يومي الأول في الإسلام
يومي الأول في الإسلام
يومي الأول في الإسلام
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
المقدمة
الحمد لله الذي بعث نبيَّه محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:
فالناس جميعًا يبحثون عن السعادة؛ فمنهم من يظن السعادة في جمع المال، ومنهم من يبحث عنها تحت أضواء الشهرة، ومنهم من يراها في نيل المناصب العالية، أو غير ذلك من متع الحياة، لكن الواقع يشهد أن كثيرًا ممن حصَّلوا هذه الأشياء لم يحصلوا على السعادة التي يريدون.
إن هذه السعادة لا يمكن أن تتحقق لنا إلا عندما نهتدي إلى الدين الحق الذي اختاره لنا خالق البشر جميعًا، ونتدين به ونسير وفق تعاليمه، فبهذا فقط نحصل على السعادة والحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة، يقول الله تعالى:
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[البقرة: 112]،
ويقول:
﴿مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[النحل:97].
وأنت بدخولك في الإسلام -أخي العزيز- تكون قد وضعت قدمك على طريق الهدى والنور، والسعادة والسرور، فينبغي أن تكون على ثقة أن يوم إسلامك ليس كأي يوم في حياتك، إنه يوم ولادة جديدة لك!
فلئن كنت يوم وُلِدت خرجت من ظلمة رحم أمك وضيقه إلى نور الدنيا وسَعَتها، فأنت اليوم تخرج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن ضيق الضلالة إلى سَعَة الهداية، يقول الله تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[الأنعام: 122].
فأهلًا ومرحبًا بك في رحاب الإسلام، وإليك هذا الكتيب الذي يحتوي على أمور مهمة، وأصول عظيمة، ينبغي أن تتعرف عليها في اليوم الأول من إسلامك.
المدخل:
الإسلام هو الدين الحق:
دين الإسلام، هو الدين الحق الذي ارتضاه الله تعالى للناس كافة، وهو الدين الذي لا يُقبَل عند الله غيره، يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلامُ﴾
[آل عمران: 19]،
ويقول جل وعلا:
﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾
[آل عمران: 85].
ومن يعتنق دين الإسلام ويتمسك به، فإنه يسير في طريق النور والهداية؛ الطريق المستقيم الواضح البيِّن الذي يوصل إلى الله الذي خلق الإنسان وأوجده في هذه الحياة.
وقد جاء دين الإسلام بصلاح حال الإنسان وطمأنينته وسعادته في حياته الدنيا، وكذلك سعادته وفلاحه في الحياة الآخرة بعد الموت، عندما يدخله الله تعالى الجنة فيتمتع بما فيها من النعيم الأبدي.
ويجب على كل إنسان أن يبحث عن الدين الحق الذي هو الإسلام، ويتعرف عليه، ويدخل فيه مؤمنًا به، ويلتزم بتعاليمه وأحكامه، ليحصل على خيري الدنيا والآخرة.
كيف يدخل الإنسان في الإسلام ؟
يدخل الإنسان في الإسلام إذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله)، بصدقٍ ويقينٍ وعلمٍ بما دلَّت عليه، فمن قال هذه الكلمة عالمًا بمعناها صادقًا في قولها موقِنًا منقادًا لما دلَّت عليه، فقد دخل في الإسلام، ثم عليه أن يتعلَّم بقية أعمال الإسلام، ويعمل بها على قدر وسعه، وكلَّما زاد عملُه زادَ إيمانه وعظُم أجرُه عند الله تعالى.
معنى الشهادتين (أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله):
لقد دخلت في الإسلام بقولك: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله)، مؤمنًا بها ومُصدِّقًا، فهل تعرف حقيقة معناها؟
معنى شهادة ألا إله إلا الله: هو الاعتقاد والإقرار أنه ليس هناك إله يستحقُّ العبادةَ والطاعة إلا إله واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، خالق الكون ومدبر أمره.
ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: هو الاعتقاد والإقرار بأن محمدًا عبد الله ورسوله الخاتم، المرسَل إلى الناس كافَّة، والعمل بمقتضى ذلك؛ بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وبألا يُعبدَ الله إلا بما شرع.
بُشراك بالإسلام:
أخي العزيز، إنَّ يوم دخولك في الإسلام هو خير أيامك على الإطلاق، فقد ثبت أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قال:
«الإسلام يَهدم ما قَبلَه»
رواه مسلم،
أي أن الإسلام يمحو كل ما حصل منك قبل إسلامك؛ من الكفر والشرور والخطايا والآثام، فأبشر بمغفرة الله تعالى، فأنت اليوم تُنَقَّى من خطايك، وتفتح صفحة بيضاء في حياتك، لترجع نقيًّا كيوم ولدتك أمك، وتبدأ حياة جديدة ملؤها الخير، وتسير في طريق النور والسعادة والسرور.
الفرح بنعمة الإسلام:
إن الفرح العظيم الذي شعرتَ به عند دخولك في الإسلام يجب أن يبقى ملازمًا لك طوال حياتك، فنعمة الهداية من أجَلِّ النِّعم، وأعظم المنن التي يمتن الله تعالى بها على عباده، فهي أعظم من نعمة الهواء والماء والطعام والشراب، وأعظم من المال والمنصب والجاه، فهي أكبر نعمة على الإطلاق، فكيف لا نفرح بها؟! يقول الله تعالى:
﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٌ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾
[يونس: 59].
فلا بد أن تشعر بفضل الله عليك، أن اختارك من بين ملايين البشر لتدخل في الإسلام، قال تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾
[الأنعام: 125]،
وهذه النعمة الكبيرة العظيمة تحتاج إلى شكر كثير، فعليك أن تكثر من حمد الله تعالى وشكره والثناء عليه جل وعلا أن هداك للدين الصحيح.
أصول لابد من معرفتها:
إذا دخلت في دين الإسلام فإن هناك أمورًا يجب عليك تعلمها ومعرفتها، ومن ذلك معرفة إجابة الأسئلة الثلاثة المهمة التي يُسأل عنها كل إنسان بعد الموت، والتي تحدد مصيره الأبدي؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، وهي:
من ربك؟
ما دينك؟
من نبيك؟
لأصل الأول: من ربك ؟
ربي الله:
المسلم يعتقد أن ربه هو (الله) الذي خلق هذا الكون بكل ما فيه، وخلق الإنسان.
ونحن إذا تفكرنا في هذا الكون العظيم وما فيه من مجرات هائلة، بما تحويه من بلايين الكواكب والنجوم، وإذا تأملنا في هذه الأرض التي نحيا عليها وما فيها من سهول وجبال، ويابسة وبحار وأنهار، وما فيها من عجائب الكائنات في أعماق البحار وفي الصحاري والغابات، وإذا تأملنا في عجيب صنع الإنسان وغيره من الكائنات، فإن تفكيرنا سيوصلنا إلى نتيجة لا مفرَّ منها؛ أنه لابد من وجود خالقٍ عظيمٍ عليمٍ قدير حكيمٍ؛ خلق هذا الكون فأبدعه، فلا يمكن أن توجد هذه المخلوقات من غير وجود إله خالق أوجدها، ونظَّم أمرها، وأتقن صنعها بما يبهر العقول، وهذا الأمر بيَّنه الله جل وعلا بوضوح لكل عاقل حين قال:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾
[الطور: 35]،
فلا هذه الكائنات أوجدت نفسَها، ولا هي وُجِدت بدون موجِد، فهذا مستحيل عند العقلاء!
الله هو المستحق للعبادة وحده:
وهذا الرب هو الإله المستحق للعبادة وحده؛ لأنه الخالق المدبر لجميع ما في هذا الكون، والرازق لكل من فيه؛ فهو الذي خلق جميع الناس وأوجدهم في هذه الأرض وأعطاهم أسباب الحياة، يقول الله تعالى:
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}
[الأنعام: 102].
فيجب على كل إنسان أن يعبد الله وحده ولا يشرك في عبادته شيئًا، يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[البقرة:21]،
ويقول سبحانه:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
[النساء: 36].
دعوة الأنبياء إلى توحيد الله تعالى:
ورغم وضوح هذا الأمر، إلا أنَّ الله عز وجل بفضله وكرمه، وبرحمته بنا، لم يخلقنا ويتركنا نتخبط في الحياة، بل أرسل إلينا رسلًا وأنزل معهم كتبًا يعرفوننا به ويدلوننا عليه، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾
[فاطر: 24].
وأبو البشر آدم عليه السلام، والأنبياء كلهم، ومنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، انتهاءً بنبينا محمد -صلى الله عليهم وسلم- اتفقوا على أصل عظيم؛ وهو دعوة الناس إلى الإيمان بالله تعالى، وتوحيده وإفراده بالعبادة، وترك عبادة غيره من المعبودات؛ من البشر والحجر والشجر والنجوم والكواكب وغيرها، يقول الله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾
[النحل:36]،
ويقول جل وعلا:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[الأنبياء: 25].
من أسماء الله وصفاته:
لله تعالى أسماءٌ حسنى وصفاتٌ عُليا، عندما نتعرف عليها نزداد معرفة بربنا سبحانه وتعالى، ونزداد محبة له، وخشية منه، ورجاء لفضله وكرمه، يقول الله تعالى:
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[طه:8].
وأسماؤه الدالة على صفاته كثيرة، فمن أسماء الله تعالى:
الرحمن والرحيم: قال الله تعالى:
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}
[البقرة: 163]،
فهو ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعَمَّت كل المخلوقات، وقد شملت رحمته في الدنيا جميع خلقه؛ من الحيوان والبشر المسلمين وغير المسلمين، قال تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[الأعراف: 156]،
فهو يرزقهم جميعًا ويعطيهم الصحة والطعام والأولاد وغير ذلك، وأما رحمته في الآخرة فلا تكون إلا للمؤمنين من عباده، المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة الكاملة الموصلة إلى السعادة الأبدية.
الخالق: قال تعالى:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
[الزمر: 62]،
فهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق كل شيء من الذرة إلى المجرة، وما هو أوسع من ذلك، وخلقه أيضا كان بحكمة، وقدرة، وإحسان، فلا ترى في خلقه من نقص أو اختلال.
الغفور: الذي يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب صادقًا، مهما أتى من أعمال سابقة، بل قد يعفو عن كثير من خلقه كرمًا من نفسه -سوى الشرك في عبادة الله تعالى، فإنه لا يغفر إلا بالتوبة-، وقد فتح الله الأسباب لجميع خلقه لنيل مغفرته؛ بالتوبة، والاستغفار، والإيمان، والعمل الصالح، والإحسان إلى خلق الله، قال تعالى:
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾
[النجم: 82].
الرزاق: فالله سبحانه هو الملك الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الغني، ومن فضله أنه وهاب، وما من مخلوق إلا على الله رزقه، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ *
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ *
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
[الذاريات: 56- 58].
السلام: المعظَّم المنزَّه عن العيوب وعن صفات النقص كلها، الذي له صفات الكمال والجلال والجمال، الذي يحب من عباده إفشاء السلام بالقول والعمل، يقول الله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾
[الحشر: 23].
العليم: فالله تعالى سميع بصير عليم، أحاط علمه بكل شيء، فهو يعلم ما في الإعلان، وما في الإسرار، وما تخفي الصدور، ويعلم ما كان في الماضي، وما هو كائن في الحاضر، وما سيكون في المستقبل، وهو الرقيب الذي يطلع على أعمال العباد، فلا تخفى عليه طاعة المطيعين ولا معصية العاصين، ولا حاجة الضعاء ولا أصوات الداعين، ، قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: 231].
فهو سبحانه رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وكل حسن وكمال في هذا العالم، فهو من آثار كماله سبحانه.
الأصل الثاني: ما دينك ؟
ديني الإسلام:
والإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك.
فالمسلم هو الذي يدخل في دين الإسلام، ويسلم أمره لله تعالى، مؤمنًا بوجوده ووحدانيته، منقادًا لأوامره، مجتنبًا لما نهاه عنه، يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾
[النساء: 125]،
ويقول:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[فصلت: 33].
من محاسن دين الإسلام:
الإسلام دين العدل: يأمر بالعدل مع القريب والبعيد، والعدو والصديق، والمؤمن والكافر، يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾
[النحل: 90]،
والله عز وجل حَكَم عدل لا يُظلم عنده أحد، يقول تعالى عن يوم القيامة:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[غافر: 17].
الإسلام دين الرحمة: يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلعَالِمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]،
ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»
رواه أبو داود.
الإسلام دين المحبة والاجتماع والألفة: يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
رواه البخاري.
الإسلام دين اليسر: فتعاليم الإسلام فيها من التيسير ورفع الحرج ما يعرفه كل من يطلع على تعاليمه، يقول تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]،
ويقول:
{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}
[المائدة: 6]،
ويقول:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
[البقرة: 286].
الإسلام دين العِلم: فأول آية نزلت من القرآن هي:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
[العلق: 1]،
والإسلام يحث كل مسلم ومسلمة على التعلم والاستزادة من العلم، قال تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
[طه: 114]،
والمتعلم له أعلى الدرجات، يقول سبحانه وتعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[المجادلة: 11].
عالمية دين الإسلام:
الإسلام دين عالميٌّ، فليس مختصًّا ببقعة من الأرض دون غيرها، ولا بقوم دون غيرهم، فليس دينًا للعرب وحدهم، وإنما هو دين لكل الناس، قال تعالى مخاطبًا نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[الأعراف: 158].
كما أنه ليس مختصًّا بزمان مضى، بل هو الدين الحق من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[آل عمران: 85].
شمولية دين الإسلام:
الإسلام منهج حياة؛ للفرد المسلم، وللمجتمع المسلم، وللأمة المسلمة، في كل الجوانب والمجالات؛ في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها.
الإسلام عقيدة وشريعة: فهو مشتمل على العقائد الصحيحة، والعبادات العظيمة، والمعاملات الحكيمة، والأخلاق الجميلة، والسلوك المنضبط.
تعاليم الإسلام وأحكامه تضبط علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر، وحتى علاقته بالحيوانات والجمادات.
تعاليم الإسلام تشمل ما يتعلق بصلاح كل من الروح والجسد.
وفي الجملة: جاء الإسلام بما فيه خير الناس وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
أسس العقيدة الإسلامية (أركان الإيمان):
تتمثل أسس العقيدة الإسلامية في الإيمان والتصديق الجازم بستة من الأمور، يُطلَق عليها اسم ( أركان الإيمان)، وهي:
الإيمان بالله تعالى: أي الإيمان بوجود الله، وأنه وحده الخالق والمالك والمدبر للكون كله بكل ما فيه، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وأنه متصف بصفات الجمال والجلال، وأنه كامل منزه عن كل عيب ونقص، وأنه ليس كمثله شيء.
الإيمان بالملائكة: وهم خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، والانقياد التام لأمره، والقيام بتنفيذ ما أوكله لهم من أعمال، فنؤمن بوجودهم على وجه الإجمال، كما نؤمن بأسماء وصفات وأعمال من أخبرنا الوحي بهم على وجه التفصيل؛ كجبريل الذي يرسله الله بالوحي إلى الأنبياء والرسل، وميكائيل الموكل بالمطر والنبات، وإسرافيل الموكل بنفخ الصور، وملك الموت الذي يقبض أرواح الناس، ومالك خازن النار.
الإيمان بالكتب: وهي الكتب التي أنزلها الله على رسله؛ رحمة بالخلق، وهداية لهم؛ ليصلوا إلى سعادة الدنيا والآخرة، فنؤمن بها على وجه الإجمال، ونؤمن بما علِمنا اسمه منا بالوحي على وجه التفصيل؛ كالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام، والتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، والزبور الذي أوتيه داود عليه السلام، والصحف التي أنزلها الله على إبراهيم عليه السلام.
الإيمان بالرسل: وهم بشر أوحى الله تعالى إليهم هدايات، وأرسلهم إلى الناس ليبلغوا دينه، أولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا على الكمال من الدين والخلق، وأهم مقصد من بعثهم هو دعوة الناس إلى إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وأن يتركوا الشرك وعبادة ما سواه، وأن يفعلوا الخير، ويتركوا الشرّ.
فنؤمن بأن الله أرسل رسلًا من البشر؛ وافترض على العباد تصديقَهم فيما أخبروا به وطاعتهم واتباع ما أمروا به، ونعلمُ أنَّ منهم من أخبرنا الله بأسمائهم وقصصهم مع أقوامهم مثل: إدريس، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وهود، وصالح، وشعيب، ومنهم من لم يخبرنا الله بأسمائهم؛ قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ}
[غافر: 78].
الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء على أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ حيث ينقسم الناس إلى فريقين، فيستقر المؤمنون في الجنة خالدين فيها أبدًا، ويستقر الكفار في النار خالدين فيها أبدًا، ومن كان مؤمنا ولكن يرتكب المعاصي، فإما أن يغفر الله تعالى له، أو يعذبهم مدة من الزمن ثم يدخله الجنة.
الإيمان بالقدر خيره وشره: فيؤمن المسلم بأن الله يعلم ما كان وما سيكون، وأن الله كتب مقادير الخلائق وأراداها فأوجدها، فلا يقع شيء في الكون إلا بعلمه، وكتابته، ومشيئته وخلقه، فإن كان خيرًا فهو من رحمة الله تعالى به، وإن كان غير ذلك فهو ابتلاء من الله تعالى، أو عقوبة، وجرت بحكمة الله وتعالى وعدله، التي لا يحيط البشر بها لعظمتها وكمالها، وإذا آمن العبدُ بالقدر خيرِه وشرِّه اطمأنَّ قلبه وارتاحت روحه، وسلَّم أموره كلَّها لله تعالى؛ لأنه يعلم أن كلَّ شيء بيد الله وحدَه؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
أركان الإسلام:
أركان الإسلام هي أسسه التي يبنى عليها، وهي خمسة أركان يجب على المسلم القيام بها:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله: وهي شهادة تقال باللسان، ويوافقها القلب، بأن الله هو المعبود الحق وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ هو الرسول المبلِّغ عن الله.
إقامة الصلاة: فيجب على المسلم أن يصلي خمسَ صلواتٍ في اليوم والليلة، صلاةً لها قيام وركوع وسجود؛ تعظيمًا لله تعالى، ولها أوقات تسمى باسمها، وهي: صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء، وهناك صلوات أخرى غير واجبة.
إيتاء الزكاة: بأن يُخرِج المسلم الذي عنده مال قدرًا يسيرًا محدودًا من ماله، ويدفعه إلى مستحقيه من الفقراء، والمساكين، وغيرهم ممن تدفع لهم الزكاة.
صيام رمضان: بأن يمسك المسلم عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحوها من المفطِّرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس خلال شهر رمضان؛ تعبدًا لله تعالى.
حج بيت الله الحرام: وهو ذهاب المسلم إلى مكة المكرمة؛ للتعبد لله تعالى بالقيام بشعائر الحج، ولو مرة واحدة في العمر، لمن يستطيع ذلك.
العبادة في الإسلام:
العبادة: هي توحيد الله تعالى والتقرب إلى الله بكل ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فمن الأقوال: قراءة القرآن، والدعاء، وذِكر الله تعالى، وتعليم العلم النافع، وتقديم النصيحة للآخرين، وغيرها.
ومن الأعمال: الطهارة والصلاة، والحج، والسعي في حاجات الناس، وغيرها.
والظاهرة: هي الأعمال التي تظهر وتُرى أو تُسمع ونحو ذلك؛ كالصلاة، والحج، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، وصلة الأقارب.
والباطنة: هي الأعمال التي تكون في القلب؛ كحب الله تعالى، ورجائه وخشيته، والخشوع، والتوكل على الله تعالى.
أهمية العبادة في الإسلام:
عبادة الله تعالى هي الغاية التي لأجلها خلق اللهُ الناس، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾
[ الذاريات: 56].
وقد شُرِعت العبادة لحِكَمٍ عظيمة، ومصالحَ كثيرةٍ تتحقق في نفوس الناس وفي حياتهم، فمن فضائل العبادة أنها تُزَكِّي النفوس، وتطهرها، وتسمو بها إلى أعلى درجات الكمال الإنساني.
والإنسان محتاج إلى العبادة أعظم الحاجة، فكما أن جسده بحاجة إلى الطعام والشراب، فكذلك قلبه وروحه بحاجة إلى التوجه إلى الله بالعبادة؛ فلا تطمئن النفس إلا بذكر الله وعبادته، ولا يسعد القلب ولا ينشرح الصدر إلا بالتقرب إلى الله تعالى وحسن الصلة به، فأهل العبادة الحقَّة هم أسعد الناس، وأشرحهم صدرًا، فمن أراد السعادة فليلزم عتبة العبودية لله وحده.
شمولية العبادة في الإسلام:
العبادة في الإسلام تشمل كل الأعمال الصالحة التي يحبها الله، والتي نتقرب بفعلها إليه عز وجل، فهي تشمل:
الشعائر التعبدية: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وقراءة القرآن، والدعاء، وذكر الله تعالى، وغيرها.
وحسن المعاملة: كبِرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن التعامل مع الزوجة والأبناء، وحسن البيع والشراء، وإتقان أداء الأعمال، والإحسان إلى الجيران، ومساعدة المساكين، والإحسان إلى الحيوان، وغير ذلك.
وكذلك تشمل الأخلاق الحسنة: كصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، والابتسامة، والكلمة الطيبة، والحياء، وغير ذلك من الأخلاق.
فالمسلم يعبد الله في كل أحواله؛ يعبد الله في المسجد، وفي البيت، وفي العمل، وفي كل مكان، فحياته كلها لله تعالى، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[الأنعام: 162].
الأصل الثالث: من نبيك ؟
نبيي محمد صلى الله عليه وسلم:
نبينا هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ويرجع نسبه إلى نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
بعثه الله في مكة المكرمة وعمره أربعون سنة، وأنزل عليه القرآن، فدعا الناس إلى التوحيد ودين الإسلام، فآذاه قومه أشدَّ الأذى، وعذبوا أصحابه وقتلوا عددًا منهم، ثم هاجر إلى مدينة يثرب (ثم أصبح اسمها المدينة النبوية)، بعد ثلاث عشرة سنة، وهناك أقام دولة الإسلام، وأسس المجتمع الإسلامي، وبقي فيها عشر سنوات يرشد ويوجه ويدعو ويعلم، واستمر على ذلك حتى تمت الشريعة، فتم بذلك الإسلام وكمل الدين، ونزل قــــول الله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾
[المائدة: 3].
ثم توفي صلى الله عليه وسلم بعد أن قرَّت عينه برؤية الناس يدخلون في دين الله حبًّا وطواعيةً، كما قال الله جل وعلا:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
[النصر: 1 - 3].
نبي الرحمة:
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو نبي الرحمة، لم تفارقه الرحمة في كل سيرته، وفي كل مراحل حياته وأحواله، قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107].
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان شديد الحرص على هداية الناس، وإخراجهم من ظلمات الكفر والجهل والغواية، إلى نور الإيمان والعلم والهداية، فلمَّا لم يؤمن قومه كاد أن يهلك نفسه حُزنًا وأسفًا على عدم إيمانهم، قال تعالى:
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾
[الكهف: 6].
وكذلك تتجلَّى معاني رحمته في حرصه على المؤمنين ورأفته بهم، قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[التوبة:128]،
وفي حرصه على تيسير الدين وعدم تكليف أمته بما يشق عليهم، وما لا يستطيعون القيام به، قال صلى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا» رواه البخاري ومسلم.
وقد امتلأت نفس الرسول الكريم بالرحمة، فكان أرحم الناس بالنساء والأولاد، قال أحد أصحابه، وهو أنس بن مالك رضي الله عنه:«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» رواه مسلم.
ولم تقف رحمته صلى الله عليه وسلم عند البشر، بل تعدتهم إلى الحيوانات، فدعا إلى الإحسان إليها وحذَّر من أذيتها، وبيَّن لأصحابه أن امرأة بغيًّا سقت كلبًا فغفر الله لها وأدخلها الجنة، وأن امرأة دخلت النار لأنها حبست قِطَّة ولم تطعمها حتى ماتت.
رسالته عامة لجميع الناس:
كان الأنبياء والرّسل السّابقون -عليهم الصّلاة والسّلام- يرسلون إلى أقوامهم خاصّة، وأمّا النبي محمد صلى الله عليه وسلم فرسالته عامّة لجميع النّاس في كل زمان ومكان.
قال اللّه تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
[سبأ: 28].
وقال اللّه تعالى:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
[الأعراف: 158].
وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:
« وَكَانَ النبيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»
رواه البخاري.
فيجب على كل إنسان منذ بعثته صلى الله عليه وسلم وفي هذا الزمن وإلى قيام الساعة اتباعه والتصديق بما جاء به، والدخول في دينه، فقد ختم الله به الرسالات السماوية، وأوجب طاعته؛ فمن أطاعه سعد في الدنيا، ودخل الجنة في الآخرة، ومن عصاه شقي في الدنيا، ودخل النار في الآخرة، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[طه: 123، 124].
الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته ومع أهله:
بيت الإنسان هو مكان يبين حسن خلقه، وكمال أدبه، وطيب معشره، فعندما يكون الشخص مع زوجته أو أبنائه أو خادمه فإنه يتصرف على سجيته دون تكلف.
ومن يتأمل حال رسول أمة الإسلام وقائدها ومعلمها -صلى الله عليه وسلم- في بيته، يجد أنه قدّم أجمل الأمثلة لما ينبغي أن يكون عليه الرجل النبيل في بيته ومع أهله وأولاده.
قيل لعائشة زوج النبي رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في البيت؟ قالت:
«كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ»
رواه مسلم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس لأهله وزوجاته، يقدّم صورًا رائعة في حسن العشرة، ولين الجانب، ومعرفة الرغبات العاطفية والنفسية لزوجته، ويستثمر المناسبات لإدخال السرور عليها وإسعادها، تقول عائشة رضي الله عنها:
«لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ»
رواه البخاري ومسلم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب بناته ويكرمهن؛ فقد كان إذا دخلت عليه ابنته فاطمة قام إليها فقبلها وأجلسها مجلسه، وكان يزور بناته ويتفقد أحوالهن.
ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام لأمته قوله:
«استوصوا بالنساء خيرًا»
رواه البخاري ومسلم.
من أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الناس أخلاقًا، وأحسنهم آدابًا، وقد وصفه الله تعالى بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[القلم، الآية:4]،
فكان يتمتع بكمال في خلقه لم يبلغه سواه، حيث عُصِم من كل نقيصة، وحاز الكمال من كل فضيلة، وكان خلقه القرآن الكريم، يتأدب به، ويؤدب الناس به، فمن أخلاقه صلى الله عليه وسلم:
أنه كان أحلَم الناس، وأعدلهم، وأعفَّهم، وأسخاهم وأكرمهم.
وكان أشد الناس حياءً.
وكان متواضعًا يجيب الدعوة من أي أحد، ويقبل الهدية ولو قَلَّت، ويكافىء عليها.
وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، و يكرم أهل الفضل والأخلاق، ويتألف أهل الشرف.
ما كان يأتيه أحد إلا قام معه في حاجته، ولم يكن فظَّا، ولا غليظًا، وما كان يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، إلا إذا انتهكت حُرُمات الله؛ فحينها يغضب لله لا لنفسِه.
وكان من خُلُقه أن يبدأ من لقيه بالسلام، وكان إذا لقي أحدًا من أصحابه بدأه بالمصافحة.
وكان يعطي من جلس إليه نصيبه من وجهه، وسمعه، وحديثه، ولطيف محاسنه وتوجيهه.
وكان أرأف الناس، وخير الناس، وأنفع الناس للناس.
يمزح ولا يقول إلا حقًا، كثير التبسم، يضحك من غير قهقهة، ويسابق زوجاته ويلاطفهن.
كان يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، ولا يعيب طعامًا قط، إن وجد تمرًا أكله، وإن وجد لحمًا أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حُلْوًا أو عسلًا أكله، وإن وجد لبنًا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخًا أو رطبًا أكله.
وكان يلبس ما وجد، فمرة شَملة، ومرة جبة صوف، فما وجد من المباح لبس.
وكان يركب ما تيسر له، مرة فرسًا، ومرة بعيرًا، ومرة بغلة، و مرة حمارًا، أو يمشي على قدميه.
وكان لا يمضي عليه وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد له منه من صلاح نفسه وأهل بيته.
إلى غير ذلك من الأخلاق الفاضلة وطيب معشره، صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة
الإسلام دين عظيم، يحقق للفرد المسلم - الذي يلتزم بتعاليمه - الراحة والحياة الطيبة وصلاح الحال في الدنيا، والنعيم المقيم والسعادة الأبدية في الآخرة، وكذلك يحقق للمجتمع المسلم الملتزم بتعاليمه الرقي، والتقدم، والزكاء، والنماء، والتماسك الاجتماعي، والأمن والأمان.
فهنيئًا لك أيها المهتدي إلى الإسلام بهذه النعمة الجليلة، فتعلم عقيدته وشريعته، وتعاليمه وأحكامه، وأخلاقه وآدابه، وتمسك بذلك في نفسه، والتزم به في كافة جوانب حياته قدر استطاعته، فإنه سوف يرى أثر الإسلام عليه، وكيف يجعل منه إنسانًا صالحًا، يسعد في نفسِه، ويسعد به كل من حوله؛ من والدين وزوجة وأبناء، وأقارب وجيران وأصدقاء، وكل من يتعامل مع هذا المسلم الذي أكرمه الله بالدخول في دينه، والسير في الطريق الموصل إليه.
وهذا الكتيب هو بداية طريقك في تعلم أحكام دينك، ثم عليك بعده أن تجتهد في الاستزادة من العلم النافع والعمل الصالح وتزكية نفسك وإصلاح قلبك، وكلما ازداد علمك بالإسلام وعملك بما تعلم ازداد قُربك من ربِّك الكريم عز وجل، فأقبِل على القرآن الكريم بالتعلُّم والتلاوة والتدبُّر في آياته، واطَّلعْ على سيرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وسنَّته؛ فهو أُسوتك التي تأتسي بها في هذه الحياة، وهو الوحيد الذي أمركَ الله أن تقبلَ كلَّ ما جاء به، أمَّا غيره من البشر مهما بلغت منزلتهم فإنَّ كلامهم يُقبل منه ما وافَقَ القرآن والسنة ويُردُّ ما خالفَهما، وإياك والجدال في الدِّين، وتجنَّبْ المراء والاختلاف والتنازع مع إخوانك المسلمين.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات على هذا الدين حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعه إلى يوم الدِّين.