مجموعة زاد التفسير (2)

مجموعة زاد التفسير (2)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على تفسير سورة النبأ، وسورة النازعات، وسورة عبس، وسورة التكوير، وسورة الانفطار، وسورة المطففين، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

التفسير (2)

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب التفسير (2):

يحتوي هذا الكتاب على تفسير سورة النبأ، وسورة النازعات، وسورة عبس، وسورة التكوير، وسورة الانفطار، وسورة المطففين، مع ذكر أهم فوائد الآيات، وقد اعتمد في إعداده وصياغته على أهم وأبرز كتب تفسير المتقدمين والمعاصرين.

التفسير (2)

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي) أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بالقسط لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» وقال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤) وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

المحتويات

1- تفسير سورة النبأ

2- تفسير سورة النازعات

3- تفسير سورة عبس

4- تفسير سورة التكوير

5- تفسير سورة الانفطار

6- تفسير سورة المطففين

1 سورة النبأ

الوحدة الأولى: سورة النبأ

سندرس في هذه الوحدة

سورة النبأ مكية

عن ابن الزبير رضي الله عنه قال: نزلت سورة ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ بمكة.

قال تعالى: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) ﴾ (النبأ: 1-5)

التفسير

بدأ الله تعالى هذه السورةَ بهذا الاستفهامِ الإنكاريِّ على المشركين تساؤلهم عن يوم القيامة، فقال:

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ أي: عن أيِّ شيءٍ يتساءلُ المكذِّبون بيومِ القيامةِ، وآياتِ الله وكتابهِ؟!

ثم بيَّن ما يتساءَلون عنه، فقال: ﴿ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ وهو يومُ القيامةِ، فإنه الخبرُ العظيمُ الذي طالَ فيه نزاعُهُم، فهُمْ فيه بين مؤمِنٍ وكافِرٍ، تكذيبًا واستبعادًا لوقوعِهِ.

وقيل: النبأُ العظيمُ هو القرآنُ؛ لأنه ينبئُ عن التوحيدِ، وتصديقِ الرسولِ، ووقوعِ البعثِ والنشورِ.

قال الراغبُ: «النَّبأُ هو الخبرُ ذُو الفائدةِ العظيمةِ، يحصُلُ بهِ علمٌ أو غَلبَةُ ظنٍّ، ولا يُقالُ للخَبرِ نبأٌ حتى يتضمَّنَ هذه الأشياءَ الثلاثةَ، ويكونَ صادقًا».

ثم توعَّدَهُم وهدَّدَهُم بقولهِ:

﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) ﴾ ﴿ كَلَّا ﴾ حرفُ ردْعٍ وزجْرٍ وإبطالٍ لشيءٍ يسبقُهُ غالبًا في الكلام، يراد به رَدْعُ الذين يتساءلون عن النبأِ العظيمِ، وإبطالُ ما تضمَّنه سؤالُهم؛ لأنه أمْرٌ واقعٌ لا محالةَ.

أي: سيعلمون إذا نزلَ بهِمُ العذابُ ما كانوا به يكذِّبون، حين يُسحبُون إلى نارِ جهنَّمَ، ويقالُ لهم: ﴿ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ (الطور: ١٤).

وقد كرّر الرَّدْعَ والزَّجْرَ: ﴿ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ للمُبَالغةِ في التَّشديدِ في الوَعِيدِ، فهو وَعِيدٌ بعدَهُ وَعِيدٌ.

فوائد الآيات:

الألفُ واللامُ في ﴿ النَّبَإِ ﴾ للجنسِ، فيشملُ كلَّ نبأٍ عظيمٍ أنبأَ به الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، وأوَّلُ ذلك إِنباؤُه بأنَّ القرآنَ كلامُ الله، وما تضمَّنَهُ القرآنُ من إِبطالِ الشِّركِ، ومن إثباتِ بعثِ الناسِ يومَ القيامةِ.

أنَّ أعظمَ نبأٍ جاءَ به القرآنُ للكفار إبطالُ إلهيةِ أصنامهم، وإثباتُ إعادةِ خلقِ أجسامِهِم، وهما الأصلان اللذان أَثارَا تكذيبَهُم وعِنادَهُم وتكبرَّهُم.

نشاط

1- ما الأثرُ النفسيُّ الذي يحدُثُ في عقلك وقلبك عند سماع :

أ. افتتاح السورةِ بالاستفهامِ ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) ﴾ .

ب. حذف المفعولِ به من ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ﴾ .

ج. تكرار ﴿ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) ﴾ .

قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا

وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا

وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا

وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا

وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا

وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا

وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا

وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا

لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا

وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًت﴾ (النبأ: 6-16)

التفسير

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾ المِهادُ: اسمٌ لما يُفرَشُ، والمعنى: ممهَّدةٌ مهيَّأةٌ لكم ولمصالحِكِم، فليستْ صلْبةً، ولا رخْوةً، وهذا كقوله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ (البقرة: 22).

﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ تُمسِكُ الأرضَ؛ لتسكُنَ ولا تتحرَّكَ.

قال علماءُ الأرضِ: (للجبالِ جذورٌ راسخةٌ في الأرضِ، كما يرْسخُ جذرُ الوتدِ بالجِدارِ أو الأرضِ).

﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ (الذاريات: ٤٩) أي: صنفين.

أي: ذكورًا وإناثًا من جنسٍ واحدٍ، ليسكُنَ كلٌّ منهما إلى الآخِرِ.

وقيل : يدخلُ في هذا كلُّ زوجٍ من المخلوقاتِ، قبيحٌ وحسنٌ، طويلٌ وقصيرٌ، أبيضُ وأسودُ.

﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾ قال الزَّجَّاجُ: (السُّبَاتُ: أن ينقطعَ عن الحركةِ، والرُّوحُ في بدَنهِ).

ومعنَى السَّبْتِ في الأصْلِ: القطْعُ، أي: قاطعًا للتَّعَبِ، راحةً لكم، وقطْعًا لأشغالِكُم، فجَعَلَ الله الليلَ والنَّوْمَ يغشى الناسَ؛ لتنقطِعَ حَرَكاتُهُم وتحْصُلَ راحتُهُم.

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ أي: يغشَى النَّاسَ ظلامُهُ وسَوادُهُ، كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ (الشمس: 4).

وقال قتادةُ وسعيد بن جبير: أي: سَكَنًا لَكُم.

﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ أي: جَعَلناه مُشْرِقًا مُنِيرًا مُضِيئًا، ليتمكَّنَ النَّاسُ من التَّصرُّفِ فِيه.

وهذا نظيرُ قولهِ تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ (الروم: 23).

﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾ أي: سبعَ سماواتٍ قوِيةٍ، مُحكمَةِ البِناءِ.

ووصَفَها بالشِّدَّةِ؛ لأنها قَويةٌ، كما قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ﴾ (الذاريات: 47) أي: بنيْناها بقُوَّةٍ.

ثم ذكر الله تعالى من المنافعِ العظيمةِ الشَّمْسَ، فقال:

﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴾ فالسِّراجُ هو الشَّمْسُ، أي: جَعَلنا الشَّمسَ مُنيرةً على جَميعِ العالمِ، يتوهَّجُ ضوؤُها لأهلِ الأرضِ ُكلِّهم.

والشَّمسُ أيضًا وَقَّادةٌ، شديدةُ الحرارةِ، وحَرارتُها في أيامِ الصَّيفِ حَرارةٌ شديدةٌ، مع بُعْدِها الكبيرِ عن الأرضِ، فما ظنُّك بما يقرُبُ منها؟!

قال صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدُوا بالصَّلاةِ، فإِنَّ شدةَ الحرِّ من فيحِ جهنَّمَ». رواه البخاري ومسلم.

وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِى الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِى الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».

التفسير

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ﴾ جاء في تفسيرِ ﴿ الْمُعْصِرَاتِ ﴾ ثلاثةُ أقوالٍ:

قيل: السَّحابُ.

وقيل: الرِّياحُ.

وقيل: السَّماواتُ، والأولُ أقربُ.

قال الشيخُ ابنُ عثيمين رحمه الله: «ووصَفَ الله السُّحُبَ بأنها مُعصِراتٌ كما يُعصرُ الثَّوْبُ، فإنَّ هذا الماءَ يتخللُ هذا السحابَ ويخرجُ منه كما يخرُجُ الماءُ من الثَّوْبِ المعْصُورِ».

﴿ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾ أي: مُنصبًّا كثيرًا متتابعًا، والثجُّ: هو الصَّبُّ الكثيرُ المتتابعُ.

وفي الحديثِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أفْضَلُ الحجِّ العجُّ والثجُّ» رواه الترمذي، وصححه الألباني.

فالعَجُّ: رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ، والثجُّ: صبُّ دماءِ البُدْنِ بكثرةٍ.

﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴾

الحبُّ: البُرُّ والشَّعيرُ والذرة والأرز وغير ذلك، مما يأكله الآدميون.

والنبات: ما تأكله الدَّوابُّ من الحشيش وسائر النبات.

﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ أي: بساتينَ وحدائقَ، ملتفًّا بعضُها إلى بعضٍ، من كَثْرتها وحُسْنِها وبَهائها، حتى إنَّها لَتَسْتُرُ مَن فيها لكثرتها.

وهذا كقولهِ تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ ﴾ الآية (الرعد: 4).

فوائد الآيات:

1- عِلاقةُ هذا المقطعِ بما قبْله من الآياتِ: فإنه لَمَّا حَكَى الله عَنْهُمْ إِنْكَارَ الْبَعْثِ وَالْحَشْرِ، وَأَرَادَ إِقَامَةَ الدليل عَلَى صِحَّةِ الْحَشْرِ قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً فِي بَيَانِ كَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى كل شيءٍ، عَالِمًا بكلِّ شيءٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذا ثَبَتَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْبَعْثِ.

2- سببُ ابتداءِ أَدلةِ البعثِ بذِكْرِ خلقِ الأرضِ: أنه لما كانتْ هذه الآياتُ لبيانِ دِلالةِ البعْثِ، والبعْثُ هو إخراجُ أهلِ الحشرِ من الأرضِ؛ كانت الأرضُ أسبقَ شيءٍ إلى ذِهْنِ السَّامِعِ عندَ الخوْضِ في أمْرِ البعْثِ.

3- النَّومُ والاسْتيقاظُ من أَوْضَحِ الأَدِلَّةِ على البعْثِ والنُّشُورِ؛ لذلك كان ذِكرُهما ضِمْنَ أدلةِ البعْثِ مناسبًا.

4- استُعمِلَ الفعلُ (نُخْرِجُ) دونَ (نُنْبِتُ) في قوله تعالى: ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴾ لأنَّ سِياقَ الكلامِ في إثباتِ البعثِ، والفعلُ (نُخْرِجُ) أكثرُ ملائمةً لهذا السِّياقِ من (نُنْبِتُ).

5- في قوله تعالى: ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ ألفافا﴾ قُدِّمَ ذكرُ الحَبِّ؛ لأنه الأصلُ في الغِذاءِ، فالحبوبُ أصلُ طعامِ الناسِ، ثم ثُنِّي بذِكْرِ النَّباتِ؛ لأنه يأتي في المرْتبةِ الثَّانيةِ في طَعامِ النَّاسِ، وهو أصلُ طَعامِ الحَيَوانِ، ثم ثُلِّثَ بذكرِ الجنَّاتِ التي تكونُ منها الفَوَاكهُ؛ لأنَّها أقلُّ ما يَكونُ استعمَالُ النَّاسِ لها في الطَّعامِ.

نشاط

1- هاتِ آيةً تبيِّن معنى الآية المذكورة أدناه:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾

﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴾

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾

2- إذا ناقشت ملحدًا ينكر البعث، فكيف ترد عليه بدليل واقعي عقلي يحصل للناس دومًا؟ (استنبط ذلك من الآيات).

3- علل: الابتداء بالأرض عند ذكر أدلة البعث، وذكر الجبال بعد ذكر الأرض الممهدة.

4- بين العلاقة بين هذين الأمرين: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ .

ثم قال تعالى مخبِرًا عن يومِ الفصلِ، وما يقعُ فيه:

﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30) ﴾ (النبأ: 17-30)

التفسير

﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾ أي: أن يومَ القيامةِ يومٌ محدَّدٌ مؤقَّتٌ بأَجَلٍ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ (هود: 104).

فهو حدٌّ تُوقَّتُ به الدُّنيا وتنتهي عنده.

وسمِّيَ هذا اليومُ بيومِ الفَصْلِ؛ لأنَّ الله يَفصلُ فيه بين العِبادِ.

﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ يُنفَخُ في الصُّورِ نفختان:

1- الأولى: يَفْزعُ النَّاسُ ثم يُصعَقُون فيمُوتُون.

2- الثانية: يُبعثون من قُبُورِهِمْ، وتَعودُ إليهم أرواحُهُم.

والصُّورُ: هو القَرْنُ الذي يَنفُخُ فيهِ المَلَكُ، فيأتي الخلقُ جمَاعَاتٍ، من كلِّ مكانٍ للحِسابِ.

التفسير

﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ أي: طُرُقًا ومَسالكَ لنُزُولِ الملائكةِ.

﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ أي: يخيَّلُ إلى النَّاظِرِ أنَّها شَيءٌ، وَليْسَتْ بشيءٍ.

﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾ أي: مُرْصَدَةً مُعَدَّةً.

قال الأزهريُّ: «المِرصَادُ: المكانُ الذي يرصُدُ الرَّاصِدُ فيهِ العدوَّ».

﴿ لِلطَّاغِينَ ﴾ وهم: المَرَدَةُ العُصاةُ المخالفُون للرُّسُلِ.

﴿ مَآبًا ﴾ أي: مَرْجِعًا ومُنْقلَبًا ومَصِيرًا.

﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ الأحقابُ: جمعُ (حُقُب) وهو: المدةُ من الزَّمَانِ، أي: ماكِثين فيها مُدَدًا من الزَّمانِ.

﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴾ فلا يَذُوقُون برْدًا ينفعُهُم من حرِّها، ولا شَرابًا ينفعُهُم من عطشِها.

﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ الحمِيمُ: الماءُ الحَارُّ المنْتَهِي في الحَرارَة.

والغَسَّاقُ: قيل: هُو الزَّمْهَريرُ يحْرِقُهُم ببرْدِهِ.

وَقِيل: صَديدُ أَهْلِ النَّارِ، وما يخرُجُ مِنْ أجْوافِهِم مِنَ النَّتَنِ والعَرَقِ وغيرِ ذلك.

فيجمعُ لهم -والعياذُ بالله- بين الماءِ الحارِّ الشديدِ الحرارةِ، والماءِ الباردِ الشديدِ البرودةِ؛ ليذُوقُوا العذابَ من النَّاحِيتيْن.

﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ أي: جزيناهُم جَزاءً وَافقَ أعمالَهُم.

قال مقاتل: «وافقَ العذابُ الذنبَ، فلا ذنبَ أعظمُ من الشِّركِ، ولا عَذابَ أعظمُ من النَّار».

التفسير

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾ أي: لم يكونوا يَعتقِدُون أن ثَمَّ دارًا، يجازَون فيها ويحاسبون.

﴿ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ أي: وكانوا يكذِّبون بِحُججِ الله ودلائلهِ على خلقِهِ، التي أنزلها على رسلهِ.

﴿ كِذَّابًا ﴾ مَصْدَرُ: كذَّبَ، قال الفرَّاءُ: «هِيَ لُغةٌ يَمَانيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يقُولونَ: كذَّبْتُ به كِذَّابًا، وخرَّقتُ القَمِيصَ خِرَّاقًا».

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ منْ قَليلٍ وَكَثيرٍ، وخَيْرٍ وَشَرٍّ.

﴿ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴾ أي: كتبناه في اللوح المحفوظ، كقوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ (يس: 12).

﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيها المكذِّبون هذا العذابَ الأليمَ.

﴿ فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ فهم في مَزيدٍ مِنْ عَذابِ الله أبدًا.

قال السِّعْدِي: «وهَذِهِ الآيةُ أَشَدُّ الآياتِ في شِدَّةِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ أجَارَنا الله منها».

فوائد الآيات:

1- استخدامُ الفعلِ (كانت) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾ يدلُّ على أن النار مخلوقةٌ الآن.

فوائد الآيات:

2-﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا ﴾ في هذه الآيةِ دلالةٌ على سِعةِ رحْمةِ الله تعالى؛ فإنَّ جَهنَّمَ إنما أُعِدَّتْ للطَّاغِين، أي: الذين طَغَوْا وتجاوَزُوا الحَدَّ في الذُّنوبِ، أما الذين يُخطِئُون فقد جَعَلَ الله مكفراتٍ كثيرةً لذنوبهِم، من الصَّلاةِ، وصَومِ رمضان، والاسْتغْفارِ، والعملِ الصالحِ،... إلخ، فلا يدخلُ النَّارَ إلا مَن أسْرَفَ على نفسِهِ.

3- عندما ذَكَرَ الله تعالى سَبَبَ تعْذِيبِ الكُفَّارِ قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ﴾ فذكرَ هذينِ الأمرينِ فَقَطْ، ولم يَذكُرْ بَقيَّةَ ما يفعلونه من أنواعِ الإجْرامِ؛ لأنَّهمَا الأَصْلُ في كُفْرِهِم؛ وقُدِّمَ الكُفْرُ بالبعْثِ؛ لأنه أَصْلُ الكفْرِ والإجْرامِ والمعَاصِي.

نشاط

1- هاتِ آيةً تدلُّ على معنى الآيةِ المذكورةِ:

﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾ :

﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ :

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴾:

ثم شرع الله في بيانِ حالِ المؤمنين السُّعَداءِ، وما أعدَّ لهم من الخيْرِ والكرامَةِ والنَّعيمِ بعدَ بيانِ حالِ الكافرين، وما أعدَّ لهم من الشَّرِّ، فقال تعالى:

﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا

وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا

وَكَأْسًا دِهَاقًا

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا

جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ (النبأ: 31-36)

التفسير

﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴾ أي: الذين اتقوا سخَطَ ربِّهِم، بالتمسُّكِ بطاعَتهِ، والكفِّ عما يكرهُهُ، فلهُمْ مَفَازٌ ومنجى وبُعْدٌ عَن النَّارِ.

﴿ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ وهي البَسَاتينُ من النَّخيلِ وغيرِها، وخصَّ الأَعْنابَ لشَرَفِهَا وكثْرَتهَا في تلك الحدائِقِ.

﴿ وَكَوَاعِبَ ﴾ هذا وصفٌ لزَوْجَاتِ الجنَّةِ ﴿ كَوَاعِبَ﴾ وهي: النَّواهِدُ اللاتي لم يتكسَّرْ ثديُهُن من شبابهن، وقُوَّتهن ونضارتهن، يقال: كعَبَتِ الفتاةُ إذا بَرَزَ نهْدَاها.

ومن ذلك: كعْبُ الرِّجْلِ: وهو العَظْمُ البَارِزُ عندَ مُلتقَى القَدَمِ والساقِ، والكعْبَةُ: بيْتُ الله تعالى لبُرُوزِها.

﴿ أَتْرَابًا ﴾ أي: على سِنٍّ واحِدٍ مُتَقارِبٍ.

جاء في مَقَاييسِ اللغةِ: «التَّاءُ والرَّاءُ والبَاءُ أصلان: أحَدُهُما التّرابُ وما يُشتَقُّ منه، والآخَرُ تَسَاوي الشّيئينِ».

التفسير

﴿ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾ أي: مملوءةً متتابعةً صافيةً.

﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ﴾ أي: كلامًا لا فائدةَ فيهِ.

﴿ وَلَا كِذَّابًا ﴾ أي: إِثما.

فلا يسمعون كَذِبًا، ولا يُكذِّب بعْضُهُم بَعْضًا.

وهذا كقولهِ تعالى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴾ (الواقعة: ٢٥) أي: ليسَ فيها كلامٌ لاغٍ عَارٍ عن الفائدَةِ، ولا كذِبٌ، بل هِيَ دارُ السَّلامِ، وكُلُّ ما فيها سَالمٌ من النَّقْصِ.

وإنما أعطاهُمُ ﷲُ هَذا الثَّوابَ الجَزِيلَ:

﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه جازاهُمُ الله به وأعطاهُمْ إياه بفضْلهِ ومَنِّه وإحسانهِ ورحمتهِ.

﴿ عَطَاءً حِسَابًا ﴾ أي: كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا؛ تقولُ العَرَبُ: (أَعْطَاني فأحْسَبَني) أي: كَفَاني.

فوائد الآيات:

1- في قوله تعالى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴾ ذكرٌ لبَيَانِ مجَالسِ الجنَّةِ، فَعَليْنَا أنْ تكونَ مجالسُنا خاليةً من اللغْوِ والكَذِبِ تشْبِيهًا لها بمَجَالسِ الجنَّةِ.

2- في قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴾ أَضَافَ الربَّ إلى الضَّمير العَائدِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ تنبيهًا للنَّاسِ إلى أنَّ دُخُولَ الجنَّةِ ونيْلَ نَعِيمِها إنما يَكونُ بمتابَعَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتَّصْدِيقِ به، والعَمَلِ بما جَاءَ به.

نشاط

1- كلُّ لذَّةٍ محرَّمةٍ تتركُها في هذه الدنيا سَتجِدُ ما يقابلُها من لذَّاتٍ في الآخِرَةِ، أُعِدَّتْ للذين صَبرُوا عن شَهَواتهِم، ضعْ أمامَ كلِّ آيةٍ الشَّهَواتِ التي ستتركها في الدُّنيا من أجْلِ حُصُولك على اللذَّةِ الأُخْرَوِيَّةِ.

اللذَّاتُ والشَّهَواتُ المترُوكةُ

الآيةُ

﴿ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾

﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴾

﴿ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾

﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴾

2- اذكرْ فائدةً منْ إضافةِ الرَّبِ إلى ضَمِير النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولهِ تعالى: ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ ﴾ .

قال تعالى: ﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تٌرَابَا ﴾ (النبأ: 37-40)

التفسير

﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ ﴾ أي: الذي أَعْطاهُم هذه العَطَايا هو ربُّهُم، الذي وسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ، فرَحِمَهُم وَلطَفَ بهم.

ثم ذكرَ عظمتَهُ ومُلكَهُ العظِيمَ يومَ القيامةِ، وأنَّ جَمِيعَ الخَلقِ ذلك اليومَ لا يتكلَّمُون.

﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴾ أي: لا يَقْدِرُ أَحَدٌ على ابتداءِ مخاطَبَتهِ إلا بإذْنهِ.

﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ وهو جِبْريلُ، وقيل: أرْوَاحُ بني آدمَ، وقيلَ: خَلْقٌ من خلْقِ الله.

﴿ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ﴾ أي صُفُوفًا، صَفًّا بعد صَفٍّ، خاضِعِين ﷲِ تعالى.

﴿ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ كقوله: ﴿ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ (هود: 105) وكما ثَبَتَ في الصحيحين: «وَلا يتكلَّمُ يومَئذٍ إِلا الرُّسُلُ».

﴿ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ أي: حَقًّا، وقدْ ذَكَرَ جمعٌ مِنَ المفَسِّرِين أنه قَوْلُ: «لا إلهَ إلا الله».

فلا يتكلَّمُ أَحَدٌ إلا بِهَذَينِ الشَّرْطَين:

1- أن يَأْذَنَ الله له في الكلامِ.

2- أن يكُونَ ما تكلَّمَ به صَوَابًا.

﴿ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ﴾ الكائنُ لا مَحَالةَ، والذي لا يرُوجُ فيه الباطلُ، ولا ينفَعُ فيه الكذِبُ.

﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أي: مَنْ شاءَ من عِبادهِ اتَّخذَ مرْجِعًا لذلك اليوْمِ، بالتَّصدِيقِ به، والاستعدادِ له، والعَمَلِ بما فيهِ النَّجَاةُ من أَهْوالهِ، بالالتزامِ بكِتابِ الله وسُنَّةِ رَسُولهِ صلى الله عليه وسلم.

﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ﴾ يعني: يومَ القيامةِ لتأكُّدِ وقوعهِ صَارَ قريبًا؛ لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ.

﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ فيرى كُلُّ امرِئ في ذلك اليَوْمِ مَا قَدَّمَ من العَمَلِ مُثبتًا في صَحِيفَتهِ.

﴿ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ قال أبو هريرةَ رضي الله عنه: «يُحْشَرُ الخَلْقُ كلُّهُم يومَ القيامةِ، البَهَائمُ، والدَّوَابُّ، والطَّيرُ، وكلُّ شيءٍ، فيبلغُ من عَدْلِ الله أن يُؤخَذَ للجَمَّاءِ من القَرْناءِ، ثم يقولُ: كوني ترابًا، فذلك حينَ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾

فوائد الآيات:

﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ السورةُ تتحدَّثُ عن البعثِ ومقامِ الناسِ بين يديِ الله يومَ القيامةِ؛ فناسب ذكرُ قيامِ جبريلَ والملائكةِ وهم صفوفٌ ساكتون؛ لأنَّ هذا أبلغُ في بيانِ رهْبةِ مَوْقفِ يومِ القيامةِ.

ذِكْرُ اسمِ الله ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ في قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ للدِّلالةِ على أن مقامَ الشفاعةِ هو مقامُ رحمةٍ من الله ِسبحانه وتعالى لخلقِهِ.

﴿ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ﴾ لأنه اليومُ الذي ينكشِفُ فيه كلُّ شيءٍ، ويظْهَرُ ما هو الصَّحيحُ من الخاطئ، بعكسِ الأيامِ التي نعِيشُها في هذه الحياةِ الدُّنيا، فنسترُ ما نَسْتطيعُ أن نسترَهُ، ويُسَيْطِرُ الباطِلُ على الحقِّ.

نشاط

1- ما وَجْهُ ذكرِ الملائكةِ والرُّوحِ وقِيامِهِم يومَ القيامةِ؟

2- لماذا وَصَفَ الله العَذابَ يومَ القيامةِ بأنه قَريبٌ؟ وما فائدةُ ذكرِ اسمِ الرَّحمنِ في هذا السِّياقِ؟

3- كيف يتَّخِذُ العبْدُ مرْجِعًا إلى الله تعالى؟

2 سورة النازعات

الوحدة الثانية: سورة النازعات

سندرس في هذه الوحدة

سورة النازعات مكية

قال تعالى: ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) ﴾ (النازعات: 1-14)

التفسير

﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ﴾ أقسمَ الله سبحانه بالملائكةِ التي تنزعُ نفوسَ الكافِرِين نَزْعًا شَدِيدًا.

﴿ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ﴾ وأقْسمَ بالملائكةِ التي تقبِضُ أرواحَ المؤمنين بنشاطٍ ورِفْقٍ.

أي: تسُلُّها برفقٍ كالأُنشُوطةِ، والأُنشُوطةُ: (ما يَكونُ مربُوطًا، بحيث إذا سلَلَتَ أحدَ الطَّرفينِ انفكَّت العقدةُ بسرعةٍ وسهولةٍ).

سببُ الشِّدَّة في نزْعِ أرْواحِ الكفَّارِ والسُّهُولةِ في قبضِ أرواحِ المؤمنين: أن الملائكة الموكَّلة بقبضِ أرواحِ الكفار إذا دَعَت الروحَ إلى الخروجِ تناديها بأقبحِ الأوصافِ، تقولُ الملائكةُ لروحِ الكافرِ: اُخرُجي أيتها النَّفسُ الخبيثةُ التي كانت في الجَسَدِ الخبيثِ، اُخرُجِي إلى غضبِ الله، فتنفرُ الرُّوحُ، ولا تريدُ الخُرُوجَ، وتتفرَّقُ في الجَسَدِ حتى يقبضوها بشِدَّةٍ، وينزعوها نزْعًا يكادُ يتمزَّقُ الجسَدُ منها من شِدَّةِ النَّزْعِ.

وأما أرواحُ المؤمنين فإنَّ الملائكةَ إذا نزلتْ لقبْضِها تبشِّرُها: اُخْرُجِي أيتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ التي كانت في الجسدِ الطَّيبِ، اُخرُجي إلى رِضوانِ الله، فيهُونُ عليها أن تُفارِقَ جَسَدَها الذي أَلِفَتْهُ فتخرُجُ بِسُهُولةٍ.

فأقسم سبحانه وتعالى في مطلع السورة بالملائكة التي تنزع أرواحَ الكافرين نزعًا شديدًا، وبالملائكةِ التي تقبضُ أرواحَ المؤْمِنين بخفَّةٍ ونَشَاطٍ، وهذا يُناسِبُ مَوْضُوعَ السُّورةِ؛ لأنَّ السُّورةَ تدُورُ حَولَ الرَّدِّ على الكافِرِين الذين أنكروا البعْثَ بقولهِم: ﴿ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ﴾ فَناسَبَ الإقْسَامُ بهؤلاءِ الملائكةِ؛ تذكيرًا للمشْرِكين بإِقْبَالِ الموْتِ عليهِم، وأنَّهُمْ ميِّتُون لا مَحَالةَ.

التفسير

﴿ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴾ أَقْسَمَ بالملائكةِ التي تَسْبَحُ في نزولها من السَّماءِ وصُعُودِها إليها.

﴿ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ﴾ أَقْسَمَ بالملائكةِ التي تَسْبِقُ وتُسَارِعُ وتبادِرُ في إيصَالِ الوَحْيِ للرُّسُلِ، قبلَ اسْتراقِ الشَّيَاطِينِ للسَّمْعِ.

﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ هي الملائكةُ المدبِّرة ما أُمِرَتْ به من أَمْرِ الله؛ وذلك من تدْبيرِ شُؤونِ الكُونِ.

فجبريلُ مُوَكَّلٌ بالوَحْيِ، يتلقَّاه من الله، وينزِلُ به على الرُّسُلِ.

وإِسْرافيلُ مُوَكَّلٌ بنفخِ الصُّور يومَ القيامةِ، فيفزَعُ النَّاسُ ويموتون، ثم ينفخُ فيه أخرى فيبعثون.

ومِيكالُ مُوَكَّلٌ بالقَطْرِ والمَطَرِ والنَّبَاتِ.

وَمَلَكُ الموتِ مُوَكَّلٌ بالأرْواحِ، ومن الخطأ تسميته عزرائيل، فلا دَليلَ على ذلك، لا من الكتابِ ولا من السُّنَّة.

ومالكٌ مُوكَّلٌ بالنَّارِ.

وعن اليمينِ وعن الشِّمالِ قعيدٌ مُوَكَّلٌ بالأعْمالِ.

وملائكةٌ موكَّلون بحفْظِ أَعْمالِ بني آدَمَ.

كلٌّ يتولَّى ما أمَرَهُ الله عزوجل بهِ.

فأقسمَ سبحانه وتعالى بهذه المخلوقاتِ العظيمةِ، ولا يجوزُ لأَحَدٍ أن يُقسِمَ بالمخلُوقِ إلا الله سبحانه وتعالى، فقدْ بيَّنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن الحَلفَ بغيرِ الله تعالى شِرْكٌ.

وجوابُ القسمِ محْذُوفٌ، تقديرُهُ: لَتُبْعَثُنَّ وَلتُحَاسَبُنَّ.

التفسير

﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) ﴾ الرَّاجفةُ وَرَدَ أنَّها الأَرْضُ، عَمَلًا بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴾ (المزمل: 14).

والرَّادفةُ: وَرَدَ أنَّها السَّمَاءُ، أي: أنَّها تردفُ الأرضَ وتتبعُها في الانقِلابِ؛ حيْثُ تنشَقُّ وتتناثرُ كواكِبُها.

والرَّجْفُ: الاضْطِرابُ والاهْتِزازُ.

وقيل: الرَّاجِفةُ: هي الصَّيحةُ الأولى، التي ترْجُفُ لها الأرضُ والجِبالُ والأحْياءُ جميعًا، ويُصعَقُ لها مَن في السَّمَاواتِ ومَن في الأرْضِ، إلا مَنْ شاءَ الله تعالى.

والرَّادفةُ: هي النَّفخَةُ الثَّانيةُ التي يُفيقون عليها ويُحشَرون.

﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ المرادُ بالقُلوبِ هُنا: قُلوبُ الكفَّارِ، أي: تكونُ قُلوبُ الكفَّارِ في ذلك اليومِ مضطربةً من شدَّةِ الخوْفِ.

﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ أي: إنَّ أبصَارَ الكافِرين تكُونُ ذليلةً من الأهْوالِ التي تَرَاها، فلا تحدِّقُ وتنظُرُ بقوَّةٍ، وإنما تغُضُّ مِنْ أبصَارِهَا منْ ذِلَّتها.

﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ أي: يقولُ هؤلاءِ المكذِّبون المنكِرُون للبعْثِ: أنُردُّ بعد موتنا، فنعودُ أحياءً كما كنَّا قبلَ الموتِ؟!

يقال: رَجَعَ فُلانٌ على حَافِرَتهِ، أي: رَجَعَ من حَيثُ جَاءَ.

ومنه قَولُ الشَّاعرِ:

أَحَافرةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ معاذَ الله من سَفَهٍ وعارٍ

﴿ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ﴾ يقولُ الكُفَّارُ: أنُرَدُّ إلى الدُّنيا بعد أن نصِيرَ عِظامًا باليةً مُتَفَتِّتةً.

﴿ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ الكَرَّةُ: الواحِدةُ من الكرِّ، وهو: الرُّجُوعُ بعدَ الذِّهَابِ، أي: رجْعةٌ.

أي: فيقولُ الكفَّارُ: رَجْعتُنا تلكَ رَجْعَةٌ خَائبةٌ خَاسِرةٌ.

فَرَدَّ الله عَليهِم اسْتبعَادَهُم يَوْمَ القِيامَةِ بقوله:

﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ أي: نفْخَةٌ وَاحِدَةٌ.

التفسير

﴿ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾ السَّاهِرةُ: هِيَ الأرضُ المسْتَوِيةُ البيضَاءُ التي لا نَبَاتَ فيها، وأُرِيدَ بها أَرْضٌ يجْعلُها الله تعالى لجمْعِ النَّاسِ عليها للحَشْرِ.

وسُمِّيَت بالسَّاهرةِ؛ لأنَّ الناسَ الذين يُحشَرُون عليها، يطيرُ النومُ من أَعْينهِم؛ من شدَّةِ الخوفِ والفَزَعِ الذي يلاقونه في ذلك اليومِ.

والمعنى: أنهُ يُنفخُ في الصُّورِ نفخةٌ وَاحِدةٌ، فإذا بِهَؤُلاءِ الكفَّارِ على وَجْهِ الأرْضِ، أحياءً بعدَ مَوْتهِم؛ لحِسَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ، بعد أنْ كانوا في بطْنها.

نشاط

هُناك علاقةٌ بين مَوضوعِ السُّورةِ وبين الإقْسامِ في مَطْلعِها بالملائكةِ التي تَقبضُ أرواحَ المؤمنين والكافرين، بَيِّن هذه العلاقةَ.

1- أكمل الفراغاتِ الآتيةَ بالاستعانةِ بمصادرِ تفسيرٍ أخرى:

السَّابحاتُ هي: .................... وقيل: .......................

السَّابقاتُ هي: ..................... وقيل: .................... وقيل: .....................

2- صِلْ بين المجموعتين:

(أ) (ب)

الرَّاجفةُ قلوبُ الكفارِ

الرَّادفةُ النفخةُ الأولى

القلوبُ الواجفةُ النفخةُ الثانية

الحافِرةُ الرجوعُ أحياءً

3- عَلِّلْ: تسْميةَ الأرضِ التي يحشر الناسُ عليها يومَ القيامةِ بـ(السَّاهِرَة).

قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) ﴾ (النازعات: 15-26)

التفسير

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ أي: هل جَاءَك أيها الرَّسُولُ خبرُ موسى عليه السلام ، وهذا تسْليَةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم.

﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ أي: عندما نادى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام في الوَادِي المبَارَكِ المطَهَّرِ.

وطوى: اسمٌ للوادِي المقدَّسِ.

وإنما كان الوادي مقدَّسًا؛ لأنَّ الله عزوجل أوحى فيه إلى موسى صلى الله عليه وسلم.

﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ أي: قال الله تعالى لموسى عليه السلام : اذهبْ إلى فرْعَونَ لدَعْوتهِ إلى الله ِسبحانه وتعالى، فإنه قدْ طَغَى.

والطُّغيانُ: الإِفراطُ في العِصْيانِ وتجاوُزُ الحدِّ فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ﴾ (الحاقة: 11) أيْ: زَادَ وتجَاوَزَ الحدَّ، ومنه الطاغوتُ: لأنَّ فيه مجاوزةً للحَدِّ.

﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ﴾ أترغبُ أن تُطَهِّر نفسَك من العُيُوبِ والنَّقائصِ والذنوبِ، وذلك بقول: لا إلهَ إلا الله.

﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴾ أي: أُرْشِدَك إلى طَرِيقِ طاعَةِ ربِّك سبحانه، فتخشاه بعْدَ العِلْمِ به.

والخشْيَةُ: هي الخوْفُ المقرُونُ بالعِلمِ، فإن لم يكنْ على عِلْمٍ فهو خَوْفٌ مجرَّدٌ، وهذا هو الفَرْقُ بين الخشْيَةِ والخوْفِ.

وتقديمُ الهدايةِ على الخشيةِ فيه إشارةٌ إلى أنَّ خشيةَ الله لا تحصُلُ إلا بعدَ معرفتهِ سبحانه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ (فاطر: 28).

﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴾ العلامةَ العُظْمى، وهي يَدُ موسى عليه السلام إذْ أخرَجَها بيضاءَ للنَّاظِرين، وعصاه إذْ تحوَّلت ثعبانًا مبينًا.

﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴾ فكذَّب فرعونُ برسالةِ موسى صلى الله عليه وسلم، وعصى أوامرَ الله ِ.سبحانه وتعالى

﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴾ أي: ولَّى مُعْرِضًا عَمَّا دَعَاه إليه موسى صلى الله عليه وسلم من الطَّاعَةِ والخشْيةِ والتَّوْحيدِ، وهو يجتهِدُ في مُعارَضَةِ موسى صلى الله عليه وسلم.

﴿ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴾ أي: جمع، والمرادُ: جَمَعَ أهلَ مملكتهِ؛ فجمَعَ أصْحَابَه للمُشَاوَرةِ، وجمَعَ جنودَهُ للقِتَالِ والمحارَبةِ، وَجمَعَ النَّاسَ لحُضُورِ يومِ الزِّينةِ.

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ الذي لا رَبَّ فَوْقَهُ.

﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ انتقَمَ الله منه بالعَذَابِ في الدُّنيا والآخِرَةِ، فجَعَله عِبرةً ونكالًا لأمثاله من المتمرِّدِين.

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ أي: في هذه القِصَّةِ عِبْرَة وعِظَة لمن يخشى الله سبحانه وتعالى.

فوائد الآيات:

1- ذَكَرَ الله قِصَّةَ فرعونَ بعد ذِكْرِ إنكارِ المشركين للبعثِ؛ لما يُوجَدُ من أوْجُهِ تشابُهٍ بين فرْعَونَ وقومهِ وبين كفارِ قُرَيشٍ في العُتوِّ والاسْتكبارِ وأذيةِ المسْلِمين، وَلمِا يُوجدُ من أوْجُهِ تشابُهٍ بين موسى ومحمَّدٍ عليهم السلام .

ذَكرَ الله قِصَّة فِرْعَوْن؛ تهْدِيدًا للمُشْرِكين بأنه كما أُهْلِك فِرْعَونُ لعُتُوِّه واسْتِكبَارِهِ، فإنَّ الله سيُهْلكُ كفَّارَ قُريشٍ إذا لم يُؤْمنُوا.

وفيه تسْليَةٌ للمُسْلِمين والمؤْمِنِين، فَكَمَا أنجَى الله موسى ومَن مَعَهُ منْ بطْشِ فِرْعَونَ، فكذلك سيُنجِي الله النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من بطْشِ كفَّارِ قريشٍ.

2- أن الدعوةَ إلى الله لا بُدَّ فيها من اللينِ والرِّفقِ والبُعْدِ عن الغِلظةِ، حتى مع الطُّغَاةِ والمتجبِّرِين؛ لأنَّ الكلامَ الليِّنَ يجذِبُ قلوبَ السَّامِعِين، وهو أدْعى لهم أن يستجيبوا لهذه الدَّعْوَة.

استخدامُ لفظِ السَّعْيِ: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴾ يدلُّ على أنَّ فرعونَ سَعَى وَبذَلَ حِرْصَه في إقناعِ رعيتهِ أنه هو الرَّبُّ الأعلى، وهكذا المحارِبُون لدِينِ الله في كلِّ زمانٍ ومكانٍ يبذلون أقصى جُهْدِهِم، وأعلى ما عندهم في محاربةِ الدِّينِ، فهلَّا بذَلَ المسلمُ أقصى ما عندَه في نشْرِ الإسْلامِ والدِّفَاعِ عن دِينهِ!

3-﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ قدَّم نكالَ الآخرةِ وعذابَها على نَكَالِ الدُّنيا وعَذَابِها؛ لأنه أشدُّ وأبقى، فهو النَّكالُ الحقيقيُّ الذي يأخذُ الطُّغَاةَ والعُصَاةَ بشِدَّتهِ وبخلودِهِ.

نشاط

1- استنبط من هذا المقطعِ القرآنيِّ الآتي:

أ. فائدةً دعويَّةً من طريقةِ خِطابِ موسى عليه السلام لفرْعَونَ.

ب. وجْهَ تقديمِ نكالِ الآخرةِ على نكالِ الأولى في قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ .

2- بيِّن معاني الكلمات الآتية: المقدَّس، أَدْبرَ، حَشَرَ.

قال تعالى: ﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ (النازعات: 27-33)

التفسير

﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ بَنَاهَا ﴾ أخَلْقُكُم بعْدَ الموتِ أشدُّ من خَلقِ السَّماءِ؟

والمعنى: أنَّ مَنْ يقدرُ على خَلْقِ السَّماءِ يقدرُ على إِعَادَتكُم بعْدَ الموْتِ.

وقوله تعالى: ﴿ بَنَاهَا ﴾ أي: رَفَعَها الله عزوجل فَوْقَكم كالبِناءِ.

﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ أي: أَعْلَى بُنيانَها.

السَّمْكُ: الرَّفْعُ في الفَضَاءِ، سَواءٌ اتَّصَلَ المرفُوعُ بالأرْضِ أمْ لم يتَّصلْ بها.

وتعدية الفعل ﴿ رَفَعَ ﴾ إلى السمك مبالغة في الرَّفعِ، فالسَّماءُ رَفيعةٌ مرْفُوعَةٌ.

وهو من قبيلِ قولهِم : لَيلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَليلٌ.

﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ خلقها خَلقًا مُسْتَوِيًا، لا تفاوُتَ فيه، ولا شُقُوقَ، ولا فُطُورَ.

التفسير

﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ أظلَمَ ليلَهَا بغُرُوبِ الشَّمْسِ.

﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أبرزَ نهارَها فأظْهرَه، وعَبَّرَ عن النَّهارِ بالضُّحى؛ لأنه أشرفُ أوقاتهِ.

﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ أي: والأرضَ بعد خلقِ السَّمَواتِ بَسَطَها.

والدَّحْو: البسْطُ والمدُّ بتسْوِيةٍ.

﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ أي: فجَّرَ فيها من عُيُونِ الأرْضِ، وأنبَتَ فيها المرَاعِيَ.

﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ أثْبَتَها في الأرْضِ.

﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ مَنْفعةً لكم.

والمتَاعُ: يُطلقُ على ما يُنتفعُ به مدَّةً، ففيه معنى التَّأجيلِ، والمرادُ به في الآيةِ: إعطاءٌ للانتفاعِ زَمَانًا.

فوائد الآيات:

دلَّتْ سورةُ (فصلت) على أن السَّماءَ خُلقتْ بعْدَ الأرْضِ، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ (فصلت: ٩-١١) وفي هذه السورةِ (النازعات) قال: ﴿ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ !! ولا تعارُضَ بين الآياتِ؛ فإن خلْقَ نفْسِ الأرْضِ متقدِّمٌ على خلقِ نفسِ السَّماءِ، ثم بعد خلقِ السماءِ دَحَا الله سبحانه الأرْضَ وبَسَطَها؛ فحَصَلَ خَلْقُ الأرْضِ، ثم خَلْقُ السماءِ، ثم دَحْوُ الأرضِ.

نشاط

1- تخيَّل أيُّها المدافِعُ عن دِينِ الله:

أ. أنك تناقشُ شخصًا يُنكرُ البعْثَ، ما الأُمُورُ التي تستدِلُّ بها على بعْثِ النَّاسِ يومَ القيامةِ؟

ب. أنك تناقشُ شخْصًا يطْعَنُ في القُرآنِ بوُجُودِ تناقُضٍ فيهِ، فيقولُ: إنَّ سورةَ (فُصِّلت) دلَّتْ على خلقِ السَّماءِ بعدَ الأَرْضِ، وسورة النازِعات دلَّتْ على العكسِ. كيف توضِّح له بطلانَ فهمهِ؟

2- صِلْ بين المجموعتين:

(أ) (ب)

سمكها أظلم

أغطش أثبتها

دحاها بنيانها

أرساها بسطها

قال تعالى : ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ﴾ (النازعات: 34-41)

التفسير

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴾ الطامَّةُ: اسمٌ من أسماءِ يومِ القيامةِ.

وهي: الحادثةُ أو الوقعةُ التي تَطِمُّ، أي: تعلو وتغلِبُ، مأخوذٌ من طَمَّ الماء، إذا غَمَرَ الأشْياءَ، وهذا الوصفُ يُؤذِنُ بالشِّدةِ والهوْلِ؛ إذ لا يقالُ مثله إلا في الأمُورِ المهُولةِ.و

﴿ الْكُبْرَى ﴾ هذه مبالغةٌ في بيانِ هَوْلها، فهذا من أَصْرحِ التَّعْبيراتِ لتصْويرِ ما يُقارِنُ هذه الحادِثةَ من الأهْوالِ.

﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾ أي: ما عَمِلَ من خَيرٍ وَشَرٍّ.

﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴾ أُظْهِرَت الجحِيمُ عَيَانًا للنَّاسِ جميعًا.

﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أي: منْ جاوَزَ الحدَّ في الضَّلالِ والفُجُورِ، وفَضَّلَ الحياةَ الدُّنيا وقدَّمَها على أمرِ دينهِ وأخراه.

﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ فإن مصيرَهُ إلى النَّارِ، والمأْوى: المرْجعُ والمقرُّ.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أي: الذي خاف موقفَه بين يدي الله سبحانه وتعالى، ونتج عن هذه الخشيةِ أنْ نَهَى نفسَه عن هواها وشَهَواتِها وملذَّاتها، فمصيرُهُ إلى الجنَّةِ.

وأَصْلُ الهَوَى: مُطْلقُ الميلِ، ثم شاع في الميلِ إلى الشَّهْوةِ؛ وسُمِّي بذلك لأنه يهْوِي بصَاحِبهِ في الدُّنيا، إلى كلِّ داهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاويةِ.

فوائد الآيات:

1- في قوله تعالى: ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴾ فيراها جميعُ المؤمِنين والكافِرين؛ أمَّا المؤمنُ فيراها ليعْرِفَ قدْرَ النِّعْمةِ، وأما الكافرُ فيراها تخويفًا له قبلَ إدخاله إيَّاها.

2-﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ جمَعَ الله تعالى بينَ الخوفِ من مقامِهِ سبحانه ونَهْيِ النفسِ عن الهوى في موْضعٍ واحدٍ؛ لأنَّ الخوفَ من الله هُو الحاجِزُ الصُّلبُ أَمامَ دَفَعَاتِ الهَوَى العَنيفةِ، وقل أن يثبتَ غيرُ هَذَا الحاجِزِ أَمَامَ دَفَعَاتِ الهَوَى؛ لأجْلِ ذلك جمَعَ بينَهُما السِّيَاقُ القُرآنيُّ في آيةٍ واحِدَةٍ.

نشاط

1- ورد في هذه السُّورةِ ذِكْرٌ للطغيان مرّتين، اذكر الموضعين، واستنتجْ علاقةً بينهما.

2- ما العِلَّةُ في:

تسْمِيَةِ يَومِ القِيَامةِ بالطَّامَّةِ؟

الجمْعِ بين الخَوْفِ من مَقامِ الله، ونهْيِ النَّفْسِ عن الهَوَى في مَكانٍ واحدٍ؟

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا

فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا

إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا

إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (النازعات: 42-46)

التفسير

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾ متى وَقْتُ حُلُولها؟ والمعْنَى: مَتَى زَمَانُ قِيامِ السَّاعَةِ؟

ومُرْساها: مصدرٌ ميميٌّ للفعل أَرْسَى، والإِرْسَاءُ: وُقُوفُ السَّفينةِ على الشَّاطِئِ.

وإنما عُبِّرَ عن وُقوعِ يَومِ القِيامةِ بالإرْساءِ؛ تشْبيهًا للأَمْرِ المُغَيَّبِ حُصُولهُ بسَفينةٍ في البَحْرِ لا يُعرَفُ وقْتُ وصولها إِلا إِذا رَسَتْ، فالمعْنَى: لا يَعْلَمُ أحدٌ متى تَقَعُ القِيامَةُ إلا وَقْتَ وُقُوعِهَا.

﴿ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴾ أي: لسْتَ أنت في شَيْءٍ من عِلْمِهَا.

كما وَرَدَ في الصحيحين، في حَدِيثِ جِبْريلَ عنْدَما سَأَلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن السَّاعَةِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ما المسْؤُولُ عَنْها بأعْلَمَ من السَّائلِ».

فإذا كان جبريلُ أعْلمُ الملائكةِ، والنَّبيُّ أعلمُ البَشَرِ بوَحْيِ الله لا يعلمانِ متى السَّاعَةُ، فَمَا بالُك بمنْ دُونَهما؟!

﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ﴾ أي: مرَدُّ عِلمِها إلى الله سبحانه وتعالى، لا يعلمُهُ غيرُه.

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ أي: إنَّما بُعِثْتَ أيها النَّبِيُّ لتُنذِرَ بالسَّاعَةِ، ولم تُبْعَثْ للإخْبارِ بوقْتِها.

وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ قال رَجُلٌ للنبيِّ :صلى الله عليه وسلم يا رسولَ الله، متى السَّاعَةُ؟ قال له: «ماذا أَعْدَدْتَ لها؟» قال: حُبُّ الله ورسولهِ صلى الله عليه وسلم. قال: «أنت مع مَن أحببت».

﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ أي: إذا قامُوا من قُبُورِهِم إلى المحْشَرِ يسْتقْصِرُون مُدَّةَ الحياةِ الدُّنيا، حتَّى كأنَّهَا عِنْدَهُم كانتْ عَشِيَّةً أو ضُحى من يومٍ.

والعَشِيَّةُ: ما بينَ الظُّهْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

والضُّحَى: ما بين طلوعِ الشَّمْسِ إلى نصْفِ النَّهَارِ.

فوائد الآيات:

1- لما كانت المصلحة في إخفاء يوم القيامة أخفى الله تعالى خبر وقوعه حتى يجتهدَ الناسُ في العَمَلِ، وَهُمْ خائفُون قَلقُون وَجِلون من حُلولِ يومِ القِيامةِ عليْهِم في أيِّ لحظةٍ.

2- تخصيصُ النِّذَارةِ بمنْ يخشى في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ لا يعْني أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يُنذِرُ مَنْ لا يخشى، وإنما المرادُ: أنَّ الذي ينتفِعُ من الإنْذارِ إنما هُمُ الذين يخشَوْنَ الله سبحانه وتعالى، أمَّا الذينَ لا يخشَوْنه ولا يخافُونه فَهُمْ لا يَستفِيدُون من هَذِهِ النِّذَاراتِ والآياتِ في الغالبِ.

3- دلالةُ الآياتِ على حَقَارةِ الدُّنيا: فما هِيَ إلا عَشِيَّةٌ أو ضُحَاها، فَهِيَ قَصِيرةٌ عَاجِلةٌ، ذاهِبةٌ زهيدةٌ، فلا ينبغي للعاقلِ من أَجْلِ عَشِيَّةٍ أو ضُحَاها أن يضيعَ الآخرَة، ولا من أجْلِ شَهْوةٍ زائلةٍ أنْ يترُكَ الجنَّةَ.

نشاط

1- أكمِلْ الفَراغَاتِ الآتيةَ:

العَشِيةُ

والضُّحَى

2- ما الفائدةُ المسْتفادةُ من التَّعْبيرِ عن قِيامِ القِيامَةِ بـ (مرساها)؟

3- ما السِّرُّ في:

أ. إخفاءِ يومِ القيامةِ عن الناسِ؟

ب. تخصيصِ النِّذارةِ بمن يخشى الله سبحانه في قوله: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾

3 سورة عبس

الوحدة الثالثة: سورة عبس

سندرس في هذه الوحدة

سُورةَ عَبَسَ مكية

قال تعالى: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) ﴾ (عبس: 1-10)

سبب النزول

عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: أُنزِلتْ ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى {في ابنِ أمِّ مكتومٍ الأعْمى رضي الله عنه، أتى رسولَ الله ِصلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ يقُولُ: يا رَسُولَ الله، أرْشِدْني، وعندَ رسولِ الله رجلٌ من عظماءِ المشركين، فجعلَ رسولُ الله يُعرِضُ عنه ويُقْبلُ على الآخَرِ، ويقول: «أَتَرَى بما أقُولُ بأْسًا؟»فيقول: لا. فَفِي هذا أُنزِلَتْ. أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.

التفسير

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾ ظهَرَ العبوسُ على وجهِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأعْرض عن السَّائلِ الأعمى؛ لأنَّ الأعمى جاءَه يسأله عن بعضِ الأُمُورِ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مُنشَغِلٌ بِدَعْوةِ كبارِ قريشٍ.

والأعمى هو الصحابي الجليل عبدُ الله ابن أمِّ مكتومٍ رضي الله عنه.

ولم يُخَاطِبِ الله سبحانه وتعالى النبيَّ صلى الله عليه وسلم مباشرةً، وإنما تحدَّثَ عنه بصيغةِ الغائبِ ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ ؛ وفي هذا إيحاءٌ من الله تعالى بأنه يكرهَ أنْ يُواجِهَ نبيَّه وخليلَه صلى الله عليه وسلم بهذا العتابِ؛ عطفًا عليه، ورحمةً به، وإكرامًا له.

وعُبِّر عن الصحابي بالأعْمَى، ولم يذكر اسمَهُ لسببين:

1- ترقيقًا لقلْبِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على هَذَا الأَعْمَى.

2- إشعارًا بعُذْرِ هذا الأَعْمَى في الإقْدامِ على قَطْعِ كلامِ النبيِّصلى الله عليه وسلم، وهو يحادِثُ عِلْيةَ القومِ المشْرِكين، فَكونُهُ أَعْمَى يَعْذرُهُ.

ثم بعد أن تحدَّث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بصيغةِ الغائبِ انتقل إلى الخِطابِ هنا ليُشْعِرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالإقْبالِ عليه بعدَ الإِعْراضِ، فقال مُخَاطِبًا:

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴾ ما يدريك يا محمَّدُ، لعلَّ هذا الأعمى تزكو نفسُهُ ويتطهَّرُ من ذنوبهِ بالاستفادةِ مما يسألك عنه؟!

﴿ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴾ أي: وما يدْريك لعله يستفيدُ وينتفعُ من تذكيرِك له بالله تعالى؟!

﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴾ أي: أتنشغلُ بالتَّصَدِّي والتعرُّضِ لمن هو مُسْتَغنٍ عن دَعْوَتك، ومُعرِضٌ عنها؟!

﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴾ أي: ماذا يضُرُّك لو لم يتزكَّ ويتطهَّرْ هؤلاءِ المشْرِكون المسْتغنون الذين تحرِصُ على هِدَايتهِم؟ ليس عليك شيءٌ؛ لأنه ليس عليْكَ إلا البلاغُ.

﴿ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴾ وأمَّا هَذا الذي أقْبلَ عَليْكَ سَاعِيًا، حَريصًا على سَمَاعِك والاسْتفادةِ منه.

﴿ وَهُوَ يَخْشَى ﴾ أي: يخشى من الله سبحانه وتعالى إن قصَّرَ في تعلُّمِ دِينهِ.

﴿ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴾ أي: أنت مُتشاغِلٌ عنه تاركٌ له؟! من قولك: لهيتُ عن الشيءِ إذا تركتُهُ.

فوائد الآيات:

1- اسْتنبطَ العلماءُ قاعدةً من هذه الآياتِ، فقالوا:

«لا يُتركُ أمرٌ معلومٌ لأمرٍ موهُومٍ، ولا مصلحةٌ متحقَّقةٌ لمصلحَةٍ متوهَّمةٍ».

فلا يُعرضُ عمَّن تحقَّق إسلامُهُ، من أجْلِ من يُحتَملُ إسلامُهُ ودُخُولُه في الدِّينِ.

2- ليس المقصودُ من هذه الآياتِ: النَّهيَ عن الانشغالِ بدعْوةِ المعرِضِين، وإنما المقصودُ: عدمُ الإعراضِ عن المقْبِلين.

3- بقاءُ مُعاتبةِ الله لنبيِّهِ في القُرآنِ من أعْظَمِ الأدِلةِ على نبوَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو كان القرآنُ من عندِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم يَتْرُكْ فيه ما يَدُلُّ على عِتَابهِ.

لذا قيل: لو أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كتَمَ من الوَحْيِ شيئًا لكَتَمَ هذا.

4- في هذه الآياتِ تأديبٌ من الله عزوجل للدُّعاةِ ألا يفضِّلوا في الدَّعْوةِ إلى الله شَريفًا لشَرَفهِ، ولا عَظِيمًا لعَظَمتهِ، ولا قَريبًا لقُرْبهِ، بل يكونُ النَّاسُ عِنْدَهُمْ سَوَاءً، الفقيرُ والغنيُّ، الكبيرُ والصَّغيرُ، القَريبُ والبَعِيدُ.

5- في أولِ السُّورةِ: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾ ثلاثُ جُمَلٍ لم يخاطب الله فيها النبيَّ صلى الله عليه وسلم مباشرةً؛ تلطُّفًا مع الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، إنما جَاءَتْ بِضَمِيرِ الغَيْبةِ؛ لأنها عِتابٌ.

نشاط

1- ذكرَ العلماءُ أن الله عزوجل تحدَّث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بصيغةِ الغائبِ في ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ حتى لا يواجِهَه بالعِتابِ، فلماذا انتقلَ إلى الخِطَابِ في الآيات التي تليها؟

2- كيف تسْتدِلُّ بهذه الآياتِ على محبَّةِ الله للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؟

قال تعالى: ﴿ ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ

فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ

فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ

مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ

كِرَامٍ بَرَرَةٍ

قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ

مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ

ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ

ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ

كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ (عبس: 11-23)

التفسير

﴿ كَلَّا ﴾ كلا: ليس الأمرُ كما فعلتَ أيها الرَّسولُ الكريمُ، من أنْ تَعْبسَ في وجْهِ مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَتنْشغلَ عنه بالتَّصدِّي لمن اسْتغنَى.

﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ أي: إنَّ ما جَاءَ في هذه السُّورةِ مَوْعِظةٌ وتذْكرةٌ.

﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾ فمَنْ أرادَ من عِبادِ الله أن (يَذْكُرَ) الله سبحانه وتعالى، ذَكَرَهُ.

﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ أي: هذه السُّورةُ وهذه التذكرةُ في صُحُفٍ مُعَظَّمةٍ مُوَقَّرةٍ.

﴿ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴾ عَاليةِ القَدْرِ، مُطهَّرةٍ من الدَّنَسِ، والزِّيادةِ والنَّقْصِ.

والمرادُ بالصُّحُفِ هُنا: اللوحُ المحفُوظُ.

التفسير

﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ وهم الملائكةُ الكَتَبةُ، السُّفَراءُ بينَ الله وخلقهِ بالوَحْيِ.

وسببُ تسميةِ الملائكةِ سَفَرَةً، أَحَدُ أمْرينِ:

1- إما لأنهم كتَبَةٌ، مأخوذةٌ من السِّفْرِ الذِي هُوَ الكِتابُ.

2- أو سَفَرَة: جمْعُ سفيرٍ، وهو الوَاسِطَةُ؛ وسمُّوا بذلك لأنَّهُم الوُسَطاءُ بينَ الله تعالى وبينَ خلقهِ.

﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ أي: أَخْلاقُهم وَأفْعَالهم بارَّةٌ طاهِرةٌ كامِلةٌ.

والبَرَرة: جمع بَارٍّ، مثل: الكفَرَةُ جمْعُ كافرٍ.

أخرج البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يقْرأُ القُرآنَ وهُوَ مَاهِرٌ به مَعَ السَّفَرةِ الكِرامِ البرَرَةِ، والذِي يقْرَؤُهُ وهُوَ عليْهِ شَاقٌّ له أجْرَان».

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾ تعجُّبًا من كفْرِهِ بالله الذي خَلقَهُ وسَوَّى خَلقَه، أي: لُعِنَ الكافرُ، ما أشدَّ كُفْرَه، مع كثرةِ إحْسانِ الله تعالى إليه.

﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ استفهامٌ يرادُ بهِ تنبيهُ الإِنسانِ لينظُرَ إلى مَبْدأ خَلقهِ، ما المادةُ التي خلقَه الله تباركَ وتعالى منها، وهي توبيخٌ له على تكبُّرِهِ وتعاظُمِهِ عن طَاعَةِ ربِّهِ.

﴿ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ أي: ابْتدأَ خَلقَهُ من النُّطْفةِ، وهي المنيُّ، ثم قدَّرَهُ أطْوارًا وأحْوالًا، فأوَّلُ أمْرِهِ نطفةٌ، ثم علقةٌ، ثم مضغةٌ... وهكذا.

أَخْرجَ الشيخان عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو الصَّادقُ المصْدُوقُ، فقال: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبعين يَوْمًا نُطْفةً، ثم يكُونُ عَلَقةً مثلَ ذلك، ثم يَكونُ مُضْغةً مِثلَ ذلك...» الحديث.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ ثم بَعْدَ خُرُوجِهِ من بَطْنِ أُمِّهِ بيَّنَ الله تعالى له طَريقَ الخَيْرِ والشَّرِّ، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ (الإنسان: 3).

﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ ثمَّ بعْدَ ذلك يُمِيتُهُ سبحانه، ويجْعَلُ له مَكَانًا يُقبَرُ فيهِ.

ومعنى أقبَرَه: صيَّرَهُ ذا قبرٍ.

﴿ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾ ثم يبعثُهُ يومَ القيامةِ من قبْرهِ للحِسابِ والجَزاءِ.

وفائدةُ الإتيانِ بـ ﴿ إِذَا شَاءَ ﴾ في هذه الآيةِ: أن الكفَّارَ كانوا يقولون: لِمَ لَمْ يبعث الله الأَمْواتَ من القُبُورِ للحِسابِ والجزاءِ؟ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ تأخيرَ النُّشُورِ إنما هو بمشيئَتهِ وإِرادَتهِ.

﴿ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾ كلا: رَدْعٌ وزَجْرٌ، أي: ليْسَ الأمرُ كما يَقُولُ الكَافِرُ: إنه قَدْ أدَّى حَقَّ الله عليه، بل إنَّ الإنسانَ لم يقْضِ ويُؤَدِّ ما أمَرَهُ الله به من الفَرَائضِ.

واسْتَفادَ العُلماءُ من هذه الآيةِ أنه يجِبُ على المسلِمين أن يقبُرُوا أمْواتَهُم، فلا يجُوزُ حرْقُهُم، ولا تركُهم للوُحُوشِ، ولا رميُهُم في البِحَارِ ونحو ذلك، إلا إِنْ تَعَذَّرَ الدَّفْنُ.

نشاط

1- استنبط العلماءُ حكمًا فقهيًّا من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ فما هو؟

2- ضعْ أمامَ العباراتِ الآتيةِ آيةً مناسِبةً لها مَأخُوذةً من هذا المقْطعِ.

العبارة

الإنسان مُخَيَّر لا مُسَيَّر

كيف يتكبَّر من خرج من مخرجِ البَوْل؟!

جعل الإسلامُ للإنسانِ كرامةً ليست لبقيَّةِ الحيواناتِ

الآية المناسبة

قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) ﴾ (عبس: 24-32)

التفسير

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ أَمَرَ الله تعالى الإنسانَ أن ينظُرَ في طَعَامِهِ الذي هو قِوَامُ حَيَاتهِ، ويتدبَّرُ في منشَئهِ، وطريقةِ وصولهِ إليه، وكيفيةِ أكلهِ له، ونحو ذلك؛ ليَصِلَ بهذا النَّظَرِ والتفكُّرِ والتدبُّرِ إلى معرفةِ الله ِسبحانه وتعالى، وعبادتهِ حَقَّ عِبادَتهِ.

﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴾ أي: أنَّ الله تعالى ابتدَأَ أَمْرَ طَعَامِ الإِنْسانِ بأنْ أنزلَ الله سبحانه الغيْثَ من السَّماءِ إنزالًا.

﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴾ أي: شَقَقْناها بالنَّباتِ الخارجِ منها بسَبَبِ نُزُولِ المطَرِ.

﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴾ ثم بعْدَ شَقِّ الأرْضِ نبَتَ الحبُّ، وهو كُلُّ ما أخْرَجتْهُ الأرضُ من الحُبُوبِ، كالحِنْطةِ والشَّعيرِ ونحو ذلك.

﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴾ القضْبُ: علفُ الدَّوابِّ.

سميت قضْبًا؛ لأنها تُعلفُ للدَّوابِّ رَطْبةً فتقضبُ، أي: تقطعُ مرَّةً بعدَ أخرى.

﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴾ نصَّ الله تعالى على النَّخْلةِ ولم يكتفِ بذِكْرِ ثمَرَتها؛ لأنَّ النخْلةَ كثيرةُ المنافعِ، حيث كانت العَرَبُ تتَّخِذُ تمرَهَا غِذاءً، ونوى التَّمْرِ عَلَفًا للإِبلِ، وَيسْتفِيدُون من الخَشَبِ والسعْفِ في صِناعةِ البُيُوتِ والسُّقُفِ والأواني، ويستخدمون أليافَها في صِنَاعةِ الحِبَال.

﴿ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴾ الحديقةُ: هي البُسْتانُ المحوَّطُ عليه بِسُورٍ.

والحدائقُ الغُلْبُ: هي غَليظةُ الأشْجَارِ، أو طويلتُهُ.

﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ الفاكهةُ: الثِّمارُ التي تُؤكلُ للتفكُّه لا للاقْتياتِ، مثلُ الرُّطَبِ والعِنَبِ والرُّمَّانِ واللوزِ.

الأَبُّ: ما تأكلُهُ البَهَائمُ من العُشْبِ والنَّباتِ.

﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ أي: أنْبتنا هذه الأشياءَ التي يأكلها بنو آدمَ متاعًا لكم أيها الناسُ، تنتفعون بها وتتنعمون، وأنبتنا العُشْبَ والحَشَائشَ متاعًا لأنعامِكُم تأكلُ منها وتنتفعُ.

وسُمِّيَت لذائذُ الحياةِ الدُّنيا متاعًا؛ لأنها تفْنَى وتذهَبُ، بعكسِ لذائِذِ الجنَّةِ سُمِّيَت نعيمًا؛ لأنها لا تنقطعُ.

نشاط

1- اكتب ملخَّصًا تتحدَّثُ فيه عن طَرِيقةِ اكتمالِ الأطْعِمَةِ بحسبِ ما تحكيهِ هذِهِ الآياتُ.

2- صِل الذي في خانةِ (أ) بما يناسبُهُ في خانةِ (ب):

(أ) (ب)

القضْبُ البساتينُ المحُوطُ عليها بسورٍ

الحدائقُ البساتين غليظةُ الأشجارِ أو طويلتُهُ

الحدائقُ الغُلْبُ ما تأكله البهائمُ من العُشْبِ والنباتِ

الأبُّ عَلَفُ الدَّوابِ

قال تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) ﴾ (عبس: 33-42)

التفسير

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴾ وهي صَيْحةُ البعثِ يومَ القيامةِ، من قولهم: صاخَ فلانٌ لصوتِ فلان: إذا استمَعَ له.

وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّها تصخُّ الأسْماعَ، أي: تُبالِغُ في إسْمَاعِها حتى تكاد تصِمُّها.

وقيل: الصَّاخَّةُ اسْمٌ منْ أسْمَاءِ يوْمِ القِيَامةِ.

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ هذا وَصْفٌ ليوْمِ القِيَامَةِ؛ يفرُّ المرْءُ من أقارِبهِ.

﴿ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ الأمِّ والأَبِ المُباشران، والأجْدادِ والجدَّاتِ أيضًا.

والمقصودُ بالصَّاحِبةِ: الزَّوْجةُ.

وسببُ فرارِ المرْءِ من أقاربهِ أنه يخافُ أن يطالبُوه بما بينَهُ وبيْنَهُم من الحُقُوقِ والمظالمِ.

قال قتادةُ: «ليس شيءٌ أشدَّ على الإنسانِ يومَ القيامةِ مِن أن يَرَى مَن يَعْرِفُهُ؛ مَخَافَةَ أنْ يكونَ يطلبُهُ بمَظْلمةٍ».

﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ لكلِّ إنسانٍ يومَ القِيامَةِ أمرٌ يُشغِله، ويمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيْرهِ.

روى البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ! فَقَالَ: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاك».

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ أي: وجوهُ أهلِ النعيمِ في يوم القيامةِ مُشْرِقَةٌ مضيئةٌ.

يقال: أَسْفرَ وجهُ فلانٍ إذا حَسُنَ، وأسْفَرَ الصُّبْحُ: أَضَاءَ.

﴿ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ضَاحِكةٌ من السُّرورِ بما أَعْطَاها الله من النَّعِيمِ والكَرَامَةِ، مُسْتبشِرةٌ بزيَادَةِ هذا النَّعِيمِ.

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ أي: وُجُوهُ أَهْلِ الجَحِيمِ مُظلِمَةٌ مُسْودَّةٌ.

﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ أي: تغْشَى وُجُوهَهُم ذِلَّةٌ.

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾ أي: هؤلاءِ الموْصُوفُون بهذا هُم الذين كَفَرُوا بآياتِ الله سبحانه وتعالى، في الدُّنيا، وفَجَرُوا وطَغَوْا.

فوائد الآيات:

قد يقولُ قائلٌ: أليْسَ عبارةُ: (يومَ يفرُّ المرءُ من أقارِبهِ) أكثرَ اختصارًا من ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ فلماذا هذا الإطنابُ ؟

والجواب: أنَّ الإطنابَ في هذا المقامِ أكثرُ ترويعًا للقارِئ، وإحضارًا لصورةِ الهوْلِ في نفسِ السَّامِعِ.

لماذا سُمِّيَت الزوجةُ في هذا المقامِ بـ(الصَّاحِبةِ)؟

1- لأنه ليس كلُّ الزوجاتِ صواحبَ لأزواجِهِن، فالمرأةُ قد تعيشُ مع زوجِها كارهةً له، مبغضةً للحياة معه، فهي زوجةٌ لا صاحبة، فمثلُ هذه لا يستبعدُ فرارُ الزوجِ منها، أما الزوجةُ الصَّاحبةُ فهي التي تساعدُ زوجها في مصائبه، وتعيش معه مَصَاعِبَهُ، فمثل هذه يطمح الزوج منها أن تساعده في هذه الحال؛ فجاء القرآنُ لِيُبَيِّن أن هذه الزوجةَ سوف تفرُّ منك وتفرُّ منها في هذا الموقفِ العَصِيبِ، مع شدَّةِ المحبَّةِ والمودَّةِ في الدُّنيا، فكيف بغيرِها؟!

2- رَتَّبَ الله تعالى في قوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ أحْبَابَ الشخصِ على ترتيبهم في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ، فبَدَأ بالأقلِّ الذي هو الأخُ، وخَتَمَ بالأكثرِ الذي هو الابنُ؛ لأنَّ الإنسانَ أكثرُ ما تكونُ شفقتُهُ على أبنائهِ.

نشاط

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ في هذه الآياتِ ثلاثُ لطائفَ بلاغيةٍ، تحدَّث عنها باختصار.

2- في آخر سورة (النازعاتِ) قُدِّم الحديثُ عن أهلِ النارِ على أهلِ الجنةِ، وفي آخرِ سورةِ (عبس) قُدِّم الحديث عن أهل الجنةِ على أهلِ النارِ. تأمل السورتين واستخرجْ سَبَبَ تقديمِ أهلِ النارِ هناك وأهلِ الجنةِ هُنا.

4 سورة التكوير

الوحدة الرابعة: سورة التكوير

سورة التكوير مكية

قال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) ﴾ (التكوير: 1-14)

أخرج الترمذي وحسنه عَنْ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْىُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾وَ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾».

التفسير

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ لتكوير: جمعُ بعض الشيءِ إلى الشيءِ، كتكويرِ العِمامَةِ وهو لفُّها على الرَّأسِ، فتُجْمَعُ الشمسُ بعضُها على بعضٍ، وتُلَفُّ، فإذا لُفَّتْ ذَهَبَ ضوءُهَا.

والمقصودُ: أن الشَّمسَ يتغيَّرُ حالها ويذهَبُ ضوءُها ونورُهَا.

﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ تناثرت وتساقطت وتغيَّرت.

﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ أي: في ذلك اليوم يُسَيِّرُ الله الجبالَ عن وجهِ الأرضِ، فتصبحُ سرابًا وهباءً منبثًّا.

﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ العِشَار: هي النُّوقُ الحواملُ التي بلغت شهرَها العاشرَ في حملها.

والمرادُ بتعطيلها: تركُها وإهمالُها وعدمُ الالتفاتِ إليها.

وكانت العربُ أكثرُ مالِها وأنفسُه هو الإبلُ، وأنفسُ أموالهم التي يتنافسون عليها الناقةُ الحاملُ العُشَرَاء.

ففي ذلك اليومِ ُيهمِلُ النَّاسُ هذه الأمْوالَ النَّفِيسَةَ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ.

والغرضُ من هذا العَرْضِ القرآنيِّ العظيمِ: بيانُ أن الناسَ ينشغلون عن أموالهم بذلك اليومِ العظيمِ.

﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ أي: إذا جُمِعَت الحيَوَاناتُ الوحْشِيةُ؛ ليقْتَصَّ الله من بعضِها لبعضٍ.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدَّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الحلجاء من الشاة القرناء».

﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ أُوقِدَت، فصارت على عِظَمها نارًا تتوقَّدُ.

وقيل: معنى ﴿ سُجِّرَتْ ﴾ : ذَهَبَ مَاؤُها وَغَارَ وَيبِسَتْ، فلم يبْقَ فيها قَطْرةٌ واحِدةٌ.

﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ قُرِنَ كلُّ صَاحِبِ عَمَلٍ بنظِيرهِ، فقُرِن بين المتحابِّين في الله في الجنَّةِ، وقُرِنَ بين المتحابِّين في طاعَةِ الشَّيْطانِ في الجحيمِ، كما قال تعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ﴾ (الواقعة: 7). أي: أصْنافًا ثلاثةً.

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ الموءودةُ: هي الأنثى التي دُفِنَت حيَّةً، تُسْألُ في ذلك اليومِ عن سَبَبِ قتلها.

سُمِّيَتْ بذلك لما يطرَحُ عليها من التُّرابِ فيَؤُودُها، أي: يُثقِلُها حتى تمُوتَ.

﴿ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ ما هو الذَّنبُ الذي جَعَلَ الوائِدَ يقتلها لأجلهِ؟!

وتوجيهُ السُّؤالِ إلى الموْءُودةِ وليس إلى قاتلها: فيه إظهارٌ لكمَالِ الغَضَبِ على القاتلِ، حتى كأنَّه لا يستحِقُّ أن يُخاطَبَ ويُسْأَلَ عن ذلك.

﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ أي: إذا عُرِضَت الصُّحُفُ التي فيها أَعْمالُ العِبَادِ على العِبَادِ، بما فيها مِنْ حَسَناتٍ وَسَيِّئاتٍ.

﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴾ قُلِعَت وأُزيلتْ من مكانِها.

والكشْطُ: قَلعٌ عن شِدّةِ التِصَاقٍ، فالسَّماءُ تُكشَطُ كما يُكشَطُ الجِلدُ عن الكبْشِ.

﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ أي: نارُ جهنَّمَ أُوقِدَ عَليْها فأُحْمِيَتْ.

﴿ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ قُرِّبَتْ من أهلها المتَّقِين، كقوله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ (ق: 31).

﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ إذا حَصَلَ ما سَبَقَ ستعلمُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمَتْ من أعمالٍ في الدُّنيا، هل عمِلَت خيرًا يَقُودُها إلى الجنَّةِ، أم عمِلَت شرًّا يَقُودُها إلى النَّارِ؟.

فوائد الآيات:

1- أن الوحوشَ تحشر في مكانٍ واحدٍ، ويختلط بعضُها ببعضٍ، وذلك من شدَّةِ الرُّعبِ؛ فالوحوشُ التي من طبعِها نفرةُ بعضِها عن بعضٍ تتجمعُ في مكانٍ واحدٍ، لا يعدو بعضُها على بعضٍ من شدةِ الرُّعبِ، وتذهل عن طبعها الذي هو الاعتداءُ والافتراسُ؛ فإذا كان هذا حالَ الوحوشِ غيرِ العاقلةِ، فما حالُ الإنسانِ في ذلك اليومِ؟!

2- في يوم القيامة يُضَمُّ كلُّ شكلٍ من البشرِ إلى مثله، أهلُ الخير إلى أهلِ الخير، وأهلُ الشرِّ إلى أهلِ الشرِّ، وهذه الأمة يُضَم بعضُها إلى بعضٍ.

3- أن كل عمل تعمله أيها العبدُ من قولٍ أو فعلٍ يُكتب ويُسجَّل بصحائفَ على يَدَيْ أمناء، كرام كاتبين يعلمون ما تفعلون، فإذا كان يوم القيامة فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابهِ: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ يعني عمله في عنقه ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴾ مفتوحًا ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ (الإسراء: 13-14).

نشاط

1- في الجدول الآتي ضع أمامَ كلِّ آيةٍ مأخوذةٍ من المقطع السابق آيةً أخرى تشبهها من سورة أخرى:

الآية

﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾

﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾

﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾

﴿ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾

﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾

الآية المشابهة

2- صِلَ (أ) بما يناسبه من (ب):

(أ) (ب)

كُوِّرَت أُوقِدَتْ

انكدرت أهملت

عُطِّلَتْ لُفَّتْ

حُشِرَتْ تناثرت وتساقطت

سُجِّرَتْ جُمِعَتْ

قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) ﴾ (التكوير: 15-29)

التفسير

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾ (لا) زائدةٌ، ويرادُ بها التأكيدُ. أي: أُقسِمُ بالخُنَّسِ.

والخُنَّس: هي النُّجومُ المختفيةُ أنوارُها نهارًا.

﴿ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴾ الجَوارِ جمْعُ جَاريةٍ، وهي النجومُ، والكُنَّس: المسْتترة في أبراجِها.

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ أَقْسمَ الله تعالى بالليْلِ إذا أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وإذا ذهَبَ.

والعربُ تقولُ: عَسْعَسَ الليلُ، وَسَعْسَعَ الليلُ. إذا لم يبقَ منه إلا اليَسِيرُ.

﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ هذا قَسَمٌ بالصُّبحِ إذا ظهَرَ ضِياؤُهُ.

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ جواب القسم، والضَّميرُ يَعُودُ إلى القُرْآنِ.

والمقصودُ بالقولِ هنا: التَّبليغُ.

والرَّسولُ الكريمُ هنا هو: جبريلُ عليه السلام .

أي: إنَّ هذا القُرآنَ تبليغُ رَسُولٍ كرِيمٍ، وهو جِبْريلُ عليه السلام بلَّغَهُ من ربِّ العِزَّةِ إلى نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

﴿ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ صاحبِ قوةٍ في تنفيذِ ما يأمُرُهُ الله به، ومِنْ قُوَّتهِ أنه قلَبَ ديارَ قومِ لوطٍ فأهلكَهُم، وهو صَاحِبُ مكانةٍ رَفيعةٍ عند صَاحِبِ العرْشِ، الله ِ سبحانه وتعالى.

﴿ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ الإشارةُ بـ (ثَمَّ) إلى السَّماءِ.

أي: تُطِيعُهُ الملائكةُ هُناك في السَّماءِ، وهو أَمِينٌ على الوَحْيِ الذي يَنزِلُ بهِ.

﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ ليس محمدٌ صلى الله عليه وسلم برَجُلٍ مجْنونٍ، وهذا القرآنُ الذي جاءَكم به ليْسَ بهَذَيَانِ مَجْنونٍ.

﴿ وَلَقَدْ رَآهُ ﴾ رأى محمدٌ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام على صُورَتهِ الحقيقيَّةِ التي خَلقَهُ الله عليها، له ستُّمِائَةِ جَناحٍ، قدْ سَدَّ الأُفُقَ كلَّه، كما في الصحيحينِ وغيرهما.

﴿ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ أي: بمطلعِ الشَّمسِ من قِبَلِ المشْرِقِ؛ لأنَّ هذا الأُفُقَ إذا كان منه تطْلعُ الشَّمْسُ فهو مُبينٌ، فتُرَى الأَشْياءُ من جِهَتهِ.

وفي صحيحِ مسلمٍ أن عائشةَ رضي الله عنها قالت: أنا أوَّلُ هذه الأمةِ من سأَلَ عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم -تعني هذه الرؤية في هذه الآية- فقال: «إنما هو جبريلُ، لم أرَهُ على صورتهِ التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين، رأيته مُنهَبطًا من السَّماءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلقِهِ ما بين السَّماءِ والأرضِ».

﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ الضميرُ يعودُ إلى محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

والمرادُ بالغَيْبِ هُنا: الوَحْيُ والقُرآنُ.

والضَّنينُ: البخيلُ، من قولهم: ضَنَنتُ بالشَّيءِ أضنُّ ضنًّا، أي: بخلتُ به.

والمعنى: ليس محمدٌ صلى الله عليه وسلم بخيلًا في تبليغِ الوَحْيِ إلى النَّاسِ.

﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴾ الضَّمِيرُ يعودُ إلى القرآنِ.

والرَّجيمُ: الملعونُ المطرودُ من رحمةِ الله.

أي: وما القرآنُ بقولِ شيطانٍ من الشَّيَاطِينِ المُسْتَرِقةِ للسَّمْعِ المرجُومةِ بالشُّهُبِ، بل هو كلامُ ووَحْيُّ ربِّ العالمين.

﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ أي: أين تذهبون عن كتابِ الله تعالى وعن طَاعَتهِ، مع وُجُودِ الحُجَج القَاطِعةِ على صِحَّتهِ؟!

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ إِنْ نافيةٌ، بمعْنى مَا، والضمير (هو) يَعُودُ إلى القُرْآنِ.

أي: هذا القرآنُ ما هُوَ إلا مَوْعِظةٌ من الله ِ سبحانه وتعالى لجَمِيعِ النَّاسِ، الذين بُعِثَ إليهم محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.

﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ أي: على الحَقِّ.

فبعْدَ أن بَيَّن الله سبحانه وتعالى، في الآيةِ السَّابقةِ أنَّ هذا القرآنَ عِظَةٌ وتذكرةٌ لجميعِ العالمين، بَيَّن في هذه الآيةِ أنَّ الذِّكْرَ والتَّنزيلَ لا يتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بهِ في الحقيقةِ إلا منْ شَاءَ أن يستقيمَ على طَرِيقِ الحَقِّ، وأمَّا المعْرِضُ فليس هذا القُرآنُ نافِعًا له ما دَامَ على إِعْراضهِ.

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: لا تقدِرُون أن تستقِيموا على الحقِّ، إلا بعدَ مشيئةِ الله سبحانه وتعالى ذلك لكم.

فوائد الآيات:

1- عَدَلَ الله تعالى عن اسمِ الجلالةِ إلى ذي العرشِ بالنِّسْبَةِ إلى جبريلَ؛ لتمثيل حالِ جبريلَ ومكانتهِ عندَ الله بحالةِ الأمِيرِ الماضِي في تنفيذِ أمْرِ الملِكِ، وهو بمحَلِّ الكرامةِ لديه.

وُصِفَ الرَّسُولُ الملكِيُّ الذي نَزَلَ بالقُرْآنِ من عنْدِ الله سبحانه وتعالى بأجْمَلِ الصِّفاتِ، ووُصِفَ الرسولُ البشريُّ الذي نَزَلَ عليه القُرْآنُ بأفْضَلِ الصِّفاتِ؛ وهذا يدُلُّ على شَرَفِ الرِّسَالةِ التي هي القرآنُ؛ فإنه من عَادةِ الملوكِ أنها إذا أَرسَلَتْ بالرَّسائلِ المهمَّةِ لم ترسلْها إلا مَعَ أشْرَفِ رُسُلِها.

2- عُبِّرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بـ ﴿ صَاحِبُكُمْ ﴾ توبيخًا لمشركي قريش الذين اتَّهَموه بالجُنونِ والسِّحْرِ ونحو ذلك؛ لأنهم قد صاحَبُوه فَترةً طويلةً من عُمُرِهِ بلغَتْ أكثَرَ من أربعين سَنَةً؛ لم يلمسُوا منه جُنونًا أو سِحْرًا، فما بالُكم اليومَ تتهمونه بهذِهِ الاتهاماتِ؟!

نشاط

1- اذكر صفات جبريلَ عليه السلام التي دلَّت عليها الآياتُ.

2- (حاملُ القرآنِ عليه أن يكونَ كريمَ الأخلاقِ، أمينًا، بعيدًا عن الطَّيْشِ والأفعالِ الجُنُونيةِ، قويًّا في التمسُّكِ بكتابِ الله وسنةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم) مِن أين تأخذُ هذا المعنى من الآياتِ؟

5 سورة الانفطار

الوحدة الخامسة: سورة الانفطار

سندرس في هذه الوحدة

سورة الانفطار مكية

قال تعالى: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) ﴾ (الانفطار: 1-8)

عَنْ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْىُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾». أخرجه الترمذي وصححه الألباني.

التفسير

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انفطارُها هو انشقاقُها، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴾ (الفرقان: 25).

﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ تَسَاقَطَت مُتَفَرِّقةً مَنْثُورةً.

﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ فجَّر الله بعْضَها على بَعْضٍ، فاخْتَلطَ الماءُ العَذْبُ بالمالحِ.

﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ قُلِبَت، يُقالُ: بَعْثَرَ فُلَانٌ المتاعَ: إذا جَعَلَ أسفلَه أعْلاه.

﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ أي: في ذلك الوَقْتِ الذي تحصُلُ فيه هذه الأشْيَاءُ العَظِيمةُ، تُعرَضُ الأعمالُ، فتعْلمُ كلُّ نفْسٍ ما قدَّمتْ وأخَّرتْ، بينما هو في الدُّنيا قد نَسِي.

فيوقفُ العبدُ على جميعِ ما عَمِلَ، كقوله تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (القيامة: 13).

﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ خِطابٌ للإنسانِ العاصِي: ما الذي جَعَلكَ تغترُّ بربِّك فتعملُ المعاصِيَ؟!

ووصف الله نفسَه بالكَرَمِ في هذا المقامِ؛ لينبِّهَ على أنه لا ينْبغِي أن يُقابلَ الكريمُ بالأعْمَالِ القَبِيحَةِ والفُجُورِ.

عن عُمَرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه أنه قَرَأَ هذه الآيةَ: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال: غرَّهُ والله جهلُهُ.

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ أي: جَعَلك سَوِيًّا، مُعْتدِلَ القامَةِ مُنْتَصِبَها، في أحْسَنِ الهيْئَاتِ والأَشْكالِ.

﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ أي: جعلك على الصُّورةِ التي شاءَها سبحانه، فمن النَّاسِ من هو مُشبِهٌ لأبيه، أو لأمِّه، أو لخالهِ، أو لعمِّه ونحو ذلك، ومن النَّاسِ من هو جَمِيلٌ، ومن هو قَبِيحٌ، ومن هو أبيضُ، ومن هو أسودُ.

فوائد الآيات:

1- في هذه الآيات بيانُ دمارِ العالَمِ وفناءِ الدُّنيا، فبدأ بذكرِ دمارِ السَّقْفِ وهو السَّمَاءُ بما فيه من الكواكبِ، ثم دمارِ ما على وجْهِ الأرضِ وتفجيرِ البحارِ، ثم دمارِ بناءِ الأرضِ ببعْثَرةِ القُبُورِ وقَلْبِها.

2- بعثرةُ القبورِ حَالةٌ من حَالاتِ الانقِلابِ الأَرْضيِّ والخَسْفِ، خُصَّتْ بالذِّكر من بينِ حالاتِ الأرْضِ لما فيها من الهَوْلِ باستحضارِ حالةِ الأرضِ، وقد ألقتْ على ظاهِرِها ما كان في باطِنِ المقابِرِ من جُثَثٍ وَرُفاتٍ.

نشاط

1- اشرح مشاهدَ القيامةِ على ضَوْءِ ما مرَّ عليك في تلك الآياتِ.

2- ما وجهُ وصفِ الله تعالى بالكرمِ في سِياقِ الآياتِ السَّابقةِ؟

3- اذكر لكلِّ آيةٍ من المقْطَعِ السَّابقِ آيةً مشابِهةً لها في القرآنِ.

قال تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) ﴾ (الانفطار: 9-19)

التفسير

﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ كلَّا، ليس الأمْرُ كما تقولون أيها الكافرون من أنكم على الحقِّ في عبادتكم غيرَ الله، بل الأمرُ أنكم تكذِّبون بيومِ الحسابِ والجزاءِ.

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ وهم الملائكةُ الذين يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم.

﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ هؤلاء الملائكة كرامٌ على الله تعالى، يكتبون ما تعملون من أعمالٍ، يدوِّنونها ويحصونها عليكم.

﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ فلا يخفى عليهم شيءٌ من أعمالكم.

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ هؤلاء الذين بَرُّوا بأداء فرائضِ الله واجتنابِ معاصيه لفي نعيمٍ في الدُّنيا، حيث يتنعم قلبُهُم بذكرِ الله، وينعمُون في البرزخِ، وينعمُون في الآخرةِ في الجنَّةِ.

﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ أي: هؤلاء الذين فَجَرُوا يعِيشُون في جَحِيمٍ في الدُّنيا، حيث تتعذَّبُ قلوبُهُم وتنقبِضُ صُدُورُهم لبُعْدِها عن الله تعالى، وهم في جَحِيمٍ في البرْزَخِ، وفي جَحِيمٍ في الآخِرَةِ.

﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾ هؤلاءِ الفُجَّارُ يدخلون الجَحِيمَ يومَ الجزاءِ، يومَ القيامةِ، ويحترِقُون بها.

﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ ليس هؤلاء الفُجَّارُ عن عذابِ جهنمَ بغائبين إذا دخلوها، فلا يغيبون عن النَّارِ بأي طريقةٍ من طُرُق الغيابِ؛ فلا يموتون فيتخلَّصُون من العَذَابِ، ولا يخرُجُون منها، ولا يُعطَون راحةً منها.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ما أدْراكَ ما عَظَمَةُ يومِ الحِسَابِ!

﴿ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ثم ما أدْراك ما عظمةُ يومِ الحسابِ!

وكرَّرَه تعظيمًا لقَدْرِ يومِ الدِّين، وتفخيمًا لشأنه، وتهويلًا لأمره.

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ففي يومِ الحسَابِ لا يقدر أحدٌ على نفعِ أَحَدٍ، بل الأمرُ كلُّه ﷲِ وحدَه.

فوائد الآيات:

1- أنَّ كلَّ إنسانٍ عليه حَفَظَةٌ يكتُبون كلَّ ما قَالَ وكلَّ ما فَعَل، وهؤلاءِ الحَفَظةُ كرامٌ ليسُوا لِئامًا، بل عِندَهم من الكَرَم ما ينافي أن يظلموا أحدًا، فيكتبوا عليه ما لم يعملْ، أو يُهْدِرُوا ما عَمِل؛ لأنهم مَوْصُوفون بالكَرَمِ.

2- أن من يقوم بأعمال متعلقةٍ بالأمَّةِ من الولاةِ وغيرهم يجبُ أنْ تتوفرَ فيهم هذِهِ الصِّفاتُ؛ من الحفظِ، وَكَرَمِ الأخلاقِ، والكِتابةِ، والعِلْمِ بما هُوَ مُوكَّلٌ به.

3- أن الأمْرَ ﷲِ يومَ القيامةِ وفي غيرِهِ من الأيامِ؛ وإنما خُصَّ يومُ القِيامةِ في الآياتِ لظُهُورِ أمرِهِ في ذلك اليومِ أكثرَ من ظهورِ أمرِه في الدُّنيا؛ ففي الدُّنيا يخالفُ الإنسانُ أوامرَ الله ِعزوجل، وينازعُهُ الأمْرَ بعضُ الطُّغاةِ والمتجبِّرين، بخلافِ يومِ القيامةِ، فالأمرُ فيه ﷲِ وحده.

نشاط

1- عَدِّدْ مَشَاهدَ وأهوالَ يومِ القيامةِ من خلالِ ما مَرَّ عليك في السُّورِ الأربعةِ السَّابقةِ (النازعات - عبس - التكوير - الانفطار) محاولًا ترتيبَها قدرَ الإمكانِ.

2-﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ اكتبْ كلمةً تعِظُ فيها جملةً من النَّاسِ، شارحًا فيها هذه الآيةَ.

3-﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ ما الذي تستنتجه من هاتين الآيتين؟

6 سورة المطفِّفين

الوحدة السادسة: سورة المطفِّفين

سندرس في هذه الوحدة

سورة المطفِّفين

قال ابنُ عباس رضي الله عنهما:سورة المطففين مدنيةٌ، إلا ثمانِ آياتٍ، من قوله: ﴿ يوم يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ ﴾ إلى آخرِها، فهو مِكيٌّ.

قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) ﴾ (المطففين: 1-6)

سبب النزول

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدِمَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ كانوا من أخبثِ النَّاسِ كيلا، فأنزل الله: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ فحسَّنوا الكَيْلَ بعد ذلك. أخرجه ابن ماجه، وحسنه الألباني.

التفسير

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ التَّطْفِيفُ هو البَخْسُ في المِكيَالِ والمِيزَانِ، إمَّا بالازْدِيادِ إنْ أَخَذَ من النَّاسِ، وإما بالنُّقْصانِ إنْ أَعْطَاهُم، ويُطلق التَّطْفيفُ على النَّقْصِ والقِلَّةِ، يقال: هذا شَيْءٌ طَفِيفٌ، أي: قليلٌ.

قال أهلُ اللغةِ: «إنما قيل للذي يَنْقُصُ المِكيالَ والمِيزَانَ: مطفِّفٌ؛ لأنه لا يكادُ يَسْرِقُ في المكيالِ والميزانِ إلا الشَّيْءَ اليَسِيرَ الطَّفيفَ».

فويلٌ لهم، وويلٌ: كلِمةُ وَعِيدٍ، يُرادُ بها الدُّعاءُ عليهم بالخَسَارِ والهَلاكِ وشِدَّةِ العَذَابِ في الآخِرَةِ.

وقيل: إنه وادٍ في جَهَنَّمَ، يسِيلُ فيه صَديدُ أَهْلِ النَّارِ.

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ هذا تفسيرٌ للمُطَفِّفين، فإذا أَخَذُوا من النَّاسِ يَسْتوْفُون حقَّهُم في الكيْلِ والميزانِ.

﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ أي: كالوا لهم أوْ وَزَنُوا لهم ينقُصُون.

﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾ ألا يُوقنُ أولئك أنَّهُم مبْعُوثُون مَوْقُوفون بين يَدَيِ الله يومَ القِيَامَةِ؟!

فهذا هو الذي جرَّأهم على التطفيفِ، وإلا فلو آمنوا وعرفوا أنهم يقومون بين يدي الله تعالى، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه.

﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ أي: يومِ القيامةِ، وهُو على الكافرين عسيرٌ، قال تعالى: ﴿ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ (المدثر: 10) وقال تعالى: ﴿ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ (القمر: 8).

وعلى المؤمنين بفضل الله تعالى يسيرٌ، كأنما يؤدي العبْدُ صلاةَ فريضةٍ من سُهُولتهِ عليه ويُسْرِهِ عليه.

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: يقُومُون من قُبُورِهِم لأمْرِ الله ولجَزائهِ ولحِسَابهِ، ففي هذا اليومِ تتلاشى جميعُ الأملاكِ، إلا مُلكَ ربِّ العالمين جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ (غافر: 16).

قال نافع: كان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يمرُّ بالبائعِ فيقولُ: اتقِ الله وأوفِ الكيْلَ والوزنَ؛ فإن المطفِّفِين يوقَفُون يومَ القيَامةِ؛ حتى إنَّ العَرَقَ ليلجِمَهُم إلى أنْصَافِ آذانِهِم.

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : «﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾حتى يَغِيبَ أَحَدُهُم في رشْحِهِ إلى أنصَافِ أُذُنيهِ».

فوائد الآيات:

1- أنه إذا كان الوعيدُ على الذين يبخسون الناسَ بالمكيالِ والميزانِ، فالذي يأخذُ أموالهم قهْرًا أو سَرِقَةً، أولى بهذا الوعيدِ من المطفِّفين.

2- أن الإنسانَ كما يأخُذُ من النَّاسِ الذي له، يجبُ عليه أن يعْطِيَهُم كلَّ ما لهم، من الأمْوالِ والحُقُوقِ وغيرها.

أن المطففين جمَعُوا بين أمرين: الشُّحِّ والبُخلِ.

الشُّحُّ: في طلبِ حقِّهم كاملًا بدونِ مراعاةٍ أو مسامحةٍ.

والبُخْلُ: في منعِ ما يجبُ عليهم من إتمامِ الكيْلِ والوزْنِ.

وهذا المثالُ الذي ذكره الله عزوجل في الكيْلِ والوزْنِ يقاسُ عليه كلُّ من طَلَبَ حقَّه كاملًا ممن هو عليه، ومَنَعَ الحقَّ الذي عليه.

3- الأصلُ في الظنِّ عدمُ التيقُّنِ من الشيءِ، ولكنه يأتي بمعنى اليقين في لغةِ العربِ، وهو كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ (البقرة: 46) أي: يوقنون، وقال تعالى: ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ أي: أيقنت. (الحاقة: 20)

4- قال في الكشافِ: «وهذا الإِنكارُ، والتعجيبُ، وكلمةُ الظَّنِّ، ووصفُ اليومِ بالعظيمِ، وقيامُ الناسِ فيه ﷲِ خاضِعِين، ووَصْفُ ذاتهِ بـ ﴿ ربِّ العالمين﴾ بيانٌ بليغٌ لعَظِيمِ الذَّنبِ وَتَفَاقُمِ الإِثمِ في التَّطْفيفِ، وفيما كان مثلَ حالهِ من الحيْفِ وتركِ القيامِ بالقسْطِ». اهـ.

نشاط

1-﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) أوَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) ﴾ تحدث عن صورةٍ من صُوَرِ المعامَلاتِ التجاريةِ المماثلةِ للتطفيفِ في زماننا هذا.

2- «الذُّنوبُ مهما صَغُرَت فهي عظيمةٌ عنْدَ الله» كيف تستفيدُ هذا المعنى من هذه الآياتِ؟

قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) ﴾ (المطففين: 7-17)

التفسير

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ كلا: ردعٌ وزجرٌ، أي: ليس الأمرُ كما يظنُّ هؤلاءِ الكفارُ، أنهم غيرُ مبعُوثين ولا معذَّبين، بل إنَّ كتابَهم الذي كُتِبَ فيه أعمالُهم التي كانوا يعملونها لَفِي سِجِّينٍ، وهي الأرضُ السَّابعةُ السُّفلى، مأوى الفُجَّارِ ومستقرُّهُم في مَعَادِهِم.و

﴿ سِجِّينٍ ﴾ فِعِّيل من السَّجْنِ، كما يقال: سِكِّير من السُّكْرِ، وفِسِّيق من الفِسْق.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴾ أي: وما أعْلَمَك به؟ استفهامُ تفخيمٍ لشأنهِ، فليس ذلك الأمرُ مما كنتَ تعلمُه أنت ولا قَوْمُك، بل هو أمْرٌ عظِيمٌ، وسِجْنٌ مُقِيمٌ، وعذابٌ أليمٌ.

﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾ ليس هذا تَفْسيرًا لـ ﴿ سِجِّينٍ ﴾ .

بل هو بيانٌ للكتابِ المذْكورِ، أي: إن ما كُتب لهم من المصيرِ إلى سجِّينٍ مَكتُوبٌ مَفْرُوغٌ منه، لا يُزادُ فيه، ولا يُنقصُ منه.

وأصلُ الرَّقْمِ: الكِتابةُ.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي: هَلاكٌ وخَسَارٌ لهم، وهذا إذا صَارُوا يومَ القيامةِ إلى ما توعَّدَهم الله به من السَّجْنِ والعَذَابِ المهينِ.

﴿ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ هذا تَفْسيرٌ للمُكذِّبين، فهم الذين لا يُصَدِّقون بوُقُوعِ يَوْمِ الدِّينِ، ويستبعدون أمْرَه.

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ أي: كُلُّ فَاجِرٍ جَائِرٍ، مُنغَمِسٍ في الآثامِ، مكثِرٍ منها.

فهو معتدٍ في أفعاله من تعاطي الحرامِ.

وأثيمٌ في أقواله، فإن حدَّث كَذَبَ، وَإِنْ وَعَدَ أَخْلَفَ، وإِنْ خَاصَمَ فَجَرَ.

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: وإذا تُقرأُ عليه آياتُ كتابِنا، قال: هذا مما كتبَهُ الأوّلون؛ استهزاءً به وإنكارًا له.

وأساطيرُ الأولين: أحاديثُهُم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرَفُوها، ومُفرَدُها أُسْطُورةٌ.

﴿ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ كلا: ردعٌ وزجرٌ، أي: ليس هو أساطيرَ الأولين.

ولكن غلبَ على قلوبهِم المعاصي والذنوبُ التي كانوا يكسبونها فغطتها، حتى حُجبت عن الحقِّ.

وأصلُ (الرَّينِ) الغلبةُ. يقال: رانت الخمْرُ على عَقْلهِ، إذا غلبت عليه فَسَكَرَ.

أخرج الترمذيُّ وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ العبْدَ إذا أخْطأَ خطيئةً نُكِتَتْ في قلبهِ نكتةٌ سوداءُ، فإذا هو نَزَعَ واسْتَغَفرَ الله وتابَ، صُقِلَ قلبُهُ، فإن عادَ زِيدَ فيها، حتى تعْلوَ على قلبِهِ» ، وهو الرَّانُ الذي ذكرَ الله في كتابه: ﴿ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ كلا: ردعٌ وزجرٌ آخرُ لتكذيبِهِم بيَوْمِ الدِّينِ، ثم استأنفَ، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ وذلك يومَ القيامةِ، فإنهم يُحجَبون عن رُؤْيةِ الله عزوجل كما حُجِبُوا عن رؤيةِ شريعتهِ وآياتهِ، فرأوا أنها أساطيرُ الأولين.

﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴾ ﴿ لَصَالُو ﴾ جمعُ صالٍ، وهو الذي مسَّهُ حَرُّ النَّارِ فانشوى بها، أي: ثم إنهم لداخلوها ومشويُّون بحرِّها، ومعذَّبون بأنواعِ العذابِ فيها.

﴿ ثُمَّ يُقَالُ ﴾ أي: ثم يقالُ لهم تقْريعًا وتوبيخًا:

﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ فيجتمعُ عليهم العَذَابُ والألمُ البَدَنيُّ، والعَذَابُ والألمُ القلبيُّ بالتوبيخِ والتنديمِ.

فوائد الآيات:

1- التحذيرُ من الذُّنوبِ، فإنها ترينُ على القَلبِ وتغطِّيه شيئًا فشيئًا، حتى ينطَمِسَ نورُهُ، وتموتَ بصيرتُهُ، فتنقلبَ عليه الحقائقُ، فيرى الباطلَ حقًّا، والحقَّ باطلًا، وهذا بعضٌ من عُقُوباتِ الذُّنوبِ.

2- استدلَ أهلُ السُّنةِ والجَمَاعَةِ على ثبوتِ رؤيةِ الله عزوجل بقوله: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ ووجهُ الدِّلالةِ ظاهرٌ، فإنه ما حُجِبَ هؤلاءِ في حَالِ السَّخَطِ، إلا وَقَدْ مُكِّن الأبرارُ من رؤيتهِ تعالى في حالِ الرِّضا، ولو كان الحجْبُ لكلٍّ منهم لم يكنْ لتخصِيصهِ بالفجَّارِ فائدةٌ.

نشاط

1- بيِّن معاني الكلمات الآتية:

أ. سجِّين: ...................................

ب. مرْقوم: .................................

ج. أساطيرُ الأولين: .........................

د. ران: .....................................

ﻫ . صالو الجحيم: ..............................

2- كيف يدل قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ على أن أهل الجنة يرون الله سبحانه وتعالى؟

3- (الحجابُ) هو سرُّ العلاقةِ بين هاتين الآيتين: ﴿ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ . حاول أن تستنتجَ هذه العلاقةَ.

قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) ﴾ (المطففين: 18-28)

التفسير

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ ثم لما ذكَرَ الله تعالى كتابَ الفُجَّارِ في أسْفلِ الأمْكِنَةِ وأضْيَقِهَا، ذكرَ كتابَ الأبرارِ، وأنه في أعْلى الجنَّةِ وأوْسَعِها وأفْسَحِها.

والأبرارُ: جمع بـَـرٍّ، وهم الذين برّوا الله بأداءِ فرائضِهِ، واجتنابِ محارِمِهِ، فَمَصيرُهُم الجنَّةُ، في السَّماءِ السَّابعةِ، وفيها أرواحُ المؤمنين.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾ هذا استفهامُ تفخيمٍ وتعظيمٍ، أي: أيُّ شيءٍ أدراك به؟! فإنه عظيمٌ، فهو ارتفاعٌ بعد ارتفاعٍ، وعلوٌّ بعد علوٍّ.

﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾ تفسيرٌ لكتابِ الأبرارِ، كما تقدَّم في كتابِ الفجَّار.

﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ وهم الملائكةُ، وقيل: يَشْهدُه مِن كلِّ سماء مقرَّبوها، فيحضرون ذلك المكتوبَ إذا صُعِدَ به إلى علِّيين.

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ أي: يومَ القيامةِ هم في نعيمٍ مقيمٍ، وجناتٍ فيها فضْلٌ عَميمٌ، وهو يشملُ نعيمَ البَدَنِ ونعيمَ القلبِ.

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ أي: ينظرون ما أنعمَ الله به عليهم من النَّعيمِ الذي لا تدركه الأنفُسُ في الدُّنيا ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ (السجدة: 17).

وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ هذا النَّظرَ يشملُ حتى النَّظرَ إلى وجهِ الله تعالى، وجعلوا هذه الآيةَ من الأدِلةِ على ثبوتِ رؤيةِ الله عزوجل في الجنَّةِ.

والأرائك: جمعُ أريكةٍ، وهي السَّريرُ المزخْرَفُ المزَيَّنُ الذي وُضِعَ عليه مثل السُّتور، وهو من أفخرِ أنواعِ الأَسِرَّةِ.

﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ أي: إذا نظرتَ في وجوهِهِم تعرِفُ البَهَاءَ والنِّعْمَةَ والنُّورَ والسُّرورَ؛ مما هم فيه من النَّعيمِ العَظيمِ.

﴿ يُسْقَوْنَ ﴾ أي: يُسقِيهم الله عزوجل بأيدي الخَدَمِ الذين وَصَفهُم الله بقوله: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴾ (الواقعة: 17-١٨).

﴿ مِنْ رَحِيقٍ ﴾ من شرابٍ خالصٍ، لا شَوْبَ فيه ولا ضَرَرَ على العَقْلِ، ولا ألمَ فيه في الرَّأسِ.

والرَّحيقُ: من أسْماءِ الخمْرِ، وهو الخمْرُ الصَّافية، أجْوَدُها، وأعْتقُها.

﴿ مَخْتُومٍ ﴾ أي: خُتمت ومُنعت عن أن يمسَّها أحدٌ إلى أن يَفُكَّ خِتامَها الأبرارُ.

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾ أي: بقيَّتُهُ وآخرُهُ مِسْكٌ طيِّبُ الرَّائحةِ، بخلافِ خمرِ الدُّنيا فإنَّ ختامَها خبيثُ الرائحةِ.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ أي: وفي هذا الثَّوابِ والجَزَاءِ فليتسابق المتسابقون سِباقًا يصلُ بهم إلى حدِّ شدةِ النَّفَسِ، وهو كنايةٌ عن السُّرعةِ في المسابقةِ.

والمنافسةُ في الخيرِ هي المسابقةُ إلى طاعَةِ الله عزوجل، وإلى ما يرضِي الله سبحانه وتعالى، والبعْدُ عما يُسخطُ الله تعالى.

﴿ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ﴾ أي: يمزجُ ويخلطُ هذا الرَّحيقُ الموصُوفُ من شَرَابٍ يقال له: تسْنيمٌ، وهو أشْرفُ شرابِ أهلِ الجنةِ وأعلاه.

﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ أي: عينًا يشربُ منها المقرَّبون صِرفًا خالصةً.

فوائد الآيات:

1- أن الذين يتنافسون على شيءٍ من أمْرِ الدُّنيا مهما كبُرَ وجلَّ وارْتفعَ وعظُمَ، إنما يتنافسُون في حقيرٍ قليلٍ فانٍ قريبٍ.

2- أن التنافسَ في أمرِ الآخرةِ يرتفعُ بأرواحِ المتنافسين جميعًا، بينما التنافسُ في أمرِ الدُّنيا ينحطُّ بها جميعًا.

3- أن التنافسَ في نعيمِ الآخرةِ لا يدعُ الأرضَ خرابًا بلقعًا كما قد يتصوَّرُ البعضُ، إنما يجعلُ الإسلامُ الدنيا مزرعةَ الآخرةِ، ويجعلُ القيامَ بخِلافةِ الأرضِ بالعَمَارِ مع الصَّلاحِ والتقوى وظيفةَ المؤمنِ الحقِّ.

نشاط

1- في قوله: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ من الذي يسْقيهم؟ وما الدليلُ على ما تقول؟

2- وضِّح وجهَ المقابلةِ بين نعيمِ الأبرارِ وجحيمِ الفُجَّارِ من خلالِ آياتِ السُّورةِ.

3- صل بين كلماتِ المجموعة (أ) وما يناسبها من المجموعة (ب):

(أ) (ب)

الأرائك أعلى الجنة وأوسعها

عليُّون الخمر

الرحيق أفخر أنواع الأسِرَّة

قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) (المطففين: 29-36)

التفسير

﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ إن الذين اكتسبوا المآثِمَ، فكفروا بالله في الدُّنيا، كانوا يضحكون من الذين أقرُّوا بوحْدَانيةِ الله تعالى، وصدَّقوا به؛ استهزاءً بهم.

﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ الغَمْزُ: الإشارةُ بالجفْنِ والحاجِبِ، أي: يشيرون إليهم بالأعْيُنِ استهزاءً، وعيْبًا عليهم.

وأصلُ الغَمْزِ: العَيْبُ، يقال: غَمَزَهُ، أي: عابَهُ.

﴿ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ أي: وكان هؤلاء المجرِمُون إذا انصرفوا إلى أهلِهِم من مجالسِهِم انصرفوا معجَبين، يتفكَّهون بذكرِ المؤمنين، والطَّعْنِ فيهم، والاستهزاءِ بهم.

﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴾ وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاءِ لضالُّون عن الصَّوابِ والحقِّ.

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾ وما بُعِث ولا أُرسِلَ هؤلاء الكفارُ حافظين رقباءَ على المؤمنين أعمالَهم، إنما كُلِّفوا الإيمانَ بالله، والعَمَلَ بطاعتهِ.

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ أي: يومَ القيامة، فإن المؤمنين في ذلك اليومِ يضحكُون من الكفَّارِ حين يرونهم أذلاءَ مغلوبين، قد نزل بهم ما نزلَ من العَذابِ، كما ضَحِك الكفارُ منهم في الدُّنيا.

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ أي: على أرائكَ من الدُّرِّ والياقوتِ ﴿ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الكفَّارِ وهم يُعذَّبون في النَّارِ، مقابلَ ضحِكِهِم عليهم في الدُّنيا.

﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ هذا استفهامٌ للتَّقْريرِ، أي: هل جُوزِيَ الكفارُ على ما كانوا يقابِلُون به المؤمنين من الاستهزاءِ والتنقُّصِ أم لا؟

والجوابُ: نعم، قد جُوزوا أوفرَ الجزاءِ وأتمَّه وأكملَه؛ عدْلا من الله وحِكمةً.و

﴿ ثُوِّبَ ﴾ مِنْ ثابَ يثُوبُ أي: رَجَعَ، فالثَّوابُ ما يرجِعَ على العبْدِ مقابلَ عملهِ، ويُسْتعملُ في الخيرِ والشرِّ.

فوائد الآيات:

1- لقد كان لهؤلاء الذين يستهزئون من المؤمنين خَلَفٌ في زماننا اليَوْمَ، فمِنِ النَّاسِ من يقولُ عن أهلِ الخيرِ: إنهم رجعيُّون، متخلِّفون، والمسْتقيمُ متشدِّدٌ متزمِّتٌ.

أن ورثة الرُّسُلِ من أهلِ العِلْمِ والدِّينِ سينالهم من أعْداءِ الرُّسُلِ ما نالَ الرُّسُلَ من ألقابِ السُّوءِ والسُّخْريةِ، ومن هذا قولُ أهلِ البِدَعِ على السَّلفِ بأنهم مجسِّمةٌ ومشبِّهةٌ وما أشْبَهَ ذلك.

2- أن حكمَ الله تعالى دائرٌ بين العَدْلِ والفَضْلِ، فبِالنِّسْبةِ للذين آمنوا حُكْمُهُ وجَزَاؤُه فضْلٌ، وبالنسبةِ للكافِرين حكمُهُ وجزاؤُهُ عدْلٌ.

نشاط

1- في هذه الآياتِ دليلٌ على أن (الجزاءَ من جنسِ العملِ) هاتِ الآياتِ التي تدلُّ على هذا.

2- الذين يستهزِئون بالمؤمنين وصفهم الله بقوله: 3-﴿ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ﴾ ، هل تكرَّرَ وقوعُ هذا الصِّنْفِ من المستهزئين في زمانِنا هذا؟ اذكرْ ثلاثَ صورٍ من ذلك.

﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ؟ أَجِبْ عن هذا السُّؤالِ.

والله ولي التوفيق

المصادر

جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.

الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح القرطبي.

تفسير القرآن العظيم، لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير.

الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين بن أبي بكر بن محمد السيوطي.

تفسير معالم التنزيل، للحسين بن مسعود بن محمد البغوي المعروف بالفراء.

تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبدالحق بن عطية الأندلسي.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني.

التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور.

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي.

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي.

تفسير الشيخ العثيمين، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين.

تفسير الزهراوين، الشيخ محمد صالح المنجد.

التفسير الميسر لعدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي.

فهرس المحاضرات

رقم المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

سورة النبأ

الأسبوع الأول

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾

الأسبوع الأول

قوله تعالى: ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴾

الأسبوع الثاني

ثم قال تعالى مخبراً عن يوم الفصل

الأسبوع الثاني

فوائد الآيات

الأسبوع الثالث

قوله تعالى: ﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾

الأسبوع الثالث

سورة النازعات

الأسبوع الرابع

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾

الأسبوع الرابع

قوله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾

الأسبوع الخامس

فوائد الآيات

ذكر الله قصة فرعون

الأسبوع الخامس

قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴾

الأسبوع السادس

قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾

الأسبوع السادس

فهرس المحاضرات

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

رقم المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

فوائد الآيات:

لما كانت المصلحة

في إخفاء يوم القيامة

الأسبوع السابع

ثم بعد أن تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم

الأسبوع السابع

الأسبوع الثامن

قوله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

الأسبوع الثامن

قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴾

الأسبوع التاسع

سورة التكوير

الأسبوع التاسع

قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾

الأسبوع العاشر

سورة الانفطار

قوله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾

الأسبوع الحادي عشر

فوائد الآيات:

أنه إذا كان الوعيد على الذين...

الأسبوع الحادي عشر

قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

الأسبوع الثاني عشر

قوله تعالى: ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾

فهرس المحتويات

سُورَةُ النَّبَأ

سَبَبُ ابْتِدَاءِ أَدلَّةِ الْبَعْثِ بذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ

اسْتِعْمَالُ الْفِعْلُ(نُخْرِجُ) دُونَ (نُنْبِتُ)

تَقْدِيمُ ذِكْرِ الحَبِّ فِي (لنُخْرِجَ به حَبًّا وَنَباتًا)

النَّارُ مَخْلُوقَةٌ الآنَ

الْكُفْرُ بِالبَعْثِ أصْلُ الْكُفْرِ والإِجْرامِ

خُلُوُّ المَجالِسِ مِنَ اللَّغْوِ والْكَذِبِ

دُخُولُ الجَنَّةِ يَكُونُ بِمُتابَعَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

مَقامُ الشَّفاعَةِ مَقامُ رَحْمَةٍ

وَصْفُ الْقِيامَةِ بالْيَوْمِ الْحَقِّ

سُورَةُ النَّازِعاتِ

سَبَبُ الشِّدَّةِ فِي نَزْعِ أرْواحِ الْكُفَّارِ، والسُّهُولَة فِي قبْضِ أَرْواحِ المُؤْمِنِينَ

تَسْمِيةُ مَلَكِ الْمَوْتِ عِزْرَائِيلَ

تَسْمِيَةُ أَرْضِ الْمَحْشَرِ بالسَّاهِرَةِ

الْفَرْقُ بيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ

الْفَائِدَةُ مِنْ ذِكْرِ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ بعْدَ ذِكْرِ إِنْكارِ المُشْرِكِينَ لِلْبَعْثِ

الدَّعْوَةُ لا بُدَّ فِيها مِنَ الرِّفْقِ

خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ

بُرُوزُ الْجَحِيمِ بالنِّسْبَةِ إِلَى المُؤْمِنِ وَالْكافِرِ

فَائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ الخَوْفِ مِنَ اللهِ والنَّهْيِ عَنِ الْهَوَى

التَّعْبِيرُ عَنِ الْقِيامَةِ بالْإِرْساءِ

المَصْلَحَةُ فِي إِخْفاءِ يَوْمِ الْقِيامَةِ

تَخْصِيصُ النِّذارَةِ بِمَنْ يَخْشَى

سُورَةُ عَبَسَ

فائِدَةٌ فِي التَّعْبيرِ عَنِ الصَّحابِيِّ بالْأَعْمَى

لَا تُتْرَكُ مَصْلَحَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ لِمَصْلَحَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ

الدَّاعِيَةُ لا يُفاضِلُ بيْنَ النَّاسِ فِي الدَّعْوَةِ

تَسْمِيَةُ المَلائِكَةِ سَفَرَةً

عَلى المُسْلِمِينَ أَنْ يَقْبُروا مَوْتاهُمْ

تَسْمِيةُ لَذائِذِ الدُّنْيا مَتاعًا، وَالآخِرَة نَعِيمًا

فائِدَةُ الإِطْنابِ فِي ذِكْرِ مَنْ يَفِرُّ مِنْهُمُ المَرْءُ يوْمَ الْقِيامَةِ

تَسْمِيَةُ الزَّوْجَةِ بالصَّاحِبَةِ

سُورَةُ التَّكْوِيرِ

فائِدَةٌ فِي تَوْجِيهِ السُّؤالِ لِلْمَوْءُودَةِ

الْعُدُولُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى ذِي الْعَرْشِ

وَصْفُ الرَّسُولِ المَلَكِيِّ (جِبْرِيل)

التَّعْبيرُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بـ(صَاحِبِكُمْ)

سُورَةُ الانْفِطَارِ

بَيانُ فَناءِ الدُّنْيا ودَمارِها

فائِدَةُ تَخْصِيصِ بَعْثَرَةِ الْقُبورِ بالذِّكْرِ

بَيانُ الْحَفَظَةِ وَعَمَلِهِم

صِفاتُ الْحَفَظَةِ ينْبَغِي أنْ تَكُونَ فِي الْقائِمِينَ عَلى شُؤُونِ الأُمَّةِ

تَخْصِيصُ الأَمْرِ للهِ بالْقِيامَةِ

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ

السَّارِقُونَ والْقاهِرُونَ للنَّاسِ أَوْلى بالْوَعِيدِ مِنَ المُطَفِّفِينَ

جَمْعُ المُطَفِّفِينَ بَيْنَ البُخْلِ والشُّحِّ

الظَّنُّ يَأْتِي بِمَعْنَى الْيَقِينِ

التَّحْذِيرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَرانِهَا

ثُبُوتُ رُؤْيَةِ اللهِ عزوجل فِي الْآخِرَةِ

التَّنافُسُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلى الآخِرَةِ

حُكْمُ اللهِ دائِرٌ بَيْنَ الْعَدْلِ والْفَضْلِ