التفسير المحرر

التفسير المحرر

النبأ

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

النبأ

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ

عن أيِّ شَيءٍ عَظيمٍ يَتساءَلُ مُشرِكو قُرَيشٍ؟

عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ

يتَساءلونَ عن الخَبَرِ العَظيمِ، وهو ما اشتَمل عليه القرآنُ مِن التَّوحيدِ والبعثِ وغيرِ ذلك.

الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ

الَّذي اختَلَف فيه أهلُ مَكَّةَ.

كَلَّا سَيَعْلَمُونَ

ليس الأمرُ كما يَزعُمُ المكَذِّبونَ بالقُرآنِ والمُنكِرونَ للبَعْثِ وغيرِه ممَّا جاء به، وهم سيَعلَمونَ عِلْمَ اليَقينِ صدق ما كَذَّبوا به، عندَ مَوتِهم ويومَ القيامةِ، وسيَعلَمونَ حَقًّا عاقِبةَ تَكذيبِهم.

ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ

ثمَّ ليس الأمرُ كما يَزْعُمونَ، فهم حَتْمًا سيَعْلَمونَ صِدْقَ القُرآنِ وما اشتمَل عليه، كوُقوعِ البَعْثِ الَّذي كَذَّبوا به، وسيَعْلَمونَ عاقِبةَ ذلك.

أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا

ألَمْ نَجعَلِ الأرضَ فِراشًا للنَّاسِ، مُذَلَّلةً لهم، يَستَقِرُّونَ عليها، ويَنتَفِعونَ بها؟

وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا

وجَعَلْنا الجِبالَ مُثَبِّتةً للأرضِ، فلا تَضطَرِبُ بأَهْلِها.

وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا

وخَلَقْناكم ذُكُورا وإناثًا؛ لِيَحصُلَ التَّزاوُجُ بَيْنَكم، ويَخرُجَ النَّسْلُ منكم.

وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا

وجَعَلْنا نَومَكم قاطِعًا لحركتِكم، فتَحصُلُ به راحتُكم مِن تَعَبِ سَعْيِكم وأعمالِكم.

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا

وجَعَلْنا اللَّيلَ غِطاءً يَتغشَّاكم سَوادُه، وتُغَطِّيكم ظُلْمَتُه، كما يُغَطِّي الثَّوبُ البَدَنَ.

وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا

وجَعَلْنا النَّهارَ وَقْتًا يَطلُبُ فيه النَّاسُ أرزاقَهم، ويَسعَونَ في مَصالِحِهم.

وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا

وبَنَيْنا فَوقَكم سَبْعَ سَمَواتٍ في غايةِ القُوَّةِ والصَّلابةِ والإحكامِ.

وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا

وجَعَلْنا شَمسًا مُضيئةً شَديدةَ التَّوَقُّدِ والإضاءةِ.

وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا

وأنزَلْنا مِن السَّحابِ المُثْقَلِ بالمياهِ ماءَ المطَرِ المُنصَبَّ على الأرضِ بتَتابُعٍ وكَثْرةٍ.

لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا

لِنُخرِجَ بهذا المطَرِ أنواعَ الحُبوبِ -كالقَمْحِ، والشَّعيرِ، والذُّرَةِ، والأَرُزِّ- وأنواعَ النَّباتاتِ.

وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا

ونُخرِجَ بالمطَرِ بَساتينَ وحَدائِقَ أشجارُها كثيرةٌ مُجتَمِعةٌ، مُلْتَفٌّ بَعْضُها ببَعْضٍ؛ لكَثْرتِها، وتَقارُبِها، وتداخُلِ أغصانِها.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا

إنَّ يَومَ القيامةِ الَّذي يَحكُمُ اللهُ فيه بيْنَ عِبادِه يومٌ مُحَدَّدٌ بوَقتٍ مُعَيَّنٍ لجَمعِ النَّاسِ للحِسابِ والجَزاءِ.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا

وذلك واقِعٌ يَومَ يَنفُخُ المَلَكُ في القَرْنِ لبَعْثِ النَّاسِ أحياءً يومَ القيامةِ، فتأتونَ -أيُّها النَّاسُ- مِن قُبورِكم إلى مَوضِعِ العَرْضِ للحِسابِ والجَزاءِ زُمَرًا وجَماعاتٍ.

وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا

وتتشَقَّقُ السَّماءُ وتَنفَرِجُ، فتكونُ أبوابًا مَفتوحةً.

وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا

وتُقلَعُ الجبالُ مِن أماكِنِها وتتفَتَّتُ تُرابًا، وتكونُ هَباءً، يُخيَّلُ إلى النَّاظرِ أنَّها شيءٌ، وليسَتْ بشيءٍ.

إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا

إنَّ جَهَنَّمَ تَرصُدُ أهْلَها وتَرْقُبُهم يومَ القيامةِ، فلا يُجاوِزُها مَن وَجَب عليه دُخولُها، واستَحَقَّ العَذابَ فيها.

لِلطَّاغِينَ مَآَبًا

تكونُ جَهنَّمُ للَّذين طَغَوا في الدُّنيا، فجاوَزوا حُدودَ اللهِ تعالى: مَصيرًا ومَرجِعًا في الآخِرةِ.

لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا

يَمكُثونَ في جَهنَّمَ مُدَدًا طَويلةً لا انقِضاءَ لها.

لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا

لا يَذوقُ الطَّاغُونَ في جَهَنَّمَ بَرْدًا يُبَرِّدُ أبدانَهم، ويَكسِرُ شِدَّةَ الحَرِّ، ولا شَرابًا يُبَرِّدُ بَواطِنَهم أو يُزيلُ عَطَشَهم.

إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا

لَكِنْ يَذوقونَ في جَهنَّمَ ماءً شَديدَ الحرارةِ، وما يَسيلُ مِن أهلِ النَّارِ مِن صَديدٍ وغَيرِه، وهو معَ نتنِ رائحتِه شديدُ البرودةِ.

جَزَاءً وِفَاقًا

ذلك العِقابُ للطَّاغِينَ مُوافِقٌ لأعمالِهم السَّيِّئةِ في الدُّنيا، فلم يَظْلِمْهم اللهُ تعالى، وإنَّما ظَلَموا أنفُسَهم.

إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا

إنَّهم كانوا في الدُّنيا لا يُؤمِنونَ بالبَعْثِ، ولا بأنَّهم يُحاسَبونَ ويُجازَوْنَ على أعمالِهم في الآخِرةِ.

وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا

وكانوا يُكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ تعالى تكذيبًا شَديدًا مع وُضوحِها ودَلالتِها على الحَقِّ.

وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا

وكُلُّ شَيءٍ مِن أعمالِ العِبادِ أو غَيرِها مكتوبٌ مَعدودٌ مَضبوطٌ، لا يَخْفى على اللهِ تعالى منه شَيءٌ.

فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا

يُقالُ للكُفَّارِ في جَهَنَّمَ تَوبيخًا وتَقريعًا لهم: فذُوقوا هذا العَذابَ، وسنَزيدُكم عذابًا فوقَ ما أنتم فيه!

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

إنَّ للَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه بامتِثالِ أمْرِه واجتنابِ نَهْيِه: فَوزًا بالجنَّةِ الَّتي يَظفَرونَ فيها بما يُريدونَ، ونجاةً مِنَ النَّارِ.

حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا

بساتينَ مُحاطةً بالجُدْرانِ أو غَيْرِها، جامعةً لأصنافِ الأشجارِ المثمرةِ، ومِنها الأعنابُ.

وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا

ونِساءً شابَّاتٍ قد استدارَت أثداؤُهنَّ وبَرَزَت دونَ أن تتدلَّى للأسفَلِ، وهنَّ مُتساوِياتٌ في السِّنِّ.

وَكَأْسًا دِهَاقًا

وكُؤُوسًا مَملوءةً مِن خَمرِ الجَنَّةِ، صافيةً، مُتتابِعةً على شارِبيها.

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا

لا يَسمَعُ المتَّقونَ في الجنَّةِ لَغَطًا أو كَلامًا باطِلًا لا فائِدةَ فيه، ولا يَكذِبونَ ولا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بعضًا في حَديثِهم.

جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا

وهذا الجَزاءُ المذكورُ للمُتَّقينَ هو عَطاءٌ كافٍ وافِرٌ كثيرٌ مِن رَبِّك- يا محمَّدُ.

رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا

خالِقِ ومالِكِ ومدَبِّرِ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، الرَّحمنِ الَّذي وَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ على مُخاطَبةِ اللهِ -سُبحانَه وتعالى- يومَ القيامةِ بلا إِذْنٍ.

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا

وذلك واقِعٌ يَومَ يقومُ جِبريلُ وجميعُ الملائِكةِ مُصْطَفِّينَ بخُضوعٍ للهِ تعالى، لا يَتكَلَّمونَ يومَ القيامةِ إلَّا مَن أَذِنَ اللهُ له في الكلامِ، وقال قَولًا حَقًّا صائِبًا مُوافِقًا لِمَرْضاةِ اللهِ تعالى.

ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا

ذلك اليَومُ العَظيمُ كائِنٌ لا مَحالةَ، ولا شَكَّ في وُقوعِه، فمَن شاء عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا يَرجِعُ به إلى اللهِ تعالى.

إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا

إنَّا حَذَّرْناكم -أيُّها النَّاسُ- عَذابًا قد دنا وقرُبَ منكم، وذلك يومَ يَنظُرُ كُلُّ إنسانٍ إلى ما عَمِلَه مِن قَبْلُ في حياتِه، ويَقولُ الكافِرُ مُتحَسِّرًا يَومَئِذٍ: يا لَيْتَني كُنتُ تُرابًا!

النازعات

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا

أُقسِمُ بالملائِكةِ الَّتي تَنزِعُ أرواحَ الكُفَّارِ مِن أبْدانِهم بشِدَّةٍ.

وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا

وأُقسِمُ بالملائِكةِ الَّتي تَقبِضُ أرواحَ المؤمِنينَ بسُهولةٍ ورِفْقٍ، وسُرْعةٍ وخِفَّةٍ.

وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا

وأُقسِمُ بالملائكةِ الَّتي تَسبَحُ في أجواءِ السَّمَواتِ وآفاقِ الأرضِ بأمرِ اللهِ تعالى.

فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا

فالملائِكةِ الَّتي تُسارِعُ إلى تنفيذِ أمرِ اللهِ تعالى بلا تأخُّرٍ ولا إبطاءٍ.

فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا

فالملائِكةِ الَّتي تُدَبِّرُ ما وكَّلَها اللهُ بتَدبيرِه.

يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ

يومَ تَضطَرِبُ الأرضُ وتَتزلزَلُ.

تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ

تَتبَعُ تلك الرَّجفةَ رَجفةٌ أُخرى تأتي بَعْدَها.

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ

قُلوبُ الكُفَّارِ المكَذِّبينَ في ذلك اليَومِ شَديدةُ الخَوفِ والاضطرابِ والقَلَقِ مِن شِدَّةِ أهوالِه.

أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ

تكونُ أبصارُ أولئك الكُفَّارِ ذَليلةً مُنكَسِرةً لا تكادُ تُحَدِّقُ بها وتَنظُرُ.

يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ

يقولُ المكَذِّبونَ بالبَعثِ: أنَعودُ أحياءً بعْدَ مَوتِنا، ونُبعَثُ مِن قُبورِنا؟

أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً

كيف نُبعَثُ أحياءً بعْدَ مَوتِنا إذا صِرْنا عِظامًا بالِيةً مُتفَتِّتةً؟!

قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ

قال أولئك المكَذِّبونَ: إنْ حصَلَت تلك الرَّجعةُ المزعومةُ إلى الحياةِ بعْدَ الموتِ فنحن خاسِرونَ إذَنْ.

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ

فإنَّما هي صَيحةٌ واحِدةٌ ونَفخةٌ تُنفَخُ في الصُّورِ بلا تَكرارٍ.

فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ

فإذا النَّاسُ قِيامٌ مِن قُبورِهم أحياءً على ظَهْرِ أرضِ المحشَرِ.

هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى

هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وما كان مِن أَمْرِه؟

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

حينَ ناداه ربُّه سُبحانَه بالوادي المبارَكِ المطَهَّرِ المسَمَّى طُوًى.

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى

قال اللهُ لِموسى: اذهَبْ إلى فِرعَونَ مَلِكِ مِصرَ؛ لأنَّه تَجاوَزَ حَدَّه في التَّكَبُّرِ والعُدوانِ والعِصْيانِ.

فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى

فقُلْ له: هل لك إلى أن تُطَهِّرَ نَفْسَك مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمعاصي؟

وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى

قُلْ له: وهَلْ لك إلى أن أُرشِدَك وأَدُلَّك على خالقِك ورازِقِك؛ فتَخشَى سَخَطَه وعَذابَه، بامتِثالِ أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه؟

فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى

فأرى موسى فِرعَونَ المُعجِزةَ الكُبرى الدَّالَّةَ على صِدْقِه.

فَكَذَّبَ وَعَصَى

فكَذَّب فِرعَونُ بالحَقِّ الَّذي جاء به موسى، وعصى ما أمَرَه به مِن طاعةِ رَبِّه.

ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى

ثمَّ توَلَّى فِرعَونُ مُجتَهِدًا في محارَبةِ موسى، وصَدِّ النَّاسِ عن اتِّباعِه.

فَحَشَرَ فَنَادَى

فجَمَع فِرعَونُ قومَه وأتْباعَه، وخاطَبَهم بصَوتٍ مُرتَفِعٍ.

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى

فقال فِرعَونُ: أنا رَبُّكم الأعلى، فلا أحَدَ فَوقي، وكُلُّ رَبٍّ فهو دُوني!

فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى

فعاقَبَه اللهُ تعالى عُقوبةَ الآخرةِ بالنَّارِ، وعُقوبةَ الدُّنيا بالغَرَقِ.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى

إنَّ في ذلك العِقابِ لِفِرعَونَ لَعِظَةً لِمَن يَخافُ اللهَ تعالى وعِقابَه.

أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا

أأنتم -أيُّها المكَذِّبونَ بالبَعْثِ- أقوى خَلْقًا أمِ السَّماءُ أقوى منكم؟ فالقادِرُ على خَلْقِ السَّماءِ وهي أعظَمُ منكم: قادِرٌ على إحيائِكم بعْدَ مَوتِكم، وبنى اللهُ السَّماءَ، وجعَلَها سَقْفًا للأرضِ.

رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا

جَعَل اللهُ بناءَ السَّماءِ عاليًا عن الأرضِ، فأتقَنَ بناءَها، فهي مُستَوِيةٌ لا ارتِفاعَ أو انخفاضَ في أرجائِها، ولا فُطورَ فيها ولا شُقوقَ.

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا

وجَعَل اللهُ ليلَ السَّماءِ مُظْلِمًا، وأضاء اللهُ نهارَ السَّماءِ بطُلوعِ شَمْسِها.

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا

وبَسَط اللهُ تعالى الأرضَ بعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، ومَدَّها للسُّكنى فيها.

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا

أخرَجَ اللهُ مِنَ الأرضِ البِحارَ والأنهارَ وعُيونَ الماءِ، وأخرج نَباتَها.

وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا

وثبَّتَ اللهُ الجِبالَ، فلا تَضطَرِبُ الأرضُ وتَميدُ.

مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

خَلَق اللهُ تعالى ذلك لِمَنفعَتِكم -أيُّها النَّاسُ- ولأنعامِكم مِن الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فتتمَتَّعونَ بذلك إلى حينٍ مِنَ الزَّمانِ.

فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى

فإذا جاءت المُصِيبةُ العُظْمى والدَّاهِيةُ الكُبْرى الَّتي شِدَّتُها وهَولُها فَوقَ كُلِّ خَطْبٍ ومُصيبةٍ.

يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى

يومَ يتذكَّرُ الإنسانُ ما عَمِلَه في الدُّنيا مِن خيرٍ أو شَرٍّ.

وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى

وأُظهِرَت النَّارُ الَّتي اشتَدَّ توَقُّدُها وأُبرِزَت للنَّاسِ، فيَرَوْنَها عِيانًا.

فَأَمَّا مَنْ طَغَى

فأمَّا مَن جاوَزَ حَدَّه فتمَرَّدَ واستكبَرَ عن طاعةِ اللهِ تعالى وعبادتِه.

وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

وفَضَّل مَتاعَ الحياةِ الدُّنيا على الآخِرةِ؛ فعَمِل لدُنْياه، ولم يَعمَلْ لأُخْراه.

فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى

فإنَّ مَسْكَنَه ومُستَقَرَّه في الآخِرةِ: النَّارُ الشَّديدةُ التَّوَقُّدِ.

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى

وأمَّا مَن خافَ مَقامَه بيْن يَدَيِ اللهِ تعالى للحِسابِ يومَ القيامةِ، فاتَّقاه بفِعْلِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهيه، ونهى نَفْسَه وزَجَرَها عن كُلِّ ما لا يُرضي اللهَ تعالى.

فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى

فإنَّ الجَنَّةَ تكونُ مَسْكَنَه ومُستَقَرَّه في الآخِرةِ.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا

يَسأَلُك المكَذِّبونَ بالبَعْثِ -يا محمَّدُ- عن مَوعِدِ القيامةِ، فيقولونَ: متى وَقتُ قيامِها؟

فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا

ليس مِن شأنِك مَعرِفةُ وَقتِ قيامِ السَّاعةِ، وليس ذلك إليك.

إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا

إلى رَبِّك وَحْدَه مُنتهى عِلمِ السَّاعةِ، فلا يَعلَمُ مَوعِدَ إتيانِها سِواه.

إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا

إنَّما أنت -يا محمَّدُ- مُكَلَّفٌ بتحذيرِ مَن يَخشى قيامَ السَّاعةِ؛ فهو الَّذي ينتَفِعُ بذلك، فيَعمَلُ لها، ويَستَعِدُّ مِن أجْلِها.

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا

كأنَّهم يَومَ يَرَونَ القيامةَ لم يَعِيشوا في الدُّنيا إلَّا وَقتًا قليلًا لا يَتجاوَزُ مِقدارَ آخِرِ النَّهارِ أو أوَّلِه.

عبس

عَبَسَ وَتَوَلَّى

قَطَّبَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَجْهَه، وأعرَضَ غَضَبًا.

أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى

بسَبَبِ مَجيءِ الرَّجُلِ الأعمى إليه، وهو مَشغولٌ بدَعوةِ رَجُلٍ مِن أشرافِ قُرَيشٍ.

وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى

وما يُدْرِيك -يا مُحمَّدُ- لعَلَّ هذا الأعمى -الَّذي عَبَسْتَ وأعرَضْتَ عنه- يتَزكَّى بما يتعَلَّمُه مِنَ القُرآنِ منك؛ فيَتطَهَّرَ مِن ذُنوبِه.

أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى

أو لعَلَّه يَتذَكَّرُ ما غَفَل عنه؛ فيَتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما يَسمَعُ مِنَ القُرآنِ.

أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى

أمَّا الَّذي استَغْنى عن الإيمانِ والقُرآنِ بما لَه مِنَ المالِ والجاهِ.

فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى

فأنت -يا مُحمَّدُ- تتعَرَّضُ له، وتُقبِلُ عليه، وتجتَهِدُ في وَعْظِه؛ رجاءَ هِدايتِه للحَقِّ!

وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى

وأيُّ ضَرَرٍ عليك -يا مُحمَّدُ- إذا لم يُسْلِمْ هذا الرَّجُلُ الَّذي استغنى، ويتطَهَّرْ من كُفْرِه وذُنوبِه؟ فلا تُبَالِ به، ولا تَكتَرِثْ بشأنِه؛ فإنَّه ليس عليك إلَّا البَلاغُ.

وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى

وأمَّا هذا الرَّجُلُ الأعمى الَّذي جاءك -يا مُحمَّدُ- يَمْشي مُسْرِعًا مُجتَهِدًا في الوُصولِ إليك؛ طَلَبًا للعِلْمِ، وسَماعِ الحَقِّ.

وَهُوَ يَخْشَى

والحالُ أنَّه يَخافُ اللهَ تعالى؛ لعِلْمِه بعَظَمتِه وشِدَّةِ عَذابِه.

فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى

فأنت -يا مُحمَّدُ- تُعْرِضُ عن هذا الرَّجُلِ الحَريصِ على الحَقِّ، وتتشاغَلُ بدَعْوةِ ذلك الكافِرِ!

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ

لا تَفعَلْ ما فعَلْتَ -يا مُحمَّدُ-؛ فليس الخَيرُ في الإعراضِ عن المؤمِنِ الحَريصِ على الحَقِّ، والتَّشاغُلِ عنه بدعوةِ غَيرِه مِن الكُفَّارِ المكابِرينَ؛ إنَّ آياتِ القُرآنِ تذكيرٌ للنَّاسِ جميعًا.

فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ

فمَن شاء مِن النَّاسِ ذَكَر هذا القُرآنَ، فاتَّعَظَ واعتَبَرَ وعَمِلَ بما فيه.

فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ

وهذا القُرآنُ الكريمُ مَكتوبٌ في صُحُفٍ مُكَرَّمةٍ عِندَ اللهِ تعالى.

مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ

وهي صُحُفٌ عاليةٌ، رفيعةُ المكانةِ والقَدْرِ، مُطَهَّرةٌ مِن كُلِّ دَنَسٍ وعَيبٍ.

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ

وهذه الصُّحُفُ المكتوبُ فيها القُرآنُ هي بأيدي طائِفةٍ مِنَ الملائِكةِ.

كِرَامٍ بَرَرَةٍ

وأولئك الملائِكةُ ذَوُو خَلْقٍ حَسَنٍ شَريفٍ، وأخلاقٍ حَسَنةٍ جَميلةٍ، كثيرو الخَيرِ والطَّاعةِ والإحسانِ.

قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ

أُهلِكَ الإنسانُ، فما أشَدَّ كُفْرَه باللهِ الَّذي خَلَقَه!

مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

ما الشَّيءُ الَّذي خَلَق اللهُ الإنسانَ منه؟

مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ

خَلَق اللهُ الإنسانَ مِن منيٍّ، فقدَّره في بَطْنِ أُمِّه أحوالًا وأطوارًا في الخَلْقِ؛ نُطفةً، ثمَّ عَلَقةً، ثمَّ مُضْغةً، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُه، وهَيَّأه لِما يَصلُحُ له ويَليقُ به مِنَ الأعضاءِ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ والأشكالِ.

ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ

ثمَّ سهَّل اللهُ للإنسانِ طَريقَ الخُروجِ مِن بَطْنِ أُمِّه، وطريقَ الخَيرِ والشَّرِّ.

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ

ثمَّ قَبَض اللهُ رُوحَ الإنسانِ عِندَ انقِضاءِ أجَلِه، وجَعَل له قَبْرًا يُوارَى فيه بَدَنُه؛ إكرامًا له.

ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ

ثُمَّ إذا شاء اللهُ بَعَثَ الإنسانَ بعْدَ مَوتِه، وأحياه يومَ القيامةِ؛ لِيُجازِيَه على أعمالِه.

كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ

ليس الأمرُ كما يَظُنُّ الإنسانُ مِن أنَّه قد أدَّى جميعَ ما أوجَبَ اللهُ عليه؛ فلم يَقُمِ الإنسانُ بكُلِّ ما فَرَض اللهُ عليه؛ من العَمَلِ بطاعتِه، واجتِنابِ مَعصِيَتِه.

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ

فلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه مُتَفَكِّرًا في كيفيَّةِ خَلْقِه، وتيسيرِ أسبابِ حُصولِه.

أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا

أنَّا أنزَلْنا ماءَ المطَرِ مِنَ السَّحابِ إنزالًا كَثيرًا.

ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا

ثمَّ شَقَقْنا الأرضَ بخُروجِ النَّباتِ.

فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا

فأنبَتْنا في الأرضِ أنواعَ الحُبوبِ؛ كالقَمحِ، والشَّعيرِ، والذُّرَةِ، والأَرُزِّ، وغَيرِ ذلك.

وَعِنَبًا وَقَضْبًا

وأنبَتْنا فيها العِنَبَ، وأنبَتْنا فيها قتًّا رطبًا تُعْلَفُ به البهائمُ.

وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا

وأنبَتْنا في الأرضِ الزَّيتونَ، وأشجارَ النَّخيلِ.

وَحَدَائِقَ غُلْبًا

وأنبَتْنا في الأرضِ بَساتينَ ذاتَ أشجارٍ غَليظةٍ عَظيمةٍ.

وَفَاكِهَةً وَأَبًّا

وأنبَتْنا في الأرضِ أنواعَ الفَواكِهِ الَّتي يأكُلُها النَّاسُ؛ مِن ثِمارِ الأشجارِ، وأنبَتْنا فيها العُشْبَ والكَلَأَ مِمَّا تأكُلُه الأنعامُ.

مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

أنبَتَ اللهُ ذلك كُلَّه؛ مَنفَعةً لكم -أيُّها النَّاسُ- ولأنعامِكم مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، تتمَتَّعونَ بها في الحياةِ الدُّنيا.

فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ

فإذا جاءت القيامةُ بصَيحَتِها العَظيمةِ الَّتي تُصِمُّ الآذانَ؛ مِن شِدَّةِ صَوتِها.

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ

يومَ يَهرُبُ كُلُّ إنسانٍ من أخيه؛ مِن شِدَّةِ الهَولِ!

وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ

ويَهرُبُ كُلُّ إنسانٍ كذلك مِن أُمِّه وأبيه، فلا يَنفَعُهما بشَيءٍ!

وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ

ومِن زَوجتِه الَّتي كانت مُلازِمةً له في الدُّنيا، ومِن أبنائِه الَّذين هم أحَبُّ النَّاسِ إليه!

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ

لكُلِّ واحدٍ مِن أولئك الأقرِباءِ يومَ القيامةِ أَمْرٌ عظيمٌ يُهِمُّه ويَكفيه، فيَشغَلُه عن النَّظَرِ في أمْرِ غَيْرِه.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ

وُجوهُ المُؤمِنينَ في ذلك اليَومِ مُضِيئةٌ مُشرِقةٌ.

ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ

تَضحَكُ سُرورًا، وتَفرَحُ مُستَبشِرةً.

وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ

ووُجوهُ الكافِرينَ يومَ القيامةِ يَعْلوها غُبارٌ.

تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ

تَغْشاها ظُلْمةٌ وسَوادٌ.

أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ

أولئك هم الكَفَرةُ الَّذين لم تُؤمِنْ قُلوبُهم بالحَقِّ، الفَجَرةُ الَّذين كانوا يَعمَلونَ السَّيِّئاتِ مُتجَرِّئينَ على إتيانِ المحَرَّماتِ.

التكوير

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ

إذا لُفَّت الشَّمسُ وجُمِعَت، وطُوِيَ بَعْضُها على بَعضٍ؛ فذَهَب ضَوؤُها.

وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ

وإذا النُّجومُ تهاوَتْ وتَساقَطَت مِن مَواضِعِها وتناثَرَت.

وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ

وإذا الجِبالُ قُلِعتْ عن أماكنِها وذُهِب بها عن وجهِ الأرضِ فزالَتْ وصارَتْ هَباءً.

وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ

وإذا النُّوقُ الحوامِلُ الَّتي قد مَرَّ على حَمْلِها عَشَرةُ أشهُرٍ قد تَرَكها أصحابُها، وانشغَلوا عنها مع شِدَّةِ نَفاستِها لَدَيهم؛ من شِدَّةِ أهوالِ ذلك اليَومِ.

وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ

وإذا الحَيواناتُ البَرِّيَّةُ الَّتي لا تَأنَسُ بأحَدٍ قد بعَثَها اللهُ فجُمِعَت يومَ القيامةِ.

وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ

وإذا البِحارُ صارَتْ بحرًا واحدًا، ومُلِئَت، وأُوقِدَت نارًا.

وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ

وإذا النَّاسُ قد قُرِنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بمَن هو مِثْلُه في الخَيرِ والشَّرِّ.

وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ

وإذا البِنتُ الَّتي دُفِنَت في التُّرابِ حَيَّةً قد سُئِلَت.

بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ

سُئِلَت عن الذَّنْبِ الَّذي استحَقَّتْ به القَتْلَ!

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ

وإذا صُحُفُ أعمالِ النَّاسِ الَّتي طُوِيَت بعدَ مَوتِهم قد فُتِحَت لهم، فيَطَّلِعُ كُلُّ أحَدٍ فيها على عَمَلِه.

وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ

وإذا السَّماءُ نُزِعَت مِن مَكانِها، وجُذِبتْ، وقُلِعَت بقُوَّةٍ وسُرعةٍ، وأُزِيلَتْ.

وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ

وإذا النَّارُ الشَّديدةُ التَّأجُّجِ قد أُحمِيَت لأهْلِها، واشتَدَّ توَقُّدُها ولَهيبُها.

وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ

وإذا الجَنَّةُ قد قُرِّبَت وأُدنِيَت لأهْلِها.

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ

إذا وَقَعَت تلك الأُمورُ المَهُولةُ المُفزِعةُ عَلِمَت وتيَقَّنَت حينَئِذٍ كُلُّ نَفْسٍ ما أحضَرَتْه مِن خَيرٍ أو شَرٍّ عَمِلَتْه في الدُّنيا.

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ

فأُقسِمُ بالنُّجومِ العَظيمةِ الَّتي تختَفي وتَغيبُ.

الْجَوَارِ الْكُنَّسِ

الَّتي تَجري في السَّماءِ وتَسْتَتِرُ.

وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ

وأُقسِمُ باللَّيلِ إذا أقبَلَ بظَلامِه، وإذا أدبَرَ.

وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ

وأُقسِمُ بالصُّبحِ إذا أقبَلَ وتَبَيَّنَ ضَوؤُه.

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ

إنَّ مَنْ يُنزِلُ هذا القُرآنَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَسولٌ مِن عندِ اللهِ تعالى، حَسَنُ الخَلْقِ والأخلاقِ، وهو جِبريلُ عليه السَّلامُ.

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ

وهو صاحِبُ قُوَّةٍ عَظيمةٍ، وله عِندَ اللهِ تعالى مكانةٌ عاليةٌ، ومَنزِلةٌ رَفيعةٌ.

مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ

وهو مُطاعٌ في السَّماءِ عندَ الملائِكةِ، أَمينٌ على ما ائتَمَنَه اللهُ عليه، ومِن ذلك تبليغُه الوَحْيَ إلى أنبيائِه دونَ زيادةٍ أو نَقصٍ.

وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ

وما نَبيُّكم محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يا أهلَ مكَّةَ، الَّذي خالَطْتُموه وعَرَفْتُم صِدْقَه وأمانَتَه: بمَجنونٍ كما تَزعُمونَ!

وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ

ولقد رأى محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِبْريلَ في صُورتِه الَّتي خَلَقَه اللهُ عليها، وذلك في السَّماءِ مِن جِهةِ المَشرِقِ حيثُ تَطلُعُ الشَّمسُ، وتُرى الأشياءُ بوُضوحٍ.

وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ

وما محمَّدٌ ببَخيلٍ على النَّاسِ بالقُرآنِ، ولا يَمتَنِعُ مِن إخبارِهم به، بل هو حَريصٌ على تبليغِ القُرآنِ إلى جميعِ النَّاسِ.

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ

وما هذا القُرآنُ بقَولِ شَيطانٍ مَلعونٍ مَطرودٍ مِن رَحمةِ اللهِ، مَرجومٍ بالشُّهُبِ.

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ

فإلى أين تَذهَبونَ -أيُّها المُشرِكونَ- عن هذا القُرآنِ مع وُضوحِ الحَقِّ فيه بدَلائِلِه؟ وإلى أيِّ طَريقٍ تَعدِلونَ عنه؟

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

ما هذا القُرآنُ إلَّا تذكيرٌ مِنَ اللهِ تعالى لجَميعِ الإنسِ والجِنِّ، فيتَّعِظونَ به ويَعتَبِرونَ وينتَفِعونَ.

لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ

وذلك إنَّما يكونُ لِمَن شاء منكم أن يَستقيمَ على الحَقِّ، فيتَّبِعَه ويؤمِنَ به، وأمَّا مَن لا يُريدُ ذلك فلن ينتَفِعَ بالقُرآنِ.

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

وما تَشاؤونَ الاسْتِقامةَ على الحَقِّ إلَّا إذا شاء الخالِقُ المالِكُ المدَبِّرُ ذلك لكم.

الانفطار

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ

إذا السَّماءُ مع قُوَّتَها وشِدَّةِ إحكامِها قد انشَقَّت يومَ القيامةِ.

وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ

وإذا الكواكِبُ تَساقَطَت وتفَرَّقَت.

وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ

وإذا البِحارُ المتفَرِّقةُ في الأرضِ قد فُجِّرَت تَفجيرًا كَثيرًا، وفُتِح بعضُها إلى بعضٍ.

وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ

وإذا القُبورُ أُثِيرَت وقُلِبَ ما في بَطْنِها مِن الأمواتِ إلى ظَهْرِها، فبَعَثَهم اللهُ تعالى أحياءً.

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ

إذا وقَعَت تلك الأمورُ عَلِمَتْ كُلُّ نفْسٍ حِينَها بجميعِ أعمالِها؛ خَيْرِها وشَرِّها.

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ

يا أيُّها الإنسانُ ما الَّذي خَدَعَك وسوَّلَ لك التَّجَرُّؤَ على الكُفْرِ برَبِّك أو مَعصيتِه، وهو الكريمُ ذو الكَمالِ والجَمالِ، الَّذي ينبغي أن يُعبَدَ ويُطاعَ شُكرًا لإحسانِه، ومُقابَلةً لكَرَمِه؟!

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ

الَّذي أوجَدَك فجَعَل خَلْقَك سَوِيًّا سَلِيمًا مُتقَنًا، فصِرْتَ مُعتَدِلَ الخِلْقةِ، مُتناسِبَ الأعضاءِ.

فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ

ركَّبك اللهُ -أيُّها الإنسانُ- في أيِّ صُّورةٍ شاء أن تكونَ عليها.

كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ

ارتَدِعوا وانزَجِروا عن الكُفْرِ برَبِّكم ومَعْصيتِه، فإنَّما الَّذي يَحمِلُكم على تَرْكِ الإيمان وفعل المعاصي هو تكذيبُكم باليومِ الآخِرِ الَّذي يُحاسَبُ فيه النَّاسُ، ويُجازَونَ على أعمالِهم.

وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ

وإنَّ عليكم -أيُّها النَّاسُ- ملائِكةً حافِظينَ يُراقِبونَكم، ولا يُضَيِّعونَ شَيئًا مِن أعمالِكم.

كِرَامًا كَاتِبِينَ

هم ذَوُو كَمالٍ وَجمالٍ في صِفاتِهم الخِلْقِيَّةِ والخُلُقِيَّةِ، لا يَظلِمونَكم، ويَكتُبونَ جميعَ أعمالِكم.

يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

يَعلَمُ أولئك الملائِكةُ المُوَكَّلونَ بكِتابةِ أعمالِكم كُلَّ ما تَفعَلونَه؛ مِن قَولٍ أو فِعلٍ، خيرٍ أو شَرٍّ، ظاهِرٍ أو باطِنٍ.

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ

إنَّ المؤمِنينَ الطَّائِعينَ الملازِمينَ لفِعلِ الخَيراتِ وأعمالِ البِرِّ والإحسانِ: لَفِي جَنَّةٍ يَتنَعَّمونَ فيها.

وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ

وإنَّ الكُفَّارَ العُصاةَ الَّذين قَصَّروا في حُقوقِ اللهِ تعالى وحُقوقِ عِبادِه: لَفِي نارٍ شَديدةِ التَّوَقُّدِ والتَّأجُّجِ.

يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ

يُغمَسونَ فيها فيُباشِرونَ حرَّها، ويحترِقونَ بنارِها يومَ الحِسابِ والجَزاءِ على الأعمالِ، وهو يومُ القيامةِ.

وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ

وما هم بخارِجينَ منها، بل هم مُلازِمونَ لها أبَدًا.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ

وما أعلَمَك بحقيقةِ ذلك اليومِ العظيمِ المهولِ الَّذي يُحاسَبُ فيه النَّاسُ على أعمالِهم، ويُجازَونَ بحَسَبِها؟! فهو مِن شدَّتِه بحيثُ لا يَدري أحدٌ مقدارَ هولِه وعظمتِه.

ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ

ثمَّ ما أعلَمَك بحقيقةِ ذلك اليومِ العَظيمِ المَهُولِ؟!

يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ

يومَ لا يَملِكُ فيه أحَدٌ نَفْعًا لِغَيرِه، ولا إنقاذَه مِمَّا هو فيه! والمُلْكُ والتَّصَرُّفُ يومَ القيامةِ لله وَحْدَه، لا يُنازِعُه فيه أحَدٌ مِن خَلْقِه، فهو وَحْدَه الَّذي يُحاسِبُ الخلائِقَ، ويُجازيهم بأعمالِهم.

المطففين

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ

عَذابٌ وهَلاكٌ للَّذين يَنقُصونَ النَّاسَ حُقوقَهم في المِكْيالِ والمِيزانِ.

الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ

الَّذين إذا اشتَرَوا مِنَ النَّاسِ ما يُباعُ بالكَيلِ أخَذُوا حَقَّهم كامِلًا بلا نَقْصٍ.

وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ

وإذا كالُوا أو وَزَنوا للنَّاسِ يَنقُصونَهم حَقَّهم.

أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ

ألَا يَظُنُّ أولئك المُطَفِّفونَ أنَّهم مَبعوثونَ مِن قُبورِهم أحياءً بَعْدَ مَوتِهم؟!

لِيَوْمٍ عَظِيمٍ

ليومٍ عَظيمٍ شأنُه، شديدةٍ أهوالُه.

يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

يومَ يكونُ النَّاسُ قيامًا لله رَبِّ جميعِ الخلائقِ، فيُحاسِبُهم ويُجازيهم على أعمالِهم.

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

ليس الأمرُ كما يَظُنُّ هؤلاءِ الكفَّارُ أنَّهم غيرُ مبعوثينَ ولا مُعذَّبينَ، فلْيَرْتَدِعوا! إنَّ صَحيفةَ أعمالِ الفُجَّارِ مِنَ المُطَفِّفينَ وغَيرِهم في مكانٍ ضَيِّقٍ مِنَ الأرضِ السَّابعةِ!

وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ

وما أعلَمَك -يا محمَّدُ- بحَقيقةِ سِجِّينٍ الموضوعِ فيه كتابُ أعمالِ الفُجَّارِ؟

كِتَابٌ مَرْقُومٌ

كِتابُ الفُجَّارِ هذا كِتابٌ مَسطورةٌ فيه أعمالُهم بوُضوحٍ دونَ زيادةٍ أو نَقْصٍ.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ

عَذابٌ وهَلاكٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ!

الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ

الَّذين يُكَذِّبونَ في الدُّنيا بيَومِ الحِسابِ والجَزاءِ، فيُنكِرونَ البَعْثَ يومَ القيامةِ.

وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ

وما يُكَذِّبُ بذلك اليَومِ إلَّا كُلُّ متجاوزٍ لحُدودِ اللهِ، ظالمٍ لعِبادِ اللهِ، مُبالِغٍ في الانهِماكِ في المحَرَّماتِ، كَثيرِ الآثامِ والسَّيِّئاتِ.

إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

إذا تُلِيَت عليه آياتُ القُرآنِ قال مُكَذِّبًا: تلك أحاديثُ الأوَّلِينَ وخُرافاتُهم الَّتي سُطِرَت في الكُتُبِ مِن قَبْلُ!

كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

ليس القُرآنُ بأساطيرِ الأوَّلِينَ كما يَزعُمُ المكَذِّبونَ، ولكِنَّ الَّذي حمَلَهم على التَّكذيبِ بالحَقِّ وتَرْكِ الإيمانِ به أنَّه غَطَّى على قُلوبِهم وأحاط بها ما كانوا يَعمَلونَه مِن الذُّنوبِ المُتتابِعةِ، حتَّى اسْوَدَّت قُلوبُهم، فرَأَوُا الحَقَّ باطِلًا!

كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

كَلَّا إنَّ أولئك المكَذِّبينَ لَمَحجوبونَ يومَ القيامةِ عن رَبِّهم، فلا يَرَونَه أبَدًا.

ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ

ثمَّ إنَّهم مع حِرْمانِهم رُؤيةَ اللهِ يَدخُلونَ النَّارَ، ويَحتَرِقونَ فيها.

ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ

ثمَّ يُقالُ لهم تقريعًا وتَوبيخًا: هذا هو عذابُ النَّارِ الَّذي كنتُم في الدُّنيا تُكَذِّبونَ به؛ فذُوقوه الآنَ في الآخِرةِ!

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ

ليس الأمرُ كما يَظُنُّ أولئك الفُجَّارُ مِن أنَّه لا بَعْثَ ولا حِسابَ ولا جَزاءَ؛ فلْيَرتَدِعوا عن تكذيبِهم بذلك! إنَّ صَحيفةَ أعمالِ المؤمِنينَ الطَّائِعينَ الملازِمينَ فِعْلَ الخَيراتِ وأعمالَ الإحسانِ: في مَوضِعٍ عالٍ رفيعٍ.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ

وما أعلَمَك -يا محمَّدُ- بحقيقةِ عِلِّيِّينَ الموضوعِ فيه كتابُ أعمالِ الأبرارِ؟

كِتَابٌ مَرْقُومٌ

كِتابُ الأبرارِ هذا هو كِتابٌ مَسطورةٌ أعمالُهم فيه بوُضوحٍ دونَ زِيادةٍ أو نَقْصٍ.

يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ

يَحضُرُه عِبادُ اللهِ المُقَرَّبونَ عِنْدَه.

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ

إنَّ المؤمِنينَ الَّذين أطاعوا اللهَ، وأحسَنُوا إلى عبادِ اللهِ: لَفِي نَعيمِ الجَنَّةِ الدَّائِمِ.

عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ

هم على السُّرُرِ الَّتي أُرخِيَ عليها سُتورٌ مُزَيَّنةٌ يَنظُرونَ إلى وَجهِ اللهِ الكَريمِ، وإلى ما أعطاهم مِنَ النَّعيمِ العَظيمِ.

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ

تَعرِفُ في وُجوهِهم أثَرَ النِّعمةِ والسُّرورِ الظَّاهِرَ؛ مِنَ الحُسْنِ والبَهاءِ والنَّضارةِ.

يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ

يُسقَى هؤلاءِ الأبرارُ مِن خَمرٍ لذيذةٍ صافيةٍ لا كَدَرَ فيها، مختومةٍ.

خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ

يُسقَون مِن خَمرٍ تَفوحُ منها في آخِرِ شُرْبِهم لها رائِحةُ المِسْكِ، فلْيَجتَهِدِ المتسابِقونَ ويُبادِرُوا في طَلَبِ ذلك النَّعيمِ، بطاعةِ اللهِ تعالى، واجتنابِ ما يُسخِطُه، ولْيُسارِعوا؛ حِرصًا على الفَوزِ به.

وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ

ويُمزَجُ ذلك الرَّحيقُ المختومُ ويُخلَطُ بشَرابٍ شَريفٍ مِن عَينٍ رَفيعةٍ عاليةٍ اسمُها تَسنيمٌ.

عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُون

وتلك العَينُ يَروَى بها المقَرَّبونَ السَّابِقونَ، وهم أعلى وأفضَلُ مِن الأبرارِ، فيَشرَبونَ منها شرابًا صافيًا خالِصًا دونَ أن يُمزَجَ بشَيءٍ.

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ

إنَّ الكُفَّارَ كانوا في الدُّنيا يَضحَكونَ مِنَ المؤمِنينَ؛ استِهزاءً بهم، وسُخْريةً منهم، واحتِقارًا لهم.

وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ

وإذا مَرُّوا بهم في طَريقِهم أشار بَعضُهم إلى بَعضٍ بأعيُنِهم؛ استِهزاءً بالمؤمِنينَ، واحتِقارًا لهم.

وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ

وإذا انصَرَفَ أولئك المجرِمونَ إلى أهلِهم في بُيوتِهم انصَرَفوا فَرِحينَ مَسرورينَ باستِخفافِهم بالمؤمِنينَ.

وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ

وإذا رَأَوُا المؤمِنينَ قالوا: إنَّ هؤلاء لَضالُّونَ عن طَريقِ الحَقِّ، وفِعْلِ الصَّوابِ حيثُ تركوا دينَ آبائِهم!

وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ

ولم يُرسِلِ اللهُ الكُفَّارَ وُكَلاءَ على المؤمِنينَ ليَحفَظوا أعمالَهم، ويَنشَغِلوا بمُراقَبتِهم، ويَحكُموا عليهم، بل كَلَّفَهم اللهُ بالإيمانِ، والانشغالِ بالأعمالِ الصَّالحةِ.

فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ

ففي اليَومِ الآخِرِ يَضحَكُ المُؤمِنونَ مِنَ الكُفَّارِ حينَ يَرَونَهم وهُم يُعَذَّبونَ كَما ضَحِكَ الكُفّار مِنهُمْ فِي الدُّنْيا!

عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ

والمُؤمِنونَ في الجَنَّةِ على السُّرُرِ الَّتي أُرخِيَ عليها السُّتُورُ المُزيَّنةُ يَنظُرونَ إلى وَجهِ رَبِّهم الكريمِ، وإلى ما أُعِدَّ لهم مِن النَّعيمِ، وإلى الكافِرينَ وهم يُعذَّبونَ.

هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ

هل جُوِزيَ الكُفَّارُ على ما كانوا يَفعَلونَه في الدُّنيا حينَ يُعَذِّبُهم اللهُ في النَّارِ؟!

الانشقاق

إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ

إذا تَشَقَّقت السَّماءُ يومَ القيامةِ وتصَدَّعَت.

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

واستمَعَت لأمرِ رَبِّها وأطاعَتْه في تشَقُّقِها، وحُقَّ لها أن تستَمِعَ لأمْرِه وتُطيعَه؛ فهو رَبُّها الَّذي خلَقَها ويَملِكُها ويُدَبِّرُ أَمْرَها.

وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ

وإذا بُسِطَت الأرضُ يومَ القيامةِ ومُطَّتَ بعْدَ نَسْفِ جِبالِها، فتكونُ أرضًا واسِعةً مُسْتَوِيةً لا انخِفاضَ فيها ولا ارتِفاعَ ولا انثِناءَ، وتَسَعُ النَّاسَ جَميعًا على كَثْرَتِهم.

وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ

وألقَتِ الأرضُ ما في بَطْنِها مِن الأمواتِ إلى سَطْحِها، فخلَتْ عمَّا كان فيها، ولم يَبْقَ فيها أحدٌ منهم.

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

واستَمَعَت لأمرِ رَبِّها، وأطاعَتْه في إخراجِ ما في بَطْنِها من الأمواتِ، وحُقَّ لها أن تستَمِعَ لأمْرِه وتُطيعَه؛ فهو رَبُّها الَّذي خلَقَها ويَملِكُها ويُدَبِّرُ أَمْرَها.

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

يا أيُّها الإنسانُ إنَّك عامِلٌ أعمالًا تجتَهِدُ فيها سواءٌ كانت خيرًا أو شرًّا، ثمَّ تَرجِعُ إلى رَبِّك فتَلْقَاه بعَمَلِك ويُجازيك عليه.

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

فأمَّا المؤمِنُ الَّذي يُعطَى كِتابَ أعمالِه، فيَتَسلَّمُه بيَدِه اليُمْنى.

فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا

فسوف يُحاسَبُ يومَ القيامةِ حِسابًا سَهْلًا، فتُعرَضُ عليه سَيِّئاتُه المكتوبةُ بلا مناقَشةٍ وتدقيقٍ وإطالةٍ، ولا يُؤاخَذُ بها.

وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا

ويَنصَرِفُ إلى أهلِه في الجَنَّةِ مَسرورًا بنَجاتِه مِن الجَحِيمِ، وبما أعطاه اللهُ مِن النَّعيمِ العَظيمِ.

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ

وأمَّا الكافِرُ الَّذي يُعطَى كِتابَ أعمالِه، فيَتسَلَّمُه بشِمالِه مِن خَلْفِ ظَهْرِه.

فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا

فسوف يُنادي على نَفْسِه بالهَلاكِ والخُسْرانِ؛ نَدامةً وحَسرةً مِمَّا يَرى في كتابِه من السَّيِّئاتِ.

وَيَصْلَى سَعِيرًا

ويَنغَمِسُ في النَّارِ المُلتَهِبةِ الشَّديدةِ التَّوَقُّدِ، فيَحتَرِقُ فيها.

إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا

إنَّه كان في الدُّنيا مسرورًا في أهلِه باتِّباعِ هَواه، ورُكوبِ شهوتِه، واقترافِ المعاصي، فَرِحًا بدُنْياه، لا يُفَكِّرُ في عاقِبةِ أعمالِه، ولا يَخافُ عَذابَ الآخِرةِ.

إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ

إنَّ هذا الكافِرَ قد ظَنَّ في الدُّنيا أنَّه لن يَرجِعَ إلى رَبِّه بعْدَ مَوتِه؛ لِيُحاسِبَه ويُجازِيَه على أعمالِه، فلَمْ يَكُنْ يَخشَى عِقابًا أو يَرجو ثَوابًا.

بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا

ليس الأمرُ كما يَظُنُّه هذا المكَذِّبُ بالبَعْثِ؛ فإنَّه سيُبعَثُ حَيًّا بعدَ مَوتِه، واللهُ بصيرٌ به ومُطَّلِعٌ على أعمالِه، فلا يخفى عليه كُفْرُه أو عِصيانُه، وسيُجازيه على ذلك.

فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ

فأُقسِمُ بالحُمْرةِ الَّتي تَلُوحُ في الأُفُقِ بَعْدَ غُروبِ الشَّمسِ.

وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ

وأُقسِمُ باللَّيلِ وما جَمَع وضمَّ فيه مِن مَخلوقاتٍ.

وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ

وأُقسِمُ بالقَمَرِ إذا تمَّ واكتَمَل فصار بَدْرًا مُنيرًا.

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ

لَتَركَبُنَّ -أيُّها النَّاسُ- حالًا بَعْدَ حالٍ.

فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

فما الَّذي يَمنَعُ الكافِرينَ إذَنْ مِنَ الإيمانِ بالآخِرةِ، والإقرارِ بالبَعْثِ بعدَ المَوتِ، واللهُ هو المتصَرِّفُ في الكَونِ كيف يَشاءُ، وقد ظهَرَت لهم دلائِلُ الحَقِّ، وقامت عليهم حُجَجُه البَيِّنةُ؟!

وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ

وما لَهم إذا قُرِئَ عليهم القُرآنُ لا يَسجُدونَ لله تَعظيمًا وخُضوعًا له؟!

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ

لا يُوجَدُ ما يَمنَعُهم مِن الإيمانِ والسُّجودِ؛ فدلائِلُ الحَقِّ واضِحةٌ ومُتوفِّرةٌ، وإنَّما مِن سَجِيَّةِ الَّذين كَفَروا وعادتِهم المُستَمِرَّةِ: التَّكذيبُ بالقُرآنِ، والبَعثِ، والجنَّةِ والنَّارِ؛ عِنادًا أو كِبْرًا منهم دونَ حُجَّةٍ وعُذرٍ!

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ

واللهُ أعلَمُ بما يَجمَعُه الكافِرونَ في صُدورِهم مِنَ التَّكذيبِ والآثامِ.

فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

فبشِّرْ -يا محمَّدُ- أولئك الكافِرينَ بعَذابٍ مُوجِعٍ في غايةِ الإيلامِ.

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

إلَّا الَّذين تابُوا منهم فآمَنوا بكُلِّ ما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وأطاعوا اللهَ تعالى، فامتَثَلوا أمْرَه واجتَنَبوا نَهْيَه؛ فأولئك لهم في الآخِرةِ أجرٌ كامِلٌ غَيرُ مَنقوصٍ، ودائِمٌ غيرُ مَقطوعٍ.

البروج

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ

أُقسِمُ بالسَّماءِ ذاتِ النُّجومِ العَظيمةِ الَّتي هي بمنزلةِ مَنازِلَ للشَّمسِ والقَمَرِ في مَسيرِهما.

وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ

وأُقسِمُ بيَومِ القيامةِ الَّذي وَعَد اللهُ تعالى عِبادَه بمَجيئِه والقَضاءِ فيه بيْنَهم، فيَبعَثُهم ويُحاسِبُهم ويُجازيهم فيه على أعمالِهم.

وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ

وأُقسِمُ بكلِّ شاهِدٍ وكلِّ مَشهودٍ.

قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ

أُهْلِكَ ولُعِنَ أولئك الكَفَرةُ الَّذين شَقُّوا في الأرضِ خَنْدَقًا كَبيرًا.

النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ

وذلك الأُخدودُ متأجِّجٌ بالنَّارِ الَّتي أُضرِمَت بالحَطَبِ أو غَيرِه حتَّى اشتَدَّ توَقُّدُها ولهيبُها، واشتَعَلَت اشتِعالًا عَظيمًا.

إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ

لُعِنَ أولئك الكُفَّارُ حينَ كانوا قاعِدينَ على جوانِبِ الأُخدودِ وحافَاتِه!

وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ

وهم يُشاهِدونَ المؤمِنينَ يَحتَرِقونَ فيه.

وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ

وما أنكَرَ الكُفَّارُ وكَرِهوا مِن المؤمِنينَ والمُؤمِناتِ شَيئًا سِوى إيمانِهم باللهِ الممتَنِعِ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ، الغالِبِ الَّذي لا يُغلَبُ، المحمودِ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه، وشَرْعِه وقَدَرِه.

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

الَّذي يَملِكُ وَحْدَه جَميعَ السَّمَواتِ السَّبْعِ والأرضِ، وما فيهِنَّ مِنَ الخلائِقِ، واللهُ مُطَّلِعٌ على كُلِّ شَيءٍ، فلا يَخفى عليه شَيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ومِن ذلك إحراقُ الكافِرينَ للمُؤمِنينَ في الأُخدُودِ، وسيُجازيهم عليه.

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ

إنَّ الَّذين عذبوا وأحرقوا المؤمِنينَ والمُؤمِناتِ بنارِ الأخدود، ثمَّ لم يَتوبوا ممَّا فَعَلوه بهم: فلَهم عَذابُ جَهنَّمَ، ولهم عذابُ الحَريقِ.

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ

إنَّ الَّذين آمَنُوا بكُلِّ ما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا بطاعةِ اللهِ تعالى؛ فامتَثَلوا أوامِرَه، واجتَنَبوا نواهِيَه: لهم في الآخِرةِ جَنَّاتٌ تَجري مِن تحتِ أشجارِها وقُصورِها الأنهارُ، ذلك هو الفَوزُ العظيمُ التامُّ الَّذي لا يُدانيه فَوزٌ.

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ

إنَّ أخْذَ رَبِّك -يا محمَّدُ- وانتِقامَه مِنَ الكَفَرةِ والظَّلَمةِ لَقَويٌّ عَظيمٌ!

إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ

إنَّ اللهَ وَحْدَه هو مَن يَبدَأُ بإيجادِ ما يَشاءُ مِن خَلْقِه، ثمَّ يُعيدُه بَعْدَ فَنائِه.

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ

وهو الغَفورُ لذُنوبِ عِبادِه، فيَمحوها ويُذهِبُ آثارَها، ويَستُرُها، وهو المحِبُّ لعبادِه التَّائِبينَ والصَّالِحينَ.

ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ

صاحبُ العَرْشِ العظيمِ، والَّذي له صِفاتُ الكَمالِ الكَثيرةُ الواسِعةُ.

فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ

مهما أراد شيئًا فعَله، ولا يَمنَعُه مانعٌ مِن فِعلِ ما أراد في مُلْكِه وخَلْقِه.

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ

هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ الجنودِ الَّذين بَطَش اللهُ بهم فأهلَكَهم؛ لكُفْرِهم باللهِ ورُسُلِه؟

فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ

فِرْعَونَ الَّذي كَذَّبَ هو وقَومُه بموسى عليه السَّلامُ، وقَومِ ثَمودَ الَّذين كَذَّبوا نبيَّهم صالِحًا عليه السَّلامُ.

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ

لا يَعتَبِرُ كُفَّارُ قُرَيشٍ بما حَلَّ بفِرعَونَ وثَمودَ؛ فسَجِيَّتُهم الدَّائِمةُ وعادتُهم المستَمِرَّةُ هي شِدَّةُ التَّكذيبِ بالقُرآنِ والبَعْثِ والجنَّةِ والنَّارِ.

وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ

واللهُ مُطَّلِعٌ على أعمالِهم، وسيُجازيهم عليها؛ فهُم في قَبْضتِه، وهو قادِرٌ على عَذابِهم، فلا يُعجِزونَه.

بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ

ليس الأمرُ كما يَزعُمُ الكُفَّارُ في القُرآنِ، وإنَّما هو قُرآنٌ عَظيمٌ، واسِعُ المعاني والعُلومِ والهِداياتِ، كامِلُ الصِّفاتِ، كَثيرُ الخَيراتِ والبَرَكاتِ.

فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ

القَرآنُ مَكتوبٌ في لَوحٍ مَحفوظٍ مَصُونٍ عن التَّغييرِ والتَّبديلِ، والزِّيادةِ والنُّقصانِ، ومحفوظٍ وسالِمٍ مِن وُصولِ الشَّياطينِ إليه.

الطارق

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ

أُقسِمُ بالسَّماءِ، وأُقسِمُ بالطَّارِقِ الَّذي يَظهَرُ لَيلًا.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ

وما أعلَمَك -يا محمَّدُ- بالطَّارِقِ الَّذي عظَّمْتُه بالقَسَمِ به؟

النَّجْمُ الثَّاقِبُ

هو النَّجْمُ المتوقِّدُ النَّافِذُ.

إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ

ما مِن إنسانٍ إلَّا وعليه ملائِكةٌ حَفَظةٌ يحفظون عليه أعماله ويكتبونها.

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ

فلْيَنظُرِ الإنسانُ مُتفَكِّرًا مِن أيِّ شَيءٍ خلَقه ربُّه سُبحانَه.

خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ

خُلِقَ مِن مَنِيٍّ مُنصَبٍّ يخرُجُ دَفْقًا.

يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ

يَخرُجُ هذا الماءُ -الَّذي خَلَق اللهُ منه الإنسانَ- مِن بيْنِ الصُّلبِ وعِظامِ الصَّدْرِ.

إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ

إنَّ اللهَ الخالِقَ قادِرٌ على رَجْعِ الإنسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوتِه.

يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ

يَومَ تَظهَرُ سَرائِرُ النَّاسِ، فيَتبَيَّنُ ما كانوا يُخفونَه مِن خَيرٍ وشَرٍّ، ويُجازَونَ على ما يَستَحِقُّونَه مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ

فما للإنسانِ يومَ القيامةِ مِن قُوَّةٍ يَدفَعُ بها عذابَ اللهِ، ولا ناصِرٍ له يَنصُرُه ويُنقِذُه.

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ

أُقسِمُ بالسَّماءِ ذاتِ المطَرِ.

وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ

وأُقسِمُ بالأرضِ ذاتِ النَّباتِ.

إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ

إنَّ القُرآنَ قَولٌ فاصِلٌ، يَفصِلُ بيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ

وليس القُرآنُ باللَّعِبِ والباطِلِ، بل كُلُّه حَقٌّ وجِدٌّ.

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا

إنَّ الكافِرينَ المُكَذِّبينَ بالقُرآنِ يَكيدُونَ؛ لِيَدفَعوا بكَيْدِهم الحَقَّ، ويُؤَيِّدوا الباطِلَ.

وَأَكِيدُ كَيْدًا

وأنا أَكيدُ بهم كَيدًا عَظيمًا -جزاءَ كَيدِهم-، بإمْهالِهم واسْتِدْراجِهم؛ حتَّى أُهلِكَهم وهم على باطِلِهم، وأُظهِرَ الحَقَّ عليه ولو بعْدَ حِينٍ.

فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا

فأَمْهِلْ -يا محمَّدُ- هؤلاء الكافِرينَ زَمَنًا قليلًا، ولا تَستَعجِلْ عِقابَهم؛ فإنَّه واقِعٌ بهم -لا محالةَ- في الوَقتِ الَّذي جعَلَه اللهُ مَوعِدًا لهَلاكِهم!

الأعلى

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى

نَزِّهْ ربَّك -يا محمَّدُ- بقَلْبِك ولسانِك عن كُلِّ سُوءٍ ونَقْصٍ، فهو المتَّصِفُ بالعُلُوِّ المُطلَقِ؛ واذكُرْه بقَولِك: سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى.

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى

الَّذي خَلَق كُلَّ شَيءٍ مِنَ العَدَمِ، فأتْقَنَه وجعَلَه في أحسَنِ هَيئةٍ مُناسِبةٍ له.

وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى

والَّذي قدَّرَ مَقاديرَ الخلائِقِ في ذَواتِها وصِفاتِها وأحوالِها، فهدى كُلَّ مَخلوقٍ لتَحصيلِ مَصالِحِه، وألهَمَه استِعمالَ قوَّتِه وأعضائِه وفِكْرِه في ذلك.

وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى

والَّذي أخرَجَ مِنَ الأرضِ النَّباتَ الأخضَرَ.

فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى

فجَعَلَ اللهُ ذلك المَرعى يابِسًا، وجعَلَ لَونَه قَريبًا مِنَ السَّوادِ بَعْدَ أن كان مُخضَرًّا ورَطْبًا.

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى

سنُلْهِمُك -يا محمَّدُ- قِراءةَ القُرآنِ رَغْمَ كَونِك أُمِّيًّا لا تَقرَأُ ولا تَكتُبُ، وتحفَظُه في صَدْرِك، فلا تَنْساه.

إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى

إلَّا ما شاء اللهُ أن يُنسِيَكه مِن القُرآنِ -يا محمَّدُ- وَفْقَ ما تَقتَضيه حِكْمتُه البالِغةُ لمصلحةٍ مِن المصالحِ، فإنَّ اللهَ يَعلَمُ العَلانيَةَ والسِّرَّ.

وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى

ونشرعُ لك -يا محمَّدُ- شرعًا سهلًا سَمحًا مستقيمًا عَدلًا، ونُسهِّلُ عليك أفعالَ الخَيرِ وأقوالَه، ونُوَفِّقُك للطَّريقةِ اليُسرى في كلِّ أمرٍ مِن أمورِ الدِّينِ والدُّنيا.

فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى

فذَكِّرْ -يا محمَّدُ- بالقُرآنِ إذا رَجَوتَ نَفعًا في التَّذكيرِ.

سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى

سيَتذَكَّرُ بالقُرآنِ ويَعتَبِرُ بمَوعِظَتِه مَن يَخْشى اللهَ، ويَخْشى عَذابَه.

وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى

ويَبتَعِدُ الكافِرُ عن الذِّكْرى، ولا يَنتَفِعُ بها.

الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى

الَّذي يَدخُلُ نارَ الآخِرةِ العُظمى، فيُقاسي شِدَّةَ حَرِّها وآلامِها.

ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا

ثمَّ لا يَموتُ الكافِرُ في النَّارِ الكُبْرى؛ فيَستريحَ مِن عَذابِها، ولا يَحْيا حياةً نافِعةً وخالِصةً مِنَ الآلامِ!

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى

قد نَجَح وفازَ مَن تطَهَّرَ مِن الكُفرِ والمعاصي وسَيِّئِ الأخلاقِ، فآمَنَ وعَمِلَ الأعمالَ الصَّالحةَ الَّتي منها ذِكرُ اللهِ، والصَّلاةُ، والصَّدَقةُ.

وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

وذَكَر اللهَ سُبحانَه وتعالى بقلبِه ولسانِه؛ فأورَثَ له ذلك إقبالًا على الصَّلاةِ للهِ تعالى.

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

بل تُقدِّمونَ مَتاعَ الحياةِ الدُّنيا على ثوابِ الآخِرةِ، فتَنشغِلونَ بأُمورِ دُنياكم عن أمورِ دِينِكم.

وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى

وثوابُ اللهِ في الآخِرةِ أفضَلُ وأدوَمُ لكم مِن مَتاعِ الدُّنيا ولَذَّاتِها القليلةِ الفانيةِ.

إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى

إنَّ ما أخبَرَ اللهُ تعالى به في قَولِه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) مذكورٌ في الصُّحُفِ الماضيةِ.

صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى

وتلك الصُّحُفُ هي المنَزَّلةُ على إبراهيمَ ومُوسى عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الغاشية

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ

هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ القيامةِ الَّتي تَغشى النَّاسَ بأهوالِها وشَدائِدِها؟

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ

تكونُ وُجوهٌ يومَ القيامةِ ذَليلةً.

عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ

يَعمَلُ أصحابُها أعمالًا شاقَّةً مُجهِدةً مُرهِقةً.

تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً

يَدخُلونَ نارًا مُتوَقِّدةً شَديدةَ الحرارةِ.

تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ

يُسقَونَ مِن شَرابِ عَينٍ في غايةِ الحَرارةِ.

لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ

ليس لهم طَعامٌ إلَّا شَجَرٌ يابِسٌ ذو شَوكٍ.

لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ

لا يَعودُ هذا الضَّريعُ على آكِلِيه بسِمَنٍ يُصلِحُ أجسادَهم، ولا يَدفَعُ عنهم شيئًا مِن ألَمِ الجُوعِ؛ فليس مِن وَرائِه سِوى الضَّرَرِ المحْضِ!

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ

يَظهَرُ على وُجوهِ المُؤمِنينَ يَومَ القيامةِ أَثَرُ النِّعمةِ؛ مِنَ البَهجةِ والسُّرورِ والنَّضرةِ، والرَّاحةِ والرَّفاهِيَةِ.

لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ

أصحابُ تلك الوُجوهِ راضُونَ عَمَّا عَمِلوه في الدُّنيا مِن أعمالٍ صالحةٍ، حينَ وَجَدوا ثوابَها العَظيمَ في الآخِرةِ.

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ

في جَنَّةٍ مُرتَفِعةِ المكانةِ، وفي مَوضِعٍ عالٍ.

لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً

لا يَسمَعونَ فيها أيَّ كَلِمةٍ لا فائِدةَ مِن وَرائِها.

فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ

في تلك الجَنَّةِ العاليةِ عَينٌ جارِيةٌ بماءٍ أو بغَيرِه مِنَ الأشرِبةِ، مِن غَيرِ أُخدودٍ.

فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ

فيها أَسِرَّةٌ عالِيةٌ مُرتَفِعةٌ، يَجلِسونَ عليها أو يَضطَجِعونَ.

وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ

وفيها أكْوابٌ، مَوضوعةٌ بيْنَ أيديهم، كلَّما أرادوها وجَدوها حاضرةً عندَهم، قد أُعِدَّتْ لهم بأشرِبَتِها.

وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ

وفيها فُرُشٌ فاخِرةٌ جَميلةٌ كَثيرةٌ مُنتَشِرةٌ.

أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ

أفلَا يَنظُرُ النَّاسُ إلى الإبِلِ مُتفَكِّرينَ في كيفيَّةِ خَلْقِها على هذا النَّحوِ العَجيبِ البَديعِ؟

وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ

ويَنظُرونَ إلى السَّماءِ كذلك كيف رُفِعَت هذا الارتِفاعَ العَظيمَ؟

وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ

ويَنظُرونَ إلى الجِبالِ كيف أُقيمَت على هيئةٍ باهرةٍ؛ إذ هي مُنتَصِبةٌ جامِدةٌ ثابتةٌ لا تَبرَحُ مَكانَها ولا تَسقُطُ؟

وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ

ويَنظُرونَ إلى الأرضِ كيف بَسَطَها اللهُ، فجَعَل لها سَطحًا تَستَقِرُّ عليه المخلوقاتُ؟

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ

فذَكِّرِ النَّاسَ -يا محَمَّدُ- بآياتِ اللهِ تعالى، وعِظْهُم بها؛ فما أرسَلْتُك إليهم إلَّا لتَذكيرِهم.

لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

لم تُبعَثْ -يا محَمَّدُ- مُتسَلِّطًا على النَّاسِ وقاهِرًا لهم؛ فتُكرِهَهم على الإيمانِ باللهِ وطاعتِه.

إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ

لكن مَن أعرَضَ عن الحَقِّ وكَفَر بعدَ تذكيرِه بآياتِ اللهِ تعالى.

فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ

فيُعَذِّبُه اللهُ في الآخِرةِ على كُفْرِه وإعراضِه عذابَ النَّارِ الَّذي لا عذابَ أعظَمُ منه.

إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ.

إنَّ إلينا مَرجِعَهم ومَصيرَهم بعْدَ مَوتِهم.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ

ثمَّ إنَّ علينا حِسابَهم يومَ القيامةِ على أعمالِهم، وسنُجازيهم بها.

وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ

وفيها وَسائِدُ مُرَتَّبةٌ ومَصفوفةٌ بَعضُها بجانبِ بَعضٍ، يَستَنِدونَ إليها.

الفجر

وَالْفَجْرِ

أُقسِمُ بالفَجْرِ، وهو وقتُ ابتداءِ ظُهورِ النُّورِ في الأُفُقِ الشَّرقيِّ قبْلَ طُلوعِ الشَّمسِ.

وَلَيَالٍ عَشْرٍ

وأُقسِمُ بلَيالٍ عَشْرٍ، وهي عَشْرُ ذي الحِجَّةِ.

وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ

وأُقسِمُ بالشَّفعِ، وأُقسِمُ بالوَتْرِ.

وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ

وأُقسِمُ باللَّيلِ وَقتَ سَيْرِه وسَرَيانِه.

هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ

هل في قَسَمِ اللهِ بتلك الأشياءِ مَقنَعٌ وكِفايةٌ لِذي عَقلٍ ولُبٍّ؛ فيَنزَجِرَ ويَرتَدِعَ؟

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ

ألم تَعلَمْ -يا محمَّدُ- كيف انتَقَم رَبُّك مِن قَبيلةِ عادٍ؟!

إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ

إرمَ ذاتِ الأعمدةِ.

الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ

الَّتي لم يُخلَقْ ما يُماثِلُها في سائِرِ البُلدانِ.

وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ

وكيف انتَقَم اللهُ كذلك مِن قَبيلةِ ثَمودَ الَّذين شَقُّوا الجِبالَ في وادِيهم، وصَنَعوا فيها بُيوتًا؟

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ

وكيف انتَقَم اللهُ كذلك مِن فِرعَونَ صاحِبِ الأوتادِ؟

الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ

هؤلاء الَّذين سَلَف ذِكْرُهم -عادٌ وثَمودُ وفِرعونُ- قد تجاوَزوا حَدَّهم في الظُّلمِ والطُّغيانِ.

فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ

فأكثَروا في البِلادِ العمَلَ بالكُفْرِ والعِصيانِ، والظُّلمِ والعُدْوانِ.

فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ

فأنزَلَ رَبُّك عليهم -يا محمَّدُ- عَذابَه الشَّديدَ؛ فهَلَكوا جَميعًا.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ

إنَّ رَبَّك -يا محمَّدُ- مُراقِبٌ لأعمالِ الطَّاغينَ المُفسِدينَ في الدُّنيا، ومُطَّلِعٌ على أفعالِهم، وسامِعٌ لأقوالِهم؛ حتَّى يأخُذَهم ويُهلِكَهم.

فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ

فأمَّا الإنسانُ إذا اختبَرَه رَبُّه بالغِنى، فأكرَمَه بسَعةِ الرِّزقِ، وجعَلَه مُنعَّمًا مُترَفًا؛ فيقولُ جاهِلًا بأنَّ اللهَ يمتَحِنُه: رَبِّي أكرَمَني بذلك؛ ظنًّا منه أنَّ إكرامَ اللهِ في الدُّنيا وإنعامَه عليه دليلٌ على كرامتِه عِندَه!

وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ

وأمَّا إذا اختبَرَ اللهُ الإنسانَ بالفَقْرِ، فضَيَّقَ عليه رِزْقَه؛ فيَقولُ مُتضَجِّرًا جاهِلًا بأنَّ اللهَ يمتَحِنُه: رَبِّي أذَلَّني بذلك!

كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ

ليس الأمرُ كما يَظُنُّ الإنسانُ أنَّ إغناءَه إكرامٌ له مِنَ اللهِ، وإفقارَه إهانةٌ؛ فاللهُ يُغْني من يَشاءُ ولو كان كافِرًا، ويُفقِرُ مَن يشاءُ ولو كان مُؤمِنًا؛ ابتِلاءً منه لعبادِه بالغِنى والفَقْرِ بمُقتَضى حِكمتِه فيهم، وهو إنَّما يُكرِمُ بطاعتِه، ويُهينُ بمَعصيتِه، بل أنتم -أيُّها النَّاسُ- مَن تَستهينونَ بأمرِ اللهِ فتَعصُونَه، فلا تُكرِمونَ اليتيمَ الَّذي فقَدَ أباه دونَ سِنِّ البُلوغِ؛ فتَسُدُّوا حاجتَه، وتُحسِنوا إليه ولا تَظلِموه شيئًا.

وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ

ولا يَحُثُّ بَعضُكم بعضًا على إطعامِ المِسكينِ.

وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا

وتأكُلونَ الميراثَ أكلًا شديدًا لا تَترُكونَ منه شَيئًا، فتأخُذونَ منه نصيبَ غَيرِكم مِنَ النِّساءِ والصِّغارِ!

وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا

وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا كثيرًا مُفرِطًا، فتَحرِصونَ على جَمْعِه واقتنائِه، فلا تُنفِقونَه في الخَيرِ.

كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا

ما هكذا ينبغي أن يكونَ الأمرُ؛ فارجِعوا عن انكِبابِكم على الدُّنيا الفانيةِ الَّتي لا يَبقى منها ولا مِن مَتاعِها شَيءٌ؛ فإنَّه إذا وقع دَكُّ الأرضِ يومَ القيامةِ ورَجُّها وزلزلتُها مرَّةً بَعْدَ مرَّةٍ، يَنهَدِمُ كُلُّ ما عليها، وتُصبِحُ أرضًا مُستويةً.

وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا

وجاء ربُّك -يا محمَّدُ- إلى المحشَرِ لحِسابِ عبادِه والقَضاءِ بيْنَهم مَجيئًا يَليقُ بجلالِه وعَظَمتِه، وجاءت الملائِكةُ صُفوفًا صَفًّا بعدَ صَفٍّ، خاضِعينَ للهِ.

وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى

وجيءَ يومَ القيامةِ بنارِ جَهنَّمَ، وفي ذلك اليَومِ يَتذَكَّرُ الإنسانُ عِصيانَه وطُغيانَه، وما فاته مِنَ العَمَلِ الصَّالحِ؛ فلا تَنفَعُه ذِكْراه، ولا يَنفَعُه الإيمانُ والتَّوبةُ لِمَولاه.

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي

يَقولُ: يا لَيْتَني قَدَّمْتُ في الدُّنيا أعمالَ الخَيرِ والبِرِّ والطَّاعةِ لحياتي الأبَديَّةِ في الآخِرةِ، فألقَى فيها ثَوابَها!

فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ

فيَومَ القيامةِ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ في الدُّنيا مِثلَ عَذابِ اللهِ في الآخِرةِ؛ فلا أحَدَ أشَدُّ عَذابًا منه.

وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ

ولا يُوثِقُ أحَدٌ في الدُّنيا مِثلَ وَثاقِ اللهِ في الآخِرةِ لأهلِ النَّارِ؛ فلا أحَدَ أشَدُّ وَثاقًا منه.

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ

يُقالُ عند الموت ويوم القيامة: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطمَئِنَّةُ بالإيمانِ، الموقِنةُ باللهِ وبوَعْدِه، الثَّابِتةُ على الحَقِّ.

ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

ارجِعي إلى اللهِ الَّذي ربَّاك بنِعَمِه وفَضْلِه، راضيةً باللهِ وثَوابِه، مَرْضِيَّةً عندَ اللهِ تعالى.

فَادْخُلِي فِي عِبَادِي

فادخُلِي في جُملةِ عِبادي الصَّالِحينَ الطَّائِعينَ وفي زُمْرتِهم.

وَادْخُلِي جَنَّتِي

وادْخُلي جَنَّتي ودار كرامتي مع عبادي الصالحين.

البلد

لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ

أُقسِمُ بهذا البَلَدِ الحَرامِ العَظيمِ القَدْرِ، وهو مَكَّةُ المكَرَّمةُ.

وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ

أُقسِمُ بمكَّةَ والحالُ أنَّك -يا محمَّدُ- حلالٌ به في المُستقبَلِ مِن الزَّمانِ؛ يحِلُّ لك ما يَحرُمُ على غيرِك مِن القِتالِ فيها.

وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ

وأُقسِمُ بوالِدٍ، وأقسِمُ بوَلَدِه.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ

لقد خلَقْنا الإنسانَ في تَعَبٍ وشِدَّةٍ مِن أوَّلِ حياتِه إلى مَوتِه، يُكابِدُ أُمورَ حياتِه ومَعيشتِه، وهمومَ دُنياه وآخِرتِه.

أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ

أيَظُنُّ الإنسانُ أنَّه لن يَقهَرَه ويَغلِبَه أحَدٌ؟ فاللهُ غالِبُه وقاهِرُه، وهو قادِرٌ عليه وعلى بَعْثِه وعُقوبتِه.

يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا

يَقولُ هذا الإنسانُ المبَذِّرُ أموالَه في الباطِلِ وفي شَهَواتِه ومَلَذَّاتِه: أنفَقْتُ مالًا كَثيرًا.

أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ

أيَظُنُّ أنَّ اللهَ لم يَرَه حالَ إنفاقِ أموالِه في الباطِلِ، وأنَّه لن يُحاسِبَه ويُجازيَه على ذلك؟!

أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ

ألَمْ نجعَلْ له عينَينِ يُبصِرُ بهما؟

وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ

أوَلم نجعَلْ له لِسانًا وشفَتينِ يَستعينُ بهما على النُّطقِ إلى غير ذلك مِنَ المنافِعِ؟

وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ

وبَيَّنَّا له طريقَ الخَيرِ وطَريقَ الشَّرِّ.

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ

فلَمْ يَقطَعِ الغَنِيُّ العَقَبةَ الشَّديدةَ، ويتكَلَّفْ صُعودَها ويَتجاوَزْها بمُجاهَدةِ النَّفْسِ ومُخالَفةِ الهوى والشَّيطانِ، بإنفاقِ مالِه في أوجُهِ البِرِّ والخَيرِ والإحسانِ.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ

وما أدراك أيُّ شَيءٍ تلك العَقَبةُ العَظيمةُ الَّتي حَثَّ اللهُ على اقتِحامِها؟

فَكُّ رَقَبَةٍ

تخليصُ إنسانٍ مِن رِقِّ العُبوديَّةِ.

أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ

أوْ تَقديمُ الطَّعامِ في زَمَنِ مَجاعةٍ شَديدةٍ.

يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ

ليتيمٍ مِن أقارِبِه.

أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ

أوْ لِمِسكينٍ لا شيءَ له.

ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ

ثمَّ إنَّ المُنفِقَ مالَه في عتقِ الرِّقابِ، أو الإطعامِ: يَنبغي أن يكونَ مع ذلك مِن جُملةِ الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به؛ فتلك القُرُباتُ إنَّما تَنفَعُ مع الإيمانِ، ويكونُ ممَّن أوصى بَعضُهم بَعضًا بالتَّحَلِّي بالصَّبرِ، ويكونُ ممَّن أوصى بعضُهم بعضًا بالرَّحمةِ بالمساكينِ واليَتامى والضُّعَفاءِ، وسائِرِ الخَلْقِ.

أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ

أولئك المتَّصِفونَ بما تقدَّمَ ذِكرُه مِن الصِّفاتِ هم أصحابُ اليَمينِ.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ

والَّذين كَفَروا بآياتِ اللهِ هم أصحابُ الشِّمالِ.

عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ

عليهم نارٌ مُطبَقةٌ؛ فلا يَخرُجونَ منها أبَدًا.

الشمس

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا

أُقسِمُ بالشَّمسِ وبضَوئِها.

وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا

وأُقسِمُ بالقَمَرِ إذا تَبِعَ الشَّمسَ، فخَرَج مُضيئًا بَعْدَها.

وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا

وأُقسِمُ بالنَّهارِ إذا أظهَرَ الشَّمسَ وضَوءَها.

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا

وأُقسِمُ باللَّيلِ إذا غَشِيَ الشَّمسَ، فذَهَب بضَوئِها.

وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا

وأُقسِمُ بالسَّماءِ، وبالَّذي بناها.

وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا

وأُقسِمُ بالأرضِ، وبالَّذي بسَطَها مِن كُلِّ جانبٍ.

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

وأُقسِمُ بكُلِّ نَفْسٍ، وبالَّذي خلَقَها، وعدَّل خَلْقَها.

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

فبَيَّنَ اللهُ للنَّفْسِ وعَرَّفَها طريقَ الخَيرِ والشَّرِّ والطَّاعةِ والمَعصيةِ، وجعَلَها مُهَيَّأةً ومُستَعِدَّةً لسُلوكِ الطَّريقَينِ.

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا

قد فاز مَن طهَّر نَفْسَه ونقَّاها مِنَ الشِّركِ والكُفرِ، والمعاصي والخِصالِ الرَّذيلةِ، ونمَّاها بالإيمانِ والعِلمِ النَّافِعِ، والأعمالِ الصَّالحةِ والأخلاقِ الحَسَنةِ الحميدةِ.

وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا

وقد خَسِرَ وشَقِيَ مَن أخفى نَفْسَه وقَمَعَها وحقَّرها وأرداها بالكفرِ، ودنَّسَها بالسَّيِّئاتِ.

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا

كذَّبت ثمودُ رَسولَهم صالحَا عليه السَّلامُ؛ بسَبَبِ طُغيانِهم.

إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا

حينَ نَهَض أشقى قومِ ثَمودَ لعَقرِ النَّاقةِ الَّتي جعَلَها اللهُ آيةً عَظيمةً لهم.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا

فقال لهم رَسولُ اللهِ صالحٌ عليه السَّلامُ: احذَروا ناقةَ اللهِ أن تَمَسُّوها بسُوءٍ، واحذَروا أن تَمنَعوها مِن شُربِ الماءِ في يَومِها الَّذي جعَلَه اللهُ نَصيبًا لها.

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا

فكَذَّب كُفَّارُ ثمودَ نَبيَّهم صالِحًا؛ فذبَحوا النَّاقةَ كُفرًا وعِنادًا، فأطبَقَ اللهُ على ثَمودَ العُقوبةَ بسبَبِ عَقْرِهم النَّاقةَ، فسَوَّى بيْنَهم جميعًا في الهَلاكِ، وعَمَّهم بالعذابِ؛ فلم يَنْجُ منهم أحَدٌ.

وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا

ولا يَخافُ اللهُ ما يكونُ مِن عاقِبةِ وتَبِعةِ إهلاكِه لثَمودَ.

الليل

وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى

وأُقسِمُ بالنَّهارِ إذا أضاء وظَهَر بنُورِه.

وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى

وأُقسِمُ باللهِ الَّذي خَلَق الذَّكَرَ والأُنثى بقُدرتِه.

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى

إنَّ أعمالَكم الَّتي تجتَهِدونَ فيها -أيُّها النَّاسُ- لَمُختلِفةٌ ومُتفَرِّقةٌ؛ فمِنكم المؤمِنُ والكافِرُ، ومنكم المطيعُ والعاصي، ومنكم المُهتَدي والضَّالُّ، ومنكم المخلِصُ والمُرائي، ومنكم المتَّبِعُ والمبتَدِعُ.

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى

فأمَّا مَن أعطى مِن مالِه فأنفَقَه في سَبيلِ اللهِ، وجَعَل بيْنَه وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه حاجِزًا يَقِيه ذلك.

وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى

وصدَّق بالجنَّةِ الَّتي وعَدَ اللهُ بها المحسِنينَ المتَّقِينَ.

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى

فسَنُسَهِّلُ له عمَلَ الخَيرِ الموصِلَ إلى الجنَّةِ.

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى

وأمَّا مَن بَخِلَ بمالِه فلم يُنفِقْه في سَبيلِ اللهِ، واستغنى عن رَبِّه سُبحانَه فلم يَرغَبْ في طاعتِه ولا في ثوابِه.

وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى

وكذَّبَ بالجنَّةِ.

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى

فسَنُسَهِّلُ عليه عمَلَ الشَّرِّ الموصِلَ إلى النَّارِ.

وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى

وما يَنفَعُه مالُه الَّذي بَخِلَ به، وأعرَضَ بسَبَبِه عن اللهِ، إذا هوى في جَهنَّمَ.

إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى

إنَّ علينا أن نبَيِّنَ طريقَ الهُدى الَّذي يوصِلُ سالِكَه إلى اللهِ تعالى وجنَّتِه.

وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى

وإنَّ لنا وَحْدَنا مُلْكَ الآخِرةِ والدُّنيا، والتَّصَرُّفَ فيهما.

فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى

فحذَّرْتُكم -أيُّها النَّاسُ- نارَ جَهنَّمَ الَّتي تتوقَّدُ وتشتَعِلُ.

لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى

لا يَدخُلُها ويُقاسي حَرَّها إلَّا الكافِرُ الشَّقيُّ.

الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى

الَّذي كذَّب بالحَقِّ، فلم يُؤمِنْ به، وأعرَضَ عن اتِّباعِه والعمَلِ به.

وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى

وسيُباعَدُ عن النَّارِ المؤمِنُ الَّذي يتَّقي سَخَطَ اللهِ وعَذابَه.

الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى

الَّذي يتصَدَّقُ بأموالِه في سَبيلِ اللهِ؛ طَلَبًا لتَطهيرِ نَفْسِه وتَنميتِها.

وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى

وليس إنفاقُه مِن أجْلِ أن يكافِئَ مَن أنعَمَ عليه بمعروفٍ سابقٍ.

إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى

ولكِنْ يَبتغي بإنفاقِ مالِه وَجْهَ رَبِّه الأعلى، فهو يَطمَعُ في رُؤيتِه في الآخِرةِ.

وَلَسَوْفَ يَرْضَى

وأُقسِمُ إنَّ هذا المنفِقَ سيَرضى بما يُثيبُه اللهُ تعالى به في الآخِرةِ.

الضحى

وَالضُّحَى

أُقسِمُ بالنَّهارِ إذا انتشَرَ ضِياؤُه.

وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى

وأُقسِمُ باللَّيلِ إذا سَكَن بأهلِه فأظلَمَ واشتدَّتْ ظُلمتُه.

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى

ما ترَكَك رَبُّك -يا محمَّدُ- وما أبغَضَك.

وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى

ولَثَوابُ الآخرةِ خَيرٌ لك مِن الدُّنيا وما فيها.

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى

ولَسوفَ يُعطيك ربُّك مِنَ الخَيرِ حتَّى ترضَى.

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى

ألم يَجِدْك رَبُّك -يا محمَّدُ- يتيمًا، فيسَّرَ لك مَن يُؤويك ويَكفُلُك ويُرَبِّيك؟

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

ووجَدَك غافِلًا عن معرفةِ القُرآنِ والإيمانِ وجاهِلًا بهما قبْلَ النُّبُوَّةِ ، فعَلَّمَك القُرآنَ، وهَداك إلى الإيمانِ، وعرَّفك أحكامَ الإسلامِ.

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى

ووجَدَك فَقيرًا فأغناك.

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ

فأمَّا اليتيمَ فلا تُهِنْه وتُذِلَّه، ولا تَظْلِمْه بأخذِ حَقِّه وإساءَةِ مُعامَلتِه.

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ

وأمَّا الَّذي يَسألُك شَيئًا فلا تَنهَرْه وتَزجُرْه.

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

وحَدِّثِ النَّاسَ بما أنعَمَ اللهُ به عليك.

الشرح

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ

ألم نُوَسِّعْ لك صَدْرَك -يا محمَّدُ- ونفتَحْه للهُدى والإيمانِ، ومَعرفةِ الحقِّ، والعمَلِ به، والقيامِ بالدَّعوةِ، وتحمُّلِ أعباءِ النُّبُوَّةِ، ومِن ذلك شَقُّ جِبريلَ لصَدرِك ومَلْؤُه حِكمةً وإيمانًا؟

وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ

وحطَطْنا عنك إثمَك، وغَفَرْنا لك ذَنْبَك.

الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ

الَّذي أثقَلَك حَمْلُه.

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ

ورفَعْنا ذِكْرَك رِفعةً عَظيمةً، فأعلَيْنا شَأْنَك، ونوَّهْنا باسمِك، ونشَرْنا لك الثَّناءَ الحسَنَ العاليَ؛ تشريفًا لك وتعظيمًا.

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

فإنَّ مع الصُّعوبةِ والشِّدَّةِ والضِّيقِ سُهولةً وسَعةً وفَرَجًا.

إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

إنَّ مع الصُّعوبةِ والشِّدَّةِ والضِّيقِ سُهولةً وسَعةً وفَرَجًا.

فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ

فإذا فرَغْتَ مِن كلِّ ما كنتَ به مشتغِلًا، مِن أمرِ دنياك وآخرتِك؛ فاجتَهِدْ في العِبادةِ والدُّعاءِ.

وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ

واجعَلْ رَغبتَك إلى اللهِ، فتَرجُوه وَحْدَه، وتَسألُه دونَ مَن سِواه، وتتوكَّلُ عليه لا على غَيرِه.

التين

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ

أُقسِمُ بالتِّينِ، وأقسِمُ بالزَّيتونِ، وفي ذلك إشارةٌ إلى الأرضِ المقَدَّسةِ الَّتي يَنبُتُ فيها ذلك، ومنها بُعِثَ عيسى عليه السَّلامُ.

وَطُورِ سِينِينَ

وأُقسِمُ بجَبَلِ سَيناءَ الَّذي كَلَّم اللهُ عليه موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ

وأُقسِمُ بهذا البَلَدِ الآمِنِ، وهو مكَّةُ الَّتي يأمَنُ فيها مَن يَحُلُّ بها مِن البَشَرِ وغَيرِهم.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ

لقد خلَقْنا الإنسانَ في أحسَنِ صُورةٍ وأعدَلِ هَيئةٍ، مُنتَصِبَ القامةِ، مُتناسِبَ الأعضاءِ، على الفِطرةِ السَّليمةِ.

ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ

ثمَّ ردَدْناه بعدَ موتِه إلى النَّارِ إنْ لم يُطِعِ اللَّهَ ويَتَّبعِ الرُّسلَ.

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

إلَّا الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحاتِ، فإنَّهم لا يُرَدُّون إلى النَّارِ؛ ولهم أجرٌ كامِلٌ غيرُ مَنقوصٍ، دائِمٌ غيرُ مَقطوعٍ.

فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ

فما الَّذي يَجعلُكَ تُكذِّبُ -أيُّها الإنسانُ- بأنَّ النَّاسَ يُحاسَبونَ على أعمالِهم، ويُجازَونَ بها بعدَ الحُجَجِ الَّتي بَيَّنَها اللهُ؟!

أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ

أليس الله هو أعدَلَ العادِلينَ في حُكْمِه بيْن عِبادِه؟!

العلق

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ

اقرَأْ -يا محمَّدُ- ما أُنزِلَ إليك مِن القُرآنِ مُفتَتِحًا بذِكرِ اسمِ رَبِّك الخالِقِ.

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ

خَلَق الإنسانَ مِن دَمٍ غَليظٍ جامدٍ.

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ

اقرَأْ -يا محمَّدُ- القُرآنَ، ورَبُّك ذو المحاسِنِ والمحامِدِ، الكامِلُ الصِّفاتِ، الكَثيرُ الخَيراتِ.

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

الَّذي عَلَّم عِبادَه الخَطَّ بالقَلَمِ؛ فانتَفَعوا بالكِتابةِ نَفْعًا عَظيمًا.

عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

علَّم الإنسانَ العُلومَ والأشياءَ النَّافِعةَ الَّتي لم يكُنْ يَعلَمُها.

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى

ما هكذا يَنبغي أن يكونَ الإنسانُ؛ أن يُنعِمَ عليه رَبُّه بخَلْقِه وتعليمِه، ثمَّ يَكفُرَ به، ويَتجاوَزَ حَدَّه، ويَستكبِرَ عليه!

أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى

إنَّ مِن شأنِ الإنسانِ وطَبْعِه أن يَطغى إذا كَثُرَ مالُه، ورأى نَفْسَه غَنِيًّا بما أنعمَ اللهُ عليه، مُستَغنيًا عن غَيْرِه بذلك.

إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى

إنَّ إلى رَبِّك -يا محمَّدُ- المَرجِعَ والمصيرَ، فيُجازي ذلك الطَّاغيَ على أعمالِه.

أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى

أرأَيْتَ -يا محمَّدُ- هذا الطَّاغيَ أبا جَهلٍ الَّذي ينهى؟

عَبْدًا إِذَا صَلَّى

عَبدًا للهِ -وهو محمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- إذا صلَّى لله سُبحانَه عِندَ الكَعْبةِ؟

أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى

ماذا لو كان هذا العَبدُ المَنهيُّ عن الصَّلاةِ على استقامةٍ وسَدادٍ في صلاتِه لرَبِّه؟

أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى

أو كان آمِرًا بتقوى اللهِ والحَذَرِ مِن سَخَطِه وعَذابِه، وأنت تَزجُرُه وتتَوعَّدُه إن صلَّى، فكيف يَجدُرُ ذلك بمَن تلك صِفتُه؟!

أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى

أرأَيتَ- يا محمَّدُ- هذا الَّذي كذَّبَ بالحَقِّ، وأعرَضَ عن اتِّباعِه؟

أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى

ألم يعلَمْ بأنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليه وعلى أفعالِه وأقوالِه، وسيُجازيه على ذلك؟

كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ

ليس الأمرُ كما يقولُ هذا الرَّجُلُ! وأُقسِمُ لَئِنْ لم يتوقَّفْ عن نهيِ محمَّدٍ عن الصَّلاةِ لَنأخُذَنَّ بمُقَدَّمِ رأسِه؛ إذلالًا له.

نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ

لَنأخُذَنَّ بتلك النَّاصيةِ الكاذِبةِ في أقوالِها، الخاطِئةِ في أفعالِها.

فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ

فلْيَدْعُ أبو جَهلٍ أهلَ مَجلِسِه مِن قَومِه وعَشيرتِه؛ لِيَستنصِرَ بهم.

سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ

ونحن سنَدعو ملائِكةَ العَذابِ الغِلاظَ الشِّدادَ إنْ دعا أبو جَهلٍ قَومَه.

كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ

ليس الأمرُ كما يزعُمُ أبو جَهلٍ! فلا تُطِعْه في نَهْيِه لك عن الصَّلاةِ، ولا تُبالِ به، ولا تَخْشَهْ، واسجُدْ لرَبِّك في صَلاتِك واقتَرِبْ منه.

القدر

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

إنَّا أنزَلْنا القُرآنَ في لَيلةِ القَدْرِ مِن شَهرِ رَمَضانَ.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ

وما الَّذي أعلَمَك -يا محمَّدُ- أيُّ شَيءٍ لَيلةُ القَدْرِ؟! فإن شأنها جليل، وخطرها عظيم.

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

إنَّ لَيلةَ القَدْرِ -في خَيرِها وبَرَكتِها وثَوابِ الأعمالِ فيها- أفضَلُ مِن ألْفِ شَهرٍ، ليس فيها ليلةُ القدرِ.

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ

تَهبِطُ الملائكةُ وجِبريلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ في لَيلةِ القَدْرِ، بإذْنِ رَبِّهم لهم مِن كُلِّ أمرٍ مِمَّا أمَرَ اللهُ به.

سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

لَيلةُ القَدْرِ سالِمةٌ مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى، وذلك مِن بَعْدِ غُروبِ الشَّمسِ إلى زَمَنِ طُلوعِ الفَجْرِ.

البينة

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ

لم يكُنِ الكُفَّارُ مِنَ اليَهودِ، والنَّصارى، والمُشرِكينَ عَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ: بتارِكينَ لدينِهم مِن قَبلِ أن تأتيَهم علامةٌ واضِحةٌ مِن رَبِّهم تَدُلُّهم على الحَقِّ.

رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً

وتلك البَيِّنةُ هي رَسولٌ مِنَ اللهِ -وهو محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَقرأُ عليهم القُرآنَ المكتوبَ في صُحُفٍ مُنَزَّهةٍ عن كُلِّ سُوءٍ.

فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ

في تلك الصُّحُفِ كُتُبٌ مُستقيمةٌ ليس فيها خَطَأٌ؛ لأنَّها مِن عِندِ اللهِ تعالى.

وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ

وما تفَرَّق اليَهودُ والنَّصارى في شأنِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكَذَّبوا به إلَّا بعْدَما بعَثَه اللهُ، فتفَرَّقوا فيه؛ فكَذَّب به بعضُهم، وآمَنَ بَعضُهم، وقد كانوا قبْلَ مَبعَثِه مُتَّفِقينَ على نُبوَّتِه وتَصديقِه!

وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

وما أَمَر اللهُ اليَهودَ والنَّصارى إلَّا بعِبادتِه مُفْرِدينَ له الطَّاعةَ، لا يُشارِكونَ في عبادَتِه معَه غيرَه، مائِلينَ ومُعرِضينَ عن الشِّركِ إلى التَّوحيدِ، مُستَقيمينَ على دينِ الإسلامِ، وأُمِروا بإقامةِ الصَّلواتِ بحُدودِها وشُروطِها وأركانِها في أوقاتِها، وأُمِروا بإيتاءِ الزَّكاةِ إلى أهلِها المُستَحقِّينَ لها، وذلك الَّذي أُمِروا به: هو دينُ الإسلامِ المُستقيمُ العادِلُ.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ

إنَّ الكُفَّارَ مِن اليَهودِ، والنَّصارى، والمُشرِكينَ باللهِ: في نارِ جَهنَّمَ يومَ القيامةِ، ماكِثينَ فيها أبَدًا، أولئك هم شَرُّ الخَليقةِ الَّتي خَلقَها اللهُ.

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

إنَّ الَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحاتِ: أولئك هم خَيرُ الخَليقةِ الَّتي خلَقَها اللهُ تعالى.

جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ

ثَوابُ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ في الآخِرةِ عِندَ رَبِّهم: جنَّاتُ إقامةٍ دائِمةٍ لا تَحوُّلَ عنها، تجري الأنهارُ مِن تحتِ قصورِها وأشجارِها بلا انقِطاعٍ، ماكِثينَ في الجنَّةِ أبَدًا، يتنعَّمونَ في كُلِّ وَقتٍ بلا موتٍ ولا خروجٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم؛ بسَبَبِ إيمانِهم وطاعتِهم له، ورَضُوا هم عن اللهِ؛ لِمَا آتاهم مِن النَّعيمِ، ذلك الثَّوابُ الكريمُ والنَّعيمُ العَظيمُ يكونُ لِمَن خاف اللهَ في الدُّنيا وعَظَّمَه؛ فامتَثَل أوامِرَه، واجتَنَب نواهِيَه.

الزلزلة

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا

إذا حُرِّكَت الأرضُ يومَ القيامةِ تحريكَها الشَّديدَ، واضطَرَبت اضطِرابَها العَظيمَ.

وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا

وأخرَجَت الأرضُ ما في بَطْنِها مِن الأمواتِ، فيَبعَثُهم اللهُ أحياءً للحِسابِ والجَزاءِ.

وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا

ويَقولُ الإنسانُ حينَئذٍ: أيُّ شَيءٍ عرَض للأرضِ، وما الَّذي حدَث، وما شأنُها؟!

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا

في ذلك اليَومِ تتكَلَّمُ الأرضُ بما فعَل النَّاسُ على ظَهْرِها مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، فتَشهَدُ عليهم بأعمالِهم.

بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا

تُحدِّثُ الأرضُ أخبارَها؛ بسَبَبِ وَحْيِ اللهِ إليها، وإذْنِه لها بذلك.

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ

في ذلك اليَومِ يَنصَرِفُ النَّاسُ عن مَوقِفِ الحِسابِ فِرَقًا كثيرةً؛ ليرى كُلُّ واحدٍ منهم عمَلَه الَّذي عَمِل، وجزاءَه عليه.

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ

فمَن يَعمَلْ في الدُّنيا خَيرًا ولو كان بمِقْدارِ وَزنِ ذَرَّةٍ، فإنَّه سيَراه ويَجِدُ ثَوابَه في الآخِرةِ.

وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

ومَن يَعمَلْ في الدُّنيا شَرًّا ولو كان بمِقْدارِ وَزنِ ذَرَّةٍ، فإنَّه سيَراه ويَجِدُ جَزاءَه في الآخِرةِ.

العاديات

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا

أُقسِمُ بالخَيلِ المُسرِعةِ الَّتي تَعْدو بقُوَّةٍ حتَّى يُسمَعَ ترَدُّدُ أنفاسِها مِن أجوافِها.

فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا

الَّتي تُوقِدُ شَرَرَ النَّارِ بحَوافِرِها حينَ تصطَكُّ بالحِجارةِ أثناءَ عَدْوِها.

فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا

الَّتي تُغِيرُ على العَدُوِّ وقْتَ الصَّباحِ.

فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا

فتُهَيِّجُ الغُبارَ في مَوضِعِ الإغارةِ.

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا

فتَصيرُ في ذلك الموضِعِ وَسْطَ جَمْعِ الأعداءِ.

إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ

إنَّ الإنسانَ لَكَفورٌ لنِعَمِ رَبِّه عليه، بَخيلٌ بإعطاءِ المالِ الَّذي لدَيه.

وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ

وإنَّ الإنسانَ لَشاهِدٌ على نَفْسِه بحالِه وأعمالِه وأقوالِه بأنَّه كَفورٌ لنِعَمِ رَبِّه عليه.

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ

وإنَّ الإنسانَ لَشَديدُ المحبَّةِ للمالِ؛ فهو حريصٌ عليه، بَخيلٌ به.

أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ

أفلا يَعلَمُ هذا الإنسانُ -الجَحودُ لنِعَمِ رَبِّه، المحِبُّ للمالِ- مآلَه إذا أخرَجَ اللهُ ما في القُبورِ مِنَ الأمواتِ؟

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ

ومَيَّز اللهُ وأظهَرَ ما في قُلوبِ العِبادِ مِنَ الإيمانِ والكُفرِ، والخَيرِ والشَّرِّ.

إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ

إنَّ رَبَّ النَّاسِ خَبيرٌ بهم يومَ القيامةِ؛ فهو مُطَّلِعٌ على بواطِنِهم، ولا يَخفى عليه شَيءٌ مِن أمرِهم، وسيُجازيهم بما يَستَحِقُّونَ.

القارعة

الْقَارِعَةُ

القيامةُ الَّتي تَقرَعُ النَّاسَ وتُزعِجُهم، وذلك عندَ النَّفخِ في الصُّورِ.

مَا الْقَارِعَةُ

أيُّ شَيءٍ تلك القارِعةُ المَهُولةُ؟!

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ

وما الَّذي أعلَمَك -يا محمَّدُ- بتلك القارعةِ العَظيمةِ؟!

يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ

يومَ يَخرُجُ النَّاسُ مِن قُبورِهم كالفَراشِ المنتَشِرِ المتفَرِّقِ.

وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ

وتكونُ الجِبالُ يومَ القيامةِ كالصُّوفِ المندوفِ الَّذي تتفَرَّقُ أجزاؤُه، وتتطايرُ في الجَوِّ.

فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ

فأمَّا مَن ثَقُلَت موازينُ حَسَناتِه فرجَحَت على سيِّئاتِه.

فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ

فهو في حياةٍ طَيِّبةٍ في الجنَّةِ يَرضى عنها.

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ

وأمَّا مَن خَفَّت مَوازينُ حَسَناتِه فرجَحَت سَيِّئاتُه على حَسَناتِه إن كانت له حَسَناتٌ.

فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ

فمَأْواه ومَسكَنُه في مَوضِعٍ بَعيدٍ قَعْرُه، يَهْوِي فيه على رأسِه.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ

وما الَّذي أعلَمَك -يا محمَّدُ- أيُّ شَيءٍ تلك الهاويةُ؟! فهي شيء عظيم لا تحيط بها علوم البشر ولا تدري كنهها.

نَارٌ حَامِيَةٌ

هي نارٌ قد بلغت الغايةَ في شِدَّةِ الحَرارةِ.

التكاثر

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ

شَغَلكم عن طاعةِ اللهِ -أيُّها النَّاسُ- التَّكاثُرُ بالأموالِ والأولادِ، وغيرِ ذلك مِن مَتاعِ الدُّنيا.

حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ

دُمتُم على تلك الحالِ إلى أن مُتُّمْ ودُفِنتُم في المقابِرِ!

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ

ما هكذا ينبغي أن تفعَلوا؛ فانزَجِروا عن الالتِهاءِ بالتَّكاثُرِ، فسوف تَعلَمونَ بعْدَ مَوتِكم خطأَ ذلك، وسُوءَ عاقِبَتِه.

ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ

ثمَّ انزَجِروا عن الانشِغالِ بالتَّكاثُرِ عن طاعةِ اللهِ؛ فسوف تَعلَمونَ إذا نزَل بكم الموتُ خطَأَ ذلك، وسُوءَ عاقبتِه.

كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ

انزَجِروا عن الانشِغالِ بالتَّكاثُرِ؛ فلو تَعلَمونَ الآنَ قبْلَ مَوتِكم عِلمًا يقينيًّا أنَّ اللهَ سيَبعَثُكم يومَ القيامةِ ويُحاسِبُكم ويُجازيكم على أعمالِكم، لَمَا ألْهاكم التَّكاثُرُ عن طاعةِ اللهِ، ولحَرَصتُم عليها.

لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ

أُقسِمُ إنَّكم ستَرَونَ الجَحيمَ في الآخِرةِ.

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ

ثُمَّ أُقسِمُ إنَّكم ستَرَونَ الجحيمَ في الآخِرةِ رُؤيةً حقيقيَّةً مُؤكَّدةً بأبصارِكم، لا تَشُكُّونَ في مُشاهَدتِها.

ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ

ثُمَّ أُقسِمُ إنَّكم ستُسأَلونَ يومَ القيامةِ عن جميعِ ما تنعَّمتُم به في الدُّنيا.

العصر

وَالْعَصْرِ

أُقسِمُ بالعَصرِ.

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ

إنَّ كُلَّ إنسانٍ لَفي خَسارةٍ وهَلاكٍ.

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

إلَّا الَّذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ الظَّاهِرةَ والباطِنةَ بإخلاصٍ للهِ، ومُتابَعةٍ لِرَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوصى بعضُهم بَعضًا بلُزومِ القُرآنِ، واتِّباعِ دِينِ الإسلامِ، وأوصى بَعضُهم بَعضًا بالصَّبرِ على طاعةِ اللهِ، وعن معصيةِ اللهِ، وعلى أقدارِ اللهِ المؤلِمةِ. فهؤلاء قد سلموا من الخسران

الهمزة

وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ

عَذابٌ شديدٌ وهلاكٌ يومَ القيامةِ لكُلِّ طعَّانٍ عيَّابٍ للنَّاسِ.

الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ

الَّذي جمَعَ مالًا كثيرًا وأحصى عدَدَه، فهو حريصٌ على حِفْظِه وعَدَمِ نَقْصِه، وألَّا يُنفِقَ منه في سَبيلِ اللهِ.

يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ

يَظُنُّ هذا الحَريصُ على مالِه البَخيلُ به أنَّ ذلك سيُخَلِّدُه في الدُّنيا!

كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ

ليس الأمرُ كما يَظُنُّ هذا الإنسانُ؛ فلْيَرتَدِعْ عن ذلك! وأُقسِمُ لَيُطرَحَنَّ يومَ القيامةِ في النَّارِ الَّتي تَحطِمُ وتَكسِرُ ما يُلقَى فيها!

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ

وما الَّذي أعلَمَك -يا محمَّدُ- أيُّ شَيءٍ تلك الحُطَمةُ العظيمةُ الشَّأنِ؟!

نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ

هي نارُ اللهِ المُسَعَّرةُ الَّتي تتوقَّدُ بالنَّاسِ والحِجارةِ.

الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ

الَّتي تبلُغُ مِن شِدَّتِها قُلوبَ الكافِرينَ وتَنفُذُ إليها!

إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ

إنَّ تلك النَّارَ مُطبَقةٌ على أولئك الَّذين تقدَّمَ ذِكرُ صِفاتِهم، ومُغلَقةٌ أبوابُها عليهم.

فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ

مُطبَقةٌ ومَسدودةٌ بأعمِدةٍ ممدودةٍ في النَّارِ.

الفيل

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ

ألم تَعلمْ -يا محمَّدُ- كيف فَعَل رَبُّك بجَيشِ أَبرَهةَ الحَبَشيِّ مَلِكِ اليَمَنِ، الَّذين صَحِبوا الفِيلَ، واتَّجَهوا إلى مكَّةَ لهَدْمِ الكَعبةِ؟

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ

ألم يَجعَلِ اللهُ سَعْيَهم في هَدْمِ الكَعبةِ، وصَرْفِ النَّاسِ عنها: في ضلالٍ وضَياعٍ؛ فلم يَتِمَّ لهم مَكْرُهم الَّذي اجتَهَدوا في حُصولِه؟

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ

وأرسَلَ اللهُ عليهم جماعاتٍ كثيرةً مُتفَرِّقةً مِنَ الطُّيورِ يَتبَعُ بَعضُها بعضًا، فَوجًا بعْدَ فَوجٍ.

تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ

تَرمي تلك الطُّيورُ أصحابَ الفِيلِ بحِجارةٍ مِن طينٍ صُلبٍ يابِسٍ.

فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ

فجعَلَهم اللهُ مِثلَ زَرعٍ أكلَتْه الدَّوابُّ فراثَتْه، فيَبِسَ وتفَرَّقَت أجزاؤُه!

قريش

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ

اعجبوا لاجتِماعِ قُرَيشٍ وإلفهم

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ

اجتماعِهم وإلفهم واعتيادِهم كُلَّ عامٍ القيامَ برِحلةٍ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحلةٍ في الصَّيفِ إلى الشَّامِ للتِّجارةِ الَّتي كان بها قِوامُ عَيشِهم.

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ

فلْيَعبُدوا اللهَ رَبَّ البَيتِ الحرامِ الَّذي جَعَل لهم بسَبَبِه خيرًا كثيرًا، فيَشكُروه بإخلاصِ العبادةِ له دونَ ما سِواه.

الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ

الَّذي أطعَمَ قُرَيشًا مِنَ الجُوعِ، فكفاهم ذلك، وآمَنَهم مِنَ الخَوفِ، فلا يَعتَدي عليهم أحدٌ.

الماعون

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ

أرأيتَ -يا محمَّدُ- الَّذي يُكذِّبُ بوُقوعِ الجَزاءِ ثوابًا وعِقابًا يومَ القيامةِ، فهو لا يُطيعُ اللهَ بفِعلِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه؟

فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ

فذلك مِن صِفَتِه أنَّه يدفَعُ اليتيمَ بشِدَّةٍ وعُنفٍ، ولا يُكرِمُه.

وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ

ولا يَحُثُّ الآخَرينَ على إطعامِ المِسكينِ المحتاجِ للطَّعامِ.

فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ

فعَذابٌ وهَلاكٌ للمُصَلِّينَ، ثم ذكر السبب الذي استحقوا به ذلك.

الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ

الَّذين هم عن صَلاتِهم لاهُون مُتشاغِلونَ؛ فلا يُحافِظونَ على أدائِها في أوقاتِها، إنَّما يُؤخِّرونَها حتَّى يَخرُجَ الوقتُ، ويُخِلُّونَ بشُروطِها وأركانِها وواجِباتِها.

الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ

الَّذين يصلُّونَ رياءً، فلا يُصَلُّونَ إخلاصًا للهِ تعالى، وإنَّما يُصَلُّونَ لِيَراهم الناس؛ طَلَبًا لثَناءٍ، أو رجاءً لنَفعٍ.

وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ

ويَمنَعونَ النَّاسَ مِنَ الانْتِفاعِ بما لَدَيهم، ممَّا لا يَتَضَرَّرونَ ببَذْلِه، فلا يُعينونَهم بإعارتِه.

الكوثر

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ

إنَّا أعطيناك -يا محمَّدُ- الخيرَ الكثيرَ، ومِن ذلك نهرٌ في الجنَّةِ اسمُه الكَوثَرُ.

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ

فاشكُرِ اللهَ تعالى -يا محمَّدُ- على ما أعطاك، بأن تُصَلِّيَ مُخلِصًا له، وأن تَنحَرَ له وَحْدَه دونَ ما سِواه.

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

إنَّ مُبغِضَك -يا محمَّدُ- هو المنقَطِعُ عن كلِّ خَيرٍ، ومِن ذلك حُسنُ الذِّكْرِ.

الكافرون

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لجَميعِ الكافِرينَ بالله، ما داموا متَّصِفينَ بالكُفرِ وثابِتينَ عليه: يا أيُّها الكافِرونَ باللهِ.

لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ

لا أعبُدُ ما تَعبُدونَه الآنَ مِن مَعبوداتٍ باطِلةٍ، ليست أهلًا لعبادتِها.

وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

ولا أنتم -أيُّها الكافِرونَ ما دُمْتُم مُستَمِرِّينَ على ضَلالِكم- عابِدونَ اللهَ الَّذي أعبُدُه، المتَّصِفَ بصِفاتِ الكَمالِ سُبحانَه وتعالى.

وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ

ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدتُموه -أيُّها الكافِرونَ- مِن مَعبوداتٍ باطلةٍ؛ فأنا مُتبَرِّئٌ مِن آلهتِكم وعبادتِكم الباطِلةِ، ولا أقْبَلُها أبدًا.

وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

ولا أنتم -أيُّها الكافِرونَ ما دُمْتُم مُستَمِرِّينَ على كُفْرِكم- عابِدونَ اللهَ الَّذي أعبُدُه دائِمًا.

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ

لكم -أيُّها الكافِرونَ- دِينُكم الَّذي تبَرَّأتُ منه، وهو الكُفرُ باللهِ، ولِيَ دِينُ الإسلامِ والتَّوحيدِ الَّذي أؤمِنُ به.

النصر

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

إذا نصَرَك اللهُ -يا محمَّدُ- على أعدائِك، وتحقَّق لك فَتحُ مكَّةَ.

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا

ورأَيتَ العَرَبَ -يا محمَّدُ- يَدخُلونَ في الإسلامِ الَّذي أرسلَك اللهُ به جماعاتٍ كثيرةً، فَوجًا بعْدَ فَوجٍ.

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا

فنَزِّهْ -يا محمَّدُ- رَبَّك عن النَّقائِصِ والعُيوبِ تنزيهًا مُقتَرِنًا بحَمْدِه، وهو وَصْفُه بصِفاتِ الكَمالِ محبَّةً له وتعظيمًا، واطلُبْ منه محوَ ذُنوبِك، إنَّ اللهَ مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبدًا بالتَّوبةِ على عِبادِه، فيُوَفِّقُهم إليها، ويَقْبَلُها منهم.

المسد

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ

خَسِرَتْ وهلَكَتْ يدا أبي لَهَبٍ، وقد تحَقَّقَت خَسارتُه هو وهَلاكُه!

مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ

لم يَنفَعْه مالُه وما كَسَبَه مِن الأولادِ أو غَيرِهم؛ فيَدفَعَ عنه شيئًا مِن عذابِ اللهِ.

سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ

سيَدخُلُ أبو لهبٍ نارًا ذاتَ شَرَرٍ ولَهيبٍ وإحراقٍ شَديدٍ، لا تَسكُنُ ولا تَخمُدُ أبدًا.

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ

وسيَدخُلُ معه النَّارَ زَوجتُه الحامِلةُ للحَطَبِ.

فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ

في عُنُقِ امرأةِ أبي لهَبٍ حَبلٌ مَفتولٌ.

الإخلاص

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

قُلْ -يا محمَّدُ- مُعَرِّفًا باللهِ تعالى: هو الله المتفَرِّدُ بالوَحدانيَّةِ في ذاتِه وصِفاتِه، فلا نَظيرَ له ولا شَريكَ.

اللَّهُ الصَّمَدُ

اللهُ الكاملُ في صِفاتِه، الَّذي افتقَرَتْ إليه جميعُ مَخلوقاتِه.

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ

لم يَلِدْ أحَدًا مِنَ الإنسِ والجِنِّ والملائِكةِ أو غَيرِهم، ولم يَلِدْه أحَدٌ؛ فهو الأوَّلُ الَّذي ليس قَبْلَه شَيءٌ.

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ

وليس للهِ مُساوٍ ولا نَظيرٌ، أو مَثيلٌ وشَبيهٌ.

الفلق

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ

قُلْ -يا محمَّدُ- متعَوِّذًا باللهِ وَحْدَه: ألتجِئُ وأستجيرُ بخالِقِ الصَّباحِ المتصَدِّعِ عن الظُّلمةِ.

مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ

ألتجِئُ وأستجيرُ باللهِ مِن شَرِّ كُلِّ مخلوقٍ فيه شَرٌّ؛ مِنَ الإنسِ والجِنِّ، والحيواناتِ والرِّياحِ، وغيرِ ذلك.

وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ

وأعوذُ باللهِ مِن شَرِّ اللَّيلِ إذا دَخَل واشتدَّ ظَلامُه، وأعوذُ بالله مِن آيتِه وهو القمرُ.

وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ

وأعوذُ باللهِ مِن شَرِّ السَّاحِراتِ اللَّاتي يَنفُثْنَ في عُقَدِ الخُيوطِ وما أشبَهَها؛ حتَّى ينعَقِدَ ما أرَدْنَه مِنَ السِّحرِ.

وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ

وأعوذُ باللهِ مِن شَرِّ كُلِّ حاسِدٍ مِن الإنسِ والجِنِّ يتمَنَّى زَوالَ نِعمةِ اللهِ عن غَيرِه، إذا حَسَده وأراده بسُوءٍ بعَينِه الخبيثةِ، أو بقَولِه أو بفِعْلِه.

الناس

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ

قُلْ -يا محمَّدُ- متعَوِّذًا باللهِ وَحْدَه: ألتَجِئُ وأستجيرُ برَبِّ النَّاسِ الَّذي يُدَبِّرُ أمورَهم، ويُصلِحُ أحوالَهم.

مَلِكِ النَّاسِ

مَلِكِ جَميعِ النَّاسِ، فهُم تحتَ سُلطانِه وتدبيرِه، وقُدرتِه وقَهْرِه، ويَنفُذُ فيهم أمْرُه وقضاؤُه دونَ غَيرِه.

إِلَهِ النَّاسِ

مَعبودِ النَّاسِ الحَقِّ، المُستَحِقِّ للعبادةِ وَحْدَه، وكُلُّ مَعبودٍ سِواه باطِلٌ.

مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ

ألتَجِئُ وأستجيرُ به سبحانه مِن شَرِّ الشَّيطانِ الَّذي يُوسوِسُ بالشَّرِّ، والَّذي يَذهَبُ عن العبدِ ويتأخَّرُ ويختَفي إذا ذكَرَ رَبَّه.

الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ

الَّذي يُلقي في صُدورِ النَّاسِ على وَجهِ الخَفاءِ والتَّكريرِ بالمعاني الباطِلةِ، فيُزَيِّنُ لهم الضَّلالَ، ويَحُثُّهم على الشَّرِّ، ويُثَبِّطُهم عن الخَيرِ.

مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ

أعوذُ باللهِ مِن شَياطينِ الجِنِّ وشياطينِ الإنسِ الَّذين يُوَسوِسونَ بالشَّرِّ في صُدورِ النَّاسِ.