مجموعة زاد الحديث (1)

مجموعة زاد الحديث (1)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على نخبة من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاة من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

الحديث (1)

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ الله وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب الحديث (1):

يحتوي هذا الكتاب على نخبة من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاة من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

الحديث (1)

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله : «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» ، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

الحديث الأول

الحديث الأول: «بني الإسلام على خمس...»

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله ، وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ» متفق عليه.

راوي الحديث

عبد الله بن عمر بن الخطاب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد الخندق وما بعدها، ولم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغره، أفتى الناس ستين سنة، كُفَّ بصره في آخر حياته، كان آخر من توفي بمكة من الصحابة عام 73هـ.

شرح المفردات

(على خمس) أي: خمس دعائم أو قواعد.

(إقام الصلاة) أي: المفروضة، والمراد المداومة على الإتيان بها بشروطها وأركانها.

(وإيتاءِ الزكاة) أي: إعطائِها وتمليكِها لمصارفها الشرعية.

الشرح الإجمالي للحديث

أركان الإسلام خمسة، وهي: الشهادتان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت.

فهذه كالدعائم لبنيانه، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فُقِدَ منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا.

وكذلك يزول بفقد الشهادتين -الركن الأعظم- وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما، ولا يجتمع معهما.

وأما زوال الأربع البواقي: فاختلف العلماء فيه، والصواب: أن هذه الأربعة لا يكفر تاركها إلا الصلاة، للأدلة الواردة فيها، فيكفر بتركها بالكلية.

أما لو أنكر وجوبها وهو يفعلها فإنه يكفر؛ لأن وجوبها أمرٌ معلوم بالضرورة من دين الإسلام.

فوائد الحديث

1- هذا الحديث أصل عظيم في معرفة الشريعة، وعليه اعتمادها، وقد جمع أركان الإسلام كاملة، فهو أحد قواعد الإسلام وجوامع الأحكام.

2- وجه الحصر في هذه الخمس: أن العبادة إما قولية: وهي الشهادتان، أو فعلية: وهي الحج والصوم والزكاة والصلاة.

فبني الإسلام العظيم على هذه الدعائم الخمس من أجل امتحان العباد في بذل المحبوب، وإجهاد البدن.

المقطع للاطلاع فقط

تابع - فوائد الحديث

3- قُدِّمت الشهادتان على باقي الأركان؛ لأنهما الأصل الذي يبنى عليه كامل الأعمال، ثم الصلاة لأنها العماد الأعظم للإسلام، ثم الزكاة لأنها قرينتها في كتاب الله غالبًا، وللمناسبة بين العبادة البدنية والمالية في القرآن، ثم الصوم، ثم الحج لكونه جامعًا للعبادتين: المالية والبدنية.

4- لم يذكر الحديث الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك؛ لأن الشهادة تتضمن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذَكَرَ صلى الله عليه وسلم من المعتقدات.

5- الحث على إقامة الصلاة، وفعلها قويمة مستقيمة، وأنها ركن من أركان الإسلام.

6- الحض على إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وأنها من أركان الإسلام كبقية الأركان.

الحديث الأول: «بني الإسلام على خمس...»

اتفق أهل السنة على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار هو: من اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين.

إذا اقتصر الكافر على قوله: «لا إله إلا الله » ، ولم يقل: محمد رسول الله ، فالمشهور من مذاهب العلماء أنه لا يكون مسلمًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» متفق عليه.

نشاط

1- اكتب بحثا موضحا فيه أركان الإسلام، وما وجه حصرها في الخمس؟

2- لماذا كانت الشهادتان ركنا واحدا من أركان الإسلام؟ أَعمِلْ عقلك.

3- ما حكم ترك الزكاة والحج، مع القدرة عليهما، وهل يخرج من تركهما من الإسلام؟

4- ما الحكم فيما لو اقتصر الكافر على قول: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

5- لماذا لم يذكر في الحديث الجهاد ولا بقية أركان الإيمان؟

المقطع للاطلاع فقط

الحديث الثاني

الحديث الثاني: «... أخبرني عن الإسلام...»

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِالله ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» رواه مسلم.

راوي الحديث

عمر بن الخطاب بن نفيل، أبو حفص الفاروق، أمير المؤمنين، كان إسلامه قبل الهجرة بخمس سنين، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم، بايعه المسلمون خليفة بعد أبي بكر، ففتح الله في عهده الفتوح، ونشر الإسلام، وضع التاريخ الهجري، ودون الدواوين، قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي الصبح، عام 23هـ.

شرح المفردات

(ووضع كفَّيْه على فَخِذيه) أي: إن السائل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلم، وهذا من شدة التأدب والاحترام والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم.

(فعجبنا له يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم.

(أن تلد الأَمَة رَبَّتها) أي: سيدتها، وقيل: المراد إنه يكثر العقوق في الأولاد.

(الحفاة) جمع حافٍ، وهو غير المنتعل.

(العراة) جمع عارٍ، وهو من لا شيء على جسده.

(العالة) الفقراء.

(رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان) أي: إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا، حتى يتباهوا في البنيان.

(مليًّا) زمنًا طويلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ﴾ (مريم: 46).

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من أصول الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبة منه.

فالمسلم لا يزال يترقى في مراتب الدين حتى يكون أقرب ما يكون من الله تعالى.

ومراتب الدين ثلاث:

أولها الإسلام، فمن أقام بنيانه ودعائمه فقد ارتقى صوب المرتبة الثانية، وهي الإيمان، ثم من حقق أركان الإيمان فقد ارتقى إلى المرتبة الثالثة، وهي الإحسان، وهي أعلى مراتب الدين.

فوائد الحديث

1- الأدب مع المعلم كما فعل جبريل عليه السلام، حيث جلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم جِلسة المتأدب ليأخذ منه.

2- فضيلة الإسلام، وأنه ينبغي أن يكون أول ما يسأل عنه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الرسل للدعوة إلى الله أمرهم أن يبدؤوا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل كل شيء.

3- شهادة أن محمدًا رسول الله تستوجب الإيمان بأن الله تعالى مرسلُه إلى الخلق كافة، وأن نؤمن بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وتستلزم كذلك تصديقه فيما أخبر، وامتثال أمره، واجتناب نهيه.

وألا يبتدع في دين الله ما لم يأتِ به الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء في العقيدة، أو القول، أو الفعل، وأن تعتقد بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له شيء من الربوبية، فلا يُدعى من دون الله، ولا يُستغاث به إلا في حياته فيما يقدر عليه.

4- الإيمان: هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالجوارح والأركان.

5- أن أركان الإيمان هي: الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي تورث الإنسان قوة الطلب في الطاعة والخوف من الله سبحانه وتعالى.

يتضمن الإيمان بالله أربعة أشياء:

1- الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى.

2- الإيمان بانفراده بالرّبوبية، أي: تؤمن بأنه وحده الرّب، والرب هو الخالق المالك المدبر.

3- الإيمان بانفراده بالألوهية، وأنه وحده الذي لا إله إلا هو لاشريك له.

4- الإيمان بأسمائه وصفاته، بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تمثيل.

تابع - فوائد الحديث

6- الإيمان بجميع الرسل، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه فإنه لم يؤمن برسوله، بل هو كافر، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105) مع أنهم إنما كذبوا نوحا ولم يأتِ قبله رسول، لكن تكذيب واحد من الرسل تكذيب لجنس الرسالة.

7- الإيمان بأصل الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله غير المحرفة، وأنها حق من عند الله، وأن كل الكتب منسوخة بالقرآن، فلا يُعمل بها شرعًا.

8- الإيمان باليوم الآخر الذي هو يوم القيامة، ويتضمن الإيمان بأول منازل الآخرة وهو القبر، وبنعيم القبر وعذابه.

9- وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن القدر ليس فيه شرٌّ أبدًا، لأنه صادر عن رحمة وحكمة، وإنما الشر في المقدور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» أخرجه مسلم.

10- إثبات مرتبة الإحسان، وأن أفضل الإيمان: مقام الإحسان والمراقبة، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وتعلم أن الله معك، فهذه المعية متى حصل للعبد استحضارها في كل أحواله لا سيما عباداته، فإنها أعظم عون على المراقبة التي هي أعلى مراتب الإيمان، فيجمع العبد بين الإيمان بعلو الله واستحضار قربه.

11- أن العالِم إذا سئل عمَّا لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه، وأن ذلك لا ينقصه، بل هو دليل على ورعه وتقواه.

تُبنى صحة الأعمال كلها على الشهادتين؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم الإخلاص، وشهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم تستلزم الاتباع، وكل عمل يتقرب به إلى الله لا يقبل إلا بهذين الشرطين: الإخلاص ﷲ، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم إخلاص العبادة ﷲ، ويسمى هذا النوع من التوحيد توحيد الألوهية، ويسمّى توحيد العبادة؛ لأن معنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود حقٌّ إلا الله، فلا تعبد غير الله، فمن قال: لا إله إلا الله، وعبد غير الله فهو كاذب.

ومن صور العبادة ﷲ تعالى: الدعاء والطلب والقصد والنذر والحلف والذبح، فلا يجوز أن يصرف شيء من ذلك لغير الله.

المقطع للاطلاع فقط

نشاط

1- بيِّن مراتب الإسلام، مع شرحها، وما أعلاهن، ولِمَ؟

2- استنادا لهذا الحديث خاطِبْ المبتدعَةَ، مستندا للأصول التي يجب أن يبنى عليها العمل.

3- لِمَ كان تكذيب النبي الواحد تكذيبا للجميع؟ استدل لذلك بالكتاب والسنة.

4- تكلم بالتفصيل عن أركان الإيمان.

الحديث الثالث

الحديث الثالث: «إنما الأعمال بالنيات...»

عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» متفق عليه.

شرح المفردات

(النيات) جمع نية، وهي القصد وعزم القلب على أمر من الأمور.

(هجرته) الهجرة في اللغة: الخروج من أرض إلى أرض، ومفارقة الوطن والأهل، مشتقة من الهجر وهو ضد الوصل.

وشرعا: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام؛ خوفَ الفتنة، وقصدًا لإقامة شعائر الدين.

(يصيبها) يحصلها.

(ينكحها) يتزوجها.

(فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي: جزاء عمله هو الغرضُ الدنيوي الذي قصده، وإلا فلا شيء له.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث جامعٌ لأمور الخير كلها، فحريٌّ بالمؤمن الذي يريد نجاة نفسه ونفعها أن يفهم معناه، وأن يكون نصب عينيه في جميع أحواله وأوقاته، ففيه الإخلاص للمعبود، وهو شرط لكل قول وعمل، ظاهرا وباطنا، فمن أخلص أعماله ﷲ، متبعًا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي عمله مقبول.

فالْأَعْمَالُ لا تُحصَّل ولا تكون إلا بالنية، فهي مدار صحتها وفسادها، وكمالها ونقصها، فمن نوى فعل الخير، وقصد به وجه الله، فله من الثواب والجزاءِ الجزاءُ الكامل الأوفى.

ومن نقصت نيته وقصده نقص ثوابه.

ومن توجهت نيته إلى غير هذا المقصد الجليل فاته الخير، وحصل على ما نوى من المقاصد الدنيئة الناقصة.

ولهذا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا ليقاس عليه جميع الأمور، فقال: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهجْرَتُهُ إلى الله ورسوله» أي: أنَّ مَن قصَدَ بِهِجرتِه مَنفعةً دُنيويَّةً وغرَضًا شخصيًّا، مِن مالٍ، أو تجارةٍ، أو زَوجةٍ حَسناءَ؛ «فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه» ، فلا يَنالُ مِن هِجرتِه إلَّا تلك المنفعةَ الَّتي نَواها، ولا نَصيبَ له مِنَ الأجرِ والثَّوابِ.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام؛ ولهذا قال العلماء: مدار الإسلام على حديثين، هما: هذا الحديث، وحديث عائشة رضي الله عنها: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ» رواه البخاري.

فهذا الحديث عمدة أعمال القلوب، فهو ميزان الأعمال الباطنة، وحديث عائشة رضي الله عنها عمدة أعمال الجوارح.

2- فائدة إثرائية

النية: هي القصد للعمل تقرُّبًا إلى الله، وطلبًا لمرضاته وثوابه، فيدخل في هذا: نية العمل، ونية المعمول له، وهو الله سبحانه وتعالى.

أما نية العمل: فلا تصح جميع العبادات إلا بقصدها ونيتها، فرضا كانت أم نفلا.

ولا بد أيضًا أن يميز العادة عن العبادة. فمثلًا الاغتسال يقع نظافة أو تبرُّدًا، ويقع عن الحدث الأكبر، وعن غسل الميت، وللجمعة ونحوها، فلا بد أن ينوي فيه رفع الحدث أو ذلك الغسل المستحب.

ومن هذا: حِيَلُ المعاملات إذا عامل معاملة ظاهرها وصورتها الصحة، ولكنه يقصد بها التوصل إلى معاملة ربوية، أو يقصد بها إسقاط واجب، أو توصلًا إلى محرم، فإن العبرة بنيته وقصده، لا بظاهر لفظه؛ فإنما الأعمال بالنيات.

أما نية المعمول له: فهو الإخلاص ﷲ في كل ما يأتي به العبد وما يذر، وفي كل ما يقول ويفعل، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ (البيّنة:5)، وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ﴾ (الزمر:3) فتفاضل الأعمال وعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان والإخلاص.

تجري النية في المباحات والأمور الدنيوية، فإن من قصد بكسبه وأعماله الدنيوية والعادية الاستعانة بذلك على القيام بحق الله وقيامه بالواجبات والمستحبات، واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه ونومه وراحاته ومكاسبه انقلبت عاداتُه عباداتٍ، وقد جاء التوجيه إلى هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في فِيِّ -أي: فم- امرأتك» أخرجه البخاري ومسلم.

نشاط

1- اكتب بحثا عن أحكام النية.

2- تكلم عن الإخلاص والمتابعة كشرطين لقبول العمل الصالح.

3- للنية أهمية في أبواب الفقه الإسلامي، تكلم عن ذلك.

4- كيف يمكنك أن تحول عاداتك إلى عبادات؟ مثل لما تقول.

المقطع للاطلاع فقط

الحديث الرابع

الحديث الرابع: «الإيمان بضع وسبعون شعبة...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة َ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» متفق عليه.

راوي الحديث

أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، راوية الإسلام، لزم النبي صلى الله عليه وسلم، فروى عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، ولاه أمير المؤمنين عمر البحرين، ثم عزله، وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية، توفي عام 57هـ.

شرح المفردات

(بِضْع) من ثلاثة إلى تسعة.

(شعبة) خصلة، والشعبة مفرد الشُّعَب، وهي أغصان الشجرة، وهو تشبيه للإيمان وخصاله بشجرة ذات أغصان، لا تتكامل ثمرتها إلا بتوفر كامل أغصانها.

(إماطة الأذى) أي تنحيته وإبعاده، والمراد بالأذى: كل ما يؤذي من حجرٍ أو مَدَرٍ أو شوكٍ أو غيره.

(الحياء) صفة في النفس تحمل على فعل ما يحمد، وترك ما يذم ويعاب.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث بيَّن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإيمان ليس خصلة أو شعبة واحدة، ولكنه شُعَب كثيرة.

ولكن أفضلها كلمة واحدة، وهي «لا إله إلا الله» ، هذه الكلمة لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بها؛ لأنها كلمة الإخلاص، ومن كانت هذه الكلمة آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، وهي أفضل شعب الإيمان.

وأن الحياء شعبة من الإيمان، وهو صفة حميدة، كانت خلق النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إنه كان أكثر حياء من العذراء في خدرها -أي: سترها.

فوائد الحديث

1- إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته، وهو من أعظم الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص.

2- قوله: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة» هذا شكٌّ من الراوي، هل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بضع وسبعون أو قال: بضع وستون؟

المقطع للاطلاع فقط

3- قول: «ألَّا إله إلا الله » هي كلمة التوحيد، التي إذا قالها الإنسان صار مسلما، وإذا استكبر عنها صار كافرا، فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر؛ ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها.

4- الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن قول اللسان، وعمل الجوارح، واعتقاد وعمل القلب.

5- إماطة الأذى عن الطريق من خصال وشعب الإيمان، وهي من محاسن الأعمال.

6- أن الحياء من الإيمان، فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله ، وأن ينتهي عما نهى الله عنه، والحياء من الناس يوجب للعبد أن يستعمل المروءة، وأن يفعل ما يجمِّله ويزينه عند الناس، ويتجنب ما يدنسه ويشينه، فالحياء كله من الإيمان.

7- لم يبين الرسول صلى الله عليه وسلم كلَّ شُعَب الإيمان، وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي آتاه الله تعالى؛ لأجل أن يجتهد المسلم بنفسه، ويتتبع نصوص الكتاب والسنة؛ حتى يجمع هذه الشُّعَب ويعمل بها، وليتبين الحريص عليها من غير الحريص.

ومعنى (لا إله إلا الله ) أي: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فكل المعبودات من دون الله باطلة، إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ﴾ (الحج: 62).

نشاط

1- اكتب بحثا موضحا فيه حقيقة الإيمان.

2- ما معنى: (لا إله إلا الله)؟

3- كيف تستدل بالحديث على أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالقلب والجوارح؟

الحديث الخامس

الحديث الخامس: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»

وفي رِوايةٍ: «صَالحِ الأَخْلاقِ» ، وفي رِوايةٍ: «حُسْنَ الأخلاق» رَواه البَزَّارُ، وأَحمدُ، ومَالكٌ، وصحَّحه الأَلبانيُّ.

راوي الحديث

أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، راوية الإسلام، لزم النبي صلى الله عليه وسلم، فروى عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، ولاه أمير المؤمنين عمر البحرين، ثم عزله، وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية، توفي عام 57هـ.

شرح المفردات

«بُعِثْتُ» : أُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ.

«لأُتمِّمَ» : لأُكمِلَ.

«مَكَارِم» : جَمْعُ (مَكْرُمَةٍ)، وهيَ: الخَصْلَةُ والصِّفةُ الَّتي يَسْتَحِقُّ الشَّخْصُ بِهَا أَنْ يَكُونَ كَرِيمًا.

«الأَخْلاق» : جَمْعُ (خُلُقٍ)، وهوَ: طَبعُ الإِنْسانِ وسَجيَّتُه، أوْ هوَ: صُورةُ الإِنْسانِ البَاطنَةُ.

فكلُّ إنْسانٍ له صُورتَانِ:

1- صُورةٌ ظَاهرةٌ (الخَلْق): وهيَ شَكلُ خِلْقتِه الَّتي جَعلَ الله البَدنَ عَليها، وهذِه الصُّورةُ الظَّاهرةُ منها جَميلٌ حَسنٌ، ومنها مَا هوَ قَبيحٌ سيِّئٌ.

2- صُورةٌ بَاطنةٌ (الخُلُق): وهيَ حَالٌ للنَّفسِ رَاسخةٌ تَصدرُ عَنها الأَفْعالُ مِن خَيرٍ أوْ شَرٍّ، وهذِه الصُّورةُ أَيضًا منها مَا هوَ حَسنٌ، ومنها مَا هوَ قَبيحٌ.

الشرح الإجمالي للحديث

كَانتْ رِسالَاتُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ تَتضمَّنُ أَحسنَ الأَخْلاقِ وأَفْضلَها وأَكرَمَها، ومعَ تَقادُمِ العَهدِ وتَحريفِ الشَّرائعِ ذَهبتْ كَثيرٌ مِن الأَخْلاقِ الحَسَنةِ، معَ مَا ذَهبَ مِن الشَّرائعِ السَّماويَّةِ، بتَحريفِ الأَتْباعِ، وتَعطِيلِهمْ، وجُحودِهمْ ونِسيانِهمْ.

وقَدْ كَانتِ العَربُ أَحسنَ النَّاسِ أَخْلاقًا بمَا بَقيَ عِندَهم مِن شَريعةِ إبْراهِيمَ عَليهِ السَّلامُ، وكَانوا قَدْ ضَلُّوا بالكُفرِ عنْ كَثيرٍ مِنها، فبُعِثَ صلى الله عليه وسلم ليُتمِّمَ مَحاسنَ الأَخْلاقِ، ببَيانِ ما ضَلُّوا عَنه، وبمَا خُصَّ بهِ في شَرعِه.

فكَانتْ بَعثتُه صلى الله عليه وسلم في جَوْهرِها رِسالةً قَائمةً عَلى مَكارمِ الأَخْلاقِ قَولًا وفِعلًا، ودَعوةً ومُمارَسةً، فجَاءتْ شَريعتُه صلى الله عليه وسلم سَمْحةً آمِرةً بكُلِّ ما فيهِ خَيرٌ واسْتقامَةٌ وسَعادةٌ للإِنْسانِ في دِينِه ودُنياهُ.

فوائد الحديث

1- حُسنُ الخُلقِ لَيسَ أَمرًا زَائدًا عَلى الدِّينِ وشَرائِعه، بلْ هوَ مِن صُلبِه ودَعائِمِه، وقَدْ حَصَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في هَذا الحَديثِ بَعثَتَه عَلى تَتمِيمِ مَكارمِ الأَخْلاقِ، وسَمَّى الله تَعالَى الإِيمانَ وإِقامةَ الصَّلاةِ وإِيتاءَ الزَّكاةِ بِرًّا، فَقالَ تَعالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177).

لِذا قَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رَحمَه الله : «ويَدخلُ في هَذا الحَديثِ: الصَّلاحُ والخَيرُ كُلُّه، والدِّينُ والفَضلُ والمُرُوءةُ والإِحْسانُ والعَدلُ» .

2- لمَّا كَانَ صلى الله عليه وسلم هوَ المَبعوثَ بتَتمِيمِ مَكارمِ الأَخْلاقِ، كَانتْ أَفْعالُه وأَقوالُه وأَحوالُه وسِيرتُه صلى الله عليه وسلم خَيرَ تَمثيلٍ لهذِه الأَخْلاقِ الكَريمةِ والخِصالِ الطَّيِّبةِ، فهوَ صلى الله عليه وسلم أَكْملُ الخَلْقِ خُلُقًا، وقدْ زكَّى الله تَعالَى أَخْلاقَه فَقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).

وقَالتْ عَائشةُ رضي الله عنها: «كَانَ صلى الله عليه وسلم خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» رواه مسلم، فكُلُّ مَا في القُرآنِ مِن تَعاليمَ وآدَابٍ وتَوجيهَاتٍ، كَانتْ خُلُقَه صلى الله عليه وسلم.

ولِذلكَ، فإنَّ الخَيرَ كُلَّه في أنْ تَكونَ أَخْلاقُ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم وسِيرتُه، مَعرُوفةً للمُسلِمينَ جَميعًا، لِيكونَ الاتِّباعُ والتَّأسِّي.

3- مِيزانُ الخَيريَّةِ والأَفْضليَّةِ، ومَيْدانُ السَّبقِ والتَّفاضلِ، قَائمٌ عَلى تَتمِيمِ مَكارمِ الأَخْلاقِ في النَّفسِ والتَّحلِّي بها:

قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا» مُتَّفقٌ عَليهِ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» رَواهُ التِّرمذيُّ، وحَسَّنه الأَلْبانيُّ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي المِيزَانِ أَثْقَل مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ» رَواهُ التِّرمذيُّ، وصَحَّحهُ الأَلْبانيُّ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» رَواهُ أَبو دَاودَ، وحَسَّنه الأَلْبانيُّ.

4- كلُّ فَضائلِ الأُممِ السَّابقةِ مَوجُودةٌ في هذِه الأُمَّةِ، ومَا كانَ مِن نَقصٍ فإنَّه كُمِّل بهَذِه الأُمَّةِ، ولهذَا رُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» مُتَّفقٌ عَليهِ.

5- الأَخْلاقُ الحَميدةُ مِنها مَا يُكتَسبُ بالتَّعلُّمِ والتَّدريبِ ورِياضةِ النَّفسِ، ولَيستْ جَميعُها فِطرِيَّةً جِبلِّيَّةً.

قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» رَواهُ الطَّبرانيُّ في الأَوسطِ، وصحَّحهُ الأَلْبانيُّ.

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله » مُتَّفقٌ عَليهِ.

6- كُلُّ شَيْءٍ يَشْرُفُ فِي بَابِهِ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بخِصْلةِ الكَرَم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (ق: 7)، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيٍمٍ﴾ (الشعراء: 58)، وَ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77).

المقطع للاطلاع فقط

* قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ لِلْبِرِّ وَالْفَضْلِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90).

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «هَذِهِ أَجْمَعُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِخَيْرٍ يُمْتَثَلُ، وَلِشَرٍّ يُجْتَنَبُ»

وقَالَ الحَسنُ البَصريُّ رَحمَه الله : «والله ، ما تَركَ العَدلُ والإِحْسانُ شَيئًا مِن طَاعةِ الله إِلَّا جَمعَاهُ، وَلا تَركتِ الفَحْشاءُ والمُنكَرُ والبَغيُ شَيئًا مِن مَعصيةِ الله إِلَّا جَمعُوه»

وقَالَ قَتَادَةُ رَحمَه الله في هذِه الآيةِ: «لَيْسَ مِنْ خُلُق حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ، إِلَّا أَمَرَ الله تعالى بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَهَى الله عَنْهُ»

* وقَدْ أَحسنَ الشَّاعرُ في قَولِه:

لَيس دُنيا إلَّا بدينٍ ولَيْــسَ ****الدِّينُ إلَّا مَكارمَ الأخْلاقِ

إنَّما المَكْرُ والخَديعَةُ في النَّارِ ****هُمَا مِنْ خِصالِ أهْلِ النِّفاقِ

نشاط

1- كَيفَ يَتخلَّقُ المُسلمُ بمَكارمِ الأَخْلاقِ؟ اكْتُبْ في ذَلكَ، مُستَعينًا بمَصادرَ خَارجيَّةٍ.

2- اذْكُرْ ثَلاثةَ أَمْثلةٍ عَمليَّةٍ مِن سِيرةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تَشهدُ عَلى كَرمِ أَخْلاقِه.

3- اكْتُبْ عنْ أَهمِّيَّةِ امْتِثالِ مَكارمِ الأَخْلاقِ، وأَثرِ ذَلكَ عَلى الفَردِ والمُجتمِعِ المُسلِمِ.

الحديث السادس

الحديث السادس: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب...»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ مُعَاذًا رضي الله عنه، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» رواه مسلم.

راوي الحديث

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، حبر الأمة وترجمان القرآن، أسلم صغيرًا، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم، كان الخلفاء يجلونه، وكُفَّ بصره في آخر عمره، كان يجلس للعلم، فيجعل يومًا للفقه، ويومًا للتأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا للشعر، ويومًا لوقائع العرب، توفي بالطائف عام 68هـ.

شرح المفردات

(كرائم أموالهم) الكرائم: جمع كريمة، وهي جامعة الكمال، من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم أو صوف.

(فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أي: إنها مسموعة لا ترد.

وهذا التحذير من دعوة المظلوم في هذا السياق على وجه الخصوص؛ لأنه سيتعرض لأموالهم، فليحذر الظلم في ذلك، فالمال من أغلى مملوكات الإنسان.

الشرح الإجمالي للحديث

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن في السنة العاشرة من الهجرة، وكانوا أهل كتاب، فأخبره بحالهم لكي يكون مستعدًا لهم، ولينزلهم منزلتهم، فيجادلهم بالتي هي أحسن.

ثم وجّهه صلى الله عليه وسلم إلى أول ما يدعوهم إليه، وهو التوحيد والرسالة، فلا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فهو المستحق للعبادة، وما عداه فلا يستحق العبادة، بل عبادته باطلة.

وأن الله تبارك وتعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن، وختم به الرسالات، فمن لم يؤمن به فإنه من أهل النار، فإن شهدوا بذلك فيعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا فيعلمهم أن الله افترض عليهم الزكاة، تؤخذ من الغني وترد في الفقير، على ألا يأخذ من أموالهم النفيس الطيب، ولكن المتوسط، وأن الواجب عليه أن يتقي دعوة المظلوم لكونها قريبة من الله تعالى، ترفع إليه بدون حجب.

فوائد الحديث

1- الكتاب والسنة نزلا ليحكما بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأحكام الشرعية واجبة التطبيق في كل عصر ومِصْر.

2- وجوب بعث الدعاة إلى الله من قِبَل ولي أمر المسلمين في كل مكان يحتاج إلى الدعوة، وهذا دأب النبي صلى الله عليه وسلم وهديه أن يبعث الرسل يدعون إلى الله سبحانه وتعالى.

المقطع للاطلاع فقط

3- أنه ينبغي أن يُذكر للداعية حال المدعوين، حتى يتأهب لهم علما وخلقا، ولئلا يوردوا عليه من الشبهات ما ينقطع به.

4- أن أهم شيء بعد الشهادتين هو الصلاة؛ وأن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة، ثم الزكاة، ثم بقية فروض الإسلام.

5- فائدة إثرائية:

الصحيح: أن الزكاة واجبة في المال؛ لقوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ﴾ (التوبة: 103) وقال في هذا الحديث: «أعلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» لكن لها تعلُّق بالذمة، بمعنى أنها إذا وجبت وفرط الإنسان فيها، فإنه يضمنها.

أن الواجب البداءة بالدعوة إلى التوحيد؛ لذا بدأ بها نبي الله يوسف مع الرجلين في السجن: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 39 مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف: 39، 40).

وبدأ بالدعوة إلى التوحيد سائرُ أنبياء الله، فكانت بداية دعوتهم جميعا: ﴿ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ﴾ (الأعراف: 59).

6- أن الزكاة لا تجب على الفقير، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» ولا تُعطى لغني.

7- أنه يجوز الاقتصار في إخراج الزكاة على صنف واحد من الثمانية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فترد في فقرائهم»

8- سميت الزكاة صدقة؛ لأن بذل المال دليلٌ على صدق باذله، فإن المال محبوب إلى النفوس، والإنسان لا يبذل المحبوب إلا لما هو أحب منه، فإذا بذل المال مع حبه له، دلَّ ذلك على أنه يحب ما عند الله أكثر من حبه لماله.

9- تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويعرفهم قبح عاقبته.

10- أنه لا يجوز للساعي على الزكاة أن يأخذ أكثر من الواجب، وأنه يحرم عليه أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط.

11- دعوة المظلوم مستجابة، وأنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم.

نشاط

1- اكتب بحثا موضحًا فيه الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية.

2- ما وجه البداءة بالشهادتين في الدعوة إلى الإسلام؟

3- لماذا جاء التحذير من دعوة المظلوم في هذا السياق؟

4- أعْدِدْ بحثًا في الخلاف في وجوب استيعاب الأصناف الثمانية عند إخراج الزكاة.

الحديث السابع

الحديث السابع: «يأتي الشيطان أحدكم...»

عَنِ أَبي هُرَيْرَةَ َ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلْيَنْتَهِ» متفق عليه. وفي لفظ: «لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ الله؟»

وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح: «فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقْرَأْ: آمَنْتُ بِالله وَرُسُلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ عَنْهُ»

وعند أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ َ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: «فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: الله أَحَدٌ، الله الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ» وحسنه الألباني.

شرح المفردات

(يأتي الشيطان) أي: يوسوس إبليس، أو أحد أعوانه من شياطين الإنس والجن على طريق التلبيس.

(بَلَغَهُ) أي: بلغ قوله: من خلق ربك؟

(فليستعذ بالله) من وسوسته، بأن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

(وَلْيَنْتَهِ) ليتوقف عن الاسترسال معه في هذه الوسوسة.

(فَلْيَقْرَأْ: آمَنْتُ بِالله وَرُسُلِهِ) أي: قل أخالف عدو الله المعاند، وأؤمن بالله، وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم.

والمراد أنه إذا عرض له الوسواس فإنه يلجأ إلى الله تعالى في دفع شرِّه، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغراء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.

(حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ الله) فيصل بهم التساؤل إلى أن يقولوا ذلك، وهذا تساؤل باطل بالبداهة؛ لأن كون الله تعالى خالقًا غير مخلوق أمر ضروري، فالسؤال عنه تعنُّت.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث التوجيه النبوي الكريم بترك التفكير فيما يخطر في القلب من وساوس الشيطان، والامتناع عن قبولها، والكف عن مجاراته في ذلك، وحسم المادة بالإعراض عنه والاستعاذة بذكر الله، فمن عرض هذا التساؤل على خاطره، فليقل: آمنت بالله ويقرأ سورة الإخلاص، ويتفل عن يساره، وليستعذ بالله ليطرد عنه وساوس الشيطان، فإن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عنه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد.

فوائد الحديث

1- ضرورة الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ طردا للشيطان، فإن العبد بحوله وقوته ليس له قوة المغالبة مع الشيطان، ومجادلته، فيجب عليه أن يلتجئ إلى مولاه، ويعتصم بالله من الشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر.

2- أن وسوسة الشيطان وتحدُّثَه في نفس المؤمن إنما هو لإِياسه من قبوله إغواءَه، وتزيينه الكفرَ له وعصمة المؤمن منه، فرجع إلى نوعٍ من الكيد والإيذاء بحديث النفس، بما يكره المؤمن من خفي الوساوس، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.

المقطع للاطلاع فقط

3- بيان ضعف الشيطان، وأنه في حال يأسه من إغواء المؤمن يلجأ إلى الوسوسة، وهذا حدُّه مع المؤمن؛ لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ (النساء: 76).

4- تحريم المراء والمجادلة فيما يتعلق بذات الله وصفاته، فيجب التوقف عن ذلك، ولا يجوز الخوض فيه.

نشاط

1- ورد في بعض ألفاظ الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» اشرح هذه العبارة.

2- كيف تتعامل مع وساوس الشيطان؟

3- ماذا قال الله تعالى عن ضعف الشيطان في كتابه العزيز، وكيف تستفيد من نصوص الكتاب والسنة في التعامل معه، والتحذير منه؟

الحديث الثامن

الحديث الثامن: «اعملوا فكل ميسر...»

عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَقَالَ:قَالُوا: يَا رَسُولَ الله ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قَالَ:«اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ 5 وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ 6 فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ 7﴾ (الليل: 5-7). متفق عليه.

راوي الحديث

علي بن أبي طالب الهاشمي، رابع الخلفاء الراشدين بإجماع الأمة، زوَّجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة، ولي الخلافة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان، فلم يستقم له الأمر حتى قتل بالكوفة، كفَّره الخوارج، وغلا فيه الشيعة حتى قدَّموه على الخلفاء الثلاثة، وبعضهم غلا فيه حتى رفعه إلى مقام الألوهية، توفي عام 40هـ.

شرح المفردات

(يَنْكُتُ) أي: يضرب بها في الأرض ويؤثِّر، قال ابن فارس: «النون والكاف والتاء أصلٌ واحد يدلُّ على تأثيرٍ يسيرٍ في الشيء»

(إلا وقد كتب مقعده) أي: موضع قعوده.

(أفلا نتكل على كتابنا) أي: المكتوب في الأزل.

(وندع العمل): أي: نتركه؛ إذ لا فائدة فيه مع سبق القضاء لكل واحد مِنَّا بالجنة أو النار.

(فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ): أي: موفق ومهيأ لما خُلق له، وفُسِّر بما بعده، فإن كان من أهل السعادة يُسِّر لها، وإن كان من أهل الشقاء يُسِّر له.

الشرح الإجمالي للحديث

الحديث يدل على أن الله تعالى دبَّر الأشياءَ على ما شاء، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابا ومسببات، وإن كان يقدر على إيجاد الجميع ابتداء بلا أسباب، لكنه أمرٌ اقتضته حكمته، وسبقت به كلمته، وجَرَت عليه عادته، فمن قُدِّر أنه من أهل الجنة قدر له ما يقربه إليها من الأعمال، ووفقه لذلك، وألانَ قلبَه لقبولِ الحق، وأرشده للتمييز بين الباطل والحق، ومن قُدِّر أنه من أهل النار قُدِّر له خلاف ذلك، وخذله حتى اتبع هواه، وران على قلبه الشهوات، ولم يغنِ عنه النذر والآيات، فأتى بأعمال أهل النار، حتى صار من أهلها.

فوائد الحديث

1- استحباب الموعظة الخاصة عند القبر؛ لأن رؤية الميت وهو يوضع في قبره، وذكر الموت يرقق القلب، ويذهب غلظته.

2- أن جميع مخلوقات الله كائنة بأمره بكلمة:«كن» ؛ فكل مقدر، لا مزيد في شيء منها، ولا نقصان عنها، ولا تأخير لشيء منها عن وقته، ولا تقديم له قبل وقته، وأن الأرزاق والآجال قد سبق ما قسم الله سبحانه وتعالى منها، وأن أهل الجنة والنار قد سبق في علم الله تبارك وتعالى ذكرهم، ومقاعدهم منها.

المقطع للاطلاع فقط

3- هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله السابق.

4- أن الله لم يزل عالمًا من يطيعه فيدخله الجنة، ومن يعصيه فيدخله النار، وأن الله تعالى لم يضطر أحدًا منهم للعمل بالطاعة أو المعصية، إنما تقدم فيهم علمُه وإرادتُه بما هم عاملون، قال تعالى في أهل الجنة: ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (الأحقاف: 14)، وقال في أهل النار: ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ (فصلت: 28)، وقال في الفريقين: ﴿لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ (النجم: 31) فأخبر أن ثوابه وعقابه على أعمالهم.

5- أن هذا الخبر لا ينبغي أن يؤثر في ترك العمل بل في زيادته؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»

فهذا الحديث لا يقتضي تقليل العمل، بل يبعث على كثرة العمل، كما يقتضي الحذر من الإعجاب، وكذلك لا يقتضي التتابع في المعاصي، بل يقتضي ألا يقنط فاعلها من رحمة الله إن كثرت ذنوبه، ويبادر بالتوبة.

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ؟

2- ماذا تستفيد من الناحية العملية من هذا الحديث، وهل هو يبعث على ترك العمل؟

3- من خلال قراءة خارجية، ما الطوائف التي ضلت في باب تقدير الله السابق للأشياء؟

الحديث التاسع

الحديث التاسع: «يجمع أحدكم في بطن أمه...»

عَنْ عَبْدِ الله بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: حدثنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا» متفق عليه.

شرح المفردات

(الصادق المصدوق): معناه الصادق في قوله، المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم.

(نُطْفَة) أي: قطرة من المني.

(العلقة) وهي قطعة الدم الغليظ، وهي دودة معروفة تُرى في المياه الراكدة.

(ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِك) أي: أربعين يومًا.

والمضغة: قطعة لحم، بقدر ما يمضغه الإنسان.

(فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ) الروح: ما به يحيا الجسم، وكيفية النفخ الله أعلم بها، ولكنه ينفخ في هذا الجنين الروح ويتقبلها الجسم.

(وَأَجَله) أي: مدة بقائه في هذه الدنيا، والآجال تقديرها إلى الله سبحانه وتعالى، والناس يختلفون في الأجل اختلافًا متباينًا، فمن الناس من يموت حين الولادة، ومنهم من يعمِّر إلى مائة سنة، وفي الحديث: «أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين، وأقلُّهم من يجوز ذلك» أخرجه الترمذي، وحسنه.

(وَعَمَله) أي: ما يكتسبه من الأعمال القولية والفعلية والقلبية.

(لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) أي: فيما يبدو للناس، كما فسرتها الروايات الأخرى.

(فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) فيدع العمل الأول الذي كان يعمله، وذلك لوجود دسيسة في قلبه -والعياذ بالله- هَوَت به إلى الهاوية.

وليس بظلم من الله تعالى له، فما من أحد يقبل على الله بصدق وإخلاص، ويعمل بعمل أهل الجنة صادقا، فيخذلُه الله أبدًا.

(لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار) أي: فيما يبدو للناس.

(ذراع) المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته، وأن تلك الدار ما بقي بينه وبين أن يصلها إلا كَمَنْ بقي ذراع بينه وبين موضع من الأرض.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث بيان أن الرجل إذا جامع امرأته، وألقى في رحمها الماء بقي أربعين يومًا وهو نطفة، ويتغير شيئًا فشيئًا، حتى يصير علقة، ثم يثخن ويغلظ شيئًا فشيئًا، حتى يمر عليه ثمانون يومًا، فتتحول إلى مضغة، وقد قال الله تعالى في هذه المضغة: ﴿مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ﴾ (الحج: 5)، فتبقى أربعين يومًا تخلَّق إلى تمام مائة وعشرين يومًا، ولا يتبين فيها الخلق تبيُّنًا ظاهرًا، إلا إذا تم تسعين يومًا في الغالب، فإذا تمت هذه المضغة مائة وعشرين يوما أرسل الله إليها الملَك الموكل بالأرحام، فينفخ فيها الروح بإذن الله سبحانه وتعالى، وهذه الروح أمر لا يعلمه إلا رب العالمين، فتدبُّ فيه حتى تدخل الجسد كله، وحينئذ يكون إنسانًا، أما قبل فهو ليس بشيء.

ويؤمر الملَك بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة فما يبدو للناس، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار لفسادٍ في نفسه وقلبه، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة، لتوبته وسعيه إلى الله، فعلى العبد أن يحرص على حسن الخاتمة، وأن يحذر من الأمن من مكر الله سبحانه وتعالى، وألا يغتر بعمله.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- حسن أسلوب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فكلماته كأنما تخرج من مشكاة النبوة، كلمات عذبة جليلة.

2- أن الإنسان في بطن أمه يُجمع خلقه على هذا الوجه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من معالم النبوة، ومعجزاتها.

3- حكمة الله سبحانه وتعالى في أطوار الجنين من نطفة إلى علقة.

4- أن الطور الثالث هي المضغة، وتكون مخلقة وغير مخلقة بنص القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ ﴾ (الحج: 5).

فائدة إثرائية: ويترتب على كونها مخلقة أو غير مخلقة أنه لو سقطت هذه المضغة، وهي غير مخلقة لم يكن الدم الذي يخرج نفاسًا، بل دم فساد.

أن الإنسان يبقى نطفة لمدة أربعين يومًا، واختلفوا هل يجوز إلقاء النطفة أو لا؟

الجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز إلقاؤها؛ لأنه لم يتكون إنسانًا، ولم يوجد فيه أصل الإنسان وهو الدم.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ 21 إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ (المرسلات: 21-22) فلا يجوز أن نتجاسر على هذا القرار المكين ونخرج الجنين منه، وهذا أقرب إلى الصواب، لكنه ليس كتحريم ما بعده من بلوغه أربعة أشهر.

5- أن الروح تنفخ في الجسد، ولا نعلم الكيفية؛ لأن هذا من أمور الغيب، كقوله تعالى: ﴿ وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ (التحريم: 12).

6- أن الملائكة عليهم السلام عبيدٌ، يؤمرون وينهون، لقوله: «فَيُؤمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ» ، والآمرُ له هو الله سبحانه وتعالى.

المقطع للاطلاع فقط

تابع - فوائد الحديث

7- أن هذه الأربع مكتوبة على الإنسان: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.

وليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب التي يحصل بها الرزق، بل نفعل، وما نفعله من أسباب يكون تابعا للرزق المكتوب.

8- أن الإنسان لا يدري ماذا كتب له، ولذلك أمر بالسعي لتحصيل ما ينفعه، وهذا أمر مسلّم، فكلنا لا يدري ما كتب له، ولكننا مأمورون أن نسعى لتحصيل ما ينفعنا، وأن ندع ما يضرنا.

9- التصريح بإثبات القدر، وأن جميع ما في الكون من نفع أو ضر بقضاء وقدر.

10- عدم الاغترار بصور الأعمال؛ لأن الأعمال بالخواتيم.

أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر، لقوله: «ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ» ، وينبني على هذا:

أ. أنه إذا سقط بعد نفخ الروح فيه فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويسمى، ويعق عنه، لأنه صار إنسانًا، فيثبت له حكم الكبير.

ب. أنه بعد نفخ الروح فيه يحرم إسقاطه بكل حال؛ لأن إسقاطه حينئذ يكون سببًا لهلاكه، ولا يجوز قتله وهو إنسان.

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا» ؟

2- اذكر مراحل خلق الإنسان والأحكام المتعلقة بها.

3- حرر الخلاف في الإجهاض، على ضوء ما درست، مستعينا بأبحاث أخرى.

4- ما حكم الدم النازل من المرأة بعد إسقاط الجنين؟ فصِّل القول في ذلك.

المقطع للاطلاع فقط

الحديث العاشر

الحديث العاشر: «المؤمن القوي خير...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلم.

شرح المفردات

(المؤمن القوي) يعني في إيمانه؛ لأنه يحمله ذلك على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفًا، فلا يحمله على فعل الواجبات، وترك المحرمات.

وقيل: المؤمن القوي في إيمانه، والقوي في بدنه وعمله خيرٌ من المؤمن الضعيف في إيمانه، أو الضعيف في بدنه وعمله؛ لأن المؤمن القوي ينتج ويعمل للمسلمين، وينتفع المسلمون بقوته البدنية وبقوته الإيمانية، وبقوته العلمية، فينتفعون به في الجهاد في سبيل الله، وفي الدفاع عن الإسلام والمسلمين.

(وفي كل خير) أي: في كل من القوي والضعيف خيرٌ لاشتراكهما في الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات.

وإنما قال: (وفي كل خير)؛ لئلا يتوهم أحدٌ من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خيرٌ، بالتوحيد والعبادة والذكر وغيره.

(احرص على ما ينفعك) أي: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واحرص على ما ينفعك في أمر الدين والدنيا.

(واستعن بالله) أي: ولا تنس الاستعانة بالله، ولو على الشيء اليسير، وكنْ على يقين أنه لولا عون الله ما تيسرت أمورك.

(ولا تعجز) يعني استمر في العمل ولا تتأخر، ولا يصيبك العجز والوهن بعد فترة، فتترك العمل.

(فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا) أي: بعد أن تحرص وتبذل الجهد، وتستعين بالله، ثم كان الأمر على خلاف ما تريد، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا؛ لأن هذا أمر فوق إرادتك.

(ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل) أي: هذا تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله سبحانه وتعالى فعله.

(فإن «لو»تفتح عمل الشيطان) أي: تفتح عليك الندم والأحزان والوساوس، والأمر قد انتهى، ولا يمكن أن يتغير عمَّا وقع.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث العظيم بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين منهم القوي، ومنهم الضعيف؛ وفي كليهما خير؛ إلا أن المؤمن القوي أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف؛ وذلك لأن المؤمن القوي ينفع نفسه وينفع غيره؛ وتتعدى منفعته إلى أهله وقومه وأُمَّته، والمؤمن الضعيف قد يقتصر بنفعه على نفسه.

ولأن المؤمن القوي بقوته يمكن أن يكسر حزب الشيطان، بقوله إذا قال، وبفعله إذا فعل.

فقويُّ الإيمانِ أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأرغب في الصلاة والصوم والذكر وسائر العبادات.

ثم أتبع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بوصية جامعة مانعة لأُمَّته بقوله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك» يعني: اجتهد في تحصيل ومباشرة ما ينفع، وذلك بشغل وقتك بكل نافع، في الدين والدنيا، وإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدِّم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدِّين فإنها تفسد.

ثم إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، وإلا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد قضي الأمر، وعليك أن تسلم الأمر للجبار سبحانه وتعالى، وقل حينئذ: قَدَرُ الله وما شاء فعل.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- الحرص على ما ينفع في أمر الدين والدنيا، والإقبال عليهما بنشاط.

2- الأمر بفعل الأسباب والاستعانة بالله، فمن ضيَّع بتركه الأسباب حقًّا له فهو عاجزٌ مفرِّطٌ.

3- وجوب التسليم لأمر الله، والرضا بقدر الله.

4- الحذر من الندم على ما فات ومضى، والحذر من مداخل الشيطان في ذلك.

فائدة إثرائية

استعمالات «لو»

الأول: على وجه الحزن على الماضي والجزع من المقدور، فهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى العبد المؤمن أن يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الثاني: أن تقال (لو) بغير تأسُّفٍ على ما مضى ونحوه، كقوله: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ﴾ (الأنبياء: 22) أو لبيان محبة الخير وإرادته، كقوله: «لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثل ما يعمل» ونحوه، فهذا جائز.

قال ابن القيم رحمه الله : «فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان:

أحدها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة، وأنه يُحِب حقيقة.

الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها؛ فهو القوي ويحب المؤمن القوي، وهو وتر يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.

ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضَهم أكثرَ من بعض.

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ» ؟

2- ما التوجيه الذي ورد في هذا الحديث، والذي يدل على العمل والسعي الدائم في أمري الدنيا والآخرة، وماذا تفهم منه؟

3- إثبات الحب لله واضح في هذا الحديث، اذكر من نصوص الكتاب والسنة ما يدل عليه.

4- اذكر أحكام (لو)، ومتى يجوز قولها؟

المقطع للاطلاع فقط

الحديث الحادي عشر

الحديث الحادي عشر: «لا تطروني...»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه سَمِعَ عُمَرَ رضي الله عنه يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ الله ، وَرَسُولُهُ» رواه البخاري.

شرح المفردات

(لا تطروني) الإطراء: هو الإفراط في المديح ومجاوزة الحد فيه، وقيل: هو المديح بالباطل والكذب فيه.

(كما أطرت النصارى ابن مريم) أي: بدعواهم فيه الألوهية، والبنوة ﷲ تعالى ونحوه.

(إنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) أي: صِفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله.

الشرح الإجمالي للحديث

أن النبي صلى الله عليه وسلم حرصًا منه على توحيد الله تعالى، وخوفًا على أمته من الشرك الذي وقعت فيه الأمم السابقة، حذَّرها من الغلو فيه، ومجاوزة الحد في مدحه، بنسبة أوصاف الله تعالى وأفعاله الخاصة به إليه صلى الله عليه وسلم، كما غَلَت النصارى في المسيح بوصفه بالألوهية والبنوة ﷲ تعالى، فوقعت في الشرك، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ﴾

المقطع للاطلاع فقط

تابع - الشرح الإجمالي للحديث

وإنما صِفُوني بالعبودية والرسالة كما وصفني الله تعالى بذلك، ولا تتجاوزوا بي حدود العبودية إلى مقام الألوهية أو الربوبية، كما فعلت النصارى، فكفروا بذلك وضلُّوا، فإن حق الأنبياء العبودية والرسالة، أما الألوهية فإنها حقٌّ الله وحده.

فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطروه بالباطل، فأما وصفه بما فضله الله به وشرَّفه، فحقٌّ واجب على كل من بعثه الله إليه من خلقه، وذلك كوصفه ڠ نفسَه بقوله: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» رواه مسلم.

سدُّ الذرائع التي تؤدي إلى الشرك بالله، فالشرك بالله لما كان أعظم الذنوب وأظلم الظلم، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، والذي حرم الله على صاحبه الجنة ومأواه النار، لما كان بهذه الخطورة حذَّر منه صلى الله عليه وسلم، ومنع من أي وسيلة تؤدي إليه، ومن ذلك الإطراء والغلو بغير حق.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- التحذير من الغلو والإِسراف في المدح، ومجاوزة الحد، والمدح بالباطل.

2- أن كفر النصارى إنما كان بسبب غلوِّهم في المسيح، وادِّعاءِ أنه ابنُ الله أو أنه الله! تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا، حتى أدَّى بهم ذلك إلى تحريف الكتب المقدسة، لكي يستدلوا بها على صحة مزاعمهم الباطلة.

3- أن من رفع شخصا فوق حقه، وتجاوز به مقداره بما ليس فيه فهو متعدٍّ آثمٌ؛ لأن ذَلِكَ لو جاز في أحد لكان أولى الخلق به نبينا صلى الله عليه وسلم، والواجب أن يقصر كل أحد على ما أعطاه الله من منزلةٍ، ولا يتجاوز به إلى غيرها.

4- أن نسبة عيسى إلى مريم عليها السلام تبعيدٌ له عن الإلهية، وتأكيدٌ لبشريته، وأنه عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

5- أن أشرف المقامات هو مقام العبودية، فقد قال سبحانه وتعالى في ذكر الإسراء: ﴿ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ﴾ وقال: ﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ﴾ وقال: ﴿ وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا ﴾

وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة؛ حتى يقول عيسى عليه السلام يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة: «ائْتُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، عَبْدٌ غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» رواه ابن حبان، وصححه الأرناؤوط.

6- فائدة إثرائية

جمعه صلى الله عليه وسلم بين وصفه بكونه عبد الله، ووصفه بكونه رسوله دفعا للإفراط والتفريط والغلو، ورحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: «عبدٌ لا يُعبد، ورسولٌ لا يُكذب، بل يطاع ويُتبع» ، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، فان معناها كما قال رحمه الله: «طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع»

أن المدح المذموم لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يُتجاوز فيه الحد، ويقع به المادح في المحظور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قول البوصيري في البردة:

يَا أكْرمَ الْخلقِ مَا لي من ألوذُ بِهِ... سواك عِنْد حُدُوث الْحَادِث العمم

فهذا المعنى الذي اشتمل عليه هذا البيت لا يجوز أن يصرف لغير الله سبحانه وتعالى، ولا يستحقه إلا الله وحده لا شريك له، فهو الذي يعاذ به ويلاذ به ويلتجأ إليه، ويعتصم بحبله، لا النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

المقطع للاطلاع فقط

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «عَبْدُ الله ، وَرَسُولُهُ» ؟

2- جواز المدح، الإفراط في المدح. اشرح ذلك مستعينا بالحديث.

3- اكتب جملة فوائد من هذا الحديث في صيانة التوحيد.

4- بين كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصون ويحمي جناب التوحيد.

5- في قراءة لكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ماذا قال في التعليق على هذا الحديث.

الحديث الثاني عشر

الحديث الثاني عشر: «لو كنت متخذًا خليلًا...»

عَنِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ َ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم.

راوي الحديث

جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، نزل الكوفة والبصرة، وله عدة أحاديث، روى عن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس وأنس بن سيرين والحسن البصري وصفوان بن محرز وغيرهم، توفي عام70هـ.

شرح المفردات

(أبرأ إلى الله) أي: أمتنع من هذا وأنكره.

(أن يكون لي منكم خليل) الخليل: هو البالغ الغاية في المحبة الخالصة، مشتق من الخُلَّة، وهي تخلل المودة في القلب؛ وإنما كان ذلك لأن قلبه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالَّة غيره.

(فإن الله قد اتخذني خليلًا) فيه التصريح بأن الخلة أكملُ وأرفعُ مرتبةً من المحبة.

(يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ) فيتخذون من تلك القبور مساجدَ، يُصلُّون ويتوجهون إليها في دعائهم ورغبتهم وطلبهم.

(فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) تأكيدٌ للنهي، وتحذيرٌ من هذا المنهي عنه، وهو اتخاذ القبور مساجدَ.

فائدة إثرائية

قال ابن القيم: «وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله! فمن جهلهم، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة.. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليلٌ غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب رضي الله عنهم وغيرهم»

الشرح الإجمالي للحديث

بيَّن صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن درجة الخلة هي مقامه صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، كما هو مقام إبراهيم ڠ، وأنه لو اختار واصطفى من أمته خليلًا لاتخذ منهم أبا بكر رضي الله عنه؛ لكونه متأهلًا لأن يتخذه صلى الله عليه وسلم خليلا، لولا المانع، وهو أنه صلى الله عليه وسلم امتلأ قلبُه بما تخلّله من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، فلم يتَّسع قلبُه لخلَّة غير الله سبحانه وتعالى.

ثم بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم عظيم أمر التوحيد، وحذَّر من الشرك، وسدَّ كلَّ طريقٍ موصلٍ إليه، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور، وعن اتخاذها عيدًا، وعن اتخاذها مساجدَ؛ لئلا يفضي ذلك إلى عبادة أصحابها، وطلب قضاء الحوائج منهم، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أن هذا هو صنيع الأمم السابقة، وأن هذا هو أصل ابتداء الشرك في الناس.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد وتمام حرصه على أمته، وتحذيرها أن تقع في الشرك، حيث لم يترك صلى الله عليه وسلم بابًا من أبواب الشرك إلا سدَّه؛ حتى قبيل موته بأيام قليلة.

2- أن الصِّدِّيق أفضل الصحابة رضي الله عنهم؛ وأفضل هذه الأمة، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم؛ حيث صرَّح صلى الله عليه وسلم أنه لو اتخذ خليلًا غير ربِّه لاتَّخذ أبا بكر رضي الله عنه.

3- الرد على الروافض، الطاعنين في أبي بكر رضي الله عنه، وبيان علو منزلته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4- أن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجدَ، وإن لم تُبنَ مسجدًا، فتحرم الصلاة في المقبرة وإلى القبور، بل لا تنعقد أصلًا لهذا الحديث وغيره.

فائدة إثرائية

إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة عند القبور لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل العلة في ذلك الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعُبَّاد اللات والعُزَّى من الشرك، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة، فهي من أنظف وأطهر البقاع عندهم، لكن لكونها ذريعة إلى الكفر والشرك بالله تعالى.

فائدة إثرائية

النهي عن بناء المساجد على القبور، ووُجوب هدم القباب التي بنيت عليها.

قال شيخ الإسلام: «أما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث الصحيحة»

وقال ابن القيم: «يجب هدم القباب التي بنيت على القبور؛ لأنها أُسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم»

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ» ؟

2- اكتب بحثًا لغويًا في التفريق بين المحبة والخلة، وبين مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

3- ما العلة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهل تعلم في نصوص الشرع ما يؤيد هذا الأصل؟

4- كيف ترد على الروافض في طعنهم على أبي بكر رضي الله عنه من خلال دراستك لهذا الحديث؟

الحديث الثالث عشر

الحديث الثالث عشر: «أعلم أنك حجر...»

عَنْ عُمَرَ َ رضي الله عنه أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» رواه البخاري.

شرح المفردات

(لا تضرُّ ولا تنفعُ) أي: بذاتك، وإنما النفع بالثواب الذي يحصل بامتثال أمر الله تعالى في تقبيله.

(مَا قَبَّلْتُكَ) فيه إشارة منه رضي الله عنه إلى أن هذا أمرٌ تعبديٌّ فنفعل، وعن علته لا نسأل، وإيماء إلى التوحيد الحقيقي الذي عليه مدار العمل.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث يبين أهمية الأمر باتباع السنة وآدابها، فقد قبَّل عمر رضي الله عنه الحجر الأسود، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لعباده أن يقبلوه؛ لكمال الذل والعبودية، ومن باب حماية التوحيد قال عمر رضي الله عنه حين قبَّله: «إني لأعلم أنك حجرٌ، لا تضرُّ ولا تنفع» ، فالضرر والنفع بيد الله سبحانه وتعالى، ثم بيّن رضي الله عنه أن تقبيله إياه لمجرد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ولولا أني رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» يعني فأنا أقبِّلك اتباعًا للسنة، لا رجاء للنفع، أو خوف الضرر.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- الحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقبيل الحجر الأسود، وترك الاعتراض على السنن بالعقول، وأن تقبيله الحجر ليس عبادةً له، بل ﷲ تعالى بامتثال أمره فيه، كأمره بسجود الملائكة لآدم.

2- بيان السُّنَنِ بالقول والفعل، وأنَّ الإمام إذا خشِيَ على أحد من فعله فسادَ اعتقادٍ أن يبادر إلى بيان الأمر.

قال الطبري: إنما قال ذلك عمر-والله أعلم-؛ لأن الناس كانوا حديثَ عهدٍ بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله تعالى، والوقوف عند أمر نبيه ؛ إذ ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها، وأن استلامه مخالف لفعل أهل الجاهلية في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر على مجانبة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع، وهو الله تعالى سبحانه وتعالى.

3- فائدة إثرائية

لا يشرع أن يقبل شيء من الكعبة المشرفة إلا الحجر الأسود فقط، أما الركن اليماني فإنه يستلم فقط، ولا يشرع استلام غير هذين الركنين من أركان الكعبة؛ لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أن التحسين والتقبيح إنما هو من قبل الشرع لا من قبل العقل، وأن كل ما جاء به الشرع فهو الحسن المحمود، وسرُّ ذلك محضُ العبودية، وأن العبادات على ضربين: منها ما فُهم معناه وعلته ومصلحته، ومنها ما وضع لمجرد التعبد وامتثال الأمر.

4- المشروع في الحجر الأسود أن يمسحه بيده اليمني ويقبِّله، فإن لم يمكن استلمه وقبَّل يدَه، فإن لم يمكن أشار إليه بشيء معه أو بيده، ولا يقبِّله.

التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيه، وهي قاعدة عظيمة في اتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله، ولو لم نعلم الحكمة فيه، فكمال التعبد أن ينقاد الإنسان ﷲ سبحانه وتعالى، سواء عرف السبب والحكمة في المشروعية أم لم يعرف.

نشاط

1- وجّه قول عمر رضي الله عنه: «وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُك»

2- اذكر أحكام الحجر الأسود مقارنة بباقي أركان الكعبة.

3- كيف تستدل على فقه عمر رضي الله عنه من واقع دراستك لهذا الحديث؟

4- كيف استفدنا من الحديث أن التحسين والتقبيح مردُّه إلى الشرع، داعما ما تقول بالقرآن؟

الحديث الرابع عشر

الحديث الرابع عشر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم...»

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ، يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ» رواه البخاري.

شرح المفرات

(حالفا) أي: يريد أن يحلف.

(ليصمت) ليسكت، ولا يحلف أصلا.

الشرح الإجمالي للحديث

قد يضطر المتكلم إلى أن يؤكد قوله ويوثق خبره بأنواع المؤكدات، ومنها اليمين، فالحلف على الشيء يفيد توكيد المحلوف عليه باقترانه بما يعظم عند السامع والمتكلم.

وفي هذا الحديث يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم بمن نحلف ونؤكد أقوالنا إذا أردنا الحلف، ويبين لنا أن الحلف بالله، ولا يجوز الحلف بغير الله؛ لأن التعظيم الحقيقي في هذا المقام لا يكون إلا له سبحانه وتعالى، وهو الجدير بالإجلال والإكبار.

فأفاد الحديث حرمة الحلف بكل ما سوى الله، من نبيٍّ أو وليٍّ، وأن الواجب تخصيص الحلف بالله، أو باسمٍ من أسمائه، أو صفةٍ من صفاته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» رواه الترمذي، وحسنه.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- تحريم الحلف بغير الله تعالى، كائنا من كان المحلوف به، للنهي عن ذلك، وقد وصف بأنه شرك وكفر.

2- فائدة إثرائية

إذا حلفت يمينا فيحسن أن تقيدها بالمشيئة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ الله لَمْ يَحْنَثْ» رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني فتقول: «والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله» ؛ لتستفيد بذلك فائدتين عظيمتين:

الأولى: أن يتيسر لك ما حلفت عليه.

الثانية: أنك لو حنثت فلا كفارة عليك.

3- فائدة إثرائية

اليمين التي توجب الكفارة هي اليمين بالله على شيء مستقبل، فإذا حلفت على شيء مستقبل، فقلت: والله لا أفعل كذا، فهنا نقول: إن فعلته فعليك الكفارة، وان لم تفعله فلا كفارة عليك.

أما إن كان الحلف بغير الله فلا أثر لهذه اليمين؛ وهي يمين غير منعقدة، مع لحوق الإثم بالحالف، لذا كان من فقه الصحابة رضي الله عنهم عدم الحلف بغير الله أبدًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لأن أحلف بالله كاذبا أحبُّ إلي من أن أحلف بغيره صادقًا» أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وصححه الألباني؛ ووجه ذلك: أن الحلف بغير الله شرك، ولو كان صادقًا، أما الحلف بالله كذبا فهو حرام، ومعلوم أن الشرك أعظم من فعل الحرام، ولو كان من الكبائر.

4- اليمين على شيء ماضٍ لا كفارة فيه، ولكن إن كان الحالف كاذبا فهو آثم، وإن كان صادقا فلا شيء عليه.

فائدة إثرائية

أنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى، وهو مما اتفق على النهي عنه.

فمن حلف بغير الله، سواء أكان نبيًّا أم وليًّا أم الكعبةَ أم قبر فلان، أم أباه أم أمَّه أم النعمةَ أم غيرَها، فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، ووقع في الشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» رواه الترمذي، وحسنه.

ولأن الحلف فيه تعظيمٌ للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنًا من كان، فقد جعله شريكًا ﷲ سبحانه وتعالى في هذا التعظيم، الذي لا يليق إلا به سبحانه وتعالى.

وهذا من الشرك الأصغر إن كان الحالف إنما أتى به لكونه كلمة تجري على لسانه، ولم يقم في قلبه تعظيم للمحلوف به.

وهو من الشرك الأكبر إن كان الحالف قصد بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به، كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتًا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين، مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن المحلوف به عندهم أجلُّ وأعظمُ وأخوفُ من الله تعالى، أو مساوٍ له.

هل الأفضل أن يفعل الشخص ما حلف عليه، أو الأفضل تركه؟

بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنك إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها أتقى ﷲ منها، أن تكفِّر عن يمينك، وأن تفعل الذي هو أتقى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ» رواه مسلم.

فإذا قال قائل: والله لا أكلم أو أزور فلانا، من ذوي رحمه، فإن الأتقى ﷲ أن يكلمه أو يزوره؛ لأن هجر المسلم حرام، وصلة الرحم واجبة، فيكلمه ويكفِّر عن يمينه.

من حلف على يمين بملة غير الإسلام، وهو فيها كاذبٌ متعمدًا، فهو كما قال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» متفق عليه.

فإذا قال شخص: هو يهودي أو نصراني إن كان كذا وكذا، وكان الأمر على خلاف ما قال، فإن قصد اليمين فحكمه حكم اليمين على الصحيح، وإن كان كاذبًا فهو كما قال.

إذا حلف الإنسان بالله على شيء معتقدا أنه كما حلف، ثم تبين أنه على خلاف اعتقاده فإنه لا إثم عليه ولا كفارة عليه؛ لأنه حلف على ظنِّه غير متعمد؛ ولذلك أقرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرجل الذي قال: «وَالله مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا» متفق عليه. ويقصد: لابتي المدينة -واللابة: الحَرَّة، وهي أرض ذات حجارة سود- مع أن هذا الرجل حلف على غالب ظنه، ولم يُلزِمْه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء.

المقطع للاطلاع فقط

فائدة إثرائية

قوله صلى الله عليه وسلم: «أفلح وأبيه إن صدق» -كما ورد في صحيح مسلم- ليس حلفا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها، غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف؛ لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى ، وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى.

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ» ؟

2- ما حكم مخالفة المحلوف عليه؟ فصِّل واستدل لما تقول.

3- لم كان الحلف بغير الله شركا؟ مع ذكر الأدلة على تحريم ذلك.

4- جاء في الحديث: «أفلح وأبيه إن صدق» اذكر أوجه الجمع بين هذا الحديث، وبين النهي عن الحلف بغير الله؟ استعن بمصادر أخرى.

الحديث الخامس عشر

الحديث الخامس عشر: «أنت مع من أحببت...»

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا». قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» قَالَ أَنَسٌ: «فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ»

متفق عليه.

وفي رواية لهما: «مَا أعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثيرِ صَوْمٍ، وَلا صَلاَةٍ، وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم»

راوي الحديث

أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه إلى أن قبض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات بها، وهو آخر مَن مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة عام93هـ.

شرح المفردات

(متى الساعة) أي: وقت قيام القيامة.

(ماذا أعددتَ لها) أي: ما هيأتَ من الأعمال الصالحة التي هي أحق بالسؤال عنها والاهتمام بها؟

(أنت مع من أحببت) أي: أنت مع من غلبت محبتُه على محبة غيره، من النفس والأهل والمال، ومُدخَلٌ في زمرته.

الشرح الإجمالي للحديث

أن رجلا من أهل البادية، وهو ذو الخويصرة اليماني رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم القيامة، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هو أهم بالنسبة له، وهل تهيأ واستعد بالعمل الصالح ليوم القيامة؟ فرد الرجل أنه ما أعد له من كبير صلاة ولا صيام غير حبِّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فبشَّره النبي صلى الله عليه وسلم أنه مع مَنْ أحب، فمن أحب عبدًا في الله فإن الله سبحانه وتعالى جامع بينهما في جنته، وإن قَصُر عن عمله.

ولما كان المحب للصالحين إنما أحبهم من أجل طاعتهم ﷲ تعالى، وكانت المحبة عملًا من أعمال القلوب، واعتقادًا لها أثاب الله سبحانه وتعالى معتقد ذَلِكَ ثوابَ الصالحين؛ إذ النية هي الأصل، والعمل تابعٌ لها، والله يؤتي فضلَه من يشاء.

فوائد الحديث

1- تلقين السائل ما يهمه أو ما هو أهم مما سأل عنه، كما سلك الرسول صلى الله عليه وسلم مع السائل، فقال له: وماذا أعددت لها؟ أي ما العمل الصالح الذي أعددته لتلقَى جزاءَه إذا قامت الساعة؟ فهذا أهم من معرفة وقتها، ولهذا نظائر، منها قوله تعالى: ﴿ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ ﴾ (البقرة: 189)، فبين لهم ما يعنيهم ويهمهم شرعا من الأهلة، دون غيره.

المقطع للاطلاع فقط

2- فضل حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم والصالحين والعلماء الربانيين، وأهل الخير.

3- من محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم امتثال أمرهما واجتناب نهيهما، والالتزام بالشريعة.

4- أن من أحب قومًا كان معهم، سواء كان في الحق أم في الباطل، وفيه التحذير من محبة أهل الباطل، من الفنانين ونحوهم.

5- لا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم؛ إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم، ثم إنه لا يلزم من كونه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلَهم من كل وجه.

6- كمال نصح الرسول صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته، وإرشادهم إلى ما فيه فوزهم وسعادتهم.

7- أن من حسن إسلام المرء اشتغاله بما يعنيه، وتركه ما لا يعنيه.

8- أن الاستعداد للدار الآخرة والعمل لما بعد الموت هو الشيء المهم الذي يجب أن تصرف إليه الهمم.

فائدة إثرائية

فضل أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما ، وبطلان مذهب الرافضة الذين يسبونهما، فقد جمع أنس رضي الله عنه بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه في المحبة، ومحبتهما رضي الله عنهما من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن المحبة الصادقة تقتضي موافقة المحبوب في محبة ما يحبه وبغض ما يبغضه، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما حبيباه وصاحباه، فمن أحبَّه أحبهما، ومن أبغضه أبغضهما، ومن ادَّعى خلاف ذلك فهو كاذب.

احتقار الإنسان لعمله وعدم اغتراره به، وتيقنه أنه دائما محل التقصير.

تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ومحبتهم لهما ومعرفتهم قدرهما، رضي الله عن الجميع.

نشاط

1- ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» ؟

2- على ضوء دراستك للحديث، ما فضل حب أهل الخير والصلاح؟

3- بين فقه الصحابة استنادا لهذا الحديث، وبمّ توجه الروافض؟

4- وجه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث للاهتمام بما ينفع فقط، بين ذلك، وهل له ما يدل عليه من القرآن؟

الحديث السادس عشر

الحديث السادس عشر: «لا تسبوا أصحابي...»

عَن أَبِي هُرَيْرَة َ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» أخرجه البخاري ومسلم.

شرح المفردات

(أنفق مثل أُحُدٍ ذهبا) أي: مثل جبل أُحُد.

(ما بلغ مُدَّ أحدِهم) المُدُّ: ربع الصاع؛ وإنما قدَّره به لأنه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة.

(النصيف) أي: النصف، والمعنى أنه لا ينال أحدُكم بإنفاق مثلِ أحدٍ ذهبًا من الفضيلة والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مدِّ طعام أو نصفه.

الشرح الإجمالي للحديث

في الحديث النهي الصريح عن سب الصحابة رضي الله عنهم، فالقليل الذي أنفقه أحدهم أكثر ثوابا من الكثير الذي ينفقه غيرهم؛ وسبب ذلك أن إنفاقهم كان مع الحاجة إليه لضيق حالهم، ولأنه كان في نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته غالبًا، ومثل إنفاقهم في مزيد الفضل وكثير الأجر باقي أعمالهم من جهاد وغيره؛ لأنهم الرعيل الأول الذي شقَّ طريق الحق والهداية والخير، فكان لهم فضل السبق الذي لا يدانيه فضل، إلى جانب شرف صحبتهِم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وبذلهم نفوسهم وأرواحهم رخيصةً؛ دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصرةً لدينه.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول مطلقا، لظواهر الكتاب والسنة، وإجماع العلماء على ذلك.

2- فائدة إثرائية

أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أُحد، ثم أصحاب بيعة الرضوان، ومن له مزية من أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، ومعاوية رضي الله عنه من العدول الفضلاء، والصحابة الأخيار.

والحروب التي جَرَتْ بينهم كان لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم متأولون في حروبهم، ولم يخرج بذلك أحد منهم من العدالة؛ لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل، كما اختلف المجتهدون بعدهم في مسائل، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم.

3- سب الصحابة رضي الله عنهم حرام، وهو من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم أم غيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون.

4- فائدة إثرائية

أن سب الصحابة رضي الله عنهم، والطعن فيهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية فكفرٌ، كقذف عائشة رضي الله عنها بما برَّأها الله تعالى منه في كتابه العزيز، وإلاّ فبدعة وفسق.

من أصول أهل السنة والجماعة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبتُهم وذكرُ محاسنهم، واعتقادُ فضلهم ومعرفة سابقتهم، وسلامة القلوب من الحقد عليهم، أو البغض والعداوة لهم، وسلامة الألسن من سبِّهم والطَّعن فيهم، والترحُّم عليهم، والاستغفار لهم، والكفُّ عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، والترضي عنهم، والدعاءُ لهم، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ (الحشر: 10).

نشاط

1- ما الطوائف التي يجب أن يصلها هذا الحديث، ولم بلغ الصحابة رضي الله عنهم هذا الشأن؟

2- أعْدِدْ بحثا مختصرا في حكم سبَّ الصحابة رضي الله عنهم.

3- ما الموقف الصحيح مما شجر ووقع بين الصحابة زمن الفتنة؟ ارجع لمصادر خارجية.

المقطع للاطلاع فقط

الحديث السابع عشر: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان...»

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» متفق عليه.

راوي الحديث

أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه إلى أن قبض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات بها، وهو آخر مَن مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة عام93هـ.

شرح المفردات

«وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ» أيِ: انْشرحَ صَدرُه للإِيمانِ، وتَلذَّذَ بالطَّاعةِ وتحمُّلِ المشَاقِّ في الدِّينِ.

«ممَّا سِواهُمَا» : مِن غَيرِهمَا.

«المَرءَ» أيِ: المُسلِم المُؤمن؛ لأنَّه هوَ الَّذي يُمكنُ أنْ يُخْلِصَ للهِ تَعالى في مَحبَّتِه.

«لا يُحبُّه إلَّا للهِ» أيْ: لا يَقصدُ مِن حُبِّه غَرضًا دُنيويًّا، بلْ يُحبُّه لله تَعالَى.

«يُقْذَفَ» : يُرمَى.

الشرح الإجمالي للحديث

هَذا حَديثٌ عَظيمٌ، وأَصلٌ مِن أُصولِ الإِسْلامِ، فللإِيمانِ حَلاوةٌ رُوحيَّةٌ، ولَذَّةٌ قَلبيَّةٌ، لا تَعدِلُها لَذَّةٌ أُخرَى، ولَكنْ لا يَتذوَّقُ هذِه الحَلاوةَ إلَّا مَن وُجدَتْ فيهِ الصِّفاتُ الوَارِدةُ في الحَديثِ:

الصِّفةُ الأُولى: «أنْ يَكونَ الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم أَحبَّ إِليهِ ممَّا سِواهُما»

أيْ: أنْ يَتغلَّبَ الحُبُّ الإِلهيُّ على نَفسِه، ويُسيطرَ عَلى كلِّ عَواطفِه ومَشاعِرِه، فيَكون حبُّه للهِ ورَسولِه صلى الله عليه وسلم أَقوى مِن حُبِّه لوالِدهِ ووَلدِه ومَالِه وجَاهِه، بلْ أَقوى مِن حُبِّه لنَفسِه، ومِن كلِّ شَهواتِه النَّفسيَّةِ، وهذِه هيَ حَقيقةُ الإِيمانِ الَّتي إذَا بَلغَها العَبدُ كانَ هَواهُ تَبعًا لما جَاءَ بهِ صلى الله عليه وسلم.

ومِن عَلاماتِ ذَلكَ: كَمالُ الطَّاعةِ، وتَمامُ المُتابعَةِ، ولهَذا قَالَ ابنُ قُدامةَ: «مَن أَحبَّ الله لا يَعصِيه» ، ومُرادُه: أنَّ الحبَّ الإِلهيَّ الكَاملَ يَحولُ دُونَ المَعصيةِ؛ لأنَّ حَلاوةَ الإِيمانِ وحَبَّ الله تَمنعُ مِن كلِّ ما يُغضبُ الله تعالى.

الصِّفةُ الثَّانيةُ: «أنْ يُحبَّ المَرءَ لا يُحبُّه إلَّا للهِ»

أيْ: أنْ يُحبَّ أَخاهُ المُسلمَ مَحبَّةً خَالصةً؛ ابْتغاءَ مَرضاةِ الله لمَزيَّةٍ دِينيَّةٍ مَوجودةٍ فيهِ، أوْ فَائدةٍ شَرعيَّةٍ يَستفيدُها مِنه، مِن عِلمٍ نَافعٍ، أوْ سُلوكٍ حَسنٍ، أو صَلاحٍ، أو عِبادةٍ، لا لمَصلَحةٍ دُنيويَّةٍ.

الصِّفةُ الثَّالثةُ: «أنْ يَكرَه أنْ يَعودَ إِلى الكُفرِ كمَا يَكرَهُ أنْ يُقذَفَ في النَّارِ»

أيْ: أنْ تُخالطَ قَلبَه بشَاشةُ الإِيمانِ، فيَكره الرُّجوعَ إِلى الكُفرِ، بَعدَ أنْ هَداهُ الله إِلى الإِسْلامِ، كمَا يَكرَهُ أنْ يُلقَى في النَّارِ؛ لعِلمِه يَقينًا أنَّ الكُفرَ سَببٌ للخُلودِ فيهَا.

فَوائدُ الحَديثِ:

1- الإِيمانُ هوَ غِذاءُ القُلوبِ وقُوتُها، كمَا أنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ غِذاءُ الأَبْدانِ وقُوتُها، وكمَا أنَّ الجَسدَ لا يَجدُ حَلاوةَ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَّا عِندَ صِحَّتِه، فإذَا سَقِمَ لمْ يَجدْ حَلاوةَ ما يَنفعُه مِن ذَلكَ، فكَذَلكَ القَلبُ، إنَّما يَجدُ حَلاوةَ الإِيمانَ إذَا سَلِمَ مِن مَرضِ الأَهْواءِ المُضلَّةِ والشَّهواتِ المُحرَّمةِ، ومَتَى مَرِضَ وسَقِمَ لمْ يَجدْ حَلاوةَ الإِيمانِ، بلْ قَدْ يَستحلِي مَا فِيهِ هَلاكُه مِن الأَهْواءِ والمَعاصِي.

2- مَحبَّةُ الله تَعالَى تَنشأُ تَارةً مِن مَعرِفتِه، وكَمالُ مَعرفِته تَحصلُ مِن مَعرفةِ أَسْمائِه وصِفاتِه وأَفْعالِه البَاهرةِ، والتَّفكيرِ في مَصنُوعاتِه وما فِيها مِن الإِتْقانِ والحِكَمِ والعَجائبِ، فإنَّ ذَلكَ كُلَّه يَدلُّ عَلى كَمالِه وقُدرتِه وحِكْمتِه وعِلمِه ورَحمتِه.

وتَارةً تَنشأُ مِن مُطالعةِ النِّعَمِ والآلَاءِ الَّتي امْتَنَّ بهَا عَلى عِبادِه، وفي الحَديثِ: «أَحِبُّوا الله لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ» رَواهُ التِّرمذيُّ والحَاكمُ، وصحَّحه.

3- مَحبَّةُ الله تعالى قسمانِ:

الأول: فَرْض: وهيَ المحبَّةُ المُقتضيةُ لفِعْلِ أَوامرِه الوَاجبةِ، والانْتِهاءِ عنْ زَواجرِه المُحرَّمةِ، والصَّبرِ عَلى مَقدُوراتِه المُؤلمةِ، فهَذا القَدْرُ لا بُدَّ مِنه في محبَّةِ الله تعالى، ومَن لمْ تَكنْ مَحبَّتُه عَلى هَذا الوَجهِ، فهوَ كَاذبٌ في دعواه.

فمَن وَقعَ في ارْتكابِ شَيءٍ مِن المُحرَّماتِ أوْ أَخلَّ بشَيءٍ مِن فِعلِ الوَاجباتِ، فلِتَقْصِيرِه في محبَّةِ الله ، حَيثُ قَدَّمَ مَحبَّةَ نَفسِه وهَواهُ عَلى مَحبَّةِ الله .

الثَّاني: مُستَحبّ: والمرادُ أنْ تَرتقيَ المحبَّةُ إِلى التَّقرُّبِ بنَوافلِ الطَّاعاتِ، والانْكِفافِ عنْ دَقائقِ الشُّبهاتِ والمَكرُوهاتِ، والرِّضا بالأَقْضيَةِ المُؤلماتِ.

4- مَن عَرَفَ الله أحبَّه، ومَن أَحبَّه أَطاعَه، فإنَّ المَحبَّةَ تَقتضِي الطَّاعةَ، وَلا سَبيلَ إِلى طَاعتِه سُبحانَه إلَّا بمُتابعةِ رَسولِه صلى الله عليه وسلم، قَالَ تَعالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله } (آل عمران: 31).

5- مَحبَّةُ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم تَنشأُ عنْ مَعرفتِه، ومَعرفةِ كَمالِه، ودِراسةِ سِيرتِه العَطرةِ، وشَمائلِه الطَّيِّبةِ، ومَعرفةِ عِظَمِ ما جَاءَ بهِ مِن النُّورِ والهُدَى والخَيرِ والرَّحمةِ.

6- مَحبَّةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قِسمانِ:

الأول: فَرض، وهو طَاعتُه في امْتثالِ مَا أَمرَ بهِ مِن الوَاجباتِ، والانْتهاءُ عمَّا نَهى عَنه مِن المُحرَّماتِ، والرِّضا بذَلكَ، وألَّا يَجدَ في نَفسِه حَرجًا ممَّا جاءَ بهِ، ويُسلِّمَ له تَسليمًا، وألَّا يَتلقَّى الهُدَى مِن غَيرِ مِشْكاتِه، وَلا يَطلُبَ شَيئًا مِن الخَيرِ إلَّا ممَّا جَاءَ بهِ.

الثَّاني: فَضلٌ مَنْدُوبٌ إِليه، وهيَ مَا ارْتَقى بَعدَ ذَلكَ إِلى اتِّباعِ سُنَّتِه وآدَابِه وأَخْلاقِه، والاقْتِداءِ بهِ في هَديهِ وسَمتِه وحُسنِ مُعاشَرتِه لأَهْلِه وإِخْوانِه، وفي التَّخلُّقِ بأَخْلاقِه الظَّاهرِة والبَاطنِةِ.

7- الحبُّ في الله مِن أُصولِ الإيمانِ وأَعْلى دَرجاتِه، وفي الحَديثِ: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي الله ، وَتُبْغِضَ فِي الله » رَواهُ أَحمدُ، وصَحَّحهُ الأَلبانيُّ.

فَلا تَتمُّ مَحبَّةُ الله ورَسولِه صلى الله عليه وسلم إلَّا بمَحبَّةِ أَوْليائِه ومُوالَاتِهمْ، وبُغضِ أَعْدائِه ومُعادَاتِهم.

8- وقدْ أَفادَ هَذا الحَديثُ: أنَّ مَحبَّة المُؤمنِ لا بُدَّ أنْ تَكونَ خَالصةً للهِ تَعالى، غَيرَ مَشوبةٍ بالأَعْراضِ الدُّنيَويَّة، ولا الحُظوظِ البَشريَّةِ، فهِيَ عِبادةٌ مِن جُملةِ العِبادَاتِ الَّتي لا بُدَّ فِيها مِن الإِخْلاصِ.

9- إذَا رَسَخَ الإيمانُ في القَلبِ وتَحقَّقَ بهِ ووَجدَ حَلاوتَه، أَحبَّه وأَحبَّ ثَباتَه ودَوامَه والزِّيادَةَ مِنه، وكَرِهَ مُفارَقَته، وكانَ كَراهتُه لمُفارَقتِه أَعظمَ عِندَه مِن كَراهةِ الإِلْقاءِ في النَّارِ، فالمُؤمنُ يُحبُّ الإِيمانَ أَشدَّ مِن حُبِّ المَاءِ البَاردِ في شِدَّةِ الحَرِّ للظَّمْآنِ، ويَكرهُ الخُروجَ مِنه أَشدَّ مِن كَراهةِ التَّحريقِ بالنِّيرانِ.

10- إذَا وَجدَ القَلبُ حَلاوةَ الإِيمانِ أَحسَّ بمَرارةِ الكُفرِ والفُسوقِ والعِصْيانِ، ولهَذا قَالَ يُوسفُ عَليهِ السَّلامُ: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} (يوسف: 33) .

11- في الحَديثِ دَليلٌ عَلى جَوازِ إِضافةِ المَحبَّة للهِ تَعالى، وإِطْلاقِها عَليهِ، ولا خِلافَ في أنَّ إِطْلاقَ ذَلكَ عَليهِ صَحيحٌ، مُحِبًّا ومَحْبُوبًا، كمَا قَالَ تَعالَى: {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (المائدة: 54)، وهوَ في السُّنَّةِ كَثيرٌ.

فنُثبتُ للهِ تعالى صِفةَ المَحبَّةِ كمَا أَثبتَها سُبحانَه لنَفسِه، عَلى ما يَليقُ بجَلالِه، دُونَ تَمثيلٍ أو تكييف أو تَعطيلٍ أو تَأْويلٍ.

فائدة إثرائية

محبَّةُ رَسولِ الله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تَابعةٌ ونَابعةٌ مِن مَحبَّةِ الله سُبحانَه وتَعالَى؛ فَقدْ قَال: «أنْ يَكونَ الله ورَسولُه أَحبَّ إِليه ممَّا سِواهُما» ، ولمْ يَقلْ: «ثمَّ رَسولِه» ، فالإِنْسانُ يُحبُّ الرَّسولَ بقَدرِ مَا يُحبُّ الله ، فكُلَّما كَانَ للهُ أَحبَّ، كانَ للرِّسولِ صلى الله عليه وسلم أَحبَّ.

لكنَّ بَعضَ النَّاسِ يُحبُّ الرَّسولَ معَ الله ، ولا يُحبُّ الرَّسولَ للهِ، فتَجدُه يُحبُّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم أكثرَ مِن مَحبَّتِه للهِ، أي: يَجعلُونَه شَريكًا للهِ في المَحبَّةِ؛ بلْ أَعظم مِن محبَّةِ الله ، وهَذا نَوعٌ مِن الشِّركِ، فإذَا ذُكِرَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم اقْشعَرَ جِلدُه مِن المحبَّةِ والتَّعظيمِ، لكنْ إذَا ذُكِرَ الله فإذَا هوَ بَاردٌ لا يَتأثَّرُ، فَلا تَنفعُه هذِه المحبَّةُ؛ لأنَّها مَحبَّةٌ شِركيَّةٌ.

نشاط

1- عَلامةُ المحبَّةِ الاتِّباعُ، اذْكُرْ أَدَّلةَ ذَلكَ مِن القُرآنِ والسُّنَّةِ.

2- اذْكُرْ كَيفيَّةَ اكْتِسابِ حَلاوةِ الإيمانِ، كمَا تَعلَّمتَ مِن الحَديثِ.

3- مَا المَحبَّةُ المَمدوحةُ والمَذمُومةُ لرَسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟

الحديث الثامن عشر

الحديث الثامن عشر: «من أحدث في أمرنا...»

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

راوي الحديث

عائشة الصديقة بنت أبي بكر، أم المؤمنين، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب نسائه إليه، وأفقه نساء المسلمين، كانت عالمة بالشرع، ولها علم كبير بالأدب والشعر، وكان أكابر الصحابة يراجعونها في أمور الدين، وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، خرجت يوم الجمل لعلي رضي الله عنه، ثم رجعت عن ذلك، وردها علي رضي الله عنه إلى بيتها معززة مكرمة، توفيت عام 58هـ.

شرح المفردات

(أحدث) أي: اخترع وابتدع.

(أمرنا هذا) أي: ديننا هذا، وهو الإسلام.

(ما ليس فيه) أي: مما لا يوجد في الكتاب أو السنة، ولا يندرج تحت حكم فيهما أو يتعارض مع أحكامها.

(رد) أي: مردود، باطل غير معتدٍّ به.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فإنه صريح في رد كل البدع والمحدثات في دين الله، بحيث لا يدع للعقل مجالا في إدخال ما ليس من الدين في الدين.

وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، قال أهل العلم: «ويحسن الإكثار من الاستدلال به»

فوائد الحديث

هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ (الأنعام:153).

تحريم إحداث شيء في دين الله ولو عن حسن قصد، ولو كان القلب يرقُّ لذلك ويقبل عليه؛ لأن هذا من عمل الشيطان.

تحريم إحداث شيء في دين الله ولو كان أصله من الشريعة، إن كان على صفة معينة لم يأتِ بها الدين، فإنه يكون مردودًا، مثل ما أحدثه بعض الناس من العبادات والأذكار وما أشبهها.

المقطع للاطلاع فقط

المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشريعة في أمور ستة: السبب، والجنس، والقَدْر، والكيفية، والزمان، والمكان، فإذا لم يوافق الشريعة في هذه الأمور الستة فهو باطل مردود؛ لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه، وتفصيل ذلك كالآتي:

1- أن يكون العمل موافقًا للشريعة في سببه: كأن يفعل الإنسان عبادة لسبب لم يجعله الله تعالى سببًا، مثل: أن يصلي ركعتين كلما دخل بيته ويتخذها سنة، فهذا مردود.

2- أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الجنس: فلو تعبّد ﷲ بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة، مثال ذلك: لو أن أحدًا ضحى بفرس، فإن ذلك مردود عليه ولا يقبل منه؛ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، إذ إن الأضاحي إنما تكون من بهيمة الأنعام.

3- أن يكون العمل موافقًا للشريعة في القَدْر: فلو تعبد شخصٌ ﷲ سبحانه وتعالى بقدر زائد على الشريعة لم يقبل منه، ومثال ذلك: شخص غسل أعضاءه في الوضوء أربع مرات عمدا، فالرابعة لا تقبل، ويأثم بها؛ لأنها زائدة على ما جاءت به الشريعة.

فائدة إثرائية

اتفق العلماء على أن العبادة لا تصح إلا إذا جمعت أمرين:

أولهما: الإخلاص ﷲ تعالى.

والثاني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

فمن أوجد شيئًا لم يكن في ديننا وشريعتنا لم يشرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه مردود عليه، حتى وإن صدر عن إخلاص، فلابد من الجمع بين الأمرين: الإخلاص، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

4- أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الكيفية: فلو عمل شخص عملًا، يتعبد به ﷲ وخالف الشريعة في كيفيته، لم يقبل منه، وعمله مردود عليه، ومثاله: لو أن رجلًا صلى وسجد قبل أن يركع، فصلاته باطلة مردودة، لأنها لم توافق الشريعة في الكيفية.

5- أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الزمان: فلو صلى الصلاة قبل دخول وقتها، فالصلاة غير مقبولة؛ لأنها في زمن غير ما حدده الشرع.

ولو أن أحدًا أخّر العبادة المؤقتة عن وقتها بلا عذر، كأن صلى الفجر بعد طلوع الشمس غير معذور، فصلاته مردودة؛ لأنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

6- أن يكون العمل موافقًا للشريعة في المكان: فلو أن أحدًا اعتكف في غير المساجد، بأن اعتكف في المدرسة أو في البيت، فإن اعتكافه لا يصح؛ لأنه لم يوافق الشرع في مكان الاعتكاف.

نشاط

1- تكلم عن شروط صحة العبادة.

2- المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشريعة في أمور ستة. اشرح هذه العبارة

3- فرِّق بين العبادات والمعاملات في المشروع والممنوع منها.

الحديث التاسع عشر

الحديث التاسع عشر: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء...»

عَن أَبي نَجِيحٍ العربَاضِ بنِ سَاريَةَ رضي الله عنه قَالَ: وَعَظَنا رَسُولُ الله مَوعِظَةً، وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ وَذَرَفَت مِنهَا العُيون. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوصِنَا، قَالَ: «أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى الله سبحانه وتعالى وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافَا كَثِيرَا؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المّهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فإنَّ كلّ مُحدثةٍ بدعة، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

راوي الحديث

العِرْبَاضُ بن سارية السلمي، من أعيان أهل الصفة، سكن حمص، وهو أحد البكائين الذين نزل فيهم القرآن، مات في فتنة ابن الزبير، وقيل: مات بعد ذلك، سنة خمس وسبعين.

شرح المفردات

(وَعَظَنا) الموعظة: التذكير بما يلين القلب.

(وجلت) أي: خافت منها القلوب، كما قال الله تعالى: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ﴾ (الأنفال: 2).

(ذرفت) يقال ذرفت العين: إذا جرى دمعها.

(كَأنَّها) أي: كأنَّ هذه الموعظة (مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ) وذلك لتأثيرها في إلقائها، وفي موضوعها، وفي هيئة الواعظ؛ لأن كل هذا مؤثر، فتأثير المواعظ له أسباب منها: الموضوع، وحال الواعظ، وانفعاله.

تابع- شرح المفردات

(أوصيكُم بِتَقوَى الله سبحانه وتعالى) هذه الوصية مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ (النساء: 131) فتقوى الله رأس كل شيء، ومعناها: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، على علم وبصيرة

(وَالسَّمعُ والطَّاعَة) أي: لولاة الأمر.

وخصهما بالذكر بعد ذكر التقوى، مع أنهما من تقوى الله؛ لأهميتهما ولخطر التمرد على ولاة الأمر.

(وَإن تَأمَّر عَلَيكُم عبد) أي: صار عبدٌ أميرًا عليكم، يحكمكم.

(فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم) أي: تطول به الحياة.

(فَسَيَرَى اختِلاَفًا كَثيرًا) أي: في العقيدة، وفي العمل، وفي المنهج.

(فَعَلَيكُم بِسُنَّتي) أي: الزموها، والمراد بالسنة هنا: الطريقة التي هو عليها، فلا تبتدعوا في دين الله سبحانه وتعالى ما ليس منه، ولا تخرجوا عن شريعته.

(وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَاشِدين) الذين يخلفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم.

(المهديين) صفة مؤكدة لما سبق؛ لأنه يلزم من كونهم راشدين أن يكونوا مهديين؛ إذ لا يمكن رشد إلا بهداية.

(عَضُّوا عَلَيهَا بالنَّوَاجِذِ) أي: على سنتي وسنة الخلفاء، والنواجذ أقصى الأضراس.

ثم لما حثَّ صلى الله عليه وسلم على التمسك بالسُّنة حذَّر من البدعة، فقال: (وَإيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمور) أي: اجتنبوها. والمراد بالأمور: شؤون الدِّين، ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع.

وليس المحدثات في أمور الدنيا؛ لأن المحدثات في أمور الدنيا منها ما هو نافع فهو خير، ومنها ما هو ضارٌّ فهو شر.

أما المحدثات في أمور الدين فكلها شرٌّ؛ ولهذا قال: (فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَة) لأنها ابتدعت وأنشئت من جديد.

(وكُل بِدعَةٍ ضَلالَة) أي: كل بدعة في دين الله سبحانه وتعالى فهي ضلالة.

الشرح الإجمالي للحديث

في الحديث الأمر بتقوى الله والسمع والطاعة لولي الأمر، ولو كان عبدا، وفي هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة، أما التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين، وأما السمع والطاعة فبهما تنتظم مصالح العباد في معاشهم، ويستطيعون إظهار دينهم وطاعاتهم، مع الحث على التمسُّك بالسنَّة النبوية، واتباع سنة الخلفاء الراشدين في الاعتقاد والأعمال والأقوال، والتحذير من البِدع، وهي ما أُحْدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة، وأن على المسلم أن يجتنبها تمام الاجتناب.

فوائد الحديث

1- أن أهم ما يوصى به العبد تقوى الله سبحانه وتعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: «أُوصيكُم بِتَقوَى الله» وهذا دالٌّ على فضيلة التقوى؛ حيث كانت أوَّلَ ما يُوصى به.

2- وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولاة الأمور، والسمع والطاعة لهم فيما يتعلق بالحكم ورعاية الناس واجب بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ ﴾ (النساء: 59).

3- وجوب التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين تمسُّكًا تامًّا، وذلك واجب في كل حال، لكن يتأكد عند وجود الاختلاف.

المقطع للاطلاع فقط

كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: «كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ» وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ» أخرجه مسلم؟

الجواب من وجهين:

الأول:

أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً» أي: من ابتدأ العمل بالسُّنة الثابتة، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره بعد أن حثَّ على الصدقة للقوم الذين وفدوا إلى المدينة ورغب فيها، فجاء الصحابة كلٌّ بما تيسر له، وجاء رجل من الأنصار بصُرَّة قد أثقلت يده، فوضعها في حِجْر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ فَلَهُ أَجرَها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيامَةِ» أي: ابتدأ العمل بسنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة من قِبَل نفسه.

الثاني:

أن يقال: «مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً» أي: سنَّ الوصول إلى شيء مشروع من قَبْل، كجمع الصحابة رضي الله عنهم المصاحفَ على مصحفٍ واحدٍ، فهذه سنة حسنة؛ لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين، وتضليل بعضهم بعضًا.

4- التحذير من البدع، ومن محدثات الأمور، والمراد في الدِّين، أما في الدنيا، فإما مطلوب وإما مذموم، حسب ما يؤدي إليه من النتائج.

5- أن جميع البدع في الدين ضلالة ليس فيها هدى، بل هي شرٌّ محضٌ، حتى وإن استحسنها من ابتدعها فإنها ليست حسنى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة» ولم يستثنِ النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا.

المقطع للاطلاع فقط

نشاط

1- سنة الخلفاء الراشدين واجب اتباعها. اشرح ذلك.

2- كيف يكون هذا الحديث دليلا على شر البدعة، وخطرها؟ فصل في ذلك.

3- كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: «كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ» وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ» ؟

الحديث العشرون

الحديث العشرون: «خطَّ لنا خطًّا...»

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَطًّا، ثُمَّ قَالَ:«هَذَا سَبِيلُ الله »، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ:«هَذِهِ سُبُلٌ -قَالَ يَزِيدُ: مُتَفَرِّقَةٌ- عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَ:﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ (الأنعام:153). أخرجه أحمد والنسائي، وحسنه الأرناؤوط.

شرح المفردات

(خطَّ لنا خطًّا) أي: تقريبا وتفهيما لنا؛ وهذا من قبيل تصوير الأمور المعنوية في صورة المشاهَد المحسوس لبيانها وإبرازها.

(هذا سبيل الله) أي: هذا هو الدِّين القويم والطريق المستقيم، وهما الاعتقاد الحق والعمل الصالح على منهج أهل السنة والجماعة.

(ثم خطَّ خطوطا) إشارة إلى القصد بين الإفراط والتفريط؛ لأن سبيل أهل البدع مائل عن الحق.

(الصراط) الطريق الذي هو دين الإسلام.

(مستقيمًا) أي: مستويًا قويمًا، لا اعوجاج فيه.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، ألا وهو اتباع منهاج أهل السنة والجماعة، واجتناب مذاهب الفرق الضالة والمنحرفة، وإلى هذا الصراط ألمح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» رواه الترمذي، وحسنه. أي: من الاعتقاد والقول والعمل.

وبهذا الحديث يندفع زعم كل فريق أنه على الصراط المستقيم، وبه يتبين أن الصادقين في هذه الدعوى هم المهتدون المتمسِّكون بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، الذين فهموا دين الله بالتلقي من نبيِّه صلى الله عليه وسلم، على علم وبصيرة، بعكس مذاهب أهل الأهواء والبدع، الذين تفرَّقوا على ثنتين وسبعين فرقة، والمشار لها بتلك الخطوط التي خُطَّت على اليمين والشمال.

فوائد الحديث

1- أن الله تعالى أمر المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة.

2- فيه إشارة إلى أن سبيل الله وسط، ليس فيه تفريط ولا إفراط، بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلو وميل وانحراف وتعدد واختلاف، كالقدرية والجبرية والخوارج والروافض والمعطِّلة والمشبِّهة.

المقطع للاطلاع فقط

3- ليس المراد بالفرق المذمومة الفرق المختلفة في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما المراد من خالف أهل الحق في العقائد وأصول التوحيد، وفي موالاة الصحابة رضي الله عنهم، ونحوه.

4- من علامات الفرق المنحرفة اتباع المتشابه من القرآن، وترك المحكم، واتباع الهوى وتقديمه على الأدلة الشرعية، والاعتماد على الرأي، وتحكيم العقل.

الأسباب التي تؤدي إلى ظهور المذاهب والفرق المنحرفة تدور في الجملة على الآتي:

1- الجهل بأحكام الدين:

فكلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة كلما قلَّ العلم وفشا الجهل، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ الله لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» متفق عليه.

المقطع للاطلاع فقط

2- اتباع الهوى:

فمن أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ (القصص: 50).

3- التعصب للآراء والرجال:

وهو يحول بين المرء وبين اتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ﴾ (البقرة: 170) وهذا هو الشأن في المتعصِّبين اليوم من الصوفية والقبوريين، فإذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمشائخهم وآبائهم وأجدادهم.

4- تقليد العقائد والثقافات المنحرفة:

وهو من أشد ما يوقع في براثن تلك المذاهب المنحرفة، كما في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»

نشاط

1- كان النبي صلى الله عليه وسلم ينوع في دعوته، وبيانه للناس، وضِّحْ ذلك من حديث الباب وغيره من النصوص. استعن بمصادر خارجية.

2- تكلم عن علامات الفرق والمذاهب المنحرفة والأسباب التي تؤدي إلى ظهورها.

3- كل الفرق والمذاهب تزعم أنها على المنهج الصحيح. في ضوء ما درست ناقش ذلك.

4- تكلم بإجمال عن أسباب ظهور الفرق المنحرفة، مع ذكر الدليل.

الحديث الحادي والعشرون

الحديث الحادي والعشرون: «من دعا إلى هدى...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» . رواه مسلم.

شرح المفردات

(مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى) أي: بيَّنه للناس ودعاهم إليه، كأن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة.

(وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ) أي: إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث صريح في أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، كما جاء في خبر ابن آدم القاتل لأخيه أن عليه كفلًا من كل نفس قتلت؛ لأنه أول مَنْ سنَّ القتل. متفق عليه.

وسواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك، وسواء كان العمل في حياته أو بعد موته.

فالحديث يحثُّ على استحباب سنِّ الأمور الحسنة، وتحريم سنِّ الأمور السيئة، وأن من دعا إلى هدى، وسنَّ سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن دعا إلى ضلالة، وسن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- فضيلة العلم؛ لأن بالعلم تحصل الدلالة على الهُدَى والحثِّ على التقوى، فتعلُّمُ العلم ونشرُه أفضل بكثير من إنفاق المال، حتى لو تصدق المتصدق بأموال عظيمة طائلة، فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء ماتوا، لكن ذِكرُهم حيٌّ باقٍ، يعلِّمون الناسَ وينالهم الأجرُ، وهم في قبورهم.

2- الترغيب العظيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو وظيفة الرسل والمصلحين، كما فيه الإنكار الشديد والويل العظيم للذين يُضلُّون الناس عن طريق الحق، ويزيِّنون لهم اقتراف السيئات.

3- التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين، ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفَّةِ أمرها في أول الأمر، ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أنه يلحقه إثمُ من عمل بها من بعده، ولو لم يكن هو عمل بها، بل لكونه كان الأصل في إحداثها.

4- أن الدعوة إلى الهدى أو الدعوة إلى الوزر تكون بالقول وتكون بالفعل، خصوصًا مِن الذي يُقتدى به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدى به ثم فعل شيئًا، فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجُّون بفعله.

5- كثرة أجور النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دلَّ الأمة على الهدى، فكل من عمل من هذه الأمة بهديٍ، فللنبي صلى الله عليه وسلم أجرُه من غير أن يَنقص من أجورهم شيءٌ.

وبذلك يتبين خطأ من يهدي ثوابَ العبادة لرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن أي عمل تعمله، ولو كان ثوابه لك، فلرسول صلى الله عليه وسلم مثله، ولو كان إهداء العمل صحيحا لسبقنا إليه من هم أعظمُ حبًّا للرسول صلى الله عليه وسلم، وهم الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم رضي الله عنهم، ولم يفعلوه.

6- مضاعفة الثواب بحسب تضاعف أعمال التابعين، بما لا يعدُّ ولا يحدُّ، وبه يعرف فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذا بقية السلف بالنسبة إلى الخلف، وكذا العلماء المجتهدون بالنسبة إلى أتباعهم، وفضل المتقدمين على المتأخرين.

7- فائدة إثرائية

الترغيب في فعل السنن التي أميتت وتركت وهجرت، فإنه يكتب لمن أحياها أجرُها وأجرُ من عمل بها، فالسُّنة في الإسلام إما أن تكون:

أ. سنة سيئة:

وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنَّها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رواه مسلم.

ب. سنة حسنة:

وهي على نوعين:

النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يجددُها مَن يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم تُرك الأمر في آخر حياته، وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه ، وفي أول خلافة عمر، ثم رأى عمر رضي الله عنه أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو رضي الله عنه قد سنَّ في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا سنةً قد تركت.

النوع الثاني: أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة، حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل.

ومن هنا يتبين ضلال أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكارًا وصلوات، ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، فهذا مردود؛ لأن كل بدعة ضلالة بنص الحديث، وليس في البدع شيء حسن، لكن المراد من سابق إليها وأسرع، أو من أحياها بعد أن أميتت، فهذا له أجرُها وأجرُ من عمل بها.

نشاط

1- كل بدعة ضلالة. اشرح ذلك في ضوء ما درست.

2- ما الشبه الواردة على هذه العبارة: (من سنَّ سنة حسنة)، وما المراد بها على الصحيح؟

3- هل يجوز إهداء ثواب الأعمال الصالحة للأموات؟ استعن بمصادر خارجية.

المصادر

- شرح صحيح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي.

- فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.

- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني.

- شرح النووي على مسلم لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي.

- الإفصاح عن معاني الصحاح لمحمد بن هبيرة الذهلي الشيباني.

- إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي.

- تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للقاضي ناصر الدين عبدالله بن عمر البيضاوي.

- التوضيح لشرح الجامع الصحيح لعمر بن علي بن أحمد الأنصاري ابن الملقن.

- شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن للحسين بن عبدالله الطيبي.

- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري.

- فيض القدير لعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن زين العابدين المناوي.

- جامع العلوم والحِكَم لعبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي.

- التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية لإسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري.

- التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة لعبدالرحمن ابن ناصر السعدي.

- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب.

- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبدالرحمن بن ناصر السعدي.

- شرح الأربعين النووية لمحمد بن صالح العثيمين.

- شرح رياض الصالحين لمحمد بن صالح العثيمين.

- عشرون حديثًا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها لعبدالمحسن العباد.

- صحيح البخاري، شرح وتعليق د. مصطفى ديب البغا.

والله وليُّ التوفيق

فهرس المحاضرات

رقم المحاضرة

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

بداية المحاضرة

الحديث الأول

الأسبوع الأول

الحديث الثاني

الأسبوع الأول

الحديث الثالث

الأسبوع الثاني

الحديث الرابع

الأسبوع الثاني

هي كلمة التوحية

(لا إله إلا الله )

الأسبوع الثالث

الحديث الخامس

الأسبوع الثالث

أقسام الكافر

الأسبوع الرابع

الحديث السادس

الأسبوع الرابع

الحديث السابع

الأسبوع الخامس

الحديث الثامن

الأسبوع الخامس

الحديث التاسع

الأسبوع السادس

فوائد الحديث

الأسبوع السادس

الحديث العاشر

الأسبوع السابع

الحديث الحادي عشر

الأسبوع السابع

الحديث الثاني عشر

الأسبوع الثامن

الحديث الثالث عشر

الأسبوع الثامن

الحديث الرابع عشر

الأسبوع التاسع

الحديث الخامس عشر

الأسبوع التاسع

الحديث السادس عشر

الأسبوع العاشر

الحديث السابع عشر

الأسبوع العاشر

الحديث الثامن عشر

الأسبوع الحادي عشر

الحديث التاسع عشر

الأسبوع الحادي عشر

الحديث العشرون

الأسبوع الثاني عشر

الحديث الحادي والعشرون

الأسبوع الثاني عشر

المحتويات

الحديث الأول: «بني الإسلام على خمس...»

الحديث الثاني: «... أخبرني عن الإسلام...»

الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء

الحديث الثالث: «إنما الأعمال بالنيات...»

الحديث الرابع: «الإيمان بضع وسبعون شعبة...»

الحديث الخامس: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

الحديث السادس: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب...»

الحديث السابع: «يأتي الشيطان أحدكم...»

الحديث الثامن: «اعملوا فكل ميسر...»

الحديث التاسع: «يجمع أحدكم في بطن أمه...»

أحكام السقط بعد نفخ الروح

الحديث العاشر: «المؤمن القوي خير...»

استعمالات (لو)

الحديث الحادي عشر: «لا تطروني...»

المدح المذموم لرسول الله صلى الله عليه وسلم

الحديث الثاني عشر: «لو كنت متخذًا خليلًا...»

الحديث الثالث عشر: «أعلم أنك حجر...»

الحديث الرابع عشر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم...»

بيان اليمين التي توجب الكفارة

تحريم الحلف بغير الله

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلح وأبيه إن صدق»

الحديث الخامس عشر: «أنت مع من أحببت...»

الحديث السادس عشر: «لا تسبوا أصحابي...»

حكم سب الصحابة رضي الله عنهم

الحديث السابع عشر: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان...»

الحديث الثامن عشر: «من أحدث في أمرنا...»

شروط صحة العبادة

الحديث التاسع عشر: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء...

الجمع بين حديثي: «كل محدثة بدعة» ، وحديث: «من سنَّ في الإسلام...»

الحديث العشرون: «خطَّ لنا خطًّا...»

أسباب ظهور المذاهب والفرق المنحرفة

الحديث الحادي والعشرون: «من دعا إلى هدى...»

تقسيم السنة إلى حسنة وسيئة