الله -جل جلاله- أنيس المحبين وملاذ القاصدين
كتاب مختصر لطيف يهدف إلى تعريف القارئ بأسماء الله وصفاته وأفعاله -جل وعلا- وأثرها في زيادة الإيمان. الكتاب مبني على منهج الجمع والصياغة بأسلوب مبسط بعيد عن الأكاديمية البحتة، ليكون ملائمًا لجميع أطياف القراء، ويسعى لتعزيز حب الله والشوق إلى لقائه في قلوب المؤمنين. يتناول الكتاب كيفية تأثير معرفة أسماء الله وصفاته في حياة المسلم اليومية، مشددًا على أهمية التوحيد والفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية.
الله -جل جلاله- أَنـــِــيــسُ المحُـِـــبـِّـــينَ
أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى من الكتاب والسنة
عَبْدُ اللَّهِ بْـنُ مُشَبِّبِ بْـنِ مُسْفِرٍ القَحْطَانِيُّ
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطَّـبْـعَـةُ الثَّانية
1441ه ــ 2020م
بسم الله الرحمن الرحيم
إِهْـــدَاءٌ
إلى والدَيَّ..
بعضـًا مـمَّا كُـنـتما تـَسألاَنِ المولى -عز وجل- لي؛ ولن أُدرِك ردَّ جُزءٍ من فـيضِ عطائكما، وكثــيـرِ إحسانكما..
ثم إلى: كل قلبٍ عرَفَ ربـَّهُ وتقرَّب إليه..
أُهديكُم.. ثمَرة جُـهدٍ؛ أسألُ الله َ قَـبُولَهُ!
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليماً، أما بعد :
فهذه الطبعة الثانية أضعها بين يدي القارئ الكريم، وبعد أن نفدت الطبعة الأولى بشكليها ( 6000) نسخة في وقت قصير ولله الحمد والمنة ، وبعد مراجعة مادة الكتاب تنقيحاً، وإضافة ، وحذفاً ، راجياً أن يكون الكتاب ملائماً لقرائه ، كافياً في بابه ، وافياً في مقصودة،
ولنشر العلم رجاء الثواب؛ فإني أفسح طباعة الكتاب بشروط :
عدم الحذف أو الزيادة ، وأن تكون الطباعة فاخرة تليق بمادة الكتاب ، وأن يتم المراسلة على الجوال رقم 00966564570117 أو الإيميل [email protected]
لتأكد من عدم أي تعديل أو إضافة على الكتاب ؛ فإن الكمال أبى إلا يكون لكتابه عز وجل .
ثم الشكر لدار ابن الجوزي ، ومكتبة المتنبي على جهودهما فيما مضى سائلاً من الله التوفيق والهداية والقبول .
والحمد لله رب العالمين
المؤلـف
مقدمة
الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ زِيَادَةِ الإِيمَانِ: معرفةَ الله -سبحانه وتعالى- بأسمائه وصفاته وأفعاله، فكلُّ اسمٍ من أسماء الله بابٌ من أبواب الدخول عليه، (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف:180]، فكيفَ بمن أحصاها؟! صحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وكنتُ أَسْألُ اللهَ -عز وجل- أن يمنَّ عليَّ بشرف إحصائها، فبدأتُ عام (1430هـ) بإلقائها مختصـرة، فشعرتُ بأشواق المستمعين لمعرفة أسماء الله وصفاته..
وكيفَ لا يشتاقُ المؤمنُ إلى معرفتها؛ وهو يزدادُ حُبًّا لله وشوقًا إلى لقائه عند معرفةِ كلِّ اسمٍ؟!
كيفَ لا يشتاقُ المؤمنُ إلى معرفةِ أسماء الله وصفاته؛ وقد عَلِمَ أنَّها: طوقُ نجاةٍ لكلِّ مهمُومٍ أو مظلُومٍ أو مدِينٍ أو مريضٍ أو سجينٍ أو حائرٍ؟!
كيفَ لا يشتاقُ المؤمنُ إلى معرفةِ أسماء الله وصفاته؛ وقد عَلِمَ أنَّها: مفاتيحُ الفرجِ، ومفاتيحُ السَّعادة، ومفاتيحُ الخزائنِ؟! بل من عرَفَها حقَّ المعرفةِ فإنَّ السعادةَ لن تفارقه أبدًا.
ومن هنا؛ رجوتُ اللهَ أن يوفِّقني إلى تدوينِ كتابٍ يكون لي أثـرًا ومورِدًا جميلاً يُنـهلُ منه، فشرعتُ باتِّخاذ منهج الجمع والصِّياغة فقط؛ لِعلميَ بعجزِ نفسي عن التَّأليف، وقلَّة بضاعتي؛ فلستُ بفارسٍ ولا راجلٍ.
فجمعتُ جميع ما اطَّلعت عليه عيني، ودوَّنتُ ما اطمأَنَّت إليه نفسي، راجيًا أن أكونَ أحسنتُ فيما استحسنتُ جمعه، متوخِّيًا معتقد السَّلَفِ الصَّالح في الأسماء والصِّفات.
ثم صُغتُهُ في ثوبٍ قَشِيبٍ، يَكتسي حُلَلَ الجلال والجمال، مراعيًا أطيافَ المتعلِّمينَ والمثقَّفينَ، مُبتعدًا عن الأَكَادِيمِيَّةِ البَحْتَةِ.
مُقتصرًا في الحديث على الصَّحيح والحسن، غير مستقصٍ للآثار والسِّيَر.
قاصدًا: التَّخفيفَ والتَّشويقَ، وبُلُوغَ مُنَى القارئ بأسهل طريقٍ وأقصر زمنٍ.
راجيًا أن يَجلِب سعادةً، ويُزيلَ هَـمًّا، ويَشرحَ صدرًا، ويُعزِّزَ إيمانًا، ويَزيدَ علمًا، ويَملأَ فؤادًا، ويُعَمِّرَ قلبًا، ويُغذِّي فكرًا.
والفضل في ذلك كلِّه لله -عز وجل- وحدهُ، ثم لأهل العلم والفضل الذين جمعتُ عنهم أطَايِبَ الثَّمر، فإن أصبتُ فمن الله -جل وعلا- ؛ فلهُ الشُّكرُ، وإن أخطأْتُ فمن نفسـي والشَّيطان، وما أردتُ إلَّا الخير؛ فأستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه!
وأخيرًا؛ هذا جهدُ المُقِلِّ، وقدرةُ المُفلس، حامدًا الله على إتمامه، راجيًا من الله قَبُولَهُ، خائفًا من رَدِّه، مشهدًا الله على محبَّته -سبحانه وتعالى- ، محسنًا الظَّنَّ به.
واللهَ أسألُ أن يجزل الأجر والمثوبة لي ولـمن جمعت عنهم، ولكلِّ من شارك في مراجعته وتصحيحه وتنسيقه ونسخه وطباعته، أو أدلى فيه بمشورةٍ أو رأيٍ.
كما أسألهُ -عز وجل- أن يجعلهُ صوابًا، خالصًا لوجهه الكريم، مُدنيًا إلى محـبَّته، ومُقـرِّبًا إلى مرضاته، وأن يغفر لي ولوالدَيَّ ولشيوخي ولأهل بيتي ولجميع المسلمين؛ إنَّه سميعٌ مجيبٌ!
أخُـو كُـــم:
عبد الله بــن مُشـبب القحطاني
جوال (لمراسلات واتس أب):
00966564570117
إِلهِــَــي..
ما أجلَّ الموقفَ، وما أعظمَ المقامَ، وما أصعبَ الأمر!
الكلماتُ تعجزُ، والقلبُ يرتجفُ، واللِّسانُ يعثُرُ، والعباراتُ تَقْصُرُ، والعقلُ يحارُ، وعبدُكَ الضَّعيفُ يقفُ بين يديك؛ يريد أن يُثني عليك، ويبُوح بما في نفسه لك، وأنت المطَّلعُ عليه.
وَمَا بَلَغَ المُهْدُوْنَ نَحْوَكَ مِدْحَةً ... وَإِنْ أَطْنَبُوْا، إِنَّ الَّذِي فِيكَ أَعْظَمُ
يـــــَا رَبِّ!
نعلمُ أنَّ ثناءنا عليك، وتمجيدنا لك، وإجلالنا لعظمتك، ولهجنا بذكرك إنَّما هو نِعمةٌ ومِنَّةٌ من مِنَنك علينا جميعًا؛ فأنت الذي هديتنا لذلك، وأرشدتنا إليه..
ونعلمُ أنَّك -يا ربَّنا!- فوق ما يُثني عليكَ المثنونَ، وفوق ما يحمدُكَ الحامدونَ.
فتقبَّلْ -يَا اللهُ!- ما أنعمتَ به عليَّ وعلى قارئ هذه الحروف، وتجاوز عن تقصيرنا.
إِلَى اللهِ أُهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا ... وَقَوْلًا رَضِيًّا لَا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيَا
1 - 2
اللهُ الإِلَــهُ -جل جلاله-
نبدأ بأعظم وأعذب اسم عرفته البشرية، أحسن الأسماء، وأجمل الحروف، تشدو به الألسن... وتسكن إليه الأرواح... قريب من النفس... حبيب إلى القلب...
إنَّه: اسم (الله -تبارك وتعالى- )، (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: ٦٥].
اسم الله -تبارك وتعالى- تفرد به -سبحانه وتعالى- عن العالمين؛ فهو اسم له وحده، لا يتعلق بأحد سواه، ولا يطلق على غيره، ولا يدعيه أحد من خلقه، قبض الله -سبحانه وتعالى- أفئدة الجاهلين وألسنتهم عن التسمي به.
إنَّه الله -تبارك وتعالى- ، ذو الجلال والجمال والعظمة والهيبة والجبروت.
مَهْمَا رَسَمْنَا فِي جَلَالِكَ أَحْرُفًا ... قُدْسِيَّةً تَشْدُوْ بِها الأَرْوَاحُ
فَلَأَنْتَ أَعْظَمُ وَالمَعَانِي كُلُّهَا ... يَا رَبُّ عِنْدَ جَلَالِكُمْ تَنْدَاحُ
اسم الله -تبارك وتعالى- .. ما ذكر في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم ولا غم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا قواه، ولا ذليل إلا أعزه، ولا فقير إلا أغناه، ولا مغلوب إلا نصره.
فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات، وتجاب به الدعوات، وتستجلب به الحسنات، وتدفع به السيئات، وتقال به العثرات.. فلا أعظم من جلال الله!
واسم الله -تبارك وتعالى- أصله: الإله، وهو بمعنى المعبود، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ [النساء:171].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين".
والله -تبارك وتعالى- هو المحبوب المُعَظَّم الذي تحن النفوس إليه، وتأنس بذكره وقربه، وتشتاق إليه، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ ﴾ [البقرة:165].
وهو -سبحانه وتعالى- المستعان به على كل نائبةٍ وفادحة، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ [النحل:53].
وهو -سبحانه وتعالى- الذي تحار العقول فيه، فلا تحيط به العقول، ولا تدركه الأفهام، ولا تصل إلى عظمته الظنون، فلا يحيط الخلق به علمًا، (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه:110].
فالله -تبارك وتعالى- هو: الذي تؤلهـه القلوب حبًّا وذلًّا، وخوفًا، وطمعًا، ورجاءً، وتعظيمًا، وطاعةً.
وهو الإله بحقٍّ، وكل ما عبد من دونه فهو باطل من عرشه إلى قرار أرضه.
والله -عز وجل- هو: الجامع لصفات الألوهية، وهي: صفات الكمال، والجلال، والجمال، والعظمة، مع نفي أضدادها عنه -جل جلاله- .
القلـوب تؤلهه، والنفوس تحن إليه..
ولذا؛ إذا عرف العبد معنى اسم (الله) تعلق قلبه بربه؛ فأصبح مشتغلًا به؛ حبًّا وشوقًا ولذةً لا أجمل منها ولا أطيب، وهذا أعظم ما عبده به العابدون، وتقرب إليه المتقربون؛ (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]، وصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بأسماء الله وصفاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : "إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة".
وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب!
قال ابن عينية : "ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرَّفهم لا إله إلا الله. قال : وإنّ لا إله إلا الله لهُم في الآخرة كالماءِ في الدنيا".
والمؤمن يعلم أن هذه الحال ليست بحول العبد ولا قوته، إنما (الله) الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جزاه الله بحب آخر، وهذا هو: الإحسان المحض؛ إذ منه السبب ومنه المسبب.
الاســم الأعظـم:
ذكر القرطبي أن بعض العلماء قالوا: اسم (الله) هو: الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى.
سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يقول: اللهم! إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [حديث صحيح. رواه أصحاب السنن وأحمد في مسنده].
وهو الاسم الوحيد الذي ورد في كل الأحاديث التي أخبر بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن فيها اسم الله الأعظم.
واقترن به عامة الأذكار المأثورة؛ فالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والحوقلة والحسبلة والاسترجاع والبسملة وغيرها من الأذكار مقترنة بهذا الاسم، غير منفكة عنه.
وهو أصل أسماء الله الحسنى؛ فلا ينسب إلى شيء منها، بل تضاف سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم؛ فلا يقال: الله من أسماء الرحمن أو من أسماء الرحيم، بل يقال: الرحمن أو الرحيم من أسماء الله، ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف:180].
وأكثر ما يدعى الله -جل جلاله- بلفظ: (اللهم)، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه كثيرًا بقوله: «اللَّهُمَّ!».
قال الحسن البصري -رحمه الله- : "اللهم: مجمع الدعاء، فإذا قال السائل: اللهم إني أسألك! كأنه قال: أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته".
هذا الاسم يُفتتح به كل أمر؛ تبركًا وتيمنًا.
وكذلك هو: أول اسم في أول آية في القرآن: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) أو (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:1]، كما أنه آخر ما ذكر من الأسماء في سورة الناس: (إِلَٰهِ النَّاسِ) [الناس:3].
هذا الاسم الوحيد الذي في الشهادة التي تنقل من الكفر إلى الإسلام: (أشهد أن لا إله إلا الله)، ولا تصح الشهادة بغير هذا الاسم.
هذا الاسم العظيم من شرفه: أن الله يرفعه من الأرض في آخر الزمان إذا قبض أرواح المؤمنين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُوْلُ: اللهُ.. اللهُ» [أخرجه مسلم].
إنه أكثر أسماء الله الحسنى ورودًا في القرآن الكريم؛ فقد ورد في ما يزيد على ألفين ومائتي مرة، قال بعض العلماء عند قوله -تبارك وتعالى- : (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ) [الإسراء:110]: خص هذين الاسمين بالذكر لشرفهما، وفي تقديم اسم الله: شرف في الذكر عن الرحمن.
صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «إِنَّ أَحَبَّ أسمائكم إِلَى اللهِ -عز وجل- : عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَن» [رواه مسلم].
كن مع الله يكن معك!
والعبد إذا لم يقبل على الله بطوعه واختياره؛ أقبل عليه بسوط الضرورة.
قِفْ بِالخُضُوعِ وَنَادِ يَا اللهُ ... إِنَّ الكَرِيمَ يُجِيبُ مَنْ نَادَاهُ
وَإِذَا بُلِيتَ بِغُرْبَةٍ أَوْ كُرْبَةٍ ... فَادْعُ الإِلَهَ وَنَادِ يَا اللهُ
فإذا حل الهم وادلهم الغم، واشتد الكرب، وعظم الخطب، وضاقت السبل، وبارت الحيل؛ نادى المنادي: يا الله!
إذا اشتد المرض بالمريض، وعجز الطبيب؛ نادى: يا الله! إذا اضطرب المركب في ظلمات البحر، وتلاعبت به الريح؛ نادى المنادي: يا الله! إذا أجدبت الأرض، ومات الزرع، وجف الضرع؛ نادى المنادي: يا الله!
إنه الله: الملاذ في الشِّدة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القلَّة.
الناس أعجز من أن يلحقوا ضررًا لم يأذن به الله، وأن يجروا نفعًا لم يأذن به الله؛ فعلق قلبك بالله!
كل الحبال تنصرم إلا حبله، وكل الأبواب توصد إلا بابه، ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل:62] .
قال النسفي -رحمه الله- : "قال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل؛ وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله، يكون غنيا بالله".
يَا صَاحِبَ الهَمِّ إنَّ الهَمَّ مُنْفَرِجٌ ... أَبْشِرْ بِخَيرٍ فَإِنَّ الفَارِجَ اللهُ .. اليَأْسُ يَقْطَعُ أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ ... لَا تَيأََسَنَّ فَإِنَّ الكَافِيَ اللهُ ... اللهُ يُحْدِثُ بَعْدَ العُسْرِ مَيْسَرَةً ... لَا تَجْزَعَنَّ فَإِنَّ القَاسِمَ اللهُ
إِذَا بُلِيتَ فَثِقْ بِاللهِِ، وَارْضَ بِهِ ... إنَّ الَّذِي يَكْشِفُ البَلْوَى هُوَ اللهُ ... وَاللهِِ مَا لَكَ غَيْرُ اللهِ مِنْ أَحَدٍ ... فَحَسْبُكَ اللهُ فِي كُلٍّ لَكَ اللهُ
لا إله إلا الله؛ ما عبدناك حق عبادتك!
اللهم! إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
3
الـرَّبُّ -جل جلاله-
طرق الباب..
يا رب! نسألك بعزك وذلنا، وبقوتك وضعفنا، وبغناك عنا وفقرنا إليك، نواصينا الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سوانا كثير وليس لنا رب سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير.
سؤال من خضعت لك رقابهم ورغمت لك أنوفهم، وفاضت لك عيونهم، وذلت لك قلوبهم: أن تغفر لنا ولجميع المسلمين، وتدخلنا في رحمتك؛ يا أرحم الراحمين!
بِمَنْ يَسْتَغِيثُ العَبْدُ إِلَّا بِرَبِّهِ
وَمَنْ لِلْفتَى عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ
وَمَنْ مَالِكُ الدُّنْيَا وَمالِكُ أَهْلِهَا
وَمَنْ كَاشِفُ البَلْوَى عَلَى البُعْدِ وَالقُرْبِ
وَمَنْ يَدْفَعُ الغَمَّاءَ وَقْتَ نُزُوْلِهَا
وَهَلْ ذَاكَ إِلَّا مِنْ فِعَالِكَ يَا رَبِّي
في هذه السطور نتشرف بالكلام عن اسم من أسماء الله الحسنى، وهو: (الرب -تبارك وتعالى- ):
قال -جل وعلا- : ﴿رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ﴾ [الرحمن: 17]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ﴾ [يس:58].
فربنا الخالق المالك المدبر المتصرف، رب الأرباب ومعبود العباد، يملك الممالك والملوك وجميع العباد، وهو الذي دبر لخلقه مصالحهم، وهو جابرهم والقائم بأمورهم -إنسهم وجنهم- قيوم الدنيا والآخرة.
وروبوبيته لخلقه نوعان:
ربوبية عامة: تشمل جميع الخلائق؛ برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، حتى الجمادات.
وهي: أن يربيهم بالخلق، والرزق والتدبير، والإنعام، والعطاء.
وربوبية خاصة، وهي: تربيته -تبارك وتعالى- لأوليائه وأصفيائه؛ فيربهم بالإيمان ويوفقهم له، ويصلح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
وهي: تربية توفيق لكل خير وعصمة من كل شر.
لك الثناء كله..
وربنا -سبحانه وتعالى- امتدح نفسه بأنه رب العالمين: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]
ومدح نفسه بأنه رب العرش، قال -تبارك وتعالى- : ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف:82]، ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ۩﴾ [النمل:26].
ومدح نفسه بأنه رب السماوات والأرض؛ فقال -تبارك وتعالى- : ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف:82].
ولذا؛ حمدت جميع المخلوقات الرب -سبحانه وتعالى- : (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزمر: 75]، فهو محمود في الدنيا والآخرة: ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [يونس:10].
مفاتيح الخزائن..
ولما علم الأنبياء والصالحون بأن هذا الاسم: مفتاح الدعاء؛ تضرعوا إلى الله به في دعائهم.
دعا به نوح -عليه السلام- : (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [نوح:28].
ودعا به إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- : ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة:127].
ودعا به المصطفى -عليه الصلاة والسلام- : ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ﴿97﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ﴿98﴾﴾ [المؤمنون:97-98].
يا رب!
والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر، وحل به كرب يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
ومن لم يدع بأسماء الرب -جل وعلا- اختيارًا؛ رجع إليها اضطرارًا، فها هو المريض على فراشه، وهو يصارع المرض ينادي: يا رب.. يا رب! فإذا العافية تدلف من لدنه، وإذا الشفاء ينزل من عنده -تبارك وتعالى- .
ويتضرع باسمه الفقير؛ الذي لا يملك قطميرًا، يتنهد من البؤس، ويصيح من الفاقة: يا رب.. يا رب! فإذا به يرفع عنه الحاجة، ويكشف الضائقة من عنده وحده -تبارك وتعالى- .
وينادي الجائع، وهو يتضور جوعًا، ويتلوى من الضر: يا رب.. يا رب! فإذا بالرزق يغمره، وعطاء الله ينهمر عليه.
ويستجير به المظلوم، وهو يمسح دمعته الحارة، ويخفي أنينه الساخن: يا رب.. يا رب! فإذا النصر الأكبر، والعاقبة الحميدة.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- : "الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء".
يا رب نفِّس عن عُبَيدك كُربةً ... وأَرِحه مما قد عنَـا ودَهَـاهُ
وننسى الرب!!
فما أعظم شأنه، وأفخم ملكه، وأعلى مكانه، وأقربه من خلقه، وألطفه بعباده.
وربوبية الله -تبارك وتعالى- : ربوبية عظمة وجلال، ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى:1].
وربوبيته -سبحانه وتعالى- : بركة ونماء وعطاء، (تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54].
وربوبيته -سبحانه وتعالى- : ستر ومغفرة، (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سبإ: 15].
وربوبيته -سبحانه وتعالى- : عزة وقوة وغلبة ومنعة، ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ﴾ [ص:66].
وربوبيته -سبحانه وتعالى- : رحمة، (رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ) [النبإ: 37].
وربوبيته -سبحانه وتعالى- : كرم، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾ [الانفطار:6].
لا إله إلا الله الواحد الأحد، ما عبدناك ربنا حق العبادة!
فمن عرف أن الله هو: رب الأرباب -سبحانه وتعالى- لم يطلب غير الله ربًّا له، ورضي بربوبيته، ومن رضي ذاق حلاوة الإيمان، فقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُوْلًا» [أخرجه مسلم].
﴿وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [المؤمنون:118].
قال ابن رجب رحمه الله: "الإلحاح على الله بتكرار ربوبيته -يا رب- من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء".
ربنا! رحمتك نرجو؛ فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأدخلنا في رحمتك.
ربنا! اغفر وارحم، وأنت خير الراحمين.
4 - 5
الأَحــَدُ الـوَاحِـدُ -جل جلاله-
جاء في «صحيح البخاري»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُوْلُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لا تَعْصِنِي! فَيَقُوْلُ أَبُوْهُ: فَالْيَوْمَ لا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُوْنَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأبْعَدِ؟! فَيقَوْلُ اللهُ -تَعَالَى-: إِنِي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ، ثُمَ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ! مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ».
الذيخ: ذكر الضباع كثير الشعر.
ربنا الرحيم -سبحانه وتعالى- لا يقبل شفاعة إبراهيم -عليه السلام- في أبيه؛ لأن أباه مات مشركًا، والله حرم الجنة على كل كافر مشرك، ولأن الله وعد إبراهيم أن لا يخزيه في يوم القيامة؛ فإنه يمسخ في ذلك اليوم أباه ضبعًا، فيلقى به في النار، فلا يعرف أحد أنه والد إبراهيم، فلا يخزى به.
فشفاعة خليل الله لم تقبل في مشرك؛ فكيف بمن دون الخليل -عليه السلام- ؟!
قال الله -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48].
ولذا؛ فإن من أوجب الواجبات على العبد: توحيد الله في العبادة.
وقد أثنى الله -سبحانه وتعالى- على نفسه بـأنه (الأحد والواحد -عز وجل- ): ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) [التوبة:31].
ونقف مع هذين الاسمين نتفيأ في ظلالهما؛ لعل الله يرزقنا تحقيق توحيده، وحسن الإيمان بتفرده ووحدانيته:
ربنا -عز وجل- المتفرِّد بصفات المجد والجلال، المتوحِّد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال.
فهو واحد في ذاته؛ لا شبيه له.
وواحد فِي صفاته؛ لا مثيل له.
وواحد فِي أفعاله؛ لا شريك له ولا ظهير.
وواحد فِي ألوهيته؛ فليس له ند في المحبة والتعظيم، والذل والخضوع.
وهو الواحد الذي عظمت صفاته؛ حتى تفرد بكل كمال، وتعذر على جميع الخلق أن يحيطوا بشيء من صفاته، أو يدركوا شيئًا من نعوته؛ فضلًا عن أن يماثله أحد في شيء منها.
الفطرة..
والوحدانية: هي خلاصة دعوة الرسل، وقوام رسالاتهم: ﴿قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 108].
والوحدانية: هي فطرة الله -سبحانه وتعالى- التي فطر الناس عليها، وميثاقه الذي أخذه من الناس، ودعوة رسله التي بعثوا بها، ومنطوق كتبه التي أنزلها.
ومن أجلها قام سوق الجنة وسوق النار، وبسببها مد الصراط، وتطايرت الصحف، ووضع الميزان، وسل سيف الملة، ورفع علم الجهاد، وطارت أرواح الشهداء، ولذ طعم الموت، وأمهرت المنايا نفوس المقاتلين، ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [فصلت:6].
وفي تقرير الوحدانية ووجوب إخلاص الدِّين له قال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البيِّنة:5].
وأوجب -سبحانه وتعالى- الخضوع لوحدانيته وعظمته: (فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج:34].
الدليل الواضح:
وقد أبطل عقائد المشركين؛ فقال -سبحانه وتعالى- : (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [النحل:51]، (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف:39].
ورد على من قال: إن الله ثالث ثلاثة: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ﴾ [النساء:171].
ونفى المثل والند والكفء من جميع الوجوه؛ فهو -تبارك وتعالى- : الأحد الذي لا مثيل له ولا نظير؛ (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم:65].
ونهانا أن نشبهه بشيء من مخلوقاته، إلا أنه أخبرنا عن نفسه؛ وهو أعلم بنفسه.
وكل ما خطر في بال البشر عن الله؛ فالله بخلاف ذلك، فليس له ند ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل، ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، فلا يشبهه أحد من خلقه، فله الأسماء الحسنى والصفات العليا، وله الكمال والجمال والجلال والعظمة والمجد والكبرياء.
قال المشركون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- : صف لنا ربك! أمن ذهب هو؟ أم من نحاس أم صفر؟ وكان بعضهم يقول: انسب لنا ربك يا محمد!
وكانت اليهود تقول: نحن نعبد عزيرًا ابن الله، والنصارى يقولون: نحن نعبد المسيح ابن الله، وكانت المجوس تقول: نحن نعبد الشمس والقمر، وكان المشركون يقولون: نحن نعبد الأوثان..
فأجابهم الله -عز وجل- بقوله: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1].
تعالى عما يقولون!
تجرؤوا على الله -عز وجل- ، وجاؤوا بجريمة نكراء، كادت السماوات لعظمتها تنفطر، والأرض تنشق، والجبال تخر هدا!! أن نسبوا لـلـه الولد -تعالى الله عما يقولون!-.
فالكل تحت ملكه وقهره، وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا: ﴿لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ﴿89﴾ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ﴿90﴾ أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ﴿91﴾ وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿92﴾ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ﴿93﴾ لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ﴿94﴾ وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ﴿95﴾﴾ [مريم:89-95].
وفي «صحيح البخاري»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي! وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي!
فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ مَا يَكُوْنُ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ؛ الَّذِي لَمْ أَلِدْ، وَلَمْ أُوْلَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ».
فالله -سبحانه وتعالى- إله واحد؛ ليس له شريك، وليس له مثيل في ذاته أو صفاته أو أفعاله.
الكون يشهد بوحدانيته:
كل ما في الكون من إبداع ونظام وتوافق وانسجام؛ يدل على: أن مبدعه ومدبره واحد، ولو كان وراء هذا الكون أكثر من مدبر وأكثر من منظم؛ لاختل نظامه، واضطربت سننه؛ ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:22] .
تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلى آثَارِ مَا صَنَعَ المَلِيكُ ... عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ ... بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى قَضَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
الله أغنى الشركاء عن الشرك..
فالله -عز وجل- المستحق وحده العبادة؛ فلا يتوجه العبد لغير الله، ولا يصرف لغيره شيئًا من العبادات: صلاةً كانت أو دعاءً أو ذبحًا أو نذرًا أو توكلًا أو رجاءً أو خوفًا أو خشوعًا أو خضوعًا: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿162﴾ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ﴿163﴾﴾ [الأنعام:162-163].
فالقضية العظمى هي: إفراد اللهِ بالعبادة؛ ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) [التوبة:31].
فالتوحيد ألطف شيء وأنزهه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه.
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «قَالَ اللهُ -تبارك وتعالى- : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي؛ تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [أخرجه مسلم].
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- قوله: «إِذَا جَمَعَ اللهُ -عز وجل- الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ؛ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ للهِ أَحَدًا؛ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدَ غَيْرِ اللهِ -عز وجل- ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» [حديث حسن. رواه أحمد في «المسند»].
ذكرى..
في صحيح السُّنَّة أحاديث كثيرة تحثُّ على التوحيد، وتبيِّن فضله، منها:
حديث أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّة؛ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتِ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَان يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود عن بريدة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد!
قال -صلى الله عليه وسلم- : «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ؛ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» [حديث صحيح].
ودخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- المسجد وسمع رجلًا يدعو: اللهم! إني أسألك يا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن لك كفوًا أحد: أن تغفر لي ذنوبي؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
فقال -صلى الله عليه وسلم- : «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثلاث مرار. [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- : "تحقيق كلمة التوحيد يُوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار".
وقال -رحمه الله- : "من أسباب المغفرة: (التوحيد)، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقدَ المغفرة، و من جاءَ به فقد أتى بأعظمِ أسبابِ المغفرة" .
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- : "التوحيد : أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ»، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد : أول الأمر وآخره".
وقال -رحمه الله- : "فما دُفِعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد".
وقال -رحمه الله- : "لا يدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد؛ فإن التوحيد هو مفتاح بابها".
قال ابن الجوزي -رحمه الله- : "كان سفيان الثوري يأتي إبراهيم بن أدهم فيقول: يا إبراهيم! ادعُ الله أن يقبضنا على التوحيد".
ورأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا كان يدعو بإصبعيه؛ فقال له -صلى الله عليه وسلم- : «أَحَدٌ أَحَدٌ!» [حديث صحيح. رواه أبو داود]، وفيه: إذا أراد أن يشير في الدعاء فلا يشير إلا بإصبع واحدة.
اللهم إنا نسألك يا واحد.. يا أحد.. يا صمد! أن تجعلنا ممن دعاك فأجبته، وممن تضرع إليك فرحمته، وممن استجارك فأجرته من النار، واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله فأنت أرحم الراحمين.
6
الصَّــمــَـدُ -جل جلاله-
إذا شكوت الحاجة؛ فالجأ إلى الصمد، وإذا جافاك العز وابتدرك الذل؛ فاطرق باب الصمد، وإذا سرى الضعف في جسدك؛ فاستمد القوة من الصمد.
إِنَّهُ الوَاحِدُ الَّذِي لَا يُضَاهَى ... فِي مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَالصِّفَاتِ
صَمَدٌ تَصْمُدُ البَرَايَا إِلَيْهِ ... وَأَنِيْسُ الضَّمَائِرِ المُوْحِشَاتِ
اسم الله: (الصَّمَدُ) قليل الورود والذكر؛ لكنه ذو جلال خاص.
قال الله -جل وعلا- : ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴿1﴾ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴿2﴾ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ﴿3﴾ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ﴿4﴾﴾ [سورة الإخلاص].
فربُّنا -سبحانه وتعالى- الَّذِي تَقْصُدُهُ الخلائق كلها: إنسها وجنها، بل العالم بأسره العلوي والسفلي، وتقصد إليه في الرغائب، وتستغيث به عند المصائب.
وربُّنا -سبحانه وتعالى- هو السيد الذي كمل في سؤدده، الشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والغني الذي كمل في غناه، وهذه الصفات لا تنبغي إلا له -سبحانه وتعالى- .
وربُّنا -سبحانه وتعالى- هو الذي لا جوف له؛ فلا يأكل ولا يشرب، وهو يطعم ولا يطعم، المستغني عما سواه؛ الذي يحتاج إليه كل ما عداه -تبارك وتعالى- ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
الجواب الكافي..
ذكر البيهقي وحسنه الحافظ من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- : أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقالوا: يا محمد! انسب لنا ربك الذي بعثك؟! فأنزل الله -عز وجل- قوله: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴿1﴾ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴿2﴾ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ﴿3﴾ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ﴿4﴾﴾ [سورة الإخلاص].
سورة قصيرة جمعت صفات الكمال من نعوت العظمة والجلال.
ولعظمتها فإن من قرأها فكأنما قرأ ثلث القرآن، ففي «الصحيحين»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ القُرْآنِ؟»، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: «(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1] تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» [هذا لفظ مسلم].
قال بعض العلماء: "إن القرآن أنزل ثلاثًا: ثلث منه: أحكام، وثلث منه: وعد ووعيد، وثلث منه: أسماء وصفات، وسورة الصمد جمعت أحد الثلاثة، وهي: الأسماء والصفات؛ لذا جعل أجر قراءتها كثلث القرآن".
وفي «صحيح البخاري»: أن صحابيًّا كان يقرأ لأصحابه في صلاتهم كلها بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1]، فذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- ! فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟»؛ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن؛ فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ -عز وجل- يُحِبُّهُ».
تسليم القلب..
هذا الحب في نفوس الصالحين جعل المحبين يبحثون عن حب مولاهم..
هذا الحب في قلوب العباد لا يشبعه إلا الانحناء له، والطواف ببيته، والوقوف بين يديه، والقيام من النوم لأجله، وبذل المهج في سبيله.
ولا تطمئن قلوب المحبين إلا بذكره، وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته.
إِذَا مَرِضْنَا تَدَاوَيْنَا بِذِكْرِكُمُ ... فَنَتْرُكُ الذِّكْرَ أَحْيَانًا فَنَنْتَكِسُ
فهؤلاء صمدوا إلى الله في الرخاء؛ فعرفهم في الشدة، وبقدر الصمود تكون الرفعة والفرج..
فهذا نبي الله إبراهيم -عليه السلام- تمـر به عدة بلاءات؛ فيرفعه الله -سبحانه وتعالى- بها؛ حتى استحق من الله منزلة الخـلة، قال -عز وجل- : ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125].
وهذا أيوب إمام أهل البلاء، وعمدة أهل المرض والابتلاء؛ لـما صمد إلى ربه -سبحانه وتعالى- بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء:83]؛ كان الجواب من الصمد -تبارك وتعالى- : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ) [الأنبياء:84].
وهذا يونس -عليه السلام- في بطن الحوت، وفي ظلمات ثلاث؛ يصمد إلى ربه -سبحانه وتعالى- بقوله: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88].
وهذا حال جميع الأنبياء -عليهم السلام- والصالحين من الناس.. عرفوا الله في الرخاء فعرفهم في الشدة.
هلاَّ استجابوا؟!
ثم إن ربك الصمد -جل وعلا- فتح بابه ليس فقط للأولياء بل لجميع الخلق.
وهذا من لطفه ورحمته وكرمه؛ فهؤلاء المشركون لـما ضاقت عليهم الدنيا، ورأوا الموت المحقق؛ صمدوا إلى الله -سبحانه وتعالى- ؛ ونادوا: يا الله.. يا الله! فإذا بالنجاة؛ ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [العنكبوت:65].
وهم يقرون بذلك؛ فالعالم بأسره إذا لم يصمدوا إلى الله -سبحانه وتعالى- رغبةً؛ صمدوا إليه بسوط الاضطرار.
اطمئن!
وقد استجاب الله -سبحانه وتعالى- للكافرين في اضطرارهم؛ فكيف بمن شهد لله بالوحدانية وللنبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة؟!
فإذا نزلت بك حاجةً فاصمد إليه، وأنزل فاقتك عند بابه، ونادِ: يا صمد فرج ما بي!
فلا تضق ذرعًا بهمك أو بمرضك أو بِدَيْنِك؛ فربُّك الصمد الذي إذا التجأت إليه لن يخيبك، ولن يخذلك، وتذكر أن أفضل العبادة: انتظار الفرج، ودوام الحال من المحال، والدهر قُلَّبُ، والليالي حبالى، والغيب مستور، وإن مع العسر يسرًا.
جاء في «سنن أبي داود»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد وسمع رجلًا يدعو: اللهم إني أسألك يا الله! الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد: أن تغفر لي ذنوبي؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
فقال -صلى الله عليه وسلم- : «قَدْ غُفِرَ لَهُ.. قَدْ غُفِرَ لَهُ» -ثلاثًا- [حديث صحيح].
وفي رواية: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
رُحْمَاكَ يَا رَبَّ العِبَادِ رَجَائِـي
وَرِضَاكَ قَصْدِي فَاسْتَجِبْ لِدُعَائِي
نَادَيْتُ بِاسْمِكِ يَا إِلَهِي ضَارِعًا
إِنْ لَمْ تُجبْنِي فَمَنْ يُجِيبُ بُكَائِي؟
أَنْتَ الكَرِيمُ فَلَا تَدَعْنِي تَائِهًا
فَلَقَدْ عَيِيتُ مِنَ البِعَادِ النَّائِي
وَلَقَدْ رَجَوْتُكَ يَا إِلَهِي ضَارِعًا
مُتَذَلِّلًا فَلَا تَرُدَّ رَجَائِي
اللهم يا واحد.. يا أحد.. يا صمد.. نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول وعمل.
7 – 8
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ -جل جلاله-
قال الله -سبحانه وتعالى- : (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) [الإسراء:110].
نبينا -صلى الله عليه وسلم- كان إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ.. يَا قَيُّوْمُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» [حديث حسن. رواه أحمد في «المسند»]، كيف لا يستغاث بالرحمن؛ وهو الملاذ في الشدة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القلة؟
فهو سلوة الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الخائفين؛ إنه أرحم الراحمين.
إِلَيْهِ وَإِلَّا لَا تُشَدُّ الرَّكَائِبُ ... وَمِنْهُ وَإِلَّا فَالمُؤَمِّلُ خَائِبُ
﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة:163].
الرحمة: سمة الربوبية، وعنوان الألوهية؛ ولذلك وصف -جل وعلا- نفسه بأنه: الرحمن الرحيم.
ونحن نبتدئ تلاوتنا لكتاب الله بهذين الاسمين العظيمين الحبيبين إلى النفس: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
هذان الاسمان الكريمان مشتقان من (الرحمة) على وجه المبالغة.
والرحمة في اللغة هي: الرقة، والشفقة، والعطف والرأفة.
فربنا -سبحانه وتعالى- ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف:156]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحج:65].
وخصَّ المؤمنين منها بالنصيب الأوفر والحظ الأكمل (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب:43].
فربنا "الرحمن" -تبارك وتعالى- أي: الرحمة وصفه، و"الرحيم" أي: الراحم لعباده.
فهو أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا وأولادنا، بل ومن أنفسنا.
ذكر البخاري في كتابه «الأدب المفرد»: أن رجلًا جاء ومعه صبي يضمه إلى صدره إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «أَتَرْحَمُهُ؟»، قال: نعم، قال: «فَاللهُ أَرْحَمُ بِكَ مِنْكَ بِهِ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» [حديث صحيح].
اسم الرحمن -سبحانه وتعالى- مُختصٌّ به، لا يجوز أن يسمى به أحد غير الله -سبحانه وتعالى- ، ولا يوصف به غيره؛ (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) [الإسراء:110]، فعادل به اسم الجلالة الذي لا يشركه فيه غيره؛ حتى قال بعضهم: هو الاسم الأعظم.
وأما اسم الرحيم؛ فيجوز وصف المخلوق به كقوله -سبحانه وتعالى- : ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128]، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رجل رحمان.
ورحمة الله نوعان:
رحمة عامَّة: وهي لجميع الخلائق؛ فكل الخلق مرحومون برحمة الله، بإيجادهم وتربيتهم، ورزقهم، وغير ذلك من النعم التي لا تحصى.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة:143]، (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [الإسراء:66].
ورحمة خاصَّة: التي تكون بها سعادة الدنيا والآخرة، وهي لا تكون إلا لخواص عباده المؤمنين؛ (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43]، (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ) [التوبة:21].
إنه الرحمن..
أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأولى من شكر على إحسانه ورحمته.
فأينما تول وجهك تـر رحمة الله في هذا الكون، وأعظمها في هذا الكون: الوحي المنزل؛ ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل:89].
إذا أجدبت الأرض، ومات الزرع، وجف الضرع، واشتد البلاء؛ نزلت الرحمات؛ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [الشورى:28].
عندما حل العذاب، وبكى الرجال، وصاحت النساء، وفزعت الأطفال، وعم الرعب، وعظم الفزع؛ نزلت الرحمات على عباده المخلصين؛ (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) [هود:58]، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) [هود: 94].
لا عبور لأي رغبة إلا من طريق الرحمن، ولا وجود لأي حاجة إلا في ساحة الرحمن، لا إمكانية لحدوث شيء إلا بالرحمن؛ فإنه وحده الرحمن الذي لا حول في الوجود ولا قوة إلا به -سبحانه وتعالى- .
فبرحمته أرسل إلينا رسله.
وبرحمته أنزل علينا كتبه.
وبرحمته هدانا من الضلالة.
وبرحمته أرشدنا من العمى.
وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم.
وبرحمته سخر الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض.
وبرحمته خلقت الجنة، وعمرت بأهلها، وطاب عيشهم.
ومن رحمته: أنه خلق مئة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض؛ فأنزل منها إلى الأرض رحمةً واحدةً، نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها، بها تعطف الوالدة على ولدها، وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه.
بشرى!
ولتسمع عن سعة رحمته: ﴿۞ ۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوْبَةِ؛ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» [أخرجه مسلم].
وهذه الرحمات: رحمة بعزة وقوة وغلبة ومنعة، لا رحمة ضعف ؛ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:9].
وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ... كَرِيمٌ رَحِيمٌ يُرتَجَـى وَيُؤَمَّـلُ
مفاتيح الرحمة:
هو الغني عنا وعن عبادتنا، لن ندخل الجنة إلا برحمته؛ حتى نبينا -صلى الله عليه وسلم- ، جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لَا، وَلَا أَنَا؛ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ».
فمن علم هذا؛ فعليه بعبودية الرجاء، والتعلق برحمة الله -سبحانه وتعالى- ، والسعي إليها، وتكون بالتقوى والإيمان وأداء الطاعات.
فبذلك تُنال الرحمات؛ (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 156].
وتُنال الرحمات بطاعة الله -جل وعلا- والرسول -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأن الله قال: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [آل عمران:132].
وتُنال بالإحسان؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56].
وتُنال بالاستغفار؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل:46].
وتُنال بذكر الله -عز وجل- وبكثرة الدعاء.
وفي «سنن أبي داود» قال -صلى الله عليه وسلم- : «دَعَوَاتِ المَكْرُوْبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُوْ، فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ» [حديث حسن].
ولا ينال الرحمة إلا عباد الله الرحماء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» [أخرجه البخاري ومسلم]، فهذه مومس دخلت الجنة برحمتها لكلب أصابه العطش؛ سقته بخفيها.
لا يثبطك الشيطان!
ومن الناس من إذا ابتلي بالمصائب والأزمات والأحزان؛ تخلى عن إيمانه، ولم يتذكر بأن الله أرحم به من نفسه! فلا يطرق بابالرحمن، ولا يرجو رحمته، فإذا هو يقع في إغواء الشيطان، وربما أوصله إلى هلاك نفسه، والله -عز وجل- قال: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ [النساء:29].
وإياك أن تعتقد أن ذنبك مهما عظم هو أعظم من رحمة الله! إن الشيطان لا يريد منك إلا هذه، يريد: أن يكبر الذنب في عينيك، ويصغر رحمة الله.
ورحمة الله أوسع من ذنبك ومن كل ذنب؛ فالرجل الذي قتل تسعةً وتسعين إنسانًا وأكملهم بالمئة؛ علم الله صدق توبته فصدقه الله -عز وجل- .
وَإِنِّي بِكَ اللَّهُمَّ رَبِّي لَوَاثِقٌ
وَمَا لِي بِبِابٍ غَيْرَ بَابِكَ مَدْخَلُ
يقول -عز وجل- : ﴿يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا﴾ [مريم:85]، ما أعظمه من وعدٍ، وما أعظمه من وفدٍ، وما أجمله من شعور! جعلني الله وإياكم من هذا الوفد.
اللهم! إن لم نكن أهلًا أن نبلغ رحمتك؛ فإن رحمتك أهل أن تبلغنا، ورحمتك وسعت كل شيء؛ فلتسعنا رحمتك في الدنيا والآخرة؛ يا أرحم الراحمين!
9
الحَــيُّ -جل جلاله-
حين تهجم سحب الأحزان، وتتكاتف قيود الهموم؛ فلا تجد مخرجًا، وتضيق عليك نفسك؛ وكأن روحك تتصاعد من حلقك، وتكاد الظروف تخنقك؛ فتخرج أنفاسك بصعوبة، وتضيق الدنيا، وينسحب الناس من حولك، وتصير وحيدًا؛ لا مؤنس ولا مهون فتتيقن الموت..
هنا؛ يفتح لك الرب طاقة الفرج، ونسمة الأمل، ويبث فيك الطمأنينة، ويمد لك يد العون، ويحييك بعد ما رأيت الموت؛ فتخر له ساجدًا وباكيًا ولسانك يردد: يا حي.. يا قيوم! لك الشكر كله.
وما حصل هذا إلا بعد توكلك على الحي الذي لا يموت؛ ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:58].
فربُّنا -سبحانه وتعالى- أثبت صفة (الحياة) لنفسه، وهي: حياة كاملة لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال ولا فناء على الدوام، ولا يعتريها نقص ولا عيب، ولا غفلة ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا موت بأي حال من الأحوال: ﴿لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ ﴾ [البقرة:255] -جل ربنا وتقدس عن ذلك-.
وحياتُهُ -جل وعلا- منزهة عن مشابهة حياة الخلق، ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، حياة تستلزم كمال صفاته -سبحانه وتعالى- ؛ من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته ما يشاء، إلى غير ذلك من صفات كماله.
وربُّنا الحي -سبحانه وتعالى- ؛ الذي قامت به الحياة، الذي به حي كل حي، فكل ما سواه حياته قائمة على إحياء الله -تبارك وتعالى- له، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [البقرة:28].
وربُّنا -سبحانه وتعالى- ؛ الذي يحيي النفوس والأرواح بنور العلم والهدى والإيمان.
وربُّنا -سبحانه وتعالى- ؛ الذي يهب أهل الجنة الحياة الدائمة الباقية، قال -سبحانه وتعالى- : (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:64].
الدليل الواضح:
الحيُّ لا إله إلا هو، من توكل عليه كفاه، لا يقهر إرادته شيء، ولا يعجزه شيء، يكشف السوء، ويجيب المضطر، يحيي العظام وهي رميم، يعيد الخلق كما بدأهم أول مرة؛ وهو أهون عليه، وهو الحكيم الذي لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يترك شيئًا سدىً.
أخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقام وأخذ عظمًا رميمًا؛ ففتته بيده، وقال: من يحيي العظام وهي رميم؟! -مكذبًا للبعث والنشور-؛ قال: «نَعَمْ، يَبْعَثُ اللهُ هَذَا، ثُمَّ يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيَكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ»، وأنزل الله -سبحانه وتعالى- : ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ [يس:77] إلى آخر السورة [حديث صحيح. رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي].
ما أكفر الإنسان! نسي خلقه وأنكر خالقه؛ فالذي خلقه أول مرة يعيده ويحييه؛ لأن الخلق الثاني أهون -من حيث العقل-، وكله هين على الله؛ فإن البدء والإعادة عند الله سواء؛ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ﴾ [الروم:27].
فالعزة له، والجبروت له، والعظمة له، والكبرياء له، والسلطان له، والملك له، والحكم له، والقوة له، والتسبيح له، والتقديس له.. ما أعظم شأنه، وأفخر ملكه، وأعلى مكانه!
نداء الكون..
فسبحان من جعل لكل مخلوق حياةً تخصه! فحياة الملائكة غير حياة الإنسان، وحياة الجن غير حياة الإنس، وحياة الحيوانات تختلف عن حياة الإنس والجن والملائكة.
وحتى الجمادات فاضت عليها آثار اسم الله: (الحي)؛ فكانت حيةً، فإن الجمادات فاض عليها ما يناسبها من الحياة، فهذه عصا موسى -عليه السلام- : ﴿فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ﴾ [الشعراء:45].
وحتى الأشجار لها حياة خاصة؛ فالجذع حن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ففي «صحيح البخاري»: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع؛ فأتاه، فمسح يده عليه"، وفي «السنن»: فأتاه، فاحتضنه؛ فسكن، فقال -صلى الله عليه وسلم- : «لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه].
فظهور هذه الحياة في المادة الصماء أليست آيةً من آيات الله -عز وجل- ، تدل على أنه الحي، لا إله إلا هو؟!
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
قلوب المحبين..
وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوْذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ: أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوْتُ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» [رواه مسلم].
لا شك أن الهداية: هي حياة القلوب، وهي من الحي لا إله إلا هو، فمن أرادها فليرجها ويسألها من الحي؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [غافر: 65].
والقلب إذا امتلأ بالإيمان وبجلال الله؛ هنا تحلو الحياة، وتعذب الدنيا، وتستنير البصيرة، وتنكشف الهموم، وتهاجر الغموم، ويسعد بالوجود.
فأسماء الله -جل وعلا- : تثير حبًّا ورغبةً في قلوب المؤمنين، فهم سعداء في الدنيا، وسعداء في الآخرة، ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
ومن كفر؛ ضاق عيشه، ونغصت معيشته في الدنيا والآخرة؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه:124]، وإن كان يسير على قدمه فهو في عداد الموتى؛ (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [النحل:21].
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّـمَا المَيْـتُ مَـيِّـتُ الأَحْـيَاءِ
انكسر له!
في «مسند الإمام أحمد» من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ.. يَا قَيُّوْمُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» [حديث حسن].
وروى النسائي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابنته فاطمة -رضي الله عنها- : «مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ! أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ؛ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» [حديث صحيح].
وعند الترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- ، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ»[حديث صحيح].
وجاء في «السنن» من حديث أنس -رضي الله عنه- : أن رجلًا دعا؛ فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام.. يا حي.. يا قيوم!
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «دَعَا اللَهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [حديث صحيح].
قال ابن القيم -رحمه الله- : "فإن صفة (الحياة) متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة (القيومية) متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: هو اسم: الحي القيوم".
اللهم! إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون.
اللهم يا حي.. يا قيوم! برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله.
10
الـقَـــيُّـومُ -جل جلاله-
يَا مُبْدِعَ الأَكْوَانِ أَنْتَ الوَاحِدُ ... كُلُّ الوُجُوْدِ عَلَى وُجُوْدِكَ شاهِدُ
يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ أَنْتَ المُرْتَجَى ... وَإِلَى عُلَاكَ عَلَا الجَبِينُ السَّاجِدُ
جاء عند الترمذي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يقول في صلاته: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض! يا ذا الجلال والإكرام.. يا حي.. يا قيوم!
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [حديث صحيح].
هذه رسالة من نبيك -صلى الله عليه وسلم- إلى كل من صرخت الحياة في وجهه: أقبل على ربك، وفرغ قلبك من غيره، ثم ادعه بـ (يا حي.. يا قيوم!)؛ فإنه يجيبك، ويهب لك فوق ما تؤمله.
إِلَيْهِ وَإِلَّا لَا تُشَدُّ الرَّكَائِبُ
وَمِنْهُ وَإِلَّا فَالُمؤَمِّلُ خَائِبُ
نقف مع اسم عظيم من أسماء الله الحسنى وهو: (القيوم -جل وعلا- ):
قال الله -سبحانه وتعالى- : (۞ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه:111].
فربُّنا -جل وعلا- القائم بنفسه مُطلقًا، لا يحتاج في قيامه ودوامه إلى أحد، غني بنفسه عما سواه؛ ﴿۞ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر:15].
وربُّنا -جل وعلا- هو الذي قامت به جمِيع المخلوقات؛ من في الأرض والسماوات، فلا بقاء لها ولا صلاح إلا به -سبحانه وتعالى- ، فهي فقيرة إليه من كل وجه، وهو غني عنها من كل وجه؛ حتى العرش وحملته، فإن العرش إنما قام بالله -جل وعلا- ، وحملة العرش ما قامت إلا بالله -تبارك وتعالى- .
وربُّنا هو -جل وعلا- القائم على كل العالَم؛ العلوي والسفلي، وما فيهما من مخلوقات، في جميع أحوالهم؛ بتدبيرهم وأرزاقهم وحفظهم، وفي كل شؤونهم بالعناية والرعاية، في كل وقت وحين.
بل هو القائم -جل وعلا- على عباده، المحصي لأعمالهم وأقوالهم، وحسناتهم وذنوبهم؛ فهو الذي يجازيهم عليها في الدار الآخرة، ﴿أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ﴾ [الرعد:33].
ومن تمام ألوهيته: أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره وقدرته؛ بلا عمد يعمدها: ﴿۞ ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [فاطر: 41].
أحق من عبد..
فالله هو: الحي القيوم -عز وجل- ، رب العالمين، وأرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين، الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر.
المعروف بالفطرة.. الذي أقرت به العقول، ودلت عليه كل الموجودات، المشهود وجوده وقيوميته بكل حركة وسكون.. الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، ويكشف السوء، ويفرج الكرب، ويقيل العثرات.
المستعان به على كل نائبة وفادحة، والمعهود منه كل بر وكرامة.
الذي عنت له الوجوه، وخشعت له الأصوات؛ (۞ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه: 111].
أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأولى من شكر، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأعفى من قدر، وأكرم من قصد، وأعدل من انتقم.
وحلمه بعد علمه، عفوه بعد قدرته، مغفرته عن عزته، ومنعه من حكمته.
فهو الله الحي القيوم لا شريك له، والفرد الذي لا ند له: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ [البقرة:255].
أوضح دلالته للمتفكرين، وأبدى شواهده للناظرين، وبين آياته للعالمين، وقطع أعذار المعاندين، وأدحض حجج الجاحدين؛ فاستنارت آيات الربوبية، وسطعت دلائل الألوهية.
فالله -جل وعلا- هو المقيم لمخلوقاته، لا يحتاج إليهم، وهم جميعًا إليه محتاجون، الكل محتاج إليه: الملائكة المقربون، وحملة العرش، وأهل السماوات والأرض، ﴿۞ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر:15].
العزة له، والجبروت له، والعظمة له، والكبرياء له، والسلطان له، والملك له، والحكم له، والقوة له، والتسبيح له، والتقديس له.. كمل في أوصافه وأفعاله، ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ [البقرة:255].
فالله -سبحانه وتعالى- لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ اللهَ -عز وجل- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ -النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَـرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» [أخرجه مسلم].
فسبحان من أشرقت لنوره السماوات والأرض، وأنارت بوجهه الظلمات! فسبحان الحي القيوم!
اطمئن!
ومن علم أن الله هو القيوم؛ انقطع قلبه عن الخلق، واستراح قلبه إلى خالقه ورازقه ومدبره، ففي النفس حاجة لا يرويها المال، ولا رفعة المكان، ولا المتع، ولا الشهرة..
لا يُرويها إلا الإيمان بالله -عز وجل- ، والاطمئنان إليه والتوكل عليه، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ [الرعد:28].
اللهم إنا نسألك يا حي.. يا قيوم! أن تغفر ذنوبنا، وتستر عيوبنا، وتعيننا على طاعتك، وأن تدخلنا الجنة، وتجيرنا من النار.
11 - 12
المَـلِـكُ المَـلِــيـكُ -جل جلاله-
أخرج البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد! إنا نجد: أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك.
فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
لا يعلم ما يستحق إلا هو...!
ولا يحيط بعلمه سواه...!
ولا يقدر قدره إلا هو...!
ولا يحسن الثناء عليه غيره...!
البيان والبلاغة والتعبير.. تعلن التقصير...!
والحياء يملأ فؤادنا ونحن في هذه الساعة نريد أن نشدو بأوصاف ملك الملوك! ولنا الشرف أن نمرغ أنوفنا في التراب لجلاله وعظيم سلطانه -جل وعلا- ، وأن تشرف ألسنتنا وأقلامنا بمديحه، وإن قدسناه أو سبحناه أو مجدناه؛ فهذه منة منه علينا -جل وعلا- .
وَمَا بَلَغَ المُهْدُوْنَ نَحَوَكَ مِدْحَةً
وَإِنْ أَطْنَبُوْا، إِنَّ الَّذِي فِيكَ أَعْظَمُ
في ظلال اسم الملك:
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ﴾ [الحشر:23].
فربُّنا -عز وجل- هو الذي ينفذ أمره في ملكه، وهو مالك الملك كله، وهو تام الملك، وهو مالك يوم الدين، وهو مليك الخلق، ولا مليك فوقه، ولا شيء إلا دونه، متصرف بجميع الأشياء، فلا ممانع ولا مدافع له -سبحانه وتعالى- .
مَلِكٌ عَزِيزٌ لَا يُفَارِقُ عِزَّهُ ... يُقْضَى وَيُرْجَى عِنْدَهُ الغُفْرَانُ ... مَلِكٌ لَهُ ظَهْرُ الفَضَاءِ وَبَطْنُهُ ... لَمْ تُبْلِ جِدَّةَ مُلْكِهِ الأَزْمَانُ
مَلِكٌ هُوَ المَلِكُ الَّذِي مِنْ حِلْمِهِ ... يُعْصَى بِحُسْنِ بَلَائِه وَيُخَانُ ... يَبْلَى لِكُلِّ مُسَلْطَنٍ سُلْطَانُهُ ... وَاللهُ لَا يَبْلَى لَهُ سُلْطَانُ
فالملك الحقيقي لله -عز وجل- وَحْدَهُ؛ لا يشاركه فيه أحد، وكل من ملك شيئًا فإنما هو بتمليك الله له، قال -صلى الله عليه وسلم- : «لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ -عز وجل- »، وفي رواية: «لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ» [أخرجهما مسلم]، ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران:26].
فربُّنا -جل وعلا- هو المالك لخزائن السماوات والأرض، بيده الخير، يرزق من يشاء.
وهو -عز وجل- المالك للموت والحياة والنشور، والنفع والضر، وإليه يرجع الأمر كله.
يتصرف في ملكوته كيف يشاء، كل يوم هو في شأن! صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مِنْ شَأْنِهِ: أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَخْفِضَ آخَرِينَ» [حديث حسن. رواه ابن ماجه].
وهذا ملك الله -سبحانه وتعالى- يؤتيه من يشاء: ﴿وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ﴾ [البقرة:247].
جاء في «مسند الإمام أحمد»: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ! فَإِنَّ اللهَ -عز وجل- قَالَ: أَنَا الدَّهْرُ، الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي؛ أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوْكٍ بَعْدَ مُلُوْكٍ» [حديث صحيح. وأوله في «صحيح مسلم»].
أَيْنَ المُلُوْكُ ذُوُوْ التِّيِجَانِ مِنْ يَمَنٍ ... وَأَيْنَ مِنْهُمْ أَكَالِيلٌ وَتِيجَانُ
أَتَى عَلَى الكُلِّ أَمْرٌ لَا مَرَدَّ لَهُ ... حَتَّى قَضَوْا فَكَأَنَ القَوْمَ مَا كَانُوْا
الشيطان سول لهم..
لما أعطى الله -تبارك وتعالى- فرعون الملك؛ ظن أنه المالك الحقيقي، فتكبر وتجبر وظلم الناس؛ حتى وصل به الحال أنه: زعم لنفسه الملك والألوهية! (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38]، فأهلكه الله -عز وجل- ، وجعله عبرةً لملوك الأرض إلى قيام الساعة؛ حتى لا يطغيهم الملك وينسيهم أصلهم وضعفهم وميعادهم.
ومع أن الملوك لهم شبهة ملك في الحياة الدنيا؛ فهم يملكون الضياع والقصور والبساتين والذهب والفضة، فإنهم بين خيارين: إما أن يزول عنهم، أو يزولون عنه، فهو ملك زائل، وعارية مسترجعة..
فذكرهم الله -عز وجل- بأن مرجعهم إليه؛ ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [المائدة:18].
ونُهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التسمي بـ "ملك الملوك"، جاء في «الصحيحين»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ: رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ».
مالك يوم الدين..
يوم القيامة يأخذ الله -جل وعلا- السماوات بيمينه والأرض بيده الأخرى؛ كما قال -عز وجل- : ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
جاء في «الصحيحين» عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «يَقْبِضُ اللهُ -تبارك وتعالى- الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ! أَيْنَ مُلُوْكُ الأَرْضِ؟».
وجاء في «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «يَطْوِي اللهُ -عز وجل- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُوْلُ: أَنَا المَلِكُ! أَيْنَ الجَبَّارُوْنَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُوْنَ؟
ثُمَّ يَطْوِي الأَرْضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ! أَيْنَ الجَبَّارُوْنَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُوْنَ؟».
وفي يوم القيامة: ينادي الرب -سبحانه وتعالى- : (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) ؟ فلا يجيبه أحد! فيجيب الحق نفسه بنفسه: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16].
ملكه تام:
ومع أن الله -عز وجل- هو الملك، وهو غني عن عبادتنا؛ لكن من جميل إحسانه وامتنانه على عباده: قرن اسمه: (الملك) ببعض أسمائه؛ لتطمئن النفوس وتشتاق للقائه، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿3﴾ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ﴿4﴾﴾ [الفاتحة:3-4]، وقال -سبحانه وتعالى- : (هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ﴾ [الحشر:22-23]، والله -عز وجل- يخبرنا بأن الـمُلْك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة؛ فهو -سبحانه وتعالى- الملك الرحيم.
وَمُلْكُ رَبِّنَا -عز وجل- منزه عن النقائص؛ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [الجمعة:1].
ولـما كانت ملوك الأرض تصيبهم النقائص من غرور، واسترسال في الشهوات، وظلم وجور؛ فالله -عز وجل- أخبرنا بأن ملكه تام، مجتمع فيه كل صفات الكمال الحسان؛ ولهذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا سلم بعد الوتر قال: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوْسِ»، ثلاثًا، ويرفع صوته بالثالثة. [حديث صحيح. رواه النسائي].
والواجب على العبد: أن يحمد الله على ملكه ورحمته، وأن يثني عليه على الدوام؛ قال الله -عز وجل- : (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) [التغابن:1]، فهو محمود في ملكه، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصًا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزًا؛ والحمد مع الملك غاية الكمال والجلال.
ومن جلال ملكه: أنه يجير من استجار به، ولا يقدر أحد أن يجير ويحمي من أراد الله هلاكه؛ ﴿قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [المؤمنون:88] .
يَا مَالِكًا هُوَ بِالنَّوَاصِي آخِذُ ... وَقَضَاؤُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَافِذُ
أَنَا عَائِذٌ بِكَ يَا كَرِيمُ وَلَمْ يَخِبْ ... عَبْدٌ بِعِزِّكَ مُسْتَجِيرٌ عَائِذُ
يا من لا يزول ملكه!
قال أهل السير: "لما بنى هارون الرشيد قصره، ولم ير مثله قط في الجمال في زمانه! دخل الناس يهنئونه، ودخل معهم أبو العتاهية؛ فقام وأنشد:
عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِـمًا ... فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ القُصُوْر ... يُسْعَى إِلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتَ ... لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي البُكُوْر ... يُجْرَى عَلَيْكَ بِمَا أَرَدْتَّ ... مَعَ الغُدُوِّ مَعَ البُكُوْر
فَإِذَا النُّفُوْسُ تَقَعْقَعَتْ ... فِي ظِلِّ حَشْرَجَةِ الصُّدُوْر ... فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوْقِنًا ... مَا كُنْتَ إِلَّا فِي غُرُوْر
فبكى هارون حتى وقع على الأرض، ولم يمض عليه شهر واحد حتى أصبح في عداد الموتى".
هارون!.. الذي قال للسحابة: أمطري أنى شئت؛ فإن خراجك سيصل إلي؟! هارون.. الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا؟!
وعبد الملك بن مروان -حاكم العالم الإسلامي- لـما أتته سكرات الموت؛ سمع غسالًا حول قصره يغني في سعادة وهناء! فقال عبد الملك: يا ليتني كنت غسالًا! يا ليتني ما عرفت الملك والخلافة! ثم مات.
وآخر يقول: يا من لا يزول ملكه؛ ارحم من زال ملكه، ولـما سمع سعيد ابن المسيب هذه الكلمات رد عليه قائلًا: "الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا في سكرات الموت، ولا نفر إليهم".
اقرع باب الملك!
أيها القارئ! المرض يزول، والمصاب يحول، والذنب يغفر، والدين يقضى، والمحبوس يفك، والغائب يقدم، والعاصي يتوب، والفقير يغتني.. وهذه جميعها بيد ملك الملوك -سبحانه وتعالى- ، فليكن الله -عز وجل- ملاذك ومعاذك ورجاءك في كل ساعة، وفي كل حين؛ وخاصةً في آخر الليل؛ فإن الله -جل وعلا- ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا وينادي: «أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُوْنِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ،؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ» [أخرجه مسلم].
ونبينا -صلى الله عليه وسلم- -وهو أعلم الخلق بالله وأشدهم له عبادةً- حثنا أن نردد على الدوام الإقرار بملك الله -جل وعلا- بعد الصلوات مباشرةً، وعند الفزع من النوم ليلًا، وأن يكون ذلك من ضمن أورادنا في الصباح والمساء، وبعد العودة من السفر، ثم إن كررت ذلك مائة مرة في يومك كنت من الفائزين.
صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ؛ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
اللهم يا مالك يوم الدين! اجعل خير أعمارنا آخرها، وهون علينا الحساب؛ يا رب العالمين!
13
السُّــبــُّوْ حُ -جل جلاله-
قال العلماء: توحيدُ الأسماء والصفات يقوم على ركنيين، وهي خلاصة التوحيد:
1- إثبات الكمال في أسماء الله -سبحانه وتعالى- وصفاته وأفعاله.
2- تنزيه الله -سبحانه وتعالى- عن كل النقائص التي تنافي كماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
ومن رحمة الله بنا أنه: أرشدنا إلى كيفية تنزيهه، وذلك بتسبيحنا له، قال -عز وجل- : ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:42].
سُبحان مَنْ هُوَ لا يزال مُسَبِّحًــا ... أبدًا وليس لغيره السبحان
سبحان مَنْ فِي ذِكْرِهِ طُرقُ الرِّضا ... منه وفيه الرُّوحُ والرَّيْحَــانُ
أبدًا وليس لغيره السبحان منه وفيه الرُّوحُ والرَّيْحَــانُ
وكان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ، رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوْحِ» [أخرجه مسلم].
والتسبيح في اللغة هو: التنزيه، (سبح الله) أي: نزهه، وبرأه من كل عيب.
فربُّنا -عز وجل- منزَّه عن كل عيب ونقص وسوء، فله الكمال المطلق -تبارك وتعالى- .
أنـت أحـق..
الكون كله معبد، كل من فيه يسبح الله -جل وعلا- ، وهو أعظم ما يعبد الله به.
فهؤلاء أهل السماء من الملائكة: ﴿قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:30].
ولا شيء في الكون إلا وهو يسبح خالقه، وتتجاوب جنباته بالتسبيح لخالقه؛ إلا كفرة الإنس والجن.
فالله -عز وجل- قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [الإسراء:44].
وهو -تبارك وتعالى- المستحق للتسبيح؛ لكمال ذاته وكمال صفاته.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ؛ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟!» [أخرجه البخاري -وهذا لفظه-، ومسلم].
الجبال والطير يسبحون الله -سبحانه وتعالى- ، والكل يسبح الله: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:79]، فنحن أحق من يتوجه بالتسبيح إلى الله -سبحانه وتعالى- .
قال بعض السلف: أما يستحيي أحدكم أن تكون راحلته التي يركبها،وثوبه الذي يلبسه؛ أكثر ذكرًا لله منه.
قـلـوب سـمـعـت..
لما علم أهل الصلاح بالأجور: أن التسبيح أحب الكلام إلى الله؛ تسابقوا إلى التسبيح في جميع أحوالهم، فهي الغنيمة الباردة، جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّة؛ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وقال -صلى الله عليه وسلم- : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟»، فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟
قال: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ؛ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» [أخرجه مسلم].
مفـاتيـح السعادة:
وتسبيح الله -سبحانه وتعالى- : من الباقيات الصالحات.
وفي التسبيح: سلوة للطائعين، وملاذ للهاربين، وملجأ للخائفين؛ فهم يعلمون أن الذي يسبحونه وينزهونه من كل عيب ونقص هو: ملاذهم في الشدة، وأنيسهم في الوحشة، ونصيرهم في القلة.
كيف لا يستجاب لأهل التسبيح وهم الذين عرفوا الله في الرخاء، فكيف لا يعرفهم في الشدة؟!
فهذا نبي الله يونس بن متى -عليه السلام- ؛ ماذا قال الله -عز وجل- عنه؟ ﴿فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ﴿143﴾ لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ﴿144﴾﴾ [الصافات:143-144].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : "كانت الحيتان تهدأ في البحر، ولا يهدأ هو من التسبيح، وكانت الضفادع تسكن من النقنقة، ولا يسكن هو من ذكر الله -سبحانه وتعالى- ".
قال الحسن: "ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملاً صالحاً في حال الرخاء؛ فذكره الله به في حال البلاء".
قال الكرجي: "دليل على أن التسبيح والتهليل يجليان الغموم، وينجيان من الكرب والمصائب".
وجاء في الأثر: "أن العبد إذا كان صالحًا أصبح معروفًا في السماء"؛ لأن التسبيح عمل صالح، والله -عز وجل- يقول: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10].
بالتسبيح يرزق العبد، جاء في «الأدب المفرد» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «..وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ» [حديث صحيح].
سبـحـانـك!
فسبحان الله عدد ما خلق في السماء.
وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض.
وسبحان الله عدد ما بين ذلك.
وسبحان الله عدد ما هو خالق.
أمرَ الله -سبحانه وتعالى- عباده: أن يكثروا من تسبيحه حين الشروق والغروب؛ فقال: ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ﴾ [الروم:17]، وقال -عز وجل- : ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:42].
ولأهمية التسبيح؛ جعل الله أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس؛ ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [يونس:10].
قال ابن رجب -رحمه الله- : "والأعمال كلها يُفرَغ منها، والذِّكر لا فراغ له ولا انقضاء! والأعمال كلها تنقطع بانقطاع الدنيا، ولا يبقى منها شيء في الآخرة، والذِّكرُ لا ينقطع، المؤمن يعيش على الذِّكر، ويموت عليه، وعليه يُبعث".
سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْهُ أَلْسُنُ الأُمَمِ
تَسْبِيحَ حَمْدٍ بِمَا أَوْلَى مِنَ النِّعَمِ
سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْهُ أَلْسُنٌ عَرَفَتْ
بِأَنَّ تَسْبِيحَهُ مِنْ أَفْضَلِ العِصَمِ
سُبْحَانَ مَنْ إِنْ يَشَأْ يُخْزِ المُسِيْءَ وَإِنْ
يَشَأْ عَفَا عَنْ كَبِيرِ الإِثْمِ وَاللَّمَمِ
سُبْحَانَ مَنْ مِنْهُ نَرْجُوْ عَفْوَ مُقْتَدِرٍ
وَنَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ بَطْشِ مُنْتَـقِـمِ
جعلنا الله -سبحانه وتعالى- من المسبحين بحمده، المؤمنين بأسمائه وصفاته، المحققين لتوحيده وتعظيمه؛ إنه سميع قريب.
﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ﴿17﴾ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ﴿18﴾﴾ [الروم:17-18]،.
14
القُدُّوسُ -جل جلاله-
اشتر نفسك اليوم! فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل أو كثير: (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9]، (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ) [الفرقان:27] .
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... وَأَبْصَرْتَ يَوْمَ الحَشْرِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تكُوْنَ كَمِثلِهِ ... وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ لِـمَا كَانَ أَرْصَدَا
نعيش مع اسم من أسماء الله الحسنى يقربنا إليه، وهو خلاصة التوحيد، وأحد ركني توحيد الأسماء والصفات، وهو: اسم الله (القدوس -جل وعلا- ).
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]، وجاء في «صحيح مسلم»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌّ، رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوْحِ».
وجاء في «مسند الإمام أحمد»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا انتهى من صلاة الوتر قال: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ، سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ، سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ»، ويرفع صوته بالثالثة. [حديث صحيح].
والقُدُّوس في اللغة يأتي بمعنى: الطهارة، والنزاهة، وكذلك يأتي بمعنى: المبارك.
فربُّنا -سبحانه وتعالى- القدوس، وهو: المطَهَّر من النقائص والعيوب، المنزه عن الصاحبة والأولاد والأنداد، الممدوح بالفضائل والمحاسن، الموصوف بصفات الكمال.
وربُّنا -سبحانه وتعالى- هو المبارك؛ الذي كثرت وعمت خيراته على طول الأوقات في الأرض والسماوات، تبارك اسمه وتباركت أفعاله وذاته وصفاته العلا، وهو الذي يطهر من شاء من خلقه وفق حكمته؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب:33].
سبحانه!
وربُّنا -عز وجل- المُستحق للتقديس، والتنزيه، والإجلال؛ من جميع الخلائق.
والتقديسُ: عبادة أهل السماء من الملائكة: ﴿وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30].
والكون كلُّه يُقدس الله -سبحانه وتعالى- ويُسبحه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:1]، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44].
أنت أحق..
وأحق المخلوقات بالتقديس: بنو آدم.
وتقديس الله -جل وعلا- يكون:
بمحبته وتعظيمه -سبحانه وتعالى- عن كل نقص وعيب.
وإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- .
وتنزيهه عن مشابهة أحد من خلقه: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
وتنزيهه عن الشرك به، ثم التحاكم إلى شرعه والرضى به، والبعد عن سوء الظن به -سبحانه وتعالى- .
ومن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله؛ فقد ظن بالله ظن السوء.
هَذَا وَمِنْ أَوصَافِهِ القُدُّوْسُ ذُوْ ... التَّنْـزِيهِ بِالتَّعْظِيـمِ لِلرَّحَـمَـنِ
حـظـك منه..
والمؤمن يقدس نفسه بفعل الطاعات، والبعد عن الذنوب والمعاصي، وإزالة ما يعلق بالقلوب من الران، والابتعاد عن أكل المال الحرام بتطهير المال من الشبهات، وهذا الذي امتدحه الله -جل وعلا- بقوله: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ﴿9﴾ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ﴿10﴾﴾ [الشمس:9-10].
وقد بين الله -عز وجل- لموسى -عليه السلام- الغاية من إرساله لفرعون، وهي: أن يزكي نفسه بتقديس الله -سبحانه وتعالى- : ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿17﴾ فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ﴿18﴾ وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ﴿19﴾﴾ [النازعات:17-19].
ولذلك؛ لا فلاح إلا بهذه التزكية الإيمانية، ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿14﴾ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ﴿15﴾﴾ [الأعلى:14-15]، بل وينزع التقديس عن الأمة الظالـمة.
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ حَقَّهُ مِنَ القَوِيِّ» [حديث صحيح. رواه البيهقي في «السنن الكبرى»]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟».
ولما كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي -رضي الله عنهما- ليهاجر من العراق إلى الأرض المقدسة؛ رد عليه سلمان ببلاغة توضح مفهوم القداسة؛ فقال: "إن الأرض لا تقدس أحدًا! وإنما يقدس الإنسان عمله".
سُبْحَانَ مَنْ هُوَ لَا يَزَالُ وَرِزْقُهُ سُبْحَانَ مَنْ يُعْطِي المُنَى بِخَوَاطِـرٍ
لِلْعَالَمِينَ بِهِ عَلَيْهِ ضَمَانُ فِي النَّفْسِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِنَّ لِسَانُ
اللهم إنا نسألك يا سبوح.. يا قدوس! أن تطهرنا، وأن تغفر لنا وترحمنا؛ يا أرحم الراحمين!
السَّــلاَمُ -جل جلاله-
عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ السَّلَامَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ -تَعَالَى-، وَضَعَهُ اللهُ فِي الأَرْضِ؛ فَأَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [حديث صحيح. رواه البخاري في «الأدب المفرد»].
لا يزال المؤمن يسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة؛ أما سلامة الدنيا فهي: ظَاهِرَةٌ، وَبَاطِنَةٌ:
فالظاهرة: العافية من الأمراض والأسقام، وجميع ما يكره.
والباطنة فِي الدنيا: سلامة الدين، وسلامة اليقين من الكفر والبدع والعصيان.
وهذا الذي يطلبه المؤمن هو أوثق عرى الإيمان، فإذا سلمت لك هذه فقد فزت بالقلب السليم، ودخلت دار السلام.
فالكل يبحث عن السلام، والله هو السلام -تبارك وتعالى- .
يقول ابن القيم -رحمه الله- : "وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني!!".
قال -تبارك وتعالى- : ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ﴾ [الحشر:23].
فربُّنا السلام -جل وعلا- هو: السالم من كل عيب ونقص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
فالسلامة هي: البراءة، وقيل: العافية.
وَهُوَ السَّلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ سَالِمٌ
مِنْ كُلِّ تَمْثِيلٍ وَمِنْ نُقْصَانِ
وربنا -جل وعلا- أحق بهذا الاسم من كل مسمى به.
في ظلال اسم السلام:
تأمل هذا الاسم في صفات الله -عز وجل- ! فحياته سلام من الموت، ومن السنة والنوم، وقيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب.
وتأمل في علمه! فهو سالم من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان، أو حاجة إلى تذكر، وتفكر! (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [يونس:61]، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم:64].
وكلماته سلامة مِن الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) [الأنعام:115].
وغناه سلامٌ من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه.
وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون أو مظاهر.
وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة؛ كما يكون من غيره.
حتى عذابه وانتقامه سلام من أن يكون ظلمًا أو تشفيًا أو غلظةً أو قسوةً، بل هو محض حكمته وعدله، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت:46].
تأمل في قضائه وقدره! فهو سلام من العبث والجور والظلم.
تأمل في شرعه ودينه! فهو سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب؛ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء:82].
استواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه؛ بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه؛ فهو الغني عن العرش، وعن حملته، وعن كل ما سواه.
وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه، أو يتقوله معطل.
وحتى محبته لأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق؛ من كونها محبة حاجة إليه، أو تملق له، أو انتفاع بقربه.
مكـافـأة المحبـين:
وسلَّم اللهُ -سبحانه وتعالى- عَلَى أنبيائه ورسله لإيمانهم وإحسانهم، وليقتدي بذلك البشر؛ فلا يذكرهم أحد بسوء: ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الصافات: 181]، ثم أكرم الله -عز وجل- يحيى -عليه السلام- ؛ فخصه بسلام في مواضع -قيل: إنها الأكثر وحشةً للخلق-: يوم ولد؛ فيرى نفسه خارجًا مما كان، ويوم يموت؛ فيرى قومًا لم يكن عاينهم من قبل، ويوم يبعث؛ فيرى نفسه في المحشر العظيم؛ ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا﴾ [مريم:15].
ومن تبع هدى الله -تبارك وتعالى- سلم من سخطه وعذابه، وهذا معنى قوله: (وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ) [طه:47].
والجنة: دار السلام: (۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ) [الأنعام:127].
والله -تبارك وتعالى- يُسلِّم على عباده في الجنة: ﴿سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ﴾ [يس: 58].
والملائكة تُسلِّم على عباده الصالحين عند قبض أرواحهم وتطمئنهم: ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل:32].
حـظـك منه..
من التعبد لله باسمه: (السلام -سبحانه وتعالى- ): أن يسلم قلب المسلم ولسانه من كل سوء للمسلمين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «المُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُوْنَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» [أخرجه البخاري ومسلم].
ولا يقف عند هذا الحد من كف الأذى، بل يجب أن يؤدي حق هذا الاسم العظيم؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ السَّلَامَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ -تَعَالَى-، وَضَعَهُ اللهُ فِي الأَرْضِ؛ فَأَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [حديث صحيح. رواه البخاري في «الأدب المفرد»].
ومن فضل التحية -وهي: "السلام عليكم"-: أنها توصل إلى دار السلام، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوْا، وَلَا تُؤْمِنُوْا حَتَّى تَحَابُّوْا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوْهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوْا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [أخرجه مسلم].
وقفـة..
لا يُقال: السلام على الله!
فالسلام من الله وله، ولـما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة يقولون: السلام على الله! قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُوْلُوْا: التَّحِيَّاتُ لِلهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالحِينَ.
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمْدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ» [أخرجه البخاري ومسلم بنحوه].
وفي رواية: «فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوْهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» [أخرجها البخاري ومسلم].
اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم! سلم لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وسلم لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وسلم لنا آخرتنا التي فيها معادنا، وأدخلنا دار السلام يا ربنا فأنت على كل شيءٍ قدير.
16
المُـؤْمِــنُ -جل جلاله-
على رؤوس الجبال: شمس من الفرج مشرقة، وعلى مشارف التلال: هالة من النور بارقة، وعلى كل باب للحزن من السرور: طارقة.
افتح عينيك، وارفع يديك، لا تساعد الهم عليك، ولا تدع اليأس إليك؛ فهناك من يؤمنك، وهناك من يصدقك.. إِنَّهُ المُؤْمِنُ -جل وعلا- .
السمك والقرش والطيور والوحوش؛ كلها ترجو الأمان من المؤمن -سبحانه وتعالى- .
فاتَّجه إلى المؤمن -جل وعلا- ، واشك الحال إليه؛ فإن فرجه أسرع من البرق الخاطف، وله في كل لحظة لطائف.
المؤمن -جل وعلا- : اسم من أسماء الله -عز وجل- ؛ فالله قد قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ﴾ [الحشر:23].
ورد اسم (المؤمن) في القرآن في آية واحدة، وجاء ورودها: أمنًا للخائفين، وأمانًا للراجين، وفرجًا للمهمومين.
وقفـة..في ظـلال اسـم المـؤمـن:
قال أهل العلم: المؤمن له معنيان:
أوَّلهما: التصديق، وأعظم تصديق منذ أن خلق الله الخليقة إلى أن تقوم الساعة: تصديق الله -جل وعلا- لنفسه، وشهادته لنفسه بالوحدانية وانفراده بالعبودية، وبما أثنى على نفسه به من الكمال والصفات العلية، قال الله -تبارك وتعالى- عن نفسه: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]؟ فهذه أجل الشهادات الصادرة من الملك العظيم، وهو: الله رب العالمين؛ على أعظم وأجل مشهود به، وهو: توحيد الله -تبارك وتعالى- ، وإخلاص الدين له، وقيامه بالقسط.
وأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيرُهُ ... كَرِيمٌ رَحِيمٌ يُرْتَجَى وَيُؤَمَّلُ
وهو -عز وجل- الذي يُصدِّق قوله ويُصدِّق وعده: ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا﴾ [النساء: 122].
وصدَّق أنبياءه بإظهار الآيات الباهرة على أيديهم: ﴿قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [آل عمران:49]، ﴿وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ﴾ [الحجر:64].
ويُصدِّق عباده ما وعدهم به من النصر في الدنيا، والتمكين في الأرض، ومن الثواب في الآخرة، قال -جل وعلا- : ﴿ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأنبياء:9].
ويُصدِّق الكفار مَا وعدهم من العقاب والخذلان في الدنيا والآخرة، قال -جل وعلا- : ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 44].
وأخبار الله -تبارك وتعالى- صدق كلها.
وَإِنِّي بِكَ اللَّهُمَّ رَبِّي لَوَاثِقٌ ... وَمَا لِي بِبَابٍ غَيْرَ بَابِكَ مَدْخَلُ
والله -سبحانه وتعالى- يحب الصادقين في وعدهم وخبرهم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة:119].
وثانيهما: الأَمَانُ، وهو ضد: الإخافة، (وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش:4].
فالناس بين خوف من الداء، أو نقص في الدواء، أو تسلط الأعداء، أو فقر منس، أو موت مجهز؛ فتراهم يبحثون عن الأمن في تأمين الطعام، ويقيمون القلاع والحصون، ويقيمون المشافي، ويبنون السدود، والضعفاء من الأفراد والدول قد يلجؤون إلى الأقوياء طلبًا للأمن.
وفي لحظات تنهار هذه القوى، وتنكشف الأمور، ولا يبقى مع هؤلاء إلا الالتجاء إلى المؤمن -سبحانه وتعالى- ؛ واهب الأمن لعباده، فروا منه ثم عادوا إليه، خالقهم وخالق الكون أجمع، مهيمن على كل شيء، نواصي العباد بيده.
فإذا وقع عذاب الله -عز وجل- بقوم؛ فلا يوجد من يؤمنهم منه، ولا طاقة للبشر في دفعه: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿16﴾ أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ﴿17﴾﴾ [الملك:16-17].
ثـلاثـة مـواضـع:
فالناس تبحث عن الأمن في ثلاثة مواضع، وجميعها بيد المؤمن -عز وجل- ، القادر على كل شيء، ولا يهبها إلا لأوليائه المتقين:
الموضع الأول: أمن دنيوي بشتى أنواعه، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:96].
والموضع الثاني: يطلب الأمن فيه عند الاحتضار، ونزول ملك الموت، وفي البرزح عند رؤية الملكين.
وهنا يأتي الأمان والبشارة للمؤمنين: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:30].
والموضع الثالث: في الآخرة عند الفزع الأكبر؛ حيث الأمان الأكبر للمتقين، قال الله -عز وجل- : ﴿لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:103].
والأمن لا يعطى إلا للموحد: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل:89].
وعلى قدر إيمانك يكون أمانك؛ لأن الله -عز وجل- قال: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].
حـظـك مـنـه..
ولذا؛ فإن من ثمرات هذا الاسم العظيم على المؤمنين: أن يعلموا أن الله -عز وجل- هو الذي يؤمنهم عند المحن والشدائد والمصائب، ويعلموا كذلك: أن الجزاء من جنس العمل، فهم يؤمنون الناس شرهم وغوائلهم؛ رغبةً بما عند الله من الأمن، ورهبةً من نزع الأمن منهم يوم القيامة.
صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالمُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
اللهم! آمنا في أوطاننا.. اللهم! آمن روعاتنا، ويمن كتابنا، ويسر حسابنا.
17
المُــهــَيْــمِــنُ -جل جلاله-
هذه رسالة إلى.. كل من مل من الحياة، وسئم من العيش، وضاق ذرعًا بالأيام، وذاق الغصص.. نبشرك بأن هناك فتحًا مبينًا، ونصرًا قريبًا، وفرجًا بعد شدة، ويسرًا بعد عسر.
هناك أمل مشرق، ومستقبل حافل، ووعد صادق: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ﴾ [الروم: 6]، ألم يقل مولاك وخالقك: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف:180]، ثم إذا دعوته بها؛ فما النتيجة؟ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60].
ونحن في هذا المقام نتقرب إلى الله -عز وجل- بمعرفة اسم من أسمائه الحسنى: (المهيمن -جل وعلا- ):
ومعرفة الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته هو: أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصَّلته النفوس، وأدركته العقول.
اسم الله (المهيمن -عز وجل- ) ورد في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ﴾ [الحشر:23].
وربُّنا المهيمن -عز وجل- هو: القائم على خلقه في كل أمورهم وشؤونهم؛ فهو المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور؛ الذي أحاط بكل شيء علمًا، الشاهد على الخلق بأعمالهم، الرقيب عليهم فيما يصدر منهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السـماء: ﴿وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ﴾ [يونس:61].
هذه حالات العبد وتقلباته في ليله ونهاره، وسره وجهره، وحضـره وسفره؛ علمها علام الغيوب، وأحصاها على العبد: (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه:7].
النجوى عنده جهر، والسر عنده علانية، والخافي لديه مكشوف.
إنه المهـيـمـن..
بات نفر من المنافقين يدبرون الدسائس، ويحيكون الخطط؛ فكشفهم علام الغيوب، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:108].
جلس عمير بن وهب وصفوان بن أمية بعد بدر عند الكعبة ليلًا؛ يدبران اغتيال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فأخبر الله رسوله بكيدهم، وأطلعه على فعلهم.
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُوْ الوُجُوْهُ وَتَسْجَدُ
نعم؛ إنه المهيمن الحافظ -جل وعلا- ، والأمين والشاهد، والرقيب على خلقه بأعمالهم.
اطمئن!
يا من ملأت عينيك بالدمع! كفكف دموعك، وأرح مقلتيك، واهدأ! فإن لك من خالق الوجود ولايةً، وعليك من لطفه رعايةً.
واطمئن -أيها العبد!- فقد فُرغ من القضاء، ووقع الاختيار، وحصل اللطف.
كم مرةً خفنا من الموت؛ فما متنا؟!
كم مرةً ضاقت بنا السبل، وتقطعت بنا الحبال، وأظلمت في وجوهنا الآفاق؛ فإذا هو الفتح والنصر، والخير والبشارة؟! ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام:64].
كم مرةً أظلمت أمامنا الدنيا، وضاقت علينا السماء والأرض بما رحبت؛ فإذا هو الخير العميم واليسر؟! ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [يونس:107].
فربُّنا المهيمن -عز وجل- ، والعزة له، والغلبة له، والفرج منه.
ذكر ابن كثير عن وهب بن منـبـه أثرًا، قال: "يقول الله -تبارك وتعالى- في بعض كتبه: (وعزتي وجلالي! ما اعتصم بي عبد، فكادت له السماوات والأرض؛ إلا جعلت له من بينهن فرجًا ومخرجًا، وعزتي وجلالي! ما من عبد اعتصم بغيري؛ إلا أسخت الأرض من تحت قدميه)".
جَلَالُكَ يَا مُهَيْمِنُ لَا يَبِيْدُ ... وَمُلْكُكَ دَائِمٌ أَبَدًا جَدِيدُ ... وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ ... وَلَيْسَ يَكُوْنُ إِلَّا مَا تُرِيدُ
قَصَدْتُ إِلَى المُلُوكِ فَكُلُّ بَابٍ ... عَلَيْهِ حَاجِبٌ فَظٌّ شَدِيدُ ... وَبَابُكَ مَعْدِنٌ لِلْجُودِ يَا مَنْ ... إِلَيْهِ يَقْصِدُ العَبْدُ الطَّرِيدُ
حـبـل النـجـاة..
وصف ربنا -عز وجل- كتابه -وهو: القرآن- بأنه: مهيمن على الكتب السابقة: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ [المائدة:48].
فالقرآن الكريم حاكم على الكتب قبله؛ فقد جاء بأحسن ما فيها، ونسخ منها ما نسخه، وقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون؛ فأظهر تحريفهم، وأظهر الحق الذي تضمنته الكتب السابقة.
وما آمن مسلم بهذا إلا أثمر تعظيم كتاب الله -سبحانه وتعالى- في صدره محبةً وفرحًا، وحمدًا لله وشكرًا على الهداية إليه؛ وهي التي يرجوها كل إنسان، ويطلبها المؤمن في كل ركعة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6].
اللهم يا مهيمن! اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
18
الـعــــَزِيـــزُ -جل جلاله-
ذكر الحاكم في «المستدرك»: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- "لما قدم الشام عرضت له مخاضة، فنزل عمر عن بعيره ونزع خفيه، ثم أخذ بخطام راحلته، وخاض المخاضة.
فقال له أبو عبيدة بن الجراح: لقد فعلت يا أمير المؤمنين فعلًا عظيمًا عند أهل الأرض! نزعت خفيك، وقدمت راحلتك، وخضت المخاضة.
فصك عمر بيده في صدر أبي عبيدة؛ فقال: أوه! لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة!
أنتم كنتم أقل الناس؛ فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله -سبحانه وتعالى- ".
قال -تبارك وتعالى- : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10].
امتدح ربُّنا -سبحانه وتعالى- ذاته العلية بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:9]، ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران:6]، وأمرنا من فوق سبع سماوات أن نعلم ذلك ونتيقنه: ﴿وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [البقرة: 260].
فربُّنا العزيز -تبارك وتعالى- ؛ الَّذِي جمع معاني العزة كلها -وصفًا وملكًا-، في أسمى معانيها، وأعلى كمالها، قال -سبحانه وتعالى- : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: ١٠].
فله عزة الغلبة؛ فهو القاهر لأعدائه والغالب لهم.
وله عزة الامتناع؛ فلا يناله أحد من خلقه ولا يصل إليه سبحانه؛ فهو غني بذاته.
وله عزة القوة ذلت الصعاب لعزته، ولانت الشدائد لقوته.
وهو العزيز -تبارك وتعالى- ؛ الذي يهب العزة لـمن يشاء من عباده.
وهو العزيز -تبارك وتعالى- ؛ الذي لا يضام جاره، ولا يذل أنصاره.
وَهُوَ العَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ... أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ ... وَهُوَ العَزِيزُ القَاهِرُ الغَلَّابُ لَمْ ... يَغْلِبْهُ شَيْءٌ هَذِهِ صِفَتَـانِ
وَهُوَ العَزِيزُ بِقُوَّةٍ هِيَ وَصْفُهُ ... فَالعِزُّ حِينَئِذٍ ثَلَاثُ مَعَانِ ... وَهِيَ الَّتِي كَمُلَتْ لَهُ سُبْحَانَهُ ... مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَادِمِ النُّقْصَـانِ
حمى العـزيـز:
وأهل الإيمان لما علموا وآمنوا أن العزة منه وحده؛ ذلوا للعزيز، والتجؤوا إليه، واحتموا بحماه، ولاذوا بجنابه، وطلبوا منه العزة؛ لأنهم تلوا قوله -عز وجل- : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10].
ذكر المدائني في كتابه قال: "قدم رجل من أهل اليمن على الحجاج يشكو أخاه محمد بن يوسف، فصادف الحجاج على المنبر، فقام إليه؛ فشكا أخاه محمدًا، فأمر به الحجاج فحبس، فلما نزل عن المنبر؛ استدعاه وهو متغيظ عليه، فقال له: ما جرأك على أن ترفع أخي؟! فقال له: أنا بالله أعز من أخيك بك، فقال الحجاج: خلوا سبيله".
لَا تَسْقِنِي كَأَسَ الحَيَاةِ بِذِلَّةٍ ... بَلْ فَاسْقِنِي بِالعِزِّ كَأْسَ الحَنْظَلِ
وكلما عظم الاسم في قلب المسلم، وعمل على تحقيقه في حياته؛ كان نيله للعزة أعظم، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8].
فأعز الناس: الأنبياء، ثم الذين يلونهم من المؤمنين.
ولذا؛ لا عزيز في الدنيا والآخرة إلا من أعزه الله؛ ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران:26].
للباحثين عن العـزة..
فمن اعتز بغير الله -عز وجل- فقد اعتز بسلطان زائل، وقوة فانية.
ومن الذي يقوم في وجه الله ويصارعه ويغالبه؟! وقد اعتز قوم فرعون بفرعون: ﴿فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الشعراء:44]، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ﴾ [الشعراء:45].
يبحث كثير من الناس عن العزة عند الكافرين وعند أعداء الدين، وهؤلاء لم يقدروا الله -عز وجل- حق قدره، ولم يعرفوه حق معرفته! وإلا لهان في نفوسهم هؤلاء الذين يوالونهم؛ فإنهم مهما بلغت قوتهم، وكثر أتباعهم؛ ليسوا بشيء بجانب عزة الله -جل وعلا- وقوته وجبروته وقهره.
والله -عز وجل- أخبرهم أن العزة التي يبحثون عنها والمتعة لن يجدوها عند غيره، بل صار حالهم حال المنافقين؛ خالف ظاهرهم باطنهم، ﴿بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿138﴾ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ﴿139﴾﴾ [النساء:138-139].
ومنهم من اعتز بنفسه وعشيرته، جاء في «مسند الإمام أحمد» عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: انتسب رجلان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان بن فلان، فمن أنت؛ لا أم لك؟!
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوْسَى -عليه السلام- ؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً، فَمَنْ أَنْتَ؛ لَا أُمَّ لَكَ؟! قَالَ: أَنَا فُلَانِ بْنُ فُلَانِ ابْنِ الإِسْلَامِ».
قال: «فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوْسَى -عليه السلام- : أَنَّ هَذَيْنِ المُنْتَسِبَيْنِ؛ أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُنْتَمِي أَوِ المُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ: فِي النَّارِ؛ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ.
وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا! المُنْتَسِبَ إِلَى اثْنَيْنِ: فِي الجَنَّةِ؛ فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الجَنَّةِ» [حديث صحيح].
وقد قيل : من اعتزَّ بمنصبه فلينظر إلى فرعون ومن اعتز بماله فلينظر إلى قارون ومن اعتز بنسبه فلينظر إلى أبي لهب. إنما العِزة بالتقوى.
وصدق من قال: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".
وأعظم سبب في ذل الأمة الإسلامية في هذا العصر هو: عدم اعتزازها بالله -عز وجل- حق الاعتزاز.
يمنـحـك العـزة..
لما أخذ الكافرون يهددون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ويلقون عليه فاحش القول، ويبدون قوتهم؛ أنزل الله آيةً مواسيًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ومخبرًا عن ضعف البشرية جمعاء في قوله -سبحانه وتعالى- : ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [يونس:65].
وكلما زاد الإيمان زادت العزة في قلب المؤمن، وزاد يقينه بالنصر والغلبة؛ فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [آل عمران:126]، وقال -سبحانه وتعالى- : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].
من حاز الإيمان حاز العزة، ومن حاز العزة فاز بحب الله -عز وجل- ؛ فقد قال -سبحانه وتعالى- : ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54].
يقول ابن كثير: "من كان يحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة؛ فليلزم طاعة الله -سبحانه وتعالى- ؛ فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعًا، كما قال -سبحانه وتعالى- : ﴿فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ [النساء:139]".
وقال إبراهيم الخواص -رحمه الله- : "على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله يلبسه الله من عزه، ويقيم له العز في قلوب المؤمنين. فذلك قوله -سبحانه وتعالى- : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8]".
مفاتيـح العـزة:
ولا تتحقق العزة إلا بالإتيان بأسبابها:
بالإيمان أولًا؛ قال الله -عز وجل- : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8].
وبالتواضع للمؤمنين؛ قال الله -عز وجل- : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54].
وبالعفو؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا»[أخرجه مسلم].
وبالتقرب إلى الله بهذا الاسم في الدعاء، فهذا إبراهيم -عليه السلام- كان من دعائه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: 5]، ودعت به الملائكة من حملة العرش للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [غافر:8].
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا فزع من نومه ليلًا كان يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَات وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ» [حديث صحيح. رواه ابن حبان].
وهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم رجلًا جاءه يشكو وجعًا بأن يتعبد بعزة الله؛ فقال له الحبيب -صلى الله عليه وسلم- : «اجْعَلْ يَدَكَ اليُمْنَى عَلَيْهِ، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: بِاسْمِ اللهِ، أَعُوْذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وأُحَاذِر» [رواه مسلم].
تـأمـل!
اقترن اسمه -تبارك وتعالى- العزيز بأسمائه: (القوي والحكيم والعليم والحميد والغفور والوهاب والمقتدر).
وهذا -والله!- من كمال رحمته بنا، وإفاضة الخير والإحسان علينا.
وهذا دليل على: كمال أسماء ربنا وصفاته العلا، وأنها يتضمن بعضها بعضًا؛ فإنه -سبحانه وتعالى- مع كمال عزته وقوته، ومنعته، وشدة بطشه؛ فهو كامل في حكمته وعلمه، رحيم بعباده عطوف عليهم، محمود في أموره، وحميد في أقواله وأفعاله وأحكامه.
فعزته: حكمة، ورحمة، وعدل، ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6].
ولـما كانت عزته: عزة كمالٍ وجلالٍ؛ استحق الله أن يحمد عليها على الدوام، قال -سبحانه وتعالى- : (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم:1].
يَا مَالِكًا هُوَ بِالنَّوَاصِي آخِذٌ ... وَقَضَاؤُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَافِذُ
أَنَا عَائِذٌ بِكَ يَا كَرِيمُ وَلَمْ يَخِبْ ... عَبْدٌ بِعِزِّكَ مُسْتَجِيرٌ عَائِذٌ
﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿180﴾ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ﴿181﴾ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿182﴾﴾ [الصافات:180-182].
اللهم يا عزيز! أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك.
19
الجـــَبَّــارُ -جل جلاله-
إذا أدبر الزمان، وجفاك الإخوان، وحل الظلام، وتغيرت الأيام، وتضاعفت الأسقام، واشتد الخطب، وعظم الكرب؛ فناد: يا الله.. يا جابر قلوب المنكسرين! اجبر كسري وارحم ضعفي؛ فالله يسمعك.
قال الله -عز وجل- عن نفسه: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الحشر:23].
والجبار -سبحانه وتعالى- هو: الذي يجبر قلب الكسير، ويغني الفقير، وييسر كل عسير؛ وهو يجبر قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله جبرًا خاصًّا.
والجبار -سبحانه وتعالى- هو: القهار لكل شيء؛ الذي دان له كل شيء، وخضع له كل شيء.
والجبار -سبحانه وتعالى- هو: العلي على كل شيء فوق خلقه، مستو على عرشه.
فربُّنا له الجبروت وحده، فهو قاهر الجبابرة بجبروته، وهو الذي علاهم بعظمته.
وقد مدح الله -عز وجل- نفسه بهذا الاسم؛ فقال -سبحانه وتعالى- : ﴿ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ﴾ [الحشر:23].
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو في سجوده وركوعه: «سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوْت وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاء وَالعَظَمَة» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
لا تنازعه!
والجبار: صفة مدح وكمال في حق الله؛ وأما عند اتصاف البشر بها فهي غالبًا: صفة ذم ونقص وعيب، أما ترى أن الذي يدعي من البشر بأنه جبار؛ تؤذيه البقة، وتأكله الدودة، وتشوشه الذبابة، وهو أسير جوعه، وصريع شبعه؟!
لذلك؛ أنكرت الرسل على أقوامها صفة (التجبر والتكبر) في الأرض بغير الحق، والله قد قال: (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) [الشعراء:130].
ومن تجبر طبع الله -جل وعلا- على قلبه: (كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 35]، وتوعد الله -عز وجل- الجبابرة بالعذاب: ﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ﴿15﴾ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ﴿16﴾﴾ [إبراهيم: 15-16].
وجاء في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاَثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ إِلَهـًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ، وَالمُتَجَبِّرِينَ..» [أخرجه مسلم] .. فأين المتكبرون.. أين المتجبرون؟
أَيْنَ المُلُوْكُ وَأَبْنَاءُ المُلُوْكِ وَمَنْ
كَانَتْ تَخِرُّ لَهُ الأَذْقَانُ إِذْعَانَا
صَاحَتْ بِهِمْ حَادِثَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوْا
مُسْتَبْدِلِينَ مِنَ الأَوْطَانِ أَوْطَانَا
اقــرع باب السمــاء!
وكان من دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
انكسارات الحياة عديدة، وكل يوم نتكسر بهموم هذه الحياة؛ فنحتاج إلى الله -سبحانه وتعالى- في كل ساعة؛ حتى يجبر كسرنا، ويقوي ضعفنا.
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا؟!
ينكسر المريض على فراشه، يصارع المرض؛ فينادي يا الله! فإذا الجبار يجـبر كسره، وينزل الشفاء من عنده.
ينكسر الفقير فلا يملك قطميرًا، ويتنهد من البؤس، ويبكي من الفاقة، وينظر في السماء ويقول: يا الله! فإذا الجبار يجـبر كسره، ويرفع حاجته، ويكشف ضائقته.
ينكسر المظلوم، ويخفي أنينه، ويمسح دمعته، وينطرح عند باب الله ويقول: يا الله! فإذا بالجبار ينتقم له، ويرسل جنده، وينزل نصره.
ينكسر السجين في زنزانته؛ وقد كبل بالحديد، وغل بالقيود؛ فينادي: يا الله! فإذا بالجبار يجـبر كسره، ويفتح الأبواب له، وإذا القيود تحل، والفرج يحصل.
ينكسر العقيم، ويلفه الحزن، ويضعف الأمل؛ فيأخذ سجادته، ويطيل بكاءه، وينادي: رب هب لي من لدنك ذريةً طيبةً! فإذا بالجبار يجـبر كسـره، ويرسل أمره وعونه ومدده؛ فإذا المستبعد موجود، وإذا الابتسامة تحصل، والحمل قد حل.
إنه الجبار -عز وجل- ؛ يحل العقد، ويجبر القلوب والعظام والنفوس، ويكفكف الدموع، ويرفع البلاء، ويكشف الضراء، ويرسل السراء..
يناديه الجميع: اجبر كسرنا، وارحم ضعفنا! ﴿يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ﴾ [الرحمن:29].
وَإِذَا العِنَايَةُ لَاحَظَتْكَ عُيُوْنُهَا ... نَمْ فَالحَوَادِثُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ
وكل كسرٍ ألجأك إلى الله فهو جبرٌ وإن أوجعك.
يقول الله -عز وجل- : ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ [الحجر: 21]، فبيده مفاتيح الفرج -سبحانه وتعالى- ، فإذا أوقفتك الآلام والهموم؛ فاتجه إلى الملك العلام، جابر القلوب وجابر الكسور، وناد: يا جابر المنكسرين! اجبر كسري، وارحم ضعفي، وفرج همي، ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل:62] .
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى
ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا المَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهُا
فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
كـن بلسمـا!
وتذكر: أن الكروب كسور الدنيا، فإذا رأيت إنسانًا في كربة؛ فكن أنت من يستخدمك الله لجبر كسره؛ فإن المكافأة العظمى يوم يبحث الناس جميعًا عمن يجبر كسورهم يوم القيامة.
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً؛ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمَ القِيَامَةِ» [أخرجه مسلم]، (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]، ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران:134].
كُنْ بَلْسَمًا إِنْ صَارَ دَهْرُكَ أَرْقُمًا ... وَحَلَاوَةً إِنْ صَارَ غَيْرُكَ عَلْقَمًا
اللهم! يا جابر قلوب المنكسرين اجبر كسرنا، وارحم ضعفنا، وتجاوز عنا؛ برحمتك يا أرحم الراحمين!
20
المُــتَــكَـــبــِّــرُ -جل جلاله-
الكبرياء لله وحده -عز وجل- ، قال الله مادحًا نفسه: ﴿وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الجاثية:37]، وقال -تبارك وتعالى- : ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الحشر:23].
فربُّنا -عز وجل- تكبر عن كل سوء، وَتَكَبَّرَ عن السيئات، وَتَكَبَّرَ عن ظلم العباد.
وربُّنا -سبحانه وتعالى- هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة.
فهو -جل وعلا- المُتَـكَبِّرُ عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم.
وأصل الكبرياء: الامتناع، وربنا -عز وجل- ممتنع عن النقص والسوء والعيب.
عبودية الانكسار..
والتاء في اسمه (المتكبر) ليست تاء التعاطي والتكلف؛ كما يقال: فلان يتعظم وليس بعظيم، وإنما هي: تاء التفرد والاختصاص.
والتكبر لا يليق إلا به -تبارك وتعالى- ؛ لأنه وحده الملك وما سواه مملوك، وهو وحده الرب وما سواه مربوب، وهو الخالق وحده وما سواه مخلوق، وهو وحده المتفرد بصفات الكمال والجمال والعظمة والجلال.
لذا؛ استأثر الله -تبارك وتعالى- بهذه الصفة لنفسه، وتوعد من اتصف بها بالعقاب الشديد.
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «قَالَ اللهُ -عز وجل- : الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحَدًا مِنْهُمْا؛ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
قال الخطابي: "وضرب الرداء والإزار مثلاً في ذلك: يقول -والله أعلم-: كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره أحد، فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق، والله أعلم".
ومقام المخلوق: مقام عبودية وخضوع، وذل وانكسار للكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام. ولعل في هذا سرًّا من أسرار ذكر الله بالتكبير عند الركوع والسجود، وذكر كبريائه وعظمته حال الركوع والسجود.
فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوْت وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَة» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
ونزه الله -سبحانه وتعالى- أنبياءه وعباده الصالحين عن الكبر، وكانوا يستعيذون من الكبر والتكبر: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ [غافر:27].
تأمل العواقـب!
ومن اتصف بها فسدت نفسه، وزال عنها صلاحها، وطبع على قلبه بالران، (كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 35]، وقال -سبحانه وتعالى- : (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) [غافر:56].
وإمام المتكبرين إبليس؛ ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [ص: 74]، وهي صفات الملوك الطغاة؛ كفرعون ومن على شاكلته من الطغاة: ﴿وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ﴾ [القصص:39].
ومن زاد ماله وكثر عياله، وبارز الله بهما؛ فقد تسلل الكبر إلى قلبه، فمنعه من قبول الحق؛ كالوليد بن المغيرة: ﴿ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ﴾ [المدثر: 23].
والكبر: سبب هلاك الأمم المكذبة بالحق؛ (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [فصلت:15].
وقال -عز وجل- عن قوم صالح -عليه السلام- : ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ [الأعراف:76].
ومآل المتكبرين: جهنم، وبئس المصير: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60].
وجاء عند الترمذي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ: طِينَةِ الخَبَالِ» [حديث صحيح] -أعاذنا الله منها-.
الـدواء:
ومن اعتراه الكبر فلينظر في باطنه نظر العقلاء، ولا ينظر إلى ظاهره نظر البهائم!
وليتذكر أصل وجوده، ومن أين خرج؟ ونهايته في هذه الدنيا.. جيفة منتنة!
حكي: "أن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء؛ فقال: يا أبا عبد الله! ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلب: أما تعرفني؟ فقال: بل أعرفك، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة".
لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمُ ... مَا اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيبُ
قال المناوي -رحمه الله- : "فينبغي للإنسان أن لا يحتقر أحدًا؛ فربما كان المحتقَر أطهرُ قلبًا، وأزكى عملًا، وأخلص نية، فإنَّ احتقار عباد الله يورث الخسران، ويورث الذُّل والهوان".
قال ابن تيمية: "العاصي الخائف خير من العابد المتكبر".
وعلى العاقل بالتواضع ومجالسة العلماء وضعاف الناس، وعيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين وأهل البلاء، والنظر في سير المتكبرين وأخبارهم؛ كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟
كَأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ بِأَخْبَارِ مَنْ مَضَـى
وَلَمْ تَرَ فِي البَاقِينَ مَا يَصْنَعُ الدَّهْرُ
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ دِيَارُهُمْ
مَحَاهَا مَجَالُ الرِّيحِ بَعْدَكَ وَالقَبْرُ
اللهم! إنا نسألك باسمك المتكبر: أن ترحم ضعفنا، وتستر عيبنا، وتغفر ذنبنا، ولا تجعلنا من المتكبرين؛ يا رب العالمين!
21 - 22
الخَالِقُ الخَلاَّقُ -جل جلاله-
تِلْكَ الطَّبِيعَةُ قْفْ بِنَا يَا سَارِي ... حَتَّى أُرِيكَ بَدِيعَ صُنْعِ البَارِي ... الأَرْضُ حَوْلَكَ وَالسَّمَاءُ اهْتَزَّتَا ... لِرَوَائِعِ الآيَاتِ وَالآثَارِ
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الوُجُوْدَ مُصَوِّرًا ... تِلْكَ الدُّمَى وَمُقَدِّرِ الأَقْدَارِ
من الذي خلق السماوات والأرض؟ من الذي خلق الحب والنوى؟ من الذي فلق الإصباح، وجعل الليل سكنًا، والشمس والقمر حسبانًا؟ من الذي بدأ خلق الإنسان من طين؟ من الذي أنشأ الخليقة من نفس واحدة؟ من الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؟
(هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) [لقمان:11].
سبحان من بهرت عظمته عقول العارفين!
سبحان من ظهرت بدائعه لنواظر المتأملين!
سبحان من بهرت أنواره بصائر السالكين!
﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون:14].
نقف مع اسمين من أسماء الله -عز وجل- وهما: (الخالق والخلاق -جل وعلا- ):
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الحِجر:86]، وقال: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر:24].
وربنا الذي أوجد الأشيا جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وقد أبدعها على غير مثال سابق، وأفعال الله -سبحانه وتعالى- مُقَدَّرة على مقدار ما قدرها عليه.
عظمـة الخالـق..
كل ما في الكون خلقه، وهو ناطق معترف بألوهيته وربوبيته، وكل ما تراه حولك -وما لا تراه- دليل على الله؛ فهو الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصورها بحكمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا الوصف العظيم.
كسا العظام لحـمًا، واللحم جلدًا، وألبس البهائم صوفًا ووبرًا، ونفخ الروح في الجنين وهو في بطن أمه، ثم أخرجه ورزقه وحفظه وعلمه، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل له عينين ولسانًا وشفتين، وهداه النجدين، ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ﴿7﴾ فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴿8﴾﴾ [الانفطار:7-8]، ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون:14].
وَكَذِلِكَ يَشْهَدُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ... الخَلَّاقُ بَاعِثُ هَذِهِ الأَبْدَانِ
ربُّنا -تبارك وتعالى- خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].
تناغـم الكـون:
وجميع المخلوقات لم تخلق لهوًا أو عبثًا أو لعبًا -تنزه الله وتقدس عن ذلك!-، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16].
فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب ونعوته -تبارك وتعالى- ، فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتناديها، وتدل عليها.
تَأَمَّلْ سُطُوْرَ الكَائِنَاتِ فَإِنَّها ... مِنَ المَلِكِ الأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ ... وَقَدْ خُطَّ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا ... أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ
تُشِيرُ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِرَبِّهَا ... فَصَامِتُهَا يَهْدِي وَمَنْ هُوَ قَائِلُ
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر:49].
ﻳﻘﻮﻝ الأطباء: ﺇﻥَّ ﻓﺘﺤﺔ اﻟﺤﻨﺠﺮﺓ قد قدرت تقديراً ﺩﻗﻴﻘًﺎ جدًّا؛ ﺣﻴﺚ ﻟﻮ اﺗَّﺴﻌﺖ قليلًا جدًّا ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤّﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻻﺧﺘﻔﻰٰ ﺻﻮﺕ اﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻟﻮ ﺿﺎﻗﺖ قليلًا جدًّا ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤَّﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻷﺻﺒﺢ اﻟﺘَّﻨﻔُّﺲ ﻋﺴﻴﺮًا"، ﻓﺈﻣَّﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﺘَّﻨﻔُّﺲ ﻣﺮﻳﺤًﺎ ﻭﻳﺨﺘﻔﻲ اﻟﺼﻮﺕ، أو ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﺼﻮﺕ ﻭاﺿﺤًﺎ ﻭ ﻳﺼﻌﺐ اﻟﺘَّﻨﻔُّﺲ.
(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل: 88].
ﻟﻮ ﺃﻥ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺯاﺩﺕ عن ﺣﺪِّﻫﺎ اﻟﺬﻱ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻷﺻﺒﺤﺖ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﺟﺤﻴﻤًﺎ!
إنك ﺇﺫا ﻧﻈﺮﺕ إلى ﻛﺄﺱ اﻟﻤﺎء اﻟﺬﻱ ﺗﺸﺮﺑﻪ اﻵﻥ، ﺗﺮاﻩ ﺻﺎﻓﻴﺎً ﻋﺬﺑﺎً ﻓﺮاﺗﺎً ﺭاﺋﻘًﺎ، ﻟﻮ ﺃﻥ قوَّة اﻟﺒﺼﺮ ﺯاﺩﺕ قليلًا، ودقَّت ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤَّﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﺮﺃﻳﺖ ﻓﻲ هذا اﻟﻜﺄﺱ اﻟﻌﺠﺐ اﻟﻌﺠﺎﺏ! ﻟﺮﺃﻳﺖ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ اﻟﺤﻴﺔ، ﻭ اﻟﺠﺮاﺛﻴﻢ ﻏﻴﺮ اﻟﻀﺎﺭَّﺓ، ﺑﻌﺪﺩ ﻻ ﻳﺤﺼﻰ، ﺇﻧﻚ ﻟﻦ ﺗﺸﺮﺏ اﻟﻤﺎء ﻋﻨﺪﻫﺎ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49].
ﻭ ﻟﻮ ﺃﻥ قوَّة اﻟﺴﻤﻊ اﺭﺗﻔﻊ ﻣﺴﺘﻮاﻫﺎ قليلًا ﻟﻤﺎ ﺃﻣﻜﻨﻚ ﺃﻥ ﺗﻨﺎﻡ اﻟﻠﻴﻞ؛ ﻷﻥ اﻷﺻﻮاﺕ ﻛﻠﻬﺎ ﺗﺘﻠﻘَّﻔﻬﺎ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﺃﺻﻮاﺕ ﺟﻬﺎﺯ اﻟﻬﻀﻢ في معدتك ﻭﺣﺪﻩ ﺗﻜﺎﺩ ﺗﻜﻮﻥ ﻛﺎﻟﻤﻌﻤﻞ اﻟﻜﺒﻴﺮ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر:49].
ولو ﺃﻥ حاسَّة اللَّمس ﺯاﺩﺕ ﻟﺸﻌﺮﺕ ﺑﺎﻟﻜﻬﺮﺑﺎء اﻟﺴﺎﻛﻨﺔ اﻟﺘﻲ تحوِّل ﺣﻴﺎﺗﻚ ﺟﺤﻴﻤًﺎ ﻻ ﻳﻄﺎﻕ، ﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات:21].
(هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) [لقمان:11].
وتعجب من بعض ذوي الفطر المنكوسة، والأنفس المريضة! يجادلون في الله مع أنه مغروس في ضمائرهم: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل: 14].
﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [لقمان:25].
اطمئن!
والمؤمن يعلم أنه عزيز بالخالق؛ فتطمئن نفسه، ويعلم أن الذي خلقه لن يهمله، وأن الله حافظه، وأنه على خير في ضرائه وسرائه، وفي غناه وفقره، وفي شدته ورخائه، ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [يونس:62].
اللهم! إنا نسألك باسمك الخالق أن تجعلنا من أوليائك.
23
الــبــــَارِئُ -جل جلاله-
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ -عليهما السلام- : لَأَطُوفَنَّ اللَيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ؛ كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ؛ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ.
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ؛ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» [متفق عليه].
ليس للعبد وصول إلى حاجته إلا من باب الله -عز وجل- ؛ فالله هو: ﴿ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الحشر:24].
فاللهم لك الحمد! أنعمت علينا بنعمة الإيجاد بعد أن لم نكن شيئًا مذكورًا: ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا﴾ [الإنسان:1].
وامتدح الله -عز وجل- ذاتَه العليَّة باسمه: (البارئ -جل وعلا- ) بقوله: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر:24].
والبرء في اللغة: له معنيان؛ الأول: الخلق.
والثاني: التباعد عن الشي وخلوصه منه.
وبرئ: إذا تنزَّه وتباعد.
فربُّنا البارئ: الموجد والمبدع من العدم إلى الوجود، وهو الذي فضل بعض الخلق على بعض، وميز كل جنس عن الآخر، وصور كل مخلوق بما يناسب الغاية من خلقه؛ فهو يخلق الشيء من لا شيء، ويبرؤه بالخاصية التي تُمَيِّزُهُ عن بقية الخلق.
وهو -سبحانه وتعالى- خلق الخلق بريئًا من التفاوت والتنافر؛ ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ﴾ [الملك: 3].
وربُّنا البارئ المنزَّه عن كل النقائص والعيوب في ذاته وصفاته وأفعاله.
وَفِي اسْمِهِ البَارِي يُرَى كُلُّ خَلْقِهِ
وَأَلْطَافُهُ تَتَرَى دَوْمًا وَتَنْزِلُ
فَسُبْحَانَ مَنْ كُلُّ الوَرَى سَجَدُوْا لَهُ
إِذَا سَبَّحُوْا أَوْ كَبَّرُوْا أَوْ هَلَّلُوْا
قال ربنا -سبحانه وتعالى- : (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر:24].
والخلق: التقدير.
والبرء: الإيجاد من العدم.
والتصوير: هو إعطاء الصورة.
فالله -عز وجل- إذا أراد خلق شيءٍ قدره بعلمه وحكمته ثم برأه -أي: أوجده-؛ وفق ما قدره في الصورة التي شاءها وأردها -سبحانه وتعالى- .
ليست صدفة..
قيل لأحد الحكماء: بم عرفت الله؟ قال: بخطوط أقلام القدرة على أوراق الكائنات؛ (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة:7]، (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الدخان:39].
تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا خَلَقَ المَلِيكُ ... عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ ... بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى كَثَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
(قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [يونس:101]، هل هناك إلا صنعه وبديع خلقه، وعجيب قدرته، وآثار حكمته؟! فمن أحق بالألوهية؟ أليس الذي يخلق أولى أن يعبد، وأن يحمد، وأن يوحد؟!
وأكثر الناس تعلم أنها خلق الله؛ ولكن أكثرهم يشركون؛ ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾ [يوسف:106]، فاقتسم الناس إلى صنفين:
المؤمنون: وهم خير البرية.
والمشركون: وهم شر البرية.
والعبد ينظر إلى فعله؛ فإن كان خيرًا فليحمد الله؛ حيث خلقه أهلًا للخير، ولو ترك نفسه لهواها ولم يقمعها بتقوى الله؛ لكان من شر البرية.
ومن هنا أمر موسى -عليه السلام- قومه بالتوبة إلى الله البارئ؛ حين انحرفوا عن الإيمان بالله، فصنعوا لهم صنـمًا من حليهم على شكل عجل: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة:54].
والمؤمن كلما علم اسمًا من أسماء الله الحسنى وتعلمه؛ ازداد شرفًا ورفعةً، وازداد شوقًا ومحبةً لله -عز وجل- ، وتقرب إلى الله بمعرفة هذا الاسم.
وعلم أن الله -عز وجل- على كل شيء قدير.
اللهم يا بارئ! الطف بنا، وأنزل علينا رحماتك.
24
المُصَــوِّرُ -جل جلاله-
قال ابن القيم -رحمه الله- : "وإذا تأملت ما دعى الله -سبحانه وتعالى- في كتابه عباده إلى الفكر فيه؛ أوقعك على العلم به -سبحانه وتعالى- وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله".
كَمْ فِي كِتَابِ الكَوْنِ مِنْ عِبَرٍ ... لِأُوْلِي النُّهَى وَالبَحْثِ وَالنَّظَرِ
فِي الأَرْضِ فِي الآفَاقِ قَاطِبَةً ... فِي النَّفْسِ فِي الأَصْوَاتِ فِي الصُّوَرِ
نقف مع اسم الله (المصور -تبارك وتعالى- ):
قال -سبحانه وتعالى- : (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر:24].
فربُّنا -سبحانه وتعالى- الذي صوَّر خلقه كيف شاء، وصور جميع الموجودات؛ ورتبها فأعطى كل شيء منها صورةً خاصةً، وهيئةً مفردةً يتميز بها على اختلافها وكثرتها، وقد صور -سبحانه وتعالى- كل صورة على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار، وهو ينفذ ما يريد على الصفة التي يريدها: ﴿فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:8].
فربُّنا -سبحانه وتعالى- هو الذي هيأ خلقه وعدلهم إلى الأشكال والهيئات التي توافق تقديره وعلمه ورحمته، والتي تتناسب مع مصالح الخلق ومنافعهم؛ فأتت على صور مختلفة، وهيئات متباينة؛ من الطول والقصر، والحسن والقبح، والذكورة والأنوثة، كل واحد بصورته الخاصة.
قال -سبحانه وتعالى- : (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف:11]، وقال: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن:3].
يَا عَالِمَ الغَيْبِ مِنَّا وَالشَّهَادَةِ يَا
رَبَّ البَرِيَّةِ تَرْكِيبًا وتَصْوِيرًا
شَهِدتُّ أَنَّكَ فَرْدٌ وَاحِدٌ أَحَدٌ
شَهَادَةً لَمْ تَكُنْ مَيْنًا وَلَا زُوْرًا
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ فِي سِرِّيِ وَفِي عَلَنِيِ
إِلَيْكَ حَمْدًا وَتَهْلِيْلًا وَتَكْبِيرًا
وقال -سبحانه وتعالى- : (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر:24]، فالأسماء الثلاثة: (الخالق، والبارئ، والمصور) إذا اجتمعت دل كل واحد منها على معنًى؛ فالخلق هنا: التقدير، والبرء هنا: الاختراع، والتصوير هنا: إعطاء كل شيء صورته، وعند افتراقها فالمعنى واحد.
فربُّنا -سبحانه وتعالى- أراد وقدَّر ثم برأ، أي: خلق وأوجد، ثم خص كل مخلوق بالصورة والهيئة المناسبة: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91].
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في سجوده: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ» [أخرجه مسلم].
أكـمـل الـدلالات:
خلقُ الإنسان: آية للمتوسمين، وعبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين؛ ﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات:21].
وفي نفس الإنسان وخلقه: أعظم الدلائل على خالقه وفاطره.
وأقرب شيء إلى الإنسان: نفسه، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله -جل وعلا- ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه، ولكن الإنسان معرض عن ذلك، ولو تأمل قليلًا لانزجر عن كفره وجحوده، ﴿قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ﴿17﴾ مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ﴿18﴾ مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ﴿19﴾ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ﴿20﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ﴿21﴾ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ﴿22﴾﴾ [عبس:17-22].
يعيش فوق الأرض ما يزيد على سبعة مليارات نسمة، كل واحد منهم تغاير صورته صورة غيره في الملامح والسمات والألوان والهيئات.. والأب واحد والأم واحدة: آدم وحواء، ولكنه صنع الله -تبارك وتعالى- ؛ (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل: 88]، ألا يستوجب ذلك: الشكر؟! والعبد يرى نعم الله -سبحانه وتعالى- عليه منذ كان نطفةً في بطن أمه، ثم صور سمعه وبصره ونفخ فيه من الروح، ثم غذاه وسقاه وكساه وآواه وكفاه، ومن كل ما سأل أعطاه؛ ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ﴿8﴾ وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ﴿9﴾ وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ﴿10﴾﴾ [البلد:8-10].
ومن أعظم الشكر: استخدام نعم الله -عز وجل- في طاعته، وإبعادها عن معصيته وما يغضبه.
وأخيرًا..
العاقل لا يسخر من صور الناس ولا من أشكالهم؛ لأنه يعلم بأن الله هو الذي خلقهم، ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران:6].
فالله هو: الخالق البارئ المصور؛ فليس لصاحب الشكل الذميم ذنبٌ فيُعَيَر ويُلام، وليس لصاحب الشكل الجميل فضلٌ أو يدٌ فيُشكَر ويُزَان.
قال رجل لحكيم: "يا قبيحَ الوجه! فقال: ما كان خَلْقُ وجهي إلىَّ فأحسنه، فمن ذمَّ صنعةً، فقد ذم صانعها"، وفي الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ خَلْقِ اللهِ -عز وجل- حَسَنٌ» [«السلسلة الصحيحة» للألباني].
فإذا رأيت مبتلىً؛ فاحمدِ الله أن يعافيه، وكما قيل: "لا تسخر من أخيك، فيعافيه الله ويبتليك".
وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فيقول: "البلاء موكَّل بالقول، لو سخرتُ من كلبٍ لخشيت أن أكون كلبًا".
وعن إبراهيم النخعي -رحمه الله- أنه قال: "إني لأرى الشيءَ مما يُعاب، ما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أُبتلى بمثله".
اللهم يا خالق يا بارئ يا مصور! نسألك: أن تجعلنا من خيرة خلقك، وترحمنا يوم العرض عليك.
25
العـــَفـُـوُّ -جل جلاله-
لما سمع المذنبون: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا﴾ [النساء:99]؛ رفعوا أكف الضراعة، ونثروا شكواهم بين يديه، وأناخوا مطاياهم ببابه، ولاذوا بجنابه، وكثر استغفارهم، ونادوا: يا عفو.. يا غفور! ليس لنا سواك.
فنظر الكريم العفو إلى حالهم، واطلع على سرائرهم؛ فحط عنهم الخطايا، ومحا عنهم السيئات، ورفع لهم الدرجات.
فسبحان العفو! وسبحان من اختارهم لعفوه، واصطفاهم لمغفرته!
فإذا نزلت بك النوازل، وألمت بك الخطوب، أو أثقلتك الذنوب؛ فاهتف باسمه، واطلب عفوه.
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوْبِي كَثْرَةً ... فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ ... إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوْكَ إِلَّا مُحْسِنٌ ... فَبِمَنْ يَلُوْذُ وَيَسْتَجِيرُ المُجِرِمُ تَضَرُّعـًا
أَدْعُوْكَ رَبِّ كَمَا أَمَرَتَ ... فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ
قال الله -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج:60].
ربُّنا -سبحانه وتعالى- كثير الصفح عن ذنوب عباده؛ إلى ما لا نهاية له، فهو -جل وعلا- يتجاوز عن الذنوب، ويزيل آثارها عنهم بالكلية؛ فلا يطالب بها العباد يوم القيامة، ويمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، بل وينسيها من قلوبهم كي لا يخجلوا عند تذكرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنةً.
وربُّنا -سبحانه وتعالى- هو الذي كان -ولا يزال- بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ورحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو من أتى بأسبابهما.
وهو -سبحانه وتعالى- يقبل العفو، وهو: السهل، وذلك بتيسير الواجبات على عباده، لـما يقع من العبد من تقصير وضعف، فالله أوجب الوضوء لـمن أراد الصلاة إذا انتقض وضوؤه، ولكنه عفا عمن لا يجد الماء بأن يتيمم؛ مراعاةً لضعف عباده.
قيل: العفو أبلغ من المغفرة؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر.
وعفـوه نـوعان:
عفوه العامُّ: ويكون عن جميع المجرمين من الكفار وغيرهم؛ بدفع العقوبات المنعقدة بأسبابها، والمقتضية لقطع النعم عنهم، فهم يؤذونه بالسب والشرك، وهو يعافيهم ويرزقهم، ويبسط لهم الدنيا، ويمهلهم ولا يهملهم بعفوه وحلمه، فخير الله إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد، الله غني عن عبادة العباد، وهو يتودد إليهم بنعمه، وهم يتبغضون إليه بالمعاصي وهم الفقراء إليه.
وعفوه الخاصُّ، وهو: مغفرته للتائبين والمستغفرين والداعين والعابدين والمصابين بالمصائب، المحتسبين من المؤمنين.
إنه العـفـو..
ومن جلال عفوه -تبارك وتعالى- : أنه من عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة، فهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله -جل وعلا- مع أوليائه.
ومن جلاله -تبارك وتعالى- : أنه كما يعفو في الدنيا عن المذنبين التائبين؛ فإنه -عز وجل- في الآخرة يعفو عن الموحدين المصرين.
ومن جلاله -عز وجل- : أنه يعفو عن ذنب عبده مهما كان جرمه؛ حتى عن حقه -سبحانه وتعالى- ، ويبدل سيئاته حسنات، فمن الذي يكافئ الذنب بمثل هذا غير الرب -سبحانه وتعالى- ؟ وإنه لولا جلال عفوه لغارت الأرض بأهلها؛ لكثرة ما يرتكب من المعاصي على ظهرها.
ومن جلال عفوه -عز وجل- : أنه دل عباده على الأسباب التي ينال بها عفوه الكريم؛ من الأعمال والأخلاق والأقوال والأفعال، فإن العبد إذا أكثر من الأعمال الصالحة غلبت على كثير من ذنوبه وخطاياه.
عـد إليـه!
العفوُّ -تبارك وتعالى- يناديك من فوق سبع سماوات بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60]، فما الذي يبطئك عن كرمه؟! وما الذي يجعلك تتأخر عن الانضمام لركب الأوابين والتوابين؟
إذا طرق الناس أبواب ملوك الدنيا، ووقفوا أذلاء بساحتهم؛ فقف أنت متذللًا بساحة ملك الملوك الإله الأكرم العفو؛ الذي بيده مفاتيح الفرج، وبيده السعادة، بيده العفو والمغفرة.
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [التوبة:104]، قال بلال ابن سعد : "إن لكم ربًّا ليس إلى عقاب أحدكم بسريع، يقيل العثرة، ويقبل التوبة، ويقبل على المقبل، ويعطف على المدبر".
وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ! إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ؛ فَاعْفُ عَنِّي» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه].
قال ابن القيم -رحمه الله- : " فإن عفا عنك؛ أتتك حوائجك من دون مسألة".
وقال سفيان الثوري -رحمه الله- : "ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبي وأمي؛ لأني أعلم أن الله -سبحانه وتعالى- أرحم بي منهما".
وَلَـمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا ... تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفُوِكِ رَبِّي صَارَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا لَمْ تَزَلْ
وَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ ... تَجُوْدُ وَتَعْفُوْ مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
مفتـاح العـفـو:
قال العلماء: إن أحب الخلق إلى الله -سبحانه وتعالى- : من اتصف بمقتضيات أسمائه وصفاته، فهو -تبارك وتعالى- رحيم يحب الرحماء، عفو يحب العافين عن الناس، فالله -سبحانه وتعالى- يكون لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه، فالله قال -عز وجل- : ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران:159].
وحبل العفو مع المقدرة من أقرب منازل التقوى؛ بل من كرمه وجوده: أنه يقابل عفو العباد بعفو أكبر، قال -عز وجل- : ﴿إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا﴾ [النساء:149].
وفي حادثة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- عندما حلف ألا ينفق على مسطح (أحد أقاربه) بعد أن قذف عرض زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- عائشة -رضي الله عنها- ، في حادثة الإفك المعروفة، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [النور:22].
فمن عفا رجاء ما عند الله؛ أعطاه الله -سبحانه وتعالى- فوق ما يأمله في الدنيا والآخرة.
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» [أخرجه مسلم].
قال النووي -رحمه الله- : "من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظُم في القلوب، وزاد عِزَّه وإكرامه".
خطب الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان خطبةً بليغةً، ثم قطعها، وبكى بكاءً شديدًا، ثم قال: "يا رب! إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي.
فبلغ ذلك الحسن البصري؛ فبكى، وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام!".
ودعا أعرابي: "اللهم! إنك أمرتنا أن نعفوا عمن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا".
ونحن ندعوك: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23].
اللهم! إنك عفو تحب العفو؛ فاعف عنا؛ يا أرحم الراحمين!
26 - 27
الغَـفُوْرُ الغَــفَّــارُ -جل جلاله-
جاء عند الطبراني بإسناد صحيح من حديث أبي طويل: أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها، فلم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجةً ولا داجةً إلا أتاها، فهل له من توبة؟
قال: «فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟» قال: أما أنا؛ فأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، قال: «نَعَمْ؛ تَفْعَلُ الخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ»، قال: وغدراتي وفجراتي؟! قال: «نَعَمْ»، قال: الله أكبر! فما زال يكبر حتى توارى.
وَإِنِّي لَأَدْعُوْ اللهَ أَطَلُبُ عَفْوَهُ
وَأَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَعْفُوْ وَيَغْفِرُ
لَئِنْ أَعْظَمَ النَّاسُ الذُّنُوْبَ فَإِنَّهَا
وَإِنْ عَظُمَتْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ تَصْغُرُ
حديثنا عن اسم ما سمع به مذنب ولا مؤمن إلا تعلق قلبه به، وفرح به فرحًا شديدًا، وفتح له باب أمل؛ إنه: اسم الله (الغفور والغفار -تبارك وتعالى- ).
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿۞ ۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الحجر:49]، وقال: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا﴾ [نوح:10]، وقال: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النجم:32].
وأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية.
وربُّنا -سبحانه وتعالى- هو الساتر لذنوب عباده، المغطيهم بستره؛ فلا يطلع على ذنوبهم أحد غيره، المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم.
فهو -عز وجل- يغفر ذنوب عباده مرة بعد مرة، إلى ما لا يحصـى، كلما تكررت توبة العبد من الذنب تكررت المغفرة من الله -عز وجل- .
البـاب مـفـتـوح..
ذكر الطبراني وغيره: أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! أحدنا يذنب الذنب؟ قال: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ»، ثم قال: يستغفر منه ويتوب؟ قال: «يُغْفَرُ لَهُ وَيُتَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا» [حديث حسن. وهو في «المعجم الكبير والأوسط»].
وَهُوَ الغَفُورُ فَلَوْ أَتَى بِقُرَابِهَا ... مِنْ غَيَرِ شِرْكٍ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ
لَأَتَاهُ بِالغُفْرَانِ مِلءَ قُرَابِهَا ... سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ
فتح الله -عز وجل- بابه لكل التائبين والمذنبين والخطائين؛ فقال -سبحانه وتعالى- : ﴿۞ ۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]، بل نادى من فوق سبع سماوات الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة؛ ناداهم بالتوبة؛ حتى يغفر لهم؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة:74].
جميع الذنوب تُغفر؛ عدا من أقبل على الله وهو مشرك: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48].
والآيات في هذا كثيرة.
وأما السنة؛ ففي الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ -تبارك وتعالى- : يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي؛ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي؛ غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْـرِكُ بِي شَيْئًا؛ لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
هذا لمن جاء بالاستغفار مجردًا عازمًا على عدم العودة، صادقًا في توبته، وإذا علم الله صدقه بدل سيئاته حسنات، وهذا من جوده وكرمه على عباده.
لا تـقـنـطــوا!
والأعمال الصالحة مكفرة للذنوب، قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود:114]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- : «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» [حديث حسن. رواه الترمذي].
والمصائب التي تصيب العبد -سواء في نفسه أو في ولده أو ماله- تكفر سيئاته؛ إذا احتسب ثوابها، وصبر، ورضي بقضاء الله -تبارك وتعالى- .
والله -عز وجل- أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل فقد راحلته في فلاة وعليها طعامه وشرابه ثم وجدها.
ومهما عظم الذنب أو تكرر من العبد؛ فإن الله أوسع في رحمته ما دام العبد يستغفر: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف:156]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- فيما يحكيه عن ربه -عز وجل- ، قال: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ -تبارك وتعالى- : أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ -تبارك وتعالى- : عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ؛ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ -تبارك وتعالى- : أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ! فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» [أخرجه مسلم]، أي: ما دمت تائبًا أوَّاهًا منيبًا.
انـكـسـر لمـولاك!
وباب الله -عز وجل- مفتوح لكل التائبين والمنيبين، وهو لم يزل ولا يزال عفوًا غفورًا، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ﴾ [طه: 82]، ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاتت العدَّ والإحصاء؛ فليستغفر الله مما عَلِم الله، فإن الله قد علم كل شيء وأحصاه .
وهذا لا يعني: أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب، ويتجرأ على معصية الله بحجة: أن الله غفور رحيم! فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا﴾ [الإسراء:25]، قال الفضيل ابن عياض -رحمه الله- : " استغفــارٌ بِـلا إقــلاع.. تــوبـةُ الكــذَّابيـن".
حـبـل النـجـاة..
وقد أمر جميع الخلق بالاستغفار وعلى رأسهم: الأنبياء؛ ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا﴾ [نوح:10]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «وَاللهِ! إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» [أخرجه البخاري]، هذا في حق الأنبياء؛ فمن دونهم أولى بالاستغفار. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي بْنِ أبي طالب -رضي الله عنه- : «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؛ وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ؟»، قَالَ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَلِيُّ العَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ» [صحيح، رواه الترمذي].
وقال علي -رضي الله عنه- : "العجب ممن يهلك ومعه النجاة! قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار"، وقال قتادة -رحمه الله- : "القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم؛ أما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار".
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- : "الذنوب سبب للضُّر؛ والاستغفار يزيل أسبابه؛ كما قال -سبحانه وتعالى- : (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال:33]".
قال ابن كثير: "ومن اتصف بهذه الصفة أي : صفة "الاستغفار" يسر الله عليه رزقه. وسهَّل عليه أمرَه. وحفظ عليه شأنه وقوته".
أَشْكُوْ إِلَيْكَ ذُنُوْبًا لَسْتُ أُنكِرُهَا ... وَقَدْ رَجَوْتُكَ يَا ذَا المَنِّ تَغْفِرُهَا ... مِنْ قَبْلِ سُؤْلِكَ لِي فِي الحَشْرِ يَا أَمَلِي ... يَوْمَ الجَزَاءِ عَلَى الأَهْوَالِ تَذْكُرُهَا
أَرْجُوْكَ تَغْفِرُهَا فِي الحَشْرِ يَا أَمَلِي ... إِذْ كُنْتَ سُؤْلِي كَمَا فِي الأَرْضِ تَسْتُرُهَا
وسر الجمع بين (لا إلهَ إلا الله) و(الاستغفار) في قوله -سبحانه وتعالى- : ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ﴾ [محمد:19]: "إن التوحيد يُذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه.
فأبلغ الثناء: قول: لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء: قول: أستغفر الله، فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين والمؤمنات".
اللهم! اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين؛ يا رب العالمين!
28
الكَبِــيرُ -جل جلاله-
على عـتـبـة البـاب ..
ربك -سبحانه وتعالى- ذو الجبروت وذو الملكوت، الكبير المتعالي؛ أنزل حوائجك ببابه، واجعل قلبك منكسرًا عنده، وأخبت إليه؛ سيقضي حوائجك، ويرفع مرضك، ويقضي دينك، ويزيل همك، ويخلق الابتسامة على ثغرك..
إنه الله الكبير -تبارك وتعالى- .
أمانيك مع الله الكبير.. حقائق.
وتطلعاتك مهما بلغت فإنها مع الكبير.. صغيرة.
ورغباتك مع الكبير.. ستهدى إليك، وأشواقك ستهب عليك.
إنه الكبير -تبارك وتعالى- ؛ ملجؤك من الخوف، ومعينك على نوائب الدهر.. إنه الله الكبير، ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ﴾ [الرعد:9].
فربُّنا الكبير -تبارك وتعالى- ؛ الذي كبر وعلا في ذاته، فلا أكبر ولا أعظم منه -عز وجل- على الإطلاق، (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر:67].
وربُّنا -تبارك وتعالى- هو الكبير في أوصافه؛ فكلها كمال وعظمة وجلال، لا سمي له فيها، ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير.
وربُّنا -تبارك وتعالى- هو الكبير في أفعاله، فعظمة خلقه تشهد بجلال أفعاله، ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [غافر:57].
ربُّنا -تبارك وتعالى- الكبير العظيم ذو الكبرياء، الذي صغر دون جلاله وعظمته كل كبير.
وربُّنا -عز وجل- كبر وتعالى عن كل النقائص والمساوئ والعيوب.
وربُّنا -عز وجل- هوَ الذي تكبر عن كل سوء وشر وظلم؛ (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد: 9]، (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [غافر:12].
لَكَ الحَمْدُ وَالنَّعْمَاءُ وَالمُلْكُ رَبَّنَا
وَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْكَ مَجْدًا وَأَمْجَدُ
فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ
وَمَنْ هُوَ فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
قـصرت العـقـول!
والله -جل وعلا- : أكبر من كل شيء، وأكبر من أن نحيط به علمًا؛ (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه:110].
فالله -تبارك وتعالى- : أكبر من أن نعرف كيفية ذاته أو صفاته؛ ولذلك نهينا عن التفكر في الله؛ لأننا لن ندرك ذلك بعقولنا الصغيرة القاصرة المحدودة، جاء عند الطبراني في «الأوسط»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَفَكَّرُوْا فِي آلَاءِ اللهِ، وَلَا تَفَكَّرُوْا فِي اللهِ -عز وجل- » [حديث صحيح]، وجلال كبريائه -عز وجل- لا يعلمه إلا هو؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ فاختص الله -عز وجل- به.
أبـلـغ لـفـظ ..
فالله -عز وجل- أكبر من كل شيء؛ ذاتًا وقدرًا ومعنًى وعزةً وجلالةً؛ ولهذا يقال: إن أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: (الله أكبر)؛ لكونها أكمل من صفة العظمة؛ فقولنا: (الله أكبر) يتضمن: العظمة ويزيد عليها في المعنى.
ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: (الله أكبر)؛ فإن ذلك أكمل من قوله: (الله أعظم)، كما جاء في الحديث: «قَالَ اللهُ -عز وجل- : الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمْا؛ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- : "فجعل العظمة كالإزار، والكبرياء كالرداء، ومعلوم: أن الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ من التعظيم صرح بلفظه، وتضمن ذلك: التعظيم".
مفتاح الدخول على المـلـك:
ولذا؛ شرعت هذه الكلمة للدخول في الصلاة، فإن المسلم يدخل دخول العبيد على الملوك فيها، فإذا تشرف بالدخول شرع له أبلغ لفظ وهو: (الله أكبر)، وحاله يقول: "الله أكبر؛ أدخل بها على مولاي وخالقي ورازقي، والله أكبر من شواغل الحياة"، فإذا قالها مخلصًا متفكرًا بها؛ عظم الله في قلبه، وخشعت أطرافه، واستحيا من الله، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن ينشغل قلبه بغيره، ولعظم هذه الكلمة صاحبت المسلم في عبادات عديدة؛ لينال رضا الله، قال ابن القيم -رحمه الله- : "(وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72]، رضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها؛ لأن الرضا صفة الله، والجنة خلقه".
العزيـز من لاذ بـالكـبــير ..
(الله أكبر) إذا خالطت القلب؛ اعتز بها المؤمن، ووثق بالله، واعتمد عليه، وتوكل عليه، وصغر كل شيء عند كبرياء الله وعظمته.
ذكر أهل السير: "أن الحجاج بعد أن أدى الركعتين خلف المقام؛ جاء رجل فقير من أهل اليمن، وقام يطوف بالبيت، وأثناء طوافه نشبت حربة بثوب الفقير اليمني، ثم وقعت على بدن الحجاج؛ ففزع الحجاج، وقال: خذوه! فأخذه الجنود، فقال: قربوه مني؛ فقربوه منه.
فقال الحجاج: أعرفتني؟ قال: ما عرفتك! قال الحجاج: من واليكم على اليمن؟ قال: محمد بن يوسف -أخو الحجاج-، ظالم مثله، أو أسوأ منه، قال: أما علمت أني أنا أخوه؟ قال: أنت الحجاج؟ قال: نعم، فقال الفقير: بئس أنت! وبئس أخوك! قال: كيف تركت أخي في اليمن؟ قال: تركته بطينًا سمينًا، قال: ما سألتك عن صحته، إنما سألتك عن عدله، قال: تركته غاشمًا ظالـمًا، قال: أما علمت أنه أخي؟ أما تخاف مني؟ قال: أتظن يا حجاج أن أخاك يعتز بك أكثر من عزتي بالواحد الأحد؟!"، قال طاووس -الراوي-: "والله! لقد قام شعر رأسي! ثم أطلق الحجاج الرجل؛ فجعل يطوف بالبيت لا يخاف إلا الله".
أَكْفَانُهُمْ بِدِمَاءِ البَذْلِ قَدْ صُبِغَتْ
اللهُ أَكْبَرُ مِنْ سَلْسَالِهَا رَشَفُوْا
فِي كَفِّكَ الشَّهْمِ مِنْ حَبْلِ الهُدَى طَرَفٌ
عَلَى الصِّرَاطِ وَفِي أَرْوَاحِنَا طَرَفُ
ما الأمر الكبير والكرب الشديد والهم العظيم الذي سيستعصي على الله الكبير؟
إِذًا؛ الكبير هو الله -عز وجل- ، وكل كبير رأيته أو سمعت به أو علمته؛ فالله ربه، وهو أكبر منه، فكيف يمكن لكروب أن تصمد أمام إرادة رب العزة والكبرياء والعظمة؟
فالله الكبير -تبارك وتعالى- ، وهو الذي سيحول مشكلاتك إلى حلول، وكل آلامك إلى عافية، وكل أحلامك إلى واقع، وكل دموعك إلى ابتسامات.
فَالْزَمْ يَدَيْكَ بِحَبْلِ اللهِ مُعْتَصِمًا
فَإِنَّهُ الرُّكْنُ إِنْ خَانَتْكَ أَرْكَانُ
اللهم! إنا نسألك باسمك الكبير: أن تمن علينا بدخول الجنة والنجاة من النار.
29 – 30 - 31
الأَعْـلَى الـعـــَلِــيُّ المُـتَـعــَالِ -جل جلاله-
إذا وقعت المصيبة، وحلت النكبة، وجثمت الكارثة؛ اتجه القلب إلى الأعلى، وارتفعت الأيادي إلى العلي، ونظرت الأعين إلى السماء تنتظر الفرج من العلي الأعلى المتعال.
فربُّنا -عز وجل- هو: الأعلى والعلي والمتعال، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]، وقال: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى: 1]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9].
فربنا الأعلى - العلي - المتعال: الذي لا أعلى منه له العلو المطلق من جميع الوجوه:
* علو ذات: فربنا -سبحانه وتعالى- مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، علا على جميع الكائنات، ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾ [طه:5].
* علو قدر: فهو -سبحانه وتعالى- ذو قدر عظيم، صفاته صفات كمال وجمال وجلال، فلا يقاربها ولا يماثلها صفة أحد من خلقه، بل لا يطيق العباد أن يحيطوا بصفة واحدة من صفاته سبحانه، (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه:110].
* علو قهر: فربنا -سبحانه وتعالى- قهر كل شيء، ودانت له الكائنات بأسرها، فالكل تحت قهره وسلطانه وعظمته، ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ﴾ [الأنعام:18].
عَلَى السَّمَاوَاتِ فَوْقَ العَرْشِ مُرْتَفِعًا
مُبَايِنًا لِجَمِيعِ الخَلْقِ مُتَّصِفًا
بِكُلِّ أَوْصَافِهِ العُلْيَا الَّتِي كَمُلَتْ
وَلَيْسَ هَذَا بَحَمْدِ اللهِ فِيهِ خَفَا
أين الله؟!
في «صحيح مسلم» عن الصحابي الجليل معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- قال:.. كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُد، فاطَّلعت ذاتَ يوم فإذا الذيبُ قد ذهبَ بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف -أغضب- كما يأسفون، لكني صككتها صكةً.
فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعظَّمَ ذلك علي، قلتُ: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائْتِنِي بِهَا!» فأتيته بها، فقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟»، قالت: في السماء، قال: «مَنْ أَنَا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
ومعنى كون الله في السماء؛ أي: في العلو فوق السماء، و(في) بمعنى (على)؛ كما جاء بهذا المعنى في قوله -سبحانه وتعالى- : (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه:71]، ولا يتوهم أن السماء تحيط بالله؛ فالله أعظم من أن يحيط به شيء من خلقه.
وأقف هنا -أيها القارئ!- فأقول: هل يجوز وصف الله -عز وجل- بضد ما وصف به نفسه؛ كوجود الله في كل مكان؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى»: "وهو -سبحانه وتعالى- وصف نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم؛ لأنه من صفات الكمال، كما مدح نفسه بأنه العظيم والعليم والقدير والعزيز والحليم ونحو ذلك، وأنه الحي القيوم، ونحو ذلك من معاني أسمائه الحسنى.
فلا يجوز أن يتصف بأضداد هذه، فلا يجوز أن يوصف بضد العلو وهو: السفول، ولا بضد القوي وهو: الضعيف.
بل هو -سبحانه وتعالى- منزه عن هذه النقائص المنافية لصفات الكمال الثابتة له".
هَذَا ومِنْ تَوْحِيدِهِمْ: إِثْبَاتُ ... أَوْصَافِ الِكَمَالِ لِرَبِّنَا الرَّحْمَنِ ... كَعُلُوِّهِ سُبْحَانَه فَوْقَ السَّمَاوَاتِ ... العُلَى بَلْ فَوْقَ كُلِّ مَكَانِ
فَهُوَ العَلِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ ... إِذْ يَسْتَحِيلُ خِلَافُ ذَا بِبَيَانِ ... وَهُوَ الَّذِي حَقًّا عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ... قَدْ قَامَ بِالتَّدْبِيرِ لِلأَكْوَانِ
قال -عز وجل- : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف:54]؟
وذكر الله -عز وجل- في كتابه نزول جبريل والملائكة: ﴿تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ﴾ [القدر:4]؟ والتنزيل لا يكون إلا من العلو.
وذكر -سبحانه وتعالى- أن الملائكة تعرج إليه وتصعد: ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج:4]؟
وذكر -سبحانه وتعالى- أن الأعمال الصالحة والكلام الطيب إليه يصعدان: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:10]؟
فإلى من ترفع الأعمال؟
وإذا كان ربنا -سبحانه وتعالى- بنفسه في كل مكان؛ فماذا يصنع بالتنزيل؟ -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-.
فربُّنا -عز وجل- تعالى عن الشبيه والنظير والمثيل والعديل.
وربُّنا -عز وجل- تعالى عن الصاحبة والولد: ﴿وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا﴾ [الجن:3].
وربُّنا -عز وجل- تعالى عن الشريك في ألوهيته: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الأعراف:190].
الطـريـق..
ومن عرف معنى الأسماء الثلاثة: (العلي الأعلى المتعالي)؛ عرف أن الله -عز وجل- علي بصفات الكمال، متعال عن صفات النقص، أعلى من خلقه.
ومن أعطى هذا المشهد حقه -معرفةً وعبوديةً- استغنى به، وبلغ العزة والمجد؛ ﴿وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:57].
والعُلُوُّ في الدارين يُنَال:
بالإيمان: ﴿وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ﴾ [طه: 75].
وبالعلم: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ [المجادلة:11].
وبالتواضع، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» [أخرجه مسلم].
ولما طلب أحد الصحابة -رضي الله عنهم- مرافقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة؛ قال له: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» [أخرجه مسلم]، والذكر في السجود: (سبحان ربي الأعلى)، والله -عز وجل- قال: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى: 1].
وعلل بعضهم هذا القول في السجود: بأنه غاية في الخضوع والتذلل من العبد بأشرف شيء فيه لله -عز وجل- ، وهو: وجهه؛ بأن يضعه على التراب، فناسب وهو في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه: الأعلى -جل وعلا- .
ولذلك لـما كان هذا حال العبد في تلك الهيئة كان أقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- ، قال -صلى الله عليه وسلم- : «أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» [أخرجه مسلم].
بـلـغـت المـنـى..
وبعد أن علمت أن الأرض تدار من العلي الأعلى -جل وعلا- ؛ الذي بيده ملكوت السماوات والأرض؛ فيا أيها المريض! الشافي في السماء، ويا أيها الفقير! الغني في السماء، ويا أيها الحزين! الجابر في السماء، أيها العقيم! الوهاب في السماء، أيها المدين! الرزاق في السماء، أيها المغموم! الفتاح في السماء..
فتوجه بقلبك ووجهك إلى السماء، وادع الله العلي الأعلى، وأبشر بما يسرك؛ فقد بشرت من فوق سبع سماوات بقوله -عز وجل- : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة:186].
لَكَ الحَمْدُ يَا ذَا الجُوْدِ وَالمَجْدِ وَالعُلَا
تَبَارَكْتَ تُعْطِي مَنْ تَشَاءُ وَتَمْنَعُ
إِلَهِي لَئِنْ جَلَّتْ وَجَمَّتْ خَطِيئَتِي
فَعَفْوُكَ عَنْ ذَنْبِي أَجَلُّ وَأَوْسَعُ
إِلَهِي تَرَى حَالِي وَفَقْرِي وَفَاقَتِي
وَأَنْتَ مُنَاجَاتِي الخَفيَّةَ تَسْمَعُ
إِلَهِي لَئِنْ خَيَّبْتَنِي أَوْ طَرَدْتَنِي
فَمَنْ ذَا الَّذِي أَرْجُوْ وَمَنْ لِي يَشْفَعُ
اللهم! إنا نسألك باسمك الأعلى: أن تعلي شأننا في الدنيا والآخرة.
32 - 33
القَـاهــِــرُ الـقَـهَّــارُ -جل جلاله-
روى أبو يعلى في «مسنده» عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، فَكَانُوا إِذَا تَفَرَّقُوا عَنْهَا ظَلَّلَتْهَا المَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ: (رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [التحريم:11]» [حديث صحيح].
من غرفة فرعون الطاغية تخرج إحدى أعظم نساء الأرض! ومن قصره يخرج موسى -عليه السلام- !!..
فرعون القائل: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف:127]، فما كان من القهار إلا أن قهر هذا الطاغية، وجعله عبرةً لمن خلفه: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ﴾ [يونس: 92].
فالله -سبحانه وتعالى- أثنى على ذاته العليَّة بقوله: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام:18].
فربنا -عز وجل- القاهر بعز سلطانه، المتصرف في أكوانه، لا يقهر إرادته شيء..
قهر الجبابرة، وقصم القياصرة، وخضعت له الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب، وعنت له الوجوه، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه.
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي خضعت له المخلوقات، وذلت لعزته وقوته وكمال اقتداره.
القهار -عز وجل- لجميع العالم العلوي والسفلي؛ فلا يحدث حادث ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، هذا معنى الاسمين لربنا -عز وجل- : (القاهر والقهار) .
وَكَذَا القَهَّارُ مِنْ أَوصَافِهِ ... فَالْخَلْقُ مَقْهُوْرُوْنَ بِالسُّلْطَانِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا ... مَا كَانَ فِي قَهْرِ وَلَا سُلْطَانِ
إنه القـهـار:
من الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ ومن الذي يحيي العظام وهي رميم، ويعيد الخلق كما بدأهم أول مرة، وهو أهون عليه؟ من للمظلوم إذا ظلم؟ من للضعيف إذا هضم؟
ربنا القاهر الحَكِيم -عز وجل- ؛ الذي لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يترك شيئًا سدًى، ولا يقبل فعلًا أو يشرع شرعًا إلا لحكم، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
إِلَيْكَ جَمِيعُ الأَمْرِ يُرْجَعُ كُلُّهُ
وَمِنْكَ الأَمَانِي تُرْتَجَى وَالبَشَائِرُ
فمن الذي يستحق التوحيد والعبادة؟ أليس الله الواحد القهار الذي لا كفء له.
بها جادل يوسف -عليه السلام- صاحبيه في السجن، فقال: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ [يوسف:39].
فهل رأيتم مقهورًا يستطيع لنفسه نفعًا أو ضرا؟ فكيف يطلب ويتوكل على المقهور الضعيف، والله هو الواحد القهار؟!
وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا فزع من نومه: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، العَزِيزُ الغَفَّارُ» [حديث صحيح. رواه ابن حبان].
فـوض أمـرك إليـه ..
لما علم المؤمن بأن الله هو الواحد القهار؛ أعلن الاستسلام للـه، وفوض أمره إلى الله، وتوكل عليه، ولم يعظم إلا الله، ولم يخف إلا من الله، وسقط الخوف من المخلوقين الضعفاء؛ حتى لو ادعوا القوة والقهر.
فهؤلاء سحرة فرعون لـما دخل الإيمان في قلوبهم، وعلموا أن الله هو الواحد القهار؛ كان جوابهم لطاغية الأرض فرعون عندما هددهم: ﴿قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:50].
والله -عز وجل- القاهر للطغاة والعصاة: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 18]، قهر قوم نوح بالطوفان، وقهر قوم صالح بالصيحة، وقهر قوم عاد بالريح، وقهر قوم لوط بالحجارة، وقهر قارون بالخسف، وقهر قوم سبأ بالجوع والعطش وضيق الأرزاق، وقهر بني إسرائيل بالخوف وتسليط الأعداء وكثرة القتل، وقهر قومًا منهم بالمسخ والطاعون.
فقهر الله -جل وعلا- ظاهر: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [النحل:118]، فالله الذي أطاحت صولته صولة المخلوقين، وبادت عند سطوته قوى الخلائق أجمعين؛ (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16].
يقول الرازي -رحمه الله- : "فأين الجبابرة والأكاسرة عند ظهور هذا الخطاب؟!
وأين الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون في هذا العتاب؟!
أين أهل الضلال والإلحاد، والتوحيد والإرشاد؟!
وأين آدم وذريته؟
وأين إبليس وشيعته؟
وكأنهم بادوا وانقضوا!...
زهقت النفوس، وتبددت الأرواح، وتلفت الأجسام والأشباح، وتفرقت الأوصال، وبقي الموجود الذي لم يزل ولا يزال".
وليس بالضرورة أن تُحسم جميع القضايا في الدنيا: ثمّة مظالم ستستأنف مِن جديد يوم القيامة! وتلك الحقيقة هي أشدّ وقعاً من المطارق الحامية على قلوب الظالمين .. ﴿ وأن مَرَدّنَا إِلَى الله ﴾ [غافر: 43].
قال الشافعي: "آيةٌ من القرآن هي سهمٌ في قلب الظالم، وبلسمٌ على قلب المظلوم، قيل: وما هي؟! فقال قوله -سبحانه وتعالى- : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64]".
اللهم يا ذا القهر والجبروت! اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار.
34
الوَهـَّــابُ -جل جلاله-
وَكَذِلِكَ الوَهَّابُ مِنْ أَسْمَائِهِ
فَانْظُرْ مَوَاهِبَهُ مَدَى الأَزْمَانَ
أَهْلُ السَّمَاوَاتِ العُلَا وَالأَرْضِ عَنْ
تِلْكَ المَوَاهِبِ لَيْسَ يَنْفَكَّانِ
قال الله مثنيًا على ذاته العلية بقوله: ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ﴾ [ص:9].
فربنا -تبارك وتعالى- واسع الهبات، شمل كل الكائنات في الأرض والسماوات، لا ينقطع نواله في الحال ولا في المآل، يعطي من غير سؤال ولا وسيلة، وينعم بلا سبب ولا حيلة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8]، ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ﴾ [ص:9].
إنه الوهــاب:
فسبحانه من خلاق عظيم، جواد كريم وهاب!
الكرم: صفة من صفاته، والجود: من أعظم سماته، والعطاء: من أجل هباته، فمن أعظم منه جودًا؟!
الخلائق له عاصون، وهو لهم مراقب، يكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوه، ويتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، يجود بالفضل على العاصي، ويتفضل على المسيء.
من الذي دعاه فلم يستجب له؟! أم من ذا الذي سأله فلم يعطه؟ أم من ذا الذي أناخ ببابه فنحاه؟
سُبْحَانَ مَنْ يُعْطِي المُنَى بِخَوَاطِرٍ ... فِي النَّفْسِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِنَّ لِسَانُ
سُبْحَانَ مَنْ هُوَ لَايَزَالُ وَرِزْقُهُ ... لِلْعَالَمِينَ بِهِ عَلَيْهِ ضَمَانُ
نِعم الله -تبارك وتعالى- تترى على العبد منذ كان نطفةً في بطن أمه، ثم صور سمعه وبصره ونفخ فيه الروح، ثم غذاه وسقاه وكساه وآواه وكفاه، ومن كل ما سأل أعطاه.
والله -جل وعلا- يقول للعبد: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ﴿8﴾ وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ﴿9﴾ وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ﴿10﴾﴾ [البلد:8-10]، ﴿۞ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر:15].
خلقك ورزقك، أحياك وأماتك، حباك وأعطاك، أمرضك وشفاك، أجاعك وأشبعك، أظمأك وسقاك، أضحكك وأبكاك، علمك ما لم تكن تعلم، وعرفك ما كنت تجهل، هيأ رزقك.
أجاب دعاءك، لبى نداءك، قهر عدوك، أرسل لك رسولًا، وعلمك كتابًا، وهداك منهجًا.. وبعد هذا تعصيه؟! ﴿قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ﴾ [عبس:17].
على عـتـبـة بـابـه..
هل ضاقت بك الدنيا؟
هل آلمك المرض؟
هل كبلتك الديون؟
هل هدك الفقر؟
هل رغبت بالزوجة والولد؟
هل حار ذهنك وتشتتت أفكارك؟
فعليك في هذه الساعة بالالتجاء إلى الوهاب، إلى كثير العطايا، فقط ارفع يديك وقف ببابه ولُذ بجنابه؛ وسترى كيف يصبح الجوع شبعًا، والظمأ ريا، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، وسيصل الغائب، ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام.
إنه الوهاب -سبحانه وتعالى- ؛ الذي يحول الدمعة بسمةً، والخوف أمنًا، والفزع سكينةً، بشر الليل بصبح صادق، بشر المهموم بفرج مفاجئ، بشر المنكوب بلطف خفي.
خزائن الله -سبحانه وتعالى- ملأى لا تنفد، وهو القائل: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60]، فمن دعا الله فليعظم المسألة؛ فإنه لا يتعاظمه شيء! فهذا سليمان -عليه السلام- يطلب خيري الدنيا والآخرة: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [ص:35].
وهذا زكريا يدركه الكبر وامرأته عاقر؛ ومع ذلك يقول: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [آل عمران:38].
ارجـع إلى الوهـاب!
والملك والسلطان والمال والذرية والعافية جميعها من الملك الوهاب -سبحانه وتعالى- ، ﴿وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:247]، (يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ) [الشورى: 49].
وأعظم ما يدعو العبد به ربه: دعاء أهل العلم الذين عرفوا سر مناجاة الله بأسمائه الحسنى؛ فسألوه الثبات والرحمة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8].
ولذا؛ جعلها الله -سبحانه وتعالى- في كل ركعة، نتلفظ بها، ونرجو أن يهبها الله لنا، وهي: الهداية: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:6].
السـر في حـلاوة الدعـاء!
إنه يحب من يسأله، بل لولا دعاؤهم لم يبال بهم: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77].
ومن الدعاء الذي يتقرب به إلى الله -سبحانه وتعالى- : ما علمنا إياه ربنا في قوله -عز وجل- : ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74].
بل وعد -سبحانه وتعالى- بالجنة بعد هذا الدعاء: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا﴾ [الفرقان:75].
من تعلق بالله، ولجأ إليه في كل ما أهمه ورجاه، وأدمن قرع باب الله بالافتقار إليه والدعاء وطول المناجاة؛ أكرمه الله وحماه، وأعطاه فوق ما تمناه، وكان له مُعينًا ونصيرًا طول الحياة.
همسـة..
وربنا -عز وجل- يهب العطاء في الدنيا على سبيل الابتلاء، ويهب العطاء في الآخرة على سبيل الأجر والجزاء.
فعطاؤه في الدنيا علقه بمشيئته، وابتلاء الناس بحكمته؛ ليتعلق العبد بربه عند الدعاء والرجاء، ويسعد بتوحيده وإيمانه بين الدعاء والقضاء.
وهذه أعظم الهبات والعطاء؛ إذا أدرك العبد حقيقة الابتلاء.
وإذا علم العبد ذلك؛ أورث هذا الاسم محبة العبد لربه، والقيام بحمده وشكره، والتعلق به على الدوام.
لَكَ الحَمْدُ اللَّهُمَّ يَا خَيْرَ وَاهِبِ
وَيَا خَيْرَ مَرْجُوٍّ لِنَيْلِ الَمآرِبِ
وَيَا خَيْرَ مَنْ يُرْجَى لِكَشْفِ مُلِمَّةٍ
وَيَا خَيْرَ مَنْ يُسْدِي العَطَا وَالمَوَاهِبَ
اللهم! هب لنا من لدنك رحمةً؛ إنك أنت الوهاب، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين؛ يا رب العالمين!
35
الرَّزَّاقُ -جل جلاله-
بعد الجوع شبع، وبعد الظمإِ ري، وبعد الفقر غنىً، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية... سيقضى الدين، ويكثر الرزق، ويفك الأسير، ويفرج عن العاني، وينقشع الظلام، ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ﴾ [المائدة:52].
إذا حاصرتك الحاجات، وداهمتك الخطوب، والتفت من حولك الهموم، وكثرت الديون، وضاق الرزق؛ فعليك أن تتجه إلى الرزاق، فارج الهم، وكاشف الغم، ومستجيب دعوة المضطر.
تعرف على الرزاق من قريب، وعش مع هذا الاسم العظيم؛ الذي ما ولج أذن سامع إلا واطمئن قلبه، وسكنت روحه، وتغير حاله.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات:58].
فربنا الرزاق، المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس، وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته؛ فلم يختص الله -جل وعلا- بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليا دون عدو، يسوقه إلى الضعيف كما يسوقه إلى القوي، يسوقه إلى الجنين في بطن أمه، وإلى الطير في وكره، يسوقه إلى الثعبان في جحره، وإلى السمك في بحره، ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 60].
ورد الاسم مفردًا مرةً واحدةً، وورد بصيغة الجمع خمس مرات في القرآن الكريم.
(الرزاق) جاءت بصيغة مبالغة؛ حتى تطمئن نفسك، ولتعلم أنه كريم، ولتتعلق القلوب به وحده -جل وعلا- .
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أصاب رجلًا حاجة؛ فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم! ارزقنا ما نعتجن وما نختبز.
فجاء الرجل والجفنة ملأى عجينًا، وفي التنور جنوب الشواء، والرحى تطحن؛ فقال: من أين هذا؟ قالت: من رزق الله، فكنس ما حول الرحى.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لَوْ تَرَكَهَا لَدَارَتْ -أو قال: طَحَنَتْ- إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» [حديث صحيح. رواه الطبراني في «المعجم الأوسط»].
كتبت المقـادير..
لَوْ كَانَ فِي صَخْرَةٍ فِي البَحْرِ رَاسِيَةٍ
صَمَّاءَ مَلْمُوْمَةٍ مُلْسٌ نَوَاحِيهَا
رِزْقٌ لِعَبْدٍ يَرَاهُ اللهُ لَانْفَلَقَتْ
حَتَّى تُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلَّ مَا فِيهَا
أَوْ كَانَ بَيْنَ طِبَاقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا
لَسَهَّلَ اللهُ فِي المَرْقَى مَرَاقِيهَا
حَتَّى تَنَالَ الَّذِي فِي اللَّوْحِ خُطَّ لَهَا
فَإِنْ أَتَتْهُ وَإِلَّا سَوْفَ يَأْتِيهَا
جاء في صحيح البخاري أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: «إِنَّ اللهَ -عز وجل- قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا؛ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ! فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ المَلَكُ: أَيْ رَبِّ! ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْق؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».
فرزقك من الرزاق مضمون، فلا يجره حرص حريص، ولا يَرُدُّه كراهية كاره.
جاء في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ الرِّزْق لَيَطْلُبُ العَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» [حديث صحيح. رواه ابن حبان].
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوَفِي رِزْقَهَا» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه].
والله ينزل الأرزاق بقدرٍ، فهو أعلم بحال العباد وما يصلحهم، ﴿۞ ۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ﴾ [الشورى:27]، قال ابن كثير -رحمه الله- : "خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر".
خـزائـنـه مـلأى..
ورزق الله لا ينفد، وكل ذلك بلا ثقل ولا كلفة ولا مشقة؛ فهو رازق بلا مؤونة.
جاء في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي؛ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ» [أخرجه مسلم].
ومع أن الله يرزق الخلق جميعًا؛ فإنه واسع الحلم، وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» [أخرجه البخاري، ومسلم].
قـف!
وكثرة الرزق لا تدل على محبة الله -سبحانه وتعالى- ! وهذا ظن الكفار والجهال: أن زيادة الرزق تدل على محبة الله ورضاه، فالله قد قال: ﴿وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿35﴾ قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ﴿36﴾﴾ [سبإ:35-36].
كما أن قلة الرزق لا تدل على الإهانة؛ ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ﴿15﴾ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ﴿16﴾ كَلَّا ) [الفجر:15-17].
مفاتيـح الأرزاق ..
وإن من أعظم ما يضفي السعادة والطمأنينة على العبد: ركونه إلى ربه، وتوكله على رازقه، واكتفاءه بولايته ورعايته، ﴿إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [الأعراف:196].
وإذا تولى الله العبد؛ جعل التقوى في قلبه، وهي من أعظم أسباب الرزق؛ وهي أعظم من كل نظريات الاقتصاد: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [الأعراف:96]، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ﴿2﴾ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق:2-3].
ومن سنن الله -عز وجل- في الكون: أن الرزق مرتبط بالطاعة: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ﴾ [المائدة:66].
وكذا بالعكس؛ فإن المعاصي تمنع الرزق وتمحق البركة: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم:41].
أرزاق منسـيـة!
حسن الخلق وأمن في وطن، وصحة جسد، وقوت يوم، ولقاء محب، ووجود أخ، وضحكة ابن، وصلاح زوجة، وصديق صالح، وسكينة روح، وعين ترى، ولسان ينطق، وأذن تسمع، ونوم هنيء، وأعظم ذلك: من من الله عليه بوجود والديه أو أحدهما.
وَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيقَةً مَحْمُوْدَةً ... فَقَدْ اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الأَرْزَاقِ
فَالنَّاسُ هَذَا حَظُّهُ مَالٌ وَذَا ... عِلْمٌ وَذَاكَ مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ
أخـيـرًا..
ليحذر العبد من تخويف الشيطان له في الرزق؛ فالله -عز وجل- قال: ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:268].
ويقول أحد السلف: صدق الناس إبليس، وكذبوا الله في الرزق!!
النَّفْسُ تَجْزَعُ أَنْ تَكُوْنَ فَـقِـيرَةً
وَالفَقْرُ خَيْرٌ مِنْ غِنًى يُطْغِيهَا
وَغِنَـى النَّفْـسِ هُوَ الكَـافِي فَإِنْ
أَبَتْ فَجَمِيعُ مَا فِي الأَرْضِ لَا يَكْفِيهَا
اللهم ارزقنا! الهدى والتقى والعفاف والغنى وأنت خير الرازقين.
36
الـفَــتـــَّــاحُ -جل جلاله-
يا من مل من الحياة، وسئم العيش، وضاق ذرعًا بالأيام، وذاق الغصص! إن هناك فتحًا مبينًا، ونصرًا قريبًا، وفرجًا بعد شدة، ويسرًا بعد عسر، إن هناك لطفًا خفيًّا من بين يديك ومن خلفك، وإن هناك أملًا مشرقًا ومستقبلًا حافلًا، ووعدًا صادقًا: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ﴾ [الروم:6].
إن لضيقك مع الفتاح فرجةً وكشفًا، ولهمك مع الفتاح أنسًا.
قال الله -سبحانه وتعالى- عن نفسه: (وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) [سبإ:26].
فربنا -تبارك وتعالى- يفتح مغاليق القلوب بالهدى والإيمان والتقى.
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي يفتح ويحكم ويقضي بين عباده بالحق في الآخرة؛ حكمًا لا جور فيه ولا جنف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق، والله خير الفاتحين: ﴿قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [سبإ:26].
وربنا -سبحانه وتعالى- يكشف الغمة عن عباده، ويسرع بالفرج، ويرفع الكرب، ويزيل الضراء، ويفيض بالرحمة، ويفتح أبواب الرزق، ويفتح لعباده في شؤون دنياهم ما يصلح به عيشهم وتستقيم حياتهم، ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [فاطر:2].
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي فتح أبواب العلم والحكمة والمعرفة والبصيرة لأنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 282].
وربنا -سبحانه وتعالى- الذي فتح الممالك والأمصار لعباده الصالحين المؤمنين، ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا﴾ [الفتح: 1].
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي يفتح بأنواع النعم للعاصين؛ استدراجًا لهم: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ [الأنعام:44] .
وَكَذِلِكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ ... وَالفَتْحُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرانِ ... فَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهُوَ شَرْعُ إِلَهِنَا ... وَالفَتْحُ بِالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثَانِي
وَالرَّبُّ فَتَّاحٌ بِذَيْنِ كِلَيْهِمَا ... عَدْلًا وَإِحْسَانًا مِنَ الرَّحْمَنِ
حـقـيـقـة..
ذكرت في التعريف ما ذكره العلماء من تعريف لاسم الله: (الفتاح)، وهو تعريف شامل، لكن في هذه السطور سأقف عند قوله -عز وجل- : ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [فاطر:2]:
حقيقة لا بد أن يتذكرها المؤمن على الدوام، وهي: أنه لا عبور لأي رغبة إلا عن طريق الله -عز وجل- ، ولا وجود لأي حاجة إلا في ساحة الله -عز وجل- ، ولا إمكانية لحدوث شيء إلا بالله -عز وجل- ؛ فإنه وحده الذي لا حول في الوجود ولا قوة إلا به -عز وجل- .
ولا يمكن لخلية أن تتحرك، ولا لذرة أن تكون، ولا لقطرة أن تتبخر، ولا لورقة شجر أن تسقط إلا بحوله وقوته -عز وجل- .
ولا يستطيع العالم كله أن يمسك بسوء لم يرده الله -عز وجل- ، ولا يستطيع العالم كله أن يدفع عنك سوءًا قدره الله -عز وجل- .
كتب بعض السلف لأخ له: أما بعد؛ فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟!
المفـاتـيـح بــيــده ..
يحتاج المريض إلى الشفاء بعد أن أوجعته الآلام، وأتعبته الأوجاع، وضاقت به الدنيا، وعَجَزَ عنه الأطباء، وأغلق باب الدواء دونه؛ فإذا بالرحمن الفتاح العليم الشافي يشفيه بسبب، أو بأضعف سبب، أو بأقرب سبب، أو بلا سبب... إِنَّهُ الفَتَّاحُ -تبارك وتعالى- .
تهشمك الظروف، وتتواطأ ضدك الكروب، وتتكالب عليك الأزمات، وتتزاحم في قلبك الآلام، ويغلق الباب دونك؛ حتى تظن أن ليس لهذا الهم والغم كاشفة؛ فإذا بِالْفَتَّاحِ يُرْسِلُ إليك فتحه بأيسر الأمور، وتتم إرادته على ما يشاء.
يدركك الفقر، وتغشاك الديون، وتتغير ملامحك، وينكسر قلبك عندما تذكر أبناءك، وتخشى من صاحب الدين، ويحار فكرك، وتتشتت أفكارك؛ ويغلق الباب دونك.
هنا يرسل الفتاح -عز وجل- بفرج خفي؛ فيقضـى الدين، وينقشع الفقر، وتسر النفس.. إنه الفتاح؛ الذي فتح أبواب الرزق.
يغيب الابن، ويسافر الوالد، ويذهب الحبيب والصديق، ويؤسر العالم؛ فتضيق النفس، وتتشتت الأفكار، ويرجف القلب كلما تذكر الغائب؛ وهنا ينطرح المؤمن عند باب الملك الفتاح، سائلًا أن يرد الغائب ويحفظه؛ سواءً أكان أسيرًا أم مسافرًا، فإذا بالبشرى من فوق سبع سماوات؛ بقدوم الغائب، وفك الأسير، ورد الحبيب؛ ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل: 62].
أقـبـل عـلـيـه!
إنه الفتاح العليم -جل وعلا- ؛ فما أعظم شأنه، وأعلى مكانه، وأقربه من خلقه، وألطفه بعباده.
فباب الفتاح مفتوح، فإذا رأيت الحبل يشتد؛ فاعلم أنه سينقطع، وإذا اشتد الظلام؛ فأبشر بصبح قريب، لا تضق ذرعًا مع الرب الكريم الفتاح، فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة: انتظار الفرج، والأيام دول، والدهر قُلَّبُ، والليالي حُبالى، والغيب مستور، والفتاح (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]، و(لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا) [الطلاق:1]، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) [الشرح:5-6].
قُلْ لِلطَّبِيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى:
مَنْ يَا طَبِيبُ بِطِبِّهِ أَرْدَاكَا؟
قُلْ لِلمَرِيضِ نَجَا وَعُوَفِيَ بَعْدَمَا
عَجِزَتْ فُنُوْنُ الطِّبِّ: مَنْ عَافَاكَا؟
قُلْ لِلصَّحِيحِ يَمُوْتُ لَا مِنْ عِلَّةٍ:
مَنْ بِالمَنَايَا يَا صَحِيحُ دَهَاكَا؟
هَذِي عَجَائِبُ طَالَـمَا أُخِذَتْ ﺑِﻬَﺎ
ﻋَﻴْﻨَﺎﻙَ وَانْفَتَحَتْ ﺑِﻬَﺎ أُﺫُﻧَﺎكَا
ﻳَﺎ ﺃَيُّهَا ﺍﻹِﻧْﺴَﺎﻥُ ﻣَﻬْﻼً مَا الَّذِي
ﺑِﺎﻟﻠﻪِ جَلَّ ﺟَﻼَﻟُـﻪُ أَﻏْﺮَﺍكَا؟
فتح خاص..
الأرزاق من الفتاح قد قسمت، فرُبَّ رجل فُتح له في إطالة الصلاة ولم يُفتح له في كثرة الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في العلم، والآخر فُتح له في القرآن ولم يُفتح له في أعمال البر، وآخر فُتح له باب برِّ والديه... فهنيئًا لم فُتح عليه.
فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ بَاطِنَ عَبْدِهِ ... ظَهَرَتْ عَلَيْهِ مَوَاهِبُ الفَتَّاحِ
وَإِذَا صَفَتْ للهِ نِيَّةُ مُصْلِحٍ ... مَـالَ العِبَادُ عَلَيْهِ بِالأَرْوَاحِ
اللهم! افتح علينا من بركات الأرض والسماء، وافتح لنا أبواب رحمتك، واجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر؛ يا فتاح يا عليم!
37
السَّمـِـيـعُ -جل جلاله-
في الوقت الذي يريدك الله أن تعلم: أنه على العرش استوى، يريدك أن تتيقن: أنه يسمعك ويراك؛ يسمع كلماتك، ويرى أفعالك، لا تخفى عليه منك خافية، يسمع مناجاتك ونداءك له، خواطرك مكشوفة، ودعاؤك مسموع، وطلبك ملبى، واستغفارك مجاب، وتوبتك مقبولة.
فهل حطمتك الأوجاع؟ هل روحك تئن شوقًا إلى ربها؟ فالله يسمع أنينك، وهو أقرب إليك من حبل الوريد؛ يجيبك، يكشف غمك، يفرج همك.. إنه هو السميع العليم.
قال -سبحانه وتعالى- مثنيًا على نفسه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة:137]، ورد اسم الله: (السميع) في كتابه العزيز في خمسة وأربعين موضعًا.
فربنا -سبحانه وتعالى- سميع؛ أحاط سمعه بجميع المسموعات، فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها؛ سرها وعلنها، وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلط عليه الأصوات، ولا تخفى عليه جميع اللغات، والقريب منها والبعيد والسر والعلانية عنده سواء، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ﴾ [الرعد:10].
واشتراك المخلوق مع الخالق -سبحانه وتعالى- في هذا الاسم لا يعني: المشابهة -تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا!-؛ لأن صفات المخلوق تناسب ضعفه وعجزه وخلقه، وصفات الخالق تليق بكماله وجلاله -تبارك وتعالى- ، ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
فالسمع هنا يأتي بمعنى: السمع والإحاطة، ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:1]، ويأتي بمعنى: الاستجابة والقبول: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم:39].
وَهُوَ السَّمَيعُ يَرَى وَيَسْمَعُ كُلَّ مَا
فِي الكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ
وَلِكُلِّ صَوْتٍ مِنْهُ سَمْعٌ حَاضِرٌ
فَالسِّـرُّ وَالإِعْلَانُ مُسْتَوِيَانِ
وَالسَّمْعَ مِنْهُ وَاسِعُ الأَصْوَاتِ لَا
يَخْفَى عَلَيْهِ بَعِيدُهَا وَالدَّانِي
إنه سمـيـع قـريـب:
جاء في «الصحيحين»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع الصحابة -رضي الله عنهم- يدعون ربهم بأصوات مرتفعة؛ فقال -صلى الله عليه وسلم- : «أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوْا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُوْنَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُوْنَ سَمِيعًا بَصِيرًا»، وبمجرد أن ينتهي العبد من مناداته ومناجاته فإذا بالإجابة تلوح.. لأنه السميع العليم.
يسمع نداء المضطرين، ويجيب دعاء المحتاجين، ويعين الملهوفين، ويسمع حمد الحامدين، ويسمع دعاء الداعين، وَيَسْمَعُ دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويسمع خطرات القلوب، ويسمع هواجس النفوس، ويسمع مناجاة الضمائر.
تأتي امرأة تجادل في زوجها عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -وهي: خولة -رضي الله عنها- -، وعائشة -رضي الله عنها- في طرف البيت تقول أنها تسمع كلمةً وتغيب كلمة، وبعد ذلك الجدال ينزل جبريل -عليه السلام- على محمد -صلى الله عليه وسلم- بقوله -عز وجل- : ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:1]، يا له من قرب عجيب، وعلم عظيم، وسمع محيط!
سمعُ الله لأوليائه: سمع إجابة وحفظ وتوفيق، سمع يهدئ من روعهم كما هدأ من روع موسى -عليه السلام- عندما أعلن خوفه من الذهاب إلى فرعون، فقال له -جل وعلا- : (لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ) [طه: 46].
الله حاميهم، والله حسيبهم؛ وكفى به حسيبًا!
مفاتيح الفرج:
إذا صفعتك المخاوف، وادلهمَّت عليك الخطوب؛ فتوسل إلى ربك بهذا الاسم العظيم؛ كما توسل الأنبياء -عليهم السلام- به، فهو الذي يسمع المناجاة، ويجيب عند الاضطرار، ويكشف السوء.. فلا تسمع همك لأحد، انطرح عنده ساجدًا، أنخ مطاياك ببابه، وتحدث إليه وابك بين يديه، ثم انتظر الفرج.
زكريا -عليه السلام- يعطيه الله ما في قلبه بعد أن ناداه سرا؛ ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا﴾ [مريم:3]، ، فيهب له الذرية الصالحة؛ بعد تضرعه باسمه: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [آل عمران:38].
إبراهيم -عليه السلام- يسأل الله بهذا الاسم أن يتقبل عمله؛ حين أنهى هو وابنه إسماعيل -عليهما السلام- بناء الكعبة: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة:127].
وبهذا الاسم المبارك إبراهيم -عليه السلام- يشكر الله على استجابة دعائه: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [إبراهيم:39].
وبهذا الاسم تتقرب امرأة عمران إلى ربها بقبول عملها؛ حين نذرت ما في بطنها: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [آل عمران:35].
ضاقت الدنيا بيوسف -عليه السلام- من مكايد الفساد حوله؛ فدعا ربه: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴿34﴾﴾ [يوسف:33-34].
يونس -عليه السلام- في بطن الحوت ينادي: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]، فكان الصوت الضعيف المنطلق من الظلمات الثلاث يخترق السماء، فإذا بالسميع العليم -جل وعلا- ينجيه من الغم: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) [الأنبياء:88].
واللهُ -سبحانه وتعالى- يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، قال -سبحانه وتعالى- : (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف:86].
السميع يحفظـك..
تجتمع عليك شياطين الإنس والجن؛ فيأخذون بالوسوسة والقهر حتى تصاب بالهم والحزن، فيأمرك الله بالاستعانة به والاستعاذة به منهم باسميه: (السميع العليم)؛ ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:200].
يجتمع عند البيت قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي؛ فيقولون عن الصحابة: كثيرة شحوم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟
قال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا؛ فإنه يسمع إن أخفينا! فأنزل الله -سبحانه وتعالى- : ﴿وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ﴿22﴾ وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ﴿23﴾﴾ [فصلت:22-23].
ذكــرى..
وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بهذين الاسمين: (السميع العليم) إذا قام لصلاة الليل؛ فيقول: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
وتعوذ -صلى الله عليه وسلم- بالاسمين: (السميع العليم) من كل ضرر يصيبه: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ، فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ؛ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِـيَ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
واستشعارك لهذا الاسم (السميع) يجعلك في قرب دائم منه -سبحانه وتعالى- .
اللهم يا سميع.. يا عليم! اجعلنا ممن دعاك فأجبته، وتضرع إليك فرحمته.
38
البــــَصِـــيرُ -جل جلاله-
ذكر أبو نعيم في الحلية أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مر ليلًا في سكك المدينة؛ فسمع عجوزًا تقول لابنتها: "امزجي اللبن بالماء، فقالت البنت: أما علمت أن عمر نهى عن مزج اللبن بالماء؟ فقالت العجوز: وأين عمر حتى يرانا؟! فقالت البنت -الموقنة بنظر الله -تبارك وتعالى- إليهما-: إن كان عمر لا يرانا؛ فرب عمر يرانا!".
هناك أناس عاشوا في هذه الدنيا في منزلة عالية، في أمن دائم، في سعادة أبدية، في ثبات على الحق، متلذذين بالعبودية؛ وما ذاك إلا لأنهم علموا: أن الله بصير بما يعملون.
ورد اسم الله البصير في القرآن الكريم في اثنين وأربعين موضعًا، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [البقرة:110]،
فربنا الذي يبصر كل شيء؛ وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، يبصر ما تحت الأرضين السبع، كما يبصر ما فوق السماوات السبع.
وهو البصير العالم بالأحوال كلها، وبخفيات الأمور؛ الخبير بها، المطلع على بواطن الأمور.
وَهُوَ البَصِيرُ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ ... السَّوْدَاءِ تَحْتَ الصَّخْرِ وَالصُّوَّانِ ... وَيَرَى مَجَارِي القُوْتِ فِي أَعْضَائِهَا … وَيَرَى عُرُوْقَ بَيَاضِهَا بِعَيَانِ بِلَحْظِهَا
وَيَرَى خِيَانَاتِ العُيُوْنِ ... وَيَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأَجْفَانِ
ربنا -سبحانه وتعالى- أثبت صفة (البصـر) له -عز وجل- ، فالله له عينان حقيقيتان، تليقان بذاته -سبحانه وتعالى- ، نؤمن بها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
واشتراك المخلوق مع الخالق في هذا الاسم لا يعني: المشابهة؛ فإن صفات المخلوق تناسب ضعفه وعجزه وخلقه، وصفات الخالق تليق بكماله وجلاله -سبحانه وتعالى- ؛ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
ومن رحمة الله -عز وجل- بعباده: أنه يخاطبهم خطاب رحمة، وحثهم على طاعته والإخلاص له؛ مع أنه غني عن عبادتهم؛ ففي كتاب الله -العزيز- خاطب بقوله -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فوق الأربعين مرةً؛ ليذكر المؤمن، وينبه الغافل بأن الله مطلع على أعمالهم.
حـلاوة الامتـثـال..
ومن علم أن ربه مطلع عليه؛ استحى أن يراه على معصيته أو فيما لا يحب، ومن علم أن الله يراه؛ أحسن عمله وعبادته، وأخلص فيهما حتى يصل لمقام الإحسان؛ وهو أعلى مقامات الطاعة؛ التي قال عنها الحبيب -صلى الله عليه وسلم- : «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
فإذا بلغ ذلك كان في معية الله الخاصة لعباده؛ كما قال الله -تبارك وتعالى- في الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» [أخرجه البخاري].
ومن علم أن الله يراه على ما هو عليه من الابتلاء، اطمأنَّ قلبه، وسكنت نفسه، وتيقن أن الفرج قريب.
ومن علم أنه يراه استحى من الله أن يراه خائنًا في أعماله وأقواله غاشًّا لعباده.
خرج ابن عمر -رضي الله عنهما- إلى مكة في بعض أصحابه، فاستراحوا في الطريق، فانحدر عليهم راع من جبل، فقال له ابن عمر: "يا راعي الغنم! بعنا شاةً!
فقال الراعي: إني مملوك -أي: أنا عبد مملوك-.
فقال له ابن عمر: قل لسيدك: أكلها الذئب، فقال الراعي: أين الله؟".
فبكى ابن عمر، واشترى الغلام (الراعي) من سيده وأعتقه.
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ
خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً
وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
راود بعضهم أعرابيةً عن نفسها؛ فقال لها: لا يرانا إلا الكواكب، فقالت له: أين مكوكبها؟
وقد قيل: من راقب الله في خواطره؛ عصمه في حركات جوارحه.
وإذا نظرت إلى السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ وجدت أن الشيء المشترك بينهم أنهم: آمنوا حق الإيمان بأن الله ينظر إليهم؛ فعبدوه كأنهم يرونه؛ فنالوا المنزلة.
وبهذا الاسم دعا الرجل الصالح من قوم موسى، ملتجئًا لله -تبارك وتعالى- معتصمًا به من مكر فرعون وقومه: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر:44]، فماذا كانت النتيجة؟
استجاب الله لدعائه: ﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر:45] .
يَا مَنْ يَرَى صَفَّ البَعُوْضِ جَنَاحَهَا
فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرَى نِـيَــاطَ عُرُوْقِهَا فِي نَحْرِهَا
وَالمُخَّ مِنْ تِلْكَ العِظَامِ النُّحَلِ
اُمْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُوْ بِهَا
مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ
ذكـــرى..
والمؤمن يحذر من ذنوب الخلوات والإصرار عليها دون توبة، جاء في «الصحيح» من حديث ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالَ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ -عز وجل- هَبَاءً مَنْثُورًا»، قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا؛ أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم! قال: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا» [ رواه ابن ماجه]، وهؤلاء الذين يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا.
والخلوة إما ترفع وإما تخفض، فمن عظَّم اللهَ في خلوته عظَّمه الناس في جلوته.
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- : " النفاق الأصغر كلّه يرجع إلى اختلاف السريرة و العلانية"، وقال : "الخاتمة الحسنة لا تقع إلا لمن كانت سريرته حسنة؛ لأن لحظة الموت لا يمكن تصنّعها، فلا يخرج حينئذٍ إلا مكنون القلب".
اللهم يا بصير! ارحم ضعفنا وتجاوز عن تقصيرنا وزلاتنا وتوفنا مسلمين؛ يا رب العالمين.
39
الـتَّــوَّ ابُ -جل جلاله-
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : "اجلسوا إلى التوابين! فإنهم أرق أفئدةً".
أَسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ، وَجِئْتُكَ تَائِبًا ... وَأَنَّى لِعَبْدٍ مِنْ مَوَالِيهِ مَهْرَبُ
يُؤَمِّلُ غُفْرَانًا فَإِنْ خَابَ ظَنُّهُ ... فَمَا أَحَدٌ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ أَخْيَبُ
نعيش مع اسم الله: (التـواب -جل وعلا- ):
ما أحلى اسم الله التواب! يعطي المذنب أملًا ليبدأ من جديد في مرحلة السعادة، ويخرج به من دائرة الإحباط والظلام، ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة:104].
ربنا -سبحانه وتعالى- هو التوَاب، وصف نفسه بالتواب بصيغة المبالغة؛ لكثرة من يتوب عليه، ولـما كانت المعاصي متكررةً من عباده؛ جاء بصيغة المبالغة، ليقابل الخطايا الكبيرة بالتوبة الواسعة.
فهو -سبحانه وتعالى- ما زال يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين؛ حتى لو تكررت التوبة تكرر القبول إلى ما لا نهاية.
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:39].
جاء في «المستدرك»: أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! أحدنا يذنب، قال: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ»، ثم قال: يستغفر منه ويتوب، قال: «يُغْفَرُ لَهُ وَيُتَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا» [حديث حسن].
فكل من تاب إلى الله توبةً نصوحًا؛ تاب الله عليه وقبله.
ما أكرم الله!
وانظر إلى كرم الله حين أكرم عبده أن جعل توبته محفوفةً بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها، فتوبة العبد بين توبتين من ربه -سبحانه وتعالى- : سابقة، ولاحقة.
فإنه تاب عليه أولًا: إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا؛ حيث حرك دواعي قلبه للتوبة، ثم قام بالتوبة، وهذا توفيق من الله الكريم الرحيم التواب.
ثم لما تاب بالفعل تاب الله عليه؛ فقبل توبته، وعفا عن خطاياه وذنوبه، قال -سبحانه وتعالى- : (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة: 118].
لا إله إلا الله، له الفضل بالتوبة أولًا وأخيرًا.
وَكَذِلِكَ التَّوَّابُ مِنْ أَوْصَافِهِ ... وَالتَّوْبُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ
إِذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وقَبُوْلُـهَا ... بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَـنَّانِ
وكذا الأعمال الصالحة بهذه المثابة؛ ألهمها للعبد، ثم أثابه عليها؛ فالله المبتدئ بالإحسان والنعم، المتفضل بالجود والكرم.
ذكــرى..
والتوبة: واجبة على البشر جميعًا، في جميع مراحل العمر، من مؤمنهم وعاصيهم؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31].
والتوبة: من الكمال الذي يحبه الله، وليست نقصًا، والله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:222]، وقال -سبحانه وتعالى- : (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ) [التوبة:117]،.
وقال عن آدم -عليه السلام- : ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِ﴾ [البقرة:37].
وقال عن إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- : ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة:128].
وقال عن موسى -عليه السلام- : (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف:143].
ومن المعلوم: أن الأنبياء معصومون من الإقرار على الذنوب -كبارها وصغارها-، وهم بما أخبر به عنهم من التوبة ترفع درجاتهم، وتعظم حسناتهم؛ فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
وفي «صحيح البخاري» عنه -عليه الصلاة والسلام- : أنه قال: «وَاللهِ! إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة».
لولا أنـكـم تذنبـون..
والله يعلم أن عباده لا يخلون من قصور ونقص، وقد خلقهم كذلك؛ لتظهر فيهم رحمته وغفرانه وتوبته، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوْبٌ يَغْفِرُهَا اللهُ لَكَمْ، لجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ لهُمْ ذُنُوْبٌ يَغْفِرُهَا لهُمْ» [رواه مسلم].
قال -عليه الصلاة والسلام- : «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
وقد امتدح الله نفسه -تبارك وتعالى- بقبول توبة عباده؛ فقال: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [غافر:3].
والله يريد من عباده: أن يعلموا أنه: يقبل توبة عبده؛ حتى ولو عظمت ذنوبه: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر:53].
ربنا غني عنا، وعن عبادتنا، ومع ذلك يفرح فرحًا شديدًا بتوبة عبده إذا تاب، فما أكرم الله! وما أجمل الله! وما أرحم الله!
جاء في «الصحيحين» عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَـلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ العَطَشُ.
ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ؛ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ العَبْدِ المُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ».
قال ابن تيمية -رحمه الله- : "كلُّ من تابَ فهوَ حبيبُ الله"، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:222].
فحري بمن هذا وصفه في رحمته بعباده: أن يُحَبَّ الحبَّ كُلَّه، وأن يُعبَد وحده لا شريك له، وأن تظهر آثار هذه المحبة بإخلاص العبادة له، والتقرب إليه بطاعته ومحبة من يحبه وما يحبه، وببغض من يبغضه وما يبغضه.
قال بلال بن سعد : "إن لكم ربًّا ليس إلى عقاب أحدكم بسريع، يقيل العثرة، ويقبل التوبة، ويقبل على المقبل، ويعطف على المدبر، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].
على عتبة الباب..
التوبة: هروب من المعصية إلى الطاعة، ومن السيئة إلى الحسنة، ومن وحشة العصيان إلى الأنس بالرحمن.
إنها فرار من الخالق إلى أعتابه، وهروب من الجبار إلى رحابه، وعياذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه لا نحصي ثناءً عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مفر منه إلا إليه؛ ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الذاريات: 50].
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوْبِي كَثْرَةً ... فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوْكَ إِلَّا مُحْسِنٌ ... فَبِمَن يَلُوْذُ وَيَسْتَجيرُ المُجْرِمُ
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- : "عجبًا لـمن يهلك ومعه النجاة! قيل: وما هي؟ قال: التوبة والاستغفار".
قال ابن القيم -رحمه الله- : "أغلب ما يحمل المسلم على الذنب (الاتكال على التوبة) ولو علم أنه قد يحال بينه وبينها لهاج خوفه".
والتوبة الصادقة لا تكون إلا بـ: ترك الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم معاودته، واستبداله بعمل صالح، ثم إذا كان متعلقًا بحق العباد فليتحلل من صاحبه.
قال شقيق البلخي -رحمه الله- : "علامة التوبة: البكاء على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب، وهجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار ".
والتوبة الصادقة مقبولة إلا في موضعين: إذا طلعت الشمس من مغربها، وعند الغرغرة.
هـزات إيـقـاظ..
وقد يبتلي الله -عز وجل- عبده المؤمن بما يتوب منه لتكمل عبوديته، ويتضرع ويخشع وينيب إلى ربه.
فكم من إنسان ابتعد عن الله؛ فضيق الله -عز وجل- عليه حتى يرجع إليه، فلما رجع، وذاق طعم القرب منه، وشعر بنعمة الاستقامة والتوبة؛ شكر الله على هذه المصيبة والشدة التي كانت سببًا في نجاته وفلاحه، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [السجدة:21].
فلو تركت على معاصيك وانحرافاتك ولم تتب، ورأيت النعم بين يديك؛ فاعلم أنك مبغوض إليه، وأن هذا استدراج منه لك؛ لأن الله -عز وجل- قَالَ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44].
ثم إذا أعلنت التوبة؛ فاطلب من الله الثبات، فقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوْبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [حديث صحيح. رواه البخاري في «الأدب المفرد»].
اللهم! تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
40
الـعـــَلِــيمُ -جل جلاله-
تتستر الصدور بخواطر وواردات ومقاصد ونيات، لا ينفذ إليها سمع، ولا يصل إليها بصر؛ فيطلع عليها الحكيم العليم.
وتتكتم الضمائر عن مستودعات الأفكار؛ فلا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي محبب، ولا عالم جهبذ، ولا شيطان مارد؛ ويعلمها علام الغيوب.
ويلف الجنين بغشاء إثر غشاء في رحم أمه؛ فلا يدرى أحي أم ميت؟ أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟
لا يدرى أجله ولا رزقه ولا عمره! ويعلم ذلك من أحاط بكل شيء علمًا، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة:282].
العِلْمُ: نقيض الجهل.
وربنا -سبحانه وتعالى- أحاط علمه بالظاهر والباطن، والإسرار والإعلان، وأحاط بالعالم العلوي والسفلي، وأحاط علمه بالماضي والحاضر والمستقبل، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا﴾ [طه:110].
وهو عالِم -عز وجل- بكل مَا أخفته صدور خلقه؛ من إيمان وكفر، وحق وباطل، وخير وشر؛ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عمران:119]، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة:282].
النجوى عنده جهر، والسر لديه علانية، والخافي لديه مكشوف.
وَهُوَ العَلِيمُ أَحَاطَ عِلْمًا بِالَّذِي ... فِي الكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ ... وَبِكُلِّ شَيْءٍ عِلمُهُ سُبْحَانَهُ ... قَاصِي الأُمُوْرِ لَدَيْهِ قَبْلَ الدَّانِي
لَا جَهْلَ يَسْبِقُ عِلْمَهُ كَلَّا وَلَا ... يَنْسَى كَمَا الإِنْسَانُ ذُوْ نِسْيَانِ
إنه العلـيـم:
الورقة تسقط بعلمه، والهمسة تصدر بعلمه، والكلمة تقال بعلمه، والنـية تعقد بعلمه، والقطرة تنزل بعلمه..
علم الحي والميت، والرطب واليابس، والحاضر والغائب، والسر والجهر، والكثير والقليل: ﴿۞ ۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام:59].
وحدث بعض الصحابة أنفسهم بحديث لم يظهروه، بل كتموه وأسروه؛ فأنزل الله -عز وجل- : ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ﴾ [البقرة:187].
وأسر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض أزواجه حديثًا، فعرف بعضه وأعرض عن بعض، فقالت: من أنبأك هذا؟ (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) [التحريم: 3].
جلس عمير بن وهب وصفوان بن أمية -بعد بدر- عند الكعبة ليلًا يدبران اغتيال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فأخبر الله -عز وجل- رسوله بكيدهم، وأطلعه على فعلهم: ﴿قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنبياء:4].
وتناجى المنافقون في تبوك فيما بينهم، وهمزوا ولمزوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- والدين؛ فأطلع علام الغيوب رسوله على كيدهم ومكرهم وسخريتهم؛ ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [التوبة:78].
علم الله كامـل وشـامـل:
﴿إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا﴾ [طه: 98].
ولا يشابهه أحد من مخلوقاته في كمال علمه -عز وجل- : ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
(فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح:27]، وإذا علم البشر شيئًا فهو من تعليم الله -سبحانه وتعالى- لهم، فكل علم شرعي وقدري فمرجعه إلى الله العزيز الحكيم -سبحانه وتعالى- ؛ ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [البقرة:32].
وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ﴾ [النساء:113].
ولو جمع الناس علومهم وما عندهم من معلومات؛ لكانت ضئيلةً جدًّا بالنسبة لعلم الله الواسع؛ ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء:85].
قال الخضر لموسى -عليه السلام- لـما ركبا السفينة، ورأى عصفورًا قد وقع على حرف السفينة؛ فنقر في البحر نقرةً أو نقرتين، قال له الخضر: "يا موسى! ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر...".
حـقـيـقـة..
واختص ربنا -عز وجل- بعلوم الغيب: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ﴾ [الأنعام:59]، وذكر منها خمسة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ﴾ [لقمان: 34].
فهذه الخمسة مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله:
1- علم الساعة: مبدأ مفتاح لحياة الآخرة.
2- تنزيل الغيث: مفتاح لحياة الأرض بالنبات.
3- علم الأرحام: مفتاح للحياة الدنيا.
4- علم ما في الغد: مفتاح الكسب في المستقبل.
5- علم مكان الموت: مفتاح لحياة البرزخ، وقيامة كل إنسان بحسبه.
وعلم الغيب لا شك أنه أعظم وأوسع من أن يحصر في هذه الخمسة فقط، والإخبار هنا يحمل على: بيان البعض المهم، لا على دعوى الحصـر، فالله قال: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ [النمل:65].
ومن زعم أن أحدًا يعلم الغيب غير الله -سبحانه وتعالى- ؛ فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- .
والأنبياء لا يعلمون شيئًا من الغيب؛ إلا ما أخبرهم الله به، تقول عائشة -رضي الله عنها- : "من زعم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر بما يكون في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية!"، (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) [الأعراف:188]، فكيف بمن هو دونهم؟!
حـظـك مـنـه..
ومن آتاه الله علمًا ولو كان قليلًا؛ فقد رفعه الله -عز وجل- : ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ [المجادلة:11]، فكيف لو كان عالـمًا تقيًّا عارفًا بالله، مؤديًّا حقه؟
فهؤلاء تيقنوا بعلم الله؛ فازدادوا له خشيةً وتعظيمًا، ولذا زكاهم الله من فوق سبع سماوات؛ فقال: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ [فاطر: 28].
فالعلم: أصل الخصال الشريفة، يرقى بالإنسان إلى المنازل الرفيعة..
ولا يصل لهذه المنزلة إلا بالعلم والمداومة على سؤال الله إياه، وامتثالًا بدعاء رسولنا -صلى الله عليه وسلم- الذي علمه الله إياه: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114].
قال ابن حزم -رحمه الله- : "وأجلُّ العلوم: ما قربك من ربك".
قال ابن القيم -رحمه الله- : "لولا جهلُ الأكثرين بحلاوة هذه اللَّذة -لذَّة العلم- وعِظم قدرها؛ لتجالدوا عليها بالسُّيوف، ولكن حُفَّت بحجابٍ من المكاره، وحُجبوا عنها بحجابٍ من الجهل؛ ليختصَّ الله لها ما يشاء، والله ذو الفضل العظيم".
اللهم يا عليم! علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.
41
العـــَظـِـيــمُ -جل جلاله-
سـبحانـك يا عظـيـم!
تنزع الملك ممن تشاء، وتفقر بعد غنًى، وتخفض بعد رفعةً، وتذل بعد عزة، وتضعف بعد قوة، وترفع قدر من تشاء، وتكتب التوفيق لمن تشاء، وتضع القبول لمن تشاء، وتهب لمن تشاء وتمنع من تشاء؛ بيدك الخير؛ إنك على شيء قدير.
لا إله إلا أنت العظيم الحليم.
عَظُمَتْ صِفَاتُكَ يَا عَظِيمُ فَجَلَّ أَنَّ
يُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ
العظيم -عز وجل- : اسم من أسماء الله الحسنى، اسم جليل لربنا العظيم، يحمل في مبناه ومعناه: الجلال والعظمة، والشرف والسؤدد.
بالغ الهيبة، قوي الحروف، شامخ المعنى، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
والعظيم -عز وجل- : ذو العظمة، عظيم شأنه، جليل قدره، وهو الذي جاوز حدود العقل حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته.
فربنا العظيم في ذاته، ليس كمثله في عظمته..
فمن عظمته: أن السماوات والأرض في كفه أصغر من الخردلة، ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر:67].
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «ما السَّمَاوَاتُ السَّبعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ» [حديث صحيح. رواه ابن أبي شيبة].
هذه العظمة في الكرسي والعرش -وهي من مخلوقاته-؛ فكيف بعظمة الله -سبحانه وتعالى- الذي له المثل الأعلى، والذي استوى على العرش، وهو فوق جميع خلقه -جل وعلا- .
وربنا -عز وجل- عظيم في صفاته، فهو الموصوف بكل صفات الكمال، عظيم في رحمته، عظيم في قدرته، عظيم في هباته وعطائه، عظيم في جماله.
جاء في الحديث القدسي: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحَدًا مِنْهُمْا؛ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
وربنا العظيم في أفعاله؛ لأنها تنبئ عن سعة الحكمة والعدل والفضل والمشيئة.
وَهُوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنىً يُوْجِبُ ... التَّعْـظِيـمَ لَا يُحْـصِـيـهِ مِنْ إِنْسَـانِ
فالله -عز وجل- قد كمُل في عظمته: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر:67].
ارفـع يـديـك!
لا تتعاظم عليه المسائل؛ مهما عظمت وكثرت، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ! وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» [أخرجه البخاري ومسلم -وهذا لفظه-].
وربنا عظيم في رحمته وفي مغفرته، وعظيم في حلمه، وعظيم في لطفه وجزيل كرمه، لا يتعاظمه شيء أن يغفره.
جاء في حديث الشفاعة في «الصحيحين»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «..يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ!
فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي! لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
وَلَـمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي … جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكِ رَبِّي صَارَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
من لاذ بالعظـيـم نـجـا..
صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، قال: «فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ؛ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ اليَوْمِ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
ومن عظم الله -عز وجل- بـلسانه؛ فلح، وثقل ميزانه يوم القيامة، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
بل أمر عباده بالتسبيح بهذا الاسم؛ فقال -عز وجل- : ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الواقعة:74].
وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته أن يسبحوا الله بهذا الاسم في صلاتهم: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -عز وجل- » [أخرجه مسلم].
مفـتـاح الفـرج:
إذا حلت بك كارثة، وضاق صدرك، وغمرك الهم؛ فقل: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وإذا خفت من سلطان؛ فسلطان الله أعظم، قال عبد الله بن مسعود: "اللهم! رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؛ كن لي جارًا من فلان بن فلان وأحزابه من خلائقك؛ أن يفرط علي أحد منهم أو يطغى؛ عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت".
وكان -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بعظمة الله من الخسف في الصباح والمساء؛ فيقول: «اللَّهُمَّ! أَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ مِنْ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
لذا؛ من لاذ بالعظيم، وتقرب إلى العظيم، وأصبح من المتقين؛ نال الأمن الدنيوي والأجر الأخروي، فالله -عز وجل- قد قال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق:5].
وأما أعظم درجة عند الله فهي: لهؤلاء الذين قال الله -عز وجل- فيهم: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [التوبة:20].
ومن أشرك بالله، وقصر إيمانه عن عظمة الله -عز وجل- ؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وهو: جهنم -أعاذنا الله منها!- ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿30﴾ ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿31﴾ ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ﴿32﴾ إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ﴿33﴾﴾ [الحاقة: 30-33].
كيف يـعـظـم المسلـم ربـه؟
تعظيم الله -تبارك وتعالى- يكون: بتعظيم أسمائه وصفاته، ويكون تعظيمه في القلب بمحبته والاعتراف بعظمته والتواضع له، جاء في «مسند الإمام أحمد»: «مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ؛ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [حديث صحيح].
ويكون تعظيم الله -تبارك وتعالى- : باللسان، وكثرة ذكره، ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الواقعة:74].
ويكون تعظيم الله -تبارك وتعالى- : في الجوارح باستخدامها في طاعته؛ فتعظيمه: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
ومن تعظيم الله -تبارك وتعالى- : تعظيم رسله وملائكته ومناسكه؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة، وغيرها من شعائر دينه وأحكامه؛ ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج:32].
ومن تعظيمه -تبارك وتعالى- : تعظيم كتابه العزيز، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال واصفًا كتابه العزيز بالعظيم: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ [الحجر:87].
ومن تعظيمه -تبارك وتعالى- : تعظيم حرماته، وحرمات المؤمنين، (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) [الحج:30].
ومن تعظيمه -تبارك وتعالى- : ألا يقدم العبد على كلام ربه كلام أحد؛ مهما كانت مكانته: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات:1].
يَا فَاطِرَ الخَلْقِ البَدِيعِ وَكَافِلًا
رِزْقَ الجَمِيعِ سَحَابُ جُودِكَ هَاطِلُ
عَظُمَتْ صِفَاتُكَ يَا عَظِيمُ فَجَلَّ أَنَّ
يُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ
هَا قَدْ أَتَيْتُ وَحُسْنُ ظَنِّي شَافِعِيْ
وَوَسَائِلِـي نَدَمٌ وَدَمْعٌ سَائِلُ
فَاغْفِرْ لِعَبْدِكَ مَا مَضَى وَارْزُقْهُ تَوْ
فِيقًا لِـمَا تَرْضَى فَفَضْلُكَ كَامْلُ
وَافْعَلْ بِهِ مَا أَنْتَ أَهْلُ جَمِيلِهِ
وَالظَّنُّ كُلُّ الظَّنِّ أَنَّكَ فَاعِلُ
أسأل الله العظيم: أن يجعلنا من المتقين الفائزين بجنات النعيم!
42
الـقَـوِيُّ -جل جلاله-
يَا رَبِّ عُدْتُ إِلَى رِحَابِكَ تَائِبًا
مُسْتَسْلِمًا مُسْتَمْسِكًا بِعُرَاكَا
مَا لِي وَمَا لِلأَقْوِيَاءِ وَأَنْتَ يَا
رَبِّي عَظِيمُ الشَّانِ مَا أَقْوَاكَا
إِنِّي أَوْيَتُ لِكُلِّ مَأْوَىً فِي الحَيَاةِ
فَمَا رَأَيْتُ أَعَزَّ مِنْ مَأْوَاكَا
حديثنا عن ربنا -سبحانه وتعالى- القائل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات:58]، والقائل: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا﴾ [الأحزاب:25]، والقائل: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد:25].
فربنا القوي -عز وجل- هو الذي لا يعتريه ضعف أو قصور، ولا يتأثر بوهن أو فتور.
وربنا -عز وجل- هو الذي لا يغلبه غالب، ولا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، ولا يرد قضاءه راد، له القوة المطلقة، والإرادة الكاملة.
وهو -عز وجل- المتناهي في القوة.
وربنا -عز وجل- كمل في قوته، قادر على الأشياء كلها؛ لا يستولي عليه عجز ولا نصب في حال من الأحوال، نافذ أمره في أي وقت شاء -سبحانه وتعالى- ؛ في أرضه أو سماواته.
قوي -عز وجل- فِي بطشه وعقابه.
تفرَّد بالقوة، ﴿أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ [البقرة:165].
وَهُوَ القَوِيُّ بِقُوَّةٍ فِي وُصْفِهِ ... وَعَلَيْكَ يَقدِرُ يَا أَخَا السُّلْطَانِ
القـوة منـه..
فما لنا لا تنقطع قلوبنا إليه؟! وما لنا لا نعتمد في مهامنا وحاجتنا عليه؟! فما أفقرنا إلى قوته وغناه!!
لا قوة لنا إلا بقوته وتوفيقه -تبارك وتعالى- ، ولا حول لنا على اجتناب المعاصي ودفع شرور النفس إلا به.
هذه القوة يمنحها الله -عز وجل- لمن يشاء؛ شأنها شأن الرزق العام.
والإنسان ضعيف.. خلق ضعيفًا، وولد ضعيفًا، ويموت ضعيفًا؛ قال الله -تبارك وتعالى- : ﴿وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ [النساء:28]، وقال -عز وجل- ﴿۞ ۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ﴾ [الروم:54]؟
أيـام الله ..
لما نسي كثير من العباد هذه الحقيقة -أن الأصل في الإنسان أنه: ضعيف، ولا حول ولا قوة إلا بالله-؛ جرهم الشيطان إلى الاغترار بقوتهم؛ حتى نسوا قوة الله -عز وجل- ، فأخذوا يتـمادون في غيهم!..
فهذه أمة عاد؛ قال الله -عز وجل- فيها: ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ [فصلت: 15].
ولما قال لهم هود -عليه السلام- : اتقوا الله واعبدوه وحده! قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]، قهرنا العباد، ونحن نقدر أن ندفع أي عذاب بفضل قوتنا!!.. غرهم طول أجسامهم، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : "كان أطولهم: مائة ذراع، وأقصرهم: ستين ذراعًا".
ولـما بلغ التحدي ذروته والعصيان قمته وانحلاله؛ أرسل الله -عز وجل- عليهم جندًا من جنده: ريحًا صرصرًا في أيام نحسات، قال الله -تبارك وتعالى- : ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ﴾ [فصلت:16].
وهذه سنة من سنن الله في الأرض، وعلى مر التاريخ: أن المغتر بقوته والمتـكبر نهايته كحال قوم عاد؛ تأخذه قوة الملك الجبار.
لذا؛ قال -سبحانه وتعالى- : ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:11]، لعلهم يعتبرون بمصارع الغابرين! فعشرات الأمم كفرت بالله ورسله، واغترت بقوتها وشؤونها وعمارتها في الأرض؛ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: ﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40].
أحاط المشركون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- ؛ قاصدين: اجتثاثهم من الأرض في غزوة الأحزاب؛ فأرسل الله -عز وجل- جندًا من جنوده: ريحًا، جعلتهم يفرون من حول المدينة: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا﴾ [الأحزاب: 25].
صبي يهلك ملكًا، وماء يغرق قومًا، وبحر يدمر جيشًا، وبعوضة تذل نمرودًا، وأرض تبلع قارون، وطيور تطحن أبرهة..
إنه القوي؛ يدهشك بقوته -سبحانه وتعالى- .
إِلَى اللهِ كُلُّ الأَمْرِ فِي الخَلْقِ كُلِّهِ ... وَلَيْسَ إِلَى الخَلْقِ شَيْءٌّ مِنَ الأَمْرِ
ألا أدلـك؟!
كلما ازداد علم العبد بمعنى اسم الله: (القوي)؛ زاد توكله على الله -عز وجل- ، واستمد قوته منه، وذلك بالتبرؤ من حوله وقوته، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال لأحد أصحابه: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لاَ حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» [أخرجه البخاري -واللفظ له-، ومسلم]، أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بمعونة الله -تبارك وتعالى- وتسديده وتأييده.
قال عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه- : "لا حول ولا قوة إلا بالله: لا حولَ عن معصيةِ الله إلّا بعصمته، ولا قوَّةَ على طاعتهِ إلا بمعونتِه".
يقول ابن القيم -رحمه الله- : "وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك ومن يخاف منه، وركوب الأهوال، ولها -أيضًا- تأثير في دفع الفقر!".
والله -سبحانه وتعالى- يحب أن يراك متواضعًا ذاكرًا لقوته؛ ﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا﴾ [الكهف: 39].
ومع محبة الله للمتواضعين؛ فهو يحب الأقوياء من المؤمنين، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف، وَفِي كُلِّ خَيْرٌ»[أخرجه مسلم].
والصفتان اجتمعتا في قوله -عز وجل- : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة:54]، ولا قوة لأمة إلا بالعلم والعمل؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال: 60].
كن لله كما يريد، يكن لك فوق ما تريد!
اللهم يا قوي.. يا عزيز! انصرنا على القوم الظالمين.
43
المَــتِــينُ -جل جلاله-
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أصاب رجلًا حاجة؛ فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم! ارزقنا ما نعتجن وما نختبز.
فجاء الرجل والجفنة ملأى عجينًا، وفي التنور جنوب الشواء، والرحى تطحن؛ فقال: من أين هذا؟ قالت: من رزق الله، فكنس ما حول الرحى.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لَوْ تَرَكَهَا لَدَارَتْ -أو قال: طَحَنَتْ- إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» [حديث صحيح. رواه الطبراني في «المعجم الأوسط»].
هذه رسالة إلى من حل به الهم، وضعف حاله، وسئم عيشه، وضاق ذرعًا بالأيام، وذاق حرارة الغصص؛ أبشرك بأن هناك فتحًا قريبًا، ونصرًا مبينًا، وفرجًا بعد شدة، وتيسيرًا بعد عسر، وقوةً بعد ضعف، ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ﴾ [الروم:6].
نعيش مع اسم من أسماء الله الحسنى: (المتين -جل وعلا- ):
﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات:58].
فربنا -سبحانه وتعالى- المتين، أي: الشديد القوي.
قد تناهى -سبحانه وتعالى- في القوة والقدرة؛ فهو شديد القوة، لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب، فله العزة جميعًا، وهو الغالب على أمره، وهو القادر الذي لا يلحقه عجز.
أيـن هــم؟!
وقد حكى الله لنا وهو المتين سبحانه: عن أمم عتت عن أمره ورسله، بل وادعت القوة والقهر؛ فحاسبها حسابًا شديدًا: ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ [فصلت:15].
فكانت العاقبة كما قال -تبارك وتعالى- : (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) [الأحقاف: 25] .
أَيْنَ المُلُوْكُ وَمَنْ بِالأَرْضِ قَدْ عَمَرُوْا
قَدَ فَارَقُوْا مَا بَنَوْا فِيهَا وَمَا عَمَرُوْا
وَأَصْبَحُوْا رَهْنَ قَبْرٍ بِالَّذِي عَمِلُوْا
عَادُوْا رَمِيمًا بِهِ مِنْ بَعَدِ مَا دَثَرُوْا
أَيْنَ العَسَاكِرُ مَا رَدَّتْ وَمَا نَفَعَتْ
أَيْنَ مَا جَمَعُوْا فِيهَا وَمَا ادَّخَرُوْا
آتَاهُمْ أَمْرُ رَبِّ العَرْشِ فِي عَجَلٍ
لَمْ يُنْجِهِمْ مِنْهُ أَمْوَالٌ وَلَا نُصِرُوْا
أمنيتـك تتحقـق..
فالعبد المؤمن الحق يعلم: أن الله قوي متين -عز وجل- ، وأن الله على كل شيء قدير، يحقق الأماني، ويجعل البعيد قريبًا والحلم حقيقةً.
وهذا إبراهيم -عليه السلام- يأتي بأهله إلى واد غير ذي زرع؛ فيسكن المرأة الضعيفة والطفل الصغير في هذا الوادي؛ فيقول متوكلًا واثقًا بقوة الله: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ، ربي! قربتهم من بابك، وقطعت رجاءهم من دونك: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، ربي! ليقوموا بخدمتك؛ فأنت أولى بهم مني ومنهم: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) [إبراهيم:37]، فذلل العباد لهم إذا احتاجوا إلى شيء؛ إنك على كل شيء قدير.
فإذا كنت ضعيفًا وربك قوي متين؛ فلا تخف! فإنه من توكل على الله كفاه، ومن استغنى بالله أغناه، والله -تبارك وتعالى- يغار أن يتعلق قلب المؤمن بغيره، وأن يعتمد على غيره، أو ينقاد إلى غيره، أو يريق ماء وجهه عند غيره.
وقصة يوسف من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى منحة ومنة، ومن ذل إلى عز، ومن رق إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب إلى رخاء، ومن إنكار إلى إقرار .
ثم لا تشكُ القوي إلى الضعيف.
وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا ... تَشْكُوْ الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ
فالقوة: أن تتمسك بالله -عز وجل- دون غيره؛ أفرادًا وأممًا، أما ترى إلى حالة الأمة الإسلامية عندما تخلت عن اعتمادها على الله، وعلقت آمالها بعدوها؟! سقطوا عند الله، وسقطوا في أعين أعدائهم! فهم في ذل وخسارة، ولن تعود إليهم العزة والمنعة حتى يتعلقوا بالله القوي المتين وحده لا شريك له.
قال الله -سبحانه وتعالى- : ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾ [المجادلة:21].
اللهم! إنا نسألك باسمك المتين: أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
44 – 45 - 46
الـقَـادِرُ الـقَـدِيرُ المُقـْــتَـدِرُ -جل جلاله-
من أقام أمر الله أقام الله -عز وجل- أمره، ومن سخر ما بين يديه لله سخر الله -عز وجل- له ما بين يديه، وكل هذا الكون بيد الله؛ فهو القدير والقادر -تبارك وتعالى- .
أخرج مسلم في «صحيحه»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْض، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ؛ فَتَنَحَّى ذَلِكَ السحاب، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَانْتَهَى إِلَى الحَرَّةِ، فَإِذَا هُوَ فِي أَذْنَابِ شِرَاجٍ، وَإِذَا شَرَاجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَبِعَ المَاءَ؛ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ! مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلانٌ -بِالاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ-.
فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ! لِمَ سَأَلْتَنِي عَنِ اسْمِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ بِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟
قَالَ: أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا؛ فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهَا؛ فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثَهُ، وَأَرُدُّ ثُلُثَهُ».
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر:44]، ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 40].
ربنا -عز وجل- القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، ولا يفوته مطلوب، بخلاف خلقه، فهو -تبارك وتعالى- لا يتطرق إليه العجز، ولا يعتريه الفتور.
وربنا -عز وجل- هو الذي يقوى على الشيء ويقدر عليه، فهو -تبارك وتعالى- كامل القدرة؛ فبقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء؛ فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وربنا -عز وجل- هو الذي (إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82].
وهو القَدِيرُ ليسَ يُعجِزهُ إذا ... ما رَامَ شَيئًا قَطُّ ذُو سُلطَانِ
كمـال قـدرتـه ..
ومن قدرة ربنا -عز وجل- : أنه: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة:40]، وهو -تبارك وتعالى- : (الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام:65].
ومما يدل على قدرته: أنه قادر على أن يأتي بنا ويجمعنا أينما كنا وحيثما حللنا؛ ﴿أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 148].
ومما عرفنا به ربنا -تبارك وتعالى- عن عظيم قدرته: أنه -سبحانه وتعالى- يقبض أرضه بيده يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزمر:67].
كتبـت المقـادير..
وربنا -سبحانه وتعالى- مقدِّر المقادير ومقسِّمها، علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد؛ (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس: 38].
والله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلقهم بآلاف السنين، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» [أخرجه مسلم].
ولذا؛ كان هذا هو الإيمان؛ لما سأل جبريل -عليه السلام- الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [أخرجه البخاري ومسلم -واللفظ له-].
لا تـعـجـب!
فقد فصل لنا ربنا -تبارك وتعالى- في كتابه القول ليعرفنا بقدرته: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر:44].
إذا أراد الله -عز وجل- أن ينصرك؛ أمر ما لا يكون سببًا في العادة فكان أعظم الأسباب.
وإذا أراد القدير -عز وجل- أن يكرمك؛ جعل من لا ترجو الخير منه هو سبب أعظم العطايا التي تنالك.
وإذا أراد القادر -عز وجل- أن يصرف عنك السوء؛ جعلك لا ترى السوء، أو جعل السوء لا يعرف لك طريقًا.
وإذا أراد -عز وجل- أن يعصمك من معصية؛ جعلك تبغضها، أو جعلها صعبة المنال منك، أو أوحشك منها، أو جعلك تقدم عليها فيأتي عارض فيصرفك عنها.
فما أحرانا أن نطرق باب القدير -عز وجل- !
إبراهيم الخليل -عليه السلام- يسلم أهله لربه -عز وجل- ؛ فيدعو: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) [إبراهيم:37]، فكانت مكة حنين القلوب على مدار العصور.
وهذا سليمان -عليه السلام- يدعو: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [الشعراء: 83]، فملكه الله -عز وجل- رقاب الجن.
ويونس -عليه السلام- في ظلمة الليل والبحر وفي بطن الحوت يدعو: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]؛ فيصبح بطن الحوت له وعاءً.
وكان من دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ» [أخرجه البخاري].
وقدرة الله -جل وعلا- يستعاذ بها من كل شر وأذًى؛ ففي الدعاء الذي علمه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- للمريض: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، سَبْعَ مَرَّاتٍ» [رواه مسلم].
وقول الله -عز وجل- : (وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الممتحنة:7]، فيه: إشارة إلى أن مغفرته -عز وجل- ورحمته لعباده عن كمال القدرة، فلا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يكبر عليه عيب أن يستره، ولا رحمة أن يوصلها.
فليس كل من له قدرة وقوة يغفر ويرحم من قدر عليه.
وليس كل من يغفر ويرحم له قدرة، فهو -سبحانه وتعالى- مع كمال قدرته إلا أنه غفور رحيم.
لكـل شيء قـدرًا:
والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق:3]، فمن اتقى ربه وتوكل عليه؛ فلا يتباطأ عون الله له، ولا ييأس من روحه، ولا يقنط من رحمته؛ فالفرج آتيه لا محالة؛ لأن الله -عز وجل- على شيء قدير.
ولكن الله -عز وجل- جعل لكل شيء قدرًا؛ له زمن لا يتجاوزه، ووقت لا يتخطاه، فإذا جاء موعد المقدور؛ فلا يستأخر عن دفعه ساعةً ولا يستقدم.
ينام العبد على أمرٍ قد يئس منه ويستيقظ على انفراجه؛ (وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) [الكهف:45].
للكربة وقت ثم تزول، ولها زمن ثم تتحول؛ لأن الله -عز وجل- قد جعل لكل شيء قدرًا.
لا تثمر الشجرة حتى يحين وقتها، ولا تبزغ الشمس حتى يحل ميقاتها، ولا تضع الحامل حملها إلا بأجل؛ ﴿قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق:3] .
اللهم! اغفر لنا وارحمنا؛ إنك على كل شيء قدير.
47
الحَــفِــيظُ -جل جلاله-
جاء في «الصحيحين»: أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس كادَا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وسعيَا في قتله؛ فدعا عليهما.
فأما عامر بن الطفيل؛ فأصيب بغدة في نحره، وهو في بيت امرأة من بني سلول، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وأقبل على فرسه وهو يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية! فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتًا.
وأما أربد بن قيس؛ فخرج معه جمل يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرقتهما. فمن حفظ رسول الله؟! إنه الله الحافظ.
القائل في كتابه: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:64].
ربنا -سبحانه وتعالى- يحفظ السماء والأرض وما فيهما، ويدوم بقاؤهما بقدرته؛ فلا يزولان ولا يحيدان، ولا يعجزه حملهما؛ لكمال قدرته وقوته، ألم تسمع قوله -سبحانه وتعالى- : (۞ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41].
وربنا -سبحانه وتعالى- يحفظ على خلقه ما يعملون من خير وشر، في سر وعلن، وصغير وكبير، قد أحصى أقوالهم، وعلم نياتهم؛ فلا تغيب عنه غائبة، (وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) [ق:4].
وهو -سبحانه وتعالى- الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ومصارع السوء، جعل له حفظةً من الملائكة هم: المعقبات بأمره، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ [الرعد:11].
وحفـظ الله لخلقـه نوعـان:
عامٌّ، وهو: حفظه لجميع المخلوقات؛ بأن ييسر لها مصالحها، قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود:57].
وحفظٌ خاصٌّ -وهو أشرف النوعين-، وهو: حفظه لأوليائه في مصالح دنياهم، وفي أبدانهم وأولادهم ومالهم، فجعل لهم معقبات تحفظهم، وحفظ لهم دينهم من الشبهات والشهوات، ومن أعدائهم من شياطين الإنس والجن، ثم يتوفاهم على الإيمان، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ [الرعد:11].
وربنا الذي تكفل بحفظ كتابه العزيز؛ من التحريف والتغيير على مر العصور والدهور: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
وحفظ الكعبة من الزوال؛ مع أنه بيت من حجارة في واد غير ذي زرع؛ لتبقى شاهدةً على جليل حفظه وعظيم قدرته وقوته.
يدافـع عنـك..
يجتمع كفار قريش حول غار فيه رجلان: محمد -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ، يريدون قتلهما، فيتسلل الخوف إلى فؤاد أبي بكر، فينظر إليه صاحبه العظيم ويقول له: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟» [أخرجه البخاري ومسلم]
وَإِذَا العِنَايَةُ لَاحَظَتْكَ عُيُوْنُهَا ... نَمْ فَالمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ
إنه الحفيظ!...
يكيد الطغاة للأولياء؛ فيحفظ الله أولياءه، فهذا موسى -عليه السلام- يقول: (رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ﴿46﴾﴾ [طه:45-46] ؛ فبشره الله، وحفظه، ونصره على عدوه.
فمن الذي ينصر على الأعداء؟ إنه الله الحافظ لأوليائه؛ وإن قل عددهم؛ (وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ) [الأنفال:66]، ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران:139].
مكافـأة ربانية:
يحفظ الحفيظ -سبحانه وتعالى- ذرية أوليائه؛ سواء في حياتهم أو بعد مماتهم؛ فهذا يعقوب -عليه السلام- يرد الله إليه حبيبه يوسف بعد سنين طوال، وهو -عليه السلام- القائل: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:64].
وفي خبر موسى والخضر -عليهما السلام- عندما أتيا أهل قرية فاستطعما أهلها؛ فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه الخضر -عليه السلام- : ﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا﴾ [الكهف:82].
يموت الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز عن سبعة من الذكور وسبع من الإناث، ولم يخلف لهم شيئًا إلا الله -عز وجل- ، فيحفظ الله الأولاد، قال العلماء: وكان أبناؤه من أغنى الأغنياء في الناس.
وصيـة ثـمينـة:
يوصي النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنهما- : «يَا غُلاَمُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ! احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ!» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
ولما قيل لمحب الدين الطبري -وهو إمام شافعي كبير-: "قفزت من السفينة وأنت شيخ كبير؟ فقال -كلمةً خلدت في التاريخ!-: هذه أعضاء حفظناها في الصغر؛ فحفظها الله لنا في الكبر"؛ (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:64].
قال العلماء: احفظ أوامر الله بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعديها؛ يحفظك في نفسك ودينك ومالك وولدك، وفي جميع ما آتاك الله من فضله في الدنيا، قال -صلى الله عليه وسلم- : «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ! احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ!» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
وأما في الآخرة؛ فقد بشرهم الله بالفوز العظيم، قال -سبحانه وتعالى- : (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة:112].
وعلى قدر حفظك لحدود الله يكون قدر الولاية، ويدخل في هذا:
حفظ التوحيد، وحفظ شعائر الدين؛ ولا سيما الصلاة: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة:238].
وحفظ السمع والبصر والفؤاد عن الحرام: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36]، ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ [النساء:34].
وحفظ الفرج: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ﴾ [المؤمنون:5].
وحفظ الأيمان: ﴿وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ [المائدة:89].
صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدعو: «اللَّهُمَّ! احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ مِنْ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» [حديث صحيح. رواه الترمذي]، وإذا أراد النوم طلب -صلى الله عليه وسلم- من الله الحفظ.
بشـرى..
إن العبد الصالح إذا استودع الله شيئًا حفظه؛ كما جاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي هريرة: «أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه].
وفي حديث آخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللهَ إِذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» [حديث صحيح. رواه البيهقي في «السنن الكبرى»].
وما أجمل أن تعوذ أبناءك كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل؛ كان يعوذ الحسن والحسين -رضي الله عنهما- ، وإذا استودعتهم الله فقد استودعتهم للحفيظ -سبحانه وتعالى- ؛ (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:64].
اللهم! إنا نستودعك أنفسنا ووالدينا وأبناءنا وكل نعمة أنعمت بها علينا.
48
الغَــنِــيُّ -جل جلاله-
أخرج الإمام البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ؛ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ.
فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ! أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ! وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ».
قد يعطى الإنسان أموالًا، أو يمنح عقارًا، أو يرزق عيالًا، أو يوهب جاهًا، أو ينال منصبًا عظيمًا، أو مركزًا كريمًا، أو زعامةً عريضةً، أو رياسةً مكينةً.. قد يحف به الخدم، ويحيط به الجند، وتحرسه الجيوش، وترضخ له الناس، وتذل له الرؤوس، وتدين له الشعوب...
ومع ذلك -كله- فالكل محتاج إلى الله -جل وعلا- : ﴿۞ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر:15].
وربنا هو الغني -عز وجل- ؛ الذي لا أغنى منه على الإطلاق، والكل فقير محتاج إليه.
فربنا غني بذاته وصفاته وسلطانه، كمل في غناه فلا يحتاج إلى أحد.
وربنا من كمال غناه: أنه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين؛ ولو كفر به كل العالمين! قال -عز وجل- : ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران:97].
ومن كمال غناه: أنه يحسن إلى العباد، ويريد بهم الخير، ويكشف عنهم الضر؛ لا لشيء إنما رحمةً بهم وإحسانًا، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) [الأنعام: 133].
ومن كمال غناه: تنزهه عن النقائص والعيوب، وكل ما ينافي غناه، فلم يتخذ صاحبةً ولم يتخذ ولدًا، ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل، ولم يكن له كفوًا أحد، قال ربنا -عز وجل- : ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا﴾ [الإسراء: 111].
ومن كمال غناه وكرمه: أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ -عز وجل- مِنَ الدُّعَاء» [حديث حسن. رواه الترمذي].
العالـم بـأسـره فـقـراء إلى الله ..
العالم أجمع؛ جنهم وإنسهم، وغنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم، وأميرهم وحقيرهم، وقويهم وضعيفهم: فقراء إلى الله، محتاجون إليه في كل ساعة.
ومن كرم الله: أنه قرن اسمه (الغني) بوصف (الرحمة) في قوله -سبحانه وتعالى- : (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) [الأنعام:133]؛ وذلك لإخبار العباد أنه: غني عن عبادتهم، ومع هذا فهو قد رحمهم في كل شيء؛ حتى في العبادات والتكاليف، بل من رحمته: أنه يقبل القليل فيكثره.
ومن كرمه أنه قرن اسمه (الغني) باسمه (الحميد)، قال الله -سبحانه وتعالى- : ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:8]، أي: بليغ الاستحقاق للحمد؛ بما له من عظيم النعم.
فالكل محتاج إليه؛ في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل ساعة وكل ثانية.
فهذا أكمل الخلق عبوديةً يدعو ربه مظهرًا فقره وحاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فقد كان من دعائه -عليه الصلاة والسلام- : «أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» [حديث صحيح. رواه النسائي].
أنت محتاج إلى الغني في كل ساعة، فبقدر إظهار فقرك إليه يكون الجزاء.
وتذكر: أن الله هو الغني، وأن غناه غنًى ذاتي، بل لو سأله أهل السماوات والأرض وأعطى كل واحد مسألته ما نقص من ملكه شيء، جاء في «صحيح مسلم»: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي؛ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ».
مفتـاح الغنى:
كيف أصل إلى الغنى؟
الجواب: كما جاء في الحديث القدسي: «ابْنَ آدَمَ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى، وَامْلَأْ يَدَيْكَ رِزْقًا.
ابْنَ آدَمَ! لَا تَبَاعَدْ عَنِّي فَأَمْلَأْ قَلْبَكَ فَقْرًا، وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ شُغْلًا» [حديث صحيح. رواه الحاكم في «المستدرك»].
فمتى غني القلب بالله -عز وجل- ، وقنع به، وفرح بما أعطاه الله؛ أصبح أغنى خلقه بخالقه، وأعز مخلوق برازقه، وأقوى ضعيف بمولاه، فهذا الغنى بلا مال، والقوة بلا سلطان، والعزة بلا عشيرة، فيا له من غنًى؛ ما أجل قدره!
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» [أخرجه مسلم].
لن يشبع الإنسان لو ملك الدنيا؛ ما لم يكن الغنى في قلبه، وكما جاء في «صحيح ابن حبان»: قال -عليه الصلاة والسلام- : «يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتَرَى كَثْرَةَ المَالِ هِيَ الغِنَى؟ إِنَّمَا الغِنَى غِنَى القَلْبِ وَالفَقْرُ فَقْرُ القَلْبِ» [حديث صحيح].
من كان الغنى في قلبه؛ فلا يضره ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه؛ فلا يغنيه أكثر ما في الدنيا، صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» [حديث حسن. رواه الترمذي].
وفي الحديث الآخر: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» [أخرجه البخاري ومسلم].
النَّفْسُ تَجْزَعُ أَنْ تَكُوْنَ فَقِيرَةً
وَالفَقْرُ خَيْرٌ مِنْ غِنًى يُطْغِيهَا
وغِنَى النَّفْسِ هُوَ الكَافـِي فَإِنْ
أَبَتْ فَجَمِيعُ مَا فِي الأَرْضِ لَا يَكْفِيهَا
فالغني في الإسلام هو: من استغنى في قلبه عن الناس، وافتقر لله -سبحانه وتعالى- ، قال -صلى الله عليه وسلم- : «شَرَفُ المُؤْمِنِ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزُّهُ: اسْتِغْنَاؤُهُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسٍ» [حديث حسن. رواه الحاكم].
ولما قيل لأعرابي: لقد أصبح رغيف الخبز بدينار!
فأجاب: والله! ما همني ذلك؛ ولو أصبحت حبة القمح بدينار! أنا أعبد الله كما أمرني وهو يرزقني كما وعدني!
قال النسفي -رحمه الله- : "قال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل؛ وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله، يكون غنيا بالله".
قال حكيم: "إن الرجل ليجفوني، فإذا ذكرت استغنائي عنه بالله، وجدت بردًا على كبدي".
قال ابن السعدي -رحمه الله- : "إنما الغنى غنى القلب، فكم من صاحب ثروة وقلبه فقير متحسِّر؟!".
تَبَرَّأْتُ مِنْ حَوْلِي وَطَوْلِي وَقُوَّتِي
وَإِنِّي إِلَى مَوْلَايَ فِي غَايَةِ الفَقْرِ
غِنَى المَرْءِ بِالرَّحْمَنِ أَغْنَى مِنَ الغِنَى
بِهِ يُكتَسَى ثَوْبُ المَهَابَةِ وَالقَدْرِ
اللهم! أعطيتنا من قبل أن نسألك؛ فكيف إذا سألناك؟!
اللهم! أغننا بالافتقار إليك، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك؛ فإنك أنت الغني، لا إله إلا أنت.
اللهم! أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
49 - 50
الحَكَمُ الحَكِـيمُ -جل جلاله-
جاء في «سنن النسائي» عن هانئ: أنه لما وفد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعه (أي: الوفد)، وهم يكنون هانئًا: أبا الحكم؛ فدعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَّى أَبَا الحَكَمِ؟»، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم؛ فرضي كلا الفريقين؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا! فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟» قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟»، قلت: شريح، قال: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» [حديث صحيح].
من أسماء ربنا -عز وجل- : (الحَكَمُ وَالحَكِيمُ)، قال الله -سبحانه وتعالى- : ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران:6]، وقال -سبحانه وتعالى- : (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام:62].
"والحَكيم له معنيان:
الأول: الَّذِي أحكم الأشياء وأتقنها، والله -تبارك وتعالى- حكيم؛ لأنه أحكم أقواله وأفعاله؛ فأقواله وأفعاله صواب كلها، بلغت غاية الإتقان.
ومن الإتقان فيها الذي هو غاية الحكمة: وضعه كل شيء في موضعه؛ فقد دبر خلقه أحسن التدبير، وصنع مخلوقاته أحسن الصنع، فلا يدخل في تدبيره وتقديره خلل، ولا يعتري صنعه نقص أو قصور، ولا يقع في أفعاله زلل ولا خطأ، وصدق الله -تبارك وتعالى- : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل:88].
وكما أحكم خلقه أحكم آيات كتابه -وهو: القرآن الكريم-؛ فقال -جل جلاله- : (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحج:52]، ووصف كتابه بأنه حكيم: ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [لقمان:2].
والمعنى الثاني للحكيم: أنه -تبارك وتعالى- الحكم والحاكم بين عباده، فالله -عز وجل- هو الحكم والحاكم بين عباده، أي: يقضي بينهم، ويفصل بينهم بشرعـه.
وقد اختص نفسه بالحكم؛ فلا يجوز لأحد أن يتعدى على ما اختص به نفسه، فالله -عز وجل- قال: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ﴾ [الأنعام:57]، وقال -عز وجل- : (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام:62]".
واتخاذ الله حكمًا وحاكمًا يكون بتحكيم كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في حال الاختلاف؛ فالله قال: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى: 10].
والله -عز وجل- هو المستحق لأن يكون حكما بين عباده؛ لأنه ربهم وخالقهم ومعبودهم، ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ﴾ [الأنعام:114].
وربنا أحكم الحاكمين، فهو -تبارك وتعالى- العالم بكل شيء، والذي يعطي كل مسألة الحكم الذي يناسبها؛ فالله -عز وجل- قد قال: ﴿وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾ [يونس:109].
والمؤمن لا يكون مؤمنًا حتى يكون مسلـمًا لشرع الله، محتكمًا إليه، مستسلمًا لـما جاء فيه؛ فالله -تبارك وتعالى- قد قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65].
ولا فلاح لأمة تدعي الإسلام إلا بتحكيم شرع الله.
مكافأة من الحكيم..
ومن رُزق الحكمة فقد رُزق خيرًا كثيرًا، والله يؤتيها من يشاء من عباده، (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) [لقمان:12]، وجميع الأنبياء قد أُعطوا الحكمة وتفاضَلَ بعضهم على بعض فيها.
جاء في «الصحيحين»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ.
فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ -عليه السلام- ؛ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ ابْنِ دَاوُدَ -عليهما السلام- فَأَخْبَرَتَاهُ؛ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا.
فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ -يَرْحَمُكَ اللهُ!- هُوَ ابْنُهَا؛ فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى».
اطمئـن!
وتذكر: أن لله الحكمة البالغة؛ فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، واختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك، (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب:43].
قال سفيان الثوري: "منعه عطاء؛ وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم؛ وإنما نظر في خير العبد فمنعه اختيارًا وحسن نظر"، فربما تطلب ما لا تحمد عاقبته، وربما كان في حتفك!
قـال ابن مسعــود -رضي الله عنه- : "إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه؛ فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النار؛ فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله -عز وجل- ".
وروي عن بعض السلف أن رجلاً كان يسأل الله الغزو، فسمع هاتفًا في المنام: "إنك إن غزوت أُسِرت، وإن أُسِرت تنصـرت!"، ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:216] .
تَبَارَكَ فَهُوَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ ... جَوَادٌ كَرِيمٌ كَامِلٌ لَا يُمَثَّلُ
حَكِيم فَيَقْضـي مَا يَشَاءُ بِحُكْمِهِ ... حَلِيمٌ فَلَا يَخْشَى فَوْاتًا فَيَعْجلُ
إيــاك!
ثم إياك أن تسيء الظن بالله إذا خفيت عليك الحكمة، وانسب الجهل إلى نفسك! فإن العقول قاصرة عن مطالعة حكمته، فالملائكة -مع قربهم من الله وعلمهم بجلاله وقدرته- لم يعلموا حكمته في إنزال آدم إلى الأرض؛ فقالوا: ﴿أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:30].
فكن مع الله صامتًا عند مجيءقدره وفعله؛ حتى يريك ألطافًا كثيرةً.
قال عمر -رضي الله عنه- : "لو كشفت لنا حجب الغيب ما اختار أحدنا لنفسه إلا ما اختاره الله له".
في صلح الحديبية يأتي عمر -رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟!
قال: «بَلَى».
قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟!
قال: «بَلَى».
قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟!
فقال: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ! إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا»؛ فأنزل الله سورة (الفتح)، فعلم الناس أن الصلح: فتح. [أخرجه البخاري ومسلم].
رفعت الأقلام، وجفت الصحف، وقضي الأمر، وكتبت المقادير؛ ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [التوبة:51].
والله أرحم الراحمين، وهو خير الحاكمين؛ فأبشر بفرج عاجل؛ فبعد الدمعة بسمة، وبعد الخوف أمن، وبعد الفزع سكينة، ولكن عليك بتقوى الله.
قال الألوسي: "من اتقى الله -سبحانه وتعالى- تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه، وانكشفت له دقائق الأسرار حسب تقواه"، ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران:130 و200].
اللهم يا حكيم! افتح علينا أبواب حكمتك، ورضنا بما قسمت لنا؛ فأنت العليم الحكيم.
51
اللَّـطـِـيـفُ -جل جلاله-
نعيش مع اسم الله: (اللطيف -جل وعلا- )؛ نستقي من أنواره ونتفيأ ظلاله:
قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 100].
وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام:103].
واللُّطف في اللغة هو: البر، والحفاوة، والإكرام، والترفق، والعلم بدقائق الأمور.
فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى اللطيف.
فربنا -جل وعلا- اللطيف؛ الذي لا ألطف منه، رفيق بعباده؛ لا يعاجلهم على الذنب، لا تخفى عليه الأشياء؛ وإن دقت ولطفت وتضاءلت.
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي بر بعباده وتفضل عليهم ورفق بهم من حيث لا يعلمون، (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ) [الشورى:19]، وهو الذي رزقهم من حيث لا يحتسبون.
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي لا تدركه الحواس، ولا تراه الأبصار: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103].
أعطاهم فوق الكفاية، وكلفهم دون الطاقة، وسهل عليهم الوصول إلى السعادة في مدة قصيرة: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ) [يوسف:100] .
وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وِلِعَبْدِهِ ... وَاللُّطْفُ فِي أَوصَافِهِ نَوْعَانِ ... إِدْرَاكُ أَسْرارِ الأُمُوْرِ بِخِبْرَةٍ ... وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الإِحْسَانِ
فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ ... وَالعَبْدُ فِي الغَفَلَاتِ عَنْ ذَا الشَّانِ
إنه اللطـيـف:
ربك الكريم اللطيف -تبارك وتعالى- ؛ يوصل إليك إحسانه بلطف وبرفق، وهو أعلم بحالك منك، وألطف بك من نفسك.
فإذا أراد اللطيف -جل وعلا- : أن يرحمك أرسل إلى نفسك نور الإيمان؛ فيبقى صدرك مشرقًا بنوره، كارهًا للفواحش والفتن، مجتنبًا للمعاصي، (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103].
وإذا أراد اللطيف -جل وعلا- : أن ينصرك أمر ما لا يكون سببًا في العادة؛ فكان أعظم الأسباب لنصرتك؛ إنه: (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 103].
وإذا أراد اللطيف -جل وعلا- : أن يشفيك؛ أرسل لك أغرب سبب، وربما أضعف سبب؛ إنه: (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103].
إذا أراد اللطيف -تبارك وتعالى- : أن يرزقك؛ يسر أمورًا ربما خفيت عليك، لكن الله علمها، فقد يرسل فقيرًا إليك فتبذل له، فيدعو؛ فتفتح لدعوته أبواب السماء، فيساق الرزق إليك، وتتم إرادته على ما شاء، وأنت غير مدرك؛ أنه هو: (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103].
ألا تـشـتـاق إليـه؟!
لو علم العبد ما يدبر اللطيف له؛ لذاب قلبه شوقًا إلى لقائه.
فكم من مرض أصابك فأزاله...!
وكم من مصيبة حلت فحولها...!
وكم من دين قضاه...!
وكم من هم فرجه...!
ليس بحول منك ولا قوة، وإنما بلطف منه وكرم!
فإذا طرق الناس أبواب الملوك؛ فاطرق أنت باب الملك الأعظم.
وإذا وقفوا بساحة الأمير؛ فقف أنت بساحة الإله الأكرم.
وإذا ألم بك المرض، وأثقلك الدين، وحزنت على الغائب، وخفت على الولد، وأتعبك الفقر؛ فتذكر أنه هو: (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103].
فهو الذي بيده مفاتيح الفرج، والخزائن ملأى، ويد الله سحاء الليل والنهار؛ (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ) [الحجر:21].
فالسعادة عنده، والأمن عنده، والراحة عنده، والرضا عنده، والشفاء عنده، وبيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.
فلا تحمل هما وأنت في معية الله -تبارك وتعالى- ؛ حتى لو ازدادت عليك أكدار الدنيا، واعلم أنها تقودك إلى الاجتباء؛ كما قادت يوسف -عليه السلام- .
ومهما اختفى من حياتك أمور ظننت أنها سبب سعادتك تأكد أن الله صرفها عنك قبل أن تكون سبباً في تعاستك.
مفتـاح السعـادة:
وإذا أردت أن تكون في معية الله اللطيف -عز وجل- ؛ فاسعد بشريعته، واشكر نعمته، وتفكر في ملكوته، واطرب لذكره، وتلذذ بسماع كلامه، وارض به ربا، وبكتابه نهجًا، وبنبيه رسولًا.
فمعية الله -تبارك وتعالى- لا تأتي إلا بسبب، ولا تحصل إلا بتعب، وحينها سيعمر الأنس قلبك، ويزول همك، وتنسى أتعاب الحياة وأوصاب الدنيا.
انـكسـر للطـيـف!
ربنا (اللطيف)؛ يحب اللطف، ويحبك أن تعامل الخلق بلطف وشفقة.
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار -أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ-: عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
فإذا احتجت إلى لطف الله بك ليعافيك مما أضر بك؛ فأظهر لـله ضعفك وانكسارك، والطف بالمسلمين؛ وخاصةً ضعيفهم.
إِلَهِي أَنْتَ لِلْإِحْسَانِ أَهْلٌ ... وَمِنْكَ الجُوْدُ وَالفَضْلُ الجَزِيلُ ... إِلَهِي بَاتَ قَلْبِي فِي هُمُوْمٍ ... وَحَالِي لَا يُسَّـرُّ بِهِ خَلِيلُ
إِلَهِي جُدْ بِعَفْوِكَ لِي فَإِنِّي ... عَلَى الأَبْوَابِ مُنْكَسِـرٌ ذَلِيلُ
اللهم! الطف بنا، وارزقنا الأنس بقربك، وأعنا على طاعتك، وأحسن لنا الخاتمة.
52
الخَبــِــيرُ -جل جلاله-
أخرج النسائي بسند صحيح: أن أعرابيًّا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه.
فلما كانت غزوة خيبر؛ غنم النبي -صلى الله عليه وسلم- سبيًا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء؛ دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فأخذه، فجاء به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال: ما هذا؟ قال: «قَسَمْتُهُ لَكَ»، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا -وأشار إلى حلقه بسهم-؛ فأموت، فأدخل الجنة.
فقال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ»، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل قد أصابه سهم حيث أشار.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «أَهُوَ هُوَ؟»، قالوا: نعم، قال: «صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ»، ثم كفنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في جبة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا؛ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ».
أعمال الجوارح تتبع أعمال القلوب؛ والنجاة يوم القيامة في سلامة القلب؛ ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ﴿88﴾ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ﴿89﴾﴾ [الشعراء:88-89].
ولا يعلم ما في القلوب إلا الله العليم الخبير! قال الله -تبارك وتعالى- عن نفسه: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [البقرة:234].
فربنا عالِم بسرائر عباده، وضمائر قلوبهم، لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها.
أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، والماضي والحاضر والمستقبل؛ فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.
يخبر بعواقب الأمور ومآلاتها وما تصير إليه، ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا﴾ [الفرقان:59].
فالله عليم بظواهر الأمور، خبير ببواطنها.
خَبِيرٌ بِالحَقَائِقِ وَالمَعَانِي ... عَلِيمٌ لَا يُمَارَى أَوْ يُجَارَى
مُحِيطٌ لَا يَفُوْتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ... وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا تَوَارَى
مقـام الإحسـان:
ومن علم أن الله خبير ببواطن أمره، مطلع عليه؛ استحى أن يراه الله فيما لا يحب، ثم أحسن عمله، وأخلص عبادته؛ حتى يصل به الحال إلى مقام الإحسان؛ الذي ورد في الحديث الصحيح: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
قال أبو حاتم : "قطب الطاعات للمرء في الدنيا هو: إصلاح السرائر، وترك إفساد الضمائر".
الســر في القـلـب!
وإنك لترى عملًا صالحًا يعمله الرجلان؛ فيتقبل من أحدهما، ولا يتقبل من الآخر! فهذا يصلي فتقبل صلاته، وبجانبه آخر يصلي فلا يكون له من صلاته إلا ما عقل منها، قال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ الرَّجُلَ لِيُصَلِّي الصَّلَاةَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مِنهَا إِلَّا عُشْرُهَا، أَوْ تُسْعُهَا، أَوْ ثُمُنُهَا، أَوْ سُبُعُهَا، أَوْ سُدْسُهَا»؛ حتى أتى على العدد. [حديث صحيح. رواه ابن حبان].
وهذا يتصدق؛ فيتقبلها الله وينميها له -كما ينمي أحدنا فلوه-، والآخر يتصدق؛ فيردها الله، بل ويعذب بها! ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [البقرة:271].
ذاك الذي يغض بصره أمام الناس ويتصنع! ثم إذا خلا بنفسه مد بصره إلى الحرام وانتهك المحرمات؛ هل يستطيع أحد أن يطلع على قلبه عدا الخبير البصير؟ ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
من خطورة العيش بين الطاعة و المعصية أنك لا تدري في أي فترة منهم ستكون الخاتمة .
فالخلوة إما ترفع وإما تخفض، فمن عظَّم اللهَ في خلوته عظَّمه الناس في جلوته.
وقال الإمام مالك -رحمه الله- : "من أحب أن تفتح له فرجة في قلبه، وينجو من غمرات الموت وأهوال القيامة؛ فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية".
قال ابن رجب -رحمه الله- : "الخاتمة الحسنة لا تقع إلا لمن كانت سريرته حسنة؛ لأن لحظة الموت لا يمكن تصنّعها، فلا يخرج حينئذٍ إلا مكنون القلب".
وَاللهُ -سبحانه وتعالى- أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ الخَبِيرُ، بل ربط اسمه -عز وجل- (الخبير) بما يفعله ويعلمه ويصنعه الإنسان فوق عشرين مرةً؛ ليحثه على التقوى؛ ﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة:8].
وحثه أن ينظر لأعماله باطنها وظاهرها، فمن زاد إيمانه بهذا الاسم: (الخبير)؛ أصبح خبيرًا بما يجري في عالـمه، وعالـمه هو: قلبه وبدنه، والخفايا التي يتصف بها القلب؛ من غش وخيانة وإضمار الشر.
والله -عز وجل- لا ينظر إلى الصور، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، ﴿۞ ۞ أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ ﴿9﴾ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (11)) [العاديات:9-11].
المـعـية:
والعبد المؤمن إذا أخذ حظه من اسم الله: (الخبير -جل وعلا- )؛ أصبح في معية الله، وإذا أصبح في معيته يرفعه ويطهره، ويجعله مشغولًا بهذه المعية عن غيرها، ويجعله في حذر دائم وخشية دائمة، ويكفيه الله دنياه، ويجعلها تأتيه راغمةً، ويجمع شمله، ويبارك له في كل ما رزقه، ولا يعرف الضيق والهم والشيطان إليه سبيلًا؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا﴾ [الطلاق:2].
يَا مَن يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ ... أَنَتَ المُعِدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ ... يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا ... يَا مِنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ ... مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ ... فَبِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ ... فَلَئِنْ رُدِدْتُّ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ ... حَاشَا لمَجْدِكَ أَنْ تُقَنِّطَ عَاصِيًا ... فَالْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
اللهم! الطف بنا؛ يا خبير.. يا عالـمًا بالسرائر والضمائر!
53
الحَـلِـيمُ -جل جلاله-
قال العز بن عبد السلام: "معرفة الله -عز وجل- ، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ هي أفضل الأعمال شرفًا وثمارًا وآثارًا".
ونقف مع اسم من أسماء الله -عز وجل- وهو: (الحليم -جل وعلا- ):
قال -سبحانه وتعالى- : (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) [البقرة:263]، و (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44].
ربنا -عز وجل- ذو الصفح والأناة؛ الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، لا يعجل على عباده بعقوبتهم على شركهم وكفرهم به، وعلى كثرة ذنوبهم.
فمن أعظم منه حلمًا؟! الخلائق له عاصون؛ وهو لهم مراقب، يكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوه، ويتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، يجود بالفضل على العاصي، ويتفضل على المسيء.
إنه الحليم!
يقوم المضطر بين يديه وهو عاص ومذنب؛ فيستجيب له، ويسأله فيعطيه، ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
لا إله إلا الله ما أحلمه! فهو ذو الفضل ومنه الفضل، وهو الجواد ومنه الجود، وهو الحليم ومنه الحلم.
وَهُوَ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ... بِعُقُوْبَةٍ لِيَتُوْبَ مِنْ عِصْيَانِ
وفي «الصحيحين» عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- ، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ -تَعَالَى-؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ -مَعَ ذَلِكَ- يَرْزُقُهُمْ، وَيُعَافِيهِمْ، وَيُعْطِيهِمْ!».
ما أحلم الله!
فكم من زلة سترها الله علينا؟! وكم من ذنب لم يؤاخذنا به؟! وكم من معصية ارتكبناها؛ وهو ينادينا -وهو الغني عنا-: ﴿۞ ۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الحجر:49].
فسبحان الله الحليم! يخلق ويعبد غيره، ويرزق ويشكر سواه، خيره للعباد نازل وشرهم إليه صاعد، يتحبب إليهم بالنعم وهو غني عنهم، ويتبغضون إليه بالمعاصي وهم أفقر شيء إليه، ﴿وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [النحل:61].
همســة!
لنحذر من غضبه -تبارك وتعالى- ؛ لأن الحليم إذا غضب لم يقف لغضبه شيء، وحلمه -سبحانه وتعالى- صادر عن قوة وقدرة، والله الحليم لا يغضب إلا على من لا يستحق الرحمة، ولا يصلح في حقه الحلم؛ وذلك بعد أن يعطي المهلة.
قال -تبارك وتعالى- : ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الزخرف:55].
وقد يحلم الله على الكفار ويرزقهم، ولا يأخذهم بعقوبة في الدنيا؛ لكنه -تبارك وتعالى- لا يتأنى بهم في الآخرة، ولا يصفح عنهم؛ بل تسوقهم الملائكة إلى النار؛ فلا يقبل لهم رجاء، ولا يخفف عنهم العذاب، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ﴿68﴾ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ﴿69﴾﴾ [مريم:68-69]، ﴿يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [العنكبوت:54].
حـلاوة الامتـثـال!
والعبد يجاهد نفسه بالتخلق بهذا الخلق الكريم؛ ألا وهو: صفة (الحلم)، فهو -تبارك وتعالى- : (حليم) يحب من عباده الحلماء، كريم يحب الكرماء.
أَلَا إِنَّ حِلْمَ المَرْءِ أَكْبَرُ نِسْبَةٍ ... يُسَامِي بِهَا عِنْدَ الفَخَارِ كَرِيمُ
فيَا رَبُّ هَبْ لِي مِنْكَ حِلْمًا فَإِنَّنِي ... أَرَى الحِلْمَ لَمْ يَنْدَمْ عَلَيْهِ حَلِيمُ
وقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على نبيه إبراهيم الخليل -عليه السلام- بقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) [هود:75]، وهي من صفات إسماعيل -عليه السلام- : ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ﴾ [الصافات:101].
ولنبينا -صلى الله عليه وسلم- النصيب الأوفر من هذا الخلق.
جاء في «الصحيحين» عن أنس -رضي الله عنه- قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي؛ فجذبه جذبةً شديدةً، فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أثرت بها حاشية الرداء، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بالعطاء.
ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- الأشج بن عبد القيس بقوله: «إِنَّ فِيكَ لَـخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاةُ» [أخرجه مسلم].
وروي عن ميمون بن مهران: "أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف، فعثرت؛ فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي! استعمل قول الله -تبارك وتعالى- : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) ، قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) ، فقال: قد عفوت عنك، فقالت الجارية: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:134]، قال: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله -تبارك وتعالى- ".
قال أبو حاتم -رحمه الله- : "الواجبُ على العاقل إذا غضب واحتدَّ: أن يذكر كثرة حلم الله عنه، مع تواتر انتهاكه محارمه، وتعدّيه حرماته، ثمَّ يَحْلُم، ولَا يخرجه غيظه إلى الدُّخول في أسباب المعاصي".
وفي الختـام..
إذا حلت بك محنة أو بلاء؛ فادع الله وضمن اسم (الحليم) في دعائك؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعوه عند الكرب بهذا الدعاء: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
اللهم! كما حلمت على عبادك فاجعل حلمك علينا سعادةً في الدارين.
54
الـرَّؤُوْفُ -جل جلاله-
جاء في «الصحيحين» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ؛ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي البَحْرِ، فَوَاللهِ! لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ، يَا رَبِّ -أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ- فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ».
وربنا -عز وجل- أثنى على ذاته وبشر عباده بقوله -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [النحل:7].
والرأفة: أشد الرحمة وأبلغها.
وهي خير من كل وجه، قال -تبارك وتعالى- : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة:143].
وربنا -عز وجل- الذي خلق الإنسان وحفظه ورحمه، وأحسن إليه، وسخر له الكون كله، ودفع السوء عنه، وجلب له الخيرات؛ فهذا من إحسانه وكرمه.
بل من رأفته -عز وجل- : أنه يقبل طاعة الطائعين مهما صغرت، وأنه يحفظ إيمان من آمن به فلا يضيعه، وهذا من رأفته -سبحانه وتعالى- بأوليائه: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة:143].
أكمل الدلالات:
ومن جلال رأفته: أن حذر عباده ورغبهم ورهبهم، ووعدهم وأوعدهم؛ رأفةً بهم، ومراعاةً لصلاحهم ومصالحهم، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30].
ومن دلائل رأفته: أنه أنزل الكتاب على رسوله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه، قال -عز وجل- : ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحديد:9].
ومن دلائل رأفته: أن سخر لنا وسائل النقل؛ كالخيل والبغال والحمير قديمًا، والسيارات والطائرات والقطارات وغيرها حديثًا، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [النحل:7].
ومن جلال رأفته: أن ما اشتراه من العباد من أنفسهم وأموالهم إنما هو خالص ملكه، ثم إنه -تبارك وتعالى- يشتري منهم ملكه الخالص بما لا يعد ولا يحصى، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [البقرة:207].
ومن جلال رأفته: أنه يجيب دعاء أوليائه، قال -عز وجل- : ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:10].
ومن جلال رأفته: أنه نصب الحدود الزاجرة عن الحدود الحاملة على التقوى، فإن الرأفة تقيم المرؤوف به؛ لأنها ألطف الرحمة وأبلغها، قال -عز وجل- : ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور:20].
ومن دلائل رأفته: إمهاله للكافرين والعاصين من أن يأخذهم بالعذاب على غرة وهم لا يشعرون، بل يمهلهم، ويعافيهم، ويرزقهم، قال -تبارك وتعالى- : ﴿أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:47].
ومن دلائل رأفته: أنه يمسك (السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحج:65].
رسالـة إ لى..
إلى كل من أدركه الفقر، وتغشاه الكرب، وتغيرت ملامحه، وانكسر قلبه.
إلى من أثقله الدين، وحار فكره، وتشتت ذهنه، وظن أن الدنيا ضاقت عليه.
إلى من أهلكته الأوجاع، وأتعبته الآلام، وعجز الأطباء عنه، وأغلق الباب دونه.
إلى من حمل الهم، وغشيه الغم، وأدارت الدنيا ظهرها له؛ حتى ضاقت عليه بما رحبت.
إلى من غاب ابنه، وسافر حبيبه، وغادر صديقه؛ فضاقت نفسه، ورجف قلبه؛ فأصبح الورد شوكًا، والعالم الجميل كئيبًا..
تَذَكَّرْ هُنَا قَوْلَهُ -عز وجل- : (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [النحل:7]، وردد: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة:207]، وناد: يا رؤوف! ارأف بحالي، وارحم ضعفي، وفرج همي، واكشف السوء عني.
قال ابن القيم: "والله -سبحانه وتعالى- يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه"، (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف:86].
وهنا؛ انتظر الفرج؛ فالله -عز وجل- قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:62].
إنه الرؤوف الرحيم -سبحانه وتعالى- ، فما أعظم شأنه! وأعلى مكانه! وأقربه من خلقه! وألطفه بعباده!
فإذا رأيت الحبل يشتد؛ فاعلم أنه سينقطع، وإذا اشتد الظلام؛ فأبشر بصبح قريب.
لا تضق ذرعًا مع الرب الرؤوف الرحيم -جل وعلا- ، فمن الـمُحال دوامُ الحال، وأفضلُ العبادةِ: انتظارُ الفرج، والأيامُ دُولٌ، والدَّهرُ قُلَّبُ، والليالي حُبَالَى، والغيبُ مستور، والرؤوف قال: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29]، وقال -جل وعلا- : (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا) [الطلاق:1]، والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ﴿5﴾ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ﴿6﴾﴾ [الشرح:5-6].
قـلـوب سـجـدت..
وقد وصف الله -سبحانه وتعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الوصف فقال: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة:128]، أي: شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين، أرحم بهم من والديهم.
ولذا؛ كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق، وواجبًا على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتوقيره وتعزيره.
يقوم النبي -صلى الله عليه وسلم- الليل كله في آية: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [المائدة:118]، فيخبره ربه -عز وجل- الرؤوف أننا سنرضيك في أمتك.
والمؤمن يرأف بنفسه فيسلك بها إلى مسالك النجاة، ويقيها موارد المهالك، وكذلك هو مع غيره.
قال ابن رجب -رحمه الله- : "من جادَ على عباد الله؛ جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل".
إِلَهِي! تَرَى حَالِي وَفَقْرِي وَفَاقَتِي
وَأَنْتَ مُنَاجَاتِي الخَفِيَّةَ تَسْمَعُ
إِلَهِي! أَذِقْنِي طَعْمَ عَفْوِكَ يَوْمَ لا
بَنُوْنَ وَلَا مَالٌ هَنَالِكَ يَنْفَعُ
اللهم إنا نسألك يا رؤوف! أن تدخلنا جنتك، وتعيذنا من نارك.
55
الـوَدُوْدُ -جل جلاله-
وَلَـمَّا جَلَسْنَا مَجْلِسًا طَلَّهُ النَّدَى
جَمِيلًا وَبُسْتَانًا مِنَ الرَّوْضِ نَادِيًا
أَثَارَ لَنَا طِيبُ المكَانِ وَحُسْنُهُ
مُنَىً فَتَمَنَّينَا فَكُنْتَ الأَمَانِيَا
ربنا الودود -سبحانه وتعالى- ؛ حبيب الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الملتجئين، وأمان الخائفين.
المحب للتوابين والمتطهرين، أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين.
أوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد، الملاذ في الشدة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القلة -سبحانه وتعالى- .
حديثنا عن اسم الله: (الودود -سبحانه وتعالى- ):
قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود:90]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ﴿14﴾ ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ﴿15﴾﴾ [البروج:14-15].
والود: المحبة.
فربنا -سبحانه وتعالى- تودد إلى أوليائه بمعرفته، ونعوته الجميلة..
وهذا الود خاص بالأولياء والأتقياء؛ فجلب لهم أسباب التودد إليه، وجذب قلوبهم وده، فذكر لهم ما له من الأسماء الحسنى والنعوت الواسعة العظيمة الجميلة؛ فجلبت القلوب السليمة والأفئدة المستقيمة إليه.
وَكَانَ فُؤَادِي خَالِيًا قَبْلَ حُبِّكُمُ
وَكَانَ بِذِكْرِ الخَلْقِ يَلْهُوْ وَيَمْرَحُ
فَلَمَّا دَعَا قَلْبِي هَوَاكَ أَجَابَهُ
فَلَسْتُ أَرَاهُ عَنْ فِنَائِكَ يَبْرَحُ
وربنا -تبارك وتعالى- ودود؛ تحبب إلى العصاة من خلقه، وتودد إلى التائبين منهم؛ فشرح لهم الأسباب التي ينالون بها مغفرته، والسبل إلى عفوه، والدلائل على سعة رحمته.
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿۞ ۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف:156].
وربنا -تبارك وتعالى- تودد إلى عباده بآلائه ونعمه العظيمة الظاهرة والباطنة، فهو الذي أوجدهم وأبقاهم وأحياهم وأصلحهم، وأتم لهم الأمور، وهداهم للإيمان والإسلام؛ الذي هو أكبر النعم.
وَهُوَ الوَدُوْدُ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّهُ ... أَحْبَابُهُ وَالفَضْلُ لِلمَنَّانِ ... وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ المَحَبَّةَ فِي قُلُوْ ... بِهِمُ وَجَازَاهُمْ بِحُبٍّ ثَانِ
هَذَا هُوَ الإِحْسَانُ حَقًّا لَا مُعَا ... وَضَةً وَلَا لِتوَقُّعِ الشُّكْرَانِ
إحسـان محـض:
إذا كُشف معنى اسم الودود لعبدٍ؛ تعلق قلبه بربه؛ فأصبح مشتغلًا به حبًّا وشوقًا ولذةً لا أحلى منها ولا أطيب!
وذلك أعظم ما عبده به العابدون، وتقرب إليه المتقربون؛ ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:54].
وصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بأسماء الله وصفاته.
والعبد المؤمن يعلم أن هذا الحال ليس بحول العبد ولا قوته، وإنما هو الودود الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لـما أحبه العبد بتوفيقه -سبحانه وتعالى- جازاه الله بحب آخر، وهذا هو الإحسان المحض؛ إذ منه السبب ومنه المسبب.
وإذا أحب العبد ربه حبًّا حقيقيًّا أثمر إخلاص العبودية له وحده، واستلزم محبة من يحبه الله وما يحبه، ويبغض من يبغضه وما يبغضه، وهذه هي حقيقة الولاء والبراء؛ ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [المجادلة:22].
للـمـحـبـين فـقـط!
والمؤمن الصادق يتودد إلى الله بالأعمال التي تقتضي محبته -عز وجل- ؛ من الأقوال والأفعال، وأعظمها: طاعة الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران:31].
ولا يزال العبد يمضي على ما يحبه الله -عز وجل- ، ويسارع فيما يريده مولاه، حتى يفوز بالحب، ويظفر بالقرب، «إِذَا أَحَبَّ اللهُ العَبْدَ نَادَى جِبرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ! فَيُحِبُّهُ جِبرِيلُ، فَيُنَادِي جِبرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ! فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ» [أخرجه البخاري].
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا﴾ [مريم:96].
وإذا أحب الله -عز وجل- عبدًا؛ كان «سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» [أخرجه البخاري].
قال ابن القيم -رحمه الله- : "فالأسباب الجالبة لمحبة اللهِ -عز وجل- عشرة:
أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به..
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض..
الثالث: دوام ذكره على كل حال؛ باللسان والقلب، والعمل والحال...
الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى...
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها.
السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه، ونعمه الباطنة والظاهرة...
السابع -وهو من أعجبها-: انكسار القلب بكليته بين يدي الله -سبحانه وتعالى- ...
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته...
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم...
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله -عز وجل- .
برهـان الود:
فَمَا كُلُّ عَيْنٍ بِالحَبِيبِ قَرِيرَةٌ ... وَلَا كُلُّ مَنْ نُوْدِي يُجِيبُ الُمنَادِيَا
يسمع المحبون منادي الحبيب: (حي على الفلاح!)؛ فيهجرون الفرش، ويطردون الكرى، ويمتطون الأقدام؛ في وهج الشمس أو لوعة البرد، وكأنما يمشون على الحرير، ويطرق أسماعهم: (حي على الكفاح!)؛ فيبذلون المهج، ويقدمون الأرواح، ويزهقون الأنفس، ويهرقون الدماء.
يتلى عليهم: (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم) [البقرة:254]؛ فيتسابقون بالغالي والنفيس، ويبذلون من أعز ما يملكون وأفضل ما يحبون، ويعطون عطاء من لا يخشى الفقر، ويتلى عليهم: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران:97]؛ فيقبلون من كل فج عميق، وواد سحيق، شعثًا غبرًا خماص البطون، ظمأى الأفئدة: لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك لبيك!
حالهم وحال غيرهم كقول الشاعر:
مَنْ لَمْ يَبِتْ وَالحُبُّ حَشْوُ فُؤَادِهِ ... لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
يقول جلال الدين الرومي: "إن الحب يجعل المر حلوًا، والتراب تبرًا، والكدر صفاءً، والألم شفاءً، والسجن روضةً، والسقم نعمةً، والقهر رحمةً، وهو الذي يلين الحديد، ويذيب الحجر، ويبعث الميت، وينضح فيه الحياة".
فَلَيتَكَ تَحْلُوْ وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ ... وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وَبْينِي وَبَيْنَ العَالَمِينَ خَرَابُ
إِذَا نِلْتُ مِنْكَ الوُدَّ فَالْكُلُّ هَيِّنٌ ... وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ
ويقول ابن القيم -رحمه الله- عن المحبة: "وهي: سر التأليه، وتوحيدها هو: شهادة أن لا إله إلا الله".
يقوم أعرابي والنبي -صلى الله عليه وسلم- يحدث الناس؛ فيقول: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: «مَا أَعْدَدْتَ لَهـَا»، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة؛ ولكني أحب الله ورسوله، قال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [أخرجه البخاري ومسلم] .
أُحِبُّ الصَّالحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَةْ
وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ المَعَاصِي ... وَلَوْ كُنَّا سَوَاءً فِي البِضَاعَةْ
عـلامـة..
قال هرم بن حيان: " ما أقبل عبدٌ بقلبه إلى الله -عز وجل- ؛ إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ".
فالمؤمن: ودود؛ يُحِب ويُحَب، ويألف ويُؤلَف، جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «المُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ» [حديث حسن. رواه الطبراني في «المعجم الأوسط»]، وذلك أنه يحب الخير لأقرانه المسلمين، ويكف شره عنهم، وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدعو: «اللَّهُمَّ! وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
اللهم يا ودود! نسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك.
56
الــبــــَرُّ -جل جلاله-
أيها العبد الفقير! لازم باب مولاك الكريم، وتعزز بالمولى العزيز العليم، توسل إليه بطاعته؛ فإنه البر الرحيم.
هنا؛ يتفضل عليك بنعمه؛ إن أطعته أكرمك وفضلك، وإن ضيعت ما مضى سيرحمك ويمهلك، وإن تبت وأنبت شكر، وإن عصيت وأسأت ستر.
فكيف يصبر عن قربه من وجد طعم عبوديته وحبه؟ أم كيف لا ينقطع إليه من وجد لذة التذلل بين يديه؟!
إِذَا كَانَ حُبُّ الهَائِمِينَ مِنَ الوَرَى
بِلَيْلَى وَسَلْمَى يَسْلُبُ اللُّبَّ وَالعَقْلَا
فَمَاذَا عَسَى أَنْ يَصْنَعَ الهَائِمُ الَّذِي
سَرَى قَلْبُهُ شَوْقًا إِلَى المَلإِ الأَعْلَى
وصدق من قال: "والله! ما أوحش الطريق لـمن لم يكن الله مؤمنه، وما أضل الطريق لـمن لم يكن الله دليله".
فسبحان البر الرحيم! الذي عم إحسانه وبره وخيره جميع أهل الأرض والسماوات، في كل اللحظات؛ من أصناف البر الظاهرة والباطنة.
والله قال: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20]، والله أثنى على ذاته العلية بقوله: (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: 28].
فربنا -سبحانه وتعالى- العطوف على عباده، الرحيم الرفيق بهم، المصلح لأحوالهم، وشؤونهم الدنيوية والشرعية.
ومن كمال بره -تبارك وتعالى- : أنه يبر بالمحسن في مضاعفة الثواب، ويبر بالمسيء في الصفح والتجاوز عنه.
وربنا البر اللطيف بعباده؛ يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر.
وهو البر بأوليائه؛ إذ خصهم بولايته، واصطفاهم لعبادته، ويدفع عنهم جميع أنواع الشرور والسيئات والملمات.
وتتجلى سعة بره فيما أعده لأوليائه في دار خلده: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الطور:28] .
وَالبِرُّ فِي أَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ
هُوَ كَثْرَةُ الخَيْرَاتِ وَالإِحْسَانِ
صَدَرَتْ عَنِ البِرِّ الَّذِي هُوَ وَصْفُهُ
فَالبِرُّ حِينَئِذٍ لَهُ نَوْعَانِ
وَصْفٌ وَفِعْلٌ، فَهُوَ بَرٌّ مُحْسِنٌ
مُوْلِي الجَمِيلِ وَدَائِمُ الإِحْسَانِ
فالله -سبحانه وتعالى- هو: البر بعباده، العطوف عليهم، المحسن إليهم، يوسعهم خيرًا وكرمًا وفضلًا وشكرًا وإجابةً؛ (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20].
الكل قد أقيم في خدمتك..
فالملائكة الذين هم حملة عرش الرحمن ومن حوله؛ يستغفرون لك!
والملائكة الموكلون بك يحفظونك، والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقك ويعملون فيه.
الأفلاك سخرت منقادةً دائرةً بما فيه مصالحك، والشمس والقمر والنجوم مسخرات جاريات بحساب أزمنتك وأوقاتك، وإصلاح رواتب أقواتك.
والعالـم السفلي كله مسخر لك؛ الأرض والجبال والبحار والشجر والثمر والنبات والدواب.. كل ما فيه لك؛ ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:13].
نسيم البـــر..
ومن إحسانه -سبحانه وتعالى- : أن يسر لنا الطريق إليه؛ فيسر شريعته علينا، وجعلها سمحةً، ونفى عنها الحرج، ولم يكلفنا ما لا نطيق: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ [الحج:78]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة:286]، ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: 17].
ومن بره بنا: أنه -تبارك وتعالى- يتقبل القليل منا، ويثيب عليه الكثير، ويعفو عن كثير من السيئات، ويكفينا هذا الحديث العظيم؛ الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ:
فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ -عز وجل- عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.
وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ سَيّئَةً وَاحِدَةً» [أخرجه البخاري ومسلم].
ومن بره بنا: أنه يفرح بتوبة عبده، وأننا إذا أذنبنا لم يفضحنا؛ بل وفتح لنا أبواب التوبة: ﴿۞ ۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53].
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «قَالَ اللهُ -سبحانه وتعالى- : يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِيْ.
يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِيْ.
يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغفِرَةً»[حديث صحيح. رواه الترمذي].
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا نَسْتَلِذُ بِهِ ذِكْرًا ... وَإِنْ كُنْتُ لَا أُحْصِي ثَناَءً وَلَا شُكْرَا ... لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا طَيِّبًا يَمْلُأُ السَّمَا ... وَأَقْطَارَهَا وَالأَرْضَ وَالبَرَّ وَالبَحَرَا
إِلَهِي تَغَمَّدْنِي بِرَحْمَتِكَ الَّتِي ... وَسِعْتَ وَأَوْسَعْتَ البَرَايَا بِهَا بِرَّا
حظـك منه..
وربنا بر، يحب البر، ويأمر به، ويحب التخلق به من عباده.
وأجمع الآيات: قوله -سبحانه وتعالى- : ﴿۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:177].
ولن ينال العبد بر الله -سبحانه وتعالى- به في الآخرة إلا باتباع ما يفضي إلى بره ومرضاته، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [آل عمران:92].
قال الرازي -رحمه الله- : "كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة؛ وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة".
اللهم! من علينا، وقنا عذاب السموم؛ إنك أنت البر الرحيم!
57
الـقَـريـبُ -جل جلاله-
قال الله -عز وجل- : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة:186].
سؤال تولى الله -جل وعلا- الرد عنه بنفسه، في آية تسكب في كل قلب مؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضا المطمئن، والثقة الكافية، واليقين الشافي.
وفي ظل هذا الأنس والقرب المودود؛ نتعرف على اسم الله: (القريب -جل وعلا- ):
قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) [سبإ:50].
اسم حبيب إلى النفوس، غني بالمعاني الرائعة والدلالات الكثيرة..
لفظه يشف عن معناه كما يشف الكأس الصافي عما فيه من الماء الزلال.
فربنا -جل وعلا- قريب من عباده، مستو على عرشه؛ الذي هو فوق خلقه، عليم بالسرائر وما تكنه الضمائر، ومعيته لكل أحد.
وقربـه من خلقـه نـوعـان:
أولًا: قرب عام، وهو: قربه -سبحانه وتعالى- من كل أحد بعلمه ومراقبته ومشاهدته وإحاطته بجميع الأشياء، وهو فوق كل المخلوقات، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.
وهذه المعية العامة: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16].
ثانيًا: قرب خاص، وهو: قربه -سبحانه وتعالى- من عابديه وسائليه ومحبيه، وهو قرب يقتضي: المحبة والنصرة، والتأييد في الحركات والسكنات، والإجابة للداعين، والقبول والإثابة للعابدين.
وهو قرب لا تدرك له حقيقة، وإنما تعلم آثاره؛ من لطفه بعبده، وعنايته به، وتوفيقه وتسديده: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ ﴾ [البقرة: 186].
وَهُوَ القَرِيبُ وَقُرْبُهُ المُخْتَصُّ بِـ ... ـالدَّاعِي وَعِبادِهِ عَلَى الإِيمَانِ
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ» [أخرجه مسلم].
يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
في كـنـف الله..
والله -عز وجل- قريب من أوليائه، حافظ عباده، يكلؤهم برعايته، يحوطهم بعنايته، ينزل عليهم غيث الرحمة، لا يدعهم طرفة عين، لا يكلهم إلى أنفسهم، ولا يسلط عليهم أعداءهم، ولا يجعل للشيطان عليهم سبيلًا.
أتوا بثمن المعية الخاصة؛ فكان: القرب، والنصر، والتأييد، والحفظ، ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ [المائدة:12].
اطمأنوا إلى ربهم، وحسن ظنهم به -سبحانه وتعالى- ؛ فكان لهم في كل حين..
فهذا نوح -عليه السلام- بعد الألف إلا خمسين عامًا من الدعوة والبلاء والعناء دعا ربه؛ فلباه، ونجاه، وأهلك خصومه.
وهذا إبراهيم -عليه السلام- استجار بربه؛ فأنجاه من النار.
ونجى يونس بن متى -عليه السلام- من الكرب العظيم، ورد يوسف إلى يعقوب وجمع شملهم، وألف بينه وبين إخوته، ورد بصر يعقوب إليه.
ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- تعصف به مواقف تشيب منها الرؤوس، وتبلغ فيها القلوب الحناجر، وظُن بالله الظنون من بعض أصحابه، فيتضـرع إلى مولاه؛ فينجز الله -عز وجل- الوعد، ويحقق المراد، ويعلي كلمة الحق..
فالله -عز وجل- قريب من جميع خلقه المؤمنين، يراهم ويحميهم.
تأتي امرأة تجادل في زوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وعائشة -رضي الله عنها- في طرف البيت تقول أنها تسمع كلمةً وتغيب عنها كلمة، وبعد ذلك الجدل ينزل جبريل على الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1]، فسبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها!
إنـه قـريـب:
لا ترفع صوتك بالدعاء! فهو قريب يسمعك..
سمع -صلى الله عليه وسلم- الصحابة -رضي الله عنهم- وهم يدعون ربهم بأصوات جهيرة مرتفعة؛ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوْا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُوْنَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُوْنَ سَمِيعًا بَصِيرًا» [أخرجه البخاري ومسلم].
والله مطلع على ما في نفسك وعلى خواطرك، تدعوه في قلبك فيستجيب.. إِنَّهُ القَرِيبُ -سبحانه وتعالى- : ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا﴾ [مريم: 3].
تذكره في نفسك فيسمعك ويذكرك؛ فإنه القريب -سبحانه وتعالى- .
وفي الحديث القدسي المتفق عليه: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٌ مِنْهُمْ».
وما من إنسان إلا وله منحة من الله القريب -جل وعلا- ؛ في تفريج هم أو تنفيس كرب، أو دفع ضرر، أو منع خطر، أو نيل محبوب، أو حصول مطلوب...
فباب الله القريب مفتوح، وعطاؤه ممنوح، وكرمه عظيم، وجوده كبير؛ فكم من حاجة قضيت، ومن دعوة قبلت، ومن بركة نزلت، ورحمة غشيت؟!
ثـوب الافـتـقـار ..
فإذا علمت بقرب الله -جل وعلا- منك، وأنه مطلع على سريرتك؛ يسمع دعاءك ويرى مكانك ويعلم ما في قلبك؛ فكن من المحسنين: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56].
وتقرب إليه؛ فإن تقربت منه شبرًا تقرب إليك ذراعًا، ففي الحديث القدسي: «وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ» [أخرجه البخاري ومسلم -واللفظ له-].
والتقرب إليه يكون بالفرائض قبل النوافل؛ «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» [أخرجه البخاري].
وكلما كمل العبد في مراتب العبودية كان أقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- ، وكلما تذلل لـله وانطرح بين يديه ومرغ أنفه وعفر وجهه لربه ومحبوبه؛ زاد قربه من ربه، وارتفع شأنه، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاء» [أخرجه مسلم].
فالسجود فيه: أعظم دلائل الإجلال، وأقصـى درجات العبودية، وأجل مظاهر التذلل، وأجمل رسائل الحب، وأعذب مناظر الخشوع، وأفضل أثواب الافتقار..
وبقدر سجودك لله -جل وعلا- ، تكون رفعتك عند الله، جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِـِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» [أخرجه مسلم].
وهنا تحصل على النعيم الدائم: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 11]، ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:28].
فهنيئًا لك بربك وبإقبالك عليه!
حتى وإن بدَت السماء بعيدةً ... إنّ الذي فوق السمـاء قريــبُ
فارفع يديك إلى الإله مناجياً ... إن الجروح مع الدعاء تطيــبُ
ماضرنا بعد السماء وإن علت ... مادمت يارب السماء قريــب ُ
اللهم قلت وقولك الحق: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة:186].
اللهم يا قريب يا مجيب!! أجب دعواتنا، وارحم ضعفنا، وفرج همنا، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وآجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين؛ يا سميع الدعاء!
58
المُجِــيــبُ -جل جلاله-
سَمِعْنَا حَدِيثًا كَقَطْرِ النَّدَى ... فَجَدَّدَ فِي النَّفْسِ مَا جَدَّدَا
فَأَضْحَى لِآمَالِنَا مُنْعِشًا ... وَأَمْسَى لِآلَامِنَا مُرقِدَا
قال عطاء: "جاءني طاووس -رحمه الله- فقال لي: يا عطاء! إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، طلبك أن تدعوه ووعدك الإجابة".
(فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) [هود:61].
فربنا -سبحانه وتعالى- المجيب؛ الذي ينيل سائله ما يريد، ويجيب دعاء السائلين، ويغيث الملهوفين، ويؤمن فزع الخائفين، حتى إنه يستجيب للذين كفروا به وما عرفوه ساعةً من نهار! فهو يجيب نداءهم، ويكشف ضرهم كرمًا منه، ولعلهم يؤمنون.
ولكن أكثر الناس يتناسون الفضل، وينكرون الجميل، ويكفرون المعروف، قال -عز وجل- : ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [العنكبوت:65].
على عتبـة البـاب..
والناس إذا أغلقت في وجوههم الأبواب، وضاقت بهم الأرض، واشتد بهم الكرب، وعظم عليهم الخطب، ولم يجدوا في المخلوقين ملجأً ولا ملاذًا؛ فإنهم بدافع الفطرة في نفوسهم يلجؤون إلى الله -سبحانه وتعالى- ، ويلوذون بجنابه، وينطرحون على أعتابه: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) [النحل:53].
والله من كرمه وجوده وإحسانه: يحب أن يسأل في الرخاء وفي الشدة، ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ؛ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» [حديث حسن. رواه الترمذي].
سُئل الإمام أحمد بن حنبل: كم بيننا وبين عرش الرحمن؟ فقال: "دعوة صادقة من قلب صادق".
ذكــرى..
والعبد المؤمن يحذر موانع الإجابة حال الدعاء، ومنها:
1- عدم الإقبال على الله بصدق.
2- عدم الجزم في المسألة وعدم الإلحاح في الدعاء.
3- عدم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- .
4- استعجال الإجابة.
5- أكل الحرام أو شرب الحرام أو لبس الحرام.
6- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وجاء في السنة أوقات وأحوال يُرجى فيها قبول الدعاء، ومنها:
1) الدعاء بين الأذان والإقامة.
2) في جوف الليل الآخر.
3) حال السجود.
4) ساعة الجمعة.
5) وحال السفر.
6) ودعوة المظلوم.
7) ودعوة الوالد على ولده.
والباب في هذا واسع، ولكن تذكر وأنت ترفع يديك بأن هذا فضل من ربك عليك، يريد أن يهب لك؛ فأحسن الظن، واعزم المسألة؛ فإن الله -جل وعلا- قال: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60].
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- : "ارفعوا أفواج البلاء بالدعاء".
وقال أنس بن مالك -رضي الله عنه- : "لا تعجزوا عن الدعاء؛ فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد".
قال ابن حجر -رحمه الله- : "كل داعٍ يستجاب له لكن تتنوع الإجابة؛ فتارةً تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعوضه".
بِكَ أَسْتَجِيرُ ومَنْ يُجِيرُ سِوَاكَا ... فَأَجِرْ ضَعِيفًا يَحْتَمِي بِحِمَاكَا ... إِنِّي ضَعِيفٌ أَسْتَعِينُ عَلَى قُوَى ... ذَنْبِي وَمَعْصِيَتي بِبَعْضِ قُوَاكَا ... أَذْنَبْتُ يَا رَبِّي وَآذَتْنِي ذُنُوْبٌ ... مَا لَهَا مِنْ غَافِرِ إِلَّاكَا
أَدْعُوْكَ يَا رَبِّي لَتَغْفِرَ حَوْبَتِي ... وَتُعِينَنِي وَتُمَدَّنِي بِهُدَاكَا ... فَاقْبَلْ دُعَائِي وَاسْتَجِبْ لِرَجَاوَتِي ... مَا خَابَ يَوْمًا مَنْ دَعا وَرَجَاكَا
قال ابن القيم -رحمه الله- : "وقبيحٌ بالعبد أن يتعرَّضَ لِسُؤَالِ العبيد؛ وهو يَجِدُ عندَ مولاه سبحانه كُلَّ مَا يُريده!".
اللهم يا مجيب! أجب دعاءنا، وارحم ضعفنا، وأجرنا ووالدينا من النار.
59
المَجِــيـدُ -جل جلاله-
ربـك يحـب المـدح..
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ: وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ»[رواه مسلم]، وفي رواية: «وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ؛ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ» [رواه البخاري].
وفي «الأدب المفرد» للبخاري: أن الأسود بن سريع قال: كنت شاعرًا، فأتيت النبي -عليه الصلاة والسلام- ؛ فقلت: ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟
قال: «إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ المَحَامِدَ»، ولم يزدني عليه. [حديث حسن].
وَمَا بَلَغَ المُهْدُوْنَ نَحْوَكَ مِدْحَةً ... وَإِنْ أَطْنَبُوْا، إِنَّ الَّذِي فِيكَ أَعْظَمُ
تمجيدنا لا يعود على الله عائده، وتقصيرنا لا يرجع على الله أثره؛ فالله -تبارك وتعالى- غني بذاته، محمود بصفاته لا بحمد الناس ولا بتمجيدهم له ولا بشكرهم على عطاياه.
ولكن من كرم الله -سبحانه وتعالى- علينا: أن جعل صلاح حياتنا بالشكر والثناء عليه؛ لتزكو النفس، وتستقيم وتطمئن إلى ربها.
إن هذه الأحرف التي أضعها بين يديك، وهذا الكتاب هو: من تمجيد الله -جل وعلا- الذي تفضل به علينا؛ الذي أسأله أن يتقبله منا جميعًا، ويجعلها لنا ذخرًا عنده يوم نلقاه.
لَكَ الحَمْدُ وَالنَّعَمَاءُ وَالمُلكُ رَبَّنَا ... فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْكَ مَجدًا وَأَمْجَدُ
قال -تبارك وتعالى- : (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) [هود:73].
والمجيد: من المجد، وهو: الشرف التام الكامل، والسعة والكثرة.
فربنا -عز وجل- وَاسِعُ الكَرَمِ، صَاحِبُ المَجِدْ، وأي مجد أعلى وأتم من مجده -تبارك وتعالى- ؟!
فهو الموصوف بصفات: المجد والكبرياء والعظمة والجلال، وهو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى من كل شيء.
وربنا -تبارك وتعالى- كل وصف من أوصافه عظيم شأنه؛ فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته..
وجميع أسمائه وصفاته كمال؛ لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
لك الثـنــاء..
وقد مجـد الله -سبحانه وتعالى- نفسه؛ لكماله وعظمته وجلاله، صح في الحديث القدسي: «أَنَا الجَبَّارُ، أَنَا المُتَكَبِّرُ، أَنَا المَلِكُ، أَنَا المُتَعَالِي؛ يُمَجِّدُ نَفْسَهُ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
وربنا محمود على عظمته ومجده: (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) [هود:73].
وهو -تبارك وتعالى- كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه من الخيرات، وما يرزق أولياءه من تمجيده في عبوديتهم له وحده -تبارك وتعالى- .
جاء في الحديث القدسي: «وَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 4]، قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي» [أخرجه مسلم]، وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا رفع رأسه من ركوعه قال: «رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ» [أخرجه مسلم].
كـن مـعـه!
ومن مجده -سبحانه وتعالى- يستمد الرسل والأنبياء مجدهم؛ لذا سأل الصحابة -رضي الله عنهم- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : قد عرفنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟
قال: « اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [أخرجه البخاري ومسلم بنحوه].
وادي الفـــلاح:
والقرآن: كلام الله -سبحانه وتعالى- ، وهو: (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) [البروج:21]، شريف كريم عظيم، واسع الخير والفضل والكرم.
وقد مجد الله -عز وجل- نفسه في قرآنه المجيد، فكانت أعظم آياته: تلك التي احتوت على الثناء عليه وذكر صفاته؛ كآية الكرسي في سورة البقرة، وهي أعظم آية في كتاب الله -عز وجل- ، وسورة الإخلاص، وهي أفضل سورة، حتى صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» [أخرجه مسلم].
ومن أعظم ما يعظم به العبد ربه ويمجده هو: تلاوة كتابه في آناء الليل وأطراف النهار، والاستمساك به، وتدبره والعمل به؛ علمًا وخشوعًا وفهمًا.
ومن كان من أهل القرآن كان من أهل الله الذين هم أهله وخاصته، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» [أخرجه مسلم].
لقي عمر بن الخطاب نافع بن الحارث بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولًى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولًى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله -عز وجل- ، وإنه عالم بالفرائض.
قال عمر: أما إن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» [أخرجه مسلم].
فالمجد لمن أخذ به وعمل به، والذل لمن أعرض عنه.
ومما يُمجد به الرب -تبارك وتعالى- : حسن الثناء عليه؛ تحميدًا وتكبيرًا وتسبيحًا وتهليلًا، ومن لازم ذلك فاز بخيري الدنيا والآخرة.
أخرج البخاري في «صحيحه» عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ لِـلَّـهِ مَلاَئِكَةً يَطُوْفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُوْنَ أَهْلَ الذِّكْرِ؛ فَإِذَا وَجَدُوْا قَوْمًا يَذْكُرُوْنَ اللهَ؛ تَنَادَوْا: هَلُمُّوْا إِلَى حَاجَتِكُمْ! فَيَحُفُّوْنَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا.
فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ-: مَا يَقُوْلُ عِبَادِي؟ قَالُوْا: يَقُوْلُوْنَ: يُسَبِّحُوْنَكَ وَيُكَبِّرُوْنَكَ وَيَحْمَدُوْنَكَ وَيُمَجِّدُوْنَكَ.
فَيَقُوْلُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُوْلُوْنَ: لاَ -وَاللهِ!- مَا رَأَوْكَ؟
فَيَقُوْلُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ يَقُوْلُوْنَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمَجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَر لَكَ تَسْبِيحًا.
يَقُوْلُ: فَمَا يَسْأَلُوْنِي؟ يَقُوْلُوْنَ: يَسْأَلُوْنَكَ الجَنَّةَ.
يَقُوْلُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ يَقُوْلُوْنَ: لاَ -وَاللهِ!- يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا.
يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ يَقُوْلُوْنَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؛ كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً.
قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُوْنَ؟ يَقُوْلُوْنَ: مِنَ النَّارِ.
يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ يَقُوْلُوْنَ: لاَ -وَاللهِ!- يَا رَبِّ! مَا رَأَوْهَا.
يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ يَقُوْلُوْنَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَها مَخَافَةً.
فَيَقُوْلُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لهُمْ!
يَقُوْلُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ!
قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ».
وإذا كان جليسهم لا يشقى؛ فكيف الشأن بهم؟!
الـعـرش:
ووصف ربنا عرشه الذي استوى عليه بـ (المجيد)، فالله -عز وجل- لا يختار لنفسه إلا الأفضل والأتم والأكمل؛ ولذلك حق أن يكون مجيدًا.
لَكَ الحَمْدُ وَالنَّعْمَـاءُ وَالمُلْكُ رَبَّنَا
فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْكَ مَجْدًا وَأَمْجَدُ
مَلِيكٌ عَلَى عَرشِ السَّمَاءِ مُهَيمِنٌ
لِعِزَّتِهِ تَعنُوْ الوُجُوْهُ وَتَسْجُـدُ
فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الخَلْقُ قَدْرَهُ
وَمَنْ هُوَ فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
اللهم! باسمك المجيد نسأل: أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
60
الحَمِيدُ -جل جلاله-
جاء في «صحيح البخاري»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بأصحابه مرةً، فرفع رأسه من الركوع؛ فقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ!»، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد؛ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: «مَنِ المُتَكَلِّمُ؟» قال: أنا، قال: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ!»، كيف لا يبتدرونها والله يحب الحمد؟!
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا نَسْتَلِذُ بِهِ ذِكْرًا
وَإِنْ كُنْتُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً وَلَا شُكْرًا
أثنى الله -سبحانه وتعالى- على ذاته العلية بقوله: (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: 28].
فربنا -سبحانه وتعالى- المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فله من الأسماء: أحسنها، ومن الصفات: أكملها، ومن الأفعال: أتمـها وأحسنها.
وربنا -سبحانه وتعالى- المحمود في شرعه؛ فإنه أكمل الشرائع وأنفعها لكل الخلائق.
وربنا -سبحانه وتعالى- المحمود على وحدانيته، وتعاليه عن الشـريك والنظير والولي من الذل، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا﴾ [الإسراء:111].
وربنا -سبحانه وتعالى- محمود بكل لسان، وعلى كل حال، فجميع المخلوقات ناطقة بحمده؛ من الجمادات والناطقات، في جميع الأوقات على آلائه وإنعامه، وعلى كماله وجلاله، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [الإسراء:44].
فربنا -سبحانه وتعالى- المستحق للحمد؛ بجميع صيغه وصوره، ولو لم يحمدوه فهو أهل الحمد؛ بفضله وجوده وعطائه ورحمته.
ولا يحمد على الأحوال كلها سواه.
تذلل لمـولاك!
وجعل -سبحانه وتعالى- الحمد لنفسه دون غيره، ونهى أن يمدح المرء نفسه؛ فقال: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) [النجم:32].
فربنا -سبحانه وتعالى- يحمد نفسه ليعرفنا عليه، ولكي نصل بالحمد إليه، ونقبل عليه، ونطمع في مغفرته، ونطمع في عطائه، ونطمع كذلك في جنته.
فأي كرم هذا؟! يوفقك لفعل الخيرات ويحمدك عليها؟! (وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف:43]، فإذا أراد ربك إظهار فضله عليك؛ خلق الفضل ونسبه إليك، أعطاك مالًا، وأعطيت من هذا المال، وبعد هذا.. يحمدك الله -جل وعلا- على إنفاقك؛ والمال منه!
وربنا -سبحانه وتعالى- من لطفه بنا: نوع حمده؛ ليعرف العبد كيف يحمد الله ويثني عليه؛ فقال -سبحانه وتعالى- : ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، وقال: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ﴾ [الأنعام:1].
لـك الحمـد..
وأعظم صفة في المؤمنين: أنهم يحمدون الله -سبحانه وتعالى- في كل حين؛ في السراء والضراء؛ لأنهم يعلمون أن فعل الله -جل وعلا- كله حكمة وخير لهم.
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُوْلُوْنَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُوْلُوْنَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ.
فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ: بَيْتَ الحَمْدِ» [رواه الترمذي].
ولذا؛ من أفضل الذكر: قول العبد: (الحمد لله)، قال -سبحانه وتعالى- : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) [ق:39].
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّة؛ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
ولما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أي الكلام أفضل؟
قال: «مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» [أخرجه مسلم]، والحمد يكون باللسان والقلب والأعضاء.
روى الطبراني في «المعجم الكبير» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ أفْضلَ عِبَادِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ: الحَمَّادُوْنَ» [صحيح].
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا طَيِّبًا يَمْلَأُ السَّمَا
وَأَقْطَارَهَا وَالأَرْضَ وَالبَرَّ وَالبَحْرَا
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا سَرْمَدِيًّا مُبَارَكًا
يَقِلُّ مِدَادُ البَحْرِ عَنْ كُنْهِهِ حَصْرَا
لَكَ الحَمْدُ يَا ذَا الكِبْرِيَاءِ وَمَنْ يَكُنْ
بِحَمْدِكَ ذَا شُكْرٍ فَقَدْ أَحْرَزَ الشُّكْرَا
اللهم! لك الحمد؛ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
61 - 62
الشَّـــــاكِرُ الشَّكُورُ -جل جلاله-
أخرج البخاري في «صحيحه»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ؛ فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ؛ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ».
قال -سبحانه وتعالى- مُثنيًا على ذاته: (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [النساء:147]، وقال -سبحانه وتعالى- : (وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) [التغابن:17].
فربنا -سبحانه وتعالى- يشكر اليسير من الطاعة؛ فيجازي عليه بالكثير، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفةً من الثواب؛ بغير عد ولا حساب، ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الأنعام:160].
وربنا -سبحانه وتعالى- يشكر العباد على شكرهم له؛ فيزيدهم من الخير والفضل، وهو الذي أعطاهم إياه، وجعله لهم، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) [النحل:53].
وربنا -سبحانه وتعالى- يشكر عبده بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكر بفعله منهم، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا﴾ [الإسراء:3].
وربنا -سبحانه وتعالى- يغفر الكثير من الزلل، ويقبل اليسير من صالح العمل ويثيب عليه؛ (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر:34].
ربنا -سبحانه وتعالى- يعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر.
في «صحيح مسلم» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».
وجاء في «سنن أبي داود»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ! مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» [حديث حسن].
أعـطـى فـأثـنـى!
ومن كمال شكره -سبحانه وتعالى- : أنه يعطي العبد، ويوفقه لما يشكره عليه؛ فهو الذي أعطى فأثنى، فمنه السبب، ومنه المسبب، قال -عز وجل- : ﴿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا﴾ [الإنسان: 22].
فسبحان من يمن علينا بالسعي، ثم يوفقنا إليه، ثم يشكرنا عليه! أليس هذا غاية الفضل والإحسان؟ فله الحمد والشكر.
وَهُوَ الشَّكُوْرُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهُم ... لَكِنْ يُضَاعِفُهُ بِلَا حُسْبَانِ
أعـظـم الجـزاء ..
لما عقر نبي الله -عليه السلام- سليمان الخيل غضبًا له -إذ أشغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرةً أخرى-؛ أعاضه عنها: الريح.
لما احتمل يوسف الصديق -عليه السلام- ضيق السجن؛ شكر له ذلك بأن مكن له؛ ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف:56].
ولما بذل رسله -عليهم السلام- أعراضهم فيه لأعدائهم؛ فنالوا منهم وسبوهم؛ أعاضهم عن ذلك بأن صلى الله عليهم وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه فأخلصهم (بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) [ص:46].
ولما ترك الصحابة -رضي الله عنهم- ديارهم، وخرجوا منها في مرضاته؛ أعاضهم عنها رضوانه: وملكهم الدنيا وفتحها عليهم.
إنه الشكور -سبحانه وتعالى- ؛ يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير، ولا يضيع عليه هذا القدر، جاء في الحديث المتفق عليه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ؛ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
فكيف بمن يزيل العوائق المعنوية عن طريق الناس؟ كيف بمن ييسر أمور الناس ويفرج همهم، ويكشف غمهم، ويعينهم على قضاء حوائجهم، ويدخل السرور على أنفسهم؟! وهذا -كله- منه -سبحانه وتعالى- أن وفقك في الأولى والآخرة.
لما كان -سبحانه وتعالى- هو الشكور على الحقيقة؛ كان أحب خلقه إليه: من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه: من عطلها واتصف بضدها.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- : "فالنعم ابتلاءٌ من الله وامتحان ؛ يظهر بها شكرُ الشكور، وكفرُ الكفور".
والشـكـر شـكـران :
الأول: أن يكون باللسان، وهو: الثناء على المنعم.
والآخر: الشكر بجميع الجوارح، واستخدامها في طاعة الله -عز وجل- .
وهو دأب الأنبياء والصالحين جميعًا.
أخرج البخاري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فتقول عائشة -رضي الله عنها- : لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيقول: «أَفَلَا أَكُوْنُ عَبْدًا شَكُوْرًا؟!».
وامتدح الله -عز وجل- آل داود -عليه السلام- على شكرهم: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) [سبأ:13].
ولما كان القليل من عباد الله -جل وعلا- من حقق عبادة الشكر؛ فقد أوجب على العبد أن يطلب الإعانة منه على الشكر والقبول.
فهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوصي معاذًا أن يقول دبر كل صلاة: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ!» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
وفي الحديث الآخر قال -صلى الله عليه وسلم- : «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
ثم تأمل هذا الضمان لك من رب العالمين -إن كنت شاكرًا-؛ فالله -عز وجل- قد قال: ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا﴾ [النساء:147].
والشكر لك، قال -عز وجل- : (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [لقمان:12]، ومن أراد الزيادة فعليه الشكر (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7].. فما أرحم الله!
واحذر أن تُقارن نفسك بالآخرين في النِعم والمواهب؛ فإن هذا يوصلك إلى الحزن والكدر، واعمل بقوله -سبحانه وتعالى- : (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) [الأعراف:144].
مفتاح القلــوب:
ومن شكر الله -جل وعلا- : شكر من أجرى الله النعمة على يديه، وأولهم: الوالدان: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان:14].
جاء في «مسند الإمام أحمد»: «مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللهَ» [حديث صحيح].
تَبَارَكَ مَنْ شُكْرُ الوَرَى عَنْهُ يَقْصُـرُ
لِكَوْنِ أَيَادِي جُوْدِهِ لَيْسَ تُحْصَـرُ
وَشَاكِرُهَا يَحْتَاجُ شُكْرًا لِشُكْرِهَا
كَذَلِكَ شُكْرُ الشُّكْرِ يَحْتَاجُ يُشْكَرُ
فَفِي كُلِّ شُكْرٍ نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ
بِغَيْرِ تَنَاءٍ دُوْنَهَا الشُّكْرُ يَصْغُرُ
فَمَنْ رَامَ يَقْضِيِ حَقَّ وَاجِبِ شُكْرِهَا
تَحَمَّلَ ضِمْنَ الشُّكْرِ مَا هُوَ أَكْبَرُ
اللهم! اجعلنا من الشاكرين؛ يا رب العالمين!
63 - 64
الأَكْـرَمُ الكَرِيـمُ -جل جلاله-
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُوْلًا الَجنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوْجًا مِنْهَا: رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَيُقَالُ: اعْرِضُوْا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوْا عَنْهُ كِبَارَهَا! فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوْبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟
فَيَقُوْلُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ؛ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ.
فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُوْلُ: رَبِّ! قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا».
قال أبو ذر -راوي الحديث-: فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه. [أخرجه مسلم].
ما أكرم الله! وما أحلم الله! وما أعظم الله!
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾ [الانفطار:6]، (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل:40].
والكرم: لفظ جامع للمحاسن والمحامد، لا يراد به: مجرد عطاء، بل الإعطاء من تمام معناه، ولذا؛ ورد عن أهل العلم في معنى الاسم أقوال عديدة، وكل الذي أوردوه حق.
فربنا الكريم -جل وعلا- كثير الخير والعطاء، دائم الخير، له قدر عظيم وشأن كبير، منزه عن النقائص والآفات، المكرم المنعم المتفضل؛ الذي يعطي لا لعوض ولغير سبب، يعطي المحتاج ومن لا يحتاج، إذا وعد وفى، ترفع إليه الحاجات صغيرها وكبيرها، لا يضيع من التجأ إليه، يتجاوز عن الذنوب، ويغفر السيئات، بل ويبدل السيئات حسنات، يعطي قبل أن نسأله.
رزقنا السمع والبصر، والأفئدة والجوارح، والقوة، والملكات الظاهرة والخفية؛ التي لا نستطيع عدها: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:34]، جاد بها علينا دون أن نسأله، وقبل أن نسأله؛ كرمًا منه وفضلًا، فهو يعطي ويثني.
ربنا الكريم -جل وعلا- ؛ الذي قدر فعفا، وإذا وعد وفى، وعد المؤمنين في الدنيا والآخرة بألوان الفضل والخير والنعم والعطاء.
بل من كرمه -سبحانه وتعالى- : أنه علق عذاب عباده العاصين بمشيئته؛ إن شاء عاقبهم، وإن شاء عفا عنهم.
ربنا الذي لا يرد سائلًا.. «حَيِيٌّ كَرِيمٌ».
أعـطـى وأثـنـى:
فهو يعطي الإيمان، ثم يثني عليه: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة:272].
سمع الجنيد رجلًا يقرأ: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 44]؛ فقال: "سبحان الله! أعطى وأثنى"، أي: وهب له الصبر وأعطاه، ثم يمدحه ويثني عليه.
إِلَى اللهِ أُهْدِي الحَمْدَ وَالشُّكْرَ وَالثَّنَا
لَهُ الحَمْدُ مَوْلَانَا عَلَيْهِ المُعَوَّلُ
وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيْرَهُ
كَرِيمٌ رَحِيمٌ يُرْتَجَى وَيُؤَمَّلُ
فسبحانه من كريم جواد!!
الكرم من صفاته، والجود من أعظم سماته، والعطاء من أجل هباته؛ فمن أعظم منه جودًا وكرمًا؟!
إنه الكريم:
الخلائق له عاصون، وهو لهم مراقب، يكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوه، ويتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، ويجود بالفضل على العاصي، ويتفضل على المسيء.. من ذا الذي دعاه فلم يستجب له؟ أم من ذا الذي سأله فلم يعطه؟ أم من الذي أناخ ببابه فنحاه؟! فهو ذو الفضل ومنه الفضل، وهو الجواد ومنه الجود، وهو الكَرِيمُ وَمِنْهُ الكَرَمُ.
غـنـي عن الشـكـر..
ربنا -تبارك وتعالى- غني عن شكرنا، لا تعود منفعة الشكر إليه، ولا يضره كفران من كفره، وهو مع ذلك (كريم) في ترك المعاجلة بالعقوبة؛ (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل:40].
ومن كمال غناه وكرمه -سبحانه وتعالى- : أنه خلق العباد ليعبدوه؛ وتكفل برزقهم جميعًا مؤمنهم وكافرهم إنسهم وجنهم: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ﴿56﴾ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ﴿57﴾ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ﴿58﴾﴾ [الذاريات:56-58].
زاد على المـنـى..
ومن جلاله: أنه لا تتعاظم عليه المسائل والدعوات؛ مهما كثرت وكبرت، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ؛ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِر لِي إِنْ شِئْتَ! وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ المسألةَ، وَلِيُعْظِمْ رَغْبَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ -عز وجل- لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» [رواه مسلم].
بل من كرمه -سبحانه وتعالى- : أنه جعل دعاءه أكرم عبادة عنده -سبحانه وتعالى- ، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ -سُبْحَانَه- مِنَ الدُّعَاء» [حديث حسن. رواه ابن ماجه].
بل انظر إلى عظيم كرمه -سبحانه وتعالى- : قال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
وكرمه دائم؛ لا ينقطع إلى أن تلقاه، فانظر إلى أكبر وأعظم هدية تقدم لك يوم القيامة -إن كنت مؤمنًا-، ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ﴾ [الأنفال:4].
بل زاد على المنى، جاء في الحديث القدسي المتفق عليه: «قَالَ اللهُ -عز وجل- : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالحِين: مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، والأعظم من ذلك كله: النظر إلى وجهه الكريم؛ ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ﴿23﴾﴾ [القيامة:22-23].
اللهم! اجعلنا منهم؛ يا أكرم الأكرمين!
المـيـزان:
وميزان الإكرام والإهانة يوم القيامة: التقوى؛ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، لا كرامة لأهل الكفر بل الإهانة: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩) [الحج:18]، ولا عبرة بموازين الناس في الدنيا؛ التي ذكرها الله -تبارك وتعالى- بقوله: ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ﴿15﴾ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ﴿16﴾﴾ [الفجر:15-16].
قال ابن الجوزي -رحمه الله- : "ومن تلبيس إبليس على عوام الناس: أنهم يفعلون المعاصي، فإذا أنكرت عليهم قالوا : الرب كريم، والعفو واسع!".
ذكـرى..
ومن تعلق بالقرآن؛ بشره بالكرامة في الدارين، فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ﴾ [الواقعة:77]، كثير الخير، غزير العلم، يكرم حافظه، ويعظم قارئه.
والكريم -سبحانه وتعالى- ينجي الغريق، ويرد الغائب، ويعافي المبتلى، وينصر المظلوم، ويهدي الضال، ويغني الفقير، ويشفي المريض، ويفرج عن المكروب، ويحب أن تدعوه بأسمائه، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عند الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
والله يحب الكرماء، قال ابن رجب -رحمه الله- : "من جادَ على عباد الله؛ جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل".
أَغِيبُ وَذُوْ اللَّطَائِفِ لَا يَغِيبُ ... وَأَرْجُوْهُ رَجَاءً لَا يَخِيبُ ... وَأَسْأَلُهُ السَّلَامَةَ مِنْ زَمَانٍ ... بُلِيتُ بِهِ نَوَائِبُهُ تُشِيبُ ... وَأُنْزِلُ حَاجَتِي فِي كُلِّ حَالٍ ... إِلَى مَن تَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوْبُ ... ومَنْ لِي غَيْرَ بَابِ اللهِ بَابٌ ... وَلَا مَوْلَى سِوَاهُ وَلَا حَبِيبُ
كَرِيمٌ مُنْعِمٌ بَرٌّ لَطِيفٌ ... جَمِيلُ السَّتْرِ لِلدَّاعِي مُجِيبُ ... فَيَا مَلِكَ المُلُوْكِ أَقِلْ عِثَارِي ... فَإِنِّي عَنْكَ أَنْأَتْنِي الذُّنُوْبُ ... وَأَمْرَضَنِي الهَوَى لِهَوَانِ حَظِّي ... وَلَكِنْ لَيْسَ غَيْرَكَ لِي طَبِيبُ
اللهم يا كريم! أكرمنا بجنتك وبعفوك ورضاك.
65
المُـقِــيـتُ -جل جلاله-
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُوْلُ: يَا ابْنَ آدَمَ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَا تَفْعَلْ؛ مَلَأْتُ يَدَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» [حديث صحيح. رواه الترمذي]، وفي الحديث الصحيح: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ» [أخرجه البخاري -وهذا لفظه-، ومسلم].
قامت به -سبحانه وتعالى- السماوات والأرض، وصلح به أمر الدنيا والآخرة، وأذعن له الرطب واليابس.
مقاليد الملك بيده، ومقادير الأشياء عنده، ومفاتيح الأمور لديه، ومصير العباد إليه، والعزة له جميعًا، والملك له كله، لا مانع لـما أعطى، ولا معطي لـما منع.
فهل يعجز الكريم القوي الرحيم المقيت أن يسوق إليك رغيفًا أو قوتًا أو شرابًا فتحيا به نفسك؟
وما أسعدنا عندما نعيش مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو (المقيت -تبارك وتعالى- ):
يقول الله -عز وجل- : ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا﴾ [النساء:85].
فالمقيت: المقتدر؛ الذي خلق الأقوات.
والمقيت: الحفيظ؛ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ.
فربنا -سبحانه وتعالى- الذي أوصل إلى كل موجود ما به يقتات، وأوصل إليه أرزاقه وصرفها كيف يشاء بحكمته وحمده.
فلكل مخلوق قوت: فالأبدان قوتها: المأكول والمشروب، والأرواح قوتها: العلوم، وقوت الملائكة: التسبيح.
فالله -عز وجل- هو المقيت لعباده، الحافظ لهم، الشاهد لأحوالهم، المطلع عليهم.
فالرب -سبحانه وتعالى- قائم على مصالح العباد؛ يقوتهم ويرزقهم.
وأفضل الرزق: العقل، ومن رزق العقل فقد أكرمه الله -تبارك وتعالى- !
إِلَهِي لَكَ الفَضْلُ الَّذِي عَمَّمَ الوَرَى
وَجُوْدًا عَلَى كُلِّ الخَلِيقَةِ مُسْبَلُ
وَغَيْرُكَ لَوْ يَمْلِكُ خَزَائِنَكَ الَّتِي
تَزِيدُ مَعَ الإِنْفَاقِ لَا بُدَّ يَبْخَلُ
أَعُوْذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ سُوْءِ صُنْعِنَا
ومِنْ أَنْ تَكُنْ نُعْمَاكَ عَنَّا تُحَوَّلُ
اطـمـئـن!
فلا تنشغل بما ضمن لك؛ فالله قد قال عن نفسه: (المقيت)، وقال عن نفسه: (الرزاق).
والمقيت: أخص من الرزاق؛ فالقوت: ما به من قوام البنية مما يتغذى به، والرزق: كل ما يدخل تحت ملك العبد مما يؤكل ومما لا يؤكل.
وما دام الأجل باقيًا؛ فالقوت والرزق آتيان، وإذا سد عليك بحكمته طريقًا فتح لك برحمته طريقًا آخر.
وتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو: الدم، من طريق واحد وهو: السرة، وعندما يخرج من بطن أمه ينقطع ذلك الطريق، ويفتح له طريقان اثنان، يجري له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول؛ لبنًا خالصًا سائغًا، ثم إذا تمت الرضاعة فتح له أربعة طرق يحصل منها على طعامين وشرابين؛ أما الطعامان: فمن الحيوان والنبات، وأما الشرابان: فمن المياه والألبان.
فإذا مات انقطعت تلك الطرق الأربعة، وفتح للمؤمنين أبواب الجنة الثمانية؛ يدخلون من أيها شاؤوا!
كـن شاكـرا!
فنعم الله -تبارك وتعالى- تفوق العد، ولا يأتي عليها الحصر، ولا يقيدها حساب: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:34].
نِعم يهبها المنعم الجليل دون حاجة لهذا المخلوق، ودون خوف منه أو رجاء فيه، بل تفضل وكرم وبر وإحسان وجود وامتنان، ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ﴿56﴾ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ﴿57﴾ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ﴿58﴾﴾ [الذاريات:56-58]، ولكن كثيرًا من الناس لا يشكرون: ﴿يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [النحل:83].
أعطاك بلا حق لك عنده، ثم أنكرت حقوقه! حباك بلا معروف لك لديه ثم جحدت معروفه! ﴿قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ﴾ [عبس:17].
نِعم الله -تبارك وتعالى- عليك تترى؛ إذا سألت أعطاك، وإن دعوت أجابك، وإن استعنت أعانك، لا غنًى لك إلا به، ولذا؛ إن شكرت فاشكر نعمةً أخرى أن وفقك إليها؛ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7].
أركـان الغـنـى:
وبنو آدم لو كان عندهم واد من ذهب لأحبوا أن يكون لهم واديان.
وليست السعادة: في أن تحوز الدنيا، ولكن سعادة المرء: في أن يتوفر له قوت يومه وسلامة بدنه وأمنه، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوْتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [حديث حسن. رواه الترمذي].
دأب الصـالحـين..
والمؤمن مطمئن النفس؛ لأنه يعلم أن الله هو المقيت وهو الرازق ، وأن رزقه قد كتب، ولن يموت حتى يستوفي رزقه، فهو يسعى وقد توكل على الله وتبرأ من حوله ومن قوته، وتعلق قلبه بالله المقيت الرزاق -عز وجل- ، فهو يعلم أنه لا طول إلا به، ولا قوة إلا به، ولا حول إلا به -سبحانه وتعالى- .
كما جاء في «صحيح مسلم» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عز وجل- أنه قال: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ؛ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ».
ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺭﺟﺐ -رحمه الله- : "كان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل ﺣﻮﺍﺋﺠـﻪ؛ ﺣﺘﻰ ﻣﻠـﺢ ﻋﺠـﻴﻨﻪ، ﻭﻋﻠﻒ ﺷـﺎﺗﻪ".
فمن استحضر اسم الله: المقيت، واستشعر معية الله المقيت، ووثق بما عنده.. حصَّل له السعادة الأبدية، وهي: الرضا في الدنيا والآخرة.
ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حذر من يتصدق بقوت الأهل بغية طلب الأجر، فينقلب ذلك الأمر إثمًا إذا ضيع من يعولهم وتلزمه نفقتهم من أهله وعياله وعبيده؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج، وحقهم آكد، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا: أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوْتُ» [حديث حسن. رواه أبو داود].
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حرصه على أهله يدخر لهم قوت سنة كاملة، جاء عند البخاري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم".
وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ! اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوْتًا» [أخرجه مسلم]، أي: ما يقوتهم ويكفيهم؛ حتى لا ترهقهم الفاقة، ولا تذلهم المسألة، وكذلك لا تفتح لهم الدنيا فيركنوا إليها؛ فإن الدنيا راحلة والآخرة هي الباقية، فآثر الباقي على الفاني -صلوات ربي عليه وعلى آله، ومن سار على هديه إلى يوم الدين-.
اللهم! إنا نسألك باسمك المقيت: أن ترزقنا من واسع فضلك، وأن تعيننا على طاعتك وذكرك وشكرك.
66
الـوَاسِــعُ -جل جلاله-
لما سمع أهل الإيمان عن اسم الله (الواسع) تعلقت قلوبهم بذكره، واشتاقت أرواحهم لرؤيته، فقلوبهم لا يشبعها إلا الانحناء له، والطواف ببيته، والوقوف بين يديه، والقيام من النوم لأجله، وبذل المهج في سبيله، قال -جل وعلا- : ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف:156]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:247].
فربنا هو الواسع الغني -عز وجل- ؛ الذي وسع غناه جميع عباده، وسع خلقه كلهم بالكفاية والأفضال والجود والتدبير.
وهو الواسع المطلق -عز وجل- : في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وملكه وسلطانه، فلا يحصي أحد ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فمهما وصفه الواصفون من خلقه فلن يبلغوا كنهه، ولن يحيطوا به علمًا.
وربنا وسع علمه كل شيء: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الأعراف: 89]، لا تخفى عليه خافية، فالله -سبحانه وتعالى- يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وعلمه يشمل أسرار القلوب، وما تضمره الصدور من خير وشر؛ ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر:19]، ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ﴾ [البقرة: 235].
وربنا -سبحانه وتعالى- واسع المغفرة؛ يغفر لكل من تاب وأناب؛ مهما بلغت ذنوبه وخطاياه: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النجم:32].
وربنا الواسع -سبحانه وتعالى- ؛ الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم، ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:115] .
وَأَشْهَـدُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيرُهُ
كَرِيمٌ رَحِيمٌ يُرْتَجَى وَيُؤَمَّلُ
إِذَا سُئِل الخَيْرَاتِ أَعْطَى جَزِيلَهَا
وَيَرفَعُ مَكْرُوْهَ البَلَا وَيُزَوِّلُ
يَسِحُّ مِنَ الخَيْرَاتَ سَحًّا عَلَى الوَرَى
فُيُغْنِي وَيُقْنِي دَائِمًا وَيُحَوِّلُ
إِذَا أَكْثَرَ المُثْنِيْ عَلَيْهِ مِنَ الثَّنَا
فَذُوْ العَرْشِ أَعْلَى فِي الجَلَالِ وَأَجْمَلُ
الواسع يكفـيك هـمـك!
ومن فهم اسم الله: (الوَاسِعِ)؛ ذهب خوفه، وحلت الطمأنينة في قلبه، وفتح له باب الأمل.
فذاك المزارع الذي تأخر عليه وقت الحصاد، وشح الماء، وتعاظمت حاجته للثمر؛ لما علم أن الله واسع عليم؛ نظر إلى السماء، وتعلق قلبه بربه، ونادى: يا واسع العطاء.. يا الله.. يا واسع الرحمة.. يا واسع الجود! جد علي من بركاتك وخيراتك.
وذاك العقيم رضته الأيام، وأتعبته الآلام، واشتاق إلى طفل يلاعبه ويملأ حياته، وتأخر الحمل أو فجع بقول البشر: عقيمًا! وبينما يحدث ذلك والحزن يعم؛ تستيقظ في داخله حياة أخرى بتذكره بأن الله الواسع الكريم الجواد، لا يرد سائلًا موقنًا بالإجابة؛ فينادي: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ﴾ [آل عمران:38]، (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء:89-90].
وكذا المريض؛ آهاته يسمعها الله، وآلامه يعلمها الله، فإذا تذكر واسع العطاء، وهو الشافي والكافي لعباده؛ نادى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء:83].
فيكشف الله -سبحانه وتعالى- الهم، ويزيل الغم، ويدب الشفاء.. إِنَّهُ اللهُ الوَاسِعُ -عز وجل- .
تتزاحم الهموم في قلب المدين؛ حتى ما يظن أن لها كاشفةً، ثم يفتح الله -سبحانه وتعالى- على قلبه، ويلجئه إليه، فيلوذ بجناب واسع العطاء والجود والكرم؛ فينادي: يا قاضي الحاجات.. يا واسع العطاء! ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل:62].
فيقضي الله الدين، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وتظهر الابتسامة، ويهدأ القلب، وتسكن النفس؛ (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ) [الأنعام:64].
تحل المعضلة بالعالم، وتشكل عليه المسألة؛ فيتيه عن الصواب، ويعز عليه الجواب، فيمرغ أنفه في التراب مناديًا ومستجديًا: يا واسع العطاء.. يا واسع العلم.. يا معلم إبراهيم علمني.. يا مفهم سليمان فهمني!
فيأتي التوفيق، وتحل المغاليق من الواسع -سبحانه وتعالى- .
يختلف الزوجان، وينقطع الحبل، وتنقطع أواصر المحبة، وتضيق بهما الحال بعد الطلاق؛ فيلجآن إلى الله الواسع.
فيبدل كل واحد منهما خيرًا من الآخر: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا﴾ [النساء:130].
ربـح البـيـع..
يخشى المرء من الإنفاق، ويخاف من الفقر؛ وما ذاك إلا لأن الشيطان وسوس في صدره بالشر والفقر، ودعاه إلى البخل وعدم الإنفاق، ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:268].
فيتذكر المؤمن بأن الله الواسع الكريم قد وعد -سبحانه وتعالى- بقوله: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [البقرة:245]، ويتذكر قوله -سبحانه وتعالى- : ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [آل عمران:73]؛ فينفق من ماله، مقرضًا ربه، متيقنًا بالخلف من الله -تبارك وتعالى- في الدارين، فإذا بالبركات والرحمات تتنزل، وتعظم المنة من الله الواسع صاحب الكرم والجود.
دمـوع الخائفـين..
يتذكر المؤمن عظيم ذنبه، وكثرة خطئه؛ فتهيج عليه أحزانه، ويشتعل فؤاده، وتسيل عيناه من الدمع خوفًا من الجبار؛ فيتذكر قول الله -عز وجل- : ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف:156]، وقوله -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النجم: 32].
فيعلن التوبة والإنابة إلى الله -عز وجل- ، راجيًا الدخول في قوله -سبحانه وتعالى- : ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [الفرقان:70]، مستشعرًا دعاء الملائكة: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر:7]، فتغسل التوبة حرقة فؤاده، ولوعة نفسه، ويجعله الله -سبحانه وتعالى- من التوابين ومن المتطهرين، ثم يمن عليه باستقامة إلى الممات، ثم المآل إلى جنات النعيم، ثم يسمع: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص:54].
رسـائــل..
وربنا الواسع -تبارك وتعالى- ؛ الذي وسعت رحمته جميع الخلائق: (رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) [الأنعام:147].
وقد وسع الله على عباده في دينهم، ورفع الضيق والحرج عنهم؛ فخفف عن المريض والمسافر والمسن وغيرهم من أصحاب الأعذار، فلم يكلفهم ما لا يطيقون -سبحانه وتعالى- ؛ ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 233]، ومن ضاقت عليه الأرض؛ فالله -عز وجل- قد وسع على عباده فيها؛ (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ) [الزمر: 10].
وأوسع عطاء يعطيه الله -سبحانه وتعالى- خلقه هو: الصبر، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» [أخرجه البخاري -وهذا لفظه-، ومسلم].
والصبر داخل في جميع أمور العبادات؛ فصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله -سبحانه وتعالى- ، فالحياة كلها صبر إلى أن نلقى الله -عز وجل- .
قال الحسن البصري -رحمه الله- : "الصبر: كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده".
يَا مَنْ يُغِيثُ الوَرَى مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوْا
اِرْحَمْ عِبَادًا أَكُفَّ الفَقْرِ قَدْ بَسَطُوْا
عَوَّدْتَهُمَ بَسْطَ أَرْزَاقٍ بِلَا سَبَبٍ
سِوَى جَمِيلِ رَجَاءٍ نَحْوَهُ انْبَسَطُوْا
يا الله.. يا واسع العطاء! هب لكل واحد منا فوق مسألته؛ فأنت على كل شيء قدير.
67
الرَّقـِــيـبُ -جل جلاله-
قال ابن الجوزي -رحمه الله- : "فمن أصلح سريرته؛ فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه؛ فالله الله في السرائر فإنه لا ينفع مع فسادها صلاح ظاهر".
وقال أبو حفص النيسابوري -رحمه الله- : "إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك ونفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك".
من أعلى المقامات عند الله: استشعار المؤمن رقابة ربه -جل وعلا- ، وأن الله مراقبه، قال الله مثنيًا على ذاته العليَّة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء:1].
فربنا -سبحانه وتعالى- الرقيب المطلع على ما أكنته الصدور، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
وربنا العالِم بما في الضمائر، الشاهد على أكنة السرائر ولحظات العيون، القائم على كل نفس بما كسبت.
وربنا رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم.
وهو رقيب حافظ، لا يغيب عما يحفظ، حفظ المخلوقات، وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير.
وَهُوَ الرَّقِيبُ عَلَى الخَوَاطِرِ وَاللَّوَا ... حِظِ كَيْفَ بِالأَفْعَالِ وَالأَرْكَانِ
﴿وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ﴾ [يونس:61]؛ وهو -سبحانه وتعالى- عالم بحالات العبد وتقلباته في ليله ونهاره، وسره وجهره، وحضره وسفره.
فالرقيب -سبحانه وتعالى- يسمع ويرى، بل يعلم المكنون في الصدور قبل أن تنطق الشفاه وتكتب الأقلام في السطور.
أحاط علمه المطلق بكل موجود، واطلاعه التام على كل مخلوق؛ فلا يند عن علمه شيء، ولا يعزب عن اطلاعه شيء، ولا يفوت عن إحاطته شيء، لا الغائب تستره غيبته عن الرقيب -سبحانه وتعالى- ، ولا الخافي يحجبه خفاؤه عن العظيم، النجوى عنده جهر، والسر عنده علانية، والخفاء عنده مكشوف.
أفـلـح..
جاء في «المستدرك»: أن رجلًا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال: يا رسول الله! أقرئني سورةً جامعةً؟ فأقرأه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (إِذَا زُلْزِلَتِ) [الزلزلة:1]؛ حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليه أبدًا.
ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ» [صححه الحاكم والذهبي].
وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث صعصعة بن معاوية أنه: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقرأ عليه: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ﴿7﴾ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ﴿8﴾﴾ [الزلزلة:7-8]، فقال: "حسبي! لا أبالي أن لا أسمع غيرها" [حسن. الأرناؤوط].
آية واحدة تجعل الإنسان فقيهًا قريبًا من ربه كلما تلا هذه الآية وطبقها: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء:1].
فالمؤمن يعلم أن الله -تبارك وتعالى- رقيبه وشاهده في كل شيء؛ فنجده يراقب حتى أنفاسه، ويجعل عمله خالصًا لربه، ويراقب الله في كل شيء.. استشعر رقابة ربه؛ فبلغ مقام الإحسان، ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام:162].
قال العلماء: من أفضل الطاعات: مراقبة الله على الدوام، وفي كل وقت.
مـعـيـة الله:
وبقدر مراقبة الله -سبحانه وتعالى- في حياتك؛ تكون معية الله لك.
فراقب مولاك قبل الطاعة، وفي الطاعة، وعند المباحات، وعند المعصية:
أما قبل الطاعة؛ فتكون بمراقبة النـيـة وإصلاحها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [أخرجه البخاري].
وفي الطاعات؛ بأن تستمر المراقبة لله، وتكون خالصةً لوجهه.
وأما عند المباحات؛ فتكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعم.
وعند المعصية؛ بألا تتجرأ على الله وتتعدى حدوده، فالمؤمن سريع العودة إلى مولاه بالتوبة والإنابة والإقلاع؛ ﴿۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [آل عمران:133].
فإذا راقبت الله -سبحانه وتعالى- عند هذه الأحوال؛ كانت الثمرة: انشراحًا للصدر، وقرةً للعين.
همسـة..
لما قال الله -عز وجل- : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء:1]، وقال: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) [الأحزاب:52]؛ فإنه يخاطبنا خطابًا خاصًّا، ويقول لنا: يا عبدي! أتظن أنك إذا أفلحت في ستر معاصيك عن الناس أنك تفلح في النجاة مني؟!
ويعظم هذا الخطاب خاصةً في هذا الزمن؛ الذي كثرت فيه الفتن، وسهل الوصول إليها.
قيل: أقوى عامل لبناء الذات هو : "مراقبة الله"، وأقوى عامل لهدم الذات هو: "مراقبة الناس".
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
اللهم! إنا نسألك باسمك الرقيب: أن تجعلنا من أوليائك، ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا.
68
الحَسـِيـبُ -جل جلاله-
قال جعفر الصادق -رحمه الله- : "عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران:173]؛ فإني سمعت الله يقول بعقبها: ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ﴾ [آل عمران:174].
وعجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله -عز وجل- : (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]؛ فإني سمعت الله يقول بعقبها: ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأنبياء:88].
وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر:44]؛ فإني سمعت الله يقول: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) [غافر:45]".
إذا بارت عليك الحيل، وضاقت السبل، وانتهت الآمال، وتقطعت الحبال؛ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل!
إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك نفسك بما حملت؛ فاهتف بـ: حسبي الله ونعم الوكيل! حينها يأتي مدده، ويصل عونه، ويسـرع فرجه؛ ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ﴾ [آل عمران:174].
والله -سبحانه وتعالى- عرف نفسه للعباد بأنه: حسيبهم؛ فقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [النساء:6]، وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء:86].
فالله -عز وجل- هو: الحسيب.
فربنا -سبحانه وتعالى- الكافي لجميع خلقه في كل شيء يحتاجونه؛ في المنافع، ودفع المضار.
وكفايته:
1- كفاية عامة للخلائق كلها؛ بإيجادها، ورزقها، وإمدادها بكل ما خلقت له، (الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ) [طه:50].
2- كفاية خاصة لعباده الموحدين؛ بالنصر والتمكين، والدفع عنهم في كل ما يكرهون، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأنفال:64].
وربنا -سبحانه وتعالى- المحاسب لكل الخلائق على أعمالهم يوم يردون إليه، ومجازيهم عليها، لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47].
يرعاك في المـلـمـات..
فمن خوف بغير الله وقال: حسبي الله! نجاه ونصره.
ألقي إبراهيم -عليه السلام- في النار؛ فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل! فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا.
رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؛ لـما هددوا بجيوش الكفار وكتائب الوثنية؛ قالوا: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ﴿173﴾ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ﴿174﴾﴾ [آل عمران:173-174].
فالله الحسيب: الذي تمد إليه الأكف في الأسحار، والأيادي في الحاجات، والأعين في الملمات، والأسئلة في الحوادث.
الأقوياء بيده، والضعفاء بيده، صحتك بيده، زوجتك بيده، ومن تحتك بيده، ورزقك بيده، الملوك بيده، الظالم بيده، عدوك بيده.
ما عليك إلا أن تلوذ وتهتف: حسبنا الله ونعم الوكيل!
شـعـارك ودثـارك..
"حسبنا الله ونعم الوكيل!" هي: مفتاح الفرج، وباب إلى السعادة، ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:174]، إذا خفت من مرض، أو خسارة في تجارة، أو من فقر أو على ولدك أو من ظالم أو عدو فقل: "حسبي الله ونعم الوكيل".
إذا ضاقت المرأة عند الولادة أو على طفلها أو على نفسها فلتقل: "حسبي الله ونعم الوكيل"، جاء عند ابن السني مرفوعًا وأبي داود موقوفًا، وصحح سنده شعيب الأرنؤوط: «مَنْ قَالَ: حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
شعـارك معنـاه:
يا رب! التجأت إليك، واحتميت بك، واستعنت بك على ما أخاف منه، وتوكلت عليك؛ فأنت حسبي ورجائي وذخري وملاذي! ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل:62].
فإذا علمت أن الله: هو الكافي، وهو الحسيب؛ فلا ترفع حوائجك إلا إليه.
وَهُوَ الحَسِيبُ كِفَايَةً وَحِمَايَةً ... وَالحَسْبُ كَافِي العَبْدِ كلَّ أَوَانِ
كي يسلم الطريق:
إذا علم المؤمن: أن الله سيحاسبه غدًا على الكبير والصغير، ويطالبه بالنقير والقطمير، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأن حساب الخلق لا مشقة فيه على الخالق الحسيب؛ كان في استعداد دائم، وكان مراقبًا لله -عز وجل- في كل أحواله، ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ﴾ [الأنعام:62].
جاء في «مسند الإمام أحمد»: أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في بعض صلاته: اللَّهُمَّ! حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا»، قلت: يا نبي الله! ما الحساب اليسير؟
قال: «أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابه فيتجاوز عَنْهُ؛ إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَوْمَئِذٍ -يَا عَائِشَةُ!- هَلَكَ» [حديث صحيح].
وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر؛ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".
قال القرطبي: "قال بعض الصُّلحاء: هذا كتاب، لسانُك قلمه، وريقك مِداده، وأعضاؤك قرطاسُه، أنت كنت المملي على حفظتِك، ما زيد فيه ولا نقُص منه، ومتى أنكرت منه شيئًا يكون فيه الشَّاهد منك عليك؛ ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ [الإسراء:14]".
ذكـرى..
في الآخرة محكمة ترد فيها الحقوق؛ حيث لا درهم ولا دينار، إنما الحساب بالحسنات والأعمال، وقتها أنت أحوج ما تكون إلى الحسنة.
وعلى حسب قيمة السِّلعة يكون مكيالها ! فالحديد.. بالطُّنِّ، والفاكهة.. بالكيلو، والذَّهب.. بالغرام، والألماس.. بالقيراط، أمَّا أعمال الآخرة... فهي بالذَّرَّة؛ ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ﴿7﴾ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ﴿8﴾﴾ [الزلزلة:7-8].
وإياك وحقوق الآخرين! فإنها لا تحل؛ ولو قضى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن كان ألحن بحجته من أخيه، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُوْنَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ.
فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا؛ فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
اللهم! أنت حسبنا وكفى.. فكن لنا ولا تكن علينا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
69
الشَّــهـِــيدُ -جل جلاله-
أثنى الله على ذاته العلية باسمه الشهيد؛ في قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج:17].
وورد اسم الله: (الشهيد) في كتاب الله -العزيز-: ثماني عشرة مرة.
فربنا -سبحانه وتعالى- الذي لا يغيب عنه شيء، وهو الحفيظ على كل شيء، فعلمه أحاط بالأشياء.
ربنا -سبحانه وتعالى- يشهد بالحق، وينصف المظلوم، ويقتص من الظالم، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، أحاط علمه بكل شيء.
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه، فشهادته أصل الشهادات، ومبعثها، وأعظمها؛ لأنه -سبحانه وتعالى- لـما كانت الأشياء لا تخفى عليه؛ كان شهيدًا لها، أي: عالـمًا بحقائقها، عالم المشاهدة لها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية -عز وجل- .
فمن جلاله -سبحانه وتعالى- : أنه شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ [آل عمران:18].
وشهادته -سبحانه وتعالى- بصدق المؤمنين إذا وحدوه، وشهادته لرسله وملائكته: ﴿وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾ [النساء:79].
وشهادته -سبحانه وتعالى- للمظلوم الذي لا شاهد له ولا ناصر على الظالم المعتدي، وهذه الشهادة تقتضي: العون والنصرة، قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج:17].
والعباد يشهدون له بالوحدانية، ويقرون له بالعبودية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا) [الأعراف:172].
حـقـيـقـة:
وشهادة العباد ورقابتهم محدودة بأوقات، ولا بد أن تتوقف؛ فالعبد ينام ويغفل ويضعف ثم يموت، أما الله -تبارك وتعالى- فرقابته دائمة تامة، وهو حي لا يموت، ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:117].
وشهادة الله -سبحانه وتعالى- أعظم شهادة، فشهادته شهادة حضور ومعاينة، ولا يخفى عليه شيء من جوانب الحقيقة؛ كما يحدث للبشر، فمن شهد الله له فهو حسبه، ولا يحتاج إلى شهادة غيره؛ ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام:19].
وهذه الشهادة من أعظم ما نواجه به باطل الخصوم: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد:43].
يـوم العـرض ..
وعندما يقدم العباد على الله -سبحانه وتعالى- يوم القيامة يحاسبهم حساب العالم بهم، المطلع على خفاياهم، المحصـي لأقوالهم وأعمالهم؛ (إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج:17].
والمؤمن يعلم أن عمله لا يضيع عند الله، ﴿قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ﴾ [سبأ:47].
وأما الكافر؛ فلا يضيع من عمله شيء؛ وإن نسيه فالله قد أحصاه: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة:6].
شـأنــك..
من علم أن ربه -سبحانه وتعالى- شهيد عليه ظاهرًا وباطنًا؛ استحى أن يراه على معصيته، أو فيما لا يحب، ومن علم أن الله يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها حتى يصل لمقام الإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة؛ الذي قال عنه الحبيب -صلى الله عليه وسلم- : «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهَرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ
خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً
وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
وشأن المؤمنين: أن يستحضروا مشاهدة الله -سبحانه وتعالى- لهم في كل عمل يعملونه؛ دق أو جل، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ﴾ [يونس:61].
بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن، فقال: يا رسول الله أوصني! فقال: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ مَا اسْتَطَعْتَ، وَاذْكُرِ اللهَ -عز وجل- عِنْدَ كُلِّ حَجَرِ وَشَجَرٍ..» [حديث صحيح. رواه أحمد].
قال ابن القيم -رحمه الله- : "إن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرًا لشهود العبد يوم القيامة"؛ ﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا﴾ [الزلزلة:4]، ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾ [النساء:79].
وقيل: من راقب الله في خواطره؛ عصمه في حركات جوارحه.
ثم إذا نظرت إلى السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة؛ وجدت أن المشترك بينهم أنهم: آمنوا بأن الله شهيد عليهم، ونظروا إلى حالهم فعبدوه كأنه يراهم، فنالوا المنزلة.
اللهم يا شهيد! نسألك أن تغفر لنا وترحمنا وتتجاوز عنا؛ يا أرحم الراحمين!
70
الحَــقُّ -جل جلاله-
أوضح دلالته للمتفكرين، وأبدى شواهده للناظرين، وبين آياته للعالمين، وقطع أعذار المعاندين، ودحض حجج الجاحدين؛ فاستنارت آيات الربوبية، وسطعت دلائل الألوهية، واضمحلت غمرات الشك، وزالت ظلمات الريب، (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ) [يونس:32]، (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [طه:114]، (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) [الأنعام:62].
فربنا -سبحانه وتعالى- الحق؛ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا شك فيه ولا ريب، فهو المعبود بحق، ولا معبود بحق سواه.
فهو الحق -عز وجل- ، وما سوى الحق إلا الباطل والضلال، ومن ادعى إلهًا غير الله ادعى باطلًا وكذبًا وزورًا؛ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ﴾ [الحج:62].
فربنا -سبحانه وتعالى- الحق، وقوله الحق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه حق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه بحق فهو الحق؛ (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [طه:114].
وجاء في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : أنه إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: «اللَّهُمَّ! أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ».
الصـراع..
وهذا صراع أبدي بين الحق والباطل؛ فمن كان مع الله فهو على الحق المبين، وله النصر في الدنيا والآخرة، ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة:33].
فالمؤمنون متبعون للحق، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ﴾ [محمد:3]، وهم يتواصون فيما بينهم على التمسك بالحق: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ﴿1﴾ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ﴿2﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ﴿3﴾﴾ [سورة العصر].
ومن رد الحق بعد بيانه فهو: المتكبر الظالم لنفسه؛ فقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» [أخرجه مسلم].
أيـن الطريـق؟
وما زال كثير من الناس يبحثون عن الحقيقة ليستدلوا بها إلى الحق:
فمنهم: من استند إلى صوت الفطرة في أعماقه، ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ﴾ [الروم:30].
ومنهم: من اعتمد مبدأ "السببية"؛ الذي يقرر: أن كل صنعة لا بد لها من صانع، وكل حادث لا بد له من محدث، وكل نظام لا بد وأن يكون وراءه منظم.
ومنهم: من جعلها مسألةً "حسابيةً"، وهم أهل الريب والشك، فانتهى بهم إلى أن الأضمن لحياتهم وما بعد حياتهم: الإيمان بالله والآخرة والبعث والجزاء؛ كما قال شاعرهم:
قَالَ المُنَجِّمُ وَالطَّبِيبُ كِلَاهُمَا ... لَا تُبْعَثُ الأَمْوَاتُ، قُلْتُ: إِلَيْكُمَا
إِنْ جَاءَ قَوْلُكُمَا فَلَسْتُ بِخَاسِرٍ ... أَوْ جَاءَ قَوْلِيَ فَالخَسَارُ عَلَيْكُمَا
ولا نجاة مع الشك، قال -سبحانه وتعالى- : (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم:10].
ومنهم: الذين ما زالوا محتارين مشركين -نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهداية-، ﴿۞ ۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الرعد:19].
والحقيقة: أن كل شيء دلَّ الدليل على أنه يقربك من الله -سبحانه وتعالى- فهو: حق، وكل شيء يبعدك عنه فهو: باطل، ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران:31].
قال ابن تيمية: "ليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق دون ألا يحبه ويريده ويتبعه".
وليست المصيبة: أن يصاب الإنسان بنفسه أو ماله أو ولده، وإنما المصيبة العظيمة، والكسر الذي لا ينجبر: أن يصاب الإنسان بدينه! فيحل الشك محل اليقين؛ فيرى الباطل حقًّا، والحق باطلاً، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
اهبــط بــوادي النجاة!
ما الأمر الكبير، والكرب الشديد، والهم العظيم الذي يستعصي على رب العزة؟ فالله هو الحق، وقوله الحق، ووعده الحق.
فحق على العبد أن يظن بربه خيرًا، ويتوكل عليه، وأن ينتظر منه فضلًا، وأن يرجو من مولاه لطفًا، وأن يتعلق بعهوده. فلا يجلب النفع إلا هو، ولا يدفع الضر إلا هو، وله في كل نفس لطف، وفي كل حركة حكمة، وفي كل ساعة فرج، جعل بعد الليل صباحًا وبعد القحط غيثًا.
والله لا يرد دعوة مؤمن صادق؛ لأن الله -جل وعلا- هو الحق، ووعده حق؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60].
إذن؛ فمشكلاتك جميعها إلى حلول، وكل آلامك إلى عافية، وكل أحلامك إلى واقع، وكل دموعك إلى ابتسامة.. اطمئن!
فإن بعد الفقر غنًى، وبعد الظمإ ريًّا، وبعد الفراق اجتماعًا، وبعد الهجر وصلًا، وبعد الانقطاع اتصالًا، قال -تبارك وتعالى- : ﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ﴾ [النمل:79].
اللهم! أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
71
المُبِـينُ -جل جلاله-
لازم باب مولاك المبين، وتعزز بالمولى العزيز العليم، وتوسل إليه بطاعته؛ يتفضل عليك بنعمته.
إن أطعته أكرمك وفضلك، وإن ضيعت ما مضى رحمك وأمهلك، وإن تبت وأنبت قبلك، وإن عصيت وأسأت سترك.
القلوب لا تحيا إلا بنسيم إقباله، ولا تنهمر الدموع إلا من خوف هجره أو طمع في وصاله.
وصدق من قال: "والله! ما أوحش الطريق لمن لم يكن الله مؤمنه، وما أضل الطريق لمن لم يكن الله دليله".
فما أحوجنا إلى طريق باب الله المبين؛ ليتضح لنا السير إليه.
ندلف هنا إلى أنوار اسم من أسماء الله -عز وجل- ، وهو: (المبين -سبحانه وتعالى- ):
فالله -تبارك وتعالى- قد قال عن نفسه مثنيًا: ﴿يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور:25].
وبيان الشيء: ظهوره ووضوحه.
فربنا -جل وعلا- المبين لكل العالمين، البـيِّن أمره في وجوده ووحدانيته، وأنه لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
وربنا -سبحانه وتعالى- الذي بيَّن لعباده سبيل الرشاد، وأوضح لهم الأعمال التي يستحقون الثواب على فعلها، والأعمال التي يستحقون العقاب عليها، ويوم القيامة يزول الشك فيه عن أهل النفاق؛ الذين كانوا فيما يعدهم في الدنيا يمترون.
وصفة البيان: من أعظم صفات الله -تبارك وتعالى- .
وقد جاء البيان عن طريقين:
الأول: بما أنزله -عز وجل- في كتبه المنزلة على رسله، وما أوحاه إلى رسله وأنبيائه: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ [المائدة:15].
والثاني: بآياته التي خلقها دالةً عليه، ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:190].
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
وكما كان القرآن مبينًا؛ كذلك رسل الله -صلى الله عليه وسلم- كَانوا مُبِينين، فالله -عز وجل- قد قال على لسان نوح: ﴿إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الشعراء:115]، وأمر -عز وجل- نبيه أن يقول: ﴿إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ [ص:70].
وقد أخبر الله -سبحانه وتعالى- العباد في كتبه وعلى ألسنة رسله في الدنيا بأن الذي اختلفوا فيه في الدنيا سيبينه لهم يوم القيامة؛ فقال -سبحانه وتعالى- : (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [النحل: 92].
ومن تبين له الحق فصد عنه؛ كان جزاءه العذاب الأليم، قال -تبارك وتعالى- : ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:209].
وكذا من كتم الحق؛ عرض نفسه للعنة؛ فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ [البقرة:159].
أولـوا الألـبـاب:
فالله المبين -سبحانه وتعالى- أوضح دلالته للمتفكرين[1]، وأبدى شواهده للناظرين. [1] يقول صاحب كتاب «الله أهل الثناء والمجد»: "المؤمن ليس بحاجة إلى من يؤكد له وجود الله -سبحانه وتعالى- ، أو يشرح له ضرورة الإيمان، ولكن أورد هنا مقاطع وكلمات وشهادات واعترافات لبعض رجال العلم وأهل الفكر وأرباب الفلسفة: هذا الطبيب النفسي الأمريكي الشهير الدكتور (هنري لنك)؛ الذي كفر بالدين، وحارب الإيمان، وأنكر وجود الإله، عاد بعد رحلة طويلة وفريدة! وقال: "الدين هو: الإيمان بوجود قوة ما كمصدر للحياة، هذه القوة هي: قوة الله، مدبر الكون، خالق السماوات". ويقول الأستاذ (هوش): "كلما اتسع نطاق العلم زادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أذكى، لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو: صرح عظمة الله وحده". وأفاض (هربرت سبنسر) في رسالة «التربية»؛ فقال: "العلم يناقض الخرافات، ولكنه لا يناقض الدين نفسه"، وأخذ يضرب الأمثلة؛ فقال: "إن العالـم الذي يرى قطرة الماء فيعلم أنها تتركب من الأوكسجين والهيدروجين بنسبة خاصة؛ بحيث لو أخذ نصف هذه النسبة لكانت شيئًا آخر غير الماء؛ يعتقد عظمة الخالق وقدرته وحكمته أقوى من غير العالم الطبيعي؛ الذي لا يرى فيها إلا أنها: قطرة ماء فحسب!". ويقول العالم الطبيعي (سير آرثر طومسون) -المؤلف الأسكتلندي الشهير- في مجموعة «العلم والدين»: "فنحن نقرر عن روية: أن أعظم خدمة قام بها العلم أنه: قاد الإنسان إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى". أما (وليم جيمس) –العالم النفسي الشهير-؛ فقال: "إن بيننا وبين الله رابطةً لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه؛ تحققت كل أمنياتنا وآمالنا".
ومن آياته للعالمين، وقطع أعذار المعاندين، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ﴿61﴾ أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿62﴾ أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ﴿63﴾ أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﴿64﴾﴾ [النمل:61-64]، فسبحان من بهرت عظمته عقول العارفين! وسبحان من بهرت أنواره بصائر السالكين!
تَأمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ المَلِيكُ ... عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخَصَاتٌ ... بَأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى كَثَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
في أواخر سورة آل عمران امتدح الله -سبحانه وتعالى- أولي الألباب عندما فتحوا بصائرهم لاستقبال آياته الكونية؛ فاتجهوا إلى الله بقلوبهم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وامتلأت أفئدتهم إيمانًا، ورفعوا أياديهم إلى الله بالدعاء الصادق وطلب الهداية؛ فكان الجواب عليهم: ﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ﴾ [آل عمران:195].
اللهم! باسمك المبين نسألك: أن تدخلنا جنة النعيم، وأن تجيرنا من النار؛ يا رب العالمين!
72
المُحِــيــطُ -جل جلاله-
قال ابن حجر -رحمه الله- : "من كان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم؛ كان له أخشى وأتقى، وإنما تنقص الخشية بحسب نقص المعرفة بالله.
والعبد لما علم بأن الله هو المحيط؛ اطمأنت نفسه، وزال همه، وتعلق قلبه بربه المحيط".
أخبر الله عباده أنه المحيط؛ فقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا﴾ [النساء:126].
فربنا -عز وجل- لا يغيب عن علمه شيء صغير أو كبير، ظاهر أو باطن؛ فإنه كما وصف نفسه: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) [فصلت:54].
وإحاطته تشتمل على: العلم والاطلاع على الأحوال كلها، كما تشتمل على: القدرة وعدم الفوت، كما تشتمل على: السلطان والحكم.
جاء في «شرح الطحاوية»: "أما كونه محيطًا بكل شيء؛ فقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ﴾ [البروج:20]، (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) [فصلت: 54]، وليس المراد من إحاطته بخلقه: أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا-.
وإنما المراد: إحاطة عظمته، وسعة علمه وقدرته، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة؛ كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".
إنه المحـيـط:
فإحاطة الله -سبحانه وتعالى- بخلقه: إحاطة تامة؛ لا يهرب منهم أحد، ولا يند منهم أحد، أحاطت بهم قدرته، وأحاط بهم علمه، أحاط بذواتهم وأقوالهم وأعمالهم؛ كما قال -سبحانه وتعالى- : (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
وهذه الإحاطة العامة، لأهل السماوات والأرض وهي إحاطة رحمة.
وأما الإحاطة الخاصة، فهي إحاطة قهر وفيها: تهديد للعصاة والمعاندين.
وأكثر ما جاء الاسم في مواضع التهديد والوعيد للكفار والمنافقين، فهو -سبحانه وتعالى- عالم بما يمكرون وما يكذبون، وهو -سبحانه وتعالى- من ورائهم محيط، ولهم بالمرصاد، مردهم إليه، وطريقهم إليه، ولا يفوتونه -عز وجل- ؛ فإلى أين المهرب والمصير؟
فقال -سبحانه وتعالى- عن الكافرين: ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة:19].
وكذلك قال -عز وجل- عن أهل الرياء والبطر: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [الأنفال:47].
وقال عن أهل الشماتة والكيد من الكفار والمنافقين: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [آل عمران: 120].
وإذا نزل عذاب الله -عز وجل- بقوم؛ فإنه يحيط بهم: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) [هود:84].
والنار يوم القيامة محيطة بالكافرين: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) [الكهف:29].
اطمئـن!
والمؤمن إذا علم أن الله هو: المحيط -جل وعلا- ؛ اطمأنت نفسه، وتوكل على ربه واتقاه؛ فهو لا يتباطأ عون الله، ولا يقنط من رحمته، ولا يقطع أمله من الفرج؛ فإن الفرج آتيه لا محالة.
فهو يعلم أن خَرْقَ السفينة هي: قمة المعروف، وقتل الغلام هي: قمة الرحمة، وحَبس كنز اليتيمين هي: قمة الوفاء؛ ﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾ [الكهف:68].
لكن للأمور أوقاتًا وللمقدور عمرًا؛ لا بد أن يقضيه حتى يصل، وكل شيء عند الله بأجل مسمى: ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [آل عمران: 120].
فالله -عز وجل- جعل لكل شيء قدرًا، وله زمنًا لا يتجاوزه، ووقتًا لا يتخطاه، فإذا جاء موعد المقدور فلا يستأخر عن وقته ساعةً ولا يستقدم.
وللكربة وقت ثم تزول، ولها زمن ثم تحول؛ فلا يستعجل لحصول المرغوب وإزاحة المرهوب، فالأمر ليس للعبد، فإن العبد عليه بذل السبب والصبر، فنصر الله -عز وجل- وفرجه لا يعز على طالب في أي مكان.
إبراهيم -عليه السلام- يحاط به، ويلقى في النار؛ فتكون بردًا وسلامًا.
ويوسف -عليه السلام- يحيط به إخوانه، ويلقونه في الجب، ثم يحاط به مرةً أخرى من امرأة العزيز ومن معها، ثم يسجن؛ لكن الله المحيط -سبحانه وتعالى- رد كيد الأعداء؛ فكانت إحاطتهم نصرًا وفتحًا ليوسف -عليه السلام- ؛ ليكون عزيزًا على خزائن الأرض.
يحاط ببيت أم موسى -عليه السلام- ، فيلقى موسى في اليم، فكانت إحاطتهم فرجًا لها وله؛ فيرجع إليها وهي مطمئنة.
يحيط فرعون بموسى -عليه السلام- ومن معه؛ فكانت إحاطتهم هلاك فرعون، وانتصار موسى -عليه السلام- .
يحيط الكافرون ببيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فيخرج من مكة طريدًا حزينًا، ثم يحيط الله بأعدائه؛ فيرجع إليها فاتحًا منتصرًا -صلى الله عليه وسلم- .
فالمؤمن كلما استشعر إحاطة الله -عز وجل- : زاد إيمانه، وفرح بربه، وفر إليه خاضعًا لعظمته مستسلمًا لأمره، ممتثلًا لقوله -عز وجل- : ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الذاريات:50].
بِكَ أَسْتَجِيرُ وَمَنْ يُجِيرُ سِوَاكَا
فَأَجِرْ ضَعِيفًا يَحْتَمِي بِحِمَاكَا
إِنِّي أَوَيْتُ لِكُلِّ مَأْوَىً فِي الحَيَاةِ
فَما رَأَيْتُ أَعَزَّ مِنْ مَأْوَاكَا
فَاقْبَلْ دُعَائِي وَاسْتَجِبْ لِرَجَاوَتِي
مَا خَابَ يَوْمًا مَنْ دَعَا وَرَجَاكَا
اللهم! باسمك المحيط نسألك: أن تحيط أعداءنا بالعذاب من عندك، وأن تجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
73 – 74 – 75 - 76
الأَوَّلُ الآخِـــرُ الظــــَّاهـِـرُ الــبــــَاطـِـنُ -جل جلاله-
أثنى الله -سبحانه وتعالى- على ذاته العلية بقوله: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:3].
وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ! رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيم، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالفُرْقَانِ؛ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ.
اللَّهُمَّ! أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ» [أخرجه مسلم].
فهو الأول؛ الذي ليس قبله شيء.
وهو الآخر؛ الذي ليس بعده شيء.
وهو الظاهر؛ الذي ليس فوقه شيء.
وهو الباطن؛ الذي ليس دونه شيء.
ومدار هذه الأسماء على بيان إحاطة الرب -سبحانه وتعالى- بخلقه، إحاطة زمانية ومكانية:
الإحاطة الزمانية: في (الأول) و(الآخر): (فما من أول إلا والله قبله)؛ فالأشياء كلها وجدت بعده، وقد سبقها كلها.
(وما من آخر إلا والله بعده)؛ فهو -عز وجل- الباقي بعد فناء خلقه كله صامتة وناطقة.
والإحاطة المكانية: في (الظاهر) و(الباطن)، وهو فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه: (فما من ظاهر إلا والله فوقه) عالٍ على العرش، والعرش أعلى المخلوقات، فله علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهار.
(وما من باطن إلا والله دونه): فبطونه -سبحانه وتعالى- إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، مطلع على السرائر والضمائر.
ومع علوه -سبحانه وتعالى- وفوقيته، وكونه على العرش فوق السماوات؛ فإنه قريب من عباده، مطلع على بواطنهم، عالـم بظواهرهم، ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ [ق:16]، ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:29].
قريب منك..
يسمع كلماتك، ويرى أفعالك، لا تخفى عليه منك خافية.
سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه يدعون ربهم بأصوات جهورة مرتفعة؛ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوْا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» [أخرجه البخاري ومسلم].
تهمس في سجودك: "سبحان ربي الأعلى"؛ فإذا السماوات تتفتح لدعوتك وإذا بالمولى يسمعك؛ فلا تتوهم أنه بعيد، أو أنه تخفى عليه منك خافية.
يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ﴿وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا﴾ [الأنعام:59].
فمن حكمته ونعمته: أن يذكرك بأنه ابتدأت منه المخلوقات، وانتهت إليه عبوديتها، فكما كان واحدًا في إيجادك فاجعله واحدًا في تألهك إليه، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك.
لا تسـأم مـن الوقـوف!
فإذا ضاقت بك الحيل، وألجأتك المخاوف؛ فتذكر أنه الأول والآخر، وأنه قريب منك، وأنه على كل شيء قدير، وأنه قاهر فوق عباده، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، وأنه مطلع على سرائرك وما يخالج ضميرك.
هنا صار لقلبك رب يقصده، وإله يعبده، وصمد يصمد إليه في حوائجه، وملجأ يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك سَعِدَ قَلبُك، وهدأت نفسُك، وارتاح ضميرك، وقرب الفرج، وقد علمت أنه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو على كل شيء قدير.
النار لم تحرق إبراهيم الخليل؛ لأن الرعاية الربانية فتحت نافذةً، ﴿قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء:69].
البحر لم يغرق كليم الرحمن؛ لأن الصوت القوي المؤمن بجلال الله نطق: ﴿قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ﴾ [الشعراء:62].
يونس -عليه السلام- في بطن الحوت في البحر ينادي: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]، صوت ضعيف منطلق من ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت؛ يخترقها إلى السماء فيأتي الفرج.
وَفِي الغَيبِ للعَبدِ الضَّعيفِ لَطَائِفٌ
بِهَا جَفَّتِ الأقلامُ وانطَوَتِ الصُّحفُ
نقطـة تحـول..
فالإنسان وحده لا يستطيع أن يصارع الأحداث، ولا يقاوم الملمات، ولا ينازل الخطوب؛ لأنه خلق ضعيفًا عاجزًا إلا حينما يتوكل على ربه؛ لأنه يعلم أن أَوَليَّتَهُ سبقت كل شيء، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه.
فلا تواري منه سماء سماءً، ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.
فيا سعادة من تعلق بالله، وتعلم أسماء الله، وأصلح سريرته، وأخلص عمله، وأحسن نيته، وتترس بالصبر، وتدرع بالثقة بمولاه! فهذا التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد.
ونازعني شوق إليك وهزني ... من الغيب ما يهفو إليه رجائيا
قال ابن القيم -رحمه الله- : "فمعرفة هذه الأسماء الأربعة وهي: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه".
هُوَ أَوَّلٌ هُوَ آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ ... هُوَ بَاطِنٌ، هِيَ أَرْبَعٌ بِوِزَانِ
مَا قَبْلَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا بَعْدَهُ ... شَيْءٌ تَعَالَى اللهُ ذُوْ السُّلْطَانِ
والعلم بهذه الأسماء الأربعة ومعانيها له أثر عظيم في دفع الوسوسة.
جاء رجل -يقال له: أبو زميل- إلى حبر الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ؛ فسأله، "قال: يا ابن عباس! ما شيء أجده في صدري، قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به! قال: فقال لي أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله قوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [يونس:94].
ثم قال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا؛ فقل: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:3]".
اللهم يا من هو الأول والآخر والظاهر والباطن! أصلح سرائرنا، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا والآخرة.
77
الـوَكِــيلُ -جل جلاله-
هل تأملنا ووقفنا قليلًا عند قوله -عز وجل- : ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:58]؟
نداء من الملك الجبار.. نداء إلى كل مؤمن ومؤمنة.. نداء إلى كل مريض وكل مهموم ومدين.. نداء إلى كل خائف أو متردد..
يخبرنا بأنه هو الوكيل -عز وجل- ، وأنه على كل شيء قدير؛ يحول جميع مشكلاتك إلى حلول، ويحول آلامك إلى عافية، وأحلامك إلى واقع، وخوفك إلى أمن، ودموعك إلى ابتسامة.
تَبَرَّأْتُ مِنْ حَوْلِي وَطَوْلِي وَقُوَّتِي ... وَإنِّي إِلَى مَوْلَايَ فِي غَايَةِ الفَقْرِ
أرح نفسك من ضعفها، وقلقها، ونفورها! واجعلها تتفيأ ظلال الوكيل في هذه السطور، وادلف معنا إلى أنوار اسم الله: (الوكيل -عز وجل- ):
فالله -سبحانه وتعالى- قال: (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الأنعام:102].
قال العلماء: الوكيل هو: المتولي تدبير خلقه بعلمه، وكمال قدرته، وشمول حكمته.
وهو: الذي تكفل بأرزاق العباد ومصالحهم وتدبير شؤونهم، وإرشادهم إلى ما ينفعهم وما يضرهم في الدنيا والآخرة.
وهذه هي: الوكالة العامة لجميع الخلق، ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر:62].
لكن هناك وكالة خاصة؛ خصها الله -سبحانه وتعالى- لأوليائه وأهل طاعته ومحبته؛ فييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى، ويكفل أمورهم..
ولذلك أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- وجميع الأمة أن يتوكلوا عليه بقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان:58]، وخصهم بحبه في قوله -عز وجل- : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
فالتوكل: آية المؤمن، وسمة الموحد، وعلامة التقوى، وهو من أعظم المقامات تعلقًا بالأسماء الحسنى.
للصـادقـين..
يقول ابن القيم -رحمه الله- : "التوكل: نصف الدين، والنصف الثاني: الإنابة، فإن الدين: استعانة وعبادة.
فالتوكل هو: الاستعانة، والإنابة هي: العبادة".
والتوكل: يزيد بزيادة الإيمان، وينقص بنقصانه، ومن لا توكل له لا إيمان له؛ ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة:23].
فكفاية الله -عز وجل- لك مقرونة بتوكلك عليه؛ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق:3].
فكن صادقًا في توكلك تنل ما تريد؛ ولو كان كبيرًا، جاء عند الترمذي عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُوْنَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ: تَغْدُوْ خِمَاصًا، وَتَرُوْحُ بِطَانًا» [حديث صحيح].
والكل يتمنى أن ينال المكانة العالية عند الله -سبحانه وتعالى- في الدنيا والآخرة، وهذه لا تحصل إلا للصادقين في توكلهم، فهؤلاء توكلت قلوبهم على الله -عز وجل- ، ولهجت ألسنتهم عند الشدائد بقولهم: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران:173]، فظهرت العظمة، وظهرت المعجزة، وظهر الحفظ من الله -عز وجل- لأوليائه.
﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران:173]، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في النار؛ فماذا كانت النتيجة؟ ﴿قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء:69].
قالها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- حين قيل لهم: ﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران:173]؛ فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ﴾ [آل عمران:174]
فإذا بلغت تلك المكانة؛ فقد بلغت محبته -سبحانه وتعالى- : ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:159].
ويزيدك على تلك المحبة: الأجر العظيم: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:36].
للـمـتـوكـلـين..
اصْدُقْ في توكلك يحمِك الله من الشيطان؛ ﴿إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:99].
وإذا نصبت الأعداء حبالات المكر؛ فانصب لهم جدار التوكل: ﴿۞ ۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس:71].
من أراد النصر على الأعداء والفرج من المصيبة؛ فعليه بالتوكل على الله: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران:160].
وإذا أعرض عنك الخلق؛ فاعتمد على الوكيل: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [التوبة:129].
وإذا طلبت للصلح والإصلاح؛ فادخل لها من باب التوكل: ﴿۞ ۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنفال:61].
وإذا وقر الإيمان في القلب، وعلمت بأن أمرك بين يديه -سبحانه وتعالى- ؛ فلا يكن اتكالك إلا عليه -عز وجل- ؛ (قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) [الرعد:30]، فمن تمسك بالتوكل في كل أحواله؛ كفاه الله -تبارك وتعالى- : ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ [الأحزاب:3].
قـبـل الخـروج :
ذاك الرجل الذي خرج من بيته وقد توكل على الله؛ فكان الله -عز وجل- وكيله، صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ.
فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
حزن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وثقل عليهم عندما سمعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدْ التَقَمَ القَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ؟!»، ولـما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ثقل عليهم ذلك قال لهم: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ! عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
ذكــــرى!
لقد ضاع مفهوم التوكل لدى كثير من الناس! نسوا الله فنسيهم -جل وعلا- ، تركوا التوكل على الله فوكلهم إلى أنفسهم..
يمرض المريض فيعلق قلبه بالطبيب؛ تعلق بالدواء والطبيب وهما أسباب، ونسـي رب الأرض والسماء، ومن بيده الشفاء!!
تنزل ببعضهم المحن، وتشتد عليهم الفتن، وتضيق عليهم الأمور، ويتحملون الهموم والغموم، وينطرحون على أعتاب الأصحاب، وينسون العزيز الوهاب -جل وعلا- .
يحدق به الأعداء، ويمكر به الألداء، يحيط به الخصوم؛ فيظل في هم شديد وكرب أكيد، ويغفل عن الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد -سبحانه وتعالى- .
قال ابن الجوزي: "ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله -عز وجل- كافيه؛ فلا يعلق قلبه بالأسباب، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق:3]".
ومن الناس من فهم التوكل بمعنى: التواكل؛ كجماعة من اليمن أرادوا الخروج إلى الحج؛ فلم يأخذوا زادًا معهم، وقالوا: "نحن المتوكلون"، وأخذوا يتسولون طعامهم من الناس! فأنزل الله -عز وجل- : ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [البقرة:197]، أي: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس، ويقيكم ذل المسألة.
ومنهم من قال: رزقي كتب؛ فلماذا أسعى في الأرض؟!
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا سأله؛ فقال: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- : «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [حديث حسن. رواه الترمذي].
والله -عز وجل- قد قال: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك:15]، فاتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بالسبب، وإلا فهو: بطالة وتوكل فاسد! (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [الممتحنة:4].
الطـريق من هـنـا..
كيف أتوكل على الله في حياتي؟
أولًا: معرفة أسمائه وصفاته الحسنى، وكلما عظم قدر الله -عز وجل- في قلبك؛ تقربت منه -سبحانه وتعالى- .
ثانيًا: إحسان الظن بالله -عز وجل- ، «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي...» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه]، فذاك المنفق لم ينفق إلا وهو محسن الظن بالله، وأنه يخلف عليه بخير، وذاك الذي قام من فراشه ووقف بين يدي ربه، ما قام إلا وهو يحسن الظن بربه، وذلك المعتمر والحاج والمصلي...
ثالثًا: التخلي عن قوتك، والاعتراف بضعفك بين يدي الله -عز وجل- ، وإظهار الفاقة إليه، ودعاؤه: أن لا يكلك إلى نفسك أو إلى أحد من خلقه، وفي الحديث الصحيح: «اللَّهُمَّ! رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
رابعًا: الإتيان بالمسبب؛ كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به.
خامسًا: تذكر قوة الله في تحويل الأحوال، وأن بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، والتذكر دائمًا: أن بيده خزائن كل شيء، فلا تملك إلا التفويض كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب إلى أبيه، ولله المثل الأعلى، (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر:44].
سادسًا: الرضا بما قسم الله لك، ولتعلم أن الخير فيما قسم الله لك، فإذا لم ترض فهو كما قال بشر الحافي: "يقول أحدهم: (توكلت على الله)، يكذب على الله! لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به".
ذكر ابن حمدون: "أن البرد أتى على زرع عجوز في البادية؛ فأخرجت رأسها من الخباء، ونظرت إلى الزرع وقد احترق، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: اصنع ما شئت؛ فإن رزقي عليك!".
فإذا حقَّق العبد التوكل على الحيّ الذي لا يموت؛ أحيا الله له أموره كلها، وكمَّلها وأتمَّها، ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:58].
اللهم يا وكيل! لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا؛ فأنت على كل شيء قدير.
78
الــنــُّـورُ -جل جلاله-
قال الله مُثنيًا على نفسه:
﴿۞ ۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور: 35].
جاء في «الصحيحين»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهؤلاء: «اللَّهُمَّ! اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوْرًا، وَفِي بَصَرِي نُوْرًا، وَفِي سَمْعِي نُوْرًا، وَعَنْ يَمِينِي نُوْرًا، وَعَنْ يَسَارِي نُوْرًا، وَفَوْقِي نُوْرًا، وَتَحْتِي نُوْرًا، وَأَمَامِي نُوْرًا، وَخَلْفِي نُوْرًا، وَاجْعَلْ لِي نُوْرًا».
وأيم الله! إن هذا من أثمن عطاءات الله للعبد؛ أن يرزقه نوره وهداه.
وحديثنا عن غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وبهجة النفوس، وهو أعظم غذاء وأنفعه وأجوده، وكما قيل:
لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا
عَنِ الشَّـرَابِ وَتُلهِيـهَا عَنِ الزَّادِ
لَهَا بِوَجْهِـكَ نُوْرٌ تَسْتَـضِيْءُ بِهِ
وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي
إِذَا اشْتَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا
رَوْحَ اللِّقَاءِ فَتَقْوَى عِنْدَ مِيعَادِ
في ظلال نـوره:
قال -تبارك وتعالى- : ﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [النور:35].
ونصوص الكتاب والسنة -كما ذكر ابن تيمية -رحمه الله- - التي سمى الله فيها نفسه (نورًا)، جاءت بثلاثة:
الأول: اتصافه بصفة النور، في قوله -سبحانه وتعالى- : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) [الزمر:69]، وفي الحديث: «وَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُوْرِهِ» [حديث صحيح. رواه ابن حبان].
الثاني: كونه -تبارك وتعالى- نورًا، ﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [النور: 35]، وفي الحديث: «أَنْتَ نُوْرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
الثالث: حجابه النور، كما في الحديث الصحيح: «حِجَابُهُ النُّوْرُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» [أخرجه مسلم]، "سبحات وجهه: بهاؤه ونوره".
ونور الله -عز وجل- الذي يتصف به لا يشبه الأنوار المخلوقة؛ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
وَالنُّورُ مِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا وَمِنْ
أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي البُرْهَانِ
أهديـك كـلـمـات..
قال العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- : "من أسمائه -جل جلاله- ومن أوصافه: (النور)؛ الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام، وذو البهاء والسبحات، الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه.
وهو الذي استنارت به العوالم كلها؛ فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان، وهذا نور حسي.
وأما النور المعنوي؛ فهو: النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته؛ من أنوار معرفته وأنوار محبته، فإن لمعرفته في قلوب أوليائه أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله.
حـلاوة هدايـتـه!
فإذا عرفت الله -سبحانه وتعالى- أصبت أعظم المعارف كلها؛ فالعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو: أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها؟
وهنا؛ يصدق على قلبك قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور:35].
وهذا النور المضروب هو: نور الإيمان بالله -عز وجل- وبصفاته وآياته، مثله في قلوب المؤمنين مثل: هذا النور الذي جمع جميع الأوصاف.
ولذلك كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ! اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوْرًا، وَفِي بَصَرِي نُوْرًا، وَفِي سَمْعِي نُوْرًا، وَعَنْ يَمِينِي نُوْرًا، وَعَنْ يَسَارِي نُوْرًا، وَفَوْقِي نُوْرًا، وَتَحْتِي نُوْرًا، وَأَمَامِي نُوْرًا، وَخَلْفِي نُوْرًا، وَاجْعَلْ لِي نُوْرًا» [أخرجه البخاري ومسلم].
ومتى امتلأ القلب من هذا النور فاض على الوجه؛ فاستنار الوجه، وانقادت الجوارح بالطاعة مذعنةً مطيعةً؛ كما جاء في الكتاب والسنة، والله -سبحانه وتعالى- يقول: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35].
قال ابن سعدي -رحمه الله- : "لما استنارت بالصلاة بواطنهم؛ استنارت بالجلال ظواهرهم، ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ﴾".
وهذا النور يمنع العبد من ارتكاب الفواحش؛ كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ..» [أخرجه البخاري ومسلم].
كتـابـه نـور:
أخبرنا الله -عز وجل- أن الكتب المنزلة من عنده: نور يضيء الله به قلوب العباد، قال -تبارك وتعالى- : ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ﴾ [المائدة:44]، وقال: ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ﴾ [المائدة:46].
وأعظم الأنوار المنزلة: الكتاب الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ، قال -تبارك وتعالى- : ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ [المائدة:15].
به أخرج الله -عز وجل- الذين آمنوا من الظلمات إلى النور: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:1]، ولذا؛ لما علم الكفار مدى قوة تأثير هذا النور في هذه الأمة؛ جاهدوا أن يطفئوه، ولكن الله -عز وجل- حافظ كتابه، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [الصف: 8]، والله حافظ هذه الأمة مادامت متمسكة بكتابه -سبحانه وتعالى- .
خـلاصـة القـول..
لما كان النور من أسمائه وصفاته؛ كان: دينه نورًا، ورسوله نورًا، وكلامه نورًا، ودار كرامته لعباده نورًا يتلألأ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين، ويجري على ألسنتهم، ويظهر على جوارحهم، ويتم -تبارك وتعالى- عليهم هذا النور يوم القيامة؛ فالله قد قال: (نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8].
اللهم يا نور السماوات والأرض! أتمم لنا نورنا، واغفر لنا؛ إنك على كل شيء قدير.
79
الكَـافِــي -جل جلاله-
جاء في «الصحيحين» عن جابر -رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزوة نجد، فلما أدركته القائلة وهو في واد كثير العضاه؛ فنزل تحت شجرة واستظل بها، وعلق سيفه، فتفرق الناس في الشجر يستظلون، وبينا نحن كذلك؛ إذ دعانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فجئنا، فإذا أعرابي قاعد بين يديه، فقال: «إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ؛ فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ، فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ، فَهُوَ هَذَا»، قال: ولم يعاقبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
قال -سبحانه وتعالى- : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) [الزمر:36].
فربنا -سبحانه وتعالى- كافٍ عباده؛ لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم؛ فقد كفاهم الله -عز وجل- ، وهذه كفاية عامة لجميع الخلق.
وأما كفايته الخاصة؛ فهي: كفايته للمتوكلين عليه، والمنيبين إليه.
وهي كفاية واسعة، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ﴾ [الزمر:36]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، أي: كافيه كل أموره الدينية والدنيوية.
ومن كفايته -تبارك وتعالى- لرسوله وللمؤمنين: أن ينزل عليهم نصره، ويمدهم بملائكته: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الفتح:4].
ويقول -سبحانه وتعالى- : ﴿بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:125].
إنه الكـافـي:
والعبد لا غنًى له عن ربه طرفة عين في جميع شؤون حياته؛ فهو محتاج إلى حفظ الله وكفايته وتسديده؛ فهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا حديثًا هو من أعظم أحاديث كفاية الله -سبحانه وتعالى- للعبد: صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ.
فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
والعبد المؤمن يكثر التضرع والتوسل بأسمائه الحسنى في طلب الحفظ والثبات، فإنه لا كافي إلا هو، ولا حافظ سواه، جاء في «صحيح مسلم»: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا؛ فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ!».
لا تبرح عن بابـه!
فالعبد المؤمن إذا أحسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- ، وصدق في توكله، وعظم رجاؤه؛ فإن الله لا يخيب ظنه؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق:3].
وهي من ربط الأسباب بمسبباتها، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «يَقُولُ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
تولى الله أمر يوسف عليه السلام ، فأحوج القافلة في الصحراء للماء ليخرجه من البئر ، ثم أحوج عزيز مصر للأولاد ليتبناه ، ثم أحوج الملك لتفسير الرؤيا ليخرجه من السجن ، ثم أحوج مصر كلها للطعام ليصبح عزيز مصر ، إذا تولى الله أمرك هيأ لك كل أسباب السعادة وأنت لاتشعر ، فقط توكل على الله فهو حسبك، وقل بصدق: "وَأفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه".
امـتـحـان..
يقول ابن القيم -رحمه الله- : "فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه؛ فربما أوهم ذلك: تعجيل الكفاية وقت التوكل؛ فعقبه بقوله: ﴿قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق:3]، أي: وقتًا لا يتعداه، فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له.
فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلت، ودعوت فلم أر شيئًا، ولم تحصل لي الكفاية؟! فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره له".
ولذا؛ يمتحن الله -جل وعلا- بعض عباده في صدق توكلهم؛ فيؤخر الإجابة، فإذا طال المقام ببعضهم ترك التوكل على الله، وذهب وانكسر وذل للمخلوق؛ ولو على حساب دينه ورضا ربه -عز وجل- .
صح في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ التَمَسَ رِضَاءَ اللهِ بِسَخَطِ النَّاس؛ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاس، وَمِنَ التَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ؛ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
الجـواب الكـافـي..
ولا يحصل المقصود للعبد إلا بجعل الآخرة هي همه، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحَدًا: هَمَّ آخِرَتِهِ؛ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ!» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه].
يقول ابن القيم -رحمه الله- : "من اشتغل بالله عن نفسه؛ كفاه الله مؤونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس؛ كفاه الله مؤونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله؛ وكله الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله؛ وكله الله إليهم".
يَكْفِيكَ مَنْ وَسِعَ الخَلائِقَ رَحْمَةً ... وَكِفَايَةً ْذُو الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ ... يَكْفِيكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ أَلْطَافُهُ ... تَأْتِي إِلَيْكَ بِرَحْمَةٍ وَحَنَانِ ... يَكْفِيكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ فِي سِتْرِهِ ... وَيَراكَ حِينَ تَجِيءُ بِالعِصْيَانِ
يَكْفِيكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ فِي حِفْظِهِ ... وِوِقَايَةٍ مِنْهُ مَدَى الأَزْمَانِ ... يَكْفِيكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ فِي فَضْلِهِ ... مُتَقَلِّبًا فِي السِّـرِّ وَالإِعْلَانِ
اللهم يا كافٍ! اكفنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
80 - 81
المَـوْ لَى الـوَلِــيُّ -جل جلاله-
أنت بحاجة إلى سند، بحاجة إلى مرب، بحاجة إلى مرجع، بحاجة إلى من تتوكل عليه، بحاجة إلى مولًى، بحاجة إلى من يطمئنك بأن هذه الحياة جبلت على كدر، أنت بحاجة إلى قوي يحميك من شرور أعدائك، أنت بحاجة إلى مولاك.
أَتَيتُكَ رَاجِيًا يَا ذَا الجَلَالِ ... فَفَرِّجْ مَا تَرَى مِنْ سُوْءِ حَالِيَ
إِلَى مَنْ يَشْتَكِي المَمْلُوْكُ إِلَّا ... إِلَى مَوْلَاهُ يَا مَوْلَى المَوَالِيَ
قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه: (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى:28]، وقال: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ﴾ [البقرة: 257].
فربنا -عز وجل- هو الولي المولى لكل الخلق أجمعين؛ بالخلق والتدبير، وتصريف الأمور والمقادير في السماوات والأرضين، في كل وقت وحين، فليس لنا ولي سواه يجلب لنا المنافع، ويدفع عنا الضر والشرور والمساوئ، نواصينا كلها بيده -عز وجل- .
وهذه الولاية العامة، وهي: ولاية الخلق والتدبير الشاملة للخلق كافةً، للبر والفاجر، والمؤمن والكافر.
وأما الولاية الخاصة؛ فهي لأوليائه المتقين؛ يخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة، وينصرهم على عدوهم، ويصلح لهم أمورهم الدنيوية والدينية.
فهي ولاية تقتضي: الرأفة والرحمة والإصلاح والحفظ والمحبة، أما قال -عز وجل- : ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ﴾ [البقرة:257]؟
الولايـة بـقدر الامتـثـال:
وولاية الله -تبارك وتعالى- للعبد المؤمن بحسب محبته له، يقول ابن القيم -رحمه الله- : "الولاية أصلها: الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها: البغض.
والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له".
وولاية الله -سبحانه وتعالى- ليست كغيرها؛ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
والله -سبحانه وتعالى- يوالي عبده إحسانًا إليه وجبرًا له ورحمةً، ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة:257]، بخلاف المخلوق؛ فإنه يوالي المخلوق لتعززه به وتكثره بموالاته، لذل العبد وحاجته.
وأما العزيز الغني -سبحانه وتعالى- فلا يوالي أحدًا من ذل وحاجة، فالله -عز وجل- قد قال: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا﴾ [الإسراء: 111].
هـم القـوم..
وصفة الولي من عباد الله: أنه يحب الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، ويحب من يحب الله ورسوله، ويبغض من يبغض الله ورسوله، ويوالي من يوالي الله ورسوله، ويعادي من يعادي الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، وينتهي عن معصيته، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [المائدة:56]، ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:22].
الطـريق:
والولاية: لا تنال إلا بشرطين: بالتقوى، والإيمان، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ﴿62﴾ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿63﴾ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ﴿64﴾﴾ [يونس: 62-64].
وَوِلَايَةُ اللهِ -تبارك وتعالى- كسبية لها أسبابها وأعمالها القلبية والبدنية، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، (وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:127].
والناس متفاضلون في ولاية الله -عز وجل- بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى.
مفاتيـح القـبـول:
وكلما ازداد العبد تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى- بفعل الفرائض ورغائب الدين؛ ازداد محبةً وقربًا من الله -سبحانه وتعالى- .
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يقَوْلُ اللهُ -عز وجل- : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.
وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» [أخرجه البخاري].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : "الوليُّ لا يكون وليًّا لله إلا بمتابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ؛ باطنًا وظاهرًا، فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية لله".
إذا تولاك أدهـشـك!!
وهذا التولي الخاص يقتضـي: لطفه بعباده وتوفيقهم، ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ﴾ [البقرة:257].
ويقتضي: غفران الذنوب والرحمة، (أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) [الأعراف:155].
ويقتضي: النصر والتأييد على الأعداء، ﴿أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة:286]، والله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ﴾ [آل عمران:150].
والولاية تقتضي: دخول الجنان والنجاة من النيران، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿۞ ۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 127].
ومن نِعم الله الكبرى: أن يكون الله وليك، قال -سبحانه وتعالى- : (نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال:40]، فَإِذَا كَانَ -عز وجل- وَلِيَّكَ؛ فقد حزت الأمن في الدارين: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].
فأنت مطمئن؛ لأن الله -جل وعلا- معك، لسانك يقول دائمًا: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [التوبة:51]، يشدد عليك، ويضيق عليك ليصطفيك؛ ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ [القصص: 5].
فإذا تولاك مولاك؛ فأنت في عناية مشددة، وفي نعمة كبرى، تخطئ فيعاقبك، تسرف فيقتر عليك، تستعلي فيؤدبك؛ وما ذاك إلا لأن الله -جل وعلا- مولاك؛ نعم المولى ونعم النصير.
وأنت تعلم علم يقين: أن هذا عقاب محب وليس عذابًا؛ لأن الله لا يعذب أحبابه؛ ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ﴾ [المائدة:18].
إِلَهِي أَنْتَ لِلإِحْسَانِ أَهْلُ ... وَمِنْكَ الجُوْدُ وَالفَضْلُ الجَزِيلُ
إِلَهِي جُدْ بِعَفْوِكَ لِي فَإنِّي ... عَلَى الأَبْوَابِ مُنْكَسِـرٌ ذَلِيلُ
اللهم! إنا نسألك باسمك المولى: أن تمن علينا بدخول الجنة، وأن تجعلنا من أوليائك في السر والعلانية.
82
الهَــادِي -جل جلاله-
ضَلَلْتُ زَمَانًا لَسْتُ أَعْرِفُ الهُدَى
وَقَدْ كَانَ ذَاكُمْ ظُلْمَةٌ فِي فُؤَادِيَا
فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ دَفْعِيَ لِلهُدَى
أَبَانَ سَبِيلَ الحَقِّ لِي وَهَدَانِيَا
فَأَلْقَيْتُ عَنِّي ظُلْمَةَ الغَيِّ وَالرَّدَى
وَيَمَّمْتُ نُوْرًا لِلْهِدَايَةِ بَادِيَا
وَصِرْتُ إِلَى دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
رَشِيدًا ومِنْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ دَاعِيَا
من رحمة الله -جل وعلا- بالعباد: أن جعل الهداية بيده، وقد سمى الله نفسه بـ (الهادي -عز وجل- ).
ونقف مع هذا الاسم، ونحن نسأله: أن يهدينا إلى الحق بإذنه وإلى صراط مستقيم:
يقول -تبارك وتعالى- : (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الحج: 54]، وقال -تبارك وتعالى- : (وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) [الفرقان:31].
فربنا -عز وجل- الَّذِي يَهْدِي وَيُرْشِدُ عباده إلى جلب المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبةً إليه، منقادةً لأمره -سبحانه وتعالى- .
وهداية الله للإنسان..
على أربعة أوجهٍ:
أولًا: الهداية العامة، وهي: هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهي هداية شاملة للحيوان كله؛ ناطقه وبهيمه، طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه.
ثانيًا: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين، وهي: حجة الله -عز وجل- على خلقه؛ التي لا يعذب أحدًا منهم إلا بعد إقامتها عليه.
قال -سبحانه وتعالى- : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ) [فصلت:17].
ثالثًا: هداية التوفيق والإلهـام وشرح الصدر لقبول الحق والرضا به، فالله -سبحانه وتعالى- قال: (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) [الإسراء:97]، (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن:11].
ولذا؛ أمر -سبحانه وتعالى- عباده أن يسألوه الهداية؛ بل أرشدهم إلى أن يسألوه الهداية في كل ركعة: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:6].
رابعًا: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ﴾ [محمد:5]، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف:43].
وأما الهداية إلى النار؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿۞ ۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ﴿22﴾ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ﴿23﴾﴾ [الصافات:22-23].
كلما زدت هداية زدت ارتقـاء..
والهداية: أكبر نعمة ينعم بها (الهادي) على عبده، وكل نعمة دونها زائلة.
فالراسخون في العلم أكثر الناس حرصًا على هذه النعمة، وهم يدعون الله بعدم زوالها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا﴾ [آل عمران:8].
وإن الهداية لا نهاية لها؛ ولو بلغ العبد فيها ما بلغ! ففوق هدايته هداية أخرى، وفوق تلك الهداية هداية أخرى، إلى غير غاية، فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى؛ فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى، قال -سبحانه وتعالى- : (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) [مريم:76].
وكلما فوت حظًّا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه، ومن حصل له الهدى؛ حصل له النعيم الأبدي، فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ﴿6﴾ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الفاتحة:7].
وعلامة الهداية: انشراح الصدر؛ قال -سبحانه وتعالى- : (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) [الأنعام:125]، ومن هداه الله -تبارك وتعالى- فلا أحد يستطيع أن يضله، والعكس صحيح؛ قال -سبحانه وتعالى- : (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ) [الزمر: 36-37].
ولذا؛ كان من أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ وَالغِنَى» [أخرجه مسلم]، وعلم عليًّا -رضي الله عنه- بقوله: «قُلْ: اللَّهُمَّ! اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي» [أخرجه مسلم].
وعلم -صلى الله عليه وسلم- الحسن بن علي -رضي الله عنهما- أن يقول في قنوت الوتر: «اللَّهُمَّ! اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
من خطورة العيش بين الطاعة و المعصية أنك لا تدري في أي فترة منهم ستكون الخاتمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : "الذنوب من لوازم نفس الإنسان، وهو محتاجٌ إلى الهدى في كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب".
اقـرع بـاب السماء!
قال -عز وجل- على لسان إبراهيم -عليه السلام- : ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ﴾ [الصافات:99].
اذهب إلى الله بضعفك يأتيك بقوته.. اذهب إلى الله بذلك يأتيك بعزه..
اذهب إلى الله بوحشتك يأتيك بأنسه..
اذهب إلى الله بفقرك يأتيك بغناه..
اذهب إلى الله بهمك يأتيك بفرجه..
اذهب إلى الله بحزنك يأتيك بفرحه.
إِلَهِي أَجِرْنِي مِنْ عَذَابِكَ إِنَّنِي ... أَسِيرٌ ذَلِيلٌ خَائِفٌ لَكَ أَخْضَعُ
إِلَهِي أَذِقْنِي طَعْمَ عَفْوِكَ يَوْمَ لَا ... بَنُوْنَ وَلَا مَالٌ هُنَالِكَ يَنْفَعُ
أخيرًا..
يقول الشيرازي -رحمه الله- : "سهرت ليلة مع أبي وحولنا نِيام، فقلت: لم يقم من هؤلاء من يصلي ركعتين! فقال: يا بني! لو نمتَ لكان خيرًا لك من وقوعك في الخلق".
استقامتك لا تُعطيك الحق في السخرية من ضلال غيرك؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا تغتر بعملك ولا بعبادتك، فهي مِنَّة من الله عليك؛ فسلِ الله الثبات لك والهداية لغيرك؛ فالله قال لنبيه -خير البشر-: ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:74]، فكيف بك ؟!!".
اللهم يا هادي! اهدنا لـما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
83
النــَّصِــيرُ -جل جلاله-
جاء في «الصحيحين»: أن شروط الحديبية ثقلت على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...
قال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقلت: ألست نبي الله؟ قال: «بَلَى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: «بَلَى»، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟!
فقال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» [هذا لفظ البخاري].
تَعَالَيْتَ يَا مَنْ تَجْعَلُ الحَقَّ يَغْلِبُ ... وَيَهْزِمُ شَرًّا قَدْ تَمَادَى يُخَرِّبُ
فَأَنْتَ الَّذِي تُعْطِي الحُقُوْقَ لِأَهْلِهَا ... فَنَصْرُكَ أَقْوَى مَا يَكُوْنُ وَأَقْرَبُ
قال الله عن ذاته العلية بقوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال:40].
فربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي ينصر رسله وأنبياءه وأولياءه على أعدائهم في الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر:51].
وربنا -عز وجل- ينصر المستضعفين، ويرفع الظلم عن المظلومين؛ ولو كانوا كافرين؛ فلا ناصر لهم إلا الله.
وربنا -عز وجل- ينصر المؤمنين على عدوهم؛ سواءً كان خارجيًّا؛ كالكافرين والظالمين، أو داخليًّا؛ كالنفس والشيطان، وهما أضر على المؤمن من عدوه الخارجي؛ ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].
وإذا نزل نصر الله؛ فلا غالب لمن نصره، ولا ناصر لمن خذله؛ ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ﴾ [آل عمران:160].
صـور النـصـر:
وأنواع نصرة الله لعباده المؤمنين يأتي بها الله -عز وجل- من حيث لا يحتسب العبد، فلا تعد ولا تحد ولا ترد:
فتارةً تكون: بتأييد الملائكة؛ كما في نصره لنبيه وصحبه في بدر، أو بالريح؛ كما في عاد والأحزاب، أو بإرسال الطير الأبابيل؛ كما في أصحاب الفيل، أو بالصيحة؛ كما في ثمود، أو بالخسف؛ كما فعل بقارون، أو القذف؛ كما في قوم لوط، أو الطوفان؛ كما في قوم نوح.
وجند الله -عز وجل- لا حصر لهم، والله غالب على أمره، وهو -تبارك وتعالى- على كل شيء قدير.
وصور النصر تكون: تارةً بالظفر بالأعداء وقهرهم؛ كانتصار داود وسليمان -عليهما السلام-، والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- .
وتارةً بالانتقام من المكذبين في حياة الرسل؛ كقوم نوح، وقوم لوط، وهلاك فرعون وغيرهم، أو بعد مماتهم؛ كتسليط بختنصر على قتلة يحيى -عليه السلام- ، وتسليط الروم على مريدي قتل عيسى -عليه السلام- .
فالله -عز وجل- قال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر:51].
الجـواب الكـافي..
قال السدي: "قد كان الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك: أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قومًا فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم، فيكون الإشكال قد زال عند هذه الآية".
وأما الإشكال الآخر الذي يورده بعض الناس عند قوله -عز وجل- : ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141]:
ففي الآخرة لا إشكال فيه.
وأما في الدنيا؛ فجوابه -كما قال ابن القيم -رحمه الله- -: "فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبل بحسب ما نقص من إيمانهم.
فالمؤمن عزيز غالب مؤيد ومنصور: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر:51].
وما يراه المسلم في هذا الزمان من تسلط الكفار إنما هو بسبب: ما أحدثه المسلمون في دينهم من نقص أو زيادة، فإن تابوا اكتمل إيمانهم، وحل نصرهم من الله -عز وجل- : ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ﴾ [الروم:6].
وثمن النصر: الإيمان والإعداد والصبر؛ لأن الله -عز وجل- قال: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47]، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) [الأنفال:60]، وقال: ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ﴾ [آل عمران:120]، وجاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «...وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
وهنا ينزل النصر من المولى النصير؛ لأن الله -عز وجل- قال: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران:126]، وقال: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ﴾ [آل عمران:160].
وإذا كان الله -جل وعلا- معك فمن عليك؟
وإذا كان عليك فمن معك؟
ومن لاذ بالله كفاه وعلا شأنه: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج:78].
ثم إن المؤمن يحب المؤمن ، وينصره بظهر الغيب ، وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان .
اللهم يا نصير! انصرنا على القوم الكافرين.
84
الـوَارِثُ -جل جلاله-
قيل لأحد الحكماء: ما لك تدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض؟ فقال: لأذكر أني مسافر.
حَمَلْتُ العَصَا لَا الضَّعْفُ أَوْجَبَ حَمْلَهَا
عَلَيَّ وَلَا أَنِّي تَحَنَّيْتُ مِنْ كِبَرْ
وَلَكِنَّنَي أَلْزَمْتُ نَفْسِـيَ حَمْلَهَا
لِأُعْلِمَهَا أَنَّ المُقِيمَ عَلَى سَفَرْ
أعلن للمسافر أنه: ليس لك إقامة في هذه الدنيا؛ فلا تركن إليها، والإعلان في قوله -عز وجل- : ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ﴾ [مريم:40].
فالله هو: (الوارث -تبارك وتعالى- ).
نقف مع اسمه -سبحانه وتعالى- : (الوراث -تبارك وتعالى- ) نذكر أنفسنا؛ لعل الله يرحمنا:
قال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ﴾ [الحجر:23].
فربنا -عز وجل- البَاقِي بعد فناء كل الخلائق، الوَارِثُ لجميع الأشياء بعد زوال كل من في الأرض والسماوات الطوابق.
وربنا الوارث -عز وجل- بلا توريث أحد، الباقي ليس لملكه مد، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ﴾ [مريم:40].
وربنا -سبحانه وتعالى- لم يزل مالكًا لأصول الأشياء كلها، يورثها من يشاء، ويستخلف فيها من أحب، قال -سبحانه وتعالى- : (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128].
وربنا -سبحانه وتعالى- الذي يورِّث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا ومساكنهم في الآخرة.
أما الدنيا؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا) [الأحزاب: 27]، وأما الآخرة؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا﴾ [مريم:63]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف:43].
وكتاب الله -عز وجل- : كتاب الهداية والعز والفلاح، يورثه من اصطفاهم واجتباهم لكرامته، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ﴾ [فاطر:32].
مـلـك الحقيـقـي..
وكون المؤمن مستخلفًا وذاهبًا إلى ربه؛ فمن كرم الله على المؤمن: أنه أمره بالإنفاق مما وهبه الله له؛ مع أنه من خالص ملكه -سبحانه وتعالى- ، ثم وعده بالأجر الكبير، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ [الحديد:7]، وقال -سبحانه وتعالى- : (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الحديد:10]، فالملك الحقيقي: ما ادخره العبد ليوم الميعاد.
في «صحيح مسلم» عن مطرف عن أبيه عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) [التكاثر:1]، قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي.. مَالِي! وَهَلْ لَكَ -يَا ابْنَ آدَمَ!- مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟».
والمؤمن يعلم أنَّ يده يد أمانة، وما تحت يده ودائع والله ينظر كيف يعمل!
وَمَا المَالُ وَالأَهْلُوْنَ إِلَّا وَدِيعَةٌ
وَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُـرَدَّ الوَدَائِعُ
من وحي الدعـاء ..
ثم اعلم أن التوسل إلى الله بهذا الاسم داخل في عموم قوله -سبحانه وتعالى- : ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف:180]؛ ولا سيما بمراعاة المناسبة بين المطلوب والاسم المذكور؛ كما في دعاء نبي الله زكريا -عليه السلام- : ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ [الأنبياء:89]، وقال: ﴿وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ﴿5﴾ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ﴿6﴾﴾ [مريم:5-6].
والإرث المذكور هنا: إنما هو إرث علم ونبوة ودعوة إلى الله -عز وجل- ، لا إرث مال، ومثل هذا الإرث المبارك: ما ورد في قوله -سبحانه وتعالى- : (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل:16].
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ! أَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَـرِي، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَ مِنِّي» [حديث صحيح. رواه الحاكم في «المستدرك»].
وأشار العلماء عند هذا الاسم: أن العبد ينبغي أن يتقي الله -تبارك وتعالى- في حقوق الإرث؛ فلا يظلم من الورثة أحدًا.
اللهم! إنا نسألك باسمك الوارث: أن تمتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وتجعلها الوارث منا.
85
الشَّــافِـي -جل جلاله-
جاء في «الصحيحين»: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاد أعرابيًّا مريضًا يتلوى من شدة الحمى؛ فقال له -مواسيًا ومشجعًا-: «طَهُورٌ».
فقال الأعرابي: بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تورده القبور!
قال: «فَنَعَمْ إِذًا!».
شفاء الإنسان أو بقاؤه على مرضه -غالبًا- ينبع من نفسه وحده، فإذا ساورتنا أفكار سعيدة كنا سعداء، وإذا تملكتنا أفكار الشفاء والتفاؤل وحسن الظن بالله غدونا برآء بإذن الله، وإذا تغلبت علينا هواجس السقم والمرض فالأغلب أن نبيت مرضى سقماء.
وَرَبُّنَا -سبحانه وتعالى- فتح باب الأمل لكل مريض، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60]، وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف: 180].
ومن أسمائه الحسنى: (الشافي)، فتقرب إلى الله بهذا الاسم؛ حتى تقرب من مرادك، وتنال حاجتك.
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى مريضًا أو أتي به إليه قال: «أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ! اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا» [أخرجه البخاري ومسلم].
والشفاء في اللغة هو: البرء من المرض.
فربنا -سبحانه وتعالى- الذي يرفع البأس والعلل، ويشفي العليل بالأسباب والأمل، فقد يبرأ المريض مع انعدام الدواء، وقد يزول الداء بلزوم الدواء، وتترتب عليه أسباب الشفاء، وكلاهما بالنظر إلى قدرة الله -سبحانه وتعالى- سواء.
وربنا -سبحانه وتعالى- كما يشفي الأبدان من أمراضها؛ كذلك يَشْفِي القلوب من أسقامها، والصدور من ضيقها، والنفوس من عللها، فالله -عز وجل- قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس:57].
وهو -سبحانه وتعالى- يشفي من يشاء، ويطوي علم الشفاء عن الأطباء، إذا لم يُقدِّر الشفاء.
وهو -سبحانه وتعالى- وحده المتفرد بالشفاء لا شريك له؛ فلا شفاء إلا شفاؤه؛ كما قال إبراهيم -عليه السلام- : ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء:80]، وكما قال -صلى الله عليه وسلم- : «...لاَ شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ» [أخرجه البخاري].
ومن كرم الله الشافي: أنه لَمْ ينزل داءً إلا أنزل له دواءً، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا! فَإِنَّ اللهَ -عز وجل- لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الهَرَمُ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
مـلاذك..
ينزل بالمريض الداء، وتغلق أبواب الشفاء في وجهه، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويشتد الكرب، ولا يجد في المخلوقين ملجأً ولا ملاذًا، وحاله يقول:
لَقَدْ ضَعْضَعَتْنِي، وَهِيَ سِرٌّ، وَلَمْ يَكُنْ
يُضَعْضِعُنِي صَرْفُ الزَّمَانِ إِذَا عَدَا
إِذا مَا أَنَا أَسْنَدْتُ رَأْسِي إِلَى يَدِيْ
رَمَتْنِي مِنْهَا بِالَّذِي يُوْهِنُ اليَدَا
إِذَا اللَّيْلُ أَعْيَاهُ مُسَاجَلَةُ الضُّحَى
تَمَنَّى لَوْ أنَّ الصُّبْحَ أَصْبَحَ أَسْوَدَا
وهنا؛ بداعي الفطرة في النفوس يلوذ المريض بالله، وينطرح بين يديه -سبحانه وتعالى- ، (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) [النحل:53]، وينادي المؤمن باسم الشافي: يا شاف اشفني.. يا الله اشفني!
وكذلك غير المؤمن ينطرح عند بابه يرجو منه الشفاء؛ ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الزمر:49].
وبعد إلحاح وصبر.. يأتي الفرج، ويأذن الشافي -جل وعلا- بالشفاء، ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل:62].
عطاؤه ممنوح، وكرمه عظيم، وجوده كبير؛ فإذا الحاجة قضيت، والدعوات قبلت، والرحمة نزلت، والمحنة أزيلت، والشفاء دب.
وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ نَعَاهُ الطَّبِيبُ ... إِلَى نَفْسِهِ وَتَولَّى كَئِيبَا
فَمَاتَ الطَّبِيبُ وَعَاشَ المَرِيضُ ... فَأَضْحَى إِلَى النَّاسِ يَنْعَى الطَّبِيبَا
قال ابن القيم: "الله -سبحانه وتعالى- لا يبتلي عبده ليهلكه، وإنما يبتليه ليمتحن صبره وعبوديته؛ فإن لله -سبحانه وتعالى- على العبد عبودية الضراء".
دأب الصـالحـين..
والفرق بين المؤمن وغيره: أن المؤمن يعلم أن زمام العالم بيد الله -سبحانه وتعالى- ، وأنه هو الشافي، وهو أرحم الراحمين، وأن المرض ما أرسل إلا لخير علمه الله الرحيم؛ ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216]، فمهما اضطربت الأحداث وتقلبت الأحوال؛ فلن تبت فيها إلا المشيئة العليا، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21]، فتجد المؤمن المريض راضيًا مسلمًا محتسبًا بما أنزل عليه من الداء.
والمؤمن يعلم: "أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"؛ لقوله -تبارك وتعالى- : (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) [التوبة: 51]، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- : «..وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَـدَخَلْتَ النَّارَ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
مرَّ علي بن أبي طالب بعدي بن حاتم -رضي الله عنهما- ؛ فرآه حزينًا كئيبًا؛ فقال له: "يا عدي! ما لي أراك كئيبًا حزينًا؟
قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقئت عيني؟
فقال علي -رضي الله عنه- : يا عدي! إنه من رضي بقضاء الله جرى عليه، وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه، وحبط عمله".
قال العلماء: بقدر حاجة الإنسان إلى الله، وانطراحه بين يديه، ولجوئه إليه؛ تكون الإجابة، ويأتي الفرج، ويستجاب الدعاء.
وما منا إلا وله تجربة مع المرض، وكيف أن المرض كشف ضعفنا، وأنه لا حول لنا ولا قوة إلا به -تبارك وتعالى- ، فلما كشف عنا وزال ما بنا من داء؛ صار حالنا كما قال الشاعر:
نَحْنُ نَدْعُوْ الإِلَهَ فِي كُلِّ كَرْبٍ ... ثُمَّ نَنْسَاهُ عِنْدَ كَشْفِ الكُرُوْبِ
كَيْفَ نَرْجُوْ إِجَابَةً لِدُعَـاءٍ ... قَدْ سَدَدْنَا طَرِيقَهَا بِالذُّنُـوْبِ
فشأننا مع الله -عز وجل- عجيب!!
لا تـحـزن!
إذا بُليت بالمرض فاعلم: أن الله هو الشافِي، ولا يعجزه شيء، فإن ظننت أن مرضك ليس له شفاء؛ فقد أسأت الظن بالله! فقط أقبل عليه بحسن الظن وصدق الالتجاء، واصبر محتسبًا وتصدق، وألح عليه في الدعاء: يا شاف اشفني! فهو الحق، وقوله الحق، وهو على كل شيء قدير، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60]؟
وجاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» [حديث صحيح. رواه الترمذي]، والله -عز وجل- قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل:62].
وعندما تكون على هذه الحال؛ فقد تكرم عليك مولاك بعظيم الأجر والثواب، قال -صلى الله عليه وسلم- : «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا عَنْهُ؛ حَتَّى الشَّوْكَة يُشَاكُهَا» [أخرجه البخاري -وهذا لفظه-، ومسلم].
قال ابن تيمية -رحمه الله- : "الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته: ما لا ينالها إلا أهل البلاء".
ثم تعز بأهل البلاء؛ ففي كل دار نائحة، وعلى كل خد دمع، وفي كل واد بنو سعد.
كم من المصائب، وكم من الصابرين؟!
فلست وحدك المصاب، بل مصابك أنت بالنسبة لغيرك قليل.
كم من مريض على سريره من أعوام؟! يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، يئن من الألم، ويصيح من السقم.
وتذكر أن هذه الحياة سجن المؤمن، ودار للأحزان والنكبات، فيها تصبح القصور حافلةً بأهلها، وتمسي خاويةً على عروشها، ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:4].
اقبل دنياك كما هي، وطوع نفسك لمعايشتها؛ فإنها جبلت على كدر، والكمال ليس من شأنها.
ولولا مرارة المرض ما عرفت نعمة الصحة.
ولك في أيوب -عليه السلام- أسوة حسنة..
والمؤمن يسأل الله العافية على الدوام، كان عبدالله التيمي -رحمه الله- يقول: "أكثروا من سؤال الله العافية؛ فإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذى لا يأمن من البلاء.
وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم ".
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- : "من أعظم علاجات المرض: فعل الخير، والإحسان، والذكر، والابتهال إلى الله، والتوبة".
قُلْ لِلطَّبِيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى: ... مَنْ يَا طَبِيبُ بِطِبِّهِ أَرْدَاكَا
قُلْ لِلمَرِيضِ شُفِيَ وَعُوْفِيَ بَعْدَمَا ... عَجَزَتْ فُنُوْنُ الطِّبِّ: مَنْ عَافَاكَا
إنه الرحيم الشافي المعافي، ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء: 80].
اللهم يا شافي! اشفنا واشف جميع مرضى المسلمين؛ يا رب العالمين!
86
الجَمـِـيلُ -جل جلاله-
جاء في «صحيح مسلم» عن صهيب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يقَوْلُ اللهُ -تبارك وتعالى- : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -عز وجل- ».
فسبحان من حارت الأفكار في جماله..
وسبحان من اضطربت الأفهام في عظمته..
وسبحان من ذهلت الأذهان لأنواره..
فالله جميل يحب الجمال، بل هو الجمال كله، والجمال كله منه، يفعل الجميل، ويكافئ على الجميل.
وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لَا؟!
وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأَكْوَانِ
مِنْ بَعْضِ آثَارِ الجَمِيلِ، فَرَبُّهَا
أَوْلَى وَأَجْدَرُ عِنْدَ ذِيْ العِرْفَانِ
يعجز اللسان عن البيان!!
جاء في «صحيح مسلم» قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ».
يقول الشيخ السعدي -رحمه الله- في شرحه لأبيات ابن القيم في «نونيته»: "الجميل: مَن له نعوت الحسن والإحسان، فإنه جميل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا يمكن لمخلوق أن يعبر عن بعض جمال ذاته -سبحانه وتعالى- ، حتى أن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم، واللذات والسرور، والأفراح التي لا يقدر قدرها؛ إذا رأوا ربهم وتمتعوا بجماله نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودوا أن لو يدوم هذا الحال؛ ليكتسوا من جماله ونوره جمالًا إلى جمالـهم؛ لأن قلوبهم كانت في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربهم، ويفرحون بـ (يوم المزيد) فرحًا تكاد تطير له القلوب!
وكذلك هو: الجميل في أسمائه؛ فإنها كلها حسنى، بل أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها -سبحانه وتعالى- ؛ ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف:180].
فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسم إلى كمال وغيره.
وهو: الجميل في أوصافه؛ فإن أوصافه كلها أوصاف كمال، ونعوت ثناء وحمد.
وأفعاله كلها جميلة؛ فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر".
ولو كانت الأشجار أقلامًا، والبحار مدادًا، والسماوات ألواحًا، والخلائق يملون الثناء، ويكتبون المديح عن جمال الله؛ لكانوا فيما يستحقه: مقصرين، وفيما يجب له: متقطعين، وبالعجز عن القيام بشكره معترفين.
جماله لا تحيط به العقول، ولا تدركه الأبصار؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» [أخرجه مسلم].
جمـال الأكـوان..
وما فيها من البر والبحر والخضرة، والشمس والقمر والنجوم والدواب: دَلِيلٌ عَلَى جمَاَلِهِ -سبحانه وتعالى- ؛ فإنه مانح الجمال، ومانح الجمال أحق بالجمال منها، ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون:14].
ولا ينظر إلى هذا الجمال إلا من نور الله قلبه بالإيمان؛ فهو يرى وراء هذا الجمال جمال الله وجلاله وكماله -جل جلاله- .
ومن أعرض عن ذكر الله، وتنكر لنوره، وتمرد على هدايته؛ فإنه يحرم النظر إلى إبداع جماله، فالعين عميت، والبصيرة طمست!
أَيُّهَا الشَّاكِـي وَمَا بِكَ دَاءٌ ... كَيْفَ تَغْدُوْ إِذَا غَدَوْتَ عَلَيْلًا ... أَتَرَى الشَّوْكَ فِي الوُرُوْدِ وَتَعْمَى ... أَنْ تَرَى فَوْقَهُ النَّدَى إِكْلَيْلًا
وَالَّذِي نَفْسُـهُ بِغَيْرِ جَمَالٍ ... لَا يَرَى فِي الوُجُوْدِ شَيْئًا جَمِيلًا
الـشـوق..
والإيمان بهذا الاسم يزيد المؤمن إيمانًا وشوقًا إلى رؤية الله الجميل، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ..» [حديث صحيح. رواه الترمذي]، ثم تجده مطمئنا راضيًا بما يقدر الله -عز وجل- عليه؛ لأنه -سبحانه وتعالى- لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأن كل أفعاله جميلة، وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل، وهذا هو حسن الظن بالله؛ الذي حدث عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي في «مسند الإمام أحمد»: أن رب العزة قال: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» [حديث صحيح].
وَإِنِّي لَأَدْعُوْ اللهَ حَتَّى كَأَنَّنِي
أَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ
لا تنكـر الجميل!
والمؤمن تراه جميلًا باطنًا وظاهرًا؛ لأنه يتقرب بهذا الجمال إلى الله، ولأن الله حث على جميل الأقوال والأخلاق والأعمال، فيحب من عبده: أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهره.
والمؤمن يعرف ربه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجلال الذي هو شرعه ودينه.
ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً!
قال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاس» [أخرجه مسلم].
اللهم! ارزقنا الجمال في الدارين، وارزقنا الجمال في السريرتين: السر، والعلانية، وارزقنا الجمال في الأقوال والأفعال؛ يا رب العالمين!
87 - 88
الـقَـابــِضُ الـبــــَاسِـطُ -جل جلاله-
رسـالـة قـبـل البـدء ..
إلى من سلك كل الطرق؛ فرآها قد سدت، وطرق الأبواب؛ فوجدها قد غلقت..
وإلى من تلمس جوانب نفسه وخبايا سريرته؛ فضاقت عليه الأرض بما رحبت..
وإلى من أحس بمرارة الذل وقيود العجز تطؤه وتحطم كيانه..
وإلى من جفاه الإخوان، وأعرض عنه الخلان؛ فشمت العدو وضعفت الثقة..
وإلى من داهمته المصائب، ونازلته الخطوب، وحفت به المكاره، وأبطأ نحوه الفرج..
وإلى من قسا قلبه، ويئست روحه، ومل من الحياة..
وإلى من ألم به المرض أو أرهقه الدين، أو حل به الفقر أو تعثرت به الحاجة...
أقول له: لا تحزن! فالله هو القابض والباسط -سبحانه وتعالى- ؛ يكفيك كل همك، ويحفظك في الأزمات، ويرعاك في الملمات، ويمنحك العز بلا عشيرة والغنى بلا مال، ويزيدك إذا شكرته، ويذكرك إذا ذكرته، ويعطيك إذا سألته.
فأقبل عليه، وتقرب إليه بمعرفة اسميه: (القابض الباسط)، بهذين الاسمين المقرونين؛ فإنهما من الأسماء المتقابلة التي لا ينبغي أن يثنى عليه -سبحانه وتعالى- بواحد منهما دونما الآخر.
وحتى تطمئن نفسك، وينشرح صدرك؛ قل كما كان حبيبك -صلى الله عليه وسلم- يقول: «اللَّهُمَّ! لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ.
اللَّهُمَّ! لَا قَابِضَ لِـمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِـمَا قَبَضْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِـمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِـمَا قَرَّبْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِـمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِـمَا أَعْطَيْتَ.
اللَّهُمَّ! ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، وَرَحْمَتِكَ، وَفَضْلِكَ، وَرِزْقِكَ» [حديث صحيح. رواه البخاري في «الأدب المفرد»].
في ظـلال اسـمـيه: القابـض والباسط :
فربنا -سبحانه وتعالى- الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده؛ حتى لا تبقى فاقة، ويقبضه عمن يشاء؛ حتى لا تبقى طاقة؛ بكمال القدرة والعدل؛ على حسب ما تقتضيه حكمته، وما يليق بأحوال عباده، وإذا زاده -سبحانه وتعالى- لم يزده سرفًا ولا خرقًا، وإذا نقصه لم ينقصه عدمًا ولا بخلًا؛ فالله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿۞ ۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ﴾ [الشورى:27].
وفي الحديث: لـما غلت الأسعار في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ طلب الصحابة -رضي الله عنهم- من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحدد الأسعار؛ فقالوا: يا رسول الله! غلا السعر، فسعر لنا؟ فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ: المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه].
وربنا -سبحانه وتعالى- يقبض الصدقات من الأغنياء، ويبسط الأرزاق للضعفاء، يقبض الصدقات فيربيها، ويبسط النعم ويهيئها.
وربنا -سبحانه وتعالى- يقبض الأرواح عن الأجساد عند الممات، ويبسط الأرواح فيها عند الحياة.
وربنا -سبحانه وتعالى- يقبض القلوب؛ فيضيقها حتى تصير حرجًا كأنما تصعد في السماء، ويبسطها بما يفيض عليها من معاني بره ولطفه وجماله؛ فتبقى منشرحةً، فالله -عز وجل- قال: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام:125].
وربنا -سبحانه وتعالى- يقبض ويبسط بيديه الكريمتين -على الحقيقة وعلى الكيفية التي تليق بجلاله وكماله- لـمن شاء من الخليقة، فمن ذلك: الأرض والسماوات العلى.
فالله -عز وجل- قال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر:67]، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «يَأْخُذُ اللهُ -عز وجل- سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ؛ فَيَقُوْلُ: أَنَا اللهُ -وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا- أَنَا المَلِكُ» [أخرجه مسلم].
والله -جل وعلا- ربنا بسط يده بالتوبة لمن أساء، فصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ؛ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [أخرجه مسلم].
وهو -تبارك وتعالى- الذي يملي للعصاة؛ فيجعلهم بين الخوف والرجاء.
وربنا يبسط يديه لمن سأله ودعاه في كل ليلة، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «...ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ -تبارك وتعالى- يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُوْمٍ، وَلَا ظَلُوْمٍ؟» [أخرجه مسلم].
وربنا -سبحانه وتعالى- يبسط لمن يشاء في العلم والخلقة، قال -تبارك وتعالى- : ﴿وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ﴾ [البقرة:247].
وربنا يقبض بيده الكريمة؛ فيعتق أقوامًا من النار لم يعملوا خيرًا قط؛ كما جاء في الحديث الطويل: «فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» «أخرجه مسلم».
وربنا يقبض ويبسط الظلال والأنوار وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار.
وهو -سبحانه وتعالى- يقبض بالتحريم، ويبسط بالإباحة.
وربنا -سبحانه وتعالى- يقبض قلوب العباد ويبسطها ، والمؤمن يعيش بين الرجاء والخوف.
هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ
هُـوَ رَافِـعٌ بِالْـعَـدْلِ وَالمِـيـزَانِ
المـيـزان:
فالعبد حين يسير إلى ربه؛ متقدمًا بالطاعة، متقلبًا بين فرض ونفل، مستزيدًا منهما، قد تعلق قلبه بربه؛ فتراه منشرح الصدر مسرورًا، فالله قد بسط له هذه الحالة، فإذا جاء العبد المؤمن بمعصية؛ فتراه في ضيق وكآبة.
وهذا الضيق هو: القبض منه -تبارك وتعالى- ، وهي محنة عاجلة موصلة إلى جوده، ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة:118].
فالانشراح والإقبال على الله هو: البسط، وهو من الباسط -سبحانه وتعالى- .
والضيق والرجوع عن الطاعة أو عدم التلذذ بالطاعة هو: القبض، وهو من القابض -سبحانه وتعالى- ، فربما قبضته الذنوب ظاهرةً أو خفيةً كأمراض القلوب.
قال -صلى الله عليه وسلم- : «إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنَّ تابَ صُقِلَ مِنْها، فَإِنْ عَادَ عَادَتْ حَتَّى تَعْظُمَ فِي قَلْبِهِ؛ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللهُ: ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [المطففين:14]». [رواه ابن حبان. وصححه شعيب الأرناؤوط].
فالمؤمن حاله بين قبضٍ وبسطٍ؛ لذا يسأل الله دائمًا الثبات وحسن الخاتمة، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : «يَا مُقَلِّبَ القُلُوْبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [حديث صحيح. رواه الترمذي]، فهذا حال المؤمن مع ربه، فكيف حال من أصر على المعاصي؟!
أعـظـم البـسـط :
لذلك قال العلماء: إن أعظم البسط: بسط الرحمة على القلوب؛ حتى تستضيء، وتخرج من وضر الذنوب، (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ) [الزمر:22]، (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) [الأنعام:125].
وضده: المذكور في قوله: (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام:125].
ولما قال الله -تبارك وتعالى- : ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سبإ:36]، وقال -تبارك وتعالى- : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾ [الإسراء:30]؛ أخبر: أن القبض والبسط كله بيده -تبارك وتعالى- ؛ بتصريفه وتسديده، يبسط لمن يشاء في ماله أو عافيته أو عمره أو علمه ويقبض، وهو الحكيم الخبير، وما تراه من فتح على أعداء الله فليس بسطًا وإنما هو: مكر بهم واستدراج لهم.
فالمؤمن قد يمنع من شيء وهو له عطاء، وقد يعطى شيئًا وهو له بلاء، ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ﴾ [البقرة:216].
ذكـرى..
وإن كان الله -عز وجل- هو: القابض الباسط الخافض الرافع -قدرًا وقضاءً-؛ فلا يمنع أن تكون هذه الأمور بأسباب من العباد؛ متى ما قاموا بها حصلت لهم، وقد جمع بين هذين الأمرين بقوله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [أخرجه البخاري ومسلم].
فبسط الرزق بيد الله، وصلة الرحم سبب يبذله العبد.
همسـة..
ثم إن من امتن الله عليه ببسط في مال أو علم أو جسم أو جاه؛ فليتقرب إلى الله بالتفضل على عباد الله؛ كما تفضل الله عليه وأحسن به، فهذا من شكر المنعم، وبه تدوم النعم، فمن لم يجد فليخالق الناس بخلق حسن: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران:134].
اللهم يا قابض.. يا باسط! ابسط لنا من رحماتك، واصرف عنا شرار خلقك.
اللهم! ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.
89 - 90
المُـقَـدِّمُ المُؤَخِّــرُ -جل جلاله-
يقول ابن القيم -رحمه الله- : "فالعبد سائر لا واقف؛ فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء.
وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو النار؛ فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر.
وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء، ﴿إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ﴿35﴾ نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ﴿36﴾ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ﴿37﴾﴾ [المدثر:35-37]، ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة.
فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة".
والتقدم والتأخر بيد الله -عز وجل- ، فكان من أسماء الله الحسنى: (المقدم والمؤخر -جل وعلا- ).
جاء في «الصحيحين» عن ابن عباس -رضي الله عنهما- : كان من دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل: «فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ -أَوْ: لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ-».
فربنا هو: المقدم والمؤخر -جل وعلا- ، منزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء منها ويؤخر ما شاء.
قدَّم المقادير قبل أن يخلق الخلق.
وقدَّم من أحب من أوليائه على غيرهم من عباده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات.
وقدَّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم وثبطهم عنها، وأخر الشيء عن حين توقعه لعلمه بما في عواقبه من الحكمة؛ لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم.
وربنا -جل وعلا- يقدِّم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه.
والجمع بين الاسمين فيه: أدب وزيادة حسن؛ لأن الكمال في اقترانهما.
وَهُوَ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ ذَانِكَ ... الصِّفِتَانِ لِلأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا ... بِالْذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ
والتقديم والتأخير ..
كوني، وشرعي:
فمثال الكوني: تقديم الله -عز وجل- بعضًا من مخلوقاته على بعض في الخلق والإيجاد، ففي الحديث: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ: القَلَمَ» [حديث صحيح. رواه أبو داود]، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وقدم خلق الملائكة على خلق الجن والإنس، وقدم خلق الجن على خلق الإنس: ﴿وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ﴾ [الحجر:27]، وأول البشر خلقًا: آدم -عليه السلام- ، ثم تتابع بنوه في الخلق والوجود، فمنهم المتقدم، ومنهم المتأخر.
ولا يلزم من هذا: أن يكون المتقدم أفضل من المتأخر؛ فآدم خلق في آخر الأيام الستة، وله فضل هو وبنوه على كثير ممن تقدمهم في الخلق: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ [الإسراء: 70].
ومحمد -صلى الله عليه وسلم- آخر الرسل، وهو أفضل الرسل، وأمته آخر الأمم، وهي أفضل الأمم.
وقد يكون المتقدم أفضل من المتأخر؛ فأبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- أفضل من كل الأنبياء والرسل من بعده؛ باستثناء نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- .
وأما التقديم والتأخير الشرعي الديني: فقد قدم الأذان على الصلاة، وخطبة الجمعة على صلاة الجمعة، وللعبادات ترتيب خاص في الشروط والواجبات قد لا تصح العبادة دونها.
ومن التقديم الشرعي الديني: تفضيل بعض العبادات على بعض، وبعض العباد على بعض؛ فالفرائض أحب إلى الله من النوافل، وأفضل البشر: الأنبياء والرسل، وهم متفاضلون فيما بينهم، ومن عداهم كذلك؛ منهم: المقدم، ومنهم: المؤخر.
والعبد المؤمن متى علم أن الله المقدم والمؤخر -جل وعلا- ؛ تعلق قلبه بالله وحده، وطلب منه الإيمان والثبات، وتوكل عليه؛ لأنه -سبحانه وتعالى- لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم.
التقـدم الحقـيـقـي:
ثم إن التقدم الحقيقي النافع هو: التقدم إلى طاعة الله -عز وجل- وجنته ومرضاته، والتأخر عن ذلك هو: التأخر المذموم؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿۞ ۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133]، وقال -سبحانه وتعالى- : (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد:21].
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «تَقَدَّمُوْا؛ فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُوْنَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ!» [أخرجه مسلم].
وأما التقدم والتأخر في الدنيا؛ فليس بمقياس عند الله -عز وجل- ، وليس بنافع.
ثم إن من دلالة الإيمان: تقديم من قدمه الله -عز وجل- ، وتأخير من أخره الله -عز وجل- ، وبذلك يكون ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء. هو ميزان الله، فالله -عز وجل- قال: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الجاثية:21].
اللهم يا مقدم ويا مؤخر! نسألك: أن تغفر لنا ، وتدخلنا جنتك، وتجيرنا من نارك.
91
الحَـيِــيُّ -جل جلاله-
رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزار -يعني الفضاء الواسع من الأرض- فكره النبي -صلى الله عليه وسلم- فعله فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّتْرَ؛ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
فربنا -سبحانه وتعالى- هو الحيـي، الموصوف بكمال الحياء، الذي يليق بكماله وجلاله وعلوه؛ ليس كحياء المخلوقين، الذي هو: تغير وانكسار.
حياء الرب -جل وعلا- نوع آخر، لا تدركه الأفهام، ولا تكيفه العقول؛ فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال.
فمن جلال الله -سبحانه وتعالى- : أن حياءه هو: ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه، ومن ذلك: أنه يستحي أن يرد عبده إذا رفع يديه إليه بالدعاء.
قال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
ومن جلاله -سبحانه وتعالى- : أنه -مع كمال غناه، وتمام قدرته- يستحي من هتك ستر العبد وفضحه.
وَهُوَ الحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبٍدَهُ ... عِنْدَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالعِصَيَانِ
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ ... فَهُوَ السِّتِّيرُ وَصَاحِبُ الغُفْرَانِ
ومن عدل الله: أنه لا يستحي من الحق، قال -سبحانه وتعالى- : (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) [الأحزاب: 53]، وعلى قدر المشاهدة لله تكون قوة الحياء في قلب المؤمن.
حقـيقـة:
ومن زاد إيمانه زاد حياؤه؛ ولذا كان الأنبياء من أشد الناس حياءً، وقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه: "أشد حياءً من العذراء في خدرها".
والحياء جزء من أجزاء الإيمان، جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ: شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وأعظم الحياء وأحبه: الحياء من الله -جل وعلا- .
ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ»، قالوا: يا رسول الله! إنا نستحيي؛ والحمد لله!
قال: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ؛ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ» [حديث حسن. رواه الترمذي].
قال ابن القيم: "من استحى من الله عند معصيته؛ استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستحِ من معصيته؛ لم يستحِ الله من عقوبته".
ما أجمـل الحيـاء!
وهو لا يأتي إلا بالخير، مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رجل يعاتب آخر في حيائه: إنك لتستحيي! حتى كأنه يقول: قد أضر بك! فقال له -صلى الله عليه وسلم- : «دَعْهُ! فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ» [رواه الشيخان].
الحياء: دليل على المروءة، وعنوان على الشهامة، وآية على حسن الخلق.
الحياء: استشعار لعظمة الله، واستحضار لهيبته، ومراقبة لجلاله -جل وعلا- .
قال بعض السلف: علمت أن الله مطلع علي؛ فاستحييت أن يراني على معصية.
وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ... وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى العِصْيَانِ
فَاسْتَحِيِي مِنْ نَظَرِ الإِلَهِ وَقُلْ لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : "من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه".
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله- : "إن الحياء لم يزل ممدوحًا مستحسنًا مأمورًا به، لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين".
وأخـيـرًا..
حين وصف الله -سبحانه وتعالى- نساء الجنة قال: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) [الرحمن:56]، أي: لاينظرن إلا إلى أزواجهن، ثم وصف حسنهن وجمالهن: ﴿كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ﴾ [الرحمن:58]، قدم صفة العفة والحياء على صفة الحسن والجمال، فلا قيمة لجمال المرأة بلا عفاف وحياء.
قيل: من عقوبات المعاصي: ذهاب الحياء وصفاء الوجه، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ مِـمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّـبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» [أخرجه البخاري] .
إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... وَلَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ
يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيرٍ ... وَيَبْقَى العُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ
وتذكر أن من أبغض الناس إلى الله: من بات عاصيًا والله يستره، ثم يصبح يكشف ستر الله عليه.
اللهم! ارزقنا الحياء منك، ووفقنا لتحقيق خشيتك في الغيب والشهادة والسر والعلانية.
92
الدَّيـــَّـانُ -جل جلاله-
جاء رجل وقعد بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟
قال: «يُحْسَبُ مَا خَانُوْكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوْكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوْبِهِمْ كَانَ كَفَافًا؛ لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُوْنَ ذُنُوْبِهِمْ؛ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوْبِهِمْ؛ اقْتُصَّ لهُمْ مِنْكَ الفَضْلُ»، فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويهتف.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ: ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]؟».
فقال الرجل: والله يا رسول الله! ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم! أشهدك أنهم أحرار كلهم. [حديث صحيح. رواه الترمذي] .
أَمَا وَاللهِ لَوْ عَرَفَ الأَنَامُ ... لِـمَا خُلِقُوْا لَـمَا غَفَلُوْا وَنَامُوْا
لَقَدْ خُلِقُوْا لِـمَا لَوْ أَبْصَرَتْـهُ … عُيُوْنُ قُلُوْبَهُمْ سَاحُوْا وَهَامُوْا
جاء في «مسند الإمام أحمد» من حديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ، فَيُنَادِي بِصَوْتِ يَسْمَعُه مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُه مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّان، لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ حَقٌّ؛ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّار عِنْدَهُ حَقٌّ؛ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةَ» [صحيح].
فربنا -عز وجل- -الذي استوى على عرشه فوق ملكه- قد دانت له كل الخليقة، وعنت له الوجوه، وذلت لعظمته الجبابرة وكل البرية، فهو -تبارك وتعالى- الذي قهر كل المخلوقات، ودانت له -عز وجل- جميع الكائنات؛ فنواصي العباد كلها بيده، وتصاريف الملك وتدبيراته بيده، والملك بيده، لا حاكم إلا هو، ولا رب غيره، ولا إله سواه.
وربنا -سبحانه وتعالى- الديان؛ الذي يحاسب ويجازي العباد، ويحكم بينهم يوم الميعاد؛ كما قال -تبارك وتعالى- : ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة:4]، ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47].
فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه؛ ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران:30].
تأمـل العواقـب!
والله العدل؛ فيقتص للمظلوم من الظالم، ومن السيد لعبده، وكذلك من البهائم، قال -صلى الله عليه وسلم- : «يُحْشَـرُ الخَلْقُ كُلُّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: البَهَائِمُ، وَالدَّوَابُّ، وَالطَّيْرُ، وَكُلُّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِنْ عَدْلِ اللهِ: أَنْ يَأْخُذَ لِلْجَمَّاءِ مِنَ القَرْنَاءِ» [حديث صحيح. رواه الحاكم في «المستدرك»]، وفي لفظ: «وَحَتَّى الذَّرَّةَ مِنَ الذَّرَّةِ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
إذا علمت بأنك ستلقى الديان يوم القيامة؛ يوم الجزاء والحساب، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة، وأن ما بين الناس مبني على المشاحة، وأن ما بين العبد وربه مبني على المسامحة، والحساب بـ (الحسنات والسيئات)؛ فكيف توزع حسناتك، وتأخذ سيئات غيرك، وأنت تعلم أنك ستحاسب لا محالة؟!
فكن كيِّسًا، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب؛ وكما قيل: الكيس: من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني!
ولما سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه -رضي الله عنهم- قائلًا: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟»، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع؛ فقال: «إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنَّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ؛ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [أخرجه مسلم].
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر"، ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ [الحاقة:18] .
تَذَكَّرْ يَوْمَ تَأْتِي اللهَ فَرْدًا ... وَقَدْ نُصِبَتْ مَوَازِينُ القَضَاءِ
وَهُتِّـكَتِ السُّتُوْرُ عَنِ المَعَاصِي ... وَجَاءَ الذَّنْبُ مُنْكَشِفَ الغِطَاءِ
وتذكر قول أبي الدرداء -رضي الله عنه- : "البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا ينام، فكن كما شئت! كما تدين تدان".
وَإِنْ كُنْتَ مَظْلُوْمًا فَأَبْشِرْ بالدَّيَّانِ، فهذا الاسم تسلية لكل مظلوم ومقهور:
أَمَا وَاللهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ ... وَمَا زَالَ المُسِيْءُ هُوَ الظَّلُوْمُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِـي ... وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوْمُ
اللهم! إنا نسألك يا ديان: أن تمن علينا بمغفرة من عندك، وأن ترحمنا يوم العرض عليك.
93
المَــنــَّــانُ -جل جلاله-
مِنن الله -تبارك وتعالى- لا تعد ولا تحصى! فكم من بلوى رفعها! وكم من مرض شفانا منه! وكم من حزن جبره؟ وكم من هم فرجه؟
وإن أعظم مِنَّةٍ يرجوها العبد في آخرته: مغفرة ذنوبه، وإن مغفرته تنال بالإيمان والعمل الصالح؛ وإن قل.
فهذا الأصيرم عمرو بن ثابت يسلم يوم أحد، ويقتل يومها، وما صلى صلاةً واحدةً، فذكروه للنبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»، وقال الهيثمي في «المجمع»: "رجاله ثقات"].
والرجل الذي قتل مئة نفس؛ اطلع الله -عز وجل- على صدق توبته؛ فغفر له.
ثم إن أعظم مِنَّةٍ على العبد في هذه الحياة هي: الهداية: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
وإن من أسماء الله التي أثنى بها على نفسه: (المنان -جل وعلا- ).
جاء في «السنن» عن أنس -رضي الله عنه- : أنه كان جالسًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام.. يا حي.. يا قيوم!
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «دَعَا اللَهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [حديث صحيح].
فربنا -تبارك وتعالى- عظيم الهبات والعطايا والإحسان، فهو -سبحانه وتعالى- يبدأ بالنوال قبل السؤال، وهو المعطي ابتداءً وانتهاءً، ويعطي فوق الآمال والرجاء.
فلما كان المنُّ منه بالجود والعطاء على جميع عباده؛ كانت له المنة عليهم، ولا منة عليه من أحد، ومن أعظم هباته: أنه أعطى الحياة والعقل والمنطق، وصور فأحسن، وأنعم فأجزل.
ومن أعظمِ مِننه -جل وعلا- على عباده أجمعين: أنه أرسل الرسل إليهم مبشرين ومنذرين؛ فأنقذ بمنه أولياءه المؤمنين، وهداهم إلى الصراط المستقيم، وعصمهم من الجحيم..
﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران:164]، (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
ومن مِننه: أنه ينجي المستضعفين في كل زمان من المتكبرين والمفسدين، فينعم عليهم بالأمن والتمكين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ [القصص:5].
السـعـداء:
والله -جل وعلا- أحق من شكر، وأحق من عبد، فنعيمه للمؤمنين دائم متواصل إلى دخول الجنة، فنعيم الله لأوليائه في الدنيا: الهداية والحفظ، وفي الآخرة: النجاة من النار، ودخول الجنة، والنظر إلى وجهه الكريم، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ﴿26﴾ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴿27﴾ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴿28﴾﴾ [الطور: 26-28].
دأب المؤمـنـين..
والمؤمن إذا رأى مِنن الله -عز وجل- عليه؛ ذهل قلبه، وطابت نفسه، وصار عبدًا فقيرًا إلى مولاه، مثنيًا عليه وحده -سبحانه وتعالى- ، وهذا أعظم باب يدخل منه العبد على ربه، وهو: باب الذل والانكسار بين يديه؛ داعيًا وراجيًا ومناديًا: يا منان!
وهنا؛ تتحقق الأماني، ويعطى السائل، ويغفر للمذنب، ويفرج الهم، ويكشف الغم، ويفك الأسير، ويشفى المريض، ويعود الغائب، ويجاب للمضطر: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:62].
ومهما اختفى من حياتك أمور ظننت أنها سبب سعادتك تأكد أن الله صرفها عنك قبل أن تكون سبباً في تعاستك.
لا تمـنـن!
وإذا كان الله -سبحانه وتعالى- قد امتدح نفسه بمنته على عباده؛ فقد ذم الذين يمنون على الله أو على عباد الله؛ بما أنفقوه من أموالهم، وبما قدموه من أعمالهم؛ فقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [الحجرات:17].
وحذرنا ربنا -سبحانه وتعالى- من أن نمن بما نقدمه؛ فذلك مبطل للصدقة والأجر: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ [البقرة:264].
وحذرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المن، فقال -صلى الله عليه وسلم- : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: المَنَّانُ؛ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مِنَّةً، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الفَاجِرِ، وَالمُسْبِلُ إِزَارَهُ» [أخرجه مسلم].
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ: مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» [حديث صحيح. رواه النسائي].
أَفْسَدْتَ بِالمَنِّ مَا أُوْلِيْتَ مِنْ نِعَمٍ ... لَيْسَ الكَرِيمُ إِذَا أَسْدَى بِمَنَّانِ
ولذا؛ كان أهل الصلاح يتواصون بينهم بقولهم: إذا أعطيت رجلًا شيئًا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه؛ فكف سلامك عنه.
وأهل المكارم إذا اصطنعوا صنيعةً لأحد نسوها، وإذا أسدى إليهم أحد معروفًا فلا ينسونه أبدًا.
وَمَا تَخْفَى المَكَارِمُ حَيْثُ كَانَتْ
وَلَا أَهْلُ المَكَارِمِ حَيْثُ كَانُوْا
اللهم يا منان! امنن علينا بصلاح حالنا وصلاح ذريتنا، وأحسن لنا الخاتمة.
94
الجَــوَادُ -جل جلاله-
إذا حاصرتك الحاجات، وداهمتك الخطوب، والتَفَّت من حولك الهموم، وكثرت الديون، وضاق الرزق، فعليك أن تتجه إلى الجواد، فارج الهم، وكاشف الغمِّ، ومستجيب دعوة المضطر.
جاء عند الترمذي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ» [حديث صحيح].
قال الشيخ السعدي -رحمه الله- : "الجواد، يعني: أنه -سبحانه وتعالى- الجواد المطلق؛ الذي عم بجوده جميع الكائنات، وملأها من فضله وكرمه ونعمه المتنوعة.
وخصَّ بجوده السائلين بلسان المقال أو لسان الحال؛ من بـر وفاجر، ومسلم وكافر، فمن سأل الله أعطاه سؤاله، وأناله ما طلب؛ فإنه بر رحيم -سبحانه وتعالى- ، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ [النحل: 53]".
فمن أعظـم من ربنا جودا وكرما؟!
الخلائق له عاصون.. يكلؤهم في مضاجعهم كأن لم يعصوه.. يحفظهم كأن لم يذنبوا.. يتفضل على المسيء ويمهل المذنب، ويرحم التائب.
هو الغني عن جميع العباد؛ ومع هذا يتحبب إليهم بالنعم والجود والكرم والإمهال.
والله -عز وجل- خزائنه ملأى؛ لا ينقصها نفقة، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ» [أخرجه البخاري -وهذا لفظه-، ومسلم].
(سحاء): دائمة الصب.
و(الغيض): النقص.
يحب من يؤمله من العباد، ويحب من يرجوه ويسأله؛ لكي يزيدهم من فضله ونعمه، حتى أنه من كرمه: يغضب على من لا يسأله، فعند الترمذي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» [حديث حسن]، وفي الحديث الآخر عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ» [حديث حسن. رواه الترمذي] .
وَهُوَ الجَوَادُ فَجُوْدُهُ عَمَّ الوُجُوْدَ ... جَمِيعَهُ بِالْفَضْلِ وَالإِحْسَانِ
وَهُوَ الجَوَادُ فَلَا يُخَيِّبُ سَائِلًا ... وَلَوْ أَنَّهُ مِنْ أُمَّةِ الكُفْرَانِ
والعبد المؤمن الموقن هو: من يتصف بصفة الجود، ويطمع بفضل الله وجوده وكرمه، ويعلم أن الله الجواد سيجود عليه من فضله وبركاته وإحسانه أضعافًا مضاعفةً، ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ﴾ [الحديد:11]، ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ﴾ [الروم:6]، فهو ينفق تقربًا إلى الله.
ونبينا -صلى الله عليه وسلم- أجود الخلق جميعًا؛ فهو أجود الناس بالخير، وكان أجود من الخيل المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان.
وفي «صحيح مسلم»: "ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنـمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه؛ فقال: يا قوم! أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة!"، وما سئل شيئًا قط فقال: لا.
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا ... كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلَهُ
قيـل:
الجود: يغطي كل عيب.
تَسَتَّرْ بِالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبٍ ... يُغَطِّيهِ كَمَـا قِيــلَ السَّخَـاءُ
والجواد: يسود الناس بجوده.
لَوْلَا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسَ كَلَّهَمُ ... الجُـوْدُ يُفقِـرُ وَالإِقْـدَامُ قَـتَّالُ
اللهم يا جواد! جد علينا من بركاتك.
95
الرَّفـِــيـقُ -جل جلاله-
جاء في «الصحيحين»: دخل رهط من اليهود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقالوا: السام عليكم! قالت عائشة: ففهمتها؛ فقلت: وعليكم السام واللعنة!
قالت: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهُ»، فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» [هذا لفظ البخاري].
صَفُـوْحٌ عَـنِ الإِجْـرَام حَـتَّى كَـأَنَّه
مِنَ العَفْوِ لَمْ يَعْرِفْ مِنَ النَّاس مُجْرِمًا
واهب نبينا هذا الخلق العظيم هو: الله الرفيق -سبحانه وتعالى- ؛ الذي يرفع الأسى، ويشفي المريض، ويكشف البلاء، ويرجع الغائب، ويفك الأسير، ويجبر الكسير.
صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
ربنا -عز وجل- رفيق في قدره وقضائه وأفعاله.
ربنا -عز وجل- رفيق في أوامره وأحكامه ودينه وشرعه.
ومن رفقه في أفعاله: أنه -تبارك وتعالى- خلق المخلوقات كلها بالتدرج شيئًا فشيئًا؛ بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعةً واحدةً، وفي لحظة واحدة.
وربنا -عز وجل- رفيق في شرعه: في أمره ونهيه؛ فلا يكلف العباد ما لا يطيقون، ولم يأخذ عباده بالتكاليف الشاقة، بل جعل لهم الرخصة فيها؛ رفقًا بهم ورحمةً، ولم يأخذ عباده بالتكاليف دفعةً واحدةً، بل تدرج بهم من حال إلى حال؛ حتى تألف النفوس وتلين الطباع.
ومن رفقه -تبارك وتعالى- : إمهاله لصاحب الذنب، وعدم معاجلته بالعقوبة، لينيب إلى الله ويعود إليه.
ومن رفقه -سبحانه وتعالى- : أنه يسر أسباب الخير كلها، وهو المتفضل بها، وأعظمها تيسيرًا: تيسير حفظ كتابه وفهمه، ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر:17].
وَهُوَ الرَّفِيقُ يُحِبُّ أَهْلَ الرِّفْقِ بَلْ
يُعْـطِيهِـمُ بِالرِّفْـقِ فَـوْقَ أَمَـانِ
الرفـقـاء:
ومن علم أن الله رفيق ازداد حبًّا لله، وازداد إجلالًا وحمدًا وشكرًا، والله يحب أسماءه ويحب المتصفين بها -عدا ما بغضه لعباده منها-، فالله رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، رفيق يحب الرفقاء.
وأولى الناس بهذا الخلق: الأنبياء، وعلى رأسهم: محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فقد كانت حياته -صلى الله عليه وسلم- مع الناس يملؤها الرفق، ما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الدنيا، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه؛ في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره، وعطفه ووده الكريم، وما من امرئ جالسه إلا امتلأ قلبه بحبه؛ وذلك لرفقه وكرمه -صلى الله عليه وسلم- .
يأتي الأعرابي يبول في ناحية المسجد؛ فيقوم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم يقولون: مه مه! فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لَا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ!».
فلما انتهى؛ دعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال له: «إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ، وَلَا القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ -عز وجل- ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ» [أخرجه مسلم].
وإن الله رفيق يحب أهل الرفق، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ» [رواه مسلم].
وأولى الناس بهذه الصفة بعد الأنبياء هم: الملوك والمسؤولون، والدالون على الله من أهل الدعوة والعلم، وكذلك الآباء، فالناس لديهم من الهموم ما يكفيهم، وهم بحاجة إلى من يواسيهم لا من يعنفهم، يحتاجون إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم..
فالناس أشد حاجة إلى الرفق من حاجتهم إلى العطاء مع الغلظة، وأولى الناس بالرفق: نفسك، ثم والداك والزوجة والأبناء والرعية والعاملون معك وصحبك.
حظـك منه..
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظُّهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظُّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِذَا أَرَادَ اللهُ -عز وجل- بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا: أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ» [حديث صحيح. رواه أحمد في «المسند»].
وقال -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُوْنُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [أخرجه مسلم].
ولذا؛ أبغض الخلق عند الخلق: الفظ الغليظ؛ فالله -عز وجل- قال: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران:159]، وقال -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الخَيْرَ» أو «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ» [أخرجه مسلم].
اللهم! إنا نسألك باسمك الرفيق: أن ترفق بنا، وتيسر لنا الخير كله.
96
السَّــــــيِّـــدُ -جل جلاله-
جاء في «سنن أبي داود» عن عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه- قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : فقلنا: أنت سيدنا، فقال: «السَّيِّدُ اللهُ -تبارك وتعالى- ».
قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: «قُوْلُوْا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» [حديث صحيح].
«يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ» أي: لا يغلبنكم الشيطان.
وفي اللغة: السَّيِّد: الذي فاق غيره بالحلم والمال والرفعة والنفع، والمعطي ماله في حقوقه.
ويطلق السيد على: من لا يغلبه غضبه، ويطلق على: الكريم والملك والرئيس.
وسيد العبد: مولاه، وسيد المرأة: زوجها، قال -سبحانه وتعالى- : (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) [يوسف: 25].
والسؤدد: الشرف، وسيد كل شيء: أشرفه وأرفعه.
فمن الذي كمل في سؤدده غير الله -عز وجل- ؟!
في ظـلال اسـم السيد:
فربنا -سبحانه وتعالى- هو السَّيِّد؛ الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته.
فالله -تبارك وتعالى- السَّيِّد الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد.
هذه صفاته -سبحانه وتعالى- التي لا يشاركه فيها أحد، ولا ينازعه فيها مخلوق.
وَهُوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي
صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ
الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُوْهِ
كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ
الخلق كلهم عبيد له -تبارك وتعالى- ، كلهم محتاجون إليه؛ الملائكة والإنس والجن ليسوا في غنىً عنه؛ فهم الفقراء إلى كرمه ولطفه ورعايته، فكان حقًّا لهه -جل جلاله- أن يكون سيدًا، وكان حقًّا عليهم أن يدعوه بهذا الاسم.
ربنا -سبحانه وتعالى- السَّيِّد المتصرف في الكون؛ لا ند له.
وهو -تبارك وتعالى- السَّيِّد الذي ينبغي أن تصرف له وحده الطاعة والذل والخضوع، لا شريك له.
فهو السَّيِّد المعبود؛ لا شريك له: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام:164].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : "إلهًا سيِّدًا".
فـكـر خـاطـئ!
قد يعطى الإنسان أموالًا، وقد يرزق عيالًا، ويوهب جاهًا، أو ينال منصبًا ومركزًا كريمًا، أو زعامةً عريضةً، أو رياسةً مكينةً، قد يحف به الخدم، ويحيط به الجند، وتحرسه الجيوش، وترضخ له الناس، وتذل له الرؤوس، وتدين له الشعوب؛ فيبلغ من سؤدد هذه الدنيا مبلغًا عظيمًا؛ لكنه سؤدد ناقص زائل.
خَدَعَتْهُمُ الأَحْلَامُ فِي سِنَةِ الكَرَى
مَا أَكْـذَبَ الأَحْـلَامَ وَالتَّأْوِيـلَا!
ومن آمن بأن الله هو: السيد الحقيقي؛ تعلق قلبه به وحده -تبارك وتعالى- ؛ تعلق خوف ورجاء واستعانة وتوكل؛ لأنه المتصرف في شؤون العباد، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، والعباد جميعًا فقراء إليه؛ ﴿۞ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر:15]، فلا يذل ولا يخضع إلا لله الواحد القهار السيد الصمد.
يـا ســادة!
أركان السؤدد في الخلق: الكرامة، والشرف، والرفعة، وعلو الذكر، وهذه لا تكون إلا في طاعة الله -عز وجل- ؛ ولذلك ساد الأنبياء والأولياء، وكانوا شامةً بين الناس.
وأما من ابتعد عن الله وكفر به؛ فلا كرامة له ولا سيادة، وإن حصلت لهم السيادة الدنيوية فهي زائفة ومؤقتة.
ولذا؛ جاء النهي عن تسمية المنافق بالسيد، روى أبو داود عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لَا تَقُوْلُوْا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ -عز وجل- » [حديث صحيح].
حـمـى السـيد :
وإطلاق (السيد) على المخلوق: جائز؛ لقوله -عز وجل- عن يحيى -عليه السلام- : (وَسَيِّدًا) [آل عمران:39]، وجاء في حديث الشفاعة: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يوم القِيَامة وَلَا فَخْرَ» [رواه مسلم]، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في سعد بن معاذ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» [رواه البخاري].
ولا تعارض بينهما وبين رواية: «السَّيِّدُ اللهُ» [حديث صحيح. رواه أبو داود]؛ لأن سيد الخلق عند المؤمنين يقصد بها: الرئاسة والإمامة.
والعرب تقول: فلان سيدنا؛ أي: رئيسنا والذي نعظمه.
وأما وصفُ الله -عز وجل- بالسَّيِّد فمعناه: أنه مالك الخلق، والخلق كلهم عبيده.
ونهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه لـما قيل له: أنت سيدنا، قال: «السَّيِّدُ اللهُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَان» [حديث صحيح. رواه أبو داود]، فيه: دليل على: حماية المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حمى التوحيد، وصيانته لجنابه، وسد طرق الشرك.
وكره -صلى الله عليه وسلم- أن يمدح في وجهه، مع أنهم لم يقولوا إلا حقًّا، فهو القائل: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» [أخرجه مسلم]، وخوفًا عليهم من انصراف القلب إلى نوع من التعلق بالمخلوقين والذل لهم والانكسار؛ الذي لا يحل ولا يجوز صرفه إلا لله الواحد القهار.
اللهم إنا نسألك باسمك السيد! أن ترفع ذكرنا، وتضع وزرنا؛ فأنت على كل شيء قدير.
97
بــــَدِيـعُ السَّـــمــَاو َاتِ وَالأَرْضِ -جل جلاله-
"إنني متأثر جدًّا باكتشاف الحقيقة في القرآن الكريم!
إن هذا القرآن الكريم يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود.
كما رأينا؛ لا يمكن أن يكون من مصدر بشري، لقد عرفت -بعد أن قرأت القرآن الكريم- مستقبلي، إنني سأخطط أبحاثي على هذه النظرة الشاملة". [بروفيسور: يوشيدي كوزان] .
تِلْكَ الطَّبِيعَةُ قِفْ بِنَا يَا سَارِي ... حَتَّى أُرِيكَ بَدِيعَ صُنْعِ البَارِي ... الأَرْضُ حَوْلَكَ وَالسَّمَاءُ اهْتَزَّتَا ... لِرَوَائِعِ الآيَاتِ وَالآثَارِ
دَلَّتْ عَلَى مَلِكِ المُلُوْكِ فَلَمْ تَدَعْ ... لِأَدِلَّـةِ الفُقَهَـاءِ وَالأَحْـبَـارِ ... مَنْ شَكَّ فِيهِ فَنَظْرَةٌ فِي صُنْعِهِ ... تَمْحُوْ أَثِيمَ الشَّكِّ وَالإِنْكَـارِ
ولو تأمل الإنسان خلق السماوات والأرض لاستدل على الله البديع -سبحانه وتعالى- ، القائل عن نفسه: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة:117].
قال ابن كثير -رحمه الله- : "مبدع السماوات والأرض وخالقهما ومنشئهما ومحدثها على غير مثال سبق".
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله- : "(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع والنظام المحكم".
نداء لأولي الألباب!
وإذا كان كذلك؛ فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه ولد له -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!-، بل كل ما فيهما فمن إيجاده وإبداعه، وهو خاضع له وعابد، فالله -تبارك وتعالى- قد قال: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ﴿116﴾ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿117﴾﴾ [البقرة: 116-117].
وإذا ثبت أن: كل ما في السماوات والأرض من إيجاده وإبداعه؛ ثبت أنه: داخل في عباده وملكه، فيستحيل أن يكون له ولد.
وإذا كان الأمر كذلك؛ كان حقًّا على البشر: أن يأتمروا بأمره وينصرفوا عما نهى عنه؛ فضلًا أن ينسبوا له الولد والزوجة!
ثم إن الله -سبحانه وتعالى- أمرنا: أن نتفكر في الكون وفي بديع صنعه، فالله قال -جل وعلا- : ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:190]، فالكون كله يحوي دلائل الإيمان، ويشير إلى صانعه السميع البصير.
تَأَمَّلْ سُطُوْرَ الكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا ... مِنَ المَلَإِ الأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ ... وَقَدْ خُطَّ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا ... أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ
شُهُوْدٌ عَلَى فَضْلِ الإِلَهِ وَمَنِّهِ ... لِسَانٌ فَصِيحٌ صَامِتٌ وَهُوَ قَائِلُ
تأمل في الكون!
يدخل بلال -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤذنه بصلاة الصبح؛ فإذا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- مضطجع يبكي؛ فقال: يا رسول الله! ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال له: «وَيْحَكَ يَا بِلَالُ! وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِي وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:190]»؛ فقرأها إلى آخر السورة.
ثم قال: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!» [حديث صحيح. أخرجه ابن حبان].
فمشهد السماوات وما فيها من نجوم وكواكب، وشمس وقمر، والأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وحيوانات ونباتات وجمادات وأحياء وأموات.. يدل على بديع السماوات والأرض، (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61) وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ﴿62﴾﴾ [الفرقان:61-62].
في مؤتمر الشبان الإسلامي؛ الذي عقد في الرياض عام (1979م) قام البروفيسور الأمريكي (بالمر) عندما سمع قول الله -سبحانه وتعالى- : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء:30]، وقال: "حقا لقد كان الكون في بدايته عبارةً عن سحابة دخانية غازية هائلة متلاصقة، ثم تحولت بالتدريج إلى ملايين الملايين من النجوم التي تملأ السماء، ولا يمكن بحال من الأحوال أن ينسب ذلك إلى شخص مات قبل (1400 سنة)! لأنه لم يكن لديه تليسكوبات ولا سفن فضائية تساعد على اكتشاف هذه الحقائق، فلا بد أن الذي أخبر محمدًا هو: الله"، وأعلن البروفيسور (بالمر) إسلامه في نهاية المؤتمر.
وفي المؤتمر الطبي السعودي الثامن بالرياض عام (1404هـ) قام البروفيسور (تاجاتات تاجاسون) -رئيس قسم التشريح والأجنة في جامعة ماي بتايلاند-، وقال: "وحيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يستطيع القراءة والكتابة؛ فلا بد أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- : رسول جاء بهذه الحقيقة، لقد بعث إليه هذا عن طريق وحي من خالق عليم بكل شيء؛ هذا الخالق لا بد أن يكون هو الله.
ولذا؛ فإنني أعتقد أنه حان الوقت لأن (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)".
دواء..
وشأن اسم الله البديع -سبحانه وتعالى- : عظيم! فمن دعا به استجيب له.
روى الترمذي عن أنس قال: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- المسجد ورجل قد صلى، وهو يدعو ويقول في دعائه: اللهم! لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام!
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «أَتَدْرُونَ بِمَ دَعَا اللهَ؟ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [حديث صحيح].
اللهم! اغفر لنا وارحمنا؛ يا أرحم الراحمين!
يا بديع السماوات والأرض! اغفر لنا وارحمنا، وتجاوز عنا؛ إنك على كل شيء قدير.
98
المُعْـطـِــي -جل جلاله-
العطاء: من أجل هباته..
والكرم: صفة من صفاته..
والجود: من أعظم سماته، فمن أعظم منه جودًا وكرمًا وعطاءً؟!
وإن من أسماء الله الحسنى: (المعطي -تبارك وتعالى- ).
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاللهُ يُعْطِي» [أخرجه البخاري ومسلم].
فربنا -تبارك وتعالى- هو: المعطي على الحقيقة لكل الخليقة، لا مانع لـما أعطى، ولا معطي لـما منع.
فعطاؤه -سبحانه وتعالى- لكل موجود في الوجود، ليس له حدود، ولا مقيد بقيود، وهو كمال الكرم والجود.
وربنا إذا أعطى؛ فتفضل وإصلاح، وإذا منع فحكمة وصلاح.
هُوَ مَانِعٌ مُعْطٍ فَهَذَا فَضْلُهُ ... وَالمَنْعُ عَيْنُ العَدْلِ لِلْمَنَّانِ
يُعْطِي بِرَحْمَتِهِ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَـ ... ـاءُ بِحِكْمَةٍ وَاللهُ ذُوْ سُلْطَانِ
وعطـاء الله نوعـان :
1- عطاء عام: في الدنيا.
وهو: لكل الخلائق أجمعين؛ مؤمنهم وكافرهم، فالله -سبحانه وتعالى- أصلح لهم أمرهم في دنياهم، قال -عز وجل- : ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا﴾ [الإسراء: 20].
2- وعطاء خاص: في الدنيا والآخرة.
وهو: لأنبيائه ورسله وعباده الصالحين، فيهب لهم في الدنيا الرزق الحلال والذرية الصالحة، والإيمان والتقوى، واليقين والهدى المبين، وهي أعظم العطايا في الدنيا، روى الحاكم في «المستدرك»، وصححه الذهبي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيَا لِمَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ».
وأما في الآخرة؛ فهي العطية الكبرى في جناته العلا؛ التي لا أكمل ولا أجل منها! قال -سبحانه وتعالى- : ﴿جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا﴾ [النبإ:36].
وأعظم العطاء في دار الحسنى والبهاء: رضا رب العالمين، والنظر إلى وجهه الكريم.
مفـاتيـح العـطـاء:
وربنا كريم يحب الكرماء، وهو المعطي ويحب أهل العطاء؛ ولذلك ساد الناس أهل العطاء، جاء عند أبي داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللهِ العُلْيَا، وَيَدُ المُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الفَضْلَ، وَلَا تَعْجَزْ عَنْ نَفْسِكَ» [حديث صحيح].
وللكرماء الأجر الكبير من عند ملك الملوك؛ (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) [الحديد:7].
وقد وعد -سبحانه وتعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يعطيه حتى يرضيه: ﴿وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ﴾ [الضحى:5].
ومما أعطاه الله رسوله في الآخرة: نهر الكوثر: ﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال عن الكوثر: «نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي -عز وجل- ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ: حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُوْمِ» [أخرجه مسلم].
وإذا نظر الله إليك، وعلم أنك قد جعلته معتمدك وملجأك، وأفردته بحوائجك دون خلقه، أعطاك أفضل مما سألته، وأكرمك بأكثر مما أردته.
سُبْحَانَ مَنْ يُعْطِي المُنَى بِخَوَاطِرٍ ... فِي النَّفْسِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِنَّ لِسَانُ ... سُبْحَانَ مَنْ لَا شَيْءَ يَحْجُبُ عِلْمَهُ ... فَالسِّـرُّ أَجْمَعُ عِنْدَهُ إِعْلَانُ وَرِزْقُهُ
سُبْحَانَ مَنْ هُوَ لَا يَزَالُ ... لِلْعَالَمِينَ بِهِ عَلَيْهِ ضَمَانُ
اللهم! أعطنا ولا تحرمنا، وجد علينا ولا تردنا خائبين؛ يا رب العالمين!
99
المُحْسِــنُ -جل جلاله-
صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوْا، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوْا، فَإِنَّ اللهَ -عز وجل- مُحْسِنٌ يُحِبُّ الإِحْسَانَ» [حديث حسن. رواه الطبراني في «المعجم الأوسط»].
وجاء في الحديث الآخر من حديث شداد بن أوس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللهَ -عز وجل- مُحْسِنٌ يُحِبُّ الإِحْسَانَ...» [حديث صحيح. «الجامع الصغير»].
ربنا -عز وجل- بلغ الكمال في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف: 180]، فلا أحسن ولا أكمل منه!
وربنا -عز وجل- هو: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة:7].
فالإحسان له وصف لازم، فلا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين، غمر الخلق جميعًا بإحسانه وفضله؛ برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، ولا قيام لهم ولا بقاء إلا به وبجوده وإنعامه.
ويتجلَّى إحسان الله -عز وجل- للعبد بأن أخرجه من العدم إلى الوجود، (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان:1]، (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) [السجدة:7].
ثم صوره في أحسن صورة: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر:64]، ثم جعل له عقلًا يميز بين الحق والباطل: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد: 10].
وسخر له السماوات والأرض وما فيهن: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20].
وأسبغ عليه النعم التي لا تعد ولا تحصى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:34].
كمـال الإحسـان:
وأعظم الإحسان للعبد: توفيقه لهذا الدين، وشرح صدره للإسلام والثبات على الحق إلى الممات، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ [النحل:128].
وتوفيق أوليائه إلى الحياة الطيبة الآمنة: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل:97]..
وتفريج كرب أوليائه هو: إنجاؤهم من الشدائد والهموم؛ فالله -سبحانه وتعالى- قال حكايةً عن يوسف -عليه السلام- : (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ) [يوسف:100].
ثم يتجلَّى كمال إحسانه لأوليائه فِي الدار الآخرة؛ الذي هو أعلى الإحسان وزيادة، قال -عز وجل- : (۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26].
فالحسنى لهم: الجنة.
والزيادة: النظر إلى وجه ربهم الأعلى؛ الذي لا أحسن ولا أجمل ولا أكمل ولا أسمى منه!
وجمع -تبارك وتعالى- لهم من الثوابين: المعجل والمؤجل في قوله: ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران:148].
وربنا -عز وجل- إحسانه عظيم؛ فأحسن شرعه وجعله مشتملًا على العواقب الحميدة، والغايات العظيمة؛ التي فيها خير لكل الخلق، ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:50].
والإحسـان نـوعـان :
1) إحسان في عبادة الله -سبحانه وتعالى- :
وهي أعلى مقامات الدين وأرفعها؛ كما جاء في حديث جبريل المشهور، وفسر الإحسان في الحديث: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [أخرجه البخاري ومسلم].
2) وإحسان إلى عباد الله -سبحانه وتعالى- :
وذلك بإيصال جميع أنواع الخير لهم، والكف عن أذاهم؛ قال -تبارك وتعالى- : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: 120].
وربنا -سبحانه وتعالى- يحب أسماءه، ويحب من عباده أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه؛ فهو رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، محسن يحب المحسنين، قال -سبحانه وتعالى- : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [البقرة:195]،
وأولى الناس بذلك: الوالدان؛ لقوله -عز وجل- : (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) [الأحقاف: 15]، وقال -سبحانه وتعالى- : (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص:77] .
ﺇِﻟَﻴْﻚَ ﺇِﻟَﻪَ اﻟﻌَرْﺵِ أَشْكُوْ تَضرُّعـًا
وَأَدْعُوْكَ فِي الضَّرَّاءِ ربِّي لِتَسْمَعَا
ﺇِﻟَﻬِﻲ فَحَقِّقْ ﺫَا اﻟﺮَّﺟَﺎءِ ﻭَﻛُﻦْ ﺑِﻨَﺎ
ﺭَﺅُوْﻓـًﺎ ﺭَﺣِﻴـﻤـًﺎ ﻣُﺴْﺘَﺠِـﻴـﺒًﺎ ﻟَـﻨَﺎ الدُّﻋَـﺎ
ﻓَﻴَﺎ ﻣُﺤْﺴِﻨًﺎ قَدْ كُنْتَ تُحْسِنُ ﺩَاﺋِﻤًﺎ
ﻭَﻳَﺎ ﻭَاﺳِﻌـًﺎ قَدْ ﻛَـﺎﻥَ ﻋَـﻔْـوُﻙَ أَﻭْﺳَـﻌَﺎ
ﻧَﻌُﻮْﺫُ بِكَ اللَّهُمَّ ﻣِﻦ ﺳُـﻮءِ ﺻُـﻨْﻌِﻨَﺎ
ﻓَـﺈِنَّ ﻟَﻨَـﺎ ﻓِﻲ اﻟﻌَﻔْـﻮِ ﻣِﻨْـﻚَ لَـمَطْمَعَـا
أَﻏِﺜْـﻨَﺎ أَﻏِﺜْـﻨَﺎ ﻭَاﺭْﻓَـﻊْ الشِّـدَّةَ الَّتِي
أَصَابَتْ وَصَابَتْ ﻭَاﻛْﺸِﻒِ الضُّرَّ ﻭَاﺭْﻓَﻌَﺎ
وَجُدْ وَتَفَضَّلْ بِالَّذِي أَنْتَ أَﻫْﻠُﻪُ
مِنَ اﻟﻌـَﻔـْوِ ﻭَاﻟﻐُـﻔْـﺮاﻥِ ﻳَﺎ ﺧَﻴْـرَ ﻣَﻦ ﺩَﻋَﺎ
اللهم! اجعلنا من المحسنين، وأحسن إلينا؛ وتقبل منا ومن والدينا وجميع المسلمين .
السِّــتــــِّيرُ جل جلاله
ماذا لو كتبت على جباهنا المعصية التي ارتكبناها؟! وماذا لو كان للذنوب روائح تخرج منا على قدر معاصينا؟! وماذا لو علم الناس بما ستره الله عزوجل علينا؟!
وَهُوَ الْحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ
عِنْدَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالعِصْيَانِ
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْـرَهُ
فَهُوَ السِّتِّيرُ وَصَاحِبُ الغُفْرَانِ
نعيش الآن مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو: اسم (الستير جل جلاله):
صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث يعلى رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يغتسل بالبراز (الموضع المنكشف) بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّتْرَ؛ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
والسِّتِّير: هُوَ الذي يستر على عباده؛ فلا يفضحهم في المشاهد، ويحب من عباده الستر على أنفسهم واجتناب ما يشينهم.
وَرَبُّنَا كَمَا هُوَ سِتِّيـرٌ للعيوب والفضائح؛ فهو جل جلاله محب لتارك القبائح.
ما أحلم الله!
تتستر الصدور بخواطر وواردات ومقاصد ونيات؛ لا ينفذ إليها سمع، ولا يصل إليها بصر.. فيطلع عليها الحكيم العليم، ثم يسترها.
يحجب الليل بظلمته، ويغطي بأجنحته السماء، وهم يتهامسون خفيةً، ويتناجون سرًّا؛ فلا يسمعهم جار، ولا يدري بهم أهل الدار، ولا تنقل عنهم أخبار.. ولكن اللطيف الخبير علم وسمع ورأى، ثم ستر.
وَرَبُّنَا جل جلاله مَعَ كمال غناه عن الخلق كلهم وعن طاعتهم وعبادتهم؛ يكرم عبده، ويستره، ويستحي من هتكه وفضحه وتعجيل العقوبة به، ثم يوفقه للندم والتوبة، ويعفو عنه، ويغفر له ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة:104].
لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ السِّتِّيرِ! تنتهك حرماته، وتخالف أوامره، ويكثر الخطأ، وتتعاظم الذنوب؛ ومع ذلك كله يتوب ويغفر، ويعفو ويصفح، ويستر ويمحو.
يعلم ضعفنا، ويرى مكاننا، وهو مطلع على خائنة أعيننا وما تخفي صدورنا، ومع ستره علينا؛ تكرم علينا وقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ﴾ [الشورى:25].
ولـما سئل ابن عمر رضي الله عنه عن النجوى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ؛ فَيَقُوْلُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُوْلُ: نَعَمْ، وَيَقُوْلُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُوْلُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ» [أخرجه البخاري].
أبغض الناس..
وتذكر أن من أبغض الناس إليه: من بات عاصيًا والله يستره، ثم يصبح يكشف ستر الله عليه.
جاء في «الصحيح» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافـًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ: أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُوْلُ: يَا فُلاَنُ! عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» [أخرجه البخاري -وهذا لفظه-، ومسلم].
وعن عثمان بن أبي سودة قال: "لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر الله جل وعلا، قيل: وكيف يهتك ستر الله؟ قال: يعمل الرجل الذنب؛ فيستره الله عليه، فيذيعه في الناس".
هــلاَّ سـتـرت؟
والله يجب أن نعمل بمقتضى أسمائه، فهو كريم يحب الكرماء، ستير يحب الستر. وأمرنا بالستر على عباد الله تعالى، وتجنب هتك أستارهم وتتبع عوراتهم، جاء في «مسند الإمام أحمد»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ! لَا تَغْتَابُوْا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوْا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [حديث صحيح].
وجاء في «الصحيحين»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» ، ويدخل في ذلك: ما يأتي في أدوات التواصل من منكرات أو فاحشة أو خطإ؛ فمن نوى الستر ولم ينشرها ستره الله تعالى.
لطـائـف..
- والستر يكون حتى من أعين الجن؛ فعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلاَءَ: أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ» [حديث صحيح. رواه الترمذي].
- الفرق بين (الستير) و(الستار): كلاهما يدل على المبالغة في الستر؛ فالله جل جلاله يستر على عباده كثيرًا، ولكن أسماء الله توقيفية؛ فلا مجال للعقل فيها، فلا نسمي الله تعالى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
واللفظ الوارد في السنة: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ» [حديث صحيح. رواه أبو داود].
يَا مَنْ لَهُ سَتْرٌ عَلَيَّ جَمِيلُ
هَلْ لِي إِلَيْكَ إِذَا اعْتَذَرْتُ قَبَوْلُ
أيَّدْتَّنِي وَرَحِمتَنِي وَسَتَرْتَنِي
كَرَمًا فَأَنْتَ لِـمَنْ رَجَاكَ كَفِيلُ
وَعصَيْتُ ثُمَّ رَأَيْتُ عَفْوَكَ وَاسِعًا
وَعَلَيَّ سَتْرُكَ دَائِمًا مَسْبُـوْلُ
فَلَكَ المَحَامِدُ وَالمَمَادِحُ فِي الثَّنَا
يَا مَنْ هُوَ المَقْصُوْدُ وَالمَسْؤُوْلُ
كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء: «اللَّهُمَّ! اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي» [حديث صحيح. رواه ابن ماجه]، ومعناه: استر عيوبي وتقصيري، وكل ما يسوؤني انكشافه.
اللهم! استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واغفر ذنبنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأعمارنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المؤمنين.
الطـــَّـيــــِّبُ جل جلاله
جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ [المؤمنون:51] وَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [البقرة:172]».
ثم ذكر: «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ.. يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْـرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!».
أحسـن المعاني..
فَرَبُّنَا جل وعلا مُطَهَّرٌ عن كل النقائص والعيوب، مُنَزَّهٌ عن كل آفة وشر وسوء؛ لكماله وجلاله من كل الوجوه.
وَرَبُّنَا جل جلاله مُنَزَّهٌ عن كل وصف خال من كمال أو خال من طيب الثناء؛ في أي حال من الأحوال.
وَرَبُّنَا جل جلاله الطَّيِّبُ فِي ذَاتِهِ؛ فهي أكمل الذوات، المتصفة بأعلى الصفات وأكملها.
وَالطَّيِّبُ فِي أَسْمَائِهِ سبحانه؛ لإنبائها عن أحسن المعاني، وأشرف الدلالات.
وَالطَّيِّبُ فِي أفعاله جل جلاله؛ لأنها في غاية الحق والصواب، فلا يفعل إلا الأكمل والأحسن والأطيب.
وَالطَّيِّبُ فِي أَقْوَالِهِ جل وعلا، فمنه الصدق في الأخبار، والعدل في الأوامر والمنهيات.
وَهُوَ جل جلاله الطَّيِّبُ فِي أحكامه القدرية، فهو مُنَزَّهٌ عن الشر؛ «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» [أخرجه مسلم].
وَطَيِّبٌ فِي أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لأنها متضمنة مصلحة العباد.
وَطَيِّبٌ فِي أَحْكَامِهِ الجزائية؛ لأنه يحكم بعدله وقسطه وفضله في الدنيا والآخرة.
وَاللهُ جل جلاله طَيَّبَ الجَنَّة للمؤمنين؛ فجعلها ذات ريح طيبة، ﴿وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ﴾ [محمد:6].
فَإِذَا كَانَ اللهُ جل جلاله الطَّيِّبُ عَلَى الإِطْلَاقِ؛ فهو لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان موصوفًا بالطيب؛ (إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ) [فاطر: 10] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ﴾ [البقرة: 267].
وعند البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْـرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ؛ وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ؛ حَتَّى تكُوْنَ مِثْلَ الجَبَلِ».
الطـيـبـون
فالمؤمن كله طيب: قلبه ولسانه وجسده؛ بما يسكن في قلبه من الإيمان، ويظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة؛ التي هي ثمرة الإيمان، ولذلك؛ اشتق الله تعالى للطيبين اسمًا من أسمائه الحسنى ووصفًا من أوصافه؛ فقال عزوجل : (وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ) [النور:26].
وهدى أولياءه الطيبين: ﴿وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ﴾
[الحج:24].
فالمؤمن طيب، حسن الخلق، لا يتأثر بسفه السفهاء، لا يترك كرمه لبخل البخلاء، يقابل غدر الأصحاب بالوفاء، يلبس الحياء إذا لقي الفجور، يمد يديه بالعطاء إذا قبض الناس أيديهم، حليم لا يستخفه طيش الجاهلين، أمين إذا كثر الخائنون، وإذا قل الناصحون كان ناصحًا، وإذا كثر الكاذبون كان هو من الصادقين، الأصل فيه: حسن الخلق، والطيب حاله؛ كالنخل.
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا يرمى بصخر فيلقي أطيب الثمر
ولهذا لـما طاب المؤمن في هذه الدنيا؛ أكرمه الله بدخول دار الطيبين: (سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ) [النحل:32]
﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة:72].
اللهم! اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم: (ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ) [الأعراف:49]، ونسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا، وعملاً صالحًا.
الوتـــــــــــــــــــــــر جل جلاله
قال ابن القيم رحمه الله : "إذا استغنى الناس بالدنيا؛ فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا؛ فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم؛ فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة؛ فتعرف أنت إلى الله، وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة".
وقال أبو سليمان: "طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله سبحانه وتعالى".
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا
مَنَازِلُنَا الأُوْلَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
وَحَيَّ عَلَى رَوْضَاتِهَا وَخِيَامِهَا
وَحَيَّ عَلَى عَيْشٍ بِهَا لَيْسَ يُسْأَمُ
جاء عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: «لِـلَّـهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا؛ مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَإِنَّ اللهَ: وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ» [أخرجه البخاري ومسلم -وهذا لفظه-].
فَرَبُّنَا جل وعلا الفَرْدُ؛ لا شريك له ولا نظير، بل هو الإله الأحد الصمد؛ الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
وَرَبُّنَا عزوجل المُتَفَرِّدُ بصفات الكمال ونعوت الجلال.
وَهُوَ جل جلاله الفَرْدُ فِي ربوبيته وألوهيته، وفي صفاته وأفعاله، لا مثيل له ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا عديل؛ لكماله من كل الوجوه جل جلاله؛ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص:4] (هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا) [مريم: 65]، ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:22].
إقـرار..
ومن أقر بذلك؛ ذل له وخضع له جل وعلا، وأحبه ورجاه ووحده، وتوكل عليه، وأناب إليه، وأخلص عبادته له، والله تعالى لم يخلقنا إلا لذلك: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56]، وهي: إفراده بالعبادة.
إنه وتـر:
وكل ما دونه شفع؛ فهو من الخليقة، وهي لا تستقر ولا تعتدل إلا بالزوجية: ﴿وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]، ولأن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض؛ (وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ) [الزخرف:32].
قـلـبك..
وربما وصل بهم الحال أن يتكلوا على المخلوقين وينسوا الخالق، ويبلغ بهم الحب مبلغًا كحب الله أو أشد؛ فتنصرف القلوب من الخالق إلى المخلوق! ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة:165].
والقلوب مفطورة على حب من أحسن إليها، ومن هنا يدخل الشيطان.
وهنا؛ حذر الله تعالى الخلق أن يقعوا في الشرك -وهم يعلمون أو لا يعلمون!- كمن اتخذ المحبوب ربًّا أو شفيعًا؛ فقال عزوجل: ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:22]، وقال عزوجل: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ﴾ [الزمر:43].
ومن قوله تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] تنطلق قاعدة: الإيمان ظاهرًا وباطنًا، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بهذه القاعدة: «وَهُوَ: وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ»؛ أي: أن الله تعالى واحد لا شريك له، ولا ند له.
عـلامـات
وتتجلى محبته تعالى للوتر -وهو: التوحيد- في كثير من العبادات القولية والفعلية؛ فالصلوات المفروضة: خمس، وصلاة الليل ختامها: وتر، ويغتسل: وترًا، وأعداد الطهارة: وتر، وتكفين الميت: وتر، والاستغفار أدبار الصلوات المكتوبة: وتر، وكثير من الأذكار.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي الوتر في سائر شؤونه؛ فجاء عنه الاصطباح بسبع تمرات، وشرب الماء في أنفاس ثلاثة.
وَمِنْ حُبِّهِ تعالى لِلْوِتْرِ: أَنَّهُ خَصَّ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى بِأَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
إِلَيْكَ وَجَّهْتُ يَا مَوْلَايَ آمَالِي
فَاسْمَعْ دُعَائِي وَارْحَمْ ضَعْفَ أَحْوَالِي
فَلَا تَكِلْنِي إِلَى مَنْ لَيْسَ يَكْلَؤُنِي
وَكُنْ كَفِيلِـي فَأَنْتَ الكَافِلُ الكَافِي
اللهم! إنا نسألك باسمك الوتر: أن تدخلنا الجنة، وتجيرنا من النار.
الكفيـــل جل جلاله
جاء في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر: «رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا! قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا! قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكِبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ؛ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكِبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا! فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا! فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكِبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجتْ فِيهِ . ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكِبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ؛ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكِبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ؛ فَقَالَ: وَاللهِ! مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكِبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكِبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكِبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَـرِفْ بِالأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا». (وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ) [النحل:91].
وَالكَفِيلُ فِي اللُّغَةِ: الضامن والعائل.
وَرَبُّنَا عزوجل القائم بأمور الخلائق، المتكفل بأقواتهم وأرزاقهم، جلب المنافع لهم، ودفع المضار عنهم.
والكفالة نوعان:
فَالْأُوْلَى عَامَّةٌ:
وهي لكل الخلق في السماوات والأرض؛ بالوكالة والحفظ، والصون والعون، وأصناف الأرزاق والأقوات، في كل الأوقات.
فليس بوسع مرتزق أن يرزق نفسه؛ وإنما الله عزوجل يرزق الجماعة من الناس، والدواب والأجنة في بطون أمهاتها، والطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا، والهوام والحشرات، والسباع في الفلوات.
دَبَّرْتُ أَمْرَكَ عِنْدَمَا
كُنْتَ الجَنِينَ بِبَطِنِ أُمِّكْ
وَعَلَيْكَ قَدْ حَنَّنْتُهَا
حَتَّى لَقَدْ جَادَتْ بِضَمِّكْ
إِنَّا لَكَافُوْكَ الَّذِي
يَأْتِي بِهَمِّكَ أَوْ بِغَمِّكْ
فَاضْرَعْ إِلَيْنَا نَاهِضًا
نَأْخُذْ بِكَفِّكَ فِي مُهِمِّكْ
والثَّانِيةُ خَاصَّةٌ:
وهي لأوليائه الذين يرضون به كفيلًا في كل أمورهم وشؤونهم الدنيوية والشرعية، والظاهرة والباطنة.
فهو عزوجل عند حسن ظنهم به، فيكفلهم برعايته وكفالته التي لا ترام ولا تضام.
يكفيك من كل ما أهـمـك...
فَرَبُّنَا جل وعلا الكَفِيلُ، وَهُوَ على كل شيء قدير، يحفظك، يكلؤك، يحول مشكلاتك إلى حلول، كل آلامك إلى عافية، وكل أحلامك إلى واقع، وكل خوفك إلى أمن، وكل دموعك إلى ابتسامات؛ فأرح نفسك من ضعفها، وقلقها، وفتورها، واجعلها مع الكفيل الكافي.
تَبَرَّأْتُ مِنْ حَوْلِي وَطَوْلِي وَقُوَّتِي وَإِنِّي إِلَى مَوْلَايَ فِي غَايَةِ الفَقْرِ
إذا نزلت بالمرء النوازل، وألـمت به الخطوب، وأغلقت في وجهه الأبواب، وضاقت عليه الأرض، واشتد عليه الكرب، ولم يجد في المخلوقين ملجأً ولا ملاذًا..
هنا يفزع المكروبُ إلى الله، ويستغيث به المنكوب، وتصمد إليه الكائنات، وتسأله المخلوقات، وتلهج بذكره الألسن، وتؤلهه القلوب، ويتوكل عليه المتوكلون، ويعتمد عليه المجاهدون، متخذين الله كفيلًا، صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَكَفَّلَ اللهُ لمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» [أخرجه البخاري ومسلم].
الكل يتمنى أن يكون في كفالة الله الخاصة؛ فهي مكانة الأنبياء والصالحين الصادقين في توكلهم عليه، المحسنين الظن بالله؛ فقد أدركوا أن السعادة في الدنيا والآخرة إذا كفلهم الله كفالته لأحبابه.
فهنا؛ يصبح جوعهم شبعًا، وظمؤهم ريًّا، وسهرهم نومًا، ومرضهم عافية، يفك عانيهم، ويعود غائبهم، وتفرج همومهم؛ لأنهم أحسنوا الظن بربهم؛ فجعلوه كفيلًا ووكيلًا؛ فنعم المولى ونعم النصير.
فما لنا لا تنقطع قلوبنا إليه؟! وما لنا لا نعتمد في مهماتنا وحاجاتنا عليه؟! فما أفقرنا إلى قوته وغناه، لا قوة لنا إلا بقوته وتوفيقه، ولا حول لنا على اجتناب المعاصي ودفع شرور النفس إلا به، خلقنا ضعفاء، وولدنا ضعفاء، ونموت ضعفاء؛ ﴿وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ [النساء:28].
العقد مع الله..
وَرَبُّنَا الكَفِيلُ جل وعلا: شكور جميل، رحيم غني حميد، صاحب الثواب الجزيل، وهو يحب من عباده الرحماء، ويحب أن يراك متواضعًا رحيمًا بخلقه، كاشفًا لهموم إخوانك، مزيلًا للأحزان عنهم، واسمع لما جاء في «صحيح البخاري»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا»، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى.
وهذا أبو قتادة؛ طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني معسر، قال: آلله؟! قال: آلله!
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» [أخرجه مسلم].
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ؛ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» [أخرجه مسلم].
الرِّفْقُ مِمَّنْ سَيَلْقَى اليُمْنَ صَاحِبُهُ وَالخِرْقُ مِنْهُ يَكُوْنُ العُنْفُ وَالزَّلَلُ وَالبِرُّ للهِ خَيْرُ الأَمْرِ عَاقِبَةً
واللهُ لِلبِرِّ عَوْنٌ مَا لَهُ مَثَلُ خَيْرُ البَرِيَّةِ قَوْلًا خَيْرُهُمْ عَمَلًا لَا يَصْلُحُ القَوْلُ حَتَّى يَصْلُحَ العَمَلُ
اللهم! اكفلنا برعايتك، وأدخلنا جنتك.
وَقــَــفَـــاتٌ مَـعَ أَسْـــمَـاءِ اللهِ الحــُسْـــنـَــــى
وتكون معرفته مُستقاةً من الكتاب والسُّنَّة، وما صحَّ وثبت عن الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسانٍ.
1- المؤمن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الله -تبارك وتعالى- بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ من غير تعطيلٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ، ولا تكْييفٍ.
2- أسماء الله -جل وعلا- توقيفية لا مجال للعقل فيها، وعلى هذا؛ فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسُّنَّة؛ فلا يزاد فيها ولا ينقص.
3- الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصرٍ ولا تحدُّ بعددٍ؛ فإن لله -سبحانه وتعالى- أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده؛ لا يعلمها ملَك مقرَّب، ولا نبي مرسل؛ كما في الحديث: «..أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ..» [حديث صحيح. رواه الطبراني في «المعجم الكبير»].
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ لِـلَّـهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» [أخرجه البخاري ومسلم]؛ فكلام جملة واحدة.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»: صفة، لا خبرًا مستقبلًا، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها: أن من أحصاها دخل الجنة.
وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: "لفلانٍ مئة مملُوك قد أعدهم للجهاد"، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم مُعدون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»، أي: من حفظها، وفهمها، وأثنى على الله -سبحانه وتعالى- بها، فهذه ثلاث مراتبٍ، فمن حصل له إحدى هذه المراتب مع صحَّة النية والعمل بمقتضاها؛ فقد أحصاها؛ كما قال القرطبي والخطابي وابن القيم -رحمهم الله- .
4- وجميع أسماء الله -جل جلاله- حسنى، وهي تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: أسماء جمال:
وهي تَبعث في نفس العبد: محبة اللهِ -سبحانه وتعالى- ، والأُنس به، وبلقائه، والرغبة إليه، وتُشعر بالراحة والطمأنينة، وتفتح باب الرجاء عند المخلوق؛ فلا يقنط من رحمة الله -تبارك وتعالى- ، مثل: (الرحمن، الرحيم، الكريم، العفو، الحليم، الغفور، التواب)، وغيرها.
القسم الثاني: أسماء جلال:
وهي تورث: الهيبة والرهبة والخوف والخشية من الله -عز وجل- ، وتعظيمه وإجلاله.
وهي: التي فيها معاني القهر والقوة والجبروت والعظمة؛ كاسم: (العزيز، والجبار، والقهار، والقوي، والكبير، والمتكبر).
القسم الثالث: أسماء ربوبية:
وهي: التي يشعر عندها المؤمن بالذل، وأنه مخلوق مربوب لله -عز وجل- .
وهي: التي تدل على ربوبية الله -عز وجل- ؛ كـ (الرب، والسيد، والملك، والمالك، والخالق، والبارئ، والرازق).
القسم الرابع: أسماء ألوهية:
وهي: التي يشعر المؤمن فيها: أنه عبدٌ لله -سبحانه وتعالى- ، وأن الله هو وحده المستحق للعبادة.
وهي: التي فيها معاني الألوهية؛ كاسم: (الإله، والصمد).
وهذا تقسيم باعتبار المعنى، وإلا فإن أسماء الله -عز وجل- جميعها جمعت الجمال والجلال والكمال والعظمة، فهي دالة على أحسن مسمى، وأجل موصوف.
5- أن كل اسم منها دال على ثبوت صفة كمال لله -جل وعلا- ؛ ولذا كانت حسنى، وصفاته -تبارك وتعالى- كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل.
6- أسماء الله -عز وجل- ليس فيها اسم يحتوى على الشر، أو يدل على نقص.
فالشر ليس إليه؛ فلا يدخل في صفاته، ولا يلحق بذاته، ولا يكون في شيء من أفعاله؛ فلا يضاف إليه فعلاً ولا وصفًا.
7- أمر الله -جل وعلا- عباده بدعائه بها بقوله: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف:180]، وهذا يشمل: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
وهذا من أجل الطاعات، وأعظم القربات.
8- لم يثبت في سرد الأسماء الحسنى حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .
والقاعدة: "أن أسماء الله -سبحانه وتعالى- إنما تُستقَى من الكتاب والسُّنَّة".
9 – أوقفت الطبعة الثانية على شرح تسعة وتسعين اسما من أسماء الله الحسنى فيما اتفق عليه الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ، والدكتور عمر سليمان الأشقر ، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمهم الله جميعا ، أو فيما اتفق عليه اثنان من الثلاثة .
وفي الختام..
انتهى بحمد اللهِ -سبحانه وتعالى- ما تيسر لي جمعه في هذا الكتاب؛ الذي أسأل الله -عز وجل- أن يتقبَّله منِّي، وأن ينفع به سائر العباد.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحـمــدُ للَّهِ ربِّ الـعـالَـمـين
* قام بالتدقيق والمراجعة اللغوية، الأستاذ / محمد العبدالعظيم، والأستاذ/ محمد عبد اللطيف وقام بنسخ الكتاب الأستاذ / معوض رزق، ونسقه الأستاذ/ أحمد كشوقه وفقهم الله جميعا.
* نبذة عن المؤلف:
عبد الله بن مشبب بن مسفر القحطاني من مواليد 1378هـ الموافق 1967م برحيمه حاصل على درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي، مشرفاً تربوياً متقاعد، إمام وخطيب جامع (أبو بكر الصديق) رضي الله عنه بمدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية.