كتاب التوحيد

كتاب التوحيد

كتاب التوحيد أحد أهم الكتب في العقيدة الإسلامية، حيث يركز على مفهوم التوحيد وأهميته في الإسلام. يعرض الشيخ في هذا الكتاب أركان التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. ويعزز أهمية التوحيد في عبادة الله وحده ونبذ الشرك بجميع صوره وأشكاله. يتميز الكتاب بأسلوبه الواضح والمباشر، مع استشهادات من القرآن الكريم والسنة النبوية لتوضيح المفاهيم. يعد مرجعًا أساسيًا لكل مسلم يسعى لفهم التوحيد بشكل صحيح وتطبيقه في حياته.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 13
بنغالي إنجليزي فرنسي هندي +9
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

كتاب التوحيد

الذي هو حقّ الله على العبيد

تصنيف شيخ الإسلام

محمد بن عبد الوهاب التميمي

1206هـ

عناية

عبد العزيز بن داخل المطيري

بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ للهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

كِتَابُ التَّوْحِيدِ

- وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: 56].

- وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النَّحْل: 36].

- وَقَوْلُهُ: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ [الإِسْرَاء:23-24].

- وَقَوْلُهُ: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾ [النِّسَاء:36].

- وَقَوْلُهُ: ﴿۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴿151﴾ وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ﴿152﴾ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [الأَنْعَام:151-153].

- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ ما حرَّم رَبُّكم عليكم ألاَّ تُشرِكوا بهِ شَيْئًا} إِلَى قَوْلِه: {وأَنَّ هذا صِراطي مُستَقيمًا} الآيَةَ.

- وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَـارٍ فَقَـالَ لِي : " يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ ؟ " ، قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : " حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ ؟ قَالَ: " لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ.

الثَّانِيةُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ التَّوْحِيدُ؛ لأَِنَّ الْخُصُومَةَ فِيهِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَعْبُدِ اللهَ، فَفِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}.

الرَّابِعَةُ: الْحِكْمَةُ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ الرِّسَالَةَ عَمَّتْ كُلَّ أُمَّةٍ.

السَّادِسَةُ: أَنَّ دِينَ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ.

السَّابِعَةُ: الْمَسْأَلَةُ الْكَبِيرَةُ: أَنَّ عِبَادَةَ اللهِ لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، فَفِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ الآيَةَ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ.

التَّاسِعَةُ: عِظَمُ شَأْنِ ثَلاَثِ الآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَفِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ: أَوَّلُهَا النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ.

الْعَاشِرَةُ: الآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ وَفِيهَا ثَمَانِيَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً ؛ بَدَأَهَا اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا﴾ وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} ، وَنَبَّهَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِقَوْلِهِ: {ذلكَ مما أوحَى إليكَ ربُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ}.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي تُسَمَّى آيَةَ الْحُقُوقِ الْعَشَرَةِ بَدَأَهَا اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ الْعِبَادِ عَلَيْهِ إِذَا أَدَّوْا حَقَّهُ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لاَ يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ كِتْمَانِ الْعِلْمِ لِلْمَصْلَحَةِ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اسْتِحْبَابُ بَشَارَةِ الْمُسْلِمِ بِمَا يَسُرُّهُ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الْخَوْفُ مِنَ الاِتِّكَالِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُ الْمَسْئُولِ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

الْعِشْرُونَ: جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ دُونَ الْبَعْضِ.

الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: تَوَاضُعُهُ صلى الله عليه وسلم لِرُكُوبِ الْحِمَارِ مَعَ الإِرْدَافِ عَلَيْهِ.

الثَّانِيةُ وَالْعِشْرُونَ: جَوَازُ الإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ.

الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.

الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

بَابُ بَيَانِ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ

- وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأَنْعَام:82].

- وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" أَخْرَجَاهُ. - وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ: "فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ" .

- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا ؟ قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

- وَلِلتِّرْمِذِيِّ - وَحَسَّنَهُ - عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأََتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً".

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: سَعَةُ فَضْلِ اللهِ.

الثَّانِيَةُ: كَثْرَةُ ثَوَابِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ اللهِ.

الثَّالِثَةُ: تَكْفِيرُهُ مَعَ ذَلِكَ لِلذُّنُوبِ.

الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ.

الْخَامِسَةُ: تَأَمُّلُ الْخَمْسِ اللْوَاتِي فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ.

السَّادِسَةُ: أَنَّكَ إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عِتْبَانَ وَمَا بَعْدَهُ تَبَيَّنَ لَكَ مَعْنَى قَوْلِ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَتَبَيَّنَ لَكَ خَطَأُ الْمَغْرُورِينَ.

السَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِلشَّرْطِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ.

الثَّامِنَةُ: كَوْنُ الأَنْبِيَاءِ يَحْتَاجُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ).

التَّاسِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِرُجْحَانِهَا بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَقُولُهَا يَخِفُّ مِيزَانُهُ.

الْعَاشِرَةُ: النَّصُّ عَلَى أَنَّ الأَرَضِينَ سَبْعٌ كَالسَّمَاوَاتِ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ لَهُنَّ عُمَّارًا.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ خِلاَفًا لِلأَشْعَرِيَّةِ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ حَدِيثَ أَنَسٍ عَرَفْتَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ: "فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ" أَنَّهُ تَرْكُ الشِّرْكِ لَيْسَ قَوْلَهَا بِاللِّسَانِ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَأَمَّلِ الْجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَبْدَيِ اللهِ وَرَسُولَيْهِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ اخْتِصَاصِ عِيسَى بِكَوْنِهِ كَلِمَةَ اللهِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِنْهُ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ فَضْلِ الإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ قَوْلِهِ: "عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ".

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ كِفَّتَانِ.

الْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ ذِكْرِ الْوَجْهِ.

بَابُ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [النَّحْل: 120].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُون:59].

وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاَةٍ وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ أَنَّهُ قَالَ: "لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ"، قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ؛ وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ"، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "أَنْتَ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" .

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي التَّوْحِيدِ .

الثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى تَحْقِيقِهِ ؟

الثَّالِثَةُ: ثَنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .

الرَّابِعَةُ: ثَنَاؤُهُ عَلَى سَادَاتِ الأَوْلِيَاءِ بِسَلاَمَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ .

الْخَامِسَةُ: كَوْنُ تَرْكِ الرُّقْيَةِ وَالْكَيِّ مِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ .

السَّادِسَةُ: كَوْنُ الْجَامِعِ لِتِلْكَ الْخِصَالِ هُوَ التَّوَكُّلَ .

السَّابِعَةُ: عُمْقُ عِلْمِ الصَّحَابَةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ إِلاَّ بِعَمَلٍ .

الثَّامِنَةُ: حِرْصُهُمْ عَلَى الْخَيْرِ .

التَّاسِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ .

الْعَاشِرَةُ: فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُوسَى .

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: عَرْضُ الأُمَمِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ .

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُحْشَرُ وَحْدَهَا مَعَ نَبِيِّهَا .

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قِلَّةُ مَنِ اسْتَجَابَ لِلأَنْبِيَاءِ .

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ يَأْتِي وَحْدَهُ .

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: ثَمَرَةُ هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ عَدَمُ الاِغْتِرَارِ بِالْكَثْرَةِ وَعَدَمُ الزُّهْدِ فِي الْقِلَّةِ .

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الرُّخْصَةُ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ .

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: عُمْقُ عِلْمِ السَّلَفِ لِقَوْلِهِ: (قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ كَذَا وَكَذَا) فَعُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ الأَوَّلَ لاَ يُخَالِفُ الثَّانِيَ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: بُعْدُ السَّلَفِ عَنْ مَدْحِ الإِنْسَانِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: "أَنْتَ مِنْهُمْ" عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ.

الْعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عُكَّاشَةَ.

الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ.

الثَّانِيةُ وَالْعِشْرُونَ: حُسْنُ خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم.

بَابُ الْخَوْفِ مِنَ الشِّرْكِ

وَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ﴾ [النِّسَاء:48].

وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إِبْرَاهِيم:35].

وَفِي الحَدِيثِ: ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ))، فَسُئِلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ((الرِّيَاءُ)).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ لَقِيَ اللهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: الْخَوْفُ مِنَ الشِّرْكِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الرِّيَاءَ مِنَ الشِّرْكِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ أَخْوَفُ مَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الصَّالِحِينَ.

الْخَامِسَةُ: قُرْبُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

السَّادِسَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ قُرْبِهِمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.

السَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَنْ لَقِيَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، ومَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ.

الثَّامِنَةُ: الْمَسْأَلَةُ الْعَظِيمَةُ سُؤَالُ الْخَلِيلِ لَهُ وَلِبَنِيهِ وِقَايَةَ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ.

التَّاسِعَةُ: اعْتِبَارُهُ بِحَالِ الأَكْثَرِ لِقَوْلِهِ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ}.

الْعَاشِرَةُ: فِيهِ تَفْسِيرُ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَضِيلَةُ مَنْ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ.

بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [يُوسُف:108].

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ - فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)). أَخْرَجَاهُ.

وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأَُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ))، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟)).

فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرِئ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللهِ لأََنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)).

(يَدُوكُونَ) أَيْ: يَخُوضُونَ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ طَرِيقُ مَنِ اتَّبَعَهُ صلى الله عليه وسلم.

الثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلاَصِ؛ لأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَوْ دَعَا إِلَى الْحَقِّ فَهُوَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْبَصِيرَةَ مِنَ الْفَرَائِضِ.

الرَّابِعَةُ: مِنْ دَلاَئِلِ حُسْنِ التَّوْحِيدِ كَوْنُهُ تَنْزِيهًا للهِ تَعَالَى عَنِ الْمَسَبَّةِ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ مِنْ قُبْحِ الشِّرْكِ كَوْنَهُ مَسَبَّةً للهِ.

السَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا: إِبْعَادُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِئَلاَّ يَصِيرَ مِنْهُمْ وَلَوْ لَمْ يُشْرِكْ.

السَّابِعَةُ: كَوْنُ التَّوْحِيدِ أَوَّلَ وَاجِبٍ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلاَةِ.

التَّاسِعَةُ: أَنَّ مَعْنَى: ((أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ)) مَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.

الْعَاشِرَةُ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ لاَ يَعْرِفُهَا أَوْ يَعْرِفُهَا، وَهُوَ لاَ يَعْمَلُ بِهَا.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالتَّدْرِيجِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْبَدَاءةُ بِالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَصْرَفُ الزَّكَاةِ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَشْفُ الْعَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنِ الْمُتَعَلِّمِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ كَرَائِمِ الأَمْوَالِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: اتِّقَاءُ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الإِخْبَارُ بِأَنَّهَا لاَ تُحْجَبُ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَسَادَاتِ الأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَالْجُوعِ، وَالْوَبَاءِ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ((لأَُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ)) إِلَخ، عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ.

الْعِشْرُونَ: تَفْلُهُ فِي عَيْنَيْهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِهَا أَيْضًا.

الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: فَضْلُ الصَّحَابَةِ فِي دَوكِهِم تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَشُغْلِهِمْ عَنْ بشَارَةِ الْفَتْحِ.

الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ لِحُصُولِهَا لِمَنْ لَمْ يَسْعَ لَهَا وَمَنْعِهَا عَمَّنْ سَعَى.

الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الأَدَبُ فِي قَوْلِهِ: ((عَلَى رِسْلِكَ)).

الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ إِلَى الإِسْلاَمِ قَبْلَ الْقِتَالِ.

السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِمَنْ دُعُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَقُوتِلُوا.

السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ: ((أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ)).

الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْمَعْرِفَةُ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى فِي الإِسْلاَمِ.

التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: ثَوَابُ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ.

الثَّلاَثُونَ: الْحَلِفُ عَلَى الْفُتْيَا.

بابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾ [الإِسْرَاء:57].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ﴿26﴾ إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ﴿27﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الزُّخْرُف:26-28].

وَقَوْلِهِ: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التَّوْبَة:31].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ [الْبَقَرَة:165].

وَفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)).

وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ.

فِيهِ أَكْبَرُ الْمَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا، وَهُوَ:

تَفْسِيرُ التَّوحِيدِ وَتَفْسِيرُ الشَّهَادَةِ، وَبَيَّنَهَا بِأُمُورٍ وَاضِحَةٍ:

مِنْهَا: آيَةُ الإِسْرَاءِ، بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ، فَفِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.

وَمِنْهَا: آيَةُ (بَرَاءةٌ) بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا إِلاَّ بِأَنْ يَعْبُدُوا إِلَهًا، وَاحِدًا مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهَا الَّذِي لاَ إِشْكَالَ فِيهِ طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، لاَ دُعَاؤُهُمْ إِيَّاهُمْ.

وَمِنْهَا: قَوْلُ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- لِلْكُفَّارِ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} فَاسْتَثْنَى مِنَ الْمَعْبُودِينَ رَبَّهُ.

وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ الْبَرَاءَةَ وَهَذِهِ الْمُوَالاَةَ هِيَ تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾.

وَمِنْهَا: آيَةُ الْبَقَرَةِ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُمْ كَحُبِّ اللهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللهَ حُبًّا عَظِيمًا، وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الإِسْلاَمِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْبَرَ مِنْ حُبِّ اللهِ؟

فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يُحِبَّ إِلاَّ النِّدَّ وَحْدَهُ وَلَمْ يُحِبَّ اللهَ؟!

وَمِنْهَا: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ)).

وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ، بَلْ وَلاَ مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا، بَلْ وَلاَ الإِقْرَارَ بِذَلِكَ، بَلْ وَلاَ كَوْنَهُ لاَ يَدْعُو إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، بَلْ لاَ يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الْكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ، فَيَا لَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا؟!

وَيَا لَهُ مِنْ بَيَانٍ! مَا أَوْضَحَهُ! وَحُجَّةٍ مَا أَقْطَعَهَا لِلْمُنَازِعِ؟!

بابُ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ الْبَلاَءِ أَوْ دَفْعِهِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أوْ أرَادَنِي بِرَحمَةٍ هلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيهِ يَتوكَّلُ المُتَوكِّلُونَ} [الزُّمَر:38].

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذِهِ؟)). قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ. فَقَالَ: ((انْزِعْهَا؛ فَإِنَّهَا لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مُتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ لاَ بَأْسَ بِهِ.

وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ تَعَلَّق تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ)).

وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى، فَقَطَعَهُ وَتَلاَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾ [يوسف:106].

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: التَّغْلِيظُ فِي لُبْسِ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِمِثْلِ ذَلِكَ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَوْ مَاتَ وَهِيَ عَلَيْهِ مَا أَفْلَحَ، فِيهِ شَاهِدٌ لِكَلاَمِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهَالَةِ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا لاَ تَنْفَعُ فِي الْعَاجِلَةِ، بَلْ تَضُرُّ لِقَوْلِهِ: ((لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهْنًا)).

الْخَامِسَةُ: الإِنْكَارُ بِالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.

السَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ.

السَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْخَيْطِ مِنَ الْحُمَّى مِنْ ذَلِكَ.

التَّاسِعَةُ: تِلاَوَةُ حُذَيْفَةَ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ يَسْتَدِلُّونَ بِالآيَاتِ الَّتِي فِي الأَكْبَرِ عَلَى الأَصْغَرِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ.

الْعَاشِرَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْوَدَعِ عَنِ الْعَيْنِ مِنْ ذَلِكَ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً أَنَّ اللهَ لاَ يُتِمُّ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ، أَيْ: لاَ تَرَكَ اللهُ لَهُ.

بابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ

فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في بعض أسفارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولاً: ((أَنْ لاَ يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلاَدَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ)).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

التَّمَائِمُ: شَيْءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ عَنِ الْعَيْنِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ مِنَ الْقُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلاَ مِنَ الشِّرْكِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ.

وَالتِّوَلَةُ: هُوَ شَيْءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ)).

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: (مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ) رَوَاهُ وَكِيعٌ.

وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: (كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ التِّوَلَةِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ الثَّلاَثَةَ كُلَّهَا مِنَ الشِّرْكِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ الرُّقْيَةَ بِالْكَلاَمِ الْحَقِّ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ التَّمِيمَةَ إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ أمْ لاَ؟

السَّادِسَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الأَوْتَارِ عَلَى الدَّوَابِّ عَنِ الْعَيْنِ مِنْ ذَلِكَ.

السَّابِعَةُ: الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ عَلَّقَ وَتَرًا.

الثَّامِنَةُ: فَضْلُ ثَوَابِ مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ.

التَّاسِعَةُ: أَنَّ كَلاَمَ إِبْرَاهِيمَ لاَ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاِخْتِلاَفِ؛ لأَِنَّ مُرَادَهُ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

بَاب مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ﴿19﴾ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ﴿20﴾ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ﴿21﴾ تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ﴿22﴾ إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ} [النَّجْم:19-23].

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى حُنَيْنٍ، وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى:{اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}[الأَعْرَاف:138]لَتَرْكَبُنَّ سنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النَّجْمِ.

الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ صُورَةِ الأَمْرِ الَّذِي طَلَبُوا.

الثَّالِثَةُ: كَوْنُهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا.

الرَّابِعَةُ: كَوْنُهُمْ قَصَدُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ إِذَا جَهِلُوا هَذَا فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى بِالْجَهْلِ.

السَّادِسَةُ: أَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالْوَعْدِ بِالْمَغْفِرَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.

السَّابِعَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وَسَلَّم لَمْ يَعْذُرْهُمْ بَلْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ((اللهُ أَكْبَرُ إِنَّهَا السنَنُ لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)) فَغَلَّظَ الأَمْرَ بِهَذِهِ الثَّلاَثِ.

الثَّامِنَةُ: الأَمْرُ الْكَبِيرُ - وَهُوَ الْمَقْصُودُ-: أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طِلْبَتَهُمْ كَطِلْبَةِِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً.

التَّاسِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ هَذَا مِنْ مَعْنَى (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) مَعَ دِقَّتِهِ وَخَفَائِهِ عَلَى أُولَئِكَ.

الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الْفُتْيَا، وَهُوَ لاَ يَحْلِفُ إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الشِّرْكَ فِيهِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا بِهَذَا.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُمْ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ) فِيهِ أَنَّ غَيْرَهُمْ لاَ يَجْهَلُ ذَلِكَ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ خِلاَفًا لِمَنْ كَرِهَهُ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَدُّ الذَّرَائِعِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْغَضَبُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ لِقَوْلِهِ:((إِنَّهَا السُّنَنُ)).

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَمَّ اللهُ بِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَنَا.

الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ مُتَقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الأَمْرِ، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَسَائِلِ الْقَبْرِ، أَمَّا((مَنْ رَبُّكَ؟))فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا((مَنْ نَبِيُّكَ؟)) فَمِنْ إِخْبَارِهِ بِأَنْبَاءِ الْغَيْبِ، وَأَمَّا((مَا دِينُكَ؟)) فَمِنْ قَوْلِهِمْ: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا}إِلَى آخِرِهِ.

الْحَادِيةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَذْمُومَةٌ كَسُنَّةِ الْمُشْرِكِينَ.

الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْمُنْتَقِلَ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي اعْتَادَهُ قَلْبُهُ لاَ يُؤْمَنُ أنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْعَادَةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللهِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿162﴾ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [الأَنْعَام:162،163].

وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ [الْكَوْثَر:2].

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((دَخَلَ الْجَـنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ)).

قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((مَرَّ رَجُلاَنِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لاَ يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا.

فَقَالُوا لأَِحَدِهِمَا: قَرِّبْ.

قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ.

قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ.

وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ.

فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُِقَرِّبَ لأَِحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللهِ عَزَّ وَجَلََّ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ{إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي}.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.

الثَّالِثَةُ: الْبَدَاءةُ بِلَعْنَةِ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ.

الرَّابِعَةُ: لَعْنُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَمِنْهُ: أَنْ تَلْعَنَ وَالِدَيِ الرَّجُلِ فَيَلْعَنَ وَالِدَيْكَ.

الْخَامِسَةُ: لَعْنُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا: وَهُوَ الرَّجُلُ يُحْدِثُ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ حَقُّ اللهِ، فَيَلْتَجِئُ إِلَى مَنْ يُجِيرُهُ مِنْ ذَلِكَ.

السَّادِسَةُ: لَعْنُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ: وَهِيَ الْمَرَاسِيمُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ حَقِّكَ وَحَقِّ جَارِكَ مِنَ الأَرْضِ؛ فَتُغَيِّرُهَا بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ.

السَّابِعَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ لَعْنِ الْمُعَيَّنِ وَلَعْنِ أَهْلِ الْمَعَاصِي عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ.

الثَّامِنَةُ: هَذِهِ الْقِصَّةُ الْعَظِيمَةُ وَهِيَ قِصَّةُ الذُّبَابِ.

التَّاسِعَةُ: كَوْنُهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِمْ.

الْعَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ صَبَرَ ذَلِكَ عَلَى الْقَتْلِ وَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى طِلْبَتِهِم مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا إِلاَّ الْعَمَلَ الْظَّاهِرَ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الَّذِي دَخَلَ النَّارَ مُسْلِمٌ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَقُلْ: ((دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ)).

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فِيهِ شَاهِدٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)).

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ هُوَ الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ حَتَّى عِنْدَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ.

بَابُ لاَ يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ [التَّوْبَة:108].

عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ((هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)).

قَالُوا: لاَ.

قَالَ: ((فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)).

قَالُوا: لاَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَوْفِ بِنَـذْرِكَ، فَإِنَّهُ لاَ وَفَـاءَ لِنَـذْرٍ فِي مَعْصِيَـةِ اللهِ، وَلاَ فِيمَـا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا}.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ تُؤَثِّرُ فِي الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الطَّاعَةُ.

الثَّالِثَةُ: رَدُّ الْمَسْأَلَةِ الْمُشْكِلَةِ إِلَى الْمَسْأَلَةِ الْبَيِّنَةِ لِيَزُولَ الإِشْكَالُ.

الرَّابِعَةُ: اسْتِفْصَالُ الْمُفْتِي إِذَا احْتَاجَ ذَلِكَ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ تَخْصِيصَ الْبُقْعَةِ بِالنَّذْرِ لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَا خَلاَ مِنَ الْمَوَانِعِ.

السَّادِسَةُ: الْمَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ.

السَّابِعَةُ: الْمَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ؛ لأَِنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ.

التَّاسِعَةُ: الْحَذَرُ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيَادِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ.

الْعَاشِرَةُ: لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لاَ نَذْرَ لاِبْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ.

بَابُ مِنَ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيْرِ اللهِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ [الإِنْسَان:7].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ﴾ [الْبَقَرَة:270].

وَفِي (الصَّحِيحِ) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.

الثَّانِيَةُ: إِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِبَادَةً للهِ فَصَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ شِرْكٌ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ لاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ.

بَابُ مِنَ الشِّرْكِ الاِسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللهِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ [الْجِن:6].

وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْجِنِّ.

الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِنَ الشِّرْكِ.

الثَّالِثَةُ: الاِسْتِدْلاَلُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ؛ لأَِنَّ الْعُلَمَاءَ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، قَالُوا: لأَِنَّ الاِسْتِعَاذَةَ بِالْمَخْلُوقِ شِرْكٌ.

الرَّابِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لاَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشِّرْكِ.

بَابُ مِنَ الشِّرْكِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿106﴾ وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [يُونُس:106،107].

وَقَوْلِهِ: {فَابْتَغُواْ عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِليهِ تُرْجَعُونَ} [الْعَنْكَبُوت:17].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ﴿5﴾ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ} [الأَحْقَاف:5،6].

وَقَوْلِهِ: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ﴾ [النَّمْل:62].

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّهُ لاَ يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللهِ )).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: أَنَّ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الاِسْتِغَاثَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ:{وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ}.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَصْلَحَ النَّاسِ لَوْ فَعَلَهُ إِرْضَاءً لِغَيْرِهِ صَارَ مِنَ الظَّالِمِينَ.

الْخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.

السَّادِسَةُ: كَوْنُ ذَلِكَ لاَ يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا مَعَ كَوْنِهِ كُفْرًا.

السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ لاَ يَنْبَغِي إِلاَّ مِنَ اللهِ كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ لاَ تُطْلَبُ إِلاَّ مِنْهُ.

التَّاسِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ.

الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ لاَ أَضَلَّ مِمَّنْ دَعَا غَيْرَ اللهِ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ دُعَاءِ الدَّاعِي لاَ يَدْرِي عَنْهُ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ سَبَبٌ لِبُغْضِ الْمَدْعُو لِلدَّاعِي وَعَدَاوَتِهِ لَهُ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَسْمِيَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ عِبَادَةً لِلْمَدْعُو.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كُفْرُ الْمَدْعُو بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ سَبَبُ كَوْنِهِ أَضَلَّ النَّاسِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الْخَامِسَةِ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأَمْرُ الْعَجِيبُ، وَهُوَ إِقْرَارُ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ أَنَّهُ لاَ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِلاَّ اللهُ، وَلأَِجْلِ هَذَا يَدْعُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: حِمَايَةُ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم حِمَى التَّوْحِيدِ وَالتَّأَدُّبُ مَعَ اللهِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ﴿191﴾ وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ} [الأَعْرَاف:191،192]

وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ} [فَاطِر:13،14].

وَفِي (الصَّحِيحِ) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (شُجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟)) فَنَزَلَتْ:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عِمْرَان:28].

وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: ((أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ: ((اللهُمَّ الْعَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا))، بَعْدَ مَا يَقُولُ:((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ﴾ [آل عِمْرَان:28])).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ﴾ [آل عِمْرَان:28])).

وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُنْزِلَ عَلَيهِ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[الشُّعَرَاء:214] فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لاَ أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ -عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم- لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَيْنِ.

الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أُحُدٍ.

الثَّالِثَةُ: قُنُوتُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَخَلْفَهُ سَادَاتُ الأَوْلِيَاءِ يُؤَمِّنُونَ فِي الصَّلاَةِ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِمْ كُفَّارٌ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ فَعَلُوا أَشْيَاءَ مَا فَعَلَهَا غَالِبُ الْكُفَّارِ، مِنْهَا: شَجُّهُمْ نَبِيَّهُمْ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِنْهَا: التَّمْثِيلُ بِالْقَتْلَى مَعَ أَنَّهُمْ بَنُو عَمِّهِمْ.

السَّادِسَةُ: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}.

السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} فَتَابَ عَلَيْهِمْ فَآمَنُوا.

الثَّامِنَةُ: الْقُنُوتُ فِي النَّوَازِلِ.

التَّاسِعَةُ: تَسْمِيَةُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلاَةِ بَأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ.

الْعَاشِرَةُ: لَعْنُ الْمُعَيَّنِ فِي الْقُنُوتِ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قِصَّتُهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جِدُّهُ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الأَمْرِ بِحَيْثُ فَعَلَ مَا نُسِبَ بِسَبَبِهِ إِلَى الْجُنُونِ وَكَذَا لَوْ فَعَلَهُ مُسْلِمٌ الآنَ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ لِلأَبْعَدِ وَالأَقْرَبِ: ((لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا))، حَتَّى قَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ.. لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا))

فَإِذَا صَرَّحَ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ بِأَنَّهُ لاَ يُغْنِي شَيْئًا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَآمَنَ الإِنْسَانُ بِأَنَّهُ لاَ يَقُولُ إِلاَّ الْحَقَّ، ثُمَّ نَظَرَ فِيمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ خَوَاصِّ النَّاسِ الْيَوْمَ، تَبَيَّنَ لَهُ تَرْكُ التَّوْحِيدِ وَغُرْبَةُ الدِّينِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سَبَأٌ:23].

فِي (الصَّحِيحِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَصَفَهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ)).

وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ، خَوْفًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا للهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلاَئِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟

فَيَقُولُ: قَالَ الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَةِ.

الثَّانِيَةُ: مَا فِيهَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ خُصُوصًا مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى الصَّالِحِينَ، وَهِيَ الآيَةُ الَّتِي قِيلَ: إِنَّهَا تَقْطَعُ عُرُوقَ شَجَرَةِ الشِّرْكِ مِنَ الْقَلْبِ.

الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: {قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.

الرَّابِعَةُ: سَبَبُ سُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ يُجِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ((قَالَ: كَذَا وَكَذَا)).

السَّادِسَةُ: ذِكْرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ.

السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَقُولُ لأَِهْلِ السَّمَاوَاتِ كُلِّهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّ الْغَشْيَ يَعُمُّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ كُلَّهُمْ.

التَّاسِعَةُ: ارْتِجَافُ السَّمَاوَاتِ لِكَلاَمِ اللهِ.

الْعَاشِرَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْتَهِي بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: صِفَةُ رُكُوبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إِرْسَالُ الشُّهُبِ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا

وَتَارَةً يُلْقِيهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ مِنَ الإِنْسِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُ الْكَاهِنِ يَصْدُقُ بَعْضَ الأَحْيَانِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ يَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ كَذِبُهُ إِلاَّ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَبُولُ النُّفُوسِ الْبَاطِلَ: كَيْفَ يَتَعَلَّقُونَ بِوَاحِدَةٍ وَلاَ يَعْتَبِرُونَ بِمِائَةٍ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُمْ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ

تِلْكَ الْكَلِمَةَ ويَحْفَظُونَهَا وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا.

الْعِشْرُونَ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ خِلاَفًا لِلأَشْعَرِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ.

الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ وَالغَشْيَ

خَوْفًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ يَخِرُّونَ للهِ سُجَّدًا.

بَابُ الشَّفَـاعَـةِ

- وَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام:51].

- وَقَوْلِهِ: {قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزُّمَر:44].

- وَقَوْلِهِ: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ﴾ [الْبَقَرَة:255].

- وَقَوْلِهِ: ﴿۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ﴾ [النَّجْم:26].

- وَقَوْلِهِ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ومَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ ومَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ (22) ولا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سَبَأ:22،23].

قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: (نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ أَوْ قِسْطٌ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ عَوْنًا للهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لاَ تَنْفَعُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ، كَمَا قَالَ: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأَنْبِيَاء:28]).

فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا الْمُشْرِكُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا الْقُرْآنُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:

((أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ - لاَ يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَوَّلاً - ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ)).

وَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ:(مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ)).

فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأَِهْلِ الإِخْلاَصِ بِإِذْنِ اللهِ، وَلاَ تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ.

وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلاَصِ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لِيُكْرِمَهُ، وَيَنَالَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ.

فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا الْقُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شِرْكٌ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ لأَِهْلِ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلاَصِ) انْتَهَى كَلاَمُهُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَاتِ.

الثَّانِيَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ الْمَنْفِيَّةِ.

الثَّالِثَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ الْمُثْبَتَةِ.

الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى،

وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ.

الْخَامِسَةُ: صِفَةُ مَا يَفْعَلُهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لاَ يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ بَلْ يَسْجُدُ،

فَإِذَا أَذِنَ اللهُ لَهُ شَفَعَ.

السَّادِسَةُ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا؟

السَّابِعَةُ: أَنَّهَا لاَ تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ.

الثَّامِنَةُ: بَيَانُ حَقِيقَتِهَا.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [الْقَصَص:56]

فِي (الصَّحِيحِ) عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ ، جَاءهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: ((يَا عَمِّ، قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)).

فَقَالاَ لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟

فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَعَادَا فَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لأََسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)).

فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [التَّوْبَة:113].

وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: {إِنَّكَ لاَ تَهْـدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللهَ يَهْـدِي مَن يَشَاءُ} [الْقَصَص:56].

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ:{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالذينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}.

الثَّالِثَةُ: - وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْكَبِيرَةُ - تَفْسِيرُ قَوْلِهِ:((قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) بِخِلاَفِ مَا عَلَيْهِ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ يَعْرِفُونَ مُرَادَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَالَ لِلرَّجُلِ: ((قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) فَقَبَّحَ اللهُ مَنْ أَبُو جَهْلٍ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الإِسْلاَمِ.

الْخَامِسَةُ: جِدُّهُ صلى الله عليه وسلم، وَمُبَالَغَتُهُ فِي إِسْلاَمِ عَمِّهِ.

السَّادِسَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِسْلاَمَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَسْلاَفِهِ.

السَّابِعَةُ: كَوْنُهُ صلى الله عليه وسلم اسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، بَلْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.

الثَّامِنَةُ: مَضَرَّةُ أَصْحَابِ السَّوْءِ عَلَى الإِنْسَانِ.

التَّاسِعَةُ: مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلاَفِ وَالأَكَابِرِ.

الْعَاشِرَةُ: الشُّبْهَةُ لِلْمُبْطِلِينَ فِي ذَلِكَ لاِسْتِدْلاَلِ أَبِي جَهْلٍ بِذَلِكَ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّاهِدُ لِكَوْنِ الأَعْمَالِ بِالْخَوَاتِيمِ؛ لأِنَّهُ لَوْ قَالَهَا لَنَفَعَتْهُ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّأَمُّلُ فِي كِبَرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي قُلُوبِ الضَّالِّينَ؛ لأَِنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوهُ إِلاَّ بِهَا مَعَ مُبَالَغَتِهِ صلى الله عليه وسلم وَتَكْرِيرِهِ فَلأَِجْلِ عَظَمَتِهَا وَوُضُوحِهَا عِنْدَهُمُ اقْتَصَرُوا عَلَيْهَا.

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ

وَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النِّسَاء:171].

فِي (الصَّحِيحِ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا﴾ [نُوح:23].

قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِي الْعِلْمُ عُبِدَتْ).

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ).

وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) أَخْرَجَاهُ.

وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ)).

ولِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)). قَالَهَا ثَلاَثًا.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: أَنَّ مَنْ فَهِمَ هَذَا الْبَابَ وَبَابَيْنِ بَعْدَهُ تَبَيَّنَ لَهُ غُرْبَةُ الإِسْلاَمِ،

وَرَأَى مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَتَقْلِيبِهِ لِلْقُلُوبِ الْعَجَبَ.

الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شِرْكٍ حَدَثَ فِي الأَرْضِ أَنَّهُ بِشُبْهَةِ الصَّالِحِينَ.

الثَّالِثَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شَيْءٍ غُيِّرَ بِهِ دِينُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ، مَعَ مَعْرِفَةِ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُمْ.

الرَّابِعَةُ: قَبُولُ الْبِدَعِ مَعَ كَوْنِ الشَّرَائِعِ وَالْفِطَرِ تَرُدُّهَا.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَزْجُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ.

- فَالأَوَّلُ: مَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ.

- وَالثَّانِي: فِعْلُ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ شَيْئًا أَرَادُوا بِهِ خَيْرًا؛ فَظَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ غَيْرَهُ.

السَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ نُوحٍ.

السَّابِعَةُ: جِبِلَّةُ الآدَمِيِّ فِي كَوْنِ الْحَقِّ يَنْقُصُ فِي قَلْبِهِ وَالْبَاطِلِ يَزِيدُ.

الثَّامِنَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ  أَنَّ الْبِدَعَ سَبَبُ الْكُفْرِ.

التَّاسِعَةُ: مَعْرِفَةُ الشَّيْطَانِ بِمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ الْبِدْعَةُ وَلَوْ حَسُنَ قَصْدُ الْفَاعِلِ.

الْعَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَهِيَ النَّهْيُ عَنِ الْغُلُوِّ، وَمَعْرِفَةُ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَضَرَّةُ الْعُكُوفِ عَلَى الْقَبْرِ؛ لأَِجْلِ عَمَلٍ صَالِحٍ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ النَّهْيِ عَنِ التَّمَاثِيلِ ، وَالْحِكْمَةِ فِي إِزَالَتِهَا.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهَا.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ - أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ - قِرَاءتُهُمْ إِيَّاهَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِمَعْنَى الْكَلاَمِ، وَكَوْنُ اللهِ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى اعْتَقَدُوا أَنَّ فِعْلَ قَوْمِ نُوحٍ هُوَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ فَهُوَ الْكُفْرُ الْمُبِيحُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا إِلاَّ الشَّفَاعَةَ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: ظَنُّهُمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ صَوَّرُوا الصُّوَرَ أَرَادُوا ذَلِكَ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْبَيَانُ الْعَظِيمُ فِي قَوْلِهِ: ((لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ))فَصَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ بَلَّغَ الْبَلاَغَ الْمُبِينَ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: نَصِيحَتُهُ إِيَّانَا بِهَلاَكِ الْمُتَنَطِّعِينَ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا لَمْ تُعْبَدْ حَتَّى نُسِيَ الْعِلْمُ، فَفِيهَا بَيَانُ مَعْرِفَةِ قَدْرِ وُجُودِهِ وَمَضَرَّةِ فَقْدِهِ.

الْعِشْرُونَ: أَنَّ سَبَبَ فَقْدِ الْعِلْمِ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ.

بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَكَيْفَ إِذَا عَبَدَهُ؟

فِي (الصَّحِيحِ) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)).

فَهَؤُلاَءِ جَمَعُوا بَيْنَ الْفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ الْقُبُورِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ.

وَلَهُمَا عَنْهَا، قَالَتْ: (لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ - وَهُوَ كَذَلِكَ -: ((لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) أَخْرَجَاهُ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)).

فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السِّيَاقِ- مَنْ فَعَلَهُ، وَالصَّلاَةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا: ( خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ) فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَـوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَكُلُّ مَوْضِـعٍ قُصِدَتِ الصَّـلاَةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: ((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)).

وَلأَِحْمَدَ بِسَنِدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)) وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي (صَحِيحِهِ) أَيْضًا.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللهُ فِيهِ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَلَوْ صَحَّتْ نِيَّةُ الْفَاعِلِ.

الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ عَنِ التَّمَاثِيلِ وَغِلَظُ الأَمْرِ فِي ذَلِكَ.

الثَّالِثَةُ: الْعِبْرَةُ فِي مُبَالَغَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ كَيْفَ بَيَّنَ لَهُمْ هَذَا أَوَّلاً، ثُمَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ قَالَ مَا قَالَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي السِّيَاقِ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ.

الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ الْقَبْرُ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ.

السَّادِسَةُ: لَعْنُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ.

السَّابِعَةُ: أَنَّ مُرَادَهُ صلى الله عليه وسلم تَحْذِيرُهُ إِيَّانَا عَنْ قَبْرِهِ.

الثَّامِنَةُ: الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ إِبْرَازِ قَبْرِهِ.

التَّاسِعَةُ: فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا.

الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ مَنِ اتَّخَذَهَا مَسْجِدًا

وَبَيْنَ مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِ السَّاعَةُ فَذَكَرَ الذَّرِيعَةَ إِلَى الشِّرْكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَعَ خَاتِمَتِهِ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُهُ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ الرَّدَّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَشَرُّ أَهْلِ الْبِدَعِ،

بَلْ أَخْرَجَهُمْ بَعْضُ السَّلَفِ مِنَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً وَهُمُ الرَّافِضَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ، وَبِسَبَبِ الرَّافِضَةِ حَدَثَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْقُبُورِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَى عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا بُلِي بِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ شِدَّةِ النَّزْعِ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَا أُكْرِمَ بِهِ مِنَ الْخُلَّةِ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا أَعْلَى مِنَ الْمَحَبَّةِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الإِشَارَةُ إِلَى خِلاَفَتِهِ.

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ

رَوَى مَالِكٌ فِي (الْمُوطَّأِ): أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).

وَلاِبْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ﴾ [النَّجْمُ:19] قَالَ: (كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ فَمَاتَ، فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ ).

وَكَذَا قَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ ).

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ)) رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ الأَوْثَانِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الْعِبَادَةِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْتَعِذْ إِلاَّ مِمَّا يَخَافُ وُقُوعَهُ.

الرَّابِعَةُ: قَرْنُهُ بِهَذَا اتِّخَاذَ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ.

الْخَامِسَةُ: ذِكْرُ شِدَّةِ الْغَضَبِ مِنَ اللهِ.

السَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا: مَعْرِفَةُ صِفَةِ عِبَادَةِ اللاَّتِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الأَوْثَانِ.

السَّابِعَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ اسْمُ صَاحِبِ الْقَبْرِ وَذِكْرُ مَعْنَى التَّسْمِيَةِ.

التَّاسِعَةُ: لَعْنُهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ.

الْعَاشِرَةُ: لَعْنُهُ مَنْ أَسْرَجَهَا.

بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم جَنَابَ التَّوْحِيدِ وَسَدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى الشِّرْكِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التَّوْبَةُ:128].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: (أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ وَقَالَ: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لاَ تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلاَ بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ)) رَوَاهُ فِي (الْمُخْتَارَةِ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ ((بَرَاءةٌ)).

الثَّانِيَةُ: إِبْعَادُهُ أُمَّتَهُ عَنْ هَذَا الْحِمَى غَايَةَ الْبُعْدِ.

الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ حِرْصِهِ عَلَيْنَا وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.

الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ زِيَارَةِ قَبْرِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مَعَ أَنَّ زِيَارَتَهُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ.

الْخَامِسَةُ: نَهْيُهُ عَنِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ.

السَّادِسَةُ: حَثُّهُ عَلَى النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ.

السَّابِعَةُ: أَنَّهُ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ.

الثَّامِنَةُ: تَعْلِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلاَةَ الرَّجُلِ وَسَلاَمَهُ عَلَيْهِ يَبْلُغُهُ وَإِنْ بَعُدَ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ أَرَادَ الْقُرْبَ.

التَّاسِعَةُ: كَوْنُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَرْزَخِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ.

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَعْبُدُ الأَوْثَانَ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ﴾ [النِّسَاءُ:51]

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ﴾ [الْمَائِدَةُ:61].

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} [الْكَهْفُ:21].

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟

قَالَ: ((فَمَنْ؟)) أَخْرَجَاهُ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.

وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ.

وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُِمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ.

وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُِمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)).

وَرَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي (صَحِيحِهِ) وَزَادَ: ((وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاَثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْمَائِدَةِ.

الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْكَهْفِ.

الرَّابِعَةُ: وَهِي مِنْ أَهَمِّهَا - مَا مَعْنَى الإِيمَانِ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فِي هَذَا

الْمَوْضِعِ ؟

هَلْ هُوَ اعْتِقَادُ قَلْبٍ؟

أَوْ هُوَ مُوافَقَةُ أَصْحَابِهَا مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلاَنِهَا؟

الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُفْرَهُمْ أَهْدَى سَبِيلاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

السَّادِسَةُ: وَهِيَ الْمَقْصُودُ بِالتَّرْجَمَةِ - أَنَّ هَذَا لاَ بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.

السَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِهَا - أَعْنِي عِبَادَةَ الأَوْثَانِ - فِي هَذِهِ الأُمَّةِ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ.

الثَّامِنَةُ: الْعَجَبُ الْعُجَابُ خُرُوجُ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ مِثْلَ الْمُخْتَارِ مَعَ تَكَلُّمِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَأَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وَفِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَمَعَ هَذَا يُصَدَّقُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَعَ التَّضَادِّ الْوَاضِحِ، وَقَدْ خَرَجَ الْمُخْتَارُ فِي آخِرِ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَتَبِعَهُ فِئَامٌ كَثِيرَةٌ.

التَّاسِعَةُ: الْبِشَارَةُ بِأَنَّ الْحَقَّ لاَ يَزُولُ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا زَالَ فِيمَا مَضَى، بَلْ لاَ تَزَالُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ.

الْعَاشِرَةُ: الآيَةُ الْعُظْمَى أَنَّهُمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ الْعَظِيمَةِ: مِنْهَا إِخْبَارُهُ بَأَنَّ اللهَ زَوَى لَهُ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ وَأَخْبَرَ بِمَعْنَى ذَلِكَ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ بِخِلاَفِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ أُعْطِي الْكَنْزَيْنِ، وَإِخْبَارُهُ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ لأُِمَّتِهِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ مُنِعَ الثَّالِثَةَ، وَإِخْبَارُهُ بِوُقُوعِ السَّيْفِ وَأَنَّهُ لاَ يُرْفَعُ إِذَا وَقَعَ، وَإِخْبَارُهُ بِإِهْلاَكِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَسَبْيِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَخَوْفِهِ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ، وَإِخْبَارُهُ بِظُهُورِ الْمُتَنَبِّئِينَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَإِخْبَارُهُ ِ بِبَقَاءِ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَكُلُّ هَذَا وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ أَبْعَدِ مَا يَكُونُ فِي الْعُقُولِ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: حَصْرُهُ الْخَوْفَ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ [الْبَقَرَةُ:102].

وَقَوْلِهِ: ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ﴾ [النِّسَاءُ:51].

قَالَ عُمَرُ: ( الْجِبْتُ السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ).

وَقَالَ جَابِرُ: (الطَّوَاغِيتُ كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟

قَالَ:((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ)).

وَعَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: ((حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ)) رَوَاهُ التَّرْمَذِيُّ وَقَالَ: (الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ).

وَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ قَالَ: ( كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلاَثَ سَوَاحِرَ ).

(وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ).

وَكَذَاَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ.

قَالَ أَحْمَدُ: (عَنْ ثَلاَثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ.

الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الإِنْسِ.

الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ الْمَخْصُوصَاتِ بِالنَّهْيِ.

السَّادِسَةُ: أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ.

السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلاَ يُسْتَتَابُ.

الثَّامِنَةُ: وُجُودُ هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فَكَيْفَ بَعْدَهُ؟

بَابُ بَيَانِ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ

قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ؛ مِنَ الْجِبْتِ)).

قَالَ عَوْفٌ: (الْعِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ)

وَالْجِبْتُ:

قَالَ الْحَسَنُ: (رَنَّةُ الشَّيْطَانِ).

إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلأَِبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي (صَحِيحِهِ) الْمُسْنَدُ مِنْهُ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ)).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَلاَ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ: الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: أَنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الْعِيَافَةِ، وَالطَّرْقِ، وَالطِّيَرَةِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْعَقْدَ مَعَ النَّفْثِ مِنْ ذَلِكَ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ النَّمِيمَةَ مِنْ ذَلِكَ.

السَّادِسَةُ: أَنَّ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ الْفَصَاحَةِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ

رَوَى مُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِهِ) عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَلِلأَرْبَعَةِ وَالْحَاكِمِ

-وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا- عَنْ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)).

وَلأِبِي يَعْلَى

بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا.

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)) رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ قَوْلِهِ: ((وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا ...)) إلى آخره.

قَالَ الْبَغَوِيُّ: (الْعَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ).

وَقِيلَ: هُوَ الْكَاهِنُ، وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ .

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: (الْعَرَّافُ: اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ).

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ أَبَاجَادٍ وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: (مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ خَلاَقٍ ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: أَنَّهُ لاَ يَجْتَمِعُ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ مَعَ الإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ.

الثَّانِيةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ.

الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُكُهِّنَ لَهُ.

الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُطُيِّرَ لَهُ.

الْخَامِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ سُحِرَ لَهُ.

السَّادِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ تَعَلَّمَ أباجاد.

السَّابِعَةُ: ذِكْرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ

عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ: ((هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْتُ لاِبْنِ الْمُسَيِّبِ: (رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ؟

قَالَ: ( لاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلاَحَ فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ) انْتَهَى.

وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: ( لاَ يَحُلُّ السِّحْرَ إِلاَّ سَاحِرٌ).

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (النُّشْرَةُ: حَلُّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْحَسَنِ فَيَتَقَرَّبُ النَّاشِرُ وَالْمُنْتَشِرُ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَا يُحِبُّ فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ الْمَسْحُورِ.

وَالثَّانِي: النُّشْرَةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ وَالدَّعَوَاتِ الْمُبَاحَةِ فَهَذَا جَائِزٌ ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: النَّهْيُ عَنِ النُّشْرَةِ.

الثَّانِيَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْمُرَخَّصِ فِيهِ مِمَّا يُزِيلُ الإِشْكَالَ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النَّمْلُ:47].

وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾ [يَس:19].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ)) أَخْرَجَاهُ.

زَادَ مُسْلِمٌ: ((وَلاَ نَوْءَ وَلاَ غُولَ)).

وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ)) قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟

قَالَ: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ)).

وَلأِبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلاَ تَرُدَّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ)).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلاَّ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَجَعَلَ آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَلأِحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: ((مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)) قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُكَ، وَلاَ طَيْرَ إِلاَّ طَيْرُكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ)).

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِي اللهُ عَنْهُ: ((إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: التَّنْبِيهُ عَلَى قَوْلِهِ: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ} مَعَ قَوْلِهِ: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ}.

الثَّانِيَةُ: نَفْيُ الْعَدْوَى.

الثَّالِثَةُ: نَفْيُ الطِّيَرَةِ.

الرَّابِعَةُ: نَفْيُ الْهَامَةِ.

الْخَامِسَةُ: نَفْيُ الْصَفَرِ.

السَّادِسَةُ: أَنَّ الْفَأْلَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ.

السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الْفَأْلِ.

الثَّامِنَةُ: أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ كَرَاهَتِهِ لاَ يَضُرُّ، بَلْ يُذْهِبُهُ اللهُ بِالتَّوَكُّلِ.

التَّاسِعَةُ: ذِكْرُ مَا يَقُولُ مَنْ وَجَدَهُ.

الْعَاشِرَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطِّيَرَةَ شِرْكٌ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الطِّيَرَةِ الْمَذْمُومَةِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ

قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي (صَحِيحِهِ): قَالَ قَتَادَةُ: (خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاَثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلاَمَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ) انْتَهَى.

وَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ، ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُمَا.

وَرَخَّصَ فِي تَعَلُّمِ الْمَنَازِلِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.

وَعَنْ

أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي (صَحِيحِهِ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ النُّجُومِ.

الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ.

الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الْخِلاَفِ فِي تَعَلُّمِ الْمَنَازِلِ.

الرَّابِعَةُ: الْوَعِيدُ فِيمَنْ صَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ، وَلَوْ عَرَفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ﴾ [الْوَاقِعَةُ:82].

وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ)).

وَقَالَ: ((النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)) قَالُوا: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)).

وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ

ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ: ((قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ * فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ * لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ * وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ} [الْوَاقِعَةُ:75-82])).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْوَاقِعَةِ.

الثَّانِيَةُ: ذِكْرُ الأَرْبَعِ الَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ.

الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الْكُفْرِ فِي بَعْضِهَا.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الْكُفْرِ مَا لاَ يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ.

الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ)) بِسَبَبِ نُزُولِ النِّعْمَةِ.

السَّادِسَةُ: التَّفَطُّنُ لِلإِيمَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

السَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْكُفْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

الثَّامِنَةُ: التَّفَطُّنُ لِقَوْلِهِ (لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا).

التَّاسِعَةُ: إِخْرَاجُ الْعَالِمِ لِلْمِتَعَلِّمِ الْمَسْأَلَةَ بِالاِسْتِفْهَامِ عَنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: ((أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ)).

الْعَاشِرَةُ: وَعِيدُ النَّائِحَةِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ﴾ [الْبَقَرَةُ:165].

- وَقَوْلِهِ: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التَّوْبَةُ:24].

عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) أَخْرَجَاهُ.

وَلَهُمَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((لاَ يَجِدُ أَحَدٌ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى..)) إِلَى آخِرِهِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ( مَنْ أَحَبَّ فِي اللهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللهِ، وَوَالَى فِي اللهِ، وَعَادَى فِي اللهِ فَإِنَّمَا تُنَالُ وَلاَيَةُ اللهِ بِذَلِكَ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيمَانِ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ وَصَوْمُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ لاَ يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ}قَالَ:(الْمَوَدَّةُ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءةٌ).

الثَّالِثَةُ: وُجُوبُ مَحَبَّتِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالْمَالِ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ الإِيمَانِ لاَ يَدُلُّ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الإِسْلاَمِ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ لِلإِيمَانِ حَلاَوَةً قَدْ يَجِدُهَا الإِنْسَانُ، وَقَدْ لاَ يَجِدُهَا.

السَّادِسَةُ: أَعْمَالُ الْقَلْبِ الأَرْبَعُ الَّتِي لاَ تُنَالُ وَلاَيَةُ اللهِ إِلاَّ بِهَا وَلاَ يَجِدُ أَحَدٌ طَعْمَ الإِيمَانِ إِلاَّ بِهَا.

السَّابِعَةُ: فَهْمُ الصَّحَابِيِّ لِلْوَاقِعِ: أَنَّ عَامَّةَ الْمُؤَاخَاةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا.

الثَّامِنَةُ: تَفْسِيرُ {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ}.

التَّاسِعَةُ: أَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يُحِبُّ اللهَ حُبًَّا شَدِيدًا.

الْعَاشِرَةُ: الْوَعِيدُ عَلَى مَنْ كَانَتِ الثَّمَانِيَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِهِ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ نِدًّا تُسَاوِي مَحَبَّتُهُ مَحَبَّةَ اللهِ فَهُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَانَ:175].

وَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ ءآمَنْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التَّوْبَةُ:18].

وَقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءآمَنا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ} [الْعَنْكَبُوتُ:10].

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَأَنْ تَذُّمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزْقَ اللهِ لاَ يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلاَ يَرُدُّهُ كَرَاهِيةُ كَارِهٍ)).

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ)) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي (صَحِيحِهِ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ آلِ عِمْرَانَ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ ((بَرَاءةٌ)).

الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْيَقِينَ يَضْعُفُ وَيَقْوَى.

الْخَامِسَةُ: عَلاَمَةُ ضَعْفِهِ وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الثَّلاَثُ.

السَّادِسَةُ: أَنَّ إِخْلاَصَ الْخَوْفِ للهِ مِنَ الْفَرَائِضِ.

السَّابِعَةُ: ذِكْرُ ثَوَابِ مَنْ فَعَلَهُ.

الثَّامِنَةُ: ذِكْرُ عِقَابِ مَنْ تَرَكَهُ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الْمَائِدَةُ:23]

وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأَنْفَالُ:2].

وَقَوْلِهِ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأَنْفَالُ:64].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطَّلاَقُ:3].

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ ﴾ [آل عِمْرَانَ:173] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: أَنَّ التَّوَكُّلَ مِنَ الْفَرَائِضِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الإِيمَانِ.

الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَنْفَالِ.

الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ فِي آخِرِهَا.

الْخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْطَلاَقِ.

السَّادِسَةُ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَأَنَّهَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّدائدِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [الأَعْرَافُ:99].

وَقَوْلِهِ: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الْحِجْرُ:56].

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ)).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ) رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَعْرَافِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْحِجْرِ.

الثَّالِثَةُ: شِدَّةُ الْوَعِيدِ فِيمَنْ أَمِنَ مَكْرَ اللهِ.

الرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الْوَعِيدِ فِي الْقُنُوطِ.

بَابُ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التَّغَابُنُ:11].

قَالَ عَلْقَمَةُ: (هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ).

وَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)).

وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَىَ الْجَاهِلِيَّةِ)).

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)) حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ التَّغَابُنِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ.

الثَّالِثَةُ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ.

الرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الْوَعِيدِ فِيمَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.

الْخَامِسَةُ: عَلاَمَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ.

السَّادِسَةُ: وَعَلاَمَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِهِ الشَّرَّ.

السَّابِعَةُ: عَلاَمَةُ حُبِّ اللهِ لِلْعَبْدِ.

الثَّامِنَةُ: تَحْرِيمُ السُّخْطِ.

التَّاسِعَةُ: ثَوَابُ الرِّضَا بِالْبَلاَءِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الْكَهْفُ:110].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟))

قَالُوا: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ).  قَالَ: ((الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْكَهْفِ.

الثَّانِيَةُ: الأَمْرُ الْعَظِيمُ فِي رَدِّ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إِذَا دَخَلَهُ شَيْءٌ لِغَيْرِ اللهِ.

الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَمَالُ الْغِنَى.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الأَسْبَابِ: أَنَّهُ خَيْرُ الشُّرَكَاءِ.

الْخَامِسَةُ: خَوْفُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الرِّيَاءِ.

السَّادِسَةُ: أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ يُصَلِّيَ الْمَرْءُ للهِ لَكِنْ يُزَيِّنُهَا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ.

بَابُ مِنَ الشِّرْكِ إِرَادَةُ الإِنْسَانِ بَعَمَلِهِ الدُّنْيَا

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ﴿15﴾ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [هُودٌ:15، 16].

فِي (الصَّحِيحِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ.

تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ.

تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ.

إِنْ أُعْطِي رَضِيَ، وِإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ.

طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ.

إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ.

وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ.

إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: إِرَادَةُ الإِنْسَانِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ هُودٍ.

الثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ الإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ عَبْدَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْخَمِيصَةِ.

الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ.

الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: ((تَعِسَ وَانْتَكَسَ)).

السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ((وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ)).

السَّابِعَةُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُجَاهِدِ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ.

بَابُ مَنْ أَطَاعَ الْعُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ فَقَدِ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم، وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ).

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: (عَجِبْتُ لِقَوْمٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّورُ:63]، أَتَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ الْفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَوْلِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَهْلِكَ).

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [ التَّوْبَةُ: 31] قُلْتُ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ.

قَالَ: ((أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟)).

فَقُلْتُ: بَلَى.

قَالَ: ((فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النُّورِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءة).

الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا عَدِيٌّ.

الرَّابِعَةُ: تَمْثِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَتَمْثِيلُ أَحْمَدَ، بِسُفْيَانَ.

الْخَامِسَةُ: تَحَوُّلُ الأَحْوَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ حَتَّى صَارَ عِنْدَ الأَكْثَرِ عِبَادَةُ الرُّهْبَانِ هِيَ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ، وَتُسَمَّى الْوَلاَيَةَ، وَعِبَادَةُ الأَحْبَارِ هِيَ الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ إِلَى أَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَعُبِدَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي مَنْ هُوَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ﴿62﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ﴿63﴾ فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا} [النِّسَاءُ:60-62].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [الْبَقَرَةُ:11].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأَعْرَافُ:56].

وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [الْمَائِدَةُ:50].

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)).

قَالَ النَّوَوِيُّ: (حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ (الْحُجَّةِ) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ).

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: (كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ.

فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ.

عَرَفَ أَنَّهُ لاَ يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ.

وَقَالَ الْمُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى الْيَهُودِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ.

فَاتَّفَقَا أَنْ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ، فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ فَنَزَلَتْK@|{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} [النِّسَاءُ:60-62]الآيَةَ).

وَقِيلَ:(نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فَقَالَ أَحَدُهُمْ: (نَتَرَافَعُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وَقَالَ الآخَرُ: (إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ) ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ أَحَدُهُمَا الْقِصَّةَ.

فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَرْضَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَكَذَلِكَ؟)

قَالَ: (نَعَمْ)؛ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَه).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ وَمَا فِيهَا مِنَ الإِعَانَةِ عَلَى فَهْمِ الطَّاغُوتِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ}.

الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَعْرَافِ: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}.

الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}.

الْخَامِسَةُ: مَا قَالَهُ الشَّعْبِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولَى.

السَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ.

السَّابِعَةُ: قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ الْمُنَافِقِ.

الثَّامِنَةُ: كَوْنُ الإِيمَانِ لاَ يَحْصُلُ لأِحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم.

بَابُ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإليهِ مَتَابِ} [الرَّعْدُ:30].

وَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) قَالَ عَلِيٌّ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ).

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً انْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصِّفَاتِ اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ فَقَالَ: (مَا فَرَقَ هَؤُلاَءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ) انْتَهَى.

وَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ} [الرَّعْدُ:30].

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: عَدَمُ الإِيمَانِ بِجَحْدِ شَيْءٍ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الرَّعْدِ.

الثَّالِثَةُ: تَرْكُ التَّحْدِيثِ بِمَا لاَ يَفْهَمُ السَّامِعُ.

الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ الْعِلَّةِ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَكْذِيبِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْمُنْكِرُ.

الْخَامِسَةُ: كَلاَمُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنِ اسْتَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَهْلَكَهُ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [ النَّحْلُ: 83].

قَالَ مُجَاهِدٌ مَا مَعْنَاهُ: (هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: هَذَا مَالِي وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي).

وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: (يَقُولُونَ: لَوْلاَ فُلاَنٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا).

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (يَقُولُونَ هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا).

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بَعْدَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ…)) الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَذُمُّ سُبْحَانَهُ مَنْ يُضِيفُ إِنْعَامَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَيُشْرِكُ بِهِ.

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ:(هُوَ كَقَوْلِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً وَالْمَلاَّحُ حَاذِقًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ مَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ وَإِنْكَارِهَا.

الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ.

الثَّالِثَةُ: تَسْمِيةُ هَذَا الْكَلاَمِ إِنْكَارًا لِلنِّعْمَةِ.

الرَّابِعَةُ: اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ فِي الْقَلْبِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البْقَرَةُ:22]

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ: (الأَنْدَادُ: هُوَ الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.

وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللهِ وَحَيَاتِكِ يَا فُلاَنَةُ. وَحَيَاتِي.

وَتَقُولَ: لَوْلاَ كُلَيْبَةُ هَذَا لأََتَانَا اللُّصُوصُ.

وَلَوْلاَ الْبَطُّ فِي الدَّارِ لأََتَى اللُّصُوصُ.

وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ.

وَقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلاَ اللهُ وَفُلاَنٌ، لاَ تَجْعَلْ فِيهَا فُلاَنًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لأََنْ أَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا).

وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَكْرَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، قَالَ: وَيَقُولُ: لَوْلَا اللَّهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُولُوا: لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ.

فِيهِ مَسَائِلُ :

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْأَنْدَادِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ يُفَسِّرُونَ الْآيَةَ النَّازِلَةَ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ أَنَّهَا تَعُمُّ الْأَصْغَرَ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا فَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ.

الْخَامِسَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاوِ وَثُمَّ فِي اللَّفْظِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالْحَلِفِ بِاللهِ

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ)) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأولى: النَّهْيُ عَنِ الْحَلِفِ بِالآبَاءِ.

الثَّانِيَةُ: الأَمْرُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ بِاللهِ أَنْ يَرْضَى.

الثَّالِثَةُ: وَعِيدُ مَنْ لَمْ يَرْضَ.

بَابُ قَوْلِ مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ

عَنْ قُتَيْلَةَ: أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ.

تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ.

وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ.

فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: ((وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.

وَأَنْ يَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ)) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ.

وَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: ((أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)).

وَلاِبْنِ مَاجَةَ عَنِ الطُّفَيْلِ أَخِي عَائِشَةَ لأُِمِّهَا قَالَ: (رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ.

قُلْتُ: إِنَّكُمْ لأََنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلاَ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ.

قَالُوا: وَإِنَّكُمْ لأََنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلاَ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ.

ثُمّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لأََنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلاَ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ.

قَالُوا: وَإِنَّكُمْ لأََنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلاَ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ.

فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ.

ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ.

قَالَ: ((هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟)).

قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:

((فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ طُفَيْلاً رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ.

وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا.

فَلاَ تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)).

فيه مسائل:

الأُولَى: مَعْرِفَةُ الْيَهُودِ بِالشِّرْكِ الأَصْغَرِ.

الثَّانِيَةُ: فَهْمُ الإِنْسَانِ إِذَا كَانَ لَهُ هَوًى.

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ((أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًا)) فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَ:

مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ.. وَالْبَيْتَيْنِ بَعْدَهُ؟

الرَّابِعَةُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ لِقَوْلِهِ: ((يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا)).

الْخَامِسَةُ: أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ مِنْ أَقْسَامِ الْوَحْيِ.

السَّادِسَةُ: أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِشَرْعِ بَعْضِ الأَحْكَامِ.

بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الْجَاثِيَةُ:24].

فِي (الصَّحِيحِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ.

الثَّانِيَةُ: تَسْمِيَتُهُ أَذًى للهِ.

الثَّالِثَةُ: التَّأَمُّلُ فِي قَوْلِهِ: ((فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)).

الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَابًّا وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِقَلْبِهِ.

بَابُ التَّسَمِّي بِقَاضِي الْقُضَاةِ وَنَحْوِهِ

فَي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ، لاَ مَالِكَ إِلاَّ اللهُ)).

قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلَ: (شَاهانْ شَاهْ).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ)).

قَوْلُهُ: (أَخْنَعُ) يَعْنِي أَوْضَعُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: النَّهْيُ عَنِ التَّسَمِّي بِمَلِكِ الأَمْلاَكِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلَهُ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ.

الثَّالِثَةُ: التَّفَطُّنُ لِلتَّغْلِيظِ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَلْبَ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ.

الرَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ أَنَّ هَذَا لإَّجْلاَلِ اللهِ سُبْحَانَهُ.

بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَتَغْيِيرِ الاِسْمِ لأِجْلِ ذَلِكَ

عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ: أَنَّهُ كَانَ يُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ)).

فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ.

فَقَالَ: ((مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟))

قُلْتُ: شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللهِ.

قَالَ: ((فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟))

قُلْتُ: شُرَيْحٌ.

قَالَ: ((فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ))رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: احْتِرَامُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُقْصَدْ مَعْنَاهُ.

الثَّانِيَةُ: تَغْيِيرُ الاِسْمِ لأِجْلِ ذَلِكَ.

الثَّالِثَةُ: اخْتِيَارُ أَكْبَرِ الأَبْنَاءِ لِلْكُنْيَةِ.

بابُ مَنْ هزَلَ بِشَيْءٍ فيهِ ذِكْرُ اللهِ أَو القُرآنِ أو الرَّسولِ

وقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [التوبة:65].

عن ابنِ عُمَرَ ومحمدِ بنِ كعبٍ، وزيدِ بنِ أسلمَ، وقَتادةَ -دخَلَ حديثُ بَعْضِهِم في بَعْضِ-: أنَّهُ قالَ رجُلٌ في غَزْوَةِ تَبوك: مَا رَأَيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤلاءِ أرغَبَ بُطوناً، ولا أَكْذَبَ ألَسُناً، ولا أجْبَنَ عندَ اللِّقاءِ - يَعني الرسولَ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ فقالَ له عَوْفُ بنُ مالكٍ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

فَذَهبَ عوْفٌ إلى رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُخْبِرَهُ فَوجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ.

فَجَاءَ ذَلَكَ الرَّجُلُ إِلى رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ ناقَتَهُ.

فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَناءَ الطَّرِيقِ، قالَ ابْنُ عُمَر: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ متعلِّقاً بِنِسْعَةِ ناقَةِ رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وإِنَّ الحِجَارةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فيقولُ لَهُ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ﴿أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ﴾ ما يَلْتَفِتُ إِليْهِ وما يَزيدُهُ عَلَيْهِ).

فيه مسائل:

الأُولى: -وهِيَ العَظِيمَةُ- أنَّ مَنْ هَزَلَ بِهَذا كافِرٌ.

الثانِيةُ: أنَّ هذا هُوَ تفسيرُ الآيةِ فِيمَنْ فَعَلَ ذلِكَ كائناً مَنْ كانَ.

الثالثةُ: الفرقُ بينَ النَّميمةِ والنَّصيحَةِ للهِ ولرسولِهِ.

الرَّابِعةُ: الفرقُ بينَ العفوِ الذي يُحِبُّهُ اللهُ وبينَ الغِلْظَةِ على أعداءِ اللهِ.

الخامِسَةُ: أنَّ مِنَ الاعتِذارِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ.

بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّيٓ إِنَّ لِي عِندَهُۥ لَلۡحُسۡنَىٰۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾ [فصلت:50].

قالَ مُجاهِدٌ: (هذا بِعَمَلي وأَنا مَحْقوقٌ بهِ).

وقالَ ابنُ عبَّاسٍ:(يريدُ من عِنْدي).

وقولُه: {قال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} قالَ قَتادةُ:(على عِلْمٍ مِنّي بِوجُوهِ المكاسِبِ).

وقالَ آخَرونَ: (عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ أنّي لَهُ أهْلٌ).

وهَذا مَعنى قوْلِ مُجاهِدٍ: (أُوتِيتُهُ علَى شَرَف).

وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنَّ ثلاثَةً مِنْ بَني إِسرائيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وأَعْمَى.

فأَرادَ اللهُ أنْ يَبْتَليَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً.

فَأتَى الأَبرَصَ، فقالَ: أيُّ شَيءٌ أحبُّ إِلَيْكَ؟

قالَ: لَونٌ حَسَنٌ، وجِلْدٌ حَسَنٌ، ويَذْهبُ عَنِّي الَّذي قَدْ قَذِرني النَّاسُ بهِ.

قال: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذرهُ؛ فأُعطيَ لوناً حَسَناً، وجِلْداً حَسَناً.

قال: أَيُّ المالِ أحبُّ إِلَيْكَ؟

قال: الإِبِلَ أو البَقَر -شكَّ إسحاق- فأُعطِيَ ناقةً عُشَرَاءَ.

فقال: بارَكَ اللهُ لكَ فِيها.

قالَ: فأَتَى الأقرَعَ.

فقالَ: أَيُّ شيءٍ أحبُّ إِلَيْكَ؟

قالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عَنِّي الّذي قد قَذِرني الناسُ بِهِ.

فَمَسَحهُ فَذَهبَ عنْهُ، وَأُعطِـيَ شَعْراً حَسَناً.

قالَ: أيُّ المالِ أحبُّ إِليْكَ؟

قالَ: البقرُ أو الإِبِلُ، فأُعطِيَ بقَرةً حامِلاً.

قال: بارَكَ اللهُ لَكَ فيها.

فأَتَى الأَعْمى.

فقالَ: أَيُّ شَيْءٍ أحبُّ إِلَيْكَ؟

قالَ: أن يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ.

قالَ: فأيُّ المالِ أحبُّ إِلَيْكَ.

قالَ: الغَنَم.

فأُعطِيَ شاةً والِداً فأنتَجَ هذان وولَد هذا.

فكانَ لِهذا وادٍ مِنَ الإِبِلِ، ولهذا وادٍ مِنَ البَقَرِ، ولِهذا وادٍ مِنَ الغَنَمِ.

قالَ: ثُمَّ إِنّه أتى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وهيْئَتِهِ فقال: رَجُلٌ مِسْكينٌ، وابنُ سَبيلٍ قَد انقَطَعتْ بيَ الحِبالُ في سَفَريِ هذا فلا بلاغَ لي اليومَ إلا باللهِ ثُمَّ بكَ.

أَسْأَلُكَ بالذي أَعطاكَ اللّونَ الحسَنَ، والجِلْدَ الحسَنَ، والمالَ، بعيراً أتَبلَّغُ بهِ في سَفَري.

فقالَ: الحقوقُ كثيرةٌ.

فقالَ لهُ: كَأَنّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أبرَصَ يقذُركَ الناسُ، فقيراً فَأَعطاكَ اللهُ المالَ؟

فقال: إِنّما وَرِثتُ هذا المالَ كابِراً عنْ كابِرٍ.

قال: إنْ كُنْتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلى ما كُنتَ.

قالَ: وأَتى الأقْرَعَ في صُورَتِهِ وهيئته.

فقالَ لهُ مثلَ ما قالَ لهذا وردّ عَلَيْهِ مِثلَ ما ردَّ عليه هذا.

فقالَ له: إنْ كُنتَ كاذِباً فصيّرَكَ اللهُ إِلى ما كُنْتَ.

قال: وأتى الأعْمى في صُورَتِهِ وهيئَتِهِ فقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وابنُ سبيلٍ قَد انقَطَعَتْ بِيَ الحِبالُ في سَفَرِي، فلا بلاغَ لي اليومَ إلا باللهِ ثُمَّ بكَ.

أَسْأَلُكَ بالذي ردَّ علَيْكَ بصَرَكَ شاةً أتَبلَّغُ بها في سَفَري.

فقالَ: كُنْتُ أعمى فرَدَّ اللهُ عَلَيَّ بَصَري؛ فَخُذْ ما شِئْتَ، ودعْ ما شِئتَ؛ فَواللهِ لا أجْهَدُكَ اليومَ بِشيءٍ أخَذْتَهُ للهِ.

فقالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّما ابتُليتُم فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عنْكَ وَسَخِطَ عَلى صَاحِبَيْكَ))(4) أخرجاهُ.

فيهِ مسائل:

الأولى: تفسيرُ الآيةِ.

الثّانيةُ: ما معنى: {لَيَقُولَنَّ هَـذَا لِي}.

الثّالِثَةُ: ما مَعْنى قولِه: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عندي}.

الرابِعةُ: ما في هَذِهِ القِصّةِ العجيبة مِنَ العِبَرِ العَظيمةِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الأَعْرَافُ:190].

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: ( اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللهِ كَعَبْدِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الْكَعْبِةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ حَاشَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ ).

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ قَالَ: (لَمَّا تَغَشَّاهَا آدَمُ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ لَتُطِيعُنَّنِي أَوْ لأََجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أَيِّلٍ فَيَخْرُجَ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ.

وَلأَفْعَلَنَّ وَلأَفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُمَا.

سَمِّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ.

فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا.

ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ؛ فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا.

ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا فَذَكَرَ لَهُمَا فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الْوَلَدِ فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ.

فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ( شُرَكَاءَ فِي طَاعَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ ).

وَلَهُ بَسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ:{لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} قَالَ: (أَشْفَقَا أَنْ لاَ يَكُونَ إِنْسَانًا).

وَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَحْرِيمُ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللهِ.

الثَّانِيةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ فِي مُجَرَّدِ تَسْمِيةٍ لَمْ تُقْصَدْ حَقِيقَتُهَا.

الرَّابِعَةُ: أَنَّ هِبَةَ اللهِ لِلرَّجُلِ الْبِنْتُ السَّوِيَّةُ مِنَ النِّعَمِ.

الْخَامِسَةُ: ذِكْرُ السَّلَفِ الْفَرْقَ بَيْنَ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ وَالشِّرْكِ فِي الْعِبَادَةِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ﴾ [ الأَعْرَافُ: 180].

ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}: ( يُشْرِكُونَ).

وَعَنْهُ: (سَمَّوُا اللاَّتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ).

وَعَنِ الأَعْمَشِ: (يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: إِثْبَاتُ الأَسْمَاءِ.

الثَّانِيَةُ: كَوْنُهَا حُسْنَى.

الثَّالِثَةُ: الأَمْرُ بِدُعَائِهِ بِهَا.

الرَّابِعَةُ: تَرْكُ مَنْ عَارَضَ مِنَ الْجَاهِلِينَ الْمُلْحِدِينَ.

الْخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الإِلْحَادِ فِيهَا.

السَّادِسَةُ: الْوَعِيدُ لِمَنْ أَلْحَدَ.

بابٌ لا يُقالُ: السَّلامُ عَلَى اللهِ

فِي (الصَّحيحِ) عَنِ ابنِ مسْعودٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا إِذا كُنّا مَعَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الصَّلاةِ قُلْنا: السَّلامُ عَلى اللهِ مِنْ عِبادِه، السَّلام على فُلانٍ وفلانٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((لا تَقُولوا السَّلامُ عَلى اللهِ فإنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ)).

فيهِ مسائل:

الأولى: تَفسيرُ السَّلامِ.

الثَّانِيةُ: أنّهُ تحِيَّةٌ.

الثَّالِثَةُ: أنَّها لا تَصْلُحُ للهِ.

الرّابعةُ: العِلَّةُ في ذلِكَ.

الخامِسَةُ: تَعليمُهُم التَّحِيَّةَ الّتي تصْلُحُ للهِ.

بابُ قَولِ اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ

في (الصَّحيحِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: ((لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللهُمَّ ارْحَمنِي إِنْ شِئْتَ، لِيعْزِمِ الْمَسْأَلةَ فإنّ اللهَ لا مُكْرِهَ لَهُ)).

ولمسلمٍ: ((وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أعْطاهُ)).

فِيهِ مسائل:

الأولى: النَّهْيُ عَنِ الاستِثْناءِ في الدُّعاءِ.

الثّانِيةُ: بَيانُ العِلَّةِ في ذلِكَ.

الثّالِثةُ: قولُه:((لِيعْزِمِ الْمَسْأَلةَ)).

الرّابِعةُ: إعْظامُ الرَّغْبَةِ.

الخامِسَةُ: التعليلُ لهذا الأَمْر.

بابٌ لا يَقولُ: عَبْدِي وأَمَتي

في (الصَّحيحِ) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: ((لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وضِّئْ ربَّكَ، ولْيَقلْ: سَيِّدي ومَوْلاي، ولا يَقُلْ أحَدُكُم عَبدِي وأَمَتي وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وفَتاتِي وغُلامِي)).

فيه مسائل:

الأُولى: النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ: عَبْدي وَأَمَتي.

الثَّانِيةُ: لا يَقولُ العَبدُ: رَبِّي وَلا يُقالُ لَهُ: أطْعِمْ رَبَّكَ.

الثَّالِثَةُ: تعليمُ الأَوَّلِ قولَ: فَتايَ وفَتاتِي وغُلامِي.

الرَّابِعةُ: تعليمُ الثَّانِي قولَ: سَيِّدي ومَوْلايَ.

الخامِسَةُ: التَّنْبيهُ للمرادِ وهُوَ تحقيقُ التَّوحيدُ حتّى في الألْفاظِ.

بَابُ لاَ يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ بِاللهَ

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تُرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: إِعَاذَةُ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ.

الثَّانِيةُ: إِعْطَاءُ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ.

الثَّالِثَةُ: إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ.

الرَّابِعَةُ: الْمُكَافَأَةُ عَلَى الصَّنِيعَةِ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ الدُّعَاءَ مُكَافَأَةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَيْهِ.

السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ((حَتَّى تُرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ)).

بَابُ لاَ يُسْأَلُ بَوَجْهِ اللهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ

عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يُسْأَلُ بَوَجْهِ اللهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ إِلاَّ غَايَةُ الْمَطَالِبِ.

الثَّانِيةُ: إِثْبَاتُ صِفَةِ الْوَجْهِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَّوْ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ﴾ [آل عِمْرَانَ:154].

وَقَوْلِهِ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ﴾ [آل عِمْرَانَ:16].

فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِزَنَّ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَيْنِ فِي آلِ عِمْرَانَ.

الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ الصَّرِيحُ عَنْ قَوْلِ: (لَوْ) إِذَا أَصَابَكَ شَيْءٌ.

الثَّالِثَةُ: تَعْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.

الرَّابِعَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى الْكَلاَمِ الْحَسَنِ.

الْخَامِسَةُ: الأَمْرُ بِالْحِرْصِ عَلَى مَا يَنْفَعُ مَعَ الاِسْتِعَانَةِ بِاللهِ.

السَّادِسَةُ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ وَهُوَ الْعَجْزُ.

بَابُ النَّهْيِ عَنِ سبِّ الرِّيحِ

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لاَ تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ)) صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ.

الثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى الْكَلاَمِ النَّافِعِ إِذَا رَأَى الإِنْسَانُ مَا يَكْرَهُ.

الثَّالِثَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا قَدْ تُؤْمَرُ بِخَيْرٍ وَقَدْ تُؤْمَرُ بِشَرٍّ.

بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عِمْرَانَ:154].

وَقَوْلِهِ: {الظَّآنِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللهُ عَلَيهِم ولَعَنَهُم وأعدَّ لهم جَهنَّمَ وسَآءتْ مَصِيرًا} [الْفَتْحُ:6].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الآيَةِ الأُولَى: (فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ بَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لاَ يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وَفُسِّرَ بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدَرِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ، فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يَتِمَّ أَمْرُ رَسُولِهِ، وَأَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوْءِ، الَّذِي ظَنَّ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوْءِ؛ لأَِنَّهُ ظَنُّ غَيْرِ مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَوَعْدِهِ الصَّادِقِ.

فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدِيلُ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ إِدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا الْحَقُّ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَا جَرَى بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَرُهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْحَمْدَ، بَلْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ، فَذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ، وَلاَ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَمُوجِبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ.

فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ وَلْيَسْتَغْفِرْهُ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.

وَلَوْ فَتَّشْتَ مَنْ فَتَّشْتَ؛ لَرَأَيْتَ عِنْدَهُ تَعَنُّتًا عَلَى الْقَدَرِ وَمَلاَمَةً لَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ.

فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي      عَظِيمَةٍ وَإِلاَّ فَإِنِّي لاَ إخَالُكَ نَاجِيًا).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ آلِ عِمْرَانَ.

الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْفَتْحِ.

الثَّالِثَةُ: الإِخْبَارُ بِأَنَّ ذَلِكَ أَنْوَاعٌ لاَ تُحْصَرُ.

الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لاَ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ عَرَفَ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ وَعَرَفَ نَفْسَهُ.

بابُ ما جاءَ في مُنْكِري القَدَرِ

وقالَ ابنُ عُمرَ: (والَّذي نفسُ ابنِ عُمَرَ بيدِهِ، لوْ كانَ لأَحَدِهِم مثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أنْفَقَهُ في سَبيلِ اللهِ ما قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ، حتَّى يُؤمِنَ بالقَدَرِ، ثمَّ استَدلَّ بقوْلِ النّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ باللهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خيْرِهِ وشرِّهِ))) رواهُ مسلمٌ.

وعَنْ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أنّه قالَ لابنِهِ: (يا بُنيّ إنَكَ لَنْ تجِدَ طعمَ الإيمانِ حتَّى تعلَمَ أنّ ما أصابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخطِئَكَ وما أخْطأَكَ لَمْ يكُنْ لِيُصيبَكَ، سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: ((إنّ أوّلَ ما خلَقَ اللهُ القَلَم فقال لَهُ: اكتُبْ، فقالَ: ربِّ وماذا أكْتُبُ؟

قال: اكتُبْ مقادِيرَ كلِّ شيءٍ حتَّى تقومَ السَّاعَةُ))

يا بُنَيَّ سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: ((مَنْ ماتَ عَلَى غيْرِ هذا فَلَيْسَ مِنِّي))).

وفي روايَةٍ لأحْمَدَ: ((إنَّ أَوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ تعالَى القَلَم فقالَ لَهُ: اكتُبْ فَجَرَى في تِلَكَ السَّاعةِ بِما هُوَ كائِنٌ إلَى يومِ القِيامَةِ)).

وفي رِوايَةٍ لابنِ وهْبٍ قالَ رسولُ اللهُ صلَى اللهُ عليهِ وسلم: ((فَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ بالقَدَرِ خَيرِهِ وشرِّهِ أحْرَقَهُ اللهُ بالنَّارِ)).

وفي (الْمُسندِ) (والسّننِ) عنِ ابنِ الدّيلمِيِّ قال: (أتَيْتُ أُبيَّ بنَ كعْبٍ فقلتُ في نَفْسي شَيْءٌ مِنَ القَدَرِ فَحدِّثني بشيءٍ لعلَّ اللهُ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبي فقال: ((لوْ أنفَقتَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما قبِلهُ اللهُ مِنكَ حتَّى تُؤمِنَ بالقَدَرِ وتعلَمَ أنَّ ما أصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخطِئكَ، وما أخْطـأَكَ لَمْ يَكُـنْ لِيُصيبكَ وَلوْ مِتَّ علَى غيرِ هذا لكنتَ مِنْ أهلِ النَّارِ.

قالَ: فأتيتُ عبدَاللهِ بنَ مسعودٍ وحُذَيفةَ بنَ اليمانِ وزيدَ بنَ ثابتٍ؛ فكُلُّهُم حدَّثني بمثلِ ذلِكَ عنِ النّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)) حَدِيثٌ صَحيحٌ رَواهُ الحاكِمُ في (صَحيِحه).

فيهِ مسائل:

الأولَى: بيانُ فرضِ الإيمانِ بالقَدَرِ.

الثانيَةُ: بيانُ كيفيَةِ الإيمانِ بهِ.

الثالثةُ: إحباطُ عَمَل منْ لَمْ يُؤمِنْ بهِ.

الرابِعةُ: الإخبارُ أنّ أحدًا لا يجِدُ طعْمَ الإيمانِ حتَّى يُؤمِنَ بهِ.

الخامِسَةُ: ذكرُ أوَّل ما خَلَقَ اللهُ.

السَّادِسَةُ: أنّه جَرَى بالْمَقادِيرِ في تِلْكَ السَّاعةِ إلَى قِيامِ السَّاعةِ.

السَّابِعةُ: بَراءَتُهُ صلَى اللهُ عليهِ وسلم مِمَّنْ لَمْ يُؤمِنْ بهِ.

الثَّامِنةُ: عادةُ السَّلَفِ في إِزالةِ الشُّبْهةِ بسؤالِ العلماءِ.

التَّاسِعةُ: أنّ العلماءَ أجابُوهُ بما يزيلُ شُبْهَتَهُ وذلِكَ أنّهُم نَسَبوا الكلامَ إلَى رسولِ اللهِ صلَى اللهُ عليهِ وسلم فقطْ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُصَوِّرِينَ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلِيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)) أَخْرَجَاهُ.

وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ)).

وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ)).

وَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ)).

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ قَالَ:(قَالَ لِي عَلِيٌّ): (أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَنْ لاَ تَدَعَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: التَّغْلِيظُ الشَّدِيدُ فِي الْمُصَوِّرِينَ.

الثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ لِقَوْلِهِ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)).

الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَجْزِهِمْ لِقَوْلِهِ:((فَلِيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً)).

الرَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ اللهَ يَخْلُقُ بِعَدَدِ كُلِّ صُورَةٍ نَفْسًا يُعَذِّبُ بِهَا الْمُصَوِّرَ فِي جَهَنَّمَ.

السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ.

السَّابِعَةُ: الأَمْرُ بِطَمْسِهَا إِذَا وُجِدَتْ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الْحَلِفِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ [الْمَائِدَةُ:89].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ)) أَخْرَجَاهُ.

وَعَنْ سَلْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لاَ يَشْتَرِي إِلاَّ بِيَمِينِهِ وَلاَ يَبِيعُ إِلاَّ بِيَمِينِهِ)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَفِي (الصَّحِيحِ) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلاَ أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)).

وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شِهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)).

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: (كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: الْوَصِيَّةُ بِحِفْظِ الأَيْمَانِ.

الثَّانِيَةُ: الإِخْبَارُ بِأَنَّ الْحَلِفَ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقةٌ لِلْبَرَكَةِ.

الثَّالِثَةُ: الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيمَنْ لاَ يَبِيعُ وَلاَ يَشْتَرِي إِلاَّ بِيَمِينِهِ.

الرَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي.

الْخَامِسَةُ: ذَمُّ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ وَلاَ يُسْتَحْلَفُونَ.

السَّادِسَةُ: ثَنَاؤُهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْقُرُونِ الثَّلاَثَةِ أَوِ الأَرْبَعَةِ، وَذِكْرُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُمْ.

السَّابِعَةُ: ذَمُّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ.

الثَّامِنَةُ: كَوْنُ السَّلَفِ يَضْرِبُونَ الصِّغَارَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ

وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النَّحْلُ:91].

وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، فَقَالَ: ((اغْزُوا بِسْمِ اللهِ، قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُم أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لاَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: الْفَرْقُ بَيْنَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ، وَذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

الثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى أَقَلِّ الأَمْرَيْنِ خَطَرًا.

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ((اغْزُوا بِسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ)).

الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ((قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ)).

الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: ((اسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ)).

السَّادِسَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ حُكْمِ اللهِ وَحُكْمِ الْعُلَمَاءِ.

السَّابِعَةُ: فِي كَوْنِ الصَّحَابِيِّ يَحْكُمُ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِحُكْمٍ لاَ يَدْرِي أَيُوَافِقُ حُكْمَ اللهِ أَمْ لاَ؟

بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِقْسَامِ عَلَى اللهِ

عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لِفُلاَنٍ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْقَائِلَ رَجُلٌ عَابِدٌ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ

وَآخِرَتَهُ).

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: التَّحْذِيرُ مِنَ التَّأَلِّي عَلَى اللهِ.

الثَّانِيَةُ: كَوْنُ النَّارِ أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْجَنَّةَ مِثْلُ ذَلِكَ.

الرَّابِعَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِقَوْلِهِ:((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ.. إِلَى آخِرِهِ)).

الْخَامِسَةُ: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبٍ هُوَ مِنْ أَكْرَهِ الأُمُورِ إِلَيْهِ.

بَابُ لاَ يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى خَلْقِهِ

عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللهِ عَلَيْكَ، وَبِكَ عَلَى اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ!! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لاَ يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ..)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: إِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ قَالَ: ((فَإِنَّنَا نَسْتَشْفِعُ بِاللهِ عَلَيْكَ)).

الثَّانِيَةُ: تَغَيُّرُهُ تَغَيُّرًا عُرِفَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ:((نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللهِ)).

الرَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى تَفْسِيرِ سُبْحَانَ اللهِ.

الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْأَلُونَهُ صلى الله عليه وسلم الاِسْتِسْقَاءَ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم حِمَى التَّوْحِيدِ وَسَدِّهِ طُرُقَ الشِّرْكِ

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا.

فَقَالَ: (( السَّيِّدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ))

قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلاً، وَأَعْظَمُنَا طَوْلاً.

فَقَالَ: (( قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلاَ يَسَتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ )). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَا خَيْرَنَا، وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا، وَابْنَ سَيِّدِنَا. فَقَالَ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ )) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنَ الْغُلُوِّ.

الثَّانِيَةُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ سَيِّدُنَا.

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (( لاَ يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ))مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِلاَّ الْحَقَّ.

الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (( مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي )).

بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الزُّمَرُ:67].

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ)، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعـًا قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (( وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا اللهُ )).

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (( يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ )) أَخْرَجَاهُ.

وَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: (( يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذْهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ السَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ )).

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (( مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلاَّ كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ )).

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ )).

وَقَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (( مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ )).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زَرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- قَالَ: وَلَهُ طُرُقٌ.

وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟ ))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (( بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْعَرْشِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَاللهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ )).

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

فِيهِ مَسَائِلُ:

الأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالأَرْضُ جَمِيعـًا قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ وَأَمْثَالَهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُنْكِرُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحَبْرَ لَمَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَدَّقَهُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ.

الرَّابِعَةُ: وُقُوعُ الضَّحِكِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا ذَكَرَ الْحَبْرُ هَذَا الْعِلْمَ الْعَظِيمَ.

الْخَامِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى وَالأَرَضِينَ فِي الأُخْرَى.

السَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِتَسْمِيَتِهَا الشِّمَالَ.

السَّابِعَةُ: ذِكْرُ الْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ.

الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ.

التَّاسِعَةُ: عِظَمُ الْكُرْسِيِّ بِالنَّسْبَةِ إِلَى السَّمَاءِ.

الْعَاشِرَةُ: عِظَمُ الْعَرْشِ بِالنَّسْبَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْعَرْشَ غَيْرُ الْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْعَرْشِ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مِائَةُ سَنَةٍ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْبَحْرَ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ أَسْفَلُهُ وَأَعْلاَهُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

تمّ كتاب التوحيد بفضل الله تعالى