المنهج لمريد العمرة والحج
كتيب يحتوي على دليل مفصل حول مناسك الحج والعمرة، يشرح بدقة الخطوات والآداب الواجب اتباعها خلال تأدية هذه الشعائر. يبدأ بالتأكيد على أهمية الحج في الإسلام كونه أحد أركان الإسلام الخمسة. ويشدد على ضرورة الإخلاص في النية واتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأفعال والأقوال أثناء تأدية هذه الشعيرة المباركة.
المَنهَجُ لِـمُريدِ العُمرَةِ وَالحَجِّ
بقلم فضيلة الشَّيخ العلاَّمة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المُقدِّمة
الحمد للَّه نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين وسلم تسليمًا، أما بعد:
فإن الحجَّ من أفضل العبادات وأجلِّ الطاعات؛ لأنه أحد أركان الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، والتي لا يستقيم دِين العبد إلَّا بها.
ولمَّا كانت العبادة لا يستقيم التقرب بها إلى الله ولا تكون مقبولة إلَّا بأمرين:
أحدهما: الإخلاص للَّه عزَّ وجل؛ بأن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد بها رياءً ولا سمعة.
الثاني: اتِّباع النبي ﷺ فيها قولاً وفعلاً؛ والاتباع للنبي ﷺ لا يمكن تحقيقه إلَّا بمعرفة سُنَّة النبي ﷺ، لذلك كان لا بد لمن أراد تحقيق الاتباع أن يتعلم سُنَّته ﷺ؛ بأن يتلقاها من أهل العلم بها؛ إمَّا بطريق المكاتبة أو بطريق المُشافهة، وكان من واجب أهل العلم الَّذين وَرِثوا النبي ﷺ وخَلَفوه في أمته أن يطبقوا عباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم على ما عَلِموه من سُنَّة نبيهم ﷺ، وأن يُبلِّغوا ذلك إلى الأمَّة ويدعوهم إليه؛ ليتحقق لهم ميراث النبي ﷺ عِلماً وعَملاً، وتبليغاً ودعوةً، وليكونوا من الرابحين الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصبر.
وهذه خلاصة فيما يتعلق بمناسك الحج والعمرة، مَشَيت فيها على ما أعرفه من نصوص الكتاب والسُنَّة، راجياً من الله تعالى أن تكون خالصةً له، نافعةً لعباده.
المؤلف
* * *
آدابُ السَّفر
ينبغي لمن خرج إلى الحج أو غيره من العبادات أن يستحضر نيَّة التقرب إلى الله تعالى في جميع أحواله؛ لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مُقَرِّبَةً له إلى الله تعالى، فَـ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[1]. [1] أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (1)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنية» وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، رقم (1907)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وينبغي أن يتخلَّق بالأخلاق الفاضلة، مثل: الكَرم والسَّماحة والشَّهامة، والانبساط إلى رفقته وإعانتهم بالمال والبدن، وإدخال السُّرور عليهم، هذا بالإضافة إلى قيامه بما أوجب الله عليه من العبادات واجتناب المحرمات.
وينبغي أن يُكثر من النفقة ومتاع السفر، ويستصحب فوق حاجته من ذلك؛ احتياطًا لما يَعرِض من الحاجات.
وينبغي أن يقول عند سفره وفي سفره ما ورد عن النبي ﷺ، ومن ذلك:
1- إذا وضع رجله على مركوبه قال: «بِسم الله». فإذا استقرَّ عليه، فليذكر نعمة الله على عباده بتيسير المركوبات المتنوعة، ثمَّ لِيقل: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ،»[2]. [2] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، رقم (1342)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
2- التَّكبير إذا صعـد مكانًا علـوًا، والتَّسبيـح إذا هبـط مكـانًا منخفضًا[3]. [3] أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب التسبيح إذا هبط واديًا، رقم (2993)، من حديث جابر رضي الله عنه.
3- إذا نزل منزلاً فليقل: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»[4]. فإنَّ من قالها لم يَضُرَّهُ شيءٌ حتى يرتحل من منزله الَّذي قالها فيه. [4] أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، رقم (2708) من حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها.
* * *
سَفَرُ المَرأة
لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج أو غيره إلَّا ومعها مَحرم، سواءٌ كان السَّفر طويلاً أم قصيرًا، وسواءٌ كان معها نساء أم لا، وسواءٌ كانت شابةً أم عجوزًا؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[5]. [5] أخرجه البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء، رقم (1862)، ومسلم: كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم (1341)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
والحكمة في منع المرأة من السَّفر بلا مَحرم: قُصور المرأة في عقلها والدِّفاع عن نفسها، وهي مطمع الرِّجال، فربما تُخدع أو تُقهر، أو تكون ضعيفة الدِّين، فتندفع وراء شهواتها، ويكون فيها مطمع للطامعين، والمَحرم يحميها ويصُون عرضها ويدافع عنها؛ ولذلك يُشترط أن يكون بالغًا عاقلاً؛ فلا يكفي الصَّغير الذي لم يبلُغ، ولا من لا عقل له.
والمَحرم زوج المرأة، وكلُّ من تَحرُم عليه تحريمًا دائمًا بقرابةٍ أو رضاعٍ أو مصاهرةٍ، فالمحارم من القرابة سبعة:
1- الآباء والأجداد وإن علوا، سواءٌ من قِبل الأم، أو من قِبل الأب.
2- الأبناء وأبناء الأبناء وأبناء البنات، وإن نزلوا.
3- الإخوة، سواءٌ كانوا إخوة أشقاء، أو لأب أو لأم.
4- أبناء الإخوة، سواءٌ كانوا أبناء إخوة أشقاء، أو أبناء إخوة من الأب، أو أبناء إخوة من الأم.
5- أبناء الأخوات، سواءٌ كانوا أبناء أخوات شقيقات، أو من الأب، أو من الأم.
6- الأعمام، سواءٌ كانوا أعمامًا أشقاء، أو من الأب، أو من الأم.
7- الأخوال، سواءٌ كانوا أخوالاً أشقاء، أو من الأب، أو من الأم.
والمَحارم من الرَّضاع نظير المَحارم من القرابة؛ لقول النبي ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[6]. [6] أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، رقم (2645)، ومسلم: كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، رقم (1447)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
والمَحارم بالمُصاهرة:
1- أبناء زوج المرأة، وأبناء أبنائه، وأبناء بناته، وإن نزلوا، سواءٌ كانوا من زوجة قبلها أو معها أو بعدها.
2- آباء زوج المرأة وأجداده، وإن علوا، سواءٌ أجداده من قبل أبيه أو من قبل أمه.
3- أزواج البنات، وأزواج بنات الأبناء، وأزواج بنات البنات، وإن نزلن.
وهؤلاء الثلاث تثبت المحرمية فيهم بمجرد العقد، حتى ولو فارقها بموتٍ أو طلاقٍ أو فسخٍ، فإنَّ المحرمية تبقى لهؤلاء.
4- أزواج الأمهات، وأزواج الجدَّات، وإن علون، لكنَّ هؤلاء الأزواج لا يصيرون محارم لبنات زوجاتهم، أو بنات أبناء زوجاتهم، أو بنات بنات زوجاتهم حتى يطؤوا الزوجات، فإذا حصل الوَطء صار الزوج محرماً لبنات زوجته من زوجٍ قبله أو زوجٍ بعده، وبنات أبنائها وبنات بناتها، ولو طلقها بعد، أمَّا إذا عقد على المرأة ثمَّ طلقها قبل الوَطء، فإنَّه لا يكون مَحرمًا لبناتها، ولا لبنات أبنائها، ولا لبنات بناتها.
* * *
صَلاةُ المُسافِر
دين الإسلام دين اليسر والسهولة لا حرج فيه ولا مشقَّة، وكلَّما وُجِدت المشقََة فتح الله لليسر أبوابًا؛ قال الله تعالى: ﴿...هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ...﴾ [الحج:78]. وقال النبي ﷺ: «الدِّينُ يُسْرٌ»[7]. وقال أهلُ العِلم : «المَشَقَّةُ تَجلِبُ التَّيسِيرَ». [7] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم (39)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ولمَّا كان السَّفر مظِنَّة المشقَّة غالبًا خُفٍّفَت أحكامه؛ فمن ذلك:
1- جواز التَّيمم للمسافر إذا لم يجد الماء، أو كان معه من الماء ما يحتاجه لأكله وشربه، لكن متى غلب على ظنه أنه يَصل إلى الماء قبل خروج الوقت المُختار، فالأفضل تأخير الصلاة حتى يَصل إلى الماء؛ ليتطهر به.
2- إنَّ المشروع في حقِّ المسافر أن يقصُر الصلاة الرباعية؛ فيجعلها رَكعتين من حين يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، ولو طالت المُدة؛ لِما ثبت في (صحيح البخاري) عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ»[8]. وأقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصُر الصلاة[9]. [8] أخرجه البخاري: أبواب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، رقم (1080)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [9] أخرجه أبو داود: تفريع صلاة السفر، باب إذا أقام بأرض العدو يقصر، رقم (1235)، من حديث جابر رضي الله عنه.
لكن إذا صلَّى المسافر خلف إمامٍ يصلِّي أربعًا، فإنَّه يصلِّي أربعًا تَبَعاً لإمامه، سواءٌ أدرك الإمام من أول الصلاة أو في أثنائها، فإذا سلَّم الإمام أتى بتمام الأربع؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»[10]. وعُموم قوله: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»[11]. وسُئل ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: ما بالُ المسافر يصلِّي رَكعتين إذا انفرد، وأربعًا إذا ائتَمَّ بمُقيم؟ فقال: "تِلْكَ السُّنَّةَ"[12]. [10] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، رقم (689)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، رقم (411)، من حديث أنس رضي الله عنه. [11] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار، رقم (636)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعياً، رقم (602)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [12] أخرجه الإمام أحمد (1/ 216).
"وَكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما إِذَا صَلَّى مَعَهُمْ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يعني: فِي السَّفَر"[13]. [13] أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، رقم (694).
3- إنَّ المشروع في حقِّ المسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا احتاج إلى الجمع، مثل: أن يكون مستمرًا في سيره، والأفضل حينئذٍ أن يفعل ما هو الأرفق به من جمع التقديم أو التأخير.
أمَّا إذا كان غير محتاج إلى الجمع، فـالأفضل ألَّا يجمع، وإن جمـع فـلا بأس، مثاله: أن يكـون نازلاً في محل، لا يـريد أن يرتحل منه إلَّا بعد دخول وقت الصلاة الثانية، فيصلي كلَّ فرض في وقته؛ لأنه لا حاجة بـه إلى الجمع.
* * *
المَواقِيت
المَواقِيتُ: هي الأمكِنةُ الََتي عيَّنها النَّبيُّ ﷺ لِيُحرِمَ منها مَنْ أَرادَ الحَجََ أو العُمرَةَ، والمَواقِيتُ خَمسَةٌ:
الأول: ذُو الحُليفَـة: ويُسمـى (أَبيَارَ علـيٍ)، ويُسميه بعضُ الناس (الحَسَاء)، وبينه وبين مكة نحو عشر مراحل، وهو ميقاتُ أهلِ المدينة، ومن مرََ به من غيرهم.
الثاني: الجُحفَة: وهي قرية قديمة بينها وبين مكة نحو خمس مراحل، وقد خَرِبَت فصار الناس يُحرِمون بدلها من (رَابِغ)، وهي ميقاتُ أهلِ الشََام ومن مرََ بها مِن غيرهم.
الثالث: يَلَملَم: وهو جبلٌ أو مكانٌ بتِهَامَـة، بينه وبين مكـة نحـو مرحلتين، وهو ميقاتُ أهل اليمنِ ومن مرََ به من غيرهم.
الرابع: قَرْنُ المَنَازِل: ويُسمى (السََيْل)، بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقاتُ أهلِ نجدٍ ومن مرََ به من غيرهم.
الخامس: ذَاتُ عِرْقٍ: ويُسمََى (الضََرِيبَة)، بينها وبين مكة مرحلتان، وهي ميقاتُ أهلِ العِراق ومن مرََ بها من غيرهم.
ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فإنَّ ميقاتَهُ مكانُهُ؛ فيُحرِم منه، حتى أهلُ مكة من مكة، هذا إذا أحرموا بحجٍ، أمَّا بعمرةٍ فيُحرِمون من الحِل؛ لقول النبي ﷺ لِعبدِ الرَّحمن بِن أبي بَكرٍ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ -يَعنِي عَائِشَةَ- مِنَ الْحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ»[14]. [14] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّ﴾ [البقرة:197]، رقم (1560)، ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه، رقم (1211)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ومن كان طريقه يمينًا أو شمالًا من هذه المواقيت، فإنه يُحرم حين يُحاذي أقرب المواقيت إليه، ومن كان في طائرة، فإنه يُحرم إذا حاذى الميقات من فوق، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه نوى الإحرام في الحال، ولا يجوز تأخيره، هذا وبعض الناس يكون في الطائرة وهو يريد الحج أو العمرة، فيحاذي الميقات ولا يُحرم منه، بل يؤخِّر إحرامه حتى يَنزل في المطار، وهذا لا يجوز؛ لأنـه مِن تعدِّي حدود الله تعالى. نعم، لـو مرَّ بالميقات وهو لا يـريد الحج ولا العمرة، ولكنه بعد ذلك نوى الحج أو العمرة، فإنه يُحرم من مكان نيَّته، ولا شيء عليه.
ومن مرَّ بهذه المواقيت وهو لا يريد الحج ولا العمرة، وإنَّما يريد مكة؛ لزيارة قريب، أو تجارة، أو طلب علم، أو علاج، أو غيرها من الأغراض فإنه لا يجب عليه الإحرام؛ لحديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ وقَّت المَواقيت، ثمَّ قال: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ»[15]. فعلَّق الحكم بمن يريد الحج أو العمرة، فمفهومه أنَّ من لا يريد الحج والعمرة لا يجب عليه الإحرام منها، وإرادة الحج أو العمرة غير واجبة على من أدَّى الفرض والحج لا يجب في العُمر إلا مَرَّة؛ لقول النبي ﷺ: «الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ»[16]. لكنَّ الأولى ألَّا يَحرم نفسه من التطوع بالنُّسك؛ لِيَحصُل له الأجر؛ لسهولة الإحرام في هذا الوقت، ولله الحمد والمِنَّة. [15] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، رقم (1524)، ومسلم: كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، رقم (1181)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [16] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، رقم (1337)، وأحمد (1/290)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
* * *
أنواع الأنسَاك
الأنسَاك ثلاثة: تَمتُّع، وإفراد، وقِران.
فالتمتُّع: أن يُحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة، وحلق أو قصَّر، فإذا كان يوم التروية: وهو اليوم الثامن من ذِي الحِجَّة أحرم بالحج وحده، وأتى بجميع أفعاله.
والإفراد: أن يُحرم بالحج وحده، فإذا وصل مكة طاف للقُدوم، ثمَّ سعى للحج، ولا يحلق ولا يقصِّر، ولا يَحل من إحرامه بل يبقى مُحرمًا حتى يَحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد، وإن أخَّر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.
والقِران: أن يُحرم بالعمرة والحج جميعًا، أو يُحرم بالعمرة أولًا ثمَّ يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، وعمل القارن كعمل المفرِد سواء، إلَّا أنَّ القارن عليه هَدي والمفرِد لا هَدي عليه.
وأفضـل هذه الأنـواع الثلاثـة التمتُّع، وهو الذي أمَر بـه النبي ﷺ أصحابه وحثَّهم عليه، حتى لو أَحرم الإنسان قارنًا أو مفرَدًا، فإنه يتأكد عليه أن يقلب إحرامه إلى عمرة؛ ليصير متمتعًا ولو بعد أن طاف وسعى؛ لأن النبي ﷺ لمَّا طاف وسعى عام حَجَّة الوداع ومعه أصحابه أمَر كلَّ من ليس معه هَدي أن يقلب إحرامه عمرة ويُقَصِّر ويَحِل، وقال: «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ»[17]. [17] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، رقم (1568)، ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، رقم (1216)، من حديث جابر رضي الله عنه.
هذا وقد يُحرم الإنسان بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، ثمَّ لا يتمكن من إتمام العمرة قبل الوقوف بعرفة، ففي هذه الحال يُدخل الحج على العمرة ويصير قارنًا، ولنمثل لذلك بمثالين:
المثال الأول: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضَت أو نَفِسَت قبل أن تطوف، ولم تطهُر حتى جاء وقت الوقوف بعرفة، فإنَّها في هذه الحال تنوي إدخال الحج على العمرة وتكون قارنة، فتستمر في إحرامها وتفعل ما يفعله الحاج غير أنَّها لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهُر وتغتسل.
المثال الثاني: إنسان أَحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، فحصل له عائق يمنعه من الدخول إلى مكة قبل يوم عرفة، فإنه ينوي إدخال الحج على العمرة ويكون قارنًا، فيستمر في إحرامه، ويفعل ما يفعله الحاج.
* * *
المُحرم الذي يلزمه الهَدي
المُحرم الذي يلزمه الهَدي هو المتمتع والقارن؛ أمَّا المفرِد فلا يلزمه.
فالمتمتع: هو الذي يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، أي: بعد دخول شوال ويَحِل منها، ثم يُحرم بالحج في عامه، فإن أَحرم بالعمرة قبل دخول شهر شوال فليس بمتمتع، فلا هَدي عليه سواءٌ كان قد صام رمضان بمكة أم لا، فصيام رمضان بمكة لا أثر له، وإنما العبرة بعقد إحرام العمرة، فمتى كان قبل دخول شهر شوال فلا هَدي عليه، وإن كان بعد دخول شهر شوال فهو متمتع يلزمه الهَدي إذا تمَّت شروط الوجوب. وأمَّا ما يعتقده بعض العوام من أنَّ العبرة بصيام رمضان، وأنَّ من صام بمكة فلا هَدي عليه، ومن لم يَصُم بها فعليه هَدي، فهذا اعتقاد غير صحيح.
وأما القارِن: فهو الذي يُحرم بالعمرة والحج جميعًا، أو يُحرم بالعمرة ثمَّ يُدخل الحج عليها قبل الشُّروع في طوافها.
ولا يجب الهَدي على المتمتع والقارن إلَّا بشرط ألَّا يكونا من حاضري المسجد الحرام، فإن كانا من حاضري المسجد الحرام فلا هَدي عليهما. وحاضرو المسجد الحرام: هم أهل الحرم، ومن كانوا قريبين منه بحيث لا يكون بينهم وبين الحرم مسافة تُعَدُّ سفرًا، كأهل الشَّرائع ونحوهم، فإنه لا هَدي عليهم، وأمَّا من كانوا بعيدين من الحرم بحيث يكون بينهم وبينه مسافة تعد سفرًا، كأهل جدة فإنه يلزمهم الهَدي. ومن كان من أهل مكة، ثمَّ سافر إلى غيرها لطلب علم أو غيره، ورجع إليها متمتعًا فإنه لا هَدي عليه؛ لأن العِبرة بمحل إقامته وسُكناه وهي مكة، إلَّا إذا انتقل إلى غير مكة للسُّكنى، فإنه إذا رجع إليها متمتعًا يلزمه الهَدي؛ لأنه حينئذٍ ليس من حاضري المسجد الحرام.
والهَدي الواجب على المتمتع والقارِن شاة تُجزئ في الأضحية، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق؛ وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذِي الحِجَّة، ويجوز أن يصومها قبل ذلك بعد إحرام العمرة، لكن لا يصومها يوم العيد ولا بعرفة؛ لأن النبي ﷺ نَهى عن صوم يومي العيدين[18]، ونَهى عن صوم يوم عرفة بعرفة[19]، ويجوز أن يصوم هذه الأيام الثلاثة متوالية ومتفرقة، لكن لا يؤخرها عن أيام التشريق، وأمَّا السبعة الباقية فيصومها إذا رجع إلى أهله؛ إن شاء صامها متوالية، وإن شاء متفرقة. [18] أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب صوم يوم الفطر، رقم (1990)، ومسلم: كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، رقم (1137)، من حديث عمر. [19] أخرجه أبو داود: كتاب الصوم، باب في صوم يوم عرفة بعرفة، رقم (2440)، وابن ماجه: كتاب الصيام، باب صيام يوم عرفة، رقم (1732)، من حديث أبي هريرة.
وأيام ذبح الهَدي أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيامٍ بعده، فمن ذبح قبل هذه الأيام فشاته شاة لحمٍ لا تُجزئه عن الهَدي؛ لأن النبي ﷺ لم يذبح هَديه قبل يوم العيد. والهَدي من النُّسك، وقد قال ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[20]. وفي الحديث عنه أنه قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»[21]. وأيام التَّشريق هي الأيام الثلاثة التي بعد العيد. [20] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم»، رقم (1297)، من حديث جابر رضي الله عنه. [21] أخرجه أحمد (4/ 82)، من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
ويجوز الذبح في هذه الأيام ليلًا ونهارًا، لكن النهار أفضل. ويجوز أيضًا في مِنى وفي مكة، لكن في مِنى أفضل، إلَّا أن يكون الذَّبح بمكة أنفع للفقراء بحيث يكون الانتفاع به في مِنى يسيرًا، فإنه يتَّبع ما هو أصلح وأنفع، وعلى هذا فلو أخَّر هَديه إلى اليوم الثالث عشر وذبحه بمكة فلا بأس.
واعلم أنَّ إيجاب الهَدي على القادر، أو الصيام على من لم يجد الهَدي ليس غُرمًا على العبد أو إتعابًا لبدنِه بلا فائدة، وإنَّما هو من إتمام النسك وإكماله، ومن رحمة الله وإحسانه حيث شَرع لعباده ما فيه كمال عبادتهم، وتقربهم إلى ربهم، وزيادة أجرهم، ورفعة درجاتهم.
والنفقة فيه مَخلوفةٌ، والسعي فيه مشكور، وكثير من الناس لا يلاحظون هذه الفائدة، ولا يحسبون لهذا الأجر حسابه، فتجدهم يتهربون من وجوب الهَدي، ويسعون لإسقاطه بكلِّ وسيلة، حتى إنَّ بعضهم يُفرد الحج وحده من أجل ألَّا يجب عليه الهَدي، فيَحرمون أنفسهم أجر التمتع وأجر الهَدي، وهذه غفلة ينبغي التنبه لها.
صِفَةُ العُمرَة
إذا أراد أن يُحرم بالعمرة فالمشروع أن يتجرَّد من ثيابه، ويغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيَّب بأطيب ما يجد من دُهن عُود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام؛ لِما في الصَّحيحين من حديث عَائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ تَطَيَّبَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أُرِيَ وَبِيصَ الْمِسْكِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَٰلِكَ»[22]. [22] أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب الطيب في الرأس واللحية، رقم (5923)، ومسلم: كتاب الـحج، باب الطيب للمحـرم عند الإحـرام، رقم (1190)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
والاغتسال عند الإحرام سُنَّة في حقِّ الرجال والنساء، حتى النُّفساء والحائض؛ لأن النبي ﷺ أمر أَسماءَ بِنتَ عُمَيسٍ حين نفست أن تغتسل عند إحرامها وتَستَثفِر بثوبٍ وتُحرم[23]. [23] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.
ثم بعد الاغتسال والطِّيب يلبس ثياب الإحرام، ثمَّ يصلي -غير الحائض والنُّفساء- الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلَّا صلَّى رَكعتين ينوي بهما سُنَّة الوضوء، فإذا فرغ من الصلاة أَحرم وقال: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»[24]. يرفع الرجل صوته بذلك، والمرأة تقوله بقدر ما يسمع من بجنبها. [24] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التلبية، رقم (1549)، ومسلم: كتاب الحج، باب التلبية وصفتها، رقم (1184)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائقٍ يعوقه عن إتمام نسكه، فإنه ينبغي أن يَشترط عند الإحرام؛ فيقول عند عقده: «إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»[25]، أي: إن منعني مانعٌ عن إتمام نسكي من مرضٍ أو تأخرٍ أو غيرهما فإني أَحلُّ من إحرامي؛ لأن النبي ﷺ أمر ضُبَاعَةَ بِنتَ الزُّبَير رضي الله عنها حين أرادت الإحرام وهي مريضة أن تَشترط[26]، وقال: «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[27]. فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه، فإنَّه يَحلُّ ولا شيء عليه. [25] أخرجه النسائي: كتاب مناسك الحج، كيف يقول إذا اشترط، رقم (2766)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [26] أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم (5089)، ومسلم: كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض وغيره، رقم (1207)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [27] أخرجه النسائي كتاب مناسك الحج، كيف يقول إذا اشترط، رقم (2766)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأمَّا من لا يخاف من عائق يعوقه عن إتمام نسكه، فإنه لا ينبغي له أن يَشترط؛ لأن النبي ﷺ لم يَشترط، ولم يأمر بالاشتراط كُلَّ أحد، وإنَّما أمر به ضُبَاعَةَ بِنتَ الزُّبير رضي الله عنها لوجود المرض بها.
وينبغي للمُحرم أن يُكـثر من التلبية، خصوصًا عند تغـير الأحوال والأزمان، مثل: أن يعلو مرتفعًا، أو ينزل منخفضًا، أو يُقبِل الليل أو النهار، وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنَّة، ويستعيذ برحمته من النَّار.
والتلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبتدئ بالطواف، وفي الحج من الإحرام إلى أن يبتدئ برمي جمرة العقبة يوم العيد.
وينبغي إذا قَرُب من مكة أن يغتسل لدخولها؛ لأن النبي ﷺ اغتسل عند دخوله[28]، فإذا دخل المسجد الحرام قدَّم رجله اليمنى، وقال: «بِسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»[29]، ثم يتقدَّم إلى الحَجر الأسود؛ ليبتدئ الطواف، فيستلم الحَجر بيده اليمنى ويُقَبِّلُه، فإن لم يتيسّر تقبيلُه قَبَّلَ يده إن استلمه بها، فإن لم يتيسر استلامه بيده فإنَّه يستقبل الحَجر ويُشير إليه بيده إشارة ولا يُقَبِّلُها، والأفضل ألَّا يُزاحم؛ فيؤذي الناس ويتأذَّى بهم؛ لِمَا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لِعُمَر: «عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ»[30]. [28] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة، رقم (1553)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. [29] أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد، رقم (466)، من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما. [30] أخرجه أحمد (1/28). وعلق فضيلة شيخنا المؤلف رحمه الله في مراجعة أخرى للكتاب بقوله: «هذا الحديث ضعيف».
ويقـول عند استـلام الحَجـر: «بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ»[31]. [31] قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 472): لم أجده هكذا، وقد ذكره صاحب المهذب من حديث جابر، وقد بيَّض له المنذري، والنووي، وأخرجه ابن عساكر من طريق ابن ناجية بسند له ضعيف.
ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت عن يساره، فإذا بلغ الرُكن اليماني استلمه من غير تقبيل، فإن لم يتيسر فلا يُزاحم عليه، ويقول بينه وبين الحَجر الأسود: ﴿...رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة:201]. «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»[32]، وكلَّما مرَّ بالحَجر الأسود كبَّر، ويقول في بقيَّة طوافه ما أحبَّ من ذكرٍ، ودعاءٍ، وقِراءةِ قرآنٍ، «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ»[33]. [32] رواه ابن ماجه، برقم (2957). [33] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب في الرمل، رقم (1888)، والترمذي: أبواب الحج، باب ما جاء كيف تُرمى الجمار، رقم (902)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
وفي هذا الطـواف، أَعني: الطـواف أوَّل ما يَقدَم، ينبغي للرجل أن يفعل شيئين:
أحدهما: الاضْطِبَاع من ابتداء الطواف إلى انتهائه، وصفة الاضْطِبَاع: أن يجعل وسط ردائه داخل إبطِه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف؛ لأن الاضْطِبَاع محلُّه الطواف فقط.
الثاني: الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والرَّمَل: إسراع المشي مع مقاربة الخطوات. وأمَّا الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رَمَل، وإنَّما يمشي كعادته.
فإذا أتمَّ الطواف سبعة أشواط، تقدم إلى مقام إبراهيم، فقَرأ: ﴿...وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗى...﴾ [البقرة:125]. ثمَّ صلى رَكعتين خلفه؛ يَقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ 1﴾ [الكافرون: 1] . وفي الثانية: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ 1﴾ [الإخلاص: 1]. بعد الفاتحة.
فإذا فرغ من صلاة الرَّكعتين، رجع إلى الحَجر الأسود فاستلمه إن تيسر له.
ثمَّ يخرج إلى المَسعى، فإذا دَنا من الصَّفا قرأ: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...﴾ [البقرة:158]. ثمَّ يَرقَى على الصَّفا حتى يرى الكعبة فيستقبلها ويرفع يديه، فيحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو، وكان من دعاء النبي ﷺ هنا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[34]. يُكرِّر ذلك ثلاث مراتٍ، ويدعو بين ذلك. [34] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي ، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.
ثمَّ يَنزِل من الصَّفا إلى المروة ماشيًا، فإذا بلغ العَلَم الأخضر ركض ركضًا شديدًا بقدر ما يستطيع ولا يؤذي، فقد رُوي عن النبي ﷺ: «أَنَّهُ كَانَ يَسْعَى حَتَّى تُرَى رُكْبَتَاهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ»، وفي لفظ: «وَأَنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ»[35] فإذا بلغ العَلَم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يَصِل إلى المروة فيَرقَى عليها، ويستقبل القبلة ويرفع يديه، ويقول ما قاله على الصَّفا، ثم يَنزِل من المروة إلى الصَّفا، فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، فإذا وصل الصَّفا فعل كما فعل أوَّل مرَّة، وهكذا المروة حتى يكمل سبعة أشواطٍ، ذهابه من الصَّفا إلى المروة شوطٌ، ورجوعه من المروة إلى الصَّفا شوطٌ آخر، ويقول في سعيه ما أحبَّ من ذكرٍ، ودعاءٍ، وقِراءةِ قرآنٍ. [35] أخرجه الإمام أحمد (6/ 421) من حديث حبيبة بنت أبي تجراة رضي الله عنها.
فإذا أتمَّ سعيه سبعةَ أشواطٍ حَلَق رأسه إن كان رجلاً، وإن كانت امرأةً فإنَّها تُقَصِّر من كلِّ قَرنٍ أُنمُلَةً.
ويجب أن يكون الحَلقُ شاملًا لجميع الرأس، وكذلك التَّقصِير يعم بـه جميع جهات الرأس، والحَلـقُ أفضل من التَّقصِير؛ لأن النبي ﷺ دعا لِلمُحَلِّقِين ثلاثًا ولِلمُقَصِّرين مرَّة[36]، إلَّا أن يكون وقت الحج قريبًا بحيث لا يتسع لنبات شعر الرأس، فإنَّ الأفضل التَّقصِير؛ ليبقى الرأس للحَلق في الحج، بدليل أن النبي ﷺ أمر أصحابه في حجَّة الوداع أن يُقَصِّروا للعمرة[37]؛ لأنَّ قدومهم كان صبيحة الرابع من ذِي الحِجَّة. [36] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، رقم (1727)، ومسلم: كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، رقم (1301)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. [37] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع والإقران، رقم (1568)، ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، رقم (1216)، من حديث جابر رضي الله عنه.
وبهذه الأعمال تمَّت العمرة، فتكـون العمرة: الإحرام، والطَّـواف، والسَّعي، والحَلق أو التَّقصِير، ثمَّ بعد ذلك يَحِلُّ منها إحلالًا كاملًا، ويفعل كما يفعله المُحِلُّون من اللِّباس، والطِّيب، وإتيان النِّساء، وغير ذلك.
* * *
صِفَــةُ الحَــجِّ
إذا كان يوم التَّروية، وهو اليوم الثامن من ذِي الحِجَّة، أَحرَم بالحج ضُحًى من مكانه الذي أراد الحج منه، ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة من الغُسل والطِّيب والصَّلاة، فينوي الإحرام بالحج ويُلَبِّي. وصِفَة التلبية في الحج كصفة التلبية في العمرة، إلَّا أنَّه يقول هنا: لبَّيكَ حَجًّا، بدل قوله: لبَّيكَ عُمْرَةً. وإن كان خائفًا من عائق يمنعه من إتمام حجه، اشتَرط فقال: «وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»[38]. وإن لم يكن خائفًا لم يشترط. [38] أخرجه النسائي: كتاب مناسك الحج، كيف يقول إذا اشترط، رقم (2766)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ثمَّ يخرج إلى مِنى، فيصلِّي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، قصرًا من غير جمع؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يَقصُر بِمِنى ولا يجمع[39]، والقَصرُ -كما هو معلوم- جعل الصَّلاة الرباعيَّة ركعتين. ويَقصُر أهل مكة وغيرهم بِمِنى وعرفة ومُزدَلِفة؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي بالناس في حَجَّة الوداع ومعه أهل مكة ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجبًا عليهم لأمرهم به كما أمرهم به عام الفَتْح. [39] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.
فإذا طلعت الشَّمس يوم عرفة سار من مِنى إلى عرفة، فنزل بِنَمِرَة إلى الزَّوال -إن تيسَّر له- وإلَّا فلا حرج؛ لأنَّ النُزول بِنَمِرَة سُنَّة.
فإذا زالت الشَّمس صلَّى الظَّهر والعَصر على رَكعتين يجمع بينهما جمع تقديم، كما فعل النبيُّ ﷺ؛ ليطول وقت الوُقوف والدُّعاء.
ثمَّ يتفرَّغ بعد الصَّلاة للذِّكر والدُّعاء، والتَّضرع إلى الله عز وجل، ويدعو بما أحبَّ رافعًا يديه مستقبلًا القِبلة، ولو كان الجَبل خلفه؛ لأنَّ السُّنَّة استقبال القِبلة لا الجَبل، وقد وقف النبيُّ ﷺ عند الجَبل، وقال: [40] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه. «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»[40]،
«وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ»[41]. [41] أخرجه ابن ماجه: كتاب المناسك، باب الموقف بعرفة، رقم (3012)، من حديث جابر رضي الله عنه.
وكان أكثرُ دعاءِ النبيِّ ﷺ في ذلك الموقف العظيم: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»[42]. [42] أخرجه البخاري: أبواب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو، رقم (1797)، ومسلم: كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره، رقم (1344)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
فإن حصل له مللٌ وأراد أن يستجمَّ بالتحدُّث مع أصحابه بالأحاديث النَّافعة، أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة، خصوصًا فيما يتعلق بكَرم الله وجزيل هباته؛ ليُقوي جانب الرَّجاء في ذلك اليوم كان ذلك حسنًا، ثمَّ يعود إلى التَّضرُّع إلى الله ودعائه، ويحرص على اغتنام آخر النَّهار بالدُّعاء، فإنَّ خير الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عرفة.
فإذا غربت الشَّمس سار إلى مُزدَلِفَة.. فإذا وصلها صلَّى المغرب والعِشاء جمعًا، إلَّا أن يَصل مُزدَلِفَة قبل العِشاء الآخرة، فإنه يصلِّي المغرب في وقتها، ثمَّ ينتظر حتى يدخل وقت العِشاء الآخرة فيصليها في وقتها. هذا ما أراه في هذه المسألة.
ويدلُّ على ذلك قول الأصحاب رحمهم الله تعالى في المواقيت في الصَّلاة: تقديمُها -يَعنُون المغرب- أفضلُ إلَّا ليلةَ جمعٍ لِمَنْ قصدها مُحرمًا إن لم يُوافها وقتَ الغروب، فإن وافاها وقتَ الغروب صلَّى المغرب في وقتها ولا يؤخرها. قال في شرح الإقناع: فإن حصل بها وَقتُه لم يؤخرها، بل يصليها في وقتها؛ لأنه لا عذر له. وقالوا في الجمع: ويُؤَخر في مُزدَلِفَة. ثمَّ علَّلُوا ذلك بأنَّ وقت المغرب مشغولٌ بالسَّير إلى مُزدَلِفَة. وقالت المالكية: إن وقف مع الإمام ودفَع معه جَمَعَ في مُزدَلِفَة، وإن لم يقِف مع الإمام ويدفَع معه، بل وقف وحده أو تأخر عن دفع الإمام، صلَّى كلاً من المغرب والعِشاء في وقته. قاله في (جَواهِر الِإكلِيل) (ص181 ج1). وشدَّد ابن حزم رحمه الله فقال: لا تُجزئ صلاة المغرب في تلك الليلة إلَّا بمزدلفة، ولا بُدَّ وبعد غروب الشَّفق ولا بُدَّ[43]. انتهى. [43] المحلى (3/ 165).
وفي (صَحِيح البُخارِي) عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «أنَّه أَتَى المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ أَو قَرِيبًا مِن ذَلكَ، فَأمَرَ رَجُلًا فَأذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْربَ، وَصَلَّى بَعدَهَا رَكعَتَينِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أمَرَ رَجُلًا فَأذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ رَكعَتَينِ». وَفِي رِوَايةٍ: «فَصَلَّى الصَّلَاتَينِ، كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالعِشَاءَ بَينَهُما»[44]. [44] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما، رقم (1675)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
لكن إن كان محتاجًا إلى الجمع؛ إما لتعبٍ أو قلة ماءٍ أو غيرهما فلا بأس بالجمع، وإن لم يدخـل وقت العِشاء، وإن كان يَخشى ألَّا يَصِل مُزدَلِفَة إلَّا بعد نصف اللَّيل، فإنَّه يصلِّي ولو قبل الوصول إلى مُزدَلِفَة، ولا يجوز أن يؤخِّر الصَّلاة إلى ما بعد نصف اللَّيل.
ويبيت بمُزدَلِفة، فإذا تبيَّن الفجر صلَّى الفجر مبكرًا بأذانٍ وإقامة، ثمََ قصد المَشعَر الحرام، فوحَّد الله وكبَّره، ودعا بما أحبََ حتى يُسفر جدًا، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المَشعَر الحرام دعا في مكانه؛ لقول النبي ﷺ: «وَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»[45]. ويكون حال الذِّكر والدُّعاء مستقبلًا القبلة رافعًا يديه. [45] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.
فإذا أسفر جدًا دفع قبل أن تطلع الشَّمس إلى مِنى، ويسرع في وادي مُحَسِّر، فإذا وصل إلى مِنى رمى جمرة العَقبة، وهي الأخيرة مما يلي مكة بسبع حصياتٍ متعاقباتٍ؛ واحدةً بعد الأخرى، كلُّ واحدةٍ بقدر نواة التَّمر تقريبًا، يُكبِّر مع كلِّ حصاة، فإذا فرغ ذَبح هديه، ثم حَلَق رأسه إن كان ذكرًا، وأمَّا المرأة فحقُّها التَّقصير دون الحَلق، ثمَّ يَنزل لمكة فيطوف ويسعى للحج.
والسُنَّة أن يتطيَّب إذا أراد النُزول إلى مكَّة للطَّواف بعد الرَّمي والحَلق؛ لقول عَائِشَة رضي الله عنها: "كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ"[46]. [46] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم، ويترجل ويدهن، رقم (1539)، ومسلم: كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، رقم (1189)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ثمَّ بعد الطَّواف والسَّعي يرجع إلى مِنى، فيبيت بها ليلتي اليوم الحادي عشر والثاني عشر، ويرمي الجمرات الثلاث إذا زالت الشَّمس في اليومين، والأفضل أن يذهب للرمي ماشيًا، وإن ركب فلا بأس، فيرمي الجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكَّة، وهي التي تلي مسجد الخَيف بسبع حصيات متعاقبات؛ واحدة بعد الأخرى، ويكبِّر مع كلِّ حصاة، ثمَّ يتقدَّم قليلًا ويدعو دعاءً طويلًا بما أحب، فإن شقَّ عليه طول الوقوف والدعاء، دعا بما يَسهل عليه، ولو قليلًا ليُحصِّل السُنَّة.
ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات، يكبِّر مع كلِّ حصاة، ثمَّ يأخذ ذات الشِّمال، فيقف مستقبلًا القبلة رافعًا يديه ويدعو دعاءً طويلًا إن تيسر عليه، وإلَّا وقف بقدر ما يتيسر، ولا ينبغي أن يترك الوقوف للدعاء؛ لأنَّه سُنَّة، وكثيرٌ من الناس يهمله؛ إما جهلًا أو تهاونًا، وكلَّما أُضيعت السُنَّة كان فعلها ونشرها بين الناس أوكَد؛ لِئلَّا تُترك وتموت.
ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، يُكَّبِر مع كل حصاة، ثمَّ ينصرف ولا يدعو بعدها.
فإذا أتمَّ رمي الجمار في اليوم الثاني عشر، فإن شاء تعجَّل ونزل من مِنى، وإن شاء تأخَّر فبات بها ليلة الثالث عشر ورمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق، والتأخر أفضل، ولا يجب إلَّا أن تغرب الشَّمس من اليوم الثاني عشر وهو بمِنى، فإنَّه يلزمه التأخر حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزَّوال، لكن لو غربت عليه الشَّمس بمِنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل: أن يكون قد ارتحل وركب لكن تأخر بسبب زحام السيارات ونحوه، فإنه لا يلزمه التأخر؛ لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره.
فإذا أراد الخروج من مكَّة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع؛ لقول النبيِّ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ»[47]. وفي رواية: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْت، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ»[48]. فالحائض والنفساء ليس عليهما وداع، ولا ينبغي أن يقفا عند باب المسجد الحرام للوداع؛ لعدم وروده عن النبيِّ ﷺ. [47] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب طواف الوداع، رقم (1755)، ومسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، رقم (1327)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [48] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب طواف الوداع، رقم (1755)، ومسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، رقم (1328)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ويجعل طواف الوداع آخر عهده بالبيت إذا أراد أن يرتحل للسَّفر، فإن بقي بعد الوداع لانتظار رفقة، أو تحميل رَحلِه، أو اشترى حاجة في طريقه فلا حرج عليه، ولا يُعيد الطَّواف إلَّا أن ينوي تأجيل سفره، مثل: أن يريد السَّفر في أول النَّهار فيطوف للوداع، ثم يؤجل السَّفر إلى آخر النهار مثلاً، فإنه يلزمه إعادة الطَّواف؛ ليكون آخر عهده بالبيت.
* * *
زِيارَة المَسجِد النَّبوِي
إذا أحبَّ الحاج أن يزور المسجد النبوي قبل الحج أو بعده فلينوِ زيارة المسجد النبوي لا زيارة القبر، فإنَّ شدَّ الرِّحال على وجه التعبُّد لا يكون لزيارة القبور، وإنَّما يكون للمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، كما في الحديث الثابت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»[49]. [49] أخرجه البخاري: كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم (1189)، ومسلم: كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد، رقم (1397)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فإذا وصَل المسجد النبوي قدَّم رجله اليمنى لدخوله، وقال: «بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، أَعوذُ باللهِ العظيمِ وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ وَبِسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشِّيْطَانِ الرَّجِيمِ»[50]، ثمَّ يصلِّي ما شاء. [50] أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد، رقم (466)، من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.
والأَولى أن تكون صلاته في الرَّوضة، وهي ما بين مِنبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحُجرَته التي فيها قبره؛ لأن ما بينهما روضة من رياض الجنَّة[51]، فإذا صلَّى وأراد زيارة قبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم فليقِف أمامه بأدبٍ ووقارٍ، وليقُل: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ[52]، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ، وَجَاهَدْتَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، فَجَزَاكَ اللهُ عَنْ أُمَّتِكَ أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ». [51] أخرجه البخاري: كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، رقم (1196)، ومسلم: كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، رقم (1391)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [52] رواه البخاري، برقم(6350)، ومسلم، برقم(406).
ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا، فيُسلِّم على أبي بكرٍ الصديق ويترضَّى عنه، ثمَّ يأخذ اليمين قليلًا أيضًا، فيُسلِّم على عُمر بن الخطَّاب ويترضَّى عنه، وإن دعا له ولأبي بكرٍ رضي الله عنه بدعاءٍ مناسبٍ فحسن.
ولا يجوز لأحدٍ أن يتقرب إلى الله بمسح الحُجرة النَّبوية أو الطَّواف بها، ولا يستقبلها حال الدعاء، بل يستقبـل القبلة؛ لأن التقرب إلى الله لا يكون إلَّا بما شرعه الله ورسوله، والعبادات مبناها على الاتِّباع لا على الابتِداع.
والمرأة لا تزور قبر النبيِّ ﷺ ولا قبر غيره؛ لأن النبيَّ ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج[53]، لكن تصلي وتسلِّم على النبيِّ ﷺ وهي في مكانها، فيبلُغُ ذلك النبيَّ ﷺ في أي مكانٍ كانت، ففي الحديث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»[54]. وقال ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»[55]. [53] أخرجه أبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، رقم (3236)؛ والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا، رقم (320)؛ والنسائي: كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، رقم (2043)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [54] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب زيارة القبور، رقم (2042)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [55] أخرجه النسائي: كتاب السهو، باب السلام على النبي ﷺ، رقم (1282)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وينبغـي للـرَّجل خاصـةً أن يـزور البَقيـع وهـي مقبرة المدينـة، فيقول: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا ومنكم وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ»[56]، «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ»[57]. [56] أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، رقم (974، 975)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وبريدة رضي الله عنه. [57] أخرجه ابن ماجة: كتاب ما جاء في الجنائز، باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر، رقم (1546)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
وإن أحبَّ أن يأتي «أُحُدًا»، ويتذكَّر ما جرى للنبيِّ ﷺ وأصحابه في تلك الغزوة من جهادٍ وابتلاءٍ، وتمحيصٍ وشهادةٍ، ثم يسلِّم على الشُهداء هناك، مثل: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمُّ النبيِّ ﷺ فلا بأس بذلك، فإنَّ هذا قد يكون من السَّير في الأرض المأمور به، والله أعلم.
* * *
الفَــوائـِـــد
هذه فوائد تتعلَّق بالمناسك تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفتها:
الفائدة الأولى: في آداب الحَجِّ والعُمرَة:
قال الله تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ 197﴾ [البقرة:197]. وقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ وَالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمارِ لإِقامَةِ ذِكْرِ اللهِ»[58]. [58] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب في الرمل، رقم (1888)، والترمذي: أبواب الحج، باب ما جاء كيف ترمى الجمار، رقم (902)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
فينبغي للعبد أن يقوم بشعائر الحج على سبيل التَّعظيم والِإجلال والمحبَّة والخُضوع لله رب العالمين، فيؤديها بسكينةٍ ووقارٍ واتِّباعٍ لرسولِ الله ﷺ.
وينبغي أن يَشغَل هذه المشاعـر العظيمة بالذِّكر والتَّكبير، والتَّسبيح والتَّحميد والاستغفار؛ لأنه في عبادة من حين أن يشرع في الإحرام حتى يَحِلَّ منه، فليسَ الحجُّ نزهةً للَّهو واللَّعب يتمتع به الإنسان كما شاء من غير حدٍّ كما يُشَاهد من بعض الناس؛ يستصحب من آلات اللَّهو والغِناء ما يصده عن ذكر الله ويُوقعه في معصية الله، وترى بعض الناس يُفرط في اللَّعب والضَّحك والاستهزاء بالخلق، وغير ذلك من الأعمال المنكرة، كأنَّما شُرع الحج للمرح واللَّعب.
ويجب على الحاج وغيره أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه من الصَّلاة جماعة في أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وينبغي أن يحرص على نفع المسلمين والإحسان إليهم بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، وأن يرحم ضعيفهم، خصوصًا في مواضع الرحمة، كمواضع الزِّحام ونحوها، فإنَّ رحمة الخلق جالبةٌ لرحمة الخالق، «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»[59]. [59] أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ: «يعذب الميت ببكاء أهله عليه» إذا كان النوح من سنته، رقم (1284)، ومسلم: كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم (923)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
ويتجنَّب الرَّفثَ والفُسوقَ والعِصيانَ، والجِدالَ لغير نصرة الحقِّ، أمَّا الجِدال من أجل نصرة الحقِّ فهذا واجبٌ في موضعه. ويتجنَّب الاعتداء على الخلق وإيذاءهم؛ فيتجنَّب الغِيبة والنَّميمة، والسَّب والشَّتم والضَّرب، والنَّظر إلى النِساء الأجانب، فإنَّ هذا حرامٌ في الإحرام وخارج الإحرام، فيتأكد تحريمه حال الإحرام.
وليتجنَّب ما يُحدثه كثير من الناس من الكلام الذي لا يليق بالمشاعر، كقول بعضهم إذا رمى الجمرات: رمينا الشَّيطان! ورُبَّما شَتَمَ المَشعَر أو ضربه بنعلٍ ونحوه مما ينافي الخُضوع والعِبادة، ويناقض المقصود برمي الجِمار، وهو إقامة ذكر الله عز وجل.
الفائدة الثانية: في محظورات الإحرام:
محظوراتُ الإحرامِ: هي التي يُمنع منها المُحرم بحجٍّ أو بعمرةٍ بسبب الإحرام، وهي ثلاثة أقسام:
قسم يَحرم على الذكور والإناث، وقسم يَحرم على الذكور دون الإناث، وقسم يَحرم على الإناث دون الذكور.
فأمَّا الذي يَحرم على الذكور والإناث فمنه ما يأتي:
1- الجِماع في الفَرج: وهو أعظم المحظورات، وإذا وقع في الحج قبل التحلل الأول ترتب عليه ثلاثة أمور:
الأول: فساد الحج، لكنه يمضي فيه حتى يُتمه.
الثاني: وجوب قضائه من العام القَابِل، ولو كان نفلًا.
الثالث: نحر بَدنة في حجِّ القضاء.
2- النَّظر والمُباشرة لشهوة.
3- لبس القُفَّازين، وهما (شَرَاب) اليدين.
4- إزالة الشَّعر من الرأس بحلقٍ أو غيره، وكذلك إزالته من بقية الجسد على المشهور: لكـن لـو نزل بعينيه شعر يتأذى بـه ولم يندفـع أذاه إلَّا بقلعه فله قلعه ولا شيء عليه، ويجوز للمُحرم أن يَحُك رأسه بيده، فإن سقط منه شعرٌ بلا تعمدٍ فلا شيء عليه.
5- تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين: إلَّا إذا انكسر ظفره وتأذى به فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شيء عليه.
6- استعمال الطِّيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن أو غيرهما: أما الطِّيب الذي تطيب به قبل الإحرام فإنه لا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطِّيب دون استدامته، ولا يجوز للمُحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران؛ لأن الزعفران من الطِّيب، إلَّا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه بالطبخ، ولم يبق إلَّا مجرد اللَّون فلا بأس.
7- قتل الصَّيد: وهو الحيوان الحلال البري المتوحش، مثل: الظِّباء، والأرانب، والحَمَام، والجراد، فأمَّا صيد البحر فحلال، فيجوز للمُحرم صيد السَّمك من البحر، وكذلك يجوز له الحيوان الأهلي، كالدَّجاج.
وإذا انفرش الجراد في طريقه ولم يكن طريقٌ غيرها فوطئ شيئًا منه من غير قصدٍ فلا شيء عليه؛ لأنه لم يقصد قتله، ولا يمكنه التحرُّز منه.
وأمَّا قطع الشَّجر فليس حرامًا على المُحرم؛ لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنَّما يحرُم على من كان داخل أميال الحرم، سواءً كان مُحرمًا أو غير مُحرمٍ، وعلى هذا فيجوز قطع الشَّجر في عرفة، ولا يجوز في مِنى ومزدلفة؛ لأنَّ عرفة خارج الأميال، ومِنى ومزدلفة داخل الأميال.
ولو أصاب شجرةً وهو يمشي من غير قصدٍ فلا شيء عليه، ولا يَحرُم قطع الأشجار الميِّتة.
وأمَّا الَّذي يحرم على الذكور دون الإناث، فهو شيئان:
1- لبس المَخِيط: وهو أن يلبس الثياب ونحوها على صفة لباسها في العادة، كالقَميص (والفَنِيلَة) والسِّروال ونحوها، فلا يجوز للذَّكر لبس هذه الأشياء على الوجه المعتاد. أمَّا إذا لبسها على غير الوجه المعتاد فلا بأس بذلك، مثل: أن يجعل القميص رداءً، أو يرتدي بالعباءة جاعلًا أعلاها أسفلها فلا بأس بذلك كله، ولا بأس أن يلبس رداءً مرقعًا أو إزارًا مرقعًا أو موصولًا.
ويجوز لبس الحِزَام، وساعة اليد، ونظَّارة العين، وعقد ردائه بِمشبكٍ ونحوه؛ لأن هذه الأشياء لم يرد فيها منعٌ عن النبيِّ ﷺ، وليست في معنى المنصوص على منعه، بل قد سُئل النبيُّ ﷺ عمَّا يَلبس المُحرم، فقال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، ولَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ»[60]. فإجابته ﷺ بما لا يلبس عن السُّؤال عمَّا يلبس دليل على أنَّ كلَّ ما عدا هذه المذكورات فإنَّه مما يلبسه المُحرم، وأجاز ﷺ للمُحرم أن يلبس الخُفَّين إذا عَدِمَ النَّعلين؛ لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثله نظَّارات العين؛ لاحتياج لابسها إلى وقاية عينيه، وأجاز الفقهاء على المشهور من المذهب لباس الخَاتَم للرجل المُحرم. [60] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب، رقم (1543)، ومسلم: كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه، رقم (1177)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ويجوز للمُحرم أن يلبَس السَّراويل إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه، وأن يلبَس الخُفَّين إذا لم يجد النَّعلين ولا ثمنهما؛ لحديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ﷺ قال وهو يَخطُب بعرفاتٍ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، ومَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبِسَ السَّرَاوِيلَ»[61]. [61] أخرجه البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، رقم (1841)، ومسلم: كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج وعمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه، رقم (1178)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
2- تغطية رأسه بِمُلاصِقٍ: كالعِمامَة، والغُترة، والطَّاقية، وشبهها، فأمَّا غير المتصل، كالخَيمة، والشَّمسية، وسقف السيارة فلا بأس به؛ لأن المحظور ستر الرأس دون الاستظلال، وفي حديث أُمِّ الحُصَين الَأحمَسِيَّة قالت: «حَجَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُظَلِّلُهُ مِنَ الشَّمْسِ». وفي رِواية: «يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» رواه أحمد ومسلم[62]. وهذا كان في يوم العيد قبل التحلل؛ لأنَّه ﷺ كان يرمي الجِمار في غير يوم العيد ماشيًا لا راكبًا[63]. [62] أخرجه أحمد (6/402)، ومسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، رقم (1298)، من حديث أم الحصين رضي الله عنها. [63] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، رقم (1969)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ويجوز للمُحرم أن يحمل المتاع على رأسه إذا لم يكن قصده سَترَ الرأس، ويجوز له أيضًا أن يَغُوص في الماء، ولو تغطى رأسه بالماء.
وأمَّا الَّذي يَحرُم على النِّساء دون الذُّكور: فهو النِّقاب، وهو أن تستر وجهها بشيءٍ وتفتح لعينيها ما تنظر به، ومن العلماء من قال: لا يجوز أن تغطِّي وجهها لا بنقابٍ ولا غيره، إلَّا أن يمر الرِّجال قريبًا منها؛ فإنَّه يلزمها أن تغطِّي وجهها، ولا فِدية عليها، سواءً مسه الغطاء أم لا.
وفاعل المحظورات السَّابقة له ثلاث حالات:
الحال الأُولى: أن يفعل المحظور بلا عذرٍ ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفِدية.
الحال الثَّانية: أن يفعل المحظور لحاجةٍ إلى ذلك، مثل: أن يحتاج إلى لبس القميص لدفع بردٍ يَخاف منه الضَّرر، فيجوز أن يفعل ذلك وعليه فِديته، كما جرى لِكَعبِ بِن عُجرَة رضي الله عنه حين حُمِلَ إلى النبيِّ ﷺ والقَملُ يتناثر من رأسه على وجهه، فرخَّص له النبيُّ ﷺ أن يحلق رأسه ويَفدي[64]. [64] أخرجه البخاري: أبواب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، رقم (1816)، ومسلم: كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها، رقم (1201)، من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
الحال الثَّالثة: أن يفعل المحظور وهو معذورُ؛ إمَّا جاهلًا أو ناسيًا، أو نائمًا أو مكرهًا، فلا إثم عليه ولا فدية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡ...﴾ [الأحزاب:5]. وقال تعالى: ﴿...رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا...﴾ [البقرة:286]. فقال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ»[65]. [65] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان قوله تعالى:، رقم (126)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وفي الحديث عن النبيَّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[66]. [66] أخرجه ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، رقم (2043)، من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
هذه نصوص عامة في محظورات الإحرام وغيرها تفيد رفع المؤاخذة عن المعذور بالجهل والنسيان والإكراه، وقال تعالى في خصوص الصَّيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ...﴾ [المائدة:95]. فَقَيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمدًا، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضَّمان، فوجب اعتباره وتعليق الحُكم به، وإن لم يكن متعمدًا فلا جزاء عليه ولا إثم.
لكن متى زال العُذر فَعَلِم الجاهل، وتذكَّر النَّاسي، واستيقظ النَّائم، وزال الإكراه، فإنَّه يجب التَّخلي عن المحظور فورًا، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو آثمٌ وعليه الفدية، مثال ذلك: أن يُغطي الذَّكر رأسه وهو نائمٌ، فإنَّه ما دام نائمًا فلا شيء عليه، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فورًا، فإن استمرَّ في تغطيته مع علمه بوجوب كشفه فعليه الفِدية.
ومقدار الفِدية في المحظورات التي ذكرناها كما يأتي:
1- في إزالة الشَّعـر والظُّفـر والطِّيب، والمباشرة لشهـوةٍ، والإنزال بتكـرار النَّظـر، والوطء بعـد التحلل الأول، والوطء في العمرة، ولبس القفَّازين، ولبس الذَّكر المخيط، وتغطيته رأسه، وانتقاب المرأة الفِدية في هذه الأشياء، في كلِّ واحدٍ منها؛ إمَّا ذبح شاة، وإمَّا إطعام ستة مساكين، وإمَّا صيام ثلاثة أيام يختار ما يشاء من هذه الأمور الثلاثة؛ لقوله تعالى في حلق الرأس: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ...﴾ الآية [البقرة:196]. وقِيسَ عليه الباقي، فإن اختار ذبحَ الشَّاة فإنَّه يذبح ذكرًا أو أنثى من الضَّأن أو الماعز مما يُجزئ في الأضحية، أو ما يقوم مقامه من سُبع بدنة أو سُبع بقرة، ويُفرق جميع اللَّحم على الفقراء ولا يأكل منه شيئًا، وإن اختار إطعام المساكين فإنَّه يدفع لكُلِّ مسكينٍ نصف صاعٍ مما يطعم من تمرٍ، أو بُرٍ، أو غيرهما، وإن اختار الصِّيام فإنَّه يصوم الأيام الثلاثة؛ إن شاء متوالية وإن شاء متفرقة.
2- في جزاء الصَّيد، فإن كان للصَّيد مِثلٌ خُيِّرٍ بين ثلاثة أشياء؛ إمَّا ذبح المِثل وتفريق جميع لحمه على فقراء مكَّة، وإمَّا أن ينظر كم يساوي هذا المِثل، ويخرج ما يقابل قيمته طعامًا، يفرَّق على المساكين؛ لكُلِّ مسكينٍ نصف صاعٍ، وإمَّا أن يصوم عن طعام كلِّ مسكينٍ يومًا.
فإن لم يكن للصَّيد مِثل خُيِّر بين شيئين؛ إمَّا أن ينظر كم قيمة الصَّيد المقتول، ويُخرج ما يقابلها طعامًا يُفَرِّقُه على المساكين؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وإمَّا أن يصوم عن إطعام كلِّ مسكينٍ يومًا.
مثال الَّذي له مِثلٌ من النَّعم: الحَمَامُ ومَثِيلُها الشاة، فنقول لمن قَتَلَ حمامة: أنت بالخِيَار؛ إن شئت فاذبح شاة، وإن شئت فانظر كم قيمة الشاة وأَخرِج ما يقابلها من الطعام لفقراء الحَرم؛ لكلِّ واحدٍ نصفَ صاعٍ، وإن شئت فصُم عن إطعام كلِّ مسكينٍ يومًا.
ومثال الصَّيد الذي لا مِثل له: الجَراد، فنقول لمن قتل جَرادًا متعمدًا: إن شئت فانظر كم قيمة الجَراد وأَخرِج ما يقابلها من الطعام لمساكين الحَرم؛ لكلِّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ، وإن شئت فصُم عن إطعام كلِّ مسكينٍ يومًا.
3- في الجِماع في الحج قبل التحلُّل الأول بَدَنَة.
الفائدة الثَّالثة: في إحرام الصَّغير:
الصَّغير الذي لم يبلُغ لا يجب عليه الحج، لكن لو حج فله أجر الحج ويعيده إذا بلَغ، وينبغي لمن يتولى أمره من أبٍ، أو أمٍ، أو غيرهما أن يُحرم به، وثواب النُّسك يكون للصبي، ولوليه أجرٌ على ذلك؛ لما في (الصَّحيح) من حديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً رفعت صبيًا إلى النبيِّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ألِهَذا حَجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»[67]. [67] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب صحة حج الصبي، رقم (1336)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وإذا كان الصَّبي مُمَيِّزًا، وهو الَّذي يفهم ما يُقال له، فإنَّه ينوي الإحرام بنفسه، فيقول له وليه: انوِ الإحرام بكذا، ويأمره أن يفعل ما يقدر عليه من أعمال الحج، مثل: الوقوف بعرفة، والمَبيت بمِنى ومزدلِفة. وأمَّا ما يعجز عن فعله كرمي الجِمار، فإنَّ وليه ينوب عنه فيه أو غيره بإذنه، إلَّا الطَّواف والسَّعي فإنَّه إذا عَجَز عنهما يُحمَل، ويُقال له: انوِ الطَّواف، انوِ السَّعي. وفي هذه الحال يجوز لحامله أن ينوي الطَّواف والسَّعي عن نفسه أيضاً، والصَّبي عن نفسه فيحصُل الطَّواف والسَّعي للجميع؛ لأنَّ كُلًّا منهما حَصَل منه نيَّة، وقد قال النبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[68]. [68] أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (1)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنية» وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، رقم (1907)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وإذا كان الصبي غير مُمَيِّز فإنَّ وليَّه ينوي له الإحرام، ويَرمي عنه، ويُحضِره مشاعر الحج وعرفة ومزدلِفة ومِنى، يطوف ويسعى به، ولا يَصِحُّ في هذه الحال أن ينوي الطَّواف والسَّعي لنفسه وهو يطوف ويسعى بالصبي؛ لأن الصبي هنا لم يحصُل منه نيَّة ولا عمل، وإنَّما النيَّة من حامِله، فلا يصح عملٌ واحدٌ بنيَّتين لشخصين، بخلاف ما إذا كان الصبي مُمَيِّزًا؛ لأنه حصل منه نيَّة، والأعمال بالنيَّات، هذا ما ظهر لي. وعليه فيطوف الولي ويسعى أولًا عن نفسه، ثمَّ يطوف ويسعى بالصبي أو يُسَلِّمُهُ إلى ثقةٍ يطوف ويسعى به.
وأحكام إحرام الصغير كأحكام إحرام الكبير؛ لأن النبي ﷺ أثبت أنَّ له حجًا، فإذا ثبت الحج ثبتت أحكامه ولوازمه، وعلى هذا فإذا كان الصغير ذكرًا جُنِّب ما يَجتَنِبُه الرجل الكبير، وإن كانت أنثى جُنِّبَت ما تَجتنبُه المرأة الكبيرة، لكن عَمْدُ الصغير بمنزلة خطأ الكبير، فإذا فعل بنفسه شيئًا من محظورات الإحرام فلا فِدية عليه ولا على وليِّه.
الفائدة الرَّابعة: في الاستِنَابَة في الحج:
إذا وجب الحج على شخص، فإن كان قادرًا على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج، وإن كان عاجزًا عن الحج بنفسه؛ فإن كان يرجو زوال عجزه، كمريضٍ يرجو الشِّفاء فإنَّه يُؤَخِّر الحَجَّ حتى يستطيع، فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه مِن تَرِكَتِه، ولا إثم عليه.
وإن كان الَّذي وجب عليه الحج عاجزًا عجزًا لا يرجو زواله، كالكبير والمريض الميؤوس منه، ومن لا يستطيع الرُّكوب فإنَّه يُوَكِّل من يَحُجُّ عنه؛ لِما في (الصَّحيحين) من حديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: «نَعَمْ»[69]. وذلك في حَجَّة الوَداع. [69] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، رقم (1513)، ومسلم: كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، رقم (1334)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ويجوز أن يكون الرَّجل وكيلًا عن المرأة، والمرأة عن الرَّجل.
وإذا كان الوكيل قد وجب عليه الحجُّ ولم يَحُجَّ عن نفسه فإنه لا يَحُجُّ عن غيره، بل يبدأ بنفسه أولًا؛ لحديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». رواه أبو داود وابن ماجه[70]. [70] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، رقم (1811)، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الحج عن الميت، رقم (2903)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
والأَولَى أن يُصَرِّح الوَكِيل بذِكـر مُوَكِّلِه، فيقول: لبَّيك عن فُلانٍ، وإن كانت أُنثى قال: لبَّيك عن أُمِّ فُلانٍ، أو عن بِنتِ فُلانٍ.
وإن نَوَى بقلبه ولم يذكر الاسم فلا بأس، وإن نَسِيَ اسم المَوَكِّل نَوَى بقلبه عمَّن وَكَّلَه وإن لم يَستَحضِر اسمَه، والله تعالى يَعلمُه ولا يَخفَى عليه.
ويجب على الوَكِيل أن يَتَّقِيَ الله تعالى ويحرصَ على تكميل النُّسُك؛ لأنه مُؤْتَمَن على ذلك، فيحرص على فعل ما يَجِب وترك ما يَحرُم، ويُكمِل ما استطاع من المُكمِّلات للنُّسُك ومَسنُونَاتِه.
الفائدة الخَامسة: في تبديل ثياب الإحرام:
يجوز للمُحرِم بحجٍّ أو عمرةٍ؛ رجلًا كان أو أنثى تبديل ثياب الإحرام التي أَحرم بها ولبس ثيابٍ غيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمُحرم لباسُه، كما يجوز للمُحرم أيضًا أن يَلبس النَّعلَين بعد الإحرام، وإن كان حين عَقدِه حافيًا.
الفائدة السَّادسة: في مَحَلِّ رَكعتي الطَّواف:
السُّنَّة لمن فَرَغ من الطَّواف أن يُصَلِّي رَكعتي الطَّواف خلف المَقام، فإن كان المَحِلُّ القريب من المَقام واسعًا فذاك، وإلَّا فصلاهما ولو بعيدًا، ويجعل المَقام بينه وبين الكعبة، فَيَصدُق عليه أَنَّه صلَّى خلف المَقام، واتَّبع في ذلك هَدي النبيِّ ﷺ، كما في حديث جابرٍ رضي الله عنه في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ: "أَنَّهُ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ ٱلْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْبَيْتِ"[71]. [71] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.
الفائدة السَّابعة: في المُوَالاة في السَّعي وبينه وبين الطَّواف:
الأفضل أن يكون السعي مُوَاليًا للطواف، فإن أخَّره عنه كثيرًا فلا بأس، مثل: أن يطوف أول النهار ويسعى آخره، أو يطوف في الليل ويسعى بعد ذلك في النهار، ويجوز لمن تَعِبَ في السعي أن يجلس ويستريح، ثمَّ يكمل سعيه ماشيًا أو على عَربة ونحوها.
وإذا أُقِيمَت الصلاة وهو يسعى دخل في الصلاة، فإذا سلَّم أتمَّ سعيه من المكان الَّذي انتهى إليه قبل إقامة الصلاة.
وكذلك لو أُقِيمَت وهو يطوف أو حَضَرَت جنازة فإنَّه يُصلِّي، فإذا فَرَغ أتمَّ طوافه من مكانه الَّذي انتهى إليه قبل الصلاة، ولا حاجة إلى إعادة الشَّوط الذي قطعه، على القول الراجح عندي؛ لأنَّه إذا كان القَطع للصلاة معفوًا عنه، فلا دليل على بطلان أوَّل الشَّوط.
الفائدة الثَّامنة: في الشَّك في عدد الطَّواف أو السَّعي:
إذا شكَّ الطائف في عدد الطواف، فإن كان كثير الشُّكوك، مِثل: من به وَسواس، فإنَّه لا يلتفت إلى هذا الشَّك، وإن لم يكن كثير الشُّكوك، فإن كان شَكُّه بعد أن أتمَّ الطَّواف فإنَّه لا يلتفت إلى هذا الشَّك أيضًا، إلَّا أن يتيقَّن أنَّه ناقص فيُكمِل ما نَقَص، وإن كان الشَّك في أثناء الطَّواف، مثل: أن يشُك؛ هل الشَّوط الَّذي هو فيه الثالث أو الرابع مثلًا؟ فإن ترجَّح عنده أحد الأمرين عَمِل بالراجِّح عنده، وإن لم يترجَّح عنده شيء عَمِل باليَقِين وهو الأقل.
ففي المثال المذكور إن ترجَّح عنده الثلاثة جعلها ثلاثة وأتى بأربعة، وإن ترجَّحت عنده الأربعة جعلها أربعة وأتى بثلاثة، وإن لم يترجَّح عنده شيء جعلها ثلاثة؛ لأنَّها اليَقِين وأتى بأربعة.
وحكم الشَّك في عدد السَّعي كحُكم الشَّك في عدد الطَّواف في كلِّ ما تقدَّم.
الفائدة التَّاسعة: في الوقوف بعرفة:
سَبق أنَّ الأفضل للحاج أن يُحرم بالحج يوم الثامن من ذِي الحِجَّة، ثمَّ يخرج إلى مِنى فيمكُث فيها بقيَّة يومه، ويَبيت ليلة التاسع، ثمَّ يذهب إلى عرفة ضُحىً. وهذا على سبيل الفَضيلة، فلو خرج إلى عرفة من غير أن يذهب قبلها إلى مِنى فقد ترك الأفضل، ولكن لا إثم عليه.
ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكَّد من حدودها، فإنَّ بعض الحُجَّاج يقِفُون خارج حدودها؛ إمَّا جهلًا وإمَّا تقليدًا لغيرهم، وهؤلاء الَّذين وقَفُوا خارج حدود عرفة لا حجَّ لهم؛ لأنَّهم لم يقِفُوا بعرفة، وقد قال النبيُّ ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»[72]. وفي أيِّ مكانٍ وقف من عرفة فإنَّه يُجزِئُه؛ لقول النبيِّ ﷺ: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»[73]. [72] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، رقم (1949)، والترمذي: أبواب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، رقم (889)، والنسائي: كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، رقم (3016)، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، رقم (3015)، من حديث عبد الرحمن ابن يعمر رضي الله عنه. [73] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه
ولا يجوز لِمن وقف بعرفة أن يَدفع من حدودها حتَّى تغرب الشَّمس يوم عرفة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وقف إلى الغُروب، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[74]. [74] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، وبيان قوله ﷺ: «لتأخذوا مناسككم»، رقم (1297)، من حديث جابر رضي الله عنه.
ويمتدُّ وقتُ الوقوفِ بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد، فمن طَلَعَ عليه الفجر يوم العيد ولم يَقِف بعرفة فقد فاته الحجُّ، فإن كان قد اشترط في ابتداء الإحرام: «إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»[75]، تَحَلَّلَ من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط وَفَاتَه الوقوف فإنَّه يَتَحَلَّل بعمرة، فيذهب إلى البيت ويطوف ويسعى ويحلِق، وإذا كان معه هَدي ذبحه، فإذا كانت السَّنة الثانية قَضَى الحَجَّ الذي فاته وأهدَى هَديًا، فإن لم يجد هَديًا صام عشرة أيَّام؛ ثلاثةً في الحَجِّ وسبعةً إذا رجَع إلى أهله. [75] أخرجه النسائي كتاب مناسك الحج، كيف يقول إذا اشترط، رقم (2766)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
الفائدة العَاشرة: في الدَّفع من مزدلِفة:
لا يجوز للقَويِّ أن يدفع من مزدلِفة حتى يُصَلِّي الفجر يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ بات بها ليلة العيد ولم يدفع منها حتى صلَّى الفجر، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[76]. [76] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وبيان قوله ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، رقم (1297)، من حديث جابر رضي الله عنه.
وفي (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً -أي: ثقيلة- فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ"[77]. [77] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر، رقم (1680)، ومسلم: كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، رقم (1290)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
وفي رِواية: "وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ"[78]. [78] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب من قدم ضَعَفَةَ أهْلِهِ بليلٍ، فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويُقَدِّمُ إذا غاب القمر، رقم (1681)، ومسلم: كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، رقم (1290)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
وأمَّا الضَّعيف الذي يَشُقُّ عليه مُزَاحَمَة الناس عند الجمرة، فإنَّ له أن يَدفَع قبل الفجر إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة قبل الناس، وفي (صَحيح مُسلم) عن أسماء: "أَنَّهَا كَانَتْ تَرْتَقِبُ غُيُوبَ ٱلْقَمَرِ وَتَسْأَلُ مَوْلَاهَا: هَلْ غَابَ ٱلْقَمَرُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: ٱرْحَلْ بِي. قَالَ: فَٱرْتَحَلُوا حَتَّىٰ رَمَتِ ٱلْجَمْرَةَ، ثُمَّ صَلَّتْ – يَعْنِي: ٱلْفَجْرَ – فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ (أَيْ: يَا هَٰذِهِ)، لَقَدْ غَسَلْنَا. قَالَتْ: كَلَّا، يَا بُنَيَّ، إِنَّ ٱلنَّبِيَّ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلظَّعْنِ"[79]. [79] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر، رقم (1679)، ومسلم: كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، رقم (1291)، من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.
ومن كان من أهل هؤلاء الضُّعفاء الَّذين يجوز لهم الدَّفع من مزدلِفة قبل الفجر فإنَّه يجوز أن يَدفَع معهم قبل الفجر؛ لأن النبي ﷺ بعث ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما في ضَعَفَة أهله ﷺ من مزدلِفة بليلٍ، فإن كان ضعيفًا رمى الجمرة معهم إذا وصل إلى مِنى؛ لأنَّه لا يستطيع المُزاحمة، أمَّا إن كان يستطيع زِحام الناس فإنـه يُؤَخِّر الرَّمي حتى تَطلُـع الشَّمـس؛ لحديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: بَعَثَنَا رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ ٱلْمُطَّلِبِ عَلَىٰ حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يُلَطِّخُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ لَا تَرْمُوا ٱلْجَمْرَةَ، حَتَّىٰ تَطْلُعَ ٱلشَّمْسُ». رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان[80]. [80] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع، رقم (1940)، والترمذي: كتاب الحج، باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل، رقم (893)، والنسائي: كتاب مناسك الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، رقم (3064)، وابن ماجة: كتاب المناسك، باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار، رقم (3025)، وابن حبان في الصحيح (3869)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
فالحاصل: أنَّ الدَّفع من مزدلِفة ورَمي جمرة العقبة يوم العيد يكونان على النَّحو التالي:
الأول: من كان قويًا لا ضعيف معه، فإنه لا يَدفَع من مزدلِفة حتى يُصَلِّي الفجر، ولا يَرمِي الجمرة حتى تطلع الشَّمس؛ لأنَّ هذا هو فعل النبي ﷺ الذي فعله، وكان يقول: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[81]. ولم يُرَخِّص لأحَدٍ مِن ذَوِي القُوَّة في الدَّفع من مزدلِفة قبل الفجر، أو رمي الجمرة قبل طلوع الشَّمس. [81] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وبيان قوله ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، رقم (1297)، من حديث جابر رضي الله عنه.
الثاني: من كان قويًا وفي صُحبَتِه أهلٌ ضُعَفَاء، فإنَّه يدفع معهم آخر الليل إن شاء، ويرمي الضعيف الجمرة إذا وصل مِنى، وأمَّا القوي فلا يرميها حتى تطلع الشَّمس؛ لأنه لا عُذر له[82]. [82] قال فضيلة شيخنا المؤلف رحمه الله في فتاوى الحج (ج2، ص272 وما بعدها): «أنه يجوز للقوي الذي معه ضعفة أن يدفع ويرمي جمرة العقبة معهم قبل الفجر لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالاً».
الثالث: الضعيف، فيجوز له الدَّفع من مزدلِفة آخر الليل إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة إذا وصل إلى مِنى.
ومن لم يَصِل إلى مزدلِفة إلَّا بعد طلوع الفجر ليلة العيد وأدرك الصلاة فيها وكان قد وقف بعرفة قبل الفجر، فَحَجُّه صحيح؛ لحديث عُروَة بن مُضَرِّس وفيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يعني الفجر-، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». رواه الخمسة وصححه الترمذي والحاكم[83]. [83] أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، رقم (1950)، والترمذي: كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، رقم (891)، والنسائي: كتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، رقم (3041)، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب من أتى عرفة، قبل الفجر، رقم (3016)، والحاكم (1/634)، من حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه.
وظاهر هذا الحديث أنه لا دَمَ عليه؛ وذلك لأنه أدرك جُزءًا من وقت الوقوف بمزدلِفة وذَكر الله تعالى عند المَشعَر الحرام بما أدَّاه من صلاة الفجر، فكان حَجُّه تامًَّا، ولـو كان عليه دَمٌ لبيَّنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم، والله أعلم.
الفائدة الحادية عشرة: فيما يتعلق بالرَّمي:
1- في الحَصَى الَّذي يَرمِي به يكـون بين الحُمُّص والبُندُق، لا كبيرًا جدًا ولا صغيرًا، ويُلقَط الحَصَى من مِنى أو مزدلِفة أو غيرهما كُلَّ يومٍ بيومه، ولم يثبت عن النبيِّ ﷺ أنه لَقَطَ الحَصَى من مزدلِفة، ولا أنه لَقَطَ حَصَى الأيام كُلِّها وجَمَعَها، ولا أَمَر ﷺ أحدًا بذلك من أصحابه فيما أعلم.
2- لا يجب في الرَّمي أن تَضرِب الحَصَاة نفس العمود الشَّاخِص، بل الواجب أن تستقر في نفس الحوض الذي هو مجمع الحَصا، فلو ضَرَبَت العمود ولم تسقط في الحوض وجب عليه أن يرمي بدلها، ولو سقطت في الحوض واستقرت به أجزأت وإن لم تضرِب العمود.
3- لو نَسِي حَصَاة من إحدى الجِمار فلم يَرم إلَّا بِسِتِّ حصيات ولم يَذكُر حتى وصل إلى مَحِلِّه، فإنه يرجع ويرمي الحَصاة التي نسيها ولا حرج عليه، وإن غربت الشَّمس قبل أن يتذكر فإنه يؤخِّرُها إلى اليوم الثاني، فإذا زالت الشَّمس رمى الحَصاة التي نسيها قبل كلِّ شيء، ثمَّ رمى الجِمار لليوم الحاضر.
الفائدة الثانية عشرة: في التَّحَلُّل الأول والثاني:
إذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم العيد، وحلق رأسه أو قصَّره حلَّ التَّحَلُّل الأول وجاز له جميع محظورات الإحرام من الطِّيب، واللِّباس، وأخذ الشعور والأظفار، وغير ذلك إلَّا النِّساء، فإنه لا يجوز له أن يباشر زوجته أو ينظر إليها لشهوة حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا طاف وسعى حلَّ التَّحَلُّل الثاني، وجاز له جميع محظورات الإحرام حتى النِّساء، لكن ما دام داخل الأميال فإنه لا يَحِل له الصيد، ولا قطع الشجر والحشيش الأخضر لأجل الحَرَم لا لأجل الإحرام؛ لأنَّ الإحرام قد تحلَّل منه.
الفائدة الثالثة عشرة: في التَّوكِيل في رمي الجِمار:
لا يجوز لِمن قَدر على رمي الجِمار بنفسه أن يُوَكِّل مَن يرمي عنه، سواء كان حَجُّه فرضًا أم نفلاً؛ لأنَّ نَفلَ الحجِّ يَلزم مَن شَرَعَ فيه إتمامه. وأمَّا مَن يَشُقُّ عليه الرَّمي بنفسه، كالمريض والكبير والمرأة الحامل ونحوهم، فإنه يجوز أن يُوَكِّل مَن يرمي عنه، سواء كان حَجُّه فرضًا أم نفلاً، وسواء لَقَطَ الحصى وأعطاها الوَكيل أو لَقَطَها الوَكيل بنفسه، فكُلُّ ذلك جائز.
ويبدأ الوكيل بالرمي عن نفسه ثمَّ عن مُوَكِّلِه؛ لعموم قوله ﷺ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»[84]. وقوله: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»[85]. [85] أخرجـه أبـو داود: كتاب المناسـك، باب الرجـل يحـج عن غـيره، رقـم (1811)، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الحج عن الميت، رقم (2903)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [84] أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله، رقم (997).
ويجوز أن يرمي عن نفسه ثمَّ عن مُوكِّله في موقف واحد، فيرمي الجمرة الأولى بِسَبعٍ عن نفسه ثمَّ سَبعٍ عن مُوكِّله، وهكذا الثانية والثالثة كما يفيده ظاهر الحديث المَروِيِّ عن جابرٍ قـال: "حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَبَّيْنَا عَنِ ٱلصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ". رواه أحمد وابن ماجه[86]. وظاهره أنَّهم يفعلون ذلك في موقف واحد؛ إذ لو كانوا يُكمِلون الثلاث عن أنفسهم ثمَّ يَرجِعُون من أوَّلِها عنِ الصبيان لَنُقِل ذلك، والله أعلم. [86] أخرجه أحمد 22/269 (14370) [طبعة الرسالة]، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الرمي عن الصبيان، رقم (3038)، من حديث جابر رضي الله عنه.
الفائدة الرابعة عشرة: في أنساك يوم العيد:
يفعل الحاج يوم العيد أربعة أنساك مُرتَّبة كما يلي:
الأول: رمي جمرة العقبة.
الثاني: ذبح الهَدي إن كان له هَدي.
الثالث: الحَلق أو التَّقصير.
الرابع: الطَّواف بالبيت.
وأمَّا السعي، فإن كان متمتعًا سعى للحج، وإن كان قارِنًا أو مفرِدًا فإن كان سعى بعد طواف القُدُوم كفاه سعيه الأول، وإلَّا سعى بعد هذا الطواف، أَعني: طواف الحج.
والمشروع أن يرتِّبها على هذا التَّرتيب، فإن قَدَّم بعضها على بعض؛ بأن ذَبَح قبل الرَّمي، أو حَلَق قبل الذَبح، أو طاف قبل الحَلق، فإن كان جاهلاً أو ناسيًا فلا حرج عليه، وإن كان متعمدًا عالمًا فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا حرج عليه أيضًا؛ لِمَا رَوى البخاري عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عمَّن حَلَق قبل أن يذبح ونحوه، فقال: «لَا حَرَجَ»[87]. [87] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الذبح قبل الحلق، رقم (1722)، ومسلم: كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، رقم (1703)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وعنه قال: كَانَ ٱلنَّبِيُّ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ يَوْمَ ٱلنَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ». فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «ٱذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: «لَا حَرَجَ»[88]. [88] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا رمى بعد ما أمسى، أو حلق قبل أن يذبح، ناسيا أو جاهلا، رقم (1735)، ومسلم: كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، رقم (1703)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وعنه أيضًا: أنَّ النبيَّ ﷺ قِيل له في الذَّبح والحَلق والرَّمي والتَّقديم والتَّأخير، فقال: «لَا حَرَجَ»[89]. [89] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح، رقم (1734)، ومسلم: كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، رقم (1307)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وَسُئِلَ عَمَّنْ زَارَ -أَيْ: طَافَ طَوَافَ ٱلزِّيَارَةِ- قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» رواه البخاري[90]. [90] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الذبح قبل الحلق، رقم (1722)، ومسلم: كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، رقم (1703)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «ٱفْعَلْ وَلَا حَرَجَ»[91]. [91] أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، رقم (83)، ومسلم: كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، رقم (1306)، من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.
وإن أخَّر الذَّبح إلى نزوله إلى مكَّة فلا بأس، لكن لا يُؤَخِّره عن أيام التشريق، وإن أخَّر الطـواف أو السعي عن يـوم العيد فـلا بأس، لكـن لا يُؤَخِّرهما عن شهر ذِي الحِجَّة إلَّا من عُذر، مثل: أن يَحدث للمرأة نِفاس قبل أن تطـوف فَتُؤَخِّر الطـواف حتى تَطْهُـر، ولـو بعد شهـر ذِي الحِجَّـة فلا حرج عليها ولا فِدية.
الفائدة الخامسة عشرة: في وقت الرَّمي والتَّرتيب وبين الجِمار:
سَبَق لك أنَّ وقت الرَّمي يوم العيد للقادر بعد طلوع الشَّمس، ولِمَن يَشُقُّ عليه مُزَاحَمَة الناس من آخِر الليل ليلة العيد، وأَمَّا وقت الرَّمي في أيام التشريق فإنـه من زوال الشَّمس، فـلا رَميَ قبل الزوال؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما رَمَى في أيام التشريق إلَّا بعد الزوال، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[92]. [92] أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وبيان قوله ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، رقم (1297)، من حديث جابر رضي الله عنه.
ويستمر وقت الرَّمي في يوم العيد وما بعده إلى غروب الشَّمس فلا يرمي في الليل، ويرى بعض العلماء أنه إذا فات الرَّمي في النهار فله أن يرمي في الليل إلاَّ ليلة أربعة عشرة؛ لانتهاء أيام مِنى بغروب الشَّمس من اليوم الثالث عشر، والقول الأول أحوط، وعليه فلو فاته رمي يوم فإنه يرمي في اليوم الذي بعده إذا زالت الشَّمس، يبدأ برمي اليوم الَّذي فاته، فإذا أكمله رمى لليوم الحاضِر[93]. [93] قال فضيلة شيخِنا المؤلِّف رحمه الله في (فتاوى الحج): «الأفضل للحاج أن يرمي الجمرات في النهار، فإن كان يَخشى من الزِّحام فلا بأس أن يرميها ليلاً، وذلك لأن النبيَّ ﷺ وَقَّتَ ابتداء الرَّمي ولم يُوَقِّت انتهاءه، فدلَّ هذا على أنَّ الأمر في ذلك واسع».
والترتيب بين الجِمار الثلاث واجب، فيَرمِي أوَّلاً الجمرة الأولى الَّتي تَلِي مسجد الخَيْف، ثمَّ الوسطى، ثمَّ جمرة العقبة، فلو بدأ برمي جمرة العقبة ثمَّ الوسطى أو بالوسطى، فإن كان مُتعمدًا عَالِمًا وجب عليه إعادة الوسطى ثمَّ جمرة العقبة، وإن كان جاهلاً أو ناسيًا أجزأه، ولا شيء عليه.
الفائدة السادسة عشرة: في المَبيت بمِنى:
المَبيت بمِنى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر واجب، والواجب المَبيت مُعظم الليل، سواء من أول الليل أو من آخره، فلو نَزَل إلى مكة أول الليل ثمَّ رجع قبل نصف الليل أو نَزَل إلى مكة بعد نصف الليل من مِنى فلا حرج عليه؛ لأنه قد أتى بالواجب.
ويجب أن يتأكَّد من حدود مِنى حتى لا يبيت خارجًا عنها، وحَدُّها من الشرق وادي مُحَسِّر، ومن الغرب جمرة العقبة، وليس الوادي والجمرة من مِنى. أمَّا الجبال المُحِيطة بمِنى فإنَّ وُجُوهَها ممَّا يلي مِنى منها، فيجوز المبيت بها، وليحذر الحاج من المبيت في وادي مُحَسِّر أو من وراء جمرة العقبة؛ لأنَّ ذلك خارج عن حدود مِنى، فمن بات به لم يُجْزِئه المَبيت[94]. [94] قال فضيلة شيخنا المؤلِّف في [فتاوى الحج (ج2/ص436 وما بعده)]: «هذا فيما إذا وَجَد مكانًا في مِنى، أمَّا إذا لم يَجِد فلا حرج أن يَبِيت خارج حدود مِنى في أي جهة منها ويكون منزله متصلاً بمنازل الحُجاج ليكونوا أُمَّةً واحدة مجتمعين، كما نقول فيما لو امتلأ المسجد عن المصلين فإنَّهم يؤدون صلاتهم في صفوف متصلة ولو كانوا خارج المسجد ولا حرج عليهم في ذلك».
الفائدة السابعة عشرة: في طواف الوَداع:
سَبَق أنَّ طواف الـوَداع واجب عند الخروج من مكـة على كُلِّ حاجٍّ ومعتمر، إلاَّ الحائض والنُّفَساء، لكـن إن طَهُرَتا قبل مُفَارَقة بُنْيَان مكـة، فإنه يلزمُهُما، وإذا وَدَّع ثمَّ خَرَج من مكة وأقام يومًا أو أكثر لم يلزمه إعادة الطواف، ولو كانت إقامته في موضع قريب من مكة.
والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم بقلم مؤلفه: محمد الصالح العثيمين، في 7 شعبان، سنة 1387ﻫ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وانتهى تصحيحه ضحى يوم الخميس لثلاثة عشر خلت من رمضان، لعام 1387ﻫ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.