موسوعة الإيمان
كتاب "الإيمان الذي فرضه الله على عباده مما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية" من تأليف أ.د. محمد بن عبد الله السحيم ود. سامي بن محمد الخليل، هو كتاب شامل لجميع أصول ومهمات الاعتقاد ومسائله. يتميز الكتاب بربط المسائل العقدية بالكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، ويحرص على تأسيس العقيدة بطريقة مختصرة وشاملة باستخدام عبارات ميسرة. يتناول الكتاب مسائل الاعتقاد بعيداً عن المباحث الكلامية والفلسفية، ويهدف إلى تقديم موضوعات الاعتقاد بأسلوب يسهل على جميع المستويات العلمية فهمها واستيعابها.
موسوعة الإيمان الذي فرضه الله على عباده مما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية
(موسوعة شاملة لجميع أصول ومهمات الاعتقاد ومسائله، تتميز بربط المسائل العقدية بالكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، مع الحرص على تأسيس العقيدة بطريقة مختصرة وشاملة، وفق عبارات ميسرة أثناء البيان، والتوضيح لمسائل الاعتقاد، مع سلامة الموسوعة من المباحث الكلامية والفلسفية.)
بين يـدي الموسوعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأمينه على وحيه صلى الله عليه وسلم.
أما بعد: فإن علم الاعتقاد هو أشرف العلوم وأجلُّها؛ لأنه يتحدث عن أشرف معلوم - وهو الحق سبحانه وتعالى - وأشرف مقصود - وهو توحيده والإيمان به - وأشرف مآلٍ - وهو رؤية الرب الكريم في دار النعيم، ومتابعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وسلوك الصراط المستقيم؛ لذا رغبنا أن نؤلِّف كتابًا يشمل مسائل الاعتقاد نستهدي فيه بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن المصطلحات الكلامية الحادثة والتعاريف والأركان والشروط، ونجعله في متناول الجميع؛ بحيث يستفيد منه العالِم وطُلَّاب العلم في الجامعات وغيرها، وعامة المسلمين.
سبب التأليف:
لقد بذل سلفنا الصالح جهودًا كبيرةً في بيان الاعتقاد الصحيح، وبيان ما يضادُّه والردّ على المخالفين. وقد جاء هذا الكتاب ليقرِّب ما صنَّفه السلف لطلاب العلم ولعامة المسلمين؛ حيث جمعنا مسائل الاعتقاد في كتاب واحد شامل لها، وقمنا بالاقتصار على تقرير الاعتقاد الصحيح دون الخوض في الردود، كما حرصنا على صياغته بعبارات ميسَّرة واضحة، وترتيبه ترتيبًا موضوعيًّا، ونرجو أن نكون بذلك قد حقَّقنا هدفين: أحدهما: المساهمة في تقريب علوم السلف. والآخر: سد حاجة شديدة في المكتبة العقدية، وهي: إيجاد كتاب ميسّر العبارة، شامل لجميع مباحث الاعتقاد.
الـمنهج الذي اتبعناه في التأليـف:
استعراض الآيات والأحاديث المتعلقة بكل موضوع من موضوعات الاعتقاد، واستخلاصه منها.
استعراض جميع موضوعات كتب العقائد؛ سواء المسندة أو المتون أو شروح المتون؛ للتأكُّد من أن استخلاصنا للاعتقاد من الآيات والأحاديث شامل لما دوَّنه مؤلفو كتب الاعتقاد.
إذا وردت المسألة العقدية في القرآن الكريم أو في السنة النبوية على وجه واحد؛ اكتفينا بدليل أو دليلين ورد فيهما ذكر هذه المسألة. أما إذا وردت المسألة في القرآن الكريم أو السنة النبوية على أوجه متعددة - كصفة الكلام، والعلوِّ، واليد، ورؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة - فنلتزم بذكر الدليل على كل وجه من وجوه ورودها، ولا نلتزم بإيراد كل ما ورد في الباب.
قد نضطر لإيراد بعض جوانب المسألة في باب، ثم نعيدها ونستكملها في باب آخر، كما أوردنا خبر خلْق الملائكة في باب الخلق، واستكملنا الحديث عنهم في كتاب الإيمان بالملائكة، وذكرنا في باب الإيمان بوجود الله بعض الآيات الدالة على وجوده، وقد ترد الآية ذاتها في باب الربوبية وذلك لتقاربهما، فالمقصود من باب الإيمان بوجود الله إبراز أدلة وجود الرب التي ينكرها الملحد، بينما المقصود من باب الربوبية إثبات الربوبية المستلزمة لألوهية الله التي يجادل فيها المشرك، كما قد نورد الآية الكريمة أو الحديث الشريف في أكثر من موضع بحسب وجه الاستشهاد بهما، والحاجة إليهما.
عند الحاجة قد نذكر بعض النقول عن أئمة السلف التي توضح المراد من الآية والحديث، ونقتصر على ما يبين القول الحق فيها دون إيراد الشبهة أو قول المخالف؛ لئلا يتلقى المتعلم الشبهة، أو يتضلع من أقوال المخالفين قبل أن يتمكَّن من تأصيل هذا العلم في قلبه وفهمه. ونرجو أن يمنح ذلك القارئ -بإذن الله- حصانةً من الزلل في هذه المسألة؛ لما قد أحاط بها من خلاف عقدي مشهور، كمسائل الصفات، والقدر، وغيرها.
قال ابن أبي زَمَنِين المالكي رحمه الله: (قد أعلمتك بقول أئمة الهدى وأرباب العلم فيما سألت عنه، وفي غير ذلك عما يُسأل عنه من أصول السنة التي خالف فيها أهل الأهواء المضلة كتابَ الله وسنةَ رسوله ونبيه صلى الله عليه وسلم، ولولا أن أكابر العلماء يكرهون أن يسطر شيء من كلامهم ويخلد في كتاب، لأنبأتك من زيغهم وضلالهم بما يزيدك عن رغبة في الفرار عنهم، ونعوذ بالله من فتنتهم، عصمنا الله وإياك من مضلات الفتن، ووفقنا لما يرضيه قولاً وعملاً، وقربنا إليه زلفاً زلفاً). أصول السنة لابن أبي زمنين (309، 310).
تعمدنا أن نبتعد عن التعريفات والمصطلحات الكلامية الحادثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
جعلنا الكتاب على هيئة كتب وأبواب، كما فعل أوائل المصنفين في العلم الشرعي الشريف، ولم نستخدم التقسيمات المعاصرة: مبحث ومطلب، ورتبناه على أصول الإيمان. قال ابن أبي العز الحنفي: (وأحسن ما يرتَّب عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام حين سأله عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته...» فيبدأ بالكلام على التوحيد والصفات وما يتعلق بذلك، ثم بالكلام على الملائكة، ثم ثم إلى آخره). (شرح العقيدة الطحاوية (2/ 689).)
قمنا بوضع ملخص لكل كتاب في بدايته نسرد فيه جميع مسائل الكتاب بدون أدلة.
وفيما يخص تخريج الأحاديث فقد قمنا بتخريجها تخريجًا مختصرًا، فنبدأ بالكتب الستة حسب ترتيبها المعروف، ثم نرتب بحسب الوفيات، ولرغبتا في تصغير حجم الكتاب فقد اكتفينا بالتخريج بدون الكلام على الأحاديث إلا في أضيق نطاق.
مميزات هذا الكتاب:
ربط المسائل العقدية بالكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، بحيث يكون واضحًا للطالب مأخذ هذه المسائل.
الإحاطة بالمسائل العقدية الرئيسة المتعلقة بكل باب من أبواب الاعتقاد.
الحرص على تأسيس العقيدة بطريقة مختصرة وشاملة وَفْق عبارات ميسرة أثناء البيان والتوضيح لمسائل الاعتقاد؛ حتى يكون ذلك أدعى للفهم والاستيعاب.
سلامة الكتاب من المباحث الكلامية والفلسفية، وتقريب عباراته، والابتعاد عن الألفاظ التي وردت في بعض كتب الاعتقاد بعد ظهور الأهواء.
ولا نزعم أننا استقصينا مسائل العقيدة؛ لكننا استفرغنا وسعنا في ذلك، ونحن نتطلع لكل إثراء لهذا الكتاب أو تقويم أو استدراك؛ حتى نفيد منه في طبعات الكتاب التالية، وحسبنا أننا وردنا على مورد الوحي، واستنبطنا منه موضوعات أشرف العلوم، وقدمناها إلى طلاب هذا الفن مستشهدين لكل مسألة بآية أو حديث أو بهما معًا. ونسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لسنة نبيه وخليله وأمينه على وحيه، نافعًا لعباده، حجة وشاهدًا لنا يوم أن نلقى ربنا.
ونشكر الله سبحانه وتعالى الذي يسَّر لنا هذا العلم، وسخرنا لخدمة دينه، وبسْط مسائل أركان الإيمان بالله، وبيانها وذكر أدلتها من الكتاب والسنة.
ونشكر كلَّ مَنْ أحسن إلينا، وأَوْلَى الناس بالشكر والدينا، فاللهم اغفر لهم وارحمهم واجزهم عنا خير ما جزيت والدًا عن ولده.
ثم نشكر أصحاب الفضيلة الذين حكَّموا الكتاب وقدّموا مرئياتٍ واستدراكاتٍ مباركة وهم: الأمير الدكتور سعود بن سلمان بن محمد آل سعود، أستاذ العقيدة المشارك في جامعة الملك سعود، والدكتور سهل بن رفاع العتيبي، أستاذ العقيدة المشارك في جامعة الملك سعود. والأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح البراك، أستاذ العقيدة في جامعة الملك سعود، والدكتور عبدالله بن عبدالعزيز العنقري، أستاذ العقيدة المشارك في جامعة الملك سعود، ونسأل الله أن يجزيهم عنَّا وعن العلم وأهله خير الجزاء لقاء ما قدموا من نصح خالص ورأي سديد.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مكة الـمكرمة
اليوم الثامن من ذي الحجة
لعام تسعة وثلاثين وأربع مائة وألف من الهجرة النبوية
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فهذا كتاب نذكر فيه ما يجب على المسلم الإيمان به مما ورد في الكتاب والسنة، وقد نذكر بعض أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم لشرح آية أو حديث، أو لإيراد قول يحدِّد المراد من الآية أو الحديث. وقد قسمناه إلى كتب وأبواب، والتزمنا فيه الاختصار قدْر الإمكان، والاقتصار على المسائل اللازمة، وابتعدنا عن الخوض فيما خاض فيه المتأخرون من مصطلحات لم ترد في الكتاب ولا في السـنة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم- يقول الله عز وجل حاثًّا على اتِّباع دينه، والاعتصام بحبله، والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]. وقال تبارك وتعالى: ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الزمر: 55].
فنقول - وبالله التوفيق:
كتاب بدء الخلْق
ملخــص الكـتـــاب
نؤمن أن الله خالق كل شيء، وأن الله كان ولم يكن شيء غيره، ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وخلق الماء قبل أن يخلق السماء والأرض، ثم خلق السموات والأرض، وكانتا رتقًا ففتقهما.
ونؤمن أن الله جعل هذا الخلق شاهدًا على ربوبيته المستلزمة لألوهيته، فهو الخالق الحق، وما سواه مخلوق تبارك ربنا وتعالى، وهو الإله الحق، وما سواه مربوب لا يستحق أن يُعْبد، أو يُرْجى، أو يُقْصد.
ونؤمن أن العرش الكريم خلق عظيم من خلق الله، بل هو أعظم مخلوقاته.
ونؤمن أن الملائكة تحفُّ بعرش الرحمن، وأن الله تبارك وتعالى فوق عرشه، فوق سمواته، بائن من خلقه.
ونؤمن أن الله خلق القلم الذي كتب مقادير كل شيء، وأن أقلام التقدير متعددة.
ونؤمن أن الله خلق الكرسي، وهو أعظم المخلوقات بعد العرش.
ونؤمن أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام من أيام الله، وأن الله رفع السموات بغير عمد، وأن الله خلق هذه المخلوقاتِ العظيمةَ لِحِكَمٍ عظيمة لا يُحاط بها، وقد أتقن الله خلقها وصُنْعها.
ونؤمن أن هذا الكون بسمواته وأرضه وجباله وكل ما فيه سيكون له حال آخر يوم القيامة.
ونؤمن أن الله خلق الشمس والقمر بالحق، وأنه سبحانه وتعالى جعلهما مسخراتٍ بأمره، وخلق النجوم والكواكب لحكم عظيمة، وأن النجوم والكواكب لا تنفع ولا تضرّ، ولا تؤثر في الحوادث السماوية والأرضية، ومن اعتقد أنها مؤثرة بذاتها فقد كفر، أو أشرك.
ونؤمن أن الله خلق الملائكة من نور، وجعلهم متفاوتين في الخلق.
ونؤمن أن الله خلق الجانَّ من مارج من نار، وأن خلق الجن متقدِّم على خلق آدم، وأن رأس الشياطين إبليس، وأنه هو الذي أغوى الأبوين عليهما السلام حتى أخرجهما من الجنة.
ونؤمن أن إبليس استكبر عن السجود، فغضب الله عليه، ولعنه، وطرده، وأن الجن مخاطبون بالشرائع، ومكلفون.
ونؤمن أن الله أخبر ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة لعمارتها بالعبادة. وبيَّن الحق أن هذا الخليفة هو آدم، وأنه سيخلقه من تراب، وهذا التراب جعله الله طينًا، ثم خلقه أطوارًا.
ونؤمن أن الله خلق آدم بيده الشريفة، وأسجد له ملائكته، وخلق له من نفسه زوجًا ليسكن إليها، وهي حواء، وأسكنهما الجنة، ثم أهبطهما إلى الأرض.
ونؤمن أن الناس كلَّهم من ذرية آدم، وآدم من تراب، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
ونشهد أن الله خلق الناس على الفطرة.
ونؤمن أن الروح من أمر الله، وأن البشر لا يعلمون من شأنها إلا ما أطلعهم الله عليه، وأن الأرواح مخلوقة لله.
ونؤمن أن الأرواح تموت، وموتُها مفارقةُ البدن.
ونؤمن أن كلَّ ما يدبُّ على الأرض من دابة أممٌ أمثالُنا.
ونعلم أن الله خلق كل دابة من ماء، وجعل من كل شيء زوجين، وكل هذه المخلوقات إلى الهلاك، إلا ما استثناه الله، عز شأنه وتعالى.
بــاب الله خالق كل شيء
نشهد أن الله خالق كل شيء، قال المولى عز شأنه: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الأنعام: 102]. وقال الحق جلَّ في علاه: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر: 62]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ﴾ [الروم: 27].
ونؤمن أن الله كان ولم يكن شيء غيره، ولا شيء قبله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3].
وقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ». (أخرجه مسلم (2713)، وأبو داود (5051)، والترمذي (3400)، وابن ماجه (3831).)
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ»، قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ»، قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ: مَا كَانَ؟ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ»، (أخرجه البخاري (7418)، والترمذي (3951).) وفي رواية بلفظ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماءِ». (أخرجه البخاري (3191).)
ونؤمن أن كلَّ ما يدبُّ على الأرض من دابة أممٌ أمثالُنا، قال الحق جل في علاه: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38]. ونعلم أن الله خلق كل دابة من ماء، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [النور: 45]. وجعـل من كـل شيء زوجين، فقال الله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. وقال المولى عز شأنه: ﴿وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ﴾ [النجم: 45].
ونؤمن أن هذا الخلق -على تنوُّعه وكثرته- متوازنٌ لا يطغى شيء منه على شيء، ولا نوع على نوع، قال الحق جل شأنه: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ﴾ [الحجر: 19].
وكل هذه المخلوقات ستصير إلى فناء، قال الله جل في علاه: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ * وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [الرحمن: 26-27]. إلا ما استثناه الله من الصعق في قوله عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68].
ونؤمن أن الله جعل هذا الخلق شاهدًا على ربوبيته المستلزمة لألوهيته، فتارة يجعل خلقه لهذا الخلق دالًّا على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [لقمان: 11]. وتارة يذكر الحق أن أكبر مخلوق فيها -وهو العرش- دل على ذلك كما في قول الحق سـبحانه: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩﴾ [النمل: 26]، وقال صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ. سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ. سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ. سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ». (أخرجه مسلم (2726)، والنسائي (1351/1)، والترمذي (3555)، وابن ماجه (3808).) فزنة العرش أثقل الأوزان. وتارة يجعل المخلوقاتِ الكبيرةَ دليلًا على ذلك، كما في قوله جل شأنه: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 29]. وتارة يجعل فردًا من أفراد هذه المخلوقات دليلًا على ذلك، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ﴾ [فاطر: 27].
وتارة يجعل أضعف مخلوق وأصغره دليلًا على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ﴾ [البقرة: 26]. فهو الخالق الحق، وما سواه مخلوق تبارك ربنا وتعالى، وهو الإله الحق، وما سواه مربوب لا يستحق أن يعبد، أو يرجى، أو يقصد.
بــاب خلق العرش العظيم
ونؤمن أن العرش خلق عظيم من خلق الله، بل هو من أعظم مخلوقاتـه، وإذا وصفه العظيم بأنه عظيم فهو - حقًّا - عظيمٌ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩﴾ [النمل: 26]. ووصفه بأنه مجيد، فقال المولى عز شأنه: ﴿ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ﴾ [البروج: 15]، قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره: (واختلفت القراء في قراءة قوله: (المجيد) فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة وبعض الكوفيين رفعاً، رداً على قوله: (ذو العرش) على أنه من صفة الله تعالى ذكره. وقرأ ذلك عامه قراء الكوفة خفضاً، على أنه من صفة العرش. والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. جامع البيان (24/ 346). وهو مع عظمته مخلوق مربوب، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: 86]. وقال صلى الله عليه وسلم: «...وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الماء». (أخرجه الترمذي (3109)، وابن ماجه (182)، والطيالسي (1189)، وأحمد (16188) وابن أبي عاصم في السنة (625).) وله قوائمُ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ». (أخرجه البخاري (3398)، ومسلم (2374)، وأبو داود (4668).)
والعرش فوق السموات، والله فوق العرش، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا - وَقَالَ بِإِصْبُعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ». (أخرجه أبو داود (4726)، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (24)، وابن أبي عاصم في السنة (587)، وابن خزيمة في التوحيد (147).) وفي رواية: «إِنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ». (أخرجه أبو داود (4726)، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (24)، وابن أبي عاصم في السنة (588)، وابن خزيمة في التوحيد (147).)
ونؤمن أن تحت العرش من الكنوز الربانية ما لا يقدر قدره إلا الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «وَأُعْطِيتُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي». (أخرجه مسلم (522) دون موطن الشاهد، والطيالسي (418)، وابن أبي شيبة في المصنف (32306)، وأحمد (23251) واللفظ له. وغيرهم.)
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع، وذكر منها: «وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ». (أخرجه البزار (3966)، وابن أبي شيبة في المصنف (35491)، وهناد في الزهد (1013)، وأحمد في المسند (21415) واللفظ له، وفي الزهد (401).)
ونؤمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يسجد تحت العرش يوم القيامة حتى يشفع الشفاعة العظمى، ففي حديث الشفاعة الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عز وجل، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، ...». (أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194)، والترمذي (2434)، وابن ماجه (3307).)
ونؤمن أن أرواح الشهداء تأوي إلى قناديلَ معلقةٍ في ظل العرش، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ...». (أخرجه أبو داود (2520)، وابن المبارك في الجهاد (62)، وابن أبي شيبة (19678)، وأحمد (2388).)
وقيل لابن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه». (الرد على الجهمية، للدارمي (ص: 47)، والأسماء والصفات، للبيهقي (2/336)، والفتوى الحموية الكبرى (ص: 333)، وشرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: 219).)
وقال الإمام الدارمي رحمه الله: «فالله تبارك وتعالى فوق عرشه، فوق سمواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلْمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد، ولا يبعد عنه شيء؛ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} [سبأ: 3]. سبحانه وتعالى عما يصفه المعطلون علوًّا كبيرًا». (الرد على الجهمية (ص: 47).)
ونؤمن أن العرش تحمله الملائكة، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [غافر: 7]. وقال تعالى: ﴿وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ﴾ [الحاقة: 17].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض صفات حملة العرش فقال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ». (أخرجه أبو داود (4727)، والطبراني في الأوسط (1709)، وأبو الشيخ في العظمة (476)، وابن شاهين في الفوائد (19).)
ونؤمن أن الملائكة تحفُّ بعرش الرحمن، قال الحق: ﴿وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الزمر: 75].
والعرش مع الكتاب المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (أخرجه البخاري (3194)، ومسلم (2751)، والترمذي (3543)، وابن ماجه (189، 4295).) هما أعلى المخلوقات، قال صلى الله عليه وسلم: «... فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّة». (أخرجه البخاري (7423).)
ونؤمن أن الله مُسْتَوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقال الحق جل في علاه: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا﴾ [الفرقان: 59].
وقد سـئل ربيعة الرأي عن قـول الله تبارك وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]: كيف استوى؟ قال: «الكيف مجهـول، والاستواء غير معقول، ويجب عليَّ وعليكم الإيمانُ بذلك كله». (الأسماء والصفات للبيهقي (2/306)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/582).)
وجاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبدالله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكًا وجد من شيء كوَجْدِهِ من مقالته، وعلَاه الرُّحَضَاءُ، وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم سُرِّي عن مالك، فقال: «الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا، ثم أمر به، فأخرج». (الرد على الجهمية، للدارمي (ص: 66)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/441)، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/325)، والاعتقاد، للبيهقي (ص: 116)، وشرح السنة، للبغوي (1/171). والأسماء والصفات، للبيهقي (2/306).)
وكان الإمام أحمد يقول في معنى الاستواء: «هو العلو والارتفاع، ولم يزل الله تعالى عاليًا رفيعًا قبل أن يخلق عرشه، فهو فوق كل شيء، والعالي على كل شيء، وإنما خصّ الله العرش لمعنًى فيه مخالفٍ لسائر الأشياء، والعرش أفضل الأشياء وأرفعها، فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى؛ أي: عليه علا... وحكي عن عبدالرحمن بن مهدي عن مالك: أن الله تعالى مستوٍ على عرشه المجيد كما أخبر، وأن علمه في كل مكان». (العقيدة رواية أبي بكر الخلال (ص: 108).)
وربوبية الله سبحانه وتعالى للعرش دليل على استحقاقه للعبادة دون من سواه، فقال الله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: 86]، وقال المولى عز شأنه: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء: 42].
بــاب خـــلق الــمـــاء
ونؤمن بأن الله جل في عـلاه خلق الماء قبل أن يخلق السماء والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ»، (أخرجه مسلم (2713)، وأبو داود (5051)، والترمذي (3400)، وابن ماجه (3831).) وجعل الله من الماء كل شيء حيٍّ، قال الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]، وأن الله جعله آية من آيات ربوبيته وألوهيته، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 22].
وقال عزَّ من قائل: ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ [الرعد: 4]، وقال تعالى: ﴿۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا * وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا} [الفرقان: 53، 54]؛ فجعل من الماء بحرين مختلفين، وجعل بينهما حِجْرًا وبرزخًا، فلا يبغي أحدهما على الآخر، كما جعل من الماء بشرًا، وجعل من البشـر نسبًا وصهرًا، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأمثال هذه الآيات كثير.
كما جعله الله دليلًا على البعث، فقال جل من قائل: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: 39].
وجعله جندًا من جنوده، فنصر به أولياءه، قال المولى عز شأنه: ﴿إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ﴾ [الأنفال: 11]، وخذل به أعداءه، قال الولي الحميد: ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ * فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ * وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ} [القمر: 10-12]، إلى غير ذلك من الأحوال التي جعل الله فيها الماء سببًا لنصرة أوليائه أو خِذلان أعدائه.
بــاب خلق القلم
ونؤمن أن الله خلق القلم الذي كتب القَدَر، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». (أخرجه أبو داود (4700)، والترمذي (2155، 3319)، والطيالسي (578)، وأحمد (22705، 22707)، وابن أبي عاصم في السنة (115).)
ونؤمن أن الأقلام متعددة، قال صلى الله عليه وسلم -وهو يخبر عن الإسراء والمعراج: «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ». (أخرجه البخاري (349)، ومسلم (163).)
وتكرر في القـرآن والسنة الخبر عن كتابة الملائكة لأفعال العباد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ * كِرَامٗا كَٰتِبِينَ * يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ} [الانفطار: 10 -12].
وقال تعالى: ﴿إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ * مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: 17، 18].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ [يونس: 21]
وقال تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80].
وفي «الصحيح» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». (أخرجه البخاري (4948)، ومسلم (2647)، وأبو داود (4694)، والترمذي (2136، 3344)، وابن ماجه (78).)
وقال -أيضًا: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا». (أخرجه البخاري (42، 7501)، ومسلم (128، 129، 130)، والترمذي (3073).)
بــاب خلق الكرسي
ونؤمن أن الكرسي هو أعظم المخلوقات بعد العرش، قال الله تعالى مبيِّنًا عظمته: ﴿وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ﴾ [البقرة: 255].
والكرسي بين يـدي العرش، وهو موضع القدمين، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هـذه الآية: «الكرسيُّ موضع القدمينِ، والعرشُ لا يُقدّرُ أحدٌ قدرهُ». (أخرجه الدارقطني في الصفات (36) مرفوعًا وموقوفًا. وأخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على بشر المريسي (84، 89)، وعبدالله ابن أحمد في السنة (586)، وابن خزيمة في التوحيد (154)، وأبو الشيخ في العظمة (216، 217).) وقال صلى الله عليه وسلم: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة». (أخرجه ابن حبان (361)، وفي المجروحين (3/ 130)، والطبراني في الكبير (1651)، وفي المكارم (1)، والآجري في الأربعين (40)، وأبو الشيخ في العظمة (259)، وأبو نعيم في الحلية (1/18 و 166 - 168)، والبيهقي في الأسماء (ص: 510 - 511)، وفي الشعب (4325 و 7668)، وابن عبدالبر في التمهيد (9/199). وهو حديث طويل، وحديثنا هنا جملة منه، والحديث له طرق كثيرة لكنها ضعيفة لا تصح، وقد ذكر العقيلي بعض هذه الطرق وأشار إلى ضعفها، وذكرها أيضًا ابن عدي وقال: «هذا حديث منكر من هذا الطريق عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر، وهذا الحديث ليس له من الطرق إلا من رواية أبي إدريس الخولاني والقاسم ابن محمد عن أبي ذر والثالث حديث ابن جريج وهذا أنكر الروايات»، لكن هذا الحديث مشهور، ولم يرو غيره مرفوعًا في الكرسي، ولهذا أوردناه مع ضعفه ونكارته.)
كما أخرج البيهقي عن العباس بن محمد قال: سمعت أبا عبيد يقول: «هذه الأحاديث التي يقول فيها: ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ، وإن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك قدمه فيها، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حق، حملها بعضهم عن بعض، غير أنَّا إذا سُئلْنا عن تفسيرها لا نفسرها، وما أدركنا أحدًا يفسرها». (الأسماء والصفات، للبيهقي (2/ 198).)
بــاب خلْق السموات والأرض
ونؤمن أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام من أيام الله، وما مسَّه من تعبٍ ولا لُغوبٍ، قال المولى عز شأنه: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ﴾ [ق: 38]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30]، وقال الحق جل في علاه: ﴿۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِين * ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ} [فصلت: 9-12].
وقال المولى عز شأنه: ﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا * رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ * أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا * وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا * مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ} [النازعات: 27-33].
ونؤمن أن الله رفع السموات بغير عمد، قال الحق جل شأنه: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: 10].
ونؤمن أن الله تعالى يمسك السموات والأرض أن تزولا، قال تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [فاطر: 41].
ونؤمن أنه سبحانه الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، قال تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [الحج: 65].
ونؤمن أن الله سبحانه وتعالى يدبِّر أمر هذه المخلوقات، ويحفظها، ولا يؤوده ذلك، قال الحق: ﴿وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
ونؤمن أن الله خلق هذه المخلوقات العظيمة لِحِكَمٍ عظيمة لا يُحاط بها، وقد أتقن الله خلقها وصُنْعها، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النمل: 88]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ﴾ [الدخان: 38]، وقال الحق جل شأنه: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ * وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ * وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ} [الحجر: 19-21].
وقد احتجَّ الله بخلقه للسموات والأرض على ربوبيته المستلزمة لألوهيته، فقال عز شأنه: ﴿أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ﴾ [النمل: 60]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [العنكبوت: 63].
ونؤمن أن الله جعل الأرض مكانًا للابتلاء، فقال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7]، كما جعلها مستقرًّا ومعاشًا وكِفاتًا، قال تعالى: ﴿۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه: 55]. وقال جل شأنه: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا * أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا} [المرسلات: 25، 26].
ونؤمن أن هذا الكون العظيم يمجِّد الله رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [الإسراء: 44]، ويخضع لعظمته، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11].
ويفْرق هذا الكون، ويخاف من تطاول العباد على الرب سبحانه وتعالى، قال المولى عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا} [مريم: 90، 91].
بــاب خلق الشمس والقمر
ونؤمن أن الله خلق الشمس والقمر، قال الحق: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33].
ونؤمن أن الشمس والقمر يجريان، كما أخبر الله عن ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ * وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ * لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} [يس: 38-40]، فتبارك الله أحسن الخالقين.
ومن رحمته بعباده أن جعلهما مسخراتٍ بأمره؛ لتحقيق منافع العباد، قال الحق جل في علاه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: 33]، وقال تعالى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: 54].
وقد خلق الله تعالى الشمس والقمر لحكم عظيمة لا يُحاط بها، ومن تلكم الحكم ما جاء في قول الحق عز شأنه: ﴿فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96]، يعني: عدد الأيام والشهور والسنين. (تفسير الطبري (11/ 558).) وقال الله تعالى أيضًا في بيان بعض حكم خلق الشمس والقمر: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس: 5].
ونؤمن أن الله جعلهما من آياته العظيمة الدالة على ربوبيته المستلزمة لألوهيته، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]. وفي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَه». (أخرجه البخاري (1048)، والنسائي (1459).)
ونؤمن أن الشمس والقمر يسجدان لله رب العالمين -كما تسجد بقية المخلوقات- قال الحق جل شأنه: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩﴾ [الحج: 18].
ونؤمن بأن الشمس تسجد تحت العرش في كل يوم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فعن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا. وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ، فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم } [يس: 38]». (أخرجه البخاري (3199)، ومسلم (159)، وأبو داود (4002)، والترمذي (2186، 3227).)
بــاب خلق النجوم
ونؤمن أن الله خلق النجوم والكواكب لحكم عظيمة، منها ما ذكره الحق جل في علاه في قوله: ﴿وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ [النحل: 16]، قال قتادة رحمه الله: «والعلامات: النجوم، وإن الله تبارك وتعالى إنما خلق هذه النجـوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهْتَدَى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك: فقَدَ رأيهُ، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به». (تفسير الطبري (17/ 185).)
وعن أبي موسى رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ. قَالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ، أَوْ أَصَبْتُمْ»، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». (أخرجه مسلم (2531).)
وقـال الحق جـل شأنه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا تبارك وتعالى اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ». قَالَ: «فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَـذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَـوْنَ بِهِ، فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ». (أخرجه مسلم (2229).)
وكان الشياطين يسترقون السمع، فلما بُعث نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم مُنِعوا مقاعدهم من السمع، قال المولى عز شأنه مخبرًا عن ذلك: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا﴾ [الجن: 9]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ * وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ * لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ * دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ} [الصافات: 6-10].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ الجِنُّ يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ، فَإِذَا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زَادُوا فِيهَا تِسْعًا، فَأَمَّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وَأَمَّا مَا زَادُوهُ فَيَكُونُ بَاطِلًا، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنِعُوا مَقَاعِدَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ، وَلَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ: مَا هَذَا إِلَّا مِنْ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ فِي الأَرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ، فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ -أُرَاهُ قَالَ: بِمَكَّةَ- فَلَقُوهُ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ فِي الْأَرْضِ». (أخرجه الترمذي (3324)، وأحمد (2482)، والنسائي في الكبرى (11562)، وأبو يعلى (2502).)
ونؤمن أن النجوم والكواكب لا تنفع ولا تضر، ولا تؤثر في الحوادث السماوية والأرضية، ومن اعتقد أنها مؤثرة بذاتها فقد كفر أو أشرك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ»، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم} [الواقعة: 75]، حَتَّى بَلَغَ{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} [الواقعة: 82]». (أخرجه مسلم (73).)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي فِي آخِرِ زَمَانِهَا إِيمَانٌ بِالنُّجُومِ، وَتَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ، وَحَيْفُ السُّلْطَانِ». (أخرجه الروياني (1245)، والطبراني في الكبير (8113).)
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ». (أخرجه أبو داود (3905)، وابن ماجه (3726)، وابن أبي شيبة (26159)، وأحمد (2000)، وعبد بن حميد (714).)
فلا يجوز تعلُّم النجوم إلا بقدر ما يُهْتَدى به في برٍّ أو بحر؛ لأن تعلُّمَها يدعو إلى الكهانة، فعن سعيد بن جبير قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، أَوْصِنِي. فَقَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَذِكْرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ. وَإِيَّاكَ وَعَمَلَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى كَهَانَةٍ. وَإِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ، وَأَنْ يُزَكَّى عَمَلُهُ، وَيُقْبَلَ مِنْهُ، فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهُ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ، وَلْيُسْلِمْ صَدْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ». (أخرجه ابن بطة في الإبانة (1987).)
بــاب خلق الـملائكة
ونؤمن أن الله خلق الملائكة من نور، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». (أخرجه مسلم (2996).)
وجعل الله الملائكة متفاوتين في الخلق، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [فاطر: 1].
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل، وأن له ست مائة جناح؛ وأنه عظيم الخَلْق؛ فعن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت زرَّ بن حبيش عن قول الله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 9، 10] قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ»، (أخرجه البخاري (3232)، ومسلم (174)، والترمذي (3277).) وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ، وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الأُفُقِ». (أخرجه البخاري (3234)، ومسلم (177)، والترمذي (3068).)
وسنفصِّل القول في الحديث عن الملائكة في كتاب الإيمان بالملائكة، بإذن الله، واقتصر الحديث هنا عن خلقهم فقط.
بــاب خلق الجن والشياطين
ونؤمن أن الله خلق الجانَّ من مارج من نار، قال الحق جل شأنه: ﴿وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ﴾ [الحجر: 27]، وقال أيضًا: ﴿وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ [الرحمن: 15]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ عليه السلام مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». (أخرجه مسلم (2996).)
ونؤمن أن الله خلق الجن والإنس لعبادته سبحانه وتعالى، قال الله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. والجن يكون فيهم نُذُرٌ، ولا يكون فيهم رسل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر». (تفسير ابن كثير (3/340).)
وأما قوله تعالى {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} ، فالمقصود: أي من جملتكم وليس من جميعكم، فهو كَقَوْلِهِ تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} ، وَقَوْلِهِ: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} مع أن العاقر واحد منهم.
ونؤمن أن خلق الجن متقدِّم على خلق آدم؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ﴾ [الحجر: 27]، ورأس الشياطين إبليس -أعاذنا الله منه- خلقه الله من نار كما خلق سائر الجن والشياطين، قال تعالى مخبرًا عن إبليس أنه قال: ﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ [الأعراف: 12]، وأن إبليس كان من الجن، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50].
وإبليس هو الذي أغوى الأبوين عليهما السلام حتى أخرجهما من الجنة، حيث وسوس لهما، وأقسم لهما إنه لمن الناصحين، فدلَّاهما بغرور، فأكلا من الشجرة، قال الحق: ﴿وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ * فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ * فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [الأعراف: 19-23].
ونؤمن أن الشيطان استكبر عن السجود، فغضب الله عليه، ولعنه، وطرده من جنة الخلد، وأنه طلب من الله أن ينظره إلى يوم القيامة؛ فأنظره الله، وأنه أقسم بعزة الله ليفتنن جميع بني آدم إلا عباد الله المخلصين، قال الحق مخبرًا عن كيده: ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ * فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ * إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ * قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ * قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ * قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ * وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ} [ص: 71-83]. وقال الشيطان كما أخبر الله عنه: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم * ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ} [الأعراف: 16، 17].
والجن مخاطبون بالشرائع، ومكلفون، ولهم القدرة على سماع الوحي وفهمه من الرسل ومن النذر؛ ولذا قالوا لما سمعوا القرآن، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الأحقاف: 29، 30].
ونعلم أن الجن منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، فمن آمن منهم فمآله الجنة، ومن كفر منهم فمآله النار، قال الحق جل في علاه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا﴾ [الجن: 11]، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا * وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا} [الجن: 14، 15].
وقال تعالى مخبرًا عن تبكيت الملائكة للفجار من الإنس والجن يوم القيامة: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا} [الأنعام: 130]، وقال تعالى أيضًا: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: 38].
وبيَّن الحق سبحانه وتعالى أن سبب دخولهم النار هو عدم سماعهم للهدى سماع قَبُولٍ، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: 179]، ودلت هذه الآية على أن للجن قلوبًا وآذانًا وعيونًا. وللشياطين أصوات يستفزون بها الخلق، قال الحق جل في علاه: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64].
وقد وعظ الله البشر؛ لئلا يغرهم الشـيطان كما غرَّ أبويهـم، قال المولى عز شأنه: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27].
ونؤمن أن الشيطان -مع علمه أنه لا يستطيع إغواء عباد الله المخلصين- يحاول هو وجنوده إغواءهم وإفساد عباداتهم عليهم، قال المولى عز شأنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112]. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي»، قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا، (أخرجه البخاري (461)، ومسلم (541).) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ»، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ». (أخرجه مسلم (2814).)
وعن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ، فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ». (أخرجه النسائي (3134) وفي الكبرى (4327)، وابن أبي شيبة (19675)، وأحمد (15958)، وابن حبان (4593).)
وإذا كان الخبيث لا ييأس من التسلُّط على الأنبياء عليهم السلام، فغيرهم من باب أَوْلَى، فعن أبي العلاء أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا». قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي. (أخرجه مسلم (2203).)
وفي «صحيـح البخاري»: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». (أخرجه البخاري (2038، 7171).) وبوَّب ابن بطة رحمه الله لهذا المعنى في كتابه «الإبانة»، فقال: «باب الإيمان بأن الشيطان مخلوق مُسَلَّط على بني آدم يجري منهم مجرى الدم إلا من عصمه الله منه، ومن أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (4/61).)
ونعلم أن ابن آدم يتوارد عليه وارِدٌ من الملك، ووارِدٌ من الشيطان، وبيَّن لنا نبينا صلى الله عليه وسلم كيف نتقي وارد الشيطان، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} الآيَةَ [البقرة: 268]». (أخرجه الترمذي (2988)، وابن المبارك في الزهد (1435)، وأحمد في الزهد (854)، وأبو داود في الزهد (164).)
ونؤمن أن الله يحفظ عباده المؤمنين من كيد الشياطين ما داموا يستغفرون، ففي «المسند»: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي». (أخرجه أحمد (11237)، وعبد بن حميد (932)، وأبو يعلى (1273، 1399)، والطبراني في الأوسط (8788)، وفي الدعاء (1779).)
ونعلم أن الشيطان يتمثل بصورة الآدمي أو بما يأذن الله له فيه من الصور، ففي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْـكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ». ( أخرجه البخاري (3275، 5010)، معلقًا عن شيخه عثمان بن الهيثم في الموضعين.)
وقد كان أهل الجاهليـة -لفرط جهلهم- يعوذون بسادات الجن، فلا يزيدهم ذلك إلا خوفًا ورهقـًا، قال الله تعالى مخبرًا عن ذلك: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ [الجن: 6].
ونؤمن أن عُبَّاد الأوثان إنما يعبدون الجن، قال تعالى مخبرًا عن حقيقة معبوداتهم: ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ * قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ} [سبأ: 40، 41].
ونعلم أن الشـيطان يغـري الإنسان بالكفر، ثم يتخلى عنه في الدنيا، كما قـال تعالى مخبرًا عنه: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الحشر: 16]، وكما يغريه بالكفر يغريه بالسحر، ويعلّمه إياه، قال الحق مخبرًا عن ذلك: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ﴾ [البقرة: 102].
ونعلم أن الشيطان يتخلى عن أوليائه في الآخرة، ويلومهم على اتباعهم له، قال الحق مخبرًا عن الشيطان أنه يقوم خطيبًا فيهم في نار جهنم: ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [إبراهيم: 22].
بــاب خلق الإنسان
ونؤمن أن الله أخبر ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة لعمارتها بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]، وبيَّن الحق أنه خلق آدم من تراب، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ. جَاءَ مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ». (أخرجـه أبو داود (4693)، والترمذي (2955)، وعبدالرزاق في التفسـير (41)، وأحمد (19582)، والبـزار (3025، 3026).) وهذا التراب جعله الله طينًا، ثم خلقه أطوارًا، قال الحق: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ * وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ * وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ * فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ} [الحجر: 26-30]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ﴾ [المؤمنون: 12]. وقال المولى عز شأنه: ﴿فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ﴾ [الصافات: 11].
وقال الإمام أحمد رحمه الله - بعد أن ساق الآيات التي ورد فيها ذكر خلق آدم عليه السلام : «نقول: هذا بدء خلق آدم، خلقه الله أول بدئه من تراب، ثم من طينة: حمراء، وسوداء، وبيضاء، ومن طينة طيبة وسبخة، فلذلك ذريتهُ طيبٌ، وخبيث، أسود وأحمر وأبيض، ثم بلَّ ذلك التراب فصار طينًا، فذلك قوله: {مِّن طِين} فلما لصق الطـين بعضه ببعض، فصارطينًا لازبًا - يعني لاصقًا - ثم قال: {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين} ، يقول: مثلُ الطين، إذا عُصر انسلَّ من بين الأصابع، ثم نتن فصار حمأً مسنونًًا، فخلق من الحمأ، فلما جفَّ صار صلصالًا كالفخار، يقول: صار له صلصلة كصلصلة الفخار، يقول: له دويٌّ كدويِّ الفخار. فهذا بيان خلق آدم. وأما قوله: {مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِين} [السجدة: 8]، فهذا بدء خلق ذريته، من {سُلاَلَةٍ} يعني النطفة إذا انسلَّت من الرّجل، فذلك قوله: {مِّن مَّاء} ، يعني النطفة، {مَّهِين} يعني: ضعيف». (الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 179-180) ط/ دغش العجمي.)
ونؤمن أن الله خلق آدم بيده الشريفة، وأسجد له ملائكته، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ} [الحجر: 29، 30]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يَجْتَمِعُ المؤمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ». (أخرجه البخاري (4476)، ومسلم (193)، وابن ماجه (4312).)
ونؤمن بأن الله خلق آدم عليه السلام على صورته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا»، (أخرجه البخاري (6227)، ومسلم (2841).) وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، (أخرجه البخاري (2559)، ومسلم (2612) واللفظ له.) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ، وَلَا يَقُلْ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ». (أخرجه عبدالرزاق (17952)، والحميدي (1153)، وأحمد (7420)، والبخاري في الأدب المفرد (173)، وابن أبي عاصم في السنة (531).)
ونؤمن أن الله خلق لآدم من نفسه زوجًا ليسكن إليها، وهي حواء، قال الحق جل في علاه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]. وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ﴾ [النساء: 1].
ونؤمن أن الله خلق آدم وحواء، وأسكنهما الجنة، قال تعالى: ﴿وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا﴾ [البقرة: 35]، ونهاهما عن الأكـل من الشجرة فوسوس لهما الشـيطان -حسدًا لهما- فأكلا منها، فأخرجهما الله من الجنة، وأهبطهما إلى الأرض، قال الحق مخبرًا عن ذلك: ﴿وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ * فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ * فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ * قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ * قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ} [الأعراف: 19-25].
ونؤمن أن الله جعل آدم خليفة في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
وقد ابتلاه فنسي ثم عصى، ثم اجتباه ربه وهداه، قال الحق: ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا﴾ [طه: 115]، ثم تلقى آدم من ربه كلمات، فكانت سببًا لمغفرة الله له وتوبته عليه، قال المولى عز شأنه: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ * قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} [البقرة: 37، 38].
ونؤمن أن كل ذلك قد كتبه الله على آدم قبل أن يخلقه بأربعين سنة، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» ثَلَاثًا. (أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701)، والترمذي (2134)، وابن ماجه (80).)
ونؤمن أن بدء خلق ذرية آدم هو كما أخبر الله عنه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ﴾ [الحج: 5]، وقال الحق جل شأنه: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ * ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ * ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [المؤمنون: 12-14]. وعن عبد الله رضي الله عنه قال: حدثنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ». (أخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643)، وأبو داود (4708)، والترمذي (2137)، وابن ماجه (76).)
وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم كيف ينزع الولد تارة إلى أبيه، وتارة إلى أمه، حينما سأله عبدالله بن سلام فقال: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ المشرِقِ إِلَى المغربِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الحُوتِ، وَأَمَّا الوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المرأةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المرأةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الوَلَدَ». قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. (أخرجه البخاري (3938).)
ونؤمن أن الناس كلهم من ذرية آدم، وآدم من تراب، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال الحق جل شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ...». (أخرجه أبو داود (5116)، والترمذي (3956)، والمعافى بن عمران في الزهد (147)، وابن وهب في الجامع (30)، وأحمد (8736).)
ونؤمن أن الله خلق آدم من تراب، وخلق له من نفسه زوجًا هي حواء عليهما السلام، وخلق بقية البشر من ماء مهين، إلا عيسى عليه السلام فقد خلقه الله من أم بلا أب، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ * قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 45-47].
ونؤمن بأن عيسى عليه السلام - وإن كان خلقه عجيبًا - فهو عبدالله ورسوله، قال الحق جل شأنه: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الزخرف: 59]، فهو بشر من البشر، يأكل الطعام، وليس بإله، قال الله تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].
ونجد في كتاب ربنا أن الله رد على من زعم أن المسيح إله بأدلة كثيرة، ومن هذه الأدلة: قول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]، وقوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 17].
ونؤمن أن الله خلق الناس على الفطرة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30]. قال ابن زيد، ومجاهد، وعكرمة: الفطرة: الإسلام. (تفسير الطبري (20/98).)
وقال ابن عبـاس رضي الله عنهما، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}: «أي: لدين الله». وبوّب البخاري في «صحيحه»، فقال: «باب {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لدين الله، {خُلُقُ الأَوَّلِين}: دين الأولين، والفطرة: الإسلام».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَـةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟». ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ [الروم: 30]». (أخرجه البخاري (4775)، ومسلم (2658)، وأبو داود (4714)، والترمذي (2138).)
وعن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا...». (أخرجه مسلم (2865).)
ونؤمن أن الله خصم منكري البعث بأن ذكّرهم ببداية خلقهم من تراب، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ * قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78، 79].
كما ذكّرهم بأنه خلقهم من ماء مهين، فكيف يسـتكبرون على ربهم، ويسـتبعدون نشـرهم وحشرهم؟! قال الحـق جل جلاله: ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ * ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ * ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ * وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ * ۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ} [السجدة: 7-11].
ونؤمن أن خَلْقَ الله تعالى للعباد دليل على أنه وحده المستحق للعبادة، قـال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].
كما أخبرنا الله في القرآن الكريم أن نوحًا ذكَّر قومه بأن الله خلقهم أطوارًا، فكيف لا يرجون له وقارًا؟! قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا * وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا} [نوح: 13، 14].
وللإنسان أحـوال في البرزخ وفي الدار الآخرة سـيأتي تفصيلها -إن شاء الله- في كتاب الإيمان باليوم الآخر.
بــاب خلق الروح
ونعلم أن الروح من أمر الله، وأن البشر لا يعلمون من شأنها إلا ما أطلعهم الله عليه، قال الحق جل شأنه: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 85]، وعن عبدالله رضي الله عنه قال: «بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ اليَهُودُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ: مَا رَأْيُكُمْ إِلَيْهِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ، قَالَ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ». (أخرجه البخاري (4721)، ومسلم (2794)، والترمذي (3141).)
ونؤمن أن الأرواح مخلوقة، قال الحق جل شأنه: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر: 62]. ولما أتمّ الله خلق آدم عليه السلام نفخ فيه من روحه، قال المولى عز شأنه: ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]. وإذا تم الجنين في بطن أمه أربعـة أشهر أرسـل الله إليه الملك، فنفخ فيه الروح، فعن عبدالله رضي الله عنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ الصَّادِقُ المصدُوقُ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»، (أخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643)، وأبو داود (4708)، والترمذي (2137)، وابن ماجه (76).) إلا المسيح عليه السلام فكان بدء حمله من نفخة الملك، قال الحق - وقوله الحق: ﴿وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النساء: 171].
ونؤمن أن الأرواح تقبض أثناء النوم، ثم تعاد إلى الجسد، قال الحق جل شأنه: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42].
وعن عبدالله ابن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه قال: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ»، قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟» قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ». (أخرجه البخاري (595)، وأبو داود (439، 440)، والنسائي (846).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. (أخرجه البخاري (6320)، ومسلم (2714)، وأبو داود (5050)، والترمذي (3401)، وابن ماجه (3874).)
ونؤمن أن الروح تفارق البدن عند الموت، قال الحق: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 57]. فهي تفارق البدن مفارقة تامة بالموت، ويتبعها البصر، فعن أم سلمة قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ...»، (أخرجه مسلم (920)، وأبو داود (3118)، وابن ماجه (1454).) فهي لا تموت كموت البدن، وإنما موتها مفارقة البدن.
ونؤمن أن الملائكة تستخرج الأرواح من الأبدان عند الموت، ويقع عليها النعيم أو العذاب، قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُون} [الأنعام: 93].
فالملك يستخرج النفس، ثم يقع عليها العذاب أو النعيم، كما يقع على الجسد، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عليه السلام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ». قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ»، قَالَ: «فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ - يَعْنِي: بِهَا - عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى». قَالَ: «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ...». (أخرجه أبو داود (3212)، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1548) وأبو داود الطيالسي (789)، وعبدالرزاق (6324، 6737)، وأحمد (18534) واللفظ له.) فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الروح تخرج، وتسيل، وتُقبض، وتُكفن، ويُعرج بها، وتُعاد، وهذا كله شأن المخلوق.
ونؤمن أن الأرواح بعد مفارقة البدن، تستقر في نعيم أو عذاب إلى يوم القيامة، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عز وجل إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (أخرجه النسائي (2073)، والترمذي (1641)، وابن ماجه (4271)، وعبدالرزاق في التفسير (484، 2681)، والحميدي (897)، وأحمد (15776، 15777).)
وعن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. قَـالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ...». (أخرجه مسلم (1887)، والترمذي (3011)، وابن ماجه (2801).)
كتاب الدِّين
ملخص الكتاب
ونؤمن أن الله رضي الإسلام دينًا، وهو دين كل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو الميثاق الذي أخذه الله على آدم وذريته.
ونؤمن أن هذا الإسلام هو وصية إبراهيم عليه السلام لبنيه، وهو وصية يعقوب عليه السلام لبنيه أيضًا، وهو أحسن الأديان وأكملها وأتمها، وأن الله لا يقبل دينًا سواه.
ونؤمن أن هذا الدين هو الدين الذي نزل به جبريل الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم، وله مراتب هي: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ولكلٍّ منها أركان.
وأن هذا الدين جامع لكل خير، شامل لأعمال القلوب والجوارح.
ونعلم أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأن أهله يتفاضلون في أعمالهم. ونؤمن أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ونشهد أن أهل الإيمان هم أهل الفوز في الدنيا والآخرة، وأن أهل هذا الدين الحق، مآلهُم الجنة على اختلاف درجاتهم ومراتبهم.
ونعلم أنه قد تواردت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على الأمر بلزوم السنة والتمسُّك بها، والتحذير من مخالفة ذلك كما نهت عن التفرُّق والاختلاف.
بــاب إنَّ الـدين عند الله الإسلام
ونؤمن أن الله رضي الإسلام دينًا، قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]. وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19]، وهو دين جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام أنه قال: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين} [يونس: 72]، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾.
ونؤمن أن الله تعالى قد أكمل لنا الدين، فليس فيه نقص بوجه من الوجوه، قال سبحانه وتعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، وهو أحسن الأديان وأكملها، وأتمها، وهذا الدين هو الحنيفية، ملة إبراهيم عليه السلام ، قال الحق جل شأنه: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [البقرة: 130]. وقال الحق جل شأنه وتقدست أسماؤه في إبراهيم الخليل عليه السلام : ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ»، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ [الروم: 30]. (أخرجه البخاري (1385)، ومسلم (2658)، وأبو داود (4714)، والترمذي (2138).) وهو الميثاق الذي أخذه الله على آدم وذريته، قال الحق جل شأنه: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 172].
ونؤمن أن الله لا يقبل دينًا سواه قال المولى سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
بــاب الإسلام
ونؤمن أن هذا الدين هو الدين الذي نزل به جبريل الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن له مراتبَ هي: الإسلام والإيمان والإحسان، ولكل منها أركان، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». (أخرجه مسلم (8)، وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه (63).)
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام في أحاديث أخرى، فقال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16)، والترمذي (2609)، والنسائي (5001).) وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». (أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11)، وأبو داود (391)، والنسائي (458).)
وقال الحق جل شأنه: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. وقال عز من قائل: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [التوبة: 5]، وقال الحق سبحانه وتعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]. وقال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (أخرجه البخاري (25)، ومسلم (22).)
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». (أخرجه البخاري (11)، ومسلم (42)، والترمذي (2504)، والنسائي (4999).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا». (أخرجه البخاري - معلقًا- (41)، والنسائي (4998).)
بــاب الإيمان
ونؤمن أن المرتبة الثانية من مراتب الدين هي: الإيمان، وهو كما جاء في جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام حينما سأله عن الإيمان قال: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، ... قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». (أخرجه مسلم (8)، وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه (63).)
والإيمان وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد فسره في حديث جبريل عليه السلام السابق بمعنى خاص وهو قوله: «تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»؛ إلا أنه يأتي أيضًا بمعنى أعم فهو جامع لكل خير، شامل لأعمال القلوب والجوارح، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} [الأنفال: 2-4].
وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبدالقيس بالشعائر الظاهرة، ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ -أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟-» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المغنَمِ الخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: «عَنِ الحَنْتَمِ، (الحنتم: جرار مدهونة كانت تحمل فيها الخمر. النهاية في غريب الحديث (448/1).) وَالدُّبَّاءِ، (الدباء: القرع، وكانوا ينتبذون فيها فتسرع الشدة في الشراب. النهاية في غريب الحديث (96/1).) وَالنَّقِير، (النقير: أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينبذ فيه التمر ويلقى عليه الماء؛ ليصير نبيذًا مُسْكرًا. النهاية في غريب الحديث (104/5)) وَالمزفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المقيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ». (أخرجه البخاري (53)، ومسلم (17)، وأبو داود (3692)، والترمذي (2611)، والنسائي (5031).)
وبوّب البخاري رحمه الله في «صحيحه» بابًا لهذا، فقال: «باب أمور الإيمان، وقول الله تعالى: ﴿۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]».
ونؤمن أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، قال صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». (أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35) واللفظ له، وأبو داود (4676)، والترمذي (2614)، والنسائي (5005)، وابن ماجه (57).)
ونؤمن أن أهل الإيمان يتفاضلون في أعمالهم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ -شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟!». (أخرجه البخاري (22)، ومسلم (184).)
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ». (أخرجه البخاري (23)، ومسلم (2390)، والترمذي (2285) وفيه عن بعض أصحاب النبي، والنسائي (5011).)
ونؤمن أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال تعالى: ﴿نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى﴾ [الكهف: 13]، وقال: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». (أخرجه البخاري (44)، ومسلم (193)، والترمذي (2593).)
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن عدي: «إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ». (أخرجه البخاري -معلقًا- (1/ 10)، وابن أبي شيبة في المصنف (31084) وفي الإيمان (135)، والخلال في السنة (1162، 1553)، وابن بطة في الإبانة (1166)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1572).)
وكان معمر، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». (الإبانة الكبرى (2/806)، والشريعة، للآجري (2/606).)
وقال الحافظ أبو بكر عبدالله بن الزبير الحُميديُّ: «.. وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة». (أصول السنة للحميدي (ص: 37).)
وقال الخلال: «أخبرني عبدالملك الميموني قال: قال لي يعلى بن عبيد منذ أكثر من ستين سنة: الإيمان قول وعمل، وإن الذي يصوم ويصلي ويفعل الصالحات أكثر إيمانًا من الذي يسرق ويزني». (السنة، لأبي بكر بن الخلال (3/590).)
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار -حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا- فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 198)، وعقيدة السلف - مقدمة ابن أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة (ص: 29).)
وقال اللالكائي: «الإيمان قول وعمل، وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وعبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون، والليث بن سعد، والأوزاعي، وسعيد بن عبدالعزيز، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وفضيل بن عياض، ونافع بن عمر الجمحي، ومحمد بن مسلم الطائفي، ومحمد بن عبدالله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، والمثنى بن الصباح، والشافعي، وعبدالله ابن الزبير الحميدي، وأبو إبراهيم المزني، وسفيان الثوري، وشريك، وأبو بكر بن عياش، ووكيع، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالله بن المبارك، وأبو إسحاق الفزاري، والنضر بن محمد المروزي، والنضر بن شميل، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام اللالكائي (4/ 913).)
وقال أبو عبدالله بن أبي زمنين في كتابه «أصول السنة»: «باب في أن الإيمان قول وعمل: ومن قول أهل السنة: إن الإيمان إخلاص لله بالقلوب، وشهادة بالألسنة، وعمل بالجوارح، على نية حسنة، وإصابة السنة». (أصول السنة (ص: 207).)
بــاب الإحــســـان
ونؤمن أن المرتبة الثالثة من مراتب الدين هي: الإحسان، وهو كما جاء في جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حينما سأله عن الإحسان، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ...». قَـالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُـولُهُ أَعْلَمُ، قَـالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». (أخرجه مسلم (8)، وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه (63).)
وأخبر الحق جل شأنه أن أهل هذا الدين الحق، مآلهُم الجنةُ على اختلاف درجاتهم ومراتبهم -سواء منهم من كان من أهل الإسلام، ومن كان من أهل الإيمان، ومن كان من أهل الإحسان- فقال المولى عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ * ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ * جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ * وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ} [فاطر: 31-34].
بــاب الأمر بـلـزوم السنـة والتمسـك بهـا
وقد تواردت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على الأمر بلزوم السنة والتمسُّك بها، والتحذير من مخالفة ذلك والنهي عن التفرُّق والاختلاف، قال اللَّه تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». (أخرجه مسلم في (867)، والنسائي (1578)، وأبو داود (2954)، وابن ماجه (45).)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». (أخرجه البخاري(7280).)
وعن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». (أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17416)، والدارمي (96)، والحديث صححه الترمذي.)
وقال البخاري في «صحيحه» في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله سبحانه وتعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، قال: أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا، وقال ابن عون: «ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني: هذه السُنَّة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، ويَدَعوا الناس إلا من خير». (صحيح البخاري (8/ 139).)
كتـاب الإيمــان بالله
ملخص الكتاب
ونؤمن بأن الله هو الأول، فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وعرّفنا بنفسه أنه هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه هو المالك الحق للسموات والأرض، وأنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل سبحانه وتعالى، وأن هذا الكون المشهود شاهد على أنه هو الموجِد الخالق له وحده ولا خالق معه.
وذكر من آياته الدالة على أنه هو الموجد الخالق لهذا الكون دلائلَ كثيرةً لا يُحاط بها، وأقام الحجة علينا بما نراه في أنفسنا وبما نراه مِنْ حولنا.
ونؤمن بما آمنت به الأنبياء والمرسلون، ونستيقن بما أتوا به من الأدلة والبراهين الدالة عليه سبحانه وتعالى.
ونؤمن أن الله هو الخالق، ولم يخلق خلقه عبثًا؛ بل كان خلقًا محْكمًا لغاية عظيمة.
إلى غير ذلك مما ورد كثيرًا في القرآن الكريم -كما في «سورة الأنعام» و«النحل» وغيرهما- من الدلائل التي لا تحصى، والشواهد التي لا تحصر، وكلها دالة على وجوده وربوبيته، وهي دلائلُ عقليةٌ، وبراهينُ عظيمةٌ، لا يستطيع أحد أن يـأتي بمثلها أو قريب منها، وهي في تنوُّعها مناسبة لجميع الخلق، كافية في إقامة الحجة عليهم، ولو جحد الكافرون، وكره المبطلون، وهل عند الكافر دليل إلا الإنكار والجحود؟!
ونؤمن بأن الله واحد في ربوبيته، وبأنه هو الخالق وحده، وهو الذي بدأ الخلق ولم يشاركه فيه أحد، وأن الله يخلق بأمره سبحانه وتعالى، ويخلق سبحانه وتعالى بما يشاء من الأسباب، وأن كل ما سواه مخلوق.
ونؤمن بأن الله رب كل شيء وخالقه ومدبره، ومالكه، وهو المتصرف فيه، ولا يملك أي مخلوق تدبير أمر نفسه، أو تدبير أمر غيره إلا ما أقدره الله عليه.
ونؤمن بأنه هو المالك الحق، وما سواه مملوك، وكل مَلِكٍ فملكه باطل أو مؤقت زائل.
ونؤمن أن الله هو المحيي المميت وحده سبحانه، وأنه هو الذي خلق الموت والحياة، وأنه هو الذي يتوفى الأنفس.
ونؤمن أنه هو الرزاق ذو القوة المتين، فلا رازق غيره، ولا كافي سواه. ونؤمن بأنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يعزب عن علمه صغير أو كبير، وأنه سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة.
ونؤمن بأنه تعالى قد قهر كل شيء عزة وحكمًا.
ونؤمن بأن الرب جل شأنه له الخلق والأمر، فلا رب سواه، ولا مشرِّع غيره، فهو الذي خلق الخلق، وشرع الشرائع، وفرض الفرائض، وبيَّن الدين، وهو المالك لهم، وهو القادر وحده على حسابهم وجزائهم.
ونؤمن بأن الرب جل شأنه خالق العباد، وخالق أفعالهم.
ونؤمن أن الإيمان بربوبية الله فقط لا يكفي الإنسان لأن يكون مؤمنًا، وهذا الإيمان لا يدخل صاحبه الجنة؛ لأنه لم يؤمن أن الله هو المعبود الحق، وألا يعبد إلا الله وحده.
ونؤمن بأن الله واحد في ألوهيته، وأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل. وهذا الأمر العظيم هو الذي من أجله أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، وخلق الجنة والنار، وأجمعت عليه جماهير علماء الأمة، ودلت عليه الفطرة، وشهدت له العقول السليمة. ونعلم علم اليقين أن أساس دعوة الأنبياء لأقوامهم هي: دعوتهم لعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
والعبادة الحقة هي ما كانت لله رب العالمين، موافقة لهدي سيد المرسلين؛ لأن عبادة كل معبود سواه باطلة.
وهذا الركن الركين والأساس المتين من دين الله - وهو إثبات الألوهية لله وحده ونفي العبادة عما سواه- هو قطب رَحَا الدين، وعماد دعوة المرسلين، ومعناها: إفراد الخالق بأعمال الخلق.
وفي القرآن كثيرًا ما يحتجُّ الله على العباد بآيات ربوبيته التي تستلزم عبادته وحده، سبحانه وتعالى.
ونؤمن بأن الخالق لهذه الآيات الكونية الكبرى هو وحده سبحانه، وكما أنه ليس معه خالق فلا ينبغي أن يُعْبد غيره.
وقد نوَّع الله في الأدلة التي نصبها شواهدَ على ألوهيته تنويعًا تقوم به الحجة، وتتضح به المحجة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة.
والإقرار لله بالألوهية، مع الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة هو الذي جعله الله حدًّا بين إيمان الإنسان بالله والكفر.
ولا بد مع الإيمان بالله من الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله.
وهذا الإيمان لا يكفي أن يكون في القلب، بل لا بد أن ينطق به اللسان، ولا يتحقق الإيمان حتى تعمل به الجوارح، ويتفاوت الإيمان في القلب زيادة ونقصًا.
وهذا الإيمان لا بد أن يكون العبد فيه مخلصًا لله رب العالمين، وأن يكون مستيقنًا غير شاكٍّ، وأن يكون إيمانه عن علم وإخلاص وقبول، واستسلام وانقياد وصدق في قوله وفعله واعتقاده، مع الحب لهذا الدين، ومَنْ شرعه، ومَنْ جاء به، ومَنْ دان به.
وكما بيَّن الله حقيقة الإيمان ومقتضاه وأركانه وشرائطه، فقد نقض شُبَه المشركين المعاندين، وبين أن ليس لهم حجة في شركهم؛ لأن هؤلاء الأنداد مخلوقون مُدَبَّرون لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
وبين الحق أن هؤلاء الأنداد المعبودين من دون الله لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو سمعوا ما استجابوا لهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويتبرؤون منهم.
كما بين الحق أن هؤلاء الأنداد المعبودين من دون الله لا ينفعون ولا يضرون، فكيف يُعْبدون من دون الله؟!
وأبطل الله عبادة الملائكة، وبين أنهم -مع أنهم مقربون لله- لا يشفعون إلا من بعد إذنه، فإذا كانت هذه حال الملائكة، فكيف يُعْبدون من دون الله؟!
والأنبياء والمرسلون عليهم السلام -مع علو مقامهم في الدنيا والآخرة- لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فكيف بمن دونهم؟!
ونؤمن بأن الله واحد في صفاته ونعوت كماله وجلاله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، تشهد له بذلك العقول الكاملة، وتسلم له بذلك الفِطَر السليمة، وأجمع على ذلك علماء أمة الإسلام، بل كل الرسالات الإلهية جاءت ببيان صفات الله وأسمائه وأفعاله سبحانه وتعالى، وعاب الله آلهة المشركين بأنها لا تسمع ولا تبصر.
ونؤمن أنه كما وصف نفسه، وكما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فنثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تعطيل ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تحريف.
ونعلم علم اليقين أن ربنا متصف بصفاته قبل أن يَخْلق الخلق، وأنه على غاية الكمال والجلال والجمال منذ الأزل إلى الأبد؛ إذ هو الأول والآخر، فهو أول ليس قبله شيء، وآخر ليس بعده شيء، فهو الأول بأسمائه وصفاته كمالًا ومجدًا، وهو الآخر بأسمائه وصفاته كمالًا ومجدًا.
ونؤمن أن من صفات الله صفاتٍ ملازمةً لذاته، كالحياة، والعلم، والسمع، والبصر، واليد، والأصابع، وأن من صفاته صفاتٍ متعلقةً بمشيئته، كالغضب، والرضى، والنزول.
ونؤمن أنه الفعال لما يريد، فهو يفعل متى شاء ما يشاء كيفما يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب على قضائه وحكمه.
ونؤمن أن صفات الله منها ما ورد مطلقًا، فنصف الله به على إطلاقه، كالسمع، والحياة، والبصر، وغيرها، ومنها ما ورد مقيدًا، فيبقى على تقييده، كوصفه سبحانه بأنه يمكر بأعدائه إذا مكروا، وينسى أعداءه إذا نسوه.
ومن صفاته سبحانه وتعالى: العلم، والسمع، والبصر، والحياة، والقيومية، والكلام، وهو موصوف بالكلام قبل أن يَخْلق الخلق ويكلمهم، وكلام ربنا متعلق بمشيئته، فمتى شاء تكلم. وقد ورد الخبر عن صفة الكلام لله في القرآن على أوجه متعددة، فورد أنه يكلم عباده، ويناجي وينادي من شاء منهم، ويكلم الخلائق يوم القيامة، وتسمع الخلائق يوم القيامة كلام الله.
ونؤمن أن الله سبحانه وتعالى قد احتجب عن خلقه بحجاب من نور، فلا يرونه في الدنيا، وإن كان بعض أنبيائه سمعوا كلامه لما كلمهم من وراء حجاب، كما كلم موسى عليه السلام .
وكلام ربنا يوصف بأن بعضه أحدث من بعض، وبعضه أفضل من بعض.
ومن كلامه: القرآنُ، وكلُّ الكتب الإلهية المنزلة على رسله، كصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، والتوراة، والإنجيل، والزبور - كلها كلام الله، وكلها تكلم الله بها، وسمعها جبريل منه بلا واسطة، وجبريل تنزّل بها على أنبياء الله ورسله عليهم السلام. وتميزت التوراة بأن الله أنزلها مكتوبة في الألواح- وكلام الله وكلماته غير مخلوقة، وكلام الله غير خلقه، ألا ترى أنه فصل بين الخلق والأمر، ونفرق بين كلمات الله الكونية، وكلماته الشرعية.
ومن صفاته سبحانه وتعالى: العزة، والقهر، والجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقدرة، والرحمة، فهذه الرحمة صفة من صفاته، وهي مضافة إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف.
ومن صفاته: العلو، وهو علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات، فالثلاثة كلها صفته دالة على كماله، وقد دل القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة والعقل والفطرة على العلو بأوجه متعددة، بل الأدلة الدالة على أن الله في العلو أنواع كثيرة، وتحت كل نوع أفراد كثيرة لا تحصى.
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الاستواء على العرش وقد ذكره الله في سبعة مواضع من كتابه.
ومن صفاته سبحانه: المحبة. ومن صفاته: الرضى. ومن صفاته: كراهيته لأعدائه؛ ذلك لأنهم كرهوا رضوانه، وكرهوا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن صفاته: الغضب على أعدائه والمقت: وهو مقته للكافرين.
ومن صفاته: مكره بأعدائه الذين يمكرون بأوليائه. ومنها: الأسف، وهو أشد الغضب. ومن صفاته: مخادعة من يخادعه، فالله يخادع المنافقين الذين يخادعونه. ومن صفاته جل وعلا، أنه يستهزئ بمن يهزأ به، سبحانه وتعالى.
ومن صفاته: الضحك، والعَجَب، والمجيء والإتيان يوم القيامة لفصل القضاء بين الناس.
ونؤمن بصفة النزول، وأن ربنا ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا حقيقًّا يليق بجلاله وعظمته، وهو ليس كنزول المخلوقين، بل هو كسائر صفاته التي نؤمن بها، ونعلمها، ولا نتمحل في تكييفها، أو نتكلف في ردها؛ بل نؤمن بها كما أخبرنا بها رسولنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
ونؤمن بصفة المعية لله رب العالمين، وأن الله مع خلقه. وهذه المعية نوعان: معية خاصة، وهذه تكون لأولياء الله ورسله عليهم السلام، ومقتضاها النصر والتأييد، ومعية عامة مع الخلق كلهم، مؤمنهم وكافرهم، ومقتضاها: العلم، والإحاطة، والقدرة، والسلطان.
وهذه المعية لا توجب حلولًا ولا اختلاطًا، ولا تنافي علوَّ الله تعالى؛ لأن معناها بإجماع أهل العلم: العلم والإحاطة؛ أي: أن الله تعالى معنا بعلمه وإحاطته وقدرته.
ونثبت لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته، ويدًا تليق بجلاله وكماله، وقد ورد الخبر عنها في القرآن والسنة على أوجه متعددة، فقد ورد ذكر اليد مثناة، وأن الله يقبضها ويبسطها، وأن الرب يطوي بها السموات، والأرض في قبضته سبحانه وتعالى، وأن اليد موصوفة بأنها ذات أصابع. وكل ذلك يثبت أن اليد التي ورد وصفها في القرآن والسنة يد حقيقية تليق بجلاله، لا نتكلف في تأويلها، أو تشبيهها، أو تحريف الآيات والأحاديث الدالة عليها. ومن صفاته: صفة الأصابع.
ونؤمن برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذا مما دل عليه الكتاب، وتواترت به الأخبار عن رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما بشَّر به المؤمنين أنهم يرون ربهم عِيانًا يوم القيامة.
وكما وصف نفسه بصفات الكمال والجمال والجلال والعزة والكبرياء، فقد نفى عن نفسه صفات النقص، وليس النفي في الصفات هو الأصل في القرآن والسنة؛ لأن الأصل هو إثبات الصفات، والقرآن والسنة مملوءان ببيان صفات الله عز وجل كما ينبغي لجلاله وعظمته وكماله، والرب سبحانه وتعالى إذا نفى عن نفسه صفة فإنما ينفيها؛ لبيان الكمال في ضدها، أو لأن البشر نسبوا النقص إلى ذي العزة والكمال، فينفي الرب النقص المنسوب إليه.
ونؤمن أن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى، وأن أسماءه قد بلغت الغاية في الحسن، فلا أحسن منها، وكل اسم يشتق لله منه صفة، وأسماؤه لا حصر لها.
وحذرنا ربنا من الإلحاد في أسمائه، أو إنكارها، أو جحود معانيها، أو تعطيلها.
وما ورد في القرآن والسنة من أسماء الله وصفاته أعظم من أن يحيط به كتاب، ونحن نؤمن بهذه الأسماء والصفات على مراد ربنا، وعلى مراد رسولنا صلى الله عليه وسلم، ونعلم أن حقائقها لا يعلم بها البشر، ولا يحيطون بها، ولا تبلغها أفهامهم، ولا نتكلف في تأويلها.
بــاب الإيمــان بوجـود الله
ونؤمـن بأن الله هـو الأول فليس قبله شيء، قال الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحـديد: 3]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء»، (أخرجه البخاري (7418)، والترمذي (3951).) أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين، وفي رواية له -أيضًا: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء». (أخرجه البخاري (3191).) وعرّفنا بنفسه أنه هو الذي خلق السمواتِ والأرضَ، وأنه مالك السموات والأرض، وأنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ * لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ * يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الحديد: 4- 6].
وأكَّد الحق سبحانه وتعالى أن هذا الكون المشهود شاهدٌ على أنه هو الموجِد الخالق له وحده، ولا خالق معه، قال الله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} [لقمان: 11]؟! ولهذا فقد ذكر من آياته الدالة على أنه هو الموجِد الخالق لهذا الكون دلائلَ كثيرةً، منها: أنه يخـرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ومنها: أنه خلق البشر من تراب. ومنها: أنه خلق لنا من أنفسنا أزواجًا. ومنها: اختـلاف الألسنة والألوان في المخلوقات. ومنها: منام العباد بالليل وابتغاؤهم الرزق في النهار. ومنها: أنه يجعل البرق سببًا للخوف والرجاء، وأنه ينزل الماء من السماء. ومنها: أنه هو الذي بدأ الخلق، كما قال جل ثناؤه: ﴿يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ * وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ} [الروم: 19-27].
ومن ذلك -أيضًا: أنه أقام الحجة على الخلق بأنه خلقهم من نفس واحدة، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [الزمر: 6]، فذكر بدء الخلق، وأن الأنعام كلها مخلوقة له سبحانه، ثم أقام الحجة علينا بأنه خلقنا في الأرحام في ظلمات، وأنه لا يستطيع غيره خلق النطفة إنسانًا.
فذكر في الآيات السابقة دليلًا من أعظم الأدلة على وجوده - وهو خلقه للسموات والأرض وما فيهن وما عليهن.
ومن ذلك -أيضًا: أنه أقام الحجة على الخلق بدليل عنايته بهم وبما يجدونه في أنفسهم وذرياتهم، وهو أنه أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، وتعهدهم حتى تكامل خلقهم وعلْمهم، قال جل من قائل: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. وكما أوجد كل شيء وأعدَّه، فقد هدى جميع خلقه لما فيه صلاحهم، قال تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 49]، فكان الجواب الإلهي: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: 50].
ونؤمن أنه سبحانه وتعالى مدَّ الأرض، وجعل الجبال فيها رواسيَ، وأنبت فيها من كل شيء موزون. فالتوازن المشهود فيها خير شـاهد على أنه هـو الموجِد، كما أن إنزال المطر على هيئة مخصوصة لا يستطيع البشـر أن ينزلوه، ولا أن يخزنوا ما نزل من السماء، فهذا شاهد على أن الموجـد هو الله الواحد القهار، قـال تعالى: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ * وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ * وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ * وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ} [الحجر: 19-22].
ونؤمن بما آمنت به الأنبياء والمرسلون، ونستيقن بما أتوا به من الأدلة والبراهين الدالة عليه سبحانه، كما أخبر الحق أن إبراهيم عليه السلام استدل على النمرود بأن الله يأتي بالشمس من المشرق وغيره لا يستطيع أن يأتي بها من المغرب، قال جل ثناؤه: ﴿قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ﴾ [البقرة: 258].
كما استدل على قومه بأن الله هو الذي هداه، وأطعمه وسقاه، وإذا مَرِض شفاه، وهو الذي يميته ويحييه، فقال كما أخبر الله عنه: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ * وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ} [الشعراء: 78-81]، وقال مخبرًا عن موسى عليه السلام أنه حاج فرعون قائلًا له: إن ربه هو: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]، وجاء في التنزيل أن الله سبَّح نفسه عن كل نقص، وعرَّفنا بنفسه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى * ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} [الأعلى: 1-3].
واحتجَّ سبحانه وتعالى على أنه هو الخالق الموجِد لهذا الكون ولا خالق غيره - بأنه هو الذي أنبت الحدائق البهيجة، وأن البشر لا يستطيعون أن ينبتوا شجرها. كما احتج على ذلك بأنه جعل الأرض مستقرة، وجعل فيها أنهارًا وجبالًا راسياتٍ، وجعل بين البحرين حاجزًا؛ لئلا يختلط هذا مع هذا. وأنه هو وحده الذي يجيب المضطرَّ إذا دعاه - ولو كان غير مؤمن - وأنه هو الذي يهدي الناس في ظلمات البرِّ والبحر، وأنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي الغيث، وأنه هو الذي يرزقنا، لا رازق غيره، ولا رب سواه، ولا خالق غيره، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ * أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [النمل: 60 -64].
وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} [الرعد: ٣، 4]. فأثبت الحق سبحانه وتعالى أنه هو وحده مَنْ مدّ الأرض، وخلق من كل الأشجار والثمرات زوجين اثنين، وأنه هو وحده الذي يغشي الليلَ النهارَ. واحتج على ذلك بأن القِطَع المتجاورة من الأرض تخرج ثمارًا متشابهة وغير متشابهة، وهي تسقى بماء واحد، فسبحان الله الذي لا رب غيره، ولا خالق سواه.
وبيَّن أن الجبال -مع صلابتها- فيها من بديع الخلق ما يدل على إبداع الخالق، فقال جل من قائل: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود} [فاطر: 27].
ومن ذلك ما بينه تعالى لنا من أنه هو الذي خلق هذه العوالم كلَّها، وسخّرها للإنسان، ومن ذلك تسيير الفلك في البحر، قال الحق جل ثناؤه: ﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: ١٢، ١٣].
ودلّنا سبحانه وتعالى على وجوده بأن جعل لنا من هذه الأنعام مراكبَ وملابسَ ومآكلَ ومشاربَ، وأنه يمسك الطير في جو السماء، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ * وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ * وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} [النحل: ٧٩-81]. فكل هذه دلائلُ شاهدةٌ على وجـوده وربوبيته، فمن الذي أوجدها إلا هو، سبحانه؟! فلا موجد غيره، ولا رب سواه.
وأقام لنا شاهدًا عظيمًا يتكرر في كل يوم، يشهد على وجوده وربوبيته سبحانه وتعالى؛ وهو: أنه هو الذي فلق الإصباح، وفلق الحبّ والنوى، قال سبحانه وتعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ * فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ} [الأنعام: ٩٥، ٩٦].
وكما جعل الشمس والقمر آيتين، جعل الليل والنهار آيتين دالتين على وجوده وربوبيته، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12].
وبين الله تعالى أن جعْلَه البحر عذبًا أو أجاجًا، ويخرج منهما لحما طريًّا وحليًّا - دليل على وجوده، قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} [النحل: 14]، وقال الحق جل شأنه: ﴿۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 53].
وقد بيَّن الله تعالى أن العقول السوية تدرك أنه لا يمكن أن يُوجد هذا الكون بلا موجد، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠]، وقال جل من قائل: ﴿قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ * أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [الأنبياء: ٦٦، ٦٧]. فهل رأيت أكبر من هذه الدلائل الدالة على وجوده وربوبيته، سبحانه وتعالى؟!
وأنكر الله على من نسب الخلق إلى غيره، وسألهم سؤال توبيخ وإنكار: هل خُلقوا من عدم؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم، وخلقوا السموات والأرض؟ أم هل عندهم خزائن الله؟ أم هل هم المسيطرون؟ قال الله: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ * أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ} [الطور: ٣٥-٣٧]. وهذه الآية من أعظم الآيات الدالة على وجود الخالق؛ ولهذا ثبت أن جبير بن مطعم قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ * أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ} قَالَ: «كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ»، (أخرجه البخاري (4854)، ومسلم (463)، وأبو داود (811)، والنسائي (987)، وابن ماجه (832).) وكان سماع جبير رضي الله عنه لهذه الآية قبل أن يسلم، فتبين أنهم مخلوقون مربوبون مقهورون، فسبحان الله عما يصفون.
وقال الحق جل شأنه: ﴿۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾ [الكهف: 51]، فإذا جهل الإنسان خلق السموات وجهل خلق نفسه، فكيف ينكر خالقه وموجده؟!
ونؤمن أن الله لم يخلق خلقه عبثًا؛ بل خلقًا محكمًا لغاية عظيمة، قال الله جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ * لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ} [الأنبياء: ١٦، ١٧].
وردّ على النصارى زعمهم أن المسيح إله خالق، ورب مدبِّر لهذا الكون، وبين أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه هو الذي يصور البشر في الأرحام. وممن خلقه الله وصوره في الرحم: المسيح عليه السلام ، فقال المـولى جل شـأنه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ * هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [آل عمـران: ٥، ٦] إلى غير ذلك مما ورد كثيرًا في القرآن الكريم -كما في «سورة الأنعام» و«النحل» وغيرهما- من الدلائل التي لا تحصى، والشواهد التي لا تحصر، وكلها دالة على وجوده وربوبيته.
بــاب الإيمـــان بـربوبـيـة الله
ونؤمن بأن الله واحد في ربوبيته، وبأنه هو الخالق وحده، وهو الذي بدأ الخلق لم يشاركه فيه أحد، قال الحق جل شأنه: ﴿ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [الروم: 11]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ [يونس: 34].
وأن الله يخلق بأمره سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. ويخلق سبحانه وتعالى بما يشاء من الأسباب، قال الحق سبحانه: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى} [طه: 53]، وقال المولى عز شأنه: {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3]، وقال الله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49].
وأخبر سبحانه وتعالى أنه خالق كل شيء، فكل ما سواه فهو مخلوق، قال الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر: ٦٢].
ونؤمن بأن الله رب كل شيء وخالقه ومدبره، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ} [البقرة: 21، 22]. وقال الحق جل شأنه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} [يونس: 3]، فهو سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض ومالكهما، وهو المتصرف فيهما، قال الحق جل شأنه: ﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [الزمر: 63]، ولا يملك أيُّ مخلوق تدبير أمر نفسه أو تدبير أمر غيره إلا ما أقدره الله عليه، فلا الملائكة، ولا الأنبياء عليهم السلام، ولا الأولياء يستطيعون التصرف في الكون أو جلب النفع أو دفع الضر، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ﴾ [سبأ: 22].
ونؤمن بأنه هو المالك الحق، وما سواه مملوك، وكل مَلِكٍ فملكه مؤقت زائل، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 26]، وما سواه مربوب مقهور، قال الله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا﴾ [مريم: 93].
ونؤمن بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل، وأنه هو الذي سخر الشمس والقمر، كلٌّ يجري لأجل مسمًّى، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ﴾ [الزمر: 5]، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، وجعل اختلاف الليل والنهار آيةً دالةً على عظمة خلقه وحُسْن تدبيره، قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ * إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ} [يونس: 5، 6]، وأنه هو الذي خلقنا من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وخلق الأنعام كلها، قال المولى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [الزمر: 6].
ونؤمن أنه هو الرزاق ذو القوة المتين، فلا رازق غيره، ولا كافي سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]، وقال عز من قائل: ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [هود: 6].
ونؤمن بأنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علمًا، قال الله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ﴾ [البقرة: 255]، فلا يعزب عن علمه صغير أو كبير، قال المولى عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سبأ: 3]، وعلمه محيط بكل شيء في هذا الكون، قال الحق جل شأنه: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59]، وقال -أيضًا- موضحًا جانبًا من هذا العلم المحيط: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
ونؤمن بأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، قال الحق سبحانه: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9]، وأنه لا يُظهر على غيبه أحدًا من خلقه، إلا من ارتضى من رسول، قال سبحانه وتعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا} [الجن: 26، 27]، وكل من ادعى علم الغيب فهو كاذب مُفْتر. والرسل لا يعلمون الغيب، وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ﴾ [الأنعام: 50].
ونؤمن أن الله هو المحيي المميت وحده سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾ [التوبـة: 116]، وقـال الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ﴾ [الحج: 66]. وأنه هو الذي خلق الموت والحياة، قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [الملك: 2]، وأنه هو الذي يتوفى الأنفس، قال المولى عز شأنه: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42].
ونؤمن بأنه تعالى قد قهر كل شيء عزةً وحكمًا، كما أخبرنا ربنا تعالى بقوله: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩﴾ [الرعد: 15]، وقال الحق جل شأنه: ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].
ونؤمن بأنه تعالى خلق السماء، ورفعها بغير عمد، قال الله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [لقمان: 10]، وسخر للخلق ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه سبحانه وتعالى، قال الحق جل شأنه وتقدس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13].
ونؤمن بأن الرب جل شأنه له الخلق والأمر، قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [الأعراف: 54]، فلا رب سواه، ولا مشرّع غيره، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى: 13]، وقال تعالى: ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ﴾ [المائدة: 48]، فهو الذي يشرع الشرائع، ويفرض الفرائض، ويبين الدين. وأنكر الحق على من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا، وقبلوا منهم ما شرعوا لهم من الدين، قال الله جل شأنه: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: ٣١]، وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21].
وكما أنه تعالى هو الذي خلق الخلق، وهو المالك لهم، هو الذي شرع لهم الشرائع، فهو القادر وحده على حسـابهم وجزائهم، قال المولى جل شأنه: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: 22]، وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه: 15].
ونؤمن بأن الرب جل شأنه خالق العباد وخالق أفعالهم، قال الحق سبحانه: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].
ونشهد للحق شهادة صدق أنه سبحانه وتعالى جعل كل آية من آياته الكونية شاهدة ودالة على أنه هو الخالق، وأكد الحق ذلك بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17]. وقد أنكر الحق جل شأنه على من جعل له شركاء في ربوبيته أو ألوهيته؛ لأنه هو الخالق وحده جل شأنه فقال: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [الرعد: 16].
والمشركون كانوا يؤمنون بربوبية الله، ويعلمون أن الله الخالق الرازق المحيي المميت، وأنه هو النافع الضار، وأن أصنامهم وآلهتهم لا تنفع ولا تضر، وأنها وسائلُ تقربهم إلى الله زلفى، ومع ذلك لم يقبل الله ذلك منهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ * ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ * وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ} [العنكبوت: 61-63]، ومع أنهم يستغيثون بالله في الضراء، ويلجـؤون إليـه إذا مسَّهم الكرب، لم ينفعهم ذلك؛ حيث لا يزالون على شركهم وكفرهم، قال المولى جل شأنه: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ * لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} [العنكبوت: 65، 66].
بــاب الإيمـــان بألــوهـيـة الله
ونؤمن بأن الله واحد في ألوهيته، وأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأن هذا الأمر العظيم هو الذي من أجله أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، وخلق الجنة والنار، ودلت عليه الفطرة، وشهدت له العقول السليمة. ونعلم علم اليقين أن أساس دعوة الأنبياء لأقوامهم هو: دعوتهم لعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، قال المولى جل شأنه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]. وقال الحق سبحانه: ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45]، وكل نبي قـال لقومـه: اعبـدوا الله ما لكم من إله غيره، من أولهم نـوح إلى آخرهم محمد عليهم السلام، فقـال الله مخبرًا عن نوح عليه السلام أنه قال: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ﴾ [الأعراف: 59]، وأخبر عن آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ [ص: 65]، وقـال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الأنعام: 102].
وهذا الأمر العظيم هو الذي من أجله خلق الله الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ومعنى: «يعبدون»، أي: يوَحِّدون، قال البخاري رحمه الله عند تفسير هذه الآية: «ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين إلا ليوحِّدون». (هكذا في البخاري غير منسوب (6/ 49)، وذكر ابن حجر في «الفتح» أنه قول الفراء (8/ 600).)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى»، (أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19).) وبوَّب البخاري رحمه الله على ذلك بقوله: «باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى».
والعبادة الحقَّة هي ما كانت خالصة لله رب العالمين موافقة لهدي سيد المرسلين؛ فعبادة كل معبود سواه باطلة، قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ [الحج: 62]، ومعنى: «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله؛ لدلالة الآية السابقة على ذلك.
والإيمان بالله وحده وعبادته دون ما سواه هي مضمون: «لا إله إلا الله»، وهذه الكلمة العظيمة تضمنت نفي استحقاق العبادة عن كل معبود سوى الله، ونفي الألوهية الحقة عن كل معبود سوى الله أيضًا، وإثبات الألوهية الحقة لله رب العالمين، وأن العبادة الصحيحة لا تكون إلا لله وحده، وهذه الكلمة جاءت بلفظها في القرآن كثيرًا، ووردت آيات كثيرة بمعناها من النفي والإثبات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]، وقوله عز شأنه: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾ [النساء: 36].
وهذا الركن الركين والأساس المتين من دين الله -وهو إثبات الألوهية لله وحده، ونفي العبادة عما سواه- هو قطب رحى الدين، وعماد دعوة المرسلين، ومعناها: إفراد الخالق بأعمال الخلق، ولا تكاد تجد سورة من سور القرآن تخلو من هذا الأمر تأسيسًا أو تأكيدًا، وقد أقام الله الحجة على الخلق بأدلة كثيرة، وشواهد عديدة لا يمكن حصرها أو الإحاطة بها، وأعظم دليل على هذا الأمر شهادته سبحانه وتعالى؛ حيث يقول: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 19].
وشهد الله سبحانه وتعالى، وشهد أجلُّ شاهد من خلقه، وهم الملائكة وأولو العلم، على أجلِّ مشهود، وهو وحدانيته وألوهيته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، فشهدت الملائكة وأولو العلم بما شهد الله به لنفسه: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 79].
واحتج على خلقه بأنه سبحانه وتعالى هو الخالق لكل ما في هذا الكون، بل جعل كل آية كونية شاهدة على استحقاقه الألوهية والعبادة؛ ولذا يكثر سؤالهم في القرآن عن هذا الأمر وإقرارهم بأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت، ثم ينكر عليهم عدمَ عبادته، أو عبادة غيرِه معه، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ * ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ * وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ} [العنكبوت: 61 - 63]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ * وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ * وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ} [الزخرف: 9-12].
واحتج الله على عباده بأن قرَّرهم بِنِعَمه عليهم التي توجب عليهم عبادة واهب النعم وموجدها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} [يونس: 31، 32].
وفي القرآن كثيرًا ما يحتج الله على العباد بآيات ربوبيته التي تستلزم عبادته وحده سبحانه وتعالى، وأن الخالق لهذه الآيات الكونية الكبرى هو وحده سبحانه وتعالى، وأنه كما أنه ليس معه خالق سواه، لا ينبغي أن يعبد غيره؛ ولذا ختم هذه الآيات التالية بقوله: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} ، وهي قوله تعالى: ﴿أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} [النمل: 60-63].
ولما ذكر المخلوقات العظيمة الدالة على ربوبيته التي تستلزم ألوهيته في سورة الروم، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ * وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم * ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ * بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ} [الروم: 20-29]. استفتح كل آية منها بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ} ؛ أي: ومن الأدلة الكونية الدالة على ربوبيته المستلزمة لألوهيته ما ذكر، ثم أعقبها بذكر هذا المثل الذي ضربه الله لمن عَدَل به شيئًا من خلقه، يقول: «أكان أحدكم مشاركًا مملوكه في فراشه وزوجته؟! فكذلكم الله لا يرضى أن يُعدل به أحد من خلقه»؛ قاله قتادة. (تفسير الطبري (20/95).) ثم ختمها ببيان أن الفطرة السليمة تقتضي عبادته وحده سبحانه وتعالى، ولذا قال: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
وقد نوَّع الله في الأدلة التي نصبها شواهدَ على ألوهيته تنويعًا تقوم به الحجة، وتتضح به المحجة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة، وكما احتج الله على الناس بالأدلة القاطعة، والحجج الساطعة، وأقام الشواهد الباهرة الدالة على وحدانيته؛ فقد ضرب الأمثلة، وجاء بالحق سبحانه وتعالى، قال المولى جل شأنه: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل: 76]، قال ابن جرير عند تفسير هذه الآية: «وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تُعبد من دونه، فقال تعالى ذكره: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ} يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئًا، ولا ينطق؛ لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع، لا يقدر على نفعٍ لمن خدمه، ولا دفع ضرٍّ عنه، وهو كَلٌّ على مولاه، يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كَلّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله، ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كَلّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير؛ لأنه لا يفهم ما يُقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم، ولا يُفْهَم عنه، فكذلك الصنم، لا يعقل ما يقال له، فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهى، يقول الله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} يعني: هـل يستوي هذا الأبكم الكَلُّ على مولاه الذي لا يأتي بخـير حيث توجَّه، ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحقّ، ويدعـو إليه، وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته؟ يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف». (تفسير الطبري (17/262).)
وضرب الله أيضًا مثلًا لإله الباطل وإله الحق، كما قاله مجاهد، (تفسير الطبري (21/285).) فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الزمر: 29].
وهذا الأمر -وهو الإقرار لله بالوحدانية، مع الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة- هو الذي جعله الله حدًّا بين إيمان الإنسان بالله والكفر، قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، وقال سبحانه وتعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (أخرجه البخاري (1399، 7284)، ومسلم (20)، وأبو داود (1556)، والترمذي (2607)، والنسائي (2443).)
وهذا الإيمان لا يكفي أن يكون في القلب، بل لا بد أن ينطق به اللسان؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». (أخرجه البخاري (25)، ومسلم (22).) ولا يتحقق الإيمان حتى تعمل به الجوارح، قال الحق - وقوله الحق: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2-4]، وقال تعالى: ﴿۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»، (أخرجه مسلم (49)، وأبو داود (1140)، والترمذي (2172)، والنسائي (5008)، وابن ماجه (1275).) فدل هذا الحديث على أن الإيمان يتفاوت في القلب.
ولا بد مع الإيمان بالله من الكفر بالطاغوت، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]، والبراءة من الشرك وأهله، فلا يكون موحدًا حتى يتبرأ من الشرك وأهله، قال المولى جل شأنه: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26].
وهذا الإيمان لا بد أن يكون العبد فيه مخلصًا لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [غافر: 65]، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [البينة: 5]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَـامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَلَّا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ». (أخرجه البخاري (99، 6570).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». (أخرجه البخاري (425)، ومسلم (33)، والنسائي (788)، وابن ماجه (754).)
وأن يكون مستيقنًا غير شاكٍّ، قال الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]، وقال الله مخـبرًا عن صاحب الجنة الكافر أنه قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا﴾ [الكهف: 36].
وأن يكـون إيمانه عن علم، فيعلم حقيقة الإيمان ومقتضاه وما يضاده، قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [محمد: 19].
ولا بد مع العلم والإخلاص من القبول لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبما تضمنه الإيمان، ودلّت عليه كلمة: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} من عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، فمن قالها، ولم يقبل عبادة الله وحده، كان من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ} [الصافات: 35، 36].
وأن يستسلم وينقاد، قال الله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22].
وأن يكون صادقًا في قوله وفعله واعتقاده حتى ينال ما بشَّر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». (أخرجه البخاري (128)، ومسلم (32).)
وأن يكون محبًّا لهذا الدين، ومَنْ شرعه، ومن جاء به، ومن دان به، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ [البقرة: 165]، وقال رَسُوُلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ». (أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44)، والنسائي (5013)، وابن ماجه (67).) وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المرءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». (أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43)، والترمذي (2624)، والنسائي (4987)، وابن ماجه (4033).)
وكما بيَّن الله حقيقة الإيمان ومقتضاه وأركانه وشرائطه، فقد نقض شُبَه المشركين المعاندين، وبين أنه ليس لهم حجة في شركهم؛ لأن هؤلاء الأنداد مخلوقون مُدَبَّرون لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، قال تعالى: ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ * وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ * وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ} [الأعراف: 191-198]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23]، وهذه الآية قطعت علائق الشرك كله.
وبين الحق أن هؤلاء الأنداد المعبودين من دون الله لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو سمعوا ما استجابوا لهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويتبرؤون منهم، قال الحق جل شأنه وتعالى سلطانه: ﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ [فاطر: 14].
كما بين الحق أن هؤلاء الأنداد المعبودين من دون الله لا ينفعون، ولا يضرون، فكيف يُعْبدون من دون الله؟! قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾ [الفرقان: 3].
وأوضح الحق سبحانه وتعالى أن الأنداد لا يملكون لأتباعهم رزقًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ [النحل: 73]، فكيف يعبدون من لا يملك شيئًا، ولا يستطيع أن يرزق، ولا أن ينفع، أو يضر؟!
واحتج عليهم بأنهم إذا مسَّهم الضر، أو وقعوا في الكرب؛ لجؤوا إلى الله وحده مخلصين له الدين، فإذا نجاهم عادوا إلى شركهم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
وكما أبطل الحق دعوى المشركين في اتخاذ الأنداد، فقد أبطل كل دعوى بأن الله اتخذ ولدًا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]. وبين الحق جل شأنه أن اليهود والنصارى زعمت أن لله ولدًا، فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]، ونقض الله اعتقادهم من أصله؛ فكيف يكون البشر الذي يأكل الطعام إلهًا؟! والإله لا يأكل، ولا يشرب، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، قال المولى جل شأنه: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ * قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [المائدة: 75، 76].
وأبطل الله عبادة الملائكة، وبين أنهم -مع كونهم مقربين لله- لا يملكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فقال ربنا جل ذكره: ﴿۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ﴾ [النجم: 26]، ويخافون ربهم من فوقهم، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩} [النحل: 49، 50]، وقال سبحانه عز من قائل: ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا﴾ [النساء: 172]، فإذا كانت هذه حال الملائكة، فكيف يُعبدون من دون الله؟
وكذلك الأنبياء والمرسلون عليهم السلام مع علو مقامهم في الدنيا والآخرة، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فكيف بمن دونهم؟! قال سبحانه وتعالى مخبرًا عن الأنبياء أنهم يعبدون ربهم على سبيل الرغبة والرهبة: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]، وأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]، ولما دعا صلى الله عليه وسلم على من آذاه من المشركين في غزوة أحد أنزل الله عليه قوله تعالى: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]. وعن الزهري قال: حدثني سالم عن أبيه رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا»، بَعْدَ مَا يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون} . (أخرجه البخاري (4559)، والنسائي (1078).)
بــاب الإيمان بأسماء الله وصفاته
ونؤمن بأن الله واحد في صفاته ونعوت كماله وجلاله سبحانه، وأن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى تواترت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، وتشهد له بذلك العقول الكاملة، وتسلِّم له بذلك الفِطَر السليمة، وأجمع على ذلك علماء أمة الإسلام، بل كل الرسالات الإلهية جاءت ببيان صفات الله وأسمائه وأفعاله سبحانه وتعالى. وعاب الله على المشـركين عبادة الأصنام؛ لأنها مخلوقة مثلهم، بل هي أقل منهم وأنقص، فهي لا تبصر ولا تسمع، بل ليس لها أرجل تمشي بها، ولا أيدٍ تبطش بها، قال الحق سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ} [الأعراف: 194، 195]. وقال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 148].
ونؤمن أنه كما وصف نفسه، وكما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، وهـو السـميع البصير، قال تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. فنثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تعطيل ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تحريف، ونعلم علم اليقين أن ربنا متصف بصفاته قبل أن يَخْلق الخلق، وأنه على غاية الكمال والجلال والجمال منذ الأزل إلى الأبد؛ إذ هو الأول والآخر، فهو أول ليس قبله شيء، وآخر ليس بعده شيء، فهو الأول بأسمائه وصفاته كمالًا ومجدًا، وهو الآخر بأسمائه وصفاته كمالًا ومجدًا.
ونؤمن أنه سبحانه كما لا يحيط الخلق به علمًا، فكذلك لا تدركه أبصارهم، قال تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا﴾ [طه: 110]، وقال المولى عز شأنه: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]. قال الإمام ابن قتيبة رحمه الله: «الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله حيث انتهى في صفته، أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب وتضعه عليه، ونمسك عما سوى ذلك». (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية، لابن قتيبة (ص: 44).)
ونؤمن أن من صفات الله صفاتٍ ملازمةً لذاته، كالحياة، والعلم، والسمع، والبصر، واليد، والأصابع، ومنها صفات متعلقة بمشيئته، كالغضب، والرضى، والنزول. ونؤمن أنه الفعال لما يريد، فهو يفعل متى شاء ما يشاء كيفما يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، لا رادّ لأمره، ولا معقّب على قضائه وحكمه.
ونؤمن أن صفات الله منها ما ورد مطلقًا، فنصف الله به على إطلاقه، كالسمع، والحياة، والبصر، وغيرها، ومنها ما ورد مقيدًا، فيبقى على تقييده، كوصفه سبحانه وتعالى بأنه يمكر بأعدائه إذا مكروا، وينسى أعداءه إذا نسوه.
ونؤمن أن بعض الصفات ورد وصف الله بها على وجه واحد، كصفة الحياة، والقيومية، والعظمة، فترد في القرآن أو السنة على وجه واحد. ونجد بعض الصفات ورد الخبر عنها في القرآن الكريم أو السنة على أوجه متعددة، كصفة الكلام، والعلو، واليد، ورؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة.
ومن صفاته سبحانه وتعالى: العلم والسمع، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: 4].
ومن صفاته: البصر، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} [غافر: 20]، وعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {سميعا بصيرًا} قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا، وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ الْمُقْرِئُ: يَعْنِي: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} ، يَعْنِي أَنَّ لِلَّهِ سَمْعًا وَبَصَرًا». (أخرجه أبو داود (4728)، وحفص بن عمر في جزء قراءات النبي (33)، وابن خزيمة في التوحيد (49)، وابن أبي حاتم في التفسير (5524).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: العين، قال الله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]، وقال جل ثناؤه: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [هود: 37]، وقال تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]، وعن نافع عن عبدالله رضي الله عنه قال: ذُكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ- وَإِنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ». (أخرجه البخاري (7407)، ومسلم (169)، وأبو داود (4757)، والترمذي (2241).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الحيـاة والقيوميـة، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الكلام، وهو موصوف بالكلام قبل أن يَخْلق الخلق ويكلمهم، وكلام ربنا متعلق بمشيئته، فمتى شاء تكلم، وقد ورد الخبر عن صفة الكلام لله في القرآن على أوجه متعددة، فكلُّ ما أخبر الله به عن نفسه بأنه يأمر أو ينهى فهو دالٌّ على الكلام، كقوله تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. وكل ما أخبر الله به عن نفسه أنه قال، أو يقول، فهو دال على الكلام، كقوله عز شأنه: ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]. وكل ما ورد الخبر فيه عن الإنباء مضافًا إلى الله فهو دال على إثبات صفة الكلام لله رب العالمين، قال الحق: {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير} [التحريم: 3].
وكل ما ورد من النداء أو المناجاة مضافًا إلى الله فهو دال على صفة الكلام لله رب العالمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾ [مريم: 52]. وكل ما ورد من القول مضافًا إلى الله، أو ورد الكلام في القرآن موصوفًا به الله، فهو دليل على صفة الكلام. وهذا أكثر من أن يحصى، ومن ذلك أنه تعالى كلم الملائكة، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [البقرة: 30]، وكلم آدم: ﴿وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا﴾ [البقرة: 35]، وكلم موسى عليه السلام : {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: 144].
وكلام ربنا منه ما يكون مناداة، كما نادى إبراهيـم الخليل عليه السلام ، قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيم} [الصافات: 104]، ومنه ما يكون مناجاة كما ناجى ربنا موسى عليه السلام : ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾ [مريم: 52]، قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في هذه الآية: «حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ»، (أخرجه ابن أبي شيبة (32506)، وهناد في الزهد (149)، وعبد الله بن أحمد في السنة (1231)، والطبري في التفسير (15/559)، والحاكم (3472).) وَقَالَ السُّدِّيُّ: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} قَالَ: «أُدْخِلَ فِي السَّمَاءِ فَكُلِّمَ». (تفسير ابن كثير (5/238)، والدر المنثور في التفسير بالمأثور (5/515).) وكلام ربنا تسمعه الملائكة كما في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير} [سبأ: 23]، وعن مسروق عن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ، سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ، الْحَقَّ». (أخرجه أبو داود (4738)، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (158)، وعبد الله بن أحمد في السنة (536)، ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (217).)
ويكلم الخلائق يوم القيامة كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ». (أخرجه البخاري (7443)، ومسلم (1016)، والترمذي(2415)، وابن ماجه (185).)
وتسمع الخلائق يوم القيامة كلام الله، كما في الحديث عن عبدالله بن أنيس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الملكُ، أَنَا الدَّيَّانُ». (أخرجه البخاري معلقًا (9/ 141)، وفي الأدب المفرد (970)، وفي خلق أفعال العباد (90)، وأحمد (16042).)
ونؤمن أن الله سبحانه وتعالى قد احتجب عن خلقه، فلا يرونه في الدنيا، ويكلم من شاء من ملائكته ورسله عليهم السلام من وراء حجاب، قال تعالى: ﴿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ﴾ [الشورى: 51].
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عز وجل لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». (أخرجه مسلم (179)، وابن ماجه (195).)
وكلام ربنا يوصف بأن بعضه أحدث من بعض، قال الحق جل شأنه: ﴿مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2]، وبعضه أفضل من بعض، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} أَحَدٌ، يُرَدِّدُهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». (أخرجه البخاري (5013)، وأبو داود (1461)، والنسائي (995).)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ». (أخرجه مسلم (806)، والنسائي (912).)
والقرآن وكل الكتب الإلهية المنزلة على رسل الله عليهم السلام، كصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، والتوراة، والإنجيل، والزبور- كلها كلام الله، وكلها تكلم الله بها، وسمعها جبريل عليه السلام منه بلا واسطة، وأنزل الله التوراة مكتوبة على الألواح، وجبريل تنزّل بالوحي على أنبياء الله ورسله عليهم السلام، قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} [الشعراء: 193، 194]، وقـال المولى عز شأنه: {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [الأعراف: 158]. وكلام الله وكلماته غير مخلوقة؛ ولذا استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمات الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»، (أخرجه مسلم (2708)، والترمذي (3437)، وابن ماجه (3547).) ولو كانت كلمات الله مخلوقة لما استعاذ بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكلام الله غير خلقه، ألا ترى «أن الله قد فصل بين قوله وبين خلقه، ولم يسمّه قولًا، فقال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54]، فلما قال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ} لم يبق شيء مخلوق إلا كان داخلًا في ذلك، ثم ذكر ما ليس بخلق فقال: {وَالأَمْرُ} فأمره هو قوله، تبارك الله رب العالمين أن يكون قوله خلقًا». (ينظر: الرد على الجهمية، للإمام أحمد (ص: 224).)
ونفرق بين كلمات الله الكونية المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34]، وقوله تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾ [الكهف: 109]، وكلامه الشرعي الوارد في مثل قوله عز وجل: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115]، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124].
قال الإمام الدارمي: «فلا ينكر كلام الله عز وجل إلا من يريد إبطال ما أنزل الله عز وجل، وكيف يعجز عن الكلام من علّم العباد الكلام، وأنطق الأنام؟!». (الرد على الجهمية، للدارمي (ص: 155).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: العزة، قال الحق: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، وقال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: القهر، قال تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [ص: 65].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ». (أخرجه أبو داود (873)، والنسائي (1049)، وأحمد (23980)، والترمذي في الشمائل (314)، والبزار (2750).) وقال صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ». (أخرجه أبو داود (4090)، وابن ماجه (4174)، والحميدي (1183)، وابن أبي شيبة (27111)، وأحمد (7382).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الإرادة والمشيئة، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله: {وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين} [الأنفال: 7]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [التكوير: 29].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: القدرة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ﴾ [الشورى: 29]، وقوله: {إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 20].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الرحمة، قال الرحيم الرحمن سبحانه: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: 156]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، فهذه الرحمة صفة من صفاته، وهي مضافة إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف. وقد تأتي الرحمة في الكتاب والسنة مضافة إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا﴾ [الفرقان: 48]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ»، (أخرجه البخاري (6469)، ومسلم (2752)، والترمذي (3541)، وابن ماجه (4293).) فهذه رحمة مخلوقة أضيفت إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه.
ومن صفاته سبحانه وتعالى: العلو، وهو علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، فالثلاثة كلها صفته، وهي دالة على كماله. وقد دل القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة والعقل والفطرة على العلو بأوجه متعددة، فكل ما أخبر الله به أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم أنه العلي أو الأعلى، أو يشار إليه بأنه في العلو، فهو دال على علوه، وكل خبر فيـه تَنَزّل منه تعالى كنزول الوحي، وتنزل الأمر، وأنـه يجيء ويأتي يوم القيامة لفصل القضاء، أو أنه ينزل في كل ليلة وفي عشية عرفة، وتنزل الملائكة، فهو دال على علوه، وكذلك كل خبر فيه أنه في السماء، أو أنه فوق السـماء، أو أنه فـوق العرش، أو أنه استوى على العرش - فهو دال على علوه، وكذلك كل ما فيه صعـود إليه سبحانه ونحوه فهو دال على علوه.
ومن ذلك: أن الملائكة تخاف ربها من فوقها، وأنها تعرج إليه، وأن الأعمال ترفع إليه، وأنه يصعد إليه، وأن الله رفع عيسى عليه السلام إليه، وأسرى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعرج به إلى السماء. كل ذلك دال على علوه، بل إن الأدلة الدالة على أن الله في العلو أنواع كثيرة، وتحت كل نوع أفراد كثيرة لا تحصى إلا بالكلفة.
ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [الشورى: 4]، وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ﴾ [الحج: 62]، وقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقول الحق سـبحانه: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]، وقوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقوله سـبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩﴾ [النحل: 50]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: 55]، وقوله: ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج: 4]، وقوله جل ثناؤه: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا﴾ [الطلاق: 12]، وقـول الحق سبحانه: ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 158]. وقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ، أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ»، (أخرجه البخاري (7553)، ومسلم (2751)، والترمذي (3543)، وابن ماجه (189).) وعن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي. قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ»، قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ»، -قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ- قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ»، قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». (أخرجه مسلم (537)، وأبو داود (930)، والنسائي (1218).)
وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، (أخرجه البخاري (555)، ومسلم (632)، والنسائي (485).) وفي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: «كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الماء»، (أخرجه الترمذي (3109)، وابن ماجه (182)، والطيالسي (1189)، وأحمد (16188) وابن أبي عاصم في السنة (625).) هذه وغيرها كثير من الآيات والأحاديث الدالة على العلو.
والأدلة الدالة على العلو أكثر من أن تحصر، فقد أجمع علماء الإسلام على إثباته، كما دل عليه العقل والفِطَرُ السليمة، قال الإمام ابن بطة رحمه الله: «وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه، فوق سمواته، بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (7/136).)
ونقل الدارمي رحمه الله: قول ابن المبارك لما سئل: «بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه». (الرد على الجهمية، للدارمي (ص: 98).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الاستواء على العرش، وقد ذكره الله في سبعة مواضع من كتابه، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ، أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ». (أخرجه البخاري (7553)، ومسلم (2751)، والترمذي (3543)، وابن ماجه (189).) وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]: كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/442)، والعرش، للذهبي (2/213).) ونُقِلَ مثل هذا القول عن إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله. (أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/ 325، 326)، والبيهقي في الأسماء والصفات (304/2)، وابن عبدالبر في التمهيد (7/ 138)، وقال الذهبي رحمه الله: «وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، قاعدة ساروا عليها في هذا الباب». ينظر: العلو، للذهبي (1/117).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: المحبة، قال الله تعالى: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: 54]، قال الإمام الدارمي رحمه الله: «فجمع بين الحبين: حب الخالق، وحب المخلوق متقارنين، ثم فرّق بين ما يُحَبَّ وما لا يحب؛ ليعلم خلقه أنهما متضادان غير متفقين، فقال: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 148]، و {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين} [الأنعام: 141]». (نقض الدارمي (2/ 865).)
وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وعن سهل ابن سعد رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». (أخرجه البخاري (3009)، ومسلم (2406)، وأبو داود (3661).) وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». (أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44)، والنسائي (5013)، وابن ماجه (67).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الرضى، قال الحق جل شأنه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100]، وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». (أخرجه مسلم (486)، وأبو داود (879)، والترمذي (3493)، والنسائي (169)، وابن ماجه (3841).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: كراهيته لأعدائه؛ ذلك لأنهم كرهوا رضوانه، وكرهوا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 28]، وقوله: {وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِين} [التوبة: 46]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ». (أخرجه البخاري (7504)، والنسائي (1835).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الغضب على أعدائه، قـال الله سبحانه وتعالى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} [الفتح: 6]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم». (أخرجه البخاري (4074).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: المقت، وهو مقته للكافرين، قال الحق جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} [غافر: 10].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: مكره بأعدائه الذين يمكرون بأوليائه، قال المولى جل شأنه: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ * فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [النمل: 50، 51].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الأسف، وهو أشد الغضب، قال الحق جل في علاه: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الزخرف: 55]، قال قتادة والسدي: «{فَلَمَّا آسَفُونَا} أي: أغضبونا». (تفسير الطبري (21/622).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: مخادعة من يخادعه، فالله يخادع المنافقين الذين يخادعونه، قال الله عز شأنه وتعالى مجده وسلطانه: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]، وقال: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ﴾ [النساء: 142].
وبيَّن الحق أنه ينسى أعداءه كما نسوا لقاءه، قال الله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا} [الأعراف: 51].
ومن صفاته سبحانه وتعالى: أنه يستهزئ بمن يهزأ به سبحانه وتعالى، قال الحق جل شأنه: ﴿ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «يسخر بهم للنقمة منهم». (تفسير الطبري (1/304)، وابن أبي حاتم في التفسير (143).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: الضحك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ»، (أخرجه البخاري (2826)، ومسلم (1890)، والنسائي (3166)، وابن ماجه (191).) وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطويل في رؤية الله تعالى يوم القيامة، وذكر فيه قصة آخر أهل الجنة دخولًا: «....فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالمِيثَاقَ، أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ عز وجل مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ...». (أخرجه البخاري(806).)
قال وكيع: «إذا سئلتم: هل يضحك ربنا؟ فقولوا: كذلك سمعنا». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/477).)
وبوّب الحافظ ابن بطة رحمه الله في كتابه «الإبانة»: «باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك» وقال فيه: «اعلموا -رحمكم الله- أن من صفات المؤمنين من أهل الحق تصديق الآثار الصحيحة، وتلقيها بالقبول، وترك الاعتراض عليها بالقياس، ومواضعة القول بالآراء والأهواء؛ فإن الإيمان تصديق، والمؤمن هو المصدق، قال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]. فمن علامات المؤمنين: أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم مما نقلته العلماء، ورواه الثقات من أهل النقل الذين هم الحجة فيما رووه من الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف؟ ولا: لِمَ؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلّمون ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكّون ولا يرتابون، فكان مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أهل العدالة، ومن يلزم المؤمنين قبول روايته وترك مخالفته: أن الله تعالى يضحك. فلا ينكر ذلك ولا يجحده إلا مبتدع مذموم الحال عند العلماء». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (7/91).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: المجيء والإتيان يوم القيامة لفصل القضاء بين الناس، قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158]، وقال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا﴾ [الفجر: 22]، وقال تعالى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]. وعن أبي هـريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه...» وساق الحديث إلى قوله: «وتبقى هذه الأمة، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه». (أخرجه البخاري (806)، ومسلم (182)، وأبو داود (4730)، والترمذي (2554)، وابن ماجه (178).)
وعن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ [البقرة: 210] يقول: «الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله عز وجل يجيء فيما يشاء». (الأسماء والصفات، للبيهقي (2/370).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: أنه ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله وعظمته، وهو ليس كنزول المخلوقين، بل هو كسائر صفاته التي نؤمن بها ونعلمها، ولا نتمحل في تكييفها، أو نتكلف في ردها؛ بل نؤمن بها كما أخبرنا بها رسولنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ تبارك وتعالى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ». (أخرجه مسلم (758).)
وبوّب إمام الأئمة محمد بن خزيمة رحمه الله في كتابه «التوحيد» بقوله: «باب أخبار ثابتة السند، صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقرٍّ بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيُّه عليه السلام بيانَ ما بالمسلمين الحاجةُ إليه من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول». (التوحيد، لابن خزيمة (1/289).)
وبوّب الحافظ ابن بطة رحمه الله في كتابه «الإبانة» بقوله: «باب الإيمان والتصديق بأن الله تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا من غير زوال ولا كيف. ثم قال رحمه الله: «اعلموا -رحمكم الله- أن الله قد فرض على عباده المؤمنين طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقبول ما قاله وجاء به، والإيمان بكل ما صحت به عنه الأخبار، والتسليم لذلك بترك الاعتراض فيها وضرب الأمثال والمقاييس إلى قول: لِمَ؟ ولا كيف؟... وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» في حديث طويل سنذكره -إن شاء الله- بتمامه، رواه الأئمة المحدثون الثقات والمثبتون والفقهاء الورعون، الذين نقلوا إلينا شريعة الإسلام ودعائمه، مثل الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وما يتلو ذلك من سائر الأحكام من النكاح، والطلاق، والبيوع، والحلال والحرام». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (7/ 201).) (والحديث أخرجه البخاري (1145)، ومسلم (758)، وأبو داود (1315)، والترمذي (446)، وابن ماجه (1366).)
ونؤمن بصفة المعية لله رب العالمين، وأن الله مع خلقه بعلمه وإحاطته ومشيئته، وقد دل على إثباتها لله تعالى الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7].
وقال صلى الله عليه وسلم: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ». (أخرجه البخاري (4205)، ومسلم (2704)، وأبو داود (1526)، والترمذي (3461).)
وهذه المعية نوعان:
معية خاصة: وهذه تكون لرسل الله عليهم السلام ولأوليائه، ومقتضاها: النصر والتأييد، قال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46].
ومعية عامة؛ أي: أن الله مع الخلق كلهم، مؤمنهم وكافرهم، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4]، ومعنى هذه المعية: العلم والإحاطة والقدرة والسلطان.
وهذه المعية لا تنافي علو الله تعالى؛ لأن معناها - كما سبق بإجماع أهل العلم: العلم والإحاطة؛ أي: أن الله تعالى مع خلقه بعلمه وإحاطته.
ومن صفاته تعالى: العَجَب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ». (أخرجه البخاري (3010)، وأبو داود (2677).) وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». (أخرجه أبو داود (1203)، والنسائي (666)، وأحمد (17312)، وابن أبي عاصم في السنة (584)، والروياني (232).)
ونؤمن برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كما دل على ذلك الكتاب، وتواترت به الأخبار عن رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما بشَّر به المؤمنين أنهم يرون ربهم عِيانًا يوم القيامة -وهذا - والله - أعظم نعيم أهل الجنة- قال تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ} [القيامة: 22، 23]، وقال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، وقوله جل شأنه: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]. وقد سئل الإمام مالك فقيل له: يا أبا عبدالله: هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ فقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيّر الله الكفار بالحجاب فقال: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون} . (شرح أصول اعتقاد أهل السنة (2/468).)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟»، قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا»، ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِم، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ، وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِن». (أخرجه البخاري (7439)، ومسلم (183).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ». (أخرجه البخاري (554)، ومسلم (633)، وأبو داود (4729)، والترمذي (2551)، وابن ماجه (177).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ، فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ». (أخرجه البخاري (806)، ومسلم (182)، وأبو داود (4730)، والترمذي (2554)، وابن ماجه (178).)
فأحاديث الرؤية -بحمد الله- متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: ١٤٣]، نفيُ الرؤية؛ لأن هذا في الدنيا، وهو مماثل لقوله صلى الله عليه وسلم في جوابه لأبي ذر رضي الله عنه، حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»، (أخرجه مسلم (178)، والترمذي (3282).) فلم ير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ربه ليلة أسري به؛ وقد أخبرنا تعالى عما أكرمه به من الآيات ليلة أسري به، فقال تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]. ولم يذكر تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، ولو رأى ربه لذكر الله ذلك من باب الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، لا يدل على نفي الرؤيـة؛ لأن الإدراك معنًى زائدٌ على الرؤية. وأيضًا: فإن الآيات السابقة على هذه الآية جاءت في سـياق توكيد التوحيد ونفي الولد، وليست في أخبار المعاد حتى تكون الآية متعلقة بالرؤية.
قال الدارمي رحمه الله: «فهذه الأحاديث كلها -وأكثر منها- قد رويت في الرؤية، على تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصرِ من مشايخنا، ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يروونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا ينكرونها، ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال، بل كان من أكبر رجائهم وأجزل ثواب الله في أنفسهم النظرُ إلى وجه خالقهم حتى ما يعدلون به شيئًا من نعيم الجنة». (الرد على الجهمية، للدارمي (ص: 122).)
وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: «وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة -وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة- فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». (صريح السنة، للطبري (ص: 20).)
قال ابن بطة رحمه الله: «وإنما أرادوا بجحد رؤيتـه إبطال ربوبيته؛ لأنهم متى أقروا برؤيته أقروا بربوبيته؛ لأن الله تعالى جعل ثواب من صدق به بالغيب إيمانًا أن يراه هذا عِيانًا». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (2/ 7).)
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: «أمْضِها بلا كيف». (الصفات، للدارقطني (ص: 75).)
ونثبت لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته، كما قال تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} [القصص: 88]، وقال جل شأنه: ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: 27]. وقال عز من قائل: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22]، وقال: ﴿إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [الليل: 20]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجۡهَهُ﴾ [الأنعام: 52]. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (أخرجه البخاري (4878)، ومسلم (180)، والترمذي (2528)، وابن ماجه (186).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ عز وجل لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وعمل النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». (أخرجه مسلم (179)، وابن ماجه (195، 196).)
وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصِّحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضى، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويَكِلُون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7]». (عقيدة السلف أصحاب الحديث، لأبي عثمان الصابوني (ص: 16، 17).)
ومن صفاته سبحانه وتعالى: صفة اليد، وقد ورد الخبر بها في القرآن والسنة على أوجه متعددة، فتارة ذكرت مثناة، وتارة أخبر تعالى أنه يقبضها ويبسطها، وأنه تعالى يقبض الأرض بيده، ويطوي السموات بيمينه سبحانه وتعالى، وتارة موصوفة بأنها ذات أصابع، وكل ذلك يثبت أن اليد التي ورد وصفها بالقرآن والسنة يد حقيقية تليق بجلاله، لا نتكلف في تأويلها أو تشبيهها أو تحريف الآيات والأحاديث الدالة عليها، قال الحق جل شأنه: ﴿قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ﴾ [ص: 75]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، وقال الحق عز شأنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عليهما السلام عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ»، (أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701)، والترمذي (2134)، وابن ماجه (80).) وفي رواية: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ». (أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701)، والترمذي (2134)، وابن ماجه (80).)
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عز وجل، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». (أخرجه مسلم (1827)، والنسائي (5379).)
وعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ عز وجل يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (أخرجه مسلم (2759).)
وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ». (أخرجه البخاري (4684)، ومسلم (993)، والترمذي (3045)، وابن ماجه (197).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، عَطَسَ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ...» إلى أن قال: «فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ». (أخرجه الترمذي (3368)، وابن أبي عاصم في السنة (596)، والبزار (8194)، والنسائي في الكبرى (9977).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». (أخرجه مسلم (2654).)
وأخرج عبدالله ابن الإمام أحمد في كتابه «السنة»، بسنده عن وكيع قال: «نسلّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا؟ ولا: لم كذا؟ يعني مثل حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الله عز وجل يحمل السموات على أصبع، والجبال على إصبع»، وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». (أخرجه مسلم (2654).) ونحوها من الأحاديث. (السنة، لعبدالله بن أحمد (1/267).)
وقال شريك رحمه الله جوابًا لمن سأله عمن ينكر بعض أحاديث الصفات: «إن الذين جاؤوا بهذه الأحاديث هم الذين جاؤوا بالقرآن، وبأن الصلوات خمس، وبحج البيت، وبصوم رمضان، فما نعرف الله إلا بهذه الأحاديث». (السنة، لعبدالله بن أحمد (1/273).)
قال الحافظ ابن بطة رحمه الله -بعد أن ساق الأحاديث الدالة على صفة اليد لله رب العالمين: «فهذه الأحاديث وما ضاهاها، وما جاء في معناها، في كمال الدين، وتمام السنة: الإيمان بها، والقبول لها، وتلقيها بترك الاعتراض عليها، واتباع آثار السلف في روايتها بلا كيف، ولا لِمَ». (الإبانة، لابن بطة (3/313).)
وكما وصف نفسه بصفات الكمال والجمال والجلال والعزة والكبرياء، فقد نفى عن نفسه صفات النقص، ولم يكن النفي في الصفات هو الأصل في القرآن والسنة؛ لأن الأصل هو إثبات الصفات، والقرآن والسنة مملوءان ببيان صفات الله عز وجل كما ينبغي لجلاله وعظمته وكماله، والرب سبحانه وتعالى إذا نفى عن نفسه صفة، فإنما ينفيها؛ لبيان الكمال في ضدها؛ أو لأن البشر نسبوا النقص إلى ذي العزة والكمال، فينفي الرب النقص المنسوب إليه.
ومما نفاه الرب عن نفسه: السِّنَة، والنوم، كما في قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ﴾ [البقرة: 255]، ونفى النسيان، فقال الحق: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]، ونفى الحق سبحانه وتعالى عن نفسه اللغوب؛ لأن اليهود -عليهم لعنة الله- نسبوا إلى الله التعب لما خلق الخلق، ونفى الحق سبحانه وتعالى أنه استراح بعد تمام الخلق، فقال جل في علاه: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ﴾ [ق: 38].
وأثبت ربنا أنه خلق الخلق لحكمة عظيمة، ولم يخلق خلقه عبثًا، فنفى ربنا عن نفسه العبث، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، وبين الحق أن حكمه العدل وقوله الفصل، وأنه لا يظلم أحدًا؛ لتمام عدله سبحانه وتعالى، فقال ربنا جل وعلا: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وقال: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد} [فصلت: 46].
ونسبت اليهود والنصارى الولد إلى الله، مشابهة للذين كفروا من قبلهم، فنفى الله الولد عن نفسه، فقال المولى جل شأنه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91]، وبين الحق سبحانه وتعالى أن من كان له ولد فلا بد له من صاحبة، والله منزه عن الصاحبة والولد، فقال سبحانه وتعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: 101]، وقال: ﴿وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا﴾ [الجن: 3].
ونؤمن أن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى، وأن أسماءه قد بلغت الغاية في الحسن، فلا أحسن منها، قال الحق جل في علاه: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ [طه: 8]، ومنها ما ورد في قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 2-4]، وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ * هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ * هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [الحشر: 22-24].
وأسماء الله مشتقة، وليست جامدة، وكل اسم يشتق لله منه صفة، فتشتق صفة الرحمة من الرحيم، والعزة من العزيز، والحكمة من الحكيم، والحياة من الحي، وهكذا.
وأسماؤه لا حصر لها، قال صلى الله عليه وسلم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»، (أخرجه الضبي في الدعاء (6)، وابن أبي شيبة في المصنف (29930)، وفي المسند (329)، وأحمد (3712)، والحارث بن أبي أسامة في المسند، كما في بغية الباحث (1057).) وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا: مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». (أخرجه البخاري (2736)، ومسلم (2677)، والترمذي (3506)، وابن ماجه (3860).)
وحذرنا ربنا من الإلحاد في أسمائه، فقال جل في علاه: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].
والإلحاد في أسمائه أنواع؛ منها: التسمي بأسمائه التي لا يجوز أن يتسمى بها البشر، كالخالق، والرحمن، وغيرها. ومنها: تسمية الأصنام بأسماء مشتقة من أسماء الله، كاللات من اسم الله، والعزى من العزيز. ومنها: إنكارها، أو جحود معانيها، أو تعطيلها.
وما ورد في القرآن والسنة من أسماء الله وصفاته أعظم من أن يحيط به كتاب، ولكن يكفينا شرفًا أننا أشرنا إلى جُمَلٍ في هذا الباب.
ونؤمن أن المسلم يجب عليه ألا يصف الله، أو يسميه إلا بما وصف به نفسه أو سمى به نفسه، أو وصفه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسكت عما وراء ذلك.
ونحن نؤمن بهذه الأسماء والصفات على مراد ربنا، وعلى مراد رسولنا صلى الله عليه وسلم، ونعلم أن حقائقها لا يعلم بها البشر، ولا يحيطون بها، ولا تبلغها أفهامهم، ولا نتكلف في تأويلها؛ لأن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {وَمَا أَنَا مِن المُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]، وكما أن في الجنة من أصناف النعيم الوارد ذكرها في القرآن والسنة ما يشترك مع أمثالها في الاسم من نعيم الدنيا، إلا أن بينهما من التفاوت والتباين ما لا يحيط به البشر، فإذا كنا نؤمن بنعيم الجنة، ونحن لم نره، ولا نعلم حقيقته وكيفيته - فالله أعظم من أن يشابهه البشر لمجرد الاشتراك في الصفات أو الأسماء، ولا يلزم من ذلك نفي الأسماء والصفات عن الله لمجرد الاشتراك اللفظي.
وقد توارد أئمة الهدى والعلم على تقرير ذلك، قال ابن أبي زمنين: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. لم تره العيون فتحده كيف هو كينونيته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به». (أصول السنة، لابن أبي زمنين (ص: 74).)
وقال عبدالرحمن بن القاسم: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولا وجهه بشيء، ولكن يقول: له يدان، كما وصف نفسه في القرآن، وله وجه كما وصف نفسه، يقف عند ما وصف به نفسه في الكتاب؛ فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصف نفسه، ويداه مبسوطتان كما وصفهما: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: ٦٧] كما وصف نفسه». (أصول السنة، لابن أبي زمنين (ص: 75).)
وقال الإمام الحميدي رحمه الله: «وما نطق به القرآن والحديث، مثل: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾ [المائدة: ٦٤]، ومثل: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: ٦٧]، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نزيد فيه، ولا نفسره. نقف على ما وقف عليه القرآن والسُّنَّة». (العلو للعلي العظيم، للذهبي (ص: 168).)
وقال الإمام أحمد: «نعبدالله بصفاته كما وصف به نفسه، قد أجمل الصفة لنفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه تعالى ذكره صفة من صفاته شَنَاعَةً شُنِّعَتْ، ولا نزيل ما وصف به نفسه من كلام، ونزول، وخُلُوّه بعبده يوم القيامة، ووضْع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره، ولم يزل الله متكلمًا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفات الله وصف بها نفسه لا تدفع، ولا ترد، وقال: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ﴾ [الحشر: 23]، هذه صفات الله وأسماؤه». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (7/326).)
وقال الإمام قِوام السنة أبو القاسم -وقد سئل عن صفات الرب تعالى- فقال: «مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيه، ولا تشبيه ولا تأويل». (العلو للعلي العظيم للذهبي (2/459).)
وقال أيضًا: «وأنا أذكر - بتوفيق الله تعالى - جماعة من أئمتنا من السلف ممن شرعوا في هذه المعاني، فمنهم: أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري؛ فإنه قد أظهر اعتقاده، ومذهبه في السنة في غير موضع، وقد أملاه على شعيب بن حرب، ومنهم: أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي؛ فإنه قد أجاب في اعتقاده حين سئل عنه كما رواه محمد بن إسحاق الثقفي، ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام؛ فإنه قد أظهر اعتقاده في زمانه، ورواه ابن إسحاق الفزاري، ومنهم: أبو عبدالرحمن بن عبدالله بن المبارك إمام خراسان، والفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح، ويوسف بن أسباط، قد أظهروا اعتقادهم ومذاهبهم بالسنن، ومنهم: شريك بن عبد الله النخعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو إسحاق الفزاري، ومنهم: أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المديني إمام دار الهجرة وفقيه الحرمين؛ فإنه قد أظهر اعتقاده في باب الإيمان والقرآن، ومنهم: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي سيد الفقهاء في زمانه، ومنهم: أبو عبيد القاسم بن سلام، والنضر بن شميل، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي من تلاميذ الشافعي أظهر اعتقاده حين ظهرت المحنة في باب القرآن، ومنهم: أبو عبدالله أحمد بن حنبل سيد أهل الحديث في زمانه، .... وكان أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي مِنْ أفاضل مَنْ بخراسان من العلماء والفقهاء أملى اعتقادًا له، قال: وينبغي لمن منَّ الله بعلم الهداية والكرامة بالسنة ممن بقي من الخلف، القدوةُ ممن مضى من السلف، وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن نقول: إن الله عز وجل أحد لا شريك له، ولا ضد له، ولا ند، ولا شبيه له، إلهًا واحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يشرك في حكمه أحدًا». (الحجة في بيان المحجة (2/508).)
وقال أيضًا رحمه الله: «سبيل الأخبار الواردة في الصفات: أن يؤمن بها، ولا يُتعرض لها، وتمضى كما أمضاها الأسلاف، من غير تمثيل، ولا تأويل». (الترغيب والترهيب، لقوام السنة (1/253).)
وقال ابن قتيبة رحمه الله: «وعدل القول في هذه الأخبار -أي أخبار الصفات- أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء الدنيا، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير أن نقول في ذلك بكيفية، أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غدًا، إن شاء الله تعالى». (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية، لابن قتيبة (ص: 53).)
وقال الزهري: «على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». (الحجة في بيان المحجة (2/512)، وشرح السنة للبغوي (1/171).)
كـتـــاب الإيمــان بالـمـلائكة
ملخص الكتاب
ونؤمن بالملائكة، ونعلم علم اليقين أن الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان.
والإيمان بالملائكة ينتظم معاني:
أحدها: التصديق بوجودهم.
الثاني: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه، كالإنس والجنِّ، مأمورون مكلفون لا يقدرون إلا على ما يقدرهم الله تعالى عليه، والموت جائز عليهم، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدًا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله -تعالى جَدُّه- ولا يُدْعون آلهة، كما ادعى ذلك المشركون.
الثالث: الاعتراف بأن منهم رُسُلَ الله يرسلهم إلى من يشاء من البشر، وقد يجوزُ أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصّافون، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، وقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره. (شعب الإيمان (1/ 296).)
الرابع: الإيمان بالملائكة على سبيل الإجمال والتفصيل، فنؤمن بوجود الملائكة إيمانًا مجملًا، ونؤمن بمن علمنا من أسمائهم وصفاتهم وأعمالهم كما ورد في الكتاب والسنة إيمانًا مفصلًا.
ونؤمن بمن علمنا منهم ومن لم نعلم، ونؤمن بأعمالهم وصفاتهم، ونعلم أن ما خفي علينا من أعدادهم وأعمالهم وصفاتهم أكثر مما علمنا، ولكننا نؤمن بكل ذلك، كما أخبرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا نطلب له كيفية، ولا نرده بعقولنا، ولا نتوهمه بآرائنا، ولا نتأوله باجتهاداتنا، بل نقول: آمنا، وصدقنا، وسلّمنا.
ونؤمن أن الله خلق الملائكة من نور، فهم خلقٌ مِنْ خلْق الله، خلقهم على هيئة مخصوصة لا يعلم حقيقتها إلا اللهُ، وهم عباد مربوبون، خلقهم لعبادته، والقيام بأوامره، فهم يعبدونه، ولا يستنكفون عن عبادته.
ومن عباداتهم: التسبيح، والسجود، والخوف، والوجل، وهم -مع عظيم عبادتهم- يخافون ربهم أشد الخوف، ومن عباداتهم: أنهم يوالون في الله، ويحبون في الله.
ونؤمن أن الله خلقهم على هيئة لا يحيط بها إلا الذي خلقهم عليها.
ونؤمن أن الله جعل لهم أجنحة، وقد أذن لهم أن يأتوا إلى الأنبياء والرسل عليهم السلام على هيئة البشر، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله فقد أكذبه الله.
ونؤمن أن الملائكة لا يأكلون، ولا يشربون؛ لأنه ليس لهم شهوات، وأن من خُلقهم الحياء، وأنهم يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم.
ونؤمن أن الله جعل فيهم من القوة والبأس ما لا يحاط به، والملائكة خلق كثير لا يحصي عددهم إلا الذي خلقهم.
ونؤمن أن الله شرّفهم، وكلفهم أعمالًا جليلةً وكثيرة ومتنوعة، وأشرفها أن يكونوا رسلًا بين الله وبين عباده، يبلغونهم الوحي، والمَلَك الموكَّل بإنزال الوحي إلى أنبياء الله ورسله عليهم السلام هو جبريل عليه السلام . وقد يرسلهم الله إلى غير الأنبياء ابتلاء وامتحانًا.
ومن أعمالهم: حمل العرش، وكتابة القدر، والقيام على شؤون الأرحام ومن فيها - خلقًا وتصويرًا ونفخًا - وتوفي العباد، ونفخ الأرواح في الأجساد في الدنيا وفي الآخرة، والجهاد مع المؤمنين، والدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، وشهود عبادات المؤمنين، ورفع كلماتهم الطيبة، وإخبار الرب عن أعمالهم -وهو الخبير العليم الذي لا يحتاج إلى من يخبره.
ومن أعمالهم: النزول إلى الأرض في مواسم الإيمان، كيوم الجمعة ويوم عرفة وليلة القدر.
ومن أعمالهم: إبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم صلوات أمته عليه.
ومن أعمالهم: حفظ بني آدم، وكتابة الحسنات والسيئات، وحراسة المدينة النبوية من الدجال، وسؤال الميت في قبره، وتبشير المؤمنين عند الموت بالفوز العظيم، واستقبالهم في الدار الآخرة، والدخول عليهم من أبواب الجنة، وأنهم يتنزلون مع الله صفًّا صفًّا يوم القيامة.
ومن أعمالهم: أن منهم خازن الجنة، وخازن النار.
ونؤمن أن الله جعل للملائكة مقاماتٍ ومراتبَ، وأعظمُ الملائكة مقامًا جبريلُ وميكائيل وإسرافيل، ومن أشرافهم: حملة العرش، وكذا من حضر غزوة بدر من الملائكة، وفي كل سماء من الملائكة ما لا يحصي عددهم إلا الله، وهؤلاء الملائكة لكلٍّ منهم مقام معلوم، وفيهم مقربون.
بــاب وجوب الإيمان بالـملائكة
ونؤمن بالملائكة، ونعلم علم اليقين أن الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، قال المولى جل شأنه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ [البقرة: 177]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ». (أخرجه البخاري (4777)، ومسلم (9)، وابن ماجه (64).)
قال البيهقي رحمه الله: «والإيمان بالملائكة ينتظم معاني: أحدها: التصديق بوجودهم. والآخر: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله، وخلقه كالإنس والجن، مأمورون مكلفون لا يقدرون إلا على ما قدّرَهم الله تعالى عليه، والموت جائز عليهم، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدًا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشـراكهم بالله تعالى جدُّه، ولا يُدْعون آلهة كما ادعتهم الأوائل. (يطلقون الأوائل، ويقصدون هم الفلاسفة.) والثالث: الاعتراف بأن منهم رسل الله يرسلهم إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصافون، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، وقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره». (شعب الإيمان (1/ 296).)
فذكر البيهقي ثلاثة من معاني الإيمان بالملائكة.
والرابع: الإيمان بالملائكة على سبيل الإجمال والتفصيل، فنؤمن بوجود الملائكة إيمانًا مجملًا، ونؤمن بمن علمنا من أسمائهم وصفاتهم وأعمالهم كما ورد في الكتاب والسنة إيمانًا مفصلًا.
ونعلم أن ما خفي علينا من أعدادهم وأعمالهم وصفاتهم أكثر مما علمنا، ولكننا نؤمن بكل ذلك كما أخبرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا نطلب له كيفية ولا نرده بعقولنا، ولا نتوهمه بآرائنا، ولا نتأوله باجتهاداتنا، بل نقول: آمنا، وصدقنا، وسلّمنا.
بــاب خلْق الـملائكة وكثرة عددهم وصفاتهم
ونؤمن أن الله خلق الملائكة من نور، قال صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ»، (أخرجه مسلم (2996).) فهم خلق من خلق الله خلقهم على هيئة مخصوصة، لكنهم ليسوا أرواحًا فقط، ولا قوًى فقط، بل هم عالم غيبي، وعباد مربوبون، خلقهم لعبادته، والقيام بأوامره، فهم يعبدونه، ولا يستنكفون عن عبادته.
ومن عباداتهم: التسبيح، والسجود، والخوف، والوجل، وغير ذلك، قال المولى جل شأنه: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم: 6]، وقال -أيضًا: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [النحل: 49]، وقال الحق جل شأنه: ﴿وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ﴾ [الزمر: 75]، وهم -مع عظيم عبادتهم- يخافون ربهم أشد الخوف، قال المولى جل شأنه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩﴾ [النحل: 50].
ومن عباداتهم: أنهم يوالون في الله ويحبون في الله، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ»، (أخرجه البخاري (3209)، ومسلم (2637)، والترمذي (3161).) ويعادون، ويبغضون في الله، ويغارون على محارم الله، ويلعنون مَنْ لعنه الله، قال المولى عز شأنه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ [البقرة: 161]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ». (أخرجه مسلم (2112).)
ونؤمن أن الله خلقهم على هيئة لا يحيط بها إلا الذي خلقهم عليها، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ». (أخرجه أبو داود (4727)، وابن طهمان في مشيخته (21)، والطبراني في الأوسط (1709)، وأبو الشيخ في العظمة (313).)
ونؤمن أن الله جعل لهم أجنحة، قال الحق: ﴿جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ﴾ [فاطر: 1]، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ»، (أخرجه البخاري (4857)، ومسلم (174)، والترمذي (3277).) وأن لهم قلوبًا، قال الحق جل شأنه: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير} [سبأ: 23].
وأذن الله لهم أن يأتوا إلى الأنبياء والرسل عليهم السلام على هيئة بشر، فدخلوا على إبراهيم، وعلى لوط عليهما السلام في هيئة أضياف لا يعرفونهم، قال الله تعالى مخبرًا عن ذلك: ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ * إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ} [الذاريات: 24، 25]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ﴾ [هود: 77]، وجاء جبريل عليه السلام إلى مريم عليها السلام بصورة لم تعرفه لأول وهلة، كما قصَّ الله علينا بقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم: 17-19]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «وَكَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي صُورَةِ دِحْيَةَ». (أخرجه أحمد (5857)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (372)، وابن بطة في الإبانة (831).)
ونؤمن أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنه ليس لهم شهوات؛ ولذا لما دخلوا على إبراهيم عليه السلام وقدَّم لهم الطعام لم يأكلوا، قال الحق سبحانه مخبرًا عن ذلك: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ * فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ * فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ} [الذاريات: 26-28]، وأن من خلقهم الحياء، قال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ». (أخرجه مسلم (2401).)
وأنهم يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ -وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». (أخرجه البخاري (854)، ومسلم (564) واللفظ له، وأبو داود (3822)، والترمذي (1806)، والنسائي (707)، وابن ماجه (3365).)
ونؤمن أن الله جعل فيهم من القوة والبأس ما لا يُحاط به، قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ﴾ [التكوير: 20]، وقال المولى جل شأنه: {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم: 6]، وأرسل الله ملكًا إلى قرى قوم لوط، وهي سبع قرى، فقلبها عليهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ﴾ [هود: 82].
ونؤمن أن الملائكة خلق كثير، لا يحصي عددهم إلا الذي خلقهم، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المعمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المعمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ...». (أخرجه البخاري (3207)، ومسلم (164)، والترمذي (3346)، والنسائي (448).)
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ». (أخرجه الترمذي (2312)، وابن ماجه (4190)، وابن أبي شيبة (27044)، وأحمد (21516)، والبزار (3924، 3925).)
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا». (أخرجه مسلم (2842)، والترمذي (2573).)
وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله بقوله: ﴿أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ﴾ [الصافات: 150]. ورد عليهم قولهم بقوله جل وعلا: ﴿أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا﴾ [الإسراء: 40].
بــاب أعمال الـملائكة
ونؤمن أن الله شرّفهم، وكلَّفهم أعمالًا جليلةً وكثيرةً ومتنوّعةً، وأشرفها: أن يكونوا رسلًا بين الله وبين عباده يبلغونهم الوحي، والمَلَك الموكَّل بإنزال الوحي إلى أنبياء الله ورسله عليهم السلام هو جبريل عليه السلام كما قال المولى عز شأنه: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء: 192-195].
وقد يرسلهم الله إلى غير الأنبياء ابتلاء وامتحانًا، كما في قصة ثلاثة النفر من بني إسرائيل، فعن عبدالرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة رضي الله عنه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، بَدَا لِلَّهِ عز وجل أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المال أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ -أَوْ قَالَ: البَقَرُ، هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الأَبْرَصَ، وَالأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ: البَقَرُ- فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا، وَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المال أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، قَالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا، وَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المال أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الغَنَمُ: فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، وَالجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمال، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى، فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ». (أخرجه البخاري (3464)، ومسلم (2964).)
ومنهم حملة العرش، قال الرب جل شأنه وتعالى سلطانه: ﴿وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ﴾ [الحاقة: 17].
ومن أعمالهم: كتابة القدر، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ». (أخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643)، وأبو داود (4708)، والترمذي (2137)، وابن ماجه (76).)
ومن أعمالهم: القيام على شؤون الأرحام ومن فيها - خلقًا وتصويرًا ونفخًا - فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ». (أخرجه مسلم (2645).)
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». (أخرجه البخاري (6595)، ومسلم (2646).)
ومن أعمالهم: قبض أرواح العباد، قال الحق - وقوله الحق: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61]، وقال المولى جل شأنه: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ [محمد: 27].
ومن أعمالهم: نفخ الأرواح في الأجساد في الدنيا وفي الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»، (أخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643)، وأبو داود (4708)، والترمذي (2137)، وابن ماجه (76).) وقال الله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون} [الزمر: 68].
ومن أعمالهم: الجهادُ مع المؤمنين، وتثبيت المؤمنين في ساحات الوغى، وفي معترك الحياة، قال المولى عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ [الأنفال: 12]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً: فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الملك فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} الآيَةَ [البقرة: 268]». (أخرجه الترمذي (2988)، وابن المبارك في الزهد (1435)، وأحمد في الزهد (854)، وأبو داود في الزهد (164).)
ومن أعمالهم: الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، قال الولي الحميد: ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].
ومن أعمالهم: شهود عبادات المؤمنين في مواسم الإيمان والخير والأوقات الفاضلة، كيوم الجمعة، ويوم عرفة، وليلة القدر، وصلاتي الفجر والعصر، ورفع كلماتهم الطيبة، وإخبار الرب عن أعمالهم -وهو الخبير العليم الذي لا يحتاج إلى من يخبره- قال الله جل ذكره: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، وقال الحق سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ﴾ [القدر: 4].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». (أخرجه البخاري (555)، ومسلم (632)، والنسائي (485).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا». (أخرجه البخاري (6408)، ومسلم (2689).)
وتشهد الملائكة مواسم الإيمان كيوم الجمعة ويوم عرفة وليلة القدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الملائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». (أخرجه البخاري (881)، ومسلم (850)، وأبو داود (351)، والترمذي (499)، والنسائي (1388).)
ومن أعمالهم: إبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم صلوات أمته، عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». (أخرجه أبو داود (204)، وأحمد (8804)، والطبراني في الأوسط (8030)، والبيهقي في الشعب (3865).)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ». (أخرجه النسائي (1282)، وعبدالرزاق (3116)، وابن أبي شيبة في المصنف (8797)، وفي المسند (269)، وأحمد (3666).)
ومن أعمالهم: حفظ بني آدم، قال الله تعالى: ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ [الرعد: 11]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَالْمُعَقِّبَاتُ: «هِيَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ». (أخرجه الطبري في التفسير (13/ 463)، وابن أبي حاتم في التفسير (12198).)
ومن أعمالهم: كتابة الحسنات والسيئات، قال تعالى: ﴿كِرَامٗا كَٰتِبِينَ﴾ [الانفطار: 11]. وقال تعالى: ﴿إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ * مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: 17، 18]، وقال: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: 61]، وقال تعالى فيهم: ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ: فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ». (أخرجه البخاري (7501)، ومسلم (128)، والترمذي (3073).) وقال صلى الله عليه وسلم: «قَالَتِ الْملَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً -وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ- فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ». (أخرجه مسلم (129).)
ومن أعمالهم: حراسة المدينة النبوية من الدجال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَلَى أَنْقَابِ المدينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ». (أخرجه البخاري (1880)، ومسلم (1379).)
ومن أعمالهم: سؤال الميت في قبره، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن حال الإنسان إذا وضع في قبره: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم». (أخرجه أبو داود (4753)، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1548)، والطيالسي (789)، وعبدالرزاق (6737)، وابن أبي شيبة (12185).)
ومن أعمالهم: أن منهم خازن الجنة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتحُ فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحدٍ قبلك». (أخرجه مسلم (197).) وخازن النار، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]. وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} [المدثر: 30، 31]، وقد ثبت في الصحيح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها». (أخرجه مسلم (2842)، والترمذي (2573).) (تفسير القرطبي (19/80).)
بــاب مراتب الـملائكة
ونؤمن أن الله جعل للملائكة مقاماتٍ ومراتبَ، قال الحق سبحانه مخبرًا عنهم: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ * وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ} [الصافات: 164-166].
وأعظمُ الملائكة مقامًا جبريلُ وميكائيل وإسرافيل؛ ولذا توسَّل النبي صلى الله عليه وسلم بربوبية الله للثلاثة الأولين منهم، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». (أخرجه مسلم (770)، وأبو داود (767)، والنسائي (1625)، وابن ماجه (1357).)
ومن أشرافهم حملة العرش، وكذا مَنْ حضر غزوة بدر من الملائكة، وعن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه رضي الله عنه -وكان أبوه من أهل بدر- قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ، قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ المسلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ». (أخرجه البخاري (3992).)
وفي كل سماء من الملائكة ما لا يحصي عددهم إلا الله، وهؤلاء الملائكة لكلٍّ منهم مقام معلوم، وفيهم مقربون؛ ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن صعود روح المؤمن وعروجها بعد موته: «فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ -يَعْنِي بِهَا- عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا». (أخرجه أبو داود (3212)، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1548) وأبو داود الطيالسي (789)، وعبد الرزاق (6324، 6737)، وأحمد (18534) واللفظ له.)
كتاب الإيمان بالكتب
ملخص الكتاب
ونؤمن بالكتب، وهي: كتب الله المنزلة على رسله وأنبيائه عليهم السلام والذي نعلم منها هي: صحف إبراهيم وصحف موسى، والتوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن، ونؤمن بما علمنا منها وما لم نعلم.
ونؤمن أن كل هذه الكتب هي كلام الله ووحيه، والتوراة كتبها الله بيده. وهذه الكتب أنزلها على رسله عليهم السلام نزل بها جبريل الأمين، وتضمنت الشرائع الإلهية، والأخبار والمواعظ والأوامر والنواهي، وكان كل كتاب في زمنه هو الوحي الذي يجب العمل به، والتحاكم إليه للأمة التي أنزل عليها.
ونؤمن أن بعضها أفضل من بعض، فالتوراة كتبها الله بيده.
ونعلم علم اليقين أن الإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان، فنؤمن بها كلها، ولا نكون كالذين آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
ونؤمن أن كل الكتب التي سبقت القرآن لم يتكفل الله بحفظها؛ بل وَكَلَ حفظها إلى القوم الذين أنزلها الله عليهم؛ ولذا دخلها التحريف، وتعرضت هذه الكتب الإلهية للضياع والنسيان، وكتبها المفترون، ونسبوها إلى الله زورًا وبهتانًا، فهم يكتبونها ويتلونها بألسنتهم إمعانًا في التلبيس على الخلق؛ ليحسبوها من عند الله.
ونؤمن أن القرآن الكريم هو أعظم الكتب الإلهية وأكملها وأشرفها، وهو آخرها، نزل به جبريل عليه السلام على قلب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، بلسان عربي مبين، واختار الله له أشرف اللغات؛ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه، وأول ما أنزل الله منه قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، ومن أواخر ما نزل منه قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، نزل منجمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال سنوات نبوته، ومنه المكي والمدني، وعدد سوره مائة وأربع عشرة سورة، وأعظم سوره «سورة الفاتحة»، و«سورة الإخلاص» تعدل ثلث القرآن، وأعظم آياته آية الكرسي.
وأثنى الله على هذا الكتاب العظيم، وجعله نورًا وهدى ورحمةً للمؤمنين، وموعظةً وشفاءً من أدواء القلوب والأبدان.
ونؤمن أن هذا الكتاب العظيم هو أكمل الكتب الإلهية وأشملها، وتضمن من الحجج والبراهين، وضَرْب الأمثال ما تقوم به الحجة على الخلق إلى قيام الساعة - وقد احتوى على كل ما في الكتب الإلهية السابقة وزاد عليها، وتضمن كل ما يحتاج إليه الخلق من أصول الإيمان والشرائع والبراهين والحِكَم والمواعظ والأخبار، وهو في غاية الفصاحة والبيان. ومن أعظم الدَّلالات على أن هذا القرآن كلام رب العالمين، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وأنزل عليه أعظم الكتب وأكملها فصاحة وبيانًا.
ونؤمن أن القرآن آية باهرة في لفظه ومعناه، وتحدى الله الجن والإنس جميعًا أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة من مثله.
ونؤمن أن هذا القرآن هو كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، متلوٌّ في المحاريب والمساجد، لا يخرجه ذلك عن أن يكون كلام الله. وكلامُ الله صفة من صفاته، وما كان من صفات الله فلا يكون مخلوقًا؛ إذ لو كان مخلوقًا لجرى عليه ما يجري على سائر المحدثات من الفناء والزوال والتغيُّر.
ونؤمن أن هذا القرآن قد تكفل الله بحفظه، ولم يجعل ذلك إلى خلقه، وجعله محكمًا غاية الإحكام كما جعله متشابهًا، وبيَّن أن أهل الزيغ يتبعون المتشـابه منه، والمؤمنون يؤمنون به كله محكمه ومتشابهه.
وجعله الله حاكمًا على جميع الكتب السابقة، ومهيمنًا عليها، وأن هذا الكتاب يقصُّ علينا أخبار الأمم الماضية، ويفْصلُ بين أهل الكتاب فيما اختلفوا فيه.
ونؤمن أن هذا القرآن العظيم هو كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين، وهذا أمر معلوم من دين المسلمين بالضرورة، وجميع المسلمين العلماء منهم والعامة مجمعون على ذلك، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وقد شهد الله لهذا القرآن بأنه من عنده، وشهدت الملائكة أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد. وشهد أهل الكتاب المعاصرون للرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر الله هذه الشهادة في محكم تنزيله. وشهد شاهد الجن بأن هذا القرآن تنزيل من عند الله وأنه موافق لما جاء به موسى عليه السلام ، وشهد كفار قريش أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، وأنه مخالف لكلامهم.
ونؤمن أن ما تضمنه القرآن من علوم إلهية، وأحكام شرعية، وآداب مرعية - أن ذلك مستقرٌّ في الفِطَر، موافق لما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، وكل الأصول التي ورد التوكيد عليها في القرآن هي التي دعا إليها المرسلون، وأكدوا عليها.
والقرآن العظيم موافق لما يريده الله سبحانه وتعالى من الخلق، وموافق لما يريده الخلق من الخالق؛ ذلك لأن الله هو الخالق، فيعلم ما يحتاج إليه العباد، ويعلم ما يصلح أديانهم وأبدانهم وأموالهم وديارهم، وما أمر بشيء إلا وفي أمره غاية المصلحة، ولا نهى عن أمر إلا وفي نهيه غاية الاحتياط والحماية.
والقرآن الكريم موافق لما تقتضيه العقول، ولذا لما ذكر الله أصول المحرمات في «سورة الأنعام» ختمها بقوله: {لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ}.
والأدلة التي جاء بها القرآن الكريم أدلة في غاية البيان والفصاحة والقوة والقرب واليسر، يفهمها كل أحد، ولا يستطيع أن ينقضها أحد أو يردها، وهذا لا يعرف في كلام أحد من البشر، وأدلته لا يمكن -بحال من الأحوال- أن تدل على باطل.
والقرآن العظيم هو كلام رب العالمين، ومع ذلك فهو ميسّر لكل أحد، ولم يكن من معهود البشر أن يكتب الواحد منهم كتابًا، فيكون ميسرًا لكل أحد، ومخاطبًا به كل أحد، فهذا لا يكون إلا لهذا الكتاب الكريم.
والقرآن العظيم محفوظ من التغير والاختلاف، وكتب الله له البقاء والخلود إلى قيام الساعة، وهذا البقاء والخلود وعدم التغير يدل على أنه تنزيل من حكيم حميد، ومع بقائه وخلوده وحفظه، ومع تجدُّد العلوم والفنون والمكتشفات، لم نجد أن علمًا تضمن خلاف ما جاء به القرآن، بل العلوم توافق القرآن فيما ورد في القرآن ذكره، كخلق السموات، وخلق الإنسان، وغير ذلك.
والقرآن هادٍ للتي هي أقوم، شامل لكل خير، فهو شامل للخبر عن الخالق والمخلوق، والدنيا والآخرة، والجن والإنس، والأوامر والنواهي والآداب والواجبات، والجنة والنار، فهو شامل للإيمان والعمل والجزاء.
والقرآن الكريم شفاء للأدواء، ولا يعرف في كلام البشر كلام يكون فيه الشفاء من أدواء القلوب والأبدان، كما في هذا القرآن العظيم الذي هو كلام رب العالمين.
والقرآن يقص علينا أخبار الأمم الماضية كما وقعت، ولم تكن أخبارهم منتشرة بين أهل مكة، فقصها الله علينا كما هي، وهذا شاهد على أن هذا التنزيل من حكيم حميد.
والقرآن العظيم الذي تضمن غاية البيان والفصاحة والأخبار الغيبية والشرائع الربانية جاء به رسول أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا دالٌّ على أنه تنزيل من حكيم حميد. والسورة الواحدة من القرآن الكريم تنزل في أوقات متباعدة، وفي أماكنَ مختلفةٍ، ومع ذلك تقرأ السورة كأنما أنزلت مرة واحدة، وجرت العادة أن البشر تتفاوت ملكاتهم، وتختلف أساليبهم إذا صنفوا الكتب في أوقات متباعدة.
والرسول صلى الله عليه وسلم قد آتاه الله السنة كما آتاه القرآن: ومن نظر في القرآن والسنة علم أن بينهما من التفاوت ما لا يخفى.
وأن القرآن تضمن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي أن يكون، أو ما يجب أن يفعله.
بــاب وجوب الإيمــان بالكـتب
ونؤمن بالكتب، وهي كتب الله المنزلة على رسله وأنبيائه عليهم السلام.
والذي نعلم منها هي: صحف إبراهيم، وصحف موسى، والتوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن.
ونؤمن بما علمنا منها وما لم نعلم.
ونؤمن أن كل هذه الكتب هي كلام الله ووحيه، أنزلها على رسله عليهم السلام نزل بها جبريل الأمين، وتضمنت الشرائع الإلهية، والأخبار والمواعظ والأوامر والنواهي. وكان كل كتاب في زمنه هو الوحي الذي يجب العمل به، والتحاكم إليه.
ونؤمن أن بعضها أفضل من بعض، فالتوراة كتبها الله بيده، قال الحق جل في علاه: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145]، وقال صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن آدم أنه قال لموسى عليهما السلام: «يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ»، (أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701)، والترمذي (2134)، وابن ماجه (80).) وقال الله في التوراة: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ﴾ [المائدة: 44]. وقال الحق في الإنجيل: ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46].
والإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان بالله، قال المولى جل شأنه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ»، (أخرجه البخاري (4777)، ومسلم (9)، وابن ماجه (64).) ولا نكون كالذين آمنوا ببعضها، وكفروا ببعض، كما أخبر الله عنهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 150]، أو كالذين كذبوا بالكتب التي أنزلها الله على رسله، حيث قال الحق مخبرًا عنهم بقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ﴾ [غافر: 70].
ونؤمن أن كل الكتب التي سبقت القرآن لم يتكفل الله بحفظها؛ بل وَكَلَ حفظها إلى القوم الذين أنزلها الله عليهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ﴾ [المائدة: 44]؛ ولذا دخلها التحريف، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ﴾ [المائدة: 13].
وتعرَّضت هذه الكتب الإلهية للضياع والنسيان، وكتب المفترون ما كتبوا ونسبوها إلى الله زورًا وبهتانًا، قال الحق جل في علاه: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]، ويتلونها بألسنتهم إمعانًا في التلبيس على الخلق؛ ليحسبوها من عند الله، قال الله مخبرًا عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].
بــاب الإيمان بالقرآن العظيم
ونؤمن أن القرآن الكريم هو أعظم الكتب الإلهية وأكملها وأشرفها، وهو آخرها، نزل به جبريل عليه السلام على قلب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} [الشعراء: 192-194]، واختار الله له أشرف اللغات، فأنزله بلسان عربي مبين، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. قال ابن قتيبة: «وإنما يعرف فضلَ القرآن مَنْ كَثُرَ نَظَره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات؛ فإنه ليس في جميع الأمم أمّة أوتيت من العارضة والبيان، واتساع المجال، ما أوتيته العرب خصّيصي من الله؛ لما أرهصه في الرسول صلى الله عليه وسلم، وأراده من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه، كما جعل علم كل نبي من المرسلين، من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه». (تأويل مشكل القرآن (ص: 17).)
وأول ما أنزل الله منه: قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت في أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم: حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الملكُ، فَقَالَ: «اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ : ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ} [العلق: 1-3]، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. (أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160)، والترمذي (3632).) ومن أواخر ما نزل منه: قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]».
وقد نزل القرآن منجمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال سنوات نبوته، ومنه المكي والمدني، وعدد سوره مائة وأربع عشرة سورة، وأعظم سوره «سورة الفاتحة»، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ». (أخرجه مسلم (806)، والنسائي (912).) و«سورة الإخلاص» تعدل ثلث القرآن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد * اللَّهُ الصَّمَد} حَتَّى خَتَمَهَا. (أخرجه مسلم (812).)
وأعظم آياته آية الكرسي، فعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْم أَبَا الْمُنْذِرِ». (أخرجه مسلم (810)، وأبو داود (1460).)
وأثنى الله على نفسه بإنزال هذا الكتاب، فقال جل ثناؤه: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ﴾ [الكهف: 1]. كما أثنى سبحانه وتعالى على هـذا الكتاب العظيم، فقال الحق جل شأنه وتعالى سلطانه: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]، وقال سبحانه أيضًا: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31]، وجعله هدى ورحمة للمؤمنـين، قال الله تعالى: ﴿هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 20]، وموعظة وشفاء من أدواء القلوب والأبدان، فقال الحق جل شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 57]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا﴾ [الإسراء: 82].
ونؤمن أن هذا الكتاب العظيم هو أكمل الكتب الإلهية وأشملها، وتضمن من الحجج والبراهين، وضَرْب الأمثال ما تقوم به الحجة على الخلق إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 174]، وقال الحق جل في علاه: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾ [الإسراء: 89]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ [الإسراء: 41]، قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} لهؤلاء المشركين المفترين على الله {فِي هَـذَا الْقُرْآنِ} العبر والآيات والحجج، وضربنا لهم فيه الأمثال، وحذرناهم فيه، وأنذرناهم {لِيَذَّكَّرُواْ} يقول: ليتذكروا تلك الحجج عليهم، فيعقلوا خطأ ما هم عليه مقيمون، ويعتبروا بالعبر، فيتعظوا بها، وينيبوا من جهالتهم، فما يعتبرون بها، ولا يتذكرون بما يرد عليهم من الآيات والنذر». (تفسير الطبري (17/453).)
وقد احتوى هذا القرآن العظيم على كل ما في الكتب الإلهية السابقة، وزاد عليها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115]، وتضمن كل ما يحتاج إليه الخلق من أصول الإيمان والشرائع والبراهين والحكم والمواعظ والأخبار، قال الحق جل شأنه: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: 3]، وهو في غاية الفصاحة والبيان، قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ} [الزمر: 23]. وقال صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ». (أخرجه البخاري (2977)، ومسلم (523)، والترمذي (1553)، والنسائي (3087).)
ومن أعظم الدلالات على أن هذا القرآن كلام رب العالمين: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، وأنزل عليه أعظم الكتب وأكملها فصاحة وبيانًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]، وقال تعالى: {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [الأعراف: 158].
ونؤمن أن القرآن آية باهرة في لفظه ومعناه، وتحدى الله الجن والإنس جميعًا أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة، فتبارك الله رب العالمين، قال الحق جل شأنه: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ [الإسراء: 88]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [هود: 13]. وقال المولى عز شأنه: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 23].
ونؤمن أن هذا القرآن قد تكفل الله بحفظه، ولم يجعل ذلك إلى خلقه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وقال تعالى: ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾ [فصلت: 42]، وجعله محكمًا كله من حيث الإحكام العامِّ، قال المولى عز شأنه: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]، كما جعله متشابهًا كله، فقال الحق سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ} [الزمر: 23]، وجعل منه المحكم والمتشابه، فقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7]، وبين أن أهل الزيغ يتبعون المتشابه منه، والمؤمنون يؤمنون به كله محكمه ومتشابهه.
وجعله الله حاكمًا على جميع الكتب السابقة، ومهيمنًا عليها، قال المولى عز شأنه: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ [المائدة: 48]. وبين الحق أن هذا الكتاب يقص علينا أخبار الأمم الماضية، كما في قول الحق جل شأنه: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ﴾ [يوسف: 102]، ومثلها كثير، والقرآن يفْصلُ بين أهل الكتاب فيما اختلفوا فيه، قال المولى عز شأنه: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [النمل: 76].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عَلَى مِنْبَرِهِ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كَلاَمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَضَعُوهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَلاَ تَتَّبِعُوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ. (أخرجه أحمد في الزهد (191)، والدارمي (3398)، وعبدالله بن أحمد في السنة (117)، والآجري في الشريعة (155) واللفظ له، وابن بطة في الإبانة (23).)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، فَلَا تَصْرِفُوهُ عَلَى آرَائِكُمْ». (أخرجه الآجري في الشريعة (156).)
وعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: «كَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ رضي الله عنه لِي جَارًا، فَقَالَ لِي يَوْمًا: يَا هَنَاهْ، تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْتَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَسْتَ تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ». (أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: 77)، وابن أبي شيبة (30722)، وأحمد في الزهد (192)، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (160)، وعبدالله بن أحمد في السنة (111).)
ونؤمن أن هذا القرآن هو كلام الله، منزل غير مخلوق، وأنه محفوظ في الصدور، قال الحق جل شأنه: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 49]، وسواء كان مكتوبًا في المصاحف، أو متلوًّا في المحاريب والمساجد، فلا يخرجه ذلك عن أن يكون كلام الله، قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ * فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ * لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الواقعة: 77-80].
والقرآن العظيم كلام الله، وكلامه صفة من صفاته، وما كان من صفات الله فلا يكون مخلوقًا؛ إذ لو كان مخلوقًا لجرى عليه ما يجري على سائر المحدثات من الفناء والزوال والتغير، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 82]، وقال الحق جل في علاه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون} [التوبة: 6].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ». (أخرجه البخاري (3371)، وأبو داود (4737) وقال: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق، والترمذي (2060)، وابن ماجه (3525).)
وحكى إسماعيل بن أبي أويس إجماع أهل المدينة على أن القرآن غير مخلوق، فقال: «كان مالك وعلماء أهل بلدنا يقولون: القرآن من الله، وليس من الله شيء مخلوق، وعلماء أهل المدينة في وقت مالك بن أنس: محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب، وعبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون، وأبو بكر بن أبي سبرة، وإبراهيم بن سعد الزهري، وسعيد بن عبدالرحمن الجمحي، وحاتم بن إسماعيل، وعبدالله بن عبدالعزيز العمري الزاهد، وأبو ضمرة أنس بن عياض، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/300).)
وقال شعيب بن حرب: قلت لأبي عبدالله سفيان بن سعيد الثوري: «حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به، فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه، فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري، وأخذته عنه، فأنجو أنا، وتؤاخذ أنت. فقال: يا شعيب، هذا توكيد، وأي توكيد، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/170).)
وقال الإمام ابن جرير الطبري: «حدثنا ابن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود». (صريح السنة، للطبري (ص: 19).)
وعن الحسن بن أيوب قال: «سمعت أحمد بن حنبل يقول عن الفريابي قال: سمعت الثوري - يعني سفيان - يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو زنديق». وعن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: بلغني عن إبراهيم ابن سعد، وسعيد بن عبدالرحمن الجمحي، ووهب بن جرير، وأبي النضر هاشم بن القاسم، وسليمان بن حرب قالوا: القرآن ليس بمخلوق». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/277).)
وبوّب إمام الأئمة محمد بن خزيمة رحمه الله على هذه المسألة، فقال: «باب من الأدلة التي تدل على أن القرآن كلام الله الخالق، وقوله غير مخلوق». (التوحيد، لابن خزيمة (1/404).)
وقال أبو سعيد الدارمي: «ففي هذه الأحاديث بيان أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه ليس شيء من المخلوقين من التفاوت في فضل ما بينهما كما بين الله وبين خلقه في الفضل؛ لأن فضل ما بين المخلوقين يستدرك، ولا يسـتدرك فضل الله على خلقه، ولا يحصيه أحد، وكذلك فضل كلامه على كلام المخلوقين، ولو كان كلامًا مخلوقًا لم يكن فضل ما بينه وبين سائر الكلام كفضل الله على خلقه، ولا كعشر عشر جزء من ألف ألف جزء ولا قريبًا ولا قريبًا، فافهموه؛ فإنه ليس كمثله شيء، فليس ككلامه كلام، ولن يؤتى بمثله أبدًا». (الرد على الجهمية، للدارمي (ص: 188).)
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: «أما القرآن فإنه كـلام الله تعالى، ووحيُه وتنْزيلُه، على هذا وجدتُ أبا حنيفة والأئمةَ، ولم يكن عندهم مخلوقًا، ولا خالقًا». (الاعتقاد، للنيسابوري (ص: 135).)
بــاب القرآن الكريم تنزيل رب العالـمين
ونؤمن أن هذا القرآن العظيم هو كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، وهذا أمر معلوم من دين المسلمين بالضرورة، والمسلمون مجمعون على ذلك، ولم يخالف في ذلك أحد منهم. وهذا الأمر -وهو كونه من رب العالمين- تدل عليه أدلة كثيرة لا يمكن حصرها، ولا الإحاطة بها، فمنها:
شهادة الله لهذا القرآن بأنه من الله، قال الحق - وقوله الحق: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ﴾ [الأنعام: 19]، وقال تعالى: ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ﴾ [النساء: 166].
ومنها: شهادة الملائكة أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد، قال تعالى: ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166].
ومنها: أنه موافق لما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، كما في قوله تعالى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ [الإسراء: 23]. إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا﴾ [الإسراء: 39].
وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 3]. فكل هذه الأصول التي ورد التوكيد عليها هي التي دعا إليها المرسلون وأكَّدوا عليها.
ومنها: شهادة أهل الكتاب المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر الله هذه الشهادة في محكم تنزيله، فقال جل من قائل: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10]. وفي «الصحيحين» من خبر ورقة بعدما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بما رأى «فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى». (أخرجه البخاري (3392)، ومسلم (160).)
وفي خبر جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي: هل معك شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقرأ عليه، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: «وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَالْكَلَامَ الَّذِي جَاءَ مُوسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ». (أخرجه إسحاق بن راهويه (1835)، وأحمد (22498)، وابن خزيمة (2260)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (5598)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 115)، وفي دلائل النبوة (194).)
ومنها: شهادة الجن بأن هذا القرآن تنزيل من عند الله، وأنه موافق لما جاء به موسى عليه السلام : ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الأحقاف: 29، 30]. وقال تعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا * يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا} [الجن: 1، 2].
ومنها: شهادة كفار قريش أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، وأنه مخالف لكلامهم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِم؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ؟! فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزٍ وَلَا بِقَصِيدَةٍ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ». (أخرجه الحاكم (3872)، والبيهقي في الشعب (133)، وفي دلائل النبوة (2/ 198).)
ومنها: أن القرآن العظيم موافق لما يريده الله سبحانه وتعالى من الخلق، قال المولى عز شأنه: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153].
ومنها: أن ما تضمنه القرآن من معارفَ إلهيةٍ، وأحكامٍ شرعيةٍ، وآدابٍ مرعيـَّةٍ كله مما استقر في الفطر، قال الحق جـل في عـلاه: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
ومنها: أن القرآن العظيم موافق لما فيه صلاح الخلق؛ ذلك لأن الله هو الخالق، فيعلم ما يحتاج إليه العباد، ويعلم ما يصلح أديانهم وأبدانهم وأموالهم وديارهم، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. وما أمر إلا وفي أمره غاية المصلحة، ولا نهى إلا وفي نهيه غاية الاحتياط والحماية.
ومنها أن القرآن الكريم موافق لما تقتضيه العقول؛ ولذا لما ذكر الله أصول المحرمات في «سورة الأنعام» ختمها بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}، قال تعالى: ﴿۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [الأنعام: 151].
وخطاب القرآن لأولي الألباب أكثر من أن يحصر، كما أن الله كثيرًا ما يطلب من العباد التفكُّر والنظر والاعتبار فيما يأمر به، أو ينهى عنه.
ومنها: أن الأدلة التي جاء بها القرآن الكريم أدلة في غاية البيان والفصاحة والقـوة والقرب واليسـر، يفهمها كل أحد، وهذا لا يعرف في كلام أحد من البشر، كما في قوله تعالى: ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [لقمان: 11]، وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، كما أن أدلته لا يمكن -بحال من الأحوال- أن تدل على باطل، ومن قوة أدلته أنه لا يمكن نقضها أو ردها، قال تعالى: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ [الإسراء: 81].
ومنها: أن القرآن العظيم -وهو كلام رب العالمين- ميسَّر لكل أحد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: 17]. ولم يكن من معهود البشر أن يكتب الواحد منهم كتابًا فيكون ميسرًا لكل أحد، ومخاطبًا به كل أحد، فهذا لا يكون إلا لهذا الكتاب الكريم.
ومنها: أن القرآن العظيم محفوظ من التغيُّر والتبديل، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وكتب الله له البقاء والخلود إلى قيام الساعة، فهذا البقاء والخلود وعدم التغيّر يدل على أنه تنزيل من حكيم حميد، قال الحق: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 82].
ومع بقائه وخلوده وحفظه ومع تجدُّد العلوم والفنون والمكتشفات، لم نجد أن علمًا تضمن خلاف ما جاء به القرآن، بل العلوم توافق القرآن فيما ورد في القرآن ذكره، كخلق السموات، وخلق الإنسان وغير ذلك.
ومنها: أن القرآن هادٍ للتي هي أقوم، شامل لكل خير، فهو شامل للخبر عن الخالق والمخلوق، والدنيا والآخرة، والجن والإنس، والأوامر والنواهي والآداب والواجبات، والجنة والنار، فهو شامل للإيمان والعمل والجزاء، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: 38]، وقال تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
ومنها: أن القرآن الكريم شفاء للأدواء، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 57]. ولا يعرف في كلام البشر كلام يكون فيه الشفاء من أدواء القلوب والأبدان، كما في هذا القرآن العظيم الذي هو كلام رب العالمين.
ومنها: أن الله تحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثلـه، أو بمثل سـورة منه، قال تعالى: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [يونس: 38]، وبين أنه لا ريب فيه، فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [يونس: 37].
ومنها: أن هذا القرآن يقص علينا أخبار الأمم الماضية كما وقعت، ولم تكن أخبارهم منتشرة بين أهل مكة، فقصها الله علينا، كما في قوله تعالى: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ [يوسف: 3]. وهذا شاهد على أن هذا التنزيل من حكيم حميد.
ومنها: أن هذا القرآن العظيم الذي تضمن غاية البيان والفصاحة والأخبار الغيبية والشرائع الربانية جاء به رسول أمي لا يقرأ ولا يكتب، قال المولى جل شأنه: ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157].
ومنها: أن السورة الواحدة من القرآن الكريم تنزل في أوقات متباعدة وفي أماكن مختلفة، ومع ذلك تقرأ السورة كأنما أنزلت مرة واحدة، وجرت العادة أن البشر تتفاوت ملكاتهم، وتختلف أساليبهم إذا صنفوا الكتب في أوقات متباعدة.
ومنها: أن الرسـول صلى الله عليه وسلم قد آتاه الله السنة كما آتاه القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ». (أخرجه أبو داود (4604)، والترمذي (2664)، وابن أبي شيبة في المصنف (24816) وفي المسند (927)، وأحمد (17174).)
ومنها: أن القرآن تضمن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي أن يكون، أو ما يجب أن يفعله، كما في قوله تعالى: ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [الأنفال: 68]، وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التحريم: 1]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ * أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ * وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ * أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ * أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ * فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ} [عبس: ١-7]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا * إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا} [الإسراء: 74، 75]، ولو كان القرآن من عند الرسول صلى الله عليه وسلم لما سجَّل هذا على نفسه؛ فلما ورد فيه مثل هذا التوجيه الكريم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ دل قطعًا على أنه ليس من عنده، بل هو من عند العليم الحكيم.
كتــاب الرســل والأنبـيــاء -عليهم السلام-
ملخص الكتاب
ونؤمن أن الإيمان بالرسل عليهم السلام هو الركن الرابع من أركان الإيمان بالله تعالى.
ونؤمن أن أساس دعوة الرسل عليهم السلام هو العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنهم كلهم بُعِثوا بالتوحيد ودَعَوا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، فالأنبياء والمرسلون أكمل الناس توحيدًا وإيمانًا، وهم أعلم الخلق بالخالق سبحانه وتعالى وما يجب له وما يمتنع عليه سبحانه وتعالى.
وكل نبي دعا قومه إلى أصلين عظيمين، هما: عبادة الله وحده، والإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه من النعيم لأوليائه، والعذاب لأعدائه.
ونؤمن أن الأنبياء عليهم السلام متفقون في الأصول الكبرى التي دعوا إليها، فكلهم دعا إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وكلهم دعوا إلى أصول العبادات، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأصول الأخلاق المحمودة، ونهوا عن أصول الأخلاق المذمومة، فالأنبياء عليهم السلام متفقون في الأصول، أما الشرائع التي دعوا إليها فمختلفة في أحكامها وتفاصيلها.
ونؤمن أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء عليهم السلام وتصديقهم في كل ما أخبروا به من الغيب، وطاعتهم فيما أمروا به، والانتهاء عن كل ما نهوا عنه، ومحبتهم وتوقيرهم والاقتداء بهم، والشهادة لهم بأنهم بلَّغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا لله ولعباده، وجاهدوا في الله حق جهاده، ويجب على كل أمة العمل بشريعة الرسول الذي أرسل إليها، ويجب على هذه الأمة -أمة محمد صلى الله عليه وسلم- من الجن والإنس العمل بشريعة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مرسل إلى جميع الثقلين.
وكل الأنبياء والرسل عليهم السلام جاؤوا لإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل، وإن كانوا في عزٍّ من الدنيا وسلطان وقوة وبأس وحرث ومصانعَ.
ونؤمن أن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ونؤمن أن الله قد أرسل في كل أمة رسولًا. فمن علمنا اسمه منهم وجب الإيمان به، ومن لم نعلم اسمه منهم نؤمن به إجمالًا. فالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام واجب على كل مسلم ومسلمة، ومن كفر بنبي واحد فقد كفر بجميع الأنبياء عليهم السلام.
ونؤمن أن الله يرسل رسله إلى من شاء من عباده وَفْق ما تقتضيه حكمته، فلا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء ويختار.
ونؤمن أن النبوة مِنَّة إلهية، ورحمة ربانية يهبها الله لمن شاء من عباده، فالله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس.
والأنبياء والرسل عليهم السلام فيما بينهم متفاضلون، وأفضلهم أولو العزم، وأفضل أولي العزم الخليلان: إبراهيم، ومحمد عليهما السلام، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان على سبيل الحمية والعصبية أو التنقص، وكما اتخذ الله إبراهيم ومحمدًا عليهما السلام خليلين، فقد اختار الله موسى عليه السلام واصطفاه على الناس برسالاته وبتكليمه، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد نال شرف مرتبة الخُلَّة، وشرف أن كلمه ربه من وراء حجاب ليلة أسري به صلى الله عليه وسلم، فيكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد نال شرف الخلة، وشرف التكليم.
ونؤمن أن الأنبياء أفضل البشر، ولا يبلغ أحد مرتبة النبي، لا وليٌّ ولا غيره، ولا يجوز تفضيل أحد من البشر على أحد من الأنبياء، وليست النبوة كسبًا، ولا ينالها العبد بالاجتهاد بالطاعة، ولا بتزكية النفس والمجاهدة وتطهير القلب وتنقيته وتهذيب السلوك.
ونؤمن أن الله لم يرسل إلا رجالًا، ونعلم أن الرسل والأنبياء عليهم السلام بشر كبقية البشر، وهم أكمل البشر في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم، لكنهم يوحى إليهم، وهم معصومون فيما يبلغونه عن أمر الله، وإذا اجتهد النبي فيما لم يوح إليه فيه شيء ولم يصب، فإن الله لا يقره على اجتهاده، بل يتنزل عليه الوحي لتسديده.
والرسل والأنبياء عليهم السلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًَّا، مع أن لهم المنزلة العالية، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود في الدنيا والآخرة، وإذا كانوا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فلا يملكون لغيرهم من باب الأولى، وإذا كانوا لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم -حال حياتهم- نفعًا ولا ضرًّا فهم إذًا من باب الأولى لا يملكون لغيرهم نفعًا ولا ضرًّا، بعد وفاتهم.
ولا يعلمون الغيب إلا على قدر ما أطلعهم الله عليه وأذن لهم فيه.
والأنبياء والمرسلون عليهم السلام يعبدون الله خوفًا وطمعًا، ويبتغون إليه الوسيلة ويتقربون إليه سبحانه وتعالى.
ونؤمن أن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام يتعرضون لما يتعرض له البشر من البلاء والمرض، ويصيبهم الحزن والموت، وأنهم لهم أزواج وذريةٌ، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ونعلم أن المسيح عليه السلام رفعه الله حيًّا لما أراد قومه قتله.
ونشهد أنهم قد نصحوا للخلق، وأدوا الأمانة، وبلغوا رسالات ربهم، ولا يضرهم أن الأتباع لم يستجيبوا، ولا أن الملأ استكبروا عليهم.
ونؤمن أن الله قد آتى كل نبي من الآيات والحجج ما على مثلها يؤمن البشر.
ونؤمن أن الله ما بعث نبيًّا، إلا ومعه آية تدل على صدقه، سواء علمناها أو لم نعلمها، وقد ذكر الله لنا جملة منها في القرآن الكريم. ونعلم -أيضًا- أن هناك آياتٍ كثيرةً أيَّد الله بها رسله السابقين، ولم يذكرها الله لنا، وتارة يذكر الله الآيات البينات، وتارة يذكر السلطان، ونعلم أن الآيات والحجج التي أيَّد الله بها رسله وأنبياءه عليهم السلام كثيرة جدًّا.
وأعظمُ الأدلة الدالة على صدقهم هي ما يدعون إليه من التوحيد المستقر في الفطر الذي تشهد العقول على حسنه، وما جاؤوا به من العلم النافع والعمل الصالح والهدى ودين الحق والميزان. وشهادة الله لرسله أنهم على الحق، وأن ما جاؤوا به هو الحق. ومن أعظم آياتهم الوحي الذي يتنزل عليهم من الله، وأعظمُ الوحي هو القرآن العظيم آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الوحي لا يمكن أن يأتي البشر بمثله؛ لأنه كلام الله ووحيه، ولما فيه من الأنباء الغيبية، ولما فيه من الهدى والنور والرحمة والحكمة.
ومما أيَّد الله به رسله عليهم السلام البراهين العقلية التي يمدهم الله بها، فتبهت الكافر، وتزهق باطله.
ومن أعظم آياتهم إخبارهم بالغيوب التي يأذن الله لهم في الإخبار عنها. ومنها: نجاة الأنبياء السابقين عليهم السلام ونجاة أتباعهم من مكر أعدائهم، وهلاك المعاندين المستكبرين، وتذكير الله للمدعوين بما فعل بالسابقين، وأن سنة الله ماضية. ومنها: كمال خصالهم، وحُسْن أخلاقهم وأفعالهم وسيرتهم، وصدق أقوالهم مما يمتنع معه عليهم الكذب. ومنها: التواتر العظيم في نقل آيات الأنبياء، وما جاؤوا به من العلم والهدى ودين الحق، مما يستحيل معه أن يتواطؤوا على نقل الكذب. ومنها: أنهم لا يطلبون أجرًا على رسالاتهم، ولا يبتغون ملكًا. ومنها: أنه لا يوجد من قدح في نبوة الأنبياء إلا جاهل لم ينظر فيما جاؤوا به من الدين والعلم والهدى، أو معاند مستكبر.
ومن أعظم آياتهم ما يكون برهانًا حسيًّا تراه العيون، وتسلم له العقول، كغرق قوم نوح، وناقة صالح، وتحدي هود أن يكيده قومه أجمعون، ونجاة إبراهيم من النار، وآيات موسى، ومنها: العصا، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطوفان، وغرق فرعون وقومه، وآيات داود عليه السلام كتسبيح الجبال وإلانة الحديد، وآيات سليمان عليه السلام وتسخير الريح والجن له، ومعرفته منطق الطير، وآيات المسيح عليه السلام كشفاء الأبرص والأكمه والأعمى، وإحياء الموتى، وأنه كان يعمل من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه بإذن الله فيكون طيرًا، وآيات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة لا تحصى إلا بالكلفة، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وتكثير الطعام، وحديث الدواب، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، ونصر الله له على أعدائه.
ومن آيات الأنبياء: حال النبي الداعي إلى الحق؛ فإن الناس يميزون بين الداعي إلى الحق الصادق في قوله، والدَّعيِّ الكاذب في قوله...إلى غير ذلك من الآيات.
وآيات الأنبياء كلها اندثرت عدا القرآن العظيم، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهما باقيان؛ لأنهما وحي تكفل الله بحفظه، وفيهما أعظم الدلائل والبراهين على صدق الرسالة، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
ونؤمن أن الله يؤيد رسله عليهم السلام بما تقتضيه حكمته من الآيات والبراهين الكونية والشرعية، فيهدي الله من شاء بفضله، ويضل من شاء بعدله، ولكن المعاند لا تزيده الآيات إلا عنادًا واستكبارًا.
ونؤمن أن الله لو أراد لهدى الناس جميعًا.
ونؤمن أن دلائل الأنبياء والآيات التي جاؤوا بها والبراهين التي أمدهم الله بها يستحيل أن يأتي بها مدَّعٍ للنبوة، أو ساحر أو كاذب؛ لأن الله قضى ألا ينصر المبطل بدليل صحيح، ولا يصدّق الكاذب ببرهان صادق؛ لأنه الحكيم في شرعه وأمره، وحكمة الله وسنته الجارية تمنع ذلك.
ونؤمن أن نبينا محمد بن عبدالله هو رسول رب العالمين، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو سيد ولد آدم، وهو خليل رب العالمين.
ونعلم أنه أوتي من الآيات ما لم يُؤْتَ مثلَه أحدٌ من الرسل عليهم السلام وأعظم آياته القرآن الكريم، وأول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصبح، وأول ما أنزل عليه منه صدر «سورة العلق»، وأنزل عليه بعدها «المدثر»، ثم حمي الوحي وتتابع، وأنه مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو إلى التوحيد، وأقام بالمدينة عشر سنوات يبين شرائع الله، ويدعو إلى دينه، ويجاهد في سبيله، حتى توفاه الله عن ثلاث وستين سنة صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي.
ونعلم أن من أعظم آياته بعد القرآن العظيم الإسراء والمعراج. ومن آياته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، وخصه الله بخصائص كثيرة، وهذه الخصائص ذكرها العلماء في ثنايا مصنفاتهم تارة، وتارة يفردون لها مصنفاتٍ مستقلةً.
ونؤمن أنه يجب على كل أحد من الجن والإنس الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.
ونؤمن بأنه يجب ألا يعبد الله إلا بما شرع. وقد حذر الحق من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم، وأمر الحق بتوقيره ومحبته، وأنه يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلى المرء من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين.
ونؤمن أن الله قرن ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بذكره سبحانه في الشهادتين وفي الأذان، وقد استفاض ذكره صلى الله عليه وسلم في الكتب الإلهية السابقة، وفي القرآن العظيم، وصنف أئمة الإسلام المصنفات المتنوعة في بيان سنته، وسيرته، وشمائله، وأخلاقه، وغزواته.
ونؤمن أن الله أرسله إلى الخلق كافة، فهو رسول الله إلى الثقلين: الجن والإنس، وصرف الله إليه نفرًا من الجن يستمعون إليه؛ ليكونوا منذرين مَنْ وراءهم من قومهم، ولتقوم الحجة عليهم، وأخذ الله الميثاق على كل نبي من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام: لئن بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به.
ونؤمن أن الأنبياء بشرت به أقوامها، ووردت صفاته صلى الله عليه وسلم وصفات أصحابه رضي الله عنهم في التوراة والإنجيل، وبشَّر به المسيح عليه السلام -على وجه الخصوص- بني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ومن علامات نبوته صلى الله عليه وسلم التي كانت معروفة عند أهل الكتاب خاتم النبوة على كتفه الشريف.
ونؤمن بعموم رسالته صلى الله عليه وسلم ولذا أرسل الكتب إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى عبادة الله وحده، والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم وتصديقه.
ونؤمن أن الله زوى لنبينا صلى الله عليه وسلم الأرض، فرأى منها ما سيبلغه ملك أمته منها.
ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أن نصارى نجران نكلوا عن مباهلته، وقبلوا أداء الجزية إليه وهم صاغرون؛ لعلمهم أنه نبي.
ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إسلام كثير من أحبار اليهـود ورهبان النصارى، بل الآلاف المؤلفة من أهل الكتاب. ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أنه غزا الروم، وأمر أصحابه بجهاد الفرس والروم من بعده.
ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أنه وعد سراقة بأنه سيلبس سواري كسري، فلبسهما في خلافة عمر رضي الله عنه.
ونعلم علم اليقين أن الله اقتضت حكمته أن يهدي من يشاء بفضله، وأن يضل من يشاء بعدله، كما اقتضت حكمته أن يكون لكل نبي عدو، وأن يكون بين هؤلاء الأعداء تواصٍ على الباطل وتوافق في مقالاتهم، فمقالة الملأ في كل أمة متماثلة: فتارة يقولون: إنه ساحر أو كاهن أو كاذب، وتارة ينكرون أن يكون أتاهم بآية، وتارة يزعمون أنه يفتري الكذب على الله، وتارة يصفونه بالجنون، وحاشا رسل الله عليهم السلام - وهم أكمل الناس عقولًا وأزكاهم قلوبًا. وتارة يستعظمون ما يدعوهم إليه من الدعوة إلى عبادة الله وحده، وتارة يردون على النبي دعوته؛ لأنه بشر مثلهم، وتارة يطالبونهم بأمور ليست في قدرة الخلق -ولكنه الاستكبار والعناد- فقد طالبوا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يفجر من الأرض ينبوعًا، أو يكون له جنة، أو يسقط السماء عليهم كسفًا، أو يأتيهم بالله والملائكة، أو يكون للنبي بيت من زخرف، أو يرقى في السماء، وينزل عليهم كتابًا. وتارة يطالبون النبي بأن يأتيهم بما يعدهم به، وتارة يصدون عن سبيل الله ويقولون لأتباعهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه. وتارة يقابلون الرسول بالتكذيب، أو يتهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بأن إنما يُعَلِّمُه بشر، وليس الذي يأتيه وحيًا من الله.
وقد ينصرفون عن الرسول؛ لأن الذين اتبعوه هم الضعفاء، وتارة يسخرون ويستهزئون من الرسل، وتارة يخادعون الرسول، ويطمعون في مداهنته لهم أو الركون إليهم، وتارة بالتعيير بما يعلم المعاند أنه كاذب في قوله، كما في تعيير فرعون لموسى بالكفر.
وتارة يهدد الملأ النبي بالإخراج من الأرض، وحاصر كفار قريش نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن معه وبني هاشم في الشِّعْب ثلاث سنين، وأخرجوه من بلده صلى الله عليه وسلم. وحاول قوم إبراهيم عليه السلام إحراقه بالنار، فنجاه الله سبحانه وتعالى، وحاول بنو إسرائيل قتل الأنبياء، بل قتلوا منهم مَنْ قتلوا...
هذا هو دَيْدَنُ المستكبرين مع المرسلين، وهذه سنة جارية يتبعها الملأ في كل أمة مع المصلحين.
بــاب الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام
الإيمان بالرسل عليهم السلام هو الركن الرابع من أركان الإيمان، قال المولى جل شأنه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ﴾ [البقرة: 285]، وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ [البقرة: 177]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ». (أخرجه البخاري (4777)، ومسلم (9)، وابن ماجه (64).)
ونؤمن أن أساس دعوة الرسل عليهم السلام هو العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنهم كلهم بُعِثوا بالتوحيد، ودَعَوا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وكل نبي قال لقومه: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65]. فالأنبياء والمرسلون أكمل الناس توحيدًا وإيمانًا، وهم أعلم الخلق بالخالق سبحانه وتعالى وما يجب له، وما يمتنع عليه سبحانه وتعالى.
وكل نبي دعا قومه إلى أصلين عظيمين، هما: عبادة الله وحده، والإيمان باليوم الآخر وما أعدّ الله فيه من النعيم لأوليائه، والعذاب لأعدائه، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الأعراف: 59]، وقال عز شأنه: ﴿۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ﴾ [هود: 84]، وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الأحقاف: 21].
ونؤمن أن الأنبياء عليهم السلام متفقون في الأصول الكبرى التي دعوا إليها، فكلهم دعا إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وكلهم دعوا إلى أصول العبادات، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأصول الأخلاق المحمودة، ونهوا عن أصول الأخلاق المذمومة، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. فالأنبياء عليهم السلام متفقون في الأصول، أما الشرائع التي دعوا إليها فمختلفـة في أحكامها وتفاصيلها، قـال المولى جـل شأنه: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ﴾ [المائـدة: 48].
ونؤمن أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء، وتصديقهم في كل ما أخبروا به من الغيب، وطاعتهم فيما أمروا به، والانتهاء عن كل ما نهوا عنه، ومحبتهم وتوقيرهم والاقتداء بهم، والشهادة لهم بأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا لله ولعباده، وجاهدوا في الله حق جهاده، ويجب على كل أمة العمل بشريعة الرسول الذي أرسل إليها، ويجب على هذه الأمة -أمة محمد صلى الله عليه وسلم- من الجن والإنس، العملُ بشريعة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مرسل إلى جميع الثقلين.
وكل الأنبياء والرسل عليهم السلام جاؤوا لإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل، وإن كانوا في عزٍّ من الدنيا وسلطان وقوة وبأس وحرث ومصانع، قال تعالى في موسى عليه السلام : ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ﴾ [إبراهيم: 5]، وقال تعالى: ﴿أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128-130]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [الروم: 9].
ونؤمن أن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 165].
ونؤمن أن الله قد أرسل في كل أمة رسولًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، (أخرجه البخاري (3455)، ومسلم (1842)، وابن ماجه (2871).) بل قد أخبرنا الله تعالى أنه أرسل إلى قرية من القرى ثلاثة أنبياء في وقت واحد، قال تعالى: ﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ﴾ [يس: 14].
فمن عرفنا اسمه منهم وجب الإيمان به، ومن لم نعرف اسمه منهم نؤمن به إجمالًا، فيجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾ [النساء: 164]، وقال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 84].
ونؤمن أن الله يرسل رسله إلى مَنْ شاء مِنْ عباده وَفْق ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى، قال المولى عز شأنه: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا﴾ [الفرقان: 51]، وقال المولى عز شأنه: ﴿ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 44]، فلا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء ويختار، قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [القصص: 68].
ومن كفر بنبي واحد؛ فقد كفر بجميع الأنبياء عليهم السلام؛ ولذا قال تعالى: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]. وهذه الآية كقوله تعالى: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد} [ق: 14].
ونؤمن أن النبوة مِنَّة إلهية، ورحمة ربانية يهبها الله لمن شاء من عباده، فالله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ﴾ [الحج: 75]، وقال المولى عـز شأنه: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. فليست النبوة كسبًا، ولا ينالها العبد بالاجتهاد بالطاعة، ولا بتزكية النفس والمجاهدة وتطهير القلب وتنقية السلوك وتهذيبه.
ونؤمن أن الأنبياء والرسل عليهم السلام متفاضلون فيما بينهم، قال تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ﴾ [البقرة: 253]، وأن أفضل الأنبياء هم أولو العزم، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ [الأحزاب: 7]، وأشار الله إليهم في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]. وأفضل أولي العزم الخليلان: إبراهيم ومحمد عليهما السلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125]. وعن جندب رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا». (أخرجه مسلم (532).)
ونشهد أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل والأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة». (أخرجه مسلم (2278)، وأبو داود (4673).)
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان على سبيل الحمية والعصبية أو التنقُّص، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ المسلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، قَالَ المسلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المسلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيّ ِصلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ المسلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المسلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟»، (أخرجه البخاري (2411)، ومسلم (2373)، وأبو داود (4671)، والترمذي (3245)، وابن ماجه (4274).) وفي لفظ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ». (أخرجه مسلم (2373).)
وكما اتخـذ الله إبراهيم ومحمدًا عليهما السلام خليلين، فقد اختار الله موسى عليه السلام واصطفاه على الناس برسالاته وبتكليمه، وإن كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد نال شرف مرتبة الخُلّة، فقد كلّمه ربه من وراء حجاب ليلة أسري به صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ﴾ [النجم: 10]، فيكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد جمع بين شرف الخلة، وشرف التكليم.
ونؤمن أن الأنبياء أفضل البشر، ولا يبلغ أحد مرتبة النبي، لا وليٌّ، ولا غيره، ولا يجوز تفضيل أحد من البشر على أحد من الأنبياء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». (أخرجه البخاري (4804).)
ونؤمن أن الله لم يرسل إلا رجالًا، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7].
ونعلم أن الرسل والأنبياء عليهم السلام صفوة الخلق، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ﴾ [الحج: 75]. وهم أكمل البشر في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]. فهم بشر مثل بقية البشر، لكنهم يوحى إليهم، وهم معصومون فيما يبلغونه عن أمر الله، قال تعالى مخبرًا عن نبيه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ} [النجم: 3-5].
وإذا اجتهـد النبي فيما لم يوح إليه فيه بشيء، ولم يُصِبْ؛ فإن الله لا يقرُّه على اجتهاده، بل يتنزل عليه الوحي لتسديده، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [الأنفال: 67]. وقوله جل ثناؤه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التحريم: 1].
ومع أن لهم هذه المنزلة العالية والدرجة الرفيعة والمقام المحمود في الدنيا والآخرة، فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، قال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [يونس: 49].
وإذا كانوا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فلا يملكون لغيرهم من باب الأولى، قال تعالى في نبيه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]، وقال في المسيح عليه السلام : ﴿قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ﴾ [المائدة: 17].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمته وابنته فاطمة رضي الله عنها: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». (أخرجه البخاري (2753)، ومسلم (206)، والترمذي (3185)، والنسائي (3646).) وإذا كانوا لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم -حال حياتهم- نفعًا ولا ضرًّا، فهم إذًا لا يملكون لغيرهم نفعًا ولا ضرًا بعد وفاتهم من باب الأولى.
ونؤمن أنهم لا يعلمون الغيب إلا على قدر ما أطلعهم الله عليه، وأذن لهم فيه، قال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ﴾ [الأنعام: 50]، وقال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]، وقال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا} [الجن: 26، 27].
والأنبياء والمرسلون عليهم السلام يعبدون الله خوفًا وطمعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]، ويبتغون إليه الوسيلة، ويتقربون إليه سبحانه قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾ [الإسراء: 57].
والأنبياء والمرسلون عليهم السلام يتعرضون لما يتعرض له البشر من البلاء والمرض والموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وقال تعالى مخبرًا عن أيوب أنه مسَّه الضر: ﴿۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، ولهم أزواج وذرية، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38]. ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، قال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20]، ويصيبهم الحزن، كما قال تعالى مخبرًا عن يعقوب عليه السلام : ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ﴾ [يوسف: 84]. وفي «الصحيحين» في خبر وفاة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ، فَأَقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ، وَنَفْسُ الصَّبِيِّ جُئِّثُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». (أخرجه البخاري (6655)، ومسلم (923)، وأبو داود (3125)، والنسائي (1868)، وابن ماجه (1588).) ( جئث؛ أي فزع، وجئث فهو مجئوث، أي: مذعور. فتح الباري (722/8)، والنهاية في غريب الحديث (1/ 232).)
ونعلم أنهم قد نصحوا للخلق، وأدوا الأمانة، وبلغوا رسالات ربهم، ولا يضرهم أن بعض الأتباع لم يستجيبوا، ولا أن الملأ استكبروا عليهم قال صلى الله عليه وسلم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». (أخرجه البخاري (5705)، ومسلم (220)، والترمذي (2446).)
ونؤمن أن الله تعالى قد رفع المسيح عليه السلام حيًّا لما أراد قومه قتله، قال تعالى: ﴿۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ * رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ * وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} [آل عمران: 52-54]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ [الزخرف: 61]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وقتادة: أن المراد بها: نزول عيسى ابن مريم عليه السلام . (أخرجه الطبري في التفسير (20/ 631 - 633).)
وقال جل ذكره: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 159]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى ابن مريم». (تفسير الطبري (9/380).)
ونؤمن أنه سينزل في آخر الزمان حكمًا عدلًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». (أخرجه البخاري (2222)، ومسلم (155)، وأبو داود (4324)، والترمذي (2233)، وابن ماجه (4078).)
وفي خبر نزول المسيح عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، (أي في شقتين، أو حلتين، وقيل الثوب المهرود: الذي صُبغ بالورس ثم بالزعفران. النهاية في غريب الحديث (5/ 258).) وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ...». (أخرجه مسلم (2937)، وأبو داود (4321)، والترمذي (2240)، وابن ماجه (4075).)
بــاب آيات الأنبياء ودلائل نبوتهم عليهم السلام
ونعلم أن الله قد آتى كل نبي من الآيات والحجج ما على مثلها يؤمن البشر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ، أَوْ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ». (أخرجه البخاري (7274)، ومسلم (152).)
ونؤمن أن الله ما بعث نبيًّا إلا ومعه آية تدل على صدقه، علمناها أو لم نعلمها، وقد ذكر الله لنا جملة منها في القرآن الكريم، ونعلم -أيضًا- أن هناك آياتٍ كثيرةً أيد الله بها رسله السابقين، لم يذكرها الله لنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10]، وقوله تعالى: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]. وتارة يذكر الله الآيات البينات، ويذكر السلطان، كما في قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ﴾ [هود: 96]، وقوله تعالى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا} [القصص: 35]، قال عكرمة: «ما كان في القرآن من سلطان فهو: حجة». (تفسير الطبري (8/30) و (9/337).)
ونعلم أن الآياتِ والحجج التي أيَّد الله بها رسله وأنبياءه عليهم السلام كثيرة جدًّا، وأعظم الأدلة الدالة على صدقهم هي ما جاؤوا به من الوحي، ووحي الله لأنبيائه ورسله عليهم السلام: إما أن يكون وحيًا بغير واسطة، كالرؤيا كقوله سبحانه وتعالى مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]، أو أن يسمع الرسول كلام الله جل وعلا مباشرة ولكن من وراء حجاب، كما في قوله جل ثناؤه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الشورى: 51]، وكما في تكليم الله لموسى عليه السلام كما في قوله جل شأنه: ﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144]، أو يكلمه الملك، كما في قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء} [الشورى: 51].
ونعلم أن من أعظم الأدلة الدالة على صدقهم هي ما يدعون إليه من التوحيد المستقر في الفِطَر، الذي تشهد العقول على حسنه، وما جاؤوا به من العلم النافع، والعمل الصالح، والهدى ودين الحق والميزان، فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ: «أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ». (أخرجه البخاري (2681)، ومسلم (1773)، والترمذي (2717).)
وقال النجاشي لما تلا عليه جعفر رضي الله عنه صدر «سورة مريم»: «إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَالْكَلَامَ الَّذِي جَاءَ مُوسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ». (أخرجه إسحاق بن راهويه (1835)، وأحمد (22498)، وابن خزيمة (2260)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (5598)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 115) وفي دلائل النبوة (194).)
ومنها شهادة الله لرسله أنهم على الحق، وأن ما جاؤوا به هو الحق، قال الله تعالى: ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]، وقال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب} [الرعد: 43].
ومن أعظم آياتهم: الوحي الذي يتنزل عليهم من الله، وأعظم الوحي هـو القرآن العظيم آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا الوحي لا يمكن أن يأتي البشر بمثله؛ لأنه كلام الله ووحيه، ولما فيه من الأنباء الغيبية، ولما فيه من الهدى والنور والرحمة والحكمة.
ومن آياتهم البينات: البراهين العقلية التي يمد الله بها رسله وأنبياءه عليهم السلام، فتبهت الكافر وتزهق باطله كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258]، وقوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ * وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ * وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ} [الشعراء: 77-82]، وقوله عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]، ومنها قوله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، وقوله جل ثناؤه: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]. وهذه الأدلة كثيرة جدًّا ذكرنا بعضها في باب الربوبية والألوهية، ومن أجل آياتهم إخبارهم بالغيوب التي يأذن الله لهم في الإخبار عنها.
ومن آياتهم الباهرة: نجاة الأنبياء السابقين عليهم السلام ونجاة أتباعهم من مكر أعدائهم، وهلاك المعاندين المستكبرين، وتذكير الله للمدعوين بما فعل بالسابقين، وأن سنة الله ماضية، قال الله تعالى في أول سورة الأنبياء: ﴿ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأنبياء: 9]، وقال في خاتمتها: ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ} [القمر: 42-43]. وفي «سورة الشعراء» كلما ذكر الله نجاة الأنبياء السابقين عليهم السلام وهلاك أعدائهم يعقب الحق على كل خبر من هذه الأخبار بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 67]. وقال الحق جل في علاه: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود} [فصلت: 13]، وقال المولى عز شأنه: ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [الروم: 9].
ومن آياتهم الدالة على نبوتهم: كمال خصالهم، وحُسْن أخلاقهم وأفعالهم وسيرتهم، وصدق أقوالهم مما يمتنع معه عليهم الكذب، قال الله مخبرًا عن قوم صالح عليه السلام أنهم قالوا: {يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب} [هود: 62]، وقال تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [هود: 87].
وقال هرقل بعدما سأل أبا سفيان عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ». (أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773).)
ومنها: التواتر العظيم في نقل آيات الأنبياء وما جاؤوا به من العلم والهدى ودين الحق مما يستحيل معه أن يتواطؤوا على نقل الكذب.
ومنها: أنهم لا يطلبون أجرًا على رسالاتهم، ولا يبتغون ملكًا، قال تعالى مخبرًا عن كثير من أنبيائهم أن كل واحد منهم قال لقومه: ﴿يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [هود: 51].
ومنها: أنه لا يوجد مَنْ قدح في نبوة الأنبياء إلا جاهلٌ لم ينظر فيما جاؤوا به من الدين والعلم والهدى، أو معاند مستكبر، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وقال الحق جل في علاه: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].
ومنها: ما يكون برهانًا حسيًّا تراه العيون، وتسلّم له العقول، كغرق قوم نوح، وناقة صالح، وتحدي هود قومه أن يكيدوه جميعًا، ونجاة إبراهيم من النار، وآيات موسى، ومنها: العصا، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطوفان، وغرق فرعون وقومه، وآيات داود عليه السلام كتسبيح الجبال، وإلانة الحديد، وآيات سليمان عليه السلام كتسخير الريح والجن له، ومعرفته منطق الطير، وآيات المسيح عليه السلام كشفاء الأبرص والأكمه والأعمى وإحياء الموتى، وأنه كان يعمل من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه بإذن الله فيكون طيرًا، وآيات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة لا تحصى إلا بالكلفة، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وتكثير الطعام، وحديث الدواب، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، ونصر الله له على أعدائه.
ومنها: حال النبي الداعي إلى الحق؛ فإن الناس يميزون بين الداعي إلى الحق الصادق في قوله، والدَّعيِّ الكاذب في قوله؛ ولذا قال عبدالله بن سلام: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ»، (أخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334)، وابن أبي شيبة (25898)، وأحمد (23784)، وعبد بن حميد (496).) إلى غير ذلك من الآيات.
ولم يبق من آيات الأنبياء شيء عدا القرآن العظيم، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهما باقيان؛ لأنهما وحي تكفل الله بحفظه، قال المولى عز شـأنه: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وفيهما أعظم الدلائل والبراهين على صدق الرسالة، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
ونؤمن أن الله يؤيد رسله عليهم السلام بما تقتضيه حكمته من الآيات والبراهين الكونية والشرعية، فيهدي الله من شاء بفضله، ويضل من شاء بعدله، ولكن المعاند لا تزيده الآيات إلا عنادًا واستكبارًا، قال الحق: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ [الإسراء: 41]، وقال الحق جل شأنه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ﴾ [المائدة: 68]، قال تعالى: ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: 42]، وقال تعالى: ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: 109]، وقال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ، فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ قَبْلَهُمْ، قَالَ: لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]». (أخرجـه أحمد (2333)، والبزار (5036)، والنسائي في الكبرى (11226)، والحاكم (3437)، والبيهقي في دلائل النبوة (605).)
ونعلم أن الله لو أراد لهدى الناس جميعًا، قال تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} [النحل: 93]. وقال الحق جل في علاه: {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين} [الأنعام: 35].
ونؤمن أن دلائل الأنبياء والآيات التي جاؤوا بها والبراهين التي أمدَّهم الله بها يستحيل أن يأتي بها مدع للنبوة، أو ساحر أو كاذب؛ لأن الله قضى ألا ينصر المبطل بدليل صحيح، ولا يصدّق الكاذب ببرهان صادق؛ لأنه الحكيم في شـرعه وأمره، وحكمة الله وسنته الجارية تمنع ذلك، قال المولى عز شأنه: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ} [الحاقة: 44-46].
بــاب نبـوة نبينــا محمد صلى الله عليه وسلم
ونؤمن أن نبينا محمد بن عبدالله هو رسول رب العالمين، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ﴾ [الأحزاب: 40]. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ». (أخرجه البخاري(3535)، ومسلم(2286).)
وهو سيد ولد آدم، قال صلى الله عليه وسلم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّع»، (أخرجه مسلم (2278)، وأبو داود (4673).) وهو خليل رب العالمين، قال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي». (أخرجه البخاري (3656).)
ونعلم أنه أوتي من الآيات ما لم يؤت مثله أحد من الرسل عليهم السلام، وأعظم آياته القرآن الكريم، وأول ما أنزل عليه منه صدر «سورة العلق»، كما صح بذلك الحديث: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الملَكُ فَقَالَ: «اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم} [العلق: 1-3]»، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، (أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160)، والترمذي (3632).) وأنزل عليه بعدها «المدثر»، فعن جابر ابن عبدالله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحـدث عن فترة الوحي: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الملَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُونِي»، فَأَنـْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر} [المدثر: 1، 2] إِلَى قَوْلِهِ: {فَاهْجُر} [المدثر: 5] -قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزُ: الأَوْثَانُ- ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. (أخرجه البخاري (4926)، ومسلم (161)، والترمذي (3325).)
وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الملَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. (أخرجه البخاري (2)، ومسلم (2333)، والترمذي (3634)، والنسائي (933).)
وأنه مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو إلى التوحيد، وأقام بالمدينة عشر سنوات يبين شرائع الله، ويدعو إلى دينه ويجاهد في سبيله حتى توفاه الله عن ثلاث وستين سنة صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي.
ونعلم أن من أعظم آياته -بعد القرآن العظيم- الإسراء والمعراج، قال تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
وعن أنس رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ صلى الله عليه وسلم، إِذَا هُوَ قَدْ اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ عز وجل: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57]، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ صلى الله عليه وسلم، فَرَحَّبَ، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى صلى الله عليه وسلم، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تبارك وتعالى، وَبَيْنَ مُوسَى عليه السلام حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ». (أخرجه البخاري (7517)، ومسلم (162) واللفظ له، والترمذي (3131)، والنسائي (450)، وابن ماجه (1399).)
ومن آياته صلى الله عليه وسلم: انشقاق القمر، قال عز وجل: ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اشْهَدُوا». (أخرجه البخاري (4864)، ومسلم (2800)، والترمذي (3285).)
وخصَّه الله بخصائصَ كثيرةٍ، كقوله صلى الله عليه وسلم: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»، (أخرجه مسلم (523)، والترمذي (1553).) وهذه الخصائص ذكرها العلماء في ثنايا مصنفاتهم تارة، وتارة يفردون لها مصنفاتٍ مستقلةً.
ونؤمن أنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، قال تعالى: ﴿لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9]. وقال عز شأنه، وتقدست أسماؤه: ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [التغابن: 8].
ونؤمن ألَّا يعبد الله إلا بما شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]. وحذر الحق من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم، فقال عز شأنه: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
ويجب توقيره ومحبته، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31].
ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان، وقد قرنها الله بمحبته، وتوعّد من قدَّم عليها شيئًا من الأمور المحبوبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].
ويجب على المؤمن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، فعن عبدالله بن هشام رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ -وَاللَّهِ- لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الآنَ يَا عُمَرُ». (أخرجه البخاري (6632).)
وقد قرن الله تعالى ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بذكره سبحانه في الشهادتين وفي الأذان، وقد استفاض ذكره صلى الله عليه وسلم في الكتب الإلهية السابقة. وفي القرآن العظيم، وصنَّف أئمة الإسلام المصنفاتِ المتنوعةَ في سنته، وسيرته، وشمائله، وأخلاقه، وغزواته، ونكتفي هنا بما يتوجب اعتقاده بشأن نبوته صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله: «إذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرناه، ورأينا الواحد منَّا يتشرف بواحدة منها، أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر: إما من نسب، أو جمال، أو قوة، أو حلم، أو شجاعة، أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثَرَةٌ عظيمة، وهو منذ عصور خوال، رِمَم بوال، فما ظنك بِعَظِيمِ قَدْرِ مَنِ اجتمعت فيه كلُّ هذه الخصال، إلى ما لا يأخذه عدّ، ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب، ولا حيلة، إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة، والرسالة، والخلة، والمحبة، والاصطفاء، والإسراء، والرؤية، (رؤية النبي ﷺ ليلة أسري به مُخْتلف فيها، والصحيح أن رسولنا ﷺ لم ير ربه ليلة الإسراء.) والقرب، والدنو، والوحي، والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق، والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة ثمّ، والأمانة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسُّؤْل، والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وما تأخر، وشرح الصدر، ووضع الإِصْرِ، ورفع الذِّكْر، وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم...، وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، وردّ الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب... إلى ما لا يحويه محتفل، ولا يحيط بعلمه إلا مانِحُهُ ذلك، ومفضِّله به لا إله غيره، إلى ما أعدّ له في الدار الآخرة، من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة، والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول، ويحار دون إدراكها الوهم». (الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/ 55 - 57).)
بــاب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للخلق كافة
ونؤمن أن الله أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]، وقـال المولى جل جلاله: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». (أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521)، والنسائي (432).)
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله إلى الثقلـين: الإنس، والجن، باتفاق المسلمين، وقد استمعت الجن إلى القرآن وولَّوا إلى قومهـم منذرين، فأخبر الله رسوله بذلك في القرآن بقوله: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ * يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ * وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} [الأحقاف: 29- 32].
وأخذ الله الميثاق على جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لئن بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم -وهم أحياء- ليؤمننَّ به، قال المولى عز شأنه: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]. قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: «لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ عز وجل نَبِيًّا، آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ: لَئِنْ بُعِثَ -وَهُوَ حَيٌّ- لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَيَأْمُرُهُ، فَيَأْخُذُ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} الْآيَةَ [آل عمران: 81]». (أخرجه الطبري في التفسير (5/ 540).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ أبي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»، (أخرجه أحمد (17163)، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (261)، وابن أبي عاصم في السنة (418)، وعبدالله بن أحمد في السنة (865)، وابن حبان (6404)، والطبراني في مسند الشاميين (1455).) وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة أبي إبراهيم» يقصد بها ما أخبرنا به المولى عز شأنه من دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129].
ونؤمن أن الأنبياء بشرت به صلى الله عليه وسلم أقوامها، ووردت صفاته صلى الله عليه وسلم وصفات أصحابه رضي الله عنهم في التوراة والإنجيل، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح: 29]، وقال المولى عز شأنه: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]. وبشر به المسيح عليه السلام بني إسرائيل، قال تعالى مخبرًا عنه أنه قال لهم: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين} [الصف: 6]. وكان أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفـون أبناءهم، قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 146].
ومن علامات نبوته صلى الله عليه وسلم التي كانت معروفة عند أهل الكتاب خاتم النبوة على كتفه الشريف، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: «ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ». (أخرجه البخاري (190)، ومسلم (2345)، والترمذي (3643).)
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ». (أخرجه مسلم (2344)، والترمذي (3644)، والنسائي (5114).)
ونؤمن بعموم رسالته صلى الله عليه وسلم ولذا أرسل الكتب إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى عبادة الله وحده والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم وتصديقه، فعن أبى بردة عن أبيه رضي الله عنه قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَنْطَلِقَ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ -فَذَكَرَ حَدِيثَهُ- قَالَ النَّجَاشِيُّ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ». (أخرجه أبو داود (3205)، وابن أبي شيبة (37795)، وعبد بن حميد (550)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (366)، والروياني (502)، والحاكم (3268).)
وقال هرقل بعدما ورد عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا، فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ». (أخرجه البخاري (2941)، وأبو داود (5136).)
عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ العَاقِبُ وَالسَّيِّدُ، صَاحِبَا نَجْرَانَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ، وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا. فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ»، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ». (أخرجه البخاري (4380)، ومسلم (2420)، والترمذي (3796)، وابن ماجه (135).)
ونؤمن أن الله زوى لنبينا صلى الله عليه وسلم الأرض، فرأى منها ما سيبلغه ملك أمته منها، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». (أخرجه مسلم (2889)، وأبو داود (4252)، والترمذي (2176)، وابن ماجه (3952).)
ومن أدلة عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إسلام كثير من أحبار اليهود ورهبان النصارى، بل الآلاف المؤلفة من أهل الكتاب.
وأيضًا: فقد غزا صلى الله عليه وسلم الروم، وأمر أصحابه بجهاد الفرس والروم من بعده.
بــاب مقالاتِ خُصومِ الرسالات والرسل عليهم السلام
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112]، وقال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا﴾ [الفرقان: 31].
اقتضت حكمة الله أن يهدي من يشاء بفضله، وأن يضل من يشاء بعدله، كما اقتضت حكمته أن يكون لكل نبي عدو، وأن يكون بين هؤلاء الأعداء تواصٍ على الباطل وتوافق في مقالاتهم، قال تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ﴾ [فصلت: 43]. فمقالات الملأ في كل أمة متماثلة، فتارة يقولون: إنه ساحر أو كاهن أو كاذب، كما في قول فرعون لموسى فيما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ} [غافر: 23، 24]. وتارة ينكرون أن يكون أتاهم بآية، كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [هود: 53]. وتارة يزعمون أنه يفتري الكذب على الله، قال الله مخبرًا عن مقالتهم الخبيثة: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [سبأ: 43].
وتارة يصفونه بالجنون، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ﴾ [الحجر: 6]، وقال سبحانه مخبرًا عن مقالتهم: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ﴾ [الشعراء: 27]. وحاشا رسل الله عليهم السلام، وهم أكمل الناس عقولًا، وأزكاهم قلوبًا.
وتارة يستعظمون ما يدعوهم إليه من الدعوة إلى عبادة الله وحده، قال تعالى مخبرًا عن مقالتهم أنهم قالوا: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين} [الأعراف: 70]، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص: 5].
وتارة يردون على النبي دعوته؛ لأنه بشر مثلهم، قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا} [هود: 27]، وقال تعالى: ﴿لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3].
وتارة يطالبونهم بأمور ليست في قدرة الخلق -ولكنه الاستكبار والعناد- فقد طالبوا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعًا، أو يكون له جنة، أو يسقط السماء عليهم كسفًا، أو يأتيهم بالله والملائكة، أو يكون للنبي بيت من زخرف، أو يرقى في السماء، وينزل عليهم كتابًا، كما في قوله عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا * أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا * أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا * أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا * وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا * قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا} [الإسراء: 90-95].
وتارة يطالبون النبي بأن يأتيهم بما يعدهم به من العذاب، قال تعالى: ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [الأعراف: 70]، وقال عز شأنه: ﴿فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: 77].
وتارة يتّهمون الرسول بالضلالة أو السفاهة، كما في قولهم الذي قصه الله علينا في قوله الحكيـم: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [الأعراف: 66].
وتارة يصدون عن سـبيل الله، ويقولون لأتباعهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، والْغَوْا فيه، كما أخبر الله عنهم؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].
وتارة يقابلون الرسول بالتكذيب، كما أخبر الله تعالى أنهم قالوا: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين}، أو يتهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الذي يعلمه بشر وليس الذي يأتيه وحيًا من الله، قال المولى عز شأنه: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103].
وقد ينصرفون عن الرسول؛ لأن الذين اتبعوه هم الضعفاء، كما في قوله تعالى مخبرًا عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ﴾ [هود: 27]، وقال هرقل لأبي سفيان: «وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ». (أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773).)
وتارة يسخرون، ويستهزئون من الرسل كما في قوله تعالى: {قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون} [التوبة: 65]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ﴾ [هود: 38]. وتارة يخادعون الرسول، ويطمعون في مداهنته لهم أو الركون إليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ﴾ [القلم: 9]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74].
وتارة يتطاولون على النبي بالتعيير كما قال فرعون لموسى عليه السلام : ﴿أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52].
وقول أبي سفيان -وهو في الشام- عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ «ابْنِ أبي كَبْشَةَ»، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ». (أخرجه البخاري (4553)، ومسلم (1773)، والترمذي (2717).)
وتارة يهدد الملأ النبيَّ بالإخراج من الأرض، كما قال الله تعالى في قوم شعيب: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 88].
وقال الحق جـل شأنه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13]، وقال قوم لوط للوط ومن آمن معه كما أخبر الله عنهـم: {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون} [الأعراف: 82]. وحاصر كفار قريش نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبني هاشم، في الشِّعْب ثلاث سـنين، وأخرجوه من بلده صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قِسْمَةَ حُنَيْنٍ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ». (أخرجه البخاري (4335)، ومسلم (1062)، والترمذي (3896).)
وحاول قـوم إبراهيم عليه السلام إحراقه بالنار، فنجاه الله سبحانه وتعالى، قال المولى عز شأنه: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبـوت: 24]، وقال الله مخبرًا عما فعـل بنو إسرائيل مع أنبيائهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾ [البقرة: 87].
هذا هو دَيْدَنُ المستكبرين مع المرسلين، وهذه سنة جارية يتبعها الملأ في كل أمة مع المصلحين.
وسنة الله جارية بنصر رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر: 51]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأنبياء: 9].
كتاب اليوم الآخر
ملخص الكتاب
ونؤمن باليوم الآخر، وأنه ركن من أركان الإيمان الستة، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، فليس بعده يوم، وله - أيضًا - أسماء كثيرة ومن أسمائه: يوم القيامة، ويوم البعث، ويوم الحساب، ويوم الدين، والطامة، والحاقة، والواقعة، والصاخة، والغاشية، وقد ذكر الله اليوم الآخر في مواطنَ كثيرةٍ من كتابه الكريم.
ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بعلاماته - أي: علامات الساعة-وأيضًا: الإيمان بما يحصل بعد الموت، وسنبدأ بالكلام على علامات الساعة، ثم ما يحصل بعد الموت؛ لكونها تقع قبل اليوم الآخر.
فعلامات الساعة: هي العلامات الدالة على قرب اليوم الآخر، وهي من الغيب الذي أمرنا بالإيمان به.
وهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما ظهر من علامات الساعة، وانتهى، وهي كثيرة جدًّا.
الثاني: ما ظهر من علامات الساعة، لكنه لم ينته، وإنما ما زال مستمرًّا.
الثالث: ما لم يقع بَعْدُ منها، وإنما تكون بين يدي الساعة قريبًا منها.
ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بأن كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وتعالى، وأن ملك الموت يقبض الأرواح، والإيمان بما يحصل بعد الموت، من سؤال الميت، وعذاب القبر ونعيمه.
ونؤمن بأن الله إذا أذن بزوال هذه الدنيا وانقضائها، أمر الله المَلَكَ، فينفخ في الصور النفخة الأولى، فيصعق كل من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينزلُ الله مطرًا تنبت منه أجساد الخلق، ثم يأذن الله للملك فينفخ في الصور النفخة الثانية؛ فيبعثون من قبورهم، ويقوم الناس لرب العالمين، وأول من تنشق عنه الأرض نبينا صلى الله عليه وسلم، وأول من يفيق نبينا صلى الله عليه وسلم، وأول من يكسى نبي الله إبراهيم خليل الرحمن، ويحشر الناس حفاة عراة غُرْلًا، وأرض الحشر بيضاء.
ونؤمن بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بالعرض والحساب والجزاء، وأنه سبحانه وتعالى سريع الحساب. وحساب الله لعباده له مراتبُ وأحوالٌ متباينةٌ، فمن العباد من يحاسب حسابًا عسيرًا، ومنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومن المؤمنين من يدخل الجنة بلا حساب.
ولا يُظلم أحد في ذلك اليوم، وأول من يحاسب يوم القيامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء.
ونؤمن أنه في هذا اليوم يؤتى بالشهداء، فتشهد الملائكة، وتشهد الأرض بما عمل العباد عليها، وتشهد الجوارح.
ونؤمن أن الله تعالى يضع موازينَ حقيقيةً لوزن أعمال العباد.
ونؤمن بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضًا ترده أمته، ثم يساق العباد: إما إلى الجنة، وإما إلى النار -والعياذ بالله- ويضرب الجسر على جهنم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، فتخطف الناس بأعمالهم، وأول من يجيز الجسر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
بــاب دلائل الإيمان باليوم الآخر
ونؤمن باليـوم الآخر، وهو ركن من أركان الإيمان السـتة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ [البقرة: 177]، وفي قوله جل ثناؤه: ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 162].
ودل عليه حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ». (أخرجه البخاري (4777)، ومسلم (9)، وابن ماجه (64).)
ودلت عليه دلائل العقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ * قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78، 79]، وفي قوله عز شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ﴾ [الحج: 5]، وقول الحق جل شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا﴾ [النازعات: 27]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: 39]، وقوله عز شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ﴾ [الروم: 27]، وقوله عز مـن قائل: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِين} [الأنبياء: 104].
وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، فليس بعده يوم، وله -أيضًا- أسماء كثيرة، ومن أسمائه: يوم القيامة، ويوم البعث، ويوم الحساب، ويوم الدين، والطامة، والحاقة، والواقعة، والصاخة، والغاشية، وقد ذكر الله اليوم الآخر في مواطن كثيرة من كتابه الكريم. كقوله تعالى: ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [المطففين: 6]. وقوله جل ثناؤه: ﴿يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43]، وقوله جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ [النازعات: 34]. وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ * يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ * وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ} [عبس: 33 - 37]، وقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ * يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} [الحج: 1، 2]. وقوله جل جلاله وتعالى سلطانه: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9].
بــاب في الإيمان بأشراط الساعة
ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بعلاماته - أي علامات الساعة - وهي العلامات الدالة على قرب اليوم الآخر، كما قال سبحانه وتعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18]، وهي من الغيب الذي أمرنا بالإيمان به.
ومن علامات الساعة ما ظهر وانتهى، وهي كثيرة جدًّا، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَوْ: كَهَاتَيْنِ، وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى)) ، (أخرجه البخاري (5301)، ومسلم (2950).) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَيَظَلُّ سَاخِطًا))...، (أخرجه البخاري (3176)، وابن ماجه (4042).) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ، وَهُوَ: القَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المالُ، فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي البُنْيَانِ...)). (أخرجه البخاري (7121)، ومسلم (157)، والترمذي (2218).)
ومن علامات الساعة ما وقع، لكنه لم ينته، ولا يزال مستمرًّا، ومن ذلك وقوع الفتن في الأمة (في الصحيحين أحاديث كثيرة في الفتن، لكنها ليست صريحة في أن الفتن من أشراط الساعة؛ لهذا ذكرنا الحديثين الآتيين من السنن؛ لأن فيهما التصريح بذلك.)، وهي كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ -يَعْنِي- عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ». (أخرجه أبو داود (4259)، والترمذي (2204)، وابن ماجه (3961)، وابن أبي شيبة (30978)، وأحمد (19662)، والروياني (585).)
وقال صلى الله عليه وسلم: ((تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)). (أخرجـه الترمذي (2197)، وابن أبي شيبة في المصنف (31053) وفي الإيمان (64)، والفريابي في صفة النفاق وذم المنافقين (97).)
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ)). (أخرجه البخاري (7121)، ومسلم (157)، والترمذي (2218).)
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟»، قَالَ: هَا أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». (أخرجه البخاري (59).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». (أخرجه البخاري (80)، ومسلم (2671)، والترمذي (2205)، وابن ماجه (4045).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا، يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ». (أخرجه البخاري (7062)، ومسلم (2672)، والترمذي (2200)، وابن ماجه (3959، 4050).)
ومن علامات الساعة ما لم يقع بعد، وإنما يقع بين يدي الساعة قريبًا منها، ومنها: نزول المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 159]، وخروج يأجوج ومأجوج، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96]، وخروج الدابة، قال تعالى: ﴿۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82].
وجاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: «مَا تَذَاكَرُونَ؟» قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ: -فَذَكَرَ- الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ». (أخرجه مسلم (2901)، وأبو داود (4311)، والترمذي (2183)، وابن ماجه (4041).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِـذٍ {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]». (أخرجه البخاري (4635)، ومسلم (157)، وأبو داود (4312)، وابن ماجه (4068).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». (أخرجه البخاري (2222)، ومسلم (155)، وأبو داود (4324)، والترمذي (2233)، وابن ماجه (4078).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ -وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ- مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ». (أخرجه البخاري (7408)، ومسلم (2933)، وأبو داود (4316)، والترمذي (2245).)
بــاب في الإيمان بما يكون بعد الـموت
ونؤمن أن من الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بأن كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقال المولى عز شأنه: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ * وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، وأن ملك الموت يقبض الأرواح، قال الحق جل في علاه: ﴿۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾ [السجدة: 11].
ونؤمن بما يحصل بعد الموت، من سؤال الميت، وعذاب القبر ونعيمه، كما في قوله تعالى: ﴿ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، وقوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة: 101]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ} [الأنفال: 50، 51]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [الأنعام: 93]، وقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47].
وعـن البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] قَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]». (أخرجه البخاري (1369)، ومسلم (2871) واللفظ له، والترمذي (3120)، والنسائي (2056، 2057) وابن ماجه (4269، 4750).)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: «قُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». (أخرجه مسلم (590)، وأبو داود (1542)، والترمذي (3494)، والنسائي (2063)، وابن ماجه (3840).)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ المَدِينَةِ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». (أخرجه البخاري (6055)، ومسلم (292)، وأبو داود (20)، والترمذي (70)، والنسائي (31)، وابن ماجه (347).)
وعن أبي سعيد قال: حدثني زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ، فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ -قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ- فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ». ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ». قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. (أخرجه مسلم (2867).)
وعن أبى أيوب رضي الله عنه قال: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ- فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا». (أخرجه البخاري (1375)، ومسلم (2869)، والنسائي (2059).)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا»، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. (أخرجه البخاري (6366)، ومسلم (586)، والنسائي (2067).)
وكما أن الكافر والمنافق وبعض أصحاب المعاصي من المسلمين يعذبون في قبورهم، فكذلك المؤمن يُنعم في القبر، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا»، قَالَ: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». (أخرجه البخاري (1374)، ومسلم (7318).)
بــاب في الإيمان بالبعث وما بعده
ونؤمن أن الله إذا أذن بزوال هذه الدنيا وانقضائها، أمر الله المَلَكَ فينفخ في الصور، فيصعق كل من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]، وقال صلى الله عليه وسلم: «...ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ....». (أخرجه مسلم (2940).) (و«رفع ليتًا»، أي أمال صفحة عنقه إليه. النهاية في غريب الحديث (3/ 33).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «...وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا».
فيُهلك الله مَن شاء مِن خلقه ممن كتب عليه الفناء والهلاك، حتى لا يبقى إلا الحق سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ * وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [سورة الرحمن: 26، 27]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [سورة القصص: 88]، وقال تعالى: ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: 16].
ثم يُنزل الله مطرًا تنبت منه أجساد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: «...ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللهُ- مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ - أَوِ: الظِّلُّ -نُعْمَانُ (وهو أحد رواة الحديث.) الشَّاكُّ- فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ...». (أخرجه مسلم (2940).)
ثم يأمر الله الملك فينفخ في الصور النفخة الثانية، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [سورة الزمر: 68].
وبيَّن صلى الله عليه وسلم مقدار ما بين النفختين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالَ: وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ، إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْق». (أخرجه البخاري (4814)، ومسلم (2955).)
ونؤمن بما أخبرنا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أحوال السموات والأرض يوم القيامة، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ: أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالماء وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الملكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]». (أخرجه البخاري (4811)، ومسلم (2786)، والترمذي (3238).)
ونؤمن بأن الناس يبعثون من قبورهم، فيحيي الله تعالى الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية؛ فيقوم الناس لرب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ} [المؤمنون: 15، 16]، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ * قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ * إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ} [يس: 51-53].
وقال تعالى: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُون * وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} [الحجر: 23-25].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا * ۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا * أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا * يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: 49-52]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا * ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا * ۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا} [الإسراء: 97-99]، وقال تعالى: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104]، والآيات الكريمة في إثبات البعث والنشور كثيرة جدًّا.
وأول من تنشق عنه الأرض نبينا صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». (أخرجه مسلم (2278)، وأبو داود (4673).)
وأول من يفيق نبينا صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «...لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي؟ أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ؟». (أخرجه البخاري (2441)، ومسلم (2373).)
وأول من يكسى نبي الله إبراهيم خليل الرحمن، قال صلى الله عليه وسلم: «وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ». (أخرجه البخاري (3349)، ومسلم (2860)، والترمذي (2423)، والنسائي (2082).)
ويحشر الناس حفاة عراة غُرْلًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا». (أخرجه البخاري (6527)، ومسلم (2859)، والنسائي (2083)، ابن ماجه (4276).)
ونؤمن أن الأرض التي يحشر عليها العباد أرض غير هذه الأرض، كما قال الحق جل شأنه: ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48].
وأرض الحشر بيضاء، قال صلى الله عليه وسلم: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ». (أخرجه البخاري (6521)، ومسلم (2790).)
وعن أبي سعيد الخدري، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ...». (أخرجه البخاري (6520)، ومسلم (2792).)
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في بيان أين يكون الناس وقت التبديل: فعن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِالْيَهُودِ جَاءَ إلى رسول يسأله وفيه: «...فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ». (أخرجه مسلم(315).)
وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ عز وجل: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ». (أخرجه مسلم (2791).)
ونعلم أن هذا اليوم عظيم جدًّا، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ * لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ} [المطففين: 4، 5]. وقال جل شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ﴾ [الحج: 1].
وأن مقداره خمسون ألف سنة، كما صح بذلك الخبر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إلى أن قال: حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». (أخرجه البخاري (2371)، ومسلم (987)، وأبو داود (1658)، والترمذي (1636)، والنسائي (3563)، وابن ماجه (2788)
وفيه تدنو الشمس من الأرض، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ» -قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟- قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا». (أخرجه مسلم (2864)، والترمذي (2421).)
ويتقي المؤمنون حرَّ الشمس بما سبق لهم من الحسنى، فمنهم من يستظل بظل العرش، كما قال صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». (أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031).)
ومنهم من تظلله «البقرة» و«آل عمران»، وتحاجَّان عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ. اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». (أخرجه مسلم(804).) ومنهم من يستظل بظل صدقته، قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». (أحمد (17333)، وأبو يعلى (1766)، وابن خزيمة (2431)، وابن حبان (3310)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.)
بــاب في الشفاعة يوم القيامة ومجيء الرب وإتيانه لفصل القضاء بين عباده
ونؤمن أن الشفاعة لله سبحانه وتعالى، قال الحق جل شأنه: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [الزمر: 44].
ونؤمن أنه لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، قال الحق جل في علاه: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ﴾ [البقرة: 255]، ولا يشفع الشفعاء إلا لمن رضي الرحمن قوله وفعله، قال المولى عز شأنه: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون} [الأنبياء: 28]، وقال تعالى: ﴿يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا﴾ [طه: 109].
ونؤمن أن أسعد الناس بشفاعة الشفعاء هم أهل الإخلاص والتوحيد، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قيل: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ». (أخرجه البخاري (99، 6570).)
ونؤمن أن الكافرين لا تنالهم شفاعة الشافعين، قال الحق جل في علاه: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ﴾ [المدثر: 48].
ونؤمن أن الله يأذن لمن شاء من عباده بالشفاعة؛ إكرامًا للشافع ورحمة للمشفوع له. ونعلم أن أعظم الشفعاء يوم القيامة هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيشفع شفاعاتٍ متعددةً، وأعظمها وأجلُّها الشفاعة في أهل الموقف، لِيُقْضَى بينهم، وذلك هو المقام المحمود، وهي التي ذكرها الله في كتابه، فقال جل شأنه: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا﴾ [الإسراء: 79]، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري: «...فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ». (أخرجه البخاري (1475).) فذكر في هذا الحديث الشفاعة في فصل القضاء، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أنه يتفضل لفصل القضاء كما في قوله تعالى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]. وقوله جل شأنه: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا﴾ [الفجر: 22]. وقوله عز شأنه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158].
ثم الشفاعة في دخول أهل الجنةِ الجنةَ، وقد دلَّت على هذه الشفاعات الأحاديث الكثيرة المتواترة، منها حديث أنس رضي الله عنه المشهور أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى؛ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى؛ فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أَوْ خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ». فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ، وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أبي خَلِيفَةَ، فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالحَدِيثِ، فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الموْضِعِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي -وَهُوَ جَمِيعٌ- مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا؟ قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَحَدِّثْنَا، فَضَحِكَ، وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». (أخرجه البخاري (7510)، ومسلم (193)، وابن ماجه (4312).)
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو نحو حديث أنس رضي الله عنه، وقال في آخره: «...اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُوني فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى». (أخرجه البخاري (3340)، ومسلم (194).)
ومنها حديثُ أَنَسِ بن مَالِكٍ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ». (أخرجه مسلم (196)، والدارمي(52).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»، (أخرجه البخاري (6305).) وقال صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ». (أخرجه البخاري (6304)، ومسلم (199)، والترمذي (3602)، وابن ماجه (4307).)
ونؤمن أن الله كما أكرم نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، فكذلك يكرم الأنبياء والملائكة والمؤمنين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «...فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط». (أخرجه البخاري (7439)، ومسلم (183).)
بــاب العرض والحساب وتوزيع الصحف
ونؤمن أن كلَّ إنسان يُؤتى كتابه، فآخذ كتابه بيمينه، قال الحق - وقوله الحق: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه} [الحاقة: 19].
وآخذٌ كتابه بشماله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ﴾ [الحاقة: 25]، أو يأخذه من وراء ظهره، قال المولى عز شأنه: ﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ﴾ [الانشقاق: 10]، ويقال له: ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ [الإسراء: 14]، وقال الحق جل شأنه: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 49].
ونؤمن بالعرض، قال الحق - وقوله الحق: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ [الحاقة: 18]، وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا﴾ [الكهف: 48]. وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». (أخرجه البخاري (6539)، ومسلم (1016).)
ونؤمن بالحساب، وأن الله يحاسب عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم} [الغاشية: 25، 26]، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، كما صح بذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «...يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». (أخرجه مسلم (2577).)
وهو سبحانه سريع الحساب، قال جل شأنه: ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [غافر: 17].
ونؤمن أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة بلا حساب، قال صلى الله عليه وسلم: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ....». (أخرجه البخاري (5811)، ومسلم (216) واللفظ له.)
وحساب الله لعباده له مراتبُ وأحوالٌ متباينةٌ، فمن العباد من يحاسب حسابًا عسيرًا، ومنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ * فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا} [الانشقاق: 7، 8].
وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ». (أخرجه البخاري (6537)، ومسلم (2876).) فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ * فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا}؟ [الانشـقاق: 7، 8]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ». (أخرجه البخاري (6537).) ولا يُظْلم أحد في ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
وأول من يحاسب يوم القيامة من الأمم أمة محمد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «... نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ». (أخرجه مسلم (856).)
وأول ما يقضى بين الناس في الدماء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». (أخرجه البخاري (6864)، ومسلم (1678).)
ونؤمن أنه في هذا اليوم يؤتى بالشهداء، فتشهد الملائكة، وتشهد الأرض بما عمل العباد عليها، وتشهد الجوارح، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر: 51]، وقال الحق: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الزمر: 69]، وقال المولى عز شأنه: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون} [يس: 65].
وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ذكْرُ شهادة الجوارح على العباد، وفيه: «...ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ». (أخرجه مسلم (2968).)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ». (أخرجه مسلم (2969).)
بــاب الإيمان بالـموازين
ونؤمن بأن الله تعالى يضع الموازين لوزن أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]، وقال تعالى: ﴿وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} [الأعراف: 8، 9]، وهو ميزان حقيقي له كفتان ولسان توزن به أعمال العباد.
ونؤمن أن الأعمال توضع في الموازين، قال صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ». (أخرجه البخاري (6682)، ومسلم (2694)، والترمذي (3467)، وابن ماجه (3806).)
وقال صلى الله عليه وسلم -أيضًا: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ...». (أخرجه مسلم (223)، والترمذي (3517)، والنسائي (2437)، وابن ماجه (280).)
ونعلم أن العامل يوضع مع عمله في الميزان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ»، وَقَالَ: اقْرَءُوا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] ، (أخرجه البخاري (4729)، ومسلم (2785).) وكذلك توضع في الموازين صحائف الأعمال كما دل على ذلك حديث البطاقة. (أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجه (4300)، وابن المبارك في المسند (100)، وفي الزهد (2/ 109)، وأحمد (6994).)
بــاب الإيمان بالحوض
ونؤمن بأن لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حوضًا ترده أمته، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ﴾ [الكوثر: 1].
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر} [الكوثر: 1-3]» ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟» فَقُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عز وجل، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ، إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ». (أخرجه مسلم (400).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا». (أخرجه البخاري (6579)، ومسلم (2292).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ». (أخرجه مسلم (247).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِم القَهْقَرَى. ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِم القَهْقَرَى، فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ». (أخرجه البخاري (6587).)
وعن أنس رضي الله عنه قال: لما عُرِجَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى السَّماء قال: «أتيت على نهرٍ حافَّتاهُ قبابُ اللؤلؤ المجوَّف، فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر». (أخرجه البخاري (4964).)
بــاب الصراط والجزاء
ونؤمن أن الصراط يُنْصب على مَتْن جهنم، وهو دحض مَزَلَّةٌ، يمر عليه العباد بحسب أعمالهم، وبه كلاليبُ مثل شوك السعدان، فتخطف الناس بأعمالهم، وأول من يجوز الجسر نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «...يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ، فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ». (أخرجه البخاري (806)، ومسلم (182)، وأبو داود (4730)، والترمذي (2554)، وابن ماجه (178).)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: «...ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّم»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا...». (أخرجه البخاري (7439).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «...وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ». (أخرجه مسلم(195).)
وعن أَبي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ، فَقَالَ: «نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَي ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ؟ قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقًا، أَوْ مُؤْمِنًا نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ...». (أخرجه مسلم(191).)
وإذا نجا المؤمنون من الصراط فإنهم يُحْبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَخْلُصُ المؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا». (أخرجه البخاري (6535).)
بــاب الجنة والنار
ونؤمن أن الجنة والنار هما دار الجزاء، وورد في القرآن والسنة صفة أهل الجنة والنار، وذكر مساكنهم ومشاربهم ومطاعمهم وملابسهم.
ونؤمن أنهما مخلوقتان الآن، وأن آدم عليه السلام كان في جنة الخلد، قال تعالى: ﴿وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 19]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» ثَلَاثًا. (أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701)، والترمذي (2134)، وابن ماجه (80).)
والجنة هي دار النعيم المقيم، قال الحق عز شأنه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]. وقال تعالى مُرَغِّبًا فيما فيها من النعيم: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].
ونؤمن أن أعظم نعيم الجنة هو النظر إلى وجه الله تعالى في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ} [القيامة: 22، 23] وقال: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] وعن صهيب الرومي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عز وجل». (أخرجه مسلم (181).)
ونؤمن أن الجنة منازلُ، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُم، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِم، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] الآية. (أخرجه مسلم(189).)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». (أخرجه مسلم (182).)
ونعلم أن أبواب الجنة ثمانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُاللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ». (أخرجه البخاري (3435)، ومسلم (28).)
ونؤمن أن دار النعيم جنات متعددة، كما قال تعالى: ﴿وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، وقال تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62]، وقال صلى الله عليه وسلم: «جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن».
ونؤمن أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ».
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: {وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]».
وأخبر الله عن النار وما فيها من أصناف العذاب والنَّكال، فقال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]، وقال الحق سبحانه: ﴿يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ} [الحج: 20، 21]، وقال المولى عز شأنه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 56].
ونؤمن أن النار دركات مختلفة، وقد بيّن الحق أن المنافقين في دركات الجحيم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]. وجاء في القرآن الكريم أن لها سبعة أبواب، فقال الحق جل في علاه: ﴿لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ﴾ [الحجر: 44]. وهي دار العذاب المقيم، قال الحق جل شأنه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} [النساء: 168، 169].
كتاب الإيمان بالقـدر
ملخص الكتاب
ونؤمن بالقضاء والقدر، ونعلم علم اليقين أن الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، فالإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر من علم الله وتقديره وتدبيره ومشيئته وخلقه.
وأجمع المسلمون على أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان.
ونعلم أن الإيمان بالقضاء والقدر يتضمن الإيمان بعلم الله الشامل المحيط، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن علمه محيط بالأمور العظيمة والجليلة، والكبيرة والصغيرة، ولا شيء مما هو موجود أو مما سيوجد، ولم يوجد بعد، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوب ذلك فيه، ومرسوم عدده ومبلغه والوقت الذي يوجد فيه، والحال التي يفنى فيها.
وأنه سبحانه علم ما كان، وما سيكون، وما لو كان كيف سيكون، وأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
ونؤمن بأن الله كتب كل ما هو كائن في كتاب محفوظ.
ونؤمن أن الله يكتب ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
ونؤمن بأنه لا يكون شيء إلا بقضاء الله وقدره، ولا يدفع أمر إلا بقضاء الله وقدره، فما قدره واقع لا محالة، وما صرفه لا يستطيع أحد أن يوقعه، فالخلق كلهم لا يستطيعون فعل شيء لم يكتبه الله، ولا دَفْعَ ما كتبه سبحانه وتعالى، فما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.
ونؤمن بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن مشيئته تامة، وقدرته نافذة، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ونؤمن بأن للعباد مشيئة على الحقيقة، وهي تابعة لمشيئة الله تعالى.
ونؤمن بأن الله قد هدى من شاء بفضله، وخذل من شاء بعدله سبحانه وتعالى، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاص فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم، خَلْق لخالقهم.
ونؤمن بأن الله يحب الطاعات والمطيعين، ونؤمن أن الله يكره الفسوق والفاسقين، وإن الله إذا أراد بعبد خيرًا وفَّقه لمحابِّه وطاعته وما يرضى به عنه، ومن أراد به غير ذلك أقام عليه الحجة، ثم عذبه غير ظالم له.
ونؤمن أن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر.
ونؤمن بأن الله خالق كل شيء، وأن الله خلق العباد، وخلق أفعالهم، لا يشاركه أحد في خلقه، كما لا يشاركه أحد في ملكه. واحتج الله على الخلق بأنه هو الخالق وحده، ومَنْ تفرد بالخلق فليس لأحد أن يدعي مشاركته في الخلق.
ونؤمن أنه لا تعارض بين الشرع والأمر والخلق، فالله سبحانه وتعالى له الخلق، وله الأمر، فكما يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، فهو يأمر، ولا راد لقضائه، ولا معقب لأمره.
ونؤمن أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومع ذلك أمر بطاعته وطاعة رسله وأنبيائه، ونهى عن معصيته ومعصية رسله وأنبيائه، فجمع سبحانه وتعالى في كتابه بين الإخبار عن تقديره، والأمر باتباع وحيه وأمره. وبين الحق أن الواجب اتباع الهدى، وأنه هدى من شاء بفضله، وأضلّ من شاء بعدله، وجمع الحق بين إخباره عن مشيئته العامة، وتهديده للمخالفين، وأمره لعباده المؤمنين بعبادته والتوكل عليه. والجمع بين الإيمان بالقدر والعمل بالشرع ممكن ومقدور عليه؛ وبين المولى عز شأنه أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
ونؤمن بأنه كما لا يوجد تعارض بين الخلق والأمر والشرع، لا يوجد تعارض بين الشرع والأمر والعقل، فكل ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو نهى عنه الله ورسوله، أو قدّره الله، أو أخبر به، فلا يعارض العقل، بل هو مقتضى ما تأمر به العقول، وهو غاية الحكمة.
ونؤمن بأن الله أنزل الكتب، وأرسل الرسل عليهم السلام لتقوم الحجة على الخلق. والشرعُ والأمر والقدر كل ذلك متكامل يكمل بعضه بعضًا، وهو في غاية الحسن، بل لا أحسنَ منه.
وأثنى الله تعالى على كتابه الذي وصفه بأنه أحسن الحديث الذي تضمن الشرع والأمر- فما شرعه الله أو قدّره، فهو في غاية الكمال والحُسْن؛ سواء أدركته العقول أو عجزت عن إدراكه وفهمه، ولا نجعل عقولنا وآراءنا حَكَمًا على شرع الله وقدره، تارة بالتحسين وتارة بالتقبيح، بل كل ما قدره الله وشرعه فهو تامُّ الحُسْن والكمال.
ونؤمن بأن الشرع والقدر كله خير، والله لا يقدر الشر المحض، ولكن يدخل الشر ضمن عموم المقدّر، ويرد في القرآن مضافًا إلى من قام به، ومن باب الأدب ألا يضاف الشر إلى الله تعالى.
ونؤمن بأن فعل الأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل مباشرة الأسباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر، وأمر ربنا بفعل الأسباب، ومن أعظم الأسباب الدعاء، وأمرنا بالدعاء وقد سبق القضاء.
ونؤمن بأن الله سبحانه وتعالى -يأمر بالعدل- ويحكم به شرعًا وتقديرًا وجزاءً، ونفى عن نفسه الظلم، وأثبت كمال العدل.
ونؤمن بأن سبْق القدر لا يلزم منه ظلم للعباد؛ لأن الله أنزل الكتب، وأرسل الرسل؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وجعل القدر سرًّا مكتومًا، وجعل للعباد مشيئة واختيارًا، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها.
ونؤمن بأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي ولا على ترك الطاعات، وأن المشركين الذين احتجوا بالقدر على وقوعهم في الشرك، بين الله كذبهم وأذاقهم بأسه، ولو كان القدر حجة لهم على شركهم ما أذاقهم الله بأسه.
ونؤمن بأنه يجوز للعبد أن يحتج بالقدر على الذنوب بعد التوبة منها، وأن يحتج بالقدر على المصائب.
ونؤمن أن المؤمن إذا سلَّم الأمر إلى الله، ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى.
بــاب وجوب الإيمان بالقدر
ونؤمن بالقضاء والقدر، فهو سبحانه وتعالى قد علم ما كان وما سيكون، وكتب كل ذلك وشاءه وخلقه وقدَّره تقديرًا.
ونعلم علم اليقين أن الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49]، وقال الحق جل في علاه: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: 38]، وقال المولى عز شأنه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [الفرقان: 2]، وقال المولى جل شأنه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فالإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر من علم الله وتقديره وتدبيره.
وقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [غافر: 68]، وقال المولى عز شأنه: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه من حديث جبريل عليه السلام قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: صَدَقْتَ. (أخرجه مسلم (8)، وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه (63).)
وقد أجمع المسلمون على أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي: «فإن كان في الدنيا إجماع بانتشار من غير إنكار، فهو في هذه المسألة «يعني القدر»، فمن خالف قوله فيها، فهو معاند مشاقق، يلحق به الوعيد، وهو داخل تحت قوله: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/ 726).)
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: «بِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ؟ أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟ إِنَّمَا ضَلَّتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، فَانْتَهُوا». (أخرجه ابن ماجه (85)، وأحمد (6845) واللفظ له، والحارث بن أبي أسامة في المسند -كما في بغية الباحث (735)، وابن أبي عاصم في السنة (406).)
وعن عبدالملك -يعني ابن جريج- عن عطاء بن أبي رباح قال: «أتيت ابن عباس، وهو ينزع في زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تُكُلِّمَ في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَر * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر} [القمر: 48، 49]، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، ولو أريتني واحدًا منهم، فقأت عينه». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/597).)
وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». (أخرجه أبو داود في سننه(4700)، والسنة، لابن أبي عاصم (1/51).)
وعن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: «كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي: أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ...». (أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (8)، والشريعة، للآجري (2/851).)
وعن أبي هارون الأبلي - وكان ممن صحب سهل بن عبدالله - وكان رجلًا صالحًا، وكان يقرئنا القرآن في المسجد الجامع، قال: «سئل سهل بن عبدالله عن القدر، فقال: الإيمان بالقدر فرض، والتكذيب به كفر، والكلام فيه بدعة، والسكوت عنه سنة». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/786).)
وعن الحسن البصري قال: «جفَّ القلم، وقضي القضاء، وتمَّ القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل، وسعادة من عمل واتقى، وشقاوة من ظلم واعتدى، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالتبرئة من الله للمشركين». (الشريعة، للآجري (2/881).)
قال ابن بطة العكبري: «ثم من بعد ذلك الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه، وقليله وكثيره مقدور واقع من الله عز وجل على العباد، وفي الوقت الذي أراد أن يقع، لا يتقدم ولا يتأخر، على ما سبق بذلك علم الله، وأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما تقدم لم يكن ليتأخر، وما تأخر لم يكن ليتقدم... فالإيمان بهذا حق لازم، فريضة من الله عز وجل على خلقه، فمن خالف ذلك، أو خرج عنه، أو طعن فيه، ولم يثبت المقادير لله عز وجل، ويضفها، ويضف المشيئة إليه، فهو أول الزندقة». (الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، لابن بطة (ص: 213 - 216).)
بــاب ما يتضمنه الإيمان بالقدر
ونؤمن أن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله الشامل المحيط، وأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ [الحج: 70]، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، قال المولى عز شأنه: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا﴾ [الطلاق: 12].
وأن علمه محيط بالأمور العظيمة والجليلة، والكبيرة والصغيرة، قال تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59]. قال ابن جرير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: «ولا شيء -أيضًا- مما هو موجود، أو مما سيوجد ولم يوجد بعدُ، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوب ذلك فيه، ومرسوم عدده ومبلغه، والوقت الذي يوجد فيه، والحال التي يفنى فيها. ويعني بقوله: {مُّبِين}: أنه يبين عن صحة ما هو فيه بوجود ما رسم فيه على ما رسم». (تفسير الطبري (11/403).)
وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} [سبأ: 2، 3].
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ»، قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ»، قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ: مَا كَانَ؟ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ، أَدْرِكْ نَاقَتَكَ، فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ، وَلَمْ أَقُمْ. (أخرجه البخاري (7418)، والترمذي (3951).)
وقد علم سبحانه وتعالى ما كان، وما سيكون، وما لو كان كيف سيكون، قال تعالى -مخبرًا عن المنافقين أنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادوهم إلا خبالًا، وهم لم يخرجوا معهم بعد -: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 47].
وقال الله تعالى في أهل النار: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ * بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [الأنعام: 27، 28]. فذكر أنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم، وهم لم يعرضوا على النار بعد، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سبأ: 3].
ونؤمن بأن الله سبحانه وتعالى كتب كل ما هو كائن في كتاب محفوظ، قال الحق جل شأنه: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين} [يونس: 61]، وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ [الحج: 70]، وقال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ [الحديد: 22].
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». (أخرجه مسلم (2653)، والترمذي (2156).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ القَدَرَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ». (أخرجه أبو داود (4700)، والترمذي (2155، 3319)، والطيالسي (578)، وأحمد (22705، 22707)، وابن أبي عاصم في السنة (115).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ، أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ». (أخرجه البخاري (7553)، ومسلم (2751)، والترمذي (3543)، وابن ماجه (189).)
ونؤمن أن الله يكتب ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب، قال الحق - وقوله الحق: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39].
ونؤمن أنه لا يكون شيء إلا بقضاء الله وقدره، ولا يُدفع أمر إلا بقضاء الله وقدره، فما قدره واقع لا محالة، وما صرفه لا يستطيع أحد أن يوقعه، فالخلق كلهم لا يستطيعون فعل شيء لم يكتبه الله، ولا دفع ما كتبه سبحانه وتعالى، فما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». (أخرجه الترمذي (2516)، وابن وهب في القدر (28)، وأحمد (2669)، وعبد بن حميد (636).)
ونؤمن بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن مشيئته تامة، قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [القصص: 68]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. وقدرته نافذة، قال الحق: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر: 44]، وقال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون} [الأنعام: 112].
ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، قال الحق: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253].
ونؤمن بأن للعباد مشيئة على الحقيقة، وهي تابعة لمشيئة الله، قال المولى عز شأنه: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [الإنسان: 30]، وقال الحق جل شأنه: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [التكوير: 28، 29]، وقال عز شأنه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: 29]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا﴾ [النبأ: 39].
ونؤمن بأن الله قد هدى من شاء بفضله، وخذل من شاء بعدله سبحانه وتعالى، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الأنعام: 39]، وقال عز شأنه: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام: 125]، وقال الحق جل في علاه: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ [السجدة: 13].
وعن أبي بكر المروذي قال: «سمعت أبا عبدالله -يعني: أحمد بن حنبل- يقول: سألوا عبدالرحمن بن مهدي عن القدر، فقال لهم: الخير والشر بقدر». (الإبانة الكبرى، لابن بطة (4/261).)
وقال أبو بكر بن أبي عاصم: «سألتَ عن السنة ما هي؟ والسنة: اسم جامع لمعان كثيرة في الأحكام وغير ذلك، ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر، وأن الاستطاعة مع الفعل للفعل، والإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاص فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم، خلْقٌ لخالقهم». (السنة، لابن أبي عاصم (2/645).)
ونؤمن أن الله يحب الطاعات والمطيعين، قال جل ثناؤه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون} [الحجرات: 7]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: 69]، وقال تعالى: ﴿وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ». (أخرجه البخاري (6223)، ومسلم (2994)، وأبو داود (5028)، والترمذي (2746)، وابن ماجه (968).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عـن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ...». (أخرجه البخاري (6040)، ومسلم (2637)، والترمذي (3161).)
ونؤمن بأن الله يكره الفسوق والفاسقين، وقال الحق سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال المولى عز شأنه: ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
وعن عثمان البتي قال: دخلت على ابن سيرين، فقال لي: «ما يقول الناس في القدر؟ قال: فلم أدر ما رددت عليه، قال: فرفع شيئًا من الأرض، وقال: ما أُرِيد على ما أقول مثل هذا، (في الشريعة للآجري ما يزيد. (2/ 887).) إن الله إذا أراد بعبد خيرًا وفَّقه لمحابِّه وطاعته، وما يرضى به عنه، ومن أراد به غير ذلك اتخذ عليه الحجة، ثم عذبه غير ظالم له». (القدر، للفريابي (ص: 263).)
ونؤمن بأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} [الأعراف: 28]، وقال عز شأنه وتعالى سلطانه: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7].
ونؤمن بأن الله خالق كل شيء، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر: 62]، وأن الله خلق العباد، وخلق أفعالهم، قال الله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، ولا يشاركه أحد في خلقه كما لا يشاركه أحد في ملكه، قال الحق جل في علاه: ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [الفرقان: 2].
واحتج الله على الخلق بأنه هو الخالق وحده، قال الله تعالى: ﴿نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ * ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ} [الواقعة: 57-59]. فهو، وإن كان برهانًا على البعث، دليل على تفرده -سبحانه- بالخلق تبارك وتعالى.
بــاب لا تعارض بين الأمر والشرع والخلق والعقل
ونؤمن بأنه لا تعارض بين الشرع والأمر والخلق، فالله سبحانه وتعالى له الخلق، وله الأمر، فكما يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، فهو يأمر ولا راد لقضائه، ولا معقب لأمره، قال الحق سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
ونؤمن بأن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومع ذلك أمر بطاعته وطاعة رسله وأنبيائه، ونهى عن معصيته ومعصية رسله وأنبيائه، قال الحق جل شأنه، وتقدست أسماؤه: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ * وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} [يونس: 107-109]. فجمع سبحانه وتعالى في هذه الآيات بين الإخبار عن تقديره، والأمر باتباع وحيه وأمره، وقال الحق جل جلاله: ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ} [الأنعام: 106-107]، فبين الحق أن الواجب اتباع الهدى، وأنه هدى من شاء بفضله، وأضلّ من شاء بعدله، سبحانه وتعالى، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ * وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ * وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنَّا عَٰمِلُونَ * وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} [هود: 118-123]. وفي هذه الآيات -أيضًا- جمع سبحانه وتعالى بين إخباره عن مشيئته العامة، وتهديده للمخالفين، وأَمْرِه لعباده المؤمنين بعبادته والتوكل عليه.
والجمعُ بين الإيمان بالقدر والعمل بالشرع ممكن ومقدور عليه؛ ولذا قال المولى عز شأنه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقال الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [المؤمنون: 62].
وأمرنا الله بالصبر على أقداره المؤلمة، فقال الحق جل شأنه: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». (أخرجه إسحاق بن راهويه (2413)، وأحمد في المسند (27079)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (6)، والنسائي في الكبرى (7440).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمؤْمِنِ وَالمؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». (أخرجه الترمذي (7859)، وابن أبي شيبة (10916)، وأحمد في المسند (7859)، وهناد بن السري في الزهد (402).)
وعن علي رضي الله عنه قال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّـقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } الآيَةَ [الليل: 6]». (أخرجه البخاري (1362)، ومسلم (2647)، وأبو داود (4694)، والترمذي (3344).)
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُعْرَفُ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ: لِمَا يُسِّرَ لَهُ». (أخرجه البخاري (6596)، ومسلم (2649)، وأبو داود (4709).)
وعن جابر رضي الله عنه قال: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». (أخرجه مسلم (2648).)
وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ -فِيمَا يَرَى النَّاسُ- عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ -فِيمَا يَرَى النَّاسُ- عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا». (أخرجه البخاري (6493)، ومسلم (112).)
قال الإمام الآجري مخبرًا عن الله أنه: «أحبَّ الطاعةَ من عبادِه وأمرَ بها، فجرتْ ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كوْنَها من غير محبة منه لها، ولا للأمرِ بها، تعالى عز وجل عن أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها، وجلَّ ربنا وعزَّ من أن يجرِيَ في ملكه ما لم يردْ أن يجري، أو شيء لم يحطْ به علمه قبل كوْنِه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن خلقهم، قبل أن يعملوا قضاءً وقدرًا، قد جرى القلم بأمره تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون، من برٍّ أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، ولولا توفيقه لهم ما عملوا بما استوجبوا به منه الجزاء؛ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [الحديد: 21]، وكذا ذم قومًا عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها، وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء». (الشريعة، للآجري (2/ 702).)
ونؤمن بأنه كما لا يوجد تعارض بين الخلق والأمر والشرع، فكذلك لا يوجد تعارض بين الشرع والأمر والعقل، فكل ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو نهى عنه الله ورسوله، أو قدره الله، أو أخبر به - لا يعارض العقل؛ بل هو مقتضى ما تأمر به العقول، وهو غاية الحكمة، قال الحكيم العليم: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا﴾ [الإسراء: 39]، وقال تعالى: ﴿حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾ [القمر: 5]، وقال الحق: ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ [النساء: 113]، وبه تقوم الحجة على الخلق، قال المولى عز شأنه: ﴿قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149]. وهذا الشرع والأمر والقدر هو في غاية الحسن، بل لا أحسن منه، قال تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
وعن ابن الديلمي قال: «أَتَيْتُ أبي بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، قَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ». (أخرجه أبو داود (4699)، وابن ماجه (77)، وأحمد (21589)، وعبد بن حميد (247)، والفريابي في القدر (190)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/676).)
وقال تعالى مثنيًا على كتابه الذي تضمن الشرع والأمر أنه أحسن الحديث، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا} [الزمر: 23]. فما شرعه الله أو قدره فهو في غاية الكمال والحُسْن؛ سواء أدركته العقول أو عجزت عن إدراكه وفهمه، ولا نجعل عقولنا وآراءنا حكمًا على شرع الله وقدره تارة بالتحسين، وتارة بالتقبيح، بل كل ما قدره الله وشرعه فهو تام الحُسنِ والكمال.
ونؤمن بأن الشرع والقدر كله خير، والله لا يقدر الشر المحض، قال صلى الله عليه وسلم: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ». (أخرجه مسلم (771)، وأبو داود (761)، والترمذي (266)، والنسائي (897).)
ويدخل الشر ضمن عموم المقدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49]، ويرد الشر في القرآن مضافًا إلى من قام به، قال تعالى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 1، 2].
ومن باب الأدب ألا يضاف الشر إلى الله تعالى، قال المولى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا﴾ [الجن: 10]، وقال الله تعالى مخبرًا عن الخليل عليه السلام أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء: 80]، فنسب المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله جل جلاله.
بــاب فـعـل الأسبــاب من القـدر
ونؤمن أن فعل الأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل مباشرة الأسباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر، وأمر ربنا بطلب الرزق، وقد أخبرنا أنه كتبه لنا، قال الحق: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
وقال الله مخبرًا عن يعقوب أنه قال لبنيه: {يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون} [يوسف: 67]. وعن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ أَخَذَ دِرْعَيْنِ، كَأَنَّهُ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا». (أخرجه ابن ماجه (2806)، وسعيد بن منصور (2858)، وأحمد (15722)، والنسائي في الكبرى (8529).) وأمر الله نوحًا عليه السلام بصنع السـفينة، كما أمر موسى عليه السلام بأن يضرب البحر، وأمر مـريم عليها السلام بأن تهز جـذع النخلـة لتساقط عليها الرطب، إلى غـير ذلك مما أمر الله به عباده باتخاذ الأسباب.
ومن أعظم الأسباب: الدعاء، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾. قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَقَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] إِلَى قَوْلِهِ: {دَاخِرِين}». (أخرجه أبو داود (1479)، والترمذي (2969)، وابن ماجه (3828).)
ومن الأسباب: الدواء والرقى، فعن أبي خِزَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَـدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ». (أخرجه الترمذي (2065)، وابن ماجه (3437)، وابن وهب في الجامع في الحديث (699)، وأحمد (15472) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2610).)
بــاب القدر لا يتعارض مع العدل
نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يأمر بالعدل، ويحكم به شرعًا وتقديرًا وجزاءً، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: 90]، وقال المولى عز شأنه: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل: 76]، وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا». (أخرجه مسلم (2577)، والترمذي (2495).)
ونفى عن نفسه الظلم، فقال تعالى: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا﴾ [النساء: 40]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا﴾ [النساء: 124]، وقال عز شأنه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [يونس: 44]، وقال الحق جل شأنه: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كمال عدله، ونفي الظلم عن نفسه.
ونؤمن بأن سبْق القضاء والقدر لا يلزم منه ظلم للعباد؛ لأن الله أنزل الكتب، وأرسل الرسل؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 165].
وجعل القدر سرًّا مكتومًا، قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]، وجعل للعباد مشيئة واختيارًا، قال المولى عز شأنه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، وقال الحق: ﴿فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا﴾ [الشمس: 8].
بــاب الاحتجاج بالقدر
نؤمن بأن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لئلا يكون للناس على الله حجة، قال المولى عز شأنه: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 165]، وقال تعالى مخبرًا عن المشركين أنهم احتجوا بالقدر على وقوعهم في الشرك، فبين الله كذبهم، وأذاقهم بأسه، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]. ولو كان القدر حجة لهم على شركهم ما أذاقهم الله بأسه.
وعن علي رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، وَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى} [الليل: 5] الآيَةَ»، (أخرجه البخاري (6605)، ومسلم (2647)، والترمذي (2136)، وابن ماجه (78).) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل، ونهى عن الاتِّكال على القدر.
ونؤمن أنه يجوز للعبد أن يحتج بالقدر على الذنوب بعد التوبة منها، فعن حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ»، فَقَالَ رَسُـولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى». مَرَّتَيْنِ. (أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701)، والترمذي (2134)، وابن ماجه (80).)
وقال مطرِّف بن عبدالله بن الشِّخِّير رحمه الله: «لم نوكل في القرآن إلى القدر، وقد أخبرنا في القرآن أنَّا إليه نصير»، (السنة، لعبدالله بن أحمد (2/412).) وقال محمد بن سيرين رحمه الله: «إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في آيات الله عز وجل فلا أدري ما هم؟». (السنة، لعبدالله بن أحمد (2/432)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/696).)
قال ابن وهب، وغير واحد: «سئل مالك عن أهل القدر: أيكف عن كلامهم؟ قال: نعم، إذا كان عارفًا بما هو عليه. قال: ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويخبرهم بخلافهم، ولا يواضع القول، ولا يصلي عليهم، ولا تُشْهد جنائزهم، ولا أرى أن يناكحوا، زاد في رواية غيره: قال الله: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} [البقرة: 221]، قال في رواية أشهب: ولا يصلى خلفهم، ولا يحمل عليهم الحديث، وإن وافيتموهم في ثغر فأخرجوهم منه». (ترتيب المدارك وتقريب المسالك (1/91).)
ونؤمن بأنه يجوز للعبد أن يحتج بالقدر على المصائب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». (أخرجه مسلم (2664)، وابن ماجه (79).)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قولَه في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون} [البقرة: 156]: قال: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَرَجَعَ وَاستَرْجَعَ عِنْد الْمُصِيبَةِ، كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ الْخيْرِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّحْمَةُ، وَتَحْقِيقُ سَبِيلِ الْهدَى. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِندَ الْمُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ». (أخرجه الطبري في التفسير (2/ 707)، (3/ 223)، وابن أبي حاتم في التفسير (1421)، والطبراني في الكبير (13027)، والبيهقي في الشعب (9240).)
كتاب العبادة
ملخص الكتاب
نؤمن بأن الله خلق الخلق ليعبدوه، والعبادة التي أمر الله بها هي الحنيفية، وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، وهي التي أمر الله بها جميع الثقلين. والعبادة أنواع كثيرة، ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى. ومن أنواعها: الدعاء، والتوكل، والخشية، والخوف، والرجاء، والاستعاذة، والذبح، والاستعانة، والاستغاثة.
ونؤمن بأن الله خلق الخلق ليعبدوه، ونعلم أن أول أمر ورد في القرآن هو الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه، وكل نبي قال لقومه: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ﴾ [الأعراف: 65].
ونعلم أن العبادة لا تكون مقبولة حتى تكون خالصة لله رب العالمين، موافقة لهدى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ويجب أن يكون المقصود بالعبادة هو الله وحده لا شريك له، وحذّر سبحانه وتعالى من الشرك كله كبيره وصغيره، فمن عمل عملًا خالصًا لكنه غير موافق لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعمله مردود عليه، ومن عمل عملًا موافقًا لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه غير خالص لله؛ فهو مردود عليه.
ونعلم أن أصول العبادة ثلاثة هي: كمال الحب، وكمال الرجاء، وكمال الخوف، وأن الأنبياء والمرسلين فازوا من ذلك بأوفر الحظ والنصيب.
وأعظم ما يرجوه المؤمنون هو رؤية وجه الله الكريم، ورؤية الله هي أعلى نعيم أهل الجنة، بل هي زيادة نعيم على نعيمهم، وإذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ، زاد الله المؤمنين كرامة وإحسانًا إلى إحسانه إليهم تفضلًا منه وجودًا بإذنه لهم بالنظر إليه، وأعظم ما يخافه أهل الإيمان هو حرمانهم من هذا النعيم الذي خص به أولياءه من المؤمنين، وحرم منه أعداءه، وحجب جميع أعدائه عن النظر إليه من المشركين واليهود والنصارى والمجوس والمنافقين.
والوسيلة هي التقرب إلى الله بكل ما يرضيه من واجب أو مستحب. (وتأتي الوسيلة بمعنى آخر -أيضًا- وهو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله لي الوسيلة».)
ونؤمن بأن الله أمر عباده بالدعاء، ووعدهم بالإجابة، ونعلم أن التوسل إلى الله يكون بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ولهذا كانت دعوات الأنبياء والمرسلين أكثر ما تكون بالتوسل بأسماء الله الحسنى. ومن مواطن الدعاء أدبار الصلوات، وفي الثلث الأخير من الليل، وعند الفطر من الصوم، وفي الطواف، وعلى الصفا والمروة، وفي عرفات ومزدلفة، وبعد رمي الجمرات.
كما يكون التوسل بالإيمان بالله، يكون التوسل إلى الله بالعمل الصالح بأنواع العبادات. ويكون التوسل إلى الله بذكر الحال، وإظهار الافتقار إلى الله، وأن العبد محتاج إلى عون الله ورحمته. ويكون التوسل بأن يطلب المسلم من الرجل الصالح الحي الحاضر أن يدعو له، كما طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم، وعَدَلَ الصحابة رضي الله عنهم عن الاستسقاء والتوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه؛ لأنهم يعلمون أن هذا من التوسل المشروع.
ولا يجوز التوسـل بغير ما شرع الله؛ فقد كان أهل الجاهلية يتقربون إلى الله بالتوسل إليه بأوثانهم وآلهتهم.
بــاب قول الله تعــالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون}
نؤمن بأن الله خلق الثقلين لعبادته، قال عز من قائل: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]؛ أي: وما أمروا إلا ليخلصوا العبادة لله رب العالمين. والعبادة التي أمر الله بها هي الحنيفية، وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، قال عز من قائل: ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161].
والعبادة التي أمر الله بها أنواع كثيرة، ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن: 18].
ومن أنواعها: الدعاء، قال عز من قائل: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
ومنها التوكل، قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3].
ومنها الخشية، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي﴾ [البقرة: 150].
ومنها الخوف، قال الحق جل شأنه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
ومنها الرجاء، قال الحق جل ثناؤه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾ [الإسراء: 57]، وقال الحق عز شأنه: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
ومنها الاستعاذة، قال الحق جل ثناؤه: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1].
ومنها الذبح، قال الحق جل في علاه: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
ومنها الاستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
ومنها الاستغاثة، قال الحق جل شأنه: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].
ونعلم أن أول أمر ذكر في القرآن هو الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه، قال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. وكل نبي قال لقومه: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ﴾ كما قال الله في أول الرسل عليهم السلام: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الأعراف: 59]، وقال الله مخبرًا عن آخرهم صلى الله عليه وسلم أنه قال لقومه: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾ [النساء: 36]، وقال الله جل في علاه: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36].
ونعلم أن العبادة لا تكون مقبولة حتى تكون خالصة لله رب العالمين، موافقة لهدى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
ونعلم أنه يجب أن يكون المقصود بالعبادة هو الله وحده لا شريك له، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». (أخرجه البخاري (6689)، ومسلم (1907)، وأبو داود (2201)، والترمذي (1647)، والنسائي (75)، وابن ماجه (4227).)
وحذَّر سبحانه وتعالى من الشرك كله كبيره وصغيره، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». (أخرجه مسلم (2985).)
فمن عمل عملًا خالصًا لكنه غير موافق لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم فعمله مردود عليه، قال الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، (أخرجه مسلم (1718).) وقال عز من قائل: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال عز من قائل: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31].
ونعلم أن أصول العبادة ثلاثة هي: كمال الحب، و كمال الرجاء، وكمال الخوف، وقد فاز الأنبياء والمرسلون من ذلك بأوفر الحظ والنصيب، قال تعالى مخبرًا عن حالهم: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]، وقال عز من قائل: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: 16]، وقال الحق جل في علاه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9].
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». (أخرجه البخاري (7405)، ومسلم (2675)، والترمذي (3603)، وابن ماجه (3822).)
وقال الحق جل في علاه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ [البقرة: 165]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». (أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43)، والترمذي (2624)، والنسائي (4987)، وابن ماجه (4033).)
وعن أبي هـريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». (أخرجه البخاري (14)، والنسائي (5015).) ولا ينال العبد محبة الله حتى يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الحق جل في علاه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31].
وأعظم ما يرجوه المؤمنون هو رؤية وجه الله الكريم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ} [القيامة: 22، 23].
ورؤية الله هي أعلى نعيم أهل الجنة، بل هي زيادة نعيم على نعيمهم، قال تعالى: ﴿۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [يونس: 26].
وعن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عز وجل». (أخرجه مسلم (181)، والترمذي (2552)، وابن ماجه (187).)
بــاب التوسل والوسيلة
والوسيلة هي التقرب إلى الله بكل ما يرضيه من واجب أو مستحب.
ونؤمن بأن الله أمر عباده بالدعاء، ووعدهم بالإجابة، فقال جل من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
ونعلم أن التوسل إلى الله يكون بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء: 110].
ولهذا كانت دعوات الأنبياء والمرسلين أكثر ما تكون بالتوسل بأسماء الله الحسنى، كما قال تعالى مخبرًا عن آدم وزوجه أنهما قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [الأعراف: 23]، وقال الخليل عليه السلام : ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾ [إبراهيم: 40]، وقال موسى عليه السلام : {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} [الأعراف: 151].
كما يكون التوسل بالإيمان بالله، قال تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].
ويكون التوسل بالعمل الصالح، كما في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوا المَبيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ، كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا، وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ»، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا، وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا»، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَسْتَهْزِئ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ». (أخرجه البخاري (2272)، ومسلم (2743).)
ويكون التوسل إلى الله بأنواع العبادات، ومن أهمها الدعاء، كما قال جل ثناؤه في أنبيائه: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]. ومن مواطن الدعاء أدبار الصلوات، وفي الثلث الأخير من الليل، وعند الفطر من الصوم، وفي الطواف، وعلى الصفا والمروة، وفي عرفات، ومزدلفة، وبعد رمي الجمرات.
ويكون التوسل بذكر الحال، وإظهار الافتقار إلى الله، وأن العبد محتاج إلى عون الله ورحمته، قال تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام أنه قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير} [القصص: 24]، وقال جل ثناؤه في نبي الله أيوب عليه السلام أنه دعا فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
ويكون التوسل بأن يطلب المسلم من الرجل الصالح الحي الحاضر أن يدعو له، كما طلب إخوة يوسف من أبيهم عليه السلام يستغفر لهم، قال الله تعالى مخبرًا عن ذلك: ﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ﴾ [يوسف: 97]، وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 64]. وعن أنس بن مالك، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ»، قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ». (أخرجه البخاري (2799)، ومسلم (1912)، وأبو داود (2490)، والنسائي (3172)، وابن ماجه (2776).)
ولما فسر النبي صلى الله عليه وسلم صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، قَامَ عُكَّاشَةُ رضي الله عنه، فَقَالَ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». (أخرجه مسلم (218).)
وعن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ»، (أخرجه البخاري (1010).) فعدل الصحابة رضي الله عنهم عن الاستسقاء والتوسل بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم -لكونه قد مات- إلى التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه؛ لأنهم يعلمون أن هذا من التوسل المشروع، فعمر رضي الله عنه يقصد التوسل بدعاء العباس، وليس بالعباس نفسه؛ لأنه لو كان المقصود التوسل بالعباس نفسه لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك.
ولا يجوز التوسل بغير ما شرع الله، فقد كان أهل الجاهلية يتقربون إلى الله بالتوسل إليه بأوثانهم وآلهتهم، قال تعالى مخبرًا عن شنيع فعلهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
كتـاب ما يـضـاد أصل الإيمــان أو يـضـاد كمــاله
ملخص الكتاب
ونعلم أن مما يضاد الإيمان بالله: الكفر بالله.
والكفر يكون أكبر وأصغر، والأكبر مُخْرج من الملة، ولا يقبل الله من صاحبه صرفًا ولا عدلًا، وهو مُحْبط لجميع الأعمال، والكافر خالد مخلَّد في النار. أما الأصغر فيضاد كمال الإيمان.
ونعلم أن الكفر الأكبر أنواع، أخبر الله عنها في كتابه، وذكر أن كفر الكافرين تارة يكون جحودًا، وتارة يكون امتناعًا واستكبارًا عن الحق، وتارة يكون تكذيبًا، ولا فرق بين التكذيب باللسان، والتكذيب بالقلب، وتارة يكون شكًّا وظنًّا، فهو متردد في أمر الحق شاكٌّ في البعث ولقاء الله، وتارة يكون سبًّا واستهزاءً، وتارة يكون إعراضًا وصدًّا عن سبيل الله، وتارة يكون بغضًا للحق.
ونعلم أن من الكفر كفرًا دون الكفر الأكبر، وهو الكفر الأصغر، ولا يضاد أصل الإيمان، ولكنه يضاد كماله، وهو لا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط جميع الأعمال، وهو أنواع كثيرة.
ومنه: قتال المسلم، فهذا كفر لا يُخرج من الملة، ولا يُخلد صاحبه في النار؛ لأن الله سمى المؤمنين المتقاتلين إخوانًا فسماهم مؤمنين، وهم يتقاتلون.
ونعلم أن مما يضاد الإيمان بالله: الشرك بالله العظيم - وهو أعظم الظلم - والشرك يحبط جميع الأعمال، والشرك لا يغفر الله لصاحبه إذا مات ولم يتب، والمشرك إذا مات ولم يتب فالجنة عليه حرام، ومأواه جهنم خالدًا فيها.
وقد أبطل الله الشرك، ونعى على المشركين شركهم، وبين فساد اتخاذهم الأنداد، وأنها لا تنفع، ولا تضر، فتارة يبين أن هؤلاء الشركاء لا يسمعون، ولو سمعوا ما استجابوا لمن دعاهم. وتارة يبين الحق أن هؤلاء الشركاء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون موتًا ولا حياة. وتارة يبين الحق أن هؤلاء المعبودين من دون الله أنقص ممن عبدها؛ لأنها لا تمشي، ولا تبطش، ولا تسمع، ولا ترى. وتارة يبين المولى عز شأنه عجز هذه المعبودات وضعفها، وتارة يحكم عليها المولى عز شأنه بالفقر والقلّة، وأنها لا تملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ملكًا تامًّا، ولا تملك شراكة في شيء من ذلك، وليس شيء منها ظهيرًا ومعينًا لله سبحانه وتعالى، ولا شفيعًا عنده. وتارة يبين الحق سبحانه وتعالى أن وجود آلهة مع الله ممتنع عقلًا، ومستحيل كونًا، وباطل شرعًا.
ونعلم أن الشرك الأكبر أنواع كثيرة:
منها: أن يُجْعل مع الله شريكٌ في ربوبيته وخلقه وملكه ورزقه وتدبيره، وبين الحق أنه هو المتفرد سبحانه بالخلق والأمر.
ومنها: أن يجعل العبد لله ولدًا -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومنها: الإيمان بالكواكب وعبادتها، ومن ذلك -أيضًا- الاستسقاء بالنجوم، واعتقاد أنها تجلب الرزق.
ومنها: أن يجعل مع الله شريكًا في أسمائه أو صفاته سبحانه وتعالى، كمن يزعم أن أحدًا غير الله يعلم الغيب. وقد جاء الوعيد الشديد على من سمى نفسه، أو سمى غيره باسم من أسماء الله التي لا تنبغي إلا لله كلفظ الجلالة «الله»، أو «الرحمن».
ومنها: أن يعتقد أن أحدًا من الخلق متصفٌ بالكمال الإلهي، أو أنه على كل شيء قدير، كيف؟! وقد أبان سبحانه وتعالى عن العجز التام للعابدين والمعبودين من دونه.
ومنها: أن يجعل مع الله آلهة أخرى.
ومنها: أن يصرف العبادة أو جزءًا منها لغير الله.
ومنها: الذبح لغير الله على سبيل التقرب، كمن يذبح للأصنام أو الموتى تقربا إليهم.
ومنها: النذر لغير الله، والنذر عبادة لله لا يجوز صرفه لغير الله؛ ولذا مدح الله المؤمنين الذين يوفون بالنذر.
ومنها: الاستعاذة بغير الله.
ومنها: الاستغاثة والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو دعاء غير الله تعالى.
ومنها: شرك الطاعة لغير الله، وذكر الله أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا يشرعون لهم، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم.
ومنها: الشرك في الصلاة والركوع والسجود والطواف؛ ذلك أن هذه العبادات وأمثالها لا يجوز صرفها لغير الله، وأمر الله خليله عليه السلام أن يطهر بيته للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، وذكر الله أنه لا يستنكف عن عبادته إلا المتكبرون، وذكر الله أن كل المخلوقات تسجد لله.
ومنها: الحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير الله، كما فعل أهل الكتاب وغيرهم؛ حيث جعلوا لله شركاء يشرعون لهم الشرائع، وهذا تارة يكون كفرًا، وتارة يكون ظلمًا، وتارة يكون فسوقًا.
ومنها: شرك المحبة، وهي أن يحب المرء مخلوقًا محبة مقترنة بالذل والتعظيم والخضوع.
ومنها: شرك الخوف والخشية، وهو أن يخشى أو يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالخضوع والذل والتعظيم، كأن يخافـه أن يُنْزل به البلاء، أو يمنع عنه الخير، أو أن يترك لأجله واجبًا، أو أن يفعل لأجله محرمًا على سبيل التقرب، وبين الحق جل في علاه أن أهل ولايته لا يخشون إلا الله سبحانه وتعالى.
ومنها: شرك الرجاء، وهو كمن يرجو من مخلوق حي حاضر أو غائب ما لا يقدر عليه إلا الله، أو يرجو من الأموات تفريج الكربات وقضاء الحاجات والشفاعة يوم القيامة.
ومنها: السحر.
ومنها: الكهانة والعرافة؛ لأن من يدّعيها يدعي علم الغيب.
ونعلم أن من الشرك شركًا أصغر لا يخرج من الملة، ولا يضاد أصل الإيمان، ولكنه يضاد كماله، وهو لا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط جميع الأعمال، وهو أنواع كثيرة.
ومنه: الطِّيَرة، وحدُّ الطيرة -كما في الحديث - ما أمضاك أو ردك.
ومنه: تعليق التمائم.
ومنه: يسير الرياء، أما من امتلأ قلبه من الرياء، وصار يعمل الصالحات بلا نية ولا إيمان ولا خشية، فهو المنافق الخالص، وعمله حابط مردود غير مقبول، والرسول صلى الله عليه وسلم سماه شرك السَّرائر، وبين صلى الله عليه وسلم أن الرياء خفي جدًّا، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يخافه على أمته أشد من خوفه عليها من المسيح الدجال.
ومنه: إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وهذا متردد بين أن يكون شركًا أكبر، وأن يكون أصغر بحسب ما يقوم في قلب العبد.
ومنه: التنجيم، والتنجيم قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر بحسب ما يقوم بالقلب.
ومنه: قول الرجل: ما شاء الله وشئت وما شابهها من الألفاظ.
ومنه: الحلف بغير الله.
ونعلم أن مما يضاد الإيمان بالله: النفاق، وهو إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر، وهو أكبر وأصغر، والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنفاق الأكبر مخرج من الملة، ونشهد بشهادة الله أن المنافقين كاذبون في دعواهم الإيمان.
ولا يقبل الله من المنافق صرفًا ولا عدلًا، ومآل المنافق - إن مات على النفاق - الخلود في النار.
ونعلم أن النفاق الأكبر يكون بغضًا للحق وكراهية له، ويكون فرحًا بهزيمة الإسلام وأهله، وحسرة إن رأوا نصرًا للإسلام. ويكون كفرًا بعد إيمان، وإعراضًا عن قبول التحاكم إلى الشرع. ويكون ظنًّا بالله ظن السوء أنه لن ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم ودينه، ويكون سخرية من الحق وأهله، وسبًّا لهم واستهزاءً بهم - ويكون لمزًا للمسلمين - ويكون مخادعة لأهل الإيمان ورياءً بالأعمال.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بجهاد المنافقين.
ونعلم أن النفاق الأصغر لا يخرج من الملة، ولا يحبط العمل، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يضاد أصل الإيمان ولكنه يضاد كماله، وأن النفاق شعب أربع، من كنّ فيه كان منافقًا، ومن كانت فيه خصلة من هذه الأربع كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر
* والبدعة كلها ضلالة.
ونؤمن أن الله قد أكمل لنا الدين، وأتمَّ علينا النعمة. ومما يضاد كمال الإيمان البدع في الدين، ونعلم أن الله نهى عن التفرق والاختلاف.
ونعلم أن من البدع تعظيم القبور والبناء عليها، وقد تصل إلى الشرك، ومن البدع تصوير الصالحين رجاء الاقتداء بهم بعد مماتهم.
ونعلم أن من البدع المنكرة: الاحتفالات البدعية ومشاركة الكفار أعيادهم.
ونعلم أن من البدع المنكرة: طلب البركة مما لم يجعله الله سببًا مباركًا، وهذا قد يكون سببًا إلى الشرك.
بــاب الكفر بالله
نعلم أن مما يضاد الإيمان بالله: الكفر بالله، وهو أكبر وأصغر، والكفر الأكبر يضاد أصل الإيمان، والكفر الأصغر يضاد كماله، والأكبر مخرج من الملة، ولا يقبل الله من صاحبه صرفًا ولا عدلًا، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 91]، وقال الحق جل في علاه: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48]. والكفر محبط لجميع الأعمال، قال الحق جل شأنه: ﴿ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 5]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} ، قَالَ: «أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعُرْوَةُ الْوثْقَى، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا إِلَّا بِهِ، وَلَا يُحَرِّمُ الْجَنَّةَ إِلَّا عَلَى مَنْ تَرَكَهُ». (تفسير الطبري (3/113) و (9/593). وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (1307)، ولكن في تفسير قوله: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ }.)
والكافر خالد مخلد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا﴾ [النساء: 168، 169].
والكفر الأكبر أنواع، أخبر الله عنها في كتابه، وذكر أن كفر الكافرين تارة يكون جحودًا قال تعالى: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، وقال الحق جل شأنه: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُور} [لقمان: 32]، وقال عز من قائل: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [النمل: 14].
وتارة يكون الكفر امتناعًا واستكبارًا عن الحق، قال تعالى في إبليس -وهو إمام الكافرين: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]. وقال نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا﴾ [نوح: 7].
وتارة يكون الكفر تكذيبًا، كما قال الله في الأمم السابقة: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]، وقال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: 22]. ولا فرق بين أن يكون التكذيب باللسان، وأن يكون بالقلب، قال الحق في المنافقين: ﴿۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [الحشر: 11]، وقال عز شأنه: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1].
وتارة يكون الكفر شكًّا وظنًّا، فهو متردد في أمر الحق، شاك في البعث ولقاء الله، قال تعالى مخبرًا عن صاحب الجنة أنه قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا﴾ [الكهف: 36]، فقال له صاحبه المؤمن: أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا} [الكهف: 37].
وتارة يكون الكفر سبًّا واستهزاءً، كما قال المولى عز شأنه مخبرًا عن الكافرين: ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [الأنعام: 10]، وقال تعالى مخبرًا عن قوم نوح وسخريتهم به: ﴿وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ﴾ [هود: 38].
وتارة يكون الكفر إعراضًا وصدًّا عن سبيل الله، قال تعالى مخبرًا عن إعراض الكافرين: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 24]، وقال عز شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ﴾ [الأحقاف: 3].
وتارة يكون الكفر بغضًا للحق، قال المولى عز شأنه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 9].
ونعلم أن من الكفر كفرًا دون الكفر الأكبر، وهو الكفر الأصغر، ولا يضاد أصل الإيمان، ولكنه يضاد كماله، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط جميع الأعمال، وهو أنواع كثيرة.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ المسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، (أخرجه البخاري (48)، ومسلم (64)، والترمذي (1983)، والنسائي (4108)، وابن ماجه (69).) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»، (أخرجه مسلم (67).) وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (أخرجه البخاري (121)، ومسلم (65)، والنسائي (4131)، وابن ماجه (3942).)
فهذا الكفر لا يُخرج من الملة، ولا يُخلد صاحبه في النار؛ لأن الله سمى المؤمنين المتقاتلين إخوانًا، فقال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، فسماهم مؤمنين وهم يتقاتلون، وقال إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله - بعد أن ساق جملة من هذه الأحاديث وأمثالها: «هذه الأحاديث التي جاءت: «ثلاث من كن فيه فهو منافق» هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت، ولا نفسرها... ونحوه من الأحاديث مما قد صح وحُفظ فإنا نسلم له، وإن لم يُعلم تفسيرها، ولا يُتكلم فيه، ولا يُجادل فيه، ولا تفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 182).)
بــاب الشرك بالله
نعلم أن مما يضاد الإيمان بالله: الشرك بالله العظيم، وهو أكبر وأصغر، والشرك الأكبر يضاد أصل الإيمان، والشرك الأصغر يضاد كماله، والشرك الأكبر أعظم الظلم، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]. والشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وقال عز من قائل: ﴿ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
والشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إذا مات ولم يتب منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. والمشرك إذا مات ولم يتب فالجنة حرام عليه، ومأواه جهنم خالدًا فيها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ﴾ [المائدة: 72].
وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ». (أخرجه مسلم (93).)
وقد أبطل الله الشرك، ونعى على المشركين شركهم، وبين فساد اتخاذهم الأنداد، وأنها لا تنفع ولا تضر، فتارة يبين أن هؤلاء الشركاء لا يسمعون، ولو سمعوا ما استجابوا لمن دعاهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 13، 14]. فبين الحق أنهم لا يملكون أي شيء، ولا يسمعون لمن دعاهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم.
وتارة يبين الحق أن هؤلاء الشركاء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون موتًا ولا حياة، كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾ [الفرقان: 3]، وقال عز شأنه: ﴿قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ * أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 72، 73].
وتارة يبين الحق أن هؤلاء المعبودين من دون الله أعظم نقصًا ممن عبدها؛ لأنها لا تمشي، ولا تبطش، ولا تسمع، ولا ترى، فهي: «خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر». (تفسير الطبري (13/322).) قال تعالى: ﴿أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: 195].
وتارة يبين المولى عز شأنه عجز هذه المعبودات وضعفها، قال الحق جل في علاه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ [الحج: 73]، وقال عز من قائل: ﴿وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: 197].
وتارة يحكم عليها المولى عز شأنه بالفقر والقلة، وأنها لا تملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ملكًا تامًّا، ولا تملك شراكة في شيء من ذلك، وليس لله تعالى منها ظهيرٌ، ولا معين، ولا شفيع عنده، قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23].
وتارة يبين الحق سبحانه وتعالى أن وجود آلهة مع الله ممتنع عقلًا، ومستحيل كونًا، وباطل شرعًا، قال الله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، وقال الله عز شأنه وتعالى مجده وسلطانه: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا﴾ [الإسـراء: 42]. وقال الحق عز شأنه: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91].
ونعلم أن الشرك الأكبر أنواع كثيرة:
فمن أنواعه: أن يُجْعَلَ مع الله شريك في ربوبيته وخلقه وملكه ورزقه وتدبيره، قال الحق مخبرًا عن شركهم: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [الرعد: 16]، وقال تعالى منكرًا على من جعـل لله شريكًا من الخلق، وهو مخلوق لا يخلق: ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [لقمان: 11]، وبين الحق أنه هو المتفرد سبحانه وتعالى بالخلق والأمر، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
ومن أنواعه: أن يُجْعَلَ لله ولدٌ -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- قال المولى عز شأنه: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]، وقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100]، وقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ * أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ} [الزخرف: 15، 16].
ومن أنواعه: الإيمان بالكواكب وعبادتها، قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه حاج قومه في عبادة الكواكب: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ * فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ * فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [الأنعام: 75-81].
ومن ذلك -أيضًا: الاستسقاء بالنجوم، واعتقاد أنها تجلب الرزق، قال تعالى: ﴿وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: 82]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رحمة الله، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا». قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم} [الواقعة: 75]، حَتَّى بَلَغَ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} [الواقعة: 82]. (أخرجه مسلم (73)، والطبري في التفسير (23/154).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ». (أخرجه مسلم (934)، وابن ماجه (1581).)
وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». (أخرجه البخاري (846)، ومسلم (71)، وأبو داود (3906)، والنسائي (1525).)
ومن أنواعه: أن يُجْعَلَ مع الله شريك في أسمائه أو صفاته سبحانه وتعالى كمن يزعم أن أحدًا غير الله يعلم الغيب، والله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 50]، وقال الحق جل في علاه: {إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ} [يونس: 20]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا -قَالَ مُوسَى فِي حَدِيثِهِ - فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ - ثُمَّ اتَّفَقَا- أَوْ أَتَى امْرَأَةً - قَالَ مُسَدَّدٌ: امْرَأَتَهُ - حَائِضًا، أَوْ أَتَى امْرَأَةً - قَالَ مُسَدَّدٌ: امْرَأَتَهُ - فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»، (أخرجه أبو داود (3904)، والترمذي (135)، وابن ماجه (639)، والفضل بن دكين في الصلاة (15)، وإسحاق بن راهويه (482)، وأحمد (9536).) وقد جاء الوعيد الشديد على من سمى نفسه، أو سمى غيره باسم من أسماء الله التي لا تنبغي إلا لله، كلفظ الجلالة «الله»، أو «الرحمن»، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]، وقال المولى عز شأنه: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ [طه: 8]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ». (أخرجه البخاري (6205)، ومسلم (2143)، وأبو داود (4961)، والترمذي (2837).)
وقال أبو عبيد رحمه الله: «وكان سفيان بن عيينة يفسر قوله: «ملك الأملاك»، قال: هو مثل قولهم: شاهان شاه، أي: أنه ملك الملوك. وقال غير سفيان: بل هو أن يتسمى الرجل بأسماء الله، كقوله: الرحمن، والجبار، والعزيز. قال: فالله هو ملك الأملاك، لا يجوز أن تسمي بهذا الاسم غيره». (غريب الحديث، للقاسم بن سلام (2/ 18).)
ومن أنواعه: أن يُعْتَقَدَ أن أحدًا من الخلق متصفٌ بالكمال الإلهي، أو أنه على كل شيء قدير، قال الحق جل في علاه: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص: 4]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا﴾ [مريم: 65]، وقال تعالى مخبرًا عن كمال قدرته: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 148]، وقال المولى عز شأنه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر: 44]. وأبان سبحانه عن العجز التام للعابدين والمعبودين من دونه، فقال عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ [الحج: 73].
ومن أنواعه: أن يُجْعَلَ مع الله آلهةٌ أخرى، كما أخبر الله عن قوم إبراهيم عليه السلام أنهم اتخذوا آلهة من دون الله، فقال تعالى: ﴿۞ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 74]، وأخبر الحق عن أصحاب الكهف أنهم اعتزلوا قومهم؛ لأنهم اتخذوا من دون الله آلهة، قال الله تعالى وتقدس: ﴿هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا﴾ [الكهف: 15]، وقال سبحانه في قوم موسى عليه السلام أنهم طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما للمشركين آلهة: ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ * إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الأعراف: 138، 139]، وقال تعالى مبطلًا عبادة كل معبود من دون الله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91].
ومن أنواعه: صَرْفُ العبادة أو جزء منها لغير الله، قال تعالى موضحًا حال المشركين: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الأنعام: 136]، وقال صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». (أخرجه مسلم (2985).)
ومن أنواعه: الذبح لغير الله على سبيل التقرب، كمن يذبح للأصنام أو الموتى تقربًا إليهم، قال المولى عز شأنه موضحًا أن الذبح لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النحل: 115]. وعن أبى الطفيل قال: قلنا لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه: أخبرنا بشيء أسرَّه إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»؛ (أخرجه مسلم (1978)، والنسائي (4422).) ولأن هذا الأمر عظيم جدًّا، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، فعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: «نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ -هي هضبة من وراء ينبع قريبة من ساحل البحر- فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». (أخرجه أبو داود (3313).)
ومن أنواعه: النذر لغير الله؛ فالنذر عبادة لله لا يجوز صرفه لغير الله؛ ولذا مدح الله المؤمنين الذين يوفون بالنذر، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ [الإنسان: 7]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». (أخرجه البخاري (6696)، وأبو داود (3289)، والترمذي (1526)، والنسائي (3806)، وابن ماجه (2126).)
ومن أنواعه: الاستعاذة بغير الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَبِيتُ أَحَدُهُمْ بِالْوَادِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ إِثْمًا»، (أخرجه الطبري في التفسير (23/ 322).) قال تعالى مخبرًا عن حال أهل الجاهلية: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ [الجن: 6]. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من نزل منزلًا وقال: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ». (أخرجه مسلم (2708)، والترمذي (3437)، وابن ماجه (3547).)
ومن أنواعه: الاستغاثة والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو دعاء غير الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن: 18]، وقال تعالى: ﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ [فاطر: 14]، وقال المولى عز شأنه موضحًا أن المشركين يستغيثون بالله إذا مسهم الضر، ثم يعودون إلى شركهم إذا نجاهم الله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]، وقال عز شأنه: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5]، وقال الله تعالى مبينًا أنه هو الذي يغيث الملهوف ويكشف الضر: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].
ومن أنواعه: شرك الطاعة لغير الله، قال تعالى مخبرًا عن أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا يشرعون لهم، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21]. وأمر الله عباده بالإيمان به والتحاكم إلى شرعه، وبين أن الشيطان يريدهم أن يتحاكموا إلى الطاغوت، فقال جل من قائل: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا﴾ [النساء: 60]. وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي «سُورَةِ بَرَاءَة»: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ». (أخرجه الترمذي (3095)، وابن سعد (6/ 219)، وابن أبي حاتم في التفسير (10057)، والطبراني في الكبير (17/ 92/ 218).)
ومن أنواعه: الشرك في الصلاة والركوع والسجود والطواف؛ ذلك أن هذه العبادات وأمثالها لا يجوز صرفها لغير الله، وأمر الله خليله عليه السلام أن يطهر بيته للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: 26]، وأمر الحق أن يكون السجود له وحده سبحانه وتعالى، فقال جل من قائل: {لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون} [فصلت: 37]. ولا يستنكف عن عبادته إلا المتكبرون، قال الحق سبحانه وتعالى: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين} [ص: 75]، وذكر الله أن سائر المخلوقات تسجد له، فقال عز من قائل: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [النحل: 49]. وفي خبر جعفر رضي الله عنه عندما دخل على النجاشي، فقال جعفر: «أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ، فَاتَّبَعُوهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَسْجُدُونَ لِلْمَلِكِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عز وجل بَعَثَ إِلَيْنَا نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَنَا أَلَّا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ». (أخرجه الطيالسي (344)، وسعيد بن منصور (2481)، وأحمد (4400)، ولوين في جزئه (4)، والطحاوي في أحكام القرآن (418).)
ومن أنواعه: الحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير الله، وبيّن الله سبحانه وتعالى حكمَ من حكمَ بغير ما أنزل الله، فقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]. وقال الحق جل في علاه: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]. وقال المولى عز شأنه: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]؛ ذلك لأن الأمر كله لله، قال الحـق جل في علاه: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [الأعراف: 54]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: 35].
وقد نعى الله على أهل الكتاب اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا يشرعون لهم، قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. وقال الحق جل في علاه: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21]. وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَة: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31]»، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ». (أخرجه الترمذي (3095)، وابن سعد (6/ 219)، وابن أبي حاتم في التفسير (10057)، والطبراني في الكبير (17/ 92/ 218).)
وأهل الكتاب يضاهئون في ذلك المشركين الذين قال الله عنهم: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: 35].
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]. وقال عز من قائل: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21]. وقال تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
ومن أنواعه: شرك المحبة، وهي أن يحب مخلوقًا محبة مقترنة بالذل والتعظيم والخضوع، قال تعالى في محبة المشركين لأندادهم: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة: 165]. وعن عبدالله رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك...». (أخرجه البخاري (4477)، ومسلم (86)، وأبو داود (2310)، والترمذي (3182)، والنسائي(4013).)
ومن أنواعه: شرك الخوف والخشية، وهو أن يخشى، أو يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالخضوع والذل والتعظيم، كأن يخاف أن ينزل به البلاء، أو يمنع عنه الخير، أو أن يفعل لأجله محرمًا على سبيل التقرب، قال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. والمشركون يعتقدون أن آلهتهم تضر وتنفع؛ ولذا ظنوا أن آلهتهم أصابت نبي الله هودًا عليه السلام بسوء حيث قالوا: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾ [هود: 54]. قال مجاهد: « {اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} ، قال: أصابتك الأوثان بجنون». (تفسير الطبري (15/361).) وقال الحق في صاحب الملة الحنيفية عليه السلام أنه قال: ﴿وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنعام: 81].
وكان أهل الجاهلية يستعيذون بسادات الجن خوفًا من سفهائهم، قال عز من قائل: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ [الجن: 6].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ﴾ [النساء: 77]. وبين الحق جل في علاه أن أهل ولايته لا يخشون إلا الله سبحانه وتعالى كما قال عز شأنه: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [التوبة: 18]. وأخبر أن السَّحرة بعد إيمانهم آثروا الخوف من الله على الخوف من فرعون وبطشه، قال تعالى مخبرًا عن مقالتهم: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 72، 73].
ومن أنواعه: شرك الرجاء، وهو أن يرجو من مخلوق حي حاضر أو غائب ما لا يقدر عليه إلا الله، أو يرجو من الأموات تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، والشفاعة يوم القيامة، قال الحق مخبرًا عن سبب عبادة المشركين لآلهتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، وقال تعالى: ﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ [فاطر: 14]، وبين الله أن هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئًا، قال عز من قائل: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: 40]، وقال تعالى في الأتباع أنهم يقال لهم يوم القيامة: {ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُون} [القصص: 64]. وكل ما ورد في القرآن من ذكر لدعوة المشركين لآلهتهم فهو دليل على شرك الرجاء، قال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾ [غافر: 43]. ولو لم يكونوا يعتقدون أنهم يجيبونهم لما نفاها مؤمن آل فرعون.
ومن أنواعه: السحر، قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡ﴾ [البقرة: 102]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الموبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». (أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89)، وأبو داود (2874)، والنسائي (3671).)
وعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ بَجَالَةَ يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، وَأَبَا الشَّعْثَاءِ، قَالَ: «كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ إِذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ...». (أخرجه أبو داود (3043)، وعبدالرزاق (9972)، وسعيد بن منصور (2180)، وأحمد (1657).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ». (أخرجه أبو داود (3905)، وابن ماجه (3726)، وابن أبي شيبة (26159)، وأحمد (2000)، وعبد بن حميد (714).)
ومن أنواعه: الكهانة والعرافة؛ لأن من يدعيها يدعي علم الغيب، قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا} [الجن: 26، 27]. وعن صفية عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». (أخرجه مسلم (2230).)
وعن أبي هريرة والحسن رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». (أخرجه أحمد (9536) عن أبي هريرة، والحسن، وأخرجه أبو داود (3904)، والترمذي (135)، وابن ماجه (639)، وابن أبي شيبة (17077)، وإسحاق بن راهويه (482)، وأحمد (9290) من حديث أبي هريرة.)
ونعلم أن من الشرك شركًا أصغر لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط جميع الأعمال، وهو أنواع كثيرة:
ومنه: الطِّيرة، وحدُّ الطيرة: ما أمضاك أو ردك، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: 131]، وقال الحق جل في علاه: ﴿قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾ [يس: 19]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ». (أخرجه البخاري (5707)، ومسلم (2220)، وأبو داود (3911).)
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ». (أخرجه أبو داود (3919)، وابن أبي شيبة في المصنف (26920) وفي الأدب (162)، والخلال في (1405).)
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». (أخرجه ابن وهب في الجامع (658)، وأحمد (7045)، واللفظ له، والطبراني في الكبير (14622)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (292).)
ومنه: تعليق التمائم، فعن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَسُولًا: أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ». (أخرجه البخاري (3005)، ومسلم (2115)، وأبو داود (2552).)
وعن عبدالله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ». (أخرجه أبو داود (3883)، وابن ماجه (3530)، ومعمر في الجامع (20343)، وابن أبي شيبة (23924)، وأحمد (3615).)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ». (أخرجه الترمذي (2072)، وابن أبي شيبة في المصنف (23923)، وفي المسند (786)، وأحمد (18781).)
ومنه: يسير الرياء، أما من امتلأ قلبه من الرياء، حتى صار يعمل الصالحات بلا نية ولا إيمان ولا خشية فهو المنافق الخالص، وعمله حابط مردود غير مقبول، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110]، وقال صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». (أخرجه مسلم (2985).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ». (أخرجه مسلم (1905)، والترمذي (2382)، والنسائي (3137).)
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ». (أخرجه البخاري (6499)، ومسلم (2987)، وابن ماجه (4207).)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ، سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ». (أخرجه ابن المبارك في الزهد (141)، وابن أبي شيبة (36448)، وهناد في الزهد (872)، وأحمد (6509) وفي الزهد (238).)
وعن أبي موسى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ -قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا- فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل». (أخرجه البخاري (123)، ومسلم (1904)، وأبو داود (2517)، والترمذي (1646)، والنسائي (3136)، وابن ماجه (2783).)
ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه شرك السرائر، فعن محمود بن لبيد قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ»، قَالُوا: وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «أَنْ يَقُومَ أَحَدُكُمْ يُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا؛ لِيَنْظُرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ». (أخرجه ابن أبي شيبة (8489)، وابن خزيمة (937)، والطبراني في الكبير (4301) والبيهقي في السنن الكبرى (3629)، وفي الشعب (2872).)
وبين صلى الله عليه وسلم أن الرياء خفي جدًّا، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يخافه على أمته أشد من خوفه المسيح الدجال عليها، حيث قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟»، قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ». (أخرجه ابن ماجه (4204)، وأحمد (11252)، وحنبل بن إسحاق في الفتن (30)، والطبري في تهذيب الآثار (1117).)
ومن الشرك الأصغر: إرادة الإنسان بعمله الدنيا، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، وقال جل ثناؤه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ﴾ [هود: 15]. وهذا متردد بين أن يكون شركًا أكبر، وبين أن يكون أصغر بحسب ما يقوم في قلب العبد، قال الحق جل شأنه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا﴾ [الإسراء: 18].
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، (أخرجه البخاري (2810)، ومسلم (1904)، وأبو داود (2517)، والنسائي (3136).) ودعا المصطفى صلى الله عليه وسلم على من كانت الدنيا هي همه وغايته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». (أخرجه البخاري (2886)، وابن ماجه (4135).)
ومنه: قول الرجل: ما شاء الله وشئت، وما شابهها من الألفاظ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَجَعَلْتَنِي وَاللَّهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»، (أخرجه ابن أبي شيبة (27227)، وأحمد (1839)، والبخاري في الأدب المفرد (783)، وابن أبي الدنيا في الصمت (342)، والباغندي في أماليه (36).) ويماثل هذا اللفظَ قولُهم: هذا من الله ومنك، ولولا الله وفلان لم يكن كذا.
ومنه: الحلف بغير الله، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ». (أخرجه البخاري (3836)، ومسلم (1646)، والنسائي (3764).) وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ». (أخرجه الترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٦٠٧٢) وأبو عوانة (٦٤٠١)، والحاكم (٧٨٩٥). )
بــاب النفاق
ومما يضاد الإيمان بالله: النفاق الأكبر؛ وهو إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وهو أكبر وأصغر. والنفاق الأكبر يضاد أصل الإيمان، والنفاق الأصغر يضاد كماله، قال الإمام أحمد في «أصول السنة»: «والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله، ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، (أصول السنة، لأحمد بن حنبل (ص: ٥٥).) والأكبر مخرج من الملة.
ونشهد بشهادة الله أن المنافقين كاذبون في دعواهم الإيمان، قال عز شأنه وتعالى سلطانه: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 107]. وقال عز من قائل: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون} [المنافقون: 1].
ولا يقبل الله من المنافق صرفًا ولا عدلًا، قال تعالى: ﴿قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ} [التوبة: 53، 54].
ومآل المنافق -إن مات على النفاق- الخلود في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ﴾ [التوبة: 68].
ونعلم أن النفاق الأكبر يكون بغضًا للحق وكراهية له، قال تعالى مخبرًا عن حال المنافقين: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ * أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ * وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ} [محمد: 28-30].
ويكون فرحًا بهزيمة الإسلام وأهله، وحسرة إن رأوا نصرًا للإسلام، قال الحق جل في علاه مبينًا ما تكنُّه صدورهم: ﴿إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: 50].
ويكون كفرًا بعد إيمان، وتوليًا عن قبول التحاكم إلى الشرع، قال المولى عز شأنه: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ} [النور: 47، 48].
ويكون ظنًّا بالله ظن السوء أنه لن ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم ودينه، قال الحق جل في علاه: ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا﴾ [الأحزاب: 12].
ويكون سخرية من الحق وأهله، وسبًّا لهم واستهزاءً بهم، قال الحق جل شأنه: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ} [التوبة: 64، 65].
ويكون لمزًا للمسلمين، قال المولى عز شأنه: ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79].
ويكون مخادعة لأهل الإيمان ورياءً بالأعمال، قال الله تعالى وتقدس: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]، وقال -أيضًا: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 142]. وعن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا». (أخرجه مسلم (622)، وأبو داود (413)، والترمذي (160)، والنسائي (511).)
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ». (أخرجه مسلم (654)، وأبو داود (550)، والنسائي (849)، وابن ماجه (777).)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ، فَيَقُولُ... إلى أن قال: ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ». (أخرجه مسلم (2968).)
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بجهادهم، فقال عز من قائل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ * يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ} [التوبة: 73، 74].
ونعلم أن النفاق الأصغر لا يخرج من الملة، ولا يحبط العمل، ولا يخلد صاحبه في النار، وأن النفاق شُعَبٌ، قال صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». (أخرجه البخاري (34)، ومسلم (58)، وأبو داود (4688)، والترمذي (2632)، والنسائي (5020).)
وعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَيَعْمَلُ بِهِ، كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالمؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَيَعْمَلُ بِهِ، كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَالحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ -أَوْ خَبِيثٌ- وَرِيحُهَا مُرٌّ». (أخرجه البخاري (5059)، ومسلم (797)، والترمذي (2865)، والنسائي (5038)، وابن ماجه (214).)
بــاب البدعة
نعلم أن من البدع ما يضاد أصل الإيمان، ومنها ما يضاد كمال الإيمان، فالبدع الشِّركية والكفرية تضاد أصل الإيمان، أما البدع التي دون الشرك والكفر فتضاد كمال الإيمان.
ونؤمن أن الله قد أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، قال الحق جل شأنه: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ». (أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718)، وأبو داود (4606)، وابن ماجه (14).)
ونعلم أن مما يضاد كمال الإيمان البدع في الدين، قال صلى الله عليه وسلم: «وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ؛ فإن كُلَّ مُحدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكل بدعَةٍ ضَلالةٌ». (أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17144)، وابن أبي عاصم في السنة (26)، وابن وضاح في البدع (54).)
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». (أخرجه مسلم (2674)، وأبو داود (4609)، والترمذي (2674)، وابن ماجه (206).)
وبوَّب البخاري رحمه الله في «صحيحه» بابًا، فقال: «باب إثم من دعا إلى ضلالة؛ أو سنَّ سنة سيئة» وأورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ دَمِهَا- لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ أَوَّلًا». (أخرجه البخاري (7321)، ومسلم (1677)، والترمذي (2673)، والنسائي (3985)، وابن ماجه (2616).)
وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُود، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» ؟!. (أخرجه البخاري (3456)، ومسلم (2669).)
ونعلم أن الله نهى عن التفرق والاختلاف، فقال جل شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [آل عمران: 105]، وقال عز من قائل: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
ونعلم أن من البدع تعظيم القبور والبناء عليها -وهذا قد يكون سببًا إلى الشرك. ومن البدع أيضًا تصوير الصالحين رجاء الاقتداء بهم بعد مماتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «... أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». (أخرجه مسلم (532).)
وعن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». (أخرجه البخاري (427)، ومسلم (528)، والنسائي (704).)
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمس التماثيل، وتسوية القبور، فعن أبى الهياج الأسدي قال: «قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ رضي الله عنه: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ». (أخرجه مسلم (969)، وأبو داود (3218)، والترمذي (1049)، والنسائي (2031).)
ونعلم أن من البدع المنكرة الاحتفالات البدعية، ومشاركة الكفار أعيادهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ». (أخرجه أبو داود (1134)، والنسائي (1556)، وإسـماعيل بن جعفر في حديث علي ابن حجر (62)، وأحمد (12827)، وعبد بن حميد (1392).)
وقال جل ثناؤه: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الحج: 67]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ}: «يَقُولُ: عِيدًا»، (تفسير الطبري (18/679)، وابن أبي حاتم في التفسير (14718).) وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا». (أخرجه البخاري (952)، ومسلم (892)، وأبو داود (1593)، وابن ماجه (1898).)
ونعلم أن من البدع المنكرة طلب البركة مما لم يجعله الله سببًا مباركًا، وقد يكون وسيلة إلى الشرك، فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: {اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». (أخرجه الترمذي (2180)، ومعمر في الجامع (20763)، وعبدالرزاق في التفسير (931)، وابن أبي شيبة (38530).)
بــاب كبائرالذنوب
نعلم أن الذنوب منها كبائر وصغائر، قال عز وجل: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النجم: 32]، وقال عز وجل أيضًا: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا﴾ [النساء: 31].
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال: «أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»؛ فأنزل الله تصديقها: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} . (أخرجه البخاري (6001) ومسلم (86).)
ونعلم أن الإيمان يزيد وينقص، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ [التوبة: 124]. فالطاعات تزيد الإيمان وتثبته ، والذنوب تنقص الإيمان وتضعفه، فالمعصية -التي دون الكفر والشرك- تضاد كمال الإيمان، ومرتكب الكبيرة لا يُسلب مطلق الإيمان، ولا يستحق وصف الإيمان المطلق؛ لأنه جاء بما ينقص إيمانه، ولهذا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، (أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57).) وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»، (أخرجه مسلم (49).) وقال صلى الله عليه وسلم مخبرًا عما يكون في يوم القيامة: «... فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ...» ، (أخرجه البخاري (7493)، ومسلم (183).) فدلت هذه الأحاديث على أن الذنوب تُضعف الإيمان.
وصاحب الكبيرة مُتَوَعَّد بالعقوبة على كبيرته ما لم يتب منها، أو يقام عليه الحد- إن كانت الكبيرة مما يترتب عليه الحد، أو يغفر الله له بأحد أسباب المغفرة وهي كثيرة. قال جل شأنه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48].
كتاب الصحابة والإمامة
بــاب الصحــابة وآل البيت رضي الله عنهم
نؤمن أن الله جل وعلا اختار صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجعلهم صفوة خلقه بعد الأنبياء عليهم السلام، وذكر صفاتهم، وأثنى عليهم في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح: 29]، وذكر الحق رضاه عنهم، فقال عز من قائل: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحابة الكرام خير القرون على الإطلاق، فعن عبدالله قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». (أخرجه البخاري (6658)، ومسلم (2533)، والترمذي (3859)، وابن ماجه (2362).)
ونؤمن أن المهاجرين أفضل من الأنصار رضي الله عنهم؛ لذا قدمهم الله في الذِّكر في محكم كتابه كما في آية «التوبة» السابقة، وأثنى الله جل في علاه على المهاجرين، فقال: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} [الحشر: 8].
وقال سبحانه وتعالى في الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر: 9].
ونؤمن أن خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم، فترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
ونشهد للعشرة المبشرين بالجنة، كما شهد لهم بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الجَنَّةِ، وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ فِي الجَنَّةِ». (أخرجه الترمذي (3747)، وأحمد في المسند (1675)، وفي فضائل الصحابة (278)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (232).)
ونؤمن أن لأهل بدر رضي الله عنهم منقبةً ليست لغيرهم، قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: «... وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». (أخرجه البخاري (3007)، ومسلم (2494)، وأبو داود (2650)، والترمذي (3305).)
وعن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟» قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ المسْلِمِينَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: «وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ». (أخرجه البخاري (3992).)
ونشهد بما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بيعة الرضوان؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»، (أخرجه أبو داود (4653)، والترمذي (3860)، وأبو الجهم في جزئه (1)، وأحمد (14778)، والنسائي في الكبرى (11444).) وأنهم فازوا ببيعتهم هذه حتى قال الله فيها: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]. ونعلم أن الله قد أحلّ عليهم رضوانه، كما قال سبحانه في محكم تنزيله: ﴿۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ [الفتح: 18].
ونؤمن أن الله جل وعلا اختص آل بيته صلى الله عليه وسلم بفضائلَ وحقوقٍ، فتجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم، فمن حقوقهم أن الله جعل لهم حقًّا في الخُمس، والفيء، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
ومن فضائلهم ما ذكر تعالى في قوله جل ثناؤه: ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا * وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا} [الأحزاب: 32، 33]. وقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6].
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل مِن شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثمَّ جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا». (أخرجه مسلم (2424).)
وعن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». (أخرجه مسلم (2276).)
وعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ». فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». (أخرجه مسلم (2408).)
وقد عرف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقرابته صلى الله عليه وسلم حقهم وفضلهم، حتى إنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال لعليٍّ رضي الله عنه: «والذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ من قرابَتِي». (أخرجه البخاري(3508)، ومسلم(1759).)
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الصحابة رضي الله عنهم، فقال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ». (أخرجه البخاري (3673)، ومسلم (2541)، وأبو داود (4658)، والترمذي (3861).) وبين النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن حب الأنصار علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق فقال صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ». (أخرجه البخاري (17)، ومسلم (74)، والنسائي (5019).)
وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه: «لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْبَرُّ فِيهِ وَجْهُهُ، خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمُرَهُ، وَلَوْ عُمِّرَ عُمُرَ نُوحٍ». (أخرجه أبو داود (4650).)
باب وجوب طاعة ولاة الأمر
نعلم أن السمع والطاعة واجب لولاة أمور المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعة». (أخرجه البخاري (2955)، ومسلم (1839).)
وفي «الصحيحين» عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ». (أخرجه البخاري (7055)، ومسلم (1709).)
قال أبو زرعة رحمه الله: «... ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان، ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولَّاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام اللالكائي (1/175))
وطاعة ولاة الأمر إنما تجب في المعروف وتحرم في المعصية لقوله صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه السابق: «...مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعة»؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». (أخرجه البخاري(7257)، ومسلم(1840).)
قال الإمام أبو إبراهيم المزني: «والطَّاعة لأولي الْأَمر فيما كان عِنْد الله عز وجل مرضيًّا، واجْتناب ما كان عنْد الله مسخطًا، وترك الخروج عنْد تعديهم وجوْرهم، والتَّوْبة إِلى الله عز وجل كَيْما يعْطف بهم على رعيتهم». (شرح السنة للمزني (ص: 84).)
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ونشكر المولى جل شأنه على ما منّ به علينا من إتمام هذا السِّفْر العظيم المبارك، ونقول كما يقول أهل الجنة: {أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [يونس: 10]. وكما أمر ربنا جل شأنه: ﴿قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [النمل: 59].
ونسأله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، نافعًا لعباده، شافعًا لنا يوم لقائه.
ونعلم أننا مهما اجتهدنا فلن نحيط بهذا الموضوع الشريف؛ ذلك لأنه حديث عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، ولكننا نختم الكتاب بقول الحق جل شأنه وتعالى سلطانه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].