كامل الصورة (1و2) لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت

كامل الصورة (1و2) لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت

بعد إنجاز ست عشرة حلقة مصورة من البرنامج (كامل الصورة)، جاءت فكرة تحريرها مكتوبة مرتبة على صياغة تناسب إخراجها في كتاب، فتم ذلك -بفضل الله تعالى-، ويستهدف هذا الكتاب بشكل أخص الشباب، ويحاول الإجابة عما يُشغل عقولهم من تساؤلات وتحديات فكرية متجددة متسارعة عبر مضخات شبكات التواصل الهائلة. وقد تناول الكتاب الأبواب العظام في الدين، فتكلم عن دلائل أصول الإسلام، ثم عن مصادر التلقي الشرعية والموقف منها، ثم عقد بابًا في فَهْمُ الإسلام، وختم بباب عن قضايا يدور حولها الجدل، وضم في هذا الباب الأخير المسائل الحساسة التي يدور حولها النقاش كثيرا مثل: الحكمة من وجود الشر في الدنيا، ودعوى مظلومية المرأة في الإسلام، والحرية، والدين والعقل ثم ختم بمسألة التشكيك في الإسلام بسبب تأخر المسلمين.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

كامل الصورة (2,1)لتعزيز اليقين وتثبيت الثوابت

أحمد بن يوسف السيد

طبعة جديدة جامعة للجزئين منقحة ومزيدة ومرتبة

مقدمة

الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيد المرسلين محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه الـمُتَّبِعين، أما بعد: ابتدأت قصة هذا الكتاب في العاشر من شهر ربيع الثاني عام ثلاثة وثلاثين وأربعمائة وألف (1433هـ/2012م)، حين نشرتُ عبر قناتي في موقع (يوتيوب) أول حلقة من السلسلة المرئية: (كامل الصورة).

ولم يكن يخطر ببالي حينها أن هذه السلسلة ستمتد إلى تاريخ كتابة هذه الأسطر الموافق لمنتصف شهر صفر من عام تسعة وثلاثين وأربعمائة وألف (1439ه).

وخلال هذه الأعوام الستة انفتحت لي مسارات متعددة عبر بوابة برنامج كامل الصورة ، ربما كان أهمها: التواصل المستمر مع شريحة واسعة من الشباب المستهدفين بالبرنامج أصالة، مما كان له أثرٌ كبير في تطوير معرفتي بما يُشغل عقول الشباب من تساؤلات وتحديات فكرية متجددة متسارعة عبر مضخات شبكات التواصل الهائلة.

ظلّتْ حلقات سلسلة التواصل تتّسع من الطرفين حتى جاء التتويج الكبير متمثلا في برنامج صناعة المحاور الذي يقوم عليه الآن نخبة من طلاب العلم والمشايخ الفضلاء من طرف، ويستفيد منه الآلاف من طرف آخر، والفضل كله لله تعالى.

مأزقُ اختيار العنوان:

لا يخفى على من مارس التأليف أو إنتاج البرامج أن اختيار عنوان الكتاب أو البرنامج يشكل تحدياً كبيراً، فإن الجمع بين:

- الجدة،

- والتشويق

- والدلالة على المضمون،

- مع الاختصار، (وهي متطلبات العنوان الجيد) يضيق مجالات الاختيار ويستنفر طاقات الذهن والفكر، وكثيراً ما يقوم أصحاب البرامج بعقد اجتماعات استشارية لاختيار العنوان، تُعرَف بـجلسات (العصف الذهني).

على أية حال، فقد قمت بهذا العصف الذهني ذاتياً قبل نشر أول حلقة من البرنامج، لعدم معرفتي -في تلك المرحلة- بمن يشاركني نفس الاهتمام بمجال البرنامج، ثم صار من بركة البدء في هذا المجال أن تعرفتُ على المهتمين به، ونشأت بيننا علاقات متينة بفضل الله تعالى، فرُزِقتُ بزملاء وأحبة إنما هم من النعيم الـمُعجل في هذه الحياة.

انطلقْتُ في اختيار العنوان من منشأ الإشكال الذي كنتُ ألاحظه على المتأثرين بالشبهات المثارة ضد الثوابت الإسلامية، ألا وهو عدم (الإحاطة) علماً بالقضية المـُستَشكلَة، بل النظر إليها من زاوية ضيقة إنما تُظهر جزءاً من صورتها وتُخفي باقي أجزائها.

فاخترتُ -بعد طول تفكير- عنوان (كامل الصورة) إشارة إلى أهمية إتمام التصور تجاه المسائل التي تُتَناول بالنقاش والنقد.

من الصورة إلى الكتاب

بعد إنجاز ست عشرة حلقة مصورة من البرنامج جاءت فكرة تحريرها مكتوبة مرتبة على صياغة تناسب إخراجها في كتاب، فتم ذلك -بفضل الله تعالى- وصدر الكتاب في معرض الكتاب الدولي بالرياض عام خمسة وثلاثين وأربعمائة وألف (1435) ، ثم تبعه الجزء الثاني في العام التالي (1436) مستوعباً ثمان حلقات جديدة.

وأحمد الله تعالى على ما رأيت من الاهتمام بجزئي الكتاب بين الشباب في أندية القراءة وغيرها، كما سرني قيام بعض الأساتذة الجامعيين الأفاضل بتقرير بعض حلقات البرنامج على الطلاب أو عرضها والإرشاد إليها.

وبعد نفاد الكتاب من السوق أراد الزملاء في مركز تكوين إعادة طباعة الكتاب واقترحوا عليّ جمع الجزئين في كتاب واحد، فاستحسنتُ الفكرة، وبدأت العمل على إعادة ترتيب الكتاب وتحريره، وقد كنتُ أظن أني أنتهي من ذلك في وقت يسير، وأخبرتُ أصحاب الدور الذين تكرر سؤالهم عن الكتاب بذلك، ولكني فوجئتُ بأن التحرير يتطلب وقتا طويلاً خاصة وأني أضفت إلى الكتاب أشياء كثيرة جداً، ومواضيع متعددة ، وقد حال دون إتمامي إياها -في وقت يسير-: كثرةُ الصوارف.

وها هو الكتاب بعد ضم جزئيه وإعادة ترتيبه وتحريره والإضافة إليه إضافات كثيرة زائدة على أصله، وبعد حذف مواضع كثيرة منه أقدمه للقراء الكرام في نسخته الأولى التي ربما تتبعها نُسَخ أخرى.

وأسأل الله الكريم العون والتسديد والبركة والتوفيق، وصلّ اللهم على نبينا محمد.

أحمد بن يوسف السيد

الباب الأول:

دلائل أصول الإسلام

أولاً: إثبات وجود الله.

ثانياً: الغاية من الوجود.

ثالثاً: إثبات النبوة وصحة القرآن.

رابعاً: محاسن الإسلام.

أولاً: إثبات وجود الله سبحانه

حين يسأل متحيّرٌ: "ما الدليل على وجود الله؟" فمن المهم -قبل الإجابة عن سؤاله- التأكد من طبيعة الدليل الذي يريده لإثبات وجود الله سبحانه وتعالى؛ إذْ إنَّ كثيرا من المتحيرين في وجود الخالق -فضلاً عن المنكرين الملحدين- يتركون الأدلة الواضحة السهلة القريبة، ويتطلبون الطرق الوعرة الطويلة التي قد لا توصل إلى نتيجة أصلاً، وقد يشترطون شروطاً -في الدليل الموصل إلى معرفة الله- راجعةً إلى أذواقهم واستحساناتهم الشخصية، وليس إلى معايير منهجية، وموازين موضوعية.

فهؤلاء مهما تذكر لهم من الأدلة والبراهين فإنها لا تنفعهم طالما أنها لا توافق الاستحسانات الشخصية التي وضعوها، وذلك كقول بني إسرائيل لموسى عليه السلام: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَة [البقرة:55] فهم هنا حصروا دليل الإيمان في الرؤية الحسية، وهو تعنّت ورثه عنهم المتعنتون من غير المؤمنين بالله ورسوله في سائر الأزمان إلى زماننا هذا.

بينما لو تأملتَ في الحجج والبراهين الموصلة إلى عموم الحقائق القطعية في مختلف المجالات؛ لوجدت أنها لا تنحصر في الرؤية الحسية مطلقاً، فعلى سبيل المثال: إيماننا القطعي بوجود بعض الشخصيات التاريخية كأفلاطون وأرسطو وصلاح الدين الأيوبي ليس سبيله الرؤية البصرية ولا الحس المباشر، بل عمدته الخبرُ -وهو جزء من مصادر المعرفة-.

إن إثبات وجود الله سبحانه وتعالى أمر فطري عقلي قريبٌ لا يجهد العقل في الوصول إليه؛ إذ إنّه قائم على مبدأ يجده الإنسان مركوزاً في عقله بحيث لا يمكنه التخلي عنه البتة، وهو مبدأ: (الاستدلال بالأثر على المؤثِّر)، بل إن عامة الملحدين الذين يتنكرون لوجود الخالق سبحانه يُطبقون هذا المبدأ في سائر أمور حياتهم وإن أنكروه في باب الألوهية.

إن البحث فيما وراء الآثار والأفعال والأحداث عن المؤثّرين والفاعلين والــمُحْدِثين لا يُمكن أن يتخلى عنه البشر -مُطلقاً- إلا في حالة فقدانهم عقولهم، إذ لا يمكن للبشر أن يتصوروا حدوث الأشياء بعد عدمها دون وجود أسباب لذلك تناسب طبيعة تلك الحوادث.

وإذا كان العقل البشري لا يقبل تصور حدوث (صورة إنسان متقنة) على ورقة بيضاء بدون وجود سبب يمتلك الخبرة التي أوجد بها الصورة على الورقة، فإن عدم قبوله لحدوث الإنسان -نفسه- دون وجود فاعل قادر عليم = أولى وأحرى.

وقُل مثل ذلك في سائر الأشياء الحادثة بعد العدم.

وكلما كان الأمر الحادث الناشئُ أكثر إتقاناً وتعقيداً اشتدت الضرورة في النفس للبحث عمّا وراء ذلك الأمر الـمُحدَث المتقَن من السبب الذي يناسب هذا الإتقان والتعقيد، فإن العقل لا يقنَع -عند النظر في الأمور الحادثة- بمجرد وجود سبب وراءها، بل لا بد أن يكون السبب مناسباً للصفة التي نشأ عليها هذا الأمر الحادث، فإذا كانت عقولنا لا تقبل تصور قيام طفل عمره ثمانية أشهر –مثلاً- بصناعة جهاز كمبيوتر وذلك بسبب التنظيم البالغ التعقيد في جهاز الكمبيوتر والذي يتطلب معرفة وخبرة وعقلا ناضجاً؛ فإننا –كذلك- لا يمكن أن نقبل بأن يكون من أنشأ هذا الكون البالغ في التعقيد والخاضع لأدق القوانين جاهلاً أو عاجزاً ، فضلاً عن أن يكون الكون ناشئاً بلا سبب ولا فاعل أصلاً.

ومع أن هذه القضية في غاية الوضوح والسلاسة فإن كثيراً من الناس يُعرضون عن هذا الوضوح والقُرب، فيُعقّدون ما حقه التبسيط، ويُعسّرون ما حقه التيسير، فيتطلّبون أدلة معقدة على وجود الله سبحانه لا يتوقف معرفة الحق عليها.

وقد تأملت عامّة ما يُثار من إشكالاتٍ واعتراضات في هذا الباب فوجدتها ناشئة من أحد أربعة أمور:

الأمر الأول: الانحراف في باب مصادر المعرفة ووسائل اكتسابها

والمقصود بالانحراف في باب مصادر المعرفة، هو حصر طرق اكتساب المعرفة في مصدر واحد مع إهمال بقية المصادر.

وأهم المصادر التي يمكننا أن نكوّن المعرفة عن طريقها، هي: العقل، والحسّ -كالإبصار واللمس- والخبر الصحيح الصادق، كما أننا نكتسب من الفطرة معارف أولية تعتبر أساساً لكثير من المعارف المكتسبة لاحقاً.مثال على الانحراف في مصادر المعرفة:

إذا قلت للملحد: إننا نؤمن بوجود الله سبحانه اعتماداً على دلائل العقل القطعية، وعلى الفطرة.فيقول لك: ولكنّي لا أثق إلا بالأدلة الحسيّة التجريبية المبنيّة على الملاحظة في المختبر، وبما أن أدلة وجود الله ليست كذلك؛ فإنه لا يؤمن به.

فهذا الإلحاد سببه الانحراف في باب مصادر المعرفة، مع تكبُّرٍ -لا يَسلَمُ منه الكثير- عن الخضوع للحق الذي من لازمه مخالفة للهوى.

الأمر الثاني: عدم تصور حقيقة أدلة المؤمنين والتسويةُ بينَها وبين شبهات الملحدين.كثيراً ما يستهتر الملحدون بأدلة المؤمنين على وجود الله، فيصورونها على غير حقيقتها، حتى يظن الجاهل أن أدلة المؤمنين إنما هي مغالطات وتعصب وإيمان جامد، وهذا غير صحيح.

مثال ذلك: التسوية بين المبدأ العقلي الفطري الضروري: (كل حادث لا بد له من محدث) وبين فرضية خيالية سخيفة قررها "برتراند رسل" مُصوراً بها أن احتمال وجود الله كاحتمال وجود إبريق في الفضاء لا تستطيع أن تثبت وجوده ولا أن تنفيه، وهذه مغالطة ناشئة عن التسوية بين المختلفات، فالإبريق لا أثر له، بينما كل شيء نراه في الكون هو من آثار وجود الله وقيّوميّته.

الأمر الثالث: ادعاء نتائج غير صحيحة لفقدانها شرط التلازم

إن من شروط صحة الاستدلال أن تكون النتيجة مستنتجَة من الدليل بطريق اللزوم، وأما الاستدلال بالأدلة الصحيحة على نتائج لا تلزم منها فهذا خلل يمارسه كثير من الملحدين ومثيري الشبهات ضد السنُّة والثوابت.

مثال ذلك: الاستدلال بالنظريات والقوانين العلمية التي تفسر حركة الكون أو نشوء المخلوقات على نفي وجود الخالق؛ وهذا استدلال يفتقد التلازم، فإن وجود القانون لا يلزم منه عدم وجود مدبر له.

الأمر الرابع: الكبر والهوى

إن العقل البشري حال خلوه من المؤثرات لا يُطيق الاطمئنان إلى افتراض نشوء هذا الكون بكل ما فيه نتيجة العشواء والصدفة، وإن الاعتراف بوجود خالق عظيم عليم قدير وراء كل هذا الإتقان والإحكام -الذي له ملايين الشواهد في الإنسان والحيوان والكون- أمرٌ تدعو إليه الفطرة ويستوجبه نظر العقل وترنو إليه النفس وتطمئن، وإنما يحصل جحود ذلك بسبب كثرة الشبهات المعارضة للنظر العقلي المستقيم، وللفطرة السوية الصحيحة، مع مزيج من الهوى والكبر، الذي يدفع بالإنسان إلى الاستنكاف عن الخضوع والذل لله سبحانه، وعن مخالفة هوى النفوس ورغباتها: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:56]

ثانياً: الغاية من الوجود

إذا كان كُلّ شيء في هذا الكون -ابتداءً من أصغر ذرة في جسم الإنسان مرورا بالمجرات وانتهاء بما لا يزال يكتشف إلى اليوم في هذا الكون الفسيح- يدلُّ على أنه ليس نتاج الصدفة، فإنه يدل -كذلك- على وجود الغاية وانتفاء العبثية وراء إيجاده.

وإثبات الغاية ونفي العبثية هو أمر زائد على مجرد نفي الصدفة والعشوائية، فإن نفي الصدفة يعني أنَّ هناك سببا مناسباً وراء الشيء الذي حدث -فقط-، وأما نفي العبثية فيعني أن هذا السبب كان له حكمة وغاية وقصد في إيجاد ما أوجد وليس لمجرد العبث.

وإذا نظرت إلى هذا الكون العظيم، فستجد أن:

- إتقانه المذهل،

- وإحكامَه الـمُعجِز،

- وجمالَه المدهش،

- وتناسقَه العجيب،

- وسيره على قوانين منتظمة وثوابتَ كونية -أجبرت العلماء على اتساع أحداقهم اندهاشاً من هذا التناهي في الدقة-،

- وانضباطَه في أدق الأشياء وأصغرها -كالخلية وما فيها من عمل مُعجز، وما تحويه من المعلومات الوراثية الدقيقة،

- وغير ذلك مما لا ينتهي من شواهد الدقة في الكون والإنسان.

- كل ذلك ينفي عند العاقل المتأمل فكرة العبثية وانعدام الغاية في إيجاده، فإن الأمر كما قال الله: لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:17] فلماذا كل هذا الإتقان المخيف إذا كانت القضية مجرد لعب ولهو وعبث؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم [المؤمنون:115-116]

فوجود الغاية والحكمة العظيمة ظاهر من خلال التأمل في المخلوقات واستعمال مبدأ (دلالة الأثر على المؤثر) ولكنّ السؤال: ما هي هذه الغاية العظيمة؟ وكيف نعرفها؟

إذا نحن أثبتنا وجود الخالق العظيم الحكيم، ثم أثبتنا بالدلائل والبراهين أنه أرسل رسلاً وأنزل كتباً ليبيّن للناس ما يريد منهم -وسيأتي ذكر هذه البراهين إن شاء الله-؛ فإن البحث عن الجواب من خلال رسالة الله الخالق -نفسِه- والاهتداء بالعلم الذي أنزله على رسله هو عينُ العقل ومقتضى الحكمة الصحيحة. فإن الإنسان إذا وقف -أثناء رحلة بحثه عن هذا السؤال الكبير- على مصدرٍ يهديه ويرشده، وثبت لديه أن هذا المصدر سبب كل معرفة، وأصل كل علم، وأن هذا المصدر هو سبب الوجود كله؛ فإن إعراضه عنه، وبحثه عن غيره لا يدل إلا على جهل أو استكبار.

إن الله سبحانه وتعالى كما جعل للناس علامات وقوانين يهتدون بها إلى طُرق البر والبحر والجو، ويتفاعلون معها وينطلقون على ضوئها إلى آفاق مادية عظيمة، فإنه جعل للناس علامات يهتدون بها إلى الحقائق الغائية المعرفية الكبرى التي أوجد الكون لأجلها.

فإلى أين يذهب الإنسان في الأودية الموحشة بعيداً عن أنوار الوحي الذي أنزله الله لينير عقل الإنسان ويُسكن روحه؟

لقد جرب الإنسان ركوب سفينة آرائه المحضة، وخوضَ بحار البحث عن حقائق الكون الكبرى دون استعانة بأي أدلة خارجية، فلم يصل إلى ما يشفي صدره من الجواب.

نعم؛ قد يتوصل بنظره العقلي الصحيح -إن سَلِمَ من المعارض وكان متجرداً (وما أقل المتجردين)- إلى إثبات وجود خالقٍ لهذا الكون، وإلى بعض ما ينبغي أن يكون عليه من صفات، وإلى ضرورة انعدام العبثية وراء هذا الخلق، ولكن: هل هذا كلُّ شيء؟

إننا إذا عرفنا ضرورة انعدام العبثية وتأكدنا من وجود غاية عظيمة؛ فكيف السبيل إلى تحديد هذه الغاية؟إن الإنسان يريد الوصول إلى معرفة تفصيلية بخالقه وخالقِ كل شيء، يريد أن يتعرّف عليه، ويتواصل معه، إنه يشعر في نفسه بالتعظيم تجاهه، لكن يريد أن يعرف كيف يعظمه على الوجه الذي يحبه؟ يريد أن يمجّده، ويثني عليه، إنه يريد من هذا الخالق العظيم جبر كسره، وتقوية ضعفه، وإنارة دربه. إن الإنسان يريد أن يعرف مبدأه ومصيره، يريد أن يعرف ما يريده الخالق منه ، فهو يحتاج إلى بيانٍ شافٍ ممن يعلم حقائق كل شيء ويحيط بها سبحانه، يُسهّل عليه معرفة ما وراء المحسوس، ويكشف له جواب ما يقلق عقله من تساؤلات.

ولأنّ الخالق سبحانه كامل الصفات، فقد اقتضت حكمته ورحمته أن يبيّن للإنسان هذه الحقائق، وأن يكون بيانه لها عن طريق صفوةٍ من البشر بَلَغوا الغاية في الصدق والأمانة والتقى، يختارهم الله بعلمه: فــــ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] ويقيم الدلائل عل صدق رسالتهم، وصحة نبوتهم.

إنّ المتأمل في القرآن الكريم -الذي هو آخر رسالة ينزلها الله على عباده- سيجد أن حظاً كبيراً من آياته تعرفنا بالله سبحانه، بل إن أعظم آية في هذا الكتاب العظيم إنما هي تعريف بالله -آية الكرسي-، وأعظم سورة في القرآن إنما هي حمدٌ لله وثناء عليه وتوكلٌ عليه واستعانة به -سورة الفاتحة-، وكذلك السورة التي ثبت عن النبي قال أنها تعدل ثلث القرآن –الإخلاص- إنما هي تعريف بالله تعالى وتمجيدٌ له.قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12]

فهذه الرسالة الإلهية الخاتمة تُعرِّف البشرية بعظمة وجلال وكمال خالقهم جل وعلا كما أنها تُعرّفهم بأن إراداتهم الحرة محلٌّ لابتلاء الله لهم ليعبدوه طوعاً واختياراً، فيثيبَ مطيعهم بأعظم الثواب، ويعاقب عاصيهم بأشد العقاب، فقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:1-2] وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:7] . وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:4]

ويبيّن الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه أنه غنيّ عن عباده، وأنه غير محتاج إليهم، وأن من اهتدى وأطاع فقد فاز وحصَّل الربح لنفسه، ومن ضل وابتعد فقد خسر وكان الوبال عليه.

ويذكّر عباده بأن وراء إيجاده لهم أمر عظيم من معرفة الحق والباطل والخير والشر وما يتبع ذلك من انقسام الناس بينهما ثم الصراع بين الفريقين الذي يستخرج أحسن ما في الوجود من كمالٍ مخلوق، وأسوأ ما فيه من الشر، وفي ذلك أعظم آية على كمال الله المتفرد الذي يخضع له أحسن ما في الوجود اختياراً.قال الله جل جلاله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:16-17-18] وقال عز وجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم﴾ [المؤمنون:115-116]

وقال عز وجل: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:36] قال الشافعي رحمه الله: السدى: الذي لا يؤمَر ولا يُنهى! وقال في غاية البيان: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]

وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:118-119]

إن الغاية من الوجود إذاً، هي:

- معرفة الله العظيم .

- التقرب إليه اختياراً.

- إثابة المحسنين بأعظم النعيم.

- إيجاد الحق والباطل امتحاناً واختباراً لينتج عن ذلك اصطفاء أفضل المخلوقات وإبعاد أرذلهم ومعاقبتهم.

- ظهور آثار صفات الله سبحانه من العلم والخلق والحكمة والقدرة والعزة والرحمة...الخ من غير احتياج لهم.- هذا شيء مما ظهر لنا من الحكمة في ذلك، ولا يحيط أحد بحكمة الله علما، واللهُ سبحانه لا يُسأل عما يفعل، وهو الأعلم بتمام حكمته، ونحن نجتهد في فهم ما بينه لنا منها، وهو غني عنا وعن فهمنا وعبادتنا، سبحانه وتعالى.

ثالثاً: إثبات النبوة وصحة القرآن الكريم

تنوعت أساليب الطاعنين في نبوة المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، واختلفت شبهاتهم وتعارضت في سبيل تكذيبها، وبذلوا جهوداً امتدت على طول أربعة عشر قرنا ليثبتوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يأت بالقرآن من عند الله تعالى، فلم يفلحوا.

وبعد أن اتفق العالـِمون بلسان العرب منهم على الاندهاش والتعجب من عظمة القران الكريم وبلاغته وفصاحته، اختلفوا في الجواب عن سؤال: من أين جاء النبي ﷺ بالقرآن؟ فتارة يقولون عن النبي إنه ساحر تتنزل عليه الشياطين. فقال الله لهم: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء:221-222] وهم يعلمون أن النبيﷺلم يكن أفاكاً ولا أثيما، إذ أن ألسنتهم لم تجف بعدُ من حديثهم عن صدق محمد وأمانته.

وتارة يقولون إنما يعلمه بشر، ثم لم يجدوا في فصحاء العرب ولا بلغائهم المعروفين من يمكنهم أن ينسبوا القرآن إليه فنسبوه إلى حدّادٍ روميّ أعجمي في مكة زعموا أنه معلم الرسول ﷺ، فقال الله جل وعلا: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل:103] .ثم جاء المتأخرون منهم ليقولوا إنه سرق مضامين القرآن من الكتب المقدسة قبله، لأنهم وقفوا على بعض التشابهات بين قصص القرآن وقصص التوراة والإنجيل، ولكنهم غفلوا عن أمور متعددة تجعل شبهتهم هذه علامة على إفلاسهم وعجزهم أمام الحق وسطوته.

فالتشابه في القدر الصحيح من القصص إنما هو من العلامات المؤيدة لصدقهﷺوليس العكس، إذْ إن سبيل علمِ النبيﷺبتلك القصص الصحيحة إنما هو الوحي، لأنه أمي لم يكن يستطيع قراءة الكتب المقدسة، ولأنها لم تكن مترجمة إلى اللغة العربية في ذلك الزمن أصلاً، إضافة إلى أن القساوسة كانوا يضنّون بنُسَخ الكتاب المقدس ويطوونها عن العامة ليكونوا وسطاء بينهم وبين الرب.

كما أنه قد فات أولئك المشككين أن القرآن الكريم قد خالف قصص الكتابَين في مواضع كثيرة ثبت في بعضها مؤخراً بوسائل الإثبات التاريخية صدق ما تفرد به القرآن الكريم، كعدم تسميته حكام مصر وقت يوسف عليه السلام بالفراعنة مع أن الكتاب القدس سماهم بذلك، ثم ثبت تاريخيا أنها لم تكن مرحلة حكم الفراعنة.

وأضاف القرآن على قصص الكتاب المقدس أمورًا كثيرة أُفردت في كتاب، على أن القرآن فيه بيان واضح أنه مصدق لما بين يديه، فوجود التشابه في بعض المضامين هو مما أخبر به القرآن نفسه وليس مما اكتشفه خصومه.

وأما طعنهم على شخص النبيﷺفإن أوائلهم اتهموه بتهم متعارضة يظهر فيها الاضطراب والحنق والشعور بالهزيمة، فقالوا عنه: (ساحر وكاهن ومجنون وشاعر ومعلَّم) وغير ذلك، ثم جاء المتأخرون فنبشوا كتب السير والتاريخ والأدب؛ ليستخرجوا بمنظار الكراهية والحقد أي موقف يطعنون به على النبي الكريم فأهانوا في سبيل تحقيق ذلك كل منهج علمي معتبر، حيث أعرضوا عن الأخبار التي توفرت فيها شروط الثبوت والصحة وتمسكوا بكل أثر منقطع الإسناد يرويه مجهول أو كذاب.

وهم جميعاً -متقدهم ومتأخرهم- يفرّون عن وسيلة التخطئة الواضحة التي أرشدهم الله إليها، فقال لهم: ﴿وإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:23-24] .وتحداهم كذلك بقوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:88]

وقد نزلت هذه الآية في وقتٍ كانت قريش مستعدة فيه للتنازل عن كنوزها كلها لتغلب النبي ق، ولقد كانت بضاعة البيان -حينذاك- رائجة أي رواج، وكان كثير من العرب خارج مكة يتربصون برسول الله الدوائر، ويحرصون على محاربته وهزيمته، كما فعلوا في غزوة الأحزاب؛ فما بالهم وقفوا جميعاً مشدوهين مدهوشين أمام هذا التحدي؟

ألم يكن اجتماعهم على أن يأتوا بمثل هذا القران أسهل عليهم من المعارك التي خاضوها مع النبيﷺ ؟!

ألم تكن أنفتهم -وهم وجوه العرب- تأبى عليهم أن يتركوا هذا التحدي الذي أعلنه خصمهم أمام النّاس إلا بخوض غماره ومحاولة الانتصار فيه؟ خاصة وأنه استفزّهم بإعلانه أنّهم لن يستطيعوا أن يكسبوا هذا التحدي، مع أنه أباح لهم أن يستقووا بمن شاءوا، وأن يستعينوا بمن أرادوا.

كتب الدكتور محمد دراز في كتابه النفيس (النبأ العظيم) واصفاً التحدي الذي في سورة البقرة المختوم بقوله سبحانه: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ [البقرة:24]

بقوله: "فانظر أي إلهاب، وأي استفزاز: لقد أجهز عليهم بالحكم الباتِّ المؤبَّد في قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ ثم هددهم بالنار، ثم سوَّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداءُ الألِدَّاء، وأباةُ الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم. ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طَوْد شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك حيلة يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا بالقلم واللسان.

ومضى عصر القرآن والتحدي قائم ليجرَّبَ كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفى البادية وأطرافها أقوامٌ لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن على ما عجز عنه أوائلهم؛ لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعِل بأشياعهم من قبل.

ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا أشد عجزًا، وأقل طمعًا في هذا المطلب العزيز فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها"([1]) اهـ.

وهذا التحدي القرآني باقٍ ما دامت السماوات والأرض، فمن كان في ريب من القران فدونه هذا الميدان فليُبد صفحته، وليُعلن عن نفسه، وليأتِ بسورة من مثله؛ فإن لم يفعل ولن يفعل فليتق النار فإنها حقّ. () النبأ العظيم، محمد دراز، طبعة دار طيبة (ص 105- 106).

الأخبار الغيبيّة:

من المعلوم أن الإنسان مهما بلغت ثقته بحدسه فإنه لا يستطيع أن يراهن على قدرات الآخرين التي تتقلب وتتبدل، ولا بد له -لو أخبر بشيء مستقبلي لا دخل له بالحسابات والتوقعات العلمية- أن يجعل لنفسه طريق رجعة فيما لو لم يقع هذا الأمر الذي تنبأ به، وأمّا أن يأتي إنسان فيتحدث عن أخبار غيبية كثيرة، متنوعة في موضوعاتها، متباينة في أزمنة وقوعها، مختلفة في متعلقاتها، فمنها ما هو متعلق بتغيرات كونية، ومنها ما هو متعلق بأحداث سياسية، ومنها ما هو متعلق بأمور اجتماعية، ومنها ما هو متعلق بأشخاص بأعيانهم حول مصيرهم بعد عشرات السنين من وقت الخبر: بقوة وثقة وجزم وقطع، ثم يقع ما أخبر به على الهيئة التي أخبر بها فإن ذلك كله ليس في نطاق قدرات البشر.

فإذا تَقرّر ذلك؛ فتأمّل معي هذه الأخبار الغيبيّة في القرآن:

1- قال الله تعالى: ﴿آلم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

[الروم:1- 5] هذه الآيات فيها إخبار عن أمور مستقبلية متعددة، وهي:

1- نشوب حرب بين الفرس والروم.

2- ينتصر الروم فيها على الفرس.

3- الظرف الزمني لنشوب الحرب وانتصار الروم فيها هو ما بين ثلاث إلى تسع سنوات.

4- ويرى بعض العلماء أن فيها خبرا رابعاً وهو انتصار المسلمين في نفس اليوم الذي يتوج فيه الروم على الفرس، وذلك من قول الله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ (الروم: 4، 5)، ولا شك أن في الآية إخبارا بفرح المؤمنين بالنصر، لكن الخلاف في مُتعلّق هذا النصر: هل هم المسلمون أم الروم.

تُرى ما الدافع لأن يُعرّض النبيﷺدعوته لخطر التكذيب -لو لم يكن واثقا تمام الثقة- بحديثه الجازم عن نتيجة حرب لم تنشب بعدُ، بين أكبر جيوش العالم في ذلك الوقت، وزيادة على ذلك يُحدد الفترة الزمنية التي ستكون ظرفاً لوقوع هذه الحرب الكبرى.

ماذا لو لم تنشب هذه الحرب؟

وماذا لو نشبت ولكن كانت النتيجة فيها لصالح الفرس؟

بل وما ذا لو انتصر الروم ولكن بعد المـُدة الزمنية المـُحدّدة أو قبلها؟

ألا يجعل ذلك للكفار حجة في تكذيبهم وإعراضهم؟

بلى، والله!

غير أنه لم تنصرم بِضْعُ السنوات المذكورة في الآية إلا وقد نشبت الحرب بين الفرس والرّوم، وانقضت بانتصار الروم على الوجه الذي جاء في القرآن؛ بل ويرى طائفة من المؤرخين أن ذلك كان بالتزامن مع انتصار المسلمين في معركة بدر؛ ليكون ذلك كله دليلا على أن القرآن من عند الله عالم الغيب وحده.

2- الوعد الثاني: قال الله تعالى عن مشركي قريش: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:45] وهي آية مكّية نزلت قبل أيِّ قتال بينهم وبين المسلمين، وهي آية فيها خبر مُستقبلي لا يُمكن الجزم والقَطع به إلا ممن يعلم الغيب وحده، لأن الظرف الذي نزلت فيه هذه الآية كان ظرفاً صعباً على المـُسلمين في مكّة، إذْ كان يصدُق عليهم لقب (المـُستضعفين) حيث كانوا في حالة اضطهاد ديني شديدة، فأيُّ جَمْعٍ ذاك الذي سيُهزَم؟ وهل ستُولِّي هذه القوة العُظمى -قريشُ- أدبارها أمام هؤلاء المـُستضعفين؟ كيف يكون ذلك وإذا كان الخبر من باب التفاؤل والرجاء فلماذا لا يأتي بصيغة تحتمل الوقوع أو تُغلّبه ولكن يبقى فيها تجويز لخلافه بدلا من هذا الجزم.

وما هي إلا سنوات يسيرة حتى بدأ عِزّ الإسلام في المدينة، ثم جاء جمع المشركين إلى حتفه ببدر، وهُزموا، وولّوا الدبر، وصَدَق الله وعده ونصر جنده.

3- الوعد الثالث: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:27] .هذه الآية نزلت في صُلح الحديبية، العام السادس من الهجرة، وفيها وعْدان مُستقبليّان:

1-دخول المـَسجد الحرام بأمان مع أداء العمرة.

2-أنه سيكون قبل هذا الدخول فتح قريب.

ثم يقع هذان الوعدان كما أخبر الله تعالى.

ففي العام السابع من الهجرة فُتحت خيبر، وكان فتْحُها خيراً كبيراً للمـُسلمين، ثم وفي نفس العام دخل النبيّﷺوأصحابه مكة، معتمرين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون, ليكون ذلك دليلاً آخر على أن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى.

4- الوعد الرابع: الإخبار الجازم بأعلى أساليب الجزم والتأكيد بانتصار النبيﷺفي الدنيا قبل الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:15] وتأملوا معي جمال تفسيرها:

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:

"{مَن كَانَ} من الكفَرة الحَسَدَة له ﷺ، {يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ}؛ أي: أن لن ينصر الله نبيه محمداً ﷺ {فليمدد بِسَبَبٍ} ؛ أي: بحبل إِلَى السَّمَاء؛ أي سماء بيته، والمراد به السقف: لأن العرب تسمي كل ما علاك سماء كما قال:

وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر

والمعنى: فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق; لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه؛ ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس: قطع، فلينظر إذا اختنق ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة. والمعنى: لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ. وحاصل هذا القول: أن الله يقول لحاسديه ﷺ ، الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أنَّ ربه لن ينصره: موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم، وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو أظهرها عندي. ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: 119] انتهى -اختصار- هذا الكلام البديع من الإمام محمد بن الأمين الشنقيطي تغمده الله برحمته من كتابه أضواء البيان([2]).

وأما الوعود الغيبية في السنة النبوية الصحيحة فهي كثيرة جدا، يطول المقام بذكرها، وفيها من التفصيلات المتعلقة بالأشخاص والأحداث الشيء العجيب كالإخبار باستشهاد عمر وعثمان رضي الله عنه ، مع أنهما خليفتان يحكمان دولة عظيمة، والإخبار بأن عماراً تقتله فئة باغية، والإخبار بأن الحسن يصلح بين فئتين من المسلمين، وكالإخبار بظهور الخوارج، وكالإخبار بأن فاطمة ابنته هي أول من يموت من أهله بعده، إلى غير ذلك من الأخبار الصحاح. () أضواء البيان, دار عالم الفوائد (5/ 52- 53).

بين أصدق الصادقين وأكذب الكاذبين

كتب ابن أبي العز الحنفي كلمةً جميلة حول النبوة، وقد ذكر معناها -قبله- ابن تيمية، وهي كلمة مطربة للعقل، مُنعِشة للذهن، ومنذ أنْ وقفتُ عليها وأنا أحبّ تكرارها في كل موطن تُذكَر فيه دلائل نبوة محمد ﷺ.

قال رحمه الله: "النبوة إنما يدّعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تُعرِب عنهما، وتُعَرِّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟"([3])اهـ.

وإذا انطلقنا لنرى شواهد صدق محمد فسنرى من كثرتها ما نعلم به السبب الذي لأجله قال عبد الله بن سلام حين رآه: "عرفتُ أنّ وجهه ليس بوجه كذاب"([4]) () شرح الطحاوية، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد (ص109) وهو كلام سبقه إليه ابن تيمية فأعاد ابن أبي العز صياغته لا غير، ومن المعلوم أن كتابه (شرح الطحاوية) مستفاد من تقريرات ابن تيمة وابن القيم في كثير من مواضعه.

فقَبْل أنْ يَبْعَثه الله بالرسالة لبث عُمُراً في قومه بمكة لا يرون منه إلا شواهد الصدق والأمانة، حتى استحق فيهم لقب (الصادق الأمين)، ولذلك؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم أوّل ما خاطبهم بالرسالة اتّكأ على ما يعرفونه عنه من صِدق وبُعدٍ عن الكذب؛ فقال لهم: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ؛ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ! قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ».([5]) () سنن الترمذي (2485) وقال: هذا حديث صحيح.

وحين ذهب أبو سفيان إلى الشام قَبل إسلامه، وكان سيّد قريش وقائدها ضدّ رسول الله، استدعاه هرقل عظيم الروم ليعلَم منه خبر محمد ﷺ ، فسأله عن عدد من الأمور التي أراد بها التوصّل إلى معرفة حقيقته، فكان فيما سأله: "هل كنتم تتهمونه بالكذب"؟ فأجابه أبو سفيان: لا. فقال له هرقل قولة حكيمة: " وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا؛ فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ"([6]) () صحيح البخاري (4971)- صحيح مسلم (208).

وحين كسفتِ الشمْس في اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبيّ ﷺ قال النّاس: (كسفتِ الشّمسُ لموت إبراهيم) فماذا كان ردّ النبيّ محمد ﷺ على هذا الكلام؟ () صحيح البخاري (7).

هل أيّدهم عليه؟ أو على الأقلّ سكت؟

بل قام فيهم خطيباً مُصحِّحاً هذا الاعتقاد الخاطئ، معظّماً ربّه وخالقه ومولاه قائلاً: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ»([7]).

ثم أرشدهم إلى الصَّلاة والاستغفار والصدقة؛ وذلك لأنه رسول من عند الله، ولو قيل مثل هذا الكلام في حق ملك من ملوك الدنيا لكان شأنه في التعامل مع هذا التعظيم لابنه آخر. () صحيح البخاري (1043), صحيح مسلم (902).

ومن شواهد صدقه ﷺ أنّه بلّغ القرآن كاملاً مع أنّ فيه آيات عتاب الله له، كقوله سبحانه وتعالى:

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:1-3]

وقوله: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾؟ [التوبة:43]

وقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:1]

وقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾! [الأحزاب:37]

أخبروني باللّه عليكم لو لم يكن محمد رسول الله حقّاً أكان يُبلّغ هذه الآيات؟ ما الذي يضطره لقول هذا الكلام الذي يقرؤُه الناس إلى يوم القيامة إلا أنّه مأمور بتبليغه؟

وكثير من آيات القرآن الكريم فيها بيان واضح بأن النبيّ محمداً عليه الصلاة والسلام عبدٌ للّه، مُبلّغ رسالة ربّه، وأنه لا يضر ولا ينفع، ولا يعلم الغيب، وأنّه ليس له من الأمر شيء، فبلَّغَها كما أُمِر، وهذا من دلائل صدقه ونبوّته عليه الصلاة والسّلام.

فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:128] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن:21-22] ، وقوله: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:50] ، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:9]

ومن دلائل نبوة محمد ﷺ : حِفْظُ الله له ونصره إياه كما أخبره ووعده في القرآن، فعلى مَرّ ثلاثة وعشرين عاماً قضاها رسول الله في تبليغ الرسالة تعرّض فيها لكل أنواع الأذى لكن لم يستطع أحد من أعدائه قتله، على كثرة المحاولات من مختلف الأعداء؛ فالله سبحانه أنزل عليه. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:67] فعصمه، وأيّده بسكينته، وجُنده، حتى أتمّ الرسالة، وبلّغها، ونزلَت شهادة الله له من السماء: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة:3] ودخل النّاس في دين الله أفواجاً، وفُتِحَت مكة.

وإذا أردتَ أن تُدرك الحفظ الإلهي له فانظر إلى بيته الذي كان في المدينة، فلم يكن حصناً كحصون اليهود، ولا قلعة كقلاع الروم، وإنما حُجُرات لا حارس عليها ولا بوّاب، إلا عينُ الله التي تحرسه.

ففي صحيح البخاري من طريق  ثَابِت الْبُنَانِيّ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي. قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ»([8]). ومع ذلك فقد كان الله سبحانه يُخلّصه من كل شر، وينجّيه من كل كيد.

ومِن دلائل نبوّته ﷺ أنّه كان يثق بوعد الله له، فلا يهتزّ قلبُه في أحلك الظروف وأصعبها؛ متوكّلاً على خالقه ومولاه، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أَنَس بْن مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: «نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ، أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْر، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».([9]) () صحيح البخاري (7154).

وأخرج البخاريّ ومسلم عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ-أي الشجر-، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّه ِﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي العِضَاهِ، يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. قَالَ جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً، ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ» ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ([10]) () صحيح البخاري (4663), صحيح مسلم (2381).

رابعاً: محاسن الإسلام

() صحيح البخاري (4135), صحيح مسلم (843).

كثيراً ما يتم الحديث عن محاسن الإسلام نظرياً، غير أنَّ أكثر من يدرك محاسن الإسلام على حقيقتها، وأكثر من يشعر بحلاوة الإيمان ويتذوقها هو الملتزم بتعاليم الإسلام وآدابه في نفسه ومع أهله وجيرانه، وفي معاملاته، وفي خلوته، إذْ إنَّ الإسلام يغرس في نفس من يلتزم به قيماً مطلقة متجاوزة للزمن، نابعة من ضمير الفرد -ولو غاب القانون الرادع-، وهي أسمى من النَّفعية المجردة، وأعلى من كونها صادرة عن تنظير فيلسوفٍ أو حَكيم أو مجموعة مُشرِّعين.

والالتزام بهذه القيم حال غياب الرقيب يُكسب المؤمن شعورا تاماً بالثقة والاطمئنان لجمال هذا الدين العظيم، لأنه يرى أثره عليه في منعه من الظلم والبغي والخيانة والفواحش، ومهما قيل بعد ذلك في الإسلام من تُهَم وتشكيكات فإنها لا تكون ذات قيمة وبالٍ عنده لأن عنده ما يعارضها.

مكانة القيم الأخلاقية والسلوكية في الإسلام: إذا كان الإيمان أهم ما يعيش المسلم لأجل المحافظة عليه، ثم تجد في نصوص الشريعة ما ينفي الإيمان عن المرء إذا لم يلتزم ببعض القيم الأخلاقية كحُسن الجوار مثلاً، أو تجد فيها ما يُجلي حقيقة كون المرء مسلماً بصفة سلامة المسلمين من لسانه ويده، فإن لك أن تتخيل محل القيم الأخلاقية والسلوكية وشأنها في الإسلام إذاً.

وقد جمع الدكتور محمد دراز الآيات القرآنية المؤسسة للقيم الأخلاقية في آخر كتابه دستور الأخلاق في القرآن.

واخترتُ -هنا- طائفة يسيرة من الأحاديث النبوية (الصحيحة) التي تشير إلى ما تقدمه السنة النبوية في مجال أثر الإيمان "السلوكي" و "القيمي" وتُظهر شيئاً من محاسن الإسلام، وصدَّرْتُ كل حديث من هذه الطائفة المختارة بعنوان: (تعلمنا من الحديث الصحيح ). أما بعدُ،

1- فقد تعلمنا من الحديث الصحيح أنَّ: «الـمُؤْمِن مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ»([11]).

وهنا تنكسر الشعارات وتسقط اللافتات التي يعلقها بعض الناس متظاهرا بالإيمان، إذْ إنّ الإيمان عند حضور الذهب والفضة يُقاس بقدر التزام المرء بالأمانة. () رواه الترمذي(2627) وقال:حسن صحيح.

2- وتعلمنا من الحديث الصحيح أن النبي ﷺ أقسم بالله ثلاثاً أن مؤذي جاره ليس مؤمناً، وذلك بقوله: «وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهُ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ([12])؛ ومعنى بَوَائِقَهُ أي شروره.

فهل يبقى شك -بعد ذلك- في أن الإيمان عمل وسلوك؟! () صحيح البخاري (6016).

3- وتعلمنا من الحديث الصحيح أن «مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ»([13]).

4- تعلمنا من الحديث الصحيح أن التواضع رفعة، وأن العفو عز([14]). () صحيح البخاري (6058), صحيح مسلم (2526).

5- وتعلمنا من الحديث الصحيح أن ننظر إلى المرأة المؤمنة بعدل وموازنة، فإن كرهنا منها خُلقا رضينا منها الآخر([15]). () صحيح مسلم (2588)بمعناه.

6- تعلمنا من الحديث الصحيح الدفاع عن المال المكتسب من الحلال، شرف وكرامة ولو قُتِل المرء وهو يدافع عنه فإنه شهيد([16]). () صحيح مسلم(1469).

7- تعلمنا من الحديث الصحيح أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكون مغفلا مخدوعاً، فإن الرسول ﷺ يقول: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» ([17]). () صحيح البخاري (2480), صحيح مسلم (141).

8- وتعلمنا من الحديث الصحيح حجم المسؤولية التي تقع على عاتق الفرد تجاه ما يحصل من تجاوزات في المجتمع (كائناً من كان هذا المتجاوز) فقد قال النبي ﷺ: () صحيح البخاري (6133), صحيح مسلم (2998).

«مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»([18]). الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّه هو الذي يأمر بالخير وينهى عن الشر.

اسْتَهَمُوا يعني اقترعوا، أي عملوا بينهم قرعة ليتقسموا أعلى السفينة وأسفلها. () صحيح البخاري (2439).

وهذا حديث يصور المجتمع بالسفينة الواحدة التي لا تبلغ هدفها إلا بالتعاون على المحافظة عليها، والتعاونِ على منع أصحاب الأهواء الشخصية من إغراقها -بغباء- لتحقيق مصالحهم التي تعميهم عن النظر في مصلحة المجتمع بأسره.

9- تعلمنا من الحديث الصحيح الحرص على حسن المظهر فــــ «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ»([19]).

وعلى حُسن رائحة الفم، فــــ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»([20]). () صحيح مسلم (91).

10- تعلمنا من الحديث الصحيح: إحسان الظن فـــــ «الظَّنُّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»([21]). () سنن النسائي (5).

11- وتعلمنا حمل أمور الناس على الظاهر وعدم الدخول في تحليل النوايا «أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟»([22]). () صحيح البخاري (5143).

12- تعلمنا من الحديث الصحيح أن للمرأة المسلمة من المكانة ما استحقت به أن يخصها النبي ﷺ بالتوصية يوم اجتماع أكبر عدد من الناس في حياته -في الحج- بقوله: «اِتَّقُوا اللَّهَ فيِ النِّسَاءِ»([23]). () صحيح مسلم (96).

13- تعلمنا من الحديث الصحيح وجوب مراعاة مشاعر من يشترك معنا في المجلس؛ «فَلَا يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ»([24]). () صحيح مسلم (1218).

14- وتعلمنا من الحديث الصحيح بث روح الأمل والعمل الصالح أمام المخطئ ليعوض ما فاته، كما فعل النبي ﷺ مع من صدرت منه قُبلة لا تحل له؛ فخاطبه بقول الله «إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» ([25]). () صحيح البخاري (6290).

15- تعلمنا من الحديث الصحيح مكانة الوالدين، ومنزلة الأرحام، وحق الجار، بل والوفاء لأصدقاء الأب بعد موته كما في الحديث الصحيح «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»([26]). () صحيح البخاري (4687).

16- وتعلمنا من الحديث أن الحياء من خير الصفات التي من الممكن أن تكون في الإنسان، ولكن في المقابل لا يَحْسُنُ أن تمنع هذه الصفةُ صاحبها من قول الحق والقيامِ والصدعِ به، فالنبي ﷺ كان «أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا»([27]) ، ومع ذلك فقد صعد على الصفا أمام قريش صادعا بالحق قائلاً «إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»([28]) ولم يترك نادياً من نواديهم لم يَدْعُ فيه إلى سبيل ربه. () صحيح مسلم (2552).

17- تعلمنا من الحديث الصحيح أن «شَرَّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ»([29])، فالشح الهالع يمنعه من إخراج ماله ويصيبه بالجزع إن أنفق شيئاً منه. () صحيح البخاري (3562). () صحيح البخاري (4770).

والهَلَعُ: الجزع، والجُبْنُ الخَالِعُ: هو الذي كأنه يخلع قلب صاحبه من ضعفه وخوره فيمنعه من القيام بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. () سنن أبي داود (2511).

ولن يفي هذا المقام المختصر بعُشر ما يمكن أن نتعلم (أفراداً ومجتمعات) من الحديث النبوي، من قواعد في الفكر والمنهج والمفاهيم والأحكام والآداب والأخلاق تُظهر لنا عظمة هذا الدين وحسنه وجماله.

هذا وقد كثرت المؤلفات والرسائل والبحوث في هذا الباب، حتى إن هناك من الدراسات المطولة ما أُفرِد في إظهار محاسن باب واحد من أبواب التشريع الإسلامي كباب الحرب مثلاً، وقد ذكرتُ في أوائل كتابي: نظرات منهجية في محاسن الإسلام طائفة من الكتب والدراسات في باب محاسن الإسلام مقسمة بحسب طريقة تصنيفها وبحسب متعلّقها، فليراجع.

وقبل الانتقال عن موضوع محاسن الإسلام إلى ما يليه، رغبت أن أقتبس مواضع يسيرة من كتاب: نظرات منهجية في محاسن الإسلام وهي اقتباسات متعلقة بجوانب منهجية لم أشر إليها في الكلام السابق؛ لتكون مكملة له، وشافعة:

«لقد تميَّزَ الإسلام على سائر الديانات الموجودة اليوم بوضوح العقيدة في (الإله) من جهة الكمالات المتعلقة به، ولذا فإن العقل لا يجد تكلفاً في قبول الاعتقاد الإسلامي في الله سبحانه، بخلاف الخرافات والأساطير الموجودة في تصوّرات كثيرٍ من البشر تُجاه الإله، وهذه القضية من أظهر القضايا في دين الإسلام، والاستدلال عليها لا يحتاج إلى كبير عناء، فالقرآن من أوله إلى آخره تمجيدٌ وتعظيمٌ وتنزيهٌ لله جل في علاه ، والسورة التي أخبر النبيّ ﷺ أنها أعظمُ سورةٍ في القرآن هي السورة التي تبدأ بحمد الله والاعتراف بأنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين، وتبيّن العلاقة بين المخلوق وبين الخالق بالتعظيم الذي ينبغي للخالق، بأنه لا يُعبد إلا هو، ولا يُستعان إلا به، فهذه أعظم سورة.

وكذلك أعظم آية في القرآن، كلُّها متعلقةٌ بالإله من أولها إلى آخرها، وهي آية الكرسي.

ولا يوجد عندَ أمّةٍ من الأمم المتديّنة تعظيمٌ للإله بمثل ما في آية الكرسي.

ثم إنه قد صح عن النبي ﷺ أن في القرآن سورة تعدل ثلث القرآن، وهي سورة الإخلاص، وإذا تأمّلتَ فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيمٌ وتنزيهٌ لله سبحانه وتعالى.

بينما إذا نظرتَ فيما جاء عن الخالق في سائر الأديان فلن تحتاج إلى كبير جهد لتدرك الفارق بين الإسلام وبين غيره، بل إن المقارنةَ بين الإسلام وغيره في هذا الباب ظالمةٌ.

ومن جمال وكمال وعظمة التصور الإسلامي عن الله جل وعلا أنه لا يقتصر على مجرد الوصف الكامل، بل هذا الوصف يقتضي التعبدَ والخضوعَ والذلَّ لله عز وجل. وفي ذلك يقول فريد الأنصاري رحمه الله: "فالربوبية إذن -لمن عرفها حقاً وصدقاً- جالبة للمحبة؛ لأنه إذا كانت الإلهية -وهي عقيدة المحبة وما تفرع عنها خوفاً ورجاءً كما أصّلنا- مبنيةً على الربوبية فمعنى ذلك أنّ الربوبيةَ ذاتُ خواصٍّ تجلب إليها القلوبَ فتألَهُهَا!"([30]).

إذن فهذا الاعتقادُ الإسلاميُّ العظيمُ في الله سبحانه وتعالى -على وضوحه وجلاله وجماله- فإنه يزداد جمالاً على ذلك باقتضائه التعبدَ لهذا الإله سبحانه وتعالى. () جمالية الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري (45).

ومن المعلوم عند علماء الاعتقاد الإسلامي أنّ من أهم الأدلة القرآنية في الرد على المشركين الاستدلالُ بتوحيد الربوبية وبصفات الله سبحانه وتعالى وكماله على توحيد الإلهية واستحقاق الله له»([31]).

«إن من أهم ما يُبرِز محاسن الإسلام ويرسّخها في النفسِ: النظرُ إلى أحوالِ الجاهلية -سواء ما كان منها متقدماً على الإسلام أو متأخراً عن بدايته- ورؤية الجانب الإصلاحيِّ العظيمِ الذي جاء به الرسول ﷺ في مقابل ما كان منتشراً ومتجذراً في نفوس العرب من الناحية الاعتقادية والسلوكية ومن ناحية العادات والأعراف والتقاليد. () من كتابي: نظرات منهحية في محاسن الإسلام.

إننا لا نتحدث عن نتائج إصلاح عادي يقارب نتائج الحركات الإصلاحية القديمة والحديثة، بل نتحدث عن حالة استثنائية فريدة في التاريخ، عبّر عنها أحد أشهر المؤرخين في التاريخ الحديث (ول ديورانت) مع كونه لا يؤمن برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وقد أثار شيئا من الطعونات والتشكيكات فيه، غير أن سطوة الحقيقة عليه أبت إلا أن تُخرج منه هذا الكلام؛ وذلك في كتابه قصة الحضارة، حيث قال: "وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثرٍ في الناس، قلنا: إنّ محمداً كان أعظمَ عظماءِ التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعبٍ ألقت به في دياجيرِ الهمجيةِ حرارةُ الجوِّ وجدبُ الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرضِ نجاحاً لم يدانيه فيه أيُّ مصلحٍ آخرَ في التاريخ كلِّه، وقلّ أن نجدَ إنساناً غيرَه حقّق كلَّ ما كان يحلم به"([32])» ([33]).

الباب الثاني: () قصة الحضارة (13/47). () من كتابي: نظرات منهحية في محاسن الإسلام.

مصادر التلقي الشرعية والموقف منها

التسليم لأمر الله ورسوله (الكتاب والسنة).

حجية السنة.

حجية الإجماع.

التسليم لأمر الله ورسوله

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُو أَمْرًا أَنْ يَّكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36]

(التسليم) لفظ شرعي وارد في كتاب الله سبحانه وتعالى، وليس من مبتكرات طائفة من الطوائف، فقد

قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النّسآء:65]

والتسليم لله ورسوله يكون في الأخبار وفي الأوامر على حدّ سواء:

1- فالتسليم للخبر الشرعي هو التصديق به، سواء أكان خبرا عن شيء سابق أو خبرا عن شيء مستقبل. وكثيراً ما يأتي الله جل جلاله في كتابه بأخبار غيبية تتجاوز حدود المحسوس ويكون التصديق بها من جملة التكليف الذي أمر الله به عباده، فالله جل جلاله لم يكلفنا بالعمل فقط بل كلفنا بالتصديق وامتدح المصدّقين فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:3]

2- والتسليم للأمر يكون بالقبول الداخلي له ثم بالانقياد والعمل بمقتضاه. وأعظم التسليم للأوامر ما كان فيه مخالفة للهوى أو ما كان مبنيا على الانقياد التام ولو لم تظهر المصلحة للعبد فيه.

ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى أبرز لنا موقف خليله وحبيبه إبراهيم عليه السلام حين أمره بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام فقابل ذلك بتمام التسليم مع أن الحكمة من هذا الامر قد لا تكون ظاهرة لإبراهيم عليه السلام، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُو لِلْجَبِينِ﴾ [الصّافّات:103] أنزل الله الفداء بالذبح العظيم!

والتهوين من عبادة التسليم ينزع من العبد سر عبوديته لله التي هي في الحقيقة حريتُه في هذه الحياة.

وكثيراً ما تثار أسئلة للتهوين من هذا العبادة التي لم يفهم أكثر الخلق سرّها وجمالها، فتجد من يقول: "ماذا بقي من مجالات للعقل إذا كان الدين مبنياًّ على التسليم؟" و "هل التسليم الممكن اليوم إلا التسليم لآراء الرواة ونقلة الأخبار فلماذا الحديث عن التسليم؟" ونحو ذلك من الأسئلة.

إن حقيقة التسليم ليس فيها أي تعطيل للعقل، بل هي مقتضى العقل ولازمه؛ فإن العقل حين يُثبت صحة الرسالة المحمدية بالأدلة والبراهين، فإنه إنما يُثبت أنها من عند الله الذي له تمام العلم وكمال الحكمة، الذي لا يجوز عليه الخطأ أو النقص، ثم هو -أي العقل- يُدرِك من حاله في نفس الوقت أن قدراته محدودة في الإحاطة بكل شيء علماً، وهذا يقتضي أن يُسّلم محدود العلم والقدرة لمن هو كامل في علمه وحكمته وقدرته، بشرط أن يثبت أن ما سلم به ثابت النسبة إلى الله سبحانه.

ومع ذلك، فإننا لا نقول بانتهاء دور العقل بهذا التسليم، بل إن هناك مجالات متعددة لحركته بعد التسليم، منها:

1)- مجال التفهّم والتدبر والاستنباط من النص.

2)- مجال استخراج الحِكَم والمقاصد والعِلل من مجموع النصوص.

3)- مجال الجمع بين النصوص التي يكون ظاهرها التعارض.

4)- مجال تنزيل النص على الواقع وملابساته ومتغيراته.

وإذا استعرضنا سيرة أصحاب رسول الله ﷺ ومواقفهم حيال ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه فسنجد أسمى صور الامتثال والانقياد والتسليم للأخبار والأوامر التي تصدر عن المصطفى ق، حتى عند التعارض مع هوى النفس أو تقدير المصلحة، وقد كان الدافع لهذه الطاعة الفريدة: الإيمان التامُّ بأن محمداً ﷺ رسول رب العالمين سبحانه وتعالى، وأنه صادق في تبليغه وأوامره، مع المحبة التامة له ﷺ.

وهذه إشارة سريعة إلى بعض المواقف:

في العام الخامس من الهجرة اجتمع جيش للكفار بأعداد لم تجتمع قبل ذلك، وهو جيش الأحزاب، فحاصروا المدينة، وأعانهم يهود بني قريظة فأرهبوا المسلمين في أهليهم من وراء ظهورهم أثناء الحصار، وقد كان البرد شديداً وقاسيا فوق ذلك.

وفي تلك الظروف قام الرسول ﷺ في إحدى ليالي الحصار بين أصحابه قائلاً: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَة؟». فهو يريد في تلك الحال الشديدة أن يذهب أحد أصحابه متسللا إلى معسكر المشركين ليأتيه بالخبر، وكان كلّ واحدٍ من الصحابة يتمنى لو كفاه أخوه هذه المهمة مادام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر شخصا بعينه.

وحين لم يقم أحد من الصحابة رضي الله عنهم نظر الرسول ﷺإلى حذيفة رضي الله عنه وقال: قمْ يَا حُذَيْفَةَ»، فماذا كان موقفه تجاه هذا الأمر النبوي؟ لم يأت حذيفة رضي الله عنه بالتعليلات والاعتذارات، ولم يتأخر أو يتردد حين وقع التعيين عليه، فقال:

«فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ» ثم قام من فوره وذهب إلى معسكرهم وحصلت له القصة المعروفة في موضعها[34](1).

موقف آخر: (1) صحيح مسلم (1788).

زوّجَ معقل بن يسار رضي الله عنه أخته لأحد الصحابة، ثم حصل بينهما شيء فافترقا، وبعد مدة من هذا الافتراق أرادا التراجع عن تراض، فأخذَتِ الحميّةُ معقلَ بن يسار، فقال للصحابي: «زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ؛ فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا! لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا!»، فنزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:232] أي فلا تمنعوهن من ذلك.

فلما سمعها معقل بن يسار رضي الله عنه لم يقل: "أنا قلتُ كلمةً، ولن أغيرها، والرجل عند كلمته"، إلى آخر هذه الكلمات، بل قال: «الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، قَالَ: «فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ»[35](2).

موقف ثالث: (2) القصة في صحيح البخاري (4529).

كان الصحابة رضي الله عنهم سَنة الحديبية متلهفين للعمرة متشوقين لها بعد انقطاعهم عن مكة سنوات عديدة، فتهيؤوا وأحرموا ولبّوا، وسابقتهم أشواقهم حتى قاربوا دخول الحرم، فمنعهم المشركون، وجرت بينهم مفاوضات طويلة انتهت بلائحة من البنود والشروط رأى فيها بعض المسلمين غضاضة عليهم، فتضاعف الهم باجتماع منعهم من البيت مع الشروط الأخرى التي رأوا فيها ما رأوا من الغضاضة، ولكنهم ما إن رأوا النبي قسبقهم بحلق رأسه وبالتحلل من إحرامه حتى قاموا واتبعوا هديه ولا يعرف عن واحد منهم الامتناع عن اتباعه في ذلك اليوم. ووقع الاتفاق على أن تكون العمرة في السنة التي تليها، فأمرهم النبي ﷺ بحلق رؤوسهم والتحلل من إحرامهم، وكان الحال شديداً حتى قيل إن بعضهم كاد يقتل بعضاً من الغمّ (كما في صحيح البخاري)[36](3)،

حجية السنّة النبويّة

(3) صحيح البخاري (2732)

ينظر بعض الناس إلى أحاديث النبي ﷺ باعتبار أنها مجرد رُكام من المرويات، لا يُجــزَم في شيء منها بنسبته إلى النبي ق، ولا تتجاوَز كونها محلّ استئناس في بعض أبواب الدين؛ ولذلك؛ لا يرون أنَّها مصدر مستقل من مصادر التشريع الإسلامي!

وهذا يخالف دلالة القرآن، والسنّة، وعمل الصحابة، والإجماع، وواقع الشريعة.

فأما القرآن فإنه مليء بالإرشاد إلى سُنة ق، فمن ذلك مثلاً:

1- النصوص القرآنية التي فيها الأمر برد التنازع إلى الله والرسول:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] . فقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ يشمل كل شيء؛ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. المراد بالردّ إلى الله: الرد إلى كتابه -وهذا واضح لكل أحد-، وكذلك فإن الردّ إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته، وإلى سنته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم؛ قال ابن حزم رحمه الله: "والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبرِ عن رسول الله ق؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا، وإلى كل من يُخلَق, ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس"([37])

وقال ابن القيم رحمه الله: "الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته"([38]). () الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم, دار الآفاق (1/97).

2- النّصوص القرآنية الآمرة بطاعة الرسول ق؛ فإن فيها دلالة بيّنة على وجوب اتباع سنّته؛ لأنها آيات ليست خاصة بوقت حياته، ومن قال بخصوصها فقد ادّعى دعوى عارضة لا دليل عليها. () إعلام الموقعين, لابن القيم, دار الجيل (1/39).

وكذلك فإن الصحابة لم يكن لهم حكم خاص في التشريعات الإسلامية، وإنما هم من هذه الأمة المأمورة باتباع رسولها، وكذلك فإنّ حُكْم الرسول لا يتغير بموته.

فنَخْرُج من ذلك كلِّه بأن اتباع سنته المنقولة إلينا عن طريق الثقات هو السبيل لامتثال أوامر الله في كتابه بطاعة رسوله، كما قال الشافعي في كتابه (جماع العلم): "فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله جل جلاله في اتّباع أوامر رسول الله ﷺ أو أحد قبلك أو أحد بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ ؟"([39])

وأما دلالة السنة (وإن كان الاستدلال بها لا يفيد في مناقشة منكر جميع السنة، لأنه لا يعتبر السنة حجةً، غير أن معرفة هذه الأحاديث تفيدنا في حجاجه من جهةٍ معيّنة، وهي فيما لو استدل علينا بشيء من السنة، فإننا نطالبه بعرض جميع ما نؤمن به لا أن يقوم بانتقاء بعض الأحاديث وترك بعضها)، فقد قال النبيّ ﷺ: «لَا أُلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ؛ وَنَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» وهذا حديث رواه الشافعي في كتاب (الرسالة)([40]) ورواه غير واحد من أصحاب السنن([41]) من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن رسول الله ﷺ, وهو حديث إسناده صحيح. () جماع العلم للشافعي, مكتبة ابن تيمية (ص 21-22).

وهذا الحديث نص في المسألة دالٌّ على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله ﷺ مما زاد على القرآن. () الرسالة للشافعي, دار الوفاء (40). () سنن الترمذي (2663)، سنن أبي داود (4605)، سنن ابن ماجه (13).

وروي الحديث من وجه آخر من طريق المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ. وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ»([42]).

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ([43]) وإسناده لا بأس به. () سنن الترمذي (2664).

وصدق رسول الله، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما زادنا هؤلاء المنكرون إلا يقيناً. () مسند الإمام أحمد (17174).

وأما دلالة عمل الصحابة رضوان الله عليهم على حُجّية السنة (والقول في الاستدلال بالأخبار عنهم هو نفس القول في الاستدلال بالسنة على منكرها؛ فإنّ كثيرًا من منكري السنة يذكرونَ في سياق استدلالهم على قولهم أخبارًا للصحابة، يرون أنها تؤيّد موقفهم، فمن المهم –والحال كذلك– معرفة أخبار الصحابة التي تفيد تقديرهم للسنة وعملهم بها)، فهذا متواتر عنهم في مواقف كثيرة، بل إنه لا يُعرَف عن أحَدٍ منهم تركُ الاحتجاج بالسنّة، والعجيب أنَّ بعض الناس لا يعْرِف عن الصّحَابة إلاَّ روايات ضَعِيفَة يتخذها دليلا على عدم حجية السنة، كالتي جاءت عن أبي بكرٍ بحرْقِ خمسمائة حديث.

وإذا أتوا بروايات صحيحة عنهم فإنهم يقعون في سوء الاستدلال بها من وجهين:

الوجه الأول: إساءة فهمها، كالاستدلال بموقف عمر رضي الله عنه مع أبي موسى رضي الله عنه حين روى أبو موسى حديثا عن النبي ﷺ في الاستئذان، فطلب عمر من أبي موسى أن يأتيه بمن يروي معه هذا الخبر عن رسول الله. فيستدلون بهذا الخبر على عدم حجية أحاديث الآحاد، وهذا غلط، فإنَّ شهادة هذا الواحد مع أبي موسى لم تُخرِج الخبرَ عن دائرة الآحاد؛ لأنَّ حديث الآحاد ليس هو حديث الشخص الواحد، وإنّما هو ما دون المتواتر.

أيضاً، فما كان موقف عُمر من هذا الحديث بعد أن جاء أبو موسى بشاهد معه؟

هل ردّه؟ أم هل قال: هذه روايات غير مُلزمة؟ بل أخذ به، وقال مُتحسراً على عدم معرفته بهذا الحديث: «أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ»([44]).

الوجه الثاني: إغفال الروايات الأخرى عن الصحابة في احتجاجهم بالسنّة () صحيح مسلم (2153).

فمن ذلك مثلاً:

موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قضية الميراث: قال الله جل في علاه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الانْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] , وهذه الآية عامة؛ تقتضي أن المال ينتقل من الآباء إلى الأبناء بالموت. فجاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبي بكر؛ تطلب ميراثها من أبيها رسولِ الله ﷺ ، وطَلَبُها يوافق ظاهر القرآن، وكان عند أبي بكر نصّ من رسول الله ﷺ أن الأنبياء لا يورثون، وأن ما تركوه من مال فهو صدقة، -وهذا النص ثابت في صحيحي البخاري ومسلم([45])-، فلم يعطها إياه لأجل ذلك. ولولا أنّه رأى في نفسه أن السّنة حُجّة ملزمة ومصدرٌ تشريعي؛ لما تمسّك بهذا القرار في مقابل إصرار فاطمة رضي الله عنها، وقال مُبيّناً أهمية النص النبوي وعدم جواز مخالفته: "إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ"([46]).

وكان عمر رضي الله عنه لا يورّث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ ؛كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فعدل عمر عن رأيه إلى هذا النقل([47]). () ينظر: صحيح البخاري (3092)، صحيح مسلم (1759). () صحيح البخاري (3093), صحيح مسلم (1759).

وكان عمر رضي الله عنه يشدد في النهي عن أداء صلاة التطوّع في الأوقات المنهي عنها([48])، وكان يضرب على ذلك بالدرة. مع أن هذا النهي إنما ثبت بسنة رسول الله ﷺ وليس في كتاب الله. () سنن أبي داود (2927)، سنن الترمذي (1415)، سنن ابن ماجه (2642).

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا". قال: وَقَدْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ»([49]). فعليٌّ رضي الله عنه ترك القياس الذي رآه في هذه المسألة، وقدَّم عليه فعلَ رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على اعتباره الشديد لهذه القضية. () يُنظر: موطأ مالك (590), مصنف عبدالرزاق (3964).

ومواقف الصحابة رضي الله عنهم في احتجاجهم بالسنّة أشهر من أن يستدل عليها؛ إلا أنَّه حين تغيرت المفاهيم، وكثرت الشبهات، صار الإنسان محتاجًا إلى ذكر الأدلة والشواهد على ذلك! () يُنظر: مسند أحمد (737), سنن أبي داود (162)

وأما دلالة الإجماع على حجّية السنة:

فقد قال ابن عبد البرّ القرطبي المالكي رحمه الله في مقدمة التمهيد: "أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً" اهـ([50]). وهذا إجماع على حجية خبر الواحد فضلاً عن المتواتر.

وقال ابن حزم رحمه الله : "وكذلك إجماع أهل الإسلام كلهم جنّهم وإنسهم في كل زمان ومكان على أنّ السنّة واجب اتباعها، وأنها ما سنّه رسول الله ﷺ ، ...، فاعلموا رحمكم الله أنَّ من اتبع ما صحّ برواية الثقات مُسنَداً إلى رسول الله ﷺ فقد اتّبع السنّة يقيناً" اهـ.([51]) () التمهيد, لابن عبد البر, وزارة عموم الأوقاف (1/2).

وقال الشوكاني رحمه الله في (إرشاد الفحول): "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام"([52]). وتأمل قوله: "لا حظّ له في الإسلام" فمثل هذه الجملة لا تقال في مسائل الإجماع الظنّي. () الإحكام في أصول الأحكام (4/ 128).

وقال المعلمي رحمه الله في (الأنوار الكاشفة) حين تكلم عن حجية خبر الآحاد، قال: "والحجج في هذا الباب كثيرة, وإجماع السلف على ذلك محقق"([53]). () إرشاد الفحول, للشوكاني, دار الكتاب العربي (1/97).

مكانة السنة في التشريع الإسلامي: () الأنوار الكاشفة, للمعلمي, عالم الكتب (1/67).

إضافة إلى ما تقدم ذكره من أدلة القرآن والسنة وعمل الصحابة والإجماع على حجية السنة ووجوب اتباعها، فلنتأمل في هذا السؤال:

لو لم يكن عندنا غير القرآن، ولا يوجد أيّ حديث من أحاديث الرسول ق؛ فهل نستطيع أن نؤدي عباداتنا الشرعيّة الأساسيّة بصورة صحيحة أم لا نستطيع؟

لنبتدئ بالصلاة:

كم صلاة أُمرنا بأدائها في اليوم والليلة؟! هل هذا مذكور في القرآن؟

الجواب: ليس مذكوراً في القرآن، ولكنه مذكور في السنّـة.

وإذا علمنا أن المطلوب منا خمس صلوات فكم ركعة نؤدي في كل صلاة؟ هل هذا مذكور في القران؟

الجواب: لا، وإنما هو مذكور في السنة.

وإذا كان الله قد أمرنا في كتابه بالمحافظة على أوقات الصلوات، فمتى يدخل وقت العصر -مثلا- ومتى يخرج؟ هل فُصّل هذا في القرآن؟

الجواب: لا، وإنما جاء تفصيله في السنة!

وإذا كان النبي ﷺ قد قال لرجل صلى أمامه: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»([54]) لأنه أخلَّ بركن الطمأنينة, فهل هذا الركن -الذي لا تصح الصلاة إلا به- مذكور في القرآن؟

الجواب: لا، ليس مذكوراً صريحاً في القرآن وإنما جاء ذِكره في السنّة. () صحيح البخاري (757), صحيح مسلم (397)

هذا كله في فريضة واحدة من فرائض الإسلام، وهي الصلاة!

فإذا انتقلنا إلى "الزكاة" سنجد أن الله سبحانه وتعالى أمرنا في القرآن بأداء الزكاة وذَكَر عقوبة مانعها، ولكن: هل تجب الزكاة في القليل والكثير من الأموال؟ أم أن هناك حداً معيناً إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة؟

وإذا كان الحد الذي تجب فيه الزكاة مـُعَيّناً، فما مقدار ما يُخرَج منه لتبرأ ذِمَّةُ المـُزكّي؟ النصف أم الثلث أم الربع أم العشر أم رُبْع العُشر؟

هل هذه الأشياء مذكورة في القرآن؟!

الجواب: لا، وكلها مذكورة في سنّـة النبيّ ق.

وإذا انتقلنا إلى "الحج" من أركان الإسلام فمن المعلوم أن هناك مواقيت مكانية لا يتجاوزها الحاج أو المعتمر إلا بإحرام، فما هذه المواقيت؟ ومن أين علمنا ذلك؟

كل هذا مذكور في سنة النبي ﷺ بالتفصيل، وليس مذكوراً في القرآن.

ومِن أظْهَر شعائر الحج رميُ الجمرات؛ فهل ذُكِر ذلك في القرآن؟

لا، ليس مذكوراً فيه، بل في سنّة النبي ﷺ!

والأعجب من هذا كله أننا لم نعلم أن للإسلام أركاناً خمسة إلا من طريق السنة!

ولو نظرنا إلى سائر أبواب الشريعة سنجد مثل ما تقدم ذكره في أركان الإسلام من وجود أحكام هامة لم تُذكَر إلا في السنة.

ولا شك أنّ هذه الأمثلة تبيّن لنا أهميّة السنة ومحلها من التشريع، وأنها ليست مجرد أخبار يُستأنس بها!

وقد يرِد سؤال بعد التقرير السابق، وهو: ألم يقل الله عز وجل : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِ شَئٍ﴾ [النحل: 89] فلماذا لم يتم ذِكر هذه الأحكام المهمة في القرآن؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن من تبيان القرآن أنّ الله جل جلاله قال فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:7] , وقال: ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:92] , وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:65] والسنة داخلة في هذا كله.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أن النبي ﷺ يبين لنا ما نُزِّل إلينا، ويعلمنا الكتاب والحكمة -التي هي السنّة-.

وأيضاً، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:59]

وفي هذه الآية إشارة إلى أن الله سبحانه سيحفظ سنة نبيه ﷺ حتى تكون مرجعاً عند النزاع.

وفيها دلالة أيضاً على أنّ أحاديث الرسول ﷺ-مع القرآن- شاملة لجميع أبواب الشريعة، لأن الأمر بالرجوع إليهما عند النزاع يدل على وجود فصل النزاع فيهما.

اعتراض: يدعي بعض المنكرين أنه لا إشكال لديهم مع أقوال الرسول ﷺ وإنما إشكالهم مع طريقة نقلها وتوثيقها؛ فيقولون: إن علم الحديث ليس جديرًا بأن يوثق به، فيردون السنّة بهذه الحجية. وللجوابِ عن هذا الاعتراض؛ نفصّل القول في شيء من منهجية المـُحدّثين وطريقتهم في توثيق السنة.

كيف يحكم المحدثون على الحديث بالصحة؟

أهل الحديث يحكمون على الحديث بأنّهُ صحيح إذا توفرت فيه خمسة شروط، وهذه الشروط -إجمالاً- هي:

1-عدالة الرواة،

2-وضبطهم،

3- واتصال الإسناد،

4-وسلامة الحديث من الشذوذ،

5- وسلامته من العلة.

وأما تفصيلاً، فكما يلي:

الشرط الأول: (عدالة الرواة):

يُروى الخبر عن رسول الله ﷺ في كتب السنة عن طريق سلسلة من الرواة، من صحابة النبي ﷺ إلى مُصنّفي الكُتُب، وقد تتكون هذه السلسلة من ثلاثة من الرواة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من ذلك. فاشترط المحدثون لقبول خبر الرواة في هذه السلسلة أن يكون كل واحد منهم عَدْلاً. والعدالة هي السلامة الدينية، وضدّها الفسق، فالذي يُعرف بالمعاصي وارتكاب المحرمات لا يكون عدلاً، ولا يُعتمَد على ما روى، فالمحدثون لا يقبلون خبره؛ لأنه إذا تجرأ على الحرام بلا توبة؛ فقد يتجرّأ فيكذب على رسول الله ﷺ !

وإن قال قائل: قد يتلبّس إنسان بالصلاح ظاهرًا، ويكون في باطنه فاسدًا، وربما يضع الحديث ويكذب على رسول الله ﷺ مستغلاًّ مظهره الزائف! فنقول: إنَّ هذا الأمر لم يَفُت على المحدّثين! فإذا كانوا يقولون في بعض العُبّاد الكبار ذوي الصلاح الحقيقي: لا تقبلوا أحاديثهم! لأنهم اختبروها وعرضوها على أحاديث الثقات، فوجدوا أنهم لم يضبطوا الحديث؛ فإذا كانوا قد اكتشفوا أخطاء هؤلاء مع صلاحهم الحقيقي فكيف لا يكتشفون كذب أولئك مع صلاحهم المزيّف؟

الشرط الثاني: (الضبط):

لا بُدَّ لقبول خبر الراوي -في ميزان المـُحدّثين- أنْ يُعرَف -زيادة على العدالة- بالضبط والإتقان.

لأن الراوي قد يكون عدلاً صالحاً، ولكنه لا يضبط الأخبار، فمِثلُ هذا لا يُخشى من تعمده الكذب وإنما يُخشى من خطئه وغلطه.

وكيف يعرف النقاد ضبط الراوي وإتقانه؟

يعرفون ذلك بعدد من الوسائل، منها اختبار الراوي، ومنها اختبار مروّياته ومقارنتها بروايات الثقات. قال ابن الصلاح في النوع الثالث والعشرين من أنواع علوم الحديث في كتابه علوم الحديث:

"يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر (أي نعرض ونختبر) روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نَحْتَجَّ بحديثه"([55]).

وقال يحيى بن معين: "قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله"([56]). () علوم الحديث (106) ، دار الفكر، تحقيق نور الدين عتر.

ومعنى قولِ ابن معين لابن عُليّة: "عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة"، أي: أجرينا عملية اختبار ومقارنة لمروياتك وأحاديثك بمرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا أن رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا أنك ثقة من أثَر هذه المقارنة العملية، والاختبار الدقيق!! () معرفة الرجال, رواية ابن محرز, مجمع اللغة العربية (2/ 39).

وهذا هو المنهج الذي سار عليه المحدثون في الحُكم على الرواة: اختبار أحاديثهم وعرضها ومقارنتها بأحاديث باقي الثقات. وعلى قدر توافق روايات هذا الراوي المـُختَبَر مع روايات الثقات يحكمون عليه بالضبط والإتقان. وبقدر مخالفته لهم في النقل بزيادة أو نقصان، أو تغيير اسم أو قلب إسناد أو غير ذلك من الأخطاء المتعلقة بالضبط يعرفون مستوى ضعفه!

الشرط الثالث: (اتصال الإسناد):

يحرص المحدّثون على التأكد من اتصال إسناد الرواية التي يُراد الحُكم عليها، فإذا وجدوا انقطاعاً فيها فإنهم يحكمون عليها بالضعف -في الجملة-؛ لأنها إذا لم تكن متصلة فمعنى ذلك أن هناك بعض الرواة قد سقطوا من الإسناد، ونحن لا نعلم حال هذا الراوي الذي سقط، هل هو عدل ضابط أم لا.

الشرط الرابع: (السلامة من الشذوذ):

يرجع مصطلح الحديث الشاذ عند المحدّثين إلى معنيين:

-الأوَّل: مخالفة الثقة للثقات. فإنّ الراوي إذا خالف رواية الثقات فإنهم يردون حديثه ويعتبرونه شاذّاً.

-الثَّاني: أنْ يتفرَّد راوٍ لم يُعرف بالتقدم في الضبط والإتقان بأصل من الأصول عن النبي ﷺ ، أو بما لا يحتمل مثله أن يتفرّد به. فإن أحاديث النبيّ ﷺ قد شاعت وذاعت بين الرواة، وخاصة في طبقة أتباع التابعين فما بعد، فلأجلِ ذلك يستنكر المحدثون بعض أنواع التفرد من الرواة، ويطبقون في ذلك قواعد عقلية وتجريبية نافعة جداً، منها: النظر إلى حال الراوي المتفرد، وإلى قرائن في الإسناد وإلى قرائن في المتن لا يسع المجال لبسطها، وبعد تحكيم هذه القرائن قد يقبلون التفرد وقد يردونه، فليس كل تفردٍ مقبول، ولا كل تفرّد مردود.

الشرط الخامس: (السلامة من العلة ):

وهذا الشرط هوَ الميْدان الأكبر لإبداع علماء الحديث وظهور تقدمهم وفهمهم.

فقد يأتيهم إسناد تتوفر فيه الشروط الأربعة الماضية: عدالة رواته، وضبطهم، واتصال إسناده، وسلامته من الشذوذ. ومعنى ذلك أنّ ظاهره الصحّة، ولكنّ هذا غير كافٍ عند العلماء، فقد يكشفون فيه علّة خفيّة تظهر غالباً مع جمع طُرق الحديث، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الفروسيّة): "وقد عُلم أن صحّة الإسناد شرطٌ من شروط صحة الحديث وليست موجبةً لصحة الحديث؛ فإن الحديث إنما يصحّ بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وألّا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذّ عنهم"اهـ([57]).

ولذلك؛ فإن الناقد إذا أراد الحكم على رواية فإنه يجمع أسانيدها، ويُقارن بينها متأملاً بعين الخبير، ويستعمل قرائن كثيرة؛ ليرجح بعض هذه الأسانيد على بعض حال اختلافها. () الفروسية, لابن القيم, دار عالم الفوائد (186).

وبطريقة المقارنة هذه يكتشف علماء الحديث أخطاءَ الثقات، ويستخرجون العِلَلَ الخفيّة، وههنا تظهر عظمة علم الحديث، ودقّته.

وقد ذكر الإمام ابن الصلاح رحمه الله في علوم الحديث، في النوع الثامن عشر، نقلاً عن الخطيب البغدادي أنه روى عن الإمام علي بن المديني قوله: "إن الحديث إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يتبين خطؤه"([58]).

وبمجموع هذه الشروط الخمسة يتبيّن لنا قدر الحالة الاختزالية التي يتعامل بها طائفة مع الشباب مع السنة وعلومها وطريقة التعامل معها. () علوم الحديث (91).

علم العَبـــــــاقـــرة

كثيرة هي التساؤلات والاتهامات الموجهة نحو علم الحديث في هذا الزمن خاصة، وبعض هذه الاتهامات يستحق أن يُجاب عنه بتفصيل لعله يزيل اللبس الحاصل، والبعض الاخر حين يسمعه أو يقرؤه المتخصص في علم الحديث فإنه يتعجب من الوصول إلى هذه الدرجة من الظنون التي ينافح عنها أصحابها بدعوى التجديد والتحرر، وهي في الميزان العلمي لا تساوي صفراً!!

وخلاصة هذه التساؤلات والاتهامات تنادي بأن علم الحديث ليس كافياً ولا دقيقاً في إثبات صحة نسبة الكلام المنسوب إلى النبي ﷺ من عدم صحتها، وأن هذا العلم اختلط بأوزار السياسة وألاعيبها وبالطائفية حتى تحكمت فيه وأثرت في تكوينه ونتائجه.

وأستطيع أن أجزم بأن أغلب من يلقي هذه الاتهامات ليس لديه اطلاع كاف على هذا العلم الذي يتحدث عنه، فضلاً عن أن يكون مختصّاً فيه!

إن السعي لإثبات دقة علم الحديث وصواب موازينه وعدلها يحتاج إلى كلام طويل جدا وإلى عرض لأمثلة كثيرة تُثبت صحة هذه القضية.

ولعلي هنا أتحدث معكم عن جزء يسير من أجزاء هذا العلم كمثالٍ على باقيه، وهو ما يتعلق برواة الأحاديث، وكيفية الحكم عليهم بكون أحدهم ثقة أو ضعيفاً.

قد تتعجب إن قلت لك بأن علماء الحديث قد دونوا في سجلاتٍ ضخمة معلومات لآلاف الرواة الذين رووا أحاديث النبي ﷺ، وكأنها سجلات إلكترونية لطلاب جامعة من الجامعات المتقدمة التي لديها ملف متكامل عن كل طالب بمعلوماته الشخصية والعلمية وتاريخه الدراسي السابق واللاحق ومستواه وتقييماته وما إلى ذلك.

وهذا الأمر ليس تخرصاً بل واقعاً، وسأضرب مثالاً بكتاب من هذه الكتب التي تعتبر سجلا ضخما للآلاف من الرواة.

إنه كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال لمؤلفه الإمام العالم أبو الحجّاج يوسُف المِزِّي. كانت وفاته عام 742هـ.. وهذا الكتاب مطبوع في خمسة وثلاثين مجلداً!! حوَت هذه المجلدات أكثر من ثمانية آلاف ملفّ لرواة الأحاديث الذين لهم رواية في الكتب الستة التي هي: البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه!

وأما باقي الرواة الذين لم يرووا في هذه الكتب الستة مثل الرواة في مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي ومستدرك الحاكم، فلهم كتب أخرى تتحدث عنهم غير كتابنا تهذيب الكمال.

والعجب أن هذا الكتاب الضخم (35مجلداً) إنما هو مختصر من كتاب أكبر منه اسمه الكمال، فكتابنا هذا هو "تهذيبٌ" لكتاب (الكمال) الذي صنّفه الحافظ عبد الغني المقدسي.

يحوي كل ملف من ملفات الرواة الموجودة في كتاب تهذيب الكمال، هذه المعلومات عن الراوي: اسمه، اسم أبيه، قبيلته، كنيته، روى عن من، ومن روى عنه، تاريخ وفاته، حاله من ناحية الثقة أو الضعف، ذِكر بعض الأمور الحديثية المتعلقة بروايته إن كان من الرواة الذين في أحوالهم تفصيل.

وهنا نستعرض أنموذجا من هذه الملفات حتى تتضح الصورة.

اخترت لك واحدا من الرواة في هذا الكتاب العظيم، اسمه يحيى بن زكريا، وأتركك مع هذا النص الذي اختصرته كثيرا لأن ملف هذا الراوي طويلٌ جداً. وكثيرة هي الملفات الطويلة في هذا الكتاب.

قال المزي([59]):

» يحيى بن زكريا بن أبي زائدة واسمه مَيْمُون بْن فيروز الهمداني الوادعي أَبُو سَعِيد الكوفي مولى امرأة من وداعة وقيل مولى مُحَمَّد بْن المنتشر الهمداني. () تهذيب الكمال (31/305 ط الرسالة).

روى عن أَبِي يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الثقفي(د ت ق)، وإسرائيل بْن يُونُس(م)، وإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وحارثة بْن أَبِي الرجال(ق)، وحجاج بْن أرطاة (م س)، وحريث بْن أَبِي مطر (ق) «

وذكر شيوخاً كثيرين مع ذكر رموزٍ بعد هؤلاء الشيوخ حذفتهم للاختصار.

ربما تلاحظ هذه الرموز التي يضعها المصنف أمام كل شيخ من شيوخ يحيى بن أبي زكريا وهذه الرموز هي من أكثر الأشياء المبهرة في هذا الكتاب، بل وفي علم الحديث، ولشرحها باختصار إليك ما يلي:

تذكّر أنّنا قلنا في البداية أن هذا الكتاب خاص برواة الكتب الستة، وهذه الكتب كل واحد منها له رمز، فالبخاري خ، ومسلم م وأبو داود د، والترمذي ت، والنسائي س، وابن ماجه ق، فحين يذكر لنا المؤلف ما يلي »روى عن أَبِي يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الثقفي(د ت ق) «فمعنى ذلك أن رواية يحيى بن أبي زكريا عن هذا الشيخ الذي هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ليست موجودة في كل الكتب الستة، وإنما في (د) الذي هو أبو داود، وفي (ت) الذي هو الترمذي، وفي (ق) الذي هو ابن ماجة، فقط!

وهذه الدقة أشبه ما تكون بالخيالية إذا علمت أنها شملت آلاف الرواة، وكل راو منهم له شيوخ كثيرون. إضافة إلى أنه يصنع نفس الشيء في نسبة رواية تلاميذ الراوي عنه، ويضع الرموز كما ستقرأ هنا.

حيث قال: »روى عنه إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الْفَرَّاء (خ م د) وأَحْمَد بْن حَنْبَل (م) وأَحْمَد بْن منيع الْبَغَوِيّ (د ت س) وأسد بْن مُوسَى (د) وإِسْمَاعِيل بْن أبان الوراق (ص د) وإِسْمَاعِيل بْن توبة القزويني (ق) والحسن بْن عرفة وحسين بْن علي الكوفي (د) « -وذكر تلاميذ كثيرين جداً رووا عنه حذفتهم أيضا للاختصار-[60](1) .

ثم بدأ هنا في نقل كلام المحدثين في حال هذا الراوي من حيث الثقة والضبط (وأيضاً باختصار شديد)، قال المزّي: (1) تهذيب الكمال (ج31/ص306 ط الرسالة).

قال إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الْفَرَّاء عَنْ أَبِي خَالِد الأحمر: كَانَ جيد الأخذ. وقال أيضا، عَنِ الْحَسَن بْن ثابت: نزلت بأفقه أهل الكوفة يَعْنِي يَحْيَى بْن أَبِي زائدة.

وقال عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل، عَنْ أَبِيهِ، وإسحاق بْن مَنْصُور، وأَحْمَد بْن سَعْد بْن أَبِي مَرْيَم، عَنْ يَحْيَى بْن معين: ثقة .

وقال عُثْمَان بْن سَعِيد الدارمي: قلت: ليحيى بْن معين: "إِسْمَاعِيل بْن زكريا أحب إليك، أو يَحْيَى بْن زكريا؟" قال: "يَحْيَى أحب إلي".

قلت: "هما أخوان عندك؟" قال: "لا".

وقال علي بْن الْمَدِينِيّ: هُوَ من الثقات. وقال فِي موضع آخر: لم يكن أحد بالكوفة بعد الثوري أثبت من ابْن أَبِي زائدة. وقال فِي موضع آخر : انتهى العلم إلى ابْن عَبَّاس فِي زمانه، ثُمَّ إلى الشعبي فِي زمانه، ثُمَّ إلى الثوري فِي زمانه، ثُمَّ إلى يَحْيَى بْن أَبِي زائدة فِي زمانه.

وقال أَبُو حاتم: مستقيم الحديث، صدوق، ثقة .

وقال النسائي: ثقة، ثبت .

وقال العجلي: ثقة، وهُوَ ممن جمع له الفقه، والحديث، وكَانَ على قضاء المدائن، ويعد من حفاظ الكوفيين للحديث، مفتيا، ثبتا، صاحب سنة«[61](2).

إذاً، فقد قرّر المحدّثون أن هذا الراوي ثقة ومن أعلى درجات الثقات لأنهم وصفوه بالـثبت زيادة على وصفهم له بالـثقة. ومع هذا كله أرجو أن تقِفَ معي على هذه العبارة فهي مهمة جدا وتُبين الدقة العجيبة عند المحدثين: قال المزي: وقال الغلابي، وعباس الدوري، عَنْ يَحْيَى بْن معين: كَانَ يَحْيَى بْن زكريا كيّسا ولا أعلمه أخطأ إلا فِي حديث واحد، حدث عَنْ سُفْيَان، عَنْ أَبِي إِسْحَاق[62](1) (2) تهذيب الكمال (ج31/ص308-309 ط الرسالة).

لاحظ أن هذا الراوي مع أنهم امتدحوه وقالوا فيه من الثناء بالضبط الشيء الكثير ، إلا أنه لم يفُتْهُم أنه أخطأ في حديث واحد، بل وعلموا وحددوا الحديث الذي أخطأ فيه!! (1) تهذيب الكمال (ج31/ص310 ط الرسالة).

ثم ختم المزي ترجمة هذا الراوي بكلام أهل العلم في سَنَة وفاته، فمما نقله في هذا ما يلي

»قال الْهَيْثَم بْن عدي: توفي فِي خلافة هَارُون.

وقال علي بْن الْمَدِينِيّ: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.

وقال هَارُون بْن حاتم، ومُحَمَّد بْن سَعْد، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الحضرمي: مات بالمدائن سنة ثلاث وثمانين ومائة، زاد مُحَمَّد بْن سَعْد هُوَ قاض بها[63](2)«.

نقلب هذه الورقة الجميلة لننتقل إلى ورقة أخرى لا تقل عنها جمالاً، وهي تتحدث عن كيفية حُكم المحدثين على الرواة بكون أحدهم ثقة أو ضعيفا. (2) تهذيب الكمال (ج31/ص311 ط الرسالة).

الذي يعرف علم الحديث يُدرك أن هناك مجموعة من أفذاذ هذا العلم تميزوا في الحكم على رواة الأحاديث، ولكن قد يتعجب غير المتخصص من بعض النقاط في هذه القضية، فمثلاً: يحكم المحدث على راوٍ أنه ثقة أو ضعيف، وليس هذا الراو معاصراً له، بل يكون قد مات قبل ولادة هذا المُحدِّث!! فكيف استطاع الحُكم عليه؟!

كذلك، كون المحدث يحكم على راوٍ عاصره أو لم يعاصره بأنه متقن في الحفظ، ألا يحتاج هذا إلى مقياس دقيق يميز به مستوى حفظه وضبطه؟

تعال معي إلى هذا الموقف لنستكشف الإجابة:

«قال يحيى بن معين: "قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله»[64](1).

ما الذي لاحظته في القصة؟ (1) معرفة الرجال- رواية ابن محرز (2/39).

إسماعيل بن علية أحد الرواة المشهورين جدا يسأل ابن معين الذي يُعتبر أستاذ الحُكمِ على الرواة، فيقول: كيف حديثي؟ يعني: كيف رواياتي، كيف ضبطي فيما أنقله من الأحاديث؟ فرد عليه ابن معين بأنه مستقيم الحديث، فرد عليه إسماعيل يسأله نفس السؤال الذي طرحناه بالأعلى: كيف عرفتَ أني ضابط مستقيم الحديث؟ كيف يعرف المحدثون ذلك؟

فقال ابن معين عبارته المهمة "عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة"، أي: أجرينا عملية اختبار ومقارنة لمروياتك وأحاديثك التي نقلتها مع مرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا أن رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا أنك ثقة من أثر هذه المقارنة العملية، والاختبار الدقيق!!

وهذا هو المنهج الذي سار عليه المحدثون في الحُكم على الرواة: اختبار أحاديثهم وعرضها ومقارنتها بأحاديث باقي الثقات. وعلى قدر التوافق المتكرر من هذا الراوي مع الثقات يكون مستوى ضبطه واتقانه. وبقدر مخالفته لهم في النقل بزيادة أو نقصان، أو تغيير اسم أو قلب إسناد أوغير ذلك من الأخطاء المتعلقة بالضبط يعرفون مستوى ضعفه!

كما قال ابن الصلاح -وهو من كبار علماء الحديث المتأخرين- في النوع الثالث والعشرين من أنواع علوم الحديث في كتابه علوم الحديث:

«يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر (أي نعرض ونختبر) روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نَحْتَجَّ بحديثه [65](2)«.

ولأجل هذا تجد أن كثيراً من أهل الحديث يقبلون الحديث ممن عنده مخالفات عقدية ويخرجون له في كتب الصحاح مع أنهم ينكرون عليه مخالفته أشد الإنكار إذا كان صادقاً وثبت أن حديثه مُستقيمٌ متقَن، ومن أبرز الأمثلة على ذلك صحيحا البخاري ومسلم. وقد استقصى ابن حجر رحمه الله في "هدي الساري في مقدمة شرحه لصحيح البخاري" جميع الرواة في صحيح البخاري الذين أُخذ عليهم مخالفات عقدية وبين نوع المخالفة وشيئا من التفصيل في ذلك. وهذا الكلام ينقض كلام بعض المتسرعين الذين يوهمون بكلامهم أن قبول الأحاديث وردها لم يكن يعتمد على قضية الضبط والصدق بل على المذهب فقط!! (2) مقدمة ابن الصلاح (ص/61)

ومع أنه يوجد من أهل الحديث من لايروي عن أهل البِدَع، إلا أن كثيرا من المحدثين قبِل أحاديثهم على تفصيل معروف في كتب علم الحديث.

وهذا الاختزال في تصور وتصوير منهج المحدثين في الحكم على الرواة وقبول أحاديثهم، يُشبهه الاختزال الخاطئ لمنهجهم في الحكم على الإسناد والمتن، حيث يُدَّعى أن حكمهم إنما هو على الإسناد فقط. وهذه دعوى غير صحيحة أبداً، فإن المحدثين يراعون النظر إلى المتن، بل قد يحكمون على الراوي بالضعف إذا أتى في المتون التي يرويها بأشياء منكرة لا تُعرَف!! وتفصيل هذا يطول جدا.

والمراد من هذا الاستعراض السريع لجزء يسير من علم الحديث أن نعرف دقة هذا العلم وانضباطه وصلاحيته لأن يكون ميزاناً في القبول والرد لما يُنسب إلى النبي ﷺ من أقوال وأفعال.

الإجماع

في السابق كان بحث موضوع الإجماع وما يتعلق به من تفصيلات وأحكام مرتبطاً بعلماء الشريعة وخاصة علماء أصول الفقه، وفي الوقت الراهن لم يعد الحديث عن هذا الموضوع مقتصرا على المتخصصين في العلم الشرعي، وإنما صار يطرحه العالم والجاهل، حتى بات محل إشكال عند شريحة من الشباب المسلمين المهتمين بالفكر والثقافة، وصار من غير المستغرب أن تجد شابا أو شابة -لم يدرسا شيئا من علوم الشريعة- يستدلان بعبارة الإمام أحمد: "من ادّعى الإجماع فهو كاذب"([66]) وينزّلانها على غير الوجه الذي قيلت فيه.

لن أتناول هنا مسائل الإجماع وتفصيلاته الدقيقة في أبواب أصول الفقه، وإنما أحاول تقديم رؤية نقدية للتعامل المعاصر مع قضية الإجماع بشكل غير منهجي. () مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله, نشر: المكتب الإسلامي (ص 438-439).

دعونا نبدأ أولاً بذكر شيء من واقع التصورات المعاصرة الخاطئة في باب الإجماع:

1- فمن ذلك: تجويز خطأ جميع الأمة على مرّ قرونها، وربط ذلك بعدم حجية الإجماع!

2- ومنه أيضاً: عدم التفريق بين الإجماع القطعي والإجماع الظنّي.

3- ومن ذلك: الخلط بين التقليد المذموم وبين قبول إجماع المسلمين واتباعه.

4- ومنه أيضاً: تسويغ الخروج عن الأسس المنهجية العلمية العامة المـُتفق عليها بين العلماء في الجُملة؛ كاشتراط موافقة اللغة العربية لصحة تفسير آيات القران، وكاعتماد السنة مصدراً تشريعيّاً.

فمثل هذه التصورات بعيدة كل البعد عن مسألة: هل الإجماع حجة أم ليس بحجة. وإنما هي خلطٌ ومغالطات مبنية على سوء تصور لموضوع الإجماع وأدلته.

فأما تجويز خطأ جميع الأمة على مرّ قرونها وربط ذلك بأن الإجماع ليس بحجّة! فإنّ مُدّعي هذه الدعوى يعارض الآيات والأحاديث التي جاء فيها بيان خيرية هذه الأمة وعدالتها، كقول الله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المـُنْكَرِ﴾ [آل عمران:110] ,فإذا كانت الأمة على مرّ قرونها يجوز عليها أن تجتمع على ضلالة فإنه ينبني على ذلك جواز أمرها بالمنكر ونهيها عن المعروف؛ وهذا يعارض الآية.

كما أن الله جَلّ شأنه قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَــــٰكُمْ أُمَّةً وَسطًا [البقرة:143] ومعنى وسطًا أي خيارًا عدولًا ﴿لَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فهذه تزكية لمجموع الأمة.

وقال معاوية بن حيدة القُشيري رضي الله عنه: سمعت نبي الله ﷺ يقول: «إنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه الإمام أحمد -واللفظ له- والترمذي وابن ماجه وغيرهم([67])، وهو حديث صحيح.

فهل يُعقَل أن تجتمع هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على باطل وضلالة؟! () مسند أحمد (20029), سنن الترمذي (3001), سنن ابن ماجه (4287, 4288).

إنّ هذا يتعارض -تماماً- مع هذا التفضيل والتعديل الإلهي لهذه الأمّة.

ومن الأحاديث التي يَحْسُن ذِكْرُها في موضوع الإجماع: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ  حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»([68]) ،وهذا الحديث يدل على أن الأمّة لا تُعدَم في وقت من الأوقات مَن يقول بالحق؛ قال النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: "وفيه دليلٌ لكون الإجْماع حُجّة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث«لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»([69])فضعيف) اهـ.([70])

قد يُسلّم بعض هؤلاء المـُستشكلين بأنّ الأمَّة لا تجتمع على ضلالة، ولكنهم يقولون: إنه لا يُمكن أن يقع إجماع أصلاً؛ لأنّ العلماء متفرقون في البلاد، لا يجمعهم ديوان يحصي أقوالهم؛ فلا حاجة لذِكر نصوص خيرية الأمة وأفضليتها. () صحيح مسلم (1920). () سنن ابن ماجه (3950). () شرح النووي على مسلم, دار إحياء التراث العربي (13/ 67).

وفي الحقيقة فإن هذا الكلام غير دقيق؛ لأنهم لا يُفرقون بين إجماع قطعي وإجماع ظني، ولا بين إجماع توارد أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم على نقله وإقراره، وبين إجماع يتفرد بنقله عالم واحد من مذهب واحد. وبعد هذا كلّه يأتون بعبارة الإمام أحمد -الذي لا يعرفونه إلا في باب الإجماع بل ربما يصفونه ويعيرونه بالتشدد في غير هذا الباب- والتي قال فيها: "من ادّعى الإجماع فهو كاذب"، وفي الحقيقة فإنّ أخْذَ عبارة الإمام أحمد هذه وترك عباراته الأخرى في نفس الموضوع = انتقائية غير موضوعيّة، أو جهل مبني على قلة اطلاع أو انعدام رغبة في البحث عمّا يخالف ذلك عن الإمام نفسه.

فقِف معي -أيها القارئ الكريم- على هذه النصوص الأخرى عن نفس هذا الإمام رحمه الله لتعرف مدى الانتقائية التي يقوم بها بعض هؤلاء المـُشككين، أو الجهل الذي يعيش فيه أكثرهم:

قال القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله: "الإجماع حجة مقطوع عليها يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ. وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث: في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج من أقاويلهم؟ أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا" اهـ.([71])

وقال أيضاً: "وادعى الإجماع في رواية الحسن بن ثواب، فقال: أذهب في التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق([72])، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإجماع، عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس" اهـ.([73]) () العدة في أصول الفقه, تحقيق: د. احمد المباركي. (4/ 1058- 1059).

وقال الإمام أبو داود في مسائله: "سمعت أحمد قيل له: إن فلاناً قال: قراءة فاتحة الكتاب -يعني: خلف الإمام- مخصوص من قوله: ﴿وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له﴾ [الأعراف:204] فقال: عمن يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة" اهـ.([74]) () يُنظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص 88), ورواية ابنه عبد الله (ص 129- 130), ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (5/ 2172). () العدة (4/ 1060).

فهذا نصّ واضح ثابت عن الإمام أحمد يدّعي فيه الإجماع على أمر شرعي، فهل نطبق عليه عبارته: "من ادّعى الإجماع فهو كاذب" أم نحاول فهمها على الوجه الذي يستقيم مع تطبيقاته هو؟! () مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني, مكتبة ابن تيمية (ص 48).

ولماذا يتم الاعتماد على عبارة واحدة دون العبارات الأخرى؟

إذا كانت القضية انتقائية؛ فقد يقول قائل إنه يريد أن ينتقي العبارة التي فيها إثبات الإجماع ويُلغي العبارة التي فيها أن دعوى الإجماع كذب!

ولا شك أن المنهج المــَرْضيّ عند أهل العلم والذي سلكوه في التعامل مع عبارة أحمد هو توجيهها وفهمها في ضوء تطبيقاته وأقواله الأخرى، لا الاتكاء عليها لإبطال الإجماع!

ومن التوجيهات التي ذكرها أهل العلم في عبارته (من ادَّعى الإجماع فهو كاذب):

أنَّ الإمام أحمد قال ذلك إنكاراً على فقهاء المـُعتزلة. قال المـَرداوي في التحبير: "وقال ابنُ رجب في آخر شرح الترمذي: وأمّا ما روي من قول الإمام أحْمد: "من ادعى الإجماع فقد كذب فهو إنما قاله إنكارا على فقهاء المعتزلة، الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين")([75]) اهـ.

ومما يؤيد هذا الفهم: تمامُ عبارة أحمد نفسه، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم) ([76]) اهـ. () التحبير شرح التحرير في أصول الفقه, للمرداوي, مكتبة الرشد (4/1528).

وبشر المريسي([77]) والأصمّ([78]) من رؤوس المـُبتدعة في وقت أحمد. ويزيد الأمر وضوحاً: قول ابن تيمية رحمه الله: (إنّما فقهاء المتكلّمين كالمريسي والأصمّ يدَّعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين) ([79]) اهـ. () العدة في أصول الفقه. (4/ 1059).

وقريب من ذلك قول ابن القيّم رحمه الله : (وليس مراده -أي: الإمام أحمد- بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بُلُوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبيَّن الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها)([80])اهـ. هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي الفقيه الحنفي المتكلم؛ أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي، إلا أنه استغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكي عنه في ذلك أقوال شنيعة، وكان مرجئاً، وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، ولكنه علامة الكفر. وكان يناظر الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكان لا يعرف النحو ويلحن لحناً فاحشاً. (وفيات الأعيان, لابن خلكان, دار صادر: 1/ 277). () هو عبد الرحمن بن كيسان أبو بكر الأصم المعتزلي صاحب المقالات في الأصول, ذكره عبد الجبار الهمذاني في طبقاتهم (لسان الميزان ت أبي غدة, دار البشائر الإسلامية: 5/ 121). () المسودة في أصول الفقه, دار الكتاب العربي (ص 316).

ومن التوجيهات لعبارة أحمد كذلك: أنها محمولة على جهة الوَرَع في الدعوى، بمعنى أن دعوى الإجماع أمر صعب، فلعلَّ هناك خلافاً لم يبلغ مُدّعي الإجماع؛ فلذلك أرشد الإمام أحمد إلى استعمال عبارة: "لا أعلم فيه اختلافاً" ونحوها، لأنها أقرب إلى الواقع. وهذا لا ينفي أن يدّعي العالِم المـُطلع على أقاويل الناس الإجماعَ إن تيقن وقوعه، كما فعل أحمد نفسه ذلك! () يُنظر: مختصر الصواعق المرسلة (ص 583).

قال القاضي أبو يعلى رحمه الله في (العدّة): "وظاهر هذا الكلام أنّ أحمد قد مَنَعَ صحة الإجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنّما قال هذا على طريق الورع ، لجواز أنْ يَكونَ هناك خلاف لم يبلغه ، أو قال هذا في حقّ مَن ليس له معرفة بخلاف السلف)([81]) اهـ.

وأعود بعد ذلك لأقول: إنّ كثيراً من المـُستشكلين للإجماع لا يميزون بين مراتب الإجماع وتفاوتها قوة وضعفاً؛ فالإجماع الذي تجد العلماء متواردين على نقله: حنفيّهم ومالكيّهم وشافعيّهم وحنبليّهم وظاهريّهم، ولا يُعلَمُ بعد الاستقراء نَصٌّ عن أحد المـُجتهدين يُخالفه؛ فيبعد أن يُقال فيه: وما يُدريهم لعلّ الناس اختلفوا؟ () العدة (4/ 1060).

وَمَن الناسُ -أي العلماء- إلا هم؟!

فكيف إذا كان مُستند الإجماع نص نبوي صحيح ظاهر الدلالة على الأمر المـُجمَع عليه؟

كأحاديث الرجم مثلاً، فإنّها أحاديث صحيحة لا ريب في صحتها، ثم توارد العلماء على نقل الإجماع على ما جاء فيها من الحدّ، فمثل هذا الإجماع = قطعيٌّ مُستنده النص، وهو مُتحقق الوقوع، غير أنَّ هؤلاء المعاصرين يَستسهلون تناول المواضيع دون تحقيق، ودون تفريق بين المـُختلفات.

الباب الثالث:

فَهْمُ الإسلام

الدين، بفهم من؟

بين نصوص الشريعة ومقاصدها.

لماذا يختلف العلماء؟

من يمتلك الحقيقة؟!

الدين، بفهم من؟

لا يصحّ إسلام أحَدٍ حتى يؤمن بأن القرآن ليس من اختراع بشر، وإنما هو من عند الله جل وعلا، وأن كل ما فيه حق، وقد تم بيان أدلّة ذلك في هذا الكتاب، ولله الحمد.

وهذه قضية لا يُنازع فيها المنتسبون للإسلام، أن هناك ظاهرة فُتن بها بعضهم، حيث تخلّصوا بها من الحقيقة السابقة دون أن يتبرؤوا من القرآن، وهي ظاهرة القراءة المفتوحة للنص القرآني؛ فتجدهم يقولون: نحن نؤمن بالقرآن، ولكن لا نؤمن بفهمك أنت للقرآن، ولا بفهم العلماء السابقين ولا اللاحقين، ولا نُسلّم لفهم أحد من المسلمين، وإنما لكلّ واحدٍ منّا قراءته الخاصة للنصّ القرآني، يفهم منها ما شاء أن يفهم دون أن يُخطّئ طرفٌ من الأطراف الآخر، وعلى ذلك فلا يوجد فهمٌ مُـلزِم، أو -بالأصح-: لا يوجد إسلام مُحَّدد مُلزِم!!

أذكر أني ناقشتُ أحد هؤلاء، فقلتُ له: ما حكمُ الزنا في القرآن؟ فقال: التحريم، قلت: جيد، ما رأيك لو جاء شخص فقال: (أنا لا أفهم من النصوص القرآنية تحريم الزنا، وإنما الاغتصاب فقط،)؛ فما رأيك في قوله؟ فقال: لا أعتبره مُخطئاً!

أرأيتم كيف يتم التخلّص من الإسلام بخداع النفس؟!

ويقول أحدهم: "لا توجد في عالم البشريّة مفاضلة بين حكم إلهي وحكم بشري؛ لأن كل حكم يتولّاه الإنسان، حتى لو كان يرتكز على شريعة إلهيّةٍ سيصبح بالضرورة بشريّاً، تنعكس عليه أهواء البشر وتحيّزاتهم وأطماعهم وكل جوانب ضعفهم"([82]) اهـ.

ولذلك تراهم يقولون: لا يوجد شيء اسمه الحُكْمُ بالقرآن، ولم ينزلِ القرآنُ ليَحكُم! () الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة, لفؤاد زكريا, دار الفكر للدراسات والنشر (ص 149).

وإذا كان الموضوع بهذا الفهم، فلماذا يأمرنا الله برد التنازع إلى القرآن في قوله : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:59] ومن المعلوم أن الردّ إلى الله هو الرد إلى كتابه، والردّ إلى الرسول هو الرد إلى سنّته، كما أجمع على ذلك علماء المسلمين، نقل الإجماع على ذلك ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين. ونقل ابن حزم قبله الإجماع على أنّنا مخاطبون بهذه الآية وكل مسلم إلى يوم القيامة. ويستفاد من الآية أننا إذا احتكمنا إلى الكتاب والسنّة فسنجد فيهما فصلَ النزاع، بينما يستلزم قول هؤلاء أن رجوعنا إلى الكتاب والسنة سيزيدنا نزاعاً؛ لأن لكل إنسان فهمه، ولا يوجد أي قوانين وضوابط لفهم النصّ! ونقول لهؤلاء: هل يوجد أي حقيقة متفق على فهمها في القرآن؟

فإن قالوا: لا، نقول لهم: إذن؛ لماذا أُنزل القرآن؟ ألم ينزل ليكون حُجّة لله على عباده؟ ألا يعني هذا أن ترك الناس دون قرآن لا يضرهم شيئاً، لأنه لم يأتِ بأي حقيقة جديدة؟ فلِمَ يمتنّ الله علينا بهذا البيان والهدى والموعظة؟ لماذا وصفه الله بأنه كتاب يُخرج من الظلمات إلى النور: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:15-16]

وإن قالوا: بلى، فيه حقائق، ولكنها لا تتجاوز أصابع اليدين، كالتوحيد والصلاة والزكاة وصوم رمضان وأداء الحج. نقول لهم: ما المعيار الذي جعلكم تعتبرون هذه الأمور حقائق واضحة المعاني متفقاً عليها؟ بالتأكيد لن يكون معياركم الإجماع المعروف عند العلماء، لأنهم أجمعوا على أحكام كثيرة في القرآن زيادةً على ما ذكرتم. كالحكم ببطلان كل دين سوى الإسلام، وكتحريم الربا والزنا والقول على الله بلا علم وغير ذلك، ولن يكون تدخّلكم في تحديد الفهم المتعلق بهذه الأحكام بأولى من إجماع العلماء على أحكامٍ قرآنية كثيرة؛ فهم أهل الاختصاص.

ثم، لو كان لكل شخص قراءته ولا نستطيع أن نخطّئ أحداً؛ فلماذا نجد هؤلاء الذين يدعون إلى القراءة المفتوحة للنص يخطئون بعض القراءات الأخرى ؟! حيث نجدهم يُقَيِّمون قراءات بعض الإسلاميين للقرآن بأنها قراءات غالية في فهم النص.

فعلى أي أساس حددوا المعنى المعتدل ليحكموا على غيره بالغلوّ؟ ألم يقولوا بأن القراءات مفتوحة؟ إذاً فليقرأ كل شخص قراءة فردية، وليفهم كل شخص ما يريد، فلا تنقدوا الناس، والتزموا مبادئكم.

الفهم الصحيح

إنّ الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فلا يجوز لنا أن نفسر القرآن بغير ما تقتضيه اللغة العربية الفصحى من معانٍ وسياقات. وأيضاً؛ فإن القرآن يُفسَّر ببعضه، فقد تجد آية مُجملة تُفسرها آية مُبيَّنة، وأخرى مُتشابهة تُفسرّها آية مُحكمة، ولذلك؛ اعتنى أهل العلم بتفسير القرآن بالقرآن.

ثم، إنَّ رسول الله ﷺ قد بيّن في سنّته كثيراً من آيات القرآن؛

ولذلك فَإنّ من معايير الفهم الصحيح للقرآن أن يتمّ على ضوء سنة مُبلِّغِه ﷺ فكثير من الأوامر

المـُجملة في القرآن كالأمر بالصلاة والزكاة جاء تفصيلها على لسان النبيّ، ولا يمكن أداؤها إلا على ما بيّن رسول الله ﷺ.

ثم إنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وعاصروا وقت النزيل، ولازموا رسول الله، وهذا يؤهلهم إلى أن يكونوا أفهم الناس للقرآن، وهذا لا يعني أنه لم يَعُد هناك حاجة لتفسير القرآن وفهمه بعد الصحابة؛ فهذا كلام باطل، وإنما المقصود أن نـَهْتَمَّ بأقوالهم وتقريراتهم في التفسير، ونجعل لها مكانتها وقيمتها، وألا نضرب بتفسيرهم عرض الحائط.

المـُحكم والمتشابه

بيّن الله سبحانه وتعالى أن من آيات القرآن ما هو مُحكَمٌ ومنها ما هو مُتشابه، فقال:

﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:7] قال إمام المفسّرين الطبري رحمه الله مفرقاً بين المـُحكم والمتشابه: "المـُحكمات من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل -أي التفسير- غير وجهٍ واحد، والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجهاً" ([83])

وقال مُبيِّناً معنى ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ : أي "أنهنّ أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفواْ من الفرائض والحدود، وسائر يحتاجون إليه في عاجلهم وآجلهم، وإنما سمّاهنّ أم الكتاب لأنّهنّ مُعظَم الكتاب وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه" اهـ([84]). () جامع البيان, للطبري, مؤسسة الرسالة (6/ 177).

قال الشيخ عبد الله العجيري في كتابه النافع (ينبوع الغواية الفكريّة): "كل مذهب له أفكاره المحورية المركزية التي تُمَثِّل مُحكمات المذهب وثوابته، والتي يُعَدُّ المـُنقلب عليها خارجاً ضرورة عن حدّ المذهب، فمن ينادي بإلغاء الحُرّيات لا يمكن أن يكون ليبراليّاً، ومن يدعو لإلغاء مرجعية الشعب في الحكم لا يمكن أن يصير ديمقراطياً، وهكذا يُقال في الإسلام: فيه منظومة تشريعية تفصيليّة مُحكَمة لا يصحّ الخروج عنها)([85])اهـ. () المرجع السابق (6/ 170) مع مقارنة النص بطبعة عالم الكتب وتعديل السقط على ضوئها.

وفي هذه القضية رد على من يقول لا يوجد أي فهم يمكن أن يحكم بصحته أو بخطئه، وردٌّ كذلك على من يقول لا يوجد حقائق متفق عليها أو ينبغي أن يكون متفقاً عليها في القرآن الكريم. () ينبوع الغواية الفكرية، الناشر: مجلة البيان (ص 210).

بين نصوص الشريعة ومقاصدها

يخطئ كثير من الناس الفهم للإسلام حين لا يراعون مقاصد الشريعة في تقريراتهم، وقد عُرّفت مقاصد الشريعة بأنها: المعاني والحِكم التي راعاها الشارع في تشريع الأحكام.

وعُرّفَت كذلك بأنّها: المعاني الغائية التي اتجهت إرادة الشارع إلى تحقيقها عن طريق الأحكام الشرعية.

ومن أمثلة مقاصد الشريعة:

1- مقصد حماية الضروريات الخمس، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال.

2- مقصد اجتماع كلمة المؤمنين وعدم تفرقهم.

3- مقصد منع الظلم وتحقيق العدل.

وكلما ازداد الإنسان علما بالنصوص الشرعية صار أكثر أهلية لفهم مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأن المقاصد بنيت على نصوص الكتاب والسنة، وهي في الغالب لا تبنى على نصٍّ واحد أو اثنين، بل على مجموعة من النصوص، ولذلك فإن من يظن أنه سيفهم مقاصد الشريعة من تعريفات عامة، وقوالب جاهزة فقد أخطأ، فبدون إدراك الجزئيات لا تُدرك الكليات.

ومن أهم الأمور المعينة على فَهْمِ الإسلام فهماً جيداً: الإدراك بأن مقاصد الشريعة على مراتب ودرجات من حيث الأهمية، وأنَّ بعضها يُقدّم على بعض عند التزاحم، ولا يمكن تقديم المقصد الأدنى على المقصد الأعلى، فمقصد حِفظ الدين -مثلاً- مُقدّم على مقصد حفظ النفس، ولذلك شُرع الجهاد في سبيل الله جل جلاله وهو عملٌ تُزهَق فيه الأرواح لتحقيق المقصد الأعظم الذي هو حفظ الدين وإعلاء كلمته.

ولذلك فإن فهْمنا للنصوص والمقاصد بناء على أولوية الغاية التي خـُلقنا لأجلها، والتي بعث الله الرسل لتحقيقها وهي عبادة الله وحده لا شريك له، قال جل جلاله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات:56] . يضمن سلامة بَوْصَلَةِ الفهم عند الحديث عن الإسلام عموماً وعن المقاصد خصوصاً.

ولذا فلنسطّر بماء الذهب عبارة أستاذ علم المقاصد الشاطبي رحمه الله إذْ يقول: «الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المُكلّف عن اتباع هواه حتى يكون عبْداً لله»([86]).

وهذا المقصد الذي هو تحقيق العبودية الله تعالى هو أخص مقاصد الشريعة التي تميزها عن غيرها من الديانات الوضعية أو المذاهب البشرية، ولذلك؛ فإن من الخطأ الكبير عند الحديث عن مقاصد الشريعة في الإسلام (الاكتفاء) بالمقاصد المشتركة مع المذاهب الوضعية البشرية، كمقصَدَيْ: العدل والحرية وترك المقاصِد الـمُـمَيِّزة للإسلام عن غيره. () الموافقات للشاطبي (1-2/457 ط.الرسالة).

ويغفل بعض المسلمين عن هذا المعنى من باب الحرص على بث المشتركات بين البشرية، والصواب أن بث المشتركات لا يكون على حساب تشويه ما يتميز به الإسلام ويختص به عن غيره.والخلاصة أنّ معرفة مقاصد الشريعة والفقه في تنزيلها، ومراعاة ترتيبها من جهة الأهمية عند التزاحم = من أهم ما يعين على فهم الإسلام بصورة صحيحة.واكتسابُ ذلك لا يكون عبر قراءة كتاب أو كتابين في علم المقاصد دون وجود بناء علمي شرعي سابق، إذ إن محل تفقّه المقاصد إنما يكون بعد العلم بالنصوص وبقواعد فهمها المبثوثة في علم أصول الفقه.

لماذا يختلف العلماء؟!

(إذا كان الدين واضحاً فلماذا يختلف العلماء؟ وما موقفنا نحن من هذا الاختلاف؟)هذان سؤالان يُطرحان بشكل متكرر عبر شبكات التواصل وفي الندوات الفكرية والأمسيات الشبابية. وقبل عرض الأسباب الداعية لاختلاف العلماء أود أوضح الموقف الخاطئ الذي يقوم به كثير من الناس، وهو الانتقاء من بين الأقوال الفقهية -لا على أساس القُرب من الدليل-، بل على قَدر توافُق القول الفقهي مع ما يحبه ويرغبه ويشتهيه المختار، فينتقي لنفسه القول المحبوب مِن بين أقوال عالِمٍ ما، ثم يرد كثيرا من أقوال نفس هذا العالِم في مسائل أخرى، والمعيار في قبوله ورده هو مقدار قرب القول من مزاجه ورغبته !

وإن نوزِع في هذا الاختيار يحتج بأن في المسألة خلافا، ويظن أن مجرد وجود الخلاف إيذانٌ بأن ينتقي من الأقوال ما يشاء!

ولاشك أن هذا العمل إنما هو عبارة عن عملية تلفيقية تجميعية، تُركِّب في النهاية صورةً غير شرعية لم يَقُل بها أحد من العلماء بهذا التجميع!

وهذا العمل التجميعي الانتقائي، قد تحدث عنه الإمام ابن عبد البر رحمه الله، وهو من علماء المالكية، فقال: «الاختلاف ليس بحجة عند أحدٍ علمتُه من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفةَ عنده، ولا حجة في قوله»([87]).

بمعنى أنه ليس للمرء حجة أن يعمل بالشيء لأنه - فقط - فيه اختلاف بين العلماء! () جامع بيان العلم وفضله (2/115 ط.ابن الجوزي).

إذن، ما الموقف الصحيح من هذا الاختلاف الحاصل بين العلماء؟

الجواب، هو: أن نبحث عن الأصوب والأرجح من بين الأقوال على ميزان الكتاب والسنة، وليس على ميزان اعتبار عالم من علماء المسلمين حَكَما -وحده- في كل اختلاف حاصل.

ما الدليل على هذا الكلام؟

الدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ] النساء:59

والرد إلى الله جل جلاله : أي إلى القرآن، والرد للرسول ﷺ: يكون لشخصه في حياته ولسنته بعد مماته.

فالموقف من الاختلاف هو النظر إلى دليل كل قول، وصحة الدليل، ووجه الاستدلال به من حيث اللغة والمعاني الشرعية، ومن ثم الحُكم بالصواب لما كان أقرب موافقة لدلالة الكتاب والسنة.

وهذا كله في حال كان الناظر في الاختلاف يمتلك أدوات علمية يستطيع بها الموازنة بين الأقوال وأدلتها ووجوه الاستدلال بها؛ فإذا لم يكن كذلك فإن له أن يقلد مَن يظن أنه بتقليده يقترب مِن النتيجة السابقة، التي هي: الوصولُ إلى مُراد الله ومراد رسولهﷺ ، وقد قال الله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43]

ولِقائل أن يقول: إن كان جميع أطراف الخلاف من أهل العلم مُقِرّينَ بهذه الخطوات، فلماذا يختلفون إذن؟!

سؤال في محلّه، والجواب عنه في هذا العنوان وتفاصيله:

أسباب الاختلاف بين العلماء

1- عدم بلوغ النصّ الشرعي للعالِم

من المعلوم أن أحاديث الرسول ﷺ كثيرة جدا، وقد وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم ولطوائف من العلماء بعدهم الفتوى في بعض المسائل خلافا للدليل بسبب أن الدليل لم يبلغهم أصلا، وهم معذورون في ذلك. لكن الأمر مختلف بالنسبة لمن بلغه الخلاف في المسألة؛ إذ لا عذر له في الأخذ بقول العالِم الذي لم يبلغه الدليل مع سماعه بقول العالِم الآخر الذي معه الدليل.

مثال ذلك: قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أنكر على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه انصرافه من بابه بعد أن استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له، فإن أبا موسى كان معه علم من النبي ﷺ أنَّ من استأذن ثلاثاً فلم يُؤذَن له أنه ينصرف، وكان هذا خافياً على عمر، مع أن عمر أفقه من أبي موسى بلا نزاع!

ومثل هذا يحصل للفقهاء والعلماء قديماً وحديثا، أن يخفى على أحدهم دليلٌ صريح في المسألة، فيخالف هذا الدليل لأنه لم يعلمه أصلا، ويكون معذوراً في مخالفته.

لكن، أنت يا من بلغك الخلاف: حين سمعت كلام الطرف الآخر، وعرفت أن معه الدليل، فليس لك عذر في أن تأخذ قول العالم الأول الذي لم يبلغه الدليل.

2- الاختلاف في فهم الدليل

بعد غزوة الأحزاب أراد الرسول ﷺ أن يؤدب بني قريظة على غدرهم فقال للصحابة رضي الله عنهم مُعجِّلاً إياهم: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِّنكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ([88])؛ فخرج الصحابة رضي الله عنهم ، وأدركهم وقت صلاة العصر في الطريق، فقالت طائفة منهم: لا نصلي إلاّ في بني قريظة كما قال الرسول ﷺ. وقالت طائفة أخرى: لم يقصد الرسول ﷺ أن لا نصلي إلا في بني قريظة لكنه قصد أن يعجّلنا، فصلّوا في الطّريق؛ فلما وصلوا إلى الرسول ﷺ لم يعنّف أي واحد من الفريقين لأنّ الذين صلوا أخذوا بالأمر الإلهي السابق بالصلاة في وقتها، والذين أخروها أخذوا بظاهر الأمر المتأخر بعدم الصلاة إلا في بني قريظة.

إذن فمن أسباب اختلاف العلماء: اختلافهم في فهم الدليل الشرعي. () صحيح البخاري (946).

3- توهم وجود معارض للدليل

وذلك أن يكون العالم قد بلغه الحديث، وتكون دلالته واضحة، ولكنه توهم وجود دليل آخر أقوى منه مُعارِض له من آية أو حديث، فيَحْمِل الحديث الذي معه على أنه منسوخ أو أنه في صورة خاصة، أو يُرجح الدليل الآخر عليه إن لم يستطع الجمع بين الدليلين.

فما الموقف من الاختلاف الحاصل بهذا السبب؟

الجواب هو أن ننظر في موقف العالِم المخالف له والذي جَمَع بين الدليلين، فإذا كان جمعه على برهان واستطاع دفع التعارض المتوهَّم فنسير على قاعدة: (إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما) فيكون القول الذي يؤدي إلى إعمال الدليلين بانسجامٍ أولى من القول بردّ أحدهما.

هل الاختلاف رحمة ؟

روي عن النبي ﷺ أنه يقول: (اختلاف أمتي رحمة) وهذا الأثر لا يصح عن الرسول ﷺ من جهة إسناده. وحَكَم المحدثون عليه بالضعف) ([89]).

هذا من جهة الإسناد، لكن هل هو صحيح المعنى؟ وهل الخلاف رحمة أم لا؟ () انظر كشف الخفا للعجلوني (1/64 ط.إحياء التراث).

إذا تأملنا أنواع الخلاف الواقع بين العلماء نجد أن بعضه رحمة وسَعَة وتيسير، وهو الذي يكون مع طرفي الخلاف فيه أدلة قريبة من التكافؤ، فيستدل كل طرف على قوله بدليل من القرآن أو من صحيح السنة، وفهمُه للدليل محتمَلٌ ومقبول، ويخلو دليل كُلّ منهما من دليل آخر معارض له راجح، ويبقى الاجتهاد في ترجيح أحد القولين بمجموعة من القرائن؛ فهنا يكون الاختلاف رحمة ويكون الأمر فيه سعة كبيرة، وليس فيه تضييق على الناس، وهذا يُمثّله عدد غير قليل من المسائل الفقهية المختلف فيها بين العلماء، ولا يمنع هذا أن يُعرَف الأصوب من الطرفين.

وأما إذا كان في حالة الاختلاف قولُ مخالفٌ مخالفة صريحة لنص شرعي صحيح ثابت، وليس له معارض صحيح، فليس هناك مساغ لمخالفة النص حينئذٍ، ولا يكون هناك توسعة لمن فقه النص أن يتعلل بالخلاف وسعته.

ومن أراد مزيدا من الاطلاع على أسباب اختلاف أهل العلم فليراجع كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية بعنوان : رفع الملام عن الأئمة الأعلام.

ومن الحسن التذكير بأن هناك كثيرا من القضايا الشرعية المتفق عليها بين علماء الإسلام ليس فيها اختلاف بينهم، ومن المهم التركيز على هذه القضايا المتفق عليها لأنها في الغالب تعود إلى العمل المطلوب منا أداؤه شرعا، ونحن أمة عمل وأمة إنتاج.

من يمتلك الحقيقة؟!

كثيراً ما نشعر بالامتعاض الشديد تجاه الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يمتلكو الحقيقة في كل القضايا التي يتحدثون عنها، سواء أكان ذلك في القضايا الدينية أو حتى في القضايا الحياتية العادية، وإذا تأملنا أحوال الناس -أعني المنتمين إلى الإسلام منهم- في موقفهم من امتلاك الحقيقة، نجد أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

فمنهم من يعتقد بأنه صاحب الحق دائما وفي كل القضايا، وأن مخالفه على باطل وخطأ.

ومنهم من يعتقد أنه على الحق في بعض المسائل ومخالفه فيها على خطأ، ولكنه يؤمِن أيضاً بأن كثيرا من المسائل التي يرى فيها الصواب أنها مسائل اجتهادية، وأن قول مخالفه يحتمل الصواب، وله حظ من النظر .

أمّا القسم الثالث فهو قسمُ أصحاب نظرية (نسبية الحقيقة) حيث يرون أن الأمر نسبيٌّ في جميع الاختلافات، وأن الجميع يمتلك قدرا من الحقيقة، وأنه ليس هناك شيء من الآراء يُسمّى باطلاً، بل قد يصل بعضهم إلى أن يرى أن الأديان الأخرى غير الإسلام موصلة إلى الله تعالى!

ولكي لا يكون الخلاف مجملاً فيضيع الحق فيه بين عبارات عامة غير محررة فإن التفصيل في هذه القضية بحسب موضوع الخلاف قد يكشف عن اللبس الذي يعتري البعض فيها.

فنبتدئ أولاً بالخلاف بين الأديان:

إن هذه القضية في القرآن والسنة إلى درجة من الوضوح والجلاء بحيث لا تحتاج إلى أكثر من إيمان واتباع، فالأدلة فيها ليست مُشكِلة ولا خفية، فالقرآن والسنة يدلان بوضوح وقوة على أن كل الأديان بعد ظهور الإسلام باطلة، وأن الله سبحانه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كُلِّه، وأن من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبَل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وأن فكرة التثليث عند النصارى، والتكذيب بالنبي عندهم وعند اليهود = كُفرٌ بالله صريح، وما يتعلق به البعض من نصوص الثواب العامة فإنه من المجمل أو المتشابه الذي يُرد إلى المحكم البيّن، وإلا فلا يمكن أن يجتمع فهمهم لتلك النصوص مع سائر النصوص الواضحة في الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من معصيته ومخالفته.ونحن نقرأ في الفاتحة في كل صلاة: ﴿ٱهدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة:6-7] والمراد بــــالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهود. والمراد بـــالضَّآلِّينَ: النصارى. قال ابن أبي حاتم الرازي: «لا أعلم بين المُفسّرين في هذا اختلافا»([90]).

وهذا إذا كان في الأديان المنسوخة التي لَحِقها التحريف؛ فإن بطلان الشرك وإنكار الإله من باب أولى وأحرى. () تفسير ابن كثير (1/144 ط.طيبة).

ثانياً: الخلاف بين طوائف الأمة الإسلامية في القضايا الاعتقادية:

بيّن النبي ﷺ للناس ما يجب عليهم اعتقاده كما بين لهم ما يجب عليهم عمله أو تركه، ولم يجعل الله تعالى أمور الاعتقاد موكولة للآراء؛ فإنها لا تُجْمِع على شيء في قضايا الاعتقاد، ألسنا نرى أنّ استحسانات بعض الناس قادتهم إلى عبادة الفأر والبقر والحجر والشمس والقمر، كما أن آراء أخرى جعلت أصحابها يعتقدون أن دفع الضر مرتبط بخيط يحيط مِعصَم الإنسان.

بينما نجد أن الإسلام قد جاء في قضايا الاعتقاد ببيان واضح، ونور إلهي لا ريب فيه، وبيّن النبي ﷺ للمسلمين ما يجب عليهم في الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وقضائه وقدره وملائكته واليوم الآخر، وأكَّد على أهمية الاتباع وعدم الاختراع في قضايا الدين اعتقاداً وعملاً فقال: منْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ([91]). وقال: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»([92]). ولا شك أنَّ العُدول عن الإيمان والتسليم بما في نصوص الوحيين إلى معارضتها بالآراء من أكبر الـمُحدثات في الدين ولا ريب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أمته أشد الحرص، ومهتما غاية الاهتمام ببيان الدين، وهو قد بلّغ النصوص المتعلقة بالاعتقاد على كثرتها دون أن يُرشد أمته إلى موقف خاص يقفونه تجاهها يختلف عن موقفهم من نصوص الأحكام، ولو كانت هناك طريقة معينة خاصة يريد منا التعامل بها مع نصوص الاعتقاد لأرشدنا إليها، خاصة وأن المخالفين في أبواب الاعتقاد يدّعون أن ظواهر تلك النصوص سيء في حق الله تعالى، بل ويصرح بعضهم أن ظاهرها كُفر! ولو كان الأمر كذلك لوجدنا البيان والإرشاد من أغير الناس على ربه وعلى العقيدة -محمد صلى الله عليه وسلم-.

وقد تلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه هذه الحقائق بتسليم وإيمان، فلم يعارضوها بقياسات فاسدة، ولا بآراء مجردة، ويُعرَف صدق ذلك بمعرفة أحوالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم تجاه ما يُشكل عليهم من أمور الديانة، فقد كانوا يسألونه ويستوضحون منه في مختلف أبواب الدين، وهذا محفوظ عنهم في مصنفات السنة وكتب الآثار، فإذا عُلم ذلك فإننا لا نجدهم استشكلوا نصوص الاعتقاد التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حصل من أفراد المسائل المتفرقة مما هو محفوظ في باب القدر قوبل بالتسليم بعد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم، بينما لا نجد مثل هذه الاستشكال في نصوص الصفات التي امتد الخلاف بين الأمة في الموقف منها إلى يومنا هذا بعد أربعة عشر قرنا من وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام. () صحيح البخاري (2697) وصحيح مسلم (1718). () صحيح مسلم (867).

وفي أواسط وأواخر عهد الصحابة بدأ التغيّر في هذا الصفاء الاعتقادي في عدد من الأبواب، كالإيمان والكفر، والشفاعة، والقدَر، والغلو في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا نجد بين الصحابة اختلافا في الموقف من هذه التغيرات، ولا يوجد أي صحابي انتسب إلى هذه الأقوال المنحرفة، بل كان لهم موقف قوي في إنكارها. مثال ذلك: أُخبِرَ ابن عمر رضي الله عنهما أن قوماً بالبصرة من طُلاب العلم وقُرّاء القرآن يُنكرون القدر، قال: «إِذَا لَقِيتَهُمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بَرَاءٌ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ لأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»([93]). وقد حفظ التابعون عن الصحابة علومهم، فنقلوا عنهم التفسير والفقه والقضاء والحديث، ودوّنت أقوالهم في مصنفات ضخمة كمصنف عبدالرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما، فلم نجد عنهم ما يخالف موقفهم من تلكم النصوص في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ومع امتداد الزمن وموت الصحابة وفتح البلدان والاختلاط بين الثقافات والأديان، تأثر بعض المسلمين بمواد علمية مستمدة من ثقافات أخرى أوجبت لهم موقفا من نصوص الاعتقاد وقضاياه يختلف كل الاختلاف عن منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشأت فرق ومذاهب صار لها حضور بين الناس حتى تبنى بعض ملوك بني العباس شيئا من هذه المذاهب فانتصر لها بالقوة، وحارب العلماء الذين التزموا بالنهج الأول كأحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله، وقصته في الابتلاء والسجن والضرب في ذلك معلومة.

والصواب في هذه الاختلافات ليس مع الجميع بل مع من سار على نهج أصحاب رسول الله الذي ورثوه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يعني ذلك قطع الأواصر والعلائق بين المسلمين من جهة التعامل والتعاون خاصة مع استهداف المسلمين فيما هو أكبر من ذلك من أصول ديانتهم.فالمطلوب في هذا الخلاف بيان الحق بدليله، ونصيحة المسلمين، وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه أوائل هذه الأمة، وبيان خطأ ما نشأ من التفرق بعد ذلك. () صحيح مسلم (8).

ثالثا: جانب الاختلاف بين الفقهاء في المسائل الفقهية

وهذا تحدثنا عنه في فصلٍ مستقل في هذا الكتاب، فراجعه أيها القارئ الكريم مشكوراً تحت عنوان لماذا يختلف العلماء؟

الباب الرابع

قضايا يدور حولها الجدل

الحكمة من وجود الشر في الدنيا.

دعوى مظلومية المرأة في الإسلام.

الحرية.

الدين والعقل.

التشكيك في الإسلام بسبب تأخر المسلمين

الحكمة من وجود الشر

إن عدم إحسان التعامل مع سؤال (لماذا يوجد الشر وتحدث المصائب مع أن الله رحيم) أدى إلى شك شريحة من الشباب والفتيات في وجود الله سبحانه وتعالى، وبعضهم تجاوز الشك والحيرة إلى صريح الإنكار والجحود. وما أكثر ما تغيب الحقائق بسبب النظرة الجزئية ونقص التصور وتعجّل الأحكام قبل التأمّل، مع أنّهم حين ألحدوا وتركوا الإسلام هل وجدوا تفسيراً صحيحاً لموضوع الشر؟!لا؛ بالطبع

إنهم لم يجدوا ولن يجدوا تفسيراً منطقياً سليماً لهذا الموضوع في دائرة الإلحاد؛ لأنهم يعتقدون أنّ الذي مات مظلوماً مقهوراً فإن نهايته تحت التراب ولن يأخذ حقه أبداً، والذي مات ظالماً جبّاراً فإن نهايته كذلك تحت التراب ولن يعاقب على طغيان، وهذه مفارقة غير مفهومة في ميزان العدالة أبداً.

ويتوهم مثيرو هذا السؤال التعارض بين المصيبة والرحمة، مع أن وقوع المصائب والابتلاءات موافق لخبر الله تعالى وليس معارضاً له، فالله سبحانه وتعالى قد أخبرنا في كتابه في مواضع كثيرة أنه سيبتلي عباده بأنواع من البلاء، منها الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس الثمرات، وهو سبحانه يذكر حكمة ذلك في كتابه؛ فالتعامل مع هذا السؤال وكأن الله لم يخبرنا فيه بشيء يُعد نقصا في التصور والبحث.

ولكي نُحْسِن النظر في قضية وجود الشر، ونجمع بينها وبين وجود الخالق الحكيم فلنتأمل هذه الحقائق الإسلامية:

الحقيقة الأولى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:64]

لا يُمكن أن يفهم أحد الحكمة من وجود الشر قبل أن يوقن أن هذه الدنيا دار مؤقتة، وأنها دار امتحان وابتلاء ونقص، و إنَّ الذي ينتظر رؤية الكمال المـُطلَق فيها فإنه معارِضٌ للحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون الدار الآخرة هي دار الكمال، وأن تكون هي الحيوان: أي الحياة الدائمة الباقية، فالإسلام يؤكد أن هذه الدنيا ليست في نظر الله شيئًا.

فإن قيل: هذا يفيد المؤمنين، ولكن إذا تحدثنا مع الملحدين فكيف نقنعهم بذلك؟

فالجواب: أن قضية الحكمة من وجود الشر لا يُمكن فهمها بدون إيمان بالله وباليوم الآخر، فإذا كان الـمُناقَش مُلحداً فلا بد من الرجوع معه إلى المربع السابق وهو مربع إثبات وجود الله سبحانه وتعالى ثم إثبات صدق رسالته، -وكل ذلك ممكن بدلائل العقل وليست برهنته متوقفة على نص يستلزم الإيمان المسبق-؛ فإذا ثبت هذان الأمران: (الوجود والرسالة) فقد ثبت اليوم الآخر والبعث، وهو المربع الذي نناقش فيه هنا.

قال الله تعالى عن يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:17]

فيقضي الله يوم القيامة بين عباده بالحق، يأخذ للمظلوم حقه، ويعاقِب الظالم على ظلمه، وليس هذا على صعيد البشريّة فحسب، بل يشمل ذلك الحيوانات؛ فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ فأنه قال: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أهْلِهَا يَومَ القِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ»([94]). أي أن الشاة التي لم يكن لها قرون في الدنيا فنُطحت من قِبَل ذات القرون تأخذ حقها يوم القيامة، حتى الشياه! فكيف بابن آدم؟!

والذي عاش فقيراً بئيساً وأحسن في حق ربه فإنه يُغمَس في الجنّة غمسة ينسى بها كل بؤس وكل شقاءٍ مرّ به. () صحيح مسلم (2582).

فالذي يختزل نظرته إلى الشرور التي تقع على الإنسان فيجعلها نظرة دنيوية فقط، فهو بلا شك سيرى في الأمر ظُلماً، ولكننا نؤمن تماماً بأن الدنيا إنما هي معبر إلى الدار الآخرة.

فلا بد من فهم قضية وجود الشر في ضوء هذه الحقيقة: الدنيا ليست دار جزاء ولا أخذَ حقوق إنما هي دار امتحان واختبار.

الحقيقة الثانية:

الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان إرادة يختار فيها بين الخير أو الشر، وذلك لأجل التكليف، فالــمُجبَر لا يمكن تكليفه، والـمُخيَّر هو الذي يمكن تكليفه.

وحين يختار الإنسان الشر (كالقتل والظلم والسرقة والاغتصاب والاضطهاد ومنع الحقوق ونحو ذلك) فإنه يُنسب إليه لا إلى الله سبحانه وتعالى، وأكثر الشرور الموجودة في الدنيا إنّما هي بسبب الإنسان ومِن صنعه، فالمخلفات الصناعيّة التي تسبب الأمراض، والحروبُ التي يقتل فيها ملايين الأشخاص = كلها من صنع الإنسان.

والله سبحانه سيستوفي للمظلومين حقوقهم من الظالمين، ولكنْ في الدار الآخرة التي أراد سبحانه أن يجعلها دار وفاء واستيفاء.

وقد يُعتَرَضُ على هذه الحقيقة بأن الله قدر كل شيء وعلمه. ويجاب عنه بأن من تقديره أن جعل للإنسان اختياراً حقيقياً، فكيف لا يُنسب لصاحب الاختيار نتائج اختياراته؟

وقد يُعترض كذلك ببعض المصائب والكوارث التي ليست من فعل الإنسان مباشرة كالبراكين ونحوها، ويجاب عن ذلك بالحقائق الأخرى التي ذكرتُها هنا، إضافة إلى أن ما يجري من كوارث في الكون على أنواع، فبعضُه عقوبة على فساد الناس، وبعضه جريان لقوانين وسنن تتطلبها حركة الكون وتوازن البيئة ونحو ذلك، وبعضها تذكير للإنسان بعظمة خالقه في مقابل محدودية قدرته البشرية وضعفه أمام أقدار الله تعالى، وغير ذلك من الحكم التي يعلمها الله سبحانه.

الحقيقة الثالثة:

أنَّ كثيراً من الشرور التي نراها ليست شروراً محضة من كلّ وجه، بل يكون فيها جوانب خير، وكم في ثنايا ما نراه شراً من خير كبير، فقد يُصاب الإنسان بمرض يكون سبباً صارفاً له عن شرٍّ أعظمَ منه، وقد يخسر الإنسان صفقة مالية ربما لو كسبها لطغى وتجبّر، وقد يموت للإنسان ولد ربما لو عاش لكان وبالاً عليه، وقد يكون الإنسان مستحقًا للنار بعمله -وهي الكارثة الحقيقية-, فيصيبه الله بمصيبةٍ فيصبر عليها فيجزيه على صبره بالجنة -وهي الخير الحقيقي الدائم-. فالله سبحانه وتعالى لا يخلُقُ شرّاً مَحضاً، ولا يُنسَب إليه الشر كما في الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»([95])،

الحقيقة الرابعة: () صحيح مسلم (771).

أن الله جل وعلا يرى ما لا نرى، ويعلم ما نجهل، ويخلق ما لا نعلم، وهو الحكيم الذي ظهرت آثار حكمته على كل شيء من خلقه، والرّحيم الذي أطعمنا ونحن في بطون أمهاتنا وسخّر لنا كل شيءٍ حولنا؛ فنحن نسلّم بهذا الأصل, فلو رأينا شيئاً لا نعلم حكمته فإن العقل يقتضي جر القياس كما نفعله في كل باب آخر. فإننا حين نرى شركة منتجة لصناعات متقنة غاية الإتقان، ونخبُر منتجاتها فنرى تميزها وإتقانها وإحكامها ثم نرى شيئاً في بعض منتجاتها غير مفهوم الفائدة فإننا نستصحب أصل جودة منتجاتهم وإتقان عملهم فنبحث عن فائدة خفية أو حكمة متوارية، فما بال بعض الناس يسارع في جحوده إذا كان الأمر متعلقاً بالله جل وعلا الذي خلق فسوى وأحين كل شيء خلقه؟

الحقيقة الخامسة:

أن الله عز وجل جعل من السنن في هذه الدنيا: المدافعة بين الحق والباطل، ولذلك خلق إبليس رأسَ الشرّ، ولم يجعل له من سلطان على الناس إلا الإغواء وتزيين المعصية والكُفر، ولم يتركنا الله سبحانه دون بيان ما يعترض طريقنا من خطر الشيطان وحزبه وإغوائهم؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَــــٰنِ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6] وقال: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُــوَٰتِ الشَّيْطَــــٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بَالفَحْشَآءِ وَالمُنْكَرِ﴾ [النور: 21] فمَن اتبعه كان من حزبِه حزبِ الباطل ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهمُ الشَّيْطَــــٰنِ فَأَنْسَـــٰـهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُلَـــٰۤــئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَــــٰنِ أَلآ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَــــٰنِ هُمُ الخَــــٰسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19] ومن جاهده وتطلّب رحمة الله ورضاه كان من المـُفلحين الراضين المـرضيّين.

فالبعض يغيب عنه هذا المعنى الذي أراده الله تعالى ثم يسأل عن بعض التفصيلات سؤال المعترض، فيسأل عن سبب خلق إبليس، وعن سبب وجود الطغاة، ونحو ذلك.

الحقيقة السادسة:

أن وجود الله سبحانه وتعالى قد ثبت بدلائل كثيرة متنوعة ضرورية قطعية لا يصمد أمامها شيء من الشبهات ولا يصل إلى مستواها من الدلالة، وعلى ذلك؛ فإن تجاهل هذه الأدلة بسبب شبهة معينة -كشبهة وجود الشر- إنما هو في الحقيقة تغليب للجانب الأضعف على الجانب الأقوى، وتقديم للفرع على الأصل، وتغافل عن الثغرات الموجودة في الشبهة في مقابل الإتقان الموجود في الأصل.

دعوى مظلومية المرأة في الإسلام

اطلعتُ على بعض المقاطع المـُعَدّة بأسلوب درامي مؤثر يرسم صورة الأنثى كمظلومة تحت مظلة الإسلام، وقد نَجَحَت مثل هذه الرسائل في استمالة ضعيفات الإيمان إلى ظلمات الشك ثم الإلحاد. وكثيراً ما يدخل المـُشككون في الإسلام من باب المرأة؛ يستثيرون بذلك عواطف المسلمات اللاتي لم يعرفن دينهنّ حقّ المعرفة، وفي الحقيقة فإن خِطابهم التشكيكيّ هذا لا يعدو أن يكون غشّاً وتدليساً!، ويستبين ذلك بمعرفة الأمور التي يتجاهلونها ويتغافلون عنها حين يتحدثون عن موضوع المرأة في الإسلام.

وسأذكرها في نقاط:

أولاً: إغفالهم جوانب الإكرام التي حظيت بها المرأة في الإسلام:

فهل سمعتم أحداً منهم يذكر أن الله ضرب مثلا للمؤمنين بامرأتين يقتدي بهما الرجال والنساء؟

قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم:11-12]

فهل الدين الذي يجعل المرأة قدوة لرجاله يكون ديناً يحتقر المرأة؟!

وهل وجدتم من هؤلاء المـُشككين أحداً يذكر مكانة الأمّ التي حظيت في الإسلام بمنزلة لا يمكن أن تحظى بها في أنظمة الدنيا كلها! فاسأل أي مُسلِمٍ يعرف دينه: مَن أعظم الناس حقّاً عليك بعد رسول الله؟ فسيقول لك: أمي! فإن سألته من أين أخذت ذلك؟ فسيقول: من الإسلام.

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ»([96]).

وإذا أخذنا بالمنطق الساذج الذي يأخذ به ضعفاء العقول، فسنقول: إن الإسلام يُفضل المرأة على الرجل! لأن هذا الحديث فيه تفضيل الأمّ على الأب! () صحيح البخاري (5971).

وهل عرّج أحد هؤلاء المـُشككين على ذِكر فضل الإحسان إلى الأنثى في الإسلام؟

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ» وَضَمَّ أَصَابِعَهُ([97]).

لقد جاء هذا الحديث في وقتٍ كان العرب يعتبرون ولادة الأنثى شرّاً وعاراً، فإما أن يمسكوها على هُون أو يدسُّوها في التّراب! وهل هناك مطلب للمسلم أعلى من أن يكون يوم القيامة مع النبي ق؟ فانظر كيف جُعل الإحسان إلى الأنثى طريقاً لذلك! مع أنه لم يَأتِ حديث خاص في فضل تربية الذكر -في حد علمي-! () صحيح مسلم (2631).

ثانياً: إغفالهم ذكر التخفيف والتسهيل على المرأة في عدد من الأحكام الشرعيّة في مقابل التشديد فيها على الرجل

فيجوز للمرأة لبس الذهب ويحرم ذلك على الرجل.

ويجوز للمرأة لُبس الحرير ويحرم على الرجل.

ويجب على الرجل بذل المال وجوباً للزوجة كنفقةٍ مستمرة ولو كانت غنيّة، ولا يجب على المرأة الإنفاق عليه!

ويجب على الرجل حضور صلاة الجماعة في المسجد -على الراجح من أقوال الفقهاء- ولا يجب ذلك على المرأة.

ويجب الجهاد على الرجال كفاية أو عيناً -على حسب الحال- ولا يجب ذلك على النساء. مع أن الجهاد فيه تعريض النفس للتلف.

وتؤخذ الجزية من الرجال غير المـسلمين ولا تؤخذ من النساء!

قال ابن القيّم رحمه الله في كتابه (أحكام أهل الذمّة): "ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم. قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. وقال أبو محمد في المـُغْني: "لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا"([98])اهـ.

ثالثاً: إغفالهم الآثار السلبية الكثيرة المـُترتبة على الانفلات من تشريعات الله للمرأة! () أحكام أهل الذمة لابن القيم (1/ 149), المغني لأبي محمد ابن قدامة (9/ 338), الإجماع لابن المنذر (ص 62).

فبأي ذنب يتمُّ إسقاط ملايين الأجنّة سنوياً بعمليّات الإجهاض التي تسببت بها علاقات غير شرعية؟

وإذا كانت الروح قد نُفِخَت في كثير من هذه الأجنة؛ فبأي ذنب قُتَلت؟!

أليس لهذا الجنين حقُّ الحياة؟! أم أن حرية الشهوة مُقدّمة؟

وإذا كان مصير هذه الأرواح البريئة القتل والإزهاق؛ فلماذا يتم تسهيل العلاقات التي تسببت في تكوينها من الأصل؟!

حقّاً إنها حُرَية مُزيّفة!

ومن ذلك أيضاً: مَنْعُ الأبِ من تقييد حُرّية ابنته حين تسير في طريق منحرف، مع أنه ربما يكون قد تعب في تربيتها قرابة عشرين سنة، بذل فيها ماله وجهده وراحته ثم إذا صارت في فور شبابها وقُدِّر أنّها قرّرت أن تقيم علاقات غير شرعيّة -مثلاً- فيُحال بينه وبين منعها مما قد يدنّس شرفها وهي غارقة في بحرٍ لا تعرف أغواره؟!

فهم يعتبرون منعه إياها من ممارسة حريتها -غير الشرعية- ظُلماً، ولا يرون في الحيلولة بينه وبين إبعادها عن هذه الأمور ظلماً ولا غضاضة!

ومن ذلك أيضاً الانتكاسة الفطريّة التي يُسمّى فيها الشذوذ الجنسيّ مثلية وميلاً طبيعيّاً؟!

وحين سهّل المـُنفلتون من شرع الله طُرُقَ إقامة العلاقات المـُحرّمة فُتحت أبواب الخيانة الزوجيّة على مصراعيها! واختلطت الأنساب! وكم مِن الأبناء غير الشرعيين مَن صارت المرأة وحدها هي التي تتحمل أعباء تربيتهم والإنفاق عليهم.

ولذلك؛ تجد أن المرأة تعمل في أي مجال لتُحَصِّل المال، فقد نشرت وزارة العمل الأمريكية في موقعها الرسمي([99]) إحصاءً يبيّن أن 89% من نسبة العاملين في البيوت كخدمة ونظافة هم من النساء!!

رابعاً: أنّهم لا يقرؤون حكمة الله تعالى في تشريعاته المـُتعلّقة بالمرأة: () http://www.dol.gov/wb/factsheets/20lead2007.htm.

كموقفهم من قضيّة الميراث وقولِ الله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11] حيث يزعمون أن الإسلام ظلم المرأة بإعطائها نصفَ الميراث، والرد على هذه الشبهة من وجوه، منها:

أن الميراث له حالات متعددة، منها ما تُعطى فيه المرأة أكثر من نصيب الرجل، ومنها ما تعطى فيه مساوية للرجل، ومنها ما ترث فيه الأنثى ولا يرث الرجل، ومنها ما يكون نصيبها فيه أقل من نصيب الرجل، ولكنهم يجهلون أو يتجاهلون!

فقد سمعناهم كثيراً يرددون -طاعنين-: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ولم نسمع منهم ولا مرة واحدة قول الله سبحانه وتعالى في نفس الآية: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:11] حيث فيه مساواة بين الرجل (الأب) والمرأة (الأم)، ولم نسمع منهم ذِكرَ المساواة -بين الرجل والمرأة في الميراث- الواردة في الآية التي تليها، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:12] ومعنى ذلك أنهم يشتركون رجالاً ونساء دون تفاضل فيما بينهم!

وكذلك فإن الذكر وإن أعطي في بعض الحالات مثل حظ الأنثيين إلا أنه مأمورٌ شرعاً بأن يبذل للأنثى مهراً عند زواجه بها، ومأمورٌ كذلك أن ينفق عليها طول حياته حين تكون زوجة له ولو كانت غنيّة، أفيُستكثَر عليه بعد ذلك أن يكون له نصيبٌ من الميراث على الضِّعف من نصيبها؟

خامساً: أنهم يتغافلون عن التناقضات بين ما يطرحونه وبين الواقع.

فهم حاربوا الزواج الشرعي ممن سموهنّ بالقاصرات فإذا بالإحصاءات تثبت نسبة كبيرة للحمل غير الشرعي بين هذه الفئة!

وهم يحاربون التعدد في الزواج أشد الحرب، مع أن التعدد لا إجبار فيه، وإنما المرأة هي التي تختار أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة، ثم يمارسون تعدد العشيقات وتعدد العاشقين!

وهم ينادُون بالحرية في علاقات المرأة ثم يمنعونها من حريتها وحقها حين تختار الزواج من متزوج!

سادساً: أنهم يعتبرون رؤيتهم أصلح للمرأة وأنفع لها من نظام خالقها سبحانه، فيساوونها بالرجل مساواة مُطلَقة من كل وجه، وهذا يخالف طبيعة تركيب كُلٍّ منهما، وأمّا في نظام الله سبحانه فإن التساوي بين الرجل والمرأة هو الأصل في الأحكام، ولكنه ليس تساوياً مُطلَقاً في كل شيء، فهناك أحكام تخص الرجل، وأحكام تخص المرأة ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَىٰ﴾ [آل عمران:36]

سابعاً: أنّهم ينسبون إلى الإسلام العادات الخاطئة التي فيها ظُلمٌ للمرأة!

فمثلاً: حين يقوم وليُّ المرأة بإكراهها على الزواج ممن لا ترغب في الزواج منه، فإنّهم ينسبون ذلك إلى الإسلام؛ لأن الذي قام بذلك شخص مسلم، والصواب أن هذه العادة مما جاء في الإسلام النّهْيُ عنها، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» ([100])

فهذه سبعُ ثغرات تتخلّل خطاب المـُشككين في الإسلام عن طريق موضوع المرأة، وهي كافية في كشف الاستغلال السيء والانتقاء المبني على الهوى من الطاعنين في الإسلام. () صحيح البخاري (5136), صحيح مسلم (1419).

الحرية

إن من أعذب الكلمات التي يسمعها الإنسان: كلمة "الحرية"، كم تشعر أن حروفها تنبض بالحياة، والسّعة، والإشراق، والانطلاق. وكم يكره الإنسان أن يكون مقيد الحرية من إنسان مثله يأكل ويشرب ويقضي حاجته، فما الذي يميزه حتى يتحكم في حريات الناس لأجل أنه أوتي منصباً أو مُلْكاً؟ وما الفرق بيننا وبينه حتى يكمم فم من شاء، ويقذف في السجن من شاء؟

إن تسلط الإنسان على الإنسان قصة قديمة تكررت كثيراً على مر القرون والأزمان، وفي مختلف البلدان، وحين بعث الله الرسل لهذه المجتمعات البشرية كانت رسالتهم أفضل وسيلة للتخلص من تسلط الإنسان على الإنسان، إلى خضوع الجميع للواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يَلِد ولم يولد.بل إن رسالة الرسل كان فيها من معاني الحرية ما هو أكثر من ذلك ، وهي تخليص الإنسان من معاني العبودية الخفية التي لا يشعر بها، كالخضوع للمال وعبادته، أو للشهوة وعبادتها.

فقد صحّ عن رسولنا ﷺ أنه قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»([101]).

والدعوات إلى الحرية حين لا تراعي هذا المعنى فهي في الحقيقة ليست دعوات إلى حُرّية سامِية شريفة، بل هي حرية سطحية، وفي باطنها عبودية رهيبة لمن لا يستحق العبودية. () صحيح البخاري (2887).

إن النقاش حول الحرية، والجدل الدائر في موضوعها يحتاج إلى تفصيل في الأحوال قبل إطلاق الأحكام العامة التي يضيع معها الحق؛ لأن مصطلح الحرية بات محملاً بأعباء فكرية وتاريخية ثقيلة، ولم يعد ذلك اللفظ الساذج الحر.

وأخطر شيء على الأفهام استعمال المصطلحات الـمُحمّلة بالأعباء التاريخية والخلافات الفكرية دون بيان يجلي حدودها ويكشف عن معاني الصواب فيها.

وقد افترق الناس أمام مصطلح الحرية إلى طوائف شتى، فمنهم من غلّب جانب الاستنكار والتشكيك في نظرته إلى هذا المصطلح، فتجده يفر من استعماله، بل وقد ينكر بعض معانيه الصحيحة ويعارضها؛ حتى ترى أنه في خطاباته يرسخ -باسم الإسلام- بعض معاني الاستعباد والذل للبشر من ذوي السلطة والنفوذ مما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء خطر على الإسلام.

وطائفة أخرى لم تكن حرة في استعمالها لمصطلح الحرية، فهي مأسورة ضمن نماذج تاريخية أو تفسيرية معينة للحرية لا تقبل الخلاف فيها ولا النزاع، بينما إذا نظرت إلى حقيقة هذه النماذج وجدتها تدعو إلى نوع من الحرية يفسد الإنسان ويطيح بكرامته وينزع عنه كل ما يميزه عن الحيوانات، فتحت هذه النماذج يتم الدفاع عن الشذوذ الجنسي، وعن ممارسة الفاحشة مع الكلاب وغيرها، كما يُغلّب فيها جانب الأنانية بصورة مقيتة، فأنت ترى أنه لا حقوق ضمن هذه النماذج للأجنة التي تزهق أرواحها بالملايين في مقابل حرية حامل الجنين في ممارسة شهواتها كما تشاء.

والموقف العدل من قضية الحرية يكون في التوسط بين موقفي الطائفتين المذكورتين:

فيتم الجمع بين تبني لفظ الحرية ونصرته والدعوة إليه والدفاع عنه، وبين التزام حدود الله تعالى التي فرضها في كتابه وعلى لسان رسوله، فتكون العبارة الصحيحة لحدود الحرية هي (حريتي تنتهي عند حدود الله).

ومن جهة أخرى فـــ(لا بد من التفريق في مساحة الحرية في الإسلام بين ما يعتقده الشخص في نفسه وبين ما يعلن به بين الناس، فالإسلام يقبل بوجود الكفار في أرضه، مع بقائهم على كفرهم بشروط، منها: عدم إعلان الطعن في الدين وعدم المجاهرة بالكفر.

ويحصل اللبس -أو التلبيس- في هذه النقطة حين لا يتم التفريق بين المقامين، فتجد من يستدل بتعايش الكفار مع المسلمين في التاريخ الإسلامي على تشريع قوانين تجعلهم كالمسلمين في باب الدعوة إلى دينهم، والتشكيك في الإسلام، وهذا غلط؛ إذ إنّ اعتقادهم في أنفسهم وفي بيئتهم المغلقة شيء، وإعلانهم ونشرهم لما يعتقدون -مما أنكره الإسلام- شيء آخر.

وقريب من هذا: الخلط بين الحرية التي يتيحها الإسلام في السؤال عما يُشكل على الإنسان من قضايا الدين، وبين بث هذه الإشكالات في الناس وإفساد صفاء عقيدتهم ويقينهم.

فالصورة الأولى فيها مساحة كبيرة من الحرية وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ [هود:94]

فالواجب ألا يُوصد باب السؤال والنقاش والحوار أمام المستشكلين ومن عندهم شك أو ريب، وأما أن ينتقل هذا الشك والريب إلى صورة الإعلان والتشكيك، فهذا من المنكر الذي يجب إنكاره شرعاً)([102]).

وبسبب تأثير ثقافات غير إسلامية فقد ظن البعض أن الحرية في الإسلام تعني ترك الكُفر والباطل ينتشران دون منعٍ أو مجاهدة، وفات هؤلاء مواقف عديدة يحكيها الله في القرآن ترد قولهم هذا، فمثلاً: () سابغات، ط3، ص167بتصرف

إبراهيم عليه السلام كسر الأصنام في غير حضرة قومه ومن غير مشورتهم.

موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه ووجدهم يعبدون العجل الذي صنعوه من ذهبهم وحُليّهم، أخذه فحرقه ورماه في البحر ﴿وَٱنظُرْ إِلَى إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ [طـه:97]

والرسول محمد ﷺ لما دخل مكة يوم فتحها كان حولها ثلاثمائة وستون صنماً، فلم ينتظر الإذن من قريش لتحطيمها، فكسرها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:81] ([103]).

الدين والعقل

() صحيح البخاري (4720).

كما افترق الناس في شأن الحرية على النحو الذي أشرتُ إليه فقد افترقوا في الموقف من العقل كذلك، فمنهم طائفة اتخذت موقف التوجس والتخوف عند الحديث عن العقل، حتى أدخلوا بعض صور الاستدلال العقلي الصحيح المحمود في دائرة نقدهم وذمهم، وذلك لاستغراقهم الشديد في نقد المتكلمين مع عدم إدراكهم لدقائق الفرقان بين الحق والبطلان في قضايا العقل والنقل.

ومنهم طائفة أخرى نفخت كلمة العقل ثم ملأتها بصور الهوى، والرأي الفاسد، ورفعت سيف الإرهاب الفكري ضد كل من يخالف أهواءهم وآراءهم الفاسدة، فصاروا يتهمون مخالفهم بالجمود والتحجر ومخالفة العقل.

وشر منهم طائفة طعنت في أصل الرسالة المحمدية، وكفرت بالقرآن الكريم، لظنهم أن آياته تتعارض مع معطيات العقل الصحيح، وليس كذلك، بل كان التعارض مع شبهات غير متكاملة الأركان، قدموها على آيات القرآن باستعجال وسوء فهم.

والموقف العدل من العقل هو التوسط، وذلك بالجمع بين كونه مصدراً للمعرفة وبين احترام حدوده التي لا يستطيع تجاوزها.وها هنا بعض النقاط والقواعد المهمة في باب العقل والنقل أذكرها على شكل فقرات:

1- أبرز القرآن مكانة العقل واستعمل الأدلة العقلية واعتبرها ميدانا ذا أهمية في بناء الحجج، (وقد وردت مادة العقل في القرآن تسعاً وخمسين مرة، كلها يفيد أن انتفاء العقل مذمة، هذا سوى ذكر مرادفاته كالألباب والأحلام والحجر، وذكر أعماله كالتفكر والتذكر والتدبر والنظر والاعتبار، والفقه والعلم)[104] 2- الأدلة العقلية فيها القطعي المتفق عليه بين العقلاء وفيها الظني، والتسوية بينهما خطأ كبير، فمخالفة الدليل العقلي القطعي: انحراف وسفسطة، بينما مخالفة الدليل العقلي الظني لدليل أرجح منه موقف صحيح غير معارض العقل.مثال الدليل العقلي القطعي: القول بأن كل حادث لا بد له من مُحدث. فهذه ضرورة عقلية قطعية لا يخالفها إلا مكابر. وبهذا الدليل نستدل على ضرورة وجود خالق لهذا الكون؛ لأنه حادث.ولا يمكن أن يتعارض الدليل العقلي القطعي مع أي دليل قطعي آخر سواء أكان عقليا أم خبريا أم حسياً، وأما ما يصادم القطعيات فهو ظني أو غير صحيح من أصله. وكذلك الأدلة النقلية بعضها ظني من جهة الثبوت، فلو افتُرِض وجود تعارض من كل وجه بينها وبين دليل عقلي قطعي فإن المقدم هو القطعي، والعكس كذلك.مع التنبيه إلى أن أحاديث الآحاد فيها القطعي وفيها الظني، وليست كلها ظنية، وقد أثبتُّ ذلك من وجوهٍ في كتابي تثبيت حجية السنّة[105] وسابغات[106]. 3- "أهمية التفريق بين محارات العقول، وبين مُحالاتها، أي التفريق بين ما يُستبعد عقلا وبينما يستحيل عقلا: فالشريعة قد تأتي بالأمر الذي يحير العقل، أو يكون مستغرباً، ولكن لا تأتي بما هو محال في العقل ولا بما يناقضه! قال ابن تيمية رحمه الله في ((الجواب الصحيح)): (يجب التفريق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته، فالأول من محالات العقول، والثاني من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني) [107]. وقال أيضاً في نفس الكتاب: (الأنبياء عليهم السلام قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول) [108]."[109] 4- ما يقال فيه إنه يناقض العقل من صحيح نصوص الشرع لا يكون كذلك عند التحقيق، فإن الناس يتوسعون في باب التعارض دون تحرير وفحص لوجوه الجمع الممكنة، بينما اعتنى المحققون من علماء أصول الفقه والحديث بتحرير قضية التعارض، وجعلوا لها أهمية بالغة، ورتبوا خطوات مُحكمة في التعامل مع ما يُتوهم تعارضه من الأدلة، ولم ينطلقوا من مبدأ جواز مناقضة الشرع لمقتضيات الأدلة العقلية الصحيحة بل من مبدأ عدم التعارض بين صحاح الأدلة أياً كان نوعها: الخبر أم العقل أم الحس. 5- من أكبر عوامل الخطأ في ما يُدعى فيه التعارض مع العقل: اعتبار المرء فهمه الشخصي معياراً للعقل، فما قبله فهو العقل وما رفضها فهو نقيض العقل، وهذا غير سائغ، فإن عوامل استنكار الذهن متعددة، منها طبيعة التكوين، ومدى سعة المعلومات في الذهن، ورصيد الخبرة، وغير ذلك، وعليه؛ فلا ينبغي الاستعجال في دعوى مناقضة العقل فقد يكون منشأ الاستنكار راجعاً إلى طبيعة تخص الشخص المستنك ولا تعم جميع العقلاء.

التشكيك في الإسلام بسبب تأخر المسلمين

الأدلة العقلية النقلية، سعود العريفي (38) ص 82-83 الطبعة الثالثة، (137-138) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (4/ 391). المرجع السابق(4/400). سابغات، الطبعة الثالثة (160-161)

يردد كثير من المـُلحدين والمشككين في الإسلام هذه الأسئلة: لماذا يعيش العالم الإسلامي متأخراً عن العالم الغربي وعن الدول الإلحادية في الجوانب الصناعية والتقنية والعسكرية؟ ألا يدل ذلك على عدم صحة الإسلام؟ ولماذا يكثر القتل بين المسلمين في حين يعيش المـُلحدون بسلام؟

عند التأمل في هذه الأسئلة وما بُنِيَت عليه نجد أن هناك قدرا من المغالطات وسوء المعايير، كما أن هناك قدرا كبيرا من الأسئلة المضادة التي تكشف عن حرج موقف السائلين لا المسؤلين، وسأذكر ذلك على شكل نقاط: أولاً: إشكالية التعميم، فيقوم هؤلاء المشككون بتعميم ما يُخطئ فيه فرد مسلم أو جماعة مُسلمة ليُلصقوا كل ذلك بالإسلام حتى ولو تبرأ المسلمون في كل يوم وليلة من هذه الأفعال. ثانياً: من أكبر جرائم القتل التي ارتكبت بحق الإنسانية في العصر الحديث كانت في الحرب العالمية الثانية التي بلغ ضحاياها خمسون مليون قتيلٍ أو أكثر، وأطراف الحرب فيها: ملحدون وعلمانيّون ونصارى، وهم نفس الاتجاهات التي يثير أتباعها التشكيك في الإسلام، فعلى هذا المنطق يمكننا أن نثير نفس التشكيكات عليهم، فلو أخذنا جرائم النظام الشيوعي كدليل على إجرام الملحدين لكان ذلك كافياً في إسقاطهم بنفس الطريقة التي يحاولون التشكيك بها في الإسلام، فإن قالوا: الشيوعيون لا يُمثلون المـُلحدين. قلنا لهم: وكذلك ليس كل مسلم يُمثل الإسلام. ثالثاً: من أعظم ما هُضمت به حقوق الإنسان في العصر الحديث: الحملات الاستعمارية التي قامت بها فرنسا وبريطانيا على العالم العربي والإسلامي، ولم تكن هذه الحملات في زمن ما يعرف بالعصور المظلمة في أوربا، بل كانت بعد عصر التنوير والحرية وحقوق الإنسان، فلتكن تلك النماذج الاستعمارية كافية إذاً في إسقاط أفكار التنوير والحريات الغربية! رابعاً: نحن نعتقد بأن العصمة من الخطأ لا تكون لأحد بعد الأنبياء، ونعتقد أنّ المـُسلمين يتفاوتون في درجات فهمهم لدينهم ومِن ثَمَّ تَمَسُّكهم به، فأيُّ عملٍ يقوم به فردٌ مسلم أو جماعة مسلمة فإنه قابل للأخذ أو الرد بحسب موافقته للكتاب والسنّة وإجماع علماء المسلمين, فالإسلام لا يحاكم إلى تصرفات الأفراد وإنما إلى نصوصه الأصلية وإلى تصرفات مجموع المنتمين إليه. وكذلك، فليس كل شخص منتسب للإسلام يكون حَسَنَ النية لهذا الدين، فبعض الأشخاص ينتسبون للإسلام ظاهراً لكنهم في الحقيقة يحاربونه، وقد ذكر الله صفات المـُنافقين في كثير من آيات كتابه العزيز، وذكر أنّ ولاءهم متوجه لأعداء هذا الدين وإن كانوا في ظاهر الأمر مع المـُسلمين. فإذا أردنا النظر في حقيقة الإسلام فلنرجع إلى أصوله: الكتاب، وسنة الرسول ﷺ -الذي هو النموذج الكامل التطبيقي للإسلام-, كما قالت عنه عائشةرضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»([110]) والذي رأيناه من شواهد التاريخ أنه بقدر اقتراب المـُسلمين من دينهم وأَخْذِهم بسنن الله في الكون= ينالون الرفعة في الدنيا وتكون لهم كلمتهم فيها.

خامساً: تفوق الغرب الحضاري المادي في هذا الزمن هو لأخذهم بسنن التفوق المادي والتي جعلها الله بعدله لكل من خلق، فإننا نؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل سنناً في الكون؛ من أخذ بها حصد نتائجها ولو كان كافراً عاصياً لله؛ فالله عز وجل يعطي كل إنسان على قدر ما بذل. () مسند أحمد (24601) واللفظ له, وصحيح مسلم (746).

سادساً: من الخطأ الكبير إرجاع معيار النجاح والتقدم إلى الناحية المادية فقط، فإن غاية ما تحققه: الرفاه للإنسان في هذه الدنيا، وهذه الغاية ليست هي ما خلق الله الإنسان لأجلها، وإنما يعرف ذلك من تأمل في دلائل الإيمان التي ذكرناها في أول الكتاب. فهذا التقدم المادي دون تحقيق الغاية الكبرى (وهي التعبد لله تعالى واتباع أمره) لا قيمة له، بل هو من عوامل تكبر الإنسان وجبروته وطغيانه. سابعاً: ما يُنسَب إلى المسلمين من تخلف وتأخر وتحارب واقتتال، له عدة أسباب، منها افتقاد كثير من المسلمين للإرادة الصادقة مع العمل الواعي للنهضة بالأمة، ومنها ما يكون لغير المسلمين فيه يد ظاهرة أو خفية، وما القضية السورية عنّا ببعيد، فهي قد جمعت السببين معاً: فمن الناحية الداخلية كان التفرق والاختلاف والتمسك ببعض الآراء والمناصب سببا في تأخر الانتصار والاستقرار، ومن الناحية الخارجية كان للتدخل الروسي وغيره أشد الأثر في استدامة المصائب والكوارث، وكم رأينا وما زلنا نرى جرائمهم في قصف المخابز والأسواق والمدنيين بطريقة متوحشة.. فمن أين نبعتْ جرائمهم تلك؟ من الإسلام؟

ولولا ضيق المقام لزدت من ذكر الوجوه في الرد على هذه الشبهة، ولعل فيما مضى بعضُ كفاية.