرانيَّة ذاتها!
فإذا مضينا في بقيَّة العبارة: (وأجعل كلامي في فمه...) ثمَّ بحثنا في حياة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فوجدناه أمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، ثمَّ لم يلبث أنْ نطقَ بالقرآن الكريم المعجزة فجأةً يوم أنْ بلغ الأربعين.. وإذا عدنا إلى نبوءةٍ أخرى في التَّوراة (سِفْر أشعيا) إصحاح (79) تقول: (أو يرفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ويقول له: اقرأ، يقول: ما أنا بقارئٍ...)؛ لوجدنا تطابقًا كاملًا بين هاتين النُّبوءتين وبين حادثة نزولِ جبريل بالوحي على رسول الله في غار حراء، ونزولِ الآيات الخمس الأولى مِن سورة (العلق).
س: هذا عن التَّوراة، فماذا عن الإنجيل وأنت الَّذي كنت تدين به؟
إذا استثنينا نبوءات (برنابا) الواضحة والصَّريحة ببعثة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بالاسم، وذلك لعدم اعتراف الكنيسة بهذا الإنجيل أصلًا؛ فإنَّ المسيح؛ تنبَّأ في إنجيل (يوحنَّا) تسع نبوءاتٍ، وكلمة (البرقليط) -الَّذي بشَّر به (يوحنَّا) مرَّاتٍ عديدةٍ- لها خمسةُ معانٍ: (المعزِّي، والشَّفيع، والمحامي، والمحمَّد، والمحمود)، وكلٌّ مِن هذه المعاني ينطبق على سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تمامَ الانطباق: فهو (المعزّي) المواسي للجماعة الَّتي على الإيمان وعلى الحقِّ مِن بعد الضَّياع والهبوط، وهو (المحامي) والمدافع عن عيسى ابن مريم؛ وعن كلِّ الأنبياء والرُّسل بعدما شوَّه اليهودُ والنَّصارى صورتَهم وحرَّفوا ما أَتَوا به وهو الإسلام.. ولهذا جاء في إنجيل (يوحنَّا) إصحاح (14) عدد (16-17): (أنا أصلِّي إلى الله ليعطيكم معزِّيًا آخر، ليمكث معكم إلى الأبد روح الحقّ)، وقال في نبوءةٍ أخرى إصحاح (16) عدد (13-14): (وأمَّا متى جاء ذاك الرُّوح الحقُّ فهو يرشدكم إلى جميع الحقِّ؛ لأنَّه لا يتكلَّم مِن نفسه، بل كلُّ ما يسمع يتكلَّم به، ويخبركم بأمورٍ آتيةٍ، ذاك يمجِّدني)، وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾.
س: كيف كانت لحظة إعلانك للإسلام؟ وكيف كانت بداية الحياة الجديدة في رحاب الهداية والحقِّ؟
بعد أنْ وصلتُ إلى اليقين وتلمَّستُ الحقائق بيديَّ كان عليَّ أنْ أتحدَّث مع أقرب النَّاس إليَّ: زوجتي، لكنَّ الحديثَ تسرَّبَ عن طريقها إلى الإرساليَّة للأسف، وسُرعان ما تلقَّفوني ونقلوني إلى المستشفى تحت مراقبةٍ صارمةٍ، مدَّعين أنِّي مختلُّ العقلِ! ولأربعةِ شهورٍ تلَتْ عشْتُ معاناةً شديدةً جدًّا، ففرَّقوا بيني وبين زوجتي وأولادي، وصادروا مكتبتي؛ وكانت تضمُّ أُمَّهات الكُتُب والموسوعات.. حتَّى اسمي كعضوٍ في مجمَّع (أسيوط) وفي مؤتمر (سنودس) شُطِب، وضاع ملفِّي كحاملِ ماجستير مِن كلِّيَّة اللَّاهوت.. ومِن المفارقات العجيبة أنَّ الإنجليزَ في هذه الآونة كانوا قد خلعوا أحد الملوك مِن عرشه بتهمة الجنون.. فخشيت أنْ يحدث معي الأمرُ ذاتُه.. لذلك التزمت الهدوءَ والمصابرةَ وصمدتُ حتَّى أُطلِق سراحي، فقدَّمْتُ استقالتي مِن الخدمة الدِّينيَّة، واتَّجهت للعمل في شركةٍ أمريكيَّةٍ للأدوات المكتبيَّة، لكنَّ الرقابة هناك كانت عنيفةً جدًّا، فالكنيسة لا تترك أحدًا مِن أبنائها يخرج عليها ويَسْلَم: إمّا أن يقتلوه، أو يدسُّوا عليه الدَّسائسَ ليحطِّموا حياته..
وفي المقابل: لم يكن المجتمع المسلم حينذاك ليقدر على مساعدتي.. فحقبة الخمسينات والستِّينات -كما تعلمون- كانت تصفيةً لبعض الجماعات، وكان الانتماء للإسلام والدِّفاع عنه حينذاك لا يعني إلَّا الضَّياع! ولذلك كان عليَّ أنْ أكافح قدْرَ استطاعتي، فبدأتُ العمل التِّجاريَّ، وأنشأتُ مكتبًا تجاريًّا، هرعت بمجرَّد اكتماله للإبراق إلى (د. جون تومسون) رئيس الإرساليَّة الأمريكيَّة حينذاك، وكان التَّاريخ هو (الخامس والعشرين مِن ديسمبر 1959م)، والَّذي يوافق (الكريسماس)، وكان نصُّ البرقيَّة: (آمنت بالله الواحد الأحد، وبمحمَّدٍ نبيًّا ورسولًا).
لكنَّ إشهار اعتناقي الرَّسميَّ للإسلام كان يفترض عليَّ -وفقَ الإجراءات القانونيَّة- أنْ ألتقي بلجنةٍ مِن الجنسيَّة الَّتي أنا منها؛ لمراجعتي ومناقشتي.
وفي الوقت الَّذي رفضت جميع الشَّركات الأوربيَّة والأمريكيَّة التَّعاملَ معي تشكَّلت اللَّجنة المعنيَّة مِن سبعة قساوسةٍ بدرجة الدُّكتوراه.. خاطبوني بالتَّهديد والوعيد أكثر مِن مناقشتي! وبالفعل تعرَّضتُ للطَّرد مِن شقَّتي لأنَّني تأخَّرت شهرين أو ثلاثةً عن دفع الإيجار، واستمرَّت الكنيسة تدسُّ عليَّ الدَّسائس أينما اتَّجهت.. وانقطعت أسباب تجارتي.. لكنِّي مضيتُ على الحقِّ الَّذي اعتنقته.. إلى أنْ قدَّر الله أن تبلَّغَ أخباري وزيرَ الأوقاف حينذاك، والَّذي استدعاني لمقابلته وطلب منِّي المساهمةَ في العمل الإسلاميِّ بوظيفةِ (سكرتير لجنة الخبراء في المجلس الأعلى للشُّؤون الإسلاميَّة)، فكنتُ في منتهى السَّعادة في بادئ الأمر، لكنَّ الجوَّ الَّذي انتقلتُ إليه كان -وللأسف- مسمومًا، فالشَّباب يدرَّبون على التَّجسُّس بدلَ أن يتَّجهوا للعلم! والموظَّفون مشغولون بتعليمات (منظَّمة الشَّباب) عن كلِّ مهامِّهم الوظيفيَّة، وكان التَّجسُّس على الموظَّفين وعلى المديرين، وعلى وكلاء الوزارة.. حتَّى يتمكَّن الحاكم مِن أنْ يمسكَ هؤلاء جميعًا بيدٍ مِن حديدٍ! ولَكَمْ تركتُ أشيائي منظَّمةً كلَّها في درج مكتبي، لأجدها في اليوم الثَّاني مبعثرةً!
وعلى هذه الصُّورة مضتِ الأيامُ وأراد الله سبحانه أن يأتي وزيرًا للأوقاف جديدا بعد الوزير السابق، وكان الوزير الجديد قد تربَّى تربيةً ألمانيَّةً منضبطةً، لكنَّ -سكرتير المجلس الأعلى للشُّؤون الإسلاميَّة، وأحدَ ضبَّاط الصَّفِّ الثَّاني للثَّورة- تصدَّى له.. وحدث أنِ استدعاني الوزير الجديد في يومٍ مِن الأيام بعدما صدر كتابي: (المستشرقون والمنصِّرون في العالم العربيِّ والإسلاميِّ)، وأحبَّ أن يتعرَّفَ عليَّ.. فترامى الخبر إلى (سكرتير المجلس الأعلى للشُّؤون الإسلاميَّة) واعتقد أنَّني مِن معسكر (الوزير الجديد).. ووجدتُ نفسي -فجأةً- أتلقَّى الإهانة مِن مدير مكتبه، وهو يقول لي: (اتفضَّل على الوزارة الَّتي تحميك!)، خرجتُ والدُّموعُ في عينيَّ، وقد وجدتُّهم صادروا كُتبي الخاصَّةَ مِن مكتبي، ولم يُبقوا لي إلَّا شيئًا بسيطًا، حملتُه ورجعتُ إلى الوزارة.. وهناك عمِلتُ كاتب واردٍ بوساطةٍ! فكان يومُ خروجي على المعاش بتاريخ (12/1/1979م)، وقد بلغت السِّتِّين.
ومِن ذلك اليوم بدأ (إبراهيم خليل) يتبوَّأ مركزَه كداعيةٍ إسلاميٍّ.
وكان أوَّل ما نصرني الله به أنِ التقيتُ مع الدُّكتور (جميل غازي): بِـ ( 13) قسِّيسًا في السُّودان، في مناظرةٍ مفتوحةٍ، انتهتْ باعتناقهم الإسلامَ جميعًا، وهؤلاء كانوا سببَ خيرٍ وهدايةٍ لغرب السُّودان؛ حيث دخل الألوفُ مِن الوثنيِّين وغيرِهم دينَ الله على أيديهم.
11- الدُّكتور وديع بطرس الشَّمَّاس المصريّ سابقًا
https://www.youtube.com/watch?v=RDR6yQWe-Jo&t=60s
https://www.youtube.com/watch?v=vRNuGuVE8Lc&t=300s
الحمدُ لله على نعمة الإسلام، فهو نعمةٌ كبيرةٌ لا تدانيها نعمةٌ؛ لأنَّه لم يَعُدْ على الأرض مَنْ يعبدُ الله وحدَه إلَّا المسلمين. ولقد مررتُ برحلةٍ طويلةٍ -قاربت أربعين عامًا- إلى أنْ هداني الله، وسوف أصفُ لكم كل مراحلَ هذه الرِّحلة من عُمُري:
مرحلةُ الطفولة: (زرعُ ثمارٍ سوداء).
كان أبي واعظًا في (الإسكندريَّة) في (جمعيَّة أصدقاء الكِتاب المُقدَّس)، وكانت مهنتُه التَّبشيرَ في القرى الفقيرة؛ لمحاولة جذب فقراء المسلمين إلى المسيحيَّة. وأصرَّ أبي أن أنضمَّ إلى (الشَّمامسة) منذُ أن كان عُمُري ستَّ سنواتٍ، وأنْ أنتظم في دروس مدارس الأحد؛ فهناك يزرعون بذور الحقد السَّوداء في عقول الأطفال، ومنها:
المسلمون اغتصبوا مصر من المسيحيِّن وعذَّبوا المسيحيِّن.
المسلم أشدُّ كفرًا من البوذيِّ وعابد البقر.
القرآن ليس كتابَ الله؛ ولكنَّ محمَّدًا اخترعه.
المسلمون يضطهدون النَّصارى لكي يتركوا مصر ويهاجروا...
وغيرُ ذلك من البذور التي تَزرع الحقد الأسود ضدَّ المسلمين في قلوب الأطفال...
وفى هذه الفترة المحرجة كان أبي يتكلَّم معنا -سرًّا- عن انحراف الكنائس عن المسيحيَّة الحقيقيَّة الَّتي تحرِّمُ الصَّورَ والتَّماثيلَ والسَّجودَ للبطرك والاعترافَ للقساوسة.
مرحلة الشَّباب (نضوج ثمار الحقد الأسود):
أصبحتُ أستاذًا في مدارس الأحد ومعلِّمًا للشَّمامسة، وكان عمري ثمانية عشر عامًا، وكان عليَّ أنْ أَحضر دروس الوعظ في الكنيسة والزَّيارة الدَّوريَّة للأديرة، خاصَّةً في الصَّيف، حيثُ يتمُّ استدعاء متخصِّصين في مهاجمة الإسلام والنَّقد اللَّاذع للقرآن ومحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وما يُقال في هذه الاجتماعات:
القرآن مليءٌ بالمتناقضات، ثمَّ يذكروا نصفَ آيةٍ مثل: (ولا تقربوا الصَّلاة...).
ومِن هذا الاستهزاء بالقرآن الكريم ومحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الكثيرُ والكثيرُ...
أسئلةٌ محيِّرةٌ:
الشَّباب في هذه الفترة -وأنا منهم- نسأل القساوسة أسئلةً كانت تحيِّرنا:
شابٌّ مسيحيٌّ يسأل: ما رأيك بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟
القسِّيس يجاوب: هو إنسانٌ عبقريٌّ وذكيٌّ.
هناك الكثير مِن العباقرة مثل: (أفلاطون، سقراط، حامورابي...)، ولكن لم نجد لهم أتباعًا ودينًا ينتشر بهذه السُّرعة إلى يومنا هذا، لماذا؟
يحتار القسِّيس في الإجابة.
شابٌّ أخر يسأل: ما رأيك بالقرآن؟
ج: كتابٌ يحتوي على قصصٍ للأنبياء، ويحضُّ النَّاس على الفضائل، ولكنَّه مليءٌ بالأخطاء.
س: لماذا تخافون أنْ نقرأَه؟ وتكفِّرون مَنْ يلمسه أو يقرؤه؟
ج: يصرُّ القسِّيس أنَّ مَن يقرأه كافرٌ، دون توضيحِ السَّبب!
يسأل آخر: إذا كان محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم كاذبًا؛ فلماذا تركه الله ينشر دعوته (23) سنةً، بل وما زال دِينه ينتشر إلى الآن، مع أنَّه مكتوبٌ في كتاب موسى؛ (كتاب ارميا): (إنّ الله وعد بإهلاك كلِّ إنسانٍ يدَّعي النُّبوَّة هو وأسرته في خلال عام)؟
يجيب القسِّيس: لعلَّ الله يريد أن يختبر المسيحيِّين به.
مواقف محيِّرة:
في عام (1971م) أصدر البطرك (شنودة) قرارًا بحرمان الراهب (روفائيل) -راهب دير مينا- مِن الصَّلاة، لأنَّه لم يذكر اسمه في الصَّلاة، وقد حاول الرّاهب (صموائيل) إقناعه بالصَّلاة بأنَّه يصلِّي لله وليس للبطرك، ولكنَّه خاف أن يحرمه البطرك مِن الجنَّة أيضًا!
وتسائل الرَّاهب (صموائيل): هل يجرؤ شيخ الأزهر أنْ يحرم مسلمًا من الصَّلاة؟ مستحيلٌ.
أشدُّ ما كان يحيِّرني هو معرفتي بتكفير كلِّ طائفةٍ مسيحيَّةٍ للأخرى، فسألت القمصَ (ميتاس روفائيل) أَبَ اعترافي، فأكَّد هذا، وأنَّ هذا التَّكفير نافذٌ في الأرض والسَّماء.
فسألته متعجِّبًا: معنى هذا أنَّنا كفَّارٌ لتكفير بابا روما لنا؟
أجاب: للأسف نعم.
سألته: وباقي الطَّوائف كفَّارٌ بسبب تكفير بطرك الإسكندريَّة لهم؟
أجاب: للأسف نعم.
سألته: وما موقفنا إذًا يوم القيامة؟
أجاب: الله يرحمنا!
بداية الاتِّجاه نحو الإسلام:
وعندما دخلتُ الكنيسة ووجدت صورةَ المسيح وتمثالَه يعلو هيكَلها سألت نفسي: كيف يكون هذا الضَّعيفُ المهانُ الَّذي استُهْزِئ به وعُذَّب ربًّا وإلهًا؟
المفروض أنْ أعبد ربَّ هذا الضَّعيف الهاربِ مِن بطش اليهود.
وتعجَّبتُ حين علمت أنَّ التَّوراةَ قد لعنتْ الصَّليب والمصلوب عليه، وأنَّه نجسٌ وينجِّس الأرض الَّتي يُصلب عليها[8]! تثنية (21: 22-23).
وفي عام (1981م) كنت كثيرَ الجدل مع جاري المسلم (أحمد محمد الدمرداش حجازيّ)، وذات يومٍ كلَّمني عن العدل في الإسلام: في الميراث، في الطَّلاق، القصاص... ثمَّ سألني: هل عندكم مثلُ ذلك؟ أجبت: لا، لا يوجد.
وبدأتُ أسأل نفسي: كيف أتى رجلٌ واحدٌ بكلِّ هذه التَّشريعات المحكمَة والكاملة في العبادات والمعاملات بدون اختلافاتٍ؟ وكيف عجزتْ مليارات اليهود والنَّصارى عن إثباتِ أنَّه مخترَعٌ؟
مِن عام (1982م) وحتَّى (1990م): كنت طبيبًا في مستشفى (صدر كوم الشَّقافة)، وكان الدُّكتور (محمَّدٌ الشَّاطبيُّ) دائمَ التَّحدُّثِ مع الزَّملاء عن أحاديث محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وكنتُ في بداية الأمر أشعرُ بنار الغيرة، ولكن بعد مرور الوقت أحببتُ سماع هذه الأحاديثِ: القليلةِ الكلام، الكثيرةِ المعاني، الجميلةِ الألفاظ والسِّياق، وشعرتُ وقتَها أنَّ هذا الرَّجل نبيٌّ عظيمٌ.
هل كان أبي مسلمًا:
مِن العوامل الخفيَّة الَّتي أثَّرت على هدايتي هي الصَّدمات الَّتي كنت أكتشفها في أبي، ومنها:
هجر الكنائس والوعظ والجمعيَّات التَّبشيريَّة تمامًا.
كان يرفض تقبيل أيدي الكهنة (وهذا أمر عظيمٌ عند النَّصارى).
كان لا يؤمن بالجسد والدَّم (الخبز والخمر)، أي لا يؤمن بتجسيد الإله.
بدلًا مِن نزوله صباح يوم الجمعة للصَّلاة أصبح ينامُ، ثمَّ يغتسل وينزل وقت الظهر!
ينتحل الأعذار للنُّزول وقت العصر، والعودة متأخِّرا وقت العِشاء.
أصبح يرفض ذهاب البنات للكوافير.
ألفاظٌ جديدةٌ أصبح يقولها: (أعوذ بالله مِن الشَّيطان)، (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله)...
وبعد موت أبي (1988م) وجدتُ في الإنجيل الخاصِّ به قصاصاتِ ورقٍ صغيرةً، يوضِّح فيها أخطاءً موجودةً في الأناجيل وتصحيحها.
وعثرتُ على إنجيل جدِّي (والد أبي)، طبعة (1930م)، وفيها توضيحٌ كاملٌ عن التَّغيُّرات الَّتي أحدثها النَّصارى فيه، منها تحويل كلمة: (يا معلِّم) و (يا سيِّد) إلى (يا ربّ)! ليوهموا القارئ أنَّ عبادةَ المسيح كانت منذ ولادته.
الطَّريق إلى المسجد:
وبالقرب مِن عيادتي يوجد مسجدُ (هدى الإسلام)، اقتربتُ منه وأخذتُ أنظر بداخله، فوجدته لا يشبه الكنيسة مطلقًا (لا مقاعد، لا رسوماتٍ، لا ثريَّاتٍ ضخمةً، لا سجَّادًا فخمًا، لا أدواتِ موسيقى وإيقاع، لا غناءَ، لا تصفيقَ)، ووجدتُ أنَّ العبادة في هذه المساجد هي الرُّكوع والسُّجود لله فقط، لا فرقَ بين غنيٍّ وفقيرٍ، يقفون جميعًا في صفوفٍ منتظمةٍ، وقارنتُ بين ذلك وعكسِه الَّذي يحدث في الكنائس، فكانت المقارنة دائمًا لصالح المساجد.
في رحاب القرآن:
وددتُ أنْ أقرأ القرآن، فاشتريتُ مصحفًا وتذكَّرتُ أنَّ صديقي (أحمد الدّمرداش) قال: إنَّ القرآنَ ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ واغتسلت ولم أجد غيرَ ماءٍ باردٍ وقتها، ثمَّ قرأتُ القرآنَ وكنتُ أخشى أنْ أجدَ فيه اختلافاتٍ (بعد ما ضاعت ثقتي بالتَّوراة والإنجيل)، وقرأتُ القرآن في يومين، ولكنِّي لم أجدْ ما كانوا يعلِّمونا إيَّاه في الكنيسة عن القرآن.
الأعجبُ مِن هذا أنَّ مَن يكلِّم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم يخبره أنَّه سوف يموت! مَن يجرؤ أن يتكلَّم هكذا إلَّا الله؟! ودعوتُ الله أنْ يهديني ويرشدني.
الرُّؤيا:
وذات يومٍ غلبني النَّومُ؛ فوضعتُ المصحف بجواري، وقُرب الفجر رأيت نورًا في جدار الحجرة، ظهر منه رجلٌ وضيءُ الوجه، فاقترب منِّي وأشار إلى المصحف، فمددتُ يدي لأسلِّم عليه، لكنَّه اختفى، ووقع في قلبي أنَّ هذا الرجل هو النَّبيُّ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، يشير إلى أنَّ القرآن هو طريق النُّور والهداية.
أخيرًا: أسلمتُ وجهيَ لله:
وسألتُ أحد المحامين؛ فدلَّني على أنْ أتوجَّه لمديريَّة الأمن -قسم الشؤون الدينيَّة- ولم أنم تلك اللَّيلةَ، وراودني الشَّيطانُ كثيرًا (كيف تترك دينَ آبائك بهذه السُّهولة)؟
وخرجتُ في السَّادسة صباحًا ودخلت كنيسة (جرجس وأنطونيوس)، وكانت الصَّلاة قائمةً، وكانت الصَّالةُ مليئةً بالصُّور والتَّماثيل للمسيح ومريمَ والحواريِّين، وأخرى للبطرك السَّابق (كيرلس)، فكلَّمتهم: (لو أنَّكم على حقٍّ وتفعلون المعجزات كما كانوا يعلِّمونا فافعلوا أيَّ شيء.. أيَّةَ علامةٍ أو إشارةٍ، لأعلم أنَّني أسير في الطَّريق الخطأ)، وبالطَّبع لا إجابة.
وبكيتُ كثيرًا على عُمُرٍ كبيرٍ ضاع في عبادةِ هذه الصُّور والتَّماثيل، وبعد البكاء شعرتُ أنَّني تطهَّرتُ مِن الوثنيَّة، وأنَّني أسير في الطَّريق الصَّحيح؛ طريقِ عبادة الله حقًّا.
وذهبتُ إلى المديريَّة.. وبدأتُ رحلةً طويلةً شاقَّةً مع الرُّوتين ومع معاناةٍ مع البيروقراطيَّة وظنونِ النَّاس، وبعد عشرةِ شهورٍ تمَّ إشهارُ إسلامي مِن الشَّهر العقاريِّ، في (أغسطس 1992م).
اللهم أحيني على الإسلام، وتوفَّني على الإيمان.
اللهم احفظ ذرِّيَّتي مِن بعدي خاشعين، عابدين، يخافون معصيتك، ويتقرَّبون بطاعتك.
وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.
الُّدكتور وديع بطرس
12- القسُّ والعالم الأمريكيُّ الدُّكتور جيرالد ديركس
الحاصل على الماجستير في اللَّاهوت مِن جامعة
(هارفارد)
https://www.youtube.com/watch?v=tq0ngPx_yoc&t=26s
https://www.youtube.com/watch?v=xrygGuthLUE
كتابٌ مِن كتبه كان سببًا في إسلام أكثر مِن مائتي أمريكيٍّ
الدُّكتور جيرالد ديركس Dr. Jerald Dirks هو شمَّاسٌ سابقٌ للكنيسة الميثوديَّة المتَّحدة، وهو حاصلٌ على درجة الماجستير في اللَّاهوت من جامعة (هارفارد)، ودرجة الدُّكتوراه في علم النَّفس من جامعة (دنفر)، ومؤلِّفٌ لكتبٍ كثيرةٍ منها كتاب (الصَّليب والهلال)، وكتاب (حوار الأديان بين المسيحيَّة والإسلام) (2001)، وكتاب (إبراهيم: خليل الله) (2002)، وقد نشر أكثرَ من 60 مقالةً في مجال علم النَّفس الإكلينيكيِّ، وأكثرَ من 150 مقالةٍ عن الخيول العربيَّة الأصيلة.
نشأ الدُّكتور (جيرالد ديركس) في مجتمعٍ ريفيٍّ صغيرٍ في (كانساس)؛ حيث كانت الكنيسة هي مركز الحياة، وكانت بلدةً صغيرةً يسكنها حوالي خمسمائة شخصٍ، وكان لديهم ثلاثُ كنائس، وفي كلِّ صيفٍ كانت تُقام حفلات (الآيس كريم) في الكنائس، والكنائسُ كانت تمثِّل -بحقٍّ- مركزًا لحياة المجتمع، وهكذا كان الأمر بالنَّسبة لعائلته، كان يذهب هو وعائلته إلى الكنيسة الميثوديَّة المحلِّيَّة.
وفي فترة طفولته كان منهمكًا بشِدَّةٍ في تجميع أقلام الحضور الممتازة مِن مدرسة الأحد، وكذلك جوائز حفظ نصوص الإنجيل، وعندما وصل إلى المرحلة الإعداديَّة كان يعتبر أنَّ الكهنوت يناديه نداءً شخصيًّا.
وفي ذلك الوقت خلال الأحد الشَّبابيِّ السَّنويِّ كان دائمًا يتمُّ اختياره لكي يقدِّم الموعظة، ثمَّ بعد فترةٍ أصبح يُلقي مواعظَ في الكنائس القريبة الأخرى في المناسبات، وكذلك في دُور التَّمريض وفي منظَّماتٍ أخرى لها علاقةٌ بالكنيسة، وكان عمُرُه حينها أربعَ عشرةَ سنةً، ثمَّ أكمل في ذلك الاتِّجاه حتَّى دخل جامعة (هارفارد) في سنِّ السَّابعةَ عشرةَ، ودرس الفلسفة كأساسٍ خلال فترة دراسته في الكلِّيَّة، وواصل في ذلك الاتِّجاه...
وفي سنة (1969م) تلقَّى رخصة الخطابة مِن الكنيسة الميثوديَّة المتَّحدة.
وفي سنة (1971م) تخرَّج مِن الجامعة كطالبٍ في المرحلة الجامعيَّة الأولى.
ودخل كلِّيَّة اللَّاهوت بجامعة (هارفارد) لمدَّة ثلاث سنواتٍ للحصول على درجة الماجستير في علم اللَّاهوت.
وفي سنة (1972م) عُيِّن شمَّاسًا في الكنيسة الميثوديَّة المتَّحدة.
وفي سنة (1974م) تخرَّج بشهادة الماجستير مِن كلِّيَّة اللَّاهوت بجامعة (هارفارد)، وقضى صيف ذلك العام كقسِّيسٍ في الكنائس المحلِّيَّة في (كانساس).
ولكن في خريف عام (1974م) ترك الكهنوت، إلَّا أنَّه بقي معيَّنًا كقسِّيسٍ، لكنَّه لم يعظ مجدَّدًا بعد خريف عام (1974م).
الدُّكتور (عبد الرَّحمن أبو المجد) في حوارٍ معه:
شقَّ الدُّكتور (جيرالد إف ديركس) أبو يحيى، والسَّيِّدة (ديبرا إل ديركس) أمُّ يحيى طريقَهما للإسلام مِن خِلال العديد مِن السُّبُل والطُّرق، ونطقا الشَّهادة في عام (1993م).
والحمدُ لله مرَّت رحلتهما بالعديد مِن المراحل؛ من خِلال دراسةِ التَّاريخ العربيِّ، واللَّاهوت المسيحيِّ، ودراساتٍ في الكتاب المُقدَّس والتَّاريخ القديم والحديث، ولا تَزال الرِّحلةُ مستمرَّةً حتَّى اليوم.
ويعتَبِرون أنفسَهم طلَّابًا يدرسون الإسلام، ودائمًا ما يتعلَّمون ويُشارِكون الآخَرين، وحاليًّا يكتُب الدُّكتور والسَّيِّدة (ديركس) بعضَ الكتب، ويُنظِّمون ورش عملٍ، ويُلقون المحاضراتِ في جميع أنحاء العالم.
كتب الدُّكتور (جيرالد) عدَّة كتبٍ مهمَّةٍ؛ منها: (إبراهيم خليل الله)، و (فهم الإسلام)، و (الدِّيانات الإبراهيميَّة)، و (الصَّليب والهلال)، و (رسائل إلى شيوخي عن الإسلام)، و (المسلمون في التَّاريخ الأميركيِّ).
https://postimg.cc/WhNPq9Ff
https://postimg.cc/jD9V9t8G
ولم ينتهِ بعدُ مِن كتابه الأخير (ما لن تتعلَّمه في مدرسة الأحد)، وبالإضافة إلى ذلك فقد كتب خمسة فصولٍ حول سُهولة فهْم الإسلام، وكانت (إس ديبرا) المحرِّر المشارك له في كتاب: (الإسلام خِيارُنا).
https://postimg.cc/c6NW01sW
أخبارٌ سارَّةٌ:
سوف تقوم بعض كبرى دُور النَّشر العربيَّة -إنْ شاء الله- بترجمة بعضٍ مِن كتب الدُّكتور (ديركس) إلى العربيَّة، ولن يمرَّ وقتٌ طويلٌ حتَّى يتمَّ ترجمة كلِّ كتب الدُّكتور (ديركس) إنْ شاء الله..
جديرٌ بالذِّكر أنَّ (د. ديركس)، و (د. لورانس براون)، و (د. جونثان براون)، و (د. أحمد فينسينزو) مِن أقوى المرشَّحين بالفوز في مُسابَقة جائزة (محمَّدٌ رسول الله) العالميَّة:
The award of "Muhammad is the Messenger of God“
2011 الَّتي ترعاها الجمعيَّة الدُّوليَّة للعلوم والثَّفاقة في (السُّويد).
وقد أُجرِيت المقابلة الآتية مع الدُّكتور (ديركس):
د. عبد الرَّحمن: أوَّلًا: أهلًا، عُدْتَ بسلامة الله، عندما سألتُ عنك الأسبوع الماضي قالت لي (أمُّ يحيى): إنَّك كنت مسافرًا لإلقاء بعض المحاضرات، هل لك أنْ تخبرنا أين كنت تُلقِي تلك المحاضرات؟ وحول أيِّ موضوعٍ كانت؟
الدُّكتور (ديركس): ألقيتُ محاضرتين في جامعة (واشنطن)، كجزءٍ مِن أسبوع التَّوعية الإسلاميَّة لرابطة الطُّلَّاب المسلمين، وكانت إحدى المحاضرات عن القواسم المشترَكة الَّتي يمكن العُثور عليها بين الأديان الإبراهيميَّة الثَّلاث: اليهوديَّة، والنَّصرانيَّة، والإسلام.
وكانت المحاضرة الثَّانية لدحض الادِّعاء الخاطئ بأنَّ مفهوم الإسلام عن الله ليس هو إله المحبَّة.
س: كيف عرفت أنَّ الإسلام هو الدِّين الحقُّ؟
الدُّكتور (ديركس): عندما يقومُ شخصٌ ما بسُؤالي عن: لماذا أصبحت مسلمًا؟ عادةً أقول: إنَّ هناك جوابًا طويلًا وجوابًا قصيرًا..
الجواب الطَّويل يشمل جميع العوامل الَّتي ذكرتها في مقدِّمَتك، وسوف يتجاوَز ذِكرها المدَّة المسموح بها في هذه المقابلة. والجواب القصير هو: أنا أقول دائمًا أنَّ السَّبب هو (المدرسة والتَّعليم الجيِّد)، وأعني بذلك: أنَّ التَّعليم الجيِّد، وبرنامجَ دراساتِ ما بعد البكالوريا لأصبح كاهنًا كانا هما السَّببَ الرَّئيسَ في اعتناقي الإسلام، وتشمل دراسةَ:
أساسيَّاتٍ شاملةٍ في: الكتاب المُقدَّس، وإضافاته، والمحذوف منه، وترجمته المضلَّلة، وتناقضاته الدَّاخليَّة، وعمليَّة الانتقاء منه، والَّتي وصلتْ إلى تحديد الكتب والصَّفحات الَّتي تُقبَل منه والصَّفحات الَّتي لا تُقبَل.
التَّاريخ النَّصرانيُّ المبكِّر، والمكايد الَّتي وصَلتْ إلى حدِّ صياغة وتدوين المذاهب النَّصرانيَّة المختلفة، بما في ذلك الصِّراع الَّذي كان محتدمًا بين (بولس الطَّرسوسيّ) اليهوديَّ والكنيسة النَّصرانيَّة، والَّتي وضعها أتْباع المسيح؛، هذه المعرفة تجعل مِن المستحيل تقريبًا قبولَ هذه الأسس المسيحيَّة؛ مثل الثَّالوث، والجمعَ بين ألوهيَّةِ وبشريَّةِ عيسى؛.
https://postimg.cc/LJhKNnVt
والحمدُ لله، كنتُ محظوظًا بما فيه الكفاية لتلقِّي مثل هذا التَّعليم في سِياق الحصول على درجة الماجستير في اللَّاهوت مِن كلِّيَّة اللَّاهوت في جامعة (هارفارد)، وبعد ذلك وعلى الرُّغم مِن أنَّني كنتُ كاهنًا في الكنيسة الميثوديَّة المتَّحدة، وتجنَّبتُ رئاسة الإبراشيَّة حتَّى أصبح طبيبًا نفسيًّا ممارسًا، واعتبرت نفسي (نموذجًا نصرانيًّا غيرَ تقليديٍّ)؛ أي: شخصًا لا يُؤمن بألوهيَّة المسيح؛ أو بالثَّالوث.
وبعد ذلك بسنواتٍ عدَّةٍ تعرَّفتُ على بعض العائلات المسلمة في منطقة (دنفر) و (كولورادو)، وبدأتُ بدِراسة الإسلام؛ ففي صفحات القُرآن اكتشفتُ معرفة الكتاب المُقدَّس والتَّاريخ النَّبويِّ والعرب الأُمِّيِّين في المملكة العربيَّة في القرن السَّابع، وهناك مثالان يمكن مِن خلالهما توضيح هذا:
أوَّلًا: يُشِير القُرآن باستمرارٍ إلى الحاكم المصريّ يوسف؛ كملكٍ، في حين أنَّ الكتاب المُقدَّس يشير دائمًا إلى هذا الحاكم كفرعون، وفي المقابل فإنَّ كلًّا مِن القُرآن والكتاب المُقدَّس يُشِيران إلى الحاكم المصريِّ الَّذي كان يحكُم موسى؛ بِـ (فرعون)، وهذا أمرٌ مهمٌّ؛ لأنَّ ملوك مصر لم يعتمدوا لقب (فرعون) بعد حكم يوسف، ولكن قبل زمن موسى، وهذه حقيقةٌ لم تكن معروفةً إلَّا بعد الاكتشافات الأثريَّة الَّتي تَمَّ اكتشافُها بعدَ نزول القُرآن الكريم.
ثانيًا: أنَّ القرآن يتضمَّن قصَّةً غير موجودةٍ في الكتاب المُقدَّس عن إبراهيم، واستخدامِه لمنطق التَّوحيد عن طريق ملاحظة الظَّواهر الطَّبيعيَّة؛ مثل الشَّمس والقمر والنُّجوم، وهذا أمرٌ مهمٌّ لم يُكتَشف إلَّا في حفريَّات القرن العشرين مِن عصر (أور)، وهو وقت طفولة إبراهيم، كما تَمَّ اكتشاف أنَّ المعبد كان مقسَّمًا في (أور القديمة) إلى ثالوثٍ نجميٍّ، يتألَّف مِن: الشَّمس، والقمر، والزَّهرة (وهي نجمة المساء والصَّباح).
https://postimg.cc/dL5c28GQ
س: ركَّزتَ في كتابك الأوَّل (الصَّليب والهلال) على أوجُه التَّشابه والاختلاف بين الإسلام والنَّصرانيَّة، هل لك أنْ توضِّح بعض هذه الاختلافات؟
https://postimg.cc/KKMXhww4
الدُّكتور (ديركس): يمكن أنْ نختزل الاختلافات الرَّئيسة بين الإسلام والنَّصرانيَّة الحديثة في المسائل الآتية:
بعثةُ عيسى؛ عالميَّةٌ وفقًا للنَّصرانيَّة المعاصرة، ومحدودةٌ لبني إسرائيل فقط وفقًا لتعاليم الإسلام.
طبيعة عيسى؛ هو الجمع بين اللَّاهوت والنَّاسوت وفقًا للنَّصرانيَّة المعاصرة، وهو بشرٌ عاديٌّ وفقًا لتعاليم الإسلام.
صلْبُ المسيح؛ حقيقةٌ مُؤكَّدةٌ وفقًا لتعاليم النَّصرانيَّة الحديثة، وعبارةٌ عن وهْمٍ أو خيالٍ وفقًا للإسلام.
طبيعةُ الله هي الثَّالوثُ وفقًا للنَّصرانيَّة الحديثة، والوحدانيَّةُ وفقًا للإسلام، وهناك خِلافاتٌ أخرى تخصُّ الكتابَ المُقدَّس والوحيَ الإلهيَّ، ودَورَ القرآن والوحيَ الإلهيَّ، ومكانةَ النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
https://postimg.cc/yg4M1nCj
https://postimg.cc/Rqmk2PRV
في حين أنَّ النَّصرانيَّة المعاصرة تختلف عن الإسلام في النِّقاط الرَّئيسة الأربعة المذكورة أعلاه، إلَّا أنَّ هناك نِقاطَ اتِّفاقٍ في النَّصرانيَّة القديمة مع الإسلام، بينما لا تتَّفق النَّصرانيَّة الحديثة في هذه النِّقاط الأربع.
وقد ذكرتُ في كتابي (الصَّليب والهلال) تفاصيلَ هذا التَّناقُض بين بعض فروع النَّصرانيَّة القديمة والنَّصرانيَّة المعاصرة، فيما يتعلَّق بالقضايا الثَّلاث الأولى المذكورة أعلاه.
ويمكن استخدام النصِّ الأصليِّ للكُتَّاب النَّصارى الأوائل ونصوص الكتاب المُقدَّس في إظهار: كيف أنَّ النَّصرانيَّة القديمة تتَّفِق مع الموقف الإسلاميِّ في هذه القضايا الثَّلاث.
س: ما الَّذي يجعل الكتاب الثَّاني (إبراهيم خليل الله) سيرةً متميِّزةً لهذا النَّبيِّ؟
الدُّكتور (ديركس): في كتابي (إبراهيم خليل الله) ذكرتُ معلوماتٍ متكاملةً مِن القُرآن الكريم، والأحاديثِ الصَّحيحة، والكتابِ المُقدَّس، والمصادرِ اليهوديَّة القديمة، والآثار والتَّاريخ اليهوديِّ لِـ (جوزيفوس) في القرن الأوَّل لإنشاء السِّيرة الذَّاتيَّة له، ولجعل تلك المعلومات متكاملةً أعطيتُ الأولويَّة للقُرآن والأحاديث الصَّحيحة، ثمَّ أتممت القصَّة مِن مصادر المعلومات الأخرى.
س: في كتابك الثَّالث (فهمُ الإسلام دليلٌ للقارئ اليهوديِّ - النَّصرانيِّ) كتبتَ مقدِّمةً شاملةً عن الإسلام، بما في ذلك مفاهيم القُرآن والسُّنَّة، للقارئ اليهوديِّ أو النصرانيِّ، كيف تَمَّ استقبال هذا الكتاب؟
الدُّكتور (ديركس): الحمدُ لله، تمَّ بيعُ بضعة آلاف نسخةٍ مِن الكتاب، وكثيرٌ مِن هذه المبيعات قد تَمَّ شِراؤها مِن غير المسلمين، وأعتقدُ أنَّ الكتاب هو مقدِّمةٌ جيِّدةٌ عن الإسلام بالنِّسبة لليهود والنَّصارى، كما يُؤكِّد على القواسم المشتركة الَّتي نتقاسَمها في التَّاريخ النَّبويِّ، ويقدِّم سِيرةً ذاتيَّةً مختصرةً للنَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، كما يُدخل القارئَ إلى السُّنَّة، والقرآن، وأركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان السِّتَّة.
https://postimg.cc/jD9V9t8G
وبالإضافة إلى ذلك، وفي أعقاب (11/9)، قدَّم الكتاب عدَّة فصولٍ لإزالة سُوء الفهم الشَّائع عن مفهوم الجهاد في الإسلام، وعلى كلِّ حالٍ كانت الاستجابة مِن المسلمين وغيرهم إيجابيَّةً للغاية.
س: كتابك الرَّابع (الدِّيانات الإبراهيميَّة) هو متابعةٌ متكاملةٌ لكتاب (فهم الإسلام)؛ ففي الفصل السَّادس منه تمكَّنت مِن سرْد تاريخ ظاهرة (كُرْه الإسلام) والوضع الحاليِّ في الغرب النَّصرانيِّ، فأرجو توضيح هذه المسألة؟
الدُّكتور (ديركس): لعلَّ أفضلَ نقطةِ بدايةٍ للبحث عن كراهية الإسلام في الغرب النَّصرانيِّ كانت في بيان (البابا أوربان الثَّاني) في مجلس كليرمونت يوم (25/11/1095م)، والَّذي وصف فيه المسلمين بأنَّهم: "جنسٌ ملعونٌ، وكلُّ ما يتفوَّهون به ليس مِن عند الله"، كما حثَّ الفرسان والنُّبَلاء المجتمعين إلى القَضاء على الإسلام والمسلمين في (أوروبَّا)، وأطلق الحملة الصَّليبيَّة الأولى على المسلمين قائلًا: "هذا ما يريده الرَّبُّ"، ومنذ دعوة (أوربان الثَّاني) لإبادة المسلمين بدأ كُره الإسلام في (أوروبَّا)، وبدأت تظهر الأغاني المعادية للإسلام في فرنسا في القرن الثَّاني عشر؛ مثل أغنية (رولاند)، وظهرت كتاباتٌ مِن أوروبا الغربيَّة؛ مثل كتابات (دانتي) و (تشوسر) و (فولتير).
وفي الآونة الأخيرة، وحتَّى قبل 11 سبتمبر كان هناك عداءٌ شديدٌ للإسلام، ولكنَّ الأمر وصَل إلى ذِروته بعد (11/9)، وتحوَّل بعض الأشخاص -المعروفين بانتِماءاتهم إلى اليمين النَّصرانيِّ المتطرِّف- إلى الهجوم على الإسلام والافتراء على النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بارتِكاب الفواحش، فعلى سبيل المثال تَمَّ بثُّ برنامجٍ لمدَّة ستِّين دقيقةً يوم (6/10/2002م)، وادَّعى فيه القِسُّ (جيري فالويل) أنَّ النَّبيَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم كان إرهابيًّا، بل أكثر مِن ذلك؛ فقد زعم أنَّه (مغتصبٌ للأطفال).
وفي الوقت الحاضر، وعلى الرُّغم مِن الجهود الَّتي تُبذَل مِن الطَّوائف النَّصرانيَّة الرَّئيسة مِن أجل التَّفاهُم والاحترام المتبادَل مع مختلف المنظَّمات الإسلاميَّة عن طريق الحوار بين الأديان، إلَّا أنَّ الدِّعاية المعادية للإسلام
https://postimg.cc/Cd430jPC
من قِبَلِ اليمين النَّصرانيِّ المتطرِّف يبدو أنَّه يكتسب شعبيَّةً على أرض الواقع.
س: في كتابك الخامس (المسلمون في التَّاريخ الأميركيِّ إرثٌ منسيٌّ) لاحظت أنَّ هناك أسطورةً بارزةً تقول: إنَّ المسلمين جاؤوا مُتأخِّرين إلى الشَّواطئ الأميركيَّة، ولم يصلوا إليها إلَّا في النِّصف الأخير مِن القرن العشرين، ولدحض هذه الأسطورة، قدَّم كتابُك عددًا مِن البراهين على أنَّ المسلمين كانوا دائمًا جزءًا لا يتجزَّأ مِن أمريكا، هل لك أنْ تعطينا لمحةً موجزةً عن تلك المعلومات؟
الدُّكتور (ديركس): تُؤكِّد الوثائق العربيَّة أنَّ هناك ما لا يقلُّ عن ثلاث رحلاتٍ قد قام بها المسلمون مِن الأندلس إلى أمريكا، وكانت أولى تلك الرِّحلات: الرِّحلةُ الَّتي قام بها (خشخش بن سعيد بن الأسود) في عام (889م)؛ أي: (600) عامًا قبل مجيءِ (كولومبوس) إلى (سان سلفادور) في (12 أكتوبر 1492م)، كما كانت هناك عدَّةُ رحلاتٍ أخرى إلى العالم الجديد مِن الأندلسيِّ المسلم (ابن فاروق) في عام (999م)، وقصَّة رحلة (الإدريسيِّ) مع ثمَّانيةٍ من البحَّارة، وكذلك أبحر الشَّيخ (زين الدِّين عليُّ بن فضلٍ المازندرانيّ) مِن (المغرب) إلى (الأمريكتين) في (1291م)، وكانت هناك رحلتان من (إفريقيا الغربيَّة) وتحديدًا مِن (مالي) المسلمة إلى (الأمريكتين) عام (1310م)، وقد شاركَتْ أكثرُ مِن ألفي سفينةٍ في تلك الرَّحلة الأخيرة.
وقبلَ رحلات (كولومبوس) إلى العالم الجديد، ينبغي الإشارةُ إلى أنَّه عندما قَدِم (كولومبوس) برحلته الأولى في عام (1492م)، كان معه على الأقلِّ مسلمٌ واحدٌ إفريقيٌّ يُدعَى (بيدرو ألونسو نينو)، وكان هناك ثلاثةٌ مِن المسلمين الَّذين اعتنقوا النَّصرانيَّة تحت التَّعذيب، الَّذي كانت تقومُ به محاكم التَّفتيش الإسبانيَّة، وكانت هذه التَّحوُّلات وهميَّةً، وكان هؤلاء مِن الإخوة (بينزُّون) البحَّارة الإسبان، والَّذين قادَ منهم اثنان على الأقلِّ سفن (كولومبوس).
اشترك المسلمون أيضًا مع الغُزاة الإسبان في استِكشاف أجزاءٍ مِن (الأمريكتين) في القرن السَّادس، وكان (استيفانكو أزامور) -والمعروف أيضًا باسم (مصطفى زموري)- أحدَ الأمثلة على الرِّجال المسلمين الَّذين كانوا يخدمون مع الغزاة، بالإضافة إلى ذلك وُجِدَ المسلمون في هذه المستعمرات الإسبانيَّة في القرن السَّادس عشر في (الأمريكتين، وسانتا إيلينا، وكوبا، والمكسيك، وفلوريدا، وجنوب غرب أمريكا)، وحتَّى لا يتفوَّق الأسبان أسكنوا ما لا يقلُّ عن (1631) مِن المسلمين الأتراك في (جيمس تاون) بولاية (فيرجينيا).
وجاء أكبرُ تدفُّقٍ للمسلمين إلى (أمريكا) كجزءٍ مِن تجارة الرَّقيق؛ حيث تَمَّ استقدام ما بين أربعةِ وستَّةِ ملايين مسلمٍ مِن (إفريقيا) إلى العالم الجديد كعبيدٍ خلال القرن السَّادس عشر إلى القرن التَّاسع عشر، وساعَد هؤلاء العبيدُ المسلمون في بناء قاعدةٍ زراعيَّةٍ في أمريكا الجنوبيَّة، وترك المسلمون في القرن العشرين نموذجًا إسلاميًّا على الرُّغم مِن كونه مُشوَّهًا بعض الشَّيء.
وأخيرًا: تجدر الإشارة إلى أنَّ المسلمين مثل (يوسف بن عليٍّ) قاتَل في الحرب الأميركيَّة للحُصول على الاستقلال مِن (بريطانيا العظمى)، والمسلمين كِـ (بلالي محمَّد) وقف مسلَّحًا ومستعدًّا للدِّفاع عن السَّواحل الأميركيَّة ضدَّ الغزو البريطانيِّ خلال حرب (1812م)، وحارَب المسلمون مثل (محمَّد بن عليٍّ) للحِفاظ على الاتِّحاد الأمريكيِّ خلال الحرب الأهليَّة الأميركيَّة عام (1860م)، والمسلمون مثل (حاجيِّ عليٍّ) الَّذي ساعَد على ترويض وتسوية البريَّة الأمريكيَّة الغربيَّة في النِّصف الأخير مِن القرن التَّاسع عشر.
ولمعرفة المزيد عن إسهامات المسلمين المذكورين أعلاه في التَّاريخ الأميركيِّ يُرجَى مراجعةُ كتاب: (المسلمون في التَّاريخ الأميركيِّ إرثٌ منسيٌّ).
س: هل لك أنْ تحدِّثنا قليلًا عن كتابك السَّادس (رسائل إلى شيوخي عن الإسلام)؟
الدُّكتور (ديركس): هي مجموعةٌ مِن الرَّسائل الموجَّهة إلى الأُمَّة الإسلاميَّة، الَّتي تَمَّت كتابتُها على مدَى عدَّة سنواتٍ، تُركِّز تلك الرَّسائل على مجموعةٍ متنوِّعةٍ مِن القضايا، بما في ذلك العوامل السِّياسيَّة والأحداث العالميَّة، والسِّياسة الأمريكيَّة والإمكانيَّات ومشاكل التَّعليم الإسلاميِّ خاصَّةً في (أمريكا)، والعيوبِ، ونقاطِ الضَّعف، وأوجُهِ القُصور في الأُمَّة المسلمة، ولا تُمثِّل كلُّ تلك الرَّسائل مُعتَقداتي الخاصَّة ووجهات نظري فقط، ولكنَّني استخدمتُ أحيانًا هذه الصِّيغةَ للتَّعبير عن هُموم المسلمين، حتَّى عندما كان لي وجهةُ نظرٍ مخالفةٍ.
س: شاركتْ زوجتُكَ في تحرير كتاب (الإسلام اختيارنا)، والَّذي تَعرِض فيه حياةَ ستَّةٍ مِن النِّساء الأمريكيَّات اللَّاتي اعتنقْنَ الإسلام، ويُعتَبر الكتابُ تسجيلًا لحياتهنَّ قبل اعتِناق الإسلام، والأسبابِ الَّتي أدَّتْ إلى اعتناقهنَّ الإسلام، وحياتهنَّ بعد اعتناق الإسلام، لماذا لا تُؤلِّف كتابًا مماثلًا يَذكُر تفاصيلَ اعتناق الأمريكان (الرِّجال) للإسلام؟
الدُّكتور (ديركس): لقد فكَّرتُ في مثل هذا الكتاب، وفي الوقت الحاضر يتمُّ إعدادُه، وحاليًّا أنا على وشْك الانتهاء مِن كتابٍ يحمل عنوانًا مبدئيًّا: (ما لا يتمُّ تدريسُه في مدرسة الأحد)، والَّذي يحتوي على سبع مقالاتٍ، هذه المقالاتُ تُغطِّي مواضيع مثل:
كيف تمَّت كتابة الكتاب المُقدَّس، وما هو عدد الأناجيل المختلفة الَّتي تَمَّ الاعتراف بها في النَّصرانيَّة.
الدَّور التَّاريخيُّ الحقيقيُّ لِـ (بولس) في كتابة النَّصرانيَّة، وطبيعة الصِّراع بين (بولس) وتلاميذ المسيح الفعليِّين.
إلى أيِّ مدًى يمكن إدراج مفاهيم الحرب المُقدَّسة والإبادة الجماعيَّة كجزءٍ لا يتجزَّأ مِن تاريخ الكتاب المُقدَّس.
الإسرائيليُّون غير العبرانيِّين.
الموقع الفعليُّ لجبل سيناء.
قصَّة زوجة موسى الأولى.
حقيقة أنَّ الكتاب المُقدَّس يُؤكِّد قتل جالوت مِن قِبَل شخصين مختلفين.
التَّشكيك في المعلومات الَّتي تُشِير إلى أنَّ توماس كان شقيق المسيح.
دراسة واقع الإنجيل الكنسيِّ.
وجود قوائمَ مُتضارِبةٍ لتلاميذ المسيح الاثني عشر الواردةِ في العهد الجديد.
الإضافات الرَّئيسة، والحذف، والتَّرجمة المضلِّلة، الَّتي يمكن العثور عليها في الكتاب المُقدَّس.
كيف تَمَّ تصوير المسيح؛ في الأدب اليهوديِّ التَّقليديِّ والإسلاميِّ.
دحض أسطورةِ أنَّ أمريكا تأسَّست لتكون أمَّةً نصرانيَّة.
وإنْ شاء الله سوف يُطبع هذا الكتابُ في أواخر هذا العام أو أوائل العام المقبل، وبعد الانتهاء مِن هذا الكتاب لديَّ خططٌ لكتابة ما لا يقلُّ عن كتابين آخرين قبل أنْ أتمكَّن مِن البدء في كتاب: (الأمريكيُّون الَّذين اعتنقوا الإسلام).
س: لا شكَّ أنَّكَ ساعدت العديد مِن الرِّجال والنِّساء الأمريكيِّين على اعتناق الإسلام، والأعدادُ في ازديادٍ مستمرٍّ، هل لك أنْ تقول لنا كم عدد الَّذين اعتنقوا الإسلام على يديك؟
الدُّكتور (ديركس): أعتقد أنَّ التَّحوُّل إلى الإسلام هو علاقةٌ بين الفرد والله سبحانه وتعالى، وأنَّه لا يوجد طرفٌ ثالثٌ يمكن أنْ يدَّعِي الفضل في ذلك التَّحوُّل، أمَا وقد قلتَ ذلك فليس لديَّ وسيلةٌ لمعرفة أعداد الأشخاص الَّذين تأثَّروا بكُتُبي ومحاضراتي في اعتناق الإسلام، وما أعرفه أنَّه بعد نحو عامٍ مِن نشر كتاب: (الصَّليب والهلال) قال لي أخٌ يعمل في مجال الدَّعوة: أنَّه استخدم هذا الكتاب بنجاحٍ لجعل مائتي شخصٍ ينطقون الشَّهادة السَّنة الماضية. وبالإضافة إلى ذلك، كنتُ على اتِّصالٍ مباشرٍ ببعض الإخوة والأخوات الَّذين قالوا لي: إنَّ أحدَ كُتبي كان مفيدًا لهم في اعتناق الإسلام.
عبد الرَّحمن: الله أكبر، شكرًا لك كثيرًا، وجزاكم الله خيرًا.
الدُّكتور (ديركس): شكرًا لك، لقد كان الحديث معك مِن دواعي سروري.
حوار الدُّكتور (عبد الرَّحمن أبو المجد) مع الدُّكتور (ديريكس) في موقع الآلوكة[9]. https://www.alukah.net
https://www.alukah.net/world_muslims/0/31615/13- 13- أمريكيَّةٌ تعتنق الإسلام وتعاتب المسلمين:
لماذا لم يُخبرنا أحدٌ بهذا؟
An American Muslim Woman Tells the story of her Islam, and Blame Muslims for not telling the world about Islam.
https://www.youtube.com/watch?v=r8ai0WaEVKo
https://www.youtube.com/watch?v=3YJkBl9s3fE
تروي الأخت (لو) الأميريكيَّة قصَّتها مع الإسلام، وأنَّها كانت تبحث عن الحقِّ، وتتقلَّب بين الفِرق المختلفة في النَّصرانيَّة حتَّى تَعِبَتْ، فتوجَّهت إلى الله قائلةً: "أريد الحقَّ مهمَّا كلَّف الأمر".
لعلَّ صِدقها في اتِّباع الحقِّ مهمَّا كلَّف الثَّمن وتجرُّدها للحقِّ كان سببًا ليستجيب خالقها إلى ندائها، فهي لم تحسب حساب نظرة النَّاس إليها أو المخاسر المادِّيَّة أو الفرص الَّتي قد تفوتها، بل قدَّمت أمر الدِّين على كلِّ شيءٍ.
هذه الخالة لها ابنةٌ كانت قد أسلمت، والخالة لا تعلم، الابنة (لو) سمَّت نفسها (نور) بعد إسلامها، وقدَّر الله أن تأتي (نور) لتزور أمَّها؛ الَّتي في ثلاثة أيَّامٍ متتاليةٍ توجَّهت فيها إلى الله، فسألتها الخالة: "ماذا تعتقدين بالنِّسبة لعقيدة التَّثليث"؟ أجابت (نور): "أجيبك بعد أن تنام أختك"، حتَّى لا تشوِّش عليهما، عندما نامت أخت الخالة، جلست نور مع أمِّها مطوَّلاً، تشرح لها عن الطَّوائف النَّصرانيَّة الكثيرة الَّتي دخلَت فيها وخرَجت مِن خلال كلِّ سنوات عمرها، ثمَّ تحدِّثها عن الإسلام، وتشرح لها آياتٍ مِن القرآن.. وبمجرَّد أن انتهت، أمسكت الخالة الَّتي عانت طويلًا مِن عطش الرُّوح، أمسكت بترجمة القرآن، وانكبَّت عليه تقبِّله، وقالت: "لماذا لم يخبرنا أحدٌ بهذا؟" يا الله! كم هي مؤلمةٌ هذه الكلمة! "لماذا لم يخبرنا أحدٌ بهذا؟"..
ثمَّ تختم الخالة بوقع آيةٍ عظيمةٍ على قلبها..
14- يوسف استس القسُّ الأمريكيُّ السَّابق
https://www.youtube.com/watch?v=AdpdxZciTiQ&t=37s
https://www.youtube.com/watch?v=ZuoQx6MpOf8
اسمي (يوسف إستس) بعد الإسلام، وقد كان قبل الإسلام (جوزيف إدوارد إستس)، وُلِدْتُ لعائلةٍ نصرانيَّةٍ شديدةِ الالتزام بالنَّصرانيَّة تعيشُ في (الغرب الأوسط لأمريكا)، آباؤنا وأجدادنا لم يبنوا الكنائسَ والمدارس فحسب، بل وهبوا أنفسَهم لخدمة النَّصرانيَّة.
بدأتُ بالدِّراسة الكنسيَّة أو اللَّاهوتيَّة عندما اكتشفتُ أنِّي لا أعلم كثيرًا عن دِيني النَّصرانيِّ، وبدأتُ أسأل أسئلةً دون أنْ أجد أجوبةً مناسبةً لها، فدرستُ النَّصرانيَّة حتَّى صرتُ قسِّيسًا وداعيًا مِن دعاة النَّصرانيَّة وكذلك كان والدي، وكنَّا بالإضافة إلى ذلك نعملُ بالتِّجارة في الأنظمة الموسيقيَّة وبيعها للكنائس، وكنتُ أكره الإسلام والمسلمين، حيثُ إنَّ الصُّورة المشوَّهة الَّتي وصلتني وارتسمت في ذهني عن المسلمين أنَّهم أناسٌ وثنيُّون لا يؤمنون بالله ويعبدون صندوقًا أسودَ في الصَّحراء، وأنَّهم همجيُّون وإرهابيُّون يقتلون مَن يخالف معتقدهم.
لم يتوقَّف بحثي في الدِّيانة المسيحيَّة على الإطلاق، ودرستُ الهندوسيَّة واليهوديَّة والبوذيَّة، وعلى مدى ثلاثين سنةً لاحقةً عملتُ أنا وأبي معًا في مشاريعَ تجاريَّةٍ كثيرةٍ، وكان لدينا برامجُ ترفيهٍ وعروضٌ كثيرةٌ جذَّابةٌ، وقد عزفنا (البيانو والأورج) في (تكساس واوكلاهوما وفلوريدا)، وجمعتُ عدة ملايين من الدُّولارات في تلك السَّنوات، لكنِّي لم أجدْ راحةَ البال، الَّتي لا يمكن تحقيقها إلَّا بمعرفة الحقيقة وإيجاد الطَّريق الصَّحيح للخلاص.
كنت أودُّ تنصيره:
قصَّتي مع الإسلام ليست قصَّةَ أحدٍ أهداني مُصحفًا أو كُتبًا إسلاميَّةً وقرأتُها ودخلتُ الإسلام فحسب، بل كنتُ عدوًّا للإسلام فيما مضى، ولم أتوان عن نشر النَّصرانيَّة، وعندما قابلتُ ذلك الشَّخص الَّذي دعاني للإسلام، فإنَّني كنت حريصًا على إدخاله في النَّصرانيَّة وليس العكس.
كان ذلك في عام (1991م)، عندما بدأ والدي عملًا تجاريًّا مع رجلٍ من مصرَ وطلب منِّي أنْ أقابله، طرأتْ لي هذه الفكرةُ وتخيَّلتُ (الأهرامات) و (أبو الهول) و (نهر النِّيل) وكلَّ ذلك، ففرحتُ في نفسي وقلتُ: سوف نوسِّعُ تجارتَنا فتصبحَ تجارةً دوليَّةً تمتدُّ إلى أرض ذلك الضَّخم، أعني (أبا الهول)!
ثمَّ قال لي والدي: لكنَّني أريدُ أنْ أُخبرك أنَّ هذا الرَّجل الَّذي سيأتينا مسلمٌ، وهو رجلُ أعمالٍ.
فقلتُ منزعجًا: مسلمٌ! لا.. لن أتقابل معه.
فقال والدي: لا بُدَّ أنْ تقابله.
فقلت: لا.. أبدًا.
لم يكن مِن الممكن أنْ أصدِّق... مسلمٌ!
ذكَّرتُ أبي بما سمعنا عن هؤلاء النَّاس المسلمين، وأنَّهم يعبدون صندوقًا أسودَ في صحراء مكَّة؛ وهو الكعبة.
لم أُرِدْ أنْ أقابل هذا الرَّجلَ المسلمَ، وأصرَّ والدي على أنْ أقابله، وطمأنني أنَّه شخصٌ لطيفٌ جدًّا، لذا استسلمتُ ووافقتُ على لقائه.
ومع ذلك لَمَّا حضر موعد اللِّقاء لَبِستُ قبَّعةً عليها صليبٌ ولَبِستُ عقدًا فيه صليبٌ وعلَّقتُ صليبًا كبيرًا في حزامي، وأمسكت بنسخةٍ مِن الإنجيل في يدي وحضرتُ إلى طاولةِ اللِّقاء بهذه الصُّورة، ولكنِّي عندما رأيته ارتبكت.. لا يمكن أن يكون ذلك المسلمَ المقصودَ الَّذي نريدُ لقاءَه، كنت أتوقَّعُه رجلًا كبيرًا يلبَس عباءةً ويعتمر عمامةً كبيرةً على رأسه وحاجباه معقودان، فلم يكن على رأسه أيُّ شعرٍ (أصلع).. وبدأ مرحِّبًا بنا وصافحنا، كلُّ ذلك لم يعنِ لي شيئًا، ومازالت صورتي عنهم أنَّهم إرهابيُّون، حيث تطرَّقنا في الحديث عن ديانته وتهجَّمتُ على الإسلام والمسلمين حسب الصُّورة المشوَّهة الَّتي كانت لديَّ، وكان هو هادئًا جدًّا وامتصَّ حماسي واندفاعي ببرودته.
ثمَّ بادرت إلى سؤاله:
هل تؤمن بالله؟
قال: أجل..
ثمَّ قلتُ: ماذا عن إبراهيم؟ هل تؤمن به؟ وكيف حاول أن يضحِّي بابنه لله؟
قال: نعم..
قلت في نفسي: هذا جيِّدٌ، سيكون الأمرُ أسهلَ ممَّا اعتقدت.
ثمَّ ذهبنا لتناول (الشَّاي) في محلٍّ صغيرٍ، والتَّحدُّثِ عن موضوعي المفضَّل: المعتقدات.
بينما جلسنا في ذلك المقهى الصَّغير لساعاتٍ نتكلَّم -وقد كان معظمُ الكلام لي- وقد وجدتُه لطيفًا جدًّا، وكان هادئًا وخجولًا، استمع بانتباهٍ لكلِّ كلمةٍ، ولم يقاطعني أبدًا.
وفي يومٍ من الأيام كان (محمَّد عبد الرَّحمن) صديقنا هذا على وشك أن يتركَ المنزلَ الَّذي كان يتقاسمه مع صديق له، وكان يرغب أن يعيشَ في المسجد لبعض الوقت، حدَّثتُ أبي إنْ كان بالإمكان أْن ندعوَ (محمَّدًا) للذَّهاب إلى بيتنا الكبير في البلدة ويبقى هناك معنا.. ثمَّ دعاه والدي للإقامة عندنا في المنزل، وكان المنزل يحويني أنا وزوجتي ووالدي.
ثمَّ جاء هذا المصريُّ واستضفنا كذلك قسِّيسًا آخر لكنَّه يتبع المذهبَ الكاثوليكيَّ، فصرنا نحن الخمسة.. أربعةٌ مِن علماءِ ودعاةِ النَّصارى، ومسلمٌ مصريٌّ عاميٌّ.. أنا ووالدي مِن المذهبِ البروتستانتيِّ النَّصرانيِّ، والقسِّيسُ الآخر كاثوليكيُّ المذهب، وزوجتي كانت مِن مذهبٍ متعصِّبٍ له ميولٌ صهيونيَّةٌ.
وللعلم: والدي قرأ الإنجيلَ منذ صغره، وصار داعيًا وقسِّيسًا معترَفًا به في الكنيسة، والقسِّيسُ الكاثوليكيُّ له خبرة (12) عامًا في دعوته في (القارَّتين الأمريكيَّتين)، وزوجتي كانت تتبع مذهبَ (البورنجين) الَّذي له ميولٌ صهيونيَّةٌ، وأنا درستُ الإنجيل والمذاهبَ النَّصرانيَّةَ، واخترتُ بعضًا منها أثناء حياتي وانتهيتُ مِن حصولي على شهادة الدُّكتوراه في العلوم اللَّاهوتيَّة النَّصرانيَّة.
وهكذا انتقل للعيش معنا، وكان لديَّ الكثيرُ مِن المنصِّرين في ولاية (تكساس)، وكنت أعرف أحدهم، كان مريضًا في المستشفى، وبعد أن تعافى دعوتُه للمكوث في منزلنا أيضًا، وأثناء الرِّحلة إلى البيت تحدَّثتُ مع هذا القسِّيس عن بعض المفاهيم والمعتقدات في الإسلام، وأدهشني عندما أخبرني أنَّ القساوسة الكاثوليك يدرسون الإسلام، وينالون درجةَ الدُّكتوراه أحيانًا في هذا الموضوع.
بعد الاستقرار في المنزل بدأنا جميعًا نتجمَّع حول المائدة بعد العشاء كلَّ ليلةٍ لمناقشة الدِّيانة، وكان بيدِ كلٍّ منَّا نسخةُ إنجيلٍ تختلف عن الأخرى، وكان لدى زوجتي إنجيلُ (نسخة جيمي سواجارت للرَّجل المتديِّن الحديث).
والمضحك أنَّ (جيمي سوجارت) هذا عندما ناظره الشَّيخ المسلم (أحمد ديدات) أمام النَّاس قال: "أنا لست عالمًا بالإنجيل!" فكيف يكتب رجلٌ إنجيلًا كاملًا بنفسه وهو ليس عالمًا بالإنجيل ويدَّعي أنَّه من عند الله!
وكان لدى القسِّيس -بالطَّبع- الكتابُ المُقدَّسُ الكاثوليكيُّ، كما كان عنده سبعة كتبٍ أخرى مِن الإنجيل البروتستانتيِّ، وقد كان مع والدي في تلك الفترة نسخةُ الملك (جيمس)، وكانت معي نسخة (الريفازد إيديشن) -المُراجعُ والمكتوبُ مِن جديد- الَّتي تقول: (إنَّ في نسخة الملك جيمس الكثيرُ مِن الأغلاط والطَّوامِّ الكبيرة)، حيث إنَّ النَّصارى لَمَّا رأوا كثرة الأخطاء في نسخة الملك (جيمس) اضطروا إلى كتابته مِن جديدٍ وتصحيح ما رأوه مِن أغلاطٍ كبيرةٍ، لذا قضينا معظمَ الوقت في تحديد النُّسخة الأكثر صحَّةً مِن هذه الأناجيل المختلفة، وركَّزنا جهودنا لإقناع (محمَّدٍ) ليصبح نصرانيًّا.
وكنَّا نحن النَّصارى في البيت يحمل كلٌّ منَّا نسخةً مختلفةً مِن الإنجيل، ونتناقش عن الاختلافات في العقيدة النَّصرانيَّة وفي الأناجيل المختلفة على مائدةٍ مستديرةٍ، والمسلم يجلس معنا ويتعجَّب مِن اختلاف أناجيلنا.
مِن جانبٍ آخر كان لدى القسِّيس الكاثوليكيِّ ردَّةُ فعلٍ مِن كنيسته، واعتراضاتٌ وتناقضاتٌ مع عقيدته ومذهبه الكاثوليكيِّ، فمع أنَّه كان يدعو لهذا الدِّين والمذهب مدَّة (12) سنةً؛ لكنَّه لم يكن يعتقد جازمًا أنَّه عقيدةٌ صحيحةٌ، بل كان يخالف في أمور العقيدة المهمَّة، ووالدي أيضًا كان يعتقد أنَّ هذا الإنجيل كتبه النَّاس وليس وحيًا مِن عند الله، ولكنَّهم كتبوه وظنُّوه وحيًا، وزوجتي كذلك كانت تعتقد أنَّ في إنجيلها أخطاءً كثيرةً، لكنَّها كانت ترى أنَّ الأصل فيه أنَّه مِن عند الرَّبِّ!
أمَّا أنا فكانت هناك أمورٌ في الإنجيل لمْ أصدِّقها؛ لأنِّي كنت أرى التَّناقضات الكثيرة فيه، فمِن تلك الأمور أنِّي كنتُ أسأل نفسي وغيري: كيف يكون الربُّ واحدًا وثلاثةً في نفس الوقت؟ وقد سألتُ القُسس المشهورين عالميًّا عن ذلك، فأجابوني بأجوبةٍ سخيفةٍ جدًّا، لا يمكن للعاقل أن يصدِّقها، وقلت لهم: كيف يمكنني أنْ أكون داعيةً للنَّصرانيَّة وأعلِّم النَّاس أنَّ الرَّبَّ شخصٌ واحدٌ وثلاثةُ أشخاصٍ في نفس الوقت، وأنا غيرُ مقتنعٍ بذلك، فكيف أقنع غيري به؟
بعضهم قال لي: لا تبيِّن هذا الأمر ولا توضِّحْه، قلْ للناس: هذا أمرٌ غامضٌ ويجبُ الإيمان به.
وبعضُهم قال لي: يمكنك أنْ توضِّحَه بأنَّه مثلُ التُّفاحة تحتوي على قشرةٍ مِن الخارج ولبٍّ مِن الدَّاخل، وكذلك النَّوى في داخلها.
فقلت لهم: لا يمكن أنْ يُضرب هذا مثلًا للرَّبِّ، التُّفاحةُ فيها أكثرُ مِن حبَّةِ نوى فستتعدَّدُ الآلهة بذلك، ويمكن أن يكون فيها دودٌ فتتعدَّد الآلهة، وقد تكون نتنةً وأنا لا أُريد ربًّا نتنًا.
وبعضهم قال: مثل البيضة، فيها قشرٌ وصَفارٌ وبياضٌ.
فقلت: لا يصحُّ أن يكون هذا مثلًا للرَّبِّ، فالبيضة قد يكون فيها أكثرُ من صفارٍ فتتعدَّد الآلهة، وقد تكون نتنةً، وأنا لا أريد أنْ أعبد ربًّا نتنًا.
وبعضهم قال: مثل رجلٍ وامرأةٍ وابنٍ لهما، فقلت له: قد تحمل المرأةُ وتتعدَّد الآلهة، وقد يحصل طلاقٌ فتتفرَّق الآلهة وقد يموت أحدها، وأنا لا أريد ربًّا هكذا.
وأنا منذ أنْ كنت نصرانيًّا وقسِّيسًا وداعيةً للنَّصرانيَّة لم أستطع أنْ أقتنع بمسألة التَّثليث، ولم أجد مَن يمكنه إقناع الإنسان العاقل بها.
قرآنًا واحدًا، وعدَّة أناجيل:
أتذكَّر أنَّني سألتُ (محمَّدًا) فيما بعد: كم نسخةً مِن القرآن ظهرتْ طوال الـ (1400) سنةٍ الماضية؟ أخبرني أنَّه ليس هناك إلَّا مصحفٌ واحدٌ، وأنَّه لم يتغيَّر أبدًا، وأكَّد لي أنَّ القرآن قد حُفِظ في صدور مئات الآلاف مِن النَّاس، ولو بحثتَ على مدى قرونٍ لوجدت أنَّ الملايين قد حفظوه تمامًا وعلَّموه لمن بعدهم، هذا لم يبد ممكنًا بالنِّسبة لي، كيف يمكن أن يُحفظ هذا الكتابُ المُقدَّسُ ويسهلَ على الجميع قراءتُه ومعرفةُ معانيه!
كان بيننا حوارٌ متجرِّدٌ، واتَّفقنا على أنَّ ما نقتنع به سندين به ونعتنقه فيما بعد.
هكذا بدأنا الحوار معه، ولعلَّ ما أثار إعجابي أثناء الحوار أنَّ (محمَّدًا) لم يتعرَّض للتَّجريح أو التهجُّم على معتقداتنا أو إنجيلنا أو أشخاصنا، وظلَّ الجميع مرتاحين لحديثه، وعلى العموم.. لَمَّا كنَّا نجلس في بيتنا نحن النَّصارى الأربعة المتديِّنين مع المسلم المصريِّ (محمَّدٍ) ونناقش مسائل الاعتقاد حرصنا أنْ ندعو هذا المسلم إلى النَّصرانيَّة بعدَّةٍ طُرقٍ.. فكان جوابه محدَّدًا بقوله: أنا مستعدٌّ أنْ أتَّبع دينَكم إذا كان عندكم في دينكم شيءٌ أفضلَ مِن الَّذي عندي في ديني، قلنا: بالطَّبع يوجد عندنا، فقال المسلم: أنا مستعدٌّ إذا أثبتُّم لي ذلك بالبرهان والدَّليل، فقلت له: الدِّين عندنا لم يرتبط بالبرهان والاستدلال والعقلانيَّة، فهو عندنا شيءٌ مسلَّمٌ، وهو مجردُ اعتقادٍ محضٍ! فكيف نثبتُه لك بالبرهان والدَّليل؟ فقال المسلم: لكنَّ الإسلامَ دينُ عقيدةٍ وبرهانٍ ودليلٍ وعقلٍ ووحيٍ مِن السَّماء، فقلت له: إذا كان عندكم الاعتمادُ على جانب البرهان والاستدلال فإنِّي أحبُّ أنْ أستفيدَ منك وأنْ أتعلَّم منك هذا وأعرفَه.
ثمَّ لَمَّا تطرَّقنا لمسألة التَّثليث.. وكلٌّ منَّا قرأ ما في نسخته، ولم نجدْ شيئًا واضحًا.. سألنا الأخ (محمَّدًا): ما هو اعتقادُكم في الرَّبِّ في الإسلام؟ فقال: (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد)، تلاها بالعربيَّة ثمَّ ترجم لنا معانيها.. وكأنَّ صوتَه حين تلاها بالعربيَّة دخل قلبي حينها.. وكأنَّ صوتَه لا زال يرنُّ صداه في أذني ولاأزال أتذكَّره.. أمَّا معناها فلا يوجد أوضحُ ولا أفضلُ ولا أقوى ولا أوجزُ ولا أشملُ منه إطلاقًا، فكان هذا الأمرُ مثلَ المفاجأة القويِّة لنا.. مع ما كنَّا نعيش فيه مِن ضلالاتٍ وتناقضاتٍ في هذا الشَّأن وغيره.
ولَمَّا أردتُ دعوتَه للنَّصرانيَّة قال لي بكلِّ هدوءٍ ورجاحةِ عقلٍ: إذا أثبتَّ لي بأنَّ النَّصرانيَّة أحقُّ مِن الإسلام سأتبعك إلى دينك الَّذي تدعو إليه.، فقلتُ له: متَّفقين.
ثمَّ بدأ (محمَّدٌ): أين الأدلَّة الَّتي تثبت أفضليَّة دينكم وأحقيَّته.؟
قلت: نحن لا نؤمن بالأدلَّة، ولكن بالإحساس والمشاعر، ونلتمس ديننا وما تحدَّثَتْ عنه الأناجيل.
قال (محمَّدٌ): ليس كافيًا أن يكون الإيمان بالإحساس والمشاعر والاعتماد على علمنا، ولكنَّ الإسلام فيه الدَّلائلُ والأحاسيسُ والمعجزات، الَّتي تثبت أنَّ الدِّين عند الله الإسلام.
فطلب (جوزيف) هذه الدَّلائل مِن (محمَّدٍ) والَّتي تُثبت أحقيَّة الدِّين الإسلاميِّ، فقال (محمَّدٌ): إنَّ أوَّل هذه الأدلَّة هو كتابُ الله سبحانه وتعالى، القرآنُ الكريمُ الَّذي لم يطرأْ عليه تغييرٌ أو تحريفٌ منذ نزوله على سيِّدنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم قبل ما يقرب مِن (1400) سنةٍ، وهذا القرآنُ يحفظه كثيرٌ مِن النَّاس، إذ ما يقرب مِن (12) مليون مسلمٍ يحفظون هذا الكتاب، ولا يوجد أيُّ كتابٍ في العالم على وجهِ الأرض يحفظه النَّاسُ كما يَحفظ المسلمون القرآن الكريمَ مِن أوَّلِه إلى آخره: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ (سورة الحجر الآية 9)، وهذا الدَّليلُ كافٍ لإثبات أنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام.
معجزات القرآن:
مِن ذلك الحين بدأتُ البحثَ عن الأدلَّة الكافية، الَّتي تُثبتُ أنَّ الإسلامَ هو الدِّين الصَّحيح، وذلك لمدَّةِ ثلاثة شهورٍ بحثًا مستمرًّا، بعد هذه الفترة وجدتُ في الكتاب المُقدَّس أنَّ العقيدةَ الصَّحيحة الَّتي ينتمي إليها سيِّدنا عيسى؛ هي التَّوحيد، وأنَّني لم أجد فيه أنَّ الإله ثلاثةٌ كما يدَّعون، ووجدتُ أنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وليس إلهًا، مثَلُه كمثل الأنبياء جميعًا، جاء يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وأنَّ الأديان السَّماويَّة لم تختلفْ حولَ ذات الله سبحانه وتعالى، وكلُّها تدعوا إلى العقيدة الثَّابتة بأنَّه لا إله إلَّا الله بما فيها الدِّين المسيحيِّ قبل أنْ يُفترى عليه بهتانًا، ولقد علمتُ أنَّ الإسلامَ جاء ليختم الرِّسالات السَّماويَّة ويكملَها ويُخرِجَ النَّاس مِن حياة الشِّرك إلى التَّوحيد والإيمان بالله تعالى، وأنَّ دخولي في الإسلام سوف يكون إكمالًا لإيماني بأنَّ الدِّين المسيحيَّ كان يدعو إلى الإيمان بالله وحدَه، وأنَّ عيسى هو عبدُ الله ورسولُه، ومَن لا يؤمن بذلك فهو ليس مِن المسلمين.
ثمَّ وجدتُ أنَّ الله سبحانه وتعالى تحدَّى الكفَّار بالقرآن الكريم أنْ يأتوا بمثله أو يأتون بثلاثِ آياتٍ مثل سورة الكوثر، فعجَزوا عن ذلك: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِه.﴾ ||﴿سورة البقرة آية 23﴾.
أيضًا من المعجزات الَّتي رأيتُها -والَّتي تُثبت أنَّ الدِّين عند الله الإسلامُ- التَّنبُّؤاتُ المستقبليَّةُ الَّتي تَنبَّأ بها القرآنُ الكريم مثل: ﴿الٓمٓ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ.﴾ ||﴿1-3: سورة الروم﴾، وهذا ما تحقَّق بالفعل فيما بعدُ، وأشياءُ أخرى ذُكرتْ في القرآن الكريم مثلُ (سورة الزلزلة) تتحدَّث عن الزِّلزال، والَّتي قد تحدث في أيِّ منطقةٍ، وكذلك وصولُ الإنسان إلى الفضاء بالعلم، وهذا تفسيرٌ لمعنى الآية الَّتي تقول: ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ.﴾ ||﴿سورة الرَّحمن الآية 33﴾، وهذا السُّلطان هو العلمُ الَّذي خرق به الإنسان الفضاء، فهذه رؤيةٌ صادقةٌ للقرآن الكريم.
أيضًا مِن المعجزات الَّتي تركتْ أثرًا في نفسي: (العلقةُ) الَّتي ذكرها الله في القرآن الكريم، والَّذي وضَّحها العالِمُ الكنديُّ (كوسمر) وقال: "إنَّ العلقةَ هي الَّتي تتعلَّق برحم الأمِّ، وذلك بعدما تتحوَّل الحيوانات المنويَّة في الرَّحم إلى لونٍ دمويٍّ معلقٍ"، وهذا بالفعل ما ذكره القرآنُ الكريم من قبلِ أن يكتشفه علماءُ الأجنَّة في العصر الحديث، وهذا بيانٌ للكفَّار والملحدين.
وبعد كلِّ هذا البحث الَّذي استمرَّ ثلاثةَ شهورٍ قضاها معنا (محمَّدٌ) تحت سقفٍ واحدٍ، بسبب ذلك اكتسب ودَّ الكثيرين، وعندما كنتُ أراه يسجدُ لله ويضع جبهته على الأرض، أعلم أنَّ ذلك الأمر غيرُ عاديٍّ.
(محمَّدٌ) كالملائكة:
(يوسف إستس) يتحدَّث عن صديقه ويقول: أنَّ مثلَ هذا الرَّجل (محمَّدٍ) ينقصه جناحان ويصبح كالملائكة يطير بهما.
وبعدما عرفتُ منه ما عرفتُ، وفي يومٍ من الأيام طلب صديقي القسِّيس مِن (محمَّدٍ): هل بالإمكان أن نذهبَ معه إلى المسجد، لنعرف أكثرَ عن عبادة المسلمين وصلاتهم؟ فرأينا المصلِّين يأتون إلى المسجد يصلُّون ثمَّ يغادرون.. قلتُ: غادروا دون أيِّ خطبٍ أو غناء؟ قال: أجل..
مضت أيامٌ وسأل القسِّيسُ (محمَّدًا) أنْ يرافقه إلى المسجد مرَّةً ثانيةً، ولكنَّهم تأخَّروا هذه المرَّة حتَّى حلَّ الظَّلام.. قلقنا بعضَ الشَّيء.. ماذا حدث لهم؟ أخيرًا وصلوا، وعندما فتحتُ الباب؛ رفتُ (محمَّدًا) على الفور، قلتُ: مَن هذا؟ شخصٌ ما يلبس ثوبًا أبيض وقلنسوةً وينتظر دقيقةً! كان هذا صاحبي القسِّيس! قلتُ له: هل أصبحت مسلمًا؟ قال: نعم أصبحتُ مِن اليوم مسلمًا!، ذهلتُ.. كيف سبقني هذا إلى الإسلام.. ثمَّ ذهبتُ إلى أعلى؛ للتَّفكير في الأمور قليلًا، وبدأتُ أتحدَّث مع زوجتي عن الموضوع.
فقالت لي: أظنُّ أنِّي لن أستمر بعلاقتي معك طويلًا.
فقلت لها: لماذا؟ هل تظنِّين أنِّي سأسلم؟
قالت: لا، بل لأنِّي أنا الَّتي سوف تسلم!
فقلت لها: وأنا أيضًا في الحقيقة أُريد أنْ أسلم.
قال: فخرجتُ مِن باب البيت وخررتُ على الأرض ساجدًا تجاه القبلة، وقلت: يا ربِّ اهدني.
ذهبتُ إلى أسفلَ، وأيقظتُ (محمَّدًا)، وطلبتُ منه أنْ يأتيَ لمناقشة الأمر معي.. مشينا وتكلَّمنا طوال تلك اللَّيلة، وحان وقتُ صلاة الفجر.. عندها أيقنتُ أنَّ الحقيقة قد جاءتْ أخيرًا، وأصبحتِ الفرصةُ مهيَّئةً أمامي.. أذَّن الفجرُ، ثمَّ استلقيتُ على لوحٍ خشبيٍّ ووضعتُ رأسي على الأرض، وسألتُ إلهي إنْ كان هناك ما يُرشدني.. وبعد فترةٍ رفعتُ رأسي إلى أعلى فلم ألحظ شيئًا، ولم أرَ طيورًا أو ملائكةً تنزل مِن السَّماء، ولم أسمعْ أصواتًا أو موسيقى، ولم أرَ أضواء.. أدركتُ أنَّ الأمر الآن أصبح مواتيًا والتَّوقيتُ مناسبًا، لكي أتوقَّف عن خداعِ نفسي، وأنَّه ينبغي أنْ أُصبح مستقيمًا مسلمًا.. عرفتُ الآن ما يجب عليَّ فعلُه..
وفي الحادية عشرة صباحًا وقفتُ بين شاهدين: القسِّيس السَّابقُ والَّذي كان يُعرف سابقًا بِـ (الأب بيتر جاكوب) و (محمَّد عبد الرَّحمن)، وأعلنتُ شهادتي، وبعد لحظاتٍ قليلةٍ أعلنت زوجتي إسلامَها بعد ما سمعتْ بإسلامي..
كان أبي أكثر تحفُّظًا على الموضوع، وانتظر شهورًا قبل أن ينطق بالشَّهادتين..
يقول الشَّيخ (يوسف): فأرى أنَّ إسلامنا جميعًا كان بفضل الله ثمَّ بالقدوة الحسنة في ذلك المسلم الَّذي كان حسنَ الدَّعوة، وكان قبل ذلك حسنَ التَّعامل، وكما يقال عندنا: "لا تقل لي، ولكن أرني".
أسلمنا دفعةً واحدةً..
لقد دخلنا -ثلاثةُ زعماءَ دينيِّين مِن ثلاثِ طوائفَ مختلفةٍ- الإسلامَ دفعةً واحدةً، وسلكنا طريقًا معاكسًا جدًّا لِمَا كنَّا نعتقد، ولم ينتهِ الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل في السَّنة نفسها دخل طالبُ معهدٍ لاهوتيٍّ مُعمَّدٌ -مِن (تينسي)- يُدعى (جو) دخل في الإسلام بعد أنْ قرأ القرآن.. ولم يتوقَّف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل رأيتُ كثيرًا مِن الأساقفة والقساوسة، وأرباب الدِّيانات الأخرى يدخلون الإسلام ويتركون معتقداتهم السَّابقة.
أليس هذا أكبرُ دليلٍ على صحَّة الإسلام، وكونه الدِّين الحقِّ؟! بعد أنْ كان مجرَّدُ التَّفكير في دخولنا الإسلام ليس أمرًا مستبعدًا فحسب، بل أمرًا لا يحتمل التَّصوُّر بأيِّ حالٍ مِن الأحوال.
كلُّ هذه الدَّلائل السَّابقة أنَّ الدِّين عند اللّه الإسلام، جعلتني أرجعُ إلى الطَّريق المستقيم، الَّذي فطرنا اللّه عليه منذ ولادتنا مِن بطونِ أمَّهاتنا، لأنَّ الإنسان يُولدُ على الفِطرة (التَّوحيد) وأهلُه يهوِّدانِه أو ينصِّرانه.
ولم يكن إسلامي فرديًّا، ولكنَّه يُعدُّ إسلامًا جماعيًّا لي ولكلِّ الأسرة، مِن خلال مدَّةٍ بسيطةٍ قضاها مسلمٌ مصريٌّ مع أسرتنا وفي بيتنا، اكتشفنا مِن وجوده وطريقة حياته ومعيشته ونظامه ومِن خلال مناقشتنا له أمورًا جديدةً بالنِّسبة لنا، لم نكن نعلمها عن المسلمين وليست عندنا كنصارى.
أسلم والدي بعدما كان متمسِّكًا بالكنيسة، وكان يدعو النَّاس إليها، ثمَّ أسلمت زوجتي وأولادي.
والحمدُ للّه الَّذي جعلنا مسلمين، الحمد لله الَّذي هدانا للإسلام وجعلنا مِن أُمَّةِ محمَّدٍ خير الأنام.
تعلَّق قلبي بحبِّ الإسلام وحبِّ الوحدانيَّة والإيمان باللّه تعالى، وأصبحتُ أغار على الدِّين الإسلاميِّ أشدَّ مِن غيرتي مِن ذي قبل على النَّصرانيَّة، وبدأتْ رحلةُ الدَّعوةِ إلى الإسلام وتقديم الصُّورة النَّقيَّة، الَّتي عرفتها عن الدِّين الإسلاميِّ، الَّذي هو دينُ السَّماحة والخُلُق، ودين العطف والرَّحمة[10]. عنوان موقع الشَّيخ إستس: www.todayislam.com
15- عالم الرِّياضيَّات والمنصِّر السَّابق الدُّكتور الكنديُّ جاري ميلر
https://www.youtube.com/watch?v=ae_YnXRGjnM&t=61s
https://www.youtube.com/watch?v=hLg8lvh23WI
الدُّكتور جاري ميلر (عبد الأحد عمر) عالمٌ في الرِّياضيَّات واللَّاهوت المسيحيِّ ومُبشِّرٌ سابق؛ يُبيِّن أنَّه كيف بإمكاننا تأسيسُ إيمانٍ صحيحٍ بوضعِ معاييرَ للحقيقة، ويصوِّر طريقةً مُبسَّطةً وفعَّالةً لإيجاد الاتِّجاه الصَّحيح أثناء البحث عن الحقِّ.
وقد كان الدُّكتور (ميلر) في إحدى فترات حياته نشطًا في التَّبشير المسيحيِّ، ولكنَّه بدأ مبكِّرًا باكتشاف تناقضاتٍ كثيرةٍ في الإنجيل، وفي سنة (1978م) حصل أنْ قرأَ القرآنَ الكريمَ، مُتوقِّعًا بأنَّه -أيضًا- سيحوي خليطًا مِن الحقيقة والزَّيْف، لكنَّه ذُهِل باكتشافه أنَّ رسالةَ القرآن الكريم كانت مُطابِقةً لنفس جوهر الحقيقة الَّتي استخلصها مِن الإنجيل، فدخل الإسلامَ، ومنذئذٍ أصبح نشِطًا بتقديمه للنَّاس، بما في ذلك استخدام المذياع والبرامج التِّلفازيَّة.
وهو أيضًا مؤلِّفٌ للعديد مِن المقالات والنَّشرات الإسلاميَّة، نذكر منها: ||(ردٌّ موجَزٌ على المسيحيَّة - وجهة نظر المسلم)، و (القرآن العظيم)، و (خواطر حول براهين أُلوهيَّة المسيح)، و (أُسُسُ عقيدة المسلم)، و (الفرق بين الإنجيل والقرآن)، و (المسيحيَّة التَّبشيريَّة - تحليلٌ لمسلم).
16- الدُّكتور روبرت كرين الرَّئيس الأمريكيِّ نيكسون
https://studio.youtube.com/video/XCxBKNEe7Gk/edit
https://www.youtube.com/watch?v=TTVD2aytlww
نُبذةٌ عنه:
دكتوراه في القانون الدُّوليّ والمقارن، رئيس جمعيَّة (هارفارد) للقانون الدوليِّ، ومستشارُ الرئيس الأمريكيِّ (نيكسون) للشُّؤون الخارجيَّة، ونائب مدير مجلس الأمن القوميِّ في البيت الأبيض سابقًا، ومؤسِّس جمعيَّة المحامين المسلمين الأمريكيِّين.
اعتنق الإسلام عام (1980م).
يقول (روبرت كرين / د. فاروق عبد الحقّ) ناعيًا على العدوان الصّحفيّ على الإسلام في أمريكا:
"لو قرأ النَّاس الصُّحف في أمريـكا؛ فإنَّهم بلا شــكٍّ سـينتابهم الخوفُ مِن الإسلام".
ويقول واثقًا مِن مستقبل الإسلام:
"الإسلام هو الحلُّ الوحيد، فهو الَّذي يحمل العدالة في مقاصد الشَّريعة وفي الكلِّيَّات والجزئيَّات والضَّروريَّات".
(د. روبرت كرين) الَّذي غيَّر اسمه إلى (فاروق عبد الحقّ) مستشارُ الرَّئيس الأمريكيِّ (نيكسون) ونائبُ مدير الأمن القوميِّ الأمريكيِّ: هو أحدُ مستشاري الرَّئيس السَّابق (نيكسون)، رجلٌ معه دكتوراه في دراسة الحضارات، وهو مِن الشَّخصيَّات البارزة هناك، عمل في الخارجيَّة الأمريكيَّة والبيت الأبيض ثلاثين عامًا، وحين أراد (نيكسون) أن يكتب كتابه طلب مِن المخابرات الأمريكيَّة ملفًّا عن الأصوليَّة الإسلاميَّة، فوافوه بملفٍ كاملٍ عن الأصوليَّة الإسلاميَّة، ولم يكن عنده مِن الوقت ما يسمح له بقراءته، فأحاله إلى (روبرت كرين) فقرأه فأسلم على الفور.
مع العلم بأنَّ الملفَّ الَّذي قرأه -والَّذي كان سببًا في إسلامه- قد كُتِب بأيدي المخابرات الأمريكيَّة، وليس بأيدٍ إسلاميَّةٍ، ومع ذلك فقد أسلم (كرين)، وهو الآن يكتب سلسلةً مِن المقالات في دوريَّةٍ من أهمِّ الدَّوريَّات الغربيَّة.
إنَّه الإيمانُ الَّذي يقرع القلوب:
الدُّكتور (كرين) هو أحدُ كبار الخبراء السِّياسيِّين في أمريكا، وهو المؤسِّس والمنشِئُ لمركز الحضارة والَّتجديد في (أمريكا)، وبعد حصوله على شهادة الماجستير في الأنظمة القانونيَّة المقارنة مِن جامعة (هارفارد)، وبعد تأسيسه لصحيفة (هارفارد) للقانون الدُّوليّ وتسلُّمه منصب الرَّئيس الأوَّل لجمعيّة (هارفارد) للقانون الدُّوليِّ؛ عمل لمدَّة عقدٍ مِن الزَّمن فيما يُسمَّى بـ (المراكز الاستشاريَّة لصنَّاع السَّياسة في واشنطن).
وفي عام (1962م) شارك في تأسيس مركز الدِّراسات الاستراتيجيَّة الدُّوليَّة.
وفي عام (1963م) وحتَّى عام (1968م) كان أكبرَ مستشاري الرَّئيس السَّابق (ريتشارد نيكسون) في السِّياسة الخارجيَّة.
وفي عام (1969م) عيَّنه (نيكسون) نائبًا لمدير مجلس الأمن القوميِّ في البيت الأبيض.
وفي عام (1981م) عيَّنه (رونالد ريغان) سفيرًا للولايات المتَّحدة في الإمارات العربيَّة.
بعد إسلامه، عمل الدُّكتور (كرين) مديراً للقسم القانوني للمجلس الإسلاميِّ الأمريكيِّ، وهو الرَّئيس المؤسِّس لرابطة المحامين الأمريكيِّين المسلمين، وحصل على دكتوراه في القانون عام (1959م)، ويتقنُ ستَّ لغاتٍ حيَّةٍ، وهو متزوّجٌ وأبٌ لخمسة أولاد.
نشر عشرة كُتبٍ، وخمسين مقالةً اختصاصيَّةً حولَ الأنظمة القانونيَّة المقارنة والاستراتيجيَّة العالميَّة وإدارةِ المعلومات.
وعن كيفيّة اهتدائه للإسلام، يقول:
"في عام (1980م)، وعلى أثر انتصار الثَّورة الإسلاميَّة (في إيران) إزداد اهتمام النَّاس في الغرب بالإسلام، ولم يكن اهتمامُهم إعجابًا به، وإنَّما اعتبروه تهديدًا لهم، لذلك تنادى العديدُ مِن صُنَّاع الفكر إلى عقد النَّدوات والمؤتمرات حول هذا الموضوع، وقد حضرتُ أحدَ المؤتمرات كي أرى ماهيَّة هذه الدِّراسات والأُطروحات المقدَّمة، في خريف (1980م)، وكان مشاركًا في المؤتمر الكثيرُ مِن قادة الفكر الإسلاميِّ، ومنهم الَّذي تكلَّم عدَّة مرّاتٍ وشرح الإسلام تمامًا، كما كنتُ أبحث عنه، فأدركتُ أنَّه متقدِّمٌ في أفكاره، ثمَّ رأيتُه وهو يصلِّي ويسجد، وكنتُ ضدَّ مسألة السُّجود، لأنَّ الإنسان في نظري لا يجب أن يسجدَ لأحدٍ، ففي هذا إهانةٌ له ولإنسانيَّته، ولكنَّني أدركتُ أنَّ الشَّيخ ينحني لله ويسجد له، فالأَوْلى أنْ أنحني وأسجد أيضًا، وهكذا فعلتُ ودخلتُ الإسلام مِن يومها، على يد الشيخ".
وعمَّا كان يسكنه مِن هاجسٍ ثمَّ وجد في الإسلام إجابةً له، يقول (كرين): "كان والدي يعمل أُستاذًا في جامعة (هارفارد)، وقد علَّمني أنْ أهتمَّ وأُدافع عمَّا هو صوابٌ، وأنْ أُحاول تجنُّب الخطأ، وقد قضيتُ معظم وقتي في التَّحرِّي عن العدل والعدالة قبل أنْ أُصبح مسلمًا.
وفي الندوة الَّتي جمعتني مع البروفسور (روجيه غارودي) في دمشق سمعتُه يتحدَّث ويهاجم الرَّأسماليَّة منذ كان شيوعيًّا، وكلانا كان لديه نفسُ الهدف، وهو أنْ يدعم العدالة، وكلانا كان ضدَّ التَّركيز على الثَّروة؛ لأنّ الاهتمامَ بجمع الثَّروة ليس بعدلٍ.. لقد اتّبع (غارودي) المبدأ الماركسيَّ الَّذي يسعى لتحطيم الملكيَّة، في حين أنّي كنتُ أعتبر الملكيَّة مفتاحًا للحرِّيَّة، لكنَّ كلانا كان يرى أنَّ الملكيَّة تؤدّي في النِّهاية إلى الظُّلم وعدم انتشار العدل، وكلانا كان يدعو إلى نظامٍ يدعو إلى إنتاج وإعطاء العدالة للجميع.. لذلك وجدنا أنَّ الإسلام هو الحلُّ الوحيد، فهو الَّذي يحمل العدالة في مقاصد الشَّريعة وفي الكلِّيَّات والجزئيَّات والضَّروريَّات، وأنا -كمحامٍ- كنتُ أسعى إلى مبادئ ليست مِن وضع البشر".
ويواصل (د. كرين) حديثه متطرِّقًا إلى أنَّ الغربَ أخذ هذه الفضيلة مِن الشَّرق -أي المقاصد والغايات- ثمَّ وسَّعها وحوَّلها -سعيًا وراء القوَّة- إلى مدنيَّةٍ كبيرةٍ، وقد أدَّت هذه القوَّةُ إلى التَّحكُّم بالعالَم، وقد فقد الغرب هنا الدَّوافع لحضارته ومدنيَّته.
وفي الواقع أنَّ تحرِّي العدالة ليس هدفًا في الغرب؛ "لذلك بدأتُ أسعى وأُفتِّش عن العدالة، والمفارقة أَنَّني عندما ذهبتُ إلى جامعة (هارفارد) وحصلتُ على شهادتي في القانون، مكثتُ هناك ثلاث سنواتٍ لم أسمعْ خلالها كلمةَ العدل ولا مرَّةً واحدةً".
أمّا كيف تمّ اختياره مستشارًا للشُّؤون الخارجيَّة الأميركيَّة، فيقول عن ذلك:
"في عام (1963م) كتبتُ مقالةً طويلةً عن الصِّراع بين روسيا وأميركا، وقد قرأ الرَّئيس (نيكسون) هذه المقالة وهو في الطَّائرة، فاستدعاني بعدها وكلَّفني بوضع كتابٍ حول السِّياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة وحول الشِّيوعيَّة.
ثمَّ عملتُ مستشارًا للشُّؤون الخارجيَّة منذ عام (1968م)، وكنتيجةٍ لهذا الكتاب عُيِّنتُ نائبًا للرَّئيس (نيكسون) للأمن القوميِّ في البيت الأبيض، وكان هناك أربعةُ نوَّابٍ للرَّئيس؛ كنتُ أحدَهم.
وفي عام (1969م) عندما استلم (هنري كيسنجر) وزارة الخارجيَّة أنهى عملي بسبب (25) ورقةً كانت في كتابي، تضمَّنت موضوعَ فلسطين، وقد اقترحتُ يومها تشكيل دولتين: يهوديَّةٍ وفلسطينيَّةٍ، وقد بُحِثَ هذا الموضوع لسنواتٍ عديدةٍ على أعلى المستويات في دوائر الولايات المتَّحدة وفي البيت الأبيض، ولكنَّ (كيسنجر) كان ضدَّ كلِّ إنسانٍ يبحث في هذا الموضوع، ووقف (كيسنجر) ضدِّي في كلِّ مجالٍ دخلتُ أو عملتُ فيه، ثمَّ عيَّنني (نيكسون) نائبًا لإدارة شؤون إحدى الولايات في البيت الأبيض، كما عملتُ في مسألة (وُوتر غيت).
بعد فضيحة (وُوتر غيت) وجدتُ أنَّني لا أستطيع أنْ أُؤثِّر على سياسة الولايات المتَّحدة بشكلٍ فعَّالٍ مِن داخل الدَّولة، ورأيتُ أنَّ الحلَّ الوحيدَ لإزالة الظُّلْمِ هو إنشاءُ حركةٍ فكريَّةٍ تعود للمثاليَّات في أمريكا، وتنادي باستعادة التُّراث الأمريكيِّ الَّذي كاد أنْ يضيع، هذا التُّراث الَّذي ضاع.
هذه المثل العُليا لم تعد موجودةً في أمريكا، ولكنِّي وجدتُها في الإسلام؛ لذلك أرى أنَّ الطَّريقَ إلى إنعاش التُّراث الأمريكيِّ سيكون عن طريق الإسلام، وهذا ما أقوم بالعمل عليه منذ إسلامي عام (1980م)".
وعن هذه النُّقطة، وبشيءٍ من التَّفصيل عاود صاحبنا، وفي المؤتمر الرَّابع والعشرين للاتِّحاد الإسلاميِّ في أمريكا الشَّماليَّة، المعروف اختصارًا بِـ (ISAN) والَّذي عُقِدَ في الفترة ما بين (29/8) إلى (1/9/1986م) بمدينة (انديانا بوليس)، والَّذي خُصِّص لمناقشة مستقبل الإسلام في أمريكا الشَّماليَّة، إذْ عَرَض (د. فاروق عبد الحقّ / كرين) مقارنةً للمقدِّمات الَّتي تحدِّد توجُّهات السِّياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة والصُّورة المثلى الَّتي قامت على أساسها، ولهذا ظلَّت السِّياسة الأمريكيَّة ثابتةً لثبات هذه المقدِّمات.. وبالنِّسبة للإسلام فإنَّ السِّياسة تتركَّز على العدل، ويمكن تعريف العدل بأنَّه إرادةُ الله".
ومِن هنا فإنَّه يرى أنَّ الحاجة قائمةٌ لإيجاد صُنَّاعِ فكرٍ إسلاميٍّ لكي يشرحوا للأمريكيِّين كيف يجب على أمريكا أنْ تدير سياستها الخارجيَّة، وأن يبيِّنوا أنَّ العدل هو الطَّريقُ الطَّويل الَّذي يجب أن تسلكه أمريكا.
وفي الوقت الَّذي لا يبدي فيه (د. فاروق) قلقًا على بقاء الإسلام في أمريكا، غير أنَّه يجب التَّركيز على بناءِ فكرٍ عالٍ للمفهوم الإسلاميِّ بين الشَّباب بشكلٍ خاصٍّ: "يجب أن يفهموا العالَم الحديث، ويجدوا ردودًا إسلاميَّةً لكلِّ المشاكل المطروحة في المجتمع.. ومِن جانبٍ آخر يجب أن ننمِّي ونطوِّر قيادةً فكريَّةً بين المسلمين وفي كلِّ حقول المعرفة، ويكون الهدفُ مِن كلا الأمرين هو تدعيمُ العدل والعدالة في العالَم.. وهذا يجعلُ الإسلام قوَّةً إيجابيَّةً مِن أجلِ الخير في العالم، وهذه الأولويَّات تنطبقُ على الغرب كما تنطبقُ على العالم الإسلاميِّ".
وللدُّكتور (فاروق عبد الحقّ) آراءٌ وتصوّراتٌ عميقةٌ في أُمَّهات القضايا والتَّحدِّيات الَّتي تواجه المسلمين في عالم اليوم، وهو حين يوجِّه النَّقدَ إلى الغرب لنظرته المنحازة والقاصرة تجاه الإسلام؛ فإنَّه لا ينسى توجيهَ اللَّوم إلى بعض المسلمين في الشَّرق أو الغرب ممَّن لا يفهمون التَّعاليم الإسلاميَّة، ومِن الصّعب -كما يقول- أنْ تُفهِمَ الغربيِّين حقيقة الإسلام، لأنَّ الكثيرَ مِن المسلمين الَّذين يعيشون في الغرب لا يمارسون ولا يعيشون حسب تعاليم الإسلام.
توفي دُّكتور غرين (فاروق عبد الحقّ) في 12 ديسمبر 2021 (92 سنة)
17- كانت مهمَّة الشَّمَّاس أرمانيوس الإساءة للقرآن
فما الَّذي جعله يتحدَّى زكريَّا بطرس للمناظرة؟
https://www.youtube.com/watch?v=pYT3p_vgX64
https://www.youtube.com/watch?v=mZyAoZW5ufo
قصَّةٌ تنفتح لها مغاليقُ القلوب:
بطلُها دخل في سلك الكهنوت منذ نعومة أظفاره، فبدأ مساعدَ شمَّاسٍ، ثمَّ ترقَّى حتَّى أصبح شمَّاسًا، كانت مهامُّه أنْ يُظهرَ ما بين آيات وسور القرآن من التَّعارض والتَّناقض، أو أنْ يضع إصبعه على آياتٍ يوهم ظاهرُها التَّناقض؛ مِن باب إثبات الشُّبَه الَّتي يمكن أن يُستفادَ منها في المناظرات.
بدأ يدرس القرآن بحثًا عن أخطاءٍ وتناقضاتٍ تَوَقَّعَ أن يَجدها بين آياته لَيُقدِّمها إلى رجال الكنيسة مهرًا لتعيينه قسِّيسًا، الحلم الَّذي طالما دغدغ مشاعره.
وُلِد (جمال زكريَّا / أرمانيوس) في محافظة (المنيا) بصعيد مصر عام (1956م)، ترعرع ونشأ في كنف أسرةٍ نصرانيَّة أبًا عن جدٍّ، حيث كان جدُّه أحدَ أشهر الكهنة بأرضِ الكِنانة، وبذلك كان حلُمُه -وكغيره من أبناء عائلته- أنْ يصل إلى منزلة جدِّه، ويصبح قسِّيسًا كبيرًا يُشار إليه بالبنان.
منذ أنْ كان في الثَّامنة مِن عمره كان يحرص بشدَّةٍ على دخول الكنيسة والتَّطوُّع فيها حتَّى يصبح قسِّيسًا مكان جدِّه، بدأ عملُه داخلَ الكنيسة مساعدَ شمَّاس، حيث يتمثَّل عملُه في مساعدة الشَّمَّاس الَّذي يخدم الكنيسة، مِن خلال معاونة الكاهن في أداء الطُّقوس الدِّينيَّة والصَّلوات الكنسيَّة.
شبَّ (أرمانيوس) صبيًّا واسعَ النَّشاط وصبورًا على البحث والدِّراسة بهمّةٍ لا تعرفُ الكلل ولا الملل، لذلك تدرَّج سريعًا في المناصب الكنسيَّة إلى أنْ تمَّ تتويجه شمَّاسًا في كنيسة (مريم العذراء) بالقاهرة، ولَمَّا كان طموحه أكبرَ مِن ذلك بكثيرٍ فقد كان حريصًا على بذل المزيد مِن الجهد حتَّى يصبح قسِّيسًا بأسرعِ ما يمكن، ثمَّ جاء اليوم المنتظَر فأبلغوه بأنَّ ضالَّته المنشودةَ قد أصبحتْ على مرمى حجرٍ منه، وبالتَّالي يمكنه أن يحصلَ على منصبِ القسِّيس الَّذي طالما حَلَمَ به، ولكن اشترطوا عليه أن يقدِّم بحثًا يسلِّط الضَّوء على ما جاء في القرآن الكريم من أخطاءٍ وتناقضاتٍ!
أحسَّ الشمَّاسُ الطَّموحُ بأنَّه أصبح قاب قوسين أو أدنى مِن تحقيق حُلُمه الجميل، وأنَّ المطلوب منه أمرٌ في غاية البساطة واليُسر، وما عليه إلَّا أْن يقرأ القرآن بحثًا عن أخطاءٍ وتناقضاتٍ! وبالفعل بدأ رحلتَه مع القرآن بكلِّ همّةٍ ونشاطٍ، لدرجة أنَّه كان يقرؤه ثلاثَ مرَّاتٍ في الشَّهر الواحد، بل أصبح يحمل كتاب الله الكريم معه أينما ذهب، حتَّى كان يقرؤه في المواصلات العامَّةٍ بشغفٍ يحسده عليه حتَّى المسلمون.
لم يكن (جمال) يكتفي فقط بالتَّركيز في قراءته للقرآن، بل كان يحرص على تدبُّر معانيه جيِّدًا، الأمرُ الَّذي جعله يحفظ الكثيرَ مِن آياته عن ظهر قلب، ولكنَّه لاحظ أمرًا غريبًا أصابه بالرَّهبة في البدءِ وبالرَّاحة لاحقًا، نعم.. لاحظ أنَّه لا يكاد يقرأُ الآية حتَّى يشعرَ بها وقد دخلتْ إلى قلبه مباشرةً تمامًا كَسَهْمٍ تمَّ تَصويبُه بدقَّةٍ مُتناهيةٍ.
وجد (جمال) شغفه لقراءة القرآن يزداد يومًا بعد يوم، فقد كان يختمه كلَّ عشرة أيَّامٍ، ثمَّ يُعيدُ الكرَّة مِن جديدٍ، وبرغم تأثُّره بكلِّ آيات القرآن الكريم، فإنَّ الآية الثَّانية مِن سورة البقرة الَّتي يقول فيها الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:2)، كان لها عظيمُ الأثر في نفسه، وهو يقول عنها: "كلَّما قرأت هذه الآية ينتابني إحساسٌ، وكأنَّ القرآن يريد أنْ يخبرني بأنَّه لا جدوى مِن البحث، وأنَّ هذه الآية هي الرَّدُّ الشَّافي لبحثي".
انبهر (جمال) بالثِّقة المطلقة الَّتي وجدها في هذه الآية الكريمة، والَّتي لا يمكن أن تتأتَّى لأيِّ أحدٍ مِن البشر مهما بلغ مِن العلم! ففي العادة يعتذر المؤلِّفون للقُرَّاء في مقدِّمة مؤلَّفاتهم عن أيِّ تقصيرٍ أو خطأٍ أو سهوٍ وقعوا فيه أثناءَ تأليفهم لهذه المؤلِّفات، أمَّا القرآن فهو الكتابُ الوحيدُ الَّذي يعلن لك مِن الوهلة الأولى وبكلِّ ثقةٍ أنَّه كتابٌ ﴿لَّا رَيۡبَ فِيهِ﴾ (البقرة:2)، ولا خطأَ ولا اختلافَ فيه، ولا خللَ ولا تناقضَ يعتريه، وأنَّه الكتاب المشتمل على علم اليقين المزيل للشَّكِّ والرَّيب.
"ولكنَّني لم أجدْ ما كنتُ أبحث عنه، وفي المقابل كنتُ أقرأ الإنجيل وتعمَّقتُ في دراسته، فاكتشفتُ فيه خمسة آلاف خطأٍ وتناقضٍ!".
لاحظَ (جمال) أنَّه وفي كلِّ مرّةٍ يفتح فيها القرآن -ولثلاث مرَّاتٍ متتاليةٍ- يجد نفسه وجهًا لوجهٍ أمام هذه الآية مِن سورة الأنعام: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ (125) الأنعام.
كان ينتابه الإحساسُ بأنَّ هذه الآية تخاطبه شخصيًّا، فيتوقَّف في كلِّ مرَّةٍ ويتفكَّر طويلًا في معناها، هذا الأمر جعله يتَّخذ منحًى آخر في تفكيره؛ إذ شعر برغبةٍ ملحَّةٍ في قراءة القرآن بشكلٍ مغايرٍ ولغرضٍ آخر يختلف عن ذاك الَّذي كُلِّف به مِن قبل الكنيسة، فوجد نفسه في حاجةٍ إلى الاستعانة ببعض كتب التَّفسير لتسهيل عمليَّة الفهم.
عندما جاء موعد تقديم (جمال) لبحثه: (متناقضات القرآن الكريم وأخطاؤه) كان رجال الكنيسة المشرفون ينتظرون بشوقٍ إطْلاعهم على هذا البحث وما به مِن تناقضاتٍ يشتمل عليها القرآن، حتَّى يقرِّروا منح صاحبه الشَّمَّاس درجةَ كاهنٍ أو قسِّيسٍ.
لكن اندهش رجالُ الكنيسة وأُحبطوا عندما قام (جمال) بتسليمهم بحثه في ورقةٍ واحدةٍ ناصعة البياض إلَّا مِن ستِّ كلماتٍ: "لم أجد في القرآن أيَّ تناقضٍ".. وأسفل هذه الكلمات هناك توقيعٌ باسم (جمال زكريَّا) عوضًا عن (الشَّمَّاس جمال زكريَّا أرمانيوس)، الاسمُ والصِّفةُ اللَّذان كانا يتوقَّعون تصدُّرهما البحث.
أمسك بالميكروفون في تجمُّعٍ كنسيٍّ كبيرٍ وقال: "أيُّها الإخوة الأحباب، طلبتم إليَّ مهمَّةً محدَّدةً أن أتلمَّس ما في القرآن مِن تعارضٍ، وقد كنتُ أمينًا معكم، فبسطتُ القرآنَ أمامي وقرأتُه وطالعتُ سورة مريم، وأصدقكم القول: لم أجدْ في القرآن أيَّ تعارضٍ".
صدَم الشَّمَّاسُ رجالَ الكنيسة بالخُلاصة العجيبة الَّتي خرج بها مِن دراسته للقرآن الكريم على مدى شهورٍ، حيث لم يجد فيه أيَّ خطأٍ أو تناقضٍ، رغم قراءته له عشرات المرَّات!
نتيجةً لموقفه الشُّجاع والصَّادق أيضًا؛ دفع (جمال) ثمنًا باهظًا يتمثَّلُ في فقدانه لآماله وطموحاته ومستقبله ومصدر رزقه، لكنَّه كان يشعر في قرارة نفسه بأنَّه حقَّق الرِّبحَ الحقيقيَّ، رغم الخسران الظاهريِّ الَّذي يبدو لبني جنسه.
بدأ (جمال) بعد ذلك يفكِّر في دخول الإسلام، وحالما شعر رجال الكنيسة بذلك أخذوا يغلقون أمامه كلَّ السُّبُل والمنافذ، فحاربوه في بيته ووصموه بتهمة (الإرهاب)! وعندما فشل أسلوبُ العصا جرَّبوا معه سياسة الجزرة، فتقدَّم منه الأُسقُفُّ، وقدَّم له عرضًا رآه شديدَ الإغراء، يتمثَّل ذلك العرضُ في أنْ يتمَّ تعيينه رسميًّا كقسِّيسٍ استثنائيٍّ، يمتلك الحقَّ في أن يختار الدَّيرَ الَّذي يريد العملَ فيه! عرضوا عليه كذلك أموالًا طائلةً! لكنَّه ضرب بالجزرة عرض الحائط، ورفض كلَّ الإغراءات الَّتي يسيل لها لعابُ كلِّ بني جنسه.
وبعدها علمت الكنيسة أنَّه أشهر إسلامه رسميًّا في جامعة الأزهر لدى رئيس لجنة الفتوى بالجامعة، فجرَّدوه مِن كلِّ شيءٍ: بيته وسيَّارته وكلِّ ممتلكاته، بل وصل بهم الأمر أن أخذوا ملابسه! ولم يتوقَّف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل قاموا بتهريب زوجته المسيحيَّة وأبنائه إلى أمريكا، وتعرَّض للقتل ثلاث مرَّاتٍ بتوجيهاتٍ مٍن الكنيسة، لأنَّهم خسروا أحد القسِّيسين المخلصين.
لكنَّ ذلك كلَّه لم يثنه عن قراره المصيريِّ الشُّجاع، والمضيِّ قُدُمًا في طريق الحقِّ حتَّى النِّهاية.
ماذا ستكون ردَّةُ فعل أُمِّه يا ترى؟
عندما أشاح (جمال) بوجهه عن الكنيسة والقائمين على أمرها بدأ يفكِّر في أهله، وأصابته الحيرةُ في كيفيَّة إخبارهم بإسلامه! فقرَّر أنْ يبدأ بأُمِّه وهي أقربُ النَّاس إليه وأحنُّهم عليه، فقد كان يبرُّها بشدَّةٍ، ذهب إليها بخطًى متثاقلةٍ، ليخبرها أنَّه ينوي الدُّخولَ في الإسلام، وهو قد دخله بالفعل! تساءل محتارًا: كيف يُخبرها بهذا القرار الخطير؟ وكيف ستكون ردُّ فعلها تجاه هذا الأمر الجلل؟
جلس (جمال) أمام أمِّهِ المريضة، بأدبٍ يشوبه الحياء، حاول أنْ ينتقي كلماتِه بعنايةٍ، إذْ إنَّ للموضوع أهمِّيَّته الكبيرةَ، كما أنَّ لأُمِّه مكانتَها العظيمةَ في حياته ومقامها السَّامي في نفسه، قال لها في شبه همسٍ متوقِّعًا منها ردَّةَ فعلٍ عدائيَّةً عنيفةً:
"يا أمِّي الحبيبة لقد أسلمتُ لله ربِّ العالمين، ولا أُريد أن أغضبك بهذا، ولكنِّي عرفت الحقَّ فلا تغضبي منِّي، وأرجو أن تفهمي موقفي"..
تفاجأ (جمال) مِن ردِّها عليه، قائلةً في منتهى الهدوء:
"ياه يا جمال يا ابني، أنت اتأخَّرت أوي!"..
انبهر (جمال)، وكاد يطير مِن الفرح عندما علم أنَّ أمَّه الحنون سبقته إلى الإسلام بفترةٍ طويلةٍ.
"يا ابني أنت اتأخَّرت أوي!".. كلماتٌ سهلةُ المبنى عميقةُ المعنى، ولكنَّها تنطوي على جملةٍ مِن المعاني والمشاعر الَّتي يتطلَّب شرحُها مجلداتٍ! هذه الكلمات الَّتي نطقت بها الأم حلَّقت بِـ (جمال) في فلكٍ نورانيٍّ شفيفٍ، منذ نعومة أظفاره سمع (جمال) مِن أُمِّه العديدَ مِن الكلمات الجميلة، بيد أنَّ جملةَ "يا ابني أنت اتأخَّرت أوي) تُعتبر الأجملَ على الإطلاق؛ رسمًا ومعنًى.
فرح (جمال) بشدَّةٍ حينما أخبرتْه أنَّها أسلمتْ منذ زمنٍ بعيدٍ، وأنَّها كانت تَشعرُ بأنَّه سيُصبح مسلمًا في يومٍ من الأيام، وأنَّه كلَّما ارتقى في مناصبه الكنسيَّة كانت تعلم يقينًا أنَّه سيبحث ويجتهد في بحثه، ومِن ثَمَّ يصل إلى الحقيقة بنفسه.
إنَّ حالة (أمِّ جمال) الَّتي أسلمتْ وأخفتْ أمرَ إسلامها حتَّى عن أقربِ النَّاس إليها؛ ظاهرةٌ عامَّةٌ درستها الكنيسة المصريَّة بعنايةٍ، وتوصَّلت إلى نتائجَ وحقائقَ في غاية الأهمِّيَّة، ففي عام (2009م) تسرَّب إلى العلن بعضُ هذه النَّتائج الَّتي تؤكِّد أنَّ هناك الآلافَ مِن النَّصارى يتحوَّلون إلى الإسلام سرًّا، ويكتمون أمر إسلامهم خوفًا مِن بطش الأهل وجبروت الكنيسة، ويؤدُّون شعائر دينهم الجديد في الخفاء.
وفي هذا الخصوص يؤكِّد (الأنبا ماكسيموس) -رئيس المجمَّع المُقدَّس بكنائس الشَّرق لكنائس القديس إثناسيوس في مصر والشَّرق الأوسط سابقًا- أنَّ عدد النَّصارى الَّذين يُشهرون إسلامهم سنويًّا في مصر وحدَها يصلُ في المتوسِّط إلى (خمسين ألف) نصرانيٍّ، وهذا الرَّقم تؤكِّده سجلَّات الأزهر الشَّريف، الَّتي تُشير إلى أنَّ عددَ حالات التَّحول مِن النَّصرانيَّة إلى الإسلام المسجَّلة رسميًّا بلغت (مليونًا ومائةً وخمسين ألفِ) حالةٍ، خلال الفترة مِن (1995م) إلى (2016م)، أي بمتوسِّطٍ سنويٍّ يزيد على (أربعة وخمسين ألفِ) حالةٍ.
إنَّ ظاهرةَ دخول النَّصارى في دين الإسلام بهذه المعدَّلات المتزايدة تُقلق رجال الكنيسة المصريَّة كثيرًا، ولذلك فهم يسعون بشتَّى الطُّرق إلى تشكيك عوامِّ المسلمين في دينهم، حيث يشكِّلون اللِّجان المتخصِّصة مِن أجل تحقيق هذه الغاية.
ويؤكِّد (جمال زكريَّا) أنَّه سبق وقد تمَّ اختياره ضمن لجنةٍ مهمَّتُها محاربةُ الإسلام بالإسلام، وسلَّموا كلَّ فردٍ مِن أعضاء هذه اللِّجنة نسخةً مِن القرآن الكريم، بهدفِ قراءته والخروجِ بسورٍ وآياتٍ تحتملُ أكثر مِن معنًى، ويتمُّ نزعُها مِن سياقها وتفسيرها بشكلٍ خاطئٍ، وتعليمها للأطفال والشَّباب المسيحيِّ مِن خلال دروس الأحد، حتَّى إذا اكتشف المسيحيُّ أيَّ تناقضاتٍ في الكتاب المُقدَّس مستقبلًا يكون قد سبق إلى علمه أنَّ القرآن الكريم -وهو كتاب المسلمين المُقدَّس- يحتوي تناقضاتٍ أيضًا حسب زعمهم.
غيَّر (جمال زكريَّا أرمانيوس) اسمه ليصبح (جمال زكريَّا إبراهيم)، وظلَّ على مدى سنتين عقب إسلامه يحمل وَشْمَ الصَّليب على يديه، ولأنَّه كان يشعر بالحرج عند ذهابه إلى المسجد وعلى يديه علامةٌ لا يحملها إلَّا النَّصارى المتعصِّبون أخذ يضع ضمَّاداتٍ على هذين الصَّليبين بغرض إخفائهما، حتَّى تمكَّن مِن إزالتهما نهائيًّا بعمليَّةٍ جراحيَّةٍ، بعد أنْ صبر عليهما لسنتين.
ما إنْ دخل (جمالُ) الإسلام حتَّى حمل همَّ الدَّعوة الإسلاميَّة وسط بني جنسه، فأسلم على يديه خلالَ فترةٍ وجيزةٍ (15) مِن المسيحيِّين.
نختتم هذا القصَّة بالإشارة إلى أنَّ الدَّاعية (جمال زكريَّا أرمانيوس) أصدر كتابًا يحمل عنوان: (لماذا اخترت الإسلام؟) يروي فيه رحلةَ الإنسان في البحث عن الحقيقة، مع إشارته إلى صعوبة هذا البحث عندما يتعلَّق الأمر بالعقيدة، لأنَّه مِن الصُّعوبة بمكانٍ على الإنسان أن يبدِّل دينَه الَّذي نشأ وتربَّى في ظلِّه، إلَّا إذا كان هذا التَّغيير والتَّبديل نابعًا عن اقتناعٍ تامٍّ، وهذا هو عينُ ما حدث معه شخصيًّا، إذْ لم يكن مسيحيًّا عاديًّا، بل كان مِن رجال الكنيسة المخلصين، لذلك ما إنْ وصل للحقيقة حتَّى قرَّر ألَّا يحتفظ بها لنفسه، وإنِّما عليه أنْ ينشرها للآخرين عساها تُسهم في هداية مَنْ أراد الله تعالى أنْ يهديَه للإسلام.
حقًّا إنَّ رحلة البحث عن الحقيقة هي أهمُّ رحلةٍ في حياة الإنسان، الرِّحلةُ الَّتي يتزوَّدُ بها الإنسان مِن أجل رحلته الأبديَّة، المهمُّ أنْ يصل الإنسانُ إلى محطَّة الوصول قبل نهاية الحياة الدُّنيا!
هذا الوصول نعمةٌ مِن الله، فاسألوا الله الهداية، فبالله نهتدي إلى الله.
المصادر:
- مقابلاتٌ تلفزيونيَّةٌ أُجريت مع (أرمانيوس)، وضعنا رابط الباركود إليها في بداية المقال.
- كتاب (جمال زكريَّا أرمانيوس): (لماذا اخترت الإسلام؟)، (القاهرة، مكتبة النَّافذة، 2006م).
ويمكنك الاطِّلاع عليه مِن خلال هذا الباركود:
https://www.muslim-library.com/arabic/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%9F/
https://postimg.cc/SJNwxJ3B
18- رئيس لجان التَّنصير في أفريقيا: القِسُّ المصريُّ السَّابق (إسحاق هلال مسيحه)
قصَّة إسلامه بصوته:
https://www.youtube.com/watch?v=Lf6IX57WHCQ
https://www.youtube.com/watch?v=Be8nC5qR7KY
المهنة: راعي كنيسة (المثال المسيحيِّ)، ورئيسٌ فخريٌّ لجمعيَّات (خلاص النَّفوس) المصريَّة في (أفريقيا وغرب آسيا)، مواليد: (3/5/1953م) المنيا - جمهوريَّة مصر العربيَّة.
وُلدتُ في قرية البيَّاضيَّة، مركز ملوي، محافظة المنيا، مِن والدَين نصرانيَّين أرثوذكس، زرعا في نفوسنا -ونحن صغارٌ- حِقدًا ضدَّ الإسلام والمسلمين.
حين بدأتُ أدرس حياة الأنبياء بدأ الصِّراع الفكريُّ في داخلي، وكانت أسئلتي تُثير المشاكل في أوساط الطَّلبة، ممَّا جعل (البابا شنودة) الَّذي تولَّى بعد وفاة (البابا كيربس) يُصدِر قرارًا بتعييني قِسِّيسًا، قبل موعد التَّنصيب بعامين كاملين، لإغرائي وإسكاتي، فقد كانوا يشعرون بمناصرتي للإسلام، مع أنَّه كان مقرَّرٌ ألَّا يتمَّ التَّنصيب إلَّا بعد مرور تسع سنواتٍ مِن بداية الدِّراسة اللَّاهوتيَّة، ثمَّ عُيِّنت رئيسًا لكنيسة (المثال المسيحيِّ) بسوهاج، ورئيسًا فخريًّا لجمعيَّات (خلاص النُّفوس) المصريَّة، (وهي جمعيَّةٌ تنصيريَّةٌ قويَّةٌ جدًّا، ولها جذورٌ في كثيرٍ مِن البلدان العربيَّة، وبالأخصِّ دول الخليج)، وكان (البابا) يُغدق عليَّ الأموال، حتَّى لا أعود لمناقشة مثل تلك الأفكار، لكنِّي -مع هذا- كنتُ حريصًا على معرفة حقيقة الإسلام، ولم يخبو النُّور الإسلاميُّ الَّذي أنار قلبي فرحًا بمنصبي الجديد، بل زاد، وبدأَت علاقتي مع بعض المسلمين سرًّا، وبدأتُ أدرس وأقرأ عن الإسلام، وطُلب منِّي إعداد رسالة الماجستير حول مقارنة الأديان، وأشرَف على الرِّسالة أسقف البحث العلميِّ في مصر، سنة 1975م، واستغرقتُ في إعدادها أربع سنواتٍ، وكان المشرف يعترض على ما جاء في الرِّسالة حول صدق نبوَّة الرَّسول محمَّدٍ ﷺ وأُمِّيَّته، وتبشير المسيح؛ بمجيئه، وأخيرًا تمَّت مناقشة الرِّسالة في الكنيسة الإنكليكيَّة في (القاهرة)، واستغرقَت المناقشة تسع ساعاتٍ، وتركَّزت حول قضيَّة النُّبوَّة والنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، علمًا بأنَّ الآيات صريحةٌ في الإشارة إلى نبوَّته وختم النُّبوَّة به، وفي النِّهاية صدر قرار (البابا) بسحب الرِّسالة منِّي وعدم الاعتراف بها.
أخذتُ أفكِّر في أمر الإسلام تفكيرًا عميقًا، حتَّى تكون هدايتي عن يقينٍ تامٍّ، ولكن لم أكن أستطيع الحصول على الكتب الإسلاميَّة، فقد شدَّد (البابا) الحراسة عليَّ، وعلى مكتبتي الخاصَّة.
ولهدايتي قصَّةٌ:
في (اليوم السَّادس مِن الشَّهر الثَّامن مِن عام 1978م)، كنت ذاهبًا لإحياء مولد العذراء في (الإسكندريَّة)، أخذتُ قطار السَّاعة الثَّالثة وعشر دقائق، الَّذي يتحرَّك مِن محطَّة أسيوط متَّجهًا إلى القاهرة، وبعد وصول القطار -في حوالي السَّاعة التَّاسعة والنِّصف تقريبًا- ركبت الحافلة مِن محطَّة العتبة (رقم 64) المتَّجهة إلى العبَّاسيَّة، وأثناء ركوبي في الحافلة بملابسي الكهنوتيَّة وصليبٍ يزِن ربع كيلو مِن الذَّهب الخالص وعصاي الكبير؛ صعد صبيٌّ في الحادية عشر مِن عمره، يبيع كتيِّباتٍ صغيرةً، فوزَّعها على كلِّ الرُّكَّاب؛ عداي أنا، وهنا صار في نفسي هاجسٌ، لِمَ كلُّ الرُّكَّاب إلَّا أنا؟ فانتظرته حتَّى انتهى مِن التَّوزيع والجمع، فباع ما باع، وجمع الباقي، قلت له: "يا بنيَّ لماذا أعطيتَ الجميع في الحافلة إلَّا أنا؟"، فقال: "لا يا أبونا، أنت قِسِّيسٌ"، وهنا شعرت وكأنَّني لستُ أهلًا لحمل هذه الكتيِّبات -مع صغر حجمها- لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ [11]، ألححتُ عليه ليبيعني منهم؛ فقال: "لا، هذه كتبٌ إسلاميَّةٌ"، ونزل، وبنزول هذا الصَّبيِّ مِن الحافلة شعرتُ وكأنَّني جائعٌ، وفي هذه الكتب شبعي، وكأنَّني عطشانٌ، وفيها ارتوائي.. نزلتُ خلفه، فجرى خائفًا منِّي، فنسيتُ مَن أنا، وجريتُ وراءه؛ حتَّى حصلتُ على كتابين.. عندما وصلتُ إلى الكنيسة الكبرى في العبَّاسيَّة (الكاتدرائيَّة المرقسيَّة) ودخلت إلى غرفة النَّوم المخصَّصة للمدعوِّين رسميًّا، كنتُ مرهقًا مِن السَّفر، ولكن عندما أخرجت أحد الكتابين -وهو (جُزء عمَّ)- وفتحته، وقع بصري على سورة الإخلاص، فأيقظَت عقلي وهزَّت كياني.. بدأتُ أردِّدها حتَّى حفظتُها، وكنتُ أجد في قراءتها راحةً نفسيَّةً واطمئنانًا قلبيًّا وسعادةً روحيَّةً، وبينا أنا كذلك إذ دخل عليَّ أحد القساوسة، وناداني: "أبونا إسحاق"، فخرجتُ وأنا أصيح في وجهه: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [12]، دون شعورٍ منِّي. [الواقعة: ٧٩]. [الإخلاص: ١].
على كرسيِّ الاعتراف:
بعد ذلك ذهبت إلى الإسكندريَّة لإحياء أسبوع مولد العذراء، يوم الأحد أثناء صلاة القدَّاس المعتاد وفي فترة الرَّاحة ذهبت إلى كرسيِّ الاعتراف، لكي أسمع اعترافات الشَّعب الجاهل، الَّذي يؤمن بأنَّ القِسِّيس بيده غفران الخطايا.
جاءتني امرأةٌ تعضُّ أصابع النَّدم، قالت: "إنِّي انحرفتُ ثلاث مرَّاتٍ، وأنا أمام قداستك الآن أعترف لك، رجاء أن تغفر لي، وأعاهدك ألَّا أعود لذلك أبدًا"، ومِن العادة المتَّبعة أن يقوم الكاهن برفع الصَّليب في وجه المعترِف، ويغفر له خطاياه، وما كدتُ أرفع الصَّليب لأغفر لها حتَّى وقع ذهني على العبارة القرآنيَّة الجميلة: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [13]، فعجز لساني عن النُّطق، وبكيت بكاءً حارًّا، وقلت: "هذه جاءت لتنال غفران خطاياها منِّي، فمن يغفر لي خطاياي يوم الحساب والعقاب؟"، هنا أدركتُ أنَّ هناك كبيرًا أكبر مِن كلِّ كبيرٍ، إلهٌ واحدٌ لا معبود سواه، ذهبتُ على الفور للقاء الأسقف، وقلت له: "أنا أغفر الخطايا لعامة النَّاس فمن يغفر لي خطاياي؟"، فأجاب دون اكتراثٍ: (البابا)، فسألته: "ومَن يغفر للبابا؟"، فانتفض جسمه ووقف صارخًا: "أنت قِسِّيسٌ مجنونٌ، والَّذي أمر بتنصيبك مجنونٌ، حتَّى وإن كان (البابا)، لأنَّنا قلنا له لا تنصِّبه؛ لئلَّا يفسد الشَّعب بإسلاميَّاته وفكره المنحلِّ"، بعد ذلك صدر قرار (البابا) بحبسي في دير (ماري مينا) بوادي النَّطرون. [الإخلاص: ١].
كبير الرُّهبان يصلِّي:
أخذوني معصوب العينين، وهناك استقبلني الرُّهبان استقبالًا عجيبًا، كادوا لي فيه صنوف العذاب، علمًا بأنَّني حتَّى تلك اللَّحظة لم أُسلِم، كلٌّ مِنهم يحمل عصًا يضربني بها، وهو يقول: "هذا ما يصنع ببائع دينه وكنيسته"، استعمَلوا معي كلَّ أساليب التَّعذيب؛ الَّذي لا تزال آثاره موجودةً على جسدي، وهي خير شاهدٍ على صحَّة كلامي، حتَّى أنَّه وصلت بهم أخلاقهم اللَّاإنسانيَّة أنَّهم كانوا يُدخلون عصا المقشَّة في دبري يوميًّا سبع مرَّاتٍ، في مواقيت صلاة الرُّهبان، لمدَّة سبعةٍ وتسعين يومًا، وأمروني بأن أرعى الخنازير، وبعد ثلاثةٍ أشهرٍ أخذوني إلى كبير الرُّهبان لتأديبي دينًّا، وتقديم النَّصيحة لي، فقال: "يا بنيَّ، إنَّ الله لا يُضيع أجر مَن أحسن عملًا، اصبر واحتسب، ومَن يتقِّ الله يجعل له مخرجًا ويرزقه مِن حيث لا يحتسب"، قلتُ في نفسي: هذا الكلام ليس مِن الكتاب المُقدَّس، ولا مِن أقوال القِدِّيسين، وما زلت في ذهولي بسبب هذا الكلام، حتَّى رأيته يزيدني ذهولًا على ذهولٍ بقوله: "يا بنيَّ، نصيحتي لك السِّرَّ والكتمان، إلى أن يعلَن الحقُّ مهما طال الزمان"، تُرى ماذا يعني بهذا الكلام وهو كبير الرهبان؟ ولم يطل بي الوقت حتَّى فهمت تفسير هذا الكلام المحيِّر، فقد دخلت عليه ذات صباحٍ لأوقظه؛ فتأخَّر في فتح الباب، فدفعته ودخلت، وكانت المفاجأة الكبرى -الَّتي كانت نورًا لهدايتي لهذا الدِّين الحقِّ، دين الوحدانيَّة- عندما شاهدت رجلًا كبيرًا في السِّنِّ، ذا لحيةٍ بيضاء، وكان في عامه الخامس والسِّتِّين، وإذا به قائمٌ يصلِّي صلاة المسلمين (صلاة الفجر)، تسمَّرتُ في مكاني أمام هذا المشهد الَّذي أراه، ولكنِّي انتبهت بسرعةٍ عندما خشيت أن يراه أحدٌ مِن الرُّهبان، فأغلقت الباب، جاءني بعد ذلك وهو يقول: "يا بنيَّ، استر عليَّ، ربِّنا يستر عليك"، أنا منذ ثلاثةٍ وعشرين سنةً على هذا الحال، غذائي القرآن، وأنيس وحدتي توحيد الرَّحمن، ومؤنس وحشتي عبادة الواحد القهَّار، الحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع يا بنيَّ".
بعد أيَّامٍ صدر أمر (البابا) برجوعي إلى كنيستي، بعد نقلي مِن (سوهاج) إلى (أسيوط)، لكنَّ الأشياء الَّتي حدثت مع سورة الإخلاص وكرسيِّ الاعتراف والرَّاهب المتمسِّك بإسلامه؛ جعلَت في نفسي أثرًا كبيرًا، لكن ماذا أفعل وأنا محاصَرٌ مِن الأهل والأقارب؟ وممنوعٌ مِن الخروج مِن الكنيسة بأمر (شنودة).
رحلةٌ تنصيريَّةٌ:
بعد مرور عامٍ جاءني خطابٌ -وهو مُودَع بالملفِّ الخاصِّ بإشهار إسلامي، في مديريَّة أمن الشَّرقيَّة (ج.م.ع)- يأمرني فيه بالذَّهاب كرئيسٍ للجنة المغادرة إلى السُّودان، في رحلةٍ تنصيريَّةٍ، فذهبنا إلى السُّودان، في (الأوَّل مِن سبتمبر 1979م)، وجلسنا به ثلاثة شهورٍ، وحسب التَّعليمات البابويَّة بأنَّ كلَّ مَن تقوم اللَّجنة بتنصيره يُسلَّم مبلغ (35 ألف جنيهٍ مصريٍّ)، بخلاف المساعدات العينيَّة، فكانت حصيلة الَّذين غرَّرت بهم اللَّجنة -تحت ضغط الحاجة والحرمان- خمسةً وثلاثين سودانيًّا، مِن منطقة (واو) في جنوب السُّودان، وبعد أن سلَّمتُهم أموال المِنحة البابويَّة، اتَّصلَت بالبابا مِن مطرانيَّة (أم درمان)، فقال: "خذوهم ليروا المُقدَّسات المسيحيَّة بمصر (الأديرة)"، وتمَّ خروجهم مِن السُّودان على أساس عمَّال، بعقودٍ للعمل بالأديرة، لرعي الإبل والغنم والخنازير، وتمَّ عمل عقودٍ صوريَّةٍ، حتَّى تتمكَّن لجنة التَّنصير مِن إخراجهم إلى مصر.
بعد نهاية الرَّحلة -وأثناء رجوعنا بالباخرة (مارينا) في النِّيل- قمتُ أتفقَّد المتنصِّرين الجدد، وعندما فتحت باب الكابينة الرَّابعة عشر -بالمفتاح الخاصِّ بالطَّاقم العامل على الباخرة- فوجئتُ بأن المتنصِّر الجديد (عبد المسيح) وكان اسمه (محمَّد آدم) يصلِّي صلاة المسلمين، تحدَّثت إليه؛ فوجدته متمسِّكًا بعقيدته الإسلاميَّة، فلم يغريه المال، ولم يؤثِّر فيه بريق الدُّنيا الزَّائل، خرجتُ منه، وبعد حوالي السَّاعة أرسلت له أحد المنصِّرين، فحضر إليَّ في الجناح الثَّالث، وبعد أن خرج المنصِّر قلت له: "يا عبد المسيح، لماذا تصلِّي صلاة المسلمين بعد تنصِّرك؟"، فقال: "بعتُ لكم جسدي بأموالكم، أمَّا قلبي وروحي وعقلي فملك الله الواحد القهَّار، لا أبيعهم بكنوز الدُّنيا، وأنا أشهد أمامك بأن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله".
بعد هذه الأحداث الَّتي أنارت لي طريق الإيمان وهدَتني لأعتنق الدِّين الإسلامي وجدت صعوباتٍ كثيرةً في إشهار إسلامي، نظرًا لأنِّني قِسٌّ كبيرٌ، ورئيس لجنة التَّنصير في أفريقيا، وقد حاولوا منع ذلك بكلِّ الطُّرق، لأنَّه فضيحةٌ كبيرةٌ لهم، ذهبت لأكثر مِن مديريَّة أمنٍ لأشهر إسلامي، وخوفًا على الوحدة الوطنيَّة أحضَرتْ لي مديريَّة الشَّرقيَّة فريقًا مِن القساوسة والمطارنة للجلوس معي، وهو المتَّبع بمصر لكلِّ مَن يريد اعتناق الإسلام، هدَّدتني اللَّجنة المكلَّفة مِن أربعة قساوسةٍ وثلاثة مطارنةٍ بأنَّها ستأخذ كلَّ أموالي وممتلكاتي المنقولة والمحمولة والموجودة في البنك الأهليِّ المصريِّ -فرع سوهاج وأسيوط- والَّتي كانت تقدَّر بحوالي (أربعة ملايين جنيهٍ مصريٍّ) وثلاثة محلَّات ذهبٍ وورشةٍ لتصنيع الذَّهب بحارة اليهود وعمارةٌ مكوَّنةٌ مِن أحد عشر طابقٍ (رقم 499) شارع بور سعيد في القاهرة، فتنازلتُ لهم عنها كلَّها، فلا شيء يعدل لحظة النَّدم الَّتي شعرتُ بها وأنا على كرسيِّ الاعتراف.
بعدها كادت لي الكنيسة العداء، وأهدرَت دمي، فتعرَّضتُ لثلاث محاولات اغتيالٍ، مِن أخي وأولاد أعمامي، فقاموا بإطلاق النَّار عليَّ في القاهرة، وأصابوني في كليتي اليُسرى، والَّتي تمَّ استئصالها في (7/1/1987م) في مستشفى القصر العينيِّ والحادث قُيِّد بالمحضر رقم (1762/1986) بقسم قصر النِّيل مديريَّة أمن القاهرة بتاريخ (11/11/1986م).
أصبحتُ بكِليةٍ واحدةٍ؛ وهي اليُمنى، وللظُّروف الصَّعبة الَّتي أمرُّ بها بعد أن جرَّدتني الكنيسة مِن كلِّ شيءٍ والتَّقارير الطِّبِّيَّة الَّتي تفيد احتياجي لعمليَّة تجميلٍ لحوض الكلية وتوسيعٍ للحالب، ولأنِّي لا أملك تكاليفها الكبيرة، أُجريت لي أكثر مِن خمسة عشر عمليَّةٍ جراحيَّةٍ، مِن بينها البروستات، ولم تنجح واحدةٌ منها، لأنَّها ليست العمليَّة المطلوب إجراؤها؛ حسب التَّقارير الَّتي أحملها، ولمَّا علم أبواي بإسلامي أقدما على الانتحار، فأحرقا نفسيهما، والله المستعان.
19- رئيس الأساقفة التنزاني:
مارتن جون موايبيو
سورة الإخلاص.. كلمة السِّرِّ
https://www.islamstory.com/ar/artical/21511/%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A8%D9%88%D8%A8%D9%88-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%82%D9%81%D8%A9
مرَّ بمحنٍ يَشيب لها الوِلدانُ بسبب إسلامه، فصبر واحتسب.
أسلم على يديه كثيرون، لحسن منطقه وصلابة مواقفه.
مِن عائلةٍ متوسِّطةِ الحال في (تنزانيا)، كان حلم والديه أنْ يُصبح أُسقفًّا في كنيسة المدينة الَّتي يعيشون فيها.. مِن صغره عمدوه وأرسلوه إلى مدرسةٍ داخليَّةٍ، وظلَّ الوالدان يُثيران فيه الرغبةَ ليصبح قسِّيسًا، ثمَّ جعلوه خادمَ المذبح في القُدَّاس، ناظرين إليه بفخرٍ واعتزازٍ وهو يساعد كاهن الكنيسة بتحضير (جسد ودم المسيح)!
بعد أنْ أتمَّ دراسته الجامعيَّة التحق بالكنيسة محقِّقًا رغبةَ والديه، وفي عُمُر الخامسة والعشرين تحديدًا قرَّر والده أن يرسله إلى (إنجلترا) ليدرس الكهنوت على أصوله ويعود لِـ (تنزانيا) بمكانةٍ أرفع، بالفعل سافر إلى (إنجلترا) عام (1964م) للحصول على الدُّبلوم في إدارة الكنائس، وبعد ذلك بسنةٍ ذهب إلى (ألمانيا) للحصول على البكالوريوس، وبعودته بعد عامٍ أصبح أُسقُفًّا عاملًا، لكنَّ (مارتن جون موايبوبو) -الدَّارس الَّذي يُعمل عقلَه ولا يتَّبع الآخرين- قرأ بتعمُّقٍ ما تنادي به الأديان السَّماويَّة، كما درس البوذيَّة وأبحر في رحلةِ الحقيقة، حيث لا رجوعَ إلَّا بهدًى مِن الله.
رحلتُه العلميَّة الثَّالثة كانت إلى (الولايات المتَّحدة) حيث الدُّكتوراه، فقد تعمَّق أكثرَ في مقارنة الأديان ورأى أنَّ الإسلام هو دينُ الفطرة.. يقول (موايبوبو): "حين فتحتُ القرآن الكريم كانت الآياتُ الأولى الَّتي أقرأها هي سورة الإخلاص: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ} (الإخلاص:1-4)، وكأنَّها كانت كلمةَ السِّرِّ"، كان هذا هو الوقت الَّذي بدأتْ فيه بذور الإسلام بالنُّموِّ، وهو الدِّين غير المعروف بالنِّسبة إليه، وفي ذلك الوقت اكتشف أنَّ القرآن الكريم هو الكتاب المُقدَّس الوحيد الَّذي لم يُشوِّههُ الإنسان منذ الإيحاء به.
تردَّد (مارتن جون موايبوبو) في كسرِ خاطر والديه بتحوُّله عن المسيحيَّة وفقدِ المكانة الَّتي تنتظره حين يعود لكنيسته، وذات مرَّةٍ حدَّقَ في عين أستاذه المشرف على رسالته (فان بيرغر) وسأله فجأةً: أيُّ الأديان أصوبُ؟ فقال الرَّجلُ المسيحيُّ بجرأةٍ: الإسلامُ.. فسأله مارتن: ولماذا لا تتحوَّل إليه؟ فصارحه الرَّجل: كي لا أفقدَ كلَّ ما تراه مِن امتيازاتٍ، وكي لا أعادي هؤلاء الَّذين يتبعوني عندما ينقلبون ضدِّي.
عاد (مارتن) إلى (تنزانيا)، حاملًا درجة الدُّكتوراه، وليس أُسقفًّا هذه المرَّة، ولكن رئيسًا للأساقفة، وتهلَّلت أسارير والديه، واستقبله أهلُ البلدة بحفاوةٍ وفخرٍ، لكنَّ النُّورَ كان قد تسلَّل إلى قلبه والغمَّةَ كانت قد انقشعت مِن على عينيه، وكلُّ شيءٍ هان في سبيل الحقِّ وكلمة الحقِّ.
قابل أحدَ معارفه المسلمين وهو الشَّيخ (أحمد شيخ)، وصارحه بما ينتويه فشجَّعه الرَّجُل، وفي ليلة (23 ديسمبر 1986م) وأثناء الاحتفالات استعدادًا للكريسماس: أعلن مارتن لجماعة المصلِّين أنَّه سيترك المسيحيَّة لدخول الإسلام.. كان حشدُ المصلِّين في حالة شللٍ تامٍّ للصَّدمة الَّتي أصابتهم لسماع هذا الخبر، إلى درجة أنَّ مساعد الأُسقفِّ قام مِن مقعده فأغلق البابَ والنَّوافذ، وصرَّح لأعضاء الكنيسة بأنَّ رئيس الأساقفة جُنَّ.
أمَّا المصلُّون فقد اتَّصلوا بقوَّات الأمن لأخذِ الرَّجل المجنون، فتحفَّظوا عليه في الزِّنزانة حتَّى منتصف اللَّيل، إلى أنْ جاء (أحمد شيخ) وكفله لإطلاق سراحه، ويحكي (مارتن -الَّذي سمَّى نفسه الحاجُّ أبو بكر- جون موايبوبو) في مركز (وايبانك) الإسلاميِّ في (ديربان) مواقفَ مرَّ بها يَشيب لها الوِلدان، ومع ذلك صبر واحتسب.
في البداية قامت الكنيسة بتجريده مِن بيته وسيَّاراته، ولم تستطع زوجُه تحمُّل ذلك، فحزمتْ حقائبها وأخذت أولادها وتركته، وذلك على الرُّغم مِن تأكيد (موايبوبو) لها أنَّها ليست مُلزمةً بدخول الإسلام، وعندما ذهب إلى والديه طلبا منه انتقاد الإسلام علانيةً، يقول: "لقد كانا كبيريْن بالسِّنِّ، ولم يكن لديهما العلمُ أيضًا، حتَّى أنَّهما لم يكن باستطاعتهما قراءةُ الإنجيل، لقد سامحتهما، ولكنِّي طلبتُ منهما البقاءَ في المنزل لليلةٍ واحدةٍ، وفي اليوم التَّالي سافرت إلى (كاييلا) على الحدود بين (تنزانيا ومالاوي)، وخلال رحلتي توقَّفت في (بروسيل) والتقيتُ بعائلةِ راهبةٍ كاثوليكيَّةٍ اسمها (الأخت جيرترود كيبويا) تُعرف الآن باسم (الأخت زينب)، استضافتني هذه العائلة ليلةً، وفي الصَّباح رفعت الأذان للصَّلاة، وهو الشَّيء الَّذي جعل القرويِّين يخرجون مِن منازلهم، سائلين مضيفي: كيف يُؤوي رجلًا (مجنونًا)؟ الرَّاهبة أوضحتْ لهم أنِّي لست مجنونًا، بل مسلمٌ.
سألتُها: لماذا ترتدي الصَّليب في سلسلةٍ على صدرها؟||فأجابتْ: لأنَّ المسيح قد صُلب عليه، قلت لها: ولكن، لنَقُل إنَّ أحدهم قتل أباك ببندقيَّةٍ، فهل كنتِ ستتجوَّلين حاملةً البندقيَّة على صدرك؟ جعل ذلك الرَّاهبةَ تفكِّر، وحارتْ في الإجابة، وحين عرضتُ عليها الزَّواج، كان جوابها بالإيجاب، فتزوَّجنا سرًّا، وسافرنا معًا إلى (كاييلا).
انتقل (موايبوبو) مِن رفاهية العيش إلى بيتٍ مبنيٍّ مِن الطِّين، وبدلًا مِن راتبه الكبير كعضوٍ في المجلس الكنسيِّ العالميِّ بدأ يكسبُ قُوته كحطَّابٍ وحرَّاثٍ لأراضي الآخرين، وفي الأوقات الَّتي لم يكن يعملُ فيها كان يدعو إلى الإسلام علانيةً، ممَّا قاده إلى سلسلةٍ مِن الأحكام القصيرة بالسِّن لعدم احترام المسيحيَّة.
وممَّا تعرَّض له أيضًا أنَّه كان يؤدِّي فريضة الحجِّ في عام (1988م)، عندما فجَّروا بيته، فاحترق أطفالُه التَّوائم الثَّلاثة، بينما نجت والدتُهم بقدر الله، وبدلًا مِن أن يُحبطه ذلك دفعه إلى المزيد، لأنَّ عددَ الَّذين كانوا يعلنون إسلامهم على يديه كان في ازديادٍ، وكان منهم حموه (والد زوجته).
وفي عام (1992م) اعتُقِل لمدَّة عشرة أشهرٍ، مع سبعين مِن أتباعه، واتُّهموا بالخيانة، وكان ذلك بعد تفجير بعض محلَّاتِ بيع لحم الخنزير الَّتي كان قد تحدَّث ضدَّها، لقد تحدَّث فعلًا ضدَّها، وقد بُرِّئت ساحته، وبعد ذلك مباشرةً هاجر إلى (زامبيا) منفيًّا.
رسالة (الحاجِّ أبي بكرٍ / موايبوبو) إلى المسلمين:
"هناك حربٌ على الإسلام، وقد أَغرقوا العالم بالمطبوعات، والآن بالتَّحديد يعملون على جعل المسلمين يشعرون بالعار بوصفهم لهم بالأُصوليِّين، فيجب على المسلمين ألَّا يقفوا عند طموحاتهم الشَّخصيَّة، ويجب عليهم أن يتَّحدوا، فعليك أن تدافع عن جارك إن كنتَ تريد أن تكون أنت في أمانٍ".
المصادر:
صحيفة المسلمين، الصَّادرة في (19/6/1992م).
موقع الاتِّحاد العالميِّ لعلماء المسلمين.
20- قصَّة تحوُّل (القِسِّيس سيلي) إلى داعيةٍ
https://www.youtube.com/watch?v=XMtSdjXr9ko
وردت قصَّة دخول (القِسِّيس سيلي) في مقالٍ لمعالي الدُّكتور (عبد العزيز أحمد سرحان) عميد كلِّيَّة المعلِّمين بمكَّة المكرَّمة، والَّذي قال فيه: "قد تكون هذه القصَّة غريبةً على مَن لم يلتقي بصاحبها شخصيًّا، ويسمع ما قاله بأذنييه، ويراه بأمِّ عينيه، فهي قصَّةٌ خياليَّة النَّسج، واقعيَّة الأحداث، تجسَّدت أمام ناظري بكلمات صاحبها، وهو يقبع أمامي قاصًّا عليَّ ما حدث له شخصيًّا، ولمعرفة المزيد بل ولمعرفة كلِّ الأحداث المشوِّقة دعوني أصطحبكم لنتَّجه سويًّا إلى (جوهانسبرغ) مدينة مناجم الذَّهب الغنيَّة بدولة (جنوب أفريقيا)، حيث كنتُ أعمل مديرًا لمكتب (رابطة العالَم الإسلاميِّ) هناك، كان ذلك في عام (1996م)، وكنَّا في فصل الشِّتاء الَّذي حلَّ علينا قارِسًا في تلك البلاد، وذات يومٍ كانت السَّماء فيه ملبَّدةً بالغيوم، وتُنذر بهبوب عاصفةٍ شتويَّةٍ عارمةٍ، وبينما كنتُ أنتظر شخصًا قد حدَّدتُ له موعدًا لمقابلته كانت زوجتي في المنزل تُعِدُّ طعام الغداء، حيث سيحلُّ ذلك الشَّخص ضيفًا كريمًا عليَّ في المنزل.. كان الموعد مع شخصيَّةٍ لها صلة قرابةٍ برئيس (جنوب أفريقيا) السَّابق (الرَّئيس نلسون مانديلا)، شخصيَّةٌ كانت تهتمُّ بالنَّصرانيَّة وتروِّج وتدعو لها، إنَّها شخصيَّة (القِسِّيس سيلي)، لقد تمَّ اللِّقاء مع (سيلي) بواسطة (سكرتير مكتب الرَّابطة عبد الخالق متير)، حيث أخبرني أنَّ قِسِّيسًا يريد الحضور إلى مقر الرَّابطة لأمرٍ هامٍّ، وفي الموعد المحدَّد حضر (سيلي)، بصحبته شخصٌ يُدعى (سليمان)، كان ملاكِمًا وأصبح عضوًا في رابطة الملاكمة بعد أن منَّ الله عليه بالإسلام، بعد جولةٍ قام بها الملاكِم المسلم (محمَّد علي كلاي)، وقابلت الجميع بمكتبي، وسُعدت للقائهم أيَّما سعادةٍ، كان (سيلي) قصير القامة، شديد سواد البشرة، دائم الابتسام، وقد جلس أمامي وبدأ يتحدَّث معي بكلِّ لطفٍ، فقلت له: أخي (سيلي)، هل مِن الممكن أن نستمع لقصَّة اعتناقك للإسلام؟ ابتسم (سيلي) وقال: نعم، بكلِّ تأكيدٍ.. قال (سيلي): كنتُ قِسِّيسًا نشطًا للغاية، أخدم الكنيسة بكلِّ جدٍّ واجتهادٍ، ولا أكتفي بذلك، بل كنتُ مِن كبار المنصِّرين في (جنوب أفريقيا)، ولنشاطي الكبير اختارني (الفاتيكان) لكي أقوم بالتَّنصير بدعمٍ منه، فأخذَت الأموال تصلني مِن (الفاتيكان) لهذا الغرَض، وكنت أستخدم كلَّ الوسائل لكي أصل إلى هدف، فكنتُ أقوم بزياراتٍ متواليةٍ ومتعدِّدةٍ للمعاهد والمدارس والمستشفيات والقرى والغابات، وكنتُ أدفع مِن تلك الأموال للنَّاس في صور مساعداتٍ أو هِباتٍ أو صدقاتٍ وهدايا، لكي أصل إلى مبتغاي وأُدخل النَّاس في دِين النَّصرانيَّة، فكانت الكنيسة تغدق عليَّ، فأصبحتُ غنيًّا، فلي منزلٌ وسيَّارةٌ وراتبٌ جيِّدٌ، ومكانةٌ مرموقةٌ بين القساوسة، |وفي يومٍ مِن الأيَّام ذهبت لأشتري بعض الهدايا مِن المركز التِّجاريِّ ببلدتي، وهناك كانت المفاجأة! ففي السُّوق قابلتُ رجلًا يلبس (كوفيَّةً / قلنسوةً)، وكان تاجرًا يبيع الهدايا، وكنتُ ألبس ملابس القِسِّيس الطَّويلة، ذات الياقة البيضاء الَّتي نتميَّز بها عن غيرنا، وبدأتُ في التَّفاوض مع الرجل على قيمة الهدايا، وعرفتُ أنَّ الرَّجل مسلمٌ، ونحن نُطلق على دين الإسلام في (جنوب أفريقيا): دِين الهُنود، ولا نقول دِين الإسلام، وبعد أن اشتريتُ ما أُريد مِن هدايا؛ بل قُل مِن فخاخٍ نوقع بها السُّذَّح مِن الناس، وكذلك أصحاب الخواء الدَّينيِّ والرُّوحيِّ، كما كنَّا نستغلُّ حالات الفقر عند كثيرٍ مِن المسلمين والجنوب أفريقيِّين لنخدعهم بالدِّين المسيحيِّ وننصِّرهم، فإذا بالتَّاجر المسلم يسألني: أنت قِسِّيسٌ أليس كذلك؟ فقلت له: بلى، فسألني: مَن هو إلهك؟ فقلت له: المسيح هو الإله، فقال لي: إنَّني أتحدَّاك أن تأتيني بآيةٍ واحدةٍ في (الإنجيل) تقول على لسان المسيح؛ شخصيًّا أنَّه قال: أنا الله، أو أنا ابن الله، فاعبدوني، فإذا بكلمات الرَّجل المسلم تسقط على رأسي كالصَّاعقة، ولم أستطع أن أجيبه، وحاولت أن أعود بذاكرتي الجيَّدة وأغوص بها في كتب الأناجيل وكتب النَّصرانيَّة لأجد جوابًا شافيًا للرَّجل فلم أجد! فلم تكن هناك آيةٌ واحدةٌ تتحدَّث على لسان المسيح وتقول بأنَّه هو الله أو أنَّه ابن الله، وأُسقط في يدي وأحرجني الرَّجل، وأصابني الغمُّ وضاق صدري، كيف غابت عنِّي مثل هذه التَّساؤلات؟ وتركتُ الرَّجل وهِمتُ على وجهي، فما علمتُ بنفسي إلَّا وأنا أسير طويلًا بدون اتِّجاهٍ معيَّنٍ، ثمَّ صمَّمت على البحث عن مثل هذه الآيات -مهما كلَّفني الأمر، ولكنَّني عجزتُ وهُزمت! فذهبت للمجلس الكنسيِّ وطلبت أن أجتمع بأعضائه، فوافقوا، وفي الاجتماع أخبرتهم بما سمعت، فإذا بالجميع يهاجمونني ويقولون لي: خدعك الهنديُّ! إنَّه يريد أن يضلَّك بدين الهنود، فقلت لهم: إذًا أجيبوني! وردُّوا على تساؤله، فلم يجب أحدٌ! وجاء يوم الأحد الَّذي أُلقي فيه خطبتي ودرسي في الكنيسة، ووقفت أمام النَّاس لأتحدَّث، فلم أستطع، وتعجَّب النَّاس لوقوفي أمامهم دون أن أتكلَّم، فانسحبتُ إلى داخل الكنيسة وطلبتُ مِن صديقٍ لي أن يحلَّ محلِّي، وأخبرته بأنَّني منهَكٌ، وفي الحقيقة كنت منهارًا، ومحطَّمًا نفسيًّا، وذهبت إلى منزلي وأنا في حالة ذهولٍ وهمٍّ كبيرٍ، ثمَّ توجَّهت لمكانٍ صغيرٍ في منزلي وجلست أنتحب فيه، ثمَّ رفعتُ بصري إلى السَّماء، وأخذتُ أدعو، ولكن أدعو مَن؟ لقد توجَّهت إلى مَن اعتقدتُ بأنَّه هو الله الخالق، وقلتُ في دعائي: ربِّي.. خالقي.. لقد أُقفلتْ الأبواب في وجهي غير بابك، فلا تحرمني مِن معرفة الحقِّ، أين الحقُّ وأين الحقيقة؟ يا ربِّ! يا ربِّ لا تتركني في حيرتي، وألهمني الصَّواب، ودلَّني على الحقيقة، ثم غفوتُ ونمتُ، وأثناء نومي، إذا بي أرى في المنام قاعةً كبيرةً جدًّا، ليس فيها أحدٌ غيري، وفي صدر القاعة ظهَر رجلٌ، لم أتبيَّن ملامحه مِن النُّور الَّذي كان يشعُّ منه وحوله، فظننتُ أنَّ ذلك الله الَّذي خاطبته بأن يدلَّني على الحقِّ، ولكنِّي أيقنت بأنَّه رجلٌ منيرٌ، فأخذ الرَّجل يُشير إليَّ وينادي: يا إبراهيم! فنظرتُ حولي، فنظرت لأشاهد مَن هو إبراهيم! فلم أجد أحدًا معي في القاعة، فقال لي الرَّجل: أنت إبراهيم.. اسمك إبراهيم، ألم تطلب مِن الله معرفة الحقيقة؟ قلتُ: نعم، قال: انظر إلى يمينك، فنظرت إلى يميني، فإذا مجموعةٌ مِن الرَّجال تسير، حاملةً على أكتافها أمتعتها، وتلبس ثيابًا بيضاء، وعمائم بيضاء، وتابع الرَّجل قوله: اتبع هؤلاء؛ لتعرف الحقيقة! واستيقظتُ مِن النَّوم، وشعرتُ بسعادةٍ كبيرةٍ تنتابني، ولكنِّي كنت لست مرتاحًا عندما أخذتُ أتساءل: أين سأجد هذه الجماعة الَّتي رأيتها في منامي؟ وصمَّمت على مواصلة مشوار البحث عن الحقيقة، كما وصفها لي مَن جاء ليدلَّني عليها في منامي، وأيقنتُ أنَّ هذا كلَّه بتدبيرٍ مِن الله سبحانه وتعالى، فأخذتُ إجازةً مِن عملي، ثمَّ بدأت رحلة بحثٍ طويلةٍ، أجبرتني على الطَّواف في عدَّة مدنٍ، أبحث وأسأل عن رجالٍ يلبسون ثيابًا بيضاء، ويتعمَّمون عمائم بيضاء أيضًا، وطال بحثي وتجوالي، وكلُّ مَن كنت أشاهدهم مسلمين يلبسون البنطال ويضعون على رؤوسهم الكوفيَّات فقط، ووصل بي تجوالي إلى مدينة (جوهانسبرغ)، حتَّى أنَّني أتيت إلى (مكتب استقبال لجنة مسلمي أفريقيا)، في هذا المبنى، وسألت موظَّف الاستقبال عن هذه الجماعة، فظنَّ أنَّني شحَّاذًا، ومدَّ يده ببعض النُّقود، فقلت له: ليس هذا أسألك، أليس لكم مكانٌ للعبادة قريبٌ مِن هنا؟ فدلَّني على مسجدٍ قريبٍ؟ فتوجَّهت نحوه، فإذا بمفاجأةٍ كانت في انتظاري، فقد كان على باب المسجد رجلٌ يلبس ثيابًا بيضاء، ويضع على رأسه عمامةً، ففرحت، فهو مِن نفس النَّوعيَّة التي رأيتها في منامي، فتوجَّهت إليه رأسًا وأنا سعيدٌ بما أرى! فإذا بالرَّجل يبادرني قائلًا؛ وقبل أن أتكلَّم بكلمةٍ واحدةٍ: مرحبًا إبراهيم! فتعجَّبت وصُعقت بما سمعت! فالرَّجل يعرف اسمي قبل أن أعرِّفه بنفسي، فتابع الرَّجل قائلاً: لقد رأيتك في منامي بأنَّك تبحث عنَّا، وتريد أن تعرف الحقيقة، والحقيقة هي في الدِّين الَّذي ارتضاه الله لعباده (الإسلام)، فقلت له: نعم، أنا أبحث عن الحقيقة، ولقد أرشدني الرَّجل المنير الَّذي رأيته في منامي لأن أتبع جماعةً تلبس مثل ما تلبس، فهل يمكنك أن تقول لي، مَن ذلك الَّذي رأيت في منامي؟ فقال الرَّجل: ذاك نبيُّنا محمَّدٌ؛ نبيُّ الإسلام، الدِّين الحقُّ، رسول الله ﷺ! ولم أصدِّق ما حدث لي، ولكنَّني انطلقت نحو الرَّجل أعانقه، وأقول له: أحقًّا كان ذلك رسولكم ونبيُّكم؟ أتاني ليدلَّني على دِين الحقِّ؟ قال الرَّجل: أجل، ثمَّ أخذ الرَّجل يرحِّب بي، ويهنِّئني بأن هداني الله لمعرفة الحقيقة.. ثمَّ جاء وقت صلاة الظُّهر، فأجلسني الرَّجل في آخر المسجد، وذهب ليصلِّي مع بقيَّة النَّاس، وشاهدتُ المسلمين -وكثيرٌ منهم كان يلبس مثل الرَّجل- شاهدتهم وهم يركعون ويسجدون لله، فقلت في نفسي: واللهِ إنَّه الدِّين الحقُّ، فقد قرأت في الكتب أنَّ الأنبياء والرُّسل كانوا يضعون جباههم على الأرض سجَّدًا لله، وبعد الصَّلاة ارتاحت نفسي واطمأنَّت لِما رأيتُ وسمعتُ، وقلت في نفسي: واللهِ لقد دلَّني الله سبحانه وتعالى على الدِّين الحقِّ، وناداني الرَّجل المسلم لأعلِن إسلامي، ونطقتُ بالشَّهادتين، وأخذتُ أبكي بكاءً عظيمًا؛ فرحًا بِما منَّ الله عليَّ مِن هدايةٍ، ثمَّ بقيت معهم أتعلَّم الإسلام، ثمَّ خرجت معهم في رحلةٍ دعويَّةٍ استمرَّت طويلًا، فقد كانوا يجوبون البلاد طولاً وعرضًا، يدعون النَّاس للإسلام، وفرحتُ بصحبتي لهم، وتعلَّمت منهم الصَّلاة والصِّيام وقيام اللَّيل والدَّعاء والصِّدق والأمانة، وتعلَّمت منهم بأنَّ المسلمين أمَّةٌ وضع الله عليها مسؤوليَّة تبليغ دِين الله، وتعلَّمت كيف أكون مسلمًا داعيةً إلى الله، وتعلَّمت منهم الحكمة في الدَّعوة إلى الله، وتعلَّمت منهم الصَّبر والحِلم والتَّضحية والبساطة، وبعد عدَّة شهورٍ عدت لمدينتي، فإذا بأهلي وأصدقائي يبحثون عنَّي، وعندما شاهدوني أعود إليهم باللِّباس الإسلاميِّ، أنكروا عليَّ ذلك، وطلب منِّي المجلس الكنسيُّ أن أعقد معهم لقاءً عاجلًا، وفي ذلك اللِّقاء أخذوا يؤنِّبونني لتركي دِين آبائي وعشيرتي، وقالوا لي: لقد خدعك الهُنود بدِينهم وأضلُّوك.. فقلت لهم: لم يخدعني ولم يضلِّني أحدٌ، فقد جاءني رسول الله محمَّدٌ ﷺ في منامي ليدلَّني على الحقيقة، وعلى الدِّين الحقِّ، إنَّه الإسلام، وليس دين الهنود كما تدْعونه، وإنَّني أدعوكم للحقِّ وللإسلام، فبُهتوا! ثمَّ جاءوني مِن بابٍ آخر، مستخدمين أساليب الإغراء بالمال والسُّلطة والمنصب، فقالوا لي: إنَّ الفاتيكان طلب لتقيم عندهم ستَّة أشهرٍ، في انتدابٍ مدفوع القيمة مقدَّمًا، مع شراء منزلٍ جديدٍ وسيَّارةٍ جديدةٍ لك، ومبلغٍ مِن المال لتحسين معيشتك، وترقيتك لمنصبٍ أعلى في الكنيسة! فرفضتُ كلَّ ذلك، وقلتُ لهم: أَبَعْدَ أن هداني الله تريدون أن تضلُّوني؟ واللهِ لن أفعل ذلك، ولو قُطِّعت إربًا! ثمَّ قمتُ بنصحهم ودعوتهم مرَّةً ثانيةً للإسلام، فأسلم اثنان مِن القِسس، والحمد لله، فلمَّا رأوا إصراري، سحبوا كلَّ رتبي ومناصبي، ففرحتُ بذلك، ثمَّ قمتُ وأرجعت لهم ما لديَّ مِن أموالٍ وعهدةٍ، وتركتهم، والآن أنا (الدَّاعية إبراهيم سيلي) أدعو النَّاس إلي الإسلام الحنيف.
المصادر:
جمعيَّة النَّجاة الخيريَّة؛ سلسلة قصص مشاهير المهتدين (20): القِسِّيس سيلي مِن كبار المنصِّرين في جنوب أفريقيا.
صحيفة عكاظ السُّعوديَّة (21 يناير 2000م)؛ قصَّة إسلامٍ غريبةٌ جدًّا.
21- المُنصِّرة (د. ميري واتسون):
وُلدتُ يوم أسلمتُ
https://www.youtube.com/watch?v=I4bsLtdITFE
http://www.way-to-allah.com/en/journey/khadija.html
(ميري واتسون)، وهذا اسمها قبل أن تُسلم، وهي تحكي قصَّتها في أحد اللِّقاءات الصُّحفيَّة، تقول: "درستُ اللَّاهوت في ثمان سنواتٍ، واهتديتُ إلى الإسلام في أسبوعٍ، يومُ إسلامي هو يوم ميلادي، والمسلمون بحاجةٍ إلى قوَّة الإيمان".
"لديَّ سبعة أبناءٍ -بين بنين وبناتٍ- مِن زوجٍ فلبِّينيٍّ، فأنا أمريكيَّة المولد، في ولاية (أوهايو)، وعشتُ معظم شبابي بين (لوس أنجلوس) و (الفلبين)، والآن بعد الإسلام -ولله الحمد- اسمي خديجة، وقد اخترتُه لأنَّ السَّيِّدة خديجة رضي الله عنها كانت أرملةً؛ وكذلك أنا كنتُ أرملةً، وكان لديها أولادٌ، وأنا كذلك، وكانت تبلُغ مِن العمر 40 عامًا؛ عندما تزوَّجت مِن النَّبيِّ ﷺ وآمنَت بما أُنزل عليه، وكذلك أنا كنت في الأربعينيَّات عندما اعتنقتُ الإسلام، كما أنَّني معجبةٌ جدًّا بشخصيِّتها، لأنَّها عندما نزل الوحي على محمَّدٍ ﷺ آزرَته وشجَّعته دون تردُّدٍ، لذلك فأنا أُحبُّ شخصيَّتها".
والغريب في الأمر أنَّ (ميري) كانت قبل إسلامها تكتب العديد مِن المقالات؛ الَّتي تعمل على تشويه الإسلام ونشر الإسلاموفوبيا، والكراهيَّة ضدَّه، وهو ما ندِمت عليه بعد إسلامها.
كيف تحوَّلَت إلى لإسلام؟
في إحدى حملات الدُّكتورة (خديجة واتسون) في الفلبِّين التقت أستاذًا محاضرًا فلبِّينيًّا، قدِم مِن إحدى الدُّول العربيَّة، ولكنَّها لاحظت تغيُّراتٍ كبيرةً عليه وفي سلوكه لم تعهده مِن قبل، فسألَته بإلحاحٍ، حتَّى اعترف لها بأنَّه أسلم مِن حيث أتى، وأنَّ الجميع يجهلون إسلامه.
وهنا راودَتها أسئلةٌ فضوليَّةٌ كثيرةٌ: لماذا أسلم؟ ولماذا بدَّل دينه؟ وما السِّرُّ الكامن في هذا الدِّين؛ الَّذي دفعه إلى التَّخلي عن دِينه؟
بعدها بدأت رحلة البحث عن الإسلام، فتواصلَت مع صديقتها الفلبِّينيَّة المسلمة، الَّتي كانت تعمل في (السُّعوديَّة)، وذهبَت إليها، وبدأَت تسألها عن الإسلام العديد مِن الأسئلة، وفي البداية استهلَّت أسئلتها بالسُّؤال عن معاملة النِّساء في الإسلام، وغيرها مِن الشُّبهات المُثارة حول الإسلام، وبعد أن أجابتها صديقتها؛ تقول (واتسون):
"بحقٍّ شعرت بالرَّاحة الشَّديدة مِن حديث صديقتي؛ فاستطردتُ أسألها عن الله عز وجل، وعن النَّبيِّ محمَّدٍ ﷺ، وما أن أجابت عن تساؤلاتي حتَّى اكتشفتُ أن كلَّ الكُتب الَّتي قرأتُها مِن قبل -لمؤلِّفين غير مسلمين- تغصُّ بسوء الفهم، وتعجُّ بالمغالطات عن الإسلام والمسلمين، الأمر الَّذي دفعني إلى أن أسألها عن القرآن، وعن تلك الكلمات المؤثِّرة الَّتي تُقال في الصَّلاة".
وظلَّت (ميري) تقرأ الكتب الإسلاميَّة في نهمٍ وشرَهٍ، حتَّى أنَّها في نهاية أسبوعٍ قرأت اثنا عشرَ كتابًا، وصلَت مِن خلالها إلى قناعةٍ تامَّةٍ مفادها أنَّ الإسلام هو الدِّين الحقُّ، وأنَّ الله عز وجل وحده لا شريك له، وأنَّه سبحانه وتعالى هو الَّذي يغفر الذُّنوب والخطايا، وأنَّه هو وحده الَّذي يُنقِذنا مِن عذاب الآخرة، لكن -وعلى الرَّغم مِن هذه القناعات- فإنَّ الإسلام لم يستقرَّ في قلبها بعد، فابتهَلت إلى الله تعالى أن يهديها إلى سواء السَّبيل.
نور الإسلام:
وتحكي (ميري) كيف تسلَّل نور الإسلام إلى قلبها، فتقول: "في ليلةٍ لا تُنسى، وبينما أنا مستلقيةٌ على فراشي، وكنت على وشك أن أنام؛ أحسستُ بشيءٍ غريبٍ استقرَّ في قلبي، فاعتدلتُ على الفور، وقلت بصدقٍ: يا ربِّ، أنا مؤمنةٌ بك وحدك، عقب ذلك نطقت بالشَّهادتين، وشعرتُ براحةٍ واطمئنانٍ، لم أشعر بهما مِن قبل.. حمدتُ الله تعالى على نعمة الإسلام، واعتبرتُ أنَّ ذلك اليوم هو يوم ميلادي الحقيقيَّ، وأطلقتُ على نفسي اسم (خديجة) كبديلٍ عن اسمي القديم (ميري)".
إسلام ابنها:
وعن الوحيد مِن أبنائها -الَّذي أسلم- تقول: "عندما كنتُ أعمل في المركز الإسلاميِّ في (الفلبِّين) كنت أحُضر للبيت بعض الكتيِّبات والمجلَّات، وأتركها في المنزل على الطاولة (متعمِّدةً)، عسى أن يهدي الله ابني (كريستوفر) إلى الإسلام، إذ إنَّه الوحيد الَّذي يعيش معي، وبالفعل بدأ هو وصديقه يقرآنها ويتركنها كما هي تمامًا، كذلك كان لديَّ (منبِّه أذانٍ)، فأخذ يستمع إليه مرارًا وتكرارًا وأنا في الخارج؛ ثمَّ أخبرني بعد ذلك برغبته في الإسلام، ففرحتُ جدًّا وشجَّعته، ثمَّ جاء إخوةٌ عدَّةٌ مِن المركز الإسلاميِّ لمناقشته في الإسلام، وعلى إثرها أعلن الشَّهادة، وهو ابني الوحيد الَّذي اعتنق الإسلام في الوقت الحاليِّ، وسمَّى نفسه (عمر)".
الدَّاعية إلى الله:
بعد إسلامها تركت (خديجة) العمل السَّابق -أستاذةً في كلِّيَّةٍ- وبعد شهرٍ عادت، وطُلب منها أن تنظِّم جلساتَ أو ندواتَ تسويةٍ للدِّراسات الإسلاميَّة في مركزٍ إسلاميٍّ في (الفلبِّين)؛ حيث موطن إقامتها، فألقَت العديد مِن المحاضرات عنه، في الجامعات والكلِّيَّات في الفلبِّين.
ظلَّت تعمل في (الفلبِّين) مدَّة سنةٍ ونصفٍ تقريبًا، ثمَّ عملت بمركز توعية الجاليات في (القصيم)، ضمن القِسم النِّسائيِّ، كداعيةٍ إسلاميَّةٍ خاصَّةٍ، متحدِّثةً باللُّغة (الفلبِّينيَّة)، إلى جانب لغتها الأصليَّة (الإنجليزيَّة).
كانت الدُّكتورة (خديجة واتسون) طوال حياتها الدَّعويَّة تؤكِّد في محاضراتها وندواتها ولقاءاتها التِّلفزيونيَّة، فتقول: "إنَّ قراءتي عن الإسلام بعد أن اعتنقته أفادتني في معرفة السِّرِّ الكامن وراء محاربة الإسلام، مِن قِبَل جميع النَّاس.. فالإسلام محارَبٌ لأنَّه أسرع الأديان انتشارًا على مستوى العالم".
وحثَّت دائمًا على إبراز روح الإسلام، وأخلاقه الحميدة، فكان تدعو في محاضراتها المسلمين إلى ذلك، وتقول: "نحن المسلمون نحتاج بشِدَّةٍ إلى أن نُظهر الإسلام، ونُبرِز قوَّته، وحُسنه وبهاءه، وسط البيئات الَّتي يحدث فيها تعتيمٌ أو تشويشٌ إعلاميٌّ".
وفي مجال الأسرة والمعاملات اليَّومية والحياة الاقتصاديَّة كانت تدعو إلى أن يكون "الإسلام هو الطَّريق الأمثل للحياة، وهو البوصلة الَّتي توجِّه توجيهًا صحيحًا كلَّ مظاهر الحياة؛ في الاقتصاد والاجتماع وغيرهما، بل حتَّى في الأسرة، وفي كيفيَّة التَّعامل بين أفرادها".
مصادر:
Muslim World League Journal.
US Islam web site
تم بحمد الله
في يوم الثُّلاثاء، الموافق: (4 / رمضان / 1443 للهجرة)
الدَّالُّ على الخير كفاعله، فلا يفوتنَّك إهداء الكتاب لغيرك بعد قراءته
لتنزيل هذا الكتاب وغيره مِن الكُتب القيِّمة، زوروا موقع دار الإسلام:
www.islamhouse.com