حقوق دعت إليها الفطرة

حقوق دعت إليها الفطرة

رسالة لطيفة تقدم شرحًا مفصلًا لعشرة حقوق أساسية تشمل حقوق الله تعالى، وحقوق النبي صلى الله عليه وسلم، وحقوق الوالدين، والأولاد، والأقارب، والجيران، والزّوجين، والرّعية والولاة، والمسلمين عمومًا، وغير المسلمين. يهدف الكتاب إلى تعزيز الفهم الصحيح للعلاقات الاجتماعية والواجبات الفردية تجاه الآخرين، مستندًا إلى نصوص الوحي من القرآن الكريم والسنة النبوية، مما يجعله مرجعًا مهمًا لكل مسلم يسعى لتطبيق الشريعة في حياته اليومية مع ربه ومع الآخرين.

اللغة: العربية
إعداد: محمد بن صالح العثيمين
الإصدار: 2.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

حقوق دعت إليها الفطرة وقرّرتها الشّريعة بقلم فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين

*

بسم الله الرحمن الرحيم

مقــدمــــة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.

أمّا بعد فإن من محاسن شريعة الله تعالى مراعاة العدل، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه من غير غلو، ولا تقصير، فقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبالعدل بعثت الرّسل، وأنزلت الكتب، وقامت أمور الدّنيا والآخرة.

والعدل إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وتنزيل كلّ ذي منزلة منزلته، ولا يتمّ ذلك إلّا بمعرفـة الحقوق حتّى تعطـى أهلها، ومن ثمّ حرّرنا هـذه الكلمة في بيان المهمّ من تلك الحقوق؛ ليقوم العبد بما علم منها بقدر المستطاع، ويتلخّص ذلك فيما يأتي:

1- حقوق الله تعالى.

2- حقوق النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

3- حقوق الوالدين.

4- حقوق الأولاد.

5- حقوق الأقارب.

6- حقوق الزّوجين.

7- حقوق الولاة والرّعيّة.

8- حقوق الجيران.

9- حقوق المسلمين عمومًا.

10- حقوق غير المسلمين.

هذه هي الحقوق الّتي نريد أن نتناول شيئا منها بالبحث على وجه الاختصار.

*

الحقّ الأوّل: حقّ الله تعالى

هذا الحقّ أحقّ الحقوق وأوجبها وأعظمها؛ لأنّه حق الله تعالى الخالق العظيم المالك المدبّر لجميع الأمور، حق الملك الحقّ المبين الحيّ القيّوم الّذي قامت به السّماوات والأرض، خلق كلّ شيء فقدره تقديرًا بحكمة بالغة، حقّ الله الّذي أوجدك من العدم ولم تكن شيئا مذكورا، حق الله الّذي رباك بالنّعم وأنت في بطن أمّك في ظلمات ثلاث لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يوصل إليك غذاءك ومقوّمات نموّك وحياتك، أدر لك الثّديين، وهداك النّجدين، وسخّر لك الأبوين، أمدك وأعدك، أمدك بالنّعم والعقل والفهم، وأعدك لقبول ذلك والانتفاع به، قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [النحل:78]، {وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [النحل:78]، فلو حجب عنك فضله طرفة عين لهلكت، ولو منعك رحمته لما عشت، فإذا كان هذا فضل الله عليك ورحمته بك فإنّ حقه عليك أعظم الحقوق؛ لأنّه حق إيجادك وإعدادك وإمدادك، وإنّه لا يريد منك رزقا، ولا إطعاما، قال تعالى: {لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ} [طه:132].

وإنّما يريد منك شيئا واحدا مصلحته عائدة إليك، يريد منك أن تعبده وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56-58]، {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ، مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ } [الذاريات:56-58]، يريد منك أن تكون عبدا له بكلّ معاني العبوديّة، كما أنّه هو ربّك بكلّ معاني الرّبوبيّة، أن تكون عبدا متذلّلا له، خاضعا له، ممتثلا لأمره، مجتنبا لنهيه، مصدّقا بخبره؛ لأنّك ترى نعمه عليك سابغة تترى، أفلا تستحيي أن تبدّل هذه النّعم كفرا؟!

لو كان لأحد من النّاس عليك فضل لاستحييت أن تبارزه بالمعصية، وتجاهره بالمخالفة، فكيف بربّك الّذي كلّ فضل عليك فهو من فضله، وكلّ ما يندفع عنك من سوء فمن رحمته؟! قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ [النحل:53]. {وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ} [النحل:53].

وإنّ هذا الحق الّذي أوجبه الله لنفسه ليسير سهل على من يسر الله له، ذلك بأنّ الله لم يجعل فيه حرجا، ولا ضيقا، ولا مشقّة، قال الله تعالى: ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج:78]. {وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} [الحج:78].

إنّه عقيدة مثلى، وإيمان بالحقّ، وعمل صالح مثمر عقيدة الإيمان بالغيب، والإيمان بالواقع قوامها المحبّة والتّعظيم، وثمرتها الإخلاص والمثابرة، خمس صلوات في اليوم واللّيلة يكفّر الله بهنّ الخطايا، ويرفع بهنّ الدّرجات، ويصلـح بهنّ القلـوب والأحـوال، يأتي بهـنّ العبد بحسب استطاعته، قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16] الآية. {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] الآية.

وقال النّبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين، وكان عمران رضي الله عنه مريضا: «‌صَلِّ ‌قَائِمًا، ‌فَإِنْ ‌لَمْ ‌تَسْتَطِعْ ‌فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».

زكاة، وهي جزء يسير من مالك تدفع في حاجة المسلمين للفقراء والمساكين وابن السّبيل والغارمين وغيرهم من أهل الزّكاة، قال تعالى: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} [الحج:78].

صيام شهر واحد في السّنة، ومن كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر، ومن لا يستطيع الصّيام لعجز دائم يطعم مسكينا عن كلّ يوم.

حجّ البيت الحرام مرّة واحدة في العمر للمستطيع.

هذه هي أصول حقّ الله تعالى، وما عداها فإنّما يجب لعارض كالجهاد في سبيل الله، أو لأسباب توجبه؛ كنصر المظلوم.

انظر -يا أخي- هذا الحقّ اليسير عملا، الكثير أجرا، إذا قمت فيه كنت سعيدا في الدّنيا والآخرة، ونجوت من النّار، ودخلت الجنّة، قال تعالى: ﴿فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [آل عمران:185]. {فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} [آل عمران:185].

*

الحقّ الثّاني: حقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهذا الحقّ هو أعظم حقوق المخلوقين، فلا حقّ لمخلوق أعظم من حقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ﴾ [الفتح:8-9] الآية، {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ } [الفتح:8-9] الآية، ولذلك يجب تقديم محبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم على محبّة جميع النّاس حتّى على النّفس والولد والوالد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا ‌يُؤْمِنُ ‌أَحَدُكُمْ ‌حَتَّى ‌أكُونَ ‌أَحَبَّ ‌إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدَيْهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».

ومن حقوق النّبيّ صلى الله عليه وسلم: توقيره، واحترامه، وتعظيمه التّعظيم اللّائق به من غير غلوّ ولا تقصير، فتوقيره في حياته توقير سنّته وشخصه الكريم، وتوقيره بعد مماته توقير سنّته وشرعه القويم، ومن رأى توقير الصّحابة وتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف قام هؤلاء الأجلاء الفضلاء بما يجب عليهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عروة بن مسعود لقريش حينما أرسلوه ليفاوض النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلح في قصّة الحديبية: «دخلت على الملوك -كِسْرَى وقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ- فلم أرَّ أحدًا يُعظِّمُهُ أصحابه مثل ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدًا، كان إِذَا أَمَرَهُمُ ابتدوا أَمْرَهُ، ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، ‌وَإِذَا ‌تَكَلَّمَ ‌خَفَضُوا ‌أَصْوَاتَهُمْ ‌عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ».

هكذا كانوا يعظّمونه رضي الله عنهم مع ما جبله الله عليه من الأخلاق الكريمة، ولين الجانب، وسهولة النّفس، ولو كان فظّا غليظا لانفضّوا من حوله.

وإنّ من حقوق النّبيّ صلى الله عليه وسلم: تصديقـه فيما أخبر به من الأمـور الماضية والمستقبلة، وامتثال ما به أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، والإيمان بأنّ هديه أكمل الهدي، وشريعته أكمل الشّرائع، وألّا يقدم عليها تشريع أو نظام مهما كان مصدره، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65]، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء:65]، ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران:31]. [آل عمران:31].

ومن حقوق النّبيّ صلى الله عليه وسلم: الدّفاع عن شريعته وهديه بما يستطيع الإنسان من قوّة بحسب ما تتطلّبه الحال من السّلاح، فإذا كان العدوّ يهاجم بالحجج والشبه؛ فمدافعته بالعلم ودحض حججه وشبهه وبيان فسادها، وإن كان يهاجم بالسّلاح والمدافع فمدافعته بمثل ذلك.

ولا يمكن لأيّ مؤمن أن يسمع من يهاجم شريعة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو شخصه الكريم، ويسكت على ذلك مع قدرته على الدّفاع.

*

الحقّ الثّالث: حقوق الوالدين

لا ينكر أحد فضل الوالدين على أولادهما، فالوالدان سبب وجود الولد، ولهما عليه حقّ كبير، فقد ربّياه صغيرا، وتعبا من أجل راحته، وسهرا من أجل منامه، تحملك أمّك في بطنها، وتعيش على حساب غذائها وصحّتها لمدّة تسعة أشهر غالبا، كما أشار الله إلى ذلك في قوله: {حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ} الآية [لقمان:14]، ثمّ بعد ذلك حضانة ورضاع لمدّة سنتين مع التّعب والعناء والصّعوبة.

والأب كذلك يسعى لعيشك وقوتك من حين الصّغر حتّى تبلغ أن تقوم بنفسك، ويسعى بتربيتك وتوجيهك وأنت لا تملك لنفسك ضرّا ولا نفعا، ولذلك أمر الله الولد بوالديه إحسانا وشكرا، فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [لقمان:14]، {وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ } [لقمان:14]، وقال تعالى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ﴾ [الإسراء:23-24]. {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا، وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء:23-24].

إنّ حق الـوالدين عليك: أن تبرّهما، وذلك بالإحسان إليهما قـولا وفعلا، بالمال والبدن، تمتثل أمرهما في غير معصية الله، وفي غير ما فيه ضرر عليك، تلين لهما القول، وتبسط لهما الوجه، وتقوم بخدمتهما على الوجه اللّائق بهما، ولا تتضجر منهما عند الكبر والمرض والضّعف، ولا تستثقل ذلك منهما؛ فإنّك سوف تكون بمنزلتهما، سوف تكون أبا كما كانا أبوين، وسوف تبلغ الكبر عند أولادك -إن قدّر لك البقاء- كما بلغاه عندك، وسوف تحتاج إلى بر أولادك كما احتاجا إلى برك، فإن كنت قد قمت ببرّهما فأبشر بالأجر الجزيل، والمجازاة بالمثل، فمن برّ آباءه برّ به أولاده، ومن عقّ آباءه عقّ به أولاده، والجزاء من جنس العمل، فكما تدين تدان.

ولقد جعل الله مرتبة حقّ الوالدين مرتبة كبيرة عالية حيث جعل حقّهما بعد حقّه المتضمّن لحقّه وحقّ رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ [النساء: 36] الآية، {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا } [النساء: 36] الآية، وقال تعالى: {أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ} [لقمان: 14]، وقدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم برّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عز وجل؟ قَالَ: «الصَّلاةُ ‌عَلَى ‌وَقْتِهَا »، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». رواه البخاريّ ومسلم. وهذا يدلّ على أهمّيّة حقّ الوالدين الّذي أضاعه كثير من النّاس، وصاروا إلى العقوق والقطيعة، فترى الواحد منهم لا يرى لأبيه ولا لأمّه حقا، وربّما احتقرهما وازدراهما، وترفّع عليهما، وسيلقى مثل هذا جزاءه العاجل أو الآجل.

*

الحقّ الرّابع: حقّ الأولاد

الأولاد تشمل البنين والبنات، وحقوق الأولاد كثيرة، من أهمّها: التّربية، وهي تنمية الدّين والأخلاق في نفوسهم حتّى يكونوا على جانب كبير من ذلك، قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ} [التحريم:6] الآية، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «‌كُلُّكُمْ ‌رَاعٍ، ‌وَكُلُّكُمْ ‌مَسْؤُولٌ ‌عَنْ ‌رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فالأولاد أمانة في عنق الوالدين، مسؤولان عنهم يوم القيامة، وبتربيتهم التّربية الدّينيّة والأخلاقيّة يخرج الوالدان من تبعة هذه الرّعيّة، ويصلح الأولاد، فيكونون قرّة عين الأبوين في الدّنيا والآخرة، يقول الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ﴾ [الطور:21]، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ} [الطور:21]، {أَلَتْنَاهُم} أي: نقصناهم، ويقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ««‌إِذَا ‌مَاتَ ‌ابْنُ ‌آدَمَ ‌انْقَطَعَ ‌عَمَلُهُ ‌إِلاَّ ‌مِنْ ‌ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، فهذا من ثمرة تأديب الولد إذا تربّى تربية صالحة، أن يكون نافعا لوالديه حتّى بعد الممات.

ولقد استهان كثير من الوالدين بهذا الحقّ، فأضاعوا أولادهم ونسوهم، كأن لا مسؤوليّة لهم عليهم، لا يسألون أين ذهبوا؟ ولا متى جاؤوا؟ ولا من أصدقاؤهم وأصحابهم؟ ولا يوجّهونهم إلى خير، ولا ينهونهم عن شرّ.

ومن العجب أنّ هؤلاء حريصون كلّ الحرص على أموالهم بحفظها وتنميتها، والسّهر على ما يصلحها، مع أنّهم ينمّون هذا المال، ويصلحونه لغيرهم غالبا، أمّا الأولاد فليسوا منهم في شيء، مع أنّ المحافظة عليهم أولى وأنفع في الدّنيا والآخرة، وكما أنّ الوالد يجب عليه تغذية جسم الولد بالطّعام والشّراب، وكسوة بدنه باللّباس، كذلك يجب عليه أن يغذّي قلبه بالعلم والإيمان، ويكسو روحه بلباس التّقوى، فذلك خير .

وإنّ من حقوق الأولاد: أن ينفق عليهم بالمعروف من غير إسراف ولا تقصير؛ لأنّ ذلك من واجب أولاده عليه، ومن شكر نعمة الله عليه بما أعطاه من المال، وكيف يمنعهم المال في حياته، ويبخل عليهم به؛ ليجمعه لهم، فيأخذونه قهرا بعد مماته؟! حتّى لو بخل عليهم بما يجب فلهم أن يأخذوا من ماله ما يكفيهم بالمعروف، كما أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هند بنت عتبة رضي الله عنها.

ومن حقوق الأولاد: ألّا يفضّـل أحدا منهـم على أحد في العـطايا والهبات، فلا يعطي بعض أولاده شيئا، ويحرم الآخرين؛ فإنّ ذلك من الجور والظّلم، والله لا يحبّ الظّالمين، ولأنّ ذلك يؤدّي إلى تنفير المحرومين، وحدوث العداوة بينهم وبين الموهوبين، بل ربّما تكون العداوة بين المحرومين وبين آبائهم.

وبعض النّاس يتميّز أحد من أولاده عن الآخرين بالبرّ والعطف على والديه، فيخصّه بالهبة والعطيّة؛ من أجل ما تميّز به من البرّ، ولكن هذا غير مبرّر لتخصيصه، فالمتميّز بالبرّ لا يجوز أن يعطى عوضا عن برّه؛ لأنّ أجر برّه على الله، ولأنّ تمييز البارّ بالعطيّة يوجب أن يعجب ببرّه، ويرى له فضلا، وأن ينفّر الآخر، ويستمرّ في عقوقه، ثمّ إنّنا لا ندري، فقد تتغيّر الأحوال، فينقلب البارّ عاقا، والعاقّ بارا؛ لأنّ القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء.

وفي الصّحيحين (صحيح البخاريّ ومسلم) عن النّعمان بن بشير أنّ أباه بشير بن سعد وهبه غلاما، فأخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «‌أَكُلُّ ‌وَلَدِكَ ‌نَحَلْتَهُ ‌مِثْلَ ‌هَذَا؟». فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَارْجِعْهُ»، وفي رواية: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، وفي لفظ: ««أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي؛ ‌فَإِنِّي ‌لَا ‌أَشْهَدُ ‌عَلَى ‌جَوْرٍ»، فسّمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيل بعض الأولاد على بعض جورا، والجور ظلم وحرام.

لكن لو أعطى بعضهم شيئا يحتاجه، والثّاني لا يحتاجه، مثل أن يحتاج أحد الأولاد إلى أدوات مكتبيّة أو علاج أو زواج، فلا بأس أن يخصّه بما يحتاج إليه؛ لأنّ هذا تخصيص من أجل الحاجة، فيكون كالنّفقة.

ومتى قام الوالد بما يجب عليه للولد من التّربية والنّفقة فإنّه حريّ أن يوفّق الولد للقيام ببرّ والده، ومراعاة حقوقه، ومتى فرّط الوالد بما يجب عليه من ذلك كان جديرا بالعقوبة، بأن ينكر الولد حقّه، ويبتلى بعقوقه جزاء وفاقا، وكما تدين تدان.

*

الحقّ الخامس: حقوق الأقارب

للقريب الّذي يتّصـل بك في القرابـة -كالأخ، والعـمّ، والخـال، وأولادهم، وكلّ من ينتمي إليك بصلة- له حقّ هذه القرابة بحسب قربه، قال الله تعالى: {وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ} [الإسراء:26] الآية، وقال: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ [النساء:36]، {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ} [النساء:36]، فيجب على كلّ قريب أن يصل قريبه بالمعروف ببذل الجاه، والنّفع البدنيّ، والنّفع الماليّ، بحسب ما تتطلّبه قوّة القرابة والحاجة، وهذا ما يقتضيه الشّرع والعقل والفطرة.

وقـد كثرت النّصـوص في الحثّ على صلة الرّحم، وهـو القريب، والتّرغيب في ذلك، ففي الصّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ ‌حَتَّى ‌إِذَا ‌فَرَغَ ‌مِنْهُمْ ‌قَامَتِ ‌الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ: بَلَى قَالَ: فَذَاكِ لَكِ»، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ } [محمد:22-23]، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ ‌فَلْيَصِلْ ‌رَحِمَهُ».

وكثير من النّاس مضيّعون لهذا الحقّ، مفرّطون فيه، تجد الواحد منهم لا يعرف قرابته بصلة، لا بالمال، ولا بالجاه، ولا بالخلق، تمضي الأيّام أو الشّهور ما رآهم، ولا قام بزيارتهم، ولا تودّد إليهم بهديّة، ولا دفع عنهم ضرورة أو حاجة، بل ربّما أساء إليهم بالقول أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعا، يصل البعيد، ويقطع القريب.

ومن النّاس من يصل أقاربه إن وصلوه، ويقطعهم إذا قطعوه، وهذا ليس بواصل في الحقيقة، وإنّما هو مكافئ للمعروف بمثله، وهو حاصل للقريب وغيره؛ فإنّ المكافأة لا تختصّ بالقريب، والواصل حقيقة هو الّذي يصل قرابته لله، ولا يبالي، سواء وصلوه أم لا، كما في «صحيح البخاريّ» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «‌لَيْسَ ‌الْوَاصِلُ ‌بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»، وسأله رجل، فقال: يا رسول الله، إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم، ويجهلون عليّ. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت كما قلت فكأنّما تسفّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم.

ولو لم يكـن في صلة الرّحم إلّا أنّ الله يصـل الواصل في الدّنيا والآخرة، فيمدّه بالرّحمة، وييسّر له الأمور، ويفرّج عنه الكربات، مع ما في صلة الرّحم من تقارب الأسرة، وتوادّهم وحنوّ بعضهم على بعض، ومعاونة بعضهم بعضا في الشّدائد والسّرور والبهجة الحاصلة بذلك كما هو مجرّب معلوم، وكلّ هذه الفوائد تنعكس حينما تحلّ القطيعة، ويحصل التّباعد.

*

الحقّ السّادس: حقّ الزّوجين

للزّواج آثار هامّة، ومقتضيات كبيرة، فهو رابطة بين الزّوج وزوجته، يلـزم كلّ واحد منهما بحقوق للآخر: حقوق بدنيّـة، وحقوق اجتماعيّة، وحقوق ماليّة.

فيجب على الزّوجين أن يعاشر كلّ منهما الآخر بالمعروف، وأن يبذل الحقّ الواجب له بكلّ سماحة وسهولة من غير تكرّه لبذله، ولا مماطلة، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء:19] الآية، {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ [البقرة:228] الآية، {وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ} [البقرة:228] الآية، كما يجب على المرأة أن تبذل لزوجها ما يجب عليها بذله.

ومتى قام كلّ واحد من الزّوجين بما يجب عليه للآخر كانت حياتهما سعيدة، ودامت العشرة بينهما، وإن كان الأمـر بالعكس حصـل الشّقـاق والنّزاع، وتنكّدت حياة كلّ منهما.

ولقد جاءت النّصوص الكثيرة بالوصيّة بالمرأة، ومراعاة حالها، وأنّ كمال الحال من المحال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ‌خيرًا، فَإِنَّ ‌الْمَرْأَةَ ‌خُلِقَتْ ‌مِنْ ‌ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ»، وفي رواية: «إنّ المرأة خلقت من ضلع، ولن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها»، وقال صلى الله عليه وسلم: « ‌لَا ‌يَفْرَكْ ‌مُؤْمِنٌ ‌مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ»، ومعنى: «لا يفرك» لا يبغض، ففي هذه الأحاديث: إرشاد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمّته كيف يعامل الرّجل المرأة؟ وأنّه ينبغي أن يأخذ منها ما تيسّر؛ لأنّ طبيعتها الّتي منها خلقت ألّا تكون على الوجه الكامل، بل لابدّ فيها من عوج، ولا يمكن أن يستمتع بها الرّجل إلّا على الطّبيعة الّتي خلقت عليها.

وفي هذه الأحاديث: أنّـه ينبغـي للإنسان أن يقـارن بين المحاسن والمساوئ في المرأة، فإنّه إذا كره منها خلقا فليقارنه بالخلق الثّاني الّذي يرضاه منها، ولا ينظر إليها بمنظار السّخط والكراهية وحده.

وإنّ كثيرا من الأزواج يريدون الحال الكاملة من زوجاتهم، وهذا شيء غير ممكن، وبذلك يقعون في النّكد، ولا يتمكّنون من الاستمتاع والمتعة بزوجاتهم، وربّما أدى ذلك إلى الطّلاق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا ‌وَكَسْرُهَا ‌طَلَاقُهَا»، فينبغي للزّوج أن يتساهل ويتغاضى عن كلّ ما تفعله الزّوجة إذا كان لا يخلّ بالدّين أو الشّرف.

ومن حقوق الزّوجة على زوجها: أن يقوم بواجب نفقتها من الطّعام والشّراب والكسوة والمسكن وتوابع ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة:233]، [البقرة:233]، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَلَهُنَّ ‌عَلَيْكُمْ ‌رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، وسئل: مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ، قَالَ: ‌«أَنْ ‌تُطْعِمَهَا ‌إِذَا ‌طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» رواه أبو داود.

ومن حقوق الزّوجة على زوجها: أن يعدل بينها وبين جارتها إن كان له زوجة ثانية، يعدل بينهما في الإنفاق والسّكنى والمبيت وكلّ ما يمكنه العدل فيه؛ فإنّ الميل إلى إحداهما كبيرة من الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: «‌مَنْ ‌كَانَتْ ‌لَهُ ‌امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»، وأمّا ما لا يمكنه أن يعدل فيه؛ كالمحبّة وراحة النّفس، فإنّه لا إثم عليه فيه؛ لأنّ هذا بغير استطاعته، قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ﴾ [النساء:129]، {وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ} [النساء:129]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه –رضي الله عنهن-، فيعدل، ويقـول: «‌اللَّهُمَّ ‌هَذَا ‌قَسْمِي ‌فِيمَا ‌أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ».

ولكن لو فضّل إحداهما على الأخرى في المبيت برضاها فلا بأس، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة حين وهبته سودة لعائشة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل وهو في مرضه الّذي مات فيه: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتّى مات.

أمّا حقوق الزّوج على زوجته فهي أعظم من حقوقها عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ [البقرة:228]، [البقرة:228]، والرّجل قوّام على المرأة، يقوم بمصالحها وتأديبها وتوجيهها، كما قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ [النساء:34]. [النساء:34].

فمن حقوق الزّوج على زوجته: أن تطيعه في أمره إلّا بمعصية الله، وأن تحفظه في سرّه وماله، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «‌لَوْ ‌كُنْتُ ‌آمِرًا ‌أَحَدًا ‌أَنْ ‌يَسْجُدَ، ‌لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ‌دَعَا ‌الرَّجُلُ ‌امْرَأَتَهُ ‌إِلَى ‌فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».

ومن حقوقه عليها: ألّا تعمل عملا يضيع عليه كمال الاستمتاع حتّى ولو كان ذلك تطوّعا بعبادة؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لَا ‌يَحِلُّ ‌لِامْرَأَةٍ ‌أَنَّ ‌تَصُومَ ‌وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، ولَا تَأْذَنَ لأحد فِي بَيْتِهِ إِلَّا بإِذْنِهِ». ‌

ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى الزّوج عن زوجته من أسباب دخولها الجنّة، فروى التّرمذيّ من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ ‌وَزَوْجُهَا ‌عَنْهَا ‌رَاضٍ، ‌دَخَلَتْ ‌الْجَنَّةَ».

*

الحقّ السّابع: حقوق الولاة والرّعيّة

الولاة: هم الّذين يتولّون أمور المسلمين، سواء كانت الولاية عامّة كالرّئيس الأعلى في الدّولة، أم خاصّة كالرّئيس على إدارة معيّنة أو عمل معيّن، وكلّ هؤلاء لهم حقّ يجب القيام به على رعيّتهم، ولرعيّتهم حقّ عليهم كذلك.

فحقوق الرّعيّة على الولاة: أن يقوموا بالأمانة الّتي حمّلهم الله إيّاها، وألزمهم القيام بها، من النّصح للرّعيّة، والسّير بها على النّهج القويم الكفيل بمصالح الدّنيا والآخرة، وذلك باتّباع سبيل المؤمنين، وهي الطّريق الّتي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ فيها السّعادة لهم ولرعيّتهم، ومن تحت أيديهم، وهي أبلغ شيء يكون به رضى الرّعيّة عن رعاتهم، والارتباط بينهم، والخضوع لأوامرهم وحفظ الأمانة فيما يولّونه إيّاهم، فإنّ من اتّقى الله اتّقاه النّاس، ومن أرضى الله كفاه الله مؤونة النّاس وأرضاهم عنه؛ لأنّ القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء.

وأمّا حقوق الولاة على الرّعيّة فهي: النّصح لهم فيما يتولّاه الإنسان من أمورهم، وتذكيرهم إذا غفلوا، والدّعاء لهم إذا مالوا عن الحقّ، وامتثال أمرهم في غير معصية الله؛ لأنّ في ذلك قوام الأمر وانتظامه، وفي مخالفتهم وعصيانهم انتشار الفوضى وفساد الأمور، ولذلك أمر الله بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء:59] الآية، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ} [النساء:59] الآية، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى ‌الْمَرْءِ ‌الْمُسْلِمِ ‌السَّمْعُ ‌وَالطَّاعَةُ، فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَمَنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ عَلَيْهِ وَلَا طَاعَةً» متّفق عليه.

وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «الصّلاة جامعة» فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: « إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ. وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا. وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا. وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضها. وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي. ثُمَّ تَنْكَشِفُ. وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ. ‌فَمَنْ ‌أَحَبَّ ‌أَنْ ‌يُزَحْزَحَ ‌عَنِ ‌النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر. وليأت إلى الناس الي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ. وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ. فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخر» رواه مسلم، وسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَقَالَ: ‌اسْمَعُوا ‌وَأَطِيعُوا، ‌فَإِنَّمَا ‌عَلَيْهِمْ ‌مَا ‌حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ».

ومن حقوق الولاة على الرّعيّة: مساعدة الرّعيّة لولاتهم في مهمّاتهم، بحيث يكونون عونا لهم على تنفيذ الأمر الموكول إليهم، وأن يعرف كلّ واحد دوره ومسؤوليّته في المجتمع حتّى تسير الأمور على الوجه المطلوب؛ فـإنّ الولاة إذا لم تساعدهم الرّعيّـة على مسؤوليّاتهم لم تـأت على الوجه المطلوب.

*

الحقّ الثّامن: حقّ الجيران

الجار هو: القريب منك في المنزل، وله حقّ كبير عليك، فإن كان قريبا منك في النّسب، وهو مسلم، فله ثلاثة حقوق: حقّ الجوار، وحقّ القرابة، وحقّ الإسلام، وإن كان مسلما، وليس بقريب في النّسب، فله حقّان: حقّ الجوار، وحقّ الإسلام، وكذلك إن كان قريبا، وليس بمسلم، فله حقّان: حقّ الجوار، وحقّ القرابـة، وإن كان بعيدا غير مسلم فله حقّ واحد: حقّ الجوار.

قال الله تعالى: {وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ } [النساء:36] الآية، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَا ‌زَالَ ‌جِبْرِيلُ عليه السلام ‌يُوصِينِي ‌بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيْوَرِّثُهُ» متّفق عليه.

فمن حقوق الجار على جاره: أن يحسن إليه بما استطاع من المال والجاه والنّفع، فقد قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ««‌خَيْرُ ‌الْجِيرَانِ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ عز وجل خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ»، وقـال: «مَنْ ‌كَانَ ‌يُؤْمِنُ ‌بِاللَّهِ ‌وَالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ ‌فَلْيُحْسِنْ ‌إِلَى ‌جَارِهِ»، وقال أيضا: «إِذَا ‌طَبَخْتَ ‌مَرَقَةً ‌فَأَكْثِرْ ‌مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ».

ومن الإحسان إلى الجار: تقديم الهدايا إليه في المناسبات، فإنّ الهديّة تجلب المودّة، وتزيل العداوة.

ومن حقوق الجار على جاره: أن يكف عنه الأذى القوليّ والفعليّ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واللَّه لَا يُؤْمِنُ، واللَّه لَا يُؤْمِنُ، واللَّه لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الَّذِي ‌لَا ‌يَأْمَنُ ‌جَارُهُ ‌بَوَائِقَهُ»، وفي رواية: «لَا ‌يَدْخُلُ ‌الْجَنَّةَ ‌مَنْ ‌لَا ‌يَأْمَنُ ‌جَارُهُ ‌بَوَائِقَهُ»، والبوائق: الشّرور، فمن لا يأمن جاره شرّه فليس بمؤمن، ولا يدخل الجنّة.

وكثير من النّاس الآن لا يهتمّون بحقّ الجوار، ولا يأمن جيرانهم من شرورهم، فتراهم دائما في نزاع معهم وشقاق واعتداء على الحقوق، وإيذاء بالقول أو بالفعل، وكلّ هذا مخالف لما أمر الله به ورسوله، وموجب لتفكّك المسلمين، وتباعد قلوبهم، وإسقاط بعضهم حرمة بعض.

*

الحقّ التّاسع: حقوق المسلمين عموما

وهذه الحقوق كثيرة جدّا، فمنها: ما ثبت في الصّحيح أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، ‌وَإِذَا ‌اسْتَنْصَحَكَ ‌فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ»، ففي هذا الحديث بيان عدّة حقوق بين المسلمين:

الحقّ الأوّل: السّلام، فالسّلام سنّة مؤكّدة، وهو من أسباب تآلف المسلمين وتوادّهم، كما هو مشاهد، وكما يدلّ عليه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «والله، لَا ‌تَدْخُلُوا ‌الْجَنَّةَ ‌حَتَّى ‌تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ من لقيه بالسّلام، ويسلّم على الصّبيان إذا مر بهم.

والسّنّة أن يسلّم الصّغير على الكبير، والقليل على الكثير، والرّاكب على الماشي، ولكن إذا لم يقم بالسّنّة من هو أولى بها فليقم بها الآخر؛ لئلّا يضيع السّلام، فإذا لم يسلّم الصّغير فليسلّم الكبير، وإذا لم يسلّم القليل فليسلّم الكثير؛ ليحوز الأجر.

قال عمّار بن ياسر رضي الله عنهما: «ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ استكمل الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، ‌وَالإِنْفَاقُ ‌مِنَ ‌الإِقْتَارِ».

وإذا كان بدء السّلام سنّة فإنّ ردّه فرض كفاية، إذا قام به من يكفي أجزأ عن الباقين، فإذا سلم على جماعة، فردّ واحد منهم، أجزأ عن الباقين، قـال الله تعالـى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾ الآيـة [النساء:86]، {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ } الآيـة [النساء:86]، فلا يكفي في ردّ السّلام أن يقول: «أهلا وسهلا» فقط؛ لأنّها ليست أحسن منه ولا مثله، فإذا قال: «السّلام عليكم» فليقل: «وعليكم السّلام»، وإذا قال: «أهلا» فليقل: «أهلا»، مثلا بمثل، وإن زاد تحيّة فهو أفضل.

الحقّ الثّاني: «إذا دعاك فأجبه» أي: إذا دعاك إلى منزله؛ لتناول طعام أو غيره، فأجبه، والإجابة إلى الدّعوة سنّة مؤكّدة؛ لما فيها من جبر قلب الدّاعي، وجلب المودّة والألفة.

ويستثنى من ذلك: وليمة العرس، فإنّ الإجابـة إلى الدّعـوة إليها واجبة بشروط معروفـة؛ لقـول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ««‌وَمَنْ ‌لَمْ ‌يُجِبْ ‌فَقَدْ ‌عَصَى ‌اللَّهَ ‌وَرَسُولَهُ».

ولعلّ قوله: «إذا دعاك فأجبه» يشمل حتّى الدّعوة لمساعدته ومعاونته، فإنّك مأمور بإجابته، فإذا دعاك لتعينه في حمل شيء أو إلقائه أو نحو ذلك فإنّك مأمور بمساعدته؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «‌الْمُؤْمِنُ ‌لِلْمُؤْمِنِ ‌كَالْبُنْيَانِ ‌يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».

الحقّ الثّالث: «إذا استنصحك فانصحه» يعني: إذا جاء إليك يطلب نصيـحتك لـه في شيء فانصحـه؛ لأنّ هـذا من الدّين، كـما قـال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ‌‌«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، ‌وَلِأَئِمَّةِ ‌الْمُسْلِمِينَ ‌وَعَامَّتِهِمْ»

أمّا إذا لم يأت إليك يطلب النّصيحة، فإن كان عليه ضرر أو إثم فيما سيقدم عليه وجب عليك أن تنصحه، وإن لم يأت إليك؛ لأنّ هذا من إزالة الضّرر والمنكر عن المسلمين، وإن كان لا ضرر عليه فيما سيفعل ولا إثم، ولكنك ترى أنّ غيره أنفع، فإنّه لا يجب عليك أن تقول له شيئا إلّا أن يستنصحك، فتلزم النّصيحة.

الحـقّ الرّابـع: «إذا عطـس، فحمـد الله، فشمّتـه» أي: قـل لـه: «يرحمك الله»؛ شكرا له على حمده لربّه عند العطاس، أمّا إذا عطس، ولم يحمد الله، فإنّـه لا حقّ لـه، فـلا يشمّت؛ لأنّه لمّا لم يحمد الله كان جزاؤه ألّا يشمّت.

وتشميت العاطس إذا حمد فرض، ويجب عليه الرّدّ، فيقول: «يهديكم الله، ويصلح بالكم».

وإذا استمرّ معه العطاس، وشمّتّه ثلاثا، فقل له في الرّابعة: «عافاك الله» بدلا عن قولك: «يرحمك الله».

الحقّ الخامس: «إذا مرض فعده»، وعيادة المريض: زيارته، وهي حقّ له على إخوانه المسلمين، فيجب عليهم القيام بها، وكلّما كان للمريض حقّ عليك من قرابة أو صحبة أو جوار كانت عيادته أوكد.

والعيادة بحسب حال المريض، وبحسب حال المرض، فقد تتطلّب الحال كثرة التّردّد إليه، وقد تتطلّب الحال قلّة التّردّد إليه، فالأولى مراعاة الأحوال.

والسّنّة لمن عاد مريضا: أن يسأل عن حاله، ويدعو له، ويفتح له باب الفرج والرّجاء؛ فإنّ ذلك من أكبر أسباب الصّحّة والشّفاء، وينبغي أن يذكره التّوبة بأسلوب لا يروعه، فيقول له مثلا: إنّك في مرضك هذا تكتسب خيرا، فإنّ المرض يكفر الله به الخطايا، ويمحو به السّيّئات، ولعلّك تكتسب بانحباسك أجرا كثيرا بكثرة الذّكر والاستغفار والدّعاء.

الحقّ السّادس: «إذا مات فاتّبعه»، فاتّباع الجنازة من حقوق المسلم على أخيه، وفيه أجر كبير، فقد ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من تبع الجنازة حتّى يصلّى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتّى تدفن فله قيراطان»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين».

ومن حقوق المسلم على المسلم: كفّ الأذى عنه، فإنّ في أذيّة المسلمين إثما عظيما، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب:58]. {وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا } [الأحزاب:58].

والغالب أنّ من تسلّط على أخيه بأذيّة فإنّ الله ينتقم منه في الدّنيا قبل الآخرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌لَا ‌تَبَاغَضُوا ‌وَلَا ‌تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، ‌بِحَسْبِ ‌امْرِئٍ ‌مِنَ ‌الشَّرِّ ‌أَنْ ‌يَحْقِرَ ‌أَخَاهُ ‌الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».

وحقوق المسلم على المسلم كثيرة، ولكن يمكن أن يكون المعنى الجامع لها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»، فإنّه متى قام بمقتضى هذه الأخوة اجتهد أن يتحرّى له كلّ خير، وأن يجتنب كلّ ما يضرّه.

*

الحقّ العاشر: حقّ غير المسلمين

غير المسلمين يشمل جميع الكافرين، وهم أصناف أربعة: حربيّون، ومستأمنون -بكسر الميم- ومعاهدون، وذمّيّون.

فأمّا الحربيّون فليس لهم علينا حقّ من حماية أو رعاية.

وأمّا المستأمنون فلهم علينا حقّ الحماية في الوقت والمكان المحدّدين لتأمينهم؛ لقول الله تعالى: {وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ} الآية [التوبة:6].

وأمّا المعاهدون فلهم علينا الوفاء بعهدهم إلى المدّة الّتي جرى الاتّفاق عليها بيننا وبينهم ما داموا مستقيمين لنا على العهد لم ينقصونا شيئا، ولم يعينوا أحدا علينا، ولم يطعنوا في ديننا؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:4]، [التوبة:4]، وقوله: {وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ } الآية [التوبة:12].

وأمّا الذّمّيّون فهم أكثر هؤلاء الأصناف حقوقا فيما لهم وعليهم، ذلك لأنّهم يعيشون في بلاد المسلمين، وتحت حمايتهم ورعايتهم، بالجزية الّتي يبذلونها.

فيجب على وليّ أمر المسلمين أن يحكم فيهم بحكم الإسلام في النّفس والمال والعرض، وأن يقيم الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه، ويجب عليه حمايتهم، وكفّ الأذى عنهم.

ويجب أن يتميّزوا عن المسلمين في اللّباس، وألّا يظهروا شيئا منكرا في الإسلام، أو شيئا من شعائر دينهم، كالنّاقوس والصّليب، وأحكام أهل الذّمّة موجودة في كتب أهل العلم لا نطيل بها هنا.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حرّره الفقـير إلى الله تعالـى

محمّد الصّالح العثيمين

*