مجموعة زاد التربية الإسلامية (1)، والسيرة النبوبة (1)، والعقيدة (1)، والفقه (1)
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ. مجموعة زاد التربية الإسلامية (1) PRJ 277 مجموعة زاد السيرة النبوية (1) PRJ 240 مجموعة زاد العقيدة (1) PRJ 274 مجموعة زاد الفقه (1) PRJ 275
التربية الإسلامية (1)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب التربية الإسلامية (1):
يحتوي هذا الكتاب على بيان جملة من الحقوق الشرعية المتنوعة، وبيان منزلتها وأهميتها، مع إيضاح فقه أدائها، وإبراز ما لمراعاتها من آثار، فيعرض الكتاب لبيان حق الله تعالى، وحق النبي صلى الله عليه وسلم، وحق الصحابة رضي الله عنهم، وحق العلماء، وحق الوالدين، وحق الأولاد، وحق الزوجين، وحق ذوي الرحم، وحق الجار، وحق الضيف والمضيف، وحق الراعي والرعية.
التربية الإسلامية (1)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» قال الشوكاني رحمه الله: وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» وفي الحديث: رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الله سبحانه خلق الإنسان اجتماعيًا بفطرته، يميل إلى الاختلاط بالناس، وهذا الميل الطبيعي ينشأ عنه تعارف وعلاقات مختلفة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ (الحجرات: 13).
ويترتب على هذا الاختلاط بالناس حقوقٌ تجب على كل إنسانٍ تجاه الآخرين، كلٌّ بحسبِ درجةِ قربِه أو بُعْدِه، فما يجب للوالدين من حقوقٍ يختلف عما يجب للزوجة، وما يجب للمسلم يختلف عما يجب لغير المسلم، وهكذا، والإنسان مطالبٌ بالتوازن في هذا الجانب بإعطاء كل ذي حق حقّه.
كما في حديث سلمان رضي الله عنه أنه قال لأبي الدرداء رضي الله عنه حينما عكف على العبادة ولم يقم بحقوق أهله: «إِنّ لِربِّك عليْك حقًّا، ولِنفْسِك عليْك حقًّا، ولِأهْلِك عليْك حقًّا، فأعْطِ كُلّ ذِي حقٍّ حقّهُ، فأتى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلِك لهُ، فقال النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «صدق سلْمانُ» » أخرجه البخاري.
وأداءُ هذه الحقوقِ لأصحابها يحتاج من الإنسان فقهًا وعلمًا بمنزلة كل حق، وعند تعارضِ الحقوقِ ماذا يقدم من الحقوق، وماذا يؤخر؟
وفي هذا الكتاب نتناول أهم الحقوق التي يحتاج المسلم إلى بيانها، ومعرفة ما يتعلق بها.
والله ولي التوفيق
حق الله سبحانه وتعالى على العباد
معرفة حقوق الله تعالى على عباده أوجب الواجبات وأعظمها؛ وذلك أن حق الله مقدمٌ على حقِّ غيره، فالقيام بحقوقه سبحانه قيام بالغاية التي خلق من أجلها الإنسان.
وحق الله على عباده ينحصر في القيام بعبادته وحده لا شريك له، والبُعد عن الإشراك به.
قال سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ (النساء: 36).
وقال جل في علاه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾ (البقرة: 21-22).
قال ابن كثير رحمه الله حول هذه الآية ما خلاصتُه: «شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته؛ لأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة.. وأنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يُعبد وحده، ولا يُشرك به غيره، ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ » (البقرة: 22). وبهذا قال:
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56).
وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: «كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا» فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتّكلوا».
والعبادة في الأصل: الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّد، وبعير معبّد، أي: مذلّل.
والعبادة المأمور بها هي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة».
وحقوق الله سبحانه وتعالى على عباده تتمثّل في الآتي:
الإيمان به سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ (الحديد: 7).
عبادته وحده سبحانه لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حقُّ اللهِ على العِبادِ أنْ يعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شيْئًا...» أخرجه البخاري ومسلم.
الإيمان بأسمائه وصفاته، كما وردت في الكتاب والسنة، وكما فهمها السلف الصالح.
وذلك أن الله سبحانه أعلم بذاته وأسمائه وصفاته من غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ (طه: 110).
مع ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ قال تعالى: (الشورى: 11).
تعظيم الله سبحانه وتعالى وتوقيره، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ (نوح: 13) - أي: لا تخافون ﷲ عظمة، وليس لله عندكم قدر.
ومن صور تعظيم الله سبحانه وتعالى:
1- تعظيم حرمات الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: معاصيه، فيجتنبها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ (الحج: 30).
2- تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى . قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ أي أوامره ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (الحج: 32).
3- إكرام أهل طاعته وإجلالهم. عنْ أبِي مُوسى الْأشْعرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ إِكْرام ذِي الشّيْبةِ الْمُسْلِمِ، وحامِلِ الْقُرْآنِ غيْرِ الْغالِي فِيهِ والْجافِي عنْهُ، وإِكْرام ذِي السُّلْطانِ الْمُقْسِطِ» أخرجه أبوداود، وحسنه الألباني.
ومن حقوق الله تعالى:
- الحياء من الله سبحانه وتعالى وخشيته في السرِّ والعلن، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ (النساء: 108).
- الخضوع لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيق شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ (الأحزاب: 36).
محبة ﷲ سبحانه وتعالى، لقول النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ منْ كُنّ فِيهِ وجد حلاوة الإِيمانِ: أنْ يكُون اللّهُ ورسُولُهُ أحبّ إِليْهِ مِمّا سِواهُما..» أخرجه البخاري ومسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: «فمحبة العبودية هي أشرف أنواع المحبة، وهي خالصُ حقِّ الله على عباده».
المداومة على ذكر الله وشكره على نعمه، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ (البقرة: 152).
الرضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا.
قال ابن القيم: «من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا».
عدم نسبة الشرِّ لله سبحانه وتعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم: أخرجه مسلم. «والْخيْرُ كُلُّهُ فِي يديْك، والشّرُّ ليْس إِليْك»
- دوام الاستغفار والتوبة لله تعالى من الذنوب، قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (النور: 31).
قال النووي «اعلم أن كلّ من ارتكب معصيةً لزمه المبادرةُ إلى التوبة منها، والتوبةُ من حقوق الله».
إحسان الظن بالله سبحانه وتعالى، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمُوتنّ أحدُكم إلا وهو يُحْسِنُ الظنّ بالله» أخرجه مسلم.
من فوائد معرفة حقوق الله على العبد
يُخلِّص الإنسان من العجب والكبر، ويورثه ازدراء النفس ومقتها.
يغلق باب رؤية العمل والعجب به والاتكال عليه.
يورث النفس الذلّ والخضوع والانكسار ﷲ سبحانه وتعالى.
تعلقُ القلبِ بالله، ورجاءُ رحمته وعفوه.
مجاهدة النفس على إخلاص العمل وتحسينه.
يورث القلب الحياء منه سبحانه لتقصير الإنسان في عبادته.
محبة الله سبحانه وتعالى والشوق للقائه والتنعم بعبادته.
من قام بحقوق الله أغناه عن خلقه.
نشاط
1- من حقوق الله سبحانه وتعالى عبادته وحده لا شريك له، اذكر ما يدل على ذلك؟
2- الأصل في الإنسان التقصير في حقوق الله سبحانه وتعالى، اذكر طرقًا في علاج ذلك؟
3- مات إنسان وعليه ديون لآخرين، وقبل موته كان مستطيعًا للحج ولم يحج، فأيهما يقدِّم: أن يحج عنه، أم تسدد ديونه؟
المقطع للاطلاع فقط
حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته
للنبي صلى الله عليه وسلم علينا حقوق كثيرة، قائمة على الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه، ونصرته، والاقتداء به، واتباعه صلى الله عليه وسلم، وخير من اقتدى به صلى الله عليه وسلم الصحابةُ رضي الله عنهم، قال عروة بن مسعود الثقفي -وكان كافرًا وقتئذ: «أيْ قوْمِ، واللهِ لقدْ وفدْتُ على الْمُلُوكِ ووفدْتُ على قيْصر وكِسْرى والنّجاشِيِّ، واللهِ إِنْ رأيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُهُ أصْحابُهُ ما يُعظِّمُ أصْحابُ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم مُحمّدًا» أخرجه البخاري.
ومن أعظم حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة الآتي:
1- الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ (الأعراف: 158).
فلا يصح إيمان عبدٍ حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته.
2- الإيمان بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 40).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإِنّهُ سيكُونُ فِي أُمّتِي كذّابُون ثلاثُون، كُلُّهُمْ يزْعُمُ أنّهُ نبِيٌّ، وأنا خاتمُ النّبِيِّين لا نبِيّ بعْدِي» أخرجه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني.
وأجمع المسلمون على أن من ادعى النبوة بعده صلى الله عليه وسلم فهو كافر كاذب.
3- الإيمان بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشمل ذلك:
الإيمان بالعصمة في دعوى الرسالة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ (الحاقة: 44-47).
الإيمان بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ (النجم: 3-4).
الإيمان بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الكفر والشرك والفواحش قبل البعثة والنبوة وبعدهما، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ (النجم:2).
فمن زعم اليوم دينا قائما مقبولًا عند ﷲ سوى دين الإسلام، فهو كافر مكذِّب للقرآن.
5- الإيمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ الرسالة تامة كاملة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: « وأنْتُمْ تُسْألُون عنِّي، فما أنْتُمْ قائِلُون؟» قالُوا: نشْهدُ أنّك قدْ بلّغْت وأدّيْت ونصحْت، فقال: بِإِصْبعِهِ السّبّابةِ، يرْفعُها إِلى السّماءِ وينْكُتُها إِلى النّاسِ «اللهُمّ، اشْهدْ، اللهُمّ، اشْهدْ» ثلاث مرّاتٍ. أخرجه مسلم.
6- الإيمان بعموم رسالته للجن والإنس.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ (الأعراف: 158).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ (الأحقاف: 29).
وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عنْ جابِرِ بْنِ عبْدِ الله عنْ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنّهُ ليْس شيْءٌ بيْن السّماءِ والْأرْضِ، إِلّا يعْلمُ أنِّي رسُولُ الله، إِلّا عاصِي الْجِنِّ والْإِنْسِ».
وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة».
7- عدم الغلو في ذات النبي صلى الله عليه وسلم أو في وصفه، وهذا من أعظم الحقوق وأهمها. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أن رجلا قال: يا محمدُ، يا سيدنا وابن سيدِنا، وخيرنا وابن خيرِنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا أيها الناسُ، قولوا بقولِكُم، ولا يستهْوِينّكم الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله» أخرجه أحمد والنسائي في السنن الكبرى، وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تُطْرُونِي» الإطراء: الإفراط في المدح والتجاوز فيه «كما أطْرتْ النّصارى ابْن مرْيم» فجعلوه إلها، «فإِنّما أنا عبْدُهُ، فقُولُوا عبْدُ اللهِ، ورسُولُهُ» أخرجه البخاري.
ومن صور الغلو في ذات النبي صلى الله عليه وسلم:
اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس من جنس البشر مطلقًا، وهذا تكذيبٌ لصريح القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ (فصلت: 6).
اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم أول خلق الله.
وهو كلام باطل لا أصل له، فأول خلق الله من البشر آدمُ - عليه السلام- بصريح القرآن، وبإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴾ (ص: 71).
اعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم خُلِق من نور، فإن الذي خلق من النور هم الملائكة فقط، قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خُلِقتِ الْملائِكةُ مِنْ نُور» أخرجه مسلم.
ووصف القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم بالنور إنما هو باعتبار ما أوحي إليه من الهدى من القرآن والسنة، وليس في ذاته، ومن اعتقد أنه مخلوق من نور فهو متقوِّلٌ على الله مالم يقله.
اعتقاد أن الأنبياء أو الخلق خُلِقُوا من نور النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا باطل محض، قال تعالى: ﴿ قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ ﴾ (إبراهيم: 11).
ادعاء أن الله خلق الخلق والجنة والنار لأجله صلى الله عليه وسلم، وإنما خلق الله سبحانه وتعالى الخلق لعبادته وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56).
القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له ظِلٌّ، وأن الذباب لا يقف على جسده.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له ظل، أو أن نوره يطفئ ظله إذا مشى في الشمس؛ فكله كذب باطل».
ومن صور الغلو في وصف النبي صلى الله عليه وسلم:
1- ادِّعاءُ أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ (الأعراف: 188).
2- ادِّعاءُ أن النبي صلى الله عليه وسلم ينفع ويضر بعد موته. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ (الجن: 21).
3- الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا محرم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ كان حالِفًا، فلْيحْلِفْ بِاللهِ أوْ لِيصْمُتْ» . أخرجه البخاري ومسلم.
4- الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم وهذا بدعة وضلالة، لا يجوز فعلها أو إقرارها.
5- ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قبره، كحياته قبل موته.
8- ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم: محبته أكثر من الوالد والولد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ عبْدٌ حتّى أكُون أحبّ إِليْهِ مِنْ أهْلِهِ ومالِهِ والنّاسِ أجْمعِين» أخرجه مسلم.
9- تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ ﴾ عظّموه ووقّروه (الأعراف: 157). ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
10- اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ظاهرًا وباطنًا، وعدم الابتداع في دينه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (الأحزاب: 21)، ويشمل ذلك:
طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ (النور: 56).
اجتناب ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (الحشر: 7).
11- الحذر من الكذب عليه صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «منْ كذب عليّ مُتعمِّدًا، فلْيتبوّأْ مقْعدهُ مِن النّارِ» . أخرجه البخاري ومسلم.
12- محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وإكرامهم، دون غلوٍّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُذكِّرُكُمُ الله فِي أهْلِ بيْتِيِ» أخرجه مسلم.
13- إكرامُ أصحابه صلى الله عليه وسلم وتعظيمُهم واعتقاد فضلهم، والدفاع عنهم، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسُبُّوا أصْحابِي، لا تسُبُّوا أصْحابِي، فوالّذِي نفْسِي بِيدِهِ لوْ أنّ أحدكُمْ أنْفق مِثْل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدْرك مُدّ أحدِهِمْ، ولا نصِيفهُ» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.
14- وجوب التحاكم لسنته، والرضا بحكمه في العسر واليسر، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (النساء: 65).
فوائد القيام بحقوق النبي صلى الله عليه وسلم:
1- سببٌ في حصول هداية العبد، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ (الأعراف: 158).
2- سببٌ لمحبة الله سبحانه وتعالى للعبد، قال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ (آل عمران: 31).
3- سببٌ لحصول الفوز والفلاح للعبد في الدنيا والآخرة.
4- سببٌ في حصول حلاوة الإيمان واطمئنان القلب وسعادته.
5- سببٌ لمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
نشاط
1- ترتّب على نفي بشرية النبي صلى الله عليه وسلم عدةُ اعتقادات باطلة، اذكر طرفًا من ذلك.
2- اذكر صورةً لكل من الغلوِّ في ذات النبي صلى الله عليه وسلم، والغلوِّ في وصفه صلى الله عليه وسلم.
3- اكتب كلمة مختصرة عن الاحتفال بالمولد النبوي، وكيف كان مخالفًا للشرع؟
حق الصحابة رضي الله عنهم
الصحابة رضي الله عنهم هم خير الناس بعد الأنبياء، وهم خير قرون هذه الأمة، التي هي أشرف الأمم بنص القرآن وإجماع السلف، اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونصرته، وتبليغ دينه للبشرية كلها، فقاموا بذلك خير قيام، باذلين في سبيل ذلك الغالي والنفيس؛ ولهذا وغيره أوجبت الشريعة على المؤمنين حقوقًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ إقرارًا لهم بالفضل، واعترافًا بسابقتهم وجميلهم وتضحياتهم، فالسعيد من وفق للقيام بحقوقهم، والشقي المخذول من طعن فيهم.
حقوق الصحابة رضي الله عنهم:
1- اعتقاد فضلهم، وأنهم خير الناس بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم رضي الله عنهم في كتابه العزيز كثيرًا، قال تعالى في مدح المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾
وقال سبحانه في مدح الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ﴾ (الحشر: 8-9).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خيْرُ النّاسِ قرْنِي، ثُمّ الّذِين يلُونهُمْ، ثُمّ الّذِين يلُونهُمْ» أخرجه البخاري ومسلم.
وعنْ مُحمّدِ ابْنِ الحنفِيّةِ رحمه الله قال: قُلْتُ لِأبِي -أي: علي بن أبي طالب- أيُّ النّاسِ خيْرٌ بعْد رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قال: «أبُو بكْرٍ» ، قُلْتُ: ثُمّ منْ؟ قال: «ثُمّ عُمرُ»، وخشِيتُ أنْ يقُول عُثْمانُ! قُلْتُ: ثُمّ أنْت؟ قال:«ما أنا إِلّا رجُلٌ مِن المُسْلِمِين» أخرجه البخاري.
وعنِ ابْنِ عُمر رضي الله عنه قال: «كُنّا نُخيِّرُ بيْن النّاسِ فِي زمنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فنُخيِّرُ أبا بكْرٍ، ثُمّ عُمر بْن الخطّابِ، ثُمّ عُثْمان بْن عفّان رضي الله عنهم» أخرجه البخاري.
2- الشهادة بالجنة لمن شهد له الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالجنة.
كما في حديث عبْدِ الرّحْمنِ بْنِ عوْفٍ رضي الله عنه أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: « أبُو بكْرٍ فِي الْجنّةِ، وعُمرُ فِي الْجنّةِ، وعلِيٌّ فِي الْجنّةِ، وعُثْمانُ فِي الْجنّةِ، وطلْحةُ فِي الْجنّةِ، والزُّبيْرُ فِي الْجنّةِ، وعبْدُ الرّحْمنِ بْنُ عوْفٍ فِي الْجنّةِ، وسعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فِي الْجنّةِ، وسعِيدُ بْنُ زيْدِ بْنِ عمْرِو بْنِ نُفيْلٍ فِي الْجنّةِ، وأبُو عُبيْدة بْنُ الْجرّاحِ فِي الْجنّةِ» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
3- اعتقاد ترتيبهم في الفضل والمنزلة كترتيبهم في الخلافة.
قال ابن قدامة: «من حقوق الصحابة اعتقاد أن أحقّ خلْقِ الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان رضي الله عنه، لتقديم أهل الشورى له، ثم علي رضي الله عنه، لفضله وإجماع أهل عصره عليه، هؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون» .
4- محبتهم رضي الله عنهم والثناء عليهم.
قال الطحاوي رحمه الله: «ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرِّط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرّأُ من أحد منهم... وحُبُّهُمْ دِينٌ وإِيمانٌ وإِحْسانٌ، وبُغْضُهُمْ كُفْرٌ ونِفاقٌ وطغيانٌ».
5- الاستغفار لهم والدعاء لهم والترضي عنهم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ (الحشر: 10).
6- عدم الطعن فيهم، وعدم سبِّهم.
عنْ أبِي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لاتسُبُّوا أصْحابِي، فلوْ أنّ أحدكُمْ أنْفق مِثْل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدِهِمْ، ولا نصِيفهُ» أخرجه البخاري ومسلم.
7- الإنكار على من طعن فيهم والبراءة منه.
قال الطحاوي رحمه الله: «ونُبْغِضُ منْ يُبْغِضُهُمْ وبِغيْرِ الْخيْرِ يذْكُرُهُمْ ولا نذْكُرُهُمْ إِلّا بِخيْرٍ».
وقال أبو زُرْعة رحمه الله: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ».
8- اعتقاد عدالتِهم وبراءتِهم من النفاقِ ومساوئِ الأخلاقِ.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (التوبة: 100).
ومعنى عدالة الصحابة: (براءةُ جميعهم من وصف الفسق).
قال حميد الطويل بعد أن حدّث أنسٌ رضي الله عنه حديثًا: «فقال لهُ رجُلٌ: أنت سمعته مِنْ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟فتغيّر وجْهُ أنس رضي الله عنه، واشْتدّ عليْهِ !!وقال: ما كُلُّ ما نُحدِّثُكُمْ سمِعْناهُ مِنْ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولكِنْ لمْ نكُنْ يكْذِبُ بعْضُنا على بعْضٍ»
. أخرجه ابن منده في الإيمان بإسناد صحيح.
وقال ابن حجر العسقلاني: «اتفق أهل السنّة على أنّ الجميع -أي: من الصحابة رضي الله عنهم- عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذٌ من المبتدعة».
9- الاقتداء بهم واتباع هديهم، لاسيما الخلفاءُ الراشدون.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أُوصِيكُمْ بِتقْوى اللهِ والسّمْعِ والطّاعةِ، وإِنْ عبْدًا حبشِيًّا، فإِنّهُ منْ يعِشْ مِنْكُمْ بعْدِي فسيرى اخْتِلافًا كثِيرًا، فعليْكُمْ بِسُنّتِي وسُنّةِ الْخُلفاءِ الْمهْدِيِّين الرّاشِدِين، تمسّكُوا بِها وعضُّوا عليْها بِالنّواجِذِ» أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
نشاط
اكتب بشكل مختصر، لا يتجاوز خمسة أسطر، فيما يأتي:
1- موقف المسلم من أحداث الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم.
2- أساليب مبتكرة للتعريف بالصحابة رضي الله عنهم والدفاع عنهم.
3- الموقف الصحيح ممن طعن في الصحابة رضي الله عنهم وانتقصهم أو أحدًا منهم.
4- اذكر من نصوص الشرع ما يدل على فضل الصحابة رضي الله عنهم.
5- اذكر أخطر ما يمكن أن يترتب على سبِّ الصحابة رضي الله عنهم.
حق العلماء
إن منزلة العلماء في الإسلام لا تعلوها منزلة؛ فهم ورثة الأنبياء، وحملة العلم، وأمناء الله على شريعته، وإذا مات العالم انثلمت في الإسلام ثلمةٌ، لا يسدُّها شيءٌ إلى يوم القيامة، فبهم يحيي الله الأمة، ويُخْرِجُ الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان والعمل الصالح؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر: 9) لذا جاءت الشريعة بتعظيم حقهم، والتحذير من الوقوع فيهم، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليْس مِنْ أُمّتِي منْ لمْ يُجِلّ كبِيرنا، ويرْحمْ صغِيرنا، ويعْرِفْ لِعالِمِنا» أخرجه أحمد، وحسنه الألباني.
حقوق العلماء:
1- تعظيمهم واحترامهم وتوقيرهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن من إجلالِ الله إكرام ذي الشيبةِ المسلمِ، وحاملِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السُّلطانِ المُقْسِطِ» أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني.
وعن ابن عباس : «مكثْتُ سنةً أُرِيدُ أنْ أسْأل عُمر بْن الخطّابِ عنْ آيةٍ، فما أسْتطِيعُ أنْ أسْألهُ هيْبةً لهُ» أخرجه البخاري ومسلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل بابًا في ذكر تعظيم العلماء لسفيان الثوري، ونزولهم عند قوله وفتواه.
وبابًا فيما ذكر من تعظيم العلماء لأحمد بن حنبل رحمه الله.
وقال الإمام أحمد: «أمرنا أنْ نتواضع لمن نتعلمُ منه».
قال ابن حزم: «اتفقوا على إيجابِ توقير ِأهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخليفة والفاضل والعالم».
المقطع للاطلاع فقط
2- محبتهم وتوليهم.
قال ابن أبي العز الحنفي: «يجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء».
3- الدعاء لهم والثناء عليهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ الله وملائِكتهُ حتّى النّمْلة فِي جُحْرِها، وحتّى الْحُوت فِي الْبحْرِ ليُصلُّون على مُعلِّمِ النّاسِ الْخيْر» أخرجه الترمذي، وصححه.
4- الرجوع إليهم، والصدور عن رأيهم، لاسيما في الفتن والنوازل.
قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (النحل: 43).
5- طاعتهم في المعروف.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (النساء: 59).
وأولوا الأمر: هم الأمراء والعلماء، كما قال ابن كثير في تفسيره.
6- استشارتهم وتقديمهم على غيرهم في المجالس.
عن ابن عباس قال: «كان القُرّاءُ أصْحاب مجْلِسِ عُمر رضي الله عنه ومُشاورتِهِ، كُهُولًا كانُوا أوْ شُبّانًا» أخرجه البخاري.
7- إحسان الظن بهم.
قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ (الحجرات: 12).
8- بذل النصيحة لهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النّصِيحةُ»، قُلْنا: لِمنْ؟ قال:«لِلّهِ ولِكِتابِهِ ولِرسُولِهِ ولِأئِمّةِ الْمُسْلِمِين وعامّتِهِمْ» أخرجه مسلم.
9- صونُ أعراضِهم والذبُّ عنهم بالحق.
قال الإمام أحمد: «إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتّهمه على الإسلام، فإنّه كان شديدًا على المبتدعة».
وقال يحيى بن معين: «إذا رأيت الرجل يتكلم في حماد بن سلمة وعكرمة مولى ابن عباس فاتهمه على الإسلام».
وقال ابن عساكر: «لحومُ العلماءِ مسمومةٌ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منهُ براء أمرُهُ عظيمٌ، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتعٌ وخيمٌ، والاختلاقُ على من اختاره الله منهم خلقٌ ذميمٌ» .
وهذا الحق يقوم على عدة أمور:
صدور الخطأ والزلة من العالم لا يبيح الوقوع في عرضه.
العصمة من الخطأ للأنبياء فقط، دون غيرهم من البشر.
العالِمُ إذا قصد إصابة الحق في اجتهاده، فهو إما مصيبٌ له أجران، أو مخطئٌ معذورٌ، له أجر واحد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكِمُ، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ، فله أجرٌ» أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
فمنْ عذره الله سبحانه وتعالى على خطئه وجعل له أجرًا، فأحرى بالمسلمين عُذْرُه وحفظُ مكانتِهِ.
العالم إذا كان من أهل السنة واشتهر علمُه وظهر فضلُه، يُنتفع بعلمه، ولا يتابع على خطئه.
قال ابن القيم: «ومن له علمٌ بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالحٌ وآثارٌ حسنةٌ، وهو من الإسلام وأهله بمكانٍ، قد تكون منه الهفوةُ والزلةُ، هو فيها معذورٌ، بل ومأجورٌ لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانتُه وإمامتُه ومنزلتُه من قلوبِ المسلمين».
الطعن في العلماء من سبيل أهل البدعة والفسوق.
الحذر من غيبتهم وذكرهم بالسوء.
فغيبة العلماء أعظم من غيبة غيرهم؛ لأنها تضر الإسلام كلّه؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا ضاعت الثقة بأقوالهم؛ سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية.
الحذر من تتبُّع عوراتهم وزلاتهم ونشرها بين الناس.
أضرار ترك القيام بحقوق العلماء:
1- ضعف العلم وانتشار الجهل والبدعة.
2- انتشار المنكرات والمحرمات.
3- تمكُّن وترؤُسُ أهلِ الضلالِ وعلماءِ السوءِ والمبتدعة.
4- تجرؤ الناس على دين الله، وعدم تعظيم المعصية والجرأة عليها.
5- تجرؤ الناس على الفتوى والحلال والحرام، بدون علم ولا واعظٍ من دينٍ، ونتيجة لذلك يقع الناس في بلايا وطوام ومخاطر عظام.
6- اندثار السنة وأهلها، وعدم معرفة الناس بها، ومن المتقرر أنه كلما اندثرت سنة ظهرت بدعة.
7- لبس الحق بالباطل، وهذا يؤدي إلى ضياع العوام وجعلهم فرصة سائغة للمناهج المنحرفة.
نشاط
1- من الواجب صونُ عرض العالم والذبُّ عنه بالحق، علام يقومُ هذا الحقُّ؟
2- ما موقفُ المسلمِ حينما يرى من عالم زلةً أو سقطةً؟
3- اكتب مختصرًا في مضارِّ عدمِ القيام للعالِمِ بحقِّه
حقُّ الوالدين
كثيرةٌ تلك الآيات والأحاديث التي تحدثت عن حق الوالدين؛ لما اختصّا به من رعاية الإنسان في حال صغره، والاهتمام بأمره والتضحية لأجله؛ لهذا وغيره قرن الله سبحانه وتعالى الوالدين بذكره، فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ (النساء: 36)، وأمر بشكرهما بعد شكره، فقال سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ (لقمان: 14).
ففرض على الإنسان برّهما وحرّم عليه عقوقهما، فالسعيد من وُفِّق لطاعتهما، والمخذول من عقّهما.
وحقُّهُما ينحصر في أمرين:
1- الأول: برُّهُما والإحسانُ إليهما.
2- الثاني: تجنُّبُ عقوقِهما والإساءة إليهما.
أما الأول: وهو بِرُّهما، والإحسان إليهما، لا سيما في حال الكبر.
قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ (الإسراء: 23).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: « قُلْتُ: يا رسُول اللهِ، أيُّ العملِ أفْضلُ؟ (وفي رواية: أيُّ العملِ أحبُّ إِلى اللهِ؟) قال: «الصّلاةُ على مِيقاتِها»، قُلْتُ: ثُمّ أيٌّ؟ قال: "ثم بِرُّ الوالِديْنِ» البخاري ومسلم.
وبرُّ الوالدين من أعظم الأعمال، فهو:
1- جالبٌ لرضا الله عن العبد، فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رِضى الرّبِّ فِي رِضى الوالِدِ، وسخطُ الرّبِّ فِي سخطِ الْوالِدِ» أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
2- وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، قال تعالى عن يحيى : ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ (مريم: 14)، وقال عن عيسى : ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ (مريم: 32).
3- وهو من محاسن الشريعة؛ ففيه اعترافٌ بالجميل، وحفظٌ للفضل.
4- وهو من المروءة ومحاسن الأخلاق، قال مروان بن الحكم لوهب بن الأسود : «ما المروءة فيكم؟ قال: برُّ الوالدين وإصلاح المال».
5- وهو أفضل من نوافل العبادات، جاء رجُلٌ إِلى النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، : «فاسْتأْذنهُ فِي الجِهادِ، فقال:«أحيٌّ والِداك؟»، قال: نعمْ، قال:«ففِيهِما فجاهِدْ» أخرجه البخاري ومسلم.
والمعنى: استفرغْ جُهدك في برِّهما والإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو.
6- وهو من أسباب النجاة في الدنيا والآخرة، ففي قصة أصحاب الغار ودعائهم بصالح الأعمال: توسل أحدُهم ببرِّ والديه إلى الله سبحانه وتعالى ليفرِّج عنهم، فاستجاب الله لهم وفرّج عنهم. أخرجه البخاري ومسلم.
7- وهو من أسباب إجابة الدعاء، فقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أويس القرني، وهو خير التابعين بِبرِّه بأمه، وأرشد الصحابة للحرص على دعوة أويس، لأنه مستجاب الدعوة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأْتِي عليْكُمْ أُويْسُ بْنُ عامِرٍ مع أمْدادِ أهْلِ الْيمنِ، مِنْ مُرادٍ، ثُمّ مِنْ قرنٍ، كان بِهِ برصٌ فبرأ مِنْهُ إِلّا موْضِع دِرْهمٍ، لهُ والِدةٌ هُو بِها برٌّ، لوْ أقْسم على الله لأبرّهُ، فإِنِ اسْتطعْت أنْ يسْتغْفِر لك فافْعلْ» أخرجه مسلم.
8- وهو من أعظم أسباب دخول الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْوالِدُ أوْسطُ أبْوابِ الْجنّةِ» أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني.
فقه هذا الأمر:
حق الوالدين مقدمٌ على حقِّ غيرِهما من البشرِ، ونقل الإجماعُ على ذلك.
حقُّ الأم مقدمٌ على حق الأب، ونقل البعض الإجماع فيه.
القيام بحق الوالدين يقدم على فعل نوافل العبادات.
يجب طاعة الوالدين فيما فيه نفعهما ولا ضرر على الولد، ولو كانا فاسقين أو كافرين مالم يأمرا بمعصية.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ (لقمان: 15).
يجب على الولد المستطيع الإنفاق على الوالدين عند حاجتهما.
يجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده بشروط منها:
1- ألا يكون فيه ضرر على الولد.
2- أن يكون الأخذ لحاجة وليس تكثُّرًا.
3- ألا يأخذ المال ليعطيه لولدٍ آخر.
الثاني من حقوق الوالدين: تجنُّب عقوقهما، والإساءة إليهما.
المراد بعقوق الوالدين: ما يتأذّى به الوالدان من ولدِهما، من قولٍ، أو فعلٍ.
وهو حرام، ومن أكبر الكبائر.
قال تعالى: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ (الإسراء: 23).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور» . أخرجه البخاري ومسلم.
والعقوق قسمان:
1- بالقول
2- بالفعل
الأول: العقوق بالقول، ومنه:
1- سبُّهما أو التسبُّبُ في لحوق السبِّ لهما.
قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنّ مِنْ أكْبرِ الكبائِرِ أنْ يلْعن الرّجُلُ والِديْهِ» قِيل: يا رسُول اللهِ، وكيْف يلْعنُ الرّجُلُ والِديْهِ؟ قال: «يسُبُّ الرّجُلُ أبا الرّجُلِ، فيسُبُّ أباهُ، ويسُبُّ أُمّهُ» أخرجه البخاري ومسلم.
2- رفعُ الصوتِ عليهما.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ (الإسراء: 23).
الثاني: العقوق بالفعل، ومنه:
1- حِدّةُ النظرِ إليهما.
2- تفضيلُ غيرِهما عليهِما.
3- عدمُ توقيرِهما، بالاستهانةِ بأمرِهما واحتقارِهما.
4- ضربُهما، والتطاولُ عليهما باليدِ.
خطر عقوق الوالدين:
1- سببٌ للخزي والعارِ في الدنيا، والعذاب في الآخرة، قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «رغِم أنْفُهُ، ثُمّ رغِم أنْفُهُ، ثُمّ رغِم أنْفُهُ» قِيل: منْ؟ يا رسُول الله قال: «منْ أدْرك والِديْهِ عِنْد الْكِبرِ، أحدهُما أوْ كِليْهِما، ثُمّ لمْ يدْخُلِ الْجنّة» أخرجه مسلم.
2- يوجب سخط الله على العاقِّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « رِضى الرّبِّ فِي رِضى الوالِدِ، وسخطُ الرّبِّ فِي سخطِ الْوالِدِ» تقدم.
3- الحِرمانُ من نظر الله يوم القيامة ودخولِ الجنة، قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا ينْظُرُ اللّهُ عزّ وجلّ إِليْهِمْ يوْم الْقِيامةِ، وذكر منهم: الْعاقُّ لِوالِديْهِ» أخرجه النسائي، وصححه الألباني.
4- عقوق الوالدين من أعظم صور قطع الرحم، وهو سبب في نزول البلاء والعقوبات بالعبد، قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ ذنْبٍ أحْرى أنْ يُعجِّل اللّهُ لصاحبه الْعقُوبة فِي الدُّنْيا مع مايدخر لهُ فِي الْآخِرةِ مِن الْبغْيِ وقطِيعةِ الرّحِمِ» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
5- منع قبول العمل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا -أي فرضًا ولا نفلًا- عاقٌّ، ومنّانٌ، ومكذِّبٌ بالقدر» . أخرجه ابن أبي عاصم، وحسنه الألباني.
نشاط
1- اكتب أهم الآثار المترتبة على بر الوالدين.
2- تنحصر حقوق الوالدين في أمرين هامين، اذكرهما.
3- بيِّن خطر عقوق الوالدين من خلال نصوص الكتاب والسنة.
4- اذكر أنواع عقوق الوالدين، مع ضرب الأمثلة لما تقول.
حقُّ الأولاد على الوالدين
إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقًّا، فللابن على أبيه حقٌّ، فكما قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ (العنكبوت: 8) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ قال أيضًا: (التحريم: 6).
فوصيةُ الله للآباء بأولادهم سابقةٌ على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إنما جاء فسادُهم من قِبل الآباء، وإهمالهم لهم، وتركِ تعليمِهم فرائض الدِّين وسننه، فأضاعوهم صغارًا فلم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضُهم ولده على العقوق، فقال: يا أبتِ، إنك عققتني صغيرًا، فعققتُك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتُك شيخًا!!
مقدمات متعلقة بحق الولد:
الولدُ أمانةٌ سيسأل عنها الوالدان يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والرّجُلُ راعٍ على أهْلِ بيْتِهِ وهُو مسْؤولٌ عنْهُمْ، والمرْأةُ راعِيةٌ على بيْتِ بعْلِها وولدِهِ وهِي مسْئُولةٌ عنْهُمْ» متفق عليه.
فوصية الله للآباء بأولادهم سابقةٌ على وصية الأولاد بآبائهم.
مسؤولية تربية الأبناء ورعايتهم تقع على الوالدين في المقام الأول، قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَة ﴾ (التحريم: 6).
قال ابن عمر : «أدِّبْ ابنك، فإنك مسؤولٌ عنه: ماذا أدبته، وماذا علّمته» أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.
الوالدان أشدُّ الناس تأثيرًا فيما يكون عليه الأولاد في المستقبل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ موْلُودٍ إِلّا يُولدُ على الْفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ ويُنصِّرانِهِ ويُشرِّكانِهِ» أخرجه مسلم. فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم انتكاس فطرة الولد وتحولها من الإيمان للكفر مردُّه لما يعلِّمُه إياه والداه.
أقسام حقوق الأولاد على الوالدين الأول: قبل وجود الولد.
الثاني: بعد وجود الولد.
أما الأول، وهو قبل وجود الولد، فحقوقُه:
1- حسن اختيار الشريك الصالح عند الزواج.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تُنْكحُ المرْأةُ لِأرْبعٍ: لِمالِها ولِحسبِها وجمالِها ولِدِينِها، فاظْفرْ بِذاتِ الدِّينِ، ترِبتْ يداك» أخرجه البخاري ومسلم.
فحق الولد على أبيه أن يستنجب أمّه، فلا يتزوج امرأةً دنيئةً، غير ديِّنةٍ؛ لكيلا يُعيّر بها الابن.
وكذا المرأة عليها اختيار الزوج الصالح الذي تأمنه على تربية أبنائها.
2- الدعاء بالذرية الصالحة.
قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ (آل عمران: 38).
3- التسمية عند الجماع.
قال النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لوْ أنّ أحدكُمْ إِذا أتى أهْلهُ قال: بسمِ الله، اللهُمّ جنِّبْنِي الشّيْطان وجنِّبِ الشّيْطان ما رزقْتنِي، فإِنْ كان بيْنهُما ولدٌ لمْ يضُرّهُ الشّيْطانُ، ولمْ يُسلّطْ عليْهِ» متفق عليه.
الثاني: حقوق الولد بعد ولادته:
1- دعاءُ الله بصلاح الولد.
قال تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأحقاف: 15).
2- تسميةُ الولدِ باسمٍ حسنٍ.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي أبناء الصحابة بأسماء حسنة، وغيّر أسماء بعضِهم لما فيها من معنى قبيح ونحوه.
3- رحمتُه والرِّفقُ به في التعامل.
عنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: «ما رأيْتُ أحدًا كان أرْحم بِالْعِيالِ مِنْ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم» أخرجه مسلم.
وعنْ عائِشة رضي الله عنها قالتْ: «قدِم ناسٌ مِن الْأعْرابِ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالُوا: أتُقبِّلُون صِبْيانكُمْ؟ فقالُوا: نعمْ، فقالُوا: لكِنّا والله ما نُقبِّلُ، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: وأمْلِكُ إِنْ كان الله نزع مِنْكُمُ الرّحْمة» أخرجه مسلم.
4- الحفاظُ على كرامته وتجنب سبِّه وتعنيفه وضربه.
5- مراعاةُ حقِّه في اللعب، واللعب معه بما يفيده ولا يؤذيه.
عنْ أبِي هُريْرة رضي الله عنه قال: «كُنّا نُصلِّي مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْعِشاء، فإِذا سجد وثب الْحسنُ والْحُسيْنُ على ظهْرِهِ، فإِذا رفع رأْسهُ، أخذهُما بِيدِهِ مِنْ خلْفِهِ أخْذًا رفِيقًا، فيضعُهُما على الْأرْضِ، فإِذا عاد عادا، حتّى قضى صلاتهُ، أقْعدهُما على فخِذيْهِ» أخرجه أحمد، وحسنه الألباني.
كما لا يجوز أن يذهب بولده لأماكن بها منكرات، فيعوِّدُه عليها، ولا يسمح له باللعب بأشياء تضرُّ بدِينه وأخلاقه وجسده.
6- الحرص على تعليم الولد وتأديبه.
قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ (التحريم: 6).
ومن ذلك:
الحرص على تعليمه العقيدة السليمة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ (لقمان: 13).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس : «يا غُلامُ، إِنِّي أُعلِّمُك كلِماتٍ، احْفظِ اللّه يحْفظْك، احْفظِ اللّه تجِدْهُ تُجاهك، إِذا سألْت فاسْألِ اللّه، وإِذا اسْتعنْت فاسْتعِنْ بِاللهِ، واعْلمْ أنّ الأُمّة لوْ اجْتمعتْ على أنْ ينْفعُوك بِشيْءٍ لمْ ينْفعُوك إِلّا بِشيْءٍ قدْ كتبهُ اللّهُ لك، ولوْ اجْتمعُوا على أنْ يضُرُّوك بِشيْءٍ لمْ يضُرُّوك إِلّا بِشيْءٍ قدْ كتبهُ اللّهُ عليْك، رُفِعتِ الأقْلامُ وجفّتْ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
الحرص على تعليمه القرآن في صغره.
الحرص على تعليمه فرائض الدِّين، والحلال والحرام في صغره.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ (طه: 132)، «مُرُوا أوْلادكُمْ بِالصّلاةِ وهُمْ أبْناءُ سبْعِ سِنِين، واضْرِبُوهُمْ عليْها، وهُمْ أبْناءُ عشْرٍ وفرِّقُوا بيْنهُمْ فِي الْمضاجِعِ» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني.
وعنْ أبِي هُريْرة رضي الله عنه: «أخذ الْحسنُ بْنُ علِيٍّ تمْرةً مِنْ تمْرِ الصّدقةِ، فجعلها فِي فِيهِ، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِها، أما علِمْت أنّا لا نأْكُلُ الصّدقة؟!» أخرجه البخاري ومسلم.
تعويدُه على تعظيم شعائر الإسلام والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى عن لقمان في تربيته لولده: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ﴾ (لقمان: 17).
الحرص على تعليمه الآداب والأخلاق الحميدة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ لا تُمِلْ وجهك عنهم تكبرًا ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ (لقمان: 18-19).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، معلِّمًا له آداب الطعامِ: « يا غُلامُ، سمِّ اللّه، وكُلْ بِيمِينِك، وكُلْ مِمّا يلِيك» . أخرجه البخاري ومسلم.
7- الإنفاقُ على الولد بما يحتاج من غير إسراف ولا تقتير.
فلا خلاف بين الفقهاء في وجوب إنفاق الأب على ولده، ذكرًا كان أو أنثى.
8- حمايته مما يُهدِّد حياته ويؤذيه وعدم التعدِّي عليه.
ومن صور ذلك:
تحصينه بالرقية الشرعية من الشيطان والحُسّاد وكلِّ مؤذٍ.
عنِ ابْنِ عبّاس قال: كان النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعوِّذُ الحسن والحُسيْن، ويقُولُ: «إِنّ أباكُما كان يُعوِّذُ بِها إِسْماعِيل وإِسْحاق: أعُوذُ بِكلِماتِ اللهِ التّامّةِ، مِنْ كُلِّ شيْطانٍ وهامّةٍ، ومِنْ كُلِّ عيْنٍ لامّةٍ» أخرجه البخاري.
دفع الأذى عنه.
عنْ بُريْدة رضي الله عنه قال: بيْنا رسُولُ اللهِ على الْمِنْبرِ يخْطُبُ إِذْ أقْبل الْحسنُ، والْحُسيْنُ عليْهِما قمِيصانِ أحْمرانِ يمْشِيانِ ويعْثُرانِ، فنزل وحملهُما، فقال: «صدق اللّهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ (التغابن: 15)، رأيْتُ هذيْنِ يمْشِيانِ ويعْثُرانِ فِي قمِيصيْهِما فلمْ أصْبِرْ حتّى نزلْتُ فحملْتُهُما». أخرجه أحمد والأربعة، وصححه الألباني.
اصطحابه لأماكن الخير ومخالطته بالصالحين.
عن ابن عمر أنّ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: « إِنّ مِن الشّجرِ شجرةً لا يسْقُطُ ورقُها، وهِي مثلُ المُسْلِمِ، حدِّثُونِي ما هِي؟»، فوقع النّاسُ فِي شجرِ البادِيةِ، ووقع فِي نفْسِي أنّها النّخْلةُ، قال عبْدُ اللهِ: فاسْتحْييْتُ، فقالُوا: يا رسُول اللهِ، أخْبِرْنا بِها؟ فقال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هِي النّخْلةُ» قال عبْدُ اللهِ: فحدّثْتُ أبِي بِما وقع فِي نفْسِي، فقال: لأنْ تكُون قُلْتها أحبُّ إِليّ مِنْ أنْ يكُون لِي كذا وكذا. أخرجه البخاري ومسلم.
نشاط
1- اكتب مختصرًا في حقوق الأولاد على الآباء.
2- من أهم حقوق الولد على أبيه الحرص على تعليمه وتأديبه، اكتب في ذلك بحثًا مختصرًا.
3- حماية الابن من أعظم حقوقه، تكلم عن ذلك على ضوء دراستك.
حقوق الزوجين
حرص الإسلام على أن تكون العلاقة بين الزوجين قوية متماسكة؛ لذا سماها الله سبحانه في كتابه العزيز ميثاقًا غليظًا، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، ووضع من الحلول العملية لضمان استمرار الحياة الزوجية، وبغّض في الفرقة بأي سبيل، وفي الطلاق، وجعله آخر الحلول.
وضمانًا لاستمرار الحياة الزوجية شرع الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حقوقًا لكل من الزوجين، وواجباتٍ على كل منهما تجاه الآخر، وعلى قدر قيامهما بما عليهما بقدر ما تستقيم الحياة على الوجه الأكمل.
حقوق الزوج على الزوجة
1- حق الزوج على زوجته من أعظم الحقوق بعد حق الله عليها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصْلُحُ لِبشرٍ أنْ يسْجُد لِبشرٍ، ولوْ صلح لِبشرٍ أنْ يسْجُد لِبشرٍ، لأمرْتُ الْمرْأة أنْ تسْجُد لِزوْجِها، مِنْ عِظمِ حقِّهِ عليْها» أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني.
2- جعل الله القوامة للرجل على المرأة وفضّله عليها.
قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ (النساء: 34).
3- طاعة الزوج والقيام بحقوقه يقدم على طاعة الوالدين والقيام بحقوقهما؛ ولهذا قال الإمام أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: «طاعة زوجها أوجب عليها من أمها».
4- أداء حق الزوج طريق لأداء حق الله سبحانه وتعالى .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والّذِي نفْسِي بِيدِهِ لا تُؤدِّي الْمرْأةُ حقّ ربِّها حتّى تُؤدِّي حقّ زوْجِها حتّى لوْ سألها نفْسها وهِي على قتبٍ لمْ تمْنعْهُ» أخرجه ابن ماجه، وحسنه الألباني.
5- أداء حق الزوج من أسباب دخول الجنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا صلّتِ الْمرْأةُ خمْسها، وصامتْ شهْرها، وحصّنتْ فرْجها، وأطاعتْ زوْجها، قِيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شِئْتِ» أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
6- يجب على الزوجة تلبية حق الزوج في الفراش، مالم يكن ضررٌ تُعذر به.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِذا دعا الرّجُلُ امْرأتهُ إِلى فِراشِهِ فأبتْ، فبات غضْبان عليْها، لعنتْها الملائِكةُ حتّى تُصْبِح» أخرجه البخاري ومسلم.
7- لزوم بيتها فلا تخرج بغير إذن زوجها.
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ (الأحزاب:33).
قالت عائشة رضي الله عنها: «فقُلْتُ ائْذنْ لِي إِلى أبوىّ -أي: في الخروج- قالتْ: وأنا حِينئِذٍ أُرِيدُ أنْ أسْتيْقِن الْخبر مِنْ قِبلِهِما، فأذِن لي رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم». متفق عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواءٌ أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة».
8- حقوق الزوجين
عدم التطوع بالصوم إلا بإذن زوجها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحِلُّ لِلْمرْأةِ أنْ تصُوم وزوْجُها شاهِدٌ إِلّا بِإِذْنِهِ» متفق عليه.
9- حفظ غيبة زوجها.
قال تعالى: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ (النساء: 34).
ومن صور ذلك:
حفظ نفسها عن أن ينالها أحد غير زوجها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثةٌ لا تسْألْ عنْهُمْ» فإنهم من الهالكين وذكر منهم: «وامْرأةٌ غاب عنْها زوْجُها وقدْ كفاها مُؤْنة الدُّنْيا، فتبرّجتْ بعْدهُ» أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
حفظ مال الزوج في غيبته، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُنْفِقُ امْرأةٌ شيْئًا مِنْ بيْتِ زوْجِها إِلّا بِإِذْنِ زوْجِها»، فقِيل: يا رسُول الله ولا الطّعامُ؟ قال:«ذلِك أفْضلُ أمْوالِنا» أخرجه الترمذي وحسنه.
حفظ أولادها والقيام على شؤونهم في غياب زوجها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والمرْأةُ راعِيةٌ على أهْلِ بيْتِ زوجه وولده، وهِي مسْئُولةٌ عنْهُمْ» أخرجه البخاري ومسلم.
ومن الحقوق: مراعاة غيْرةِ زوجِها، ومن ذلك:
حفظُ نفسِها عن مخالطة الأجانب لغير حاجة، وبإذن زوجها.
الخروج من بيتها محتشمة متحجبة، والحذر من التبرج، وإلا وقعت في كبيرة.
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ (الأحزاب: 33).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثةٌ لا تسْألْ عنْهُمْ –وذكر منهم-: وامْرأةٌ غاب عنْها زوْجُها، قدْ كفاها مُؤْنة الدُّنْيا فتبرّجتْ بعْدهُ، فلا تسْألْ عنْهُمْ» تقدم.
ألا تسمح لأحد ولو محرما لها بدخول بيت زوجها إلا بإذنه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يحِلُّ لِلْمرْأةِ أنْ تصُوم وزوْجُها شاهِدٌ إِلّا بِإِذْنِهِ، ولا تأْذن فِي بيْتِهِ إِلّا بِإِذْنِهِ» متفق عليه.
وقد حذّرت الشريعةُ المرأة من عصيان الزوجة لزوجها بغير حق، فعصيان المرأة لزوجها من أسباب دخول النار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأُرِيتُ النّار، فلمْ أر منْظرًا كاليوْمِ قطُّ أفْظع، ورأيْتُ أكْثر أهْلِها النِّساء» قالُوا: بِم يا رسُول اللهِ؟ قال: «بِكُفْرِهِنّ» قِيل يكْفُرْن بِاللهِ؟ قال: «يكْفُرْن العشِير، ويكْفُرْن الإِحْسان، لوْ أحْسنْت إِلى إِحْداهُنّ الدّهْر كُلّهُ، ثُمّ رأتْ مِنْك شيْئًا، قالتْ: ما رأيْتُ مِنْك خيْرًا قطُّ» أخرجه البخاري ومسلم.
سبب في عدم قبول صلاتها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا تُقْبلُ مِنْهُمْ صلاةٌ، ولا تصْعدُ إِلى السّماءِ، ولا تُجاوِزُ رُءُوسهُمْ» وذكر منهم «وامْرأةٌ دعاها زوْجُها مِن اللّيْلِ فأبتْ عليْهِ» أخرجه ابن خزيمة، وصححه الألباني.
سبب في غضب الله سبحانه وتعالى عليها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والّذِي نفْسِي بِيدِهِ، ما مِنْ رجُلٍ يدْعُو امْرأتهُ إِلى فِراشِها، فتأْبى عليْهِ، إِلّا كان الّذِي فِي السّماءِ ساخِطًا عليْها حتّى يرْضى عنْها» أخرجه مسلم.
سبب للعن الملائكة لها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا باتتِ المرْأةُ مُهاجِرةً فِراش زوْجِها، لعنتْها الملائِكةُ حتّى ترْجِع» أخرجه البخاري ومسلم.
نشاط
1- من أعظم الحقوق على المرأة حق زوجها، اكتب في ذلك بحثًا مختصرًا.
2- يشتمل عصيان المرأة لزوجها على جملة من المخاطر، اذكر أربعًا، مع ذكر الدليل.
3- كيف تحقق المرأة هذين الأمرين: مراعاة غيرة زوجها، وحفظ غيبته؟
حقوق الزوجة على زوجها
كما ألزمت الشريعة الزوجة بمجموعة حقوق لزوجها، كذلك جعلت لها من الحقوق ما يحفظ عليها دينها وكرامتها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إِنّ لكُمْ على نِسائِكُمْ حقًّا، ولِنِسائِكُمْ عليْكُمْ حقًّا» أخرجه أحمد والترمذي وصححه.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراعاة حقوق الزوجات، فقال: «فاتّقُوا الله فِي النِّساءِ، فإِنّكُمْ أخذْتُمُوهُنّ بِأمانِ الله، واسْتحْللْتُمْ فُرُوجهُنّ بِكلِمةِ الله» أخرجه مسلم.
فعلى قدر قيام الزوج بحقوق زوجته تكون استقامة الحياة والسعادة والهناء.
حقوق الزوجة على الزوج قسمان:
1- حقوق مالية
2- حقوق غير مالية
الحقوق المالية:
1- المهر.
وهو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها.
قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ (النساء: 4).
والمهر ليس شرطًا في عقد الزواج، ولا ركنًا من أركانه عند جمهور الفقهاء، فإذا تم العقد بدون ذكر مهر صح باتفاق أهل العلم، ويفرض للمرأة مهرُ المِثْل.
2- النفقة.
والمقصود بالنفقة: توفير ما تحتاج إليه الزوجة من طعام ومسكن وملبس وغير ذلك، فتجب لها هذه الأشياء وإن كانت غنية.
لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (البقرة: 233)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾ (الطلاق: 7).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». رواه مسلم.
وقد أجمع علماء الإسلام على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، بشرط تمكين المرأة نفسها لزوجِها، فإن امتنعت منه أو نشزت لم تستحق النفقة.
الحقوق غير المالية:
أعظم حقوق المرأة على زوجها المعاشرة بالمعروف والإحسان إليها.
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ (النساء: 19).
ويتمثّل حسن المعاشرة في الآتي:
1- احتمال أذاها، والحلم عند طيشها.
ففي الصحيحين عن أبِي هُريْرة رضي الله عنه قال: قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ، فإِنّ الْمرْأة خُلِقتْ مِنْ ضِلعٍ، وإِنّ أعْوج شيْءٍ فِي الضِّلعِ أعْلاهُ، فإِنْ ذهبْت تُقِيمُهُ كسرْتهُ، وإِنْ تركْتهُ لمْ يزلْ أعْوج، فاسْتوْصُوا بِالنِّساءِ».
2- مداعبتها وملاطفتها ومتضاحكتها.
وفي حديث جابر رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلّا جاريةً، تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك». أخرجه البخاري ومسلم.
3- تجنُّب السب والشتم.
ففي حديث معاوية القشيري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا تُقبِّحْ».
4- تعليمها ما تحتاجه من أمر دينها أو السماح لها بذلك.
قال النووي: «لا تُمنع -المرأةُ- المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهو ألا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخِل يُسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابّة ونحوها ممن يُفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها».
5- الاعتدال في الغيْرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ الْغيْرةِ ما يُحِبُّ اللّهُ ومِنْها ما يكْرهُ اللّهُ، فأمّا ما يُحِبُّ الله فالْغيْرةُ فِي الرِّيبةِ، وأمّا ما يكْرهُ، فالْغيْرةُ فِي غيْرِ رِيبةٍ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
والاعتدال: ألا يتغافل عن مبادئ الأمور التي يخشى عواقبها، ولا يبالغ في إساءة الظن.
6- العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ كانتْ لهُ امْرأتانِ فمال إِلى إِحْداهُما، جاء يوْم الْقِيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
7- عدم إساءة الظن بها.
ففي الصحيحين -واللفظ لمسلم- : « عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا، يتخوّنهم أو يلتمس عثراتهم. أي: يظن خيانتهم ويكشف أستارهم، ويكشف هل خانوا أم لا؟ لأن هذا يوفِّر الأمن والثقة بالنفس للزوجة، ويحفظ لها كرامتها ومودّتها مع الزوج.
نشاط
1- من خلال قراءاتك العامة اذكر شروط النكاح، مع أدلتها، وهل المهر منها؟
2- اذكر جوانب تتمثل فيها حسن عشرة الزوج لزوجته.
3- هل غيرة الزوج على زوجته كلها مذمومة؟ اكتب بحثًا مختصرًا في ذلك.
4- عدِّد فوائد هذا النص: (فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك).
حقوق ذوي الرحم
صلة الرحم حض عليها الشرع ورتب عليها الثواب العظيم؛ لما لها من أثر في بث روح المحبة والتكافل والألفة، ونزع البغضاء والعداوة بين أفراد المجتمع المسلم، وحذر الشرع أتباعه من قطيعة الرحم؛ لما يترتب عليها من بغضاء وعداوة وبُعدٍ وتفكُكٍ، فالموفّق من وصل رحمه وقام بحقوقها، والمحروم من حُرم صلة رحمه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليوْمِ الآخِرِ فلْيصِلْ رحِمهُ» أخرجه البخاري.
وعن أبى أيوب الأنصاري رضي الله عنه: «أن أعرابيًّا عرض للنبي صلى الله عليه وسلم وهُو فِي سفرٍ، ثُمّ قال: أخْبِرْنِي ما يُقرِّبُنِي مِن الْجنّةِ ويُباعِدُنِي مِن النّارِ؟، قال: «تعبدُ اللّه لا تشركُ بِهِ شيْئًا، وتقيمُ الصّلاة وتُؤْتِي الزّكاة، وتصلُ الرّحِم» أخرجه مسلم.
تعريف ذوي الرحم:
ذوو الرحم: هم الأقارب، سواء كانوا من الأصول، كالآباء والأمهات وإن علوا، أم من الفروع وإن نزلوا، أم من الحواشي من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، الأبعد فالأبعد.
والمراد بصلة الرحم:
الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب، ورعايتهم، وإن أساءوا، والحرص على جلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، في الدنيا والآخرة.
حقوق الأقارب والأرحام
1- الحرص على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ (الشعراء: 214).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا معْشر قُريْشٍ، اشْترُوا أنْفُسكُمْ، لا أُغْنِي عنْكُمْ مِن اللهِ شيْئًا، يا بنِي عبْدِ منافٍ لا أُغْنِي عنْكُمْ مِن اللهِ شيْئًا، يا عبّاسُ بْن عبْدِ المُطّلِبِ لا أُغْنِي عنْك مِن اللهِ شيْئًا، ويا صفِيّةُ عمّة رسُولِ اللهِ لا أُغْنِي عنْكِ مِن اللهِ شيْئًا، ويا فاطِمةُ بِنْت مُحمّدٍ سلِينِي ما شِئْتِ مِنْ مالِي لا أُغْنِي عنْكِ مِن اللهِ شيْئًا» أخرجه البخاري ومسلم.
2- تفقد أحوالهم، ومواساتهم عند حاجتهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصّدقةُ على الْمِسْكِينِ صدقةٌ، وهِي على ذِي الرّحِمِ ثِنْتانِ: صدقةٌ وصِلةٌ» أخرجه النسائي والترمذي، وحسنه.
ويكون ذلك بالزيارة، والاتصال بالهاتف، وبكل ما من شأنه التعرُّف على أحوالهم.
3- محبتهم ورحمتهم.
قال تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ (الأنفال: 75).
4- الصبر على أذاهم، وسعة الصدر معهم؛ فإن فيه أجرًا كبيرًا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه : « أن رجلًا قال: يا رسُول الله، إِنّ لِي قرابةً أصِلُهُمْ ويقْطعُونِي، وأُحْسِنُ إِليْهِمْ ويُسِيئُون إِليّ، وأحْلُمُ عنْهُمْ ويجْهلُون عليّ، فقال:«لئِنْ كُنْت كما قُلْت، فكأنّما تُسِفُّهُمُ الْملّ، ولا يزالُ معك مِن الله ظهِيرٌ عليْهِمْ ما دُمْت على ذلِك» أخرجه مسلم.
5- أوجب بعض الفقهاء النفقة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمعالجة لذوي الأرحام، عند حاجتهم إليها.
6- الصلة الدائمة، والحذر الكبير من قطع الرحم.
فقطع الرحم:
من كبائر الذنوب، وهي موجبة للعن الله.
قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ (محمد: 22، 23).
من أبغض الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى.
ففي الحديث : «أن رجلا قال: «قُلْتُ: يا رسُول اللهِ، أيُّ الْأعْمالِ أبْغضُ إِلى اللهِ؟ قال: «الْإِشْراكُ بِاللهِ»، قال: قُلْتُ: يا رسُول اللهِ، ثُمّ مهْ؟ قال: «ثُمّ قطِيعةُ الرّحِمِ» أخرجه أبو يعلى، وصححه الألباني.
موجب لتعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ ذنْبٍ أحْرى أنْ يُعجِل اللّهُ لصاحِبِه الْعُقُوبة فِي الدُّنْيا مع ما يُدّخرُ لهُ فِي الْآخِرةِ مِنْ قطيعة الرّحِمِ والبغي» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
من موانع قبول العمل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ أعْمال بنِي آدم تُعْرضُ كُلّ خمِيسٍ ليْلة الْجُمُعةِ، فلا يُقْبلُ عملُ قاطِعِ رحِمٍ» أخرجه أحمد وحسنه الألباني.
من موانع دخول الجنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدْخُلُ الْجنّة قاطِعُ رحِمٍ» متفق عليه.
المقطع للاطلاع فقط
مسائل في صلة الرحم
صلة الرحم تكون للأقرب فالأقرب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ اللّه يوصِيكم بِأُمّهاتِكُمْ ثُمّ يوصِيكم بِأُمّهاتِكُمْ ثُمّ يوصِيكم بِآبائِكُمْ ثُمّ يوصِيكم بِالْأقْربِ فالْأقْربِ» أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
تجب صلة الرحم الكافرة.
عنْ أسْماء بِنْتِ أبِي بكْرٍ قالتْ: « قدِمتْ عليّ أُمِّي وهِي مُشْرِكةٌ فِي عهْدِ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاسْتفْتيْتُ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: أفأصِلُ أُمِّي؟، قال: «نعمْ صِلِي أُمّكِ» أخرجه البخاري ومسلم.
يُرجع في صلة الرحم للعرف المعتبر شرعًا.
فما عدّه الناسُ صلةً فهو صلة، وما عدُّوه قطيعة فهو قطيعة؛ لأنه لم يُبيِّن في الكتاب والسنة نوعها ولا جنسها ولا مقدارها، وهذا هو الأصل، فلو فُرِض أن الأعراف فسدت وصار الناس لا يبالون بالقطيعة، فلا عبرة بهذا العرف.
الواصل الحقيقي لرحمه هو من وصلها إذا قطعت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليْس الواصِلُ بِالْمُكافِئ، ولكِنِ الواصِلُ الّذِي إِذا قُطِعتْ رحِمُهُ وصلها» أخرجه البخاري.
نشاط
1- بيِّن المراد بذوي الرحم، واذكر تفصيل أهل العلم في ذلك.
2- اذكر باختصار حقوق ذوي الأرحام، مع ذكر دليل لكل حق.
3- اذكر أربعة نصوص في تحريم قطيعة الرحم.
4- ما حكم صلة القريب الكافر، مع ذكر الدليل؟
حقوق الجار
لقد أوصت الشريعة الإسلامية بالجار، ورغّبت في ذلك بقوة، وجعلته من أسباب محبة الله سبحانه وتعالى للعبد ودخوله الجنة، وحذرت من الإساءة للجار والتقصير في حقه، ومازال الله تعالى في كتابه العزيز يوصي بالجار أعظم الوصية، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ (النساء: ٣٦) «ما زال يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجارِ حتّى ظننْتُ أنّهُ سيُورِّثُهُ» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه البخاري ومسلم بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم إكرام الجارِ من علامات الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: «منْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليوْمِ الآخِرِ فلْيُكْرِمْ جارهُ» وفي لفظ «فلا يُؤْذِ جارهُ» أخرجه البخاري ومسلم.
حقوق الجار:
1- الصبر على أذى الجار، وهو من أسباب محبة الله للعبد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ» وذكر منهم والرّجُلُ يكُونُ لهُ الْجارُ يُؤْذِيهِ جِوارُهُ، فيصْبِرُ على أذاهُ حتّى يُفرِّق بيْنهُما موْتٌ أوْ ظعْنٌ» أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
وقال الحسن رحمه الله: «ليس حسنُ الجوار كفّ الأذى، إنما الصبرُ على الأذى».
2- عدم إيذائه؛ فإن إيذاءه من أسباب دخول النار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قِيل لِلنّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: « يا رسُول اللهِ، إِنّ فُلانةً تقُومُ اللّيْل وتصُومُ النّهار، وتفْعلُ وتصّدّقُ وتُؤْذِي جِيرانها بِلِسانِها؟ فقال: رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيها، هي من أهل النار» أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
3- عِظمُ إثمِ من تعدّى على عِرض جاره وماله.
«سأل رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أصْحابهُ عنِ الزِّنا؟ قالُوا: حرامٌ، حرّمهُ اللّهُ ورسُولُهُ. فقال:«لِأنْ يزْنِي الرّجُلُ بِعشْرِ نِسْوةٍ أيسرُ عليْهِ مِنْ أنْ يزْنِي بِامْرأةِ جارِهِ».وسألهُمْ عنِ السّرِقةِ؟ قالُوا: حرامٌ، حرّمها اللّهُ سبحانه وتعالى ورسُولُ فقال:« لِأنْ يسْرِق مِنْ عشرةِ أهْلِ أبْياتٍ أيْسرُ عليْهِ مِنْ أنْ يسرق من بيتِ جارِه».
أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
4- وجوب الإحسان إلى الجار، ومن صور ذلك:
أن يحب لجاره ما يحبُّه لنفسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ عبْدٌ حتّى يُحِبّ لِجارِهِ ما يُحِبُّ لِنفْسِهِ» أخرجه مسلم.
تعاهُدُه بالهدايا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا طبخْتُمُ اللّحْم فأكْثِرُوا الْمرق أوْ الْماء، فإِنّهُ أوْسعُ لِلْجِيرانِ». أخرجه أحمد، وصححه الألباني.
تعاهُدُه بما يحتاجه من طعامٍ وشرابٍ، عند القدرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بِي منْ بات شبْعان، وجارُهُ جائِعٌ إِلى جنْبِهِ، وهو يعْلمُ بِهِ». أخرجه الطبراني والبزار، وصححه الألباني.
القيامُ على شؤون أهله في غيابه أو بعد وفاته، والإحسان إليهم.
السماح للجار بالانتفاع بما لا يضره مما يملك جارُه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يمنع جارٌ جاره أنْ يغْرِز خشبهُ فِي جِدارِهِ». أخرجه البخاري ومسلم.
الترهيب من إيذاء الجار:
أذى الجار من كبائر الذنوب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ! قالُوا: وما ذاك يا رسُول الله؟ قال: الْجارُ لا يأْمنُ جارُه بوائِقهُ» أي: شرّه. أخرجه البخاري.
إيذاء الجار سببٌ في استحقاقِ لعنةِ الله ولعنة الناس.
جاء رجُلٌ إِلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يشْكُو جارهُ، فقال: « اطْرحْ متاعك على الطّرِيقِ» فطرحهُ فجعل النّاسُ يمُرُّون عليْهِ ويلْعنُونهُ فجاء إِلى النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسُول الله، ما لقِيتُ مِن النّاسِ. قال:«وما لقِيت مِنْهُمْ؟»، قال: يلْعنُونِي قال: «قدْ لعنك الله قبْل النّاسِ!!»، قال: فإِنِّي لا أعُودُ، فجاء الّذِي شكاهُ إِلى النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال لهُ:«ارْفعْ متاعك فقدْ كُفِيت» أخرجه الطبراني والبزار، وحسّنه الألباني.
إيذاء الجار سبب في المنع من دخول الجنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يدْخُلُ الْجنّة منْ لا يأْمنُ جارُهُ بوائِقهُ» أخرجه مسلم.
مسائل في التعامل مع الجار
الوصية بالجار تشمل الجار المسلم والكافر.
عن مجاهد أن عبد الله بن عمر ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه.
قال القرطبي: «الوصيةُ بالجار مأمورٌ بها، مندوبٌ إليها، مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح».
قال أهل العلم: الجيران ثلاثة:
1- جار له ثلاثة حقوق: وهو الجار المسلم القريب؛ له حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة.
2- جارٌ له حقّان: وهو الجار المسلم غير القريب، فله حقان:
3- جارٌ له حقٌّ واحدٌ: وهو الجار الكافر؛ له حق الجوار، بأن تحسن إليه، ولا يصدر منك أذى في حقه.
الإحسان إلى الجار يشمل القريب والبعيد.
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ القريب . ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ البعيد . ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾.
يبدأ في البر بالجار الأقرب بابًا.
عنْ عائِشة رضي الله عنها قالتْ: « قُلْتُ يا رسُول اللهِ، إِنّ لِي جاريْنِ فإِلى أيِّهِما أُهْدِي؟ قال: «إِلى أقربِهِما مِنْكِ بابًا» أخرجه البخاري.
نشاط
1- تكلم أهلُ العلم على جوانب من الإحسان للجار، اذكر بعضًا منها.
2- من خلال دراستك، بيِّن جانبًا من محاسن الإسلام في التعامل مع غير المسلمين.
3- اذكر أقسام الجار، وبيِّن حقّ الجارِ في كل منها.
4- إن أحببت أن تبين لشخص خطر إيذاء الجار، فماذا تذكر له؟
حقوق الضّيف والمُضِيف
القيام بحقوق الضيف عبادة ﷲ سبحانه وتعالى، وعلامة على الإيمان، وهي من جميل الأخلاق والعادات، تُؤلِّف بين القلوب، وتزيل الشحناء والبغضاء، وتنشر روح المواساة والمحبة بين المسلمين، فللضيفِ حقٌّ على مُضيفه، ينبغي القيام به، ففيه أجر عظيم عند الله، ومحمدة في الدنيا والآخرة.
وقد جاء الحثُّ على الضيافة والاهتمام بها، حتى جُعلت من علامات الإيمان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومنْ كان يُؤْمِنُ بِالله والْيوْمِ الْآخِرِ فلْيُكْرِمْ ضيْفهُ» أخرجه البخاري مسلم.
والضيف المقصود بالإكرام الواجب: هو المسافر الذي ينزل غير بلده، وليس المراد به من كان من أهل البلد، فذهب إلى بيت أحد جيرانه ونحوه.
حقوق الضيف
1- إظهار الفرح والسرور عند استقبال الضيف.
عن ابْنِ عبّاسٍ قال: « إِنّ وفْد عبْدِ القيْسِ لمّا أتوُا النّبِيّ قال: «منِ القوْمُ؟» قالُوا: ربِيعةُ. قال: «مرْحبًا بِالقوْمِ، غيْر خزايا ولا ندامى» أخرجه البخاري ومسلم.
قوله: «غيْر خزايا ولا ندامى» أي: غير أذلاء بمجيئكم، ولا نادمين على قدومكم.
وقال أبو الهيثم رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لما زاروه: «الْحمْدُ لِلّهِ، ما أحدٌ الْيوْم أكْرم أضْيافًا مِنِّي» أخرجه مسلم.
2- إكرام الضيف.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ (الذاريات: 24).
(المكرمين)، أي: الذين أكرمهم نبيُّ الله إبراهيمُ عليه السلام .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليوْمِ الآخِرِ فلْيُكْرِمْ ضيْفهُ» تقدم.
ومن صور إكرام الضيف:أن يقوم على خدمته بنفسه.
ملاطفة الضيف بطيب الحديث.
التعجيل بتقديم أطيب الطعام والشراب، إن تيسر، وإلا فمما يملك.
قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام في قصة ضيافته للملائكة: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ (الذاريات: 26) فراغ: أي: ذهب سريعًا في خِفْيةٍ، ليحضر لهم ضيافتهم.
فإن لم يكن الطعام جاهزا قدّم ما جرت العادة بتقديمه من فواكه ونحوها.
ففي قصة ضيافة أبي الهيثم رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أنه: «انْطلق، فجاءهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتمْرٌ ورُطبٌ، فقال: كُلُوا مِنْ هذِهِ، وأخذ الْمُدْية -السِّكِّين-، فذبح لهُمْ» . أخرجه مسلم.
3- مراعاة أعراف الضيف، فيما يقدم له من الطعام.
عنْ خالِدِ بْنِ الولِيدِ رضي الله عنه قال: « أُتِي النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِضبٍّ مشْوِيٍّ، فأهْوى إِليْهِ لِيأْكُل، فقِيل لهُ: إِنّهُ ضبٌّ، فأمْسك يدهُ، فقال خالِدٌ: أحرامٌ هُو؟ قال: «لا، ولكِنّهُ لا يكُونُ بِأرْضِ قوْمِي، فأجِدُنِي أعافُهُ» فأكل خالِدٌ ورسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ينظر. متفق عليه.
فاختلاف أنواع الطعام يتيح فرصًا للضيف أن يأكل ما يشتهيه، أو على أقل الأحوال ما يمكنه الأكل منه.
4- وضع الطعام على مقربة من الضيف، وحثُّه على الأكل بلا إلحاح ولا إحراج.
قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام في قصة ضيافته للملائكة: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ (الذاريات: 26-27).
5- من حسن الضيافة إيثار الضيف بالطعام عند قِلّتِه.
عنْ أبِي هُريْرة رضي الله عنه: « أنّ رجُلًا أتى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فبعث إِلى نِسائِهِ فقُلْن: ما معنا إِلّا الماءُ، فقال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«منْ يضُمُّ أوْ يُضِيفُ هذا»، فقال رجُلٌ مِن الأنْصارِ: أنا، فانْطلق بِهِ إِلى امْرأتِهِ، فقال: أكْرِمِي ضيْف رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: ما عِنْدنا إِلّا قُوتُ صِبْيانِي، فقال: هيِّئِي طعامكِ، وأصْبِحِي -أوقدي- سِراجكِ، ونوِّمِي صِبْيانكِ إِذا أرادُوا عشاءً، فهيّأتْ طعامها، وأصْبحتْ سِراجها، ونوّمتْ صِبْيانها، ثُمّ قامتْ كأنّها تُصْلِحُ سِراجها فأطْفأتْهُ، فجعلا يُرِيانِهِ أنّهُما يأْكُلانِ، فباتا طاوِييْنِ، فلمّا أصْبح غدا إِلى رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:«ضحِك اللّهُ اللّيْلة، أوْ عجِب، مِنْ فعالِكُما» فأنْزل اللّهُ: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خصاصة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ (الحشر:9). متفق عليه.
6- إنزال الضيف في مكان يليق بمثله.
عنْ أبِي أيُّوب رضي الله عنه: « أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم نزل عليْهِ، فنزل النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي السُّفْلِ -الطابق الأول-، وأبُو أيُّوب فِي الْعِلْوِ، قال: فانْتبه أبُو أيُّوب ليْلةً، فقال: نمْشِي فوْق رأْسِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم!! فتنحّوْا فباتُوا فِي جانِبٍ، ثُمّ قال لِلنّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «السُّفْلُ أرْفقُ»، فقال: لا أعْلُو سقِيفةً أنْت تحْتها، فتحوّل النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْعُلُوِّ، وأبُو أيُّوب فِي السُّفْلِ . أخرجه مسلم.
7- توفير ما يحتاجه الضيف من فراش ونحوه للنوم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فِراشٌ لِلرّجُلِ وفِراشٌ لامْرأتِهِ والثّالِثُ لِلضّيْفِ والرّابِعُ للشيطان» أخرجه مسلم.
8- صيانة الضيف عن كل ما يؤذيه.
قال تعالى عن دفاع لوط عليه السلام عن أضيافه ضد قومه المفسدين: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا ﴾ (الحجر: 68-69).
والمعنى: أن هؤلاء ضيفي، وهم في حمايتي فلا تفضحوني، وخافوا عقاب الله، ولا تتعرضوا لهم، فتوقِعُوني في الذلِّ والهوانِ بإيذائكم لضيوفي.
نشاط
1- من خلال دراستك، من هو الضيف المقصود بالإكرام في النصوص الشرعية؟
2- مرّ عليك قصةُ ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الضب، فكيف تستفيد منها في إكرام الضيف؟
3- اشرح هذا الحديث مستفيدا من كلام العلماء: «فِراشٌ لِلرّجُلِ وفِراشٌ لامْرأتِهِ والثّالِثُ لِلضّيْفِ.. الحديث».
حقوق المُضِيف
وفي المقابل، فهناك جملة من حقوق المُضيف على الضيف، منها:
1- الاستئذان في الدخول، والحضور في الموعد المحدد.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا ﴾ (الأحزاب: 53).
قال الشوكاني: «نهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناسُ أدب الله لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذنٍ عند الأكل لا قبله».
2- ألا يطيل البقاء بما يُحرج مُضيفه، مالم يأذن بذلك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يحِلُّ لِرجُلٍ مُسْلِمٍ أنْ يُقِيم عِنْد أخِيهِ حتّى يُؤْثِمهُ»، قالُوا: يا رسُول الله، وكيْف يُؤْثِمُهُ؟ قال: «يُقِيمُ عِنْدهُ، ولا شيْء لهُ يقْرِيهِ -يُضِيفُه- بِهِ» أخرجه مسلم.
3- ألا يصطحب معه من لم يأذن له المضيف، فإن فعل استأذن له.
عنْ أبِي مسْعُودٍ الأنْصارِيِّ رضي الله عنه قال: «كان مِن الأنْصارِ رجُلٌ يُقالُ لهُ أبُو شُعيْبٍ، وكان لهُ غُلامٌ لحّامٌ، فقال: اصْنعْ لِي طعامًا، أدْعُو رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم خامِس خمْسةٍ، فدعا رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم خامِس خمْسةٍ، فتبِعهُمْ رجُلٌ، فقال النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنّك دعوْتنا خامِس خمْسةٍ، وهذا رجُلٌ قدْ تبِعنا، فإِنْ شِئْت أذِنْت لهُ، وإِنْ شِئْت تركْتهُ»، قال: بلْ أذِنْتُ لهُ» أخرجه البخاري ومسلم.
4- النصح للمضيف في استبقاء ما ينفعُه وأهله، لاسيما عند الحاجة.
ففي قصة ضيافة أبي الهيثم رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أنه: جاءهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتمْرٌ ورُطبٌ، فقال: كُلُوا مِنْ هذِهِ، وأخذ الْمُدْية، فقال لهُ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: « إِيّاك، والْحلُوب» . فذبح لهُمْ، فأكلُوا مِن الشّاةِ، ومِنْ ذلِك الْعِذْقِ وشرِبُوا. أخرجه مسلم.
5- الدعاء للمُضيف.
عنْ أنسٍ رضي الله عنه: « أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم جاء إِلى سعْدِ بْنِ عُبادة رضي الله عنه فجاء بِخُبْزٍ وزيْتٍ، فأكل، ثُمّ قال النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«أفْطر عِنْدكُمُ الصّائِمُون، وأكل طعامكُمُ الْأبْرارُ، وصلّتْ عليْكُمُ الْملائِكةُ» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
6- عدم التلصص على عورات أهل البيت.
عنْ عبْدِ اللهِ بْنِ أبِي الْهُذيْلِ قال: دخل عبْدُ اللهِ بْنُ مسْعُودٍ رضي الله عنه على مرِيضٍ يعُودُهُ -ومعهُ قوْمٌ، وفِي الْبيْتِ امْرأةٌ- فجعل رجُلٌ مِن الْقوْمِ ينْظُرُ إِلى الْمرْأةِ، فقال لهُ عبْدُ اللهِ:«لوْ انْفقأتْ عيْنُك، كان خيرًا لك». أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
مسائل في الضيافة:
الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ومنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليوْمِ الآخِرِ فلْيُكْرِمْ ضيْفهُ جائِزتهُ»، قال: وما جائِزتُهُ يا رسُول اللهِ؟، قال: «يوْمٌ وليْلةٌ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيّامٍ، فما كان وراء ذلِك فهُو صدقةٌ عليْهِ» أخرجه البخاري ومسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام» معناه الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة الأولى، وإكرامه بأفضل ما يجد من طعام وشراب ونحوه، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسّر، ولا يزيد على عادته، وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروفٌ، إن شاء فعل وإن شاء ترك.
تابع - مسائل في الضيافة:
هل للضيف أخذُ مقابلِ ضيافتِه إن منعها المُضيف؟
أخرج البخاري ومسلم عنْ عُقْبة بْنِ عامِرٍ رضي الله عنه أنّهُ قال: «قُلْنا يا رسُول اللهِ إِنّك تبْعثُنا فننْزِلُ بِقوْمٍ فلا يقْرُوننا -أي: يضيفوننا- فما ترى؟ فقال لنا رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ نزلْتُمْ بِقوْمٍ فأمرُوا لكُمْ بِما ينْبغِي لِلضّيْفِ فاقْبلُوا، فإِنْ لمْ يفْعلُوا فخُذُوا مِنْهُمْ حقّ الضّيْفِ الّذِي ينْبغِي لهُمْ».
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «الضيف إذا نزل بشخص وامتنع من ضيافته، فإن للضيف أن يأخذ من ماله ما يكفيه لضيافته بالمعروف من غير علمه؛ لأن الحق في هذا ظاهر».
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الضيف لا يحل له أن يأخذ من مال مُضيفِه شيئا بغير إذنه، حتى ولو لم يقدم له ما ينبغي في ضيافته، أو لم يضفه أصلا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يحِلُّ مالُ امْرِئٍ إِلّا بِطِيبِ نفْسٍ مِنْهُ» رواه أحمد، وصححه الألباني.
فالجمهور يرون الضيافة مستحبة، وحملوا حديث عقبة رضي الله عنه السابق، على ما إذا كانت الضيافة في القرى والبدو ونحوه، أما في الحضر والمُدُن، فلا.
قال الإمام مالك رحمه الله: «ليس على أهل الحضر ضيافة».
وقال سحنون: «إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر».
وهذا القول من حيث العرف يحسن المصير إليه، والأخذ به، سيما مع قلة علم الناس، وانتشار الجهل.
نشاط
1- اكتب باختصار جملة من حقوق المُضيف على الضيف.
2- كيف يكون تحريج المضيف؟
3- اشرح هذا الحديث، مستعينًا بكلام العلماء: (جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام).
4- بيِّن حكم أخذ الضيف حقه من المضيف إن قصر في ذلك.
حُقوقُ العامِلِ وربِّ العملِ:
العملُ هو قوام الحياة، ولا يستغني عنه الناس، لا العامل، ولا رب العمل؛ ولذلك فإن الأنبياء -الذين هم أفضلُ خلقِ الله عليهم الصلاة والسلام- قد عملوا، فقد عمِل آدمُ بالزِّراعةِ، ونوحٌ بالنِّجارةِ، وداودُ بالحِدادةِ، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم برعْيِ الغنمِ والتجارةِ؛ لذا جاء الحثُّ على العملِ والسعيِ عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأنْ يأْخُذ أحدُكُمْ حبْلهُ، ثُمّ يغْدُو إِلى الْجبلِ فيحْتطِب، فيبِيع فيأْكُل ويتصدّق خيْرٌ لهُ مِنْ أنْ يسْأل النّاس» أخرجه البخاري، وبين العاملِ وربِّ العملِ من الحقوقِ الكثيرُ؛ لذا وجب بيانُها.
أولا: حقُّ العامِلِ:
1- عدمُ تكليفِ العاملِ فوق طاقتِهِ.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِخْوانُكُمْ خولُكُمْ -أي: الذين يخولون أموركم ويصلحونها- جعلهُمْ اللهُ تحْت أيْدِيكُمْ، فمنْ كان أخُوهُ تحْت يدِهِ، فلْيُطْعِمْهُ مِمّا يأْكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمّا يلْبسُ، ولا تُكلِّفُوهُمْ ما يغْلِبُهُمْ فإِنْ كلّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ» رواه البخاري.
2- المعاملة بالحسنى.
قالت عائشة رضي الله عنها: «ما ضرب رسُولُ اللهِ شيْئًا قطُّ بِيدِهِ ولا امْرأةً ولا خادِمًا».
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه خادِمُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: كان رسولُ الله من أحسنِ الناسِ خُلُقًا، فأرسلني يومًا لحاجةٍ، فقلت: والله لا أذهبُ -وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيُّ الله- قال: فخرجتُ حتى أمُرّ على صبيانٍ وهم يلعبون في السُّوق، فإذا رسولُ الله قابضٌ بقفاي من ورائي، فنظرتُ إليه وهو يضحكُ، فقال: يا أُنيْسُ، اذْهبْ حيْثُ أمرْتُك. قلت: نعم، أنا أذهبُ يا رسول الله.
قال أنس: «والله لقدْ خدمْتُهُ تِسْع سِنِين، ما علِمْتُ قال لِشيْءٍ صنعْتُ: لِم فعلْت كذا وكذا؟ ولا لِشيْءٍ تركْتُ: هلاّ فعلْت كذا وكذا».
3- ألا يبخسه حقّه، وأن يعطيه أجْرتهُ على قدْرِ عملهِ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ أنا خصْمُهُم يوم القيامةِ، ومنهم: ورجلٌ استأجر أجِيرا فاستوفى منه ولم يُعْطِهِ أجْرهُ» رواه البخاري. «أعطوا الأجِير أجرهُ قبل أن يجِفّ عرقُهُ» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
4- حُسن الخلُق وعدم أذى العامل، فقد ضرب أبو مسعودٍ رضي الله عنه غلامًا له، قال: فما شعرتُ إلاّ ورجلٌ من خلفي يقول: «أبا مسعود، للهُ أقدرُ عليك من قدرتِك عليه»، قال: فالتفتُّ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت: «يا رسول الله، هو حرٌّ لوجهِ الله»، فقال صلى الله عليه وسلم:«لو لم تفعلْ هذا للفحتْك النّارُ يوم القيامةِ» هذا وهو عبد مملوك، فكيف بغيره؟!
5- الاهتمامُ بالعاملِ، فقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يهتمُّ برعايةِ خدمِهِ، حتى امتدّ اهتمامُهُ بهم لتشمل غير المؤمنين، فقد مرِض الغلامُ اليهوديُّ الذي كان يخدمُهُ مرضًا شدِيدًا، فظلّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يزورُهُ ويتعهّدُهُ، حتى إذا شارف على الموتِ عادهُ وجلس عند رأسِهِ، ثم دعاه إلى الإسلامِ، فنظر الغلامُ إلى أبيه متسائلًا، فقال له أبوه: أطِعْ أبا القاسم. فأسلم، ثم فاضتْ رُوحُهُ، فخرج النّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يقولُ:« الْحمْدُ لِلهِ الذِي أنْقذهُ مِن النارِ» أخرجه البخاري.
6- الواجبُ تمكينُ العاملِ من أداءِ ما افترضهُ الله عليه، من طاعةٍ كالصّلاةِ والصِّيامِ والحجِّ وغيره، وليحذر صاحبُ العملِ أن يكون ممن يصُدُّ عن سبيلِ الله، فيمنعُهُ من ذلك بدعوى القيامِ بالعملِ، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ (العلق: 9، 10).
بخسُ الحُقُوقِ:
مِن الظّواهرِ المحرّمةِ: أنْ يعقد بعضُهُم بينه وبين العاملِ عقْدًا، ويستقدمُهُ من بلدهِ، فيترك أهلهُ وعشيرته طلبا للرِّزق، فإذا حضر العاملُ حاول رب العمل التخلّص من هذا العقدِ ليجعله أقلّ مرتّبًا، وأدنى حقوقا، فيضطرُّ هذا العاملُ المسكينُ -تحت هذا الضّغطِ السيِّئ- أن يُوقِّع على عقدٍ ثانٍ وهو مرغمٌ عليه من غيرِ اختيارٍ، وهذا من الظلمِ العظيمِ.
7- حقوق العامل وربِّ العمل
للعاملِ الحقُّ في الرّاحةِ، فلا يجوزُ لصاحِبِ العملِ إرهاقُهُ، والإشفاق عليه، قال شعيب لموسى عليه السلام حين أراد أن يعمل له في مالهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ (القصص: 27) وقال صلى الله عليه وسلم: «ولا تُكلِّفُوهُمْ ما يغْلِبُهُمْ، فإِنْ كلّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ» تقدم.
8- حقُّ الضّمانِ.
التكافُلُ الاجتِماعِيُّ في الإسلامِ يكفُلُ للمُواطِنِ عند عجزه أو مرضِهِ نصيبًا من بيتِ مالِ المسلمين، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما مِنْ مُؤْمِنٍ إِلّا وأنا أوْلى بِهِ فِي الدُّنْيا والْآخِرةِ، اقْرءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فأيُّما مُؤْمِنٍ مات وترك مالًا فلْيرِثْهُ عصبتُهُ منْ كانُوا، ومنْ ترك ديْنًا أوْ ضياعًا فلْيأْتِنِي فأنا موْلاهُ» والمقصود هنا بيتُ مالِ المسلمين، أو ما يقوم مقامهُ.
حقوقُ صاحبِ العملِ:
1- عدمُ الإهمالِ، والشعورُ بالمسؤوليّةِ تجاه العملِ.
فلا يهمل عمله ولا يقصر ولا يغشُّ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: « والخادمُ في مالِ سيِّده راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّتهِ» أخرجه البخاري.
2- الأمانة والإخلاص.
فالغشُّ ليس من صفاتِ المؤمنين، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من غشّ فليس مِنّا» رواه مسلم، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ قال الله تعالى: ومن الخيانة وعدم الأمانة أخذ الرشوة، وتضييع الأوقات، (الأنفال: 27).
3- الطاعةُ.
فيجبُ على العاملِ أن يطيع رؤساءه في العملِ في غيرِ معصيةٍ، وأن يلتزم بقوانين العملِ، فإن هذا ما وقع عليه العقدُ، وهو الذي يحققُ المصلحة المرجوة.
4- التعفّفُ من استغلالِ الوظيفةِ، ويدخل في ذلك ما يُعرف بهدايا العمالِ، وحكمُه حكمُ الغُلولِ. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «منْ اسْتعْملْناهُ على عملٍ فرزقْناهُ رِزْقًا فما أخذ بعْد ذلِك فهُو غُلُولٌ» رواه أبو داود والترمذي، وصحّحه.
هدايا العُمّالِ:
في الصحيحين عن أبي حميدٍ السّاعِدِي رضي الله عنه قال: « استعمل النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا من بني أسد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهدِي لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بالُ عاملٍ أبعثه، فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟!! والذي نفس محمدٍ بيده؛ لا ينال أحدٌ منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عُنُقهِ، بعيرٌ له رغاءٌ، أو بقرةٌ لها خوارٌ، أو شاةٌ تيْعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهمّ هلْ بلّغتُ؟ مرتين.
حق الراعي والرعية
الحُكْم في نظر الإسلام تبِعة ومسؤولية، لم يشرع إلا لتحقيق أهداف وبلوغ مقاصد، وتحقيق هذه الأهداف وبلوغ هذه المقاصد مسؤولية مشتركة بين الحكام والمحكومين، فهم مسؤولون عنها جميعا، وحيث إن الحاكم أو رئيس الدولة هو النائب أو الوكيل عن الأمة في تحقيق هذه المقاصد الشرعية، وأنه لا يستطيع بمفرده القيام بحراسة الدين وسياسة الدنيا أوجبت الشريعة على الرعية أو الشعب حقوقًا لمن تولى زعامتها من المسلمين، برًّا كان أو فاجرا، تُعينه على أداء واجبه تجاه الأمة.
مِنْ حقوق الحاكم على رعيته
1- طاعته، وهو من أعظم الحقوق له على رعيته.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (النساء: 59).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ أطاعنِي فقدْ أطاع الله، ومنْ يعْصِنِي فقدْ عصى الله، ومنْ يُطِعِ الْأمِير فقدْ أطاعنِي، ومنْ يعْصِ الْأمِير فقدْ عصانِي» . متفق عليه.
وتشمل طاعته الآتي:
اعتقاد وجوب طاعةِ الحاكم طاعةً ﷲ ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لا لأجل الدنيا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثةٌ لا ينْظُرُ اللّهُ إِليْهِمْ يوْم القِيامةِ، ولا يُزكِّيهِمْ، ولهُمْ عذابٌ ألِيمٌ» ومنهم «رجُلٌ بايع إِمامًا لا يُبايِعُهُ إِلّا لِدُنْيا، فإِنْ أعْطاهُ مِنْها رضِي، وإِنْ لمْ يُعْطِهِ مِنْها سخِط» أخرجه البخاري ومسلم.
وجوب طاعة الإمام في المعروف دون المعصية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على الْمرْءِ الْمُسْلِمِ السّمْعُ والطّاعةُ فِيما أحبّ وكرِه، إِلّا أنْ يُؤْمر بِمعْصِيةٍ، فإِنْ أُمِر بِمعْصِيةٍ، فلا سمْع ولا طاعة» متفق عليه.
قال ابن القيم رحمه الله وفي الحديث دليلٌ أن على من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصيًا».
وجوب طاعة الإمام في جميع أحوال الأفراد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليْك السّمْع والطّاعة فِي عُسْرِك ويُسْرِك، ومنْشطِك ومكْرهِك، وأثرةٍ عليْك» أخرجه مسلم.
2- الصبر على ظلم الحاكم، وعدم الخروج عليه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خِيارُ أئِمّتِكُمُ الّذِين تُحِبُّونهُمْ ويُحِبُّونكُمْ، ويُصلُّون عليْكُمْ وتُصلُّون عليْهِمْ، وشِرارُ أئِمّتِكُمُ الّذِين تُبْغِضُونهُمْ ويُبْغِضُونكُمْ، وتلْعنُونهُمْ ويلْعنُونكُمْ»، قِيل: يا رسُول الله، أفلا نُنابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فقال:«لا، ما أقامُوا فِيكُمُ الصّلاة، وإِذا رأيْتُمْ مِنْ وُلاتِكُمْ شيْئًا تكْرهُونهُ، فاكْرهُوا عملهُ، ولا تنْزِعُوا يدًا مِنْ طاعةٍ» أخرجه مسلم.
وفي صحيح مسلم من حديث حُذيْفة بن الْيمانِ رضي الله عنه، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: «تسْمعُ وتُطِيعُ لِلْأمِيرِ وإِنْ ضُرِب ظهْرُك وأُخِذ مالُك فاسْمعْ وأطِعْ».
قال الطحاوي رحمه الله: «ولا نرى الْخُرُوج على أئِمّتِنا ووُلاةِ أُمُورِنا، وإِنْ جارُوا، ولا ندْعُوا عليْهِمْ، ولا ننْزِعُ يدًا مِنْ طاعتِهِمْ».
3- يجب على الرعية أداء حقوق الحاكم، وإن قصر في حقوق الرعية.
عنِ ابْنِ مسْعُودٍ رضي الله عنه: قال لنا رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « إِنّكُمْ ستروْن بعْدِي أثرةً وأُمُورًا تُنْكِرُونها»، قالُوا: فما تأْمُرُنا يا رسُول اللهِ؟ قال: «أدُّوا إِليْهِمْ حقّهُمْ، وسلُوا اللّه حقّكُمْ» أخرجه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأعْطُوهُمْ حقّهُمْ، فإِنّ الله سائِلُهُمْ عمّا اسْترْعاهُمْ» متفق عليه.
4- نصيحتُه بما فيه صلاحه وصلاح الأمة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النّصِيحةُ»، قُلْنا: لِمنْ؟ قال: «لِلّهِ ولِكِتابِهِ ولِرسُولِهِ ولِأئِمّةِ الْمُسْلِمِين وعامّتِهِمْ» أخرجه مسلم.
قال ابن رجب الحنبلي: «النصيحةُ لأئمة المسلمين معاونتُهم على الحقِّ، وطاعتُهم فيه، وتذكيرُهم به، وتنبيهُهم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق».
5- نصرتُه وحمايتُه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومنْ بايع إِمامًا فأعْطاهُ صفْقة يدِهِ، وثمرة قلْبِهِ، فلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتطاع، فإِنْ جاء آخرُ يُنازِعُهُ فاضْرِبُوا عُنُق الْآخرِ» أخرجه مسلم.
قال القاضي أبو يعلي: «وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم: الطاعة، والنصرة، مالم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة».
6- تعظيمُ الإمام وتوقيرُه، وحفظ مكانته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلالِ الله إكرام ذي الشيبةِ المسلمِ، وحاملِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السُّلطانِ المُقْسِطِ» تقدم.
قال أهل العلم: «لا يزال الناس بخير ما عظّموا السلطان والعلماء، فإذا عظّموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم».
7- لين القول وطيب الكلام ومراعاة مقام الحاكم عند الكلام معه.
قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ (طه: 43-44).
قال ابن القيم: «مخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمرٌ مطلوبٌ شرعًا وعقلًا وعرفًا».
8- الكفُّ عن ذكر معايبهم ونشرها بين الناس.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا وَاتَّقُوا إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ (الحجرات: 12).
لما في ذلك من تهييج الناس عليهم، وتقليل شأنهم، وجرأة من يريد الخروج عليهم.
9- الصلاة وراء الحاكم البر والفاجر، والجهاد معه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُصلُّون لكُمْ، فإِنْ أصابُوا فلكُمْ، وإِنْ أخْطئُوا فلكُمْ وعليْهِمْ» أخرجه البخاري.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هِجْرة، ولكِنْ جِهادٌ ونِيّةٌ» أخرجه البخاري ومسلم.
قال ابن قدامة: «ونرى الحج والجهاد ماضيًا مع طاعة كل إمام، برًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة ».
10- عدم الافتئات عليه والتعرض لما هو منوطٌ به.
فمِن آكدِ حقوقِ الحاكمِ ألا يتعدّى أحدٌ على ما يقع تحت مسؤوليته، بدون إذنٍ منه، كأمور الحرب والسِّلْم، وإقامة الحدود وغيرها.
11- الدعاء له بالصلاح والتوفيق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خِيارُ أئِمّتِكُمُ الّذِين تُحِبُّونهُمْ ويُحِبُّونكُمْ، ويُصلُّون عليْكُمْ –يدعون- وتُصلُّون عليْهِمْ، وشِرارُ أئِمّتِكُمُ الّذِين تُبْغِضُونهُمْ ويُبْغِضُونكُمْ، وتلْعنُونهُمْ ويلْعنُونكُمْ» أخرجه مسلم.
نشاط
1- بيِّن باستيفاء حكم الخروج على الحاكم الظالم.
2- ماذا تستفيد من هذا النص: «تسْمعُ وتُطِيعُ لِلْأمِيرِ وإِنْ ضُرِب ظهْرُك وأُخِذ مالُك فاسْمعْ وأطِعْ»؟
3- لماذا جاءت الشريعة الإسلامية بالتشديد في السمع والطاعة للحاكم، ولو كان ظالمًا؟
4- هل من السنة الدعاء للحكام؟ ابحث هذه المسألة.
حقوق الرعية على الراعي:
كما أوجبت الشريعة الإسلامية على المسلم حقوقًا للحاكم؛ تحقيقًا لمقاصد الشرع من حفظ الدين وسياسة الدنيا به، أوجبت على الحاكم حقوقًا لرعيته بما يحقق مصالحهم الدينية والدنيوية، ويعينهم على التعاون معه فيما هو من واجباته، فالإمامة مسؤولية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فالْأمِيرُ الّذِي على النّاسِ راعٍ، وهُو مسْؤولٌ عنْ رعِيّتِهِ» أخرجه البخاري ومسلم، وهي أمانة عظيمة يسأل عنها يوم القيامة، وتكليف لا تشريف، فإن قام الحاكم بما يجب عليه نال الفضل العظيم، وإن قصر فعلى نفسه يجني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سأله الإمارة: «وإِنّها أمانةٌ، وإِنّها يوْم الْقِيامةِ خِزْيٌ وندامةٌ، إِلّا منْ أخذها بِحقِّها، وأدّى الّذِي عليْهِ فِيها» أخرجه مسلم.
ومن أهم تلك الحقوق:
1- إقامة دين الأمة.
فمن أوجب حقوق الأمة على الحاكم أن يحفظ لها دينها، ويعينها على القيام بحق عبودية الله سبحانه وتعالى.
ومن سبل ذلك:
نشر العلم والدعوة.
عنِ ابْنِ عبّاسٍ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بعث مُعاذًا رضي الله عنه إِلى اليمنِ، فقال: «ادْعُهُمْ إِلى شهادةِ أنْ لا إِله إِلّا اللّهُ، وأنِّي رسُولُ اللهِ، فإِنْ هُمْ أطاعُوا لِذلِك، فأعْلِمْهُمْ أنّ اللّه قدِ افْترض عليْهِمْ خمْس صلواتٍ فِي كُلِّ يوْمٍ وليْلةٍ.. الحديث» أخرجه البخاري ومسلم.
تعظيمُ أهل العلم، وتمكينُهم، والأخذ بمشورتهم.
قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ (آل عمران: 159)، وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (الشورى: 38).
وعن ابن عباس قال: «كان القُرّاءُ أصْحاب مجْلِس عُمر رضي الله عنه ومُشاورتِهِ، كُهُولًا كانُوا أوْ شُبّانًا» أخرجه البخاري.
والقراء هم العالمون بمعاني القرآن المتفقهون فيه، وكانوا يلازمون مجالس عمر رضي الله عنه لينبهوه إذا سها، ويذكروه إذا نسي.
منع ما يؤدي لإفساد عقائد الناس وأخلاقهم.
قال الماوردي في واجبات الحاكم: «فإِنْ نجم مبتدعٌ، أو زاغ ذو شبهةٍ عنه، أوضح له الحجة، وبيّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل».
2- الحكم بما أنزل الله بين الرعية
ويتمثل في:
تحكيم الشريعة بين الناس وإلزامهم بأحكامها.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ (المائدة: 49).
إقامة الحدود واستيفاء الحقوق من بعض الأمة لبعض.
عنْ عِمْران بْنِ حُصيْنٍ رضي الله عنه: «أنّ امْرأةً مِنْ جُهيْنة أتتْ نبِيّ الله صلى الله عليه وسلم وهِي حُبْلى مِن الزِّنى، فقالتْ: يا نبِيّ الله، أصبْتُ حدًّا، فأقِمْهُ عليّ، فدعا نبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم ولِيّها، فقال:«أحْسِنْ إِليْها، فإِذا وضعتْ فأْتِنِي بِها»، ففعل، فأمر بِها نبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم، فشُكّتْ عليْها ثِيابُها، ثُمّ أمر بِها فرُجِمتْ، ثُمّ صلّى عليْها» أخرجه مسلم.
قال الماوردي -في ذكر واجبات الحكم ومسؤولياته-: «إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك».
3- سياسة الرعية بالعدل والإحسان ورفع الظلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ (النساء: 58).
4- حماية الأمة وصيانة أنفسها وأعراضها وأموالها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّما الْإِمامُ جُنّةٌ، يُقاتلُ مِنْ ورائِهِ» متفق عليه.
(الإمام جنة) أي: كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته.
(يقاتل من ورائه) أي: يقاتل معه ضد الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا.
5- رعاية الأمة وتوفير ما تحتاجه، لاسيما الضعفاء والعجزة.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة: أخرجه البخاري. «لئِنْ سلّمنِي اللّهُ، لأدعنّ أرامِل أهْلِ العِراقِ لا يحْتجْن إِلى رجُلٍ بعْدِي أبدًا»
6- النصح للأمة في أمر دينها ودنياها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ أمِيرٍ يلِي أمْر الْمُسْلِمِين، ثُمّ لا يجْهدُ لهُمْ وينْصحُ، إِلّا لمْ يدْخُلْ معهُمُ الْجنّة» أخرجه مسلم.
مع مراعاة الرِّفق في نصحه للأمة، «اللهُمّ، منْ ولِي مِنْ أمْرِ أُمّتِي شيْئًا فشقّ عليْهِمْ، فاشْقُقْ عليْهِ، ومنْ ولِي مِنْ أمْرِ أُمّتِي شيْئًا فرفق بِهِمْ، فارْفُقْ بِهِ» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجه مسلم.
7- رعاية شؤون الأمة بنفسه والعناية بمصالحها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ ولّاهُ اللّهُ سبحانه وتعالى شيْئًا مِنْ أمْرِ الْمُسْلِمِين فاحْتجب دُون حاجتِهِمْ، وخلّتِهِمْ وفقْرِهِمْ، احْتجب اللّهُ عنْهُ دُون حاجتِهِ وخلّتِهِ، وفقْرِهِ» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
قال أبو يعلى في واجبات الحاكم: قالى تعالى : «أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفُّح الأحوال، ليهتمّ بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يُعوِّل على التفويض.. ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (ص: 26)، فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة».
8- اختيار الأُمناء لتولي شؤون الأمة.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنفال: 27).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا وُسِّد الأمْرُ إِلى غيْرِ أهْلِهِ فانْتظِرِ السّاعة» أخرجه البخاري.
قال عُمرُ بْنُ الْخطّابِ رضي الله عنه: . ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى. «منْ ولِي مِنْ أمْرِ الْمُسْلِمِين شيْئًا، فولّى رجُلًا لِمودّةٍ أوْ قرابةٍ بيْنهُما، فقدْ خان اللّه ورسُولهُ والْمُسْلِمِين»
قال ابن تيمية رحمه الله: «فيجب على ولي الأمر أن يولي على كلِّ عملٍ من أعمالِ المسلمين أصلح من يجدُه لذلك العمل، فإن عدل عن الأحقِّ الأصلحِ إلى غيرِه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نُهي عنه».
9- أن يكون قدوة حسنة لرعيته.
قال أبو بكر رضي الله عنه للمرأة التي سألته: أخرجه البخاري. قالتْ: ما بقاؤُنا على هذا الأمْرِ الصّالِحِ الّذِي جاء اللّهُ بِهِ بعْد الجاهِلِيّةِ؟ قال:«بقاؤُكُمْ عليْهِ ما اسْتقامتْ بِكُمْ أئِمّتُكُمْ
وقال عُمرُ رضي الله عنه عِنْد موْتِهِ: «اعْلمُوا أنّ النّاس لنْ يزالُوا بِخيْرٍ ما اسْتقامتْ لهُمْ وُلاتُهُمْ وهُداتُهُمْ» أخرجه البيهقي.
قال ابن حجر: «لأن الناس على دين ملوكهم، فمن حاد من الأئمة عن الحال مال وأمال».
نشاط
1- اكتب مختصرًا في حقوق الرعية على الراعي، مع ذكر الدليل.
2- من واقع دراستك، ما أهم الحقوق التي يجب على الراعي أن يقوم بها تجاه الرعية؟ ادعم ما تقول بالدليل.
3- ماذا تستفيد من هذا النص القرآني: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (ص: 26)؟
4- قرأت كثيرًا في سيرة الخلفاء الراشدين، اذكر ثلاثة نماذج تتجلى فيها الخلافة الراشدة لهم رضي الله عنهم.
المصادر
حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني.
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، محمد جمال الدين القاسمي.
رياض الصالحين، النووي.
الآداب الشرعية والمنح المرعية، ابن مفلح.
حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة، الشيخ محمد صالح العثيمين.
والله وليُّ التوفيق
فهرس المحاضرات
رقم المحاضرة
بداية المحاضرة
رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة
أسبوع إلقاء المحاضرة
حق الله عز وجل على العباد
الأسبوع الأول
ومن حقوق الله تعالى: الحياء من الله
الأسبوع الأول
حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته
الأسبوع الثاني
ومن صور الغلو في وصف النبي صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الثاني
حق الصحابة رضي الله عنهم
الأسبوع الثالث
الإنكار على من طعن فيهم والبراءة منه
الأسبوع الثالث
حق العلماء
الأسبوع الرابع
صون أعراضهم والذبّ عنه بالحق
الأسبوع الرابع
حق الوالدين
الأسبوع الخامس
فقه هذا الأمر: حق الوالدين مقدم على حق غيرهما
الأسبوع الخامس
حق الأولاد على الوالدين
الأسبوع السادس
الحرص على تعليم الولد وتأديبه
الأسبوع السادس
حقوق الزوجين
الأسبوع السابع
ومن صور ذلك: حفظ نفسها
الأسبوع السابع
حقوق الزوجة على زوجها
الأسبوع الثامن
الحقوق غير المالية
الأسبوع الثامن
حقوق ذوي الرحم
الأسبوع التاسع
حقوق الجار
الأسبوع التاسع
حقوق الضيف والمُضيف
الأسبوع العاشر
حقوق المُضيف
الأسبوع العاشر
حقوق العامل ورب العمل
الأسبوع الحادي عشر
حق الراعي والرعية
الأسبوع الحادي عشر
يجب على الرعية أداء حقوق الحاكم
الأسبوع الثاني عشر
حقوق الرعية على الراعي
الأسبوع الثاني عشر
المحتويات
صور تعظيم الله تعالى - 9
حق الله تعالى على العباد - 11
حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته - 14
صور الغلو في ذات النبي صلى الله عليه وسلم - 17
صور الغلو في وصف النبي صلى الله عليه وسلم - 22
حق الصحابة رضي الله عنهم - 18
أضرار ترك القيام بحقوق العلماء - 27
حق العلماء - 31
أقسام عقوق الوالدين - 33
حق الوالدين - 36
خطر عقوق الوالدين - ٣٨
حق الأولاد على الوالدين - ٤٠
أقسام حقوق الأولاد على الوالدين - ٤١
حقوق الزوج على الزوجة - ٤٦
حقوق ذوي الرحم - 56
حقوق الزوجة على زوجها - 51
مسائل في صلة الرحم - 59
حكم قطع الرحم - 58
الترهيب من إيذاء الجار - 63
حقوق الجار - 61
حقوق المضيف - 70
حقوق العامل - 74
حقوق الضيف - 71
مسائل في الضيافة - 76
حقوق رب العمل - 66
حقوق الراعي - 78
حقوق الرعية - 84
السيرة النبوية (1)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب السيرة النبوية (1):
يحتوي هذا الكتاب على عرض إجمالي لأهم معالم وأحداث السيرة النبوية؛ مبتدئًا ببيان أهمية السيرة ومكانتها، ثم بيان نسبه ﷺ، ومولده، ونشأته، وبعثته، وأهم معالم العهد المكي، ثم الهجرة، وبيان معالم العهد المدني، مرورًا بغزواته ﷺ، ثم بيان حجه وعمراته، وانتهاء بوفاته ﷺ. مع عرض المحتوى بشكلٍ لطيفٍ مختصرٍ، مع ذكر لطائف وفوائد من كلام العلماء في كل باب بحسبه.
السيرة النبوية (1)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ اللهِ وسنةِ رسوله ﷺ، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
1- أهمية السيرة ومكانتها
سندرس في هذه الوحدة
أهمية السيرة ومكانتها
التحذير من بعض كتب السيرة
أهمية السيرة ومكانتها:
تتجلى أهمية دراسة السيرة النبوية في عدة نقاط، منها:
1- أن سيرة النبي ﷺ هي الميزان الذي توزن به الأعمال؛ فما وافق هديه وسلوكه كان مقبولا، وعلى وفق الشرع، وما لم يوافق هديه وسلوكه كان مردودا.
2- أنها تجعل بين يدي الإنسان صورة ماثلة للقدوة الحسنة، والمثل الأعلى للبشرية في أعظم صورها، وهو النبي الكريم ﷺ؛ لذا أمر الله باتخاذه قدوةً، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21).
3- في دراسة السيرة النبوية عونٌ على فهم كتاب الله سبحانه وتعالى، والعمل به؛ لأنه ﷺ كان خلقه القرآن، فكانت حياته ﷺ كلها تطبيقًا للقرآن وعملًا به.
4- بدراسة السيرة النبوية تزيد محبة النبي ﷺ، وذلك بالاطلاع على الجوانب العظيمة في حياته، وقد قال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» متفق عليه.
5- أن شمائل النبي ﷺ وسيرته هي المنهج العظيم للمسلم، الذي يريد الخير والحياة الكريمة في الدنيا والآخرة.
6- التعرف على الجيل العظيم: جيل الصحابة رضي الله عنهم، ومواقفهم مع رسول الله ﷺ، وخدمتهم لشريعته، وافتدائهم إياه بالنفس والولد والمال، ومدى حرصهم على الاقتداء به، في كل قول وفعل وأمر ونهي، فيكون سبيلا للاقتداء بهم.
7- أنَّ في دراسة السيرة عونًا لفهم الدين كله؛ بدءًا بالعقيدة والعبادة والفقه؛ إذ كانت حياته ﷺ تطبيقا للدين كله.
التحذير من بعض الكتب:
هذه لمحة يسيرة على بعض الكتب التي يستقي منها البعض سيرة النبي ﷺ، على ما فيها من خطر وأخطاء كبيرة، ومن ذلك:
كتب الأدب ودواوين الشعر، ككتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني.
أو (العقد الفريد) لابن عبد ربه الأندلسي.
فقد اشتملت هذه الكتب على أخبار وتفاصيل عن النبي ﷺ، وعن أصحابه رضي الله عنهم، مكذوبة باطلة، على ما فيها من الدس والتشويه والتزوير للتاريخ.
فلا ينبغي أن تكون هذه الكتب مصدرًا لتلقي الأخبار أو السِّيَر، خاصة ما يتعلق بالنبي ﷺ وتاريخ الإسلام وأخبار الصحابة رضي الله عنهم.
نشاط
1- اكتب مختصرًا في أهمية السيرة النبوية.
2- مرَّ عليك بعض الكتب التي ينبغي الحذر منها في السيرة، اذكر اثنين غيرهما.
النبي محمد ﷺ
سندرس في هذه الوحدة
نسبه ﷺ
مولده ﷺ
مرضعاته ﷺ
نشأته ﷺ
معجزة شق صدره ﷺ
نَسَبُه ﷺ:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشــم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. (رواه البخاري).
وعدنان من نسل إسماعيل الذبيح بن إبراهيم عليهما السلام.
فرسول الله ﷺ خِيارٌ من خِيارٍ من خِيارٍ.
فائدة إثرائية
فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». أخرجه مسلم.
أبوه: عبد الله بن عبد المطلب، وكان أجمل شباب قريش.
أمُّه: آمنة بنت وهب، كان أبوها سيد بني زُهرَة شرفًا وحسبًا.
جدُّه: عبد المطلب بن هاشم، هو سيد قبيلة قريش، له خصال كريمة، وقد اشتُهر بحفر بئر (زمزم).
مولدُه ﷺ
وُلِد النبي ﷺ في يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل لتسع، وقيل لثمان، وقيل غير ذلك، من عــام الفيل، وقصة أصحاب الفيل معروفة ذكرها القرآن الكريم، وذلك أن أبرهة ملك اليمن أراد أن يهدم الكعبة، فساق إليها جيشًا عظيمًا ومعهم فيل، فردّ الله كيدَهم وحفظ الكعبة، ورسول الله ﷺ لا يزال جنينًا في بطن أمه التي رأت حين وضعته نورًا خرج منها أضاءت منه قصور بُصرى من أرض الشام.
ومات أبوه عبد الله، وهو لا يزال جنينًا في بطن أمه -على الأرجح-، فلما ولد كان في حِجْر جده عبد المطلب يرعاه، وينظر حاجته هو وأمه.
فائدة إثرائية
الاحتفال بالمولد النبوي في الثاني عشر من شهر ريبع الأول أو في غيره، ليس له أصل في الشرع، ولم يفعله أحد من أصحاب محمد ﷺ، ولا أحد من القرون الثلاثة المفضلة، ولم يرضه أحدٌ من أئمة الإسلام.
مرضعاته ﷺ
ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب
حليمة بنت أبي ذؤيب
أوَّلُ من أرضعته: ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
حليمة السعدية: جاء نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالًا يرضعنهم، فكان الرضيع المبارك ﷺ من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، ودرّت البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه مدة وجوده بينهم.
وقد مكث فيهم ما يربو على أربع سنوات.
وقد ذكر أهل السير أنها كذلك أرضعت حمزة بن عبد المطلب، فيكون قد رضع مع رسول الله ﷺ من جهتين.
نشأته ﷺ
نشأ النبي ﷺ يتيما، فقد:
توفي أبوه ﷺ وهو حمل.
وقيل: وله شهران، وقيل: سبعة أشهر.
وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست سنوات.
وكفله ﷺ جدُّه عبد المطلب، فلما بلغ ثماني سنين توفي جده، فوليه عمُّه أبو طالب.
حادثة شق صدره ﷺ
وقعت هذه المعجزة للنبي ﷺ مرتين:
الأولى:
في بادية بني سعد وهو عند مرضعته حليمة، وكان في الرابعة من عُمُره.
الثانية:
كانت في ليلة الإسراء، كما روى ذلك البخاري ومسلم.
وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَهُ -أي: جمعه وضم بعضه إلى بعض- ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعوْن إلى أمّه -أي: مرضعته- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنتُ أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
العودة إلى أُمِّهِ ﷺ
فخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردَّته إلى أمه، فكان عند أمه ﷺ إلى أن بلغ ست سنين.
خرجت آمنة لتزور أخوال النبي ﷺ من بني عَدِيّ بن النجار، فخرجت من مكة قاطعة تلك الرحلة الشاقة، ومعها ولدها اليتيم محمد ﷺ، فمكثت شهرًا ثم قَفَلت.
وفاة الأم
وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبْواء بين مكة والمدينة.
مع الجد العطوف
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكان شديد الرِّقة عليه، أكثر من أولاده، فكان لا يدعه، بل يؤثره على أولاده.
وفاة الجد
توفي جدُّ النبي ﷺ، وهو ابن ثمان سنوات بمكة، فرأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى أبي طالب، عمِّ النبي ﷺ، الذي مكث عنده فترة طويلة من الزمن، يقوي جانبه، ويحميه، ويرفق به.
اللقاء ببَحِيرَى الراهب
بحِيرَى الراهب
لما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتى وصل إلى بُصْرَى، وكان في هذا البلد راهب عرف ببَحِيرَى، فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ، وقال:
«هذا سيِّدُ العالمين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين»
فقال له أبو طالب وأشياخ قريش: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجرٌ ولا شجرٌ إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، ثم أكرمهم بالضيافة، وطلب من أبي طالب أن يردَّه، ولا يقدم به إلى الشام؛ خوفًا عليه من الروم واليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.
حلف الفضول
وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزُهْرَة بنِ كِلاب، وتَيْمِ بنِ مُرَّة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمي؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله ﷺ.
فائدة إثرائية
روى البيهقي وصححه الألباني عن طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ الله بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوِ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلاَمِ لأَجَبْتُ».
حِفظُ الله تعالى له ﷺ من الصِّغر وحتى البعثة
نشأ النبي ﷺ على مكارم الأخلاق ومحاسنها، حفظه الله تعالى من كل ما يخالف كريم الخلق، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النُّصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا، بل كان من أول نشأته نافرًا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي ﷺ: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: «إزاري، إزاري» فشد عليه إزاره. أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية لهما: «فسقط مغشيًّا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانا ﷺ».
نشاط
1- كيف كان النبي ﷺ من خير أنساب العرب، وضِّح ذلك؟
2- ماذا ترى فيما يحدثه الناس في مولد النبي ﷺ، وما الموقف الشرعي منه؟
3- تكلم عن معجزة الشق، واذكر ما ورد في ذلك.
4- ماذا تعرف عن حلف الفضول؟
زوجات النبي ﷺ
زواجه ﷺ بخديجة رضي الله عنها:
أَوَّلُ زوجاتِ النبي ﷺ:
لما بلغ النبي ﷺ الخامسة والعشرين من عمره، خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدقِ حديثه، وعظمِ أمانته وكرمِ أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبل رسول الله ﷺ.
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم ترَ قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأي فيه ﷺ من خلالٍ وشمائلَ كريمةٍ، وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبى عليهم ذلك. فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبِّه، فذهبت إليه ﷺ وعرضت عليه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا.
وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
فخديجة رضي الله عنها:
- أول امرأة يتزوجها الرسول ﷺ.
- لم يتزوج عليها في حياتها.
- ولدت له كل ولده إلا إبراهيم، فولدت القاسم وعبد الله، وأربع بنات، وهن: زينب وأم كلثوم، وفاطمة، ورقية.
- أما إبراهيم، فقد ولدته مارية القبطية رضي الله عنها التي أهداها له مقوقس مصر.
وزوجاتُه ﷺ بعد خديجة:
سودة بنت زمعة رضي الله عنها.
عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها.
حفصة بنت عمر رضي الله عنها.
زينب بنت خزيمة رضي الله عنها.
أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله عنها.
أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها.
جويرية بنت الحارث وكان اسمها بَرَّة. فسماها رسول الله ﷺ جويرية رضي الله عنها.
ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها.
صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها.
زينب بنت جحش رضي الله عنها.
أولادُه ﷺ:
1- القاسم
وبه كان يُكَنَّى، أو يُكْنَى، وُلِدَ قبل النبوة، وتُوفي وهو ابن سنتين.
2- عبد الله
سُمي الطيب والطاهر؛ لأنه ولد بعد النبوة.
3- إبراهيم
ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو آخر أبناء النبي ﷺ .
4- زينب رضي الله عنها
كبرى بنات النبي ﷺ .
5- رقية رضي الله عنها
6- أم كلثوم رضي الله عنها
7- فاطمة رضي الله عنها
وقد ماتوا جميعًا في حياة رسول الله ﷺ عدا فاطمة، التي ماتت بعده رضي الله عنهم.
نشاط
1- كيف تزوج النبي ﷺ بخديجة رضي الله عنها، ومن أنجب منها؟
2- من أحب ُّزوجات النبي ﷺ إليه، مع الدليل؟
3- كيف تدلل على منزلة عائشة رضي الله عنها عند رسول الله ﷺ؟
4- بم تجيب على من يطعن في عائشة رضي الله عنها ؟
رسالة النبيﷺ
سندرس في هذه الوحدة
تقسيم رسالة النبي ﷺ إلى: عهد مكي ومدني
بعثته ﷺ
مراحل دعوته ﷺ
الابتلاءات التي مَرَّ بها ﷺ ومَن معه مِنَ الصحابة رضي الله عنهم
العهـد المكِّـي
الهجرة
1- بعثته ﷺ
2- جبريل والوحي
3- تشريع الصلاة
4- هجرة المسلمين الأولى والثانية إلى الحبشة
5- ميثاق الظلم وشِعب أبي طالب
6- عام الحزن - العاشر من البعثة
7- الإسراء والمعراج
8- بيعة العقبة الأولى والثانية
9- دار الندوة، والاتفاق على قتل النبي ﷺ
10- هجرة النبي ﷺ
العهـد المكِّـي
تنقسم حياة رسول الله ﷺ بعد أن شرَّفه الله بالنبوة والرسالة إلى عهدين، هما:
العهد المكي، ثلاث عشرة سنة
العهد المدني، عشر سنوات كاملة
ثم يشتمل كلٌّ من العهدين على عدة مراحل، لكلِّ مرحلةٍ منها خصائصُ تمتاز بها عن غيرها.
وقبل الحديث عن العهد المكي وبداية البعثة، فتلك بعض المظاهر من حفظ الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ قبل بعثته:
1- حفظه صغيرًا بداية من اصطفائه من أوسط النسب وأشرفه، وولادته من نكاح صحيح وليس من سفاح باطل.
2- كفالة جده عبد المطلب -وهو سيد قريش- له طفلًا إلى أن بلغ الثامنة من عمره وتوفي جدّه، فانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب -وهو سيد قريش أيضًا- وفـي ذلك ما فيه من المَنَعة.
3- حفظه شابًّا كما تقدم من أن يقع فيما يقع فيه الشباب من الفُحش والخنا، وقد اشتهر ﷺ بين قومه وهو شابٌّ بالصدق والأمانة.
4- حفظ قلبه طاهرًا فلم يعبد إلهًا غير الله سبحانه وتعالى، ولم يسجد لصنم، ولم يتمسح بوثن، ولم يحلف بغير الله، هذا مع بغضه الشديد لآلهة قومه (اللات والعُزّى وغيرهما).
5- إعداده إعدادًا معصومًا من نزغ الشيطان ونفثه، وحفظ باطنه صحيحًا، وقد تجلى هذا في حادثتي شق الصدر.
بعثته ﷺ في غار حراء
لما قارب النبي ﷺ الأربعين حُبِّب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء، على مبعدة نحو ميلين من مكة، فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختياره ﷺ لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى، وكان ذلك قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات.
جبريل والوحي
لما بلغ ﷺ أربعين عاما ابتعثه الله تبارك وتعالى للعالمين بشيرا ونذيرا، وأتاه جبريل عليه السلام بالوحي من رب العالمين بغار حراء، فقال: اقرأ، فقال ﷺ: ما أنا بقارئ، قال ﷺ: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فقال لي في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ أخرجه البخاري ومسلم.
تأخُّرُ جبريل بالوحي
ويذكر في ذلك قصة سيقت في صحيح البخاري: «أنه لما تأخر نزول جبريل بالوحي في أول البعثة بقي رسول الله ﷺ، وفترَ الوحيُ فترةً، حزن النبي ﷺ -فيما بلغنا- حزنًا غَدَا منه مرارًا يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوْفى بذِرْوَة جبل لكي يلقي نفسه منه تَبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشُه، وتَقَرّ نفسُه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك».
فائدة إثرائية
والصحيح في هذا الخبر أنه ليس مما رواه البخاري، بل هو من بلاغات الزهري، وليس موصولا، فلا تصح نسبته إلى النبي ﷺ.
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية
قال ابن حجر: «وكان ذلك -أي: هذا الانقطاع- ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوُّفُ إلى العَوْد، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجيء الوحي أكرمه الله بالوحي مرة ثانية. قال ﷺ: «جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت، فلما استبطنت الوادي فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ -أي: فزعت- منه رُعبًا حتى هويت إلى الأرض، فأتيت خديجة رضي الله عنها فقلت: (زملوني، زملوني)، دَثِّروني، وصُبُّوا عليَّ ماءً باردًا»، قال: «فَدَثَّروني وصَبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) ﴾» (المدثر: 1-5) وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حَمِيَ الوحي بعدُ وتتابع». أخرجه البخاري ومسلم.
فائدة إثرائية
وهذه الآيات هي مبدأ رسالته ﷺ، وتشتمل على نوعين من التكليف:
النوع الأول:
تكليفه ﷺ بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى: ﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾
النوع الثاني:
تكليفه ﷺ بتطبيق أوامر اللهسبحانه وتعالى على ذاته، وذلك في بقية الآيات. كقوله : ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
نشاط
1- اكتب مختصرًا عن العهد المكي.
2- ما الآية التي تعتبر مبدأ الرسالة؟ وما أهمُّ ما اشتملت عليه؟
أقسام الوحي
وينقسم الوحي إلى ست مراتب:
1- الرؤيا الصادقة، وقد كانت مبدأ وحيه ﷺ .
2- أنه ﷺ كان يتمثل له المَلَك رجلًا فيخاطبه حتى يَعِيَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة رضي الله عنهم أحيانًا.
3- ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته». أخرجه البيهقي، وصححه الألباني.
4- أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس -وهو صوت وقع الحديد-، وكان أشده عليه، حتى إنَّ جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إنَّ راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.
5- أنه يرى المَلَك في صورته التي خُلِقَ عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.
6- ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
مراحل الدعوة
1- المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرًّا
2- المرحلة الثانية: الجهر بالدعوة
3- المرحلة الثالثة: الدعوة للإسلام خارج مكة
المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرًّا
بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر قام رسول الله ﷺ بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ وحيث إن قومه كانوا جفاةً لا دين لهم، إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا أنهم أَلْفَوْا آباءهم على ذلك، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف، وكانوا مع ذلك متصدِّرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلِّين مركزها الرئيس، ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئلا يفاجئ الرسولُ أهل مكة بما يهيجهم.
وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول ﷺ الإسلام أولًا على ألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في نبوته ﷺ، قوم عُرِفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم:
زوج النبي ﷺ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد.
صديقه الحميم أبو بكر الصديق.
مولاه زيد بن حارثة.
ابن عمه علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.
وبعد التتبع والاستقراء يتضح أن الموصوفين بالسبق إلى الإسلام وصلوا إلى مائة وثلاثين رجلًا وامرأة، ولكن لا يعرف أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر إسلام بعضهم إلى الجهر بها.
تشريع الصلاة
من أوائل ما نزل من الأحكام: الأمر بالصلاة، وهي العبادة التي أمر بها المؤمنون، ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواهٍ أخرى غير ما يتعلق بالصلاة، وإنما كان الوحي يبين لهم جوانب شَتَّى من التوحيد، ويرغبهم في تزكية النفوس، ويحثُّهُم على مكارم الأخلاق، ونحوه.
ولم تزل الدعوة مقصورةً على الأفراد مدةً من الزمن، ولم يجهر بها النبي ﷺ، إلا أنها عُرِفَتْ لدى قريش، وفشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس.
المرحلة الثانية: الجهر بالدعوة
أول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ ﴾ (الشعراء: 214)، وقد ورد هذا في سياقٍ ذُكِرَتْ فيه قصة موسى – عليه السلام-، من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل، وقصة نجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه.
وكأنَّ هذا التفصيل جيء به مع أمر الرسول ﷺ بالجهر بالدعوة إلى الله؛ ليكون أمامَه وأمامَ أصحابِهِ مثالا لما سيلقونه من التكذيب والاضطهاد حينما يجهرون بالدعوة، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ البداية.
على جبل الصفا
صعد النبي ﷺ على الصفا، ثم هتف: «يا صباحاه»
ثم جعل ينادي بطون قريش، ويدعوهم قبائل قبائل: «يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب».
فلما سمعوا قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو.
فلما اجتمعوا قال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيِّ؟».
قالوا: نعم، ما جرَّبْنا عليك كذبًا، ما جرَّبْنا عليك إلا صدقًا.
قال: «إني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد، إنما مَثَلي ومَثَلُكُم كَمَثلِ رجلٍ رأى العَدُوّ فانطلق يَرْبَأ أهله-أي: يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدوُّ- فخشي أن يسبقوه فجعل ينادي: يا صباحاه»
المقطع للاطلاع فقط
ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخصَّ وعمَّ فقال:
«يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا.
يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا.
يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا معشر بني قصي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا.
يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا.
يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا.
يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا.
يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا.
يا فاطمة بنت محمد رسول الله، سليني ما شئت من مالي، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرًّا ولا نفعًا، ولا أغني عنك من الله شيئًا.
غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبَلَالِها، أي: أَصِلُها حسب حقها. أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وأصله في مسلم.
ولما تم هذا الإنذار انفضَّ الناس وتفرَّقوا، ولا يُذكر عنهم أي رَدِّة فعل، سوى أن أبا لهب واجَهَ النبيَّ ﷺ بالسُّوءِ، وقال: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ (سورة المسد: 1).
ولم يزل هذا الصوت يرتج دويُّه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (الحجر:94).
فقام رسول الله ﷺ يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ (الأعراف:59)، وبدأ يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلي بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رؤوس الأشهاد.
موقف المشركين من رسول الله ﷺ:
اشتدَّ إيذاء الكفار للنبي ﷺ وأصحابه بعد الجهر بالدعوة، ومن صور هذا الإيذاء ما روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما النبي ﷺ كان يصلي عند البيتِ وأبوجهلٍ وأصحابٌ له جلوسٌ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسَلَى جَزُور بني فلان فيضعه على ظهر محمدٍ إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فجاء به فنظر حتى سجد النبي ﷺ، ووضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أُغني شيئًا لو كان لي مَنَعَةٌ، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسَهُ، حتى جاءته فاطمةُ فطَرحَت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: «اللهمّ عليك بقريشٍ ثلاث مراتٍ».
وقد اتخذ رسول الله ﷺ خطوتين حكيمتين، كان لهما بالغ الأثر في نفع الدعوة:
الأولى:
اختيار دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي مركزا للدعوة، وليجتمع فيها بالمسلمين سرًّا، فيتلو عليهم آيات الله، وليؤدي فيها المسلمون عبادتهم وأعمالهم.
الثانية:
هجرة المسلمين الأولى والثانية إلى الحبشة.
الهجرة الأولى
حينما اشتد البلاء والفتنة والإيذاء على المسلمين في مكة، قال لهم رسول الله ﷺ: «إن بأرض الحبشة مَلِكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه».
فخرج المسلمون حتى نزلوا بالحبشة فأكرمهم النجاشي وأمّنهم، وكان أول من هاجر من المسلمين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، وتبعه جمع من كبار الصحابة.
وكانت الهجرة الأولى سنة خمس من مبعث الرسول ﷺ، وعدد الذين هاجروا فيها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة.
الهجرة الثانية
فكان عدد الذين هاجروا فيها اثنين وثمانين رجلًا وثماني عشرة امرأة، وأبناؤهم، وسببها أن المهاجرين الأوائل سمعوا بإسلام قريش فعاد بعضهم، ومنهم عثمان بن عفان وزوجته، فلم يجدوا قريشًا أسلمت، ووجدوا المسلمين في بلاء عظيم وشدة، فهاجروا مرة أخرى ومعهم هذا العدد الكبير.
وقد أرسلت قريش في إثرهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا إلى النجاشي ليردّ المسلمين، ولكن هيهات، فقد أسلم النجاشي وأبى أن يردّهم، بل أعطاهم الأمان في أرضه، وأقرَّهم على دينهم، وردّ رُسُلَ قريش لم ينالوا شيئًا.
إسلام حمزة وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)
خلال هذا الجو العصيب دخل في الإسلام رجلان عظيمان، لهما كل الهيبة في صدور رجال قريش، وهما حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما).
وهنا بدأت قريش في اتخاذ طريق المفاوضات مع رسول الله ﷺ .
ميثاق الظلم، وشِعْبُ أبي طالب
اشتد الأمر بالمشركين، فاجتمعوا وتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ للقـتل، وكتـبوا بذلك صحيفة.
تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، وحُبس المسلمون في شعب أبي طالب، واشتد الحصار، وقطعت عنهم المِيرة.
فلم يكن المشركون يتركون طعامًا يدخل مكة ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهدُ، والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود.
وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع.
نقض صحيفة الميثاق
مرَّ ثلاثة أعوام والأمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة نُقضت الصحيفة وفُكَّ الحصار؛ وذلك أن قريشًا كانوا بين راضٍ بهذا الميثاق وكارهٍ له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها وتم نقضها.
فائدة إثرائية
عام الحزن:
اشتهر عند الناس إطلاق هذا الاسم (عام الحزن) على العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها وأبوطالب، ولم يثبت أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه، ولا من التابعين سمَّى هذا العام بهذه التسمية.
العام العاشر من البعثة:
وفاة أبي طالب عم النبي ﷺ
ألحَّ المرضُ على أبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر.
وقيل: توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام.
وفاة خديجة رضي الله عنها
وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام على اختلاف القولين توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ورسول الله ﷺ إذ ذاك في الخمسين من عمره.
نشاط
1- اذكر إجمالا أقسام الوحي، وما أعظمها؟
2- اكتب باختصار المرحلة الأولى من الدعوة.
3- كيف كان موقف المشركين في بداية الدعوة؟
4- تكلم على الهجرتين، وما أعظم حدث تم خلالهما؟
5- ماذا تعرف عن شِعْب أبي طالب، وكيف تم نقض الميثاق؟
دعوة الإسلام خارج مكة
رحلة الطائف (شوال - سنة عشر من النبوة)
في شوال سنة عشر من النبوة خرج النبي ﷺ إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سار إليها ماشيًا على قدميه، ومعه مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه .
بدأ ﷺ بسادات القوم، فكلمهم عن الإسلام ودعاهم إلى الله، فردُّوا عليه ردًّا قاسيًا، وقالوا له: اخرج من بلادنا، ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فتبعوه يَسبُّونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة، فأصيب ﷺ في قدميه حتى سالت منها الدماء، وأصاب النبي ﷺ من الهمِّ والحزن والتعب ما جعله يسقط على وجهه الشريف، ولم يُفِق إلا و جبريل قائم عنده، يخبره بما يقوله مَلَك الجِبال: إن شئتَ يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين، فأتى الجواب منه ڠ بالعفو عنهم قائلًا: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» متفق عليه.
عرض الإسلام على القبائل والأفراد
في ذي القعدة من نفس السنة عاد رسول الله ﷺ إلى مكة؛ ليستأنف عرض الإسلام على القبائل والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة لأداء فريضة الحج، فانتهز رسول الله ﷺ هذه الفرصة، فأتاهم قبيلة قبيلة، يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إليه، كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة، وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنة العاشرة أن يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يُبلِّغ ما بعثه الله به.
ستةُ رجالٍ من أهل المدينة
وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة، إذا كان بينهم شيء، أن نبيًّا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج، فنتَّبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما لحقهم رسول الله ﷺ قال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «من موالي اليهود؟» أي حلفائِهِم، قالوا: نعم. قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى، فجلسوا معه، فبين لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي تَوعَّدُكُم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا، ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيه ذكر رسول الله ﷺ .
زواج رسول الله ﷺ بعائشة رضي الله عنها:
وفي شوال من السنة الحادية عشر من النبوة تزوج رسول الله ﷺ عائشة الصديقة رضي الله عنها، وبنى بها بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة.
الإسـراء والمعـراج
قال ابن القيم رحمه الله: «أسري برسول الله ﷺ بجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البُرَاق، بصحبة جبريل (عليه السلام)، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم عُرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء، ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة فسأله التخفيف في عدد الصلوات بعدما أشار عليه موسى (عليه السلام)، بطلب التخفيف، حتى جعلها خمسًا ثم نادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي». متفق عليه.
المقطع للاطلاع فقط
بيعة العقبة الأولى
تقدم أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج، ووعدوا رسول الله ﷺ بإبلاغ رسالته إلى قومهم.
وكان من جرَّاء ذلك أن جاء في الموسم التالي، موسم الحج في السنة الثانية عشرة من النبوة، اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول الله ﷺ في العام السابق- والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبد الله، وسبعة سِواهم.
روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمـره إلى الله ؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عـنه». فبايعوه على ذلك.
مُصعَبُ بنُ عُمَيْر رضي الله عنه:
أول سفير في الإسلام
بعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي ﷺ مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب؛ ليعلِّم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك.
واختار لهذه السفارة شابًّا من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مُصْعَب بن عُمَيْر رضي الله عنه .
نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زُرَارة، وأخذا يبثَّانِ الإسلامَ في أهل يثرب بجدٍّ وحماسٍ، وكان مصعب يُعْرَف بالمقرئ، وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.
المقطع للاطلاع فقط
بيعة العقبة الثانية
في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين من أهل يثرب، جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم، وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟! فلما قدموا مكة جرى بينهم وبين النبي ﷺ تواصل سِرِّيٌّ أدَّى إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشِّعب الذي عند العقبة، حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.
بنود البيعة
قال جابر رضي الله عنه: قلنا: يا رسول الله، علامَ نبايعك؟ قال: «على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة».
في دار الندوة
لما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهمُّ بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد أمامهم خطر حقيقي عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي، ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الموعد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، ووقف على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي تواعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم.
الاتفاق على قتل النبي ﷺ
مخطط أبي جهل
حصل الإجماع في دار الندوة على قرار غاشم بقتل النبي ﷺ، فقد اجتمعوا على اقتراح أبي جهل، قال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمُه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد منافٍ على حرب قومهم جميعًا. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره.
هجـرة النبـي ﷺ - السنة الرابعة عشرة من البعثة
ذهب النبي ﷺ في الهاجرة إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها: «بينما نحن جلوسٌ في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله ﷺ، فاستأذن فأذن له فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أَخرِجْ مَنْ عندك». فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال: «فإني قد أُذِن لي في الخروج». فقال أبو بكر: الصحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم». ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجيء الليل.
أما كفار قريش، فقد قضوا نهارهم في الإعداد سرًّا لتنفيذ الخطة المرسومة التي أبرموها في دار الندوة، وكان من عادة رسول الله ﷺ أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًّا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجَّى ببُرْده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه.
الرسول ﷺ يغادر بيته
فشلت قريش في خطتها فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله ﷺ من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرُّه على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ (يس: 9). فلم يبقَ منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن.
ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالًا، سلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله ﷺ، فحمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور.
وكَمُنَا في الغار ثلاثَ ليالٍ، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما.
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلاتُ رسول الله ﷺ صباح ليلة تنفيذ المؤامرة.
فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًّا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، لعلهم يظفرون بخبرهما.
وقررت قريش استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة تحت المراقبة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة كبيرة قدرها مائة ناقة، بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش، حَيَّيْنِ أو ميتينِ، كائنًا من كان.
المقطع للاطلاع فقط
في الطريق إلى المدينة
ثم ارتحل رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل عبد الله بن أريقط على طريق السواحل.
دخول المدينة
قال عروة بن الزبير رحمه الله: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة -مكان في مدخل المدينة-، فينتظرونه حتى يردَّهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفَى رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جَدُّكم -أي: شرفُكم وعزُّكم- الذي تنتظرون، فخرج المسلمون، وتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة.
قال ابن القيم: وكبَّر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيَّوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ (التحريم: 4) .
ثم سار النبي ﷺ حتى دخل المدينة، ومن ذلك اليوم سميت يثرب بالمدينة، وكان يومًا مشهودًا أغرَّ، فقد ارتجت البيوت والسِّكَك بأصوات الحمد والتسبيح.
وكان ﷺ لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذ صاحبها بخطام راحلته ودعاه إلى النزول عنده، فلم تزل الناقة سائرة به حتى وصلت إلى موضع مسجده فبركت، ثم نهضت، فسارت قليلا، ثم رجعت إلى الموضع الأول فبركت، فنزل النبي ﷺ على أخواله في بني النجار، وقال ﷺ: «أي بيوت أهلنا أقرب؟» فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله. فنزل النبي ﷺ على أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه . أخرجه البخاري.
المقطع للاطلاع فقط
نشاط
1- تكلم عن المرحلة الثالثة للدعوة في النقاط الآتية:
- رحلة الطائف.
- الإسراء والمعراج.
- بيعة العقبة الأولى والثانية.
- ما وقع في دار الندوة.
- هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
الوحدة الخامسة: النبي ﷺ في المدينة
العهدُ المدنِي
1- بناء المسجد النبوي
2- المؤاخاة بين المسلمين
3- الإذن بالقتال
5- النبي ﷺ في المدينة
سندرس في هذه الوحده
1- الأعمال التي قام بها النبي ﷺ عند وصوله المدينة
2- السرايا والغزوات
3- وفاته ﷺ
العهد المدني
بناء المسجد النبوي
أول خطوة خطاها رسول الله ﷺ عند مقدمه المدينة هي بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته ﷺ، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة ويقول:
اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة
المؤاخاة بين المسلمين
ثم إن النبي ﷺ بجانب قيامه ببناء المسجد قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على المواساة، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، فلما أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ (الأنفال: 75) رَدَّ التوارث إلى الرَّحِم دون عقد الأخوة.
ميثاقُ التحالُفِ الإسلامي
كما قام رسول الله ﷺ بعقد هذه المؤاخاة بين المؤمنين، فقد قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية، وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة.
الإذن بالقتال
لم تنقطع قريش عن تهديد المسلمين بعد الهجرة، بل استمرت في هذا التهديد، وكانت رسالة قريش للمدنيين حاسمة، قالوا: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنَّه أو لنسيرنَّ إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتَكم، ونستبيح نساءكم.
أما رسالتهم للمهاجرين فتقول: «لا يغرنَّكم أنكم أفلتمونا إلى يثربَ، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءَكم في عقرِ دارِكم».
وفي هذه الظروف الخطيرة نزل الإذن بالقتال، قال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ (الحج: 39)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ (الحج: 41).
نشاط
1- تكلم عن أهم أعمال العهد المدني، مستعينًا بأبحاث غير التي مرَّت بك.
السرايا والغزوات قبل بدر
كان هناك جملة من السرايا والغزوات قبل بدر، وهي:
1- سرية سيف البحر في السنة الأولى للهجرة، وكان على رأسها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه .
2- سرية رابغ في السنة الأولى للهجرة، وكان على رأسها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه
3- سرية الخرّار في السنة الأولى للهجرة، وكان على رأسها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه .
4- غزوة الأبواء أو وَدّان في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول ﷺ بنفسه، وهي أول غزوة غزاها ﷺ، وكان حامل اللواء فيها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه .
المقطع للاطلاع فقط
5- غزوة بواط في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول ﷺ بنفسه.
6- غزوة سفوان في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول ﷺ بنفسه، وتسمى هذه الغزوة بدر الأولى.
7- غزوة ذي العشيرة في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول ﷺ بنفسه.
8- سرية نخلة في السنة الثانية للهجرة، وكان على رأسها عبدالله بن جحش في اثني عشر رجلًا من المهاجرين، وقد قتلوا عمرو بن الحضرمي وهو أول قتيل في الإسلام، وأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، وهما أول أسِيرَينِ في الإسلام.
أهدافها:
كان لهذه السرايا والغزوات أهداف منها:
1- الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدية إلى مكة.
2- عقد المعاهدات مع القبائل التي تسكن حول هذه الطرق.
3- إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية بقوة المسلمين.
4- إشعار قريش بالخطر على تجارتها ومصالحها.
فرضية القتال:
في تلك الفترة بعد سرية عبد الله بن جحش، فرض الله تعالى القتال، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (البقرة: 190).
نشاط
1- وقعت عدة غزوات وسرايا قبل بدر، اذكر الأهداف منها.
2- ماذا تفهم من هذه الآية: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (البقرة: 190)
غزواتُ النبي ﷺ الكبرى وصلح الحديبية
2 هـ
غزوة بدر الكبرى
3 هـ
غزوة أحد
5 هـ
غزوة الخندق (الأحزاب)
6 هـ
صلح الحديبية - بيعة الرضوان
7 هـ
غزوة خيبر
8 هـ
غزوة مؤتة
8 هـ
غزوة الفتح
8 هـ
غزوة حنين
9 هـ
غزوة تبوك (أو العسرة)
مسميات الخريطة
غزوات الرسول ﷺ
بحر الروم
القدس
الإمبراطورية البيزنطية
مصر
الشمال
مؤته ٨هـ
تبوك ٩هـ
خيبر ٧هـ
أحد ٣هـ
الأحزاب ٥هـ
الخندق
المدينة المنورة
بدر - بدر ٢هـ
مكة
الطائف
الحديبية - الحديبية ٦هـ
فتح مكة ٨هـ
حنين - حنين ٨هـ
بحر القلزم
اليمن
غزوة بدر الكبرى
رمضان - السنة الثانية للهجرة
سبب الغزوة
سمع رسول الله ﷺ بقافلة قريش قد أقبلت من الشام إلى مكة، يقودها أبو سفيان بن حرب مع رجال لا يزيدون عن الأربعين. وقد أراد الرسول ﷺ الهجوم على القافلة والاستيلاء عليها ردًّا على ما فعله المشركون عندما هاجر المسلمون إلى المدينة، وقال لأصحابه: «هذه عِيرُ قريشٍ؛ فيها أموالهم فاخرجوا إليها».
مسميات الخريطة
غزوة بدر
إلى المدينة المنورة
المسلمون
عريش الرسول ﷺ
موقع الماء
ميدان المعركة
إلى مكة المكرمة
المشركون
المقطع للاطلاع فقط
الأحداث
كان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، وقد بلغ عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ومعهم فَرَسان وسبعون بعيرا، وترك الرسول ﷺ عبد الله بن أم مكتوم وَالِيًا على المدينة، فلما علم أبو سفيان بأمر النبي ﷺ وأصحابه أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى أهل مكة يطلب نجدتهم، ولما وصل ضمضم إلى أهل قريش صرخ فيهم قائلا: «يا معشر قريش، أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها». فثار المشركون ثورة عنيفة، وتجهزوا بتسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس، وسبعمائة بعير.
جاءت الأخبار إلى رسول الله ﷺ أن قافلة أبي سفيان قد غيرت اتجاه طريقها، وأنه سيصلها غدا أو بعد غد، فأرسل أبو سفيان لأهل مكة بأن الله قد نجى قافلته، وأنه لا حاجة للمساعدة، ولكن أبا جهل ثار بغضب وقال: «والله لا نرجع حتى نرِدَ بدرا».
جمع رسول الله ﷺ أصحابه، وقال لهم: إن الله أنزل قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾ (الأنفال: 7).
فقام المقداد بن الأسود رضي الله عنه وقال: امضِ يا رسول الله لما أمرك ربك، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا ﴾ (المائدة: 24)، ولكن امضِ ونحن معك، فكأنهُ سُرِّيَّ عن رسول الله ﷺ.
وصل المشركون إلى بدر، ونزلوا العدوة القصوى، أما المسلمون فنزلوا بالعدوة الدنيا.
المقطع للاطلاع فقط
وقام المسلمون ببناء عريش للرسول ﷺ على ربوة، وأخذ لسانه يلهج بالدعاء قائلا: «اللهم هذه قريش قد أتت بخُيَلائها تكذِّب رسولك، اللهم فنصرَك الذي وعدتني؟ اللهم إن تهلِك هذه العصابةُ اليوم فلن تعبد في الأرض». وسقط رداؤه ﷺ عن منكبيه، فقال له أبو بكر: «يا رسول الله، إن الله منجزٌ ما وعدك».
قام المسلمون بردم بئر الماء -بعد أن استولوا عليه وشربوا منه- حتى لا يتمكن المشركون من الشرب منه.
قبل أن تبدأ المعركة، تقدم ثلاثة من صناديد قريش وهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وولده الوليد يطلبون من يبارزهم من المسلمين، فتقدم ثلاثة من الأنصار، فصرخ الصناديد قائلين: «يا محمد، أَخْرِجْ إلينا نظراءَنا من قومنا من بني عمنا» فقدم الرسول ﷺ عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب.
فبارز حمزة شيبة فقتله، وبارز عليٌّ الوليد فقتله، وبارز عبيدة عتبة فجرح كلٌّ منهما الآخر، فهجم حمزة وعليٌّ على عتبة فقتلاه.
واشتدت رحى الحرب، وحمي الوطيس، ولقد أمدَّ الله المسلمين بالملائكة تقاتل معهم. قال تعالى: ﴿ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ (آل عمران: 125).
وانتهت المعركة بنصر المسلمين وهزيمة المشركين، حيث قتل من المشركين سبعون وأسر منهم سبعون آخرون.
أما شهداء المسلمين فكانوا أربعة عشر شهيدًا.
ولقد رمى المسلمون جثث المشركين في البئر، أما الأسرى فقد أخذ الرسول ﷺ أربعة آلاف درهم عن كل أسير امتثالًا لمشورة أبي بكر، أما من كان لا يملك الفداء فقد أعطاه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم القراءة والكتابة.
غزوة أحد
السنة الثالثة للهجرة
سبب الغزوة
شعرت قريش بمرارة الهزيمة التي لقيتها في حربها مع المسلمين في بدر، وأرادت أن تثأر لهزيمتها، حيث استعدت لملاقاة المسلمين مرة أخرى ليوم تمحو فيه غبارَ الهزيمة.
مسميات الخريطة
غزوة أحد
جبل أحد
معسكر المشركين
وعددهم (٣٠٠٠)
معسكر المسلمين
وكان عددهم (١٠٠٠)
وبعد انسحاب عبدالله بن أبي بن سلول أصبح عددهم (٧٠٠)
الوطاء
حرة جبل واقم
جبل الرماة
التفاف خالد بن الوليد ومن معه من خلف جبل الرماة
المدينة
الأحداث
ذهب صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن ربيعة إلى أبي سفيان يطلبون منه مال القافلة ليتمكنوا من تجهيز الجيش، ولقد كان ربح القافلة ما يقارب خمسين ألف دينار، فوافق أبو سفيان على قتال المسلمين، وراحوا يبعثون المحرضين إلى القبائل لتحريض الرجال.
اجتمع من قريش ثلاثة آلاف مقاتل.
وخرج الجيش حتى بلغ ذا الحليفة، قريبا من أحد.
سمع رسول الله ﷺ بتقدُّم المشركين إليهم فاستشار أصحابه، فقال الشيوخ: نقاتل هنا، وقال الرجال: نخرج للقائهم، فأخذ النبي ﷺ برأي الرجال.
ولبس النبي ﷺ لأْمَتَه -يعني أداة الحرب - وخرج يريد لقاء المشركين، فخرج من المدينة ألف رجل، وانسحب عبد الله بن أبي بن سلول المنافق بثلث الجيش قائلًا: ما ندري علامَ نقتل أنفسَنا؟
عسكر المسلمون عند جبل أحد، ووضع الرسول ﷺ خطة محكمة، فوضع خمسين رجلا على الجبل، وأمرهم الرسول ﷺ بعدم التحرك، سواء في الفوز أو الخسارة.
وبدأت المعركة، وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الأبطال، وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيًّا أن يعتقه إن هو قتل حمزة، وقد قتله.
رأى الرماة من فوق الجبل هزيمة المشركين، وقال بعضهم: ما لنا في الوقوف حاجة، ونسوا وصية الرسول ﷺ لهم، فذكَّرهم قائدهم بها، فلم يكترثوا بمقولته، وسارعوا إلى جمع الغنائم.
لاحظَ خالدُ بنُ الوليد نزول الرُّماة، فانطلق مع بعض المشركين والتفوا حول الجبل، وفاجأوا المسلمين من الخلف، فهرع المسلمون مسرعين هاربين، وارتفعت راية المشركين مرة أخرى، فلما رآها الجيش عاودوا هجومهم!
نادى الرسول ﷺ في أصحابه، فاجتمع ثلاثون من صحابة رسول الله ﷺ، فجمع جيشه ونظمه، وأراد أن يلحق بالمشركين ليقلب نصرهم هزيمة، فلما ابتعدوا أكثر فأكثر.. تركهم وعاد للمدينة.
المقطع للاطلاع فقط
غزوة الخندق (الأحزاب)
السنة الخامسة للهجرة
عزم يهود بني النضير على الانتقام من النبي ﷺ وأصحابه الذين أخرجوهم من ديارهم من المدينة، وجعلوا همَّهم على أن يكونوا جبهة قوية، تتصدى للرسول ﷺ وأصحابه.
انطلق زعماء بني النضير إلى قريش يدعونهم إلى محاربة المسلمين، فنجحوا في عقد اتفاق بينهما، ولم يكتفِ بنو النضير بتلك الاتفاقية، وإنما انطلقوا أيضا إلى بني غَطَفان يُرغِّبونهم في الانضمام إليهم وإلى قريش، وأغروهم بثمار السنة من نخيل خيبر إذا تم النصر بنجاح.
مسميات الخريطة
غزوة الخندق
جبل أحد
قوات قريش
قوات الكفار
وعددهم (١٠٠٠٠)
الخندق
الخندق
طوله (٣٠٠٠ متر)، وعرضه من ٧-١٠ أمتار، وعمقه من ٣-٥ مترًا
قوات كنانة وبني فزارة وأشجع وبني سُليم وبني أسد وبني مرة وبقية الأحزاب
حرة جبل واقم
صخور بركانية تمثل حصنًا طبيعيًّا
المسلمون
وعددهم (٣٠٠٠)
حرة جبل وبرة
صخور بركانية تمثل حصنًا طبيعيًّا
المدينة
وهكذا انطلق جيش قِوامُهُ عشرةُ آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان بن حرب، وذلك في السنة الخامسة من الهجرة، في شهر شوال.
وأشار سلمان الفارسي على النبي ﷺ بحفر خندق في مشارف المدينة، فاستحسن الرسول ﷺ والصحابة رضي الله عنهم رأيه، وعملوا به.
ووجد النبي ﷺ صخرة كبيرة كانت عائقا أمام سلمان الفارسي، حيث كسرت المعاول الحديدية، فتقدم الرسول الكريم منها وقال: «باسم الله» فضربها فتصدعت وبرقت منها برقة مضيئة، فقال: «الله أكبر.. قصور الشام وربِّ الكعبة» ثم ضرب ضربة أخرى، فبرقت ثانية، فقال: «الله أكبر.. قصور فارس وربِّ الكعبة».
ولم يجد المشركون سبيلا للدخول إلى المدينة بسبب الخندق، حتى جاء حييُّ بنُ أخطب الذي تسلل إلى بني قريظة، وأقنعهم بفسخ الاتفاقية بين بني قريظة والمسلمين.
واستطاع عكرمة بن أبي جهل وعدد من المشركين التسلل إلى داخل المدينة، إلا أن عليًّا كان لهم بالمرصاد، فقُتل من قُتل، وهرب من هرب، وكان من جملة الهاربين عكرمة.
وأخيرا، جاء نصر الله للمؤمنين، فقد تفككت روابط جيش المشركين، وانعدمت الثقة بين أطراف القبائل، كما أرسل الله ريحا شديدة قلعت خيامهم، وجرفت مؤنهم، وأطفأت نيرانهم، فدبَّ الهلع في نفوس المشركين، وفروا هاربين إلى مكة.
فلم تكن غزوة الأحزاب معركة ميدانية وساحة حرب فعلية، بل كانت معركة أعصاب وامتحان نفوس واختبار قلوب، ونزل قول الله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿۲۳﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿۲۴﴾وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴿۲۵﴾وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴿۲۶﴾.
صلح الحديبية
ذي القعدة - السنة السادسة للهجرة
نص الصورة
هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين يأمن بهذا الناس بعضهم على بعض وأنه من أتي النبي بغير إذن رده عليهم، ومن جاء قريشًا من عنده لم يردوه، فلما سمع المسلمون بذلك أبدى بعضهم اعتراضه على هذا الشرط.
صلح الحديبية هو عهد واتفاق، تم بين المسلمين وقريش في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، قرب موضع يقال له الحديبية قبيل مكة، ففي ذلك العام رأى رسول الله ﷺ في منامه أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأنهم يطوفون بالبيت، فأخبر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك، ففرحوا فرحا شديدا.
خرج النبي ﷺ ومعه زوجه أم سلمة رضي الله عنها في ألف وأربعمائة مسلم، متجهين إلى مكة لقضاء أول عمرة لهم بعد الهجرة، وحملوا معهم السلاح توقُّعا لشرِّ قريش.
فلما وصل إلى ذي الحليفة أهلَّ مُحْرما هو ومن معه، وبعث النبي ﷺ بُسر بن سفيان إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش وردود أفعالهم.
وحين وصل المسلمون إلى عسفان (مكان بين مكة والمدينة)، جاءهم بُسْرٌ بأخبار استعدادات قريش لصد ومنع المسلمين من دخول مكة.
فاستشار النبي ﷺ أصحابه، فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت، وقال: «فمن صدَّنا عنه قاتلناه»، فقال ﷺ: «امضوا على اسم الله».
فمضى النبي ﷺ ومعه أصحابه باتجاه مكة، وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطة -أي: الأمر والخَطْبُ- يُعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».
فلما نزل الرسول ﷺ بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش، وقال له: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا -أي: معتمرين-، وادعهم إلى الإسلام.
فانطلق عثمان رضي الله عنه فمر على قريش، فقالوا: إلى أين؟، فقال: بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم: أنه لم يأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا.
المقطع للاطلاع فقط
بيعة الرضوان
احتبست قريشٌ عثمان رضي الله عنه فتأخر في الرجوع إلى المسلمين، فخاف الرسول ﷺ عليه، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل، فدعا إلى البيعة، فتبادروا إليه، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على ألا يفروا، وهذه هي بيعة الرضوان التي نزل فيها قول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا ﴾ (الفتح: 18).
وأرسلت قريش عروة بن مسعود للتفاوض مع الرسول ﷺ، ثم أرسلت سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه النبي ﷺ قال: قد سهل لكم أمرُكم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلًا ثم اتفقا على قواعد الصلح.
وأسفرت المفاوضات عن اتفاق سُمِّيَ في التاريخ والسيرة صلحا، يقضي بالآتي:
أن تكون هناك هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات.
أن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام فلا يقضوا العمرة إلا العام القادم.
أن يردَّ محمدٌ ﷺ من يأتي إليه من قريش مسلمًا دون علم أهله، وألا ترد قريشٌ من يأتيها مرتدا.
أن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد ﷺ من غير قريش دخل فيه.
وافق الرسول ﷺ على شروط المعاهدة، التي بدا للبعض أنَّ فيها إجحافًا وذلًا للمسلمين، ومنهم عمر رضي الله عنه الذي قال للنبي ﷺ: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟، قال ﷺ: بلى، فقال: فعلامَ نُعطِي الدنيةَ في ديننا؟! أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا».
ولكن لما علم الناس أنه أمر الله لم يكن منهم إلا التسليم، وعاد المسلمون إلى المدينة بعد أن نحروا الهدي وتحللوا من العمرة، وأقاموا في الحديبية عشرين يومًا.
غزوة خيبر
العام السابع الهجري
ما كاد رسول الله ﷺ بعد صلح الحديبية، وبعد تلك الأحداث أن يستريح بالمدينة شهرًا من الزمن حتى أمر بالخروج إلى خيبر، فقد كان يهود خيبر يعادون المسلمين، وقد بذلوا جهدهم في جمع الأحزاب في غزوة الخندق لمحاربة المسلمين.
وخرج رسول الله ﷺ في مطلع العام السابع الهجري في جيش تعدادُه ألفٌ وستمائة رجلٍ، وكانت خيبر محصنةً تحصينًا قويًّا فيها ثمانية حصون، منفصلٌ بعضها عن بعض، وكان يهود خيبر من أشد الطوائف اليهودية بأسًا وأكثرِها وأوفرِها سلاحًا.
مسميات الخريطة
فتح خيبر
الصخرة
مسجد الصخرة
تل النطاة
الدومة
حرة خيبر
جبل نمار
دار بني قمة
نقب يردح
المدينة المنورة
طريق دخول النبي ﷺ إلى خيبر
والتقى الجمعان واقتتلوا قتالًا شديدًا، واستولى اليأسُ على اليهود، وطلبوا من النبي ﷺ الصلح على أن يحقن دماءهم، فقبل الرسول ﷺ، وصارت أرضُهم ﷲ ولرسوله وللمسلمين.
وهكذا استولى المسلمون على خيبر.
وكان من بين ما غنم المسلمون منهم عدة صحف من التوراة، فطلب اليهود ردَّها فردَّها المسلمون إليهم، ولم يصنع الرسول ﷺ ما صنع الرومان حينما فتحوا أورشليم، وأحرقوا كتب النصارى التي كانت فيها، وداسوها بأرجلهم، ولا ما صنع التتار حين أحرقوا الكتب في بغداد وغيرها.
عمرة القضاء (أو القصاص)
ذو القعدة - السنة السابعة للهجرة
كانت عمرة القضاء في ذي العقدة من السنة السابعة للهجرة، بعد عودة النبي ﷺ من خيبر بأشهر، حيث خرج ﷺ إلى مكة -حسب الاتفاق مع قريش في الحديبية-، وقد بلغ عدد من شهدها ألفين سوى النساء والصبيان.
وطاف المسلمون بالكعبة، وأظهروا من القوة والجلد ما جعل قريشًا تتعجب من قوتهم.
وأنزل الله في هذه العمرة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ (الفتح: 27).
ويقال لها عمرة القصاص؛ لأنهم صَدُّوا رسولَ الله ﷺ في ذي القعدة في سنة ست، فاقتص منهم فدخل مكة في ذي القعدة من سنة سبع.
غزوة مؤتة
جمادى الأولى - السنة الثامنة للهجرة
في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة جهز رسول الله ﷺ جيشًا للقصاص ممن قتلوا الحارث بن عمير الذي كان رسول الله ﷺ قد بعثه إلى أمير بُصرى داعيًا له إلى الإسلام.
وأمَّر على الجيش زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقال ﷺ: «إن أصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» رضي الله عنهم.
وانطلق الجيش وبلغ عددهم ثلاثة آلافٍ من المهاجرين والأنصار، وأوصاهم الرسول ﷺ بألا يقتلوا امرأةً ولا صغيرًا، ولا شيخًا فانيًا، ولا يقطعوا شجرًا ولا يهدموا بناءً.
المقطع للاطلاع فقط
مسميات الخريطة
غزوة مؤتة
مؤتة
معسكر الروم
وعددهم (٢٠٠٠٠٠)
المسافة ٥٦٠كم
تبوك
العلا
خيبر
معسكر المسلمين
وعددهم (٣٠٠٠)
المدينة
ووصل الجيش إلى مكانٍ يُدعى (مَعان) في أرض الشام.
وكان هِرَقل قد حشد مائتي ألف مقاتل لقتال المسلمين.
والتقى الجيشان غير المتكافئين عددًا أو عُدَّةً، وقاتل المسلمون قتال الأبطال، وصمدوا أمام هذا الجيش الضخم، وقاتل زيد بن حارثة حامل اللواء حتى استشهد، فتولى القيادة جعفر ابن أبي طالب، وحمل اللواء بيمينه فقطعت، ثم حمله بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى ضربه رجلٌ من الروم فاستشهد، فسمي بذي الجناحين حيث أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وقاتل حتى استشهد.
فأخذ الراية خالد بن الوليد، واستعمل دهاءه الحربي، حتى انحاز بالجيش، وأنقذه من هزيمة منكرة كادت تقع، فانتهز خالد قدوم الليل، فغير نظام الجيش، فجعل ميمنة الجيش ميسرة، وميسرته ميمنة، كما جعل مقدمة الجيش في المؤخرة، ومؤخرة الجيش في المقدمة.
فلما أطلَّ الصباحُ أنكرت الروم ما كانوا يعرفون من راياتهم، وسمعوا الجَلَبَةَ وقعقعةَ السلاح فظنوا أنهم قد جاءهم مَدَدٌ، فرُعِبُوا وانكشفوا، وما زال خالد يحاورهم ويداورهم، والمسلمون يقاتلونهم أثناء انسحابهم بضعة أيامٍ حتى خاف الروم أن يكون ذلك استدراجًا لهم إلى الصحراء، فتوقف القتال.
وتبدلت هزيمة جيش المسلمين إلى نصرٍ بفضل الله تعالى.
نشاط
1- تكلم عن غزوة بدر الكبرى من حيث الآتي: تاريخها، سببها، أحداثها، نتائجها.
2- ما السبب الرئيسي في الانهزام في غزوة أحد؟
3- تكلم باستيفاء عن صلح الحديبية، وما أبرز الشروط التي حصل الاتفاق عليها؟
4- اختصر غزوة خيبر ومؤتة من واقع فهمك لما سبق.
فتح مكة
رمضان - السنة الثامنة للهجرة
بعد صلح الحديبية انضمت قبيلة بني بكر لقريش، وانضمت قبيلة خزاعة لحلف المسلمين.
وكان بين بني بكرٍ وخزاعة ثاراتٌ ودماءٌ في الجاهلية، وذات يومٍ تعرضت قبيلة خزاعة لعدوانٍ من قبيلة بكر الموالية لقريش، وقتلوا منهم نحو عشرين رجلًا.
دخلت خزاعة الحرم للنجاة بنفسها، ولكنَّ بني بكرٍ لاحقوهم وقتلوا بعضهم في الحرم.
مسميات الخريطة
فتح مكة
إلى عرفات
الزبير بن العوام
أبوعبيدة بن الجراح
إلى سرف والتنعيم والحديبية ثم إلى المدينة المنورة
رسول الله ﷺ
كداء
قيس بن سعد بن عبادة
خالد بن الوليد
الطريق إلى جدة
إلى اليمن
جبل أبي قبيس
الخندمة
بيت رسول الله ﷺ
المروة
الصفا
المسجد الحرام
آبار
قبر خديجة
الحجون
جبل هند
فجاء عمرُو بنُ سالم الخزاعي الرسولَ ﷺ يخبره بعدوان قبيلة بني بكرٍ عليهم، وأنشد الرسولَ ﷺ شعرًا:
يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدًا ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاك الله نَصْرًا أَعْتَدَا ... وَادْعُ عِبَادَ الله يَأْتُوا مَدَدَا
وأخذ رسول الله ﷺ يجهز الجيش للخروج إلى مكة، فحضرت جموعٌ كبيرة من القبائل.
وتحرك جيش المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ إلى مكة في منتصف رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وبلغ عددهم نحو عشرة آلاف مقاتل.
ووصلوا (مر الظهران)، والتقى النبي ﷺ بأبي سفيان، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم.
فقال العباس رضي الله عنه: «إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا».
فقال الرسول ﷺ: «من دخل دار أبي سفيانٍ فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد فهو آمنٌ، ومن أغلق بابه فهو آمنٌ».
ثم رجع أبو سفيان مسرعًا إلى مكة، ونادى بأعلى صوته: «يا معشر قريش، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل داري فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وأغلقوا الأبواب عليهم وهم ينظرون من شقوقها وثقوبها إلى جيش المسلمين، ودخل جيش المسلمين مكة في صباح يوم الجمعة الموافق عشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
ودخل رسول الله ﷺ مكة من أعلاها وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ (الفتح: 1).
واستسلمت مكة، وأخذ المسلمون يهتفون في جنبات مكة وأصواتهم تشق عنان السماء: الله أكبر.. الله أكبر.
وتوجَّه رسول الله ﷺ إلى الحرم، وأمر بتحطيم الأصنام المصفوفة حولها، وكان يشير إليها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ (الإسراء: 81).
وبعد أن طهرت الكعبة من الأصنام أمر النبي ﷺ بلالًا أن يؤذن فوقها.
هدم عمرو بن العاص رضي الله عنه صنمَ سواع
بُعث عمرو بن العاص رضي الله عنه في شهر رمضان إلى سواع -وهو لهذيل- قال: فأتيته وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم؟ قال: تُمنع. قلت: حتى الآن أنت على الباطل؟! ويحك وهل يسمع أو يبصر؟!
فدنوت منه فكسرته، فقلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمتُ لله تعالى.
بعث سعد بن زيد رضي الله عنه لهدم مناة
ثم بعث سعد بن زيد الأنصاري في شهر رمضان إلى مناة، فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعندها سادنها فقال: ما تريد؟ قال: هدمَها قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، فخرجت إليه امرأة سوداءُ عاريةٌ ثائرةُ الرَّأْسِ، تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناةُ، دونَك بعضَ عُصاتِك، فضربها سعد رضي الله عنه فقتلها، وأقبل إلى الصَّنم فهدمه.
وهكذا ارتفعت راية الإسلام في مكة وما حولها، وراح الناس ينعمون بتوحيد الله.
نشاط
1- اذكر أحداث فتح مكة، وما أهم نتائجه، وكيف طمست معالم الشرك؟
المقطع للاطلاع فقط
غزوة حنين
شوال - العام الثامن للهجرة
مسميات الخريطة
غزوة حُنين
إلى الطائف
تقدم المشركين إلى حنين
انسحاب المشركين
مطاردة المسلمين للمنهزمين
الزيمة
وادي أوطاس
يبعد عن مكة (٩٠كم)
الشرائع
تراجع ثقيف إلى الطائف
وادي حنين
بعد أن فتح المسلمون مكةَ انزعجت القبائل المجاورة لقريش من انتصار المسلمين على قريش.
وفزعت هوازن وثقيف من أن تكون الضربة القادمة من نصيبهم، وقالوا: لنغزُ محمدًا قبل أن يغزونا، واستعانت هاتان القبيلتان بالقبائل المجاورة.
وقرروا أن يكون مالك بن عوف سيد بني هوازن قائد جيوش هذه القبائل التي ستحارب المسلمين.
وأمر رجاله أن يصطحبوا معهم النساء والأطفال والمواشي والأموال ويجعلوهم في آخر الجيش، حتى يستميت الرجال في الدفاع عن أموالهم وأولادهم ونسائهم.
لما علم الرسول ﷺ بذلك خرج إليهم مع أصحابه، وكان ذلك في شهر شوال من العام الثامن للهجرة.
وكان عدد المسلمين اثني عشر ألفًا من المجاهدين.
وعدد الكفار عشرون ألفا.
ونظر المسلمون إلى جيشهم الكبير فاغترُّوا بالكثرة، وقالوا: لن نغلب اليوم من قِلَّةٍ.
وبلغ العدوَّ خبرُ خروج المسلمين إليهم فأقاموا كمينًا للمسلمين عند مدخل وادي أوطاس، قرب الطائف.
وأقبل الرسول ﷺ في أصحابه حتى نزلوا بالوادي، وكان الوقت قبيل الفجر، والظلام يخيِّمُ على وادي حنين.
وفوجيء المسلمون بوابل من السهام تنهال عليهم من كل مكان، فطاش صوابهم، واهتزَّت صفوفهم، وفرَّ عددٌ منهم.
ولما رأى الرسول ﷺ هزيمة المسلمين نادى فيهم:
أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلبْ
فما استطاع أحد من الكفار أن يخرج له، مع أنه هو المطلوب ﷺ .
وأمر الرسول ﷺ العباس أن ينادي في الناس، فقال: يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، فأجابوه: لبيك يا رسول الله لبيك.
وانتظم الجيش مرةً أخرى، واشتد القتال، وأشرف الرسولُ ﷺ على المعركة.
وما هي إلا ساعة حتى انهزم المشركون، وولوا الأدبار، تاركين النساء والأموال والأولاد.
وفي صحيح مسلم: «ثم أخذ رسول الله ﷺ حَصَياتٍ، فرمى بها وجوه القوم، ثم قال: انهزَمُوا، وربِّ محمدٍ. قال العباس رضي الله عنه: «فما هو إلا أن رماهم، فما زلت أرى حدَّهم كليلًا -أي: بأسهم وسيوفهم وشدتهم -ضعيفًا- وأمرَهم مُدبرًا -أي: وحالهم ذليلًا-».
وكانت حنين درسًا استفاد منه المسلمون، فتعلَّم المسلمون أن النصرَ ليس بكثرة العدد والعُدَّة.
نشاط
1- تكلم عن غزوة حنين من حيث الآتي:
- تاريخها.
- أحداثها.
- أهم وأبرز نتائجها.
غزوة تبوك - أو العُسرة
رجب - العام التاسع للهجرة
مسميات الخريطة
غزوة تبوك
وادي البلقاء
معسكر الروم
وعددهم يزيد على (٤٠٠٠٠)
تبوك
تبعد عن المدينة (٦٨٠كم)
معسكر المسلمين
وعددهم (٣٠٠٠٠)
تبعد عن المدينة (٦٨٠كم)
معسكر المسلمين
وعددهم (٣٠٠٠٠)
بعد فتح مكة ودخول الحجاز كلها في الإسلام، خشي العرب التابعون للروم من المسلمين في بلاد الشام من قوة الإسلام، فقرر الرومُ غزوَ المسلمين، وجهَّزوا جيشًا كبيرًا عسكروا جنوب بلاد الشام.
وصلت الأخبار إلى الرسول ﷺ، فدعا إلى تجهيز جيش قويٍّ يصدُّ غزو الروم.
وحثَّ الأغنياء على أن يجودوا بمالهم، فتبرع عثمان بن عفان رضي الله عنه بعشرة آلاف دينار وتسعمائة بعيرٍ، ومائة فرس.
كما تبرع أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه بكل ماله.
وتبرع عبد الرحمن بن عوف بأربعين ألف دينار، وتبرعت النساء بحليِّهن وزينتهن من الذهب.
المقطع للاطلاع فقط
وتحرك جيش المسلمين إلى تبوك في شهر رجب من العام التاسع بقيادة الرسول ﷺ، وكان عددهم قرابة ثلاثين ألفًا.
وعسكر النبي ﷺ بجيشه في ثنية الوداع، وعانى المسلمون من عسرة الماء والزاد، حتى اضطروا لذبح إِبـِلهم وإخراج ما في كروشها، يعصرونه ويشربونه؛ لذلك سميت الغزوة بغزوة العسرة.
وقضى المسلمون في تبوك حوالي عشرين يومًا، ولكن لم يجدوا هناك أحدًا من الروم الذين رجعوا من حيث أتوا، حينما علموا بمسير الجيش المسلم الذي يؤثر الموت على الحياة.
ثم عاد النبي ﷺ بالمسلمين إلى المدينة.
فترة دخول الناس في دين الله أفواجا
(8هـ - 11هـ)
تم فتح مكة ودانت قريش لرسول الله ﷺ، وعرف العرب ألا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجًا، خاصة بعد غزوة حنين التي كانت عقب فتح مكة مباشرة.
المقطع للاطلاع فقط
نشاط
1- تكلم عن غزوة تبوك من حيث الآتي:
- تاريخها.
- أحداثها.
- أهم وأبرز نتائجها.
عـام الوفـود
العام التاسع للهجرة
سُمِّيَ العام التاسع للهجرة بعام الوفود، حيث بدأت وفود القبائل العربية في التوافد على المدينة لإعلان إسلامهم ومبايعة الرسول ﷺ، وقد ذكر كُتَّاب السيرة أن عدد الوفود بلغ ستين وفدًا، ذكر منها البخاري وفد تميم، ووفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة، ووفد نجران الذي لم يُسِلم ورضي بالجزية، ووفد الأشعريين وأهل اليمن، ووفد دوس، ووفد طيء، وعدي بن حاتم الطائي، وغير ذلك.
حجُّ أبي بكر رضي الله عنه بالناس
العام التاسع من الهجرة
لم يحج الرسول ﷺ عام الفتح ولكنه اعتمر فقط، وأمَّر أبا بكر رضي الله عنه على الحج، فخرج في ذي الحجة إلى مكة على رأس ثلاثمائة من الصحابة ومعهم عشرون بدنة، ونزلت سورة براءة (التوبة) يوم النحر، فأرسل النبي ﷺ عليًّا برسالة إلى الناس مفادها:
«لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشركٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته».
وهذه المفاصلة مع المشركين كان قد آن أوانها بعد اثنين وعشرين عامًا من الدعوة والنبوة والوحي.
حجُّه ﷺ
العام العاشر للهجرة (حجة الوداع(
خرج ﷺ في حجَّة الوداع نهارًا بعد أن ترجل، ادَّهن وتطيب، فبات بذي الحليفة، وقال ﷺ: «أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجةٍ» فأحرم بها قارنًا.
ودخل ﷺ مكة يوم الأحد بكرة من كُداء من الثنية العليا، وطاف للقدوم، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم خرج إلى الصفا، فسعى راكبًا، ثم أمر من لم يسُق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة.
فلما كان يوم التروية توجه ﷺ إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبات بها، وصلى بها الصبح.
فلما طلعت الشمس سار إلى عرفة، وضربت قبتُه ﷺ بنَمِرة، فأقام بها حتى زالت الشمس، فخطب الناس وصلى بهم الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين.
ثم راح إلى الموقف، فلم يزل يدعو ويهلل ويكبر حتى زاغت الشمس.
ثم دفع إلى مزدلفة بعد الغروب، وبات بها، وصلى الصبح.
ثم وقف بالمشعر الحرام حتى أسفر.
ثم دفع ﷺ قبل طلوع الشمس إلى منى، فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات.
وفي ثلاثة أيام التشريق كان يرمي في كل يوم منها الجمرات الثلاث ماشيًا بسبع، يبدأ بالتي تلي الخيف، ثم الوسطى، ثم بجمرة العقبة، ويطيل الدعاء عند الأولى والثانية.
ونحر ﷺ يوم نزوله منى، وأفاض إلى البيت، فطاف به سبعا ثم أتى السقاية، فاستسقى، ثم رجع منى ثم نفر باليوم الثالث، فنزل المحصب، وأعمرَ عائشةَ رضي الله عنها من التنعيم.
ثم أمر بالرحيل، ثم طاف للوداع، وتوجه إلى المدينة.
وكانت هذه الحجة تسمى حجة الوداع؛ لأنه ﷺ لم يحج بعدها.
عُمُراتُه ﷺ
اعتمر ﷺ بعد الهجرة أربع عمرات، كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حَجَّتهِ.
الأولى: عمرة الحديبية، وهي أولاهن سنة ست، حينما صدَّه المشركون عن البيت.
الثانية: عمرة القضية في العام المقبل، دخل مكة فأقام بها ثلاثا، ثم خرج بعد إكمال عمرته.
الثالثة: عمرته التي قرنها مع حجته.
الرابعة: عمرته من الجعرانة، لما خرج إلى حنين، ثم رجع إلى مكة، فاعتمر من الجعرانة.
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية.. وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته».
بعد العودة من الحج
تجهيز جيش أسامة:
بدأ رسول الله ﷺ في تجهيز جيش إلى الشام، بعد عودته من حجة الوداع بشهرين أو أكثر، وجعل عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه إلى البلقاء وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان معهم أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وبلغ عددهم ثلاثة آلاف، ولكن هذه الحملة تأخرت بسبب مرض الرسول ﷺ .
نشاط
1- من واقع ما درست ما أهم ما وقع في العام التاسع من الهجرة؟
2- ما عدد العمرات التي قام بها النبي ﷺ، وبمَ سميت حجته، ولمَ؟
3- ما سبب توقف حملة أسامة رضي الله عنه ؟
وفاةُ الرسول ﷺ
الثاني عشر من ربيع الأول - العام الحادي عشر للهجرة
ألمّ المرضُ بالرسول ﷺ بعد عودته من حجة الوداع بحوالي ثلاثة أشهر، وكان بدء شكواه في بيت ميمونة رضي الله عنها .
وصحّ في البخاري أن شكواه ابتدأت منذ العام السابع عقب فتح خيبر بعد أن تناول قطعة من شاة مسمومة، قدمتها له اليهودية زوجة سلَّام بن مِشكَم، وقد طلب ﷺ من زوجاته أن يمرَّض في بيت عائشة رضي الله عنها، فكانت تقرأ المعوذتين وتمسح عليه بيده هو ﷺ لبركتها.
ولما أثقله المرضُ ومنعه من الخروجِ للصلاة بالناس أمر أبا بكر ليُصلِّيَ بالناس، وراجعته عائشة رضي الله عنها، لئلا يتشاءم الناسُ بأبيها، فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن، فأصرَّ على ذلك، فمضى أبو بكر يصلي بهم.
وكان هذا أبرز إشارة لخلافته من بعد رسول الله ﷺ، فقد ارتضاه ﷺ للأمة في دينهم وصلاتهم، أفلا يرتضيه لهم في دنياهم؟!.
وخرج النبي ﷺ يتوكأ على العباس وعليّ (رضي الله عنهما)، فصلّى بالناس وخطبهم، وأثنى في خطبته على أبي بكر رضي الله عنه وبيَّن فضلَه، وأشار إلى تخيير الله له بين الدنيا والآخرة واختياره الآخرة، قال: «إن عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده..، ففطن أبو بكر إلى أنه يقصد نفسه فبكى، وتعجب الناس منه إذ لم يدركوا ما فطن له».
وعندما حضره الموت كان مستندًا إلى صدر عائشة رضي الله عنها، وكان يُدخِل يدَه في إناء الماء فيمسح وجهه -من شدة الحُمَّى- ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات».
وأخذته ﷺ بحَّة وهو يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم»، ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى» فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يُخيَّر، وأنه يختار الرفيق الأعلى.
ودخلت عليه فاطمة رضي الله عنها فقالت: واكرب أباه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، وأخبرها بأنها أول أهله لحوقًا به.
وقُبِضَ ﷺ حين اشتد الضحى -ورأسه في حِجْر عائشة رضي الله عنها- في يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة.
فمات في بيت عائشة وبين صدرها ونحرها، وكان آخرَ ما ذاق من الدنيا ريقُها من السواك، الذي قضمته وأعطته إياه ليتسوَّك به، رضي الله عنها، وهذه لفتات لعلو مرتبتها، وعظيم منزلتها.
ودخل أبو بكر رضي الله عنه، وكان غائبًا، فكشف عن وجه النبي ﷺ، وأخذ يقبله.
وخرج إلى الناس، وهم بين منكرٍ ومصدِّقٍ من هول الموقف، فقال:
ألا من كان يعبُدُ محمدًا ﷺ، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ (آل عمران: 144) فسكن الناس وجلس عمر رضي الله عنه على الأرض لا تحمله قدماه، وكأنهم لم يسمعوا الآية إلا تلك الساعة.
وبكت فاطمة رضي الله عنها أباها ﷺ، وهي تقول:
يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه.
يا أبتاه مَنْ جنَّةُ الفردوسِ مأواه.
يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
وانتهت حياة الرسول ﷺ ولم تنته رسالته، فهي خالدة إلى يوم الدين، ولم تنقطع أمته، فالخير فيها إلى يوم يبعثون، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الصادق الوعد الأمين، والحمد ﷲ رب العالمين.
نشاط
1- وفاة النبي ﷺ حدث عظيم، على ضوء دراستك لها بين الآتي:
- عظم منزلة عائشة رضي الله عنها عند الله ورسوله ﷺ .
- موقف أبي بكر الصديق وعمر (رضي الله عنهما) .
فضل الصلاة على النبي ﷺ
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 56).
وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من صلى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا».
ومن أفضل الصيغ للصلاة على النبي ﷺ ما جاء في حديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد».
المصادر
السيرة النبوية لابن هشام.
تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون.
البداية والنهاية لابن كثير.
زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم الجوزية.
الروض الأنف للسهيلي.
عيون الأثر لابن سيد الناس.
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي.
الرحيق المختوم للمباركفوري، وعليه الاعتماد في أكثر المادة.
مختصر السيرة النبوية، لمحمد بن عبدالوهاب رحمه الله.
(مقدمة في السيرة) للشيخ عبدالرحمن صالح المحمود.
العقيدة (1)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب العقيدة (1):
يحتوي هذا الكتاب على بيان معنى العقيدة وأهميتها، ومصادر تلقيها، وأصول أهل السنة في إثباتها، وبيان معنى التوحيد ومنزلته وأثره، وأركانه وأقسامه، والآثار الإيمانية المترتبة عليه، وأدلة وجود الله تعالى من غير الشرع. مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريةٍ مبسطة وأسلوبٍ سهلٍ شيق خالٍ من الحشو والمخالفات.
العقيدة (1)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» ، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ اﷲِ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل اﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
سندرس في هذه الوحدة
معنى العقيدة الصحيحة وأهميتها
مميزات العقيدة الصحيحة
أصول أهل السنة في إثبات مسائل العقيدة
مصادر تلقي العقيدة
مقدمات في العقيدة الصحيحة
مَعنى العَقيدةِ الصَّحيحةِ، وأَهَمِّيتُها
تعريف العقيدة الصحيحة:
العقيدة في اللغة: من العقد؛ وهو الربط والإحكام والشد بقوة.
والعقد نقيض الحل، يقال: عقده يعقده عقدًا، ومنه عقدة اليمين والنكاح، قال اﷲ تبارك وتعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ (المائدة: ٨٩).
مرادفات لفظ العقيدة:
للعقيدة الإسلامية أسماء أخرى عند السلف، منها: (التوحيد)، (السنة)، (أصول الدين)، (الفقه الأكبـر)، (الشريعة)، (الإيمان).
والعقيدة اصطلاحًا: (الحكمُ الذي لا يقبل الشكَّ فيه عند مُعْتقِدِه).
وعرّفها بعضهم بقوله: (الأمورُ الثابتةُ الجازمةُ التي يَنعقِدُ عليها قلبُ الإنسانِ ولا يَشُكُّ فيها).
والصَّحيحةُ: أي: السَّالمةُ مِنَ العيبِ والخطأِ.
تعريف العقيدةِ الصَّحيحةِ:
الإيمانُ الجازمُ باﷲ، وما يجب له، في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، كما تتضمن الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمور الغيب وأخباره.
فلابد من انعقاد القلب على ذلك انعقادا جازما؛ لا شَكَّ فيه ولا ريبَ؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ (الحجرات:١٥) أي: لم يَشُكُّوا في إيمانِهم.
الوحدة الأولى: مقدمات في العقيدة الصحيحة
وأدلة ذلك الآتي:
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة:١٧٧).
قولُه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة:٢٨٥).
حديثُ عُمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه: أَنَّ جَبريلَ عليه السلام سَألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإيمانِ؟ فقال له: «أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَومِ الآخِرِ وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ». أخرجه مسلم.
أهمية العقيدة:
تَظهرُ أهميةُ العقيدةِ الصَّحيحةِ من خلالِ الأمورِ الآتية:
١ أَنَّها الأَساسُ في قَبولِ العملِ الصالحِ عندَ اللهِ عزوجل؛ والذي بهِ تكونُ النَّجاةُ في الآخرةِ والفَوزُ بالجَنَّةِ بعدَ رحمةِ اللهِ جل وعلا؛ كما قالَ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ (الكهف: ١١٠)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (التوبة: ٧٢).
وعَلى العكسِ منْ ذلك ؛ فَإنَّ العَملَ لا يُقبلُ عندَ اللهِ تعالى إذا كان صاحبُه على عقيدةٍ فاسدةٍ؛ وبالتَّالي تكونُ خَسارتُه في الآخرةِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (المائدة: ٥)، وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (الزمر: ٦٥).
ومعنى ﴿حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ في الآيةِ الأولى؛ أو ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ في الآيةِ الثَّانيةِ: بُطلانُ ذلكَ العملِ وذهابُ ثوابهِ؛ فلا يبقى له وزنٌ عندَ اللهِ جل وعلا؛ فيكونُ صاحِبُه خاسرًا؛ غيرَ رابحٍ في الآخرةِ.
2 أنَّها الأصلُ في دعوةِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ جميعا؛ فَما منْ رسولٍ بَعثَهُ اﷲُ في قومهِ إلا ودَعاهم لهذهِ العقيدةِ الصَّحيحةِ أَوَّلَ ما دَعاهم إليهِ، وكان الاهتمامُ بها أَشدَّ الاهتمامِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: ٣٦).
فائدة إثرائية:
و(الطَّاغوتُ): هو كُلُّ ما عُبِدَ منْ دونَ اللهِ، وكان راضيًا بذلك.
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
3 أن العقيدة ضَروريةٌ للإنسانِ أكثرَ من ضَرورتِه للهواءِ والماءِ؛ إذْ بدونِها لا يَعرفُ الإنسانُ الإجابةَ الحقيقيةَ الصَّحيحةَ عنْ أسئلةِ البشرِ الكبرى:
من أينَ جِئتُ؟ ولماذا خُلقتُ؟ وإلى أينَ أذهبُ بَعدَ الموتِ؟
فماذا كانت النتيجة؟
ما نَراهُ اليومَ من البؤسِ والشَّقاءِ وانتشارِ الأمراضِ النَّفسيةِ وحالاتِ الانتحارِ الكثيرةِ؛ حتى في الدُّولِ الغنيةِ التي تَزعمُ التقدُّمَ والحضارةَ؛ كما هو الواقعُ في دولٍ كـَ(السُّويد)، و(الدَّانمرك) وغيرها.
إنَّ العقيدةَ الصَّحيحةَ فَقطْ هي التي تُجيبُ عن تَلكَ الأسئلةِ الكبرى وغيرها منَ الأسئلةِ التي يحتارُ فيها البشرُ بكلِّ حقٍّ وصدقٍّ؛ بحيثُ يمتلئ القلبُ يَقينًا وطُمَأْنينَةً وسُكونًا وأَمْنًا وإيمانًا.
4 أَنَّها السَّببُ في حُصولِ الأمنِ والهدايةِ في الدُّنيا والآخرةِ؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ (الأنعام: ٨٢)، ومعنى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ أي: لم يَخلطوا إيمانَهم بشركٍ.
ولذلك؛ فإنَّ ما نَجدهُ اليومَ منْ خللٍ في الأمنِ وكثرةٍ للشَّرِّ والفَسادِ والفتنِ والقتلِ في العالمِ الإسلاميِّ بعامَّةٍ، والعالمِ العربيِّ بخاصَّةٍ؛ فَإنَّما هو نتيجةٌ لضعفِ العقيدةِ الصَّحيحةِ في نفوسِ النَّاسِ، أو لِظهورِ ما يُناقِضُها أو يُخالِفُها منْ أعمالٍ أو أقوالٍ، كما سَيأتي بيانه.
5 أَنَّها السَّببُ في فَتحِ البركاتِ مِنَ السَّماءِ والأرضِ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ (الأعراف: ٩٦).
ميزاتُ العقيدةِ الصحيحةِ
فطرية
واضحة
وسطية
تقوم على البرهان
ثابتة
تتميز العقيدة الإسلامية الصحيحة عن عقائد الأديان الباطلة والطوائف المبتدعة بمزايا كثيرة تجعلها أحرى بالقبول، منها:
1 أنها عقيدة واضحة سهلة بعيدة عن التعقيدات، ليس فيها أشياء غامضة، ولا جوانب محتكرة لرجال الدِّين.
2 أنها عقيدة فطرية تلائم الفطرة ولا تصادمها.
3 أنها عقيدة ثابتة لا تتغير ولا تتطور بتعاقب الأجيال، فلا مجال فيها للزيادة والنقص، ولا تقبل التحريف والتبديل، أما غيرها من العقائد فقد زيد فيها ونقص منها؛ لأنها كانت تخضع لأهواء الحكام والرهبان.
4 أنها تقيم البراهين الساطعة والحجج الباهرة على كل مسألة فيها، قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾ (الأنعام: ١٤٩) .
٥ أنها عقيدة وسطية، لا إفراط فيها ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء.
مَصادرُ تَلقِّي العقيدةِ الصحيحةِ
تقدَّم تعريف: (العقيدة الصَّحيحة وأهميتها)، وهنا ندرس أمرا في غاية الأهمية، ألا وهو: من أينَ نَأْخُذُ هَذهِ العقيدةَ؟ وهو ما يُعبَّرُ عنه بـ (مَصادرِ تَلقِّي العقيدةِ الصَّحيحةِ)؛فَما هَذهِ المصادرُ؟ وما الدَّليلُ عليها؟
قَبلَ أنْ نَذْكُرَ هَذهِ المصادرَ والأَدِلَّةَ عليها نُؤَكِّدُ على حَقيقةٍ شرعيةٍ قَطْعيةٍ؛ وهي أنَّ العقيدةَ الصَّحيحةَ: (عَقيدةَ التَّوحيدِ) عقيدةٌ فِطْريَّةٌ؛ بمعنى أَنَّ الأصلَ في بني آدمَ كُلِّهم هَذهِ العقيدة؛ وأَنَّ الإنسانَ مُنذُ خَلقَهُ اﷲُ وأَوجدَهُ على هَذهِ الأرضِ، فَإنَّ في نَفْسهِ هَذهِ العقيدةَ، من مَعْرفةِ اللهِ جل وعلا، وتَوحيدِه، والفَزعِ إليه وقتَ الشِّدةِ، ومحبتهِ؛ وأَنَّهُ مُؤَهَّلٌ لقبولِ الحقِّ واختيارهِ، وقد دلَّ على هَذهِ الحقيقةِ العَديدُ مِنَ الأَدِلَّةِ؛ منها:
1 قولُهُ تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الروم: ٣٠).
والحنيفيةُ: هي الإسلامُ وأركانُه؛ كما هو تفسيرُ أَئِمَّةِ السلفِ رحمهم الله.
والفطرة: هي الطَّبع السويُّ، والجِبلَّة المستقيمة، التي خُلق النَّاسُ عليها، والمتهيئة لقبول الدِّين الحق.
2 ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هُريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مَولودٍ يولَدُ على الفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ، كَمَثَلِ البَهيمَةِ تُنْتجُ البَهيمَةَ، هَلْ تَرَى فيها جَدْعاءَ؟!».
وفي لفظٍ آخرَ: «ما من مَولودٍ إلَّا يولَدُ على الفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهيمَةُ بَهيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فيها من جَدْعاءَ؟!».
والجَمعاءُ: هي مُكتملةُ الأَعضاءِ، وأَمَّا الجدعاءُ: فَهي مَقطوعةُ الأَطرافِ.
ثُمَّ قال أَبو هُريرةَ رضي الله عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: ٣٠) . متفق عليه.
3 ما أخرجه مسلمٌ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه بلفظينِ مُختلفينِ، فيهما التَّصريحُ بأَنَّ الفطرةَ هي: (مِلَّةُ الإسلام)، وهُما:
أ. «ما من مَولودٍ يولَدُ إلاَّ وهو على المِلَّةِ».
ب. «ما من مَولودٍ يولَدُ إلاَّ على هذه المِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عنه لِسانُهُ».
4 عن عياضِ بنِ حِمارٍ المُجاشِعيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ذاتَ يَومٍ في خُطْبَتِهِ وفيه: «وَإنِّي خَلَقْتُ عِبادي حُنَفاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّياطينُ فاجْتالَتْهُمْ عن دينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكوا بي ما لم أُنْزِلْ بهِ سُلْطانًا». أخرجَهُ مسلمٌ.
(حُنَفاءُ): جَمعُ حَنيفٍ، وهو: المائِلُ عَنِ الأَديانِ كُلِّها إلى فِطرةِ الإسلامِ.
مصادرُ التلقِّي
١ المصدر الأول: القرآن الكريم
القرآنُ الكريمُ: اسمٌ لكلامِ اللهِ المُعْجِزِ المُنزَّلِ على عَبدهِ ورسولِه مُحمَّدٍ ﷺ؛ كَما قال تعالى في شَأنهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ (الشعراء: ١٩٣-١٩٥).
الأدلة:
دَلَّت الأَدِلَّةُ الكثيرةُ على أَنَّ القرآن حُجَّةٌ، يَجبُ أَنْ تُؤخذَ مِنهُ العقيدةُ؛ ومن ذلكَ ما يأتي:1 أَنَّ أمرنا باتباعه، ونهانا عن اتباع غيره؛ كَما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ (الأعراف: 3).
2 أَنَّ كُلَّ ما فيه حقٌّ وصِدقٌ؛ كَما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ (البقرة: ١٧٦)، وقال سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾ (آل عمران: ٩٥)، وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ (النساء: ٨٧)، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ (النساء: ١٢٢).
3 أَنَّهُ مَحفوظٌ مِنَ العبثِ والتَّحريفِ؛ كَما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ (الحجر: ٩).
تابع الأدلة:
4 أَنَّه الحَكَمُ الذي فيه التَّفصيلُ والبيانُ؛ كَما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ (الأنعام: ١١٤).
5 أَنَّهُ الفُرقانُ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ كَما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (الفرقان:١).
والفُرقانُ هو: القرآنُ؛ لأَنَّ اﷲ تعالى فَرَّقَ به بَينَ الحقِّ والباطلِ.
6 أنَّ اﷲَ أَمرَ بالتَّحاكمِ إليه عِنْدَ التَّنازعِ والاختلافِ؛ كَما قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ (النساء: ٥٩) ، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ (الشورى: ١٠) .
7 أَنَّهُ هو القولُ القاطِعُ الذي يَفْصِلُ بينَ الجدِّ والهزْل، وهو أَبعدُ ما يكونُ عَنِ الباطلِ واللَّعبِ؛ كَما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ (الطارق: ١٣-١٤) .
٢ المصدرُ الثَّاني: السُّنَّةُ النبَويَّةُ الصَّحيحةُ
السُّنَّةُ النبَويَّةُ الصَّحيحةُ هيَ: ما ثَبَتَ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالسَّندِ الصَّحيحِ؛ مِمَّا نُقِلَ عنه من قولٍ، أو فِعلٍ، أو تَقريرٍ.
الأدلة:
دَلَّتِ النُّصوصُ الكثيرةُ على أَنَّ السُّنَّةَ النبويةَ حُجَّةٌ، يَجِبُ أخذُ العقيدةِ مِنُها، ومنْ ذلكَ:
1 قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (الحشر: ٧).
2 قولُهُ عزوجل: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنفال: ١).
3 قولُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (النحل: ٤٤).
4 عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «لا أعرفنَّ الرجل يأتيه الأمرُ من أَمْري، إما أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقولُ: ماندري ماهذا؟! عندنا كتاب اﷲ ليس هذا فيه». أخرجه الأربعة إلا النسائي، وصححه ابن حبان.
تابع الأدلة:
5 عَنِ المِقْدامِ بنِ مَعْدي كَرِبَ الكِنْديِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «أَلا إنِّي أوتيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، أَلا إنِّي أوتيتُ القُرْآنَ ومِثْلَهُ مَعَهُ». أخرجهُ أحمدُ، وصححه الأرناؤوط.
(وَمِثْلَهُ مَعَهُ) يعني: السُّنَّةَ.
6 قالَ صلى الله عليه وسلم فيما رَواهُ العِرْباضُ بنُ ساريَةَ عنه رضي الله عنه : «فَعَلَيكم بسُنَّتي، وسنة الخلفاء الرَّاشِدين المهْديين منْ بعدي، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنَّواجِذِ». أخرجهُ أحمد والترمذيُّ، وصححه.
7 وقد دلَّ الإجماعُ أيضًا على حُجِّية السنة النبوية، قال الشافعي: «ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أُخبر عن رسول اﷲ ﷺ، إلا قَبِل خبرَه وانتهى إليه، وأثبتَ ذلك سنةً» .
3 المصدر الثالث: إجماع السلف الصالح رحمهم الله
السلف لغة: هم الجماعة المتقدمون، يقال سَلَفَ ويَسْلُف، أي: مضى، وسَلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون.
وللسلف عدة أسماء، منها:
أهل السنة والجماعة:
وسموا بأهل السنة لتمسُّكِهم بسنة النبي ﷺ، والجماعة لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي ﷺ، وما حصل عليه الإجماع.
الفرقة الناجية:
سموا بذلك لنجاتهم من النار أو من الفتن، بتمسُّكِهم بالسنة، كما في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «إنَّ أَهْلَ الكِتابَينِ افْتَرَقوا في دينِهِمْ على ثِنْتَينِ وسَبْعينَ مِلَّةً، وإنَّ هذه الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وسَبْعينَ مِلَّةً -يعني الأَهْواءَ- كُلُّها في النَّارِ إلاَّ واحِدَةً، وهِىَ الجَماعَةُ» أخرجه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني.
الفِرْقةُ المنصورةُ:
لأنهم منصورون إلى قيام الساعة؛ لقول النبي ﷺ: «وَلَنْ تَزالَ طائِفَةٌ من أُمَّتي مَنْصورينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقومَ السَّاعَةُ». أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.
الأدلة:
مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ هذا الإجماعَ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجوعُ إليه في العقيدةِ؛ ما يأتي:
1 قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ (النساء: ١١٥).
2 قولُهُ ﷺ فيما رَواهُ العِرْباضُ بنُ ساريَةَ عنه رضي الله عنه: «فَمَنْ أَدْرَكَ ذلك منكُمْ فَعليه بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْديِّينَ،عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ» تقدَّم.
3
عن ابنِ عمرَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتي –أَو قال: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم- على ضَلالَةٍ، ويَدُ اللهِ مَعَ الجَماعَةِ». أخرجهُ الترمذيُّ، وصححه الألباني.
فائدة إثرائية:
العقلُ: يمكن أن يدرك بعض مقررات علم العقيدة، مثل أن اﷲ موجودٌ، واحدٌ، حيٌّ، عليمٌ بالخلق، قادرٌ، حكيمٌ مستحقٌّ للعبادة وحده دون سواه، ونحو ذلك.
لكن لا يمكن أن يستقل بمعرفة وإدراك تفاصيل هذا العلم، إذ لا تُدرك التفاصيلُ إلا من منقول الكتاب والسنة.
إذا وجد ما يوهم التعارض بين النقل الثابت الصحيح، والعقل الصريح وجب تقديم النقل لسببين:
الأول: أن النقل ثابت، والعقل متغير.
الثاني: أن النقل معصوم، والعقل ليس كذلك.
المراد بالنقل الصحيح: القرآن الكريم والسنة الثابتة عن رسول اﷲ ﷺ.
والمراد بالعقل الصريح: السليم من الانحراف والشُّبَه.
قال ابن تيمية رحمه الله: «ما عُلِم بصريح العقل لا يُتصوَّر أن يعارض الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح فقط. وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهاتٌ فاسدةٌ، يعلم بالعقل بطلانها».
مصادر التلقي
1 كتاب الله
2 السنة
3 إجماع السلف
أُصولُ أَهلِ السُّنَّةِ في إثباتِ مَسائلِ العقيدةِ
أَهلُ السُّنَّةِ لهم أُصولٌ في إثباتِ مَسائلِ العقيدةِ، يَتمَيَّزونَ بها عن أهلِ البدعِ والضَّلالِ، وهي عَلى النَّحوِ الآتي:
1 الإيمانُ والتَّسليمُ والتَّعظيمُ لنصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ بخلافِ أَهلِ البدعِ والضَّلالِ الذينَ يُؤمنونَ ببعضِ النُّصوصِ ويَرُدُّونَ البعضَ الآخرَ؛ بسببِ الجهلِ والهوى.
والأَدِلَّةُ عَلى هذا الأصلِ كثيرةٌ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ (الأحزاب: ٣٦).
ب. قولُهُ تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (النور: ٥١).
ج . قولُهُ تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَاتَّقُوا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (الحجرات: ١).
د. قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (النساء: ٦٥).
2 جَمعُ النُّصوصِ الواردةِ في البابِ الواحدِ، وإعْمالُها جميعًا وفقَ المنهجيةِ الصَّحيحةِ؛ بخلاف أهلِ البدعِ والضَّلالِ الذينَ يتخذونَ منهجًا مُخالفًا لذلك؛ فيَعتمدونَ على نصٍّ واحد أو أكثرَ، دونَ بَقيةِ النُّصوصِ الواردةِ في البابِ، ثم يجعلونه معارضا للأصول الأخرى، فيتبعون بذلك ما تشابه منه.
وقد حذَّر النبي ﷺ من ذلك، فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَهْلًا يا قَومِ، بهذا أُهْلِكَتِ الأُمَمُ من قَبْلِكُمْ، باخْتِلافِهِمْ على أَنْبيائِهِمْ، وضَرْبِهِمُ الكُتُبَ بَعْضَها ببَعْضٍ، إنَّ القُرْآنَ لم يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَما عَرَفْتُمْ منهُ فاعْمَلوا بهِ، وما جَهِلْتُمْ منهُ فَرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ». أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.
3 الاعتصامُ بالكتاب والسنة؛ فهما الهُدى والنُّور، عَلى نَقيضِ منهجِ أهلِ والبدعِ والضَّلالِ الذينَ يَعتمدونَ عَلى غَيرِ الوحي؛ كما هو الحالُ مثلًا عِندَ الصُّوفيةِ الذينَ يَعُدُّونَ أقوالَ مَشايِخِهم ومَناماتِهم مَصدرًا للتَّشريعِ، ودَليلًا من أَدِلَّةِ الدِّينِ.
والأَدِلَّةُ عَلى هذا الأصلِ كثيرةٌ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (المائدة: ١٦).
فقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ﴾ أي: بالقرآن العظيمِ.
ب. قولُهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (المائدة: ٣).
ج . قولُهُ تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ (النحل: ٨٩).
د. عن زَيدِ بنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّها النَّاسُ فَإنَّما أَنا بَشَرٌ يوشِكُ أَنْ يَأْتيَ رسولُ رَبِّي فَأُجيبَ، وأَنا تارِكٌ فيكُمْ ثَقَلَينِ: أَوَّلُهُما كِتابُ اللهِ، فيه الهُدَى والنُّورُ فَخُذوا بكِتابِ اللهِ واسْتَمْسِكوا بهِ». أخرجه مسلمٌ.
فائدة إثرائية:
وَيَتفرَّعُ عن هذا الأَصلِ: إثباتُ ما أَثْبَتَهُ اﷲُ ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم في الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ، ونَفْيُ ما نَفاهُ اﷲُ ورَسولُهُ ﷺ في الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ، والسُّكوتُ عَمَّا سَكَتَ عنه اﷲُ ورَسولُهُ ﷺ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ (الإسراء: ٣٦) .
فائدة إثرائية:
ويتفرَّعُ عن هذا الأصلِ كَذِلكَ: دفع التَّعارضِ بين هذهِ النُّصوصِ وما قد يفهمهُ العَقلُ منها مِمَّا يُخالفُ الحقَّ والصَّوابَ؛ على عَكسِ أهلِ البدعِ والضَّلالِ مِمنْ يُعطونَ العقلَ حجمًا أكبرَ منْ قَدْرهِ؛ بحيثُ يُقدِّمونهُ على النُّصوصِ؛ وهَذا غُلوٌّ مذمومٌ؛ فَإنَّ العقلَ مَهْما أوتيَ مِنَ المكانةِ؛ فَإنَّ لَهُ حَدَّهُ الذي لا يَنبغي أَنْ يَتجاوَزهُ بحالٍ، ولا سيَّما في دائرةِ الغَيبيَّاتِ التي لم يَشْهَدْها، ولم يَدْرِ عنها شيئًا؛ لأَنَّها بَعيدةٌ عن دائرةِ المحسوساتِ التي يَعملُ فيها.
فائدة إثرائية:
والقاعدةُ عنِدَ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّهُ يستحيل أَنْ يَقعَ تَعارضٌ بينَ نصٍّ صَحيحٍ وعقلٍ صَحيحٍ؛ فَإنَّ الذي خَلقَ هذا العقلَ وهو اللَّطيفُ الخَبيرُ، هو نَفْسُهُ الذي أنَزلَ هذا الوحيَ الشَّريفَ عَلى قَلبِ نَبيِّهِ الكَريمِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وإنْ وُجِدَ ما يوهِمُ هذا التعارضَ؛ فَإمَّا أَنْ يكونَ من جهةِ النَّصِّ بأَنْ يكونَ غَيرَ صحيحٍ، وإمَّا أَنْ يكونَ من جهةِ العقلِ بأَنْ يكونَ فاسِدًا غَيرَ صَحيحٍ؛ قد تَلوَّثَ بالهوى وسارَ في طُرقِ الباطلِ والضَّلال عياذًا باﷲ.
4 فَهْمُ نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ على فهمِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ على ضِدِّ أهلِ البدعِ والضَّلالِ، الذينَ تَعدَّدتْ مَواقِفُهم من هذا الفَهمِ ومن أَصْحابهِ؛ فَتَرَى بَعضَ أَهلِ البدعِ كالخوارجِ والرَّافضةِ مثلًا يَطعنونَ في الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ وبالتَّالي لا يَلتفتونَ إلى فهمهم للنُّصوصِ الشَّرعيةِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلى هذا الأصلِ عَددٌ مِنَ الأَدِلَّةِ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ (النساء: ١١٥).
ب. وقولُهُ تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي فَسَيَكْفِيكَهُمُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (البقرة: ١٣٧).
ج. وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة: ١٣).
د. قوله صلى الله عليه وسلم فيما رَواهُ العِرْباضُ بنُ ساريَةَ عنه رضي الله عنه : «فَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ منكُمْ يَرَ اخْتِلاَفًا كَثيرًا، وإيَّاكُمْ ومُحْدَثاتِ الأُمورِ فَإنَّها ضَلاَلَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذلك منكُمْ فَعليه بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ». تقدم.
فائدة إثرائية:
بدعة إعادة فهم النص:
مِنَ الأَفكارِ المخالفةِ لهذا الأصلِ -أي فهم نصوص الكتاب والسنة على فهم الصحابة رضي الله عنهم: فِكرةٌ خطيرةٌ ظهرَتْ في هذا العصرِ، وهي ما تُسَمَّى بـ(إعادةِ فَهْمِ النَّصِّ)!! وتَعْني هذهِ الفكرةُ عِندَ أَصحابِها أَنَّنا في هذا الوقتِ لسنا بحاجةٍ لفهمِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ وأَنَّ هذا الفهمَ كان لوقتٍ معينٍ مَضى وانْقَضَى؛ وأَنَّ علينا أَنْ نفهمَ النُّصوصَ فَهْمًا آخرَ يَتناسبُ مَعَ الحياةِ المعاصرةِ: حياةِ التَّقدُّمِ والحضارةِ!
وأَصحابُ هَذهِ الفِكرةِ يُطلقُ عَليهم أَسماءٌ مختلفةٌ؛ مثل: (عَصرانيون، أو حداثيون، أو ليبراليون).
وَلا رَيبَ أَنَّ هَذهِ الفِكرةَ مخالفةٌ لأُصولِ أَهلِ السُّنةِ في الاعتقادِ من وجوهٍ كثيرةٍ:
أ. أَنَّها بدعةٌ مُنكرةٌ؛ لم تَكُنْ مَعروفةً عِندَ أهلِ الإسلامِ في القرونِ الثلاثةِ، التي شَهِدَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخيريةِ؛ كما قالَ صلى الله عليه وسلم فيما رَواهُ عنه عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ رضي الله عنه: «خَيرُكُمْ قَرْني ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ». أَخرجَه البخاريُّ ومُسلمٌ.
ب. أَنَّها مُخالفةٌ لما دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ الصَّحيحةُ من وُجوبِ التَّقيُّدِ بفهمِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم للنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، والحذرِ من كُلِّ ما يُخالفُ هذا الفهمَ، منْ بدعٍ وضَلالاتٍ مُنكرةٍ.
ج . أَنَّها تَدْخُلُ في بابِ تَحريفِ المعاني؛ ذلك بأَنَّ إعادةَ قراءةِ النَّصِّ تَعْني أَنْ يَفهمَ كُلُّ قارئٍ للنَّصِّ ما يَحْلو لَهُ أَنْ يَفهمَ منهُ من مَعْنًى، بلا ضابطٍ يَضبطُ هذا الفهمَ؛ وبالتَّالي يكونُ للنَّصِّ الواحدِ معانٍ مُتعدِّدةٌ تُناقضُ المعنى الصَّحيحَ للنَّصِّ؛ وهذا هو: تَحريفُ المعْنى بعينهِ؛ ذلك الذي وقَعَتْ فيه بَنو إسرائيلَ؛ كَما قال تعالى في شَأنِهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ (المائدة: ١٣).
د. أَنَّها تَفتحُ بابَ الشِّرِّ والفسادِ؛ حيثُ تُصبحُ النُّصوصُ الشَّرعيةُ أُلعوبةً بَيدِ العابثينَ، يَفهمونَ منها ما يوافِقُ أَهواءَهُمْ وأَمْزِجَتَهُمْ؛ وبالتَّالي يَضيعُ الحقُّ والهُدى الذي أَرادهُ اﷲُ جل وعلا من وراءِ هذه النُّصوصِ، وهَذا مُناقضٌ أَشَدَّ المُناقضةِ لحكمةِ اللهِ العظيمةِ في هِدايةِ النَّاسِ، وإخْراجِهم مِنَ الظُّلماتِ إلى النُّورِ؛ كما قال تعالى في شَأنِ كتابهِ العزيزِ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (المائدة: ١٦).
5 ومن أصول أَهلِ السُّنَّةِ في إثباتِ مَسائلِ العقيدةِ:
الرُّجوعُ إلى لُغةِ العَربِ في فَهمِ المرادِ من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ؛ إذا لم نَجِدْ بَيانًا لِهذهِ النُّصوصِ لِبعْضِها البَعضِ؛ فَإنَّ القُرآنَ أُنزلَ بلسانٍ عَربيٍّ مبينٍ؛ كَما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (يوسف: ٢)، وقال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴾ (طه: ١١٣).
نشاط
ضَعْ عَلامةَ (✓) أَمامَ العبارةِ الصَّحيحةِ، وعلامةَ (✗) أَمامَ العبارةِ الخاطِئةِ في كُلٍّ مِمَّا يَأتي:
1 العَقيدةُ:هي الأمورُ الثَّابتةُ الجازمةُ التي يَشُكُّ فيها قَلْبُ الإنسانِ.( )
2 العَقيدةُ الخاطِئةُ أو الفاسِدةُ: هي العَقيدةُ المخالفةُ للدَّليلِ الصَّحيحِ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ.( )
3 حُصولُ الشَّرِّ والفَسادِ والفتنِ والقتلِ في العالمِ الإسلاميِّ بعامَّةٍ،
والعالمِ العربيِّ بخاصَّةٍ؛بِسببِ تَمَسُّكِ النَّاسِ بالعَقيدةِ الصَّحيحةِ.( )
4 العَقيدةُ الصَّحيحةُ تُجيبُ عن أَسْئِلةِ البشرِ الكبرى:
من أينَ جِئتُ؟ ولماذا خُلقتُ؟ وإلى أينَ أذهبُ بَعدَ الموتِ؟( )
5 لا يَصِحُّ أَخْذُ العَقيدةِ مِنَ السُّنَّةِ النبَويَّةِ؛ لأَنَّها مَصْدرٌ غَيرُ مُعْتبرٍ.
6 من صِفاتِ أَهْلِ البدعِ: الإيمانُ والتَّسليمُ والتَّعظيمُ لنصوصِ الوَحْيِ.
7 الصُّوفيةُ يَعُدُّونَ أَقْوالَ مَشايِخِهم ومَناماتِهم مَصدرًا للتَّشريعِ ودَليلًا من أَدِلَّةِ الدِّينِ.
8 الفِكْرةُ التي تُنادي ب(إعادةِ قِراءةِ النَّصِّ):فِكْرةٌ عَظيمةٌ موافِقةٌ لأُصولِ أَهْلِ السُّنَّةِ في الاعتقادِ.( )
9 الشَّيطانُ هو: السَّبَبُ الأَعْظَمُ من أَسبابِ حَرْفِ النَّاسِ عَنِ
العَقيدةِ الصَّحيحةِ.( )
10 مِنَ الأُمورِ المَمْدوحةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ:
(الغُلوُّ في الصَّالحينَ).( )
٢ الانحراف عن العقيدة الصحيحة
سندرس في هذه الوحدة:
أسبابُ الانحرافِ عن العقيدةِ الصحيحة
وسائلُ الوقايةِ من الانحرافِ عن العقيدةِ الصحيحةِ
أَسْبابُ الانحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ، ووَسائِلُ الوِقايةِ منها
أَوَّلًا: أَسْبابُ الانحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ:
1 الجهل بالعقيدة الصحيحة؛
بسبب الإعراض عن تعلمها وتعليمها، أو قلة الاهتمام والعناية بها؛ حتى ينشأ جيلٌ لا يعرفُ تلك العقيدة، ولا يعرف ما يخالفها ويضادها؛ فيعتقد الحق باطلًا، والباطل حقًّا، كما قالَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه : «إنما تُنقضُ عُرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرفُ الجاهلية».
2 اتباع دعاة السُّوءِ وأَئِمَّةِ الضَّلالِ؛ يَدُلُّ على ذلكَ ما يأتي:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ (القصص: ٤١) .
ب. عن حُذَيفَةَ بنِ اليَمانِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «يكونُ دُعاةٌ على أَبْوابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجابَهُمْ إلَيها قَذَفوهُ فيها». قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنا. قال: «هُمْ قَومٌ من جِلْدَتِنا يَتَكَلَّمونَ بأَلْسِنَتِنا». أخرجه مسلم.
ج . عن ثَوبانَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّما أَخافُ على أُمَّتي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ». أخرجه أحمد والترمذي، وصححه.
د . عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولكنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَماءِ، حَتَّى إذا لم يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلوا فَأَفْتَوا بغَيرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا». أخرجه البخاري ومسلم.
فائدة إثرائية:
دعاة سوء:
وَلا يَزالُ دُعاةُ السُّوءِ وأَئِمَّةُ الضَّلالِ يَصُدُّونَ النَّاسَ عن صِراطِ اللهِ المستقيمِ، وعن دينهِ القويمِ في قِديمِ الزَّمانِ وحديثِهِ.
ومن هَؤلاءِ: ( السَّامِريُّ ):
السَّامريُّ هو: رَجلٌ من قَومٍ كانوا يَعْبدونَ البقرَ؛ جيران لِبني إسرائيلَ، وقيلَ كان منهُمْ في زَمْنِ نَبيِّ اللهِ موسَى عليه السلام؛ ولَمَّا ذَهَبَ موسَى عليه السلام لِلقاءِ رَبِّهِ عَلى جَبلِ الطُّورِ؛ صَنعَ لِبني إسرائيلَ عِجْلًا من ذَهْبٍ؛ وزَعَمَ أَنَّهُ إلهُهُمْ وإلهُ موسَى عليه السلام، وكاَنَ يَخْرجُ منهُ صَوتٌ كَصوتِ البقرِ؛ يُقالُ له: (الخوارُ)؛ وذلك بسببِ الهواءِ الذي يَدْخلُ فيهِ؛ وقد كان بَنْو إسْرائيلَ حينَ يَرونَ ذلك يَرْقُصونَ حَولَهُ ويَفْرحونَ.
وهو الذي أضلَّ قَومَ موسى عليه السلام عن عِبادةِ اللهِ عزوجل عليه السلام؛ وزَيَّنَ لَهُمْ عِبادةَ العجلِ من دونهِ جل وعلا؛ كَما قال تعالى في شَأنهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴾ (طه: ٨٥) .
وَمنهُمْ:(عَمْرو بنُ عامِرٍ الخُزاعيُّ):
فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «رَأَيتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، ورَأَيتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ -أي: أمعاءَه-، وهو أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ» أخرجه البخاري ومسلم.
وَ(سَيَّبَ السوائب): أي أنـَّهُ تَرَكَ النَّاقةَ تَذْهبُ كما تَشاءُ؛ بحيث لا تُرْكَبُ؛ ولا تُصَدُّ عن ماءٍ، أو مَرْعًى؛ نَذْرًا يَفْعَلُهُ تَقَرُّبًا لآلهتِهِمْ.
فرآه النبيُّ ﷺ يَجُرُّ أَمْعاءَهُ في النَّارِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دينَ إسْماعيلَ؛ فَنَصَبَ الأَوثانَ، ولأنه سيَّبَ السوائبَ.
المقطع للاطلاع فقط
وفي العصر الحديث: غلاة الروافض
وقد خالفوا أُصولَ أَهْلِ السُّنَّةِ في أُمورٍ كَثيرةٍ؛ منها (١):
ردُّهم للأَحاديثِ النبَويَّةِ الصَّحيحةِ، وإنْكارُهُم لَها بالهَوى والمزاجِ وليس بالقواعدِ الحديثيةِ التي عليها أَئِمَّةُ الحديثِ؛ ومن ذلك إنْكارُهُم للأحاديثِ الصَّحيحةِ التي جاءتْ بَيانًا مِنَ النبيِّ ﷺ لِبعضِ الغَيبيَّاتِ من أَشْراطِ السَّاعةِ وعَلاماتِها، التي تكونُ في آخرِ الزَّمانِ؛ كما هو الواقِعُ في (الدَّجَّالِ)، و(نُزولِ عيسى) عليه السلام، و(المهديِّ) رضي الله عنه.
(١) سيأتي مزيد بسط في هذا الموضوع على وجه الاستقلال.
المَهْديُّ رضي الله عنه هو: مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ العَلَويُّ الفاطِميُّ الحَسنيُّ رضي الله عنه، يُصْلِحهُ اﷲُ في لَيلةٍ؛ أَي يَتوبُ عليه،وَيوَفِّقُه، ويُفَهِّمُهُ،وَيُرشِدُهُ بَعْدَ أَنْ لم يَكُنْ كذلكَ، ويُؤَيِّدُهُ بناسٍ مَنْ أَهلِ المشْرقِ يَنْصُرونَهُ،وَيُقيمونَ سُلطانَه، وهو الممْدوحُ الموعودُ بوجودِه في آخرِ الزَّمانِ، ويُبايعُ لَهُ عِندَ البيتِ الحَرامِ؛ ويَصيرُ خَليفةَ المسلمينَ.
فائدة إثرائية:
وليس المقصود من هذا المهديّ ما يزعمه الرافضة: أنّه موجود الآن، وينتظرون خروجه من سرداب سامُراء؛ إذ ذاك نوعٌ من الهذيان، وهَوسٌ شديدٌ من الشِّيطان؛ حيث لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة ولا معقول صحيح.
طَعْنُهُم في الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ وبخاصَّةٍ في الصَّحابيِّ الجليلِ: مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رضي الله عنه؛ حيث يَقولون فيهِ: (إنَّهُ بدايةُ كارِثَتِنا)!
الغُلوُّ في تَعظيمِ العقل، ورَفْعُهُ فَوقِ منزلتهِ اللائقةِ بهِ؛ بحيثُ يكونُ حَكَمًا على نُصوصِ الكِتابِ وصَحيحِ السُّنَّةِ، ومُقَدَّمًَا عليها.
المقطع للاطلاع فقط
ومن أَسْبابِ الانحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ:
3 اتِّباعُ الهَوى؛
وهو اتِّباعُ ما تُحِبُّهُ النَّفسُ وتَشْتَهيهِ، مِمَّا قد يكونُ نافعًا لها، أو ضارًّا بها؛ والمقصودُ هنا ما كان ضارًّا بها؛ مُخْرِجًا لَها عن دائرةِ الحقِّ.
والأدلة عَلى ذلك:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ (الجاثية: ٢٣) .
ب. قولُهُ جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (القصص: ٥٠) .
فائدة إثرائية:
٤ الغُلوُّ في الصَّالحين:
وهو الزِّيادةُ في مَدْحِهِم، ورَفْعُهُمْ فَوقَ مَكانتِهم؛ بأَنْ يُجعلَ لَهم شَيءٌ مِنَ العبادةِ؛ وذلك بالتقرب إلى أضرحتهم بالذبائح والنذور والقرابين، والدعاء والاستغاثة وطلب المدد، كما حصل من قوم نوح مع صالحيهم، حين قالوا: ﴿ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ (نوح: ٢٣)، وكما هو الحاصلُ من عبَّاد القُبور اليومَ في كثير من الأمصار.
ومما يدل على تحريم ذلك:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ (النساء: ١٧١) .
ب. قولُهُ ﷺ: «يا أَيُّها النَّاسُ، إيَّاكُمْ والغُلوَّ في الدِّينِ؛ فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ الغُلوُّ في الدِّينِ». أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني.
5 التَّقليدُ الأَعْمَى
وهو مُتابعةُ الآباءِ والعلماءِ والسَّادةِ والكُبراءِ، والطَّاعةُ العمياءُ لَهُمْ من غَيرِ دَليلٍ ولا بُرهانٍ؛ وقد جاءَ هذا في أَدِلَّةٍ كَثيرةٍ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ (الزخرف: ٢٢) .
ب. قولُهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ (الأحزاب: ٦٧) .
ج. قولُهُ تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ (التوبة: ٣١) .
والمعْنَى: أَنَّهُمُ اتَّبَعوهُمْ في تَحْليلِ ما حَرَّمَ اﷲُ وتَحريمِ ما أَحَلَّ بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ.
التقليد الأعمى في العصر الحديث:
وفي عَصْرنا الحديثِ: نَجِدُ مثالينِ بارزينِ لِهذا التَّقليدِ الأَعْمَى وتِلكَ الطَّاعةِ العَمْياءِ:
طائِفةُ (الصُّوفيةِ).
طائِفةُ (الرَّافضةِ).
اللَّتَينِ وقَعَتا في التَّقليدِ الأَعْمَى لِمشايخِ الضَّلالِ وأَئِمَّةِ السُّوءِ بغيرِ بَصيرةٍ أو بُرهانٍ.
وجَعَلوا الطَّاعةَ لَهُمْ طاعةً مُطْلقةً عَمياءَ؛ فأحدُهم مَعْ شَيخهِ كالمَيِّتِ بينَ يَدَي مُغَسِّلِهِ، يُقَلِّبُهُ كَيف شاءَ.
ومن أَسْبابِ الانحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ:
6 اتِّباعُ سُبُلِ الضَّلالِ؛
ومِمَّا يَدُلُّ على ذلك:
قولُهُ تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ (الأنعام: ١٥٣) .
7 الغَفْلةُ عن تَدَبُّرِ آياتِ اللهِ الشَّرعيةِ والكونية
وقد دَلَّ على هذا أَدِلَّةٌ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ (النحل: ١٠٨) .
ب. قولُهُ جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ (الأعراف: ١٧٩) .
ج. قولُهُ عزوجل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ (يوسف: ١٠٥) .
8 الكِبْرُ
وهو الذي يَدْعو صاحِبَهُ إلى رَدِّ الحقِّ، وعَدَمِ قَبولِهِ مِمَّنْ جاءَ بهِ؛ بسببِ احتَقارِهِ؛ كما قال النَبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ». أَخْرَجَهُ مُسلمٌ.
(وَبَطَرُ الحَقِّ): التَّكَبُّرُ عَلى الحقِّ فلا يَقْبَلُهُ.
(وَغَمْطُ النَّاسِ): احْتِقارُهُمْ والاسْتِهانَةُ بهِمْ.
وإنَّ هذا السَّببَ الخَطيرَ لَهو الذي أَمالَ رَأْسَ الشَّرِّ ومَنْبَعَهُ وأَساسَهُ: (إبْليسَ) عَنِ الحقِّ المبينِ؛ كَما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ (البقرة: ٣٤) .
وقد كان أَيضًا هو السَّببَ الرئيسَ في مَيلِ غَيرهِ من الأُمَمِ الكافرةِ عَنِ اتِّباعِ الصِّراطِ المستقيمِ، الذي جاءَتْ بهِ رُسلُ اللهِ الكِرامُ صَلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عليهم؛ إذْ قال تعالى في بَيانِ هَذهِ الحقيقةِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ (يونس: ٧٥) ، وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ (فصلت: ١٥) .
9 اتِّباعُ الشيطانِ
والأَدِلَّةُ على ذلكَ مِنَ الكتابِ وصحيحِ السُّنَّةِ كثيرةٌ؛ منها ما يأتي:
أ. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (الحجر: ٣٩) .
ب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ (فاطر: ٦) .
ج. قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ (الأعراف: ١٦-١٧) .
د. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ (إبراهيم: ٢٢) .
هـ . عن عياضِ بنِ حِمارٍ المُجاشِعيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ذاتَ يَومٍ في خُطْبَتِهِ: «أَلاَ إنَّ رَبِّي أَمَرَني أَنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَني يَومي هذا، كُلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عبدًا حَلاَلٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِى حُنَفاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّياطينُ فاجْتالَتْهُمْ عن دينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكوا بي ما لم أُنْزِلْ بهِ سُلْطانًا». تقدّم.
و. عن عبدِ اللهِ بنَ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: خَطَّ رسولُ اللهِ ﷺ خَطًّا بيَدِهِ، ثُمَّ قال: «هذا سَبيلُ اللهِ مُسْتَقيمًا»، قال: ثُمَّ خَطَّ عن يَمينِهِ وشِمالِهِ، ثُمَّ قال: «هذه السُّبُلُ وليس منها سَبيلٌ إلَّا عليه شَيطانٌ يَدْعو إلَيهِ»، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ أخرجه أحمد، وحسنه الأرناؤوط.
فأَسْبابُ الانحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ
1 الجهل بالعقيدة الصحيحة
2 اتباع دعاة السوء
3 اتباع الهوى
4 الغلو في الصالحين
5 التقليد
6 اتباع سبل الضلال
7 الغفلة
8 الكبر
9 اتباع الشيطان
ثانيًا: وسائِلُ الوِقايةِ من الانحراف عن العقيدة الصحيحة:
1 اتِّباعُ الصِّراطِ المستقيمِ القائمِ على منهاجِ النُّبوَّةِ، وهو ما كان عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابهُ رضي الله عنهم، والحَذرُ مِمَّا يُضادُّهُ من سُبُلِ البِدعِ و الضَّلالِ، والأَدِلَّةُ على ذلك كثيرةٌ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣).
ب. قوله عزوجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣).
ج. قوله ﷺ: «فَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ منكُمْ يَرَ اخْتِلافًا كَثيرًا، وإيَّاكُمْ ومُحْدَثاتِ الأُمورِ؛ فَإنَّها ضَلالَةٌ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ ذلك منكُمْ فَعليه بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ». تقدم.
2 الحَذرُ من دُعاةِ السُّوءِ وأَئِمَّةِ الضَّلالِ، والبُعْدُ عنهم، يدل لذلك الآتي:
أ. عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «فَإذا رَأَيتِ الذينَ يَتَّبِعونَ ما تَشابَهَ منهُ فَأولَئِكِ الذينَ سَمَّى اللهُ فاحْذَروهُمْ» متفق عليه.
ب. عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «يكونُ في آخِرِ الزَّمانِ دَجَّالونَ كَذَّابونَ يَأْتونَكُمْ مِنَ الأَحاديثِ بما لم تَسْمَعوا أَنْتُمْ ولاَ آباؤُكُمْ، فَإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ لاَ يُضِلُّونَكُمْ ولاَ يَفْتِنونَكُمْ». أَخْرجَه مسلمٌ.
ج. وفي حديثِ الدَّجالِ، وهو من أَخْطَرِ دُعاةِ السُّوءِ وأَشَدِّ أَئِمَّةِ الضَّلالِ، ما يَدُلُّ على هذا الأَصلِ العَظيمِ؛ أَلا وهو: البعد عن أئمة السوء والضلال، فعن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عنهُ، فَوَاللهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتيهِ وهو يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بهِ مِنَ الشُّبُهاتِ أو لِما يُبْعَثُ بهِ مِنَ الشُّبُهاتِ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
ومعنى: (فَلْيَنْأَ عنهُ)؛ أي: فَلْيَبتَعِدْ عنه، ولا يَقْتَرِبْ منه.
3 طَلَبُ العِلْمِ والتَّفَقُّهُ في الدِّينِ على يَدِ الثِّقاتِ الرَّاسخينَ من أَهْلِ العِلْمِ؛ المُتَّبِعينَ لِمنهاجِ النُّبوَّةِ؛ لما يأتي:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (محمد: ١٩) .
ب. قوله عزوجل: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ﴾ (النحل: ٤٣-٤٤) . (بالبَيِّناتِ والزُّبُرِ) أي: بالدَّلائلِ والحُججِ.
ج. قوله ﷺ فيما رَواهُ عنه مُعاويةُ بنُ أبي سفيانَ رضي الله عنه: «مَنْ يُرِدْ اللهُ بهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ». متفق عليه.
4 الامتناعُ عَنِ الغُلوِّ في الدِّينِ والحَذرُ منهُ؛ يدل لذلك ما يأتي:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ (النساء: ١٧١) .
ب. قوله عزوجل : ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ (المائدة: ٧٧) .
ج. قوله ﷺ: «يا أَيُّها النَّاسُ إيَّاكُمْ والغُلوَّ في الدِّينِ؛ فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ الغُلوُّ في الدِّينِ» تقدم.
5 الاستجابةُ لأَمْرِ اللهِ عزوجل باتِّخاذِ الشَّيطانِ عَدوًّا؛ وذلك بجهادهِ بتحقيقِ العُبوديَّةِ ﷲِ جل وعلا، مِنَ الاستعاذةِ بهِ والتَّوَكُّلِ عليه، وإخلاصِ الدِّينِ لَهُ بفعلِ أَوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ؛ والنصوص في هذا المَعْنَى كَثيرةٌ؛ منها:
أ. قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ (فاطر: ٦) .
ب. قولُهُ عزوجل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ (الحجر: ٤٢) .
ج. قولُهُ سبحانه في شَأنِ الشَّيطانِ الرَّجيمِ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ (النحل: ٩٩) .
د. قولُهُ تعالى حِكايةً عن إبليسَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ (ص: ٨٢-٨٣) .
هـ . قولُهُ جل وعلا: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (فصلت: ٣٦) .
و . قولُهُ صلى الله عليه وسلم: «يَأْتي الشَّيطانُ أَحَدَكُمْ فيقولُ مَنْ خَلَقَ كَذا مَنْ خَلَقَ كَذا حَتَّى يَقولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإذا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ ولْيَنْتَهِ». متفق عليه.
6 عدمُ اتِّباعِ الهَوى والظَّنِّ والتَّقليدِ الأَعْمَى للآباءِ والعُلماءِ والسَّادةِ والكُبراءِ، والحَذَرُ من ذلك غايةَ الحَذَرِ؛ والاعتمادُ عَلى الدَّليلِ والحُجةِ والبَيِّنةِ والبرهانِ؛ ويدل لذلك:
أ . قولَهُ تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الجاثية: ١٨) .
ب . قولُهُ تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: ٢٦) .
ج . قوله عزوجل: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: ٣٦) .
د . قوله سبحانه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) .
هـ . قولُهُ سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ (محمد: ١٤) .
و . قوله صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديثِ». متفق عليه.
نشاط
1 بشكل مجمل بيّن الآتي:
أ. أَسْبابَ الانْحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ.
ب. مَصادِرَ العَقيدةِ الصَّحيحةِ.
جـ . وسائلَ الوِقايةِ من الانْحرافِ عَنِ العَقيدةِ الصَّحيحةِ.
2 من واقع قراءات خارجية، اكتب كلمة موجزة عما يأتي:
- الغلو في الدين.
- البدعة وخطرها على الدين، وعلى الفرد والمجتمع.
- التقليد الأعمى.
٣ التوحيد
سندرس في هذه الوحدة
1 تعريفُ التوحيدِ، ومنزلتُهُ
2 أثرُ التوحيدِ على الفردِ
3 بيان أن التوحيد هو الإسلام، وأنه دينُ الرسلِ جميعًا
تَعْريفُ التَّوحيدِ، ومَنْزِلتُه
تَعْريفُ التَّوحيدِ
التوحيد لغةً:
مصدر وحّد يوحِّد توحيدًا، أي: جَعَلَ الشيءَ واحدًا.
واصطلاحًا:
إفرادُ اللهِ سبحانه بما يختصُّ به من الألوهيةِ والربوبيةِ والأسماءِ والصفاتِ.
فالتوحيد في أصل اللغة والشريعة بمعنى الإفراد، أي: إفراده سبحانه بهذه الخصائص التي تفرَّد بها، فلا يشاركه فيها أحد، مهما عَلَتْ منزلته، سواء كان مَلَكا مُقَرَّبا، أو نبيا مرسلا أو رجلًا صالحًا.
وليعلم أن التوحيد لا يقوم حتى يجتمع فيه أمور ثلاثة: الإقرار به في القلب، النطق به باللسان، العمل به بالجوارح.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه كشف الشبهات: «لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختلَّ شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلمًا».
الوحدة الثالثة: التوحيد
وجود كلمة التوحيد في نصوص الكتاب والسنة:
يزعم أهل البدع أن كلمة التوحيد ليس لها أصل في كتاب اﷲ، ولا سنة رسول اﷲ، وهذا باطل من القول، بل إن نصوص الكتاب والسنة مليئة بها:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴾ (الإسراء: ٤٦).
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾ (غافر: ١٢).
وقال تعالى: ﴿ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ (الممتحنة: ٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ (البقرة: ١٦٣)، وغير ذلك كثير.
ومن السنة:
أخرج مسلم في حجة الوداع من حديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «حتى إذا كان بالبيداء أهلَّ بالتوحيدِ».
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما أرسله إلى اليمن: «فليكنْ أوَّلَ ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا اﷲ تعالى» وهذا لفظ البخاري.
وقال ﷺ: «من وحَّد اﷲَ وكفر بما يُعبد من دونِهِ، حَرُم مالُهُ ودمُهُ، وحسابُهُ على اللهِ» رواه مسلم.
وقال ﷺ: «بُنيَ الإسلامُ على خمسةٍ: على أن يوحَّد اﷲ وإقامةِ الصلاةِ... » الحديث رواه الشيخان، واللفظ لمسلم.
المقطع للاطلاع فقط
منزلةُ التوحيدِ وأثرُه على الفردِ
قال ابنُ أَبي العِزِّ الحَنَفيُّ رحمه الله تعالى: «اعلمْ أنَّ التَّوحيدَ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وأَوَّلُ مَنازِلِ الطَّريقِ، وأَوَّلُ مَقامٍ يَقومُ فيه السَّالِكُ إلى اللهِ عزوجل ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النّحل: ٣٦). ولِهذا كان أَوَّلَ واجِبٍ يَجِبُ على المُكَلَّفِ شَهادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اﷲُ.. فالتَّوحيدُ أَوَّلُ ما يَدْخُلُ بهِ في الإسْلاَمِ، وآخِرُ ما يَخْرُجُ بهِ مِنَ الدُّنْياَ، كما قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ كان آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إلَهَ إلاَّ اﷲُ دَخَلَ الجَنَّةَ» .أ.هـ.
وتَظْهَرُ مَنْزِلَةُ التَّوحيدِ الكُبْرى من خِلالِ الآتي:
1 أَنَّهُ الغايةُ مِنَ الخلْق؛ كَما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذَّاريات: ٥٦) أَي: ليوَحِّدون.
2 أَنَّهُ دعوةُ الرُّسلِ جَميعًا عليهم السلام وأولها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: ٢٥) .
3 أن الأعمال لا تقبل إلا به، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥-٦٦) .
4 أَنَّهُ أَوَّلُ واجِبٍ عَلى المٌكَلَّفِ يَنْبَغي أَنْ يَتَعَلَّمَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (محمد: ١٩) .
وَهي آخِرُ كَلمةٍ يَنْبَغي أَنْ يَقولَها قَبْلَ أَنْ يُفارِقَ الحَياةَ؛ فعن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كان آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» أَخْرَجَهُ أبو داود، وصححه الألباني.
5 أَنَّهُ حَقُّ اللهِ على العباد؛ عن معاذ بن جَبَلٍ رضي الله عنه قال: بَينا أَنا رَديفُ النبيِّ ﷺ ليس بَيني وبَينَهُ إلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: «يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ» قُلْتُ: لَبَّيكَ رسولَ اللهِ وسَعْدَيكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قال: «يا مُعاذُ» قُلْتُ: لَبَّيكَ رسولَ اللهِ وسَعْدَيكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قال: «يا مُعاذُ» قُلْتُ: لَبَّيكَ رسولَ اللهِ وسَعْدَيكَ، قال: «هَلْ تَدْري ما حَقُّ اللهِ على عِبادِهِ؟» قُلْتُ: اللهُ ورسولُهُ أَعْلَمُ، قال: «حَقُّ اللهِ على عِبادِهِ أَنْ يَعْبُدوهُ، ولاَ يُشْرِكوا بهِ شَيئًا» الحديث؛ متفق عليه.
6 أنه سبب التمكين والاستخلاف والأمان في الأرض، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (النور: ٥٥) .
7 أنه سبب الأمن في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ (الأنعام: ٨٢) .
8 أنه سببُ مغفرةِ الذنوبِ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ (النساء: ١١٦)، فالشرك باﷲ مانعٌ من مغفرة الذنوب.
فائدة إثرائية:
حديث البطاقة:
روى الترمذي وحسَّنه عن عبد اﷲ بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا من أُمَّتي على رُءوسِ الخَلائِقِ يَومَ القيامَةِ فَيَنْشُرُ عليه تِسْعَةً وتِسْعينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقولُ: أَتُنْكِرُ من هذا شَيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتي الحافِظونَ؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ، فيقولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ، فيقولُ: بَلَى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً، فَإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيكَ اليَومَ، فَتَخْرُجُ بطاقَةٌ فيها: أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ: احْضُرْ وزْنَكَ، فيقولُ: يا رَبِّ ما هذه البِطاقَةُ مَعَ هذه السِّجِلَّاتِ، فقال: إنَّكَ لا تُظْلَمُ، قال: «فَتوضَعُ السِّجِلَّاتُ في كَفَّةٍ والبِطاقَةُ في كَفَّةٍ، فَطاشَتِ السِّجِلَّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ، فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيءٌ».
قال شيخ الإسلام على حديث البطاقة: «فهذا لِما اقترن بهذه الكلمةِ من الصدقِ والإخلاصِ والصفاءِ وحسنِ النيةِ؛ إذ الكلماتُ والعباداتُ -وإن اشتركت في الصورة الظاهرة- فإنها تتفاوت بحسب أحوالِ القلوبِ تفاوتًا عظيمًا» ا هـ.
9 أَنَّهُ مِلَّةُ أَبينا إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم ، التي أَمَرَ اﷲُ جل وعلا نَبيَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم باتِّباعِها؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (النحل: ١٢٣) .
كما أَنَّهُ دَعْوَتُهُ عليه السلام؛ حيثُ قال تعالى حِكايةً عنهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم: ٣٥) .
10 أَنَّهُ أَشْرَفُ الأَعْمالِ مُطْلقًا؛ فعن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ: أَيُّ الأَعْمالِ أَفْضَلُ؟ قال: «إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ» أخرجه البخاري ومسلم.
11 أَنَّهُ شَرْطٌ لِدُخولِ الجَنَّةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (غافر: ٤٠) .
وَأنَّ مَنْ جاءَ بما يُناقِضُهُ؛ كالشِّركِ باللهِ أو غيرهِ؛ كانتِ الجنَّةُ عليه حَرامًا، ومأواه النار؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢) .
أثرُ التوحيدِ على الفردِ
1 السعادةُ وطيبُ الحياة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النحل: ٩٧).
قال ابن القيم: «والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعُها الأعمالُ وثمرُها طيبُ الحياة في الدنيا والنعيمُ المقيمُ في الآخرة، ... والشركُ والكذبُ والرياءُ شجرة في القلب، ثمرُها في الدنيا الخوف والهمُّ والغمُّ وضيقُ الصدر وظلمةُ القلب، وثمرُها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم» اهـ.
2 تفريج الكروب في الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم: «التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه - أي: اﷲ -، فأما أعداؤه فينجيهم من كُرَب الدنيا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ (العنكبوت: ٦٥) ، وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها.. فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج اﷲ كربه بالتوحيد، فلا يلقي في الكُرَب العظام إلا الشركُ، ولا ينجي منها إلا التوحيدُ، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها» اهـ.
3 الثبات في القبر، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ (إبراهيم: ٢٧) وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول اﷲ ﷺ قال: «المسلمُ إذا سُئل في القبرِ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اﷲُ وأنَّ محمدًا رسولُ اﷲ، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾». أخرجه البخاري ومسلم.
4 النجاة من الخلود في النار، فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن الموحِّدين يخرجون من النار. قال شيخ الإسلام: «وأيضًا فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار» اهـ.
5 السلامة من الخوف والرعب في الدنيا والآخرة، وهو ما يصيب الكافر بسبب شِركه، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ (آل عمران: ١٥١) .
وكذلك في الآخرة حيث أخبر ربنا أن الموحدين يحصل لهم الأمن التام يوم القيامة بسبب توحيدهم، قال ربنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا ﴾ (الأنبياء: ١٠١-١٠٣).
نعمة التوحيد:
طالب مسلم يدرس في إحدى جامعات الهند عند بروفيسور من كبار الأساتذة، وبعد الانتهاء من المحاضرة اقترب الطالب من المدرس ليلقي عليه بعض الإشكالات التي واجهته، فتفاجأ برائحة كريهة تصدر من الأستاذ!! فقال له الطالب: ما هذا يا أستاذ ؟! فقال له: هذه رائحة بول الإله. أي: البقرة !!
المقطع للاطلاع فقط
فائدة إثرائية:
بيان أن التوحيد هو الإسلام، وأنه دين الرسل جميعًا
الدِّينُ الذي بَعَثَ اﷲُ بهِ رُسُلَهُ عليهم السلام، وأَنـْزَلَ بهِ كُتُبَهُ هو (الإسلامُ).
وهو يَعْني: تَوحيدَ اللهِ تعالى في عِبادَتهِ، والاستسلامَ التامَّ له.
وهو: دينُ اللهِ جل وعلا في السَّماءِ والأَرْضِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ (آل عمران: ١٩) ؛ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (آل عمران: ٨٥) .
وَقال تعالى -حِكايةً- عن نوحٍ عليه السلام في خِطابهِ لِقومهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: ٧٢) .
وكذلكَ أَخْبرَ عن وصيةِ إبراهيمَ ويعقوبَ عليهما السلام أَنَّ الدِّينَ هو الإسلامُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (البقرة: ١٣٠-١٣٢) .
وَقال تعالى -في شَأْنِ خَليلهِ إبراهيمَ- ﷺ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (آل عمران: ٦٧) .
وقال نبي اﷲ يوسف عليه السلام: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (يوسف: ١٠١) .
وقال نبي اﷲ سليمان عليه السلام : ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ (النمل: ٣٨) .
وقالت بلقيس ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (النمل: ٤٤) .
وها هو نبي اﷲ موسى عليه السلام يخاطب قومه بكل وضوح كما حكاه اﷲ عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: ٨٤).
كما قال سحرة فرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ (الأعراف: ١٢٦).
وها هي مقالة أكفر الكافرين، عدو اﷲ فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: ٩٠).
وحكى اﷲ في كتابه العزيز عن أتباع عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: ٥٢).
وَقال فيمَنْ تَقَدَّمَ من الأَنْبياءِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ (المائدة: ٤٤).
وَقال تعالى -في سياقَ تَقْريرهِ للإسلامِ، وخِطابِهِ لأَهْلِ الكِتابِ، وبَيانِ أَنَّ الإسلامَ هو دينُ الرُّسلِ جَميعًا عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ (البقرة: ١٣٦).
هذا هو الإسلامُ بمَعْناهُ العامِّ.
فَدينُ الأَنبياءِ واحِدٌ؛ وكُلَّهُمْ جاءوا بالتَّوحيدِ.
وَأَمَّا الشَّرائِعُ فَإنَّها تَخْتَلِفُ؛ حيثُ إنَّ كُلَّ شَريعةٍ تَخْتَلفُ عَنِ الأُخْرى في الحَلالِ والحَرامِ؛ قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ (المائدة: ٤٨)، وقال رسولُ الله ﷺ في بيانِ هذه الحقيقةِ: «الأَنْبياءُ إخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهاتُهُمْ شَتَّى ودينُهُمْ واحِدٌ». متفق عليه.
والعَلَّاتُ: الضَّرائِرُ.
والمعنى: أَنَّ أَصْلَ دينِهِمْ واحِدٌ وهو التَّوحيدُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ فُروعُ الشَّرائِعِ.
فلا علاقة بين كون الشرائع قابلة للتغيير والنسخ، وبين أصل الدين الداعي للتوحيد والاستسلام والخضوع لرب العالمين، وهو دين الإسلام الخالص، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (البقرة: ١٣٢).
فائدة إثرائية:
الأَدْيانُ السماويةُ الثلاثةُ
عبارة الأديان السماوية الثلاثة:
هذه من العبارات الخطأ، التي يستعملها كثيرٌ من عوام المسلمين، وهي تشعر بأن هناك دياناتٍ أخرى غير الإسلام، ويقصدون بها اليهودية والنصرانية، وليس هناك ديانة غير الإسلام، نعم يوجد شرائع، لكن الدين واحد.
ولم يسمِّهم اﷲُ بذلك، بل هم سمَّوا أنفسَهم به، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ (البقرة: ١٣٥).
وقال تعالى حاكيًا مقالتهم على أنفسهم: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ (المائدة: ١٤).
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ (المائدة: ٨٢).
نشاط
1 ما معنى التوحيد لغة واصطلاحًا؟ وبم تجيب على من يقول لفظ (التوحيد) لفظ بدعي؟ استدل لما تقول.
2 بيِّن إجمالًا منزلة التوحيد، ولِمَ كان أول دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟
3 ما الآثار الإيجابية للتوحيد على الفرد والمجتمع؟ استعن بمصادر خارجية.
4 ناقش هذه العبارة بموضوعية، مستصحبًا النصوص في ذلك: (الأديان السماوية الثلاثة).
4 أركان التوحيد
سندرس في هذه الوحدة
1 أركان التوحيد
2 أقسام التوحيد
3 إقرار الكفار والمشركين بتوحيد الربوبية
5 الآثار الإيمانية لتوحيد الربوبية
6 أدلة وجود الله تعالى من غير الشرع
أركان التوحيد
ركنا التوحيد
1 النفي
2 الإثبات
للتوحيد ركنان لا يقوم إلا بهما:
الأول: النفي.
الثاني: الإثبات.
وعليهما تدور نصوص الكتاب والسنة في التوحيد.
قال الشنقيطي: «تحقيق معنى: (لا إله إلا اﷲ)، وهي متركّبة من نفي وإثبات.
فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات -غير اﷲ- كائنةً ما كانت، في جميع أنواع العبادات كائنةً ما كانت.
ومعنى الإثبات منها: إفراد اﷲ جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام» اهـ.
وعليه: فمن اكتفى بإثبات استحقاق اﷲ للعبادة، دون أن يعتقد اعتقادًا جازمًا ببطلان تأليه ما سواه من المعبودات واعتبارها باطلة، فهو لم يُحقّق بعدُ كلمة التوحيد التي تحصل بها النجاة يوم القيامة.
وكذلك كل من نفى الألوهية مطلقا، فهذا تعطيل محض، فهو لم يحقق التوحيد، بل لابد من نفي وإثبات.
وكلّ من يعرف اللغة العربيّة يعرف أن الأسلوب الموجود في كلمة التوحيد: (لا إله إلا اﷲ) هو الذي يحقق النفي والإثبات، ويتطلّبهما جميعًا.
كما أن هناك نصوصًا شرعيّة أفادت نفس المعنى، قال اﷲ عزوجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: ٣٦) .
فالإثبات في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾
والنفي في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾
وهو كذلك في قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ (النساء: ٣٦)، فهو أمر بعبادة اﷲ، ونهي عن صرف العبادة لغيره، فجمع بين النفي والإثبات.
وقوله تعالى: ﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ (هود: ٢٦) ، ففيه النهي عن عبادة غير اﷲ، والأمر بعبادته وحده، لا شريك له.
وفي قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ (الزخرف: ٢٦، ٢٧) .
نفي وإثبات: فقوله: ﴿ بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ نفي العبادة مطلقا، وفي قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ إثباتها ﷲ تعالى.
فلابد لمن أراد أن يحقق التوحيد من الجمع بين ركنيه، وهما: النفي والإثبات.
النفي للمعبودات الباطلة، وإثبات العبوديّة لمستحقِّها، وهو اﷲ سبحانه دون غيره.
الوحدة الرابعة: أركان التوحيد
ثم اعلم أن معنى النفي: الكفر بالطاغوت، ومعنى الإثبات: الإيمان باﷲ.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ (البقرة: ٢٥٦) .
والعروة الوثقى هي كلمة التوحيد: لا إله إلا اﷲ.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (النحل: ٣٦)
فالإيمان باﷲ وحده متوقفٌ على الكفر بالطاغوت.
فائدة إثرائية:
حريةُ الاعتقادِ
الحرية الدينية أو حرية المعتقد هو مبدأ يدعم حرية الفرد عمومًا أو حرية جماعةٍ من الناس في إظهار دينهم أو مُعتقداتهم أو شعائرهم الدينية، سواء بالتعليم أو الممارسة أو الاحتفال، ويشمل المصطلح كذلك حرية تغيير الدين أو عدم اتِّباع أي دين.
وبما تقرر في ركني التوحيد يتضح بجلاء خطورة دعوى: (حرية الاعتقاد)!
لأن قانون (حرية الاعتقاد) لا يعرف الكفر بالطاغوت، بل يقرُّ كلَّ معبود دون اﷲ!
فهي حرية تعطي الحق لمن شاء أن يعبد ما شاء، في الوقت الذي تمنع الآخرين من الاعتراض عليه أو رد باطله.
ولا شك أن هذا مصادم لعقيدة التوحيد، والتي آكد أركانها عبادة اﷲ وحده لا شر يك له، والكفر بكل ما يعبد من دون اﷲ، وهو الكفر بالطاغوت، الذي يوجب على الموحد إعلان البراءة من الكفر وأهله، وهذا هو الحق المبين.
نشاط
1 (ركنا التوحيد هما النفي والإثبات)، اشرح هذه العبارة باستيعاب، مع الرجوع لكتب العقيدة.
2 ما المراد بالكفر بالطاغوت؟ تكلم على ذلك في ضوء فكرة (حرية العقيدة) مبينًا مدى اتفاقهما وافتراقهما.
أقسام التوحيد
الربوبية
الألوهية
الأسماء والصفات
قَسَّمَ أَهْلُ العِلمِ التَّوحيدَ إلى ثلاثةِ أَقْسامٍ:
أَحَدِها: تَوحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
الثَّاني: تَوحيدُ الأُلوهيَّةِ.
الثَّالثِ: تَوحيدُ الأَسْماءِ والصِّفاتِ.
وإليك تفصيل هذه الأقسام الثلاثة:
1 أَوَّلًا: تَوحيدُ الرُّبوبيَّةِ:
الربوبية لغة: مصدر رَبَبَ، ومنه الربُّ، والربُّ مطلقًا هو اﷲ عزوجل، فهو ربُّ كل شيء، وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له.
ولا يقال الربُّ في غير اﷲ إلا بالإضافة، فيقال: فلانٌ ربُّ هذا الشيء، أي: مالكه، وهو رب الدابة، ورب الدار، وفلان رب البيت، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (يوسف: ٤٢).
والربوبية في الاصطلاح الشرعي: هو إفْرادُ اللهِ جل وعلا بأَفعالهِ التي يَخْتصُّ بها، والصادرة إلى العِباد، وهي: الخَلْقُ والمُلكُ والتَّدبيرُ.
ثم يتبع ذلك معانٍ كثيرة: مثل الرزق والقبض والبسط، والإحياء والإماتة، والبعث والنشور، والنفع وكشف الضر وغيره من معاني الربوبية.
فالمراد بالربوبية قيام اﷲ تعالى على العبد بتربيته، وإصلاح شأنه، وتدبير أمره، قال شيخ الإسلام: «والرَّبُّ: هو الذي يُرَبِّي عبدَهُ فَيُدَبِّرُهُ».
والربوبية تقوم على أمور ثلاثة ثابتة ﷲ تعالى:
أولا: الخَلْق:
أي: إفراد اﷲ تعالى بكونه الخالق، فلا يقدر على الخلق إلا اﷲ، وأدلة ذلك كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأعراف: ٥٤).
قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ﴾ (الحشر: ٢٤).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ (النحل: ٢٠).
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ (الحج: ٧٣).
قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ (يونس: ٣٤).
والآيات في ذلك كثيرة.
والمراد بالخلق هنا إيجاد الشيء من العدم، وهذا لا يقدر عليه إلا اﷲ تعالى.
ادَّعى بعض المبتدعة من الفلاسفة وغيرهم أن هناك من يخلق مع اﷲ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ (المؤمنون: ١٤) ، فأثبت اﷲ خالقًا غيره.
والجواب: أن الخلق الذي ينسب إلى المخلوق هو ما كان من باب تحويل الشيء من صورة إلى أخرى.
كتحويل الطين إلى إبريق، والخشب إلى دولاب، ونحو ذلك، وهو مقيد كذلك بوجود الأسباب التي هيَّأَها اﷲ.
أما اﷲ سبحانه فهو يقدر على ذلك بقوله: كن فيكون.
ثانيا: المُلك:
أي: إنَّ اﷲ تعالى متفرد بالمُلك، وأدلة ذلك كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ (آل عمران: ٢٦).
قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (الملك: ١).
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ (الإسراء: ١١١).
قوله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (يس: ٨٣) ، والآيات في ذلك كثيرة.
ثالثا: التدبير:
أي: إنَّ اﷲ تعالى متفرد بتدبير الأمور، وتصريف هذا الكون، وأدلة ذلك كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ (الرعد: ٢).
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ (يونس: ٣).
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ فَسَيَقُولُونَ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ (يونس: ٣١).
وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ (السجدة: ٥) .
والآيات في ذلك كثيرة.
ويتبع ذلك معانٍ أخرى للربوبية، كالإحياء والإماتة والرزق والبعث والنشور والضر والنفع.. إلخ.
فالربُّ هو المبدئ والمعيد، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ (الروم: ٢٧).
والرب هو المحيي والمميت، كما قال تعالى: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ (الدخان: ٨).
وقال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ (الملك: ٢).
والضر والنفع بيد اﷲ تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ﴾ (يونس: ٢١) .
وقال تعالى: ﴿ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ (الفتح: ١١) .
والرزق بيده سبحانه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (العنكبوت: ١٧).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ (الرعد: ٢٦) .
وهو سبحانه المعطي المانع، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ (فاطر: ٢) .
وقال الرسول ﷺ: «اللهمَّ لا مانعَ لما أعطَيتَ، ولا مُعْطيَ لما مَنَعتَ» رواه البخاري ومسلم.
ومن ذلك النصر، وهداية القلوب: قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ (آل عمران: ١٢٦) ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ (البقرة: ١٠٧) .
وقال تعالى في الهداية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص: ٥٦) ، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ﴾ (الأعراف: ١٧٨).
فكلُّ هذه المعاني، من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى، وهي مقدمات بين يدي عبوديته واستحقاقه لها.
فائدة إثرائية:
فتوحيدُ الربوبيةِ يستلزم توحيدَ الألوهيةِ:
لذلك تجد اﷲ تعالى جعل إفراده بالرُّبوبية علةً وسَبَبًا لاستحقاقه العبودية، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٦٥) ، أي: فقد استحق العبادة؛ لأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: ٢١) ، أي: فاعبدوه وحده؛ لأنه هو الخالق.
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (العنكبوت: ١٧) ، فجعل اﷲ سبحانه امتلاكه الرزق سببًا في استحقاقه العبودية.
إقْرارُ الكُفَّارِ والمشركينَ بتَوحيدِ الرُّبوبيَّةِ
وهل الكفارُ يقِرُّون بتوحيد الربوبية؟
الجواب: الخَلْقُ كُلُّهُمْ مُقِرُّونَ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ حَتَّى الكُفَّارُ والمُشْرِكونَ يُقِرُّونَ ﷲِ بذلك؛ والأَدِلَّةُ على ذلك كثيرةٌ؛ منها:
1 قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ (لقمان: ٢٥) .
2 قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ (المؤمنون: ٨٨ - ٨٩) .
3 قوله تعالى حِكايةً عن إبليسَ في إقْرارهِ برُبوبيةِ اللهِ جل وعلا: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ (الحجر: ٣٩) .
4 قوله سُبْحانَهُ في إقْرارِ سائرِ الكُفَّارِ والمشركينَ بتوحيدِ الرُّبوبيةِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ (العنكبوت: ٦١) .
5 قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾ (يونس: ٣١) .
فهذه النصوص كما ترى صريحة في أن الكفار يقِرُّون بكون اﷲ هو الخالق الرازق، بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يجير، ولا يجار عليه، وهو من يدبر الأمر، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، وهذا كله من مقتضيات الربوبية، كما تقدم.
فائدة إثرائية:
وَهذا التَّوحيدُ -أي: توحيد الربوبية- لا يَكْفي وحْدَهُ في دُخولِ العبدِ في دينِ الإسلامِ؛ وبالتَّالي لا تكونُ بهِ النَّجاةُ في الآخرةِ ودخول الجنة؛ فَإنَّ الكُفَّارَ والمشركينَ كانوا مُقِرِّينَ بهِ؛ ومَعْ ذلكَ حَكَمَ اﷲُ جل وعلا عليهِم بدُخولِ النَّارِ والخُلودِ فيها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ (البينة: ٦) .
قال ابن القيم رحمه الله: «ليس التوحيدُ مجردَ إقرارِ العبدِ بأنه: لا خالقَ إلا اﷲُ، وأن اﷲَ ربُّ كلِّ شيء ومليكه، كما كان عباد الأصنام مُقِرِّين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة اﷲ، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال» اهـ بتصرف.
الآثارُ الإيمانيةُ لِتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ
إنَّ لِتَوحيدِ الرُّبوبيَّةِ آثارًا إيمانيَّةً عَظيمةً؛ لَعلَّ أَهَمَّها ما يـأتي:
1 حُبُّ اللهِ جل وعلا ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ (البقرة: ١٦٥)؛ فَهو سُبْحانهُ الرَّبُّ الذي يُرَبِّي عِبادَهُ بالنِّعمِ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾ (يونس: ٣١).
2 تَعْظيمُ اللهِ عزوجل؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ (الإسراء: ١١١) ، وكَبِّرْهُ تَكْبيرًا؛ يَعْني: عَظِّمْهُ تَعْظيمًا.
3 التوكل على اﷲ تعالى، وتَفْويضُ الأَمْرِ إليهِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (هود: ٥٦) ، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ (الأنفال: ٢) .
4 الفَزعُ إلى اﷲ تعالى، والاستغاثةُ بهِ في الشَّدائدِ والكُرُباتِ؛ قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ (الأنفال: ٩) .
5 الإنابةُ إلى اللهِ والانكسارُ بَينَ يَديهِ؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (الأعراف: ٢٣) .
6 الاستسلامُ ﷲِ والانقيادُ لَهُ سبحانه؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (البقرة: ١٣١) .
7 الخَوفُ مِنَ اللهِ رَبِّ العالمينِ؛ كما قال تعالى عن ابن آدم: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ (المائدة: ٢٨).
8 تَحْريكُ العُقولِ للتَّفَكُّرِ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (البقرة: ١٦٤).
9 تَحْقيقُ الإخْلاصِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (الأنعام: ٧٩).
10 الرِّضا بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ جل وعلا ؛ فَكُلُّ ما يَجْري في هذه الأرضِ هو من خَلْقهِ وتَدْبيرهِ؛ كِما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (البقرة: ١٥٥-١٥٦).
نشاط
1 اشرح معنى لفظ: (الربوبية)، ولم كانت تلك الكلمة تحمل المعاني المذكورة، من الخلق والملك والتدبير؟
2 هناك من يقول: يمكن لغير اﷲ أن يكون خالقًا، ويستدل لذلك بالقرآن، ما دليله؟ وما الجواب عليه؟
3 بيِّن التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، مستدلًا لذلك بنصوص القرآن؟
4 ما موقف الكفار من توحيد الربوبية، وهل ينفعهم ؟ استدل لما تقول.
أدلةُ وجودِ اللهِ تعالى من غيرِ الشَّرعِ
الفطرةُ
العقلُ
الحِسُّ
في معرض الحديث مع غير المؤمنين، من ملحدين وغيرهم، لا يتأتَّى أن تخاطبهم بخطاب الشرع؛ فإن ردَّهم سيكون بعدم القبول، وبالتالي فلابد من ذكر أدلة غير أدلة الشرع على وجود اﷲ تعالى، وهي تنحصر في الآتي:
أدلة الفطرة.
أدلة العقل.
أدلة الحس.
1 أدلة الفطرة على وجود الله تعالى:
فإن كل مخلوق قد فُطر على الإيمان بالخالق من غير سبق تفكير أو تعلم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يمجِّسانه». أخرجه البخاري ومسلم.
ولم يقل: أو يُسْلِمانه؛ لأنه مسلم بفطرته، مقرٌّ بالتوحيد بفطرته، قال عزوجل : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ (الروم: ٣٠) .
ومن دلائل الفطرة: أن الإنسان في حال اضطراره يلجأ إلى اﷲ تبارك وتعالى، فإذا وقعت به كربة أو أحاط به خطر دعا اﷲ عزوجل واستغاث به، وقد ذكر اﷲ هذا في كتابه العزيز في أكثر من موضع، من ذلك:
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ (الإسراء: ٦٧) .
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ (العنكبوت: ٦٥) .
فهذا هو دليل الفطرة، وهو من القوة بحيث لا يستطيع أحد أن يدفعه، فيجد الإنسان من نفسه ضرورة بالتوجه إلى اﷲ تعالى في الشدائد والكروب، فلا أحد يوجِّهه لذلك، لكنها الفطرة التي فطر اﷲ الخلق عليها.
فالنَّاسُ لو خُلُّوا وفطرَهم لم يميلوا لغير ربِّهم، منيبين إليه في جلب المنافع ودفع المضارّ، ومُنيبين إليه في التألُّه والتعبُّد والخضوعِ والانكسارِ.
2 دليل العقل:
هذا الدليل يقوم على أنه لابد لكل مخلوقٍ من خالقٍ، وهذه حقيقة يسلم بها كل ذي عقل سليم.
فإنه لما سُئل الأعرابي عن وجود اﷲ؟ قال مستدلًا بالعقل والنظر الفطري: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذات أمواج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟!
فللّه، ما أحسنه من استدلالٍ، وما أعجبه من منطقٍ وبيانٍ.
يُروى أن أحد العلماء طلب منه بعضُ الملاحدة أن يناظره في وجود اﷲ سبحانه، وحددوا لذلك موعدًا، فتأخر العالِم عنهم وكان تأخره عن قصد، فلما جاءهم وسألوه عن سبب تأخره؟
قال: لقد حال بيني وبين مجيئي إليكم نهر، ولم أجد ما ينقلني إليكم غير أن الأمر لم يطل حتى أتت سفينةٌ ليس لها قائد يقودها، فركبتها حتى أتيت إليكم! فضجَّ الملاحدة ماذا تقول؟!
فقال لهم: أنتم أنكرتم أن يكون لهذا الكون خالق، ولم تصدقوا أن تكون سفينة بلا قائد! فاعترفوا وأقروا.
وقد نبَّه القرآن على هذا، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴾ (الطور: ٣٥، ٣٦) .
فهذان احتمالان لا ثالث لهما:
الأول:أن يكون هذا الخلق من غير خالق، وهذا مستحيل تنكره العقول؛ إذ لا بد للمخلوق من خالق، وللمصنوع من صانع، فالعدم لا يَخْلُقُ.
الثاني:أن يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم وخلقوا السماوات والأرض، وهذا مستحيل أيضا؛ إذ لم يدَّع أحدٌ أنه خلق نفسه، فضلًا عن السماوات والأرض.
فتعيَّن أن يكون لها موجدٌ وخالقٌ، وهو اﷲ رب العالمين.
وهذا دليل غاية في القوة والبيان؛ لذلك عندما سمعه جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «كاد قلبي أن يطير». أخرجه البخاري.
وتلك مناظرة جرت بين مؤمن فقيه وبين ملحد حائر:
قال ذلك الملحد للمؤمن: أنت تؤمن بوجود اﷲ؟ قال نعم، ولا شك. قال: هل رأيته؟ قال: لا. قال: هل سمعته؟ قال: لا. قال: هل شممته أو لمسته؟ قال: لا. قال: فكيف تؤمن به؟!
قال المؤمن الفقيه للملحد: أنت عاقل؟ قال: نعم. قال: هل رأيت عقلك؟ قال: لا. قال: هل سمعته؟ قال: لا. قال: هل شممته أو لمسته؟ قال: لا. قال: كيف تزعم أنك عاقل؟!
ومن دليلِ العقلِ: التفكُّرُ والتأملُ:
مَنْ تَأَمَّلَ هذه السَّماواتِ في ارْتِفاعِها واتِّساعِها، وما فيها مِنَ الكَواكِبِ الكِبارِ والصِّغارِ المُنيرَةِ، مِنَ السَّيَّارَةِ ومِنَ الثَّوابِتِ، وشاهَدَها كَيفَ تَدورُ مَعَ الفَلَكِ العَظيمِ في كُلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ، ولَها في أَنْفُسِها سَيرٌ يَخُصُّها.
وَنَظَرَ إلى البِحارِ المُلْتَفَّةِ بالأَرْضِ من كُلِّ جانِبٍ، والجِبالِ المَوضوعَةِ في الأَرْضِ لِتَقَرَّ ويَسْكُنَ ساكِنوها، مَعَ اخْتِلافِ أَشْكالِها وأَلْوانِها، كما قال: ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ (فاطر: ٢٧- ٢٨) .
وكذلكَ هذه الأَنْهارُ السَّارِحَةُ من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ لِمَنافِعِ العِبادِ، وما انتشرَ في الأَرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ المُتَنَوِّعَةِ والنباتِ المُخْتَلِفِ الطُّعومِ والأَشْكالِ والأَلْوانِ، مَعَ اتِّحادِ طَبيعَةِ التُّرْبَةِ والماءِ عَلِمَ وُجودَ الصَّانِعِ وقُدْرَتَهُ العَظيمَةَ وحِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ بخَلْقِهِ ولُطْفَهُ بهِمْ وإحْسانَهُ إليهمْ وبِرَّهُ بهِمْ لا إلَهَ غَيرُهُ ولا رَبَّ سِواهُ، عليه تَوَكَّلْتُ وإلَيهِ أُنيبُ.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (البقرة: ١٦٤) .
وسئل الشافعي عن وُجودِ الصَّانِعِ؟ فقال: «هذا ورَقُ التُّوتِ طَعْمُهُ واحِدٌ، تَأْكُلُهُ الدُّودُ فَيَخْرُجُ منهُ الإبْرَيسِمُ -الحرير-، وتَأْكُلُهُ النَّحْلُ فَيَخْرُجُ منهُ العَسَلُ، وتَأْكُلُهُ الشَّاةُ والبَعيرُ والأَنْعامُ فَتُلْقيهِ بَعْرًا ورَوثًا، وتَأْكُلْهُ الظِّباءُ فَيَخْرُجُ منها المِسْكُ، وهو شَيءٌ واحِدٌ».
تأمل في نبات الأرض وانظر
إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لُجين شاخصات
بأحداق هي الذهب السبيك
على قُضُب الزبرجد شاهدات
بأن الله ليس له شريك
3 دليلُ الحِسِّ:
وأدلة الحِسِّ على وجود اﷲ تعالى من وجهين:
الأول: إجابة الداعين والمستغيثين والمكروبين:
انظر إلى أحوال المضطرِّين الواقعين في المهالك، والمُشرفين على الأخطار في البرِّ والبحر والجوّ، وإلى البائسين من مشاكلهم وأمراضهم وأوجاعهم، وكيف تضطرهم الضروراتُ وتُلجئهم الحاجاتُ إلى ربِّهم وإلـههم، داعين مفتقرين وسائلين له مُستَعطين؛ فيجيب دعواتِهم ويكشف كرباتِهم ويرفع ضروراتِهم.
لذا فقد جعله اﷲ تعالى دليلًا صريحًا على وجوده، فقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ أَإِلَهٌ مَعَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ (النمل: ٦٢) .
ولا شك أن حصول إجابة دعوات الأنبياء والرسل والصالحين وكشف الكرب عنهم من أعظم الأدلة على وجود اﷲ عزوجل.
والواقع مليء من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، مما يدل دلالة قاطعة على وجود اﷲ تعالى، قال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾ (الأنبياء: ٧٦) .
وقال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ (الأنفال: ٩) .
وما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا، لمن صدق اللجوء إلى اﷲ تعالى، وأتى بشروطه.
الثاني: معجزات الأنبياء:
إن آيات الأنبياء التي تسمى المعجزات ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم وهو اﷲ تعالى؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها اﷲ تعالى تأييدًا لرسله ونصرًا لهم.
مثال ذلك: آية موسى عليه السلام حين أمره اﷲ تعالى: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴾ فضربه فانفلق اثنى عشر طريقًا يابسًا، والماء بينهما كالجبال، قال اﷲ تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ (الشعراء: ٦٣) .
ومثال ثانٍ: آية عيسى ﷺ، حيث كان يحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم بإذن اﷲ، قال تعالى عنه: ﴿ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (آل عمران: ٤٩) . وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي ﴾ (المائدة: ١١٠).
ومثال ثالث: لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حين طلبت منه قريش آيةً ومعجزةً، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قال تعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ (القمر: ١- ٢).
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾ (الصافات: ٧٥) .
وقال تعالى عن نوح أيضًا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ (القمر: ١٠-١١) .
وقال تعالى عن يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنبياء: ٨٧-٨٨).
فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها اﷲ تعالى تأييدًا لرسله، ونصرًا لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده سبحانه وتعالى.
نشاط
1 لماذا عُقد في المنهج باب في أدلة وجود اﷲ من غير الشرع، ولمن يوجه أصلا؟
2 من أعظم الأدلة على وجود اﷲ تعالى الحس، تكلم عن ذلك.
3 أعدَّ بحثًا تذكر فيه شُبَه الملحدين، مع الجواب عليها.
4 لم كانت معجزات الأنبياء دليلًا دامغًا على وجود اﷲ تعالى؟
واﷲ وليُّ التوفيق
المصادر
الإبانة الكبرى لابن بطة العُكْبَري .
مجموع الفتاوى، تقي الدين ابن تيمية.
شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق الشيخ عبد الله التركي، دار الرسالة.
شرح ثلاثة الأصول، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الثريا للنشر.
شرح العقيدة التدمرية، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، دار التدمرية، الرياض، ط١، ١٤٣٢هـ.
شرح العقيدة الطحاوية، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، دار التدمرية، الرياض، ط١، ١٤٢٩هـ.
شرح العقيدة الواسطية، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط٦، ١٤٢١هـ.
شرح كتاب التوحيد، الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة، د. إبراهيم البريكان، دار ابن القيم، الرياض، ط١، ١٤٢٣هـ.
أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة.
الإيمان: حقيقته وزيادته وثمرته، الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، دار التدمرية، الرياض، ط١، ١٤٢٤هـ.
الإيمان: أركانه - حقيقته - نواقضه، د. محمد نعيم ياسين، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية.
بدعة إعادة فهم النص، الشيخ محمد صالح المنجد، تقديم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، مجموعة زاد.
شرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، دار التوحيد، ط١.
القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي.
شرح العقيدة الواسطية، الشيخ صالح بن فوزان الفوزان.
الفقه (1)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب الفقه (1):
يحتوي هذا الكتاب على شرح ميسر لفقه الطهارة، والآنية، وسنن الفطرة، والحيض والنفاس، والصلاة، وما يتعلق بهم. بطريقة عصرية إبداعية، مع دعم كل ذلك بالصور الفوتوغرافية، وعرضٍ بشكلٍ بسيطٍ ميسرٍ، يعتمد على الدليل بشكلٍ كبيرٍ، خالٍ من غريب الألفاظ والخلافات.
الفقه (1)
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ اﷲِ وسنةِ رسوله ﷺ، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل اﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
كتاب الطهارة
الحيض والنفاس
إزالة النجاسة
تعريف الطهارة وأقسامها
التيمم وأحكامه
الغسل وأحكامه
المياه وأقسامها
المسح على الخفين والجوارب
باب الآنية
الوضوء وأحكامه
قضاء الحاجة وسنن الفطرة
الوحدة الأولى: الطهارة والنجاسة والمياه وأقسامه
سندرس في هذه الوحدة
المدخل
1 تعريف الطهارة وأقسامها
2 تعريف النجاسة وأقسامها
3 أقسام المياه وأحكامها
4 أحكام الآنية
الطهارة
معنى الطهارة في لغة العرب: النظافة، والنَّزاهة عن الأقذار والأدناس.
والطهارة على قسمين:
الأول: طهارة معنوية
وهي طهارة القلب من الشرك والمعاصي، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (التوبة: 28).
وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33).
الثاني: طهارة حسية
وهي: رفع الحَدَث، وزوال الخَبَث.
والخبث: هو النجاسة، ويتوجب إزالتها من: بدن المصلي، وثوبه، ومكانه.
أقسام الحدث:
ينقسم الحدث إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر.
الحدث الأصغر
وهو وصف معنوي يقوم بأعضاء الإنسان الأربعة، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، فيمنع من صحة الصلاة ونحوها، ويرتفع هذا الحدث بالوضوء.
الحدث الأكبر
وهو وصف معنوي يقوم بالجسم كله، فيمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، ويرتفع هذا الحدث بالغسل.
أقسام الطهارة
طهارة معنوية
طهارة حسية
من الحدث
الحدث الأكبر
الحدث الأصغر
من النجاسة
في البدن
في الثوب
في المكان
نشاط
1 عرف الطهارة لغة، وشرعا، مُبيِّناً أقسامها؟
2 ما المراد بالحدث الأصغر، وما المراد بالحدث الأكبر؟
المياه
ينقسم الماء -في الجملة- إلى قسمين: (ماء طهور، وماء نجس).
أولا: الماء الطهور
وهو الماء الباقي على أصل خلقته التي خلقه اﷲ تعالى عليها، ولم يختلط بنجاسة، فتُغَيِّر طعمَه أو لونَه أو ريحَه.
مثاله:
كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، كمياه البحار، والأنهار، والعيون والآبار.
حكمه:
يرفع الحدث، ويزيل النجاسة.
والدليل:
أ. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (الفرقان:48).
ب. قوله ﷺ عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته». رواه مالك في الموطأ، وصححه الألباني.
ولا يضر الماء ما أصابه من تَغيُّر:
بسبب طول المكث، أو المجاورة، أو بما يعسر ويشق صون الماء عنه، كأوراق الشجر والطحلب ونحوها.
الماء المتغير بالطاهرات له ثلاثة أحوال:
1. إذا اختلط الماء الطهور بشيء من الطاهرات، ولم يتغير لونه، ولا طعمه، ولا ريحه، فهو باقٍ على طهوريته، لأن الماء باق على إطلاقه.
2. إذا اختلط الماء الطهور بشيء من الطاهرات، فغيَّره تغيُّرا يُخرجه عن اسم الماء، فهذا لا يصح التطهر به؛ لأنه انتقل من كونه ماءً إلى شيء آخر، إذ لا يسُمَّى ماءً؛ كالشاي والعصير والمَرَق.
3. أن يتغير الماء بشيء من الطاهرات، ولكنه لم يخرج عن مسمَّى الماء، كالماء الذي خالطه صابون فغيّر لونه، أو وقع فيه حُمُّص فغيَّر طعمَه، أو زعفران فغير رائحته، ولكن لا يزال اسم الماء يشمله، ففي الطهارة به خلاف بين العلماء، والأقرب: أنه مطهر.
الماء المستعمَل في رفع الحدَث من الوضوء والغسل:
طاهرٌ في نفْسه، مطهِّرٌ لغيره.
ثانيا: الماء النجس
الماء النجس: هو الماء الذي خالطته نجاسة، فغيَّرت لونه، أو طعمه، أو ريحه.
حكمه:
لا يجوز استعماله في الطهارة ولا في غيرها، كالشرب وطبخ الطعام.
تطهير الماء النجس:
من طرق تطهير الماء من النجاسة:
1. أن يضاف للماء النجس ماءٌ آخر حتى تزول آثار التغير منه.
2. المكث ومرور الزمن: فإذا زالت أوصاف النجاسة الثلاثة -مع مرور الزمن-يحكم بطهارته.
3. معالجة الماء بوسائل التنقية الحديثة، كما يحدث في مياه الصرف الصحي.
وبأي وسيلة زالت النجاسة والتغير عن الماء عاد لطهوريته.
تطهير مياه الصرف الصحي
في عصرنا الحاضر تُنَقَّى مياه الصرف الصحي، وتتم تنقية هذا الماء عبر مراحل عديدة تضمن سلامته ونظافته تماما، وهذا التغيير في الماء يجعله طهورا؛ فيجوز استعماله في الطهارة، والشرب وغيره.
للنجاسة الواقعة في الماء ثلاثة أحوال:
1. أن تُغيِّر النجاسة أحد أوصاف الماء (اللون، الطعم، الرائحة)، فهذا الماء نجس قولا واحدا، سواء كان كثيرا أم قليلا.
2. أن تقع النجاسة في الماء الكثير، ولا تُغيِّر شيئا من أوصافه، لا الطعم، ولا اللون، ولا الرائحة، فهذا الماء طهور قولا واحدا.
3. أن تقع النجاسة في الماء القليل، ولا تغير شيئا من أوصافه، ففي حكمه خلاف بين العلماء.
والأقرب: أنه طهور، لقول النبي ﷺ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». رواه الترمذي، وصححه الألباني.
ففي هذا الحديث دلالة على أن الماء طهور، لا ينجسه شيء، وقد أجمع العلماء على أنه ينجس بالتغيُّرِ، فبقي ما عدا ذلك على الأصل وهو الطهارة.
نشاط
1. ماء خُلط بأسمنت فمن أي الأنواع هو؟
2. هل يجوز الوضوء بماء الشاي والعصير، ولم؟
3. اكتب خلاصة في طهارة مياه الصرف بعد المعالجة. استعن بمصادر خارجية.
الآنية
الآنية: هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره.
فائدة إثرائية:
يجوز استعمل الأواني الثمينة غير الذهب والفضة، كالياقوت والألماس لعدم ورود ما يمنع.
أمَّا آنية الذهب والفضة:
فيحرم استعمالها في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال؛ لما رواه البخاري ومسلم عن حذيفة أن النبي ﷺ قال: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ».
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». متفق عليه.
فهذه الأحاديث صريحة في تحريم الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة، كالملاعق، والسكاكين، والصحون، والكاسات، ونحوها، والرجال والنساء في هذا الحكم سواء.
ويلحق بها سائر وجوه الاستعمال الأخرى من باب أولى.
الوحدة الأولى: الطهارة والنجاسة والمياه وأقسامه
حكم استعمال الإناء المُضَبَّب (أي: فيه لحامٌ بذهب أو فضة):
إن كان اللحام من الذهب حرم استعمال الإناء مطلقا؛ لدخوله تحت عموم النص.
ويجوز استعمال الإناء الملحوم بالفضة إن كان اللحام يسيرا للحاجة، لحديث أنس رضي الله عنه أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ -الكسر- سِلسلةً من فضة. رواه البخاري.
هل تصح الطهارة من ماءٍ في إناءِ ذهبٍ أو فضة؟
تصح على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لعدم العلاقة بين الطهارة وبين تحريم الإناء، فالإِناء ليس شرطا للوُضُوء، حتى تتوقَّف صِحَّة الوُضُوء على استعماله.
آنية الكفار، وهي قسمان:
الأول
آنية الكفار الذين لا يعرف عنهم مباشرة الأشياء النجسة في أطعمتهم، فجميع آنيتهم مباحة، لحديث جابر رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ، فنُصيبُ من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يَعيب ذلك علينا. رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.
ولأن النبي ﷺ أكل عند اليهودية. متفق عليه.
الثاني
آنية الكفار الذين يعرف عنهم مباشرة الأشياء النجسة في أوانيهم؛ كمن يُعرف عنهم أكل لحم الخنزير وشرب الخمور فيها، فالأولى التنزُّه عنها، إلا إذا لم يجد غيرها فيغسلها ويستخدمها، لحديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا». متفق عليه.
نشاط
1. اذكر حكم ما يأتي مع الاستدلال له بدليل من الكتاب أو السنة:
- استعمال آنية الذهب والفضة؟
- استعمال الآنية المصنوعة في بلاد الكفار؟
2. أهدى لك جارُك النصرانيُّ إناءً، وأنت تعرف أنه يأكل الخنْزير، كيف تتعامل مع هذا الإناء؟
الوحدة الثانية: الوضوء وأحكامه
سندرس في هذه الوحدة
قضاء الحاجة وسنن الفطرة
الوضوء وأحكامه
المسح على الخفين والجوربين
الغُسل
التيمم
قضاء الحاجة وآدابها
الاستنجاء هو إزالة أثر الخارج من القُبُل أو الدُّبُر بالماء.
والاستجمار: إزالة أثر الخارج من القُبُل أو الدُّبُر بحجارة ونحوها، من ورق أو قماش أو مناديل.
ويُسَنُّ أن يكون الاستجمار وِتراً، لقوله ﷺ: «من استجمر فليوتر» متفق عليه.
ويجبُ إن تعذَّر الماء بعد كل خارج من السبيلين.
آداب قضاء الحاجة:
1. أن يقول عند إرادة دخول الخلاء: «بسم اﷲ، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».
لحديث: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلاَءَ، أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله». رواه الترمذي وصححه الألباني.
كما أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهمَّ، إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».
2. أن يقول عند الخروج من الخلاء: «غفرانك».
لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك». رواه الترمذي، وصححه الألباني.
وعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الأزدي؛ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ إذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى، وَعَافَانِي». أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، وحسن إسناده الحافظ في نتائج الأفكار.
3. تقديم الرجل اليسرى عند الدخول، واليمنى عند الخروج؛ جَرْيًا على قاعدة الشرع في تقديم اليُمنى في باب التَّكريم، واليُسرى في عكسه.
4. استعمال اليد اليسرى عند التبول، وعند التنظف، لقول النبي ﷺ: «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكرَه بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه». متفق عليه.
الواجب على من أراد قضاء الحاجة أن يستر عورته عن أعين الناس بحيث لا يراها أحد؛ لقوله ﷺ : «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» رواه الترمذي وحسنه الألباني.
5 البول جالسا: المستحب للإنسان أن يتبول قاعدا؛ لأنه المعهود من فعل النبي ﷺ، ولأنه أستر وأحفظ له من أن يصيبه شيء من رِشَاشِ بَوْلِه.
إن بال قائما: فلا بأس، إن أمن من التلوث وكشف العورة.
ما يحرم فعله على من أراد قضاء الحاجة:
يحرم البول أو الغائط في الطريق أو في الظل أو في الحدائق العامة أو تحت شجرة مثمرة أو موارد المياه، وفي كل مكان يتأذى الناس فيه من ذلك.
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ.
قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ الله.
قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رواه مسلم.
حكم استقبال أو استدبار الكعبة حال قضاء الحاجة:
لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها حال قضاء الحاجة في الصحراء بلا حائل؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا». متفق عليه.
أما إن كان في بنيان، أو كان بينه وبين القبلة شيء يستره، فلا بأس بذلك؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اﷲِ ﷺ قَاعِداً لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَة». رواه مسلم.
ولحديث مروان الأصغر قال: «أناخ ابن عمر بعيره مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليه، فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس». رواه أبو داود، وحسنه النووي، والألباني.
والأفضل ترك ذلك حتى في البنيان، وأن يراعى في بنيان المسلمين هذا الأمر.
ما يكره فعله عند قضاء الحاجة:
1. يكره حال قضاء الحاجة استقبال مهب الريح بلا حائل؛ لئلا يرتد البول إليه.
2. ويكره الكلام أثناء قضاء الحاجة، سواء بذكر اﷲ أو غيره؛ لحديث: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ، كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا، يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رواه أبو داود وصححه الألباني، والمقت وإن كان على الجمع بين كشف العورة والتحدث، إلا أنه يدل على أن هذه الأشياء بمفردها مذمومة.
3. ويكره أن يبول في شَقٍّ ونحوه؛ لحديث قتادة عن عبد اﷲ بن سرجس رضي الله عنه: أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجُحْر. رواه أبو داود وصححه النووي.
ولأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان فيؤذيه، أو يكون مسكنا للجن فيؤذيهم.
4. ويكره أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكْرُ اﷲ إلا لحاجة.
أما عند الحاجة والضرورة فلا بأس.
أما المصحف فإنه يحرم الدخول به سواء كان ظاهرا أو خفيا؛ لأنه كلام اﷲ وهو أشرف الكلام، ودخول الخلاء به فيه نوعٌ من الإهانة.
الأشرطة والأقراص التي سُجِّل عليها قرآن ونحو ذلك: لا تأخذ حكم المصحف، بشرط أن تكون الآيات القرآنية غير ظاهرة على الشاشة.
نشاط
1. اكتب مختصرا في آداب قضاء الحاجة؟
2. بيِّن حكم الآتي:
- استقبال القبلة حال قضاء الحاجة؟
- الاستنجاء باليمين؟
- الدخول بشيء فيه ذكر اﷲ تعالى إلى الخلاء؟
سنن الفطرة
وتسمى أيضا: خصال الفطرة؛ وذلك لأن فاعلها يتصف بالفطرة التي فطر اﷲ الناس عليها واستحبها لهم؛ ليكونوا على أحسن هيئة وأكمل صورة.
1. السِّواك:
هو استعمال عود أو نحوه كفرشاة في الأسنان؛ لإزالة ما يعلق بهما من الأطعمة والروائح.
والسواك مسنون في جميع الأوقات؛ لأن النبي ﷺ رغَّب فيه ترغيباً مطلقاً، ولم يقيده بوقت دون آخر، حيث قال ﷺ: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». رواه النسائي وصححه الألباني.
وقال ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». رواه مسلم.
يتأكد السواك: عند الوضوء، والانتباه من النوم، وتغير رائحة الفم، وقراءة القرآن، والصلاة، وكذا عند دخول المسجد والمنزل.
2. حلق العانة:
وهي الشعر النابت حول الفرج، وفي إزالته جمال ونظافة، ويمكن إزالته بغير الحلق كالمزيلات المصنعة.
يُكره ترْكُ شَعر العانة، وكذا ترْكُ نَتْفِ الإبْط، وقصِّ الشَّارب، وتقليمِ الأظافر، أكثرَ من أربعين يوماً.
لحديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «وُقِّتَ لنا في قصِّ الشَّارب، وتقليم الأظفار، ونتْف الإبْط، وحَلْق العانة: ألا تُترَكَ أكثرَ من أربعين». رواه مسلم.
3. قص الشارب وإحفاؤه:
وهو المبالغة في قَصِّه؛ لما في ذلك من التجمل، والنظافة، ومخالفة الكفار.
4. إعفاء اللحية:
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في وجوب إعفاء اللحية، وتركها وإكرامها؛ لما في بقاء اللحية من الجمال ومظهر الرجولة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اﷲ ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» يعني الاستنجاء.
قال مصعب بن شيبة -أحد رواة الحديث-: «ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة». رواه مسلم.
5. تقليم الأظافر:
وهو قَصُّها بحيث لا تُترك حتى تطول، والتقليم يجمِّلها، ويزيل الأوساخ المتراكمة تحتها.
6. نتف الإبط:
فيُسنُّ إزالة هذا الشعر بالنتف أو الحلق أو غيرهما؛ لما في إزالته من النظافة وقطع الروائح الكريهة التي تتجمع مع وجود هذا الشعر.
7. غسل البراجم: وهي العُقَد التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ.
8. الختان:
وهو طهارة ونظافة وله فضائل كثيرة، وهو من سنن الفطرة.
ويضاف إلى هذه الخصال: استنشاق الماء، والمضمضة، والاستنجاء.
الوضوء
الوُضوء لغة:
مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة.
وشرعاً:
استعمال الماء في الأعضاء الأربعة -وهي الوجه واليدان والرأس والرِّجْلان-على صفة مخصوصة في الشرع، على وجه التعبد ﷲ تعالى.
حكمه:
واجب على المحْدِث إذا أراد الصلاة وما في حكمها، كالطواف ومسِّ المصحف.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ (المائدة: 6).
ويشترط لصحة الوضوء:
1. الإسلام.
2. العقل.
3. التمييز: فلا يصح من الكافر، ولا المجنون، ولا يكون معتبراً من الصغير الذي دون سن التمييز.
4. النية: لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ولا يشرع التلفظ بها؛ لعدم ثبوته عن النبي ﷺ.
5. الماء الطهور: أما الماء النجس فلا يصح الوضوء به.
6. إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، من شمع أو عجين ونحوهما.
هل الصبغات والكريمات أو المساحيق تمنع وصول الماء إلى الشعر؟
غالب هذه الأشياء لا يكون لها جرم؛ فلا تؤثر على صحة الوضوء أو الغسل.
وما كان منها له جرم يمنع من وصول الماء إلى الجسد؛ فلا بد من التأكد من إزالته قبل الوضوء أو الغسل، وإلا بَطَل الوضوء والغسل.
تنشيف الأعضاء بعد الوضوء: جائز، فالأصل الإباحة، وليس في الشرع ما يمنع منه.
يجب إزالة ما يمنع وصول الماء لمواضع الوضوء، كالدهان، وطلاء الأظافر، ونحوه.
فإن توضأ ثم صلى على هذه الحال وجب إعادة الوضوء بعد إزالة المانع، ثم إعادة ما صلى.
ومنْ ركّبت أظفارا صناعية: يجب عليها أن تنْزِع هذه الأظفار عند وضوئها؛ لأنها مانعة من وصول الماء إلى العضو.
ومنْ تضع طلاءً على أظافرها (المناكير): لا بُدَّ من إزالة المناكير قبل الوضوء؛ لأنها مانعة من وصول الماء إلى العضو.
مع التنبيه إلى أنه لا يجوز وضع هذه الأظفار أصلا.
حكم وضوء من تضع رموشا صناعية:
الرُّموشُ الصِّناعِيَّة لها عدةُ أشكالٍ، وأكثرُها تمنعُ وُصولَ الماءِ إلى هذا المَوضِعِ من الوَجْهِ، وبالتالي فلا يصِحُّ الوضوءُ، وهي مَوجُودةٌ.
مع ضَرُورةِ التنبيه على أنه لا يجوزُ وَضْعُها أصلاً.
مَن زَرع شعرا في الرأس فإنه يمسح عليه.
الوحدة الثانية: الوضوء وأحكامه
فرائضُ الوضوءِ
فرائض الوضوء ستة:
1. غسل الوجه بكامله؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (المائدة: 6)
ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الفم والأنف من الوجه.
المضمضة: إدارة الماء في الفم.
والاستنشاق: جذب الماء بالنَّفَس من الأنف.
والاستنثار: إخراج الماء من الأنف.
2. غسل اليدين إلى المرفقين. لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ (المائدة: 6).
3 .مسح الرأس كله، ومنه الأذنان. لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (المائدة: 6).
والسنة في المسح ما ورد في حديث عبد اﷲ بن زيد رضي الله عنه في صفة مسح رسول اﷲ ﷺ: «ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه». متفق عليه.
ولا تمسح المرأة ما استرسل من شعرها.
ويمسح الأقرع والأصلع من منابت الشعر المعتاد إلى القفا.
تابع -فرائض الوضوء:
الكعب
البوع
العرقوب
العقب
4. غسل الرجلين إلى الكعبين. لقوله تعالى:
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: 6).
والكعبان: هما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانبي القدم، وليس مؤخر القدم كما يظن البعض.
قال ﷺ: «ويل للأعقاب من النار».
فالواجب الحرص على إيصال الماء إلى كل عضو، ويتأكد ذلك في المرفقين، والكعبين، وبين الأصابع، وجوانب الوجه.
5. الترتيب؛ لأن اﷲ سبحانه وتعالى ذكر أعضاء الوضوء في كتابه مرتبةً، وكل من وصف وضوء النبي ﷺ، وصفه مرتباً.
6. الموالاة. بألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
كيفية غَسل ما قُطِع عضوٌ منه: إن بقي من محل الفرض جزءٌ غَسَلَه، وإلا سقط.
ومن ركَّب أعضاءً صناعية ساترة لمحل فرض الوضوء: فإن كان نزع هذه الأعضاء يسيرا نْزعها عند إرادة الوضوء، وإن كان نزعها متعذرا أو يصعب فإنه يمسح على تلك الأعضاء.
مضمضة من يُرَكِّبُ تركيبة أسنان، أو أسنان صناعية ونحوها: لا تؤثر هذه التركيبة في المضمضة، ولا يحتاج إلى نزعها، حتى وإن كان نزعها يسيرا. لحديث عرفجة بن أسعد رضي الله عنه أن النبي ﷺ أمره أن يتخذ أنفا من ذهب. أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
وجه الاستدلال: أن هذا الأنف سيحجب شيئا من مواضع الماء، ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ أن يزيل هذا الأنف عند الوضوء أو عند الغسل، مما يدل على أن هذا معفوٌّ عنه.
سنن الوضوء:
1. السِّوَاكُ، لقول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رواه أحمد وحسنه الألباني.
2. التسمية. لحديث: «لا وضوء لِمن لَم يذكر اسم اﷲ عليه» رواه أبو داود، وحسنه الألباني.
3. غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء. حيث وصف عثمان رضي الله عنه وضوءَ النبيّ ﷺ فقال: «دعا بالماء فأفْرَغَ على كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَغَسَلَهُما، ثم أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإناءِ...» الحديث. متفق عليه.
4. المبالغة في الاسْتِنْشَاقِ، لحديث: «بالِغْ في الاستِنشاقِ إلا أن تكونَ صائما» رواه أبو داود وصححه الألباني.
5. تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الكَثِيْفَةِ، لحديث أنس رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اﷲ ﷺ كان إذا توضّأ أخذَ كفّاً من ماءٍ فأدخَلَه تحتَ حَنَكِهِ فخلَّلَ به لِحيتهُ. رواه أبو داود وصححه الألباني.
6. أخذ ماء جديد لمسح الرأس، ففي حديث عبد اﷲ بن زيد رضي الله عنه قال: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ». أخرجه مسلم.
7. تَخْلِيلُ أصابعِ اليدين والرجلين. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إذا تَوضأْتَ فَخَلِّلْ أصابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْليك» رواه الترمذي، وصححه الألباني.
8. التَّيَامُن: أي البدء باليُمنى قبل اليُسْرَى في اليدين والرجلين، لحديث عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُوْرِهِ وَفي شَأْنِه كُلِّهِ» متفق عليه.
9. تثليث الغسل في الوجه واليدين والرجلين: فالواجب مرة واحدة، ويستحب ثلاثا، لفعله ﷺ، فقد ثبت أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثبت أنه غسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين.
10. الذِّكْرُ بعد الوضوء، لحديث: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اﷲُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اﷲِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» رواه مسلم.
إذا كان الماء لا يصل إلى ما بين أصابع الرجلين واليدين إلا بالتخليل، فالتخليل في هذه الحال يكون واجبا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
نَواقِض الوضوءِ:
1. كل ما خرج من السبيلين، سواء كان بولا أم غائطا أم ريحا أم مَنِيّاً أم مَذْيا أم وَدْيا أم غير ذلك، من إفرازات ونحوه. لقوله تعالى: (أوْ جَاءَ أحَدٌ منْكُم مِّنَ الَغَائِطِ ...) (المائدة: 6). ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «لا يقبل اﷲ صلاةَ أحدِكم إذا أحْدَثَ حتى يتوضأ» متفق عليه.
النوم الناقض: هو النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك على أي هيئة كان، أما النوم اليسير فإنه لا ينقض الوضوء، لحديث أنس رضي الله عنه قال: «كان أصحاب رسول اﷲ ﷺ ينتظرون العِشاء الآخرة حتى تَخْفُقَ رؤوسُهم، ثم يُصَلّون ولا يَتَوَضَّؤون» رواه أبوداود، وصححه الألباني.
2. زوال العقل أو تَغْطِيَتُهُ بِسُكْرٍ أو إِغْمَاءٍ أو نَومٍ أو جُنُونٍ
لحديث صفوانَ بنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه قال: «كان رسول اﷲ ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْرا ألا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثلاثةَ أيامَ ولياليهن إلا مِنْ جَنَابَةٍ، لكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ». رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وزوال العقل بالسُّكْر أو الإغماء والجنون ونحوه أَبْلَغُ من النوم.
٣ .مس فرج الآدمي بلا حائل. لحديثِ بُسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَن مَسّ ذَكرَه فليَتَوضأ» رواه الخمسة، وصححه الألباني.
وعن أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «من مس فرجه فليتوضأ». رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وكلمة (فرجه)تشمل عضو الرجل والمرأة قُبُلاً كان، أو دُبُراً.
أما مسُّ الخصيتين والأليتين فلا ينقض الوضوء.
٤. أَكْلُ لحم الإبِلِ.
لما رواه مسلم عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول اﷲ ﷺ: أتوضأ من لحوم الغَنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «عم توضأ من لحوم الإبل» قال: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال أ أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا».
الشك في الطهارة:
1. مَن تَيَقَّن الطهارةَ وَشَكَّ في الحَدَثِ حُكِمَ بِبَقائِهِ على الطَّهارَةِ، ولا عبرةَ بالشَّكِّ لأنَّ الطهارة فيه يقين، ولا يُنْقَلُ عَنها إلا بِيَقِيْنٍ.
2. من تيقَّن الحَدَثَ وَشكَّ في الطهارة بَنَى على اليقينِ وهو الحَدَثُ، ولا عِبْرَةَ بالشك؛ لأن الحدث فيه يقين، ولا يُنْقَلُ عَنْهُ إلا بيقين.
ودليل هذا الأصل العظيم: حديث عَبَّادِ بن تَميمٍ عن عَمِّه قال: شُكي إلى النبي ﷺ: الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يَجِدُ الشيءَ في الصلاةِ فقال: «لا يَنْصَرِفُ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتا أوْ يَجِدَ رِيْحا». متفق عليه.
وحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «إذا وجد أحدُكم في بَطْنه شيئا فَأشْكَلَ عليه أخَرَجَ مِنْه شيء أمْ لا فَلا يَخْرُجْ مِن المسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتا أو يَجِدَ رِيْحا». رواه مسلم.
نشاط
1. ما حكم الوضوء مع ذكر دليله؟
2. عيِّن الشرطَ والفَرضَ والمسْتَحَبَّ فيما يأتي:
(أ) التسمية عند الوضوء.
(ب) النية.
(ج) غسل اليدين إلى المرفقين.
(د) التيامن في غسل الأعضاء.
(هـ) إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة.
(و) مسح الرأس.
(ز) غسل الأعضاء في الوضوء ثلاثا.
3. اذكر نواقض الوضوء إجمالا.
المسحُ على الخُفَّيْن والجوارِبِ
الخُفُّ: هو ما يلبس في الرِّجْل من جلد رقيق ونحوه، ويكون ساتراً للكعبين فأكثر، مثل الجورب.
مشروعية المسح على الخفين:
أ. قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ (المائدة: 6) على قراءة الجر.
ب. تواترت الأحاديث بذلك عن النبي ﷺ، فقد ورد فيه أربعون حديثاً.
شروط المسح على الخفين:
يُشترط للمسح على الخفَّيْن أربعة شروط:
1. أنْ يكون لابساً لهما على طهارة، لقول النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «دعْهما -أي الخفين-فإنِّي أدخَلتُهما طاهرتَيْن». أخرجه البخاري ومسلم.
2. أنْ يكون الخُفَّان طاهرين، فإنْ كانا نجسين فإنَّه لا يجوز المسح عليهما، ودليل ذلك أنَّ رسول اﷲ ﷺ صلَّى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلان، فخلعهما أثناء صلاته، وأَخبَر أنَّ جبريل أخبره بأنَّ فيهما أذىً أو قذَراً. رواه الدارمي بإسناد صحيح، فدلَّ على أنَّه لا تَجوز الصلاة فيما فيه نَجاسة.
تابع -شروط المسح على الخفين:
3. أنْ يكون مسحهما في الحَدَث الأصغر لا الحدث الأكبر، لقول صفوان بن عسَّال رضي الله عنه: أَمَرَنا رسولُ اﷲ إذا كنَّا سَفْرا ألا نَنْـزِع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليَهُنَّ إلاَّ مِن جَنابة، ولكنْ مِن غائطٍ وبولٍ ونومٍ. رواه أحمد والترمذي وصححه.
4. أنْ يكون المسح في الوقت المحدَّد شرعاً، وهو يومٌ وليلةٌ للمُقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر لحديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعلَ النبيُّ ﷺ للمُقيم يوماً وليلةً وللمسافر ثلاثة أيام ولياليَهن، يعني في المسح على الخُفَّين. رواه مسلم.
الطهارة التي يُمسح فيها على الخفين:
هي الطهارة من الحدث الأصغر، لا من الحدث الأكبر.
دليله: حديث صفوان بن عسَّال رضي الله عنه السابق.
مدة المسح:
للمقيم: يوم وليلة، وللمسافر: ثلاثة أيام ولياليها.
والدليل: حديث علي رضي الله عنه قال: جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. رواه مسلم.
متى تبدأ مدة المسح:
تبدأ مِن أول مرَّة مَسَح فيها بعد الحَدَث، وتنتهي بمضي أربعٍ وعشرين ساعةً بالنسبة للمُقيم، واثنتين وسبعين ساعةً بالنسبة للمُسافر.
مثاله: شخص توضأ لصلاة الفجر يوم الثلاثاء، ثم لبس جوربيه، وبقي على طهارته حتى صلَّى العشاء من ليلة الأربعاء، ونام ثم قام لصلاة الفجر يوم الأربعاء، ومَسَح على الجوربين في الساعة الخامسة صباحا، فإنَّ ابتـداء المدة يكون في هذه الساعة، إلى الساعة الخامسة مِن صباح يوم الخميس.
فلو قُدِّر أنَّه مسَحَ يوم الخميس قبل تمام الساعة الخامسة، فإنَّ له أنْ يُصلِّيَ فجرَ يوم الخميس بهذا المسح.
وهل يستمر حكم هذا المسح، أم ينتقض عند الساعة الخامسة؟
أما المسح، فلا يجوز له بعد الخامسة، لكن يبقى الوضوء، ويُصلي ما شاء مادام على طهارته؛ لأنَّ الوضوء لا يُنتَقَض إذا تَمَّت المدَّة على القول الراجح مِن أقوال أهل العلم.
وذلك لأنَّ رسول اﷲ ﷺ لم يُوقِّت الطَّهارة وإنَّما وَقَّتَ المسْح، فإذا تَمَّت المدة فلا مسْحَ، لكن إذا كان على طهارة فطهارته باقيةٌ؛ لأنَّ هذه الطهارة ثبتَتْ بمُقتضَى دليلٍ شرعي، وما ثبتَ بدليلٍ شرعيٍ فإنَّه لا يرتفع إلاَّ بدليلٍ شرعيٍ، ولا دليلَ على انتقاض الوضوء بتمام مدة المسح.
الأشياء التي يمسح عليها:
1. الجوارب والجزمة الساترة للكعبين ونحوها.
والدليل: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول اﷲ ﷺ توضأ، ومسح الجوربين والنعلين. رواه أحمد والترمذي، وصححه.
قال ابن المنذر: «يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول اﷲ ﷺ: علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد».
كما يمسح على الجوارب بدون شرط فيها على الصحيح، مادام صالحا أن يطلق عليه اسم الجورب، فلا يضر لو كان شفافا أو مخرَّقا ونحوه.
2. العمامة.
والدليل: حديث ثوبان رضي الله عنه قال: بعث رسول اﷲ ﷺ سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني: العمائم-والتساخين، يعني: الخفاف. رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه.
عن عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: «رأيت رسول اﷲ ﷺ يمسح على عمامته وخُفَّيْه» أخرجه البخاري ومسلم.
هل لباس الناس اليوم المعروف بالشماغ، والطاقية، والغترة يقوم مقام العمامة؟
لا تقوم مقامها؛ لأنها لا يشقُّ نزعها.
حكم المسح على الباروكة: لا يجوز تركيب الباروكة؛ لأنه من الوصل المحرم، ويجوز إذا كانت المرأة صلعاء، لا شعر لها؛ وعند ذلك إن كان يسهل نزع الباروكة فعليها أن تنزعها وتمسح على رأسها مباشرة، وإن كان يصعب نزعها إلا عند طبيب ونحوه، فإنها تمسح عليها دون نزعها.
3. خُمُرِ النساء: فتمسح المرأة على الخمار إن كان بها حاجة لبرد ومرض ونحوه، أو كان يشقُّ نزعُه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إنْ خَافَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا؛ فَإِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ خِمَارَهَا.. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ».
4. الجبيرة.
والدليل: حديث جابر رضي الله عنه قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجرٌ، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات. فأخبر النبي ﷺ، فقال: «قتلوه قتلهم اﷲ، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغْسِل سائر جسده». رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني.
وتخالف الجبيرةُ المسحَ على الخُفِّ في أمور:
أنها تمسح كلها، وليس أعلاها فقط.
زمن المسح على الجبيرة يمتد، فإنها تختلف عن باقي الممسوحات، بأنها يجوز المسح عليها حتى يشفى ويخلعها.
لا يشترط للمسح عليها أن توضع على طهارة؛ لأن هذا يشق، ولا وجه لقياسها على الخف.
لكن يشترط ألا تتجاوز الجبيرة موضع الحاجــة.
يجوز المسح على الجبيرة في الطهارتين الصغرى والكبرى.
حكم اللصقات الطبية:
اللصقات الطبية التي تكون على الجروح والحروق ونحو ذلك؛ إن كان في نزعها ضرر فإنه يمسح عليها كما يمسح على الجبيرة، وإن كان نزعها لا يضر؛ فإنه ينْزعها، إلا إن كانت تتلف بكثرة النزع، فلا بأس بتركها.
موضع المسح:
يكون أعلى الخفين أو الجوربين فقط، دون الأسفل، هذا ما ثبتت به السنة.
ويكون على كامل الجبيرة.
وعلى موضع الرأس فقط من الخمار والعمامة.
مسائل متعلقة بالمسح على الخفين:
مسافر مسح، ثم وصل إلى محل إقامته: يمسح مسح مقيم؛ أي يوما وليلة.
مقيم مسح، ثم سافر: يمسح مسح مقيم، أي: يوما وليلة.
مسافر شكَّ هل مسح وهو مقيم أو مسافر: يمسح مسح مقيم.
مقيم أحدث ثم توضأ، وبدأ المسح وهو مسافر: يمسح مسح مسافر.
نشاط
1. اذكر شرطين من شروط المسح على الخفين.
2. ضع علامة صح أو خطأ أمام العبارات الآتية:
- يجوز المسح على الجبيرة في الحدث الأصغر والأكبر. (...)
- شخص به جرح ولا يتضرر من المسح عليه، يجوز له أن يتيمم. (...)
3. ما الدليل على أن مسح الخفين يكون على أعلاهما لا أسفلهما؟
الغُسل
الغُسْل لُغةً:
سيلان الماء على البدن مع الدلك.
وشرعا:
إفراغُ الماءِ الطهورِ على جميع البدن بنية رفع الحَدَث.
موجبات الغسل:
1. خروج المني متدفِّقاً بلذة، بجماعٍ أو احتلامٍ.
لقوله ﷺ: «الماء من الماء». رواه مسلم.
ولحديث أم سليم رضي الله عنها أنها قالت للنبي ﷺ: هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء». متفق عليه.
2. إيلاج الذَّكَر في الفرج، ولو لم يحصل إنزال.
لقول رسول اﷲ ﷺ: «إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مسَّ الختانُ الختانَ، فقد وجب الغُسْل» وفي لفظ: «وإن لم ينزل». رواه مسلم.
3 .الحيض.
والدليل: حديث عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ، فقال: «ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي». متفق عليه.
حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول اﷲ ﷺ أمر أم حبيبة رضي الله عنها أن تغتسل. متفق عليه.
وتبالغ الحائض في دلك الرأس في غسلها
وقت غسل الحائض:
الواجب على المرأة أن تغتسل بعد انقطاع الحيض، فلو اغتسلت قبل أن تطهر لم يصح غسلها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ (البقرة: 222).
4. النفاس. وهو الدم الخارج مع الولادة، أو بعدها، أو قبلها بيومين أو ثلاثة ومعه طَلْق.
أما الدم الذي يخرج أثناء الحمل، أو آخره بدون طلق، فهذا ليس بدم نفاس.
والدَّليل على وجوب الغُسْل منه: أنه نوع من الحيض، ولهذا أَطْلق النبيُّ ﷺ اسمَ النِّفاس على الحيض؛ بقوله لعائشة رضي الله عنها لمَّا حاضت: «لعلَّكِ نُفِسْتِ» متفق عليه.
وقد أجمعَ العلماء على وجوب الغُسْلِ بالنِّفَاسِ كالحيض.
تابع -موجبات الغسل:
5. الموت.
والوجوب فيه يتعلق بالحي؛ لأن الميت انقطع تكليفه بالموت، فيجب على الأحياء أن يغسِّلوا موتاهم.
والدليل: حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول اﷲ ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً». متفق عليه.
قوله ﷺ فيمَن وَقَصَتْهُ ناقته بعرفة: «اغسلوه بماء وسدر». متفق عليه.
حكم تغسيل السِّقط: إن نُفِخَت فيه الروح غُسِّل، وإن لم تُنفخ فلا يلزم تغسيله، ونفخ الروح يكون ببلوغ الجنين أربعة أشهر.
الأغسال المستحبة
إسلام الكافر.
والدليل: حديث قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر. رواه أحمد والترمذي، وحسنه.
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ثُمامة بن أُثال رضي الله عنه لما أسلم أمره النبيُّ ﷺ أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين. أخرجه أحمد وابن حبان وهو صحيح.
بعد تغسيل الميت.
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من غسَّل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». رواه أحمد والترمذي وحسنه.
من أفاق من إغماء.
لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول اﷲ ﷺ، فقال: «أصلى الناس؟». قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول اﷲ. قال: «ضعوا لي ماءً في المِخْضَب». قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء -أي: ينهض بثِقل-، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟». قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: «ضعوا ماءً في المخضب». فاغتسل. متفق عليه.
من أفاق من جنون.
قياسا على الإغماء؛ فإذا شُرِع الاغتسال للإغماء؛ فالجنون من باب أولى.
كل سبعة أيام، ففي الحديث المتفق عليه: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ».
ويستحب غسل الجمعة، وقيل يجب، كما يستحب غسل العيدين، والمستحاضة لكل صلاة، وعند الإحرام.
صفة الغسل
1. النية، والتسمية.
2. غسل كفيه ثلاثا.
3. غسل الفرج.
4. الوضوء، كوضوئه للصلاة.
5. الحثو على رأسه ثلاثا وتخليل أصول شعره.
6. تعميم البدن بالماء
بدءاً بالشق الأيمن ثم الأيسر
والأصل في ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه.
وفي رواية لهما: ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات.
صفة الغسل المُجزِئ: أن ينوي، ثم يعمُّ بدنَه بالماء، لقول النبي ﷺ للرجل الذي كان جُنُباً ولم يُصَلِّ: «خُذْ هذا وأفرغه عليك». متفق عليه.
نشاط
1. اذكر موجبات الغسل مع أدلتها.
2. اشرح باختصار صفة الغسل.
3. ما حكم الموالاة في الغسل، ومن قال بأنها شرط فيه؟
4. بم يفارق غسلُ الحيض غيره؟
التيمم
التيمم لُغةً:
القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ (البقرة: ٢٦٧).
وشرعا:
مسح الوجه واليدين بالصعيد الطيب، على وجه مخصوص؛ تعبُّداً ﷲ تعالى.
وهو من خصائص الأمة المحمدية:
روى جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن نبيٌّ من الأنبياء قبلي: نُصِرْت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً...». متفق عليه.
والتيمم يكون بدلاً عن الوضوء والغسل عند تعذرهما.
قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ (النساء: ٤٣) يدل على أنه لا يجوز التيمم إلا بعد بذل الجهد في طلب الماء، فالتيمم رخصة لمن لم يجد الماء، ولا يقال في لغة العرب: (لم يجد) إلا لمن طلب فلم يصب ما يريد.
متى يشرع التيمم؟
يشرع التيمم عند العجز عن استعمال الماء حقيقةً أو حكماً.
مثال العجز الحقيقي: أن يكون في صحراء وليس معه ماء، أو يُحْبَسَ في غرفة ليس فيها ماء، أو يكون الماء في مسافة بعيدة عنه عرفا، ونحو ذلك.
ومثال العجز الحكمي: أن يوجد الماء ويعجز الشخص عن استعماله، إما لخوف الضرر على جسده، أو لحاجته له في الشرب، أو لشدة البرد، ونحوه.
والدليل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (المائدة:6).
ولحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رواه الترمذي وصححه الألباني.
يشرع التيمم للطهارة المستحبة، فإن النَّبيَّ ﷺ تيمَّم لردِّ السَّلام، وقال: «إِني كَرهْتُ أن أَذْكُر اﷲ إِلا على طُهْر» أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.
بم يكون التيمم؟
يكون التيمم بتراب طهور له غبار يعلق باليد إن وجده لقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ (المائدة:6).
فإن لم يجد ترابا تيمم بما يقدر عليه من رمل أو حجر، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن:16).
ولا بد أن يكون التراب طهورا، فلا يصح التيمم بالتراب النجس، الذي تلوث ببولٍ ونحوه لقوله تعالى: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾. والطيب: الطهور.
ولحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا». أخرجه مسلم.
التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا إلى حين وجود الماء، ولذا يجوز التيمم قبل دخول وقت الصلاة، وله أن يصلي بتيمُّمِه ما شاء من الفرائض والنوافل، فإن وُجد الماء انقطع حكم التيمم.
فروض التيمم:
1. النية وهي عبادة قلبية.
2. مسح الوجه.
3. مسح الكفين، اليمين أولا، ثم الشمال.
لقوله تعالى: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾.
قَالَ عَمَّارٌ رضي الله عنه: «فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» متفق عليه.
٤. الترتيب.
لقوله تعالى: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾، فقدم الوجه على اليدين.
إن خشي خروج الوقت لو استعمل الماء، فهل له أن يتيمم؟
الواجب عليه الوضوء أو الاغتسال ولو خشي خروج الوقت، بل لو استيقظ متأخرا وخشي خروج الوقت إن اغتسل، فجمهور العلماء على أنه يلزمه الاغتسال، لأنه معذور، ولا يشرع له التيمم حينئذ.
صفة التيمم:
1. يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة، واستحب العلماء أن تكون أصابعه مُفَرَّجَة.2. يمسح وجهه.
3. يمسح ظاهر كفّيه براحتيه، يمسح اليمين ثم الشمال
لو عَدِمَ الماء والتُّراب، كما لو حُبِس في مكان لا تُراب فيه ولا ماء؛ فإِنه يُصلِّي على حَسَب حاله، محافظةً على الوقت الذي هو أعظم شروط الصلاة، ولا يعيد، ويسمى (فاقد الطهورين).
وجود الماء له أحوال ثلاثة:
1. أن يجده قبل شروعه في الصلاة، فإنه يجب عليه الوضوء، ولا يجوز له الصلاة بالتيمم.
2. أن يجده بعد الصلاة، فلا حرج عليه، ولا يعيد الصلاة، لما رواه أبو داود في قصَّة الرَّجُلين اللذين تَيمَّمَا ثم صَلَّيَا، ثم وَجَدَا الماءَ في الوقت، فأمَّا أحدُهما فلم يُعِدِ الصَّلاة، وأمَّا الآخر فتوضَّأ وأعاد، فَقَدِما على النَّبيِّ ﷺ، فأخبراه الخبرَ؛ فقال للذي لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ»، وقال للذي أعاد: «لك الأجْرُ مَرَّتين». صححه الألباني.
3. أن يجده أثناء الصلاة، فإنه يبطل التيمم، لقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ﴾، ولقوله ﷺ: «فإذا وجد الماء فليتق اﷲ وليَمَسَّهُ بشرته»، ولأن التيمم بدل عن طهارة الماء عند فقده، فإذا وجد الماء زالت البدلية فيزول حكمها، فيخرج من الصلاة ويتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد.
مبطلات التيمم:
1. مبطلات الوضوء
لأن التيمم بدل من الوضوء، فيأخذ حكمه.
2. وجود الماء مع القدرة على استعماله
نشاط
1. صِفْ طريقة التيمم، مع ذكر الدليل.
2. اذكر مبطلات التيمم.
الوحدة الثالثة: إزالة النجاسة والحيض والنفاس
سندرس في هذه الوحدة
إزالة النجاسة وما يتعلق بها من مسائل
الحيض والنفاس وما يتعلق بهما من مسائل
إزالة النجاسة
النجاسة:
كل عين مستقذرة أمر الشارع باجتنابها.
أقسام النجاسة:
تنقسم النجاسة إلى قسمين:
1. النجاسة العارضة (وتسمى النجاسة الحكمية).
والمراد بها: أن يكون المحل طاهراً، فتَرِدُ عليه نجاسة طارئة؛ كأن يوجد ثوب أو بساط طاهر، فتقع عليه نجاسة، فينجس، فهذه هي النجاسة العارضة.
حكمها: هذه النجاسة تطهر بأي طريقة تزيلها.
2. النجاسة العينية.
المراد بها: أن تكون العين نجسة؛ كالكلب، والخنْزير، وروثة الحمار، ودم الحيض، والبول والغائط، ونحو ذلك.
حكمها: هذه النجاسة لا تطهر؛ فلو غُسِلَ كلب بماء البحر فإنه لا يطهر.
كيف يحصل تطهير محل النجاسة؟
ينقسم محل النجاسة إلى قسمين:
القسم الأول: نجاسة الكلب: تغسل سبع مرات، أولاهن بالتراب، ولا يلحق به الخنزير، والدليل: قوله ﷺ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب». رواه مسلم.
ولا فرق في الكلب بين الأَسْوَدِ وغيره، والْمُعَلَّم وغير المعلم، وما يباح اقتناؤه وما لا يباح، والصغير والكبير، فكل أنواع الكلاب تأخذ هذا الحكم.
(أولاهن بالتراب):
بيَّن الأطباءُ السرَّ في استعمال التراب دون غيره بقولهم:
إن فيروس الكلب دقيق متناهٍ في الصغر، وكلما صغر حجم الميكروب كلما زادت فعالية تعلقه بجدار الإناء والتصاقه به، ولعاب الكلب المحتوي على الفيروس يكون على هيئة شريط لعابي سائل، ودور التراب هنا هو امتصاص الميكروب من على سطح الإناء.
وقد ثبت علميا أن التراب يحتوي على مادتين قاتلتين للجراثيم: (تتراكسلين) (التتاراليت) وهما تستعملان في عمليات التعقيم ضد بعض الجراثيم.
ومع ذلك فنحن -المسلمين-نمتثل أمر الشارع بقطع النظر عن هذه الفوائد الحسية.
القسم الثاني: ما عدا الكلب.
يُجْزِئُ في هذا القسم غسلةٌ واحدةٌ تذهب بعين النجاسة، فإن لم تذهب عين النجاسة بالغسلة الأولى غُسِلَتْ مرة ثانية وثالثة وهكذا، إلى أن تزول النجاسة.
وإن كانت النجاسة ذاتَ جِرْمٍ، فلا بُدَّ من إزالة الجِرْمِ أولاً، ثم إتباع محله بالماء، كما لو كانت عَذْرَةً فإنها تزال، ثم يتبع محلها بالماء.
ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم رسول اﷲ ﷺ، فلما قضى بولَه أمر النبي ﷺ بذَنُوب -دلو-من ماء، فأهريق عليه. متفق عليه.
ومن هذا القسم: بول الآدمي والغائط والمذي والودي ودم الحيض والنفاس، وبول وروث الحيوان غير مأكول اللحم والميتة والخنزير.
المذي: ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة، وهو نجس بالاتفاق.
وطهارته: بأن يغسل الذكر والخصية، وينضح الثوب بالماء، لأمر النبي ﷺ بذلك.
والودِي: ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول، وهو يوجب الاستنجاء، وتطهير الثوب والبدن مما أصابه منه؛ لأنه نجس إجماعا، ويجب الوضوء منه إجماعا.
هل الماء شرط للطهارة؟
تحصل الطهارة بكل ما يزيل العين النجسة، سواء كان بالماء أم بالشمس أم بالهواء أم بطول الوقت، فمتى زالت النجاسة زال حكمها.
تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام:
يكون بالنضح، بأن تُتْبِعَه الماءَ دون فَرْكٍ أو عصر، حتى يشمله كله، والدليل:
حديث أبي السمح رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام». رواه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم.
عن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول اﷲ ﷺ، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله. متفق عليه.
وأما الجارية فيغسل بولها بكل حال.
حكم الموضع المتنجس إن خفِيَ:
لو أصابت النجاسة أحد موضعين، ثم نسي أي موضعٍ أصابته النجاسة، فالأحوال أربعة:
الأولى: أن تجزم بإِصابة النَّجاسة للموضعَين؛ فتغسِلهما جميعا.
الثانية: أن تجزم أنَّها أصابت أحدهما بعينه؛ فتغسِله وحده.
الثالثة: أن يغلب على ظنِّك أنها أصابت أحدهما؛ فتغسله وحده.
الرَّابعة: أن يكون الاحتمالان عندك سواء؛ فتغسلهما جميعا.
الغائط الخارج من الصبي والجارية يأخذ حكم باقي النجاسات، فيجب غسل الموضع، ولا يكفي النضح.
ما حكم إزالة النجاسة بالتنظيف الجاف، أو بالبخار؟
الجواب: متى زالت النجاسة بأي وجه كان زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها.
درجات النجاسة: بناء على ما تقدم، فالنجاسة ثلاث درجات:
1. الخفيفة:
كبول الصبي الرضيع الذي لم يأكل الطعام.
2. المتوسطة:
مثل بول الآدمي وغائطه، ودم الحيض والنفاس، وغالب النجاسات.
3. الغليظة:
وهي نجاسة الكلب، وما ولغ فيه.
ذِكرٌ لبعض الطاهرات التي حصل فيها خلاف:
1. لا ينجس المؤمن بالموت. لعموم قوله ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس». || متفق عليه.
2. ما ليس له دم سائل، بشرط أن يكون متولداً من طاهر. فإذا وقع شيء من حشرات الأرض التي لا دم لها في ماء، ومات فيه، فالماء طاهر؛ كالذباب والعقارب ونحو ذلك.
أما إذا كان متولداً من نجاسة فهو نجس، كصراصير المراحيض ونحوها.
والدليل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم ليطرحه». رواه البخاري.
3. بول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومنيُّه، كالإبل والغنم والبقر والدجاج ونحوه.
والدليل: حديث أنس رضي الله عنه: أن رهطاً من عُكَل وعُرَينة قدموا على رسول اﷲ ﷺ، فاجتووا المدينة -أي أصابهم مرض بها-، فأمر لهم بلقاح -إِبل-، وأمرهم أن يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها. متفق عليه.
حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «صلوا في مرابض الغنم». وهي لا تخلو من البول والروث.
4. منيُّ الآدمي. قالت عائشة رضي الله عنها: كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول اﷲ ﷺ، ثم يذهب فيصلي فيه. رواه مسلم.
5. رطوبة فرج المرأة. لأن الرجل يكون مع أهله ويباشرها، ولا شك أن هذه الرطوبة سوف تعلق به، ومع ذلك لم يرِد عن النبي ﷺ أنه أمر بغسلها.
6. سُؤْرُ الهِرَّة، وما يكثر طوافه في البيوت، بشرط ألا يكون الشارع نص على نجاسته. والسؤر: هو بقية الطعام والشراب.
والدليل: حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول اﷲ ﷺ قال في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
قال الشيخ ابن عثيمين: "كلُّ ما يُكْثُرُ التَّطواف على الناس؛ مما يشقُّ التَّحرُّز منه فحكمه كالهرَّة، لكن يُستثنى من ذلك ما استثناه الشَّارع، وهو الكلب".
أقسام الدِّماء:
ينقسم الدم إلى قسمين:
دم الإنسان
دم الحيوان
1. دم الإنسان
الحيض والنفاس
غير الحيض والنفاس
2. دم الحيوان
مأكول اللحم
غير مأكول اللحم
لا دم له
دم الميتة
أولا: ينقسم دم الإنسان إلى:
دم الحيض والنفاس.
غيرُ دمِ الحيض والنفاس.
أولا: دم الحيض والنفاس نجس باتفاق العلماء، والأدلة على نجاسته كثيرة، منها:
عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ قَالَ: «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» متفق عليه.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ؟ فقال: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله! تَطَهَّرِي. فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ». أخرجه البخاري.
ثانيا: غير دمِّ الحيض والنفاس، كالدماء التي تخرج من البدن، والأسنان ونحوه، فهي طاهرة على الراجح من أقوال أهل العلم، والدليل:
أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة حتى يقوم دليل النَّجاسة، ولم يُعلم أنَّه ﷺ أمَر بغسل الدَّمِ إلا دم الحيض، مع كثرة ما يصيب الإنسان من جروح، ورعاف، وحجامة.
أنَّ المسلمين مازالوا يُصلُّون في جراحاتهم في القتال، وقد يسيل منهم الدَّمُ الكثير، ولــم يـرد عنـه ﷺ الأمرُ بغسله.
ثانيا: ينقسم دم الحيوان إلى:
دم الحيوان الذي يؤكل لحمه.
وهو طاهر لعدم الدليل على نجاسته، وهذا هو الأصل، ولأن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ .. «وأتوا بسلى جزور، ووضعوه عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِه...» الحديث رواه البخاري ومسلم، واستمر النبي ﷺ في صلاته، مما يدل على عدم نجاسة هذا الدم.
ويستثنى من ذلك الدم المسفوح، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ (الأنعام: 145).
أما الدَّمُ الذي يبقى في المذكَّاة بعد تذكِيَتِها، كالدَّمِ الذي يكون في العُروق، والقلب، والطِّحال، والكَبِد، فهذا طاهر، سواء كان قليلاً، أم كثيراً.
دم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه.
وهو نجس، إلا الهِرَّة وما يكثر طوافه في البيوت، إلا ما استثنى الشرع، كالكلب.
دم الميتة. والميتة: هي كل ما مات من غير ذبح شرعي، وهي نجسة بالإجماع، والدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ (الأنعام: 145).
ويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد فإنهما طاهرتان، قال النبي ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَاد، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني.
نشاط
1. كيف تزال نجاسة الكلب والخنزير؟
2. إذا كان الجورب شفافاً أو مخرَّقاً، هل يمسح عليه؟
3. ما حكم سؤر الهرة؟ استدل لما تقول؟
الحيض والنفاس
الحيض لغة:
السَّيلان، يُقال: حَاضَ الوادي إِذا سال.
وفي الشَّرع:
دم طبيعة وَجِبِلَّة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، حال صحة المرأة، من غير ولادة.
سِنُّ الحيض:
لا حيض قبل تمام تسع سنين؛ لأنه لم يثبت في الوجود لامرأةٍ حيضٌ قبل ذلك.
ولا حيض بعد خمسين سنة في الغالب.
أقل الحيض وأكثره:
أقل الحيض: يوم وليلة.
وأكثره: خمسة عشر يوما، في قول أكثر الفقهاء، فما زاد على خمسة عشر ليس بحيض وإنما هو استحاضة.
وغالب الحيض: ست، أو سبع.
ما تراه المرأة من الدم، ولم يستمر معها يوما وليلة يعد دم فساد، لا يترتب عليه شيء من أحكام الحيض، وهو مع ذلك نجس، وناقض للوضوء.
الوحدة الثالثة: إزالة النجاسة والحيض والنفاس
حكم المُبْتَدَأَة في الحيض:
الدم النازل على المبتدئة، إن كان يحمل صفات الحيض، فهو حيض، وإن استمر، ما لم يتجاوز خمسة عشر يوما، فيكون استحاضة.
والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ (البقرة: 222). فمتى وُجِدَ هذا الدَّمُ، فهو حيضٌ حتى يبلغ خمسة عشر يوما.
متى يحكم للحائض بأنها طهرت؟
الطهر من الحيض يتحقق بأحد أمرين:
الأول
انقطاع الدم: وتعرفه المرأة بإدخال خِرْقَةٍ أو قُطنَة في فرجها، فإن خرجت نقية لا كُدْرَة عليها ولا صُفْرَة، فهذه علامة على الطهر والنقاء.
الثاني
القَصَّة البيضاء: وهي ماء أبيض شفاف يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض.
لحديث أم علقمة رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ (القطن) فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ». رواه مالك، وصححه الألباني.
أحكام الكدرة والصفرة:
الكدرة والصفرة المتصلة بالحيض، قبله أو بعده، أو أثناءه: من الحيض.
فإن لم تتصل بالحيض، كأن تكون قبل الحيض وانقطعت، أو كانت بعد الطهر من الحيض، فليست بحيضٍ.
فعن أم عطية رضي الله عنها قالت: «كنا لا نعُدُّ الكُدْرَة والصفرة بعد الطهر شيئا». رواه البخاري.
هل تقرأ الحائض القرآن؟
الأرجح أنه يجوز لها قراءة القرآن، خاصة ما يتعلق بحاجاتها، كالطالبة والمعلمة، فتقرأ حزبها وغيره، من غير أن تمسَّ المصحف، لعدم وجود دليل من الشرع يدل على منعها.
ما يحرم بالحيض والنفاس:
ويحرم بسبب الحيض والنفاس أمور:
1. الصلاة: لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة». متفق عليه.
2. الصوم: لقوله ﷺ: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم، ولم تصلِّ؟» قلن: بلى. متفق عليه.
3. الطواف: لقوله ﷺ لعائشة رضي الله عنها لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». متفق عليه.
4. مس المصحف: لقول النبي ﷺ «لايمس القرآن إلا طاهر». رواه مالك، وصححه الألباني، ويجوز لها أن تمسَّه بحائل إن احتاجت لذلك.
5. دخول المسجد واللُّبثُ فيه: لأنه ﷺ كان يدني رأسه لعائشة، وهي في حجرتها، فترجِّله -أي: تمشطه-وهي حائض.
وكذا يحرم عليها المرور في المسجد إن خافت تلويثه، فإن أمنت تلويثه لم يحرم.
6. الوطء في الفرج: لقوله تعالى: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ (البقرة: 222).
وقال النبيُّ ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». رواه مسلم.
7.الطلاق: لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1). وقوله ﷺ لعمر لما طلق ابنه عبد اﷲ امرأته في الحيض: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثم لِيُطَلِّقْهَا طاهرا أو حاملا». رواه مسلم.
مسائل:
إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة، ولم تكن صلت، فعليها قضاء تلك الصلاة بعد الطهر.
لو حاضت نهار يوم صومها، بطل الصوم، ولزمها قضاؤه.
ولو طهرت نهار يوم الصوم، وجب عليها قضاؤه، ولا يجب عليها الإمساك بقية اليوم.
أحكام المستحاضة:
المستحاضة من ترى الدم على أثر الحيض على صفة لا يكون حيضا.
ودم الاستحاضة يخالف دم الحيض في أحكامه وفي صفته.
كيف تصلي المستحاضة؟
تغسل فرجها، وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة بعد دخول وقتها، وتصلي فروضا ونوافل.
المستحاضة لها ثلاث أحوال:
الأولى: أن يكون لها عادة معلومة، فتجلس عادتها فقط.
الثانية: ألا يكون لها عادة معلومة، لكن لها تمييز معلومٌ، فهذه تعمل بالتمييز، فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غلظة أو رائحة، وما عداه استحاضة.
الثالثة: ألا يكون لها حيض معلوم ولا تمييز صالح، فهذه تعمل بعادة غالب النساء، فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة من كل شهر، وما عداه استحاضة.
المستحاضة لها حكم الطاهرات في كل شيء، فيصح صومها وصلاتها وطوافها وتحل لها القراءة ومس المصحف والجماع.
فلا فرق بين المستحاضة وبين الطاهرات في شيء من الأحكام إلا في وجوب الوضوء عليها لكل صلاة بعد دخول وقتها.
أحكام النفساء:
النفاس: هو الدم الخارج من رحم المرأة بسبب الولادة، وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل، وصفته كصفة دم الحيض غالباً.
أقل مدة النفاس: لا حدَّ لأقله، وقد يمتد أياما، وأكثره: أربعون يوما، فما زاد عليه فهو استحاضة.
والنفاس كالحيض فيما يحل؛ كالاستمتاع منها بما دون الفرج، وفيما يحرم؛ كالوطء في الفرج ومنع الصوم والصلاة والطلاق والطواف واللبث في المسجد، وفي وجوب الغسل على النفساء عند انقطاع دمها كالحائض، ويجب عليها أن تقضي الصيام دون الصلاة.
فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين، فقد انتهى نفاسها، فتغتسل وتصلي، ويباح لها ما منعت منه.
المقطع للاطلاع فقط
إذا ألقت الحامل ما تبيَّن فيه خلق إنسان، بأن كان فيه تخطيطٌ، فلها أحكام النفساء.
والمدة التي يتبين فيها خلق الإنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالبا، وأقلها واحد وثمانون يوما.
وإن ألقت الحامل علقة أو مضغة؛ لم يتبين فيها تخطيط إنسان؛ لم تعتبر ما ينزل بعدها من الدم نفاسا؛ فلا تترك الصلاة ولا الصيام.
الفرق بين دم الفساد ودم الحيض والاستحاضة:
النساء فيما يتعلق بنزول الدم أربعة أضرب: طاهر، وحائض، ومستحاضة، وذات دم فاسد.
فالطاهر: ذات النقاء.
والحائض: من ترى دم الحيض في زمنه بشرطه.
والمستحاضة: من ترى الدم على أثر الحيض على صفة لا يكون حيضا.
وذات دم الفساد: من يبتديها دم لا يكون حيضا.
فكل دم تراه المرأة في غير وقت الحيض، أو غير متصل به فهو دم فساد.
ودم الفساد لا يترتب عليه أثر، فلا يمنع من الصلاة ولا الصوم، وهو نجس وناقض للوضوء.
النفاس كالحيض في جميع أحكامه.
نشاط
1. إذا حاضت المرأة، وأرادت أن تزداد من الخير فصلَّت بعض الفروض والنوافل، فما حكم عملها؟
2. اذكر مثالين لما تُشابِهُ فيهما النفساءُ الحائضَ.
3. امرأة كانت تحيض خمسة أيام في أول كل شهر، ثم أصيبت بالاستحاضة، فصار الدم مستمرا معها طيلة شهر كامل، فماذا تفعل؟ وهل تترك الصوم والصلاة طيلة الشهر؟
كتاب الصلاة
محتويات المنهج
تعريف الصلاة وحكمها وحكم تاركها
الأذان والإقامة
مواقيت الصلاة
شروط الصلاة
أركان وواجبات وسنن الصلاة
مبطلات الصلاة
مكروهات الصلاة
الوحدة الرابعة: الصلاة والأذان والإقامة
سندرس في هذه الوحدة
الصلاة ومكانتها وفضلها
الأذان والإقامة وما يتعلق بهما من مسائل
الصَّلاة
تعريفها:
الصلاة في اللغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿ وَصَلِّ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ (التوبة: 103) أي: اُدع لهم.
وفي الشرع: التعبد ﷲ تعالى بأقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
مرتبتها:
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفق عليه.
فضلها:
ورد في فضل الصلاة، والأمر بها، والحث عليها أحاديث كثيرة؛ منها:
1. حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» رواه مسلم.
2. وعنه رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ -أي: وسخه- شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اﷲُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» متفق عليه.
! لماذا كانت الصلاة ذات منزلة عظيمة؟
الجواب:
لأن اﷲ تعالى أخَّرَ فرضها إلى ليلة الإسراء والمعراج؛ إشادةً بها.
ولأنها فرضت من اﷲ سبحانه وتعالى إلى رسوله ﷺ دون واسطة.
وفُرضت في السماء، مما يدل على علو منزلتها.
وفُرضت خمسين صلاة، وهذا يدلُّ على محبَّة اﷲ لها.
متى فرضت؟
فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج قبل الهجرة.
الحكمة من مشروعيتها:
الصلاة شكر للنعم العظيمة التي امتنَّ اﷲ بها على عباده، كما أنها من أبرز معاني العبودية؛ حيث يظهر فيها التوجه إلى اﷲ سبحانه وتعالى والتذلل والخضوع بين يديه، ومناجاته تعالى بالقراءة والذكر والدعاء، كما أن فيها الصلة التي تربط العبد بربه، وتسمو به إلى صفاء النفس وطمأنينتها.
حكمها:
الصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل ذكراً كان أو أنثى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: 103).
وقد بعثَ ﷺ معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال: «أعْلِمْهُمْ أنَّ اﷲ افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كُلِّ يومٍ وليلةٍ» متفق عليه.
صلاة الصغير:
يؤمر بها الصغير إذا بلغ سبع سنوات، ويضرب عليها ضربا غير مبرح لعشر سنين، لحديث: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع». رواه أبو داود، وصححه الألباني.
حكم تاركها:
من ترك الصلاة جاحداً وجوبها كَفَرَ بالإجماع؛ لأنه مكذِّب ﷲ ورسوله ﷺ وإجماع الأمة.
أما من تركها تهاوناً أو كسلاً مع إقراره بوجوبها ففيه خلاف، والراجح أنه يكفر، والدليل:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: 11).
حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رواه مسلم.
حديث بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رواه النسائي وصححه الألباني.
مسائل متعلقة بالصلاة:
1. لا تجب الصلاة على المجنون والصبي لعدم وجود العقل الذي هو مناط التكليف، ولا على الحائض والنفساء؛ لقوله ﷺ: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» رواه البخاري ومسلم.
2. إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض والنفساء قبل خروج الوقت بمقدار ركعة فإنه يجب عليهم أداء هذه الصلاة؛ لقوله ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» متفق عليه.
3 .لا يؤمر الكافر إذا أسلم بقضاء ما فاته قبل إسلامه؛ لأن الإسلام يمحو ويهدم ما قبله، ولأن النبي ﷺ لم يأمر أحداً ممن أسلم بقضاء الصلوات.
نشاط
1. متى فرضت الصلاة، وكيف؟
2. ما حكم من ترك الصلاة تهاوناً؟
3. اذكر بعض النصوص في فضل الصلاة.
4. متى يؤمر الصبي بالصلاة؟ ومتى يضرب عليها؟
5. لا تجب الصلاة على ....................... و ....................... و ....................... و ....................... ولاتصح من ............................ .
6. علِّل واستدل: لا يؤمر الكافر إذا أسلم بقضاء ما فاته قبل إسلامه؟
الأذان والإقامة
التعريف:
الأذان لغة: الإعلام. قال تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ﴾ (التوبة: 3). أي: إعلام.
وشرعا: الإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص.
والإقامة: الإعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص.
مشروعية الأذان:
شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وكان سبب ذلك ما ورد عن عبد اﷲ بن زيد رضي الله عنه قال: لمَّا أمرَ رسولُ اﷲ ﷺ بالنَّاقوسِ يُعمَل لِيُضرَبَ به للناسِ لِجَمعِ الصَّلاةِ، طافَ بي وأنا نائمٌ رجلٌ يَحمِلُ ناقوسا في يَدِه، فقلت: يا عبدَ اﷲ، أتبيعُ النَّاقوسَ؟ قال: وما تَصنعُ به؟ فقلت: ندعو به إلى الصَّلاةِ، قال: أفلا أدلُّكَ على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلتُ: بلى، قال: فقال: تقول: اﷲ أكبرُ، اﷲ أكبرُ، اﷲ أكبرُ، اﷲ أكبرُ، أشهدُ أن لا إله إلا اﷲ، أشهدُ أن لا إله إلا اﷲ، أشهدُ أن محمدا رسولُ اﷲ، أشهدُ أن محمدا رسولُ اﷲ، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، اﷲ أكبرُ، اﷲ أكبرُ، لا إله إلا اﷲ.
الوحدة الرابعة: الصلاة والأذان والإقامة
قال: ثمَّ استأخَرَ عني غيرَ بعيدٍ، ثمَّ قال: وتقولُ إذا أقمتَ الصلاةَ: اﷲ أكبرُ، اﷲ أكبرُ، أشهدُ أن لا إله إلا اﷲ، أشهدُ أنَّ محمدا رسولُ اﷲ، حَي على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، اﷲ أكبرُ، اﷲ أكبرُ، لا إله إلا اﷲ.
فلمّا أصبَحتُ أتيتُ رسولَ اﷲ ﷺ فأخبَرتُه بما رأيتُ، فقال: «إنَّها لَرؤيا حَقٍّ إن شاء اﷲ، فقُم مع بلالٍ فألقِ عليه ما رأيتَ فليؤَذِّنْ به، فإنّه أندى صوتا منك» فقُمتُ مع بلالٍ، فجعلتُ أُلقيهِ عليه ويُؤَذنُ به، قال: فسمعَ ذلك عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه وهو في بيتِه، فخرجَ يَجُرُّ رداءَه، ويقول: والذي بعثَك بالحق يا رسولَ اﷲ، لقد رأيتُ مثلَ ما أُرِيَ، فقال رسولُ اﷲ ﷺ : «فللّه الحمدُ» رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
فضل الأذان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اﷲ ﷺ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه.
وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول اﷲ ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة». رواه مسلم.
شروط صحة الأذان:
1. دخول الوقت: فلا يصح الأذان للصلاة قبل دخول وقتها، ويستثنى من ذلك: الأذان الأول للفجر، والأذان الأول لصلاة الجمعة.
2. الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان، كما وردت بذلك السنة.
٣. أن يكون الأذان باللغة العربية وبالألفاظ التي وردت بها السنة.
لا يشترط للأذان طهارة ولا استقبال قبلة، أو القيام له، أو عدم الكلام أثناءه، ويستحب ذلك كله.
يشترط في المؤذن:
أن يكون مسلما، عاقلا، ذكرا فلا يصح الأذان من: الكافر، والمجنون، والسكران، وغير المميز، ولا من المرأة للرجال.
يسنُّ الفصل القصير بين ألفاظ الأذان، ولا بأس إن طال يسيرا.
الصفات المستحبة في المؤذن:
1. أن يكون عدلا أمينا؛ لأنه مؤتمن يُرجع إليه في الصلاة والصيام.
2. أن يكون بالغا، ويصح أذان الصبيِّ المميز.
3. أن يكون عالماً بالأوقات ليتحرَّاها فيؤذن في أولها.
4. أن يكون حسن الصوت.
5. أن يكون متطهرا من الحدث الأصغر والأكبر.
6. أن يؤذن قائما مستقبل القبلة.
7. أن يتمهل في الأذان، ويسرع في الإقامة.
الالتفات في الحيعلتين في الميكروفون:
الالتفات في الأذان يميناً وشمالاً عند الحيعلتين سنة؛ لما روى البخاري ومسلم عن أَبِي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: «وَأَذَّنَ بِلَالٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ يَمِيناً وَشِمَالاً: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ».
لكن لا يلتفت من أذَّن بمكبر الصوت؛ لأن الإسماع يكون من (السماعات) التي في المنارة؛ ولو التفت لضعف الصوت؛ لابتعاده عن المايك.
من بِدَع الأذان:
1. أن يقول عند التشهُّد: عزيز اﷲ أعظم.
2. أن يقول عند الإقامة: نشهد أو صدقت.
3. أن يقول عند قول المؤذن: «الصلاة خير من النوم» صدق رسول اﷲ ﷺ ونحوه. 4. التعجيل بإقامة صلاة المغرب.
ولا يشرع أن يقول عند الإقامة:
أقامها اﷲ وأدامها؛ لأن الحديث الوارد فيه ضعيف.
صفة الأذان والإقامة:
ورد في السنة النبوية أكثر من صفة للأذان والإقامة، منها ما جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي ﷺ علمه الأذان بنفسه، فقال: «تقول: اﷲ أكبر، اﷲ أكبر، اﷲ أكبر، اﷲ أكبر، أشهد أن لا إله إلا اﷲ، أشهد أن لا إله إلا اﷲ، أشهد أن محمدا رسول اﷲ، أشهد أن محمدا رسول اﷲ، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، اﷲ أكبر، اﷲ أكبر، لا إله إلا اﷲ» أخرجه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني.
وأما صفة الإقامة فهي: «اﷲ أكبر اﷲ أكبر، أشهد أن لا إله إلا اﷲ، أشهد أن محمدا رسول اﷲ، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اﷲ أكبر اﷲ أكبر، لا إله إلا اﷲ»؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «أمر بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة» متفق عليه.
التثويب:
يستحب أن يقول في أذان الصبح بعد (حَيَّ على الفلاح): (الصلاة خير من النوم) مرتين، ويسمى: التثويب؛ لما روى أبو محذورة رضي الله عنه أن رسول اﷲ ﷺ قال له: «إن كان في أذان الصبح قلت: الصلاة خير من النوم» أخرجه النسائي وصححه الألباني.
الوحدة الرابعة: الصلاة والأذان والإقامة
متابعة المؤذن:
يستحب لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن؛ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» متفق عليه.
إلا في الحَيْعَلَتَيْن، فيشرع لسامع الأذان أن يقول: (لا حول ولا قوة إلا باﷲ) عقب قول المؤذن: (حَيَّ على الصلاة)، وكذا عقب قوله: (حَيَّ على الفلاح).
ثم إذا انتهى من الأذان، فإنه يصلي على النبي ﷺ، ثم يسأل اﷲ الوسيلة لرسول اﷲ ﷺ.
فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اﷲ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». أخرجه مسلم.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه البخاري.
إذا قال المؤذن في صلاة الصبح: (الصلاة خير من النوم)، فإن المستمع يقول مثله، ولا يُسَنُّ أن يقول: صدق رسول اﷲ، أو: صدقت وبررت يارسول اﷲ، بل هذا من البدع.
الدعاء بين الأذان والإقامة:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اﷲ ﷺ: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». أخرجه أبو داود، وصححه الألباني.
أخطاء في ألفاظ الأذان:
آﷲ أكبر!! بصيغة الاستفهام. اﷲ أكباااار بمد الألف. اﷲ وأكبر.
مسائل متعلقة بالباب:
يسنُّ تكرار المتابعة مع أكثر من مؤذن حتى يصلي الشخص فإن صلى فلا تشرع المتابعة.
لا يسن أن يقال شيء عند الإقامة، لإن هذا هو ظاهر السُّنة
1. يشرع الأذان في حق المسافرين، لحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بالأذان وكانوا مسافرين.
2. ليس على النساء أذان ولا إقامة؛ لأنهن غير مخاطبات بالجماعة ولا بالأذان، لكن إذا أذَّنَّ وأقمنَ دون أن يسمعهن الرجال فلا بأس.
3. إذا جمع بين صلاتين أذَّن للأولى وأقام لكل صلاة؛ لما ثبت عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ في عرفة أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وكذلك في المزدلفة أذَّن ثم أقام وصلى المغرب، ثم أقام وصلى العشاء. رواه مسلم.
4. الأولى أن يقيم الصلاة من أذَّن، ولا بأس أن يقيم غيره؛ لعدم ثبوت ما يمنع.
5. لابـأس بمتابعة المؤذن في المذياع إن كان على الهواء مباشرة، أما إن كان مسجَّلا فلا يسنُّ.
6. لايجوز الاكتفاء بالأذان عن طريق المسجلات، فإن الأذان عبادة لفظية لا بد من الإتيان بها.
نشاط
1. اذكر ثلاثا من الصفات المستحبة في المؤذن؟
٢. ما المقصود بالتثويب؟
٣. ضع علامة صح أو خطأ، وصحح الخطأ.
- يستحب للمؤذن أن يسرع في الأذان ويتمهل في (الإقامة)
- من شروط صحة الأذان أن يكون المؤذن (ذكرا)
- يستحب التثويب في أذان (الفجر والعصر)
- يجوز للمؤذن أن يتكلم أثناء (الأذان)
الوحدة الخامسة: مواقيت الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها
سندرس في هذه الوحدة
مواقيت الصلاة
شروطها
أركانها
واجباتها
سننها
مواقيت الصلاة
الصلوات المفروضة خمسٌ في اليوم والليلة، لكل صلاة منها وقت محدد، حدده الشرع.قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: 103)، يعني: مفروضا في أوقات محددة.
وهذه المواقيت الأصل فيها حديث عبد اﷲ بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبِ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه مسلم.
وقت الظهر:
يبدأ وقتها بزوال الشمس، أي: ميلها عن كبد السماء إلى جهة المغرب، ويمتد وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله في الطول.
يستحب تعجيل الظهر في أول وقتها، إلا إذا اشتد الحر، فيستحب الإبراد، وهو تأخير الظهر إلى أن يبرد الجو؛ لقوله ﷺ: «إذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» متفق عليه.
وقت العصر:
يبدأ وقتها من نهاية وقت الظهر -أي: من صيرورة ظل كل شيء مثله-، ويسن تعجيلها في أول الوقت إلى أن تغرب الشمس تماماً.
وهي الصلاة الوسطى التي نصَّ اﷲ عليها في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ (البقرة: 238).
الوحدة الخامسة: مواقيت الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها
التحذير من ترك صلاة العصر:
قال ﷺ: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُترَ أهلَه ومالَه» رواه البخاري ومسلم.
ومعنى «أهله وماله» أي: فَقَدَ أهله وماله.
وقال ﷺ: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» رواه البخاري.
وقت المغرب:
ويبدأ وقته من تكامل غروب الشمس إلى مغيب الشَّفَقِ الأحمر؛ لقوله ﷺ: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق» رواه مسلم.
والشفق: الحُمْرة التي تكون من غروب الشمس وسقوطها إلى وقت العشاء الآخرة.
يسن تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها؛ لقوله ﷺ: «لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» رواه أبو داود وصححه الألباني.
وقت العشاء:
يبدأ وقت العشاء من خروج وقت المغرب، وهو مغيب الشفق الأحمر، وينتهي بمضيِّ نصف الليل الأول؛ لقول النبي ﷺ: «وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ» رواه مسلم.
تنبيه:
وقت العشاء ينتهي بانتصاف الليل الشرعي، وهو منتصف ما بين المغرب والفجر، وليس الساعة الثانية عشرة كما يظن عامة الناس، والصلاة بعد هذا النصف تعتبر قضاءً.
وقت الفجر:
من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.
والسنة التعجيل بها في أول وقتها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول اﷲ يُصلِّي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات مُتَلفِّعات بمرُوطِهِن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغَلَسِ». متفق عليه.
ولا يجوز تأخير صلاة الفجر عمداً حتى تطلع الشمس، ومن صلاها بعد طلوع الشمس فهي باطلة، وفي غير وقتها.
شروط الصلاة
1. النية:
ولا تسقط بحال؛ لحديث عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» متفق عليه.
النية محلها القلب، ولا يشرع التلفظ بها؛ لأن النبي ﷺ لم يتلفظ بها، ولم يَرِدْ أن أحداً من أصحابه فعل ذلك.
2. الإسلام:
فلا تصح من كافر؛ لبطلان عمله، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ﴾ (التوبة: 54). فالكفر باﷲ محبط للأعمال.
3. العقل:
فلا تصح من مجنون؛ لعدم تكليفه، كما جاء في حديث علي رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ: عن النَّائم حتى يستيقظَ، وعن الصَّبي حتى يَحتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
4. البلوغ:
فلا تجب على الصبي حتى يبلغ؛ للحديث السابق.
5. الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر:
لقوله ﷺ: «لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» رواه البخاري.
6. دخول الوقت:
فلا تصح الصلاة قبل دخول الوقت، ولا بعد خروجه إلا لعذر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: 103).
ولحديث جبريل حين أمَّ النبيَّ ﷺ في الصلوات الخمس، ثم قال: «الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ» رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
7. ستر العورة:
لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: 31).
وقوله ﷺ: «لا يَقبَلُ اﷲُ صلاةَ حائضٍ إلا بخِمارٍ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
وينبغي أن يجعل على عاتقه -ما بين الكتف والرقبة-شيئاً من الثياب؛ لقوله ﷺ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رواه النسائي، وصححه الألباني.
والمرأة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها وكفيها، لقوله ﷺ: «لا يَقبَلُ اﷲُ صلاةَ حائضٍ إلا بخِمارٍ» تقدم.
إلا إذا صلَّت أمام غير المحارم فإنها تغطي كل شيء؛ لقوله ﷺ: «المرأة عورة» رواه الترمذي، وصححه الألباني.
8. استقبال القبلة:
لقوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ (البقرة: 144)، ولحديث: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة» متفق عليه.
فإن كان المسلم يرى الكعبة وجب استقبال عينها، وإن كان لا يراها اكتفى باستقبال الجهة فقط.
9. اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه ومكان صلاته مع القدرة: لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: 4).
ولقوله ﷺ: «تَنَزَّهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الدارقطني، وصححه الألباني.
ولقوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: «تحتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» رواه البخاري ومسلم.
ولقوله ﷺ لأصحابه وقد بال الأعرابي في المسجد: «أريقوا على بوله سجلاً من ماء» رواه البخاري.
الصلاة في الطائرة والسيارة والسفينة:
قد يضطر المسلم في بعض الأحوال أن يصلي في السيارة أو السفينة أو الطائرة، والصلاة في هذه الحال لا تخلو من حالين:
الأولى: أن تكون نافلة، فالصلاة جائزة بكل حال.
وسواء قدر على القيام أم لم يقدر، وسواء استقبل القبلة أم لم يستقبلها، فقد كان النبي ﷺ يصلي النافلة على الراحلة قِبَل أي وجهٍ توجَّهت به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. أخرجه البخاري ومسلم. لكن إن استطاع أن يبدأ الصلاة متجها إلى القبلة كان أولى، وإلا فحيث كان وجهُهُ صلى.
والتنفل في تلك الحال خاص بالسفر، لا الحضر، وهو من السنن المهجورة.
الثانية: أن تكون الصلاة فريضة، ففيها تفصيل:
فإن كان يدرك الصلاة في وقتها إذا وصل، فالواجب أن يؤخِّر الصلاة حتى يصليها إذا وصل في وقتها، محافظا على قيامها وركوعها وسجودها.
وإن كان يخشى خروج الوقت، فهو مخير بين صلاتها على حاله، أو جمعها إن كانت الصلاة تجمع لما بعدها، وكان سيدرك وقت الثانية.
أما إن خشي خروج الوقت، فهنا يجب عليه أن يصلي حسب حاله، مع التنبه إلى كون الواجب استقبال القبلة عند القدرة، والقيام والركوع والسجود، وما عجز عنه من ذلك سقط عنه، عملا بقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ (التغابن: 16)، ولقول النبي ﷺ: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». رواه البخاري. ورواه النسائي بإسناد صحيح وزاد: «فإن لم تستطع فمستلقياً».
الوحدة الخامسة: مواقيت الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها
هل تصح صلاة حامل صور ذوات الأرواح؟
فيه تفصيل:
أولا: إذا كانت الصورة مستترة في جيبه، كالنقود والبطاقة والجواز ونحوه، فقد اختلف أهل العلم في كراهتها، والصحيح جوازها بغير كراهة.
ثانيا: إذا كان حملها بشكل ظاهر، كأن تكون في القميص أو الثوب ونحوه، فلا يجوز له أن يصلي بها، ولا يجوز للمسلم لبسها في غير الصلاة، ولكن تصح صلاة من صلى في ثوب فيه صور، مع الإثم في حقِّ من علم الحكم الشرعي.
من كان يحمل قارورة تحليل فإنه لا يجوز له أن يصلي بها، بل عليه جعلها على جانب، ثم يصلي بدونها.
بخلاف من يحمل القسطرة لحاجته إليها، فإنه لا يمكنه الاستغناء عنها، وقد يتضرر بنزعها، فيجوز أن يصلي وهو حاملها مع اشتراط إغلاق هذه القسطرة بإحكام، بحيث لا يتسرب منها شيء.
مع ضرورة التنبُّه إلى أنه متى تيسر نزعُها بلا ضرر وجب ذلك، وإلا بطلت صلاته.
أركان الصلاة:
1. القيام:
يجب القيام في الفريضة على القادر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ (البقرة: 238).
ولقوله ﷺ: «صَلِّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري.
فإن عجز عن القيام صلى على حسب حاله قاعدا أو على جنب.
فإن قوي على القيام وعجز عن السجود أو الركوع، سقط الركوع أو السجود فقط، ووجب القيام، وهكذا، فلا يسقط إلا ما يعجز عن الإتيان به.
أما صلاة النافلة: فيجوز فيها الصلاة قاعدا مع القدرة على القيام، والقيام أفضل؛ لقوله ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِداً عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ» رواه مسلم.
2. تكبيرة الإحرام:
للدخول في الصلاة، ولا يُجْزئ غير التكبير (اﷲ أكبر)، ولا تنعقد الصلاة بدونها؛ لقوله ﷺ للمسيء الصلاة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» متفق عليه.
وقوله ﷺ: «تحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ» رواه أبو داود وصححه الألباني.
3. قراءة الفاتحة في كل ركعة:
ويجب أن يقرأها كاملة قراءة صحيحة مرتبة متوالية.
ويُستثنى من ذلك المسبوق: إذا أدرك الإمام راكعا، أو أدرك مِنْ قيامه ما لم يتمكن معه من قراءة الفاتحة، فتسقط عنه الفاتحة.
وتجب الفاتحة على المصلي بكل حال، سواء كان في صلاة جهرية أم سرية، وسواء كان إماما أم مأموما أم منفردا، لقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». متفق عليه.
4. الركوع:
لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ (الحج: 77). ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا» متفق عليه.
5. الرفع من الركوع حتى الاعتدال:
لقوله ﷺ: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما» متفق عليه.
بحيث يعود إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، سواء صلى قائما أو قاعدا، قالت عائشة رضي الله عنهما في صفة صلاة النبي ﷺ: «وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً». رواه مسلم.
6. السجود:
لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا ﴾ (الحج: 77)، ولقوله ﷺ : «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» متفق عليه.
ويكون السجود على الأعضاء السبعة المذكورة في حديث ابن عباس رضي الله عنه، وفيه: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه-واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» متفق عليه.
7. الرفع من السجود، والجلوس بين السجدتين:
لقوله ﷺ: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» متفق عليه.
8. الطمأنينة في جميع الأركان:
لأمره ﷺ المسيء صلاته بذلك في جميع الأركان، «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتدِلَ قَائِماً ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». متفق عليه.
والمقصود بالاطمئنان: أن يمكث حتى تستقر أعضاؤه وتسكن مهما قل الزمن، وقيل: أن يمكث بقدر الذكر الواجب.
9. التشهد الأخير، والجلوس له:
لقول ابن مسعود رضي الله عنه: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اﷲ من عباده. فقال النبي ﷺ: «لا تقولوا السلام على اﷲ، ولكن قولوا: التحيات ﷲ» أخرجه النسائي، وصححه الألباني.
10. الصلاة على النبي ﷺ في التشهّد الأخير:
لقوله ﷺ: «قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمّد وعلى آل محمّد» متفق عليه.
ولا ينبغي زيادة: «اللّهم صلِّ على سيدنا محمد».
11. التسليم:
لقوله ﷺ: «وتحليلها التسليم».
فيقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة اﷲ، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة اﷲ.
والسنة أن يسلم عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خدِّه. أخرجه مسلم.
12. الترتيب:
لأن النبي ﷺ فعلها مرتبة، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري، وعَلَّمَهَا المسيء في صلاته بقوله: «ثم» التي تدل على الترتيب.
وهذه الأركان لا تسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً.
واجبات الصلاة
واجبات الصلاة أقل درجة من أركان الصلاة، لكن إن تركت عمدا بطلت الصلاة، وإن تركت سهوا أو جهلا لم تبطل الصلاة، ويجزيء عنها سجود السهو.
والدليل: أن النبي ﷺ واظب عليها إلى أن مات، وكان يسجد لنسيانها سجدتي السهو.
وهي:
1. تكبيرات الانتقال: وهي جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام؛ لقول أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ: «إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ الله ﷺ». متفق عليه.
2. التسبيح في الركوع والسجود: لحديث حذيفة «قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ... ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» رواه مسلم.
ولحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: لَمَّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، فَلَمَّا نَزَلَتْ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رواه أبو داود، وحسنه النووي.
الفرق بين الركن والواجب في الصلاة: أن من نسي ركنا لم تصح صلاته إلا بالإتيان به، أمَّا من نسي واجباً أجزأ عنه سجود السهو، وهذا ما دلت عليه السنة.
الوحدة الخامسة: مواقيت الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها
تابع -واجبات الصلاة:
3. التسميع والتحميد: بأن يقول الإمام والمنفرد عند الرفع: (سمع اﷲ لمن حمده)، وعند الاعتدال: (ربنا ولك الحمد)، ويكتفي المأموم بالتحميد.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ». متفق عليه.
4. الواجب من التسبيحات في الركوع والسجود: واحدة، وتُسنُّ الزيادة إلى ثلاث، والكمال عشرة.
قوله: (ربِّ اغفر لي) بين السجدتين: لحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي. رب اغفر لي» رواه النسائي، وصححه الألباني.
5. التشهد الأول والجلوس له: لحديث: «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات ﷲ» رواه النسائي، وصححه الألباني.
ويقول فيه: (التحيات ﷲ والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اﷲ وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اﷲ الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اﷲ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) رواه البخاري ومسلم.
سنن الصلاة
1. رفع اليدين، وهو في أربعة مواضع: مع تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول.
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اﷲِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ». متفق عليه.
وفي حديث أبي حميد قال: «ثم إذا قام من الركعتَينِ كبَّر ورفعَ يَدَيه حتى يُحاذِيَ بهما مَنكِبَيهِ كما كبَّر عند افتِتاحِ الصلاة» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
وصفة الرفع هي: أن يمد أصابعه، ولا يفرج بينها لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول اﷲ ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا» رواه أبو داود وصححه الألباني.
2. وضع اليمين على الشمال حال قيامه:
لحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه في الصحيحين أنه قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلاَةِ».
وفي حديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه: «ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ» رواه أبو داود وصححه الألباني.
وله أن يضعهما على صدره أو فوق السرة أو تحتها، فالأمر في ذلك واسع؛ لعدم ثبوت حديث في موضع اليدين حال القيام.
3. دعاء الاستفتاح
ويكون قبل القراءة، والأفضل أن يتتبع الاستفتاحات الثابتة في السنة، فينوع بينها في كل مرة، ومنها:
1. «اللهمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللهمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» متفق عليه.
2. «سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» رواه أبوداود وصححه الألباني.
3. «الله أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلاً» رواه مسلم.
4. التعوذ قبل القراءة
لقول اﷲ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ (النحل: 98).
5. البسملة
يسن للمصلي قراءة البسملة سرّاً قبل الفاتحة، وفي كل قراءة تلي الفاتحة.
الجهر بالبسملة:
لا يسن الجهر بالبسملة عند قراءة الفاتحة في الصلاة.
قال الترمذي: «وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ».
6. التأمين
والتأمين سنة لكل مصلٍّ فرغ من الفاتحة سواء الإمام، والمأموم، والمنفرد، وإن كانت الصلاة جهرية استحب للإمام والمأموم الجهر بالتأمين؛ لقوله ﷺ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه» رواه البخاري.
7. قراءة ما زاد على الفاتحة
والدليل على ذلك قول أبي هريرة رضي الله عنه: «مَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ». متفق عليه.
8. الجهر والإسرار بالقراءة
فيسن الجهر في صلاة الصبح، والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ فيما عدا ذلك من الفرائض.
والدليل على ذلك قول أبي هريرة رضي الله عنه: «فِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ». متفق عليه.
قبض الركبتين باليدين مفرجتي الأصابع في الركوع، ومد الظهر، وجعل الرأس حياله
9. لحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَكَعْتَ، فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، ثُمَّ فَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ» رواه ابن حبان، وحسنه الألباني.
10. مجافاة اليدين عن الجنبين حال الركوع والسجود
لما جاء في حديث أبي حميد رضي الله عنه قال: «ووترَ يَدَيهِ فتجافى عن جَنبَيهِ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
11. الزيادة على تسبيح الركوع والسجود
لقول أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى -يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ-فَحَزَرْنَا فِي رُكُوعِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَفِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ. رواه أبو داود، وحسنه الألباني.
12. جلسة الافتراش
وهي أن يجلس المصلي مفترشا قدمه اليسرى جالسا عليها، وينصب اليمنى موجها أصابعها إلى القبلة؛ لما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى» رواه البخاري.
وهذه الجلسة تكون في جلسة التشهد الأول والجلسة بين السجدتين وجلسة الشهد في الصلوات الثنائية، أما جلسة التشهد الأخير في الصلوات الرباعية وصلاة المغرب فيجلس المصلي جلسة التورك وسيأتي بيانها.
13. جلسة الإقعاء على القدمين
عن طَاوُس قال: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: «هِيَ السُّنَّةُ»، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ» رواه مسلم.
والإقعاء نوعان:
أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وهذا النوع هو المكروه
الذي ورد فيه النهي.
الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: «سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ».
14. جلسة التورك
ويسن أن تكون هذه الجلسة في التشهد الأخير في صلاة ذات تشهُّدينِ، ولها أكثر من صفة:
الأولى: أن يخرج رجله اليسرى من الجانب الأيمن مفروشة، ويجلس على مقعدته، وتكون رجله اليمنى منصوبة.
الثانية: أن يفرش القدمين جميعا، ويخرجهما من الجانب.
الثالثة: أن يفرش قدمه اليمنى، ويجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويجلس على مقعدته. وقد وردت السنة بالصفات الثلاثة.
15. الإشارة بالسبابة في التشهد
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اﷲِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ. رواه مسلم.
قَالَ رَسُولُ اﷲِ ﷺ: «لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ» يَعْنِي السَّبَّابَةَ. رواه أحمد وحسنه الألباني.
16. النظر نحو السبابة حال التشهد
لما ثبت عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يُحَرِّكُ الْحَصَى بِيَدِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لَهُ عَبْدُ الله: لَا تُحَرِّكِ الْحَصَى وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنِ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْنَعُ. قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَمَى بِبَصَرِهِ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَصْنَعُ. رواه النسائي، وصححه الألباني.
17. الدعاء بعد التشهد قبل السلام
لحديث: «إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَلْيَدْعُ الله سبحانه وتعالى» رواه النسائي، وصححه الألباني.
18. الالتفات في التسليم يمينا ويسارا
عَنْ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اﷲِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ» رواه مسلم.
النَّظَرُ إلى السَّماءِ محرَّم، بل مِن كبائر الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن ذلك، واشتدَّ قوله فيه حتى قال: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم» وفي رواية: «أو لتخطفن أبصارهم» رواه البخاري ومسلم.
الوحدة السادسة: صفة الصلاة، ومكروهاتها، ومبطلاتها
سندرس في هذه الوحدة
صفة الصلاة
مكروهات الصلاة
مبطلات الصلاة
صفة الصلاة
إذا أقبل المصلي إلى الصلاة فليعلم أنه مقبل على اﷲ سبحانه وتعالى، وأنه يناجيه، وحينئذٍ يدخل وقلبه مملوء بتعظيم اﷲ سبحانه وتعالى، ومحبته، والتقرب إليه.
فيكبر ويقول: اﷲ أكبر، ومع هذا التكبير يرفع يديه حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يخفض رأسه ولا يرفعه إلى السماء، ثم يقول دعاء الاستفتاح، ثم يتعوذ، ويبسمل، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ بعد ذلك سورة.
يُسنُّ أن تكون القراءة في المغرب بقصار المفصّل، كما يُسن بطوال السور أحيانًا، كالأعراف والطور.
وفي الفجر بطوال المفصّل ويسن بقصار المفصّل أحيانًا كالزلزلة والقدر، وفي الباقي بأوساطه.
ثم يرفع يديه مكبرا ليركع، بنحو رفعه يديه في تكبيرة الإحرام.
ويضع اليدين على الركبتين، مفرجتي الأصابع، ويجافي عضديه عن جانبيه، ويسوي ظهره برأسه فلا يقوسه، ويقول: (سبحان ربي العظيم) يكررها ثلاث مرات، ويكثر من تعظيم اﷲ سبحانه وتعالى حال الركوع.
ثم يرفع رأسه قائلا: (سمع اﷲ لمن حمده). رافعا يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ويقول بعد رفعه: (ربنا لك الحمد) أو (ربنا ولك الحمد) أو (اللهمَّ ربنا لك الحمد) أو (اللهمَّ ربنا ولك الحمد).
وبعد أن يقول ذلك، يستحب أن يقول: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
المفصل أوله (ق) وآخره (قل أعوذ برب الناس)، وسمي مفصلا لكثرة فواصله.
وطوال المفصل من (ق) إلى (عم).
وأوساطه من (عم) إلى (الضحى)
وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن.
ثم يكبر للسجود بدون رفع اليدين، ويسجد على سبعة أعضاء؛ على الجبهة ومعها الأنف، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، وينصب ذراعيه فلا يضعهما على الأرض، ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ولا يمد ظهره كالمنبطح كما يفعله بعض الناس.
ويقول: (سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات)، ويكثر في السجود من الدعاء لقول النبي ﷺ: «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم» رواه مسلم. أي: حريٌّ أن يستجاب لكم.
ثم ينهض من السجود مكبراً، ويجلس بين السجدتين مفترشاً.
ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى أو على رأس الركبة، ويده اليسرى على فخذه اليسرى كذلك.
وفي هذا الجلوس يقول: (رب اغفر لي رب اغفر لي).
ثم يسجد للسجدة الثانية كالسجدة الأولى في الكيفية وفيما يقال فيها.
ثم ينهض للركعة الثانية مكبراً.
وفي الركعة الثانية، يفعل كما يفعل في الركعة الأولى، ولا يستفتح.
فإذا صلى الركعة الثانية جلس للتشهد مفترشا.
ويقرأ التشهد، وقد ورد فيه صفات متعددة، يختار ما شاء منها، والأفضل أن ينوِّع بينها، ويسن أن يقبض الخنصر والبنصر ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بسبابته أثناء التشهد، ويرمي ببصره إلى السبابة.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية قام بعد التشهد الأول رافعا يده كما رفعها عند تكبيرة الإحرام، وصلى بقية الصلاة، وتكون بالفاتحة فقط، فلا يقرأ معها سورة أخرى.
وإن قرأ أحيانا فلا بأس لثبوت ذلك عنه ﷺ.
ثم يجلس إذا كان في ثلاثية أو رباعية للتشهد الثاني، وهذا التشهد يختلف عن التشهد الأول وفي كيفية الجلوس؛ لأنه يجلس متوركا.
ثم يقرأ التشهد الأخير ويضيف على التشهد الأول: (اللهمَّ صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهمَّ بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد) رواه البخاري ومسلم.
ويقول: (أعوذ باﷲ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) رواه مسلم.
ويدعو بما أحب من خير الدنيا والآخرة.
ثم بعد ذلك يسلم عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة اﷲ)، وعن يساره: (السلام عليكم ورحمة اﷲ)، ويبالغ في ثني وجهه إلى اليمين، وإلى اليسار، حتى يُرى بياض خدَّيه.
وبهذا تنتهي الصلاة.
السترة في الصلاة:
يستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة، من جدار، أو سارية، أو غيرهما.
ويسن أن يدنو منها، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وصححه الألباني.
الذكر بعد الصلاة:
الذكر بعد الصلاة مشروع بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (النساء: 103).
وروى البخاري ومسلم عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثاً وَقَالَ: اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. رواه مسلم.
وفي الصحيحين: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ».
وروى مسلم عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً».
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. رواه الترمذي، وصححه الألباني.
ولا يشرع رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة؛ لعدم ورود ذلك عنه ﷺ.
مكروهات الصلاة
1. الالتفات اليسير بلا حاجة. لقوله ﷺ حين سئل عن الالتفات في الصلاة: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه البخاري.
والاختلاس: السرقة والنهب.
أما إذا كان الالتفات لحاجة فلا بأس به.
الالتفات في الصلاة أقسام:
أن يلتفت بجملته بحيث يتحول تحوُّلا كاملا عن القبلة، فهذا يبطل الصلاة.
أن يلتفت بصدره مع ثبوت القدمين باتجاه القبلة، فهو مكروه، ومن العلماء من يبطل الصلاة به.
الالتفات بالرأس أو العين يمنة ويسرة، فهذا مكروه إلا لحاجة.
2. افتراش الذراعين في السجود. لقوله ﷺ: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». أخرجه البخاري.
3. كَفُّ الشعر والثوب. لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، ولَا أَكُفَّ شَعَراً وَلَا ثَوْباً». متفق عليه.
أي: لا يجمعهما ويضمهما، فيمنعهما من السجود معه حال السجود.
4. التَخَصُّرُ. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِراً» رواه البخاري.
(مختصرا) من الخصر وهو أن يضع يده على خاصرته في الصلاة؛ لِأَنَّهُ فِعْل الْيَهُود، ولأن هذه الهيئة لا تليق بالمصلي الذي يقف بين يدي اﷲ تعالى.
5. تغطية الفم في الصلاة. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول اﷲ ﷺ أن يغطي الرجل فاه». أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني.
6. تشبيك الأصابع. لحديث: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِداً إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» رواه أبو داود وصححه الألباني، وهذا خارج الصلاة، فكراهته في الصلاة من باب أولى.
وأما التشبيك في غير وقت الصلاة فلا كراهة فيه، ولو كان في المسجد، لِفِعْله ﷺ إياه في قصة ذي اليدين في الصحيحين.
7. كثرة الحركة والعبث في الصلاة، لقول النبي ﷺ : «اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ». رواه مسلم.
8. الصلاة بحضرة الطعام، أو وهو يدافع الأخبثين. لقوله ﷺ: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان -أي: البول والغائط-» أخرجه مسلم.
وكراهة الصلاة بحضرة الطعام مشروطةٌ بتَوَقان نفسه إليه ورغبته فيه، مع قدرته على تناوله، وكونه حاضراً بين يديه.
فلو كان الطعام حاضراً، لكنه صائم، أو شبعان لا يشتهيه، أو لا يستطيع تناوله لشدة حرارته، ففي ذلك كله لا يكره له الصلاة بحضرته.
أقسام الحركة في الصلاة:
الحركة في الصلاة تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة:
1. الواجبة:
وهي التي تتوقف عليها صحة الصلاة، مثل أن يخبره أحد بأنه اتجه إلى غير القبلة؛ فيجب عليه أن يتحرك إلى القبلة.
2. المحرمة:
وهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة.
3. المستحبة:
وهي الحركة لفعل مستحب في الصلاة، كما لو رأى فرجة أمامه في الصف المقدم فتقدم نحوها.
4. المباحة:
وهي اليسيرة لحاجة، أو الكثيرة للضرورة.
5. المكروهة:
وهي اليسيرة لغير حاجة.
مبطلات الصلاة
تبطل الصلاة بأمور، وهي:
1. بطلان الطهارة.
لأن الطهارة شرطٌ لصحتها، فإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة.
2. اتصال النجاسة بالمصلي، مع العلم بها، إذا لم يُزلها في الحال، مع القدرة على ذلك في صلاته، فإن لم يقدر وجب الخروج من الصلاة، كما لو تذكر وجود نجاسة على شماغه فإنه ينزعه، وإن كانت النجاسة على ثيابه الداخلية وتذكرها وجب الخروج من الصلاة لإزالتها.
3. كشف العورة عمدا.
4. استدبار القبلة عمدا.
5. الكلام عمدا. لما في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ (البقرة: 238) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام».
6. الضحك بصوت. فإنه يبطلها بالإجماع.
7. مرور المرأة البالغة، أو الحمار، أو الكلب الأسود بين يدي المصلي دون موضع سجوده، لقوله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرَّحْل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإنه يقطع صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ» رواه مسلم.
8. ترك ركن من أركانها أو شرط من شروطها أو واجب من واجباتها عمداً بدون عذر.
9. الأكل والشرب عمدا. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من أكل وشرب في صلاته الفرض عامدا أن عليه الإعادة».
10. تعمُّد زيادة ركن أو تقديم بعض الأركان على بعض.
11. فسخ النية؛ لأن استدامة النية شرط.
والضحك على ثلاث مراتب:
تبسم، وضحك، وقهقهة.
1. أما التبسم فلا تبطل الصلاة به.
2. وأما القهقهة فتبطل بها الصلاة مطلقا بإجماع العلماء؛ لأن فِيهَا أَصْوَاتا عَالِيَة تُنَافِي حَالَ الصَّلَاةِ، وفِيهَا مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّلَاعُبِ بِهَا مَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَهَا.
3. وأما الضحك، وهو ما بين التبسم والقهقهة، فذهب جمهور الفقهاء إلى بطلان الصلاة بالضحك إن ظهر بالضحك حرفان وإلا فلا.
نشاط
1. اذكر ثلاثة من مبطلات الصلاة.
2. اذكر أربعة من مكروهات الصلاة.
3. اذكر باختصار سنن الصلاة الفعلية.
4. اذكر أربعة من شروط صحة الصلاة.
5. اذكر حكم الأفعال الآتية مع الدليل.
- التخصر في الصلاة.
- تغطية الفم في الصلاة.
- الضحك بصوت في الصلاة.
- الأكل أو الشرب عمداً في الصلاة.
- رفع البصر إلى السماء في الصلاة.
المصادر
الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ ابن عثيمين.
الفقه الميسر، لمجموعة من العلماء بإشراف الشيخ صالح آل الشيخ.
مختصر الفقه الإسلامي لمحمد بن إبراهيم التويجري.
رسالة في الفقه الميسر للشيخ صالح السدلان.
فتاوى الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
قرارات مجمع الفقه الإسلامي
فتاوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية
والله وليُّ التوفيق
فهرس المحاضرات
رقم المحاضرة
بداية المحاضرة
رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة
أسبوع إلقاء المحاضرة
الطهارة
الأسبوع الأول
المياه
ثانياً: الماء النجس
الآنية
الأسبوع الثاني
قضاء الحاجة وآدابها
سنن الفطرة
الوضوء
الأسبوع الثالث
فرائض الوضوء ستة
سنن الوضوء
نواقض الوضوء
الأسبوع الرابع
المسح على الخفين والجوارب
الغسل
التيمم
الأسبوع الخامس
فروض التيمم
إزالة النجاسة
ذكر لبعض الطاهرات
التي حصل فيها خلاف
الأسبوع السادس
الحيض والنفاس
ما يحرم بالحيض والنفاس
أحكام النفساء
الأسبوع السابع
الصلاة
حكمها
الأذان والإقامة
الأسبوع الثامن
شروط صحة الأذان
صفة الأذان والإقامة
مواقيت الصلاة
الأسبوع التاسع
وقت المغرب
شروط الصلاة
أركان الصلاة
الأسبوع العاشر
٤ -الركوع
واجبات الصلاة
سنن الصلاة
الأسبوع الحادي عشر
قراءة ما زاد على الفاتحة
صفة الصلاة
مكروهات الصلاة
الأسبوع الثاني عشر
تشبيك الأصابع
مبطلات الصلاة