فضل الإسلام
(فضل الإسلام) هو رسالة مختصرة من تأليف الإمام محمد بن عبد الوهاب، تهدف إلى توضيح أهمية الالتزام بالإسلام والتمسك بتعاليمه. يستعرض الشيخ في هذه الرسالة مفهوم الإسلام، وأركانه، وأهمية اتباع السنة النبوية، محذراً من الابتعاد عن الصراط المستقيم واتباع البدع والشبهات. يستشهد الإمام بالأدلة من الوحيين القرآن والسنة لتعزيز حججه، مشيراً إلى أن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وأن أي دين آخر لن يُقبل في الآخرة. الرسالة تخاطب المسلمين لتذكيرهم بضرورة العودة إلى الدين الصحيح والابتعاد عن التفرق والاختلاف الذي يؤدي إلى ضعف الأمة وضياعها.
فضل الإسلام
الإمام محمد بن عبد الوهاب
باب وجوب الإسلام
... وقول الله تعالى: ﴿ وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [1] (آل عمران:85) وقوله تعالى: { وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [2] (الأنعام: 153) [2] سورة الأنعام آية: 153. [1] سورة آل عمران آية: 85.
قال مجاهد: السبل: البدع والشبهات.
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } [3] ، وفي لفظ: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } [4]. [4] البخاري الصلح (2550) ، مسلم الأقضية (1718) ، أبو داود السنة (4606) ، ابن ماجه المقدمة (14) ، أحمد (6/256). [3] البخاري الصلح (2550) ، مسلم الأقضية (1718) ، أبو داود السنة (4606) ، ابن ماجه المقدمة (14) ، أحمد (6/256).
وللبخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- { كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى - قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى } [5]. [5] البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (6851) ، مسلم الإمارة (1835) ، أحمد (2/361).
وفي الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه } [6] (رواه البخاري)، ويندرج فيها كل جاهلية مطلقة أو مقيدة، أي في شخص دون شخص، كتابية، أو وثنية، أو غيرهما من كل مخالف لما جاء به المرسلون. [6] البخاري الديات (6488).
وفي الصحيح عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا فقد ضللتم ضلالا بعيدا.
وعن محمد بن وضح: كان يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول تذكرة وقال: أنبأنا ابن عيينة، عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق، قال عبد الله- يعني ابن مسعود - ليس عام إلا والذي بعده أشر منه، لا أقول عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام وينثلم.
باب تفسير الإسلام
وقول الله تعالى: ﴿ فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ﴾ [7] (آل عمران: 20) الآية. [7] سورة آل عمران آية: 20.
وفي الصحيح عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا } [8]. [8] مسلم الإيمان (8) ، الترمذي الإيمان (2610) ، النسائي الإيمان وشرائعه (4990) ، أبو داود السنة (4695) ، ابن ماجه المقدمة (63) ، أحمد (1/52).
وفيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده } [9]. [9] الترمذي الإيمان (2627) ، النسائي الإيمان وشرائعه (4995) ، أحمد (2/379).
وعن بهز بن حكيـم عن أبيه عن جده، أنه سـأل رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: { أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة } [10] رواه أحمد. [10] النسائي الزكاة (2436) ، أحمد (5/3).
وعن أبي قلابة عن عمرو بن عبسة عن رجل من أهل الشام عن أبيه { أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت } [11]. [11] أحمد (4/114).
باب قول الله تعالى " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه "
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- { تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب إنك السلام وأنا الإسلام فيقول: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ﴾ [12] ﴾ (آل عمران:85) رواه أحمد. [12] سورة آل عمران آية: 85.
وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } [13] (رواه أحمد). [13] البخاري الصلح (2550) ، مسلم الأقضية (1718) ، أبو داود السنة (4606) ، ابن ماجه المقدمة (14) ، أحمد (6/256).
باب وجوب الاستغناء بمتابعته -صلى الله عليه وسلم- عن كل ما سواه
وقول الله تعالى: ﴿ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ ﴾ [14] (النحل: 89) [14] سورة النحل آية: 89.
روى النسائي وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى في يد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ورقة من التوراة فقال: { لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي } [15] فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. [15] أحمد (3/387) ، الدارمي المقدمة (435).
باب ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام
وقوله تعالى: { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا } [16] (الحج: 78). [16] سورة الحج آية: 78.
عن الحارث الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام قال: وإن صلى وصام فادعوا الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله } [17] رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح. [17] الترمذي الأمثال (2863) ، أحمد (4/130).
وفي الصحيح: { من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية } [18] وفيه: { أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم } قال أبو العباس: كل ما يخرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري قال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال -صلى الله عليه وسلم- { أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ } وغضب لذلك غضبا شديدا. انتهى كلامه. [18] البخاري الفتن (6646) ، مسلم الإمارة (1849) ، أحمد (1/297) ، الدارمي السير (2519).
باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه
وقول الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ ﴾ [19] (البقرة:208) وقوله تعالى: ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ ﴾ [20] (النساء 60) الآية. وقوله تعالى: ﴿ يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ ﴾ [21] (آل عمران: 106). قال ابن عباس -رضي الله عنه- تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف. [21] سورة آل عمران آية: 106. [20] سورة النساء آية: 60. [19] سورة البقرة آية: 208.
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : { ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة } [22] وتمام الحديث قوله: { وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة - قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي } [23] يا لها موعظة وافقت من القلوب حياة، رواه الترمذي ورواه أيضا من حديث معاوية عند أحمد وأبي داود وفيه: (إنه سيخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) وتقدم قوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية). [23] الترمذي الإيمان (2641). [22] الترمذي الإيمان (2641).
باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر
لقوله -عز وجل- : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ ﴾ [24] (النساء:48) وقوله تعالى: ﴿ لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [25] (النحل: 25). [25] سورة النحل آية: 25. [24] سورة النساء آية: 48.
وفي الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الخوارج: { أينما لقيتموهم فاقتلوهم } [26]. [26] البخاري المناقب (3415) ، مسلم الزكاة (1066) ، النسائي تحريم الدم (4102) ، أبو داود السنة (4767) ، أحمد (1/131).
وفيه أنه نهى عن قتل أمراء الجور ما صلوا.
عن جرير عن عبد الله أن رجلا تصدق بصدقة ثم تتابع الناس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : { من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء } [27] رواه مسلم. [27] مسلم الزكاة (1017) ، الترمذي العلم (2675) ، النسائي الزكاة (2554) ، ابن ماجه المقدمة (203) ، أحمد (4/359) ، الدارمي المقدمة (514).
وله من حديث أبي هريرة ولفظة: { من دعا إلى هدى - ثم قال - من دعا إلى ضلالة } [28]. [28] مسلم العلم (2674) ، الترمذي العلم (2674) ، أبو داود السنة (4609) ، أحمد (2/397) ، الدارمي المقدمة (513).
باب ما جاء أن الله احتجر التوبة على صاحب البدعة
هذا مروي من حديث أنس من مراسيل الحسن.
وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأيا فتركه فأتيت محمد بن سيرين فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه؟ قال: انظر إلى ماذا؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: { يمرقون من الإسلام؟ ثم لا يعودون إليه } [29]، وسئل أحمد بن حنبل عن معنى ذلك فقال: لا يوفق للتوبة. [29] البخاري التوحيد (6995) ، مسلم الزكاة (1064) ، النسائي الزكاة (2578) ، أبو داود السنة (4764) ، أحمد (3/68).
باب قول الله تعالى " يا أهل الكتب لم تحاجون في إبراهيم "
قول الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ ﴾ [30] (آل عمران: 65) إلى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ﴾ [31] (آل عمران: 67) وقوله: ﴿ وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴾ [32] (البقرة:130)، وفيه حديث الخوارج وتقدم وفيه أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: { آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما أوليائي المتقون } [33]، وفيه أيضا عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر له أن بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال آخر: أما أنا فأقوم ولا أنام وقال آخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر فقال -صلى الله عليه وسلم- { لكنني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني } [34]، فتأمل إذا كان بعض الصحابة أراد التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ وسمي فعله رغوبا عن السنة فما ظنك بغير هذا من البدع وما ظنك بغير الصحابة؟ [34] البخاري النكاح (4776) ، مسلم النكاح (1401) ، النسائي النكاح (3217) ، أحمد (3/285). [33] البخاري الأدب (5644) ، مسلم الإيمان (215) ، أحمد (4/203). [32] سورة البقرة آية: 130. [31] سورة آل عمران آية: 67. [30] سورة آل عمران آية: 65.
باب قول الله تعالى " فأقم وجهك للدين حنيفا "
قول الله تعالى: ﴿ فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ﴾ [35] (الروم: 30) [35] سورة الروم آية: 30.
وقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴾ [36] (البقرة: 132) وقوله: ﴿ ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ﴾ [37] (النحل:123) [36] سورة البقرة آية: 132. [37] سورة النحل آية: 123.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { إن لكل نبي ولاة من النبيين وأنا وليي منهم أبي إبراهيم وخليل ربي } [38] ثم قرأ: ﴿ إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴾ [39] (آل عمران:68) رواه الترمذي. [38] الترمذي تفسير القرآن (2995) ، أحمد (1/430). [39] سورة آل عمران آية: 68.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : { إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } [40]. [40] مسلم البر والصلة والآداب (2564).
ولهما عن ابن مسعود قال: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلي رجال من أمتي حتى إذا أهويت لأناولهم احجبوا دوني فأقول: أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك } [41]. [41] البخاري الفتن (6642) ، مسلم الفضائل (2297) ، ابن ماجه المناسك (3057) ، أحمد (5/393).
ولهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني هم الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى قال: فإنهم يأتون غر محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقا سحقا } [42]. [42] البخاري المساقاة (2238) ، مسلم الطهارة (249) ، النسائي الطهارة (150) ، أبو داود الجنائز (3237) ، ابن ماجه الزهد (4306) ، أحمد (2/300) ، مالك الطهارة (60).
وللبخاري: { بينما أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة - فذكر مثله - قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم } [43]. [43] البخاري الرقاق (6215).
ولهما مـن حديث ابن عباس -رضـي الله عنهما-: { فأقول كما قال العبد الصالح: { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [44] } (المائدة 117) [44] سورة المائدة آية: 117.
ولهما عنه مرفوعا: { ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها } [45] ثم قرأ أبو هريرة: ﴿ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ ﴾ [46] (الروم: 30) متفق عليه. [45] البخاري الجنائز (1292) ، مسلم القدر (2658) ، الترمذي القدر (2138) ، أبو داود السنة (4714) ، أحمد (2/315) ، مالك الجنائز (569). [46] سورة الروم آية: 30.
وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: { كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم فتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا - قلت: يا رسول الله ما تأمرني إن أدركت ذلك قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: وإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك } [47] أخرجاه وزاد مسلم: { ثم ماذا؟ قال: يخرج الدجال معه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره قلت ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة } [48] قال أبو العالية: تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تتحركوا عن الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم وإياكم وهذه الأهواء. انتهى. [47] البخاري المناقب (3411) ، مسلم الإمارة (1847) ، أبو داود الفتن والملاحم (4244) ، ابن ماجه الفتن (3979) ، أحمد (5/387). [48] البخاري المناقب (3411) ، مسلم الإمارة (1847) ، أبو داود الفتن والملاحم (4244) ، ابن ماجه الفتن (3979) ، أحمد (5/404).
تأمل كلام أبي العالية هذا ما أجله، وأعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: ﴿ إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡ ﴾ [49] (البقرة: 131) وقوله: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴾ [50] (البقرة: 132) وقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُ ﴾ [51] (البقرة: 130) وأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول والناس عنها في غفلة، وبمعرفته تبين معنى الأحاديث في هذا الباب وأمثالها، وأما الإنسان الذي يقرأها وأشباهها وهو مطمئن أنها لا تناله ويظنها في قوم كانوا أمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. [49] سورة البقرة آية: 131. [50] سورة البقرة آية: 132. [51] سورة البقرة آية: 130.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: { خط لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ: { وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [52] } (الأنعام: 153) رواه أحمد والنسائي. [52] سورة الأنعام آية: 153.
باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء
وقول الله تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } [53] (هود: الآية 116)، وعن أبي هريرة مرفوعا: { بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء } [54] رواه مسلم ورواه أحمد من حديث ابن مسعود فيه: { من الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل والذين يصلحون إذا فسد الناس } [55]. [53] سورة هود آية: 116. [54] مسلم الإيمان (145) ، ابن ماجه الفتن (3986) ، أحمد (2/389). [55] أحمد (4/74).
وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: { فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي } [56]. [56] الترمذي الإيمان (2630).
وعن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية؟ ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ ﴾ [57] (المائدة: 105) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، { سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قلنا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم } [58] رواه أبو داود والترمذي. [57] سورة المائدة آية: 105. [58] الترمذي تفسير القرآن (3058) ، ابن ماجه الفتن (4014).
وروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر ولفظه: { إن من بعدكم أياما للصابر فيها المتمسك بدينه مثل ما أنتم عليه اليوم، له أجر خمسين منكم } [59] ثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد، أنبأنا أسد، قال سفيان بن عيينة: عن البصري، عن سعيد أخي الحين يرفعه قال: { إنكم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، ولم يظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك، فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين، قيل: منهم؟ قال: بل منكم } وله بإسناد عن المعافري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : { طوبى للغرباء، الذين يتمسكون بالكتاب حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ } [60]. [59] الترمذي تفسير القرآن (3058) ، ابن ماجه الفتن (4014). [60] أحمد (2/222).
باب التحذير من البدع
عن العرباض بن سارية قال: { وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: أوصيكم بتقوى الله -عز وجل- والسمع والطاعة، وإن أمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عيها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة } [61] قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [61] الترمذي العلم (2676) ، أبو داود السنة (4607) ، ابن ماجه المقدمة (44) ، أحمد (4/126) ، الدارمي المقدمة (95).
وعن حذيفة قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، رواه أبو داود وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك، أنبأنا عمرو بن يحيى، قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا، فجلس معنا، فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن غشت فستراه قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا، أنتظر أمرك قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى حتى أتى حلقة، فقال: ما هذا؟ قالوا له: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويْحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: وكم من مريد للخير لم يصبه، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله لعل أكثرهم إلا منكم فقال: عمرو بن سلمة رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج.