متن اصول الإيمان

متن اصول الإيمان

متن ألفه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، اقتصر فيه على ذكر أحاديث رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم في أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وما يتصل بذلك من أمور.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
روسي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

أصـول الإيمـان

تصنيف الإمام المجدد شيخ الإسلام

محمد بن عبد الوهاب

رحمه الله تعالى

باب معرفة اللَّه -عز وجل- والإيمان به

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- {قال اللَّه تعالى: أنا أغْنى الشركاءِ عن الشِّركِ، من عملَ عملا أشركَ فيه معِي غيري تَركْته وشركَه}.

رواه مسلم.

2- وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: {قام فينا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات فقال: إنَّ اللَّه تعالى لا ينام ولا ينبَغِي له أنْ ينامَ، يخْفِض القِسطَ ويرفَعه، يرفع إليه عمَل الليلِ قبل عملِ النَّهارِ، وعمل النهارِ قبل عملِ اللَّيلِ، حِجابه النور، لو كشَفه لأَحرقتْ سبحات وجهِهِ ما انْتَهى إليهِ بصره من خَلْقِهِ}.

رواه مسلم.

3 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا:

{يمين اللَّه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض }

أخرجاه.

4- وعن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: {رأى رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- شاتَينْ ينْتَطِحانِ فقال: " أتدري فيم يَنْتَطِحَان يا أبا ذر ؟ "، قلت: لا، قال: " لكِنِ اللَّه يدري وَسَيحكم بينهمَا}.

رواه أحمد.

5- وعن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- {أَنَّ رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} إلى قوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] ويضع إبهامَيهِ على أذنيهِ والتي تلِيهَا على عينيه}.

رواه أبو داود وابن حبَّان وابن أبي حاتم.

6- وعن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{مفاتِيح الغيبِ خمس لا يعلَمها إِلا اللَّه: لا يعلم ما في غدٍ إِلا اللَّه، ولا يعلم ما تَغِيض الأرحام إلا اللَّه، ولا يعلم متى يأتي المطر أَحد إلا اللَّه، ولا تدري نفس بأَيِّ أرضٍ تموت إلا اللَّه، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللَّه تبارك وتعالى}.

رواه البخاريّ ومسلم.

7- وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{لله أشد فرحا بتوبةِ عبدِهِ حينَ يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ فانفلتَتْ منه وعليها طعامه وشرابه فَأَيِسَ منها، فَأَتَى شجرة فاضطجع في ظلِّها وقد أَيسَ من راحلته، فبينما هو كذلك إِذْ هو بها قائِمةٌ عنده فأخذ بِخِطامِها فقال من شدِّةِ الفرح: اللَّهم أَنت عبدي وأَنا ربّكَ، أَخطأَ من شدة الفرح}.

أخرجاه.

8- وعن أبي موسى -رضي الله عنه- أنَّ رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{إن اللَّه يَبسط يده باللَّيلِ ليتوبَ مسيء النهار ويبسط يده بالنَّهارِ ليتوبَ مسيء اللَّيلِ حتى تَطْلعَ الشَّمس من مَغرِبها}.

رواه مسلم.

9- ولهما عن عمر -رضي الله عنه- قال: {قدِمَ على رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- بِسَبيِ هوازِنَ؛ فإذا امرأة من السبيِ تسعى إذْ وجدت صبيا في السَّبي فأخذته فأَلزقته بِبطنِها فأرضعته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- " أَترَونَ هذه المرأَةَ طارِحة ولدها في النَّارِ؟! " قلنا: لا واللَّه ! فقال: " لَلَّه أَرحم بعبادِهِ من هذهِ بولدِها}.

10- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{لما خلق اللَّه الخلْقَ كتبَ في كتابٍ فهو عندَه فوق العرش: إِن رحمتي غَلبَتْ غضبي}.

رواه البخاري.

11- ولهما عنه أنَّ رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{جعل اللَّه الرَّحمةَ مائةَ جزءٍ، فأَمسك عندَه تسعة وتسعينَ جزءا وأَنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزءِ تتراحَم الخلائِق حتى تَرفَع الدَّابَّة حافِرها عن ولدها خَشْيةَ أَنْ تصيبَه}.

12- ولمسلمٍ معناه من حديث سلمان، وفيه:

{كل رحمةٍ طِباق ما بين السَّماءِ والأَرض} وفيه {فإذا كان يوم القيامةِ كمَّلَهَا بهذِهِ الرَّحمَةِ}.

13- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{إِنَّ الكافِرَ إذا عمِلَ حسنة أطعِمَ بها طعمَة في الدنيا، وأمَّا المؤْمِن فإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِر له حسناتِهِ في الآخرة ويعقِبه رزقا في الدنيا على طاعتِهِ}

رواه مسلم.

14- وله عنه مرفوعا:

{إِن اللَّه ليرضى عن العبدِ يأْكل الأَكْلَةَ فيحمَده عليها، ويشرب الشَّربةَ فيحمَده عليها}.

15- وعن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{أطَّتِ السَّماء وحقَّ لها أن تئطَّ ما فيها موضِع أَربَعِ أَصابع إلَّا وفيه مَلك ساجد للهِ تعالى، واللَّهِ لو تعلمونَ ما أَعلم لضحِكْتم قليلا وَلَبكيتم كثيرا وما تلذَّذْتم بالنِّساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدَاتِ تجأَرونَ إلى اللَّه تعالى}.

رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.

16- ولمسلمٍ عن جنْدب -رضي الله عنه- مرفوعا:

{قالَ رجل: واللَّهِ لا يَغفِر اللَّه لفلانٌ، فقال اللَّه -عز وجل- من ذا الَّذي يَتَأَلَّى علي أَنْ لا أَغفرَ لفلانٍ ؟ إِني قد غفرت له وأَحبطت عملكَ}.

17- وله عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- مرفوعا:

{لو يعلم المؤمِن ما عند اللَّهِ من العقوبة ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أَحد، وَلو يعلم الكافر ما عند اللَّهِ من الرحمَةِ ما قَنِطَ من جنَّتِهِ أَحد}.

18- وللبخاريِّ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{الجنَّة أَقرب إلى أَحدِكم من شِراكِ نعلِهِ، والنَّار مِثل ذلك}.

19- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا:

{إِنَّ امرأة بغيّا رأَت كلبا في يومٍ حار يطِيف ببئرٍ قد أَدلَعَ لِسانَه من العطشِ فنزعت له موقَهَا فَسقَتْه فغفِر لها به}.

20- وقال: {دخلت النَّارَ امرأة في هرةٍ حبستها؛ لا هي أَطعمتها، ولا هي أَرسلتها تأْكل من خَشَاشِ الأَرضِ}.

قال الزّهري لِئلا يتكل أَحد ولا ييأس أَحد.

أخرجاه.

21- وعنه مرفوعا:

{عَجِبَ ربّنا من قومٍ يقادونَ إِلى الجنَّةِ بالسلاسلِ}.

رواه أَحمد والبخاري.

22- وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {وما أَحد أَصبرَ على أذى يسمَعه من اللَّه؛ يدعونَ له الولدَ ثم يعافِيهم ويرزقهم}.

رواه البخاري.

23- وله عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{إن اللَّه تباركَ وتعالى إذا أَحب عبدا نادى: يا جبريل! إنّ اللَّهَ يحِبّ فلانا فأَحبه، فيحِبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماءِ: إِن اللَّه يحِب فلانا فأَحِبوه، فيحِبه أَهل السماء ويوضع له القَبول في الأَرض}.

24- وعن جرير بن عبد اللَّهِ البجلي -رضي الله عنه- قال: كنا جلوسا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إِذ نظر إِلى القمرِ ليلة البدرِ قال:

{إِنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤْيتهِ، فإِن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها فافعلوا} ، ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه:130].

رواه الجماعة.

25- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{إِن اللَّه تبارك وتعالى قال: من عادى لي وليّا فقد آذنْته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلى من أداءِ ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافِلِ حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطِش بها ورجله التي يمشي بها، ولئِنْ سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن قبضِ نفسِ عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَسَاءَتَهُ ولا بد له منه}.

رواه البخاري.

26- وعنه أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{ينزِل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إِلى سماءِ الدنيا حين يبقى ثلث الليلِ الآخِر يقول: من يدعوني فأستجِيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفِرني فأغفر له}.

متفق عليه.

27- وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{جنتانِ من ذهب آنيتهما وما فيهِما، وجنتانِ من فضةٍ آنيتهما وما فيهِما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إِلا رداء الكبرياءِ على وجهِهٍ في جنةِ عدن}.

رواه البخاري.

{ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سبأ: 23]

28- {عن ابن عباسٍ -رضي الله عنه- قال: حدّثني رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأنصارِ أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسولِ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- إِذ رمي بنجمٍ فاستنار فقال: " ما كنتم تقولون إِذا رمي بمثلِ هذا ؟ ". قالوا: كنا نقول: ولِد الليلة عظيم أو مات عظيم. فقال: "إِنها لم ترم لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا -عز وجل- إِذا قضى أمرا سبحت حملة العرشِ، حتى يسبح أهل السماءِ الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماءِ الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرشِ: ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم ماذا قال، فيستخبر أهل السماواتِ بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماءِ الدنيا فتخْطف الجِن السمع فيلقونه إِلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهِهِ فهو الحق ولكنهم يقْرِفون ويزيدون}.

رواه مسلم والترمذي والنّسائي.

29- وعن النّواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{إِذا أراد اللَّه أنْ يوحِي بالأمرِ تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة - أو قال: رعْدة- شديدة خوفا من اللَّه -عز وجل- فإِذا سمع ذلك أهل السماواتِ صعقوا- أو قال: خروا- للّه سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل عليه السلام، فيكلِّمه اللَّه من وحيهِ بما أراد، ثم يمر جِبرائيل على الملائكةِ كلما مر بسماءٍ سأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا يا جبرائيل ؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلّهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره اللَّه -عز وجل-}.

رواه ابن جرير وابن خزيمة والطّبراني وابن أبي حاتم واللفظ له.

باب قولِ اللَّه تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [ الزمر: 67]

30- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول:

{يقْبِض اللَّه الأرض، ويطوي السماء بيمينِهِ ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرضِ ؟} رواه البخاري.

31- وله عن ابنِ عمر - رضي اللَّه عنهما- عن رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: {إِن اللَّه يقْبِض يوم القيامةِ الأرضِين وتكون السماوات بيمينِهِ ثم يقول: أنا الملك}.

32- وفي روايةٍ عنه {أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبرِ: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ ورسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول هكذا بيدهِ يحركها ويقبِل بها ويدْبِر: " يمجِّد الربّ نفسه أنا الجبار أنا المتكبِّر أنا العزيز أنا الكريم "- فرجف برسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المنبر حتى قلنا ليخرّنّ به} -.

رواه أحمد.

33 - ورواه مسلم عن عبيدِ اللَّه بن مقسمٍ أنه نظر إلى عبد اللَّهِ بن عمر - رضي اللَّه عنهما- كيف يحْكي عن رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال:

{يأخذ اللَّه سماواتهِ وأرضِيهِ بيديهِ فيقبِضهما، فيقول: أنا الملك ويقبض أصابِعه ويبسطها فيقول: أنا الملك" حتى نظرت إِلى المنبرِ يتحرك من أسفلِ شيء منه، حتى إِني لأقول: أساقِط هو برسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ؟!}.

34- وفي " الصّحيحَينِ " عن عِمران بن حصينٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

{اقْبلوا البشْرى يا بني تميمٍ ".

قالوا: قد بشرتنا فأعطِنا.

قال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمنِ ".

قالوا: قد قبِلنا فأخْبِرنا عن أول هذا الأمر.

قال: " كان اللَّه قبل كلِّ شيءٍ وكان عرشه على الماءِ وكتب في اللوحِ المحفوظِ ذِكر كل شيء ".

قال: فأتاني آتٍ فقال: يا عِمران ! انْحلتْ ناقتك من عِقالِها.

قال: فخرجت في أثرِها فلا أدري ما كان بعدي.}

35- وعن جبيرِ بنِ محمّد بن جبير بن مطْعِمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: {جاء أعرابي إِلى رسولِ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّهِ جهِدتِ الأنفس، وضاعت العيال، ونهِكتِ الأموال، وهلكتِ الأنعام، فاسْتسقِ لنا ربك فإِنّا نستشْفِع بك على اللَّهِ وباللَّهِ عليك.

فقال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

" ويْحك أتدري ما تقول ؟ "، وسبّح رسول اللَّهِ فما زال يسبح حتى عرفِ ذلك في وجوهِ أصحابِهِ، ثم قال: " ويحك إِنه لا يستشْفع باللَّهِ على أحدٍ من خلْقِهِ شأْن اللَّهِ أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللَّه ؟ إِن عرشه على سماواتِهِ لهكذا وقال بأصابِعِهِ مثل القبةِ عليه وِإنه ليئِطّ به أطِيط الرحلِ بالراكبِ}.

رواه أحمد وأبو داود.

36- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

{قال اللَّه -عز وجل- كذّبني ابن آدم ولم يكنْ له ذلك وشتمني ولم يكنْ له ذلك؛ أما تكْذِيبه إِياي فقوله: لنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلْقِ بِأهون علي منْ إِعادتِهِ، وأما شتْمه إِياي فقوله: اتخذ اللَّه ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كفوا أحد}.

37- وفي روايةٍ عن ابنِ عباسٍ - رضي اللَّه عنهما-:

{وأمَّا شتمه إِيَّاي فقوله: لي ولدٌ، وسبحاني أنْ أتخِذ صاحِبة أو ولدا}.

رواه البخاريّ.

38- ولهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{قال اللَّه تعالى: يؤذْيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر بِيدِي الأمر أقلِّب الليل والنهار}.

باب الإيمان بالقدر

وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101].

وقوله تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [ الأحزاب: 38].

وقوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [ الصافات: 96].

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49].

39- وفي " صحيح مسلم " عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{إنّ اللَّه قدّر مقادير الخلائِقِ قبل أنْ يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ قال: وعرشه على الماء}.

40- وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: {قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- :

" ما منكم من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من النّارِ ومقعده من الجَنَّةِ " قالوا: يا رسول اللَّه! أفلا نتكل على كتابِنا وندع العمل؟! قال:

" اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلِق له؛ أمّا من كان من أهل السّعادةِ فسييسّر لِعمل أهل السّعادة، وأمّا من كان من أهل الشَّقاوةِ، فسييسّر لِعمل أهل الشّقاوة ثمّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ﴿5﴾ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ﴿6﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ} } [ الليل: 5-8]

متّفقٌ عليه.

41- وعن مسلم بن يسارٍ الجهني قال: {سئِل عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- عن هذه الآية: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] فقال عمر -رضي الله عنه- سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- سئل عنها، فقال:

" إنّ اللَّه خلق آدم ثمّ مسح ظهره بِيمينِهِ، فاستخرج منه ذرية فقال:

خلقْت هؤلاء للجنّةِ وبعمل أهل الجَنَّةِ يعملون، ثمّ مسح ظهره فاستخْرج منه ذرِّية فقال: خلقت. هؤلاء للنّار وبعمل أهلِ النّار يعملون " فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه ففيم العمل؟

فقال: " إنّ اللَّه إذا خلق العبد للجنّةِ استعمله بعمل أهل الجَنَّةِ حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجَنَّةِ فيدخله به الجَنَّة، وإذا خلق العبد للنّارِ استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النّار فيدخله النّار}.

رواه مالك والحاكم وقال: على شرط مسلم.

ورواه أبو داود من وجه آخر عن مسلم بن يسار عن نعيمِ بن ربيعة عن عمر.

42- وقال إسحاق بن راهويه: حدّثنا بقية بن الوليدِ، قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام {أنّ رجلا قال: يا رسول اللَّه أتبتدأ الأعمال أم قد قضِي القضاء ؟ فقال:

" إنّ اللَّه لماّ أخرج ذرِّيّة آدم من ظهرهِ أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفّيهِ، فقال: هؤلاءِ للجنّةِ وهؤلاءِ للنارِ، فأهل الجَنَّة ميسّرون لعمل أهل الجَنَّةِ وأهل النّار ميسّرون لعمل أهل النّار}.

43- وعن عبد اللَّه بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق:

{إنّ أحدكم يجمع خلْقه في بطنِ أمِّه أربعين يوما نطفة، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث اللَّه إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله وأجله ورِزقه وشقِي أو سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح، فوالّذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجَنَّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها؛ وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجَنَّة فيدخلها}

متّفق عليه.

44- وعن حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه- يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

{يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أو سعيدٌ ؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أو أنثى ؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، تم تطْوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص}.

رواه مسلم.

45 - وفي "صحيح مسلم " عن عائشة - رضي اللَّه عنها- قالت:

دعي رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت طوبى له، عصفورٌ من عصافير الجَنَّة لم يعمل سوء ولم يدركه، فقال:

{أو غير ذلك يا عائشة ! إنّ اللَّه خلق للجنةِ أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم}.

46- وعن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {كلّ شيء بقدرٍ حتى العجز والكيس}.

رواه مسلم.

47- وعن قتادة -رضي الله عنه- في قوله تعالى: { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4] قال: "يقْضى فيها ما يكون في السّنة إلى مثلها ".

رواه عبد الرزاق وابن جرير.

وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما- والحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبيرٍ ومقاتِل.

48- وعن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما- قال: إن اللَّه خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفّتاه من ياقوتةٍ حمراء، قلمه نور، وكتابه نورٌ، عرضه ما بين السّماء والأرض، ينظر فيه كلّ يومٍ ثلاثمائةٍ وستين نظرة، ففي كلِّ نظرةٍ منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29].

رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم.

قال ابن القيم - رحمه اللَّه تعالى- لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها، قال

" فهذا تقدير يومِي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمرِي عند تعلقِ النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقِهِ وكونِهِ مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكلّ واحدٍ من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السّابقِ.

وفي ذلك دليلٌ على كمال علم الرّبِّ وقدرتِه وحِكمتِهِ، وزيادة تعرِيفِهِ الملائِكة وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه.

ثم قال: فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجدّ والاجتهاد.

ولهذا لما سمع بعض الصّحابة ذلك قال: ما كنت بأشد اجتهادا منِّي الآن.

وقال أبو عثمان النّهدي لسلمان: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا منِّي بآخره.

وذلك لأنه إِذا كان قد سبق له من اللَّه سابقة وهيّأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من اللَّه أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بعدها.

49- وعن الوليد بن عبادة قال: {دخلت على أبي وهو مريضٌ أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني؛ فلمّا أجلسوه، قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم باللَّه تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره ؟ قال: تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول:

" أوّل ما خلق اللَّه القلم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة... " يا بني إن مِتّ ولست على ذلك دخلت النّار.}

رواه أحمد.

50- وعن أبي خِزامة عن أبيه -رضي الله عنه- قال: {قلت: يا رسول اللَّه! أرأيت رقى نسترقِيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقِيها هل ترد من قدر اللَّه شيئا ؟

قال: هي من قدر اللَّه}.

رواه أحمد والتِّرمذيّ وحسّنه.

51- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه ولا تعجزن، فإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا! ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان}.

رواه مسلم.

باب ذكِرِ الملائكِةِ عليهم السلام والإيمان بهِم

وقول اللَّه تعالى: ﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ الآية [ البقرة: 177].

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:30].

وقوله تعالى: ﴿ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ﴾ [النساء: 172].

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ﴿19﴾ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ} [ الأنبياء: 19، 20].

وقوله تعالى: ﴿ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ﴾ الآية [فاطر: 1 ].

وقوله تعالى: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} الآية [المؤمن: 7].

52- وعن عائشة - رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{خلِقت الملائكة من نّور، وخلق الجانّ من مارِج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم}.

رواه مسلم.

53- {وثبت في بعض أحاديث المعراج أنه -صلى الله عليه وسلم- رفِع له البيت المعمور الذي هو في السماء السابعة، وقيل: في السادسة بمنزلة الكعبة في الأرض، وهو بِحيالِ الكعبةِ حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إِليه آخر ما عليهم}.

54- وعن عائشة - رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {ما في السماء موضع قدمٍ إِلّا عليه ملكٌ ساجدٌ أو ملك قائم، فذلك قول الملائكة}: ﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ ﴿165﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 165، 166].

رواه محمد بن نصر وابن أبي حاتم وابن جرِيرٍ وأبو الشيخ.

55- روى الطبراني عن جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه عنهما - قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{ما في السّماوات السبع موضع قدمٍ ولا شِبر ولا كفّ إِلّا وفيه ملكٌ قائم أو ملك ساجد أو ملك راكِع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ! إِلّا أنّا لم نشرك بِك شيئا}.

56- وعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {أذن لي أن أحدِّث عن ملك من ملائكةِ اللَّه من حملة العرشِ، ما بين شحْمة أذنهِ إِلى عاتِقِهِ مسيرة سبعمائةِ عام}.

رواه أبو داود والبيهقي في "الأسماءِ والصِّفاتِ" والضِّياء في "المختارة".

فمن سادتِهم جبرائيل عليه السلام، وقد وصفه اللَّه تعالى بالأمانة وحسن الخلق والقوة، فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ﴿5﴾ ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ} [النجم: 5، 6].

ومن شدة قوته أنه رفع مدائِن قوم لوط عليه السلام - وكن سبعا - بمن فيهن من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف، وما معهم من الدوابِّ والحيوانات، وما لتلك المدائن من الأراضي والعمارات؛ على طرف جناحه، حتّى بلغ بِهِن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم وصياح دِيكتِهِم، ثمّ قلبها فجعل عاليها سافلها.

فهذا هو شديد القوى.

وقوله: ذو مِرة، أي: ذو خلقٍ حسنٍ وبهاءٍ وسناءٍ وقوة شديدة.

قال معناها ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -.

وقال غيره: ذو مرة، أي: ذو قوة.

وقال تعالى في صفته: ﴿ إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ﴿19﴾ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ﴿20﴾ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ} [التكوير: 19 - 21] أي: له قوّة وبأس، شديد وله مكانة ومنْزلة عالية رفيعة عند ذي العرش { مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} أي: مطاع في الملأ الأعلى أمِينٍ ذي أمانة عظيمة، ولهذا كان هو السفير بين اللَّه وبين رسلِه.

57- وقد كان يأتي إِلى رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- في صفاتٍ متعدِّدة، وقد رآه على صفته التي خلقه اللَّه عليها مرتين وله ستمائة جناح.

روى ذلك البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.

58- وروى الإمام أحمد عن عبد اللَّه قال: {رأى رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- جبريل في صورته وله ستّمائة جناحٍ، كل جناحٍ منها سد الأفق يسقط من جناحِه من التهاويل والدرِّ والياقوت ما اللَّه به عليم}.

إسناده قوي.

59- وعن عبد اللَّه بن مسعود -رضي الله عنه- قال: {رأى رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- جبريل في حلةٍ خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض}.

رواه مسلم.

60- وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{رأيت جبريل منْهبِطا قد ملأ ما بين الخافِقين عليه ثياب سندسٍ معلّقٌ بها اللؤْلؤ والياقوت}.

رواه أبو الشيخ.

61- ولابن جريرٍ عن ابن عبّاسٍ - رضي اللَّه عنهما- قال: جبرائيل عبد اللَّهِ وميكائيل عبيد اللَّه وكلّ اسمٍ فيه إِيل فهو عبد اللَّه.

62 - وله عن علي بن الحسين مثله، وزاد: وِإسرافِيل عبد الرحمن.

63- وروى الطبراني عن ابن عبّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{ألا أخبِركم بأفضلِ الملائِكةِ ؟ جِبرائِيل}.

64- {وعن أبي عِمران الجوني أنه بلغه أنّ جبرائيل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبكي، فقال له رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- :

"ما يبكيك؟".

قال: "وما لي لا أبكي فواللَّه ما جفت لي عين منذ خلق اللَّه النَّار، مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها}.

رواه الإمام أحمد في "الزّهد".

65- وللبخاري عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- لجبرائيل:

{ألا تزورنا أكثر مما تزورنا}

فنزلتْ { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} الآية [مريم: 64].

ومن ساداتهم ميكائيل عليه السلام، وهو موكل بِالْقطْر والنباتِ:

66- وروى الإمام أحمد عن أنسٍ -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لجبرائِيل:

{ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط ؟ قال: ما ضحِك ميكائيل منْذ خُلِقَتِ النّار}

ومن ساداتهم إسرافيل عليه السلام، وهو أحد حملة العرش وهو الذي ينفخ في الصور.

67- روى التِّرمذِي - وحسنه - والحاكم عن أبي سعيد الخدْرِيِّ - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{" كيف أنعم وصاحب القرنِ قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظِر متى يؤْمر فينفخ؟ ".

قالوا: فما نقول يا رسول اللَّه ؟

قال: قولوا: حسبنا اللَّه ونِعم الوكيل على اللَّهِ توكلنا}.

68- وعن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{إنّ ملكا من حملة العرش يقال له: إسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله، قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى، ومرق رأسه من السماء السابعة العليا}

رواه أبو الشيخ وأبو نعيم في "الحِلية".

69- وروى أبو الشّيخ عن الأوزاعي قال: ليس أحدٌ من خلق اللَّه أحسن صوتا من إسرافيل، فإِذا أخذ في التسبيحِ قطع على أهل سبعِ سماواتٍ صلاتهم وتسبِيحهم.

ومن ساداتهم ملك الموت عليه السلام:

ولم يجئ مصرحا باسمه في القرآنِ ولا في الأحاديث الصحيحة وقد جاء في بعضِ الآثارِ تسميته بعزْرائِيل فاللَّه أعلم قاله الحافظ ابن كثير. وقال: إنهم بالنسبة إِلى ما هيأهم له أقسامٌ:

فمنهم حملة العرش.

ومنهم الكروبيِّون الذين هم حول العرش وهم مع حملة العرش أشرف الملائكة وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى: ﴿ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ﴾ [النساء: 172].

ومنهم سكان السماوات السبع يعْمرونها عِبادة دائمة ليلا ونهارا صباحا ومساء كما قال تعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20].

ومنهم الذين يتعاقبون إلى البيت المعمور.

قلت: الظاهر أن الذين يتعاقبون إِلى البيت المعمور سكان السماوات.

ومنهم موكلون بالجنان وإعداد الكرامات لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها؛ من ملابس ومآكِل ومشارِب ومصاغٍ ومساكِن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ومنهم الموكلون بالنَّار- أعاذنا اللَّه منها- وهم الزبانية ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك، وهو مقدم على الخزنة، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ﴾ [المؤمنون: 49 ]، وقال تعالى: ﴿ وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، وقال تعالى: { عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وقال تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} إلى قوله: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 30، 31].

ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم كما قال تعالى: ﴿ لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ [الرعد: 11].

قال ابن عباس: ملائكةٌ يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء أمر اللَّه خلوا عنه.

وقال مجاهد: ما من عبد إِلّا وملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوامِّ، فما منها شيءٌ يأتيه يريده إِلا قال له: وراءك إِلّا شيءٌ يأْذن اللَّه تعالى فيه فيصيبه.

ومنهم الموكّلون بحفظ أعمال العباد؛ كما قال تعالى: ﴿إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ﴿17﴾ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: 17 ، 18 ]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ﴿10﴾ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ﴿11﴾ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ} [الانفطار: 10-12].

70- روى البزّار عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-

{ إن اللَّه ينهاكم عن التّعري، فاستحيوا من ملائكة اللَّه الّذين معكم؛ الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالاتٍ: الغائط، والجنابة، والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراءِ فليستتر بثوبه أو بِجِذْمِ حائطٍ أو بغيره.}

قال الحافظ ابن كثير: ومعنى إكرامِهِم أن يستحي منهم، فلا يملي عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها، فإن اللَّه خلقهم كراما في خلقهم وأخلاقهم.

ثم قال ما معناه: إن من كرمهم أنهم لا يدخلون بيتا فيه كلب ولا صورة ولا جنب ولا تمثال ولا يصحبون رفقة معهم كلبٌ أو جرس.

71- وروى مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{ يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون.}

72- وفي رواية أن أبا هريرة قال: اقرأوا إن شئتم: { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78].

73- وروى الإمام أحمد ومسلم حديث:

{ما اجتمع قوم في بيت من بيوتِ اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه}

74- وفي المسند والسنن حديث:

{إِن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع}

والأحاديث في ذكرهم عليهم السلام كثيرة جدا.

باب الوصية بكتاب اللَّه -عز وجل-

وقول اللَّه تعالى: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].

75- عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- {أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- خطب فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال:

" أما بعد؛ ألا أيها النّاس فإنما أنا بشر، يوشك أن يأْتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلينْ، أوّلهما كتاب اللَّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللَّه وتمسكوا به " فحث على كتاب اللَّه ورغب فيه، ثم قال: " وأهل بيتي " وفي لفظٍ: " كتاب اللَّه هو حبل اللَّه المتين؛ من اتّبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة}.

رواه مسلم.

76- وله في حديثِ جابرٍ الطويل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- {قال في خطبة يوم عرفة:

"وقد تركت فيكم ما لن تضلوا إِن اعتصمتم به؛ كتاب اللَّه، وأنتم تسئلون عني؛ فما أنتم قائلون؟"، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت - قال بإصبعه السبابة يرفعها إِلى السماء وينْكتها إِلى الناسِ -: " اللَّهم اشهدْ" ثلاث مرات.}

77- وعن علي -رضي الله عنه- قال: {سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول:

" ألا إِنها ستكون فتنة ".

قلت: ما المخرج منها يا رسول اللَّه ؟

قال: (كتاب اللَّه فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله اللَّه، وهو حبل اللَّه المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخْلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمِعتْه، حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1، 2 ] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدِي إلى صراط مستقيم}.

رواه الترمذي وقال: غريب.

78- وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- مرفوعا:

{"ما أحل اللَّه في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من اللَّه عافيته فإن اللَّه لم يكن لينسى شيئا "، ثم تلا: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } } [مريم: 64].

رواه البزار وابن أبي حاتمٍ والطبراني.

79- وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{ضرب اللَّه مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سورانِ، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داعٍ يِقول: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داعٍ يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه}.

ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة محارم اللَّه، وأن الستور المرخاة حدود اللَّه، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن، وأن الداعي من فوقه هو واعظ اللَّه في قلبِ كل مؤْمِن".

رواه رزِين، ورواه أحمد والترمذي عن النواس بن سمعان بِنحوه.

80- وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت:

{تلا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ﴿ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ فقرأ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7].

قالت: قال:

"فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللَّه، فاحذروهم}.

متفق عليهِ.

81- وعن عبد اللَّه بن مسعود -رضي الله عنه- قال: {خط لنا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- خطا بيده، ثم قال:

"هذا سبيل اللَّه"، ثم خط خطا عن يمينه وعن شماله، وقال: "هذه سبلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، وقرأ: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ ﴾ [الأنعام: 153].

رواه أحمد: والدارمي والنسائي.

82- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: {كان ناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يكتبون من التوراة فذكروا ذلك لرسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فقال:

"إن أحمق الحمقِ وأضل الضلالة قوم رغِبوا عما جاء به نبيهم إلى نبي غير نبيهم، وإلى أمة غير أمتهِم" ثم أنزل اللَّه: ﴿ أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ ﴾ [العنكبوت: 51].

رواه الإسماعيلي في "معجمه" وابن مردويه.

83- وعن عبد اللَّه بن ثابت بن الحارثِ الأنصاري -رضي الله عنه- قال: {دخل عمر -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- بكتابٍ فيه مواضع من التوراة فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب، أعرضها، عليك فتغير وجه رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- تغيرا شديدا لم أر مثله قط، فقال عبد اللَّه بن الحارث لعمر - رضي اللَّه عنهما -: أما ترى وجه رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم؟! فقال عمر: رضينا باللَّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمَّدٍ نبيا، فسري عن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وقال:

"لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم}.

رواه عبد الرزاق وابن سعد والحاكم في "الكنى".

باب حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم-

وقول اللَّه تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ الآية [النساء: 59]، وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النور: 56]، وقول اللَّه تعالى: ﴿ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ الآية [الحشر: 7].

84- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه ويؤْمِنوا بي، وبما جِئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه -عز وجل-}.

رواه مسلم.

85- ولهما عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{ثلاث من كن فيه وجد بِهِن حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحِبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النَّار}.

86- ولهما عنه مرفوعا:

{لا يؤْمِن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين}.

87- وعن المقدام بن معدِي كرِب الكِندِي -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{يوشِك الرجل متكئا على أريكتِهِ يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللَّه -عز وجل- فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه !! ألا وإن ما حرم رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- مثل ما حرم اللَّه}.

رواه الترمذي وابن ماجه.

باب تحريضه -صلى الله عليه وسلم- على لزوم السنة والترغيب في ذلك وترك البِدعِ والتفرقِ والاخْتلافِ والتحذيرِ من ذلك

وقول اللَّه تعالى: ﴿ لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [ الأحزاب: 21 ]. وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الآية [الأنعام: 159].

وقوله تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} الآية [الشورى: 13].

88- وعن العِرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: {وعظنا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- موعِظة بليغة، ذرفتْ منها العيون، ووجِلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللَّه كأن هذهِ موعِظة مودع فما تعهده إلينا ؟ فقال: " أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بِدعةٌ وكل بدعةٍ ضلالة}.

رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه.

وفي رواية له:

{لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا...}.

ثم ذكره بمعناه.

89- ولمسلم عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهديِ هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعةٍ ضلالة}.

90- وللبخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{كل أمتي يدخلون الجَنَّة إلا من أبى".

قيل: ومن أبى ؟.

قال: "من أطاعني دخل الجَنَّة: من عصاني فقد أبى}.

91- ولهما عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: {جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فقالوا أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفِر له ما تقدم من ذنبهِ وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما واللَّه إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني}.

92- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباءِ}.

رواه مسلم.

93- وعن عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه عنهما - قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به}.

رواه البغوي في "شرح السنةِ" وصححه النووي.

94- وعنه أيضا قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعلِ حتى إنْ كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين مِلة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النَّار إلا واحدة".

قالوا: من هي يا رسول اللَّه ؟.

قال: "ما أنا عليه وأصحابي}.

رواه الترمذي.

95- ولمسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا:

{من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجورِ من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامِهِم شيئا}.

96- وله عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: {جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إنه أبدِع بي فاحْمِلْني، فقال: ما عندي، فقال رجل: يا رسول اللَّه أنا أدله على من يحمله، فقال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

"من دل على خيرٍ فله مِثل أجرِ فاعِلِهِ}.

97- وعن عمرو بن عوفٍ -رضي الله عنه- مرفوعا:

{من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس ما ينقص من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها اللَّه ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا}.

رواه الترمِذِي وحسنه وابن ماجه - وهذا لفظه -.

98- وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال:

{كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنة يجري الناس عليها؛ فإذا غير منها شي قيل: تركت سنةٌ. قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: إذا كثر قراؤكم، وقل فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقل أمناؤكم، والتمِستِ الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين}.

رواه الدارِمي.

99- {وعن زياد بن حديْر -رضي الله عنه- قال: قال لي عمر -رضي الله عنه- هل تعرف ما يهدم الإسلام ؟، قلت: لا، قال: يهدِمه زلة العالِم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضِلين.}

رواه الدارمي أيضا.

100- وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: {كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فلا تعبدوها؛ فإن الأول لم يدع للآخرِ مقالا، فاتقوا اللَّه يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم}.

رواه أبو داود.

101- وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: من كان مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- كانوا أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم اللَّه لصحبةِ نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولإقامةِ دينهِ، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبِعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسِيرهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.

رواه رزِين.

102- وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبِيهِ عن جدهِ قال: {سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قوما يتدارؤون في القرآنِ فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا؛ ضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب اللَّه يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه بِبعضٍ، فما علمتم منه فقولوا، وما جهِلتم فكِلوه إلى عالمه}.

رواه أحمد وابن ماجه.

باب التحريض على طلب العلم وكيفية الطلب

103- فيه حديث "الصحيحين" في فتنة القبر {أن المنعم يقول جاءنا بالبينات والهدى فآمنا وأجبنا واتبعنا، وأن المعذب يقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته} !

104- وفيهما عن معاوية -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{من يرد اللَّه به خيرا يفقهه في الدين}.

105- وفيهما عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا؛ فكانت منها طائفة طيبة قبلتِ الماء فأنبتتِ الكلأ والعشْب الكثير، وكانت منها أجادِب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقِه في دين اللَّه ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلِم وعلم، ومثل من لم يرفعْ بذلك رأْسا ولم يقبل هدي اللَّه الذي أرسلت بهِ}.

106 - ولهما عن عائشة - رضي اللَّه عنها - مرفوعا:

{إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللَّه فاحذروهم}.

107- وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- {ما من نبي بعثه اللَّه في أمته قبلي إلا كان له من أمته حوارِيون وأصحاب يأخذون بسنتِهِ، ويقتدون بأمْرِه، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤْمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانهِ فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ}.

رواه مسلم.

108- وعن جابرٍ - -رضي الله عنه- - أن عمر -رضي الله عنه- قال: يا رسول اللَّه إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها ؟!، فقال -صلى الله عليه وسلم- :

{أمتهوكون أنتم كما تهوكتِ اليهود والنصارى ! لقد جِئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي}.

رواه أحمد.

109- وعن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- مرفوعا:

{إن اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها}.

حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.

110- وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم}.

111- وعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{نضر اللَّه عبدا سمِع مقالتي فحفِظها ووعاها، وأداها، فرب حاملِ فقهٍ غير فقيهٍ، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهِن قلب مسلمٍ: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهِم، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم}.

رواه الشافِعي والبيهقي في "المدخل".

112- ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-.

113- وعن عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه عنهما - قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{العلم ثلاثٌ: آيةٌ محكمةٌ، أو سنةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلة، وما كان سوى ذلك فهو فضل}.

رواه الدارِمي وأبو داود.

114- وعن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{من قال في القرآن برأْيِهِ فليتبوأ مقعده من النَّار}.

رواه الترمذي.

115- وفي رواية:

{من قال في القرآن بغير عليم فليتبوأ مقعده من النَّار}

رواه الترمذي.

116- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{من أفتى بغيرِ علمٍ كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيهِ بأمرٍ يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه}.

رواه أبو داود.

117- وعن معاوية -رضي الله عنه- {أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الأغلوطاتِ}.

رواه أبو داود - أيضا -.

118- وعن كثير بن قيسٍ قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إنِي جئتك من مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لحديثٍ بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ما جئتك لحاجةٍ، قال: فإني سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول:

{من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك اللَّه به طريقا إلى الجَنَّةِ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإِن فضل العالمِ على العابِدِ كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياءِ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ}.

رواه أحمد والدارِمي وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

119- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا:

{الكلِمة الحكِمة ضالة المؤمنِ؛ فحيث وجدها فهو أحق بها}.

رواه الترمذي - وقال: غريب - وابن ماجه.

120- {وعن علي -رضي الله عنه- قال: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنطِ الناس من رحمة اللَّه، ولم يرخصْ لهم في معاصي اللَّه، ولم يؤمنْهم من عذابِ اللَّهِ، ولم يدعِ القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادةٍ لا علم فيها، ولا علمٍ لا فهم فيه، ولا قراءةٍ لا تدبر فيها}.

121- وعن الحسنِ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجَنَّةِ}.

رواهما الدارِمِي.

باب قبض العلم

122- عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: {كنا مع رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فشخص ببصره إلى السماءِ، ثم قال: "هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقْدِروا منه على شيءٍ}.

رواه الترمذِي.

123- وعن زياد بن لبيد -رضي الله عنه- قال: {ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا فقال: ذلك عند أوانِ ذهاب العِلمِ، قلت: يا رسول اللَّه كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال: "ثكِلتك أمك يا زياد ! إِن كنت لأراك من أفقهِ رجلٍ في المدينة، أو ليس هذهِ اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بِشيء مما فيهما؟}.

رواه أحمد وابن ماجه.

124- وعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال:

{عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهلِهِ، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إِليه أو يفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب اللَّه وقد نبذوه وراء ظهورِهم، عليكم بالعلمِ وإياكم والبِدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيقِ}.

رواه الدارِمي بنحوِهِ.

125- وفي "الصحيحين" عن ابنِ عمرٍو مرفرعا:

{إن اللَّه لا يقبِض العلم انتزاعا ينتزِعه من العباد، ولكن يقْبِض العلم بموت العلماءِ، حتى إِذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا؛ فسئِلوا؛ فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا}.

126- وعن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{يوشِك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلامِ إلا اسمه، ولا يبقى من القرآنِ إلا رسمه، مساجِدهم عامِرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أدِيمِ السماءِ، من عندهِم تخرج الفتنة، وفيهِم تعود}.

رواه البيهقِي في "شعبِ الإيمانِ".

باب التشديد في طلب العلم للمراء والجدال

127- عن كعب بن مالكٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{من طلب العِلم ليجاري بِهِ العلماء أو ليمارِي به السفهاء أو يصرِف به وجوه الناس إليهِ أدخله اللَّه النَّار}.

رواه الترمذِي.

128- وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- مرفوعا:

{ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل} ثم تلا قوله تعالى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58].

رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.

129- وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{إن أبغض الرجالِ إلى اللَّه الألد الخصِم}.

متفق عليهِ.

130- وعن أبي وائلٍ عن عبد اللَّهِ -رضي الله عنه- قال: من طلب العِلم لِأربع دخل النَّار - أو نحو هذه الكلمة -: ليباهي به العلماء، أو لِيماري به السفهاء، أو لِيصرِف به وجوه الناسِ إليهِ، أو لِيأخذ به من الأمراءِ".

رواه الدارِمي.

131- وعن ابنِ عباسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال لقومٍ سمِعهم يتمارون في الدينِ: أما علِمتم أن لله عبادا أسكتتهم خشية اللَّه من غير صممٍ ولا بكمٍ، وإنهم لهم العلماء والفصحاء والطلقاء والنبلاء؛ العلماء بأيامِ اللَّهِ، غير أنهم إذا تذكروا عظمة اللَّه طاشت عقولهم وانكسرتْ قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إِذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى اللَّهِ بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع المفرطين، وأنهم لأكياس أقوياء، ومع الضالين والخطائِين وإنهم لأبرار برءاء، ألا إِنهم لا يستكثِرون له الكثير، ولا يرضون له بالقليلِ، ولا يدِلون عليه بأعمالهم حيث ما لقيتهم مهتمون مشفِقون، وجِلون خائفون.

رواه أبو نعيمٍ.

132- قال الحسن - وسمِع قوما يتجادلون -: {هؤلاءِ قوم ملوا العبادة، وخف عليهِم القول، وقل ورعهم فتكلموا}.

باب التجوز في القول وترك التكلف والتنطع

133- وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- مرفوعا:

{الحياء والعي شعبتانِ من الإيمانِ، والبذاء والبيان شعبتانِ من النفاقِ}.

رواه الترمذي.

134- وعن أبي ثعلبة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{إِن أحبكم إِلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإِن أبغضكم إِلي وأبعدكم مني مساوِئكم أخلاقا؛ الثرثارون المتشدقون المتفيهِقون}.

رواه البيهقي في "شعبِ الإِيمانِ".

135- والترمذي نحوه عن جابرٍ -رضي الله عنه-.

136- وعن سعدِ بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-

{لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتِهِم كما تأكل البقر بألسنتِها}.

رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

137- وعن عبد اللَّه بن عمرو -رضي الله عنه- مرفوعا:

{إِن اللَّه يبغِض البليغ من الرجالِ الذي يتخلل بلسانِهِ كما تتخلل البقرة بلسانها}

رواه الترمذي وأبو داود.

138- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-

{من تعلم صرف الكلامِ ليسبي به قلوب الرجال أو الناس لم يقبلِ اللَّه منه يوم القيامةِ صرفا ولا عدلا}

رواه أبو داود.

139- وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: {كان كلام رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فصلا يفهمه كل من يسمعه، وقالت: كان يحدثنا حديثا لو عده العاد لأحصاه، وقالت: إِنَّه لم يكن يسرد الحديث كسردِكم}.

روى أبو داود بعضه.

140- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال:

{إِذا رأيتم العبد يعطى زهْدا في الدنيا وقِلة منطق فاقْترِبوا منه، فإِنه يلقى الحِكمة}.

رواه البيهقِي في "شعبِ الإيمانِ".

141- وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول:

{إِن من البيان سِحرًا، وإِن من العلمِ جهلًا، وإن من الشعرِ حِكمًا، وإن من القول عِيالًا}.

142- وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- {أنه قال يوما وقام رجل فأكثر القول فقال عمرو: لو قصد في قوله لكان خيرا له سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لقد رأيت - أو أمرت - أن أتجوز في القولِ؛ فإِن الجواز هو خير}.

رواهما أبو داود.

آخره والحمد للهِ رب العالمين حمدا كثيرا.