الصيام ومجموعة أسئلة في أحكامه

الصيام ومجموعة أسئلة في أحكامه

رسالة مختصرة للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين تتناول إجابة لمجموعة من الأسئلة المتعلقة بأحكام الصيام في الشريعة الإسلامية. تحتوي الرسالة على سبعين سؤالًا حول موضوعات مختلفة مثل شروط صحة الصيام، والأعذار المبيحة للفطر، والمفطرات وأنواعها، وآداب الصيام. وتجيب الرسالة على أسئلة تتعلق بالحالات الخاصة بالصيام، مثل: صيام الصبيان، وصيام المرضى والمسافرين، وحكم من يفطر بدون عذر. وغيرها.

اللغة: العربية
إعداد: مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينِ
الإصدار: 2.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

الصِّيَامُ

مَجْمُوعَةُ أَسْئِلَةٍ فِي أَحْكَامِهِ

لفضيلة الشيخ العلامة

مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينِ

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

من إصدارات مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

تقــــــديــــــم

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فهذه مجموعة أسئلة في الصيام وأحكامه، وعددها سبعون سؤالًا، تفضل بالإجابة عليها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.

وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها فضيلته لإخراج تراثه العلمي، وسعيًا لتعميم النفع بها -بإذن الله تعالى- تم إعدادها وتقديمها للطباعة والنشر.

نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافِقًا لمرضاتِه، نافعًا لعبادِه، وأن يَجْزِيَ فضيلةَ شيخنا عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاءِ، وأن يُضاعِفَ له المثوبةَ والأجرَ، وأن يُعْلِيَ درجتَه في المهديّين؛ إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله، خاتَم النبيين، وإمام المتقين، وسيد الأولين والآخِرين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

القسم العلمي

في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

13 ربيع الأول 1445هـ

السؤال (1): بمناسبة قُدوم شهر رمضان المبارك، موسم العبادات والطَّاعات، حبَّذا لو تفضَّلتم ووجَّهتم كلمةً للمسلمين بهذه المناسبة، وما يجب أن يُحرِّكَه هذا الشهر في نُفوسِهم؟

الجواب (1): الكلمة التي أُوجِّهها للمسلمين هي أنَّ هذا الشهر يَشتمل على ثلاثة أصنافٍ من العبادات الجليلة، وهي: الزكاة، والصيام، والقيام.

أما الزكاة فإنَّ غالب الناس أو كثيرًا منهم يُؤدُّون زكاتَهم في هذا الشهر، والواجب على المرء أن يُؤدِّيَ الزكاةَ بأمانة، وأن يَشعُرَ بأنَّها عبادةٌ وفريضةٌ من فرائض الإسلام، يتقرَّب بها إلى ربِّه، ويُؤدِّي ركنًا من أركان الإسلام العظيمة، وليست مَغْرَمًا كما يُصوِّرُه الشيطان الذي وصفه الله بقوله: ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِ...﴾ [البقرة:268]، بل هي غنيمةٌ؛ لأن الله يقول: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ 261﴾ [البقرة:261]، ويقول عزوجل: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ 265﴾ [البقرة:265].

ثمَّ عليه أن يُخرجَ الزكاةَ عن كلِّ قليلٍ وكثيرٍ تجب فيه الزكاة، وأن يُحاسِبَ نفسَه محاسبةً دقيقة، فلا يَدَعْ شيئًا مِمَّا تجب فيه الزكاة إلا وأخرج زكاتَه؛ من أجل أن يُبرِئَ ذمَّتَه، ويُخلِّصَها من الوعيد الشديد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 180﴾ [آل عمران:180]، وقال: ﴿...وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 34 يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ 35﴾ [التوبة:34-35].

قال النبي ﷺ في تفسير الآية الأولى: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- وَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ»[1]. [1] أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم (1403) من حديث أبي هريرة.

أما الآية الثانية ففسرها النبي ﷺ بقوله: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلى النَّارِ»[2]. [2] أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم (987) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ويجب أن يُؤْتِيَها مُسْتَحِقَّها، فلا يَدفَعْها كعادةٍ اعتاد أن يدفعَها، ولا يدفع بها مَذَمَّةً عن نفسِه، ولا يُسْقِط بها واجبًا في غيرِ الزكاة حتى تكونَ زكاةً مَقْبولة.

أما الأمر الثاني مما يفعله المسلمون في هذا الشهر: فهو صيام رمضان الذي هو أحد أركان الإسلام، وفائدة الصيام: ما ذكره الله بقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾ [البقرة:183]، ففائدة الصيام الحقيقية هي تقوى الله جل جلاله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فيقوم الإنسان بما أوجب الله عليه من طهارة وصلاة، ويجتنب ما حرم الله عليه من كذب، وغيبة، وغش، وتقصير في واجباته، قال النبي ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[3]. [3] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، رقم (1903) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ومِن المؤسف أنَّ كثيرًا من المسلمين يصومون هذا الشهر، ولا تجد فيهم فَرقًا بين أيام الصيام وأيام الإفطار، تجد الواحدَ مستمرًّا فيما هو فيه من تفريطٍ في واجبٍ، أو ارتكابٍ لمحرَّم، وهذا أمرٌ يُؤسَف له، والمؤمنُ العاقل هو الذي لا يجعل أيام صيامه وأيام فطره سَواء، بل يكون في أيام صيامه أتقى لله تعالى وأقومَ بطاعته.

أما الأمر الثالث: فهو القيام، قيامُ رمضان الذي حث عليه الرسول ﷺ في قوله: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[4]. [4] أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم (2009)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، رقم (759) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وقيامُ رمضانَ يَشمَل صلاةَ التطوُّعِ في لياليه، وصلاة التراويحِ المعروفة هي من قيامِ رمضانَ بلا شكّ، ولهذا ينبغي للمرءِ أن يَعتني بها، ويُحافظ عليها، وأن يَحرصَ على أن يقومَ مع الإمامِ حتى ينصرف؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[5]. [5] أخرجه أبو داود: كتاب التطوع، باب في قيام شهر رمضان، رقم (1375)، والترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (806)، والنسائي: كتاب السهو، باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف، رقم (1364)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (1327)، وأحمد (5/163) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

ويجب على الأئمة الذين يصلون بالناس صلاة التراويح أن يتقوا الله فيمن جعلهم الله أئمة لهم، فيصلوا التراويح بطمأنينة وتأنٍّ؛ حتى يتمكن من خلفهم من فعل الواجبات والمستحبات بقدر الإمكان.

أما ما يَفْعَلُه كثيرٌ من الناس اليومَ في صلاةِ التراويح، تجد الواحدَ منهم يُسْرع فيها إسراعًا مُخِلًّا بالطمأنينة، والطُّمأنينة ركنٌ من أركانِ الصلاة، لا تَصِحُّ إلا بها، فإنَّ هذا مُحرَّمٌ عليهم:

أولًا: لأنهم يتركون الطمأنينة.

وثانيًا: لأنَّهم ولو قُدِّر أنَّهم لا يَتركون الطُّمأنينة، فإنَّهم يكونون سببًا لإتعاب مَنْ وراءَهم، وعدم قيامهم بالواجب، ولهذا الإنسان الذي يُصلِّي بالناس ليس كالإنسان الذي يُصلِّي لنفسه، فيَجِبُ عليه مُراعاة الناس، بحيث يُؤدِّي الأمانةَ فيهم، ويقوم بالصلاة على الوجه المطلوب.

وقد ذكر العلماء أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يُسَن، فكيف إذا أسرع سرعة تمنع المأموم مِنْ فعل ما يَجِبُ؟!

والمهم أن النصيحة التي أوجهها إلى نفسي أولًا، وإلى إخواني المسلمين ثانيًا، هي الإنابة إلى الله جل جلاله، والتوبة إليه، والقيام بطاعته بقدر الإمكان في شهر رمضان وفي غيره.

السؤال (2): بعض الشباب -هداهم الله- يتكاسلون في الصلاة في رمضان وغيره، ولكنهم يُحافظون على صيام رمضان، ويتحمَّلون العَطَشَ والجوع، فبماذا تَنْصَحُهم؟ وما حُكُمُ صيامهم؟

الجواب (2): نَصيحتي لهؤلاء: أن يُفَكِّروا مَلِيًّا في أَمرِهم، وأن يَعلَموا أنَّ الصلاةَ أَهَمُّ أركانِ الإسلام بعد الشهادتين، وأنَّ مَن لم يُصَلِّ، وتَركَ الصلاةَ مُتَهاونًا، فإنّه -على القَولِ الرّاجحِ عندي، والذي تُؤيِّدُه دلالةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وأقوالُ الصحابةِ رضي الله عنهم- يَكونُ كافرًا كُفْرًا مُخْرِجًا عن المِلَّة، مُرتدًّا عن الإسلام [6]، فالأَمرُ ليس بالهَيِّن؛ لأنَّ مَن كان كافرًا مُرتدًّا عن الإسلام لا يُقبَلُ مِنه لا صِيامٌ، ولا صَدَقَةٌ، ولا يُقبَلُ مِنه أيُّ عَمَل؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ 54﴾ [التوبة:54]، فبَيَّنَ اللهُ جَلَّ جَلالُه أنَّ نَفَقاتِهم -مَعَ أنّها ذاتُ نَفْعٍ مُتَعَدٍّ للغَير- لا تُقْبَلُ منهم بسببِ كُفْرِهِم، قال الله عزوجل: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا 23﴾ [الفرقان:23]. [6] انظر: جواب السؤال الخامس عشر.

وهؤلاء الذين يصومون ولا يصلون لا يقبل صيامهم، بل هو مَرْدُودٌ عليهم ما دُمْنا نقول: إنهم كفار، كما يَدل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فنصيحتي لهم: أن يتقوا الله عزوجل، وأن يحافظوا على الصلاة، ويقوموا بها في أوقاتها، ومع جماعة المسلمين، وأنا ضامنٌ لهم -بِحَوْل الله- أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يَجِدون في قلوبهم الرَّغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين؛ لأن الإنسان إذا أناب إلى ربه، وأقبل عليه، وتاب إليه توبة نصوحًا، فإنه قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ كما ذكر الله جل جلاله عن آدم عليه السلام أنه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشجرة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ 122﴾ [طه:122].

السؤال (3): النوم طوال ساعات النهار ما حكمه، وحكم صيام من ينام؟ وإذا كان يستيقظ لأداء الفروض، ثم ينام، فما الحكم؟

الجواب (3): هذا السؤال تضمَّن حالين:

الحال الأولى: جلٌ يَنام طوال النهار، ولا يَسْتَيْقِظ، ولا شكَّ أنَّ هذا جانٍ على نفسِه، عاصٍ لله جَلَّ جَلالُه بتَركِه الصلاةَ في أوقاتِها، وإذا كان من أَهل الجماعة فقد أضاف إلى ذلك تَركَ الجماعة أيضًا، وهو حَرامٌ عليه، ومُنقِصٌ لِصومِه، وما مِثْلُه إلا مَثَل مَن يَبني قَصْرًا، ويَهدِم مِصْرًا، فَعليه أن يَتوب إلى الله عَزَّ وجَلَّ، وأن يَقوم ويُؤدِّي الصلاةَ في أوقاتِها حَسَبَ ما أُمِر به.

أما الحال الثانية -وهي حال من يقوم، ويصلي الصلاة المفروضة في وقتها، ومع الجماعة- فهذا ليس بآثم، لكنَّه فَوَّت على نفسه خيرًا كثيرًا؛ لأنه ينبغي للصائم أن يشتغل بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن؛ حتى يجمع في صيامه عبادات شتى، والإنسان إذا عود نفسه ومرنها على أعمال العبادة في حال الصيام سهل عليه ذلك، وإذا عود نفسه الكسل والخمول والراحة صار لا يألف إلا ذلك، وصعبت عليه العبادات والأعمال في حال الصيام.

فنصيحتي لـهذا: ألا يستوعب وقت صيامه في نومه، وليحرص على العبادة، وقد يسر الله -والحمد لله- في وقتنا هذا للصائم ما يزيل عنه مشقة الصوم من المكيفات وغيرها مما يُهَوِّنُ عليه الصيام.

السؤال (4): ما المقصود بالصيام في اللغة والشرع؟

الجواب (4): الصيام في اللغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿...فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا 26﴾ [مريم:26]، أي: نذرت إمساكًا عن الكلام، ومنه قول الشاعر:

خَيلٌ صِيامٌ وَخَيلٌ غَيرُ صائِمَةٍ *** تَحتَ العَجاجِ وَأُخرى تَعلُكُ اللُجُما[7]. [7] البيت للنابغة الذبياني، انظر: ديوانه ص(125).

أمَّا في الشَّرْع: فهو التَّعَبُّدُ لله تعالى بالإمْسَاكِ عن المُفَطِّرَاتِ من طُلوعِ الفَجْرِ الثَّاني إلى غُروبِ الشَّمْس.

السؤال (5): ما أقسام الصيام؟

الجواب (5): ينقسم الصيام إلى قسمين: قِسْمٌ مَفْرُوض، وقِسْمٌ غير مفروض.

1- أما المفروض فقد يكون لسببٍ: كصيام الكفارات والنذور، وقد يكون لغير سبب: كصيام رمضان، فإنه واجبٌ بأصْل الشرع، أي: بغير سبب من المُكَلَّف.

2- وأما غير المفروض فقد يكون مُعَيَّنًا، وقد يكون مُطْلَقًا، فمثال المُعَيَّن: صوم يوم الإثنين والخميس، ومثال المُطْلَق: صيام أي يوم من أيام السنة، إلا أنَّه قد ورد النَّهي عن تخصيص يوم الجُمُعَة بالصَّوم، فلا يُصام يوم الجُمُعَة إلا أن يَصومَ يومًا قَبْلَه أو بَعْدَه، كما ثبت النَّهي عن صيام يَومَي العيدَين: الفِطْر والنَّحْر، وكذلك عن صيام أيام التَّشريق إلا لمن لم يَجِدِ الهَدي من قارِن ومُتَمَتِّع، فإنه يَصوم أيام التَّشريق عن الأيام الثلاثة التي في الحج.

السؤال (6): ما حكم صيام شهر رمضان؟

الجواب (6): صيام شهر رمضان فرض بنص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله جل جلاله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾ إلى قوله تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ...﴾ [البقرة:183-185].

وقال النبي ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَلَّاةِ، وإيتاءُ الزَّكَاةِ، وصَوْمُ رَمَضَانَ، وحجُّ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ»[8]، وقال ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا»[9]. [9] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان؟، رقم (1900)، ومسلم: كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم (1080) من حديث ابن عمر رضي الله عنه. [8] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، رقم (8)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام، رقم (16/20) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

وأجمع المسلمون على أن صيامَ رمضانَ فرضٌ، وأنه أحد أركانِ الإسلامِ، فمن أنكرَ فرضيتهُ كفرَ إلا أن يكونَ ناشئًا ببلادٍ بعيدةٍ لا يُعرفُ فيها أحكامُ الإسلامِ، فيُعَرَّفُ بذلك، ثم إن أصرَّ بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليهِ كفرَ.

ومن تركه تهاونًا -مع الإقرارِ بفرضيتهِ- فهو على خطرٍ، فإنَّ بعضَ أهلِ العلمِ يرى أنهُ كافرٌ مرتدٌّ، ولكنَّ الراجحَ أنهُ ليسَ بكافرٍ مرتدٍّ، بل هو فاسقٌ من الفسَّاقِ، لكنه على خطرٍ عظيمٍ.

السؤال (7): ما مكانة الصيام في الدين، وفضله في العبادة؟

الجواب (7): مكانة الصيام في الإسلام أنه أحد أركانه العظيمة التي لا يقوم إلا بها، ولا يتم إلا بها، وأما فضله في الإسلام فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[10]. [10] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، رقم (38)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، رقم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

السؤال (8): ما حكم الفطر في نهار رمضان بدون عذر؟

الجواب (8): الفطر في نهار رمضان بدون عذر من أكبر الكبائر، ويكون به الإنسان فاسقًا، ويجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره، يعني: لو أنه صام، وفي أثناء اليوم أفطر بدون عذر، فعليه الإثم وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره؛ لأنه لما شَرَعَ فيه التزم به، ودخل فيه على أنه فرض، فيلزمه قضاؤه كالنَّذْر.

أما لو تركَ الصومَ من الأصلِ متعمدًا بلا عذرٍ فالراجحُ: أنهُ لا يلزمهُ القضاءُ؛ لأنهُ لا يستفيدُ به شيئًا؛ إذ إنهُ لا يُقبلُ منهُ، فإنَّ القاعدةَ: أنَّ كلَّ عبادةٍ مؤقَّتةٍ بوقتٍ معيَّنٍ فإنها إذا أُخِّرتْ عن ذلكَ الوقتِ المعيَّنِ بلا عذرٍ لم تُقبلْ من صاحبها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ»[11]، ولأنه مِن تَعَدِّي حدود الله، وتعدي حدود الله ظلم، والظالم لا يُقبل منه، قال الله تعالى: ﴿...وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 229﴾ [البقرة:229]، ولأنهُ لو قدَّمَ هذهِ العبادةَ على وقتها -أي: فَعَلها قبلَ دخولِ الوقتِ- لم تُقبلْ منهُ، فكذلكَ إذا فعلها بعدهُ لم تُقبلْ منهُ إلا أن يكونَ معذورًا. [11] أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، رقم (1718/18)، وأخرجه بمعناه البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود، رقم (2697)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

السؤال (9): بماذا يثبت دخول شهر رمضان؟

الجواب (9): يثبت دخول شهر رمضان إما برؤية هِلاله، وإما بإكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا؛ لقول رسول الله ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»[12]. [12] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا»، رقم (1907) (1909)، ومسلم: كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم (1080/4) (1081) من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما.

السؤال (10): ما حكم من رأى الهلال وحْدَه، ولم يَصَمْ معه الناس؟

الجواب (10): من رأى الهلالَ يجبُ عليهِ أنْ يُبلِّغَ بهِ المحكمةَ الشرعيةَ، ويشهدَ بهِ.

ويثبت دخول شهر رمضان بشهادة واحدٍ إذا ارتضاه القاضي، وحَكَمَ بشهادته، فإن رُدَّت شهادته فقد قال بعض العلماء: إنه يلزمه أن يصوم؛ لأنه تيقن أنه رأى الهلال، وقد قال النبي ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ»[13]، وهذا قد رآه. [13] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا»، رقم (1906) (1909)، ومسلم: كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم (1080/4) (1081) من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما.

وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه أن يصوم؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، وموافقته للجماعة خير من انفراده وشذوذه.

وفصَّل آخرون، فقالوا: يلزمه الصوم سرًا، فيلزمه الصوم؛ لأنه رأى الهلال، ويكون سرًا؛ لئلا يُظْهِر مُخالفة الجماعة.

السؤال (11): ما أركان الصيام؟

الجواب (11): الصيامُ لهُ ركنٌ واحدٌ، وهو التَّعبُّدُ للهِ عزَّ وجلَّ بالإمساكِ عنِ المفطِّراتِ من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.

والمراد بالفجر هنا: الفجر الثاني دون الفجر الأول، ويتميز الفجر الثاني عن الفجر الأول بثلاثة مميزات:

الأولى: أنَّ الفجرَ الثاني يكونُ معترضًا في الأفقِ، والفجرُ الأولُ يكونُ مستطيلًا، أي: ممتدًّا من المشرقِ إلى المغربِ، أما الفجرُ الثاني فممتدٌّ من الشمالِ إلى الجنوبِ.

الميزة الثانية: أنَّ الفجرَ الثاني لا ظلمةَ بعدهُ، بل يستمرُّ النورُ في ازديادٍ حتى تطلعَ الشمسُ، وأما الفجرُ الأولُ فَيُظْلِمُ بعدَ أنْ يكونَ لهُ شعاعٌ.

والميزة الثالثة: أنَّ الفجرَ الثاني متصلٌ بياضُهُ بالأفقِ، وأما الفجرُ الأولُ فبينَهُ وبينَ الأفقِ ظلمةٌ.

والفجرُ الأولُ ليسَ لهُ حكمٌ في الشرعِ، فلا تحلُّ بهِ صلاةُ الفجرِ، ولا يَحرمُ بهِ الطعامُ على الصائمِ، بخلافِ الفجرِ الثاني.

السؤال (12): على من يجب الصيام؟

الجواب (12): الصيامُ يجبُ أداءً على كلِّ مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، قادرٍ، مقيمٍ، خالٍ من الموانعِ، فهذهِ ستةُ أوصافٍ.

فأما الكافرُ فلا يجبُ عليهِ الصومُ ولا غيرهُ من العباداتِ، ومعنى قولنا: «لا يجبُ عليهِ الصومُ» أنَّهُ لا يلزمُ بهِ حالَ كفرِهِ، ولا يلزمهُ قضاؤهُ بعد إسلامه؛ لأنه لا تقبل منه عبادة حال كفره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ...﴾ [التوبة:54]، ولا يلزمه قضاء العبادة إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ...﴾ [الأنفال:38].

لكن يعاقب على ما تركه من واجبات حال كفره؛ لقوله تعالى عن أصحاب اليمين وهم يتساءلون عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ 42 قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ 43 وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ 44 وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ 45 وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ 46 حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ 47﴾ [المدثر:42- 47]، فَذِكْرُهمْ تركَ الصلاةِ وعدمَ إطعامِ المسكينِ من أسبابِ دخولهمْ النارَ يدلُّ على أنَّ لذلكَ تأثيرًا في دخولهم النارَ.

بل إن الكافر يعاقب على كل ما يتمتع به من نعم الله من طعامٍ وشرابٍ ولباسٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 93﴾ [المائدة:93]، فنفيُ الجُنَاحِ عن المؤمنينَ فيما طَعِمُوا يدلُّ على ثبوتِ الجناحِ على غيرِ المؤمنينَ فيما طعموا، ولقوله تعالى: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ...﴾ [الأعراف:32]، فقوله: ﴿...لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ...﴾ يدل على أن الحُكْم في غير المؤمنين يختلف عن الحُكْم في المؤمنين.

ولكنْ إذا أسلمَ الكافرُ في أثناءِ رمضانَ لمْ يلزمهُ قضاءُ ما سبقَ إسلامهُ، فإذا أسلمَ ليلةَ الخامسَ عشرَ -مثلًا- فالأيامُ الأربعةَ عشرَ لا يلزمهُ قضاؤها، وإذا أسلمَ في أثناءِ اليومِ لزمهُ الإمساكُ دونَ القضاءِ، فإذا أسلمَ -مثلًا- عندَ زوالِ الشمسِ قلنا لهُ: أمسكْ بقيةَ يومكَ، ولا يلزمكَ القضاءُ، فنأمرُهُ بالإمساكِ؛ لأنَّهُ صارَ من أهلِ الوجوبِ، ولا نأمرُهُ بالقضاءِ؛ لأنَّهُ قامَ بما وجبَ عليهِ، وهو الإمساكُ من حينِ أسلمَ، ولمْ يكنْ قبلهُ من أهلِ الوجوبِ، ومن قامَ بما يجبُ عليهِ لمْ يُكلَّفْ إعادةَ العبادةِ مرةً ثانيةً.

أما العقلُ وهو الوصفُ الثانيُ للوجوبِ، فالعقلُ هو ما يحصلُ به الميزُ، أي: التمييزُ بينَ الأشياءِ، فإذا لم يكن الإنسانُ عاقلًا فإنه لا صومَ عليه، كما أنه لا يجبُ عليه شيءٌ من العباداتِ سوى الزكاةِ.

ومن هذا النوع -أي: ممنْ ليسَ لهُ عقلٌ- أنْ يبلغَ الإنسانُ سنًّا يسقطُ معهُ التمييزُ، وهو ما يُعرفُ عندَ العامةِ بـ: «الهذراتِ»، فلا يلزم المَهذَّريَّ صوم، ولا يلزم عنه إطعام؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.

أما الوصف الثالث فهو البلوغ، ويحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة:

إما بأن يتم الإنسان خمس عشرة سنة.

أو أن ينبت العانة، وهو الشعر الخشن الذي يكون عند القُبُلُ.

أو ينزل المني بلَذَّة، سواء كان ذلك باحتلام أو بِيَقَظة.

وتزيد المرأة أمرًا رابعًا، وهو الحيض، فإذا حاضت المرأة بلغت.

وعلى هذا، فمن تم له خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن نبتت عانته -ولو قبل خمس عشرة سنة- من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن أنزل منيًا بلذة من ذكر أو أنثى -ولو قبل خمس عشرة سنة- فقد بلغ، ومن حاضت -ولو قبل خمس عشرة سنة- فقد بلغت، وربما تحيض المرأة وهي بنت عشر سنين.

وهنا يجب التنبه لهذه المسألة التي يغفل عنها كثير من الناس، فإن بعض النساء تحيض مبكرة، ولا تدري أنه يلزمها الصوم وغيره من العبادات التي يتوقف وجوبها على البلوغ؛ لأن كثيرًا من الناس يظن أن البلوغ إنما يكون بتمام خمس عشرة سنة، وهذا ظن لا أصل له.

فإذا لم يكن الإنسان بالغًا فإن الصوم لا يجب عليه، ولكن ذكر أهل العلم أن الولي مأمور بأن يأمر موليه الصغير من ذكر أو أنثى بالصوم؛ ليعتاده حتى يتمرن عليه، ويسهل عليه إذا بلغ، وهذا ما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه، فإنهم كانوا يصومون أولادهم الصغار، حتى إن الواحد منهم ليبكي، فيعطى لُعْبَةً مِنَ العِهْنِ يتلهى بها حتى تغرب الشمس[14]. [14] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب صوم الصبيان، رقم (1960)، ومسلم: كتاب الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه، رقم (1136).

وأما الوصف الرابع فهو أن يكون الإنسان قادرًا على الصوم، أي: يستطيع أن يصومَ بلا مشقة، فإن كان غير قادرٍ فلا صوم عليه، ولكن غير القادر ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يكون عجْزه عن الصوم مستمرًا دائمًا، كالكبير، والمريضِ مرضًا لا يُرجى برؤهُ، فهذا يُطعمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، فإذا كانَ الشهرُ ثلاثينَ يومًا أطعمَ ثلاثينَ مسكينًا، وإذا كانَ الشهرُ تسعةً وعشرينَ يومًا أطعمَ تسعةً وعشرينَ مسكينًا.

وللإطعام كيفيتان:

الكيفية الأولى: أنْ يُخرجَ حبًّا من أرزٍ أو برٍّ، وقدرهُ ربعُ صاعٍ بصاعِ النبيِّ ﷺ، أي: خمسُ صاعٍ بالصاعِ المعروفِ هنا، ويساوي الصاعُ النبويُّ ﷺ كيلوينِ وأربعينَ غرامًا بالبُرِّ الجيدِ الرزينِ، يعني: أنَّكَ إذا وزنتَ من البُرِّ الرزينِ الدجنِ ما يبلغُ كيلوينِ وأربعينَ غرامًا، فإنَّ هذا صاعٌ بصاعِ النبيِّ ﷺ، والصاعُ بصاعِ النبيِّ ﷺ أربعةُ أمدادٍ؛ فيكفي لأربعة مساكين، ويحسن في هذه الحال أن تجعل معه -إذا دفعته إلى الفقير- شيئًا يُؤدمهُ من لحمٍ أو غيرهِ، حسبما تقتضيهِ الحالُ والعرفُ.

وأما الكيفيةُ الثانيةُ من الإطعامِ فأنْ يصنعَ طعامًا يكفي لثلاثينَ فقيرًا، أو تسعةٍ وعشرينَ فقيرًا حسبَ الشهرِ، ويدعوهمْ إليهِ؛ كما ذكرَ ذلكَ عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنهُ حينَ كَبُرَ[15]. [15] أخرجه أبو عبيد في (الناسخ والمنسوخ) (ص:55) برقم (92).

ولا يجوز أن يطعم شخصًا واحدًا مقدار ما يكفي الثلاثين، أو التسعة والعشرين؛ لأنه لا بد أن يكون عن كل يوم مسكين.

أما القسم الثاني من العَجْز عن الصوم فهو العجز الذي يرجى زواله، وهو العجز الطارئ، كمرض حدث على الإنسان في أيام الصوم، وكان يشق عليه أن يصوم، فنقول له: أفطر، واقض يومًا مكانه؛ لقول الله تعالى: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ...﴾ [البقرة:185].

أما الوصف الخامس فهو أن يكون مقيمًا، وضده: المسافر، فالمسافر -وهو الذي فارق وطنه- لا يلزمه الصوم، وعليه القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ...﴾ [البقرة:185].

ولكن الأفضل أن يصوم إلا أن يشقَّ عليه، فالأفضل الفطر؛ لقول أبي الدرداء رضي الله عنه: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» [16]. [16] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، رقم (1945)، ومسلم: كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، رقم (1122).

أما إذا شَقَّ عليهِ الصَّومُ فإِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلا بُدَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُكِيَ إِلَيْهِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ، فَأَفْطَرَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ»[17]. [17] أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، رقم (1114) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

ومتى بَرِئَ المريضُ أو قدمَ المسافرُ إلى بلدهِ وجبَ عليهِ القضاءُ، ولهُ تأخيرهُ إلى أنْ يبقى بينهُ وبينَ رمضانَ الثاني بقدرِ الأيامِ التي عليهِ.

أما الوصفُ السادسُ فأنْ يكونَ خاليًا من الموانعِ، أي: من موانعِ الوجوبِ، وهذا يختصُّ بالمرأةِ، فيُشترطُ في وجوبِ الصومِ عليها أداءً ألا تكونَ حائضًا ولا نفساءَ، فإنْ كانتْ حائضًا أو نفساءَ فإنَّهُ لا يلزمهُا الصومُ، وإنما تقضي بدلَ الأيامِ التي أفطرتْ؛ لقول النبي ﷺ مقررًا: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟»[18]، فإذا حاضت المرأة فلا صوم عليها، وتقضي في أيام أخر. [18] أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم (304)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، رقم (80) عن أبي سعيد رضي الله عنه، كما أخرجه مسلم في الموضع نفسه، رقم (79) عن ابن عمر، و(80) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وهنا مسألتان ينبغي التَّفطنُ لهما:

المسألة الأولى: أن بعض النساء تَطْهُرُ في آخر الليل، وتعلم أنها طَهُرَت، ولكنها لا تصوم ذلك اليوم؛ ظنًا منها أنها إذا لم تغتسل فإنها لا يصح صومها، وليس الأمر كذلك، بل صومها يصح وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

وأما المسألة الثانية: فهي أن بعض النساء تكون صائمة، فإذا غربت الشمس وأفطرت جاءها الحيض قبل أن تصلي المغرب، فبعض النساء تقول: إنه إذا أتاها الحيض بعد الفطر، وقبل صلاة المغرب، فإن صومها ذلك النهار يفسد، وكذلك بعض النساء تبالغ أيضًا، وتقول: إذا جاءها الحيض قبل صلاة العشاء فإن صومها ذلك اليوم يفسد، وكل هذا ليس بصحيح، فالمرأة إذا غربت الشمس وهي لم تر الحيض خارجًا فصومها صحيح، حتى لو خرج بعد غروب الشمس بلحظة واحدة فصومها صحيح.

هذه ستة أوصاف، إذا اجتمعت في الإنسان وجب عليه صوم رمضان أداءً، ولا يَحِلُّ له أن يفطر، فإن تَخَلَّفَ واحد منها فعلى ما مضى من التفصيل.

السؤال (13): يتصور بعض الشباب أن سنَّ التكليفِ (16) سنةً، وقد يَبْلُغونَ قبلَ هذهِ السنِّ، ولكنهم لا يصومون، فماذا عليهم؟ وهل يَقْضٌون السنوات الماضية؟

الجواب (13): نعم، هذا الذي ذكره السائل كثير، ولا سيما في النساء؛ حيث يأتيهن الحيض في سن مبكرة أحيانًا، وليس البلوغ محددًا بالسن فقط، بل البلوغ يحصل بأشياء غير السن، وهي نبات شعر العانة، وإنزال المني، بالإضافة إلى تمام خمس عشرة سنة، وتزيد الأنثى أمرًا رابعًا، وهو الحيض.

وعلى هذا، فإذا بلغ الإنسان وجب عليه قضاء صوم رمضان الذي تركه بعد بلوغه، وأكثر الناس يصلون في هذه المدة ولا يتركونها، ولكن بعضهم لا يصوم رمضان؛ حيث إن المرأة إذا بلغت بالحيض وهي صغيرة قد تستحيي أن تخبر أهلها بذلك، وتجدها أحيانًا لا تصوم، وأحيانًا تصوم حتى وقت الحيض، فيجب عليها القضاء في الصورتين: إذا كانت لم تصم وجب عليها قضاء الشهر كاملًا، وإذا كانت تصوم حتى أيام الحيض وجب عليها قضاء أيام الحيض.

السؤال (14): ما حكم صيام تارك الصلاة؟

الجواب (14): تارك الصلاة صومه ليس بصحيح، ولا مقبول منه؛ لأن تارك الصلاة كافرٌ مُرْتَد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ...﴾ [التوبة:11]، ولقول النبي ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»[19]، ولقوله ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»[20]، ولأن هذا قول عامة الصحابة رضي الله عنهم إن لم يكن إجماعًا منهم، قال عبد الله بن شقيق رحمه الله، وهو من التابعين المشهورين: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ»[21]. [19] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، رقم (82) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. [20] أخرجه الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (2621)، والنسائي: كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، رقم (464)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم (1079)، وأحمد (5/346) من حديث بريدة. [21] أخرجه الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (2622).

وعلى هذا، فإذا صامَ الإنسانُ وهو لا يصلي فصومهُ مردودٌ غيرُ مقبولٍ، ولا نافعَ لهُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، ونحنُ نقولُ لهُ: صلِّ، ثمَّ صمْ، أَمَّا أنْ تَصومَ ولا تُصلي فصومكَ مردودٌ عليكَ؛ لأن الكافر لا تُقبل منه العبادة.

السؤال (15): ما حكم من يصوم ويصلي إذا جاء رمضان، فإذا انسلخ رمضان انسلخ من الصلاة؟

الجواب (15): الذي يتبين لي من الأدلة أن ترك الصلاة لا يكون كفرًا إلا إذا تركها الإنسان تركًا مطلقًا، وأما من يصلي ويُخلِّي، فيُصلِّي بعضَ الأحيانِ، ويتركُ بعضَ الأحيانِ، فالذي يظهرُ لي من الأدلةِ أنَّهُ لا يكفرُ بذلك؛ لقوله ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ: الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا -أي: الصَّلَاة- فَقَدْ كَفَرَ»[22]، ولقوله ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ»[23]، ولكن هذا الرَّجل الذي لا يُصلِّي إلا في رمضان، ويصوم في رمضان، أنا في شَكٍّ من إيمانه؛ لأنه لو كان مؤمنًا حقًا لكان يصلي في رمضان وفي غيره، أما كونه لا يعرف ربه إلا في رمضان فأنا أشك في إيمانه، لكنني لا أحكم بكفره، بل أتوقف فيه، وأمره إلى الله جل جلاله. [22] تقدم تخريجه قريبًا. [23] تقدم تخريجه قريبًا.

السؤال (16): ما حكم من يصوم أيامًا، ويفطر أخرى؟

الجواب (16): جواب هذا السؤال يمكن أن يفهم مما سبق، وهو أن هذا الذي يصوم يومًا، ويَدَعُ يومًا، لا يخرج من الإسلام، لكنه يكون فاسقًا؛ لتركه هذه الفريضة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، ولا يَقْضي الأيام التي أفطرها؛ لأن قضاءه إياها لا يفيده شيئًا فإنه لا يُقبل منه؛ بناءً على ما أشرنا إليه سابقًا من أن العبادة المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد بلا عذرٍ، فإنها لا تقبل منه.

السؤال (17): إذا ترك الإنسان الصيام أشهرًا بعد بلوغه، ثم استقام، فهل يلزمه قضاء هذه الأشهر؟

الجواب (17): القول الراجح من أقوال أهل العلم: أنه لا يلزمه قضاء هذه الأشهر التي تركها بلا عذر؛ بناء على ما سبق ذكره: أن العبادة المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد لها شرعًا فإنها لا تقبل منه إلا لعذر، فقضاؤه إياها لا يفيده شيئًا، وقد ذكرنا فيما سبق دليل ذلك من الكتاب والسنة والقياس[24]. [24] انظر: جواب السؤال الثامن.

وعلى هذا، فإذا كان الإنسان في أول شبابه لا يصلي ولا يصوم، ثم مَنَّ الله عليه بالهداية، وصلى وصام، فإنه لا يلزمه قضاء ما فاته من صلاة وصيام، وكذلك لو كان يصلي ويُزَكِّي، ولكنه لا يصوم، فمَنَّ الله عليه بالهداية، وصار يصوم، فإنه لا يلزمه قضاء ذلك الصوم؛ بناء على ما سبق تقريره، وهو أن العبادة المؤقتة بوقت إذا أَخَّرها الإنسان لم تقبل منه إلا لعذرٍ، وإذا لم تقبل منه لم يُفِدْ قضاؤه إياها شيئًا.

السؤال (18): ما الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان؟

الجواب (18): الأعذار المبيحة للفطر سبق الإشارة إلى بعضها، وهي: المرض، والسفر، كما جاء في القرآن الكريم.

ومن الأعذار: أن تكون المرأة حاملًا، تخاف على نفسها، أو على جنينها.

ومن الأعذار أيضًا: أن تكون المرأة مرضعًا، تخاف إذا صامت على نفسها، أو على رضيعها.

ومن الأعذار أيضًا: أن يحتاج الإنسان إلى الفطر؛ لإنقاذ معصوم من هلكة، مثل: أن يجد غريقًا في البحر، أو شخصًا بين أماكن محيطة به فيها نار، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر، فله حينئذ أن يفطر، وينقذه.

ومن ذلك أيضًا: إذا احتاج إلى الفِطْرِ؛ لِلتَّقَوِّي على الجهاد في سبيل الله، فإن ذلك من أسباب إباحة الفطر؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في غزوة الفَتْحِ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا»[25]. [25] أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل، رقم (1120) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

فإذا وُجِد السبب المبيح للفطر، وأفطر الإنسان به، فإنه لا يلزمه الإمساك بقيَّة ذلك اليوم، فإذا قُدِّرَ أن شخصًا أفطر لإنقاذ معصوم من هَلَكَةٍ، فأنقذه، فإنه يستمر مفطرًا ولو بعد إنقاذه؛ لأنه أفطر بسببٍ يبيح له الفطر، فلا يلزمه الإمساك حينئذٍ؛ لكون حُرْمَة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر.

ولهذا نقول بالقول الراجح في هذه المسألة: أن المريض لو برئ في أثناء النهار، وكان مفطرًا، فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو قدم المسافر أثناء النهار إلى بلده، وكان مفطرًا، فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو طهرت الحائض في أثناء النهار فإنه لا يلزمها الإمساك؛ لأن هؤلاء كلهم أفطروا بسبب مبيح للفطر، فكأن ذلك اليوم في حقهم لا حرمة له؛ لإباحة الشرع الإفطار فيه، فلا يلزمهم الإمساك إذا زال السبب المبيح للفطر.

السؤال (19): ما الفرق بين هذه الحال وبين من علموا بدخول الشهر في أثناء النهار؟

الجواب (19): الفرقُ بينهما ظاهرٌ؛ لأنه إذا قامتِ البينةُ في أثناءِ النهارِ فإنه يلزمهم الإمساكُ؛ لأنهم في أولِ النهارِ إنما أفطروا بالعذرِ (عذرِ الجهلِ)، ولهذا لو كانوا عالمين بأن هذا اليومَ من رمضانَ لزمهم الإمساكُ، أما القومُ الآخرون الذين أشرنا إليهم فهم يعلمون أنه من رمضانَ، لكن الفطرُ مباحٌ لهم، فبينهما فرقٌ ظاهرٌ.

السؤال (20): ما مفسدات الصوم؟

الجواب (20): مفسدات الصوم هي المفطرات، وهي: الجِماع، والأكل، والشرب، وإنزال المني بشهوة، وما بمعنى الأكل والشرب، والقيء عمدًا، وَالحِجَامَةُ، وخروج دم الحيض والنفاس، هذه ثمانية مفطرات.

أما الأكل والشرب والجماع فدليلها: قوله تعالى: ﴿...فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِ...﴾ [البقرة:187].

وأمَّا إنزال المني بشهوة فدليله: قوله تعالى في الحديث القدسي في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»[26]، وإنزال المنيِّ شهوةً؛ لقوله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ، كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ»[27]، والذي يُوضعُ إنما هو المني الدافِق، ولهذا كان القول الراجح أن المذيَّ لا يفسد الصوم حتى وإن كان بشهوة. [26] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب فضل الصوم، رقم (1894)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم (1151/164) من حديث أبي هريرة. [27] أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم (1006) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

الخامس: ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهو الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب؛ لأن هذه وإن كانت ليست أكلًا ولا شربًا، لكنَّها بمعنى الأكلِ والشربِ؛ حيث يستغنى بها عنهما، وما كان بمعنى الشيء فله حكمه، ولذلك يتوقف بقاء الجسم على تناول هذه الإبر إذا كان لا يتغذى بغيرها.

أما الإبر التي لا تغذي، ولا تقوم مقام الأكل والشرب، فإنها لا تفطر، سواء تناولها الإنسان في الوريد، أو العضلات، أو في أي مكان في بدنه.

السادس: القيء عمدًا، أي: أن يَتَقَيَّأ الإنسان ما في بطنه حتى يَخْرج من فمه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ، وَمَن ذَرَعَهُ القَيءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ»[28]. [28] أخرجه أبو داود: كتاب الصوم، باب الصائم يستقيء عمدًا، رقم (2380)، والترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا، رقم (720)، وابن ماجه: كتاب الصيام، باب ما جاء في الصائم يقيء، رقم (1676) أحمد (2/498) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

والحكمة في ذلك: أنه إذا تقيأ فَرَّغ بطنه من الطعام، واحتاج البدن إلى طعام يسد عليه هذا الفراغ، ولهذا نقول: إذا كان الصوم فرضًا فإنه لا يجوز للإنسان أن يتقيأ؛ لأنه إذا تقيأ ضر نفسه، وأفسد صومه الواجب.

وأما السابع -وهو خروج الدم بالحجامة- فلقول النبي ﷺ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»[29]. [29] أخرجه أبو داود: كتاب الصيام، باب في الصائم يحتجم، رقم (2367) (2369)، وابن ماجه: كتاب الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم، رقم (1680) (1681)، وأحمد (5/277) (4/122) من حديث ثوبان وشداد بن أوس رضي الله عنه، وأخرجه الترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم، رقم (774)، وأحمد (3/465) من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.

وأما خروج دم الحيض والنفاس فلقول النبي ﷺ: «أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ، ولَمْ تَصُمْ؟»[30]، وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصح من الحائض، ومثلها النفساء. [30] أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم (304)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، رقم (80) عن أبي سعيد رضي الله عنه، كما أخرجه مسلم في الموضع نفسه، رقم (79) عن ابن عمر، و(80) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وهذه المفطرات -وهي مفسدات الصوم- لا تفسده إلا بشروط ثلاثة، وهي: العِلْم، والذِكر، والقصد، أي: أن الصائم لا يفسد صومه بهذه المفسدات إلا بشروط ثلاثة:

أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي، وبالحال -أي: بالوقت- فإن كان جاهلًا بالحكم الشرعي أو بالوقت فصيامه صحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿...رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا...﴾ [البقرة:286]، فقال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ»[31]، وقال الله تعالى: ﴿...وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡ...﴾ [الأحزاب:5]، ولثبوت السنة في ذلك، ففي الصحيح من حديث عَدِي بن حاتم رضي الله عنه أنه صام، فجعل تحت وسادته عِقَالَيْنِ -وهما الحبلان اللذان تشد بهما يدا الجَمَل- أحدهما أسود، والثاني أبيض، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود، ثم أمسك، فلما أصبح غَدَا على رسول الله ﷺ، فأخبره بذلك، فبين له النبي ﷺ أنه ليس المراد بالخيط الأبيض والأسود في الآية الخيطين المعروفين، وإنما المراد بالخيط الأبيض: بياض النهار، وبالخيط الأسود: الليل، أي: سواده[32]، ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الصوم؛ لأنه كان جاهلًا بالحكم، يظن أن هذا هو معنى الآية الكريمة. [31] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس، رقم (126) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [32] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلخَيطُ ٱلأَبيَضُ مِنَ ٱلخَيطِ ٱلأَسوَدِ مِنَ ٱلفَجرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱليلِ﴾، رقم (1916)، ومسلم: كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، رقم (1090).

وأما الجهل بالوقت فلحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها -وهو في البخاري- قالت: أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس[33]. ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلى الأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 9﴾ [الحجر:9]، فلما لم يُنقل -مع توافر الدواعي على نقله- عُلِم أنَّ النبي ﷺ لم يأمرهم به، ولمَّا لم يأمرهم به عُلم أنه ليس بواجب. [33] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، رقم (1959).

وعلى هذا، فلو قام الإنسان يظنُّ أنه في الليل، فأكل أو شرب، ثم تبين له أنَّ أكْلَهُ وشُرْبَه كان بعد طلوع الفجر، فليس عليه قضاء؛ لأنه كان جاهلًا.

وأما الشرط الثاني فهو أن يكون ذاكرًا، وضد الذكر: النسيان. فلو أكل أو شرب ناسيًا فإن صومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿...رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا...﴾ [البقرة:286]، فقد قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ» [34]، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»[35]. [34] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس، رقم (126) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [35] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، رقم (1933)، ومسلم: كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه، رقم (1155).

وأما الشرط الثالث فهو أن يكون الإنسان مختارًا لفعل هذا المفطر، فإن كان غير مختار فإن صومه صحيح، سواء كان مكرها أم غير مكره؛ لقول الله تعالى في المكره على الكفر: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 106﴾ [النحل:106]، فإذا كان حُكم الكفر يرتفع بالإكراه فما دونه من باب أولى، وللحديث الذي يُروى عن رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ أُمَّتِي: الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[36]. [36] أخرجه ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، رقم (2043) (2045) عن أبي ذر وابن عباس رضي الله عنهما.

وعلى هذا، فلو طار إلى أنف صائم غبار، ووجد طعمه في حلقه، ونزل إلى معدته، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأنه لم يتقصده.

وكذلك لو أُكره على الفطر، فأفطر دفعًا للإكراه، فإن صومه صحيح؛ لأنه غير مختار.

وكذلك لو احتلم وهو نائم، فإن صومه صحيح؛ لأن النائم لا قصد له.

وكذلك لو أكره الرجل زوجته وهي صائمة، فجامعها، فإن صومها صحيح؛ لأنها غير مختارة.

وهاهنا مسألة يجب التفطن ل‍ها، وهي: أن الرجل إذا أفطر بالجماع في نهار رمضان، والصوم واجب عليه، فإنه يترتب على جماعه أمور:

الأول: الإثم.

والثاني: فساد الصوم.

والثالث: القضاء.

والرابع: الكفارة.

ويلزمه الإمساك بقية يومه، ولا فرق بين أن يكون عالمًا بما يجب عليه في هذا الجماع أو جاهلًا، يعني: أن الرجل إذا جامع في صيام رمضان، والصوم واجب عليه، ولكنه لا يدري أن الكفارة تجب عليه، فإن الكفارة واجبة عليه؛ لأنه تعمد المُفْسِد، وتعمده المفسد يستلزم ترتيب الأحكام عليه؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفَّارَةِ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْلَمُ عَنْها[37]. [37] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، رقم (1936)، ومسلم: كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، رقم (1111) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي قولنا: «والصوم واجب عليه» احتراز مما إذا جامع الصائم في رمضان وهو مسافر، فإنه لا تلزمه الكفارة، مثل: أن يكون الرجل مسافرًا بأهله في رمضان، وهما صائمان، ثم يجامع أهله، فإنه ليس عليه كفارة، وذلك لأن المسافر إذا شرع في الصيام لا يلزمه إتمامه، إن شاء أفطر وقضى، وإن شاء استمر.

السؤال (21): عُمَّالٌ يشتغلون في مصانع، وهذه المصانع على أنواع، بعضها غُبَارها كثيرٌ، ويدخل في فتحات الأنف والفم، وبعضها دُخانها كثيرٌ يدخل أيضًا في فتحات الجسم، ومنهم من يعمل في الدِّهَانَاتِ أو المبيدات الحشرية... إلى آخره، وهم يخشون أن يُؤَثِّرَ هذا العمل على صيامهم، أفتوهم في هذا أثابكم الله، وانصحوهم بما ترون فيه الخير والفائدة.

الجواب (21): هذا العمل لا يُؤَثِّرُعلى صيامهم؛ لأن الغبار أو الدخان يدخل بغير اختيارهم، ولكن من الناحية الصحية أرى أنه لا بد أن يبحثوا، ويسألوا: هل ينتفي الضرر عنهم إذا أبقوا أنوفهم وأفواههم مفتوحة، أو لا بد من أن يتخذوا كمامات يدرؤون بها هذا الدخان، وهذا الغبار؟ وإذا كان كذلك فلا بد أن يحتاطوا لأنفسهم حتى لا يدخلوا الضرر عليهم؛ لأن نفس الإنسان أمانة عنده، فيجب عليه أن يتقي الله تعالى في هذه الأمانة، وألا يعرضها للأضرار والتلف.

وبهذه المناسبة أود أن أبين أن المفطرات لا تُفَطِّر إلا بثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون من تناولها عالمًا.

والثاني: أن يكون ذاكرًا.

والثالث: أن يكون مختارًا.

فإن كان جاهلًا فصومه صحيح، سواء كان جاهلًا بالحكم، أم جاهلًا بالوقت، فالجاهل بالحكم مثل: أن يَحْتَجِم رجلٌ في نهار رمضان، يظنُّ أن الحجامة لا تؤثر، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه جاهلٌ بالحكم.

والجاهل بالوقت مثل: أن تَغُرَّهُ الساعة في آخر الليل، فيظن أن الفجر لم يطلع، فيأكل ويشرب، ثم يتبين له بعد ذلك أنه قد أكل وشرب بعد طلوع الفجر، فإن صومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ لأنه جاهل بالوقت.

دليل هذا: عموم قوله تعالى: ﴿...رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا...﴾ [البقرة:286]، وقوله تعالى: ﴿...وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡ...﴾ [الأحزاب:5]، وخصوص حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، رواه البخاري[38]، ولم تذكر أنَّ الرسول ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لأمرهم به النبي ﷺ، ولنقل إلى الأمة؛ لأنه إذا كان القضاء واجبًا في هذه الحال كان من شريعة الله، وشريعة الله لا بد أن تكون منقولة محفوظة. [38] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، رقم (1959).

ودليل من جهل الحكم: حديث عدي بن حاتم أنه جعل يأكل ويشرب، وقد اتخذ عِقَالَيْنِ-وهما الحبلان اللذان تُعْقل بهما الناقة- أحدهما أسود، والثاني أبيض، وجعل يأكل ويشرب، وهو ينظر إلى هذين العِقَالَيْنِ، فلما تبين له أحدهما من الآخر أمسك، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له النبي ﷺ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ أَنْ وَسِعَ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالأَسْوَدَ» ولم يأمره النبي ﷺ بالقضاء[39]. [39] أخرجه بمعناه البخاري: كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿...وَكُلُواْ وَٱشرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلخَيطُ ٱلأَبيَضُ مِنَ ٱلخَيطِ ٱلأَسوَدِ مِنَ ٱلفَجرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱليلِ...﴾، رقم (4509)، ومسلم: كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، رقم (1090).

أما الشرط الثاني -أن يكون ذاكرًا- فدليله: عموم قوله تعالى في الآية الكريمة السابقة: ﴿...رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا...﴾ [البقرة:286]، فإن الآية عامة، وخصوص حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»[40]. [40] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، رقم (1933)، ومسلم: كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه، رقم (1155).

وأما الشرط الثالث -أن يكون مختارًا- فدليله: عموم قوله تعالى: ﴿...وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡ...﴾ [الأحزاب:5]، فإن المُكْرَه لم يتعمد، وخصوص قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 106﴾ [النحل:106]، فإن هذا خاص بالإكراه على الشرك، والشرك أعظم المحرمات، فإذا كان الشرك -وهو أعظم المحرمات- لا يثبت حكمه مع الإكراه، فما دونه من باب أولى، وتكون هذه الآية دالة بالقياس.

السؤال (22): ما حكم صيام الصبي؟

الجواب (22): صيام الصبي -كما أسلفنا- ليس بواجب عليه، بل هو سنة، له أجره إن صام، وليس عليه إثم إن أفطر، ولكن على ولي أمره أن يأمره به؛ ليعتاده.

السؤال (23): ما حكمُ صيامِ من يعقلُ زمنًا، ويُجنُّ زمنًا آخرَ، أو يهذري يومًا ويصحو يومًا آخرَ؟

الجواب (23): الحكمُ يدورُ معَ علتهِ، ففي الأوقاتِ التي يكونُ فيها صاحيًا عاقلًا يجبُ عليهِ الصومُ، وفي الأوقاتِ التي يكونُ فيها مجنونًا مهذريًا لا صومَ عليهِ، فلو فُرضَ أنَّهُ يُجنُّ يومًا ويفيقُ يومًا، أو يهذري يومًا ويصحو يومًا -أي: يفقدُ التمييزَ؛ لكبر سنه- ففي اليوم الذي يصحو فيه يلزمه الصوم، وفي اليوم الذي لا يصحو فيه لا يلزمه الصوم.

السؤال (24): ما الحكم إذا حدث له الجنون في أثناء النهار؟

الجواب (24): إذا جن في أثناء النهار بطل صومه؛ لأنه صار من غير أهل العبادة، وكذلك إذا هذرى –أي: فقد التمييز لكبر سنه- في أثناء اليوم فإنه لا يلزمه الإمساك، ولكنه يلزمه القضاء، وكذلك الذي جن في أثناء النهار يلزمه القضاء؛ لأنه كان في أول النهار من أهل الوجوب.

السؤال (25): ما حكم صيام يوم الشك؛ خشية أنه من رمضان؟

الجواب (25): صيام يوم الشك أقرب الأقوال فيه أنه حرام؛ لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ»[41]، ولأن الصائم في يوم الشك مُتَعَدٍ لحدود الله؛ لأن حدود الله ألَّا يصام رمضان إلا برؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، ولهذا قال النبي ﷺ: «لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ»[42]. [41] أخرجه أبو داود: كتاب الصوم، باب كراهية صوم يوم الشك، رقم (2334)، والترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، رقم (686)، والنسائي: كتاب الصيام، باب صيام يوم الشك، رقم (2190)، وابن ماجه: كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام يوم الشك، رقم (1645). [42] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، رقم (1914)، ومسلم: كتاب الصيام، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، رقم (1082) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ثم إن الإنسان الذي تحت ولاية مسلمة يتبع ولايته، فإذا ثبت عند ولي الأمر دخول الشهر فليصم تبعًا للمسلمين، وإذا لم يثبت فلا يصم، وقد سبق لنا بيان ما لو رأى الإنسان وحده هلال رمضان: هل يصوم، أو لا؟[43]. [43] انظر: جواب السؤال العاشر.

السؤال (26): ما حكم من صام في بلد مسلم، ثم انتقل إلى بلد آخر تأخَّر أهلُه عن البلد الأول، ولزم من متابعتهم صيام أكثر من ثلاثين يومًا، أو العكس؟

الجواب (26): إذا انتقل الإنسان من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي، وتأخر إفطار البلد الذي انتقل إليه، فإنه يبقى معهم حتى يفطروا؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وهذا وإن زاد عليه يوم أو أكثر، فهو كما لو سافر إلى بلد تأخر فيه غروب الشمس، فإنه يبقى صائمًا حتى تغرب وإن زاد على اليوم المعتاد ساعتين أو ثلاثًا أو أكثر، ولأنه إذا انتقل إلى البلد الثاني فإن الهلال لم ير فيه، وقد أمر النبي ﷺ أن نصوم ولا نفطر إلا لرؤيته، فقال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، «لاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ»[44]. [44] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا»، رقم (1906) (1909)، ومسلم: كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم (1080/4) (1081) من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما.

وأما العكس -وهو أن ينتقل من بلد تأخر فيه ثبوت الشهر إلى بلد تقدم ثبوت الشهر فيه- فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته من رمضان، إن فاته يوم قضى يومًا، وإن فاته يومان قضى يومين، فإذا أفطر لثمانية وعشرين يومًا قضى يومين إن كان الشهر تامًا في البلدين، ويومًا واحدًا إن كان ناقصًا فيهما أو في أحدهما.

السؤال (27): قد يقول قائل: لماذا يُؤمر بصيام أكثر من ثلاثين يومًا في الأولى، ويقضي في الثانية؟

الجواب (27): يقضي في الثانية؛ لأن الشهر لا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرين يومًا، ويزيد على الثلاثين يومًا؛ لأنه لم ير الهلال.

وفي الأولى قلنا له: أفطر وإن لم تُتِم تسعة وعشرين يومًا؛ لأن الهلال رُؤِيَ، فإذا رؤي فلا بد من الفطر، ولا يمكن أن تصوم يومًا من شوال، ولما كنتَ ناقصًا عن تسعة وعشرين لزمك أن تتم تسعة وعشرين، بخلاف الثاني، فإنك لا تزال في رمضان، إذا قدمت إلى بلد ولم ير الهلال فيه فأنت في رمضان، فكيف تفطر؟! فيلزمك البقاء، وإذا زاد عليك الشهر فهو كزيادة الساعات في اليوم.

السؤال (28): ما آداب الصيام؟

الجواب (28): من آداب الصيام: لزوم تقوى الله جل جلاله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾ [البقرة:183]، ولقول النبي ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ اَلزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[45]. [45] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، رقم (1903) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ومن آداب الصوم: أن يكثر من الصدقة والبر والإحسان إلى الناس، لا سيما في رمضان، فلقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيُدارسه القرآن[46]. [46] أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟، رقم (6)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب جوده ﷺ، رقم (2308) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ومنها: أن يتجنب ما حرم الله عليه من الكذب، والسب، والشتم، والغش، والخيانة، والنظر المحرم، والاستماع إلى الشيء المحرم، إلى غير ذلك من المحرمات التي يجب على الصائم وغيره أن يتجنبها، ولكنها في الصائم أوكد.

ومن آداب الصيام: أن يتسحر، وأن يؤخر السحور؛ لقول النبي ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[47]. [47] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب، رقم (1923)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل السحور، رقم (1095) من حديث أنس رضي الله عنه.

ومن آدابه أيضًا: أن يُفطر على رُطَبٍ، فإن لم يجد فَعَلى تَمْرٍ، فإن لم يجد فَعَلى ماء.

ومنها: أن يبادر بالفطر من حين أن يتحقق غروب الشمس أو يغلب على ظنه أنها غربت؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ»[48]. [48] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار، رقم (1957)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل السحور، رقم (1098) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.

السؤال (29): ما حكم من أكل وشرب، مع الشك في طلوع الفجر؟

الجواب (29): يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب حتى يَتَبَيَّن له الفجر؛ لقول الله تعالى: ﴿...وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِ...﴾ [البقرة:187]، فما دام لم يتبين أن الفجر قد طَلَع فله الأكل -ولو كان شاكًا- حتى يتيقن، بخلاف من شك في غروب الشمس، فإنه لا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس أو يغلب على ظَنِّه غروب الشمس.

السؤال (30): ما حكم الأكل في أثناء أذان الفجر حتى يكتمل؟

الجواب (30): حكم هذا الأكل الذي يكون في أثناء الأذان حسب أذان المؤذن، فإن كان لا يؤذن إلا بعد أن يتيقن طلوع الفجر، فإن الواجب الإمساك من حين أن يؤذن؛ لقول النبي ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»[49]. [49] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ»، رقم (1918) (1919)، ومسلم: كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل لطلوع الفجر، رقم (1092) من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما.

وإن كان لا يتيقن طلوع الفجر فالأولى أن يُمْسِك إذا أذن، وله أن يأكل حتى يفرغ المؤذن ما دام لم يتيقن؛ لأن الأصل بقاء الليل، لكن الأفضل الاحتياط، وألا يأكل أثناء أذان الفجر.

السؤال (31): ما حكم العَوْمِ للصائم أو الغَوْص في الماء؟

الجواب (31): لا بأس أن يغوص الصائم في الماء أو يعوم فيه -أي: يَسْبَح- لأن ذلك ليس من المفطرات، والأصل الحل حتى يقوم دليل على الكراهة أو على التحريم، وليس هناك دليل على التحريم، ولا على الكراهة، وإنما كرهه بعض أهل العلم؛ خوفًا من أن يدخل إلى حلقه شيء وهو لا يشعر به.

السؤال (32): ما حكم القطرة والمرهم في العين؟

الجواب (32): لا بأس للصائم أن يكتحل، وأن يقطر في عينه، وأن يقطر كذلك في أذنه، حتى وإن وجد طعمه في حلقه فإنه لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب، فلا يلحق بها ما ليس في معناهما، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[50]، وهو الصواب. [50] مجموع الفتاوى (25/234).

السؤال (33): ما حكم استعمال الفرشاة والمعجون بعد طلوع الفجر؟

الجواب (33): لا بأس أن ينظف الصائم أسنانه بالفرشاة والمعجون، لكن نظرًا لقوة نفوذ المعجون؛ ينبغي ألا يستعمله الإنسان في حال الصيام؛ لأنه ينزل إلى الحلق والمعدة من غير أن يشعر به الإنسان، وليس هناك ضرورة تدعو إليه، فليمسك حتى يفطر، ويكون عمله هذا في الليل لا في النهار، لكنه في الأصل جائز، ولا بأس به.

السؤال (34): ما حكم التحليل والتبرع بالدم للصائم؟

الجواب (34): التحليل للصائم -يعني: أخذ عينة من دمه؛ لأجل الكشف عنها، والاختبار لها- جائز، ولا بأس به.

وأما التبرع بالدم فالذي يظهر أن التبرع بالدم يكون كثيرًا، فيعطى حكم الحجامة، ويقال للصائم صيام فرض: لا تتبرع بدمك إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فلا بأس بهذا.

مثاله: لو قال الأطباء: إن هذا الرجل الذي أصابه نزيف إن لم نَحْقِنه بالدم مات الآن، فلا بد من التبرع له، ووجدوا صائمًا يتبرع بدمه، فحينئذ لا بأس للصائم أن يتبرع، ويفطر بعد هذا، ويأكل ويشرب بقية يومه؛ لأنه أفطر للضرورة كإنقاذ الحريق والغريق، وعليه القضاء.

السؤال (35): ما حكم من يستعمل المرطبات إذا كان في أنفه وشفتيه نُشُوفَة وجفاف؟

الجواب (35): يجد بعض الصُّوَّامِ نشوفة في أنفه، ونشوفة في شفتيه، فلا بأس أن يستعمل الإنسان ما يُنَدِّي الشفتين والأنف من مرهم، أو يُبِلَّهُ بالماء بِخِرْقَةٍ أو شبه ذلك، ولكن يحترز من أن يصل شيء إلى جوفه من هذا الذي أزال به النشوفة، وإذا وصل شيء من غير قصد فلا شيء عليه، كما لو تمضمض، فوصل الماء إلى جوفه، فإنه لا يفطر بهذا.

السؤال (36): ما حكم حقن الإبر في العضل والوريد؟

الجواب (36): حقن الإبر في الوريد والعضل والورك ليس به بأس، ولا يفطر به الصائم؛ لأن هذا ليس من المفطرات، وليس بمعنى المفطرات، فهو ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، وقد سبق لنا بيان أن ذلك لا يؤثر، وإنما المؤثر حقن المريض بما يغني عن الأكل والشرب.

السؤال (37): ما حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق في نهار رمضان؟

الجواب (37): الأولى أن يكون السؤال هكذا: ما حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم؟ وجوابه: أن ذلك مكروه؛ لقول النبي ﷺ للقيط بن صبرة رضي الله عنه: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»[51]، وهذا دليل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق والمضمضة؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى نزول الماء إلى جوفه، فيفسد به صومه. [51] أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب في الاستنثار، رقم (142)، والترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، رقم (788)، والنسائي: كتاب الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق، رقم (87)، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق، رقم (407)، وأحمد (4/33).

لكن لو فرض أنه بالغ، ودخل الماء إلى جوفه بدون قصد، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن من شروط الفطر أن يكون الصائم قاصدًا لفعل ما يحصل به الفطر.

السؤال (38): ما حكم شم الطيب للصائم؟

الجواب (38): لا بأس أن يشم الصائم الطِّيب، سواء كان دهنًا أم بخورًا، لكن إذا كان بخورًا لا يستنشق دخانه؛ لأن الدخان له جِرْمٌ يَنفُذُ إلى الجوف، فهو جسم يدخل إلى الجوف، فيكون مفطرًا كالماء وشبهه، وأما مجرد شمه بدون أن يستنشقه حتى يصل إلى جوفه فلا بأس به.

السؤال (39): هل استنشاق الطِّيب كالبخور والعُود يُؤثر على الصائم، ويُفسد صومه، أو لا؟

الجواب (39): أما الأطياب التي ليس لها جِرْمٌ يدخل إلى الأنف فهذه لا تفطر، وأما البخور الذي له دخان يتصاعد فإنه إذا استنشقه الإنسان حتى وصل إلى جوفه يفطر بذلك؛ لأنه له جرم يدخل إلى الجوف، بخلاف الأطياب السائلة التي يشمها الإنسان فقط، فهذه ليس لها جرم يصل إلى الجوف، وأما مجرد التبخر بالعود فهذا لا بأس به.

السؤال (40): ما الفرق بين البخور والقطرة التي تنزل إلى الحلق، ويَتَطَعَّمُ بها الصائم؟

الجواب (40): الفرق بينهما: أن الذي يستنشق البخور قد تعمد أن يُدْخِلَه إلى جوفه من مَنْفَذٍ معتاد، وهو الأنف، وأما القطرة في العين والأذن فهو لم يدخل المُفَطِّر من منفذ معتاد، فهو كما لو وَطِئَ حَنْظَلَةً، فوجد مرارتها في حلقه.

السؤال (41): ما حكم من أكل أو شرب ناسيًا؟ وكيف يصنع إذا ذكر أثناء ذلك؟

الجواب (41): سبق أن الناسي لا يفسد صومه ولو أكل كثيرًا وشرب كثيرًا، ما دام على نسيانه فصومه صحيح؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»[52]. [52] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، رقم (1933)، ومسلم: كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه، رقم (1155).

ولكن يجب من حِين أن يَذكر أن يَمتنع عن الأكل والشرب، حتى لو فرضنا أن اللُّقْمَةَ أو الشَّرْبَةَ في فمه وجب عليه لَفْظُهُمَا؛ لأن العذر الذي جعله الشارع مانعًا من التفطير قد زال.

السؤال (42): يعتقد كثير من الناس أنه إذا رأى صائمًا يأكل لا يذكره، فهل هذا صحيح؟

الجواب (42): إذا رأى صائمًا يأكل فلْيُذَكِّره؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، كما لو رأى الإنسان شخصًا يصلي إلى غير القبلة، أو رأى شخصًا يريد أن يتوضأ بماء نجس أو ما أشبه ذلك، فإنه يجب عليه أن يخبره بذلك، والصائم وإن كان معذورًا لنسيانه، لكن أخوه يعلم بالحال، يجب عليه أن يذكره، ولعل هذا يؤخذ أيضًا من قول الرسول ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»[53]، فإنه إذا كان النَّاسي يُذَكَّر في الصلاة، فكذلك الناسي في الصوم يُذَكَّر. [53] أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (401)، ومسلم: كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة، رقم (572) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

السؤال (43): ما حكم خروج الدم من الصائم من أنفه، أو فمه، أو بقية جسمه؟

الجواب (43): لا يضره خروج ذلك؛ لأنه بغير قصد منه، فلو أرعف أنفه، وخرج منه دم كثير، فإن صومه صحيح.

السؤال (44): لو تسبب في خروج الدم كأن يخلع ضِرْسَه؟

الجواب (44): لا حرج عليه أيضًا؛ لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه لأذًى فيه، فهو إنما يريد إزالة هذا الضرس لأذاه، ثم إن الغالب أن الدم الذي يخرج بخلع الضرس أنه دم يسير لا يكون له معنى الحجامة.

السؤال (45): إذا أفطر في الأرض -مثلًا- ثم أقلعت الطائرة، وبانت له الشمس، فما الحكم؟

الجواب (45): الحكم أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأنه لما غربت الشمس، تم يومه، وأفطر بمقتضى الدليل الشرعي، وما عمله الإنسان بمقتضى الدليل الشرعي فإنه لا يُؤمر بإعادته.

السؤال (46): تعمد بعض النساء إلى أخذ حبوب في رمضان لمنع الدورة الشهرية (الحيض) حتى لا تَقْضِي فيما بعد، فهل هذا جائزٌ؟ وهل في ذلك قيود حتى تعمل بها هؤلاء النساء؟

الجواب (46): الذي أراه في هذه المسألة ألا تفعل المرأة، وتبقى على ما قدره الله عزوجل وكتبه على بنات آدم؛ فإن هذه الدورة الشهرية لله تعالى حِكْمةٌ في إيجادها، هذه الحكمة تُناسب طبيعة المرأة، فإذا منعت هذه العادة فإنه لا شك يحدث منها رَدُّ فعل ضار على جسم المرأة، وقد قال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[54]، هذا بقطع النظر عما تسببه هذه الحبوب من أضرار على الرحم، كما ذكر ذلك الأطباء. [54] أخرجه ابن ماجه: كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، رقم (2340) من حديث عبادة رضي الله عنه، كما أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق، رقم (2341)، وأحمد (1/313) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

فالذي أرى في هذه المسألة: أن النساء لا تستعمل هذه الحبوب، والحمد لله على قدره، وعلى حكمته، فإذا أتاها الحيض تُمسك عن الصوم والصلاة، وإذا طهرت تستأنف الصيام والصلاة، وإذا انتهى رمضان تقضي ما فاتها من الصوم.

السؤال (47): شخص أدركه شهر رمضان في بلاد الغرب، ولَقِيَ صعوبة من حيث تحديد بدء ونهاية النهار، فماذا يفعل؟ كما أنه لا يجد في الليل مطاعم ولا بقالات، فهل يمسك من أول الليل؟ وهل له أن يفطر، ثم يقضي بعد عودته من مهمته الطويلة؟

الجواب (47): المعروف أن البلاد الغربية التي يوجد بها جاليات إسلامية عندهم تقاويم للإمساك والإفطار، ومراكز إسلامية تبين ذلك، فبإمكانه أن يتصل هناك بالمراكز الإسلامية؛ لتحديد الوقت عند الإمساك، وعند الإفطار.

أما كونه لا يجد بقالات في الليل ولا مطاعم فبإمكانه أن يدخر الطعام إلى آخر الليل كالخبز وشبهه، ويتسحر في آخر الليل؛ لأنه أفضل، وإن أكل في أول الليل فلا حرج عليه؛ لأن تأخير السحور على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب.

أما أن يؤخره ليقضيه بعد عودته فهذا محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من يقول: له أن يفطر، ويقضي في أيام الشتاء أو بعد رجوعه، لكن الراجح على هذا القول: أنه إذا كان سيبقى هناك فإنه لا ينبغي أن يؤخر القضاء إلى رمضان الثاني؛ لئلا تتراكم عليه الشهور.

ومن العلماء من يقول: يجب عليه أن يصوم إذا نوى إقامة طويلة؛ لأنه ينقطع حكم السفر بنية الإقامة، إما أربعة أيام، أو خمسة عشر يومًا، على خلاف بين أهل العلم في هذا، والله أعلم.

السؤال (48): في شمال أوروبا يَعْتَرِض المسلم مشكلة الليل والنهار طولًا وقصرًا؛ إذ قد يستمر النهار (22) ساعة، والليل ساعتين، وفي فصل آخر العكس، كما حصل لأحد السائلين عندما مر بهذه البلاد في رمضان مساءً، ويقول أيضًا: إنه قيل: إن الليل في بعض المناطق ستة شهور، والنهار مثله، فكيف يقدر الصيام في مثل هذه البلاد؟ وكيف يصوم أهلها المسلمون أو المقيمون فيها للعمل والدراسة؟

الجواب (48): الإشكال في هذه البلاد ليس خاصًا بالصوم، بل هو أيضًا شامل للصلاة، ولكن إذا كانت البلاد لها نهار وليل فإنه يجب العمل بمقتضى ذلك، سواء طال النهار أو قصر.

أما إذا كان ليس فيها ليل ولا نهار -كالدوائر القطبية التي يكون فيها النهار ستة أشهر، والليل ستة أشهر- فهؤلاء يُقَدِّرُون وقت صيامهم، ووقت صلاتهم، ولكن على ماذا يُقَدِّرُون؟

قال بعض أهل العلم: يُقَدِّرُون على أوقات مكة؛ لأن مكة هي أم القرى، فجميع القرى تؤول إليها؛ لأن الأم هي الشيء الذي يُقْتدى به كالإمام مثلًا، كما قال الشاعر:

"على رأسِهِ أُمٌ لَهُ يَهْتَدِي بِهَا[55]*** .............................. [55] صدر بيت لذي الرمة، انظر: ديوانه (ص:90).

وقال آخرون: بل يُعتبر في ذلك البلاد الوسط، فيُقدرون الليل اثنتي عشرة ساعة، ويُقدرون النهار اثنتي عشرة ساعة؛ لأن هذا هو الزمن المعتدل في الليل والنهار.

وقال بعض أهل العلم: إنهم يعتبرون أقرب بلاد إليهم يكون لها ليل ونهار منتظم، وهذا القول أرجح؛ لأن أقرب البلاد إليهم هي أحق ما يتبعون، وهي أقرب إلى مناخهم من الناحية الجغرافية، وعلى هذا فينظرون إلى أقرب البلاد إليهم ليلًا ونهارًا، فيعتبرون به، سواء في الصيام أو في الصلاة.

السؤال (49): ما حكم الجماع في نهار رمضان ذاكرًا أو ناسيًا؟ وما الذي يلزمه؟

الجواب (49): الجماع في نهار رمضان كغيره من المفطرات إن كان الإنسان يباح له الفطر فليس عليه في ذلك بأس، سواء كان صائمًا أم مفطرًا، لكن يجب عليه قضاء ذلك اليوم.

وأما إذا كان ممن يلزمه الصوم، فإنه إن كان ناسيًا أو جاهلًا فلا شيء عليه أيضًا؛ لأن جماع الصائم إذا نسي أو كان جاهلًا لا يفسد صومه، وإن كان ذاكرًا عالمًا ترتب على ذلك خمسة أمور: الإثم، وفساد الصوم لذلك اليوم، ولزوم الإمساك، ولزوم القضاء، والكفارة.

والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خِصَالَ الكَفَّارَةِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجِدُ، فَقَالَ: صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجِدُ، ثُمَّ جَلَسَ الرَّجُلُ، وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ: «خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَوَاللَّهِ، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»[56]. [56] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، رقم (1936)، ومسلم: كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، رقم (1111) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

السؤال (50): إذا تَعَدَّدَ الجِماع في يوم أو في شهر رمضان، فهل تتعدد هذه الكفارة؟

الجواب (50): المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه إذا تَعَدَّدَ في يوم، ولم يُكَفِّر عن الجماع الأول، كفاه كفارة واحدة، وإن تعدد في يومين لزمه لكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة[57]. [57] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير (7/458)، ومنتهى الإرادات بشرح البهوتي (2/369).

السؤال (51): حديث: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[58] يؤخذ منه: أفضلية الإفطار، فهل العِلَّةُ في ذلك المشقة؟ وإذا أخذنا العِلَّةُ المشقة فإن أسفار اليوم بالطائرات والسيارات وغيرها المُكَيَّفة تُزيل المشقة، نرجو توضيح رأي فضيلتكم في ذلك، وعن الأفضلية في هذه الحال: الصوم، أو الفطر. [58] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصيام في السفر»، رقم (1946)، ومسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان، رقم (1115) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

الجواب (51): المسافر له أن يصوم، وله أن يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ...﴾ [البقرة:185]، وكان الصحابة رضي الله عنهم يسافرون مع النبي ﷺ، فمنهم الصائم، ومنهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم[59]. [59] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضا في الصوم والإفطار، رقم (1947)، ومسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في رمضان، رقم (1118) من حديث أنس رضي الله عنه، كما أخرجه مسلم في الموضع السابق، رقم (1117) من حديث أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما.

وكان النبي ﷺ يصوم في السفر، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَمَا مِنَّا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ"[60]. [60] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، رقم (1945)، ومسلم: كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، رقم (1122).

والقاعدة في المسافر: أنه يُخَيَّر بين الصيام والإفطار، ولكن إن كان الصوم لا يَشُق عليه فهو أفضل؛ لأن فيه ثلاث فوائد:

الأولى: الاقتداء برسول الله ﷺ.

والثانية: سهولة الصوم على الإنسان؛ لأن الإنسان إذا صام مع الناس، كان أسهل عليه.

والفائدة الثالثة: سرعة إبراء ذمته.

هذا إذا كان الصوم لا يشق عليه، فإن كان يَشُقُّ عليه فإنه لا يصوم، وليس من البِرِّ الصيام في السفر، وذلك لأن الرسول ﷺ قال هذا حين رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه، وحوله زحام، وقال: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ من البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَر»، فينزل هذا العموم على من كان في مثل حال هذا الرجل يشق عليه الصوم، وعلى هذا نقول: السفر في الوقت الحاضر -كما قال السائل- إذا كان لا يشق الصوم فيه فإن الأفضل أن يصوم.

السؤال (52): ما حكم صيام المسافر إذا شق عليه؟

الجواب (52): إذا شق عليه الصوم مشقة محتملة فهو مكروه؛ لأن النبي ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه، والناس حوله زحام، فقال: «مَا هَذَا» قَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[61]. [61] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصيام في السفر»، رقم (1946)، ومسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان، رقم (1115) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأما إذا شُقَّ عليه مشقة شديدة فإن الواجب عليه الفطر؛ لأن الرسول ﷺ لما شكا إليه الناس أنهم قد شق عليهم الصيام أفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام. فقال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ»[62]. [62] أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، رقم (1114) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأما من لا يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم؛ اقتداءً بالنبي ﷺ، حيث كان كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَوَاحَةَ»[63]. [63] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، رقم (1945)، ومسلم: كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، رقم (1122).

السؤال (53): هل يدخل في حكم السفر المبيح للفطر البعثات الدراسية أو المهمات التي تزيد عن شهر، خاصة وأن الصيام في بلاد الغرب شاق، وبه متاعب كثيرة؟ وما السفر الذي لا يجوز فيه قصر الصلاة، ولا الفطر في رمضان؟

الجواب (53): هذه المسألة فيها نزاع بين أهل العلم، وخلاف كثير، وهو: هل المسافر ينقطع حكم السفر بحقه إذا نوى إقامة مُقَدَّرة تزيد على أربعة أيام، أو على خمسة عشر يومًا، أو على تسعة عشر يومًا، أو أن المسافر مسافر ما دام لم يَنْوِ الاستيطان في البلد؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.

وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم أن الإنسان ما دام على سفر، ولم ينو الإقامة المطلقة، وإنما أقام لحاجة متى انتهت رجع إلى بلده، فهو في حكم المسافر[64]. [64] مجموع الفتاوى (24/18)، زاد المعاد (3/561).

واختار هذا القول من المشايخ: الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، واختاره أيضًا الشيخ محمد رشيد رضا صاحب (المنار)[65]، واختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر ابن سعدي، رحمهم الله جميعًا؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على انقطاع حكم السفر بإقامة إذا كان الإنسان إنما أقام لحاجة، متى انتهت رجع. [65] مجلة المنار، عدد جمادى الأولى، عام 1331ﻫ.

وقد ذكروا آثارًا في هذه المسألة، منها: أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام بأذربيجان ستة أشهر، يَقْصُر الصلاة، وقد حَبَسَهُ الثلج[66]، وكذلك ذكروا آثارًا عن بعض التابعين الذين يقيمون في الثغور الإسلامية. [66] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (2/533) برقم (4339).

ولكن مع ذلك، أرى أنه لا ينبغي لهم أن يؤخروا صوم رمضان إلى رمضان الثاني؛ لأنه إذا فعلوا ذلك تراكمت عليهم الشهور، وثَقُل عليهم القضاء فيما بعد.

والسفر الذي لا يجوز فيه قصر الصلاة، ولا الفطر هو ما كان دُون المسافة عند القائلين بأنه يحدد السفر بمسافة أربعة برد -ستة عشر فرسخًا- والفرسخ: ثلاثة أميال، وتقدر بالكيلوات: نحو واحد وثمانين كيلو وثلاث مئة متر أو نحوها.

وكذلك السفر المُحَرَّم الذي يسافر الإنسان فيه لفعل شيء محرم، هذا أيضًا مما اختلف أهل العلم فيه: هل يجوز أن يَتَرخَّص بِرُخَص السفر، أو لا يجوز؟

فمنهم من قال بالجواز؛ لعموم الأدلة.

ومنهم من قال بأنه لا يترخص، ولا يجوز له أن يترخص برخص السفر؛ لأنه عاصٍ بهذا السفر، والعاصي لا تناسبه الرخصة والتسهيل، مثل أولئك الذين يذهبون إلى بلاد؛ ليتمتعوا فيها بأشياء محرمة من شرب الخمور، والميسر، وفعل الفاحشة، وما أشبه ذلك، فهؤلاء ليس لهم قَصْر، وليس لهم فِطْر على أحد القولين لأهل العلم، والعلم عند الله تعالى.

السؤال (54): هل للفطر في السفر أيامٌ معدودة؟

الجواب (54): ليس له أيام معدودة؛ لأن الرسول ﷺ لما فتح مكة دخلها في رمضان في العشرين منه، ولم يصم بقية الشهر، كما صح ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فيما أخرجه البخاري عنه، وبقي بعد ذلك تسعة أيام أو عشرة، فبقي ﷺ في مكة تسعة عشر يومًا يَقْصُر الصلاة[67]، وأفطر في رمضان[68]. [67] أخرجه البخاري: كتاب التقصير، باب ما جاء في التقصير، رقم (1080). [68] أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، رقم (4275) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

السؤال (55): ما حكم صيام المعتمر في رمضان؟

الجواب (55): حكم صيامه أنه لا بأس به، وقد سبق لنا قريبًا أن المسافر إذا لم يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم، وإن أفطر فلا حرج عليه، وإذا كان هذا المعتمر يقول: إن بقيت صائمًا شق علي أداء نسك العمرة، فأنا بين أمرين: إما أن أؤخر أداء أعمال العمرة إلى ما بعد غروب الشمس، وأبقى صائمًا حين وصولي إلى مكة، وإما أن أفطر وأبادر بالعمرة. فنقول له: الأفضل أن تفطر، وأن تؤدي أعمال العمرة حين وصولك إلى مكة؛ لأن هذا -أعني: أداء العمرة من حين الوصول إلى مكة- هو فعل رسول الله ﷺ[69]، ولأن مقصود المعتمر هو العمرة، وليس مقصوده الأهم أن يصوم في مكة. [69] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة، رقم (1614)، ومسلم: كتاب الحج، باب بيان أن المحرم بعمرة لا يتحلل بالطواف، رقم (1235) من حديث عائشة رضي الله عنها.

السؤال (56): ما حكم السفر في رمضان من أجل الفطر؟

الجواب (56): الصيام في الأصل واجب على الإنسان، بل هو فرض وركن من أركان الإسلام كما هو معروف، والشيء الواجب في الشرع لا يجوز للإنسان أن يفعل حيلة ليُسْقِطَه عن نفسه، فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حرامًا عليه، وكان الفطر كذلك حرامًا عليه، فيجب عليه أن يتوب إلى الله جل جلاله، وأن يرجع عن سفره ويصوم، فإن لم يرجع وجب عليه أن يصوم ولو كان مسافرًا.

وخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحًا.

السؤال (57): ما حكم المبادرة بقضاء رمضان؟

الجواب (57): المبادرة بقضاء رمضان أفضل من التأخير؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وكونه يبادر ويقضي ما عليه من دين الصوم أحزم وأحرص على الخير، ولولا حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهِ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»[70]. لولا هذا الحديث لقلنا بوجوب المبادرة بالقضاء. [70] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب متى يقضى قضاء رمضان؟، رقم (1950)، ومسلم: كتاب الصيام، باب جواز تأخير قضاء رمضان ما لم يجئ رمضان آخر، رقم (1146).

وهذا الحديث يدل على أن من عليه شيء من رمضان لا يؤخره إلى رمضان الثاني، وهو كذلك، فلا يجوز لشخص عليه قضاء من رمضان أن يؤخره إلى رمضان آخر إلا من عذر، كما لو بقي مريضًا لا يستطيع، أو كانت امرأة ترضع، ولم تستطع أن تصوم، فلا حرج عليها أن تؤخر قضاء رمضان الفائت إلى رمضان الثاني.

السؤال (58): هناك كثير من المسلمين يعتقدون أن العبادة إذا فاتت أنها تسقط، فإذا فاتت الصلاة عن وقتها لا تؤدى، وكذا رمضان؟

الجواب (58): سبق لنا قاعدة، قلنا: العبادات المؤقتة بوقت معين، إذا أخرها الإنسان عن وقتها لغير عذر فإنها لا تصح منه أبدًا، ولو كررها ألف مرة، وعليه أن يتوب، والتوبة كافية.

أما إذا كان ترك صيام رمضان لعذر من مرض أو سفر أو غيرهما، فعليه القضاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ...﴾ [البقرة:185].

السؤال (59): إذا أخر قضاء الصوم حتى أتى رمضان الثاني دون عذر، فهل يلزمه شيء مع القضاء؟

الجواب (59): القول الراجح: أنه لا يلزمه إلا القضاء فقط، وأنه لا يلزمه الإطعام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ...﴾ [البقرة:185]، فذكر الله تعالى عدةً من أيامٍ أُخَر، ولم يذكر إطعامًا، والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل يدل على الوجوب، لكن يحرم عليه تأخير القضاء إلى رمضان الثاني إلا من عذر.

السؤال (60): هل هناك فوارق بين الأداء والقضاء؟

الجواب (60): القضاء -كما سبق- مُوَسَّع إلى رمضان الثاني، والأداء مُضَيَّقٌ، لا بد أن يكون في شهر رمضان.

ثانيًا: الأداء تجب الكفارة بالجِمِاع فيه، والقضاء لا تجب الكفارة بالجِمِاع فيه.

ثالثًا: الأداء إذا أفطر الإنسان في أثناء النهار بلا عذر فَسَدَ صومه، ولكن يلزمه الإمساك بقية اليوم؛ احترامًا للزمن.

وأما القضاء، فإذا أفطر الإنسان في أثناء اليوم فسد صومه، ولكن لا يلزمه الإمساك؛ لأنه لا حُرمة للزمن في القضاء؛ إذ إن القضاء واسع في كل الأيام.

السؤال (61): ما حكم من مات وعليه قضاءٌ من شهر رمضان؟

الجواب (61): إذا مات وعليه قضاءٌ من شهر رمضان، فإنه يصوم عنه وَلِيُّه، وهو قريبه أو وارثه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[71]، فإن لم يصم وَلِيُّه أطعم عنه عن كل يوم مسكينًا. [71] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، رقم (1952)، ومسلم: كتاب الصيام، باب قضاء الصوم عن الميت، رقم (1147).

السؤال (62): إذا صام المسلم، ثم توفي عن بقيته، فهل يلزم وليه أن يكمل عنه؟

الجواب (62): لا يلزم وليه أن يكمل عنه، ولا أن يطعم عنه؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[72]. [72] أخرجه مسلم: كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم (1631) من حديث أبي هريرة.

فعلى هذا، إذا مات فإنه لا يُقضى عنه، ولا يُطعم عنه، بل حتى لو مات في أثناء اليوم فإنه لا يُقضى عنه.

السؤال (63): ما المقصود بالتراويح والتَّهَجُّد؟

الجواب (63): التراويح: هي قيام رمضان، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[73]. [73] أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم (2009)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، رقم (759) من حديث أبي هريرة.

وسميت: تراويح؛ لأن الناس فيما سبق كانوا يطيلونها، وكلما صلوا أربع ركعات -يعني: بتسليمتين- استراحوا قليلًا، ثم استأنفوا، وعلى هذا يحمل حديث عائشة رضي الله عنها: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا»[74]. فإنها تريد بذلك: أنَّه يُصلي أربعًا بتسليمتين، لكن بينها وبين الأربع الأخريات فاصل. [74] أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ بالليل، رقم (1147)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل، رقم (738/125).

وهذه التراويح سنة ٌسنَّها رسول الله ﷺ، ولكنه صلَّى بأصحابه ثلاث ليال، ثم تأخر، وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»[75]. [75] أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل، رقم (1129)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، رقم (761) من حديث عائشة رضي الله عنها.

وينبغي للإنسان ألا يفرط فيها؛ لينال أجر من قام رمضان، وهو مغفرة ما تقدم من الذنب.

وينبغي أن يحافظ عليها مع الإمام؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[76]. [76] أخرجه أبو داود: كتاب التطوع، باب في قيام شهر رمضان، رقم (1375)، والترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (806)، والنسائي: كتاب السهو، باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف، رقم (1364)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (1327)، وأحمد (5/163) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

ولا يخفى أن التراويح التي تفعل الآن فيها أخطاء من الأئمة وغيرهم.

أما أخطاء الأئمة فكثير منهم يسرع في التراويح إسراعًا عظيمًا، بحيث لا يتمكن الناس من الطمأنينة وراءهم، ويشق على كبار السن والضعفاء والمرضى ونحوهم، وهذا خلاف الأمانة التي حملوا إياها؛ فإن الإمام مؤتمن، وعليه أن يفعل ما هو الأفضل للمأمومين.

وقد نص أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعةً تمنع المأمومين أو بعضهم من فعل ما يسن، فكيف بمن يسرع سرعة تمنعهم أو بعضهم من فعل ما يجب من الطمأنينة والمتابعة؟!

كذلك بعض الأئمة يصلي التراويح على صفة الوِتْر الذي كان ﷺ يصليها أحيانًا، فيوتر بخمس يسردها سردًا، لا يجلس إلا في آخرها، أو سبعًا لا يجلس إلا في آخرها، أو تسعًا، يجلس في الثامنة، ويتشهد، ثم يقوم للتاسعة، فبعض الأئمة يفعل ذلك، وهذا لا أعلمه واردًا عن النبي ﷺ حين قام بالناس إمامًا، وإنما كان يفعله في بيته[77]. [77] أما الخمس فأخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل، رقم (737/123) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأما السبع فأخرجه النسائي: كتاب قيام الليل، باب كيف الوتر بخمس؟، رقم (1715)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع، رقم (1192)، وأحمد (6/290) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وأما التسع فأخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، رقم (746) من حديث عائشة رضي الله عنها.

وهذا الفعل -وإن كان له أصل في السنة- أن يوتر الإنسان بخمس أو سبع لا يجلس إلا في آخرها، أو بتسع يجلس في الثامنة، ثم يتشهد، ولا يسلم، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ويتشهد، ويسلم، لكن كون الإمام يفعله في رمضان يشوش على الناس، فيدخل الإنسان على أنه ناوٍ ركعتين غير الوتر.

ثم بعض الناس قد يحتاج إلى الخروج إذا صلى ركعتين أو صلى أربع ركعات، وسلم الإمام، فيخرج.

وبعض الناس يكون عليه حَصْر من البول أو غيره، فيشق عليه أن يَسْرد به الإمام خمس ركعات، أو سبع ركعات، أو تسع ركعات.

وإذا كان الإمام يريد أن يبين السنة، فإننا نقول له: بين السنة بقولك، وقل: كان الرسول ﷺ يوتر بخمس وبسبع لا يجلس إلا في آخرها، وبتسع، فيجلس في الثامنة، ويتشهد، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ويتشهد، ويسلم، ولا تفعل هذا مع جماعة لا يفهمون هذا الأمر، أو يأتي أناس قد سبقهم بعض الصلاة، فيشكل عليهم، أو يشق عليهم.

ثم إني إلى الآن لا أعلم أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه الوتر على هذا الوجه، وإنما كان يصليه في بيته.

وأما الأخطاء التي تقع من غير الأئمة ممن يصلون القيام، فهو أن بعض الناس يقطع هذه التراويح، فيصلي في مسجد تسليمة أو تسليمتين، وفي مسجد آخر كذلك، ويضيع عليه الوقت، فيفوته الأجر العظيم الذي قال فيه الرسول ﷺ: «مَنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[78]، وهذا حرمانٌ عظيم. [78] أخرجه أبو داود: كتاب التطوع، باب في قيام شهر رمضان، رقم (1375)، والترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (806)، والنسائي: كتاب السهو، باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف، رقم (1364)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (1327)، وأحمد (5/163) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

كذلك -أيضًا- بعض المأمومين تجده يخطئ في متابعة الإمام، فيسابقه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟!»[79]. [79] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام، رقم (691)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام، رقم (427) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

السؤال (64): هل يلزم من صلى التراويح المحافظة عليها؟

الجواب (64): لا يلزمه المحافظة عليها؛ لأنها سنة، فإن فعلها أُثيب، وإن تركها لم يُعاقب، ولكنه يَفوته خيرٌ كثير كما سبق، ولا ينبغي للإنسان إذا عزم على فعل الخير، أو كان من عادته فعله أن يتركه؛ لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»[80]. [80] أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، رقم (1152)، ومسلم: كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، رقم (1159/185).

السؤال (65): بعض الأئمة يبكي بكاءً شديدًا، ويَنْتَحِب، وهناك من يُؤاخذه على ذلك، فما حكم هذا العمل؟ وما حكم المؤاخذة على ذلك؟

الجواب (65): أما الشيء الذي يأتي بغير تكلف، ويكون بكاءً برفق، لا بِشهاق كبير، فهذا لا بأس به، وهذا من الأمور التي تدل على لِين قلب صاحبها، وكمال خشوعه، وحضور قلبه، وأما المُتكلف فإن هذا أخشى أن يكون من الرِّياء الذي يُعاقب عليه فاعله، ولا يُثاب عليه.

كما أن بعض الناس تجده في قنوت الوتر يأتي بأدعية طويلة بأساليب غريبة لم ترد عن النبي ﷺ، ويكون فيها مشقة على المصلين أو بعضهم، وقد كان الرسول ﷺ يختار من الدعاء أَجْمَعَهُ، وَيَدَعُ ما سوى ذلك[81]. [81] أخرجه أبو داود: كتاب الوتر، باب الدعاء، رقم (1482)، وأحمد (6/189) من حديث عائشة رضي الله عنها.

فالذي أنصح به إخواني الأئمة: ألا يطيلوا هذا القنوت على هذه الصفة التي تشق على الناس، ويأتوا فيه بأدعية غريبة مسجوعة، وخير الكلام ما قلَّ ودلَّ، وكون الإنسان يأتي بالشيء على الوجه المشروع الذي لا يمل الناس أفضل من كونه يأتي به على وجه يمل به الناس، ويثقل عليهم العبادة.

السؤال (66): ما حكم حمل المصحف في صلاة الليل، مع عدم حاجة الإمام إلى من يفتح عليه؟

الجواب (66): الذي نرى أن المأموم لا يحمل المصحف إلا للضرورة إلى ذلك، مثل: أن يقول الإمام لأحد من الناس: أنا لا أضبط القراءة، فأريد أن تكون خلفي تتابعني في المصحف، فإذا أخطأت ترد علي، أمَّا فيما عدا ذلك فإنه أمر لا ينبغي؛ لما فيه من انشغال الذهن، والعمل الذي لا داعي له، وفوات السُّنة بوضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر، فالأولى ألا يفعله الإنسان إلا للحاجة، كما أشرت إليه.

السؤال (67): كثير من الناس يعتقدون أن ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر، فَيُحْيُونَهَا بالصلاة والعبادة، ولا يحيون غيرها في رمضان، فهل هذا موافق للصواب؟

الجواب (67): هذا ليس بموافق للصواب؛ فإن ليلة القدر تتنقل، فقد تكون ليلة سبع وعشرين، وقد تكون في غير تلك الليلة؛ كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة في ذلك، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ذات عام أُرِيَ ليلة القدر، فكان ذلك ليلة إحدى وعشرين[82]، وثبت عنه أنه قال: «التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى»[83]. [82] أخرجه البخاري: كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر، رقم (2027)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر، رقم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [83] أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، رقم (2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ثم إن القيام لا ينبغي أن يخصه الإنسان في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر فقط، بل يجتهد في العشر الأواخر كلها، فذلك هديه ﷺ، فقد كان إذا دخل العشر شد المِئْزَر، وأيقظ أهله، وأحيا الليل ﷺ[84]، فالذي ينبغي للمؤمن الحازم أن يجتهد في ليالي هذه الأيام العشر كلها حتى لا يفوته الأجر. [84] أخرجه البخاري: كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر، رقم (2024)، ومسلم: كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر، رقم (1174) من حديث عائشة رضي الله عنها.

السؤال (68): ما المقصود بالاعتكاف؟ وما حكمه؟

الجواب (68): الاعتكاف: هو لُزوم الإنسان مسجدًا لطاعة الله تعالى؛ لينفرد به عن الناس، ويشتغل بطاعة الله، ويتفرغ لذلك.

وهو في كل مسجد، سواء كان في مسجد يُجْمَعُ فيه، أو في مسجد لا يُجْمَعُ فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجد يُجْمَعُ فيه؛ حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة.

السؤال (69): هل للاعتكاف أقسام؟

الجواب (69): الاعتكاف ليس إلا قسمًا واحدًا، وهو -كما أسلفنا- لزوم مسجد لطاعة الله جل جلاله، لكن قد يكون أحيانًا بصوم، وقد لا يكون بصوم، وقد اختلف أهل العلم: هل يصح الاعتكاف بدون صوم، أو لا يصح إلا بصوم؟

ولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان في ليالي العشر عشر رمضان؛ لأن رسول الله ﷺ كان يعتكف هذه العشر؛ رجاء ليلة القدر، ولم يعتكف في غيرها إلا سنة، لم يعتكف في رمضان، فقضاه في شوال[85]. [85] أخرجه البخاري: كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف النساء، رقم (2033)، ومسلم: كتاب الاعتكاف، باب متى يدخل من أراد الاعتكاف معتكفه، رقم (1173) من حديث عائشة رضي الله عنها.

السؤال (70): هل يقتصر الاعتكاف على رمضان، أو يشرع في غيره؟

الجواب (70): المشروع أن يكون في رمضان فقط؛ لأن النبي ﷺ لم يعتكف في غير رمضان إلا ما كان منه في شوال، حين ترك الاعتكاف سَنَةً في رمضان، فاعتكف في شوال[86]. [86] تقدم تخريجه في الموضع السابق.

لكن لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائزًا؛ لأن عمر رضي الله عنه سأل النبي ﷺ، فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلةً أو يومًا في المسجد الحرام. فقال الرسول ﷺ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»[87]، لكن لا يؤمر الإنسان ولا يطلب منه أن يعتكف في غير رمضان. [87] أخرجه البخاري: كتاب الاعتكاف، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، رقم (2043)، ومسلم: كتاب الأيمان، باب نذر الكافر، رقم (1656) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

تم نقل هذه المادة العلمية، والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.