مجموعة زاد السيرة النبوية (2)
هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. وهذا الكتاب يحتوي على جميع مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بداية من مولده حتى وفاته صلى الله عليه وسلم.
السير النبوية (2) الشمائل النبوية
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب السيرة النبوية (2) الشمائل النبوية:
يحتوي هذا الكتاب على بيان لشمائل النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته الخلقية والخلقية، وبيان لهديه وسنته صلى الله عليه وسلم في كثيرٍ من أمور الحياة والعبادة. مع عرض المحتوى بشكلٍ لطيفٍ مختصرٍ، وذكر لطائف وفوائد من كلام العلماء في كل بابٍ بحسبه.
السير النبوية (2) الشمائل النبوية
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ والمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلعِلمِ قَآئِمَا بِٱلقِسطِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدنِي عِلمٗا﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ ﷲ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه نستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده ﷲ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا ﷲ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
وبعد فهذا مبتدأ الدروس في شرح شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون الطالب على علم ودراية بشمائل وصفات وخِلْقة وأخلاق النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون المسلم مقتديا برسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، في الطهارة وحسن الأخلاق، فيرتفع في سلوكه وأدبه إلى مصافِّ النفوس السليمة.
و(الشمائل): جمع (شِمال وشميلة)، أي: الطبيعة والسجية.
فعلم الشمائل يراد به ما جاء في خِلْقة النبي صلى الله عليه وسلم، وحليته الظاهرة، التي هي أجمل الحِلى وأبهاها، وما جاء في أخلاقه الكريمة الزكية، وهي أعظم الأخلاق، وهديه البالغ في الحسن غايته، صلى الله عليه وسلم.
ولعل من أبرز ما كُتب في هذا العلم كتاب الإمام الترمذي رحمه الله تعالى (الشمائل المحمدية)، فهو من أفضل الكتب في هذا الباب، حيث اعتنى بمظهر رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم وعاداته الحسنة، وأخلاقه الكريمه، وحليته الظاهرة، وهديه في أغلب شأنه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية: «قد صنف الناس في هذا قديما وحديثا، كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحسن من جمع في ذلك، فأفاد وأجاد، الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل».
وﷲ الموفق
أهمية دراسة الشمائل:
معرفة شمائل النبيّ صلى الله عليه وسلم بنوعيها الخُلُقيّة والخَلقيّة لها فوائد عظيمة، منها:
أولًا: أنّها من تمام معرفة رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، وحقٌّ على كلّ مسلم أن يعرف نبيّه، لأنّ الإيمان بالشّيء على قدر المعرفة به، لذلك كان أكثر النَّاس يقينا أعرفهم به صلى الله عليه وسلم، وقد أشار ﷲ تعالى إلى هذا عندما اختار من كلّ قوم رجلا منهم، يعرفون حسبه ونسبه وسيرته وشمائله، فقال: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُم هُودٗا ﴾ (الأعراف: ٦٥)، وقال: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُم صَٰلِحٗا﴾ (الأعراف: ٧٣).
ثانيًا: أنّ معرفة الشّمائل المحمّديّة تزيد المسلم حبًّا لنبيّه صلى الله عليه وسلم، وحبُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والشَّوقُ إلى العيش معه وتقديمه على كلِّ شيء من أصول الإيمان، والمتمعِّن في سيرته وشمائله، لَيخرُجُ منها بأكبر نصيب من هذا الحبِّ تجاه نبيّه صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: الاتّباع والتّأسّي، وهذا ما بلغه الأوّلون، حتّى نالوا شهادة لا تزال تتلى على مرّ السّنين: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلمُهَٰجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُواْ عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّٰتٖ تَجرِي تَحتَهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗا ذَٰلِكَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ (100) ﴾ (التوبة: 100).
رابعًا: تثبيت المؤمنين وردّ شبه المعاندين، أما التثبيت؛ فلأن تلك الشّمائل والصّفات بمثابة أشعّة الشّمس، التي تنير دروب الصَّالحين، وتضيء سبيل المتّقين، وأما ردُّ شبه المعاندين، فإن معرفة هذه الشّمائل جعلت أقطاب النَّصرانيّة المنصفين قد خرُّوا ﷲ ساجدين، وللنّبيّ صلى الله عليه وسلم بالفضل معترِفين.
وإليك بعض اعترافاتهم:
قال جوته (الأديب الألماني): «إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمَّد، وسوف لا يتقدّم عليه أحد، ولقد بحثت في التَّاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبيِّ محمَّد صلى الله عليه وسلم».
وقال (برناردشو) في مؤلَّف أسماه (محمّد)، وقد أحرقته السّلطات البريطانية: «إنّ العالم أحوجُ ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصُّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنَّني اطّلعت على أمر هذا الرّجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصّلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحيّة، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولَّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يُؤَمِّن السّلام والسعادة الّتي يرنو البشر إليها».
وقال مايكل هارت في كتابه (الخالدون مائة)، وقد جعل على رأس المائة محمّدا صلى الله عليه وسلم؛ فقال: «لقد اخترت محمّدا صلى الله عليه وسلم في أوّل هذه القائمة... لأنّ محمّدا صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيويّ، وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا، وبعد ثلاثة عشر قرنًا من وفاته، فإنّ أثر محمّد صلى الله عليه وسلم ما يزال قويًا متجددًا».
وقال آن بيزيت: «من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبيّ العرب العظيم، ويعرف كيف عاش هذا النبيّ وكيف علّم الناس، إلَّا أن يشعر بتبجيل هذا النبيّ الجليل، أحد رسل ﷲ العظماء».
وقال الدكتور نظمي لوقا، وهو من أقباط مصر، وله كتابان في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: (محمّد الرِّسالة والرَّسول) و(محمَّد في حياته الخاصّة)، يقول في كتابه: (محمّد الرّسالة والرّسول): «ما كان محمّد صلى الله عليه وسلم كآحاد الناس في خِلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرُّسل عليهم السلام وهِمّة البطل، فكان حقًّا على المنصف أن يُكرِمَ فيه المثل، ويُحيِّي فيه الرجلَ».
ويقول: «لقد تخطَّف الموت فلذات أكباد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليكون ذلك إيذانًا بأن البشر الرسول ليس له امتياز على سائر بني آدم، فتسقط دعوى الناس في التقصير عن الاهتداء به».
خِلقتةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:
الخِلْقة: المراد بها هنا صورة الإنسان الظاهرة، كالطول والقصر والبياض والسَّواد والسِّمنة ونحوه.
وأما الخُلُق فهو الصورة الباطنة كالحِلْم والرِّفق والتواضع والعلم ونحو ذلك.
وجهُ وشعره وجسمه وخاتم النبوة صلى الله عليه وسلم:
أول ما يحرص على معرفته، ويطلبه الناظر منه صلى الله عليه وسلم هو وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم:
عَنْ جابرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: «رَأَيْتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةٍ إِضْحِيانَ -أي: ليلة مضيئة مقمرة-، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى القَمَرِ، فَإِذا هُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ القَمَرِ». أخرجه الترمذي، وحسنه.
وفي البخاري أنَّ رَجُلًا سَأَلَ البَراءَ رضي الله عنه: «أَكانَ وَجْهُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ السَّيْفِ؟ قالَ: لاَ، مِثْلَ القَمَرِ».
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. أخرجه البخاري ومسلم.
هذا من حيث الإشراق.
وهو مثل الشّمس والقمر في الاستدارة كذلك.
فعَنْ جابرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ حينما سأله رجلٌ عن وجهِ رسُول ﷲ :صلى الله عليه وسلم «وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قالَ: لا، بَلْ كانَ مِثْلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ مُسْتَدِيرًا». أخرجه مسلم.
وعن علي رضي الله عنه قال: «لم يكن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم بالمُطَهَّم ولا المُكَلْثَم، وكان في وجهه تدويرٌ». رواه الترمذي.
وإنما قُدِّم الكلام على الأوصاف الظاهرة، التي هي صفة خِلقته صلى الله عليه وسلم، مع أن الأوصاف الباطنة أشرف، وعليها مدار النجاة؛ لأن الأوصاف الظاهرة هي أول ما يظهر من الإنسان، ولأنها كالدليل على الصفات الباطنة، فإن الظاهر عنوان الباطن.
والمُطَهَّم: هو المنتفخ الوجه. والمُكَلْثَم: هو المدور الوجه.
شَعْرُه صلى الله عليه وسلم:
فقد كان صلى الله عليه وسلم غزير الشّعر، يصل إلى أنصاف أذنيه، ومن الظهر إلى منكبيه، ولم يكن في شعره شيبٌ إلَّا شعراتٌ معدودات.
وعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بِالجَعْدِ القَطَطِ وَلا بِالسَّبِطِ، فَتَوَفَّاهُ ﷲ وَلَيْسَ في رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضاءَ». أخرجه البخاري ومسلم.
الجعد القطَط: هو الشّعر الّذي فيه التواء وانقباض. والسّبِط: الشّعر المسترسل.
وعَنْ عائِشَة رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ شَعْر رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم فَوْق الوَفْرَةِ وَدُونَ الجُمَّةِ». رواه أبو داود بسند صحيح.
والجمَّة: هي الشّعر النَّازل إلى المنكبين. والوفرة: هو ما بلغ شحمة الأذن.
قلة الشيب في شعره:
كان الشيب في رأس رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قليلًا، ولقلّة الشيب في رأسه صلى الله عليه وسلم كان لا يُرى إذا ادَّهن، فعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه سُئِلَ عَنْ شَيْبِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: «كانَ إِذا دَهَنَ رَأْسَهُ لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِذا لَمْ يَدْهَنْ رُئِيَ مِنْهُ». رواه مسلم.
وكان هذا الشيب في صُدْغَيه، وفي مفرق رأسه، وفي عنفقته.
ودليل ذلك: حديث أنس رضي الله عنه سُئل عن خضاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «إِنَّما كانَ شَيْءٌ في صُدْغَيْهِ». رواه البخاري ومسلم.
وعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: «ما كانَ في رَأْسِ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم مِنْ الشَّيْبِ إِلَّا شَعَراتٌ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، إِذا ادَّهَنَ واراهُنَّ الدُّهْنُ». أخرجه أحمد.
وعَنْ وَهْبٍ أَبي جُحَيْفَةَ السُّوائِيِّ رضي الله عنه قالَ: «رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَرَأَيْتُ بَياضًا مِنْ تَحْتِ شَفَتِهِ السُّفْلَى، العَنْفَقَةَ». رواه البخاري ومسلم.
الصُّدْغ
مفرق الرأس
العَنفَقَة
والصُّدغ: هو ما بين العين والأذن. ومفرِق الرأس: موضع انفراق الشَّعر من منتصف الرأس. والعَنفَقَة: هو ما نبت على الشفة السفلى من الشعر.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: يا رسولَ ﷲ، قَدْ شِبْتَ!! قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ، والواقِعَةُ، والمُرْسَلاتُ، وَعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وَإِذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
قال العلماء: «والسر في الشيب من هذه السُّوَر: ما تضمنته من ذكر أهوال يوم القيامة، والنوازل بالأمم الماضية، فأخذ ذلك من رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم مأخذه حتى شاب، قبل أوان المشيب».
تسريحه لشعره صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم في أوّل أمره يحبُّ موافقة أهل الكتاب ومخالفة المشركين، فكان يسدل شعره.
ثمّ لمَّا بدأ النَّاس يدخلون في دين ﷲ أفواجا، وتبيّن له عداء أهل الكتاب، فعاد إلى عادة العرب، وهي فرق الشّعر.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ، وَكانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكانَ أَهْلُ الكِتابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ مُوافَقَةَ أَهْلِ الكِتابِ فيما لَمْ يُؤْمَرْ فيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ. أخرجه البخاري ومسلم.
قال أهل العلم: «والحاصل أن الصحيح المختار جواز السدل والفرق، وأن الفرق أفضل». والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة ألا يفرقوا شعورهم».
حلقُه شعرَه صلى الله عليه وسلم
قال النووي: «هذا، ولم يحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في سني الهجرة إلا عام الحديبية، ثم عام عمرة القضاء، ثم عام حجة الوداع».
حلق جوانب من الرأس (القَزَع)
في الصحيحين عن عبد ﷲ بن عمر رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع، وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه، والنهي يقتضي التحريم.
قال أهل العلم: «فيدخل في القزع حلق مواضع من جوانب الرأس أو أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعله عامة النصارى، أو حلق جوانبه وترك وسطه كما يفعله كثير من السفهاء، وأن يحلق مقدمه ويترك مؤخره».
خضابه شعرَه صلى الله عليه وسلم
اختلف أهل العلم في خضابة النبي صلى الله عليه وسلم لشعره، فمنهم من نفاه، ومنهم من أثبته، والصحيح أنه فعله صلى الله عليه وسلم.
فقد سُئل أبو هريرة رضي الله عنه: هل خضب النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي في الشمائل وصححه الألبانيُّ. كما أخرج البخاري من حديث عبد ﷲ بن مَوْهَب قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها، فأخرجت إلينا شعرًا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوبًا.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السِّبْتِيَّةِ، ويُصَفِّرُ لحيته بالوَرْسِ والزَّعْفَرانِ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك». أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الألباني.
مسألة
خضاب الشعر بالحناء للرجال لا بأس به؛ لما رواه أصحاب السُّنن عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّ أَحْسَنَ ما غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الحِنََّاءُ والكَتَمُ». والحديث صححه الألباني.
أما التغيير بالسواد الخالص، فلا يجوز للرجال والنساء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد». أخرجه مسلم.
كما روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة»، والحديث صححه الألباني.
والواجب أن يمنع من الصبغ بما يُعد نوعًا من التميُّع والتشبُّه بالنساء؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبّه، ولعنه فاعلَه.
الأمر بإعفاء اللحية
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية، فعن عبد ﷲ بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى». رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية الصحيحين: «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى».
وما يفعله بعض الناس من حلق اللحية أو أخذ شيء من طولها أو عرضها، فإنه لا يجوز؛ لمخالفة ذلك لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإعفائها.
قال الشيخ ابن باز: «من احتج بفعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأخذ من لحيته في الحج ما زاد على القبضة، فهذا لا حجة فيه؛ لأنه اجتهاد من ابن عمر رضي الله عنهما، والحجة في روايته لا في اجتهاده».
لحيتُه صلى الله عليه وسلم
كانت لحيته صلى الله عليه وسلم تامّة كثّة، فقد روى النّسائيّ عَنْ البَراءِ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم رَجِلًا... كَثَّ اللِّحْيَةِ».
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان.. عَظِيمَ اللِّحْيَةِ. رواه أحمد وحسنه الألباني.
نشاط
1- اكتب نبذة عن أهمية دراسة الشمائل النبوية.
2- كيف سجَّل الغرب قناعتهم برسول ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ وعلامَ يدل ذلك؟
3- اكتب وصفًا دقيقًا لوجه وشَعْر ولحِية رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم.
4- هل خضب رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم شعره؟ استدل لما تقول، وما حكم الخضاب بالسواد؟
5- من واقع دراستك لهذا الباب، بيّن تحريم التشبه بالكفار.
6- كيف تجيب على من يقول: إن إعفاء اللحية ليس بواجب؟
جسمه صلى الله عليه وسلم:
قال أنس بن مالك رضي الله عنه في جسم النبي صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة، وهي: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم. حَسَنَ الجِسْمِ». رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقال البراءُ بنُ عازِبٍ:رضي الله عنه «ما رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ». أخرجه البخاري ومسلم.
وروى التّرمذي في (الشّمائل) بسند صحيح عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه قالَ: «لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالطّويل ولا بالقصير، شَثْن الكفَّينِ والقدمَيْنِ (أي: غليظ الأصابع)، ضخم الرّأس، ضخم الكَرادِيس (هي رؤوس العظام)، طويل المَسْرُبة (الشّعر الدّقيق الّذي يبدأ من الصّدر وينتهي بالسُّرَّة)».
وفي حديث أَنَسٍ رضي الله عنه يصف النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: «كانَ رَبْعَةً مِنْ القَوْمِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالقَصِيرِ». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
والرَّبعة: هو المتوسِّطُ الطُّول.
وقال البراء رضي الله عنه: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مَرْبُوعًا، بَعِيدَ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ». متفق عليه.
وقوله: «عَرِيضَ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ» أي: عريض أعلى الظهر.
ورُويَ عن الجريري أنه كان يطوف مع أبي الطفيل رضي الله عنه فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما بقي أحد على وجه الأرض رآه غيري. قُلْتُ: صِفْهُ لي. قالَ: كانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا. رواه مسلم. (مُقَصَّدًا): هو الذي ليس بجسيم ولا نحيف، ولا طويل ولا قصير.
قوله: «وَما بقي عَلَى وَجْهِ الأرْضِ أحدٌ رَآهُ غَيْرِي»؛ وذلك لأن أبا الطفيل وهو عامر بن واثلة الليثي هو آخر الصحابة موتًا، ولد عام الهجرة وتوفي سنة (110) للهجرة، وبوفاته خُتِمَ الصَّحْب الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن القيم رحمه الله: «وكمل ﷲ سبحانه وتعالى مراتب الجمال ظاهرا وباطنا، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن خلق ﷲ خَلْقًا وخُلقًا، وأجملهم صورة ومعنى».
وقد ذكر رحمه الله تعالى أن بعض الصحابة لقي راهبا، فقال: صفْ لي محمدا كأني أنظر إليه، فإني رأيت صفته في التوراة والإنجيل، فجعل الصحابي يذكر صفته:«لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، وذكر بعض صفته صلى الله عليه وسلم».قال: فأسلم الراهب.
لون بشرته صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أبيض مُشرَبًا بحُمرة، ذاهبا إلى السُّمرة.
روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلَيْسَ بِالآدَمِ».
وفي رواية لهما: «كانَ صلى الله عليه وسلم أَزْهَرَ اللَّوْنِ، لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلا آدَمَ».
(الأمْهَق): المَهَق: البياض الشديد.
(الآدَم): فوق الأسمر، يعلوه سوادٌ قليلٌ.
(الأزهر): هو الأَبْيَضُ المُشَرَبُ بِحُمْرَةٍ.
خاتَمُ النُّبُوّة:
كان على جسد النبي صلى الله عليه وسلم الشّريف خاتَمُ النّبوّة، أي: علامة من علامات نبوّته صلى الله عليه وسلم.
تلكم العلامة الّتي ذكرها آخرُ راهبٍ عاش معه سلمان الفارسيّ رضي الله عنه، حين قال له: وَما تَأْمُرُنِي؟ قالَ: «أَيْ بُنَيّ... قَدْ أَظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْراهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ العَرَبِ مُهاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُما نَخْلٌ بِهِ عَلاماتٌ لا تَخْفَى، يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ البِلادِ فافْعَلْ». أخرجه أحمد، وحسنه الألبانيُّ.
تلك العلامة الّتي عرفه بها بَحِيرا الرَّاهب، فقال: «هَذا سَيِّدُ العالَمِينَ، هَذا رسولُ رَبِّ العالَمِينَ، يَبْعَثُهُ الله رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ،فَقالَ لَهُ أَشْياخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: ما عِلْمُكَ؟ فَقالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ العَقَبَةِ، لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ ساجِدًا، وَلا يَسْجُدانِ إِلَّا لِنَبيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ، مِثْلَ التُّفَّاحَةِ». أخرجه الترمذي وصححه.
وعن جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: كانَ خاتَمُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم - يَعْنِي الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ - غُدَّةً حَمْراءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الحَمامَةِ. أخرجه الترمذي وصححه.
(غُدَّةً حمراء) الغدة قطعة من اللحم، تحدث بين الجلد واللحم، فيها احمرار.
وفي رواية لمسلم: «ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده».
كان على جسد النبي صلى الله عليه وسلم الشّريف خاتَمُ النّبوّة، أي: علامة من علامات نبوّته صلى الله عليه وسلم.
تلكم العلامة الّتي ذكرها آخرُ راهبٍ عاش معه سلمان الفارسيّ رضي الله عنه، حين قال له: وَما تَأْمُرُنِي؟ قالَ:«أَيْ بُنَيّ... قَدْ أَظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْراهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ العَرَبِ مُهاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُما نَخْلٌ بِهِ عَلاماتٌ لا تَخْفَى، يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ البِلادِ فافْعَلْ». أخرجه أحمد، وحسنه الألبانيُّ.
تلك العلامة الّتي عرفه بها بَحِيرا الرَّاهب، فقال: «هَذا سَيِّدُ العالَمِينَ، هَذا رسولُ رَبِّ العالَمِينَ، يَبْعَثُهُ ﷲ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ،فَقالَ لَهُ أَشْياخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: ما عِلْمُكَ ؟ فَقالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ العَقَبَةِ، لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ ساجِدًا، وَلا يَسْجُدانِ إِلَّا لِنَبيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ، مِثْلَ التُّفَّاحَةِ». أخرجه الترمذي وصححه.
وعن جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: كانَ خاتَمُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم - يَعْنِي الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ - غُدَّةً حَمْراءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الحَمامَةِ. أخرجه الترمذي وصححه.
(غُدَّةً حمراء) الغدة قطعة من اللحم، تحدث بين الجلد واللحم، فيها احمرار.
وفي رواية لمسلم: «ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده».
قالَ القُرْطُبيّ: «اتَّفَقَتْ الأَحادِيث الثَّابِتَة عَلَى أَنَّ خاتَم النُّبُوَّة كانَ شَيْئًا بارِزًا عِنْد كَتِفه الأَيْسَر، قَدْرُه قَدْرُ بَيْضَةِ الحَمامَةِ» اهـ.
ولم يثبت أن الخاتم كان مكتوبًا عليه لفظ الجلالة أو (محمد) أو غير ذلك من الكلمات.
لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ أَحَبَّ الثِّيابِ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم القَمِيصُ. أخرجه أبو داود والتّرمذي والنّسائي، وصححه الألباني.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: كانوا في عهد رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، يلبسون الإزار والرِّداء أحيانا، وأحيانًا يلبسون القميص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب القميص؛ لأنه أستر، ولأنه قطعة واحدة يلبسها الإنسان مرة واحدة، فهي أسهل من أن يلبس الإزار أولا، ثم الرداء ثانيا.
وعن معاوية بن قُرة عن أبيه قال: أَتَيْتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم في رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ لنبايعَه، وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ. أي: محلول الأزرار. أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وَهُوَ يَتَّكِئُ عَلَى أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، عَلَيْهِ ثَوْبٌ قِطْرِيٌّ، قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ. أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
الثوب القِطْري: نوع من الثياب اليمنية، يُتخذ من قطن، وفيه حمرة وخطوط مع خشونة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ أَحَبَّ الثِّيابِ إِلَى رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُهَ الحِبَرَةُ -بُردٌ يمانيٌّ-. متفق عليه.
قال ابن بطال: «هي من برود اليمن تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم».
ما السُّنة عند لبس ثوب جديد؟
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم إِذا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ - عِمامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِداءً - ثُمَّ يَقُول: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كما كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ ما صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ». رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني.
لبس البياض:
وكان أكثر ما يلبسه رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم البياض لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالبَياضِ مِنْ الثِّيابِ، لِيَلْبَسْها أَحْياؤُكُمْ، وَكَفِّنُوا فيها مَوْتاكُمْ، فَإِنَّها مِنْ خَيْرِ ثِيابِكُمْ» رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني.
صفة لبسه:
كان ثوبه صلى الله عليه وسلم إلى منتصف ساقه، وكمُّه إلى رُسغِه.
ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وعليه حلة حمراء، قال: أبو جُحَيْفَة: «كأني أنظر إلى بياض ساقيه».
وعند الترمذي وحسنه عن أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها قالت: كان كُمُّ يد رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إلى الرُّسْغ.
فهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متواضعًا في لباسه، وكان يحب القميص، ويلبس غيره من الألبسة والأزُر، وكان يتوشح باللباس أحيانًا ويتزر به أحيانًا، ولم يمنع نفسه من لبس الثياب الحسنة، وكان يحب الألبسة البيضاء المخططة بحمرة أو بلون آخر.
لبس الأحمر، وحكم ذلك:
عن عون بن أبي جُحَيْفَة عن أبيه رضي الله عنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْراءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بياض ساقَيْهِ» قالَ سُفْيانُ: أراها حِبَرَةً. متفق عليه.
(حُلَّةٌ) قال أهل اللغة: الحلة: ثوبان لا يكون واحدا، وهما إزار ورداء ونحوهما.
(قالَ سُفْيانُ: أُراها حِبَرَةً) أي: لم تكن حمراء بحتا، بل كانت حبرة، يعني كان فيها خطوط حمراء، وهو الراجح.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «الأحمر قد نَهى عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا كان خالصًا، فإن كان أحمر وفيه بياضٌ، فلا بأس». اهـ
لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخف
قالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رضي الله عنه: «أَهْدَى دِحْيَةُ الكَلْبيُّ لِرسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم خُفَّيْنِ فَلَبِسَهُما». أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عَنْ قَتادَةَ قالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه: كَيْفَ كانَ نَعْلُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: لَهُما قِبالانِ. رواه البخاري. والقِبال: هو زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الأصبعين.
وفي الصحيحين عن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر رضي الله عنه: رأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّةِ! قال: إني رأيت رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسهما.
السِّبْتِيَّةِ: أي: التي لا شعر عليها، نسبة للسِّبْتِ، وهو جلود البقر المدبوغة.
وعن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: رَأَيت رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يصلي في نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ. أخرجه النسائي وأحمد، وصحَّحَه الألباني.
مخصوفتين: مخروزتين أو مُرقَّعتين.
وهو يدل على تواضُعِه صلى الله عليه وسلم، فقد كان في التواضع كما وصفته عائشة رضي الله عنها: يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ في بَيْتِهِ كَما يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ في بَيْتِهِ. رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
المشي في نعل واحدة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمشِ أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا أو ليحفهما جميعًا». أخرجه البخاري ومسلم.
وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في نعل واحدة. أخرجه مسلم.
والسنة في التنعل البداءة باليمين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انتعل أحدكم؛ فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال؛ لتكن اليمنى أولَهما تُنْعَلُ، وآخرَهما تُنْزَعُ» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
ويسن الصلاة في النعلين في غير الفرش:
ففي الصحيحين سُئِلَ أنسُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه: أكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي في نَعْلَيهِ؟ قال: «نَعَمْ».
وفي سنن أبي داود عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم». والحديث صححه الألباني.
ذكر أهل السير أن عبد ﷲ بن مسعود رضي الله عنه كان صاحبَ نعلي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه.
قال أبو العباس المقري: ثبت أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان صاحب النعلين والسواك والوساد والطهور، كما في الصحيح.
تختُّم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:
عَنْ أنس بن مالك رضي الله عنه قالَ: كانَ خاتَمُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَرِقٍ، وَكانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا . رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: «وقد أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضة للرجال، وكره بعض علماء الشام المتقدمين لُبسَه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثرًا، وهذا شاذٌّ مردود».
قال الباجي رحمه الله: وأما التختم بالفضة، فهو الذي قال فيه سعيد بن المسيب لصدقة بن يسار: «البسْهُ، وأخبِرْ الناس أني أفتيتُك بذلك».
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: لَمَّا أَرادَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْتُبَ إِلَى العَجَمِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ العَجَمَ لا يَقْبَلُونَ إِلا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ، فاصْطَنَعَ خاتَمًا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَياضِهِ في كَفِّهِ. متفق عليه.
نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ نَقْشُ خاتَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرسولٌ سَطْرٌ، والله سَطْرٌ. رواه البخاري.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: اتَّخَذَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم خاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكانَ في يَدِهِ، ثُمَّ كانَ في يَدِ أَبي بَكْرٍ، ثُمَّ كانَ في يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كانَ في يَدِ عُثْمانَ حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ في بِئْرِ أَرِيسَ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ ﷲ. متفق عليه.
عَنْ عَلِيِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَلْبَسُ خاتَمَهُ في يَمِينِهِ. أخرجه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني.
وما حكم لبسُ خاتمِ الفضةِ للرجالِ؟
الصحيح أنه مباحٌ وليس سنةً، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلبس الخاتم حتى قيل له: إن الملوكَ لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ الخاتمَ، كما في الصحيحين من حديث أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَرادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ والنَّجاشِيِّ، فَقِيلَ: «إِنَّهُمْ لا يَقْبَلُونَ كِتابًا إِلَّا بِخاتَمٍ»، فَصاغَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم خاتَمًا حَلْقَتُهُ فِضَّةً، وَنَقَشَ فيهِ: «مُحَمَّدٌ رسولُ ﷲ».
فلم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بلبسه القُربَى، حتى يكون مستحبًّا؛ لذا كان الصحيح أنه مباح؟
عِمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن جابر رضي الله عنه قال: دَخَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمامَةٌ سَوْداءُ. رواه مسلم.
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبيهِ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ، وَعَلَيْهِ عِمامَةٌ سَوْداءُ. رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني .اهـ. «فيه جواز لباس الثياب السوداء، ولبسه في حال الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «خير ثيابكم البياض»
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. أخرجه الترمذي، وحسنه.
(سَدَلَ عمامَتَهُ) أي: أرسل وأرخى طرفها الذي يسمى الذؤابة والعذبة.
ليس من السنة لبس العمامة، فهي سنةُ عادة، وليست سنةَ عبادةٍ، فلم يلبسها النبي صلى الله عليه وسلم تعبُّدًا، ولا أمر بها أمته.
إزار رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن عبيد بن خالد المحاربي رضي الله عنه قال: بَيْنا أَنا أَمشِي بِالمَدِينَةِ، إِذا إِنْسانٌ خَلْفي يَقُولُ: «ارْفَعْ إِزارَكَ، فَإِنَّهُ أَتْقَى وَأَبْقَى»، فَإِذا هُوَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، إِنَّما هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحاءُ. قالَ: أَما لَكَ فيَّ أُسْوَةٌ؟! فَنَظَرْتُ فَإِذا إِزارُهُ إِلَى نِصْفِ ساقَيْهِ. أخرجه النسائي، وصححه الألباني.
(فإنه أتقى) أي: إن رفع الإزار عن الأرض، بحيث يخرج عن حد الإسبال المنهي عنه أتقى ﷲ تعالى.
(بُرْدَةٌ مَلْحاءُ) أي: فيها خطوط سود وبيض، وهي من لباس الأعراب، ليست من الثياب الفاخرة.
عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان رضي الله عنه قالَ: أَخَذَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم بِعَضَلَةِ ساقِي، أَوْ ساقِهِ، فَقال: «هَذا مَوْضِعُ الإِزارِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَلا حَقَّ لِلْإِزارِ في الكَعْبَيْنِ». أخرجه الترمذي، وصححه.
حكم إسبال الثياب:
إسبال الثياب محرم، فقد روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم ﷲ يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم». قلت: من هم يا رسول ﷲ؟ خابوا وخسروا، فأعاد ثلاثًا. قلت: من هم؟ خابوا وخسروا؟ قال: «المسبل والمنان والمنفِّق سلعتَه بالحلف الكاذب أو الفاجر».
وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار».
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار». أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.
والكعبان: هما العظمان الناتئان على جانبي الرِّجْلِ.
ففي تلك النصوص بيان أن الإسبال كله محرم، لكن يزداد التحريم فيما إذا كان للخيلاء؛ لذلك تزداد العقوبة، أما مجرد إسبال الثوبين عن الكعبين بدون خيلاء، فهو مستوجب للعقوبة بالنار.
قال ابن العربي: «لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبَه، ولا يقول: لا أجرُّه خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله النهي لفظا أن يخالفه».
نشاط
1- اكتب وصفًا دقيقًا لجسم رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، مستعملًا غريب الألفاظ.
2- ما المراد بخاتم النبوة، وما صفته، وأين موضعه، وما الدليل عليه؟
3- ماذا يسن عند لبس الثوب الجديد، مع ذكر الدليل؟
4- ما حكم لبس الأحمر الخالص؟ وما الألوان التي دعا إليها الشرع في اللباس؟
5- ما حكم المشي في نعل واحدة؟ من خلال قراءة خارجية اكتب العلة في النهي عن ذلك.
6- اكتب بحثًا في التختم بالفضة أو الذهب للرجال، وما الضابط في لبس العمامة؟
7- اكتب أدلة تحريم الإسبال، مع مناقشة القائلين بجوازه.
مِشْية وجلسته صلى الله عليه وسلم:
عن أنس رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم رَبْعَةً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالقَصِيرِ... إِذا مَشَى يتكفَّأُ. أخرجه الترمذي، وصححه الألباني. أي: يتمايل إلى قُدَّام.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى مشى مجتمعًا، ليس فيه كسلٌ. أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
وعند أحمد قال علي رضي الله عنه: «كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إذا مشى، كأنما ينحدِر من صَبَبٍ». وحسنه الأرناؤوط.
والصَّبب: الموضع المنحدر من الأرض، وهذا يدل على سرعة مشيه.
قال ابن القيم رحمه الله: «المشيات عشرة أنواع، أحسنها وأسكنها: مشية رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم».
وقال رحمه الله: «وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: دعوا ظهري للملائكة... وكان يمشي حافيا ومنتعلا». اهـ .
جِلْسة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنها أَنَّها رَأَتْ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم في المَسْجِدِ، وَهُوَ قاعِدٌ القُرْفُصاءَ. أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني.
القُرْفُصاء: هي جلسة المحتبي، بأن يقعد على أليتيه، فيلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه.
وعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِيًا في المَسْجِدِ، واضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. متفق عليه.
وأما ما رواه مسلم عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ ﷲ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى».
فقد قال النووي رحمه الله: «قال العلماء: أحاديث النهي عن الاستلقاء رافعا إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فكان على وجهٍ لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه على هذه الصفة».
جلسته في الأكل:
أما كيفية الجلوس لمن أراد أن يأكل، فقد روى مسلم في صحيحه عن أَنَس بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: «رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا».
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «والإقعاء أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه، وإنما أكل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك لئلا يستقر في الجلسة، فيأكل أكلا كثيرًا؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا كان مقعيًا لا يكون مطمئنا في الجلوس فلا يأكل كثيرًا، وإذا كان غير مطمئن فلن يأكل كثيرًا وإذا كان مطمئنًا، فإنه يأكل كثيرًا هذا هو الغالب».
وقال الحافظ رحمه الله: «فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه، وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى...».
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا آكُلُ مُتَّكِئًا». أخرجه البخاري.
والمتكئ: هو من استوى قاعدا على وطائه، وتمكن من قعوده.
وقيل: هو المائل على أحد شقيه.
قال النووي: «وَمَعْناهُ: لا آكُل أَكْلَ مَنْ يُرِيد الِاسْتِكْثار مِنْ الطَّعام وَيَقْعُد لَهُ مُتَمَكِّنًا، بَلْ أَقْعُد مُسْتَوْفِزًا، وَآكُل قَلِيلًا».
اتكاءُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:
يستعمل الاتّكاء لغةً بمعنيين:
الأول: القعود مع تمايل معتمدًا على أحد الجانبين، وهو المشهور. قال ابن الأثير: «والعامّة لا تعرف المتكئ إلَّا من مال في قعوده، معتمدًا على أحد شقّيه».
الثاني: الجلوس متمكّنًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾ (الزخرف: ٣٤) أي: يجلسون، وقوله: ﴿وَأَعتَدَت لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا﴾ (يوسف: ٣١) أي: مجلسًا يجلسن عليه.
عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئًا عَلَى وِسادَةٍ عَلَى يَسارِهِ. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ عَنْ أَبيهِ قال: قالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «أَلا أنبئكم بِأَكْبَرِ الكَبائِرِ؟» قالُوا: بَلَى يا رسولَ ﷲ. قالَ: «الإِشْراكُ بِالله،ِ وَعُقُوقُ الوالِدَيْنِ». قال: وَجَلَسَ رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم وَكانَ مُتَّكِئًا، قال: وَشَهادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ. قال: فَما زالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَقُولُها حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
وقد تقدم حديث أَبي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: متفق عليه. «لا آكُلُ مُتَّكِئًا».
وعن عبد ﷲ بن بسر رضي الله عنه قالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شاةً، فَجَثا رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ!! فَقالَ أَعْرابيٌّ: ما هَذِهِ الجِلْسَةُ؟! فَقالَ: «إِنَّ ﷲ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا». أخرجه أبو داود و ابن ماجه، وصححه الألباني.
عرقه وتعطره صلى الله عليه وسلم:
روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «ما مَسِسْتُ حَرِيرًا، وَلا دِيباجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ أَوْ عَرْفًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ أَوْ عَرْفِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم».
وروى البخاري عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه قالَ: خَرَجَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم بِالهاجِرَةِ إِلَى البَطْحاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ كانَ يَمُرُّ مِنْ وَرائِها، وَقامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِها وُجُوهَهُمْ، قالَ: فَأَخَذْتُ بيَدِهِ فَوَضَعْتُها عَلَى وَجْهِي، فَإِذا هِيَ أَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رائِحَةً مِنْ المِسْكِ.
وروى مسلم عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم... ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فاسْتَقْبَلَهُ وِلْدانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ واحِدًا واحِدًا، قالَ: وَأَمَّا أَنا فَمَسَحَ خَدِّي، قالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا، كَأَنَّما أَخْرَجَها مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ.
وجؤنة العطَّار: هي ما يعُدّ العطَّار فيها الطّيب.
وروى مسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم أَزْهَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ... وَلا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رائِحَةِ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم».
بل يُعرَفُ مجيئه صلى الله عليه وسلم بطيبه الّذي يُشمّ من بعيد، روى الدَّارمي عن جابر بن عبد ﷲ رضي الله عنه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِ عَرَقِهِ -أو قال-: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ.
ولقد كانوا يتخذون من عَرَقه طيبًا، فقد روى مسلم أيضا عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ عِنْدَنا -أي: نام وقت القيلولة-، فَعَرِقَ، وَجاءَتْ أُمِّي بِقارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ العَرَقَ فيها، فاسْتَيْقَظَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: «يا أُمَّ سُلَيْمٍ، ما هَذا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟» قالَتْ: هَذا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ في طِيبِنا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ.
تعطُّرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطيب، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «حُبب إلي من الدنيا النساءُ والطِّيبُ، وجُعلت قُرةُ عيني في الصلاة» رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.
وكانت الريح الطيبة صفته صلى الله عليه وسلم وإن لم يمسَّ طيبا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلا دِيباجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ أَوْ عَرْفًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ أَوْ عَرْفِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» تقدم.
وكان يُعرف بطيب رائحته إذا أقبل أو أدبر، فروى أبو يعلى والبزار وصحح إسناده ابن حجر عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إذا مرَّ في طريق من طرق المدينة وُجِدَ منه رائحةُ المسك، فيقال: مرَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم».
لذلك كان يكره أن تُرَى منه رائحة كريهةٌ، حتى ترك كثيرًا من المباحات، كالثوم والبصل والكراث ونحوها لرائحتها الكريهة.
وتعطُّرُه وحبُّه للتعطر صلى الله عليه وسلم يدل على أن التعطر ليس من الكِبْر، بل قد يكون ذلك مندوبًا، كالتجمُّل للصلوات والجماعات ونحوها، ويحسن بالمرأة لزوجها، وبالزوج لزوجته، وفي حق العالم لتعظيم العلم في نفوس الناس وغيرهم.
المواضع التي يتأكد فيها الطيب
يتأكَّد الطِّيب للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وحضور الجماعة، وقراءة القرآن، والعلم، والذكر.
ويتأكَّد لكلٍّ من الرجل والمرأة عند المباشرة، فإنَّه من حسن المعاشرة.
لا يجوز للمرأة الخروج بالعطر في الطرقات، وبين الرجال، فقد ورد في ذلك وعيد شديد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت، فمرَّت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية». رواه النسائي، وحسنه الألباني.
أسماؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِي أَسْماءً، أَنا مُحَمَّدٌ، وَأَنا أَحْمَدُ، وَأَنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو ﷲ بيَ الكُفْرَ، وَأَنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنا العاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبيٌّ». متفق عليه.
أما (محمد): فهو محمد إذا كان كثير الخصال التي يُحمد عليها، ولذلك كان أبلغ من محمود، فإن محمدًا للمبالغة.
وأما (أحمد): فهو اسم على زنة أفعل التفضيل مشتق أيضًا من الحمد.
فدل أحد الاسمين، وهو محمد على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه عزوجل.
وأما الماحي: فهو الذي محا ﷲ به الكفر، ولم يُمحَ الكفرُ بأحدٍ من الخلق ما مُحِيَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فإنه بُعث وأهل الأرض كلهم كفار إلا بقايا من أهل الكتاب، وهم ما بين عُبَّاد أوثان، ويهودٍ مغضوبٍ عليهم، ونصارى ضالين، وصابئة دهرية لا يعرفون ربًّا ولا معادًا، وبين عُبَّاد الكواكب، وعُبَّاد النار وغيرهم، وقد نظر ﷲ سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض، فمَقَتَهم عربَهم وعجمَهم، إلا بقايا على آثار من دين صحيح، فأغاث ﷲ به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُلَمْ، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، حتى ظهر دين ﷲ على كل دين، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار».
والحاشر: أي: الذي يُحشر قبل الناس، كما جاء في حديث آخر: «أنا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ» أخرجه البخاري، فالمعنى أنهم يحشرون بعده أو يتبعونه.
والعاقب: أي: النبي الذي جاء عقِب الأنبياء، فهو الآخر خاتم النبيين، لا نبي بعده».
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نَبيّ الرَّحْمَة، ونَبيّ التَّوْبَة، وأنا المُقَفِّي، وأنا الحاشر، ونبي الملاحم». أخرجه الترمذي في الشمائل، وحسنه الألباني.
نبي الرحمة: أي الذي أرسله ﷲ بالرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَةٗ لِّلعَٰلَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) فقد رحم ﷲ به جميع المخلوقات، فبُعث رحمة لأمته ورحمة للعالمين.
نبي التوبة: أي: الذي بهداه ينال الإنسان التوبة والإنابة إلى ربه.
المقفِّي: المتبع لآثار من قبله من الأنبياء فكان آخرهم وخاتمهم. بفتح الفاء وكسرها روايتان، بصيغة الفاعل والمفعول: (المُقَفِّي والمُقَفَّى).
نبي الملاحم: الذي بعث بجهاد أعداء ﷲ، والملاحم التي وقعت وتقع بين أمته والكفار لم يعهد مثلها.
(طه) و (يس) ليسا من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُنقَل هذا في أثر صحيح، أو عن أحد من السلف، ومستند هذا القول حديثٌ ساقطٌ: «لِي عِنْد رَبِّي عَشَرَة أَسْماء، فَذَكَرَ أَنَّ فيها (طَه) و(يس)».
قال ابن القيم: «وأما ما يذكره العوام أن (يس وطه) من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح، ليس ذلك في حديث صحيح ولا حسن ولا مرسل، ولا أثر عن صحابي، وإنما هذه الحروف مثل: الم و حم و الر، ونحوها».
نشاط
1- اكتب وصفا دقيقًا لمِشْية وجِلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع بيان ما نهى عنه من الجِلسات.
2- ما المراد بالاتكاء، مع ذكر صفاته بالدليل؟
3- اكتب بحثا في التبرك الممنوع بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وما حكم التبرك بالصالحين؟ مع ذكر الدليل.
4- اذكر خمسا من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مع شرح معناها، وما الخطأ الذي وقع فيه عوام المسلمين في هذا الباب؟
أكله وشربه صلى الله عليه وسلم:
قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا عظيما في الأكل، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابنِ آدم لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسِه» أخرجه أحمد و الترمذي، وصححه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «المسلم يأكل في مِعًى واحد، والكافرُ يأكل في سبعة أمعاء». متفق عليه.
التسميةُ أولَ الطعام، والحمْدُ آخرَه:
فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم ﷲ، فإن نسي أن يذكر اسم ﷲ في أوله فليقل: بسم ﷲ أوَّله وآخِرَه» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «سمِّ ﷲ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك» متفق عليه.
وعند الفراغ من الطعام يقول: «الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مَكْفيٍّ - أي: لا يستغني عنه الخلق-، ولا مُوَدَّع، ولا مستغنى عنه ربنا» رواه البخاري.
ويقول: «الحمد لله الذي كفانا وأروانا، غير مَكْفيٍّ ولا مكفور» رواه البخاري.
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ ﷲ لَيَرْضَى عَنْ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها» رواه مسلم.
ومن سنته صلى الله عليه وسلم الأكل باليمين، والأكل مما يليه، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» رواه مسلم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا أَكَلَ طَعامًا لَعِقَ أَصابِعَهُ الثَّلاثَ. رواه مسلم.
وتقدم بيان جِلسته في الأكل.
عدم قبول النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأطعمة:
لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم الضبَّ، وعلّل ذلك بقوله: «...ولكنه لا يكون بأرض قومي، فأجدُني أعافُه» متفق عليه.
كما كره أكل الثوم صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأجل ريحه، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعامًا بعث بفضله إلى أبي أيوب، فأتى يومًا بقصعة فيها ثومٌ فبعث بها، فقال أبو أيوب: يا رسول ﷲ، أحرامٌ هو؟، فقال له: «لا، ولكني أكرهُ ريحَه» رواه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
هديه فيما يُقرَّب إليه من الطعام:
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يردُّ موجودًا، فما قُرَّب إليه طعام إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه فيتركَه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «ما عاب النبيُّ صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه». رواه البخاري ومسلم.
شُرْبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
شُرْبُ النبي صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم يشرب الماء ثلاثا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم كان يتنفس ثلاثًا إذا شرب. رواه البخاري و مسلم.
ولمسلم يقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ».
ونهى عن التنفس في الإناء، فقال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» متفق عليه.
قال ابن القيم رحمه الله: «معنى تنفسه في الشراب إبانته القدح عن فيه، وتنفسُه خارجَه، ثم يعود إلى الشراب».
قال العلماء: «والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك».
قال ابن القيم: «من آفات الشرب نهلةً واحدة أنه يُخاف منه الشَّرَق، بأن ينسدَّ مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغَصَّ به، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أَمِنَ من ذلك».
قال ابن حجر: «وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض».
كما وردت أحاديث كثيرة النهي عن الشرب من في السقاء، ومن ذلك:
ما رواه البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: نَهَى رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ القِرْبَةِ أَوْ السِّقاءِ.
وفي الصحيحين من حديث أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: نَهَى رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم عَنْ اخْتِناثِ الأَسْقِيَةِ، وهُوَ الشُّرْبُ مِنْ أَفْواهِها.
قال العراقي: «ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرا، ولم يتمكن من التناول بكفِّه فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة».
الشرب قائما:
كما نهى عن الشرب قائما، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يشربن أحدكم قائمًا» رواه مسلم.
لكن ثبت أنه شرب قائما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سقيت رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، فشرب وهو قائمٌ من زمزم» رواه البخاري و مسلم.
وقد جمع العلماء بينهما بأن النهي محمولٌ على الكراهة، وأن شربه صلى الله عليه وسلم قائمًا بيان للجواز.
هل ينطبق الحديث على الشرب من العلب المعدنية والزجاجية الصغيرة التي تباع فيها العصائر والمشروبات المختلفة، أو يجب تفريغها في إناء آخر؟.
الجواب: إذا نظرنا في العلل التي من أجلها نُهي عن الشرب مِنْ في السِّقاء فهي غير موجودة في هذه العلب؛ لأن الإنسان ينفرد فيها فلا يوجد من يشرب منها بعده حتى يتقذر، ومسألة أن يشرق به وتَبْتَلَّ ثيابه مأمونة، وقد أَمِنَ من وجود أي شيء من الحشرات أو الأوساخ داخلها.
ومن أسباب النهي عن الشرب من فم الإناء:
1- أولًا: أنه لا يؤمن دخول شيء من الهوام مع الماء في جوف السقاء، فيدخل فمَ الشارب وهو لا يشعر.
2- ثانيًا: أن الذي يشرب من فمِ السِّقاء قد يغلبه الماء فينصبُّ منه أكثر من حاجته، فلا يأمن أن يشرق به.
إدامُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
الإدام: كل ما يؤكل مع الخبز، أيَّ شيءٍ كان.
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «نِعْمَ الإِدامُ الخَلُّ». رواه مسلم.
وعَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: أعندك شَيْءٌ؟. فَقُلْتُ: لا، إِلَّا خبز يابِس وَخَلّ. فَقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «هاتِ، ما أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أُدْمٍ فيهِ خَلٌّ». أخرجه الترمذي، وحسنه.
وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم سألَ أهلَه الإدامَ؟ فقالوا: ما عندنا إلا الخلُّ، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: نِعْمَ الإدامُ الخلُّ. نِعمَ الإدامُ الخلّ. قال جابرُ: فما زلتُ أحب الخلَّ منذ سمعتها من نبي ﷲ صلى الله عليه وسلم.
وعَنْ أَبي أُسَيدٍ رضي الله عنه قال: قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ». أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِنَّ خَيَّاطًا دَعا رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم لِطَعامٍ صَنَعَهُ، قالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَلِكَ الطَّعامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ.
قالَ أَنَسُ: فَرَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوالَيِ القَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. متفق عليه.
الدُّبَّاءُ: هو اليقطين والقرع.
والقديد: هو اللحم مملوحٌ مجففٌ في الشمس.
فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن عبد ﷲ بن جعفر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثَّاء بالرُّطَب. متفق عليه.
القثاء: نبات قريب من الخِيار، لكنه أطول.
ومعنى يأكل القثاء بالرطب أي: يأكلهما جميعًا، في وقت واحد.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
وقد جاء عند أبي داود في بيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نكسر حرَّ هذا ببردِ هذا، وبردَ هذا بحرِّ هذا». وصححه الألباني.
شرابُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم:
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ أَحَبَّ الشَّرابِ إِلَى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، الحُلْوُ البارِدُ. أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى، وصححه الألباني.
(الحلو) الماء الممزوج بغيره كالزبيب والعسل.
قال ابن القيم: «وأما الشراب إذا جَمَع وَصْفَي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن، ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء، وإيصاله إليها أتم تنفيذ».
كلامه وضحكه وتبسمه ومزاحه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يَسْرُدُ كسردِكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بَيِّن فَصْل، يحفظه من جلس إليه. أخرجه الترمذي وصححه.
لم يكن يسرد الحديث: أي: لم يكن يتابع الحديث استعجالًا، بعضه إثر بعض كسردكم المعروف.
والمراد من ذلك التأني في الكلام والمبالغة في التفهيم، فمن شدة تأنِّيه في الكلام كان يَحفظ كلامه من جلس إليه أو سمعه؛ وذلك لقِلِّته وبيانه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثًا لِتُعقل عنه. رواه الترمذي، وصححه الألباني.
وتلك هي سنته في السلام والاستئذان وغيره.
كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعْر:
عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قال: قيل لها: هل كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل بشعر ابن رواحة، ويَتَمَثَّل بقوله: «ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوّدِ». أخرجه الترمذي، وصححه.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمنَٰهُ ٱلشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ (يس: 69) فقال ابن كثير رحمه الله تعالى: «ما هو -أي: الشعر- في طبعه، فلا يحسنه».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إن أصدَق كلمةٍ قالها الشاعرُ؛ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيء ما خلا ﷲ باطِلُ». متفق عليه.
(لبيد) هو ابن ربيعة العامري، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة وَفِدَ قومه، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، نزل الكوفة، ومات سنة 41هـ، وهو من فصحاء العرب وشعرائهم.
وعن عمرو بن الشَّرِيد عن أبيه قال: كنت رِدْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأنشدتُه مائةَ قافيةٍ من قول أميةَ بن أبي الصلت الثقفي، كلما أنشدته بيتًا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «هيه» - أي: زدني -حتى أنشدته مائة -يعني بيتًا- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كاد لَيُسلم». رواه مسلم.
وأخرج البخاري ومسلم عن جُندُب بن سفيان البَجَلي رضي الله عنه قال: أصاب حَجَرٌ إصبعَ رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم فدمِيَتْ، فقال: هل أنت إلا إِصبُعٌ دَمَيْتِ***وفي سبيلِ ﷲ ما لقيتِ
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال له رجل: أفررتم عن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يا أبا عُمارة؟ فقال: لا وﷲ ما وَلَّى رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، ولكن وَلَّى سَرَعانُ الناس، تلقتهم هوازن بالنَّبْلِ، ورسول ﷲ صلى الله عليه وسلم على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذٌ بِلِجامها، ورسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبيُّ لا كذبْ***أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ
عاش أميةُ حتى أدرك وقعة بدر، ورثى من قتل بها من الكفار، ومات بعد ذلك سنة تسع، ولم يسلم.
وأما انتسابه صلى الله عليه وسلم إلى عبد المطلب في هذا الكلام؛ فلأنه قد اشتهر بين الناس من قبل أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى ﷲ، ويهدي ﷲ الخلق على يديه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتَسَبَ إليه ليتذكر ذاك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عُمْرةِ القضاء، وابن رواحة رضي الله عنه يمشي بين يديه، وهو يقول:
خَلُّوا بني الكفارِ عَن سَبيلِهِ *********** اليومَ نَضرِبْكُمُ على تنزيلِه
ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عن مَقيلهِ ********** ويُذْهلُ الخليلَ عن خَليلِه
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بَيْنَ يَدَيْ رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، وفي حرم ﷲ تقول الشعر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: «خَلِّ عنه يا عمر، فَلَهِيَ أسرعُ فيهم من نَضْحِ النَّبْلِ». أخرجه الترمذي، وصححه.
يزيل الهام: جمع هامة، وهي أعلى الرأس، وهي الناصية والمفرِق.
عن مقيله: أي: موضعه.
ففي هذه القصة أن الشعر سلاح قوي في الدعوة إذا أُحسن استخدامه.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثرَ مِنْ مائةِ مَرة، وكان أصحابُه يتناشدون الشِّعرَ، ويتذاكرون أشياءَ من أمرِ الجاهلية وهو ساكتٌ، وربما تَبَسَّم معهم. أخرجه الترمذي، وصححه.
ومن صور الجهاد في العصر الحديث: الجهاد بالكلمة والمقالة والفتوى ونشر العلم، ونشر التوحيد، والفقه الصحيح، والذبِّ عن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، والتعريف به، وبكتاب ﷲ العزيز.
نشاط
1- اكتب مختصرا في آداب وسنن الأكل والشرب.
2- ما حكم الأكل بالشمال؟ استدل لما تقول.
3- ما حكم أكل الضب؟ وما السُّنة فيما إذا لم ترغب في أكل طعام ما؟
4- ما حكم الشرب من فم الإناء؟ وهل ينطبق على الشرب من العبوات المعبأة آليا؟
5- اكتب نبذة عن إدام وفاكهة وشراب رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم؟
6- ما هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشِّعْر؟
7- في ظل الإنترنت والحاسب الآلي والقنوات الفضائية، كيف يمكن أن تكون هذه الوسائل من أدوات الدعوة إلى الله في العصر الحديث؟
ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسمه
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبسم، وجعل هذا سبيلا من سبل زيادة الأجر، فقال صلى الله عليه وسلم: «تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة» رواه الترمذي، وحسنه.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلِقٍ» رواه مسلم.
وعن عبد ﷲ بن الحارث بن جَزْء رضي الله عنه أنه قال: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسُّمًا من رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم». أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
عن عبد ﷲ بن الحارث رضي الله عنه قال: ما كان ضحك رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إلا تبسُّمًا. أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.
وعن جرير رضي الله عنه قال: ما حجبني رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسَّمَ. متفق عليه.
ما حجبني: أي: ما منعني من الدخول إليه.
وأخرج أحمد عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه سئل: «أكنت تجالس رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كان طويلَ الصمت، وكان أصحابُه يتناشدون الأشعار، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إذا ضحكوا». والحديث صححه الألباني.
قال ابن حجر: «والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار».
تبسُّمُه صلى الله عليه وسلم حتى لمن يسيء إليه:
روى البخاريُّ ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرابيٌّ فَجَبَذَ بِرِدائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِها حاشِيَةُ الرِّداءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِه،ِ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مالِ ﷲ الَّذِي عِنْدَكَ، فالتَفَتَ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ.
مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
المزاح: هو الانبساط مع غيره من غير إيذاء له.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه، ولا يقول إلا حقًّا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول ﷲ إنك تداعبنا!! قال: «نعم، غير أني لا أقول إلا حقًا». أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم ليخالطنا -أي: يمازحنا- حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟». متفق عليه. والنغير طائر صغير يشبه العصفور.
وعنه رضي الله عنه: أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان يُهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن زاهرًا باديتُنا، ونحن حاضروه»، وكان صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرْسِلْنِي، فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري هذا العبد؟» فقال: يا رسول ﷲ، إذن وﷲ تجدني كاسدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكن عند ﷲ لست بكاسدٍ»، أو قال: «أنت عند ﷲ غالٍ». أخرجه أحمد، وصحح إسناده الأرناؤوط.
وعن الحسن قال: أتت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ﷲ، ادعُ ﷲ أن يدخلني الجنة، فقال: «يا أمَّ فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز»، قال: فولَّت تبكي. فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن ﷲ تعالى يقول: ﴿ إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلنَٰهُنَّ أَبكَارًا (36) عُرُبًا أَترَابٗا﴾ (الواقعة: 35-37) حسنه الألباني في مختصر الشمائل.
العُرُب: هي المرأة المتحببة إلى زوجها.
والأتراب: هن اللاتي على سنٍّ واحدة، سنِّ ثلاثٍ وثلاثين.
فالمزاح مهمٌّ، وهو من الترويح الذي يخفف على النفس تكاليف الحياة، لكن بشرط ألا يكون في هذا المزاح كذبٌ أو ترويعٌ أو استهزاءٌ بالدين، كما قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: «لم يكن أصحاب رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم منحرفين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار ويذكرون أمر جاهليّتهم، فإذا أُريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون». أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني.
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما: هل كان أصحاب رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يضحكون؟، قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل. أخرجه عبد الرزاق في المصنف.
وقال بلال بن سعد: أدركتهم يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانا. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.
لا يجوز الكذب من أجل إضحاك الناس، كما هو شائع الآن، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له» أخرجه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني.
نوم واستيقاضه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كان ينامُ على النِّطع تارة، وهو البساط من الجلد، وعلى الفراشِ تارةً، وعلى الحصيرِ تارةً، وعلى الأرضِ تارةً، وعلى السريرِ تارةً، وكان فراشُه أَدَمًا - الجلد المدبوغ -، حَشْوُه لِيْفٌ، وكذا وِسادَتُهُ.
ولم يَكُنْ يأخذُ مِن النومِ فوقَ القدرِ المحتاجِ إليهِ، ولا يمنعُ نَفْسَهُ من القدرِ المحتاج إليهِ.
وكانَ إذا نامَ لم يُوقظوه حتى يكونَ هو الذي يَسْتَيْقِظ.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذا أخذَ مَضجَعه وضع كفَّه اليمنى تحت خده الأيمن، وقال: «رب قِني عذابَك يومَ تبعثُ عبادَك»، أخرجه الترمذي وصححه. وفي رواية: «يوم تجمعُ عبادك».
وعن أبي قتادة رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّه الأيمن، وَإِذا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِراعَهُ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ». رواه مسلم.
عَرّسَ: أي: نزل وهو مسافر في الليل للاستراحة.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أموت وأحيا)، وإذا أسيقظ قال (الحمد ﷲ الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». متفق عليه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذا أَوَى إِلَى فِراشِهِ قالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنا وَسَقانا وَكَفانا وَآوانا فَكَمْ مِمَّنْ لا كافيَ لَهُ وَلا مُؤْوِيَ». رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفَّيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما: ﴿ قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ﴾، و﴿ قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يَبدأُ بهما رأسَه ووجهَه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات». رواه البخاري.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام وصلى ولم يتوضأ. متفق عليه.
قال النووي رحمه الله: «هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن نومه مضطجعًا لا ينقض الوضوء؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث لأحسَّ به بخلاف غيره من الناس».
قال سفيان بن عيينة رحمه الله: «وهذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأنه بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه، ولا ينام قلبه».
النوم على الشق الأيمن:
أثبت الطب الحديث أن النوم على الشق الأيمن هو الأفضل في تحقيق السكن الصحي والجسدي للنائم.
فالنوم على الشق الأيمن هو الوضع الصحيح؛ لأن الرئة اليسرى أصغر من اليمنى؛ فيكون القلبُ أخف حملًا، ويكون الكبد مستقرًا لا معلقًا، والمعدة جاثمة فوقه بكل راحتها، وهذا أسهل لإفراغ ما بداخلها من طعام بعد هضمه، كما يعتبر النوم على الجانب الأيمن من أروع الإجراءات الطبية التي تسهل وظيفة القصبات الرئوية اليسرى في سرعة طرحها لإفرازاتها المخاطية.
كما أن النوم على الشق الأيمن يساعد في تدفق الدم من الخلية اليسرى العالية من القلب إلى سائر أنحاء الجسم عبر وريد الأورطي، بما يريح القلب؛ لأن جميع الأعضاء تكون في أسفله أو في مستواه.
من آداب النوم:
نفض الفراش قبل النوم. لحديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِراشَهُ بِداخِلَةِ إِزارِهِ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحِينَ». رواه البخاري ومسلم.
قال الطيبي: «لا يدري ما وقع في فراشه بعدما خرج منه، من تراب أو قذاة أو هوام».
الوضوء قبل النوم استحبابًا. لقول الرسول صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب رضي الله عنه: «إِذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ». أخرجه البخاري ومسلم.
أن ينام على شقه الأيمن، ويتوسَّد يمينه كما سبق.
ألا يضجع على بطنه أثناء نومه ليلًا ولا نهارًا. لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ضجعة أهل النار». أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني.
وقال: «إنها ضجعة يبغضها الله عزوجل» أخرجه أحمد، وقال الأرناؤوط: حسن لغيره.
أن يأتي بأذكار النوم قبل أن ينام، وقد تقدم بعضها، ومما يقال عند النوم:
التسبيح والتحميد والتكبير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمةرضي الله عنهما - وقد طلبا منه خادمًا يساعدهما في البيت- قال: «ألا أدلُّكُما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضجعكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا الله ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» رواه مسلم.
وورد أيضا قراءة سورة (الكافرون) قبل النوم، فعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: يا رسولَ ﷲ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ، إِذا أَوَيْتُ إِلَى فِراشِي؟ قالَ: «اقْرَأْ قُلْ يا أَيُّها الكافِرُونَ»، فَإِنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ. رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ: الم تنزيل (السجدة)، وتبارك الذي بيده الملك. أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
إذا استيقظ الإنسان أثناء نومه فَزِعًا، فالسُّنة أن يقول: «أعوذ بكلمات ﷲ التامات، من غضبه وعقابه وشرِّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» أخرجه أحمد والترمذي وحسنه.
فضل سورة تبارك (المُلْك)
روى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن سورةً من القرآن، ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غُفر له، وهي سورة تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلمُلكُ ﴾.
استيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم:
قال ابن القيم رحمه الله: «مَنْ تَدَبَّرَ نَوْمَهُ وَيَقَظَتَهُ صلى الله عليه وسلم وَجَدَهُ أَعْدَلَ نَوْمٍ، وَأَنْفَعَهُ لِلْبَدَنِ والأَعْضاءِ والقُوَى، فَإِنَّهُ كانَ يَنامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَسْتَيْقِظُ في أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي، فَيَقُومُ وَيَسْتاكُ، وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي ما كَتَبَ الله لَهُ، فَيَأْخُذُ البَدَنُ والأَعْضاءُ والقُوَى حَظَّها مِنَ النَّوْمِ والرَّاحَةِ، وَحَظَّها مِنَ الرِّياضَةِ مَعَ وُفُورِ الأَجْرِ، وَهَذا غايَةُ صَلاحِ القَلْبِ والبَدَنِ، والدُّنْيا والآخِرَةِ». انتهى.
وجاء عند الترمذي وحسنه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «فإِذا اسْتَيْقَظَ، فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ ﷲ الَّذِي عافانِي في جَسَدِي، وَرَدَّ عَليَّ رُوحِي، وأَذِنَ لِي بِذِكِرِهِ».
استعمال السواك. فعن حذيفة رضي الله عنه قال: أخرجه البخاري ومسلم. «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قامَ من الليل يشوصُ فاهُ بالسِّواك»
غسل اليدين والاستنثار ثلاثا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: متفق عليه. «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»
وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثًا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه» متفق عليه.
مسح أثر النوم عن الوجه باليد. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخرجه البخاري ومسلم. «فاستيقظ -أي: النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ عشر آيات من آل عمران - أي: من خواتيمها.
وجاء عند البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «يَعقدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاث عُقدٍ، يَضربُ على مكان كلِّ عُقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإِنِ استيقَظَ فذكرَ ﷲ انحلَّتْ عقدةٌ، فإِن توضَّأَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإِن صلَّى انحلَّتْ عقدةٌ، فأصبح نشيطًا طيَّبَ النّفسِ، وإلاّ أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ».
نشاط
1- ما حكم الضحك في الإسلام؟ وما أثر البسمة في وجه أخيك؟
2- اضرب أمثلة لمزاح رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت موافِقَةً للحق؟
3- يوجد طوائف من المسلمين يخرجون للناس لطرح النِّكات والهزل، فما حكم ذلك؟ وبم توجههم؟
4- اكتب جملة من آداب النوم والاستيقاظ، مبيِّنا حكم النوم على البطن.
عبادته وقراءته وبكاؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عبودية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تعالى هي أعظم ما وُصف به، وأعظم ما امتُدح به، وقد حقق هذا المقام أعظم تحقيق، فقد كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس طاعة وعبادة ﷲ تعالى، وكان هديه كاملا، فلا تقصير، ولا غلو، فحقق بذلك قولَه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) على أكمل وجه، فلم تخلُ لحظة من حياته من عبادة ﷲ جل وعلا، يقظته ونومه، جلوسه وقيامه، مزاحه وابتسامه، وغضبه ﷲ تعالى، فهو قائم ﷲ تعالى بحقه في كل وقت وحين، وكل ذلك باعتدال وتوسُّط وإعطاء كل ذي حق حقه، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم». رواه البخاري ومسلم.
وعنها رضي الله عنها: «وَكان لا تَشاءُ أَنْ تَراهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، وَلا نائِمًا إِلا رَأَيْتَهُ نائِمًا». رواه البخاري.
وفي الحديث: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». أخرجه البخاري ومسلم.
فهذا اعتدالٌ في العبادة، وقيامٌ بحق ﷲ تعالى على الوجه الأكمل، مع إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه.
المداومة على العمل، وقضاء ما فات:
وكان يديم العبادة، فقد سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كان عمل رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا. كان كل عمله ديمة، وأيّكم يستطيع ما كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يستطيع؟! أخرجه البخاري ومسلم.
فكان يداوم على الطاعة، حتى لو فاته شيء من النوافل قضاه.
فعنها :رضي الله عنها «أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ، مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ، أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْناهُ، صَلَّى مِنَ النَّهارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً». رواه مسلم.
وعن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل». رواه مسلم.
وعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: فُلانَةُ، لا تَنامُ اللَّيْلَ، فَقالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم:«عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمالِ ما تُطِيقُونَ، فَوﷲ لا يَمَلُّ ﷲ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكانَ أَحَبَّ ذَلِكَ إِلَى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ» متفق عليه.
وسُئلت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أَيُّ العَمَلِ كانَ أَحَبَّ إِلَى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ قالَتا: ما دِيمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ. أخرجه الترمذي، وصححه.
طول القيام:
وكان يطيل القيام صلى الله عليه وسلم، فعن عوف بن مالك رضي الله عنه: قمت مع رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم فبدأ واستاك وتوضأ، وقام فصلى، فاستفتح بالبقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، ثم ركع فمكث راكعًا بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران ثم سورة، سورة، فعل مثل ذلك. أخرجه النسائي، وصححه الألباني.
وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه قالَ: صَلَّى رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَماهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذا، وَقَدْ غَفَرَ ﷲ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ قالَ: «أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». متفق عليه.
وعَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ كانَتْ صَلاةُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم في رَمَضانَ؟. فَقالَتْ: ما كانَ رسولُ ﷲ ِصلى الله عليه وسلم لِيَزِيدَ في رَمَضانَ وَلا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا لا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا لا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا. قالَتْ عائِشَةُ: قُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، أَتَنامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟. فَقالَ: «يا عائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ، وَلا يَنامُ قَلْبي». متفق عليه.
وعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: صَلَّيْتُ لَيْلَةً مَعَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَزَلْ قائِمًا -أي: أطال القيام جدًا- حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ، قِيلَ لَهُ: وَما هَمَمْتَ بِهِ؟ قالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ، وَأَدَعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
قال الإمام النووي: «اتفق العلماء على أنه إذا شقَّ على المقتدي في فريضة أو نافلة القيامُ، وعجز عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود رضي الله عنه للتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم».
جلوسُه في الصلاة في كِبَرِهِ:
كانَ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي جالِسًا في آخر حياته، بعدما كبر في السن، روى البخاري عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّها لَمْ تَرَ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلاةَ اللَّيْلِ قاعِدًا قَطُّ، حَتَّى أَسَنَّ».
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لَمَّا بَدَّنَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَثَقُلَ كانَ أَكْثَرُ صَلاتِهِ جالِسًا».
وعَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها أَنَّها قالَتْ: «ما رَأَيْتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم صَلَّى في سُبْحَتِهِ -أي: نافلته- قاعِدًا، حَتَّى كانَ قَبْلَ وَفاتِهِ بِعامٍ، فَكانَ يُصَلِّي في سُبْحَتِهِ قاعِدًا». رواه مسلم.
والجلوس في الصلاة ليس له صورة مخصوصة، بل تجزئ كل صفات الجلوس، من احتباء وتربُّع وتورُّك، غير ما ورد النهي عنه، كإقعاء الكلب.
قال القاضي عبد الوهاب: «وأفضلها التربع لأنه أوقر».
وعند البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى قائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القاعِدِ».
وهذا الحديث محمول على صلاة النافلة، فللعبد في النافلة أن يصلي جالسا، ولو كان قادرا على القيام، وله نصف الأجر، أما الفريضة فلا يجوز الجلوس إلا عند العجز عن القيام، وله الأجر كاملا.
صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت: «وَما رأيته صامَ -أي: رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم - شَهْرًا كامِلًا مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلا رَمَضانَ». رواه مسلم.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَقالَ: كانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَرَى أَنْ لا يُرِيدَ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، وَيُفْطِرُ مِنْهُ حَتَّى نَرَى أَنْ لا يُرِيدَ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكُنْتَ لا تَشاءُ أَنْ تَراهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، وَلا نائِمًا إِلا رَأَيْتَهُ نائِمًا». تقدم.
وعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «ما كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ صِيامِهِ في شَعْبانَ» رواه البخاري ومسلم.
عَنْ عَبْدِ ﷲ بن مسعود رضي الله عنه قالَ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ -أي: أوله- ثَلاثَةَ أَيامٍ». أخرجه الترمذي، وحسنه.
عن معاذة قالت: قُلْتُ لِعائِشَةَ رضي الله عنها: أَكانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟ قالَتْ: نَعَم، قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِ كانَ يَصُومُ؟ قالَتْ: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم». أخرجه مسلم.
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَت: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ والأَحَدَ والاثْنَيْنَ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثُّلاثاءَ والأَرْبَعاءَ والخَمِيسَ». أخرجه الترمذي وحسنه.
ففي هذا الحديث: استحباب التنويع، فينوّع الإنسان بين صيام أيام وترك أيام.
قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، لا نعلم فيه خلافا».
وهي وصية رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» أخرجه البخاري ومسلم.
وعن عبد ﷲ بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «صم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالَتْ: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ. أخرجه الترمذي، وحسنه.
ويجب على الصائم أن ينزه صومه عن الكذب والغيبة والشتم.
قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا. ولا يغتاب أحدًا، ولا يعمل عملًا يجرح به صومه.
وقال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس ﷲ حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أخرجه البخاري.
تذلُّلُ النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه، مع قيامه بتلك العبادات:
أخرج مسلم في صحيحه عن الأغرِّ المزني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليُغانُ على قلبي -أي: يُغطى ويُغشى عليه- وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة».
فقد كان صلى الله عليه وسلم دائم الذكر والقربة ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء من ذلك أو نسي عدَّه ذنبًا، ففزع إلى الاستغفار.
قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، يُقطِّع قِراءَتَهُ، يَقُولُ: ﴿ٱلۡحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، وَكانَ يَقْرَأُ ﴿مَٰلِكِ يَومِ ٱلدِّينِ﴾ أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
وفي رواية لأحمد وصححها الأرناؤوط: (آيةً آية) أي: يقف عند كل آية.
وعن عبد الله بن أبي قيس قال: «سَأَلْتُ عائِشَةَ عَنْ قِراءَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَكانَ يُسِرُّ بِالقِراءَةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كانَ يَفْعَلُ، قَدْ كانَ رُبَّما أَسَرَّ وَرُبَّما جَهَرَ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في الأَمْرِ سَعَةً». أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
وعَنْ أُمِّ هانِئٍ رضي الله عنها قالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ قِراءَةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ، وَأَنا عَلَى عَرِيشِي. أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «كانَتْ قِراءَةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رُبَّما يَسْمَعُها مَنْ في الحُجْرَةِ -أي: صحن البيت-، وَهُوَ في البَيْتِ». أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
قال ابن حجر: «والمقصود أن قراءته صلى الله عليه وسلم كانت متوسطة، لا في نهاية الجهر، ولا في غاية الإخفاء».
وقد دل الحديث على أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مرتفعة ارتفاعًا كبيرًا، ولم تكن منخفضة لا يسمعها أحد.
ففيه التأسي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجهَر بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِت بِهَا وَٱبتَغِ بَينَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا﴾ (الإسراء: ١١٠).
فينبغي التأسي برسول ﷲ صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن في جهره وإخفائه، في ترتيله وبيانه، فالقرآن إنما أنزل للتدبر والعمل بما فيه، كما قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ إِلَيكَ مُبَٰرَك لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلبَٰبِ﴾ (ص: ٢٩).
والتدبر لا يحصل بسرعة القراءة، بل بالتأني وحسن الترتيل، وقد اتفق العلماء على استحباب الترتيل، معتمدين على ما ورد في هذه الأحاديث الصحيحة، وأن قراءة النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت مُرتلة مفسرة.
جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: إني سريع القراءة، وإني أقرأه في ثلاث. فقال: لأن أقرأَ البقرة في ليلة، فأتدبرَها وأرتلَها أحبُّ إلي من أن أقرأَ كما تقول. أخرجه البيهقي.
قال الآجري: «والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبُّرِه أحبُّ إليَّ من كثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، فظاهر القرآن يدل على ذلك والسنة وأقوال أئمة المسلمين».
وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: «سَمِعْتُ عَبْدَ ﷲ بْنَ مُغَفَّلٍ رضي الله عنه يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ناقَتِهِ يَوْمَ الفَتْحِ، وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿ إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحٗا مُّبِينٗا (1) لِّيَغفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ (الفتح: ١) قالَ: فَقَرَأَ وَرَجَّعَ. قالَ ثُمَّ قرأ مُعاوِيَة يحكي قِراءةَ ابنِ مُغَفَّلٍ، وَقالَ: لَوْلا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيكُم لَرَجَّعْتُ كَما رَجَّعَ ابنُ مُغَفَّلٍ، يَحْكِي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقلت لمعاويةَ كَيْفَ كانَ تَرْجِيعُهُ؟ قال: آ آ آ ثَلاثَ مَرَّاتٍ». رواه البخاري.
ورجَّع: أي: ردد صوته بالقراءة.
فعلى المرتل للقرآن أن يبذل جهده في تحسين صوته بتلاوته، وأن يجعل ذلك ديدنه وعادته اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وامتثالًا لأمره.
قال ابن أبي جمرة: «معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء ينافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة».
وقال القاري: «ومما يؤيده أنه صلى الله عليه وسلم استمع لقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فلما أخبره بذلك قال: «لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبَّرتُه لك تحبيرًا»، أي: زدت في تحسينه بصوتي تزيينًا،... وأما ما فيه تكلُّفٌ وتصنُّعٌ بتعلم أصوات الغناء والألحان المخصوصة، فهذه من التي كرهها السلف والأتقياء من الخَلَف».
وقد جمع ذلك كله ابن القيم رحمه الله فقال:
«كان له صلى الله عليه وسلم حِزبٌ يقرؤه ولا يُخِلُّ به، وكانت قراءتُه ترتيلًا لا هذًّا ولا عجلة، بل قِراءةً مفسَّرة حرفًا حرفًا، وكان يُقَطِّع قراءته آية آية، وكان يمدُّ عند حروف المد، فيمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم)، وكان يستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم في أول قراءته، فيقول: «أعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيطانِ الرَجِيم»، ورُبَّما كان يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم من هَمْزِهِ ونَفْخِهِ، ونَفثِهِ» وكان تعوّذُه قبلَ القراءة، وكان يُحبُّ أن يسمع القرآنَ مِن غيره، وأمر عبد اللّه بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع، وخَشَع صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن مِنه حتى ذرفت عيناه.. وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومُحْدِثًا، ولم يكن يمنعه من قِراءته إلا الجنابة.. وكان صلى الله عليه وسلم يتغنَّى به، ويُرجِّع صوتَه به أحيانًا، كما رجَّع يوم الفتح في قراءته: ﴿ إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحٗا مُّبِينٗا ﴾ (الفتح: 1)». انتهى.
بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بالرغم مما ينقل عن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم من رباطة الجأش والقوة والهيبة والثبات، لكنه صلى الله عليه وسلم شديد رقة القلب، حليم، يتأثر لأيِّ موقف محزن، فيبكي صلى الله عليه وسلم، ويُبكِي مَن حوله، ومن تلك المواقف ما يأتي:
بكاؤه في الصلاة:
عن عبد ﷲ بن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكاءِ. أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
المِرجَل: الإناء الذي يغلي فيه الماء، والأزيز: صوت غليان الماء فيه.
وهذ الحديث دليل على جواز البكاء في الصلاة، وأنه لا يفسدها على الصحيح من أقوال أهل العلم، خاصة ما كان بسبب ذكر الجنة والنار.
وعن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارسٌ يومَ بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
بكاؤه عند سماع القرآن:
عن عبد ﷲ بن مسعود رضي الله عنه قال: قالَ لِي رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، أَقَرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ، حَتَّى بَلَغْتُ ﴿ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ﴾ (النساء: ٤١). قال: «حسبُك الآنَ». فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
قال ابن بطال: «إنما بكى صلى الله عليه وسلم عند تلاوة هذه الآية؛ لأنه مثَّل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء» انتهى.
وقال ابن حجر: «والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته؛ لأنه علم أنه لا بد أن يشهد بعَمَلهم، وعَمَلُهم قد لا يكون مستقيما، فقد يُفضي إلى تعذيبهم».
بكاؤه عند الموت:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كان ابنٌ لبعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم يقضي -يحتضر-، فأرسلت إليه أن يأتيها، فأرسل: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ إلى أجلٍ مسمى، فلتصبر ولتحتسب» فأرسلت إليه، فأقْسَمَتْ عليه، فقام رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم وقمت معه، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم الصبيَّ ونفسُهُ تقلقل -أي: تضطرب- في صدره، فبكى رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟! فقال: «إنما يرحم ﷲ من عباده الرحماء». رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «شَهِدْنا ابْنَةً لِرسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، وَرسولُ ﷲ جالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدمَعانِ، فَقالَ: أَفيكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقارِفِ -أي: يجامع- اللَّيْلَةَ؟ قالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنا، قالَ: انْزِلْ، فَنَزَلَ في قَبْرِها». أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت». أخرجه مسلم.
وفى الحديث أن أمَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ماتت على الشرك، وأنها ليست من أهل الفترة الذين يُختَبرون يوم القيامة، ولم يثبت أن ﷲ تعالى أحيا والدي النبي صلى الله عليه وسلم وآمنا به، ثم ماتا!!، فكل هذا من التجاوزات والغلو في رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، وفي آله.
وعن البراء رضي الله عنه قال: كنا مع رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بلَّ الثرى، ثم قال:«يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا». أخرجه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني.
بكاؤه لموت أصحابه رضي الله عنهم:
عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ رضي الله عنه وَهُوَ مَيِّتٌ؛ وَهُوَ يَبْكِي أَوْ قالَ: عَيْناهُ تَهْراقانِ -أي: تذرفان، وتسيل دموعهما-». أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
وعثمان بن مظعون رضي الله عنه: هو أخٌ من الرضاعة لرسول ﷲ صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رحيمًا عطوفًا، يبكي على فراق ولده، وأصحابه رضي الله عنهم .
ولم يكن بكاؤه صلى الله عليه وسلم على سبيل الجزع، إنما هو بكاء رحمة:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أَخَذَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم ابْنَةً لَهُ تَقْضِي -أي: تحتضر-، فاحْتَضَنَها، فَوَضَعَها بَيْنَ يَدَيْهِ، فَماتَتْ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَصاحَتْ أُمُّ أَيْمَنَ رضي الله عنها، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: أَتَبْكِينَ عِنْدَ رسولِ ﷲ؟ فَقالَتْ: أَلَسْتُ أَراكَ تَبْكِي؟ قالَ: إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي، إِنَّما هِيَ رَحْمَةٌ، إِنَّ المُؤْمِنَ بِكُلِّ خَيْرٍ عَلَى كُلِّ حالٍ، إِنَّ نَفْسَهُ تُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ، وَهُوَ يَحْمَدُ ﷲ تعالى». أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني.
وقد قال لأم أيمن رضي الله عنها هذا الكلام؛ لأن بكاءَها كان بصياح ورفع صوت، مع إشعار بالجزع، فأنكر عليها ذلك، ثم قال: «إني لست أبكي»- أي: لم أبكِ على سبيل الجزع وعدم الصبر، ولا يصدر عني ما نهى الله عنه من الدعاء بالويل والثبور والصياح ونحو ذلك- «إنما هي رحمة» أي: إنما هو بكاء رحمة. أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
نشاط
1- كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة؟ وبمَ كان يعلل كثرة عبادته؟
2- من ناحية فقهية، ما حكم من نام عن الوتر؟ وما حكم الصلاة قاعدا مع القدرة على القيام؟
3- ما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن؟ وكيف تُحقِّقُ التدبر لما تقرأ؟
4- اذكر نماذج من بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، وما حكم البكاء في الصلاة؟ وهل يفسدها؟
5- كيف تجيب على من يغلو في والدي الرسول صلى الله عليه وسلم؟
تواضعه وخلقه وسنه ووفاته وميراثه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم جمَّ التَّواضُع، لا يعتريه كِبرٌ ولا بَطَرٌ على رِفْعَة قَدْرِه وعلوِّ منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يُعْرَف مجلسه مِن مجلس أصحابه؛ لأنَّه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل عنه.
قال القاضي عياض رحمه الله: «و أما تواضعه صلى الله عليه وسلم، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان أشد الناس تواضعًا، و أقلهم كِبْرا».
وحسبك أنه خُيِّر بين أن يكون نبيًّا مَلِكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا.
و قد دخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هوِّنْ عليك؛ فإني لست بمَلِكٍ، إنما أنا ابنُ امرأةٍ من قريشٍ، تأكلُ القديدَ». أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني.
ومن نماذج تواضعه ما يأتي:
تواضعه في الفراش:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إِنَّما كانَ فِراشُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَنامُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهُ لِيفٌ» متفق عليه.
الأَدَم: جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ.
وعنها رضي الله عنها قالت: كانت وسادة رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم التي ينام عليها بالليل من أَدَمٍ، حشوُها ليفٌ. رواه أبو داود وصححه الألباني.
قال النووي: «وفي الحديث جواز اتخاذ الفراش والوسادة والنوم عليها والارتفاق بها».
وقال القاري: «الأظهر أنه يقال فيه بالاستحباب لمداومته عليه صلى الله عليه وسلم، ولأنه أكمل للاستراحة التي قصدت بالنوم، للقيام على النشاط في العبادة».
وعن عبد ﷲ بن مسعود رضي الله عنه قال: اضطجع رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم على حصير فأثَّر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول ﷲ، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا، فقال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلَّ تحتَ شجرة ثم راح وتركها. أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
قال ابن القيم: «كانَ يَنامُ عَلَى الفِراشِ تارَةً، وَعَلَى النَّطْعِ تارَةً، وَعَلَى الحَصِيرِ تارَةً، وَعَلَى الأَرْضِ تارَةً، وَعَلَى السّرِيرِ، تارَةً بَيْنَ رِمالِهِ، وَتارَةً عَلَى كِساءٍ أَسْوَدَ».
تواضعه في المجلس:
عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: «كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دُكَّانا -الدكة المبنية للجلوس عليها- من طينٍ فجلس عليه، وكنا نجلس بجنبَتَيه». أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.
كراهيته القيام له:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، وَكانُوا إِذا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِما يَعْلَمُونَ مِنْ كَراهَتِهِ لِذَلِكَ». أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن القيام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قيام للشخص، وقيام عليه، وقيام إليه.
القيام له، أي: أنه إذا دخل قمت إجلالًا وإكرامًا له، وهذا لا بأس به.
القيام إليه: أن يتقدم الإنسان إلى القادم ويخطو خطوات وهذا جائز، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه للتحكيم: «قوموا إلى سيدكم» أخرجه البخاري ومسلم، فأمر بالقيام إليه إكرامًا له.
القيام على الشخص: وهو لا يجوز، إلا إذا كان في ذلك إغاظة للمشركين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نقوم على غيرنا كما تقوم الأعاجم على ملوكها. أخرجه أبو داود، وضعفه الألباني.
بل في الصلاة لما صلى جالسًا، وصلوا خلفه قيامًا أمرهم أن يجلسوا؛ لئلا تظهر صورة المشابهة حتى في الصلاة.
فإن كان في ذلك إغاظة للمشركين فإنه لا بأس به، كما فعل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين قام على رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، وقريش تراسله في صلح الحديبية.
فهذا لا شك أنه محمود؛ ليتبين لهؤلاء الكفار أن المسلمين يعظمون زعماءهم وعظماءهم.
نهيه عن إطرائه:
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «لا تُطْرُونِي كَما أَطْرَتِ النَّصارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّما أَنا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ ﷲ وَرسولُهُ». رواه البخاري.
الإطراء: هو الإفراط في المديح ومجاوزة الحد فيه، وقيل: هو المديح بالباطل والكذب فيه.
(كَما أَطْرَتِ النَّصارَى ابْنَ مَرْيَمَ): وذلك أنهم أفرطوا في مدحه، وجاوزوا في حدِّه، إلى أن جعلوه ولدًا ﷲ تعالى.
تواضعه في قبول الدعوة:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ والإِهالَةِ السَّنِخَةِ فَيُجِيبُ». أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني.
الإِهالَة: دهن اللحم الجامد.
السَّنِخَة: المتغيرة الرِّيح من طول المكث.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أُهدي إليَّ كُراعٌ لَقَبِلتُ، ولو دُعيتُ عليه لأجبْتُ». رواه البخاري.
الكراع: من الإنسان ما دون الركبة، ومن الدواب ما دون الكعب، والأصل أن كراع الشيء طرفه.
وفي الحديث دليل على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وتواضُعِه وجبرِه لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية، وإجابة من يدعو الرجلَ إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل.
تواضعه في بيته:
عن عمرة قالت: قيل لعائشة رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كانَ بَشَرًا مِنَ البَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ. أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
يَفْلِي ثَوْبَهُ: أي: يفتشه ليلتقط ما علق فيه من شوك ونحوه.
وروى البخاريُّ عن الأسود، قال: «سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهْنَةِ أهله -أي: خدمة أهله-، فإذا حضرت الصَّلاة خرج إلى الصَّلاة».
تواضعه صلى الله عليه وسلم مع الصغار:
روى البخاريُّ ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم، وقال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله.
وعن أنس رضي الله عنه قال: وكان صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم. أخرجه ابن حبان، وصححه الألباني.
وعنه رضي الله عنه قال: «إن كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم ليخالطنا، حتى يقول لأخٍ لي صغير: يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَيرُ؟» أخرجه البخاري ومسلم.
فكان صلى الله عليه وسلم متواضعًا من غير ذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب رحيمًا بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.
خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم
الخُلُق: السجية والطبيعية والمروءة، والمراد به صورة الإنسان الباطنة.
والمراد بحسن الخلق: تحصيل الفضائل وترك الرذائل.
وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم فقالت: «كان خلقه القرآن» أخرجه مسلم، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يتصف بكل صفة حميدة مذكورة في القرآن، ويجتنب كل خصلة ذميمة مسطورة فيه، وصدق الله تعالى إذ قال فيه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ﴾ (القلم: 4).
قال ابن كثير: «ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثالُ القرآنِ أمرًا ونهيًا سجيةً له وخلقًا... فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله ﷲ عليه من الخُلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل».اهـ.
قالت عائشة رضي الله عنها: «لَمْ يَكُنْ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم فاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وَلا صَخَّابًا في الأَسْواقِ، وَلا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ». أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: حسن الخلق أي: حسن الخلق مع ﷲ، وحسن الخلق مع عباد ﷲ.
فأما حسن الخلق مع ﷲ: فأن تتلقى أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم، وألا يكون في نفسك حرج منها ولا تضيقَ بها ذرعا، فإذا أمرك ﷲ بالصلاة والزكاة والصيام وغيرها، فإنك تقابل هذا بصدر منشرح.
أما حسن الخلق مع الناس، فإنه: كفُّ الأذى، والصبر على الأذى، وطلاقة الوجه وغيره.
حسن خلقه مع الخدم:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خَدَمْتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لِي «أُفٍّ» قَطُّ، وَما قالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: «لِمَ صَنَعْتَهُ»، وَلا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: «لِمَ تَرَكْتَهُ؟». متفق عليه، واللفظ للترمذي.
وَعن أنسٍ رضي الله عنه كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَلا مَسِسْتُ خَزًّا وَلا حَرِيرًا وَلا شَيْئًا كانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، وَلا شَمِمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلا عِطْرًا كانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
رِفقُه وعدمُ عنفه:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان اليهود يُسلِّمون على النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: السام عليك -أي: الموت-، ففطِنَتْ عائشة إلى قولهم، فقالت عليكم السَّامُ واللعنة.فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله».فقالت يا نبي ﷲ، أولم تسمع ما يقولون؟ قال:«أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم؟! فأقول: وعليكم».
أخرجه البخاري ومسلم.
وعنها رضي الله عنها قالت: ما ضَرَبَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم بيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلا أَنْ يُجاهِدَ في سَبيلِ ﷲ، وَلا ضَرَبَ خادِمًا وَلا امْرَأَةً. رواه مسلم.
وعنها رضي الله عنها أنها قالت: «.. وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة ﷲ فينتقم ﷲ بها». أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقَعُوا به، فقال لهم رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم: «دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء، أو سَجْلًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». رواه البخاري.
سخاؤه صلى الله عليه وسلم:
عن محمد بن المنكدر قال: «سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ ﷲ رضي الله عنهما يَقُولُ: ما سُئِلَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ، فَقالَ: لا». متفق عليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكانَ أَجْوَدَ ما يَكُونُ في شَهْرِ رَمَضانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فإذا لقيَهُ جِبريلُ كانَ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ المرسلةِ». متفق عليه.
وفي هذا بيان عظيم سخائه وغزارة جوده.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَد. أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
وهذا يدل على قوةِ توكُّلِهِ صلى الله عليه وسلم على ﷲ سبحانه وتعالى.
وأما ما جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخر لأهله قوتَ سنتهم.
فقال ابن حجر: «إنما جاء من ضرورة الواقع؛ لأن الذي كان يُدَّخر لم يكن يُحصَّل إلا من السَّنة إلى السَّنة؛ لأنه كان إما تمرًا، وإما شعيرًا، فلو قدر أن شيئًا مما يدخر كان لا يحصل إلا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادخار؛ لأجل ذلك. والله أعلم».
حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياء من العذراء في خِدْرِها- أي: سترها-، وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه. متفق عليه.
(وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه) أي: يتغير وجهه، فيعرف أصحابه كراهته لذلك.
قال القاري: «وكذا البنت المخدرة غالبًا لا تتكلم في حضور الناس، بل يُرى أثر رضاها وكراهتها في وجهها، وبهذا يظهر وجه الارتباط بين الجملة الأخيرة وبين ما تقدم».
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، فبعد أن أكل الصحابة تفرقوا، وبقي ثلاثة منهم في البيت يتحدثون، والنبي صلى الله عليه وسلم يريد خروجهم، قال أنس رضي الله عنه: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء».
وفي رواية: «جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستحي منهم أن يقول لهم شيئًا».
وهذا الحديث من أعظم الأدلة على شدة حيائه صلى الله عليه وسلم، فقد حمله الحياء على عدم مواجهة أصحابه بشأن خروجهم، حتى تولى ﷲ تعالى بيان ذلك؛ إعظامًا لحق نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤذَنَ لَكُم إِلَىٰ طَعَامٍ غَيرَنَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِن إِذَا دُعِيتُم فَٱدخُلُواْ فَإِذَا طَعِمتم فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُستَـٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُم كَانَ يُؤذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَستَحيِۦ مِنكُم وَٱللَّهُ لَا يَستَحيِۦ مِنَ ٱلحَقِّ ﴾ (الأحزاب: 53).
سنُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحَى إليه، وبالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين» متفق عليه.
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما كان الموت مكرُوهًا بالطبع، لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة، لم يمت نبيٌّ من الأنبياء إلا وهو راضٍ كل الرضى عن ذلك، وأن يلحق بالرفيق الأعلى؛ وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يعرِّض باقتراب عُمُره في آخر أجله، وقال للناس في حجة الوداع: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه». أخرجه مسلم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُها إِلَى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم كَشْفُ السِّتارَةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، والنَّاسُ خَلْفَ أَبي بَكْرٍ -أي: في صلاة الصبح-، فَكادَ النَّاسُ أَنْ يَضْطَربُوا، فَأَشارَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اثْبُتُوا، وَأَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّهُمْ، وَأَلْقَى السِّجْفَ -أي: الستر-، وَتُوُفِّيَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ -أي: يوم الاثنين-. أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني.
وفي رواية عند مسلم: «ثم تبسَّم رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم ضاحكًا».
قال النووي: «سبب تبسُّمِه صلى الله عليه وسلم فرحُه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتباعِهم لإمامهم، وإقامتِهم شريعتَه، واتفاقِ كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه صلى الله عليه وسلم على عادته، إذا رأى أو سمع ما يسره». ا هـ.
(فكاد الناس أن يضطربوا): فأرادوا أن يقطعوا الصلاة من كمال الفرحة بطلعته.
وأبو بكر يؤمهم: وذلك بأمره صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». أخرجه البخاري ومسلم.
وفيه: الإشارة إلى خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وأنه هو الخليفة الأول للنبي صلى الله عليه وسلم.
السِّجفُ: الستر، وقيل: لا يسمى سِجْفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنْتُ مُسْنِدَةً النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إِلَى صَدْرِي أَوْ قالَتْ: إِلَى حِجْرِي، فَدَعا بِطَسْتٍ لِيَبُولَ فيهِ، ثُمَّ بِالَ، فَماتَ. أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني.
وفي رواية: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، وفي نوبتي، وبين سَحْري ونَحْري، وجمع الله بين ريقي وريقه» رواه البخاري.
وذلك أنها ليّنت السِّواك بريقها، ثم استعمله النبي صلى الله عليه وسلم.
والسَّحْر: الرئة، والنَّحْر: مجمع التراقي في أعلى الصدر.
والمراد أنه مات ورأسه بين حَنَكِها وصدرها صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها.
وفي هذا كله إشارات لعُلُوِّ منزلة عائشة رضي الله عنها عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث مات النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، وبين سَحْرها ونحْرها، وكان آخرَ ما ذاق من الدنيا ريقُها، رضي الله عنها.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: رَأَيْتُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِالمَوْتِ، وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فيهِ ماءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالماءِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَراتِ المَوْتِ. أخرجه الترمذي، وحسنه ابن حجر.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة وعبد ﷲ بن عباس رضي الله عنهم قالا: لما نزل برسول ﷲ صلى الله عليه وسلم، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة ﷲ على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذِّر ما صنعوا.
قال القرطبي: «في تشديد الموت على الأنبياء فائدتان: إحداهما: تكميل فضائلهم، ورفع درجاتهم، وليس ذلك نقصًا ولا عذابًا، بل هو كما جاء: «إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». والثانية: أن يعرف الخلقُ مقدار ألم الموت، فقد يطلع الإِنسان على بعض الموتى، ولا يرَى عليه حركة ولا قلقًا، ويرَى سهولة خروج روحه؛ فيظن الأمر سهلًا، ولا يعرفُ ما الميتُ فيه». اهـ.
قال ابن رجب رحمه الله: «وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين في شهر ربيع الأول بغير خلاف».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لعنة ﷲ على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذر ما صنعوا.
فيه: التحذير العظيم في آخر لحظات حياة النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذِ قبورِ الأنبياءِ مساجدَ؛ وأنه مستوجب للعن، فكيف بقبور الصالحين وغيرهم ممن هم دون الأنبياء؟! وتحذيره من ذلك في تلك اللحظات لَهُو أكبر دليل على تحريم وتجريم هذا الفعل، وِعظم مخالفته للشرع الحنيف، ولمقام التوحيد.
موضع دفنه صلى الله عليه وسلم:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا قُبِضَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم اخْتَلَفُوا في دَفْنِهِ، فَقالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «سَمِعْتُ مِنْ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا ما نَسِيتُهُ، قالَ: ما قَبَضَ ﷲ نَبيًّا إِلا في المَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فيهِ، ادْفِنُوهُ في مَوْضِعِ فِراشِهِ». أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ رحمه الله: «قد عُلِمَ بالتَّواترِ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم دُفِنَ في حُجْرةِ عائشةَ رضي الله عنها التي كانتْ تختصُّ بها، شرقيَّ مسجدِهِ في الزَّاويةِ الغربية القبليةِ من الحُجْرةِ، ثُمَّ دُفِنَ فيها أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ رضي الله عنهما».
التبرك الممنوع بقبر النبي صلى الله عليه وسلم
تشرع زيارة قبر رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم بدون شد الرحال إليه، وفاعل ذلك مثاب، كما يثاب على زيارة القبور في الجملة، إلا أن بعض الزائرين لقبره صلى الله عليه وسلم أحدثوا بدعا ومخالفات شرعية عظيمة، وهذا محرم، ممنوع شرعا؛ حسما لمادة الشرك، وتحقيقا للتوحيد، وإخلاصا لله تعالى، ومن هذه الصور ما يأتي:
1- طلب الدعاء أو الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم
2- جعل القبر قبلةً والصلاة إليه
3- التمسح بالقبر أو تقبيله
ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثُك؟ فقال: أهلي وولدي، فقالت: ما لي لا أَرِثُ أبي؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نُورَثُ»، ولكني أَعولُ من كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم يَعولُه، وأنفق على من كان رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم ينفق عليه. أخرجه أحمد، والترمذي، وصححه الألباني.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة ابنة رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها، فقال أبو بكر: إن رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «لا نُورَثُ. ما تركنا صدقة».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَقْسِمُ ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعدَ نفقةِ نسائي ومؤنَة عاملي فهو صدقة». متفق عليه.
قال الشيخ الألباني في عدم توريث أبي بكر لفاطمة رضي الله عنها: «هذا مما أنكرته الشيعة على الصديق رضي الله عنه، وطعنوا فيه ما شاء لهم هواهم وضلالهم؛ لأنه لم يُورِّثِ السيدة فاطمة رضي الله عنها؛ عملًا بهذا الحديث المتفق عليه عنه، وقد رواه جمع آخر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم مثل: عمر وعثمان و سعد وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وعائشة وغيرهم». اهـ.
نشاط
1- بين كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم متواضعا في جوانب شتى؟
2- ما حكم القيام على الناس ولهم؟ فصِّل القول في ذلك مع الدليل.
3- كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ جناب التوحيد، وينهى عن الغلو؟
4- كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته مثالًا عظيما للرجل، بين ذلك.
5- من عدة جوانب بين حسنَ خلقِ النبي صلى الله عليه وسلم.
6- ما آخر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حياته؟ وعلامَ يدُلُّ؟
7- كيف تجيب الشيعةَ الطاعنين في أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنه منع فاطمة إرثها من رسول ﷲ صلى الله عليه وسلم؟
المصادر
السيرة النبوية لابن هشام.
تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون.
البداية والنهاية لابن كثير.
زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم الجوزية.
الروض الأنف للسهيلي.
عيون الأثر لابن سيد الناس.
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي.
مختصر السيرة النبوية لمحمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
الرحيق المختوم للمباركفوري، وعليه الاعتماد في أكثر المادة.
مقدمة في السيرة (للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود). أسبوع إلقاء المحاضرة أهمية دراسة الشمائل الأسبوع الأول خلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الأول تسريحه لشعره صلى الله عليه وسلم الأسبوع الثاني لحيته صلى الله عليه وسلم الأسبوع الثاني خاتم النبوة الأسبوع الثالث المشي في نعل واحدة الأسبوع الثالث عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الرابع جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الرابع عرقه صلى الله عليه وسلم الأسبوع الخامس أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الخامس أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع السادس شرب النبي صلى الله عليه وسلم الأسبوع السادس ومن أسباب النهي عن الشرب من فم الإناء الأسبوع السابع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع السابع ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسمه الأسبوع الثامن نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الثامن استيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم الأسبوع التاسع جلوسه صلى الله عليه وسلم في الصلاة في كبره الأسبوع التاسع بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع العاشر تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع العاشر نهيه صلى الله عليه وسلم عن إطرائه الأسبوع الحادي عشر خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الحادي عشر سخاؤه صلى الله عليه وسلم الأسبوع الثاني عشر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبوع الثاني عشر والله ولي التوفيق