التفسير المحرر
الملك
الملك
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تعاظَمَ وكثُرَ خَيرُ اللهِ الَّذي بيَدِه مُلْكُ العالَمِ أجمَعَ؛ فهو وَحْدَه مَن يتصَرَّفُ فيه كيفَ يَشاءُ بما يَشاءُ، واللهُ وَحْدَه ذو القُدرةِ التَّامَّةِ البالِغةِ على فِعلِ كُلِّ شَيءٍ، فلا يَمنَعُه أو يُعجِزُه شَيءٌ
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
الَّذي خلَقَ الموتَ والحياةَ لِيَختَبِرَكم -أيُّها النَّاسُ- بالأوامِرِ والنَّواهي والشَّهَواتِ والمصائِبِ، فيَنظُرَ أيُّكم خَيرٌ وأفضَلُ عَمَلًا -وذلك أخْلَصُه للهِ تعالى، وأصْوَبُه بأدائِه وَفْقَ شَرْعِه-، ثمَّ يُجازيَكم على أعمالِكم، وهو الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، المَنيعُ الجَنابِ، القاهِرُ لجَميعِ المخلوقاتِ، الغَفورُ لذُنوبِ عبادِه، فيَستُرُها عليهم، ويَقيهم عُقوبتَها
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ
الَّذي خَلَق سَبْعَ سَمَواتٍ بَعضُها فوقَ بَعضٍ، لا ترى في خَلْقِ السَّمَواتِ الَّتي أبدَعَها الرَّحمنُ مِن اختِلافٍ أو خَلَلٍ، فأعِدْ بَصَرَك إلى السَّماءِ مُتأمِّلًا فيها، فهل ترى فيها أيَّ شُقوقٍ أو صُدوعٍ؟!
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ
ثمَّ كرِّرِ النَّظَرَ إلى السَّماءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخرى، يَرجِعْ إليك بَصَرُك صاغِرًا ذليلًا؛ لعَجْزِه عن العُثورِ على أيِّ شُقوقٍ في السَّماءِ، والحالُ أنَّ بَصَرَك قد بلَغَ الغايةَ في التَّعَبِ، وانقطَع مِن الإعياءِ!
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
ولقد جمَّلْنا السَّماءَ القَريبةَ للأرضِ بنُجومٍ مُضيئةٍ، ورجَمْنا بتلك النُّجومِ الشَّياطينَ الَّتي تَستَرِقُ السَّمْعَ، وهيَّأْنا للشَّياطينِ في الآخِرةِ عذابَ النَّارِ، وأشَدَّ الحَريقِ
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
ولِجَميعِ الَّذين كَفَروا برَبِّهم عذابُ جَهنَّمَ في الآخِرةِ، وبِئسَ المُنقَلَبُ والمَرجِعُ: جَهنَّمُ
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ
إذا أُلقِيَ الكُفَّارُ في جهنمَ سَمِعوا لها صَوتًا عاليًا فَظيعًا كأقبَحِ ما يكونُ مِن صوتِ الحميرِ، وهي تَغْلي؛ مِن شِدَّةِ تلَهُّبِها وتوَقُّدِها
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
تُوشِكُ جَهنَّمُ أن تَتقَطَّعَ وتَنفَصِلَ بَعضُ أجزائِها عن بَعضٍ؛ لشِدَّةِ غَيظِها على أهلِها، كُلَّما أُلقِيَ في جَهنَّمَ جماعةٌ مِن الكافِرينَ، قالت لهم الملائِكةُ الموكَّلونَ بها مُوَبِّخينَ: ألمْ يَأتِكم في الدُّنيا رسول يُنذِرُكم عَذابَ اللهِ تعالى؟
قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ
قال الكافِرونَ: بلى، قد جاءَنا رسولٌ يُنذِرُنا ويُخوِّفُنا عذابَ اللهِ، ولكِنَّنا كذَّبْناه، وقُلْنا له: ما نزَّل اللهُ على أحدٍ مِن الخَلْقِ أيَّ شَيءٍ مِنَ الوَحيِ! وقال الكافِرونَ أيضًا: ما أنتُم يا معشرَ الرُّسلِ إلَّا في ذَهابٍ بَعيدٍ عن الحَقِّ والصَّوابِ!
وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ
وقال الكافِرونَ: لو كُنَّا في الدُّنيا نَسمَعُ أو نَعقِلُ سَمعًا أو عَقلًا يُنتفَعُ به، ما كنَّا اليَومَ في عِدادِ أهلِ النَّارِ، ومِن جُملةِ المُخَلَّدينَ في عَذابِها!
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ
فأقَرُّوا بذَنْبِهم الَّذي استَوجَبَ لهم الخُلودَ في السَّعيرِ! فبُعْدًا لأهلِ النَّارِ الملازِمينَ لها مِن رَحمةِ اللهِ تعالى!
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
إنَّ الَّذين يخافُونَ اللهَ وهم لم يَرَوه في الدُّنيا، ولم يَرَوا عذابَه، فيُطيعونَه ويَترُكونَ مَعصيتَه حتَّى في خَلَواتِهم حيثُ لا يَراهم النَّاسُ: لهم مَغفِرةٌ مِنَ اللهِ لِذُنُوبِهم، وثوابٌ عَظيمٌ
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
وأخفُوا كَلامَكم -أيُّها النَّاسُ- أو أظْهِروه؛ فكِلا الأمْرَينِ سَواءٌ عِندَ اللهِ، فلا يَخفَى عليه شَيءٌ ممَّا تُسِرُّونَه أو تَجهَرونَ به مِن أقوالٍ، إنَّ اللهَ ذو عِلمٍ بالِغٍ تامٍّ بما في قُلوبِ العِبادِ مِن العقائِدِ والنِّيَّاتِ والأسرارِ والخواطِرِ الَّتي لم يُتكلَّمْ بها
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
وكيف يَخفى عليه سُبحانَه ما في الصُّدورِ مِنْ أسرارٍ هو خلَقها، وهو العالِمُ بدقائِقِ الأشياءِ، فيُدَبِّرُها ويَسوقُها لعبادِه برِفقٍ وخَفاءٍ مِن حيثُ لا يَشعُرونَ؛ فهو سُبحانَه عالِمٌ بما بَثَّه في القُلوبِ، وهو العالِمُ ببواطِنِ الأشياءِ وخباياها، فلا تخفَى عليه خافيةٌ؟!
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
هو الَّذي جَعَل لكم الأرضَ مُذَلَّلةً مُوطَّأةً بحيثُ تَتمكَّنونَ مِن الانتفاعِ بها، بالوطْءِ عليها، والمشْيِ فَوقَها إلى غيرِ ذلك، ولم يَجعَلْها مُستصعَبةً ومُمتَنِعةً على مَن أراد ذلك منها, فامشُوا في جوانبِها ونواحيها، وسافِروا حيثُ شئتُم مِن أقطارِها لطلبِ الرِّزقِ والمَكاسِبِ، وكُلُوا مِن رِزقِ اللهِ الحَلالِ الَّذي أودَعَه فيها، وأقْدَرَكم على إخراجِه منها، وإلى اللهِ وَحْدَه لا إلى غَيرِه المرجِعُ بعْدَ مَوتِكم، فتُبعَثونَ مِن قُبورِكم يومَ القيامةِ للجَزاءِ على أعمالِكم
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ
أأَمِنتُم -أيُّها الكافِرونَ- اللهَ الَّذي هو في العُلُوِّ مُستَوٍ على عَرشِه فوقَ سَمواتِه؛ أن يَخسِفَ بكم الأرضَ عُقوبةً لكم على كُفرِكم به، فإذا بها تَضطَرِبُ بكم ذَهابًا وإيابًا؟!
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
أمْ أَمِنتُم اللهَ الَّذي هو في العُلُوِّ فوقَ السَّماءِ؛ أن يُرسِلَ عليكم حِجارةً يَرميكم بها؟! فستَعلَمونَ حينَ يَحُلُّ العذابُ كيف يكونُ إنذاري، وعاقِبةُ مَن كذَّبَ به!
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
ولقد كذَّب الكُفَّارُ الَّذين مِن قَبلِ مُشرِكي قُرَيشٍ رُسُلَهم؛ كقَومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ، وقَومِ لُوطٍ، وقَومِ شُعَيبٍ، وقَومِ فِرعَونَ، وغَيرِهم مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ الَّتي أهلكَها اللهُ بعَذابِه في الدُّنيا, فكيف كان إنكاري عليهم تَكذيبَهم حينَ عَذَّبْتُهم؟!
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
أوَلَم يَرَ هؤلاء المُشرِكون المكَذِّبونَ إلى الطَّيرِ وهي تطيرُ فَوقَهم في الجَوِّ ناشِراتٍ أجنِحتَهنَّ غالِبًا، ويَجمَعْنها أحيانًا حينَ يُدنينَها مِن جُنوبِهنَّ، ما يُمسِكُ تلك الطُّيورَ عن السُّقوطِ مِنَ السَّماءِ إلَّا الرَّحمنُ سُبحانَه، إنَّ اللهَ بكُلِّ شَيءٍ مِن مخلوقاتِه بَصيرٌ، فلا تخفَى عليه، وكُلُّها تحتَ تَدبيرِه بما تَقتَضيه حِكمتُه
أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
أم مَن هذا الَّذي هو عَونٌ وناصِرٌ لكم -أيُّها الكافِرونَ- يَدفَعُ عنكم العذابَ غَيرُ الرَّحمنِ؟! ما الكافِرونَ باللهِ إلَّا في غُرورٍ عَظيمٍ قد أحاط بهم، فلا خَلاصَ لهم منه، وذلك باستِمرارِهم على كُفرِهم الَّذي يتَوهَّمونَه صَوابًا، وتوَهُّمِهم أنَّ آلهتَهم تَنفَعُهم
أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ
أم مَن هذا الَّذي يأتيكم بالرِّزقِ -أيُّها الكافِرونَ- إنْ منَعَه اللهُ عنكم؟! فهم لم يَرجِعوا عن تكذيبِهم وكُفْرِهم مع ما ذُكِرَ مِن دلائِلَ وحُجَجٍ، بل استَمَرُّوا وتمادَوا في طُغيانِهم وعِنادِهم وتكَبُّرِهم، ونُفورِهم عن الحَقِّ، وهُروبِهم منه
أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
أفمَن يَمشي مُنكِّسًا رأسَه لا يُبصِرُ طَريقَه، فيَسقُطُ مُتعَثِّرًا ويَخِرُّ على وَجهِه: أهْدَى أمِ الَّذي يَمشي مُعتَدِلًا قائِمًا، رافِعًا رأسَه ناصِبًا وَجْهَه، سالِمًا مِن التَّعثُّرِ مُبصِرًا طَريقَه، سائِرًا على دَربٍ مُستَوٍ واضِحٍ لا اعوِجاجَ فيه؟!
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ المكَذِّبينَ: اللهُ وَحْدَه هو مَنْ أوجَدكم مِنَ العَدَمِ، وهو الَّذي جعَلَ لكم السَّمعَ لِتَسمَعوا آياتِ اللهِ تعالى، والأبصارَ لِتَنظُروا خَلْقَ اللهِ عزَّ وجلَّ، والأفئِدةَ لِتَتفَكَّروا وتَعتَبِروا فيما سَمِعتُم وشاهَدتُم، فقليلًا ما تَشكُرونَ اللهَ على هذه النعمِ بصرفِها إلى ما خُلِقتْ له.
قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قُلْ -يا محمَّدُ-: اللهُ هو الَّذي نشَرَكم في أقطارِ الأرضِ وأرجائِها، وإلى اللهِ تُجمَعونَ بعْدَ هذا التَّفرُّقِ والشَّتاتِ، فيَبعَثُكم مِن قُبورِكم للحِسابِ والجَزاءِ
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
ويقولُ المُشرِكونَ: متى يكونُ ما تَعِدُونَنا مِنَ الحَشرِ إلى اللهِ إنْ كُنتُم صادِقينَ في وَعْدِكم هذا؟!
قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ
قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ السَّائِلينَ: إنَّما عِلْمُ وقتِ مجيءِ القيامةِ عِندَ اللهِ وَحْدَه، لا يَعلَمُه أحدٌ سِواه، وما أنا إلَّا مُنذِرٌ لكم عَذابَ اللهِ إنْ كفَرْتُم إنذارًا بيِّنًا واضِحًا تُقامُ به الحُجَّةُ عليكم
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ
فلمَّا رأى أولئك الكافِرونَ ما وُعِدُوا به شَديدَ القُربِ منهم وعايَنوه، ساءهم وأفزَعَهم، وأقلَقَ أفئِدتَهم؛ فتغيَّرَت وُجوهُهم وقَبُحَت، وعَلَتْها الكآبةُ, وقِيلَ لهم يومَ القيامةِ تَقريعًا وتَوبيخًا: هذا هو العَذابُ الَّذي كُنتُم تَطلُبونَه وتَسألُونَ تَعجيلَه؛ تكذيبًا واستِبعادًا لوُقوعِه
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المشركين الَّذين يَتمَنَّونَ هَلاكَك والمؤمِنينَ معك: أرأيتُم إن أماتَنيَ اللهُ ومَن معيَ مِن المؤمِنينَ بعَذابٍ أو غيرِه، أو رَحِمَنا، لا يَنفَعُكم وُقوعُ ما تَتمَنَّونَ لنا مِنَ الهَلاكِ؛ فسَواءٌ أهلَكَنا اللهُ أو رَحِمَنا، فلا نجاةَ لكم مِن عَذابِه الأليمِ ما دُمتُم مُصِرِّينَ على الكُفرِ به
قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
قُلْ لهم -يا محمَّدُ-: هو ربُّنا الرَّحمنُ آمَنَّا به، وعليه وَحْدَه اعتمَدْنا , فستَعلَمونَ عِندَ مَجيءِ العَذابِ مَن هو في خَطَأٍ واضِحٍ وذَهابٍ بيِّنٍ عن الحَقِّ: أنحن أم أنتم؟!
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ
قُلْ لهم -يا محمَّدُ-: أَرأيتُم إن أصبَحَ ماؤُكم غائِرًا في الأرضِ بحيثُ لا تَقدِرونَ على تناوُلِه أو استِخراجِه, فمَن يأتيكم إذَنْ بماءٍ ظاهرٍ جارٍ على وَجْهِ الأرضِ تراه العُيونُ؟! لا يَقدِرُ على ذلك أحدٌ غيرُ اللهِ عزَّ وجلَّ
القلم
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
افتُتِحَت هذه السُّورةُ بهَذا الحرْفِ مِن الحُروفِ المقطَّعةِ التي يُستفتَحُ بها كَثيرٌ مِن سُوَرِ القرآنِ؛ لبَيانِ إعجازِه، حيث تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحُروفِ العربيَّةِ التي يَتحدَّثونَ بها, وأُقسِمُ بالقَلَمِ وما يَكتُبونَ
مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
لستَ -يا محمَّدُ- بسَبَبِ ما أنعَمَ اللهُ به عليك مِنَ الهُدى والوَحيِ والنُّبوَّةِ؛ بمَجنونٍ كما يَزعُمُ المُشرِكونَ
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ
وإنَّ لك -يا محمَّدُ- لَثَوابًا عظيمًا غيرَ مَقطوعٍ أو مَنقوصٍ
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
وإنَّك -يا محمَّدُ- لَعلى طَبعٍ كَريمٍ، وأدَبٍ عَظيمٍ بهذا الدِّينِ القويمِ، والقُرآنِ الكَريمِ
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ
فستَرى وتَعلَمُ -يا محمَّدُ-، ويرى كُفَّارُ قُرَيشٍ ويَعلَمونَ يَقينًا
بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ
مَن مِنكم المفتونُ بالجُنونِ، والضَّلالِ عن الحَقِّ؟!
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
إنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- هو أعلَمُ بمَن ضَلَّ عن طريقِ الحَقِّ، فلم يتَّبِعْ دِينَ اللهِ تعالى, وهو أعلَمُ بالَّذين اهتَدَوا، فأقَرُّوا بالحَقِّ واتَّبَعوه
فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
فكما أنعَمْنا عليك -يا مُحمَّدُ- بالدِّينِ المستقيمِ والخُلُقِ العَظيمِ، لا تُطِعِ المكذِّبينَ بالحَقِّ؛ فليسُوا أهلًا لأن يُطاعوا
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
أحَبَّ مُشرِكو قُرَيشٍ -يا مُحمَّدُ- وتَمَنَّوا لو تَلينُ لهم في الدِّينِ وتُوافِقُهم وتُصانِعُهم على باطِلِهم؛ كتَرْكِ النَّهيِ عن الشِّركِ، أو السُّكوتِ عن عَيبِ آلهتِهم، فيَلِينونَ لك أيضًا، ويُصانِعونَك فيما تَدْعوهم إليه مِنَ الحَقِّ؛ كتَركِ الطَّعنِ فيه، أو موافقَتِه، وامتِثالِ بَعْضِه
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
ولا تُطِعْ -يا مُحمَّدُ- كلَّ مُكثِرٍ للحَلِفِ، ضَعيفٍ حَقيرٍ، خَسيسِ النَّفْسِ، ناقِصِ الهِمَّةِ
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
كَثيرِ العَيبِ للنَّاسِ، والطَّعنِ فيهم حالَ غَيبتِهم, نقَّالٍ للكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعضِ النَّاسِ إلى بَعضٍ، بغَرَضِ الإفسادِ بيْنَهم
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
شَديدِ المَنعِ لكلِّ خَيرٍ، بخيلٍ بالمالِ عن إنفاقِه في وُجوهِه المطلوبةِ، مُتَجاوزٍ للحُدودِ، كثيرِ الإثمِ والذُّنوبِ
عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ
فَظٍّ غَليظٍ في خَلقِه وخُلُقِه، شديدِ الخصومةِ، جافٍ شَديدٍ, بعدَ ذلك الَّذي وصَفْناه به: دَعِيٍّ، مُلصَقٍ في قَومٍ ليس منهم
أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
مِن أجْلِ أنَّه صاحِبُ مالٍ كثيرٍ وأبناءٍ، فيَتقَوَّى بهم ويتجَبَّرُ ويتكَبَّرُ!
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
إذا تُتلَى على هذا الكافِرِ آياتُ القُرآنِ قال مُكذِّبًا: تلك أكاذيبُ الأوَّلينَ وخُرافاتُهم الَّتي سَطَروها في كُتُبِهم
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
سنَجعَلُ له على أنْفِه علامةً يُعرَفُ بها بيْن النَّاسِ
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
إنَّا امتحَنَّا أهلَ مَكَّةَ كما امتحَنَّا أصحابَ البُستانِ، حينَ حَلَفوا فيما بيْنَهم على قطعِ ثِمارِ بُستانِهم في أوَّلِ الصَّباحِ قبْلَ مَجيءِ المساكينِ إليه؛ لئلَّا يَعلَموا بهم، فتتوفَّرَ ثمارُه عليهم بالكامِلِ، ولا يتصَدَّقوا منه بشَيءٍ
وَلَا يَسْتَثْنُونَ
ولم يَسْتَثْنِ أصحابُ الجَنَّةِ في قَسَمِهم، فلم يَقولوا: إنْ شاء اللهُ
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ
فوَقَع على بُستانِهم ليلًا عَذابٌ مِن رَبِّك -يا مُحمَّدُ- فأهلَكَه وأباده ودَمَّرَه كلَّه، وأصحابُه نائِمونَ، وعمَّا أصابه غافِلونَ
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
فصار ذلك البُستانُ مُحترقًا، أسْوَدَ كسَوادِ اللَّيلِ المظلمِ
فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ
فنادى أصحابُ الجنَّةِ بَعضُهم بَعضًا في أوَّلِ الصَّباحِ؛ لِيَذهَبوا لقطعِ ثَمَرِهم
أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ
قالوا: بَكِّروا في الخُروجِ إلى بُستانِكم إنْ كُنتُم اليومَ عازِمينَ على قَطعِ ثَمَرِه قبْلَ مَجيءِ المساكينِ إليه
فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ
فانطَلَق أصحابُ البُستانِ إلى بُستانِهم وهم يَتناجَونَ فيما بَيْنَهم بحيثُ لا يَسمَعُ حَديثَهم أحدٌ
أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
قال بَعضُهم لبَعضٍ سِرًّا: لا يَدخُلَنَّ بُستانَكم أحدٌ مِن المساكينِ في هذا اليَومِ
وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ
وخَرَجوا في أوَّلِ الصَّباحِ وهم قاصِدونَ بإرادةٍ جازِمةٍ وغَضَبٍ وحِدَّةٍ مَنْعَ المساكينِ مِن ثمارِهم، وقادِرونَ على ما عَزَموا عليه مِن قَطْعِ الثِّمارِ، ومَنْعِ المساكينِ
فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ
فلمَّا رأى أصحابُ البُستانِ بُستانَهم أنكَروا أن يكونَ هو! وقال بعضُهم لبَعضٍ: إنَّا قد ضلَلْنا وأخطَأْنا الطَّريقَ إلى بُستانِنا
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
قالوا: كلَّا، لم نَضِلَّ الطَّريقَ إليه، وإنَّما حقيقةُ الأمرِ أنَّنا حُرِمْنا الانتِفاعَ بالبستان، فلا حظَّ لنا في شَيءٍ مِن ثمارِه
قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
قال أعدَلُهم وأعقَلُهم وأفضَلُهم: ألم أقُلْ لكم ناصِحًا: هلَّا نزَّهتُم اللهَ عن السُّوءِ بقَولِكم: سبحانَ اللهِ؟!
قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
قالوا مُعتَرِفينَ بخَطَئِهم: نُنَزِّهُ ربَّنا عن أن يَكونَ ظالِمًا فيما فَعَل ببُسْتانِنا، وإنَّما نحن الَّذين وقَعْنا في الظُّلمِ فجَنَيْنا على أنفُسِنا
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ
فأقبَلَ بَعضُهم على بَعضٍ لائِمينَ أنفُسَهم على ما وَقَع منهم مِن ظُلمٍ
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ
قالوا: يا حَسْرَتَنا وهَلاكَنا، إنَّا قد اعتَدَيْنا وبَغَيْنا وتَجاوَزْنا حدودَ اللهِ تعالى حتَّى أصابَنا ما أصابَنا!
عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ
نَرجو مِن ربِّنا بَعْدَ أن تُبْنا إليه أن يُعوِّضَنا خيرًا مِن بُستانِنا الَّذي هلَك, إنَّا إلى رَبِّنا وَحْدَه راغِبونَ وراجُونَ؛ فلذا نَطمَعُ أن يُبْدِلَنا خيرًا مِن بُستانِنا
كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
مِثلَ هذا العذابِ الدُّنيويِّ الَّذي حَلَّ بأصحابِ البُستانِ يُعَذِّبُ اللهُ تعالى أيضًا كُلَّ مَن خالَفَ أمْرَه، فبَخِلَ بما أنعَمَ به عليه، ومَنَع المحتاجينَ، فبَدَّلَ نِعمةَ اللهِ كُفرًا، وطغى وبغى وآثَرَ الحياةَ الدُّنيا؛ فإنَّ اللهَ تعالى يَسلُبُه نِعمتَه ويُزيلُها عنه، ولَعَذابُ اللهِ في الآخِرةِ لِمَن يَستَحِقُّه أكبَرُ مِن عذابِ الدُّنيا، فلو كان الكُفَّارُ يَعلَمونَ ذلك لَتابُوا، وانتَهَوا عن كُلِّ سَبَبٍ يُوجِبُ عَذابَهم، ولكِنَّهم لا يَعلَمونَ
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
إنَّ الذين اتَّقَوُا اللهَ تعالى بامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نَواهيه: لهم في الآخِرةِ عِندَ رَبِّهم جنَّاتُ النَّعيمِ الدَّائمِ، الخالي مِن كُلِّ ما يُنغِّصُه ويُكَدِّرُه
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
أفنُساوي بيْنَ المُسلِمينَ الَّذين خَضَعوا لله تعالى، وانقادُوا لأمْرِه، واجتَنَبوا نَهْيَه، وذَلُّوا بالطَّاعةِ والعُبوديَّةِ له وَحْدَه، والمجرِمينَ الَّذي اكتَسَبوا الذُّنوبَ، وخالَفوا أمْرَ اللهِ ونَهْيَه؟! كَلَّا؛ فإنَّما يُثيبُ اللهُ المسلِمينَ، ويُعَذِّبُ المُجرِمينَ، كما تَقتَضيه حِكمتُه سُبحانَه
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
أيُّ شيءٍ حصَل لكم مِن خللِ الفكرِ وفسادِ الرَّأيِ، كيف تَحكُمونَ هذا الحُكمَ الجائرَ، كأنَّ أمرَ الجزاءِ في الآخرةِ مفوَّضٌ إليكم، تَحكمونَ فيه بما شِئْتُم!
أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
أَلكم كتابٌ منزَّلٌ مِن عندِ اللهِ تَقرَؤونَ فيه ما تقولون؟
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ
إنَّ لكم في هذا الكتاب ما تختارونَه وتشتهونه مِن أحكامٍ؟!
أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ
أمْ لكم -أيُّها المُشرِكونَ- عُهودٌ ومواثيقُ مُؤكَّدةٌ قد أقسَمْنا عليها، وهي مُؤبَّدةٌ مُستَمِرَّةٌ إلى يومِ القيامةِ، بأنَّ لكم حُكمَكم الَّذي تَختارونَه؟!
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ
قُلْ -يا محمَّدُ- لمُشرِكي قَومِك هؤلاء: مَن الضَّامِنُ المتكَفِّلُ الملتَزِمُ بادِّعائِه صِحَّةَ ذلك؟!
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ
أم للكُفَّارِ شُرَكاءُ لله في استِحقاقِ العبادةِ؟! فلْيَأتوا بهم إذَن ليَجعلوهم مِثلَ المسلمينَ في الآخرةِ، إن كانوا صادِقينَ في زَعْمِهم أنَّهم شُرَكاءُ للهِ سُبحانَه
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
يَوْمَ يَكشِفُ الرَّبُّ سُبحانَه عن ساقِه الكريمةِ، وذلك يومَ القِيامةِ , ويُدْعَونَ إلى السُّجودِ لله تعالى في ذلك اليَومِ، فلا يَقدِرونَ على ذلك
خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ
تكونُ أبصارُهم يومَ القيامةِ خاضِعةً ساكِنةً، تغشاهم ذِلَّةٌ شديدةٌ، وقد كانوا في الدُّنيا يُؤمَرونَ بالسُّجودِ للهِ، وهم أصِحَّاءُ، مُعافَونَ، لا يَمنَعُهم شَيءٌ
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
فدَعْني -يا مُحمَّدُ- ومَن يُكذِّبونَ بالقُرآنِ، فخَلِّ بيْني وبيْنَهم، وفوِّضْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فإنِّي أكفيكَهم، فلا تَستَعجِلْ هَلاكَهم، ولا يَنشَغِلْ قَلْبُك بهم، سنُقَرِّبُ هؤلاء المكَذِّبينَ بالقُرآنِ مِن عَذابِهم شَيئًا فشَيئًا بالتَّدريجِ مِن جِهاتٍ وأسبابٍ لا يتفَطَّنونَ إلى أنَّها مُفضِيةٌ بهم إلى الهلاكِ
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
وأُمهِلُهم، ولا أعاجِلُهم بالعُقوبةِ, ذلك مِن مَكرِي وكَيدِي بهم، ومَكري قَويٌّ شَديدٌ
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ
أم تَسألُ قَومَك مالًا -يا مُحمَّدُ- مُقابِلَ إبلاغِهم الحَقَّ، فيُثقِلُهم ويَشُقُّ عليهم ذلك فيَمتَنِعون عن قَبولِ نَصيحتِك، والاستِجابةِ لك؟!
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
أم عِندَ أولئك المُشرِكينَ عِلمُ ما غاب عن الخَلقِ، فهم يَكتُبونَه؟!
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
فاصبِرْ -يا مُحمَّدُ- لِما حكَمَ اللهُ به شرعًا وقدَرًا: بتبليغ رِسالتِه، والانقيادِ التَّامِّ لأمرِه، وتحمُّلِ أذى الكُفَّارِ والمُشرِكينَ في سَبيلِ ذلك دونَ سخطٍ أو جزَعٍ لإمهالِهم، ولا تَكُنْ في الضَّجَرِ والغَضَبِ والعَجَلةِ وقِلَّةِ الصَّبرِ على قَومِك؛ كيُونُسَ الَّذي حُبِسَ بسَبَبِ ذلك في بَطنِ الحُوتِ حينَ نادى رَبَّه قائِلًا: «لا إلهَ إلَّا أنتَ سُبحانَك إنِّي كُنتُ مِن الظَّالِمينَ»، وصَدْرُه مَملوءٌ غَيظًا وغَمًّا وهَمًّا
لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
لولا أنْ أدرَكَتْ يُونُسَ رَحمةٌ عَظيمةٌ مِن رَبِّه لَطُرِحَ بالأرضِ الخاليةِ مِنَ النَّاسِ والأشجارِ والبِناءِ، وهو يُذَمُّ ويُلامُ بالذَّنْبِ
فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
فاصطفَى اللهُ يُونُسَ، وجعَلَه مِن عِبادِه الطَّائِعينَ الَّذين فَضَّلَهم؛ ممَّن صَلَحَت أعمالُهم، وأقوالُهم، ونيَّاتُهم، وأحوالُهم
وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
ولقد أوشَكَ الَّذين كَفَروا أن يُسقِطوك ويَصرَعوك -يا مُحمَّدُ- مِن إحدادِ نَظَرِهم إليك نَظَرَ عَداوةٍ وغَيظٍ منك، وحَسَدٍ لك، وذلك لَمَّا سَمِعوا كلامَ اللهِ يُتلَى عليهم ويقولونَ: إنَّ محمَّدًا لَمجنونٌ، وهذا الَّذي جاءَنا به هَذَيانٌ يَهذِي به في جُنونِه
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ
وما هذا القُرآنُ إلَّا تذكيرٌ وعِظةٌ مِنَ اللهِ لجَميعِ الإنْسِ والجِنِّ
الحاقة
الْحَاقَّةُ
القيامةُ الثَّابِتةُ المَجيءِ، الصَّادِقةُ الوُقوعِ، الَّتي تَظهَرُ فيها الحقائِقُ، ويتحَقَّقُ فيها وَعدُ اللهِ تعالى ووَعيدُه
مَا الْحَاقَّةُ
أيُّ شَيءٍ تلك السَّاعةُ الحاقَّةُ، العَظيمةُ الشَّأنِ؟ وما حالُها وصِفتُها؟
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ
وما الَّذي يُعَرِّفُك ما الحاقَّةُ وصِفتُها وحالُها وأهوالُها؟!
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
كذَّبت قَبيلةُ ثَمودَ قَومِ صالحٍ، وقبيلةُ عادٍ قَومِ هودٍ؛ بالقيامةِ التي تقرعُ القلوبَ بأهوالِها
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ
فأمَّا ثَمودُ فأُهلِكوا بالصَّيحةِ الطَّاغيةِ الفَظيعةِ الَّتي تجاوَزَ صَوتُها مِقدارَ كُلِّ صَوتٍ مُرتَفِعٍ، فرجَفَت منها الأرضُ والقُلوبُ، وماتوا مِن شِدَّتِها
وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ
وأمَّا عادٌ فأُهلِكوا بريحٍ عَظيمةٍ بارِدةٍ شَديدةِ الصَّوتِ، قد تجاوَزَتْ شِدَّتُها في ذلك كُلَّ عاصِفةٍ أُخرَى، فدمَّرَتْهم تَدميرًا
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
سلَّط اللهُ تلك الرِّياحَ العاصِفةَ على عادٍ، وأرسَلَها عليهم سَبْعَ لَيالٍ وثمانيةَ أيَّامٍ كَوامِلَ، مَشائيمَ، تتابَعَت عليهم حتَّى هَلَكوا، فتَرى قومَ عادٍ في تلك اللَّيالي والأيَّامِ مَطروحينَ على الأرضِ مَوتى، صارت جُثَثُهم بعْدَ هَلاكِهم مِثلَ جُذوعِ نَخلٍ ساقِطةٍ خالِيةِ الأجوافِ
فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ
فهل تَرى لكُفَّارِ عادٍ مِن بقاءٍ بعْدَ أن أبادَهم اللهُ تعالى؟
وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
وجاء فِرعَونُ مَلِكُ مِصرَ، ومَنْ كان قَبْلَه مِن الكُفَّارِ، وقَومُ لُوطٍ؛ أصحابُ القُرى الَّتي انقَلَبَت بهم، حتَّى صار عاليها سافِلَها، كلُّ هؤلاءِ قد جاؤُوا بالفَعْلةِ الخاطِئةِ مِنَ الكُفرِ والشِّركِ، والتَّكذيبِ والظُّلمِ، وما انضَمَّ إلى ذلك مِن أنواعِ الفواحِشِ والفُسوقِ
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً
فخالَفَ كلٌّ مِن فِرعَونَ ومَن قَبْلَه وقَومُ لُوطٍ: رَسولَ رَبِّهم الَّذي أرسَلَه إليهم, فأهلَكْنا كُلَّ أمَّةٍ مِنهم إهلاكًا شَديدًا عَظيمًا زائِدًا عن الحَدِّ؛ لزيادةِ أعمالِهم في السُّوءِ والقُبْحِ
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
إنَّا لَمَّا كَثُرَ الماءُ وارتفَعَ حتَّى تجاوَزَ حَدَّه المعروفَ؛ لإغراقِ قَومِ نُوحٍ، حمَلْنا آباءَكم في سَفينةِ نوحٍ الجاريةِ على الماءِ
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
لِنَجعَلَها لكم -أيُّها المؤمِنونَ- تَذكيرًا ومَوعِظةً، فتَتَذكَّروا أنَّ اللهَ أهلَك الكافِرينَ، وأنجَى المؤمِنينَ، وتَستَدِلُّوا بذلك على كَمالِ قُدرةِ اللهِ وحِكمتِه، وقَهْرِه لأعدائِه، ورحمتِه بأوليائِه، وتَحفَظَها أُذنٌ مِن شأنِها أن تَحفَظَ وتَعقِلَ عن الله ما سمِعَتْ، وتَنتفِعَ به، ولا تُضَيِّعَه بتَرْكِ العملِ به
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ
فإذا نَفَخ المَلَكُ في القَرنِ الموَكَّلِ به، نفخةً واحدةً لا يُحتاجُ لحُصولِ المُرادِ منها إلى تَكَرُّرِها؛ فأمْرُ الله لا يُخالَفُ ولا يُمانَعُ
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً
وإذا رُفِعَت الأرضُ والجِبالُ وأُزيلَتا مِن أماكنِهما، فدُقَّتا دَقَّةً واحِدةً شَديدةً حتَّى تفتَّتتا وكُسِرتا
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
فيومَ يُنفَخُ في الصُّورِ، وتُدَكُّ الأرضُ والجِبالُ، تَقَعُ السَّاعةُ، وتقومُ القيامةُ حينَئذٍ
وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ
وتتصَدَّعُ السَّماءُ وتَنشَقُّ، فتكونُ يومَ القيامةِ مُتشَقِّقةً ضَعيفةً خَفيفةً لا تتماسَكُ
وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
ويكونُ الملائِكةُ على أطرافِ السَّماءِ وحافَاتِها حينَ تَنشَقُّ، خاضِعينَ للهِ، مُستَكينينَ لعَظَمتِه، ويَحمِلُ عَرْشَ رَبِّك فَوقَ رُؤوسِهم يومَ القيامةِ ثمانيةٌ مِنَ الملائِكةِ
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ
يَومَ القيامةِ الَّذي تقَعُ فيه جميعُ تلك الأمورِ تُعرَضُونَ -أيُّها النَّاسُ- على اللهِ تعالى؛ لِمُحاسَبتِكم دونَ أن يَخفى عليه أيُّ شَيءٍ مِنكم
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ
فأمَّا مَن أُعطِيَ كِتابَ أعمالِه بيَدِه اليُمنى -وذلك دليلُ نَجاتِه- فإنَّه يقولُ فَرِحًا مُستَبشِرًا: خُذُوا اقرؤُوا كتابي، وانظُروا ما فيه مِن حَسَناتي
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ
إنِّي كُنتُ قد عَلِمتُ وأيقَنْتُ في الدُّنيا أنِّي سأُبعَثُ، وألْقَى حِسابي يومَ القيامةِ، فحرَصْتُ على القيامِ بالصَّالحاتِ؛ تأهُّبًا لذلك اليَومِ
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ
فهو في عِيشةٍ حَسَنةٍ، شَديدُ الرِّضا بها، قد وَجَد فيها عظيمَ الثَّوابِ، والأمنَ والسَّلامةَ مِن العِقابِ
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
في جنَّةٍ مُرتَفِعةِ المكانِ، عاليةِ المباني والقُصورِ والأشجارِ
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
ثمارُ أشجارِ تلك الجنَّةِ قَريبةٌ، يَسهُلُ تَناوُلُها لِمَن يُريدُ قَطْفَها؛ فلا كُلْفةَ ولا مَشقَّةَ عليهم في أخْذِها
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
يُقالُ لأهلِ الجنَّةِ: كُلُوا مِن طعامِ الجنَّةِ، واشرَبوا مِن شَرابِها، مُتهَنِّئينَ في أكْلِكم وشُربِكم بالطَّيِّبِ اللَّذيذِ الَّذي لا يَصحَبُه أذًى ولا تكديرٌ ولا تنغيصٌ، وهذا الجزاءُ المقدَّمُ لكم؛ بسَبَبِ ما قدَّمْتُموه مِن الأعمالِ الصَّالحةِ في أيَّامِ الدُّنيا الماضيةِ
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ
وأمَّا مَن أُعطِيَ كِتابَ أعمالِه بيَدِه الشِّمالِ، فإنَّه يَقولُ نادِمًا مُتحَسِّرًا: يا ليتَني لم أُعْطَ كتابَ أعمالِي السَّيِّئةِ
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ
ولم أعلَمْ ما حِسابي
يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
يا ليتَ مَوْتَتي في الدُّنيا كانت نهايةَ حَياتي، ولم أُبعَثْ للحِسابِ والجَزاءِ
مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ
لم يَدفَعْ عنِّي مالي الَّذي جمَعْتُه في الدُّنيا شيئًا مِن عذابِ الآخِرةِ
هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
زال عنِّي مُلْكي وجاهي، وذهَبَتْ حُجَّتي
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ
يقولُ اللهُ تعالى لمَلائكتِه: خُذُوا هذا الكافِرَ فضَعُوا القَيدَ في عُنُقِه
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
ثمَّ اغمِسُوه واغْمُروه في النَّارِ
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ
ثمَّ اجعَلوه في سِلْسلةٍ طُولُها سَبعونَ ذِراعًا، فيتعَذَّبُ بها
إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
استَحَقَّ هذا الكافِرُ ذلك العذابَ الشَّديدَ؛ لأنَّه كان في الدُّنيا لا يُؤمِنُ باللهِ ذي العَظَمةِ التَّامَّةِ الكامِلةِ
وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
ولأنَّه كان لا يَحُثُّ غَيرَه على إطعامِ المحتاجِينَ
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ
فليس لهذا الكافِرِ في هذا اليَومِ في الدَّارِ الآخِرةِ أيُّ قَريبٍ يَنفَعُه، فيَدفَعُ عَذابَ اللهِ عنه
وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
وليس لهذا الكافِرِ طَعامٌ إلَّا مِن صَديدِ أهلِ النَّارِ
لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ
لا يأكُلُ هذا الطَّعامَ إلَّا الواقِعونَ في الخَطايا عَمْدًا، مِنَ الكافِرينَ باللهِ تعالى والمُشرِكينَ به
فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ
أُقسِمُ بجَميعِ ما تَرَونَه وتُشاهِدونَه -أيُّها النَّاسُ- من الأشياءِ كُلِّها؛ كَبيرِها وصَغيرِها
وَمَا لَا تُبْصِرُونَ
وجَميعِ ما لا تَرَونَه وما غاب عنكم
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
إنَّ هذا القُرآنَ لَقولُ رَسولٍ كَريمٍ، وهو محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتلوه على عبادِ اللهِ، ويُبَلِّغُهم إيَّاه
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ
وما هذا القُرآنُ بكَلامِ شاعرٍ كما يَزعُمُ كُفَّارُ قُرَيشٍ، قليلٌ هو إيمانُكم بما وجَبَ عليكم الإيمانُ به أيها المشركون
وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ
وما هذا القُرآنُ بكَلامِ كاهنٍ كاذِبٍ يدَّعِي عِلمَ الغَيبِ كما يَزعُمُه الكُفَّارُ، قليلًا ما تتذَكَّرونَ، فتَعتَبِرونَ وتتَّعِظونَ أيها المشركون
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
هذا القُرآنُ تَنزيلٌ مِن عِندِ اللهِ رَبِّ العالَمينَ على عَبدِه ورَسولِه محمَّدٍ، فهو كلامُ اللهِ حقًّا
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
ولو ادَّعى محمَّدٌ على اللهِ تعالى بعضَ الأقاويلِ الكاذِبةِ، فنَسَب إليه شيئًا لم يَقُلْه
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
لَعاجَلْناه بالعقوبةِ، وانتَقَمْنا منه بقوَّتِنا وقُدرتِنا
ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ
ثمَّ لقَطَعْنا مِن محمَّدٍ عِرقَ قَلْبِه، فأمَتْناه
فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ
فلا أحَدَ منكم -أيُّها النَّاسُ- بقادِرٍ على مَنْعِ اللهِ تعالى مِن عُقوبةِ محمَّدٍ إن كَذَب على ربِّه
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
وإنَّ القُرآنَ مُذَكِّرٌ للمُتَّقينَ الَّذين يَمتَثِلونَ أوامِرَ اللهِ تعالى، ويَجتَنِبونَ نواهيَه، فيَعتَبِرونَ به ويتَّعِظونَ
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ
وإنَّا لَنعلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبينَ بهذا القُرآنِ معَ وُضوحِ الحَقِّ فيه، وسنُجازيهم على تَكذيبِهم
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ
وإنَّ القُرآنَ لحَسْرةٌ على الكافِرينَ، فيَندَمونَ على تَركِ الإيمانِ به
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ
وإنَّ القُرآنَ لَهُو الحَقُّ الثَّابِتُ المؤكَّدُ الَّذي لا شَكَّ فيه، ولا في نُزولِه مِن عِندِ اللهِ تعالى
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
فنَزِّهْ ربَّك المتَّصِفَ بكَمالِ العَظَمةِ -يا محمَّدُ- عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، قائِلًا: سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ
المعارج
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ
دعا داعٍ مِنَ الكُفَّارِ بعَذابِ اللهِ مُتعَجِّلًا له، وهو واقِعٌ بالكُفَّارِ لا محالةَ
لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ
ليس للعَذابِ الواقعِ على الكافِرينَ أيُّ دافعٍ يَدفَعُه عنهم
مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ
وهذا العذابُ واقعٌ مِنَ اللهِ ذي العلُوِّ والدَّرجاتِ والفواضِلِ والنِّعَمِ، فلا يمكِنُ لأحَدٍ دَفْعُه
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
تَصعَدُ الملائِكةُ وجِبريلُ عليهم السَّلامُ إليه سُبحانَه وتعالى في يومٍ واحدٍ قَدْرُه خمسونَ ألْفَ سَنةٍ
فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
فاصبِرْ -يا محَمَّدُ- على تكذيبِ المُشرِكينَ بك، وأذاهم لك، صَبرًا جَميلًا لا جَزَعَ فيه ولا شِكايةَ، ولا قِلَّةَ رِضًا ولا تعجُّلَ؛ فلا تَستعجِلْ عَذابَهم والنَّصرَ عليهم، وتحمَّلْ مَشاقَّ دَعوتِهم إلى اللهِ بلا ضَجَرٍ ولا مَلَلٍ
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
إنَّ الكافِرينَ يَرَونَ عَذابَ الآخِرةِ غَيرَ كائنٍ وُقوعُه؛ لعَدَمِ إيمانِهم بالبَعثِ بعدَ المَوتِ
وَنَرَاهُ قَرِيبًا
نحن نَرى العذابَ النَّازِلَ بهم قريبَ الوُقوعِ؛ لأنَّ ما أخبَرَ اللهُ بوُقوعِه فهو آتٍ لا محالةَ، وكلُّ آتٍ قَريبٌ
يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ
يومَ تكونُ السَّماءُ كالشَّيءِ المائعِ الَّذي بَلَغ أقصَى الغايةِ في شِدَّةِ الحرارةِ
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
وتكونُ الجِبالُ يَومَ القيامةِ كالصُّوفِ المصبوغِ
وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
ولا يَسأَلُ يومَ القيامةِ قَريبٌ في غايةِ القُربِ والصَّداقةِ قَريبًا مِثْلَه عن حالِه وشأنِه؛ لشُغلِ كلِّ إنسانٍ بنَفْسِه عن غيرِه؛ لشِدَّةِ ما يَعتريه مِن الهَولِ والفَزَعِ
يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ
يُعرَّفُ كُلُّ حميمٍ بحَميمِه حتَّى يَعرِفَه، ويَرى ما فيه مِن كَربٍ وشِدَّةٍ، ومع ذلك لا يَسأَلُ عن حالِه وشأنِه؛ لشدَّةِ انشِغالِه بنَفْسِه. يرغَبُ الكافِرُ في ذلك اليومِ ويتمَنَّى أن يُقبَلَ منه تقديمُ أبنائِه لإنقاذِ نَفْسِه مِنَ العَذابِ، فيُعذَّبون عِوَضًا عنه، ويَسلَمُ هو
وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ
ويتمَنَّى أن يُقبَلَ منه تقديمُ زَوجتِه وإخوانِه؛ فيُعذَّبون عِوَضًا عنه
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
ويَوَدُّ أن يُقبَلَ مِنه تقديمُ عَشيرتِه الَّتي كانت في الدُّنيا تضُمُّه وتَنصُرُه وتُعينُه، فتُعذَّبُ هي عِوَضًا عنه
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ
ويَرغَبُ في تقديمِ جَميعِ مَن في الأرضِ مِن أصدقائِه وغَيرِهم، فيُعذَّبون بَدَلًا منه، وينجُو بذلك مِن عَذابِ اللهِ
كَلَّا إِنَّهَا لَظَى
لن يكونَ للمُجرِمِ ما تمَنَّاه مِنَ الافتداءِ مِن عَذابِ اللهِ، فليس يُنجِيه مِن النَّارِ شَيءٌ؛ إنَّها نارٌ مُتلَهِّبةٌ مُتوَقِّدةٌ شَديدةُ الحرارةِ
نَزَّاعَةً لِلشَّوَى
تَنزِعُ تلك النَّارُ أطرافَ أبدانِ المجرِمينِ -كاليَدينِ والرِّجْلينِ-، وجِلدةَ رُؤوسِهم
تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى
تدعو تلك النَّارُ إليها كلَّ مَنْ أدْبرَ في الدُّنيا عن الحَقِّ، وتولَّى عنه إلى الباطِلِ
وَجَمَعَ فَأَوْعَى
وجمَعَ الأموالَ فكَنَزَها، ومَنَع حَقَّ اللهِ فيها، فلم يُنفِقْ منها فيما أمَرَه
إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
إنَّ النَّاسَ قد طُبِعوا ورُكِّبوا على شدَّةِ الحِرصِ الَّذي يترتَّبُ عليه الجزَعُ والمنْعُ، فلا يَشكُرونَ اللهَ على النَّعْماءِ، ولا يَصبِرونَ على الضَّرَّاءِ .
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا
إذا أصاب الإنسانَ بلاءٌ -كفَقرٍ، أو مَرَضٍ، أو فَقْدِ حَبيبٍ- فإنَّه يَجزَعُ بشِدَّةٍ، ولا يَصبِرُ
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
وإذا أصاب الإنسانَ خَيرٌ ونِعمةٌ، فصار غَنِيًّا كَثيرَ المالِ؛ فإنَّه يَغْدُو شديدَ البُخلِ بمالِه، فلا يُنفِقُه في طاعةِ اللهِ، ولا يُعطي منه ذَوِي الحاجةِ مِن عِبادِ اللهِ
إِلَّا الْمُصَلِّينَ
إلَّا المصَلِّينَ المتَّصِفينَ بالأوصافِ الآتيةِ، فليسوا كذلك؛ فهم صابِرونَ في الضَّرَّاءِ، شاكِرونَ في السَّرَّاءِ
الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ
الَّذين يُواظِبونَ على أداءِ صَلَواتِهم المفروضةِ على الوَجهِ الصَّحيحِ، فلا يتخَلَّفونَ عنها، ولا يَترُكونَها
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ
والَّذين في أموالِهم نَصيبٌ معلومٌ لِذَوي الحاجةِ
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
في أموالِهم حقٌّ معلومٌ للسَّائِلِ الَّذي يَسأَلُ النَّاسَ الصَّدَقاتِ، والمتعفِّفِ الَّذي لا يَسألُ النَّاسَ رَغمَ حاجتِه وفَقْرِه الشَّديدِ .
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
والَّذين يُقِرُّونَ بمَجيءِ يومِ القيامةِ الَّذي يقَعُ فيه الحِسابُ والجَزاءُ
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
والَّذين هم مِن عَذابِ رَبِّهم وَجِلُونَ حَذِرونَ
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ
إنَّ عذابَ اللهِ غيرُ مأمونٍ لأحَدٍ؛ فوَجَب الخَوفُ والحَذَرُ منه، بتَركِ مُخالَفةِ أمرِ اللهِ ونَهْيِه .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
والَّذين هم صائِنونَ لِفُروجِهم من كُلِّ ما حرَّمه اللهُ تعالى عليهم بشَأنِها
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
هم يَحفَظونَ فُروجَهم إلَّا مِن زَوجاتِهم أو مِن إمائِهم اللَّاتي يَملِكونَهنَّ، فلا حَرَجَ عليهم في وَطْئِهنَّ، والاستِمتاعِ بهِنَّ على الوَجهِ المشروعِ، ولا يُلامُون على ذلك .
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
فمَن طَلَب الاستِمتاعَ بغَيرِ زَوجتِه وجاريتِه فهم المُعتَدونَ، المُجاوِزونَ ما أحلَّه اللهُ تعالى إلى ما حَرَّمه
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
والَّذين هم لِمَا ائْتَمَنَهم اللهُ والنَّاسُ عليه، ولعُهودِهم مع اللهِ وعِبادِه: مُراعونَ قائِمونَ بحِفظِها، فلا يَخونونَ الأماناتِ، ولا يَنقُضونَ العُهودَ
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ
والَّذين هم قائِمونَ بأداءِ الشَّهادةِ المطلوبةِ منهم شَرعًا، ولو على أقارِبِهم، فيَتحَمَّلونَها، ويهتَمُّونَ بها، ويَحفَظونَها حتَّى يؤَدُّوها في غايةِ التَّمامِ دونَ زيادةٍ أو نُقصانٍ، ودونَ تبديلٍ أو كِتمانٍ
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
والَّذين هم يُحافِظونَ على أداءِ صَلاتِهم، وإقامتِها على الوَجهِ الصَّحيحِ المطلوبِ منهم شَرْعًا
أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ
أولئِك المتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ: في جنَّاتٍ يُكرِمُهم اللهُ تعالى فيها بأنواعِ الكَراماتِ، وأصنافِ المسَرَّاتِ
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
فما شأنُ كُفَّارِ قُرَيشٍ -يا محَمَّدُ- يُسرِعونَ نَحوَك ويُقبِلونَ عليك وأبصارُهم مُتطَلِّعةٌ إليك؟!
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
عن يمينِك وعن شِمالِك -يا محمَّدُ- مُتفَرِّقينَ
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ
أيطمَعُ كلُّ واحدٍ مِن أولئكَ المُشرِكينَ أن يُدخِلَه اللهُ جَنَّةَ نَعيمٍ يومَ القيامةِ؟!
كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ
ليس الأمرُ كما يَطمَعون، فليس لهم أن يَدخُلوا الجنَّةَ مع كُفرِهم باللهِ وإشراكِهم به، إنَّا خلَقْناهم مِن نُطفةٍ كما يَعلَمونَ
فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ
أُقسِمُ بخالِقِ ومُدَبِّرِ المشارِقِ والمغارِبِ، إنَّا لَقادِرونَ
عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
إنَّا لَقادِرونَ على إهلاكِ المُشرِكينَ، والإتيانِ بقَومٍ خَيرٍ مِنهم يُطيعونُ رَبَّهم ويَتَّقونَه، وما يَفوتُنا منهم أحَدٌ، فيُعجِزَنا هَرَبًا؛ فاللهُ تعالى قادِرٌ على الإتيانِ بخَيرٍ منهم؛ إذ لا يمتَنِعُ عليه شَيءٌ سُبحانَه
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
فاترُكِ المُشرِكينَ -يا محمَّدُ- يَخوضُوا في باطِلِهم، ويَلعَبوا في دُنياهم بشَهَواتِهم، إلى أن يُلاقُوا يومَ القيامةِ الَّذي فيه عَذابُهم !
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
يومَ يخرُجُ المشركون مِن قُبورِهم مُسرِعينَ نَحوَ مَوقِفِ الحِسابِ، كأنَّهم يَسعَونَ مُتعَجِّلينَ مُسرِعينَ إلى أصنامِهم الَّتي نصَبوها للعبادةِ يَبْتَدِرونَ، أيُّهم يَسْتَلِمُه أوَّلَ
خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ
تكونُ أبصارُهم يومَ القيامةِ خاضِعةً ساكِنةً، وتَغْشاهم ذِلَّةٌ، ذلك اليَومُ الموصوفُ بتلك الشَّدائِدِ هو يومُ القيامةِ الَّذي كان الكُفَّارُ يُوعَدونَ به في الدُّنيا على ألسِنةِ الرُّسُلِ عليهم السَّلامُ، وكانوا به يُكذِّبونَ!
نوح
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
إنَّا أرسَلْنا نوحًا إلى قَومِه المُشرِكينَ بأنْ حذِّرْ قَومَك مِنَ الاستِمرارِ على شِرْكِهم مِن قبْلِ أن يأتيَهم عذابٌ مُؤلِمٌ في غايةِ الإيلامِ
قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
قال نوحٌ مُمتَثِلًا ما أمَرَه اللهُ تعالى به: يا قَومِ، إنِّي نَذيرٌ لكم ظاهِرُ النِّذارةِ، أُخَوِّفُكم عذابَ اللهِ إن عبَدْتُم غَيرَه، وأبَيِّنُ لكم ما أرسَلَني اللهُ به
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
قال نوحٌ لِقَومِه: آمُرُكم بعبادةِ اللهِ وَحْدَه، وعَدَمِ الإشراكِ به شَيئًا، وآمُرُكم بأن تَجعَلوا بيْنَكم وبيْنَ سَخَطِ اللهِ وعِقابِه حاجِزًا يَقيكم ذلك؛ بامتِثالِ ما أمَرَ به، واجتِنابِ ما نهَى عنه، وآمُرُكم بطاعتي
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
فإنَّكم إنْ عَبَدْتُم اللهَ وَحْدَه واتَّقَيْتُموه وأطَعْتُموني، يَمْحُ مِن ذُنوبِكم فلا يُؤاخِذْكم بها ولا يُعاجِلْكم اللهُ تعالى بعذابِ الاستِئصالِ الَّذي تَستَحِقُّونَه؛ بسَبَبِ شِرْكِكم، وإنَّما يُعافيكم إلى منتَهَى آجالِكم المُقدَّرةِ، إن آمَنْتُم وأطَعْتُم، إنَّ الأجَلَ الَّذي كتَبَه اللهُ لِمَوتِ كُلِّ أحدٍ مِن خَلْقِه: لا يُؤخَّرُ عن وَقتِه، فلو كنتُم تَعلَمونَ ذلك لَتُبْتُم إلى اللهِ سُبحانَه مِمَّا أنتم عليه مِنَ الشِّركِ به
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا
قال نوحٌ مُشتَكِيًا إلى رَبِّه: رَبِّ إنِّي دَعَوتُ قَومي في اللَّيلِ والنَّهارِ إلى توحيدِك، وحذَّرْتُهم مِنَ الشِّركِ بك ومَعصيتِك
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا
فلم يَزِدْهم دُعائي لهم إلى الحقِّ ليتَّبِعوه إلَّا هَرَبًا منه، وإعراضًا عنه
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا
وإنِّي كُلَّما دَعوتُهم إلى سَبَبِ المَغفِرةِ -وهو الإيمانُ بك، وتوحيدُك وطاعتُك- لِتَمحوَ بذلك ذُنوبَهم، وتتجاوَزَ عن مؤاخَذتِهم بها؛ جَعَلوا أصابِعَهم في آذانِهم، فسَدُّوها؛ كي لا يَسمَعوا كَلامي، وتغَطَّوا بثِيابِهم لئَلَّا يَرَوني؛ مُبالَغةً منهم في الإعراضِ عَنِّي، واستَمَرُّوا على شِرْكِهم ولم يَتوبوا، وتعاظَموا وتكبَّروا عن قَبولِ الحقِّ، وعن اتِّباعِه
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
ثمَّ إنِّي دَعَوتُ قَومي إلى الحَقِّ بمَسمَعٍ منهم، مجاهِرًا بالدَّعوةِ
ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا
ثمَّ إنِّي أظهَرتُ دَعوتي لهم، وأشَعْتُها ونشَرْتُها بيْنَهم، ودَعَوتُهم سِرًّا فيما بيْني وبيْنَهم في الخَفاءِ
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
فقُلْتُ لهم: اطلُبوا مِن رَبِّكم أن يَغفِرَ لكم ذُنوبَكم، فيَمحوَها عنكم، ويَتجاوَزَ عن مؤاخَذتِكم بها، إنَّ اللهَ متَّصِفٌ أزَلًا وأبدًا بكَمالِ المَغفِرةِ لذُنوبِ عِبادِه
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا
فإنَّكم إنِ استَغْفَرْتُم رَبَّكم يُرسِلْ عليكم أمطارًا مُتتابِعةً مُتواصِلةً
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا
ويُعْطِكم رَبُّكم أموالًا وأبناءً، ويُكَثِّرْ ذلك لكم، ويجعَلْ لكم في الدُّنيا بساتينَ فيها أنواعُ الثِّمارِ، ويَجعَلْ لكم أنهارًا جارِيةً
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارً
ما لَكم لا تُعَظِّمونَ اللهَ تعالى حقَّ عَظَمتِه؛ فتُوحِّدوه وتُطيعوه؟!
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
كيف تَترُكونَ تَعظيمَ اللهِ تعالى وإجلالَه، وقد جَعَل لكم في أنفُسِكم آيةً تدُلُّ على توحيدِه، وتَحمِلُ على تَعظيمِه، وهي خلْقُه إيَّاكم حالًا بعدَ حالٍ، فكُنتُم نُطْفةً، ثمَّ عَلَقةً، ثمَّ مُضْغةً، إلى تمامِ خَلْقِكم؟!
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا
ألَم تَرَوا كيف خَلَق اللهُ سَبْعَ سَمَواتٍ بَعضُها فوقَ بَعضٍ؛ فتَستَدِلُّوا بذلك على كَمالِ قُدرةِ اللهِ، واستِحقاقِه للعبادةِ دونَ ما سِواه؟!
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا
وجَعَل اللهُ القَمَرَ في السَّمَواتِ السَّبعِ نُورًا، وجعل اللهُ الشَّمسَ مِصباحًا مُضيئًا
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
واللهُ ابتدَأَ خَلْقَ أَبيكم آدَمَ مِن تُرابِ الأرضِ، فأصلُ نَشأتِكم منها
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا
ثمَّ يُعيدُكم اللهُ في الأرضِ بعْدَ مَوتِكم، فتُدفَنونَ فيها، وتَصيرونَ تُرابًا كما كُنتُم قبْلَ خَلْقِكم، ويُخرِجُكم اللهُ مِنَ الأرضِ يَومَ القيامةِ للحِسابِ والجَزاءِ، فتَخرُجونَ مِن قُبورِكم أحياءً
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
واللهُ جعَل لكم الأرضَ مَبسوطةً ممهَّدةً كالفِراشِ
لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
لتتَّخِذوا منها طُرُقًا واسِعةً سَهلةً مُيَسَّرةً للسَّيرِ فيها
قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا
قال نُوحٌ: ربِّ إنَّ قَومي خالَفوا ما أمَرْتُهم به، ورَدُّوا ما دعَوتُهم إليه، فلم يتَّبِعوني على الحَقِّ واتَّبَعوا على الباطِلِ أبناءَ الدُّنيا الَّذين لم تَزِدْهم كَثرةُ أموالِهم وأولادِهم إلَّا هَلاكًا وبُعْدًا مِن اللهِ، وضَلالًا عن الحَقِّ
وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا
ومَكَروا مكرًا كبيرًا جدًّا بنوحٍ والَّذينَ آمَنوا معه
قَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
وقال بعضُهم لبَعضٍ:لا تَترُكوا أصنامَكم الَّتي يَنهاكم نوحٌ عن عبادتِها، ولا تَترُكوا عِبادةَ الصَّالِحينَ: وَدٍّ، وسُواعٍ، ويَغُوثَ، ويَعوقَ، ونَسرٍ!
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا
وقد أضَلُّوا كثيرًا مِنَ النَّاسِ عن طَريقِ الحَقِّ، ولا تَزِدْ هؤلاءِ الظَّالِمينَ بالشِّركِ والكُفرِ والتَّكذيبِ إلَّا ضَلالًا عن الحَقِّ؛ حتَّى يَموتوا على ضلالِهم، ويَزدادوا إثمًا وعُقوبةً على باطِلِهم
مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا
بسَبَبِ ذُنوبِهم أغرَقَهم اللهُ، فأُدخِلوا نارًا يُعذَّبونَ فيها، فلم يَجِدْ قَومُ نوحٍ حينَ أُغرِقوا وأُدخِلوا النَّارَ أعوانًا ومُغيثِينَ يَنصُرونَهم، ويَمنَعونَ عنهم عذابَ اللهِ
وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا
وقال نوحٌ: رَبِّ لا تُبْقِ على الأرضِ أحَدًا حيًّا مِنَ الكافِرينَ
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا
إنَّك إنْ أبقَيْتَهم أحياءً يُضِلُّوا عِبادَك المؤمِنينَ، فيَصُدُّوهم عن الحَقِّ، ويُزَيِّنوا لهم الباطِلَ، ولا يَلِدوا إلَّا مَن سيَكونُ فاجِرًا شديدَ الفَسادِ، وكثيرَ الكُفرِ برَبِّه
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا
وقال نوحٌ: رَبِّ امْحُ الذُّنوبَ عنِّي وعن والِدَيَّ، واسْتُرْها علينا، ولا تُؤاخِذْنا بها، واغفِرْ لِمَن دَخَل مَنزِلي مِنَ المُؤمِنينَ، واغفِرْ ذُنوبَ جَميعِ المُؤمِنينَ والمؤمِناتِ، ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ أنفسَهم بكُفرِهم إلَّا هَلاكًا
الجن
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا
قُلْ -يا مُحَمَّدُ-: أوحَى اللهُ إلَيَّ أنَّه استمَعَ جماعةٌ مِن الجِنِّ للقُرآنِ، فقال أولئك النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ: إنَّا سَمِعْنا قرآنًا عجيبًا بديعًا خارِجًا عن العادةِ، فلا حديثَ مِثلُه
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
وهذا القُرآنُ يدُلُّ على الحَقِّ والخَيرِ والصَّوابِ والهُدى، فآمَنَّا به، ولن نَجعَلَ أحَدًا مِن الخلقِ شَريكًا لله تعالى فهو المتفرِّدُ بالرُّبوبيَّةِ
وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا
وأنَّه تعالَت عَظَمةُ ربِّنا وجَلالُه، لم يتَّخِذِ اللهُ تعالى زَوجةً له، ولم يتَّخِذْ وَلَدًا
وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا
وأنَّه كان يقولُ جاهِلُنا -الملازِمُ للطَّيشِ والغَيِّ- على اللهِ كَذِبًا وجَورًا بعيدًا عن العَدلِ والصَّوابِ، ومِن ذلك ادِّعاءُ الشَّريكِ والزَّوجةِ والولَدِ لله سُبحانَه وتعالى
وأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
وأنَّا قبْلَ سَماعِنا للقُرآنِ وإيمانِنا باللهِ كُنَّا نَظُنُّ أنَّ الإنسَ والجِنَّ صادِقونَ في ادِّعاءاتِهم، وأنَّهم لن يَجرُؤوا على الكَذِبِ على اللهِ تعالى، فيَدَّعُوا له الشَّريكَ والصَّاحِبةَ والوَلَدَ كَذِبًا وزُورًا
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا
وأنَّه كان رجالٌ مِن الإنسِ إذا نَزَلوا مَنزِلًا يَستَعيذونَ ويَستَجيرونَ بعظيمِ ذلك المكانِ وسَيِّده مِنَ الجِنِّ؛ طلبًا للأمانِ والسَّلامةِ مِمَّا يخافونَ ويحذرون، فزاد الإنسُ الجِنَّ طُغْيانًا وكِبرًا حينَ رأَوُا الإنسَ يَستَعيذونَ بهم
وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا
وأنَّ كُفَّارَ الجِنِّ ظَنُّوا -كما ظَنَّ كُفَّارُ الإنسِ- أنَّ اللهَ لن يبعَثَ أحدًا يومَ القيامةِ للحِسابِ والجزاءِ
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
وأنَّا أتَيْنا السَّماءَ لِنَستَمِعَ فيها بعضًا مِن أخبارِ الغَيبِ كما جَرَت عادتُنا، فوجَدْناها مملوءةً بحُرَّاسٍ أشِدَّاءَ مِن الملائكةِ يَحفَظونَها مِن الشَّياطينِ، ومملوءةً بشُهُبٍ تَرجُمُهم وتُحرِقُهم إن أرادوا استِراقَ السَّمعِ
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا
وأنَّا كُنَّا فيما مضَى نَقعُدُ في مواضِعَ مِنَ السَّماءِ؛ مِن أجْلِ استِماعِ بَعضِ ما تتحَدَّثُ به الملائِكةُ ممَّا هو كائِنٌ، فمَنْ أراد مِن الشَّياطينِ الاستماعَ الآنَ لأخبارِ السَّماءِ، فإنَّه يُرمَى بشِهابٍ مِن نارٍ مُرَصَدٍ له؛ لِمَنعِه مِنَ الاستِماعِ، أو إحراقِه
وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
وأنَّا لا نَدري الغايةَ مِن وَراءِ حِراسةِ السَّماءِ بالملائِكةِ والشُّهُبِ: أهي إنزالُ عذابٍ بأهلِ الأرضِ، أمْ أرادَ ربُّهم بهم هُدًى وخَيرًا وصَلاحًا؟
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا
وأنَّا مِنَّا المُطيعونَ للهِ، ومِنَّا مَنْ هم دُونَهم،كنَّا مَذاهِبَ مُتعَدِّدةً، وآراءً مُتفَرِّقةً، وأهواءً مختلِفةً
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا
وأنَّا عَلِمْنا يقينًا أنَّنا في سُلطانِ اللهِ وقَبضتِه وتحتَ قُدرتِه، فلا يُمكِنُنا الإفلاتُ منه في الأرضِ والنَّجاةُ مِن السُّوءِ والعذابِ إذا أراده بنا، وإنْ هَرَبْنا منه لم نَنْجُ، فلَنْ نُعجِزَه إنْ طَلَبَنا
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا
وأنَّا لَمَّا سَمِعْنا القُرآنَ الَّذي يَهدِي إلى الحَقِّ، آمَنَّا به دونَ تردُّدٍ، فمَن يؤمِنْ بربِّه فلا يَخافُ أن يَنقُصَ اللهُ شَيئًا مِن حَسَناتِه، ولا أن يَزيدَ شيئًا في سيِّئاتِه
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا
وأنَّا مِنَّا المُسلِمونَ المُطِيعونَ لله، السَّائِرونَ على صِراطِه المستقيمِ، ومِنَّا الجائِرونَ العادِلونَ عن طريقِ الحَقِّ القَويمِ. فمَنْ أسلَمَ للهِ تعالى بالتَّوحيدِ، وخَضَع له بالطَّاعةِ؛ فأولئك الَّذين توَخَّوا وقصَدُوا الحَقَّ والصَّوابَ، وسَلَكوا طريقَه الموصِلَ إلى الجنَّةِ
وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
وأمَّا الجائِرونَ عن الإسلامِ، العادِلونَ باللهِ تعالى غَيرَه؛ فكانوا وَقُودًا لجهنَّمَ، تتوقَّدُ بهم؛ جزاءً على أعمالِهم .
وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا
وأنْ لو عَدَل الظَّالِمونَ إلى طريقِ الصَّوابِ، واستقاموا على طريقةِ الحَقِّ، لَأسْقَيْناهم ماءً كثيرًا غَزيرًا عظيمَ النَّفعِ، نُكثِّرُ به الرِّزقَ، ونُزَيِّنُ به الأرضَ، ونُرغِدُ به العَيشَ
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا
لِنَختَبِرَهم فيما وسَّعْنا عليهم مِنَ الرِّزقِ، فيَنكَشِفَ الشَّاكِرُ مِن غَيرِه، ويَظهَرَ مَن يَستَمِرُّ منهم على الهِدايةِ، ومَن يَرتَدُّ إلى الغَوايةِ !ومَن يُعرِضْ عن القُرآنِ -فلا يتَّبِعُه ولا يعمَلُ به-؛ يُدخِلْه اللهُ عَذابًا شَديدًا شاقًّا لا يُطيقُه
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
وأنَّ جميعَ المساجِدِ الَّتي هي بيوتٌ لعِبادةِ اللهِ تعالى: هي له وَحْدَه؛ فلا تُشرِكوا باللهِ فيها أحدًا مِن خَلْقِه، وأفرِدوه وَحْدَه بالسُّؤالِ والعبادةِ
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا
وأنَّه لَمَّا قام محمَّدٌ يدعو اللهَ، كاد الجنُّ يَكونون عليه جماعاتٍ يَتراكَمُ بَعضُها على بَعضٍ
قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا
قلْ -يا محمَّدُ-: إنَّما أدْعُو ربِّي وَحْدَه، ولا أُشرِكُ به أحدًا مِن خَلْقِه
قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا
قُلْ -يا محمَّدُ-: إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا نَفعًا، ولا ضَلالةً ولا صوابًا وسَدادًا؛ فإنَّما المرجِعُ في ذلك كُلِّه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وإنَّما أنا عبدٌ ليس لي مِنَ الأمرِ شَيءٌ
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا
قُلْ -يا محمَّدُ-: إنِّي لن يُنقِذَني مِن اللهِ أحدٌ إنْ أراد أن يُصيبَني بضُرٍّ، ولن أَجِدَ مِن دونِ اللهِ مَلجَأً ألجَأُ إليه
إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
لن أجِدَ مِن دونِ اللهِ مَلجَأً إلَّا أن أبَلِّغَ عنه ما أُرسِلْتُ به؛ فإنَّ فيه الأمانَ والنَّجاةَ
حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا
حتَّى إذا رأَى الكُفَّارُ ما وعَدَهم اللهُ مِن العذابِ وشاهَدوه عِيانًا، وأيْقَنوا بوُقوعِه؛ فسيَعلَمونَ حِينَها مَنِ الأضعَفُ ناصِرًا ومانِعًا لهم مِن العَذابِ، ومَن الأقَلُّ عددًا: هم أو المؤمِنونَ الموَحِّدونَ لله تعالى؟
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا
قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ: لا أدري أقَريبٌ الوَقتُ الَّذي وعَدَكم اللهُ بوُقوعِ العَذابِ فيه، أمْ يَجعَلُه ربِّي بعدَ مُدَّةٍ طويلةٍ؟ فذلك غَيبٌ يَعلَمُه اللهُ تعالى ولا أعلَمُه .
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا
هو وَحْدَه عالِمُ ما غاب عن خَلْقِه، فلا يُطلِعُ على عِلمِ الغَيبِ الَّذي اختَصَّ به أحدًا مِن خَلْقِه
إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا
لا يُظهرُ اللهُ على الغَيبِ أحَدًا إلَّا مَنِ ارتضاه مِن رُسُلِه، فإنَّ اللهَ يُرسِلُ مِن أمامِ الرَّسولِ الَّذي يُطلِعُه على بَعضِ الغَيبِ ومِن خَلْفِه حَرَسًا مِن الملائكةِ يَحفَظونَه مِنَ الشَّياطينِ، فلا يَستطيعونَ تخليطَ الوَحيِ عليه، أو استِراقَ شَيءٍ منه
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا
حَفِظَ اللهُ رسُلَه بملائكتِه؛ لِيَعلَمَ -عِلمَ وُجودٍ وظُهورٍ- أنَّ الرُّسُلَ قد تمكَّنوا مِن تبليغِ رسالاتِه كما هي، دونَ أن يُخالِطَها ما يُلبِّسُ عليها أو يُبدِّلُها، وقد أحاط عِلْمُ اللهِ تعالى بكلِّ ما عندَ الرُّسُلِ، وعَلِمَ اللهُ سُبحانَه عددَ كُلِّ شيءٍ مِن خَلْقِه، فلا يَخفى عليه شَيءٌ مِن ذلك
المزمل
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
يا أيُّها الَّذي التَفَّ بالثِّيابِ وضَمَّها عليه، يعني: النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
قُمْ -يا محمَّدُ- كلَّ اللَّيلِ للصَّلاةِ فيه إلَّا قَليلًا منه، فاجعَلْه للرَّاحةِ والنَّومِ
نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
قُمْ نِصْفَ اللَّيلِ، أو انقُصْ مِنَ النِّصفِ قَليلًا، فتُصَلِّي نحوَ ثُلُثِ اللَّيلِ
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا
أو زِدْ في صَلاتِك على نِصفِ اللَّيلِ، فتُصَلِّي ثُلُثَيْه؛ فلا حَرَجَ عليك في قيامِ نِصفِ اللَّيلِ، أو أقَلَّ مِنَ النِّصفِ بقَليلٍ، أو أكثَرَ مِنَ النِّصفِ، واقرَأِ القُرآنَ بتمَهُّلٍ وتُؤَدَةٍ وتَبيينٍ لحُروفِه بلا عَجَلةٍ؛ فيَكونَ ذلك عَونًا على التَّفَكُّرِ فيه، وفَهْمِ مَعانيه
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
إنَّا سنُنزِلُ عليك -يا محمَّدُ- قُرآنًا ثقيلًا لِما فيه مِن التَّكاليفِ الشَّاقَّةِ، ورَزانةِ ألفاظِه؛ لامتلائِها بالمعاني مع جلالتِها، وما له مِن قَدْرٍ عَظيمٍ، وهو ثقيلٌ في الميزانِ، ولا يَقدِرُ الكافرُ على رَدِّه، أو الطَّعنِ فيه بوجهٍ
إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا
إنَّ ساعاتِ اللَّيلِ بعدَ القيامِ مِنَ النَّومِ: أثْقَلُ على المصَلِّي وأشَقُّ مِن صلاةِ النَّهارِ -لأنَّ اللَّيلَ وقتُ النَّومِ والرَّاحةِ والسُّكونِ- وأصْوَبُ قِراءةً، وأصحُّ قَولًا؛ لهدوءِ النَّاسِ، وسُكونِ الأصواتِ
إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا
إنَّ لك -يا محمَّدُ- في النَّهارِ سَعَةً مِنَ الوَقتِ وفَراغًا طويلًا تتقلَّبُ فيه بالذَّهابِ والمجيءِ؛ لقَضاءِ حوائجِك وللنَّومِ؛ فتفرَّغْ في اللَّيلِ لقِيامِه
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
واذكُرْ -يا محمَّدُ- اسمَ ربِّك في كُلِّ وقْتٍ، وانقَطِعْ إليه مِن كُلِّ شَيءٍ يُلهيك عن طاعتِه انقِطاعًا تامًّا بالعبادةِ له وَحْدَه، وطَلَبِ الحاجاتِ منه دونَ غيرِه .
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
هو خالِقُ ومالِكُ ومُدَبِّرُ المشرِقِ والمغرِبِ، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ سُبحانَه وَحْدَه فاتَّخِذِه قائمًا بأمورِك، وفوِّضْها إليه، واعتَمِدْ عليه وَحْدَه دونَ مَنْ سِواه
وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
واصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يقولُه مُشرِكو قَومِك؛ مِن التَّكذيبِ أو الاستِهزاءِ بك، واهجُرْ قَومَك المُشرِكينَ في ذاتِ اللهِ هَجْرًا جميلًا لا عِتابَ معه ولا أذى، وأعرِضْ عن الانتِقامِ منهم، فلا تُقابِلْهم بمِثلِ ما يقولونَ ويَفعَلونَ
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
ودَعْني -يا مُحمَّدُ- والمكَذِّبينَ بالحَقِّ ذوي الغِنى والثَّراءِ، وأهلَ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ في الدُّنيا، فاترُكْ شَأنَ عُقوبتِهم إلَيَّ، ولا تهتَمَّ بتَكذيبِهم، ولا تنشَغِلْ بالانتِقامِ منهم. وانتَظِرْ -يا مُحمَّدُ- وَقتًا قليلًا؛ ليأتيَ مِيعادُ عَذابِهم، وننتَصِرَ لك منهم؛ فلا تَستَعجِلْ عِقابَهم
إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا
إنَّ عِندَنا في الآخِرةِ للمُكَذِّبينَ بآياتِنا قُيودًا وأغلالًا ثقيلةً، ونارًا حاميةً شديدةَ الاتِّقادِ
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا
وعِندَنا لهم طعامٌ غَيرُ سائغٍ، يَعلَقُ في حَلْقِ آكِلِه، فلا يَنزِلُ عنه، ولا يَخرُجُ منه وعِندَنا لهم عَذابٌ مُؤلِمٌ مُوجِعٌ شَديدٌ
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا
ذلك واقِعٌ بهم يومَ تتزَلْزَلُ الأرضُ والجِبالُ وتَضطَرِبُ، وتصيرُ الجِبالُ رَمْلًا مجتَمِعًا مُنصَبًّا رِخْوًا مُتناثِرًا
نَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا
إنَّا أرسَلْنا إليكم محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شاهِدًا على إيمانِ مَن استجابَ له منكم فاتَّبَعَه، وكُفْرِ مَن خالفَه وعَصاه، مِثْلَ ما أرسَلْنا إلى فِرعَونَ رَسولًا يَدْعوه إلى الحَقِّ، وهو موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ .
فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا
فعصى فِرعَونُ موسى عليه السَّلامُ، فلم يُؤمِنْ به وبما جاء به، فأهلَكْنا فِرعَونَ وجُنْدَه إهلاكًا ثَقيلًا غليظًا بإغراقِهم أجمَعينَ؛ فاحذَروا أن تَعصُوا رَسولَكم مُحمَّدًا، فيُهلِكَكم اللهُ كما أهلك فِرعَونَ وقَومَه حينَ عَصَوا رَسولَهم
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا
فكيف تَحصُلُ لكم الوِقايةُ والنَّجاةُ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ الَّذي يَشيبُ فيه الوِلْدانُ مِن فَزَعِه وشِدَّةِ أهوالِه، إنْ بَقِيتُم على الكُفرِ فلم تُؤمِنوا وتَعمَلوا صالِحًا؟!
السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
السَّماءُ مُتشَقِّقةٌ يومَ القيامةِ؛ مِن شِدَّتِه وعِظَمِ أهوالِه! وما وَعَد اللهُ به خَلْقَه مِن مَجيءِ القيامةِ أمرٌ واقِعٌ لا محالةَ؛ فاللهُ تعالى لا يُخلَفُ وَعْدُه
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا
إنَّ هذه تَذكِرةٌ يَتذَكَّرُ بها المتَّقونَ، وعِظةٌ وعِبرةٌ، فمَن شاء مِنَ النَّاسِ اتَّخَذ إلى رَبِّه طَريقًا بالإيمانِ به وطاعتِه؛ لِيَظفَرَ برِضاه ورَحمتِه
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- يَعلَمُ أنَّك تُصَلِّي في اللَّيلِ تارةً أقَلَّ مِن ثُلُثَيه، وتارةً تصَلِّي نِصْفَه، وتارةً أُخرى تصَلِّي ثُلُثَه، ويُصَلِّي ذلك المِقدارَ أيضًا جَماعةٌ مِن أصحابِك المؤمِنينَ، واللهُ وَحْدَه هو الَّذي يُقدِّرُ ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ وأوقاتَهما، ويَعلَمُ مقاديرَهما، عَلِمَ اللهُ سُبحانَه -أيُّها المؤمِنونَ- أنَّكم لن تُطيقوا تقديرَ ما طُلِبَ منكم عِلمًا وعَمَلًا مِن غيرِ زيادةٍ ولا نَقصٍ، فذاك يَستدعي انتباهًا وعَناءً زائِدًا؛ فلذا تاب عليكم لعَجزِكم وضَعْفِكم، وخفَّف عنكم بالتَّرخيصِ في تركِ القيامِ المقَدَّرِ أوَّلَ السُّورةِ، ورَفَع عنكم التَّبِعةَ في ذلك، وأمَرَكم بفِعلِ ما تيسَّرَ لكم منه، سَواءٌ زاد على الوَقتِ المقدَّرِ أو نَقَصَ . فصَلُّوا -أيُّها المؤمِنونَ- ما تيسَّرَ لكم مِنَ اللَّيلِ دونَ تَحديدٍ، عَلِمَ اللهُ أنَّه سيكونُ مِنكم مَرْضَى يَضعُفونَ عن الصَّلاةِ في اللَّيلِ، وعَلِمَ اللهُ أنَّه سيَكونُ مِنكم آخَرونَ يُسافِرونَ في الأرضِ؛ طَلَبًا للرِّزقِ، فيَضعُفونَ عن قيامِ اللَّيلِ، وآخَرونَ يُجاهِدونَ الكُفَّارَ؛ نُصْرةً لدِينِ اللهِ تعالى، وإعلاءً لكَلِمتِه، فيَشُقُّ عليهم قيامُ اللَّيلِ، فصَلُّوا -بعدَ أن خفَّفَ اللهُ عليكم في قيامِ اللَّيلِ- ما تيسَّرَ لكم مِن صلاةِ اللَّيلِ، وحافِظُوا على إقامةِ الصَّلَواتِ المفروضةِ، بأركانِها وشُروطِها وواجِباتِها، وأعُطوا الزَّكاةَ الواجِبةَ عليكم في أموالِكم أهلَها المستَحِقِّينَ لها، وتَصَدَّقوا مِن طَيِّبِ أموالِكم بإخلاصٍ للهِ تعالى، ودونَ مَنٍّ ولا أذًى، وما تَفعَلوه في الدُّنيا مِن أيِّ وَجهٍ مِن وُجوهِ الخَيرِ؛ لِنَفعِ أنفُسِكم في الآخِرةِ، فإنَّكم تَجِدونَه يومَ القيامةِ مَحفوظًا لكم عِندَ اللهِ بأفضَلَ مِمَّا قدَّمْتُم، وأعظَمَ ثوابًا ممَّا عَمِلْتُم، واسألوا اللهَ أن يَمحُوَ عنكم ذُنوبَكم؛ عَيْنَها وآثارَها، فيَتجاوَزَ عنها ويَستُرَها إنَّ اللهَ عَظيمُ المغفرةِ لذُنوبِ عِبادِه، بليغُ الرَّحمةِ بهم
المدثر
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
يا أيُّها المتغَطِّي بالثِّيابِ خَوفًا وفَزَعًا- والمراد النبي محمد صلى الله عليه وسلم
قُمْ فَأَنْذِرْ
قُمْ فخَوِّفِ المُشرِكينَ وحَذِّرْهم عَذابَ اللهِ إنْ لم يُوَحِّدوه
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وعَظِّمْ رَبَّك قَولًا -ومِن ذلك قولُ: الله أكبرُ- واعتقادًا، ومِن ذلك: عِبادتُه وَحْدَه، وتنزيهُه عن النَّقائصِ، ووَصْفُه بصِفاتِ الكَمالِ، ودَعوةُ النَّاسِ إلى توحيدِه وتَعظيمِه
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
وطَهِّرْ ثِيابَك مِنَ النَّجاساتِ، وطهِّرْ نَفْسَك مِن دَنَسِ الذُّنوبِ، وطهِّرْ أعمالَك مِن الشِّركِ والمعاصي
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
واترُكْ عِبادةَ الأوثانِ
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
ولا تُعْطِ شيئًا رجاءَ أن تُعطَى أكثرَ منه
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
واصبِرْ مِن أجْلِ رَبِّك وَحْدَه على ما تَلْقَى مِن أذًى ومَكروهٍ في سبيلِ دَعوةِ الخَلْقِ إلى اللهِ تعالى، وتبليغِ رِسالتِه، واصبِرْ على غيرِ ذلك مِن أقدارِ الله المؤلِمةِ، وعلى طاعةِ الله وعن معصيتِه
فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ
فإذا نُفِخَ في الصُّورِ يومَ القيامةِ لِبَعثِ النَّاسِ أحياءً مِن قُبورِهم للحِسابِ والجَزاءِ
فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
فذلك يَومٌ صَعْبٌ شديدٌ، بالِغُ العُسْرِ، عظيمُ الأهوالِ
عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
وهو يومٌ شديدٌ على الكافِرينَ باللهِ ورُسُلِه، غَيرُ سَهلٍ ولا هَيِّنٍ عليهم
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
دَعْني -يا محمَّدُ- وهذا الكافِرَ الَّذي خلَقْتُه مُنفَرِدًا دونَ مالٍ أو وَلَدٍ، وكِلْ أمْرَه إلَيَّ
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا
وجعَلْتُ له مالًا واسِعًا كثيرًا يَزدادُ ويَنمو فلا يَنقَطِعُ عنه خَيرُه
وَبَنِينَ شُهُودًا
وجعَلْتُ له أبناءً حاضِرينَ معه، لا يَغِيبونَ عنه ولا يُفارِقونَه، فهو يَستأنِسُ بهم ويَفتَخِرُ، ويَستعينُ بهم على قَضاءِ حوائِجِه
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا
وبَسَطْتُ له في العَيشِ بَسْطًا، فأقام ببَلدتِه مُطْمَئِنًّا مُتَرَفِّهًا، له الرِّياسةُ والتَّقَدُّمُ، والجاهُ العَريضُ
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
ثمَّ يَرْجو مِن شِدَّةِ حِرْصِه وطَمَعِه أن أزيدَه مِنَ المالِ والوَلَدِ مع كُفرانِه للنِّعَمِ، وإشراكِه باللهِ تعالى!
كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا
لن أَزيدَ هذا الكافِرَ كما يأمُلُ؛ فلا يكونُ له ما يَطمَعُ فيه مِن زيادةِ النِّعَمِ؛ لأنَّه كان معاندًا لآياتِ اللهِ تعالى -الَّذي أنعَمَ عليه بما أنعَمَ- مُعانَدةً بالِغةً، فلا يَنقادُ للحَقِّ ولا يتَّبِعُه بل يسعَى في إبطالِه مع عِلْمِه به
سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا
سأُكَلِّفُ هذا الكافِرَ في جَهنَّمَ عذابًا شاقًّا لا راحةَ له منه
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
إنَّ هذا الكافِرَ قد أعمَلَ فِكْرَه في شأنِ القُرآنِ، وأوقَعَ في نَفْسِه تقديرًا للصِّفاتِ الباطِلةِ الَّتي يَطعَنُ بها في القُرآنِ، وهيَّأ كلامَه
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
فهَلَك ولُعِنَ هذا الكافِرُ! وعَجَبًا له؛ إذ كيفَ أوقَعَ هذا التَّقديرَ في نَفْسِه لإلصاقِ الأوصافِ الباطِلةِ بالقُرآنِ؟!
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
ثمَّ هَلَك ولُعِنَ مرَّةً أُخرى! وعَجَبًا له ثانيةً؛ إذ كَيفَ قدَّرَ في نَفْسِه ذلك؟!
ثُمَّ نَظَرَ
ثمَّ نَظَر هذا الكافِرُ في أمرِ القُرآنِ بحثًا عن وَصْفٍ باطلٍ يَطعَنُ به فيه؛ لِيَصُدَّ النَّاسَ عنه
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
ثمَّ قطَّب وجْهَه، وقبَض ما بيْنَ عينَيْه، وتغيَّر لَونُه حينَ لم يَجِدْ وَصْفًا صَحيحًا يَطعَنُ به في القُرآنِ
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
ثمَّ توَلَّى وتكبَّرَ عن قَبولِ الحَقِّ مع تبيُّنِه كمالَ القُرآنِ في ألفاظِه ومَعانيه، وخُلُوَّه مِن أيِّ باطِلٍ
فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
فقال: ما هذا القرآنُ إلَّا سِحرٌ يَرْويه محمَّدٌ عن غَيرِه مِنَ السَّحَرةِ!
إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
قال: ما هذا القُرآنُ إلَّا حَديثٌ بَشَريٌّ، وليس بكلامٍ للهِ تعالى، فلا ينبغي لأحدٍ أن يَغتَرَّ به أو يُعَوِّلَ عليه!
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
قال اللهُ تعالى: سأُدخِلُه النَّارَ وأغْمُرُه فيها، فتُحيطُ به مِن جميعِ جوانِبِه، لِيُقاسيَ شدَّتَها وحرَّها
وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ
وما أعلَمَك -يا محمَّدُ- أيُّ شَيءٍ سَقَرُ؟!
لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ
لا تُبقِي مَن دَخَل فيها حَيًّا، ولا تَتْرُكُه مَيِّتًا؛ فيَستريحَ مِن عَذابِها، بل تُبدَّلُ أجسادُ أهلِها كلَّما احتَرَقَت، فيَستَمِرُّ عَذابُها!
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
تلك النَّارُ مُحْرِقةٌ لبَشَرةِ أهْلِها، فتُحَوِّلُ لَونَ جُلودِهم إلى السَّوادِ
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
على تلك النَّارِ تِسعةَ عَشَرَ مَلَكًا يَلون أمرَها
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
وما جعَلْنا خَزَنةَ النَّارِ التِّسعةَ عَشَرَ إلَّا ملائِكةً، وما جعَلْنا ذِكْرَ عَدَدِهم إلَّا فِتنةً للكُفَّارِ، ومِحنةً لهم. وذكَرْنا ذلك العَدَدَ؛ لِيَستيقِنَ الَّذين أُوتُوا التَّوراةَ والإنجيلَ بأنَّ القُرآنَ حَقٌّ، وأنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ؛ لِمُوافَقةِ كُتُبِهم للقُرآنِ بأنَّ عدَدَهم تِسْعةَ عَشَرَ، ولا يَشُكَّ أهلُ التَّوراةِ والإنجيلِ والمؤمِنونَ باللهِ ورَسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما أخبَرَ اللهُ به مِن عَدَدِ خَزَنةِ النَّارِ. ولِيَقولَ الَّذين في قُلوبِهم مَرَضُ الشَّكِّ والنِّفاقِ، والكافِرونَ باللهِ ورَسولِه: ما الحِكمةُ مِن وراءِ هذا العَدَدِ؟! كما أضَلَّ اللهُ تعالى الكفَّارَ بهذا العَدَدِ، وهَدى المؤمِنينَ لقَبولِه، يُضِلُّ بما يُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ أيضًا مَن يَشاءُ، فيَخذُلُه عن اتِّباعِ الحَقِّ، ويَهْدي مَن يَشاءُ، فيُوَفِّقُه لاتِّباعِ الحَقِّ، ولله الحِكمةُ البالِغةُ، وما يَعلَمُ عَدَدَ جُنودِ رَبِّك وكَثْرتَهم مِن الملائِكةِ أو غَيرِهم إلَّا اللهُ وَحْدَه، وما هي إلَّا تَذكِرةٌ عظيمةٌ للنَّاسِ؛ لِيَتَّعِظوا بها، ويَنزَجِروا عن مُخالَفةِ الحَقِّ
كَلَّا وَالْقَمَرِ
ليس الأمرُ كما يظُنُّ المُشرِكونَ في شأنِ عِدَّةِ خَزَنةِ النَّارِ. وأُقسِم بالقَمَرِ
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
وأُقسِمُ باللَّيلِ وَقتَ ذَهابِه وانصِرافِه
وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
وأُقسِمُ بالصُّبحِ إذا ابتدَأَ ظُهورُ ضَوئِه عندَ الفَجرِ
إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ
إنَّ النَّارَ لَإِحْدى الأُمورِ الكُبْرى الَّتي لا نَظيرَ لها
نَذِيرًا لِلْبَشَرِ
مُنْذِرةً للنَّاسِ، فتُخَوِّفُهم وتحَذِّرُهم تحذيرًا بالِغًا
لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
لِمَن شاء أن يَقبَلَ النِّذارةَ، ويَهتَدِيَ للحَقِّ، فيتقَدَّمَ إلى الإيمانِ والخَيرِ، ولِمَن شاء أنْ يتأخَّرَ عن الإيمانِ والخيرِ، فلا يَرْعويَ بنِذارتِها
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
كلُّ نَفْسٍ بما عَمِلَت في الدُّنيا مِن سَيِّئاتٍ وذُنوبٍ: مَحبوسةٌ في النَّار
إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ
إلَّا المؤمِنينَ الَّذين يُعطَونَ كُتُبَ أعمالِهم بأيْمانِهم؛ فإنَّهم لا يُحبَسُونَ في النَّارِ بذُنوبِهم؛ لأنَّ اللهَ يَغفِرُها لهم
فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ
إنَّ أصحابَ اليَمينِ في جَنَّاتِ النَّعيمِ يسألُون
عَنِ الْمُجْرِمِينَ
يَسألون عن أصحابِ النَّارِ المُجرِمينَ
مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
يَقولونَ لهم: ما الَّذي أوجَبَ دُخولَكم النَّارَ؟
قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
قال المجرِمونَ لهم: الَّذي أدخَلَنا النَّارَ هو أنَّنا لم نكُنْ في الدُّنيا مِنَ المصَلِّينَ للهِ وَحْدَه
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
ولم نكُنْ نُطعِمُ المِسكِينَ؛ بُخلًا بما أعطانا اللهُ، ومَنْعًا لِما أوجَبَ علينا مِن الزَّكَواتِ والصَّدَقاتِ
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ
وكنَّا في الدُّنيا نَخوضُ في الباطِلِ مع مَن يَخوضونَ فيه، فنُخالِطُهم في باطِلِهم
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
وكُنَّا في الدُّنيا نُكذِّبُ بيومِ الحِسابِ والجَزاءِ، فلا نُصدِّقُ بالقيامةِ ولا بالجنَّةِ والنَّارِ
حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ
ودُمْنا على كُفْرِنا وضَلالِنا حتَّى أتانا الموتُ
فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ
فما تَنفَعُ الكافِرينَ شَفاعةُ الشَّافِعينَ؛ مِنَ الملائكةِ والأنبياءِ، والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ، حينَ يَقبَلُ اللهُ شفاعتَهم في المُذنِبينَ الموَحِّدينَ
فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
فما لِهؤلاء المُشركِينَ عن القُرآنِ الَّذي يُذكَّرونَ به مُعرِضينَ، فلا يُؤمِنونَ به ولا يتَّبِعونَه؟!
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ
كأنَّ المُشرِكينَ في إعراضِهم عن القُرآنِ ونُفورِهم مِن الحَقِّ: حَميرُ وَحْشٍ هارِبةٌ
فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
هرَبَت أشدَّ الهرَبِ ممَّن يُريدُ صَيْدَها مِن أَسَدٍ أو رُماةٍ
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً
لا يَكْتَفون بتلك التَّذكِرةِ، بل يُريدُ كُلُّ واحدٍ مِنَ المُشرِكينَ أن يُنزِلَ اللهُ عليه كِتابًا مِن السَّماءِ مَفتوحًا غيرَ مَطْوِيٍّ!
كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ
لن نُعطِيَهم ما طلَبوا، وليس الأمرُ كما زَعَموا أنَّهم سيُؤمِنونَ لو أتَتْهم صُحُفٌ مُنَشَّرةٌ، وإنَّما هم قومٌ لا يَخافونَ عذابَ اللهِ في الآخِرةِ؛ لأنَّهم لا يؤمِنونَ بها، فأعرَضوا بسَبَبِ ذلك عن القُرآنِ
كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
ليس الأمرُ كما يَزعُمُ هؤلاء المُشرِكونَ في القُرآنِ، إنَّما هو تَذكِرةٌ بليغةٌ مِنَ اللهِ تعالى لخَلْقِه، يُذَكِّرُهم به
فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ
فمَن شاء مِن العِبادِ تذكَّرَ بهذا القُرآنِ واتَّعظَ، وعَمِلَ بما فيه مِن أوامِرَ ونَواهٍ
وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
وما يَذكُرونَ بهذا القُرآنِ ويتَّعِظونَ به ويَعمَلونَ، إلَّا أن يَشاءَ اللهُ لهم ذلك. فاللهُ وَحْدَه هو الحقيقُ بأن يَخافَه عِبادُه، ويَحذَروا سَخَطَه وعِقابَه؛ بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، وهو وَحْدَه الحقيقُ بأن يَغفِرَ ذُنوبَ عِبادِه
القيامة
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
أُقسِمُ بيومِ القيامةِ الَّذي يقومُ النَّاسُ فيه للحِسابِ والجَزاءِ
وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
وأُقسِمُ بالنَّفْسِ الَّتي تَلُومُ صاحِبَها
أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ
أيَظُنُّ الإنسانُ أنَّنا لن نَجمَعَ عِظامَه الباليَةَ، فتَعودَ كما كانت بعدَ تفَتُّتِها وتفَرُّقِها؛ لإحيائِه وبَعْثِه مِن قَبْرِه؟!
بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ
نحن نَقدِرُ على جَمعِ عِظامِه، ونَقدِرُ على ما هو أعظَمُ، وذلك بتسويةِ أصابِعِه مع أنَّ عِظامَها أكثَرُ العِظامِ تفَرُّقًا، وأصغَرُها وأدَقُّها أجزاءً، فنَرُدُّها ونُؤَلِّفُ بيْنَها كما كانت في حياةِ صاحِبِها، بعد ما تفَرَّقَت وتفتَّتَت في التُّرابِ
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ
بل يريدُ الإنسانُ أنْ يَعصيَ اللهَ في مُستقبَلِ أيَّامِه وطوالَ عُمُرِه، دونَ أن يَتوبَ
يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
يَسألُ هذا الإنسانُ: متى يومُ القيامةِ؟
فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ
فإذا لَمَع بَصَرُ الإنسانِ وشَخَصَ مَبهوتًا متحَيِّرًا فلم يَطرِفْ
وَخَسَفَ الْقَمَرُ
وإذا ذَهَب ضَوءُ القَمَرِ
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وإذا جُمِع بيْنَ الشَّمسِ والقَمَرِ
يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ
يقولُ الإنسانُ عندَ وقوعِ هذه الأمورِ: أين المَهرَبُ والخَلاصُ؟!
كَلَّا لَا وَزَرَ
ليس ثَمَّةَ مكانٌ يَومَئذٍ تَلجَؤون إليه
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
إلى ربِّك في ذلك الوَقتِ المرجِعُ والاستقرارُ: إمَّا في الجنَّةِ، وإمَّا في النَّارِ
يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
يُخبَرُ الإنسانُ يومَئذٍ بجَميعِ عَمَلِه الَّذي قدَّمَه أو أخَّرَه؛ مِن خَيرٍ أو شَرٍّ
بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
إنَّ الإنسانَ شاهِدٌ على نَفْسِه فيما عَمِلَ، فلا تَخفى عليه أعمالُه الَّتي استحَقَّ عليها العِقابَ
وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ
ولو اعتَذَر أو جادَلَ بالباطِلِ عن كُفْرِه أو مَعاصيه، فهو يَعلَمُ أنْ لا عُذرَ له
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
لا تُحرِّكْ بالقُرآنِ لِسانَك -يا محمَّدُ- مُتعَجِّلًا بحَمْلِه وأخْذِه قبْلَ أن يَفرُغَ جِبريلُ مِن قراءتِه عليك
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ
إنَّ علينا -يا محمَّدُ- أن نجْمَعَ هذا القُرآنَ في صَدْرِك، فنُثْبِتَه فيه، وأن تَقرَأَه بعْدَ ذلك؛ فلَسْتَ بحاجةٍ إلى تحريكِ شَفَتَيك عندَ نُزولِه
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ
فإذا قرأ جِبْريلُ عليك القُرآنَ -يا محمَّدُ- فاستَمِعْ لقِراءتِه حتَّى يَفرُغَ، ثمَّ اقْرَأْه كما أقرَأَك
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
ثمَّ إنَّ علينا أن نُبَيِّنَ لك -يا محمَّدُ- معانيَ القُرآنِ
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ
ليس الأمرُ كما تَزعُمونَ مِن إنكارِ البَعْثِ أو غيرِه مِنَ الحَقِّ، وإنَّما الَّذي دعاكم لذلك: هو أنَّكم تُحِبُّونَ الدُّنيا، وتَنشَغِلونَ بها
وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ
وتَترُكونَ الآخِرةَ، وتُعرِضُونَ عنها
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ
وُجوهٌ يومَ القيامةِ حَسَنةٌ بَهِيَّةٌ مُشرِقةٌ، وهي وجوهُ المؤمنينَ
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
تَنظُرُ إلى رَبِّها سُبحانَه وتعالى
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ
ووُجوهٌ يومَ القيامةِ مُظلِمةٌ مُتجَهِّمةٌ كَئيبةٌ مُتكَدِّرةٌ؛ وهي وجوهُ الكفَّارِ
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ
يُوقِنُ الكُفَّارُ أنَّ داهِيةً عَظيمةً وعُقوبةً شَديدةً ستُصيبُهم
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ
كَلَّا إذا بلَغَت الرُّوحُ عِظامَ أعلى الصَّدرِ، وذلك عندَ مَوْتِ الإنسانِ
وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ
وقيلَ: هل مِن راقٍ يَرْقِيه، وطبيبٍ يُداويه؛ فيَشفَى مِن مَرَضِه؟
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
وأيقَن المُحتَضَرُ أنَّه مُفارِقٌ الدُّنيا والأموالَ والأولادَ، والأهلَ والأحبابَ
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
وتتابَعَتْ على المُحتَضَرِ الشَّدائِدُ!
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ
إلى رَبِّك يَومَئذٍ المرجعُ
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى
فلم يُصَدِّقْ بما وجب عليه التَّصديقُ به، ولا صلَّى ما أُمِرَ بأدائِه مِنَ الصَّلَواتِ
وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
ولكِنْ كذَّبَ بالحَقِّ فلم يُؤمِنْ به، وأعرَضَ عنه فلم يَعمَلْ به
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى
ثمَّ مَضَى إلى أهلِه مُتبَختِرًا مُعْجَبًا بنَفْسِه، غيرَ مُبالٍ بكُفْرِه ومَعاصيه
أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى
قال اللهُ تعالى مُتوَعِّدًا ومُهَدِّدًا هذا الكافِرَ: وَلِيَك الهَلاكُ، وقَرُبَ منك المكروهُ!
ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى
ثمَّ وَلِيَكَ الهلاكُ، وقَرُبَ منك المكروهُ!
أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى
أيظُنُّ الإنسانُ أن يَترُكَه اللهُ في الدُّنيا مُهمَلًا لا يُؤمَرُ ولا يُنهَى، ولا يُبعَثُ بعدَ موتِه للثَّوابِ أو العِقابِ؟!
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى
ألم يكُنْ في أوَّلِ أمْرِه ماءً قَليلًا مِن مَنيٍّ يُراقُ؟!
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى
ثمَّ صار الإنسانُ بعدَ النُّطفةِ قِطْعةَ دَمٍ جامِدةً، فخَلَقَه اللهُ وسَوَّاه، فأتقَنَه وأحكَمَه، فصار في غايةِ الاعتدالِ
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى
فجَعَل اللهُ منه الصِّنفَينِ: الذُّكورَ والإناثَ
أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى
أليس الَّذي فَعَل ذلك كُلَّه بقادِرٍ على إحياءِ الموتى، وإعادتِهم كما كانوا؟! سُبحانَك اللَّهُمَّ فبَلَى!
الإنسان
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا
قد مَرَّ على الإنسانِ قبْلَ أن يُخلَقَ زَمَنٌ طَويلٌ لم يكُنْ فيه شَيئًا يُذكَرُ
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
إنَّا خَلَقْنا كُلَّ إنسانٍ مِن ماءٍ قَليلٍ مكوَّنٍ مِن اختِلاطِ ماءِ الرَّجُلِ بماءِ المرأةِ؛ مِن أجْلِ أن نختَبِرَه في الدُّنيا فجَعَلْنا له سَمْعًا يَسمَعُ به الأصواتَ، وبَصَرًا يُبصِرُ به المَرئيَّاتِ
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
إنَّا بَيَّنَّا للإنسانِ طريقَ الحَقِّ الَّذي يُوصِلُه إلى الجنةِ وأرشدناه إليه؛ فإمَّا أن يَسلُكَه فيكونَ شاكِرًا لنِعَمِ اللهِ مُوَحِّدًا طائِعًا، وإمَّا أنْ يَترُكَه فيكونَ كَفُورًا لنِعَمِ اللهِ مُشرِكًا عاصيًا
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا
إنَّا هَيَّأْنا للكافِرينَ سلاسِلَ يُقادُونَ أو يُوثَقونَ بها، وقُيودًا في أعناقِهم، ونارًا حاميةً تتوقَّدُ ويَشتَدُّ التِهابُها
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
إنَّ الطَّائِعينَ الصَّادِقينَ الَّذين يَسعَونَ في أعمالِ البِرِّ والخَيرِ يَشرَبونَ مِن كأسٍ مُمتَزِجٍ شَرابُها بالكافورِ
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا
هذا الكافورُ هو عَينٌ جاريةٌ يَرتَوي بها عِبادُ اللهِ، ويتصرَّفُون بإنباعِها وإجرائِها حيث شاؤُوا
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا
أولئك الأبرارُ يُوفُونَ في الدُّنيا بنُذورِهم الَّتي نَذَروها طاعةً للهِ، فألزَموا بها أنفُسَهم، ويَخافُونَ يومَ القيامةِ الَّذي شرُّه في غايةِ الانتِشارِ والامتِدادِ
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
ويُطْعِمونَ الطَّعامَ -مع محَبَّتِهم إيَّاه، واشتِهائِهم له- ويُؤْثِرونَ به المِسكينَ، والصَّغيرَ الَّذي فَقَدَ أباه، والأسيرَ
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
يَقولُ الأبرارُ: إنَّما نُطعِمُكم طلَبًا لرضا اللهِ تعالى ورجاءَ ثَوابِه،لا نَطلُبُ منكم مُكافأةً على ذلك، ولا نَطلُبُ منكم شُكْرًا ولا ثَناءً عليه
إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا
إنَّا نخافُ مِن رَبِّنا يومَ القيامةِ ذا الأهوالِ العظيمةِ، وذا الضِّيقِ والشِّدَّةِ
فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا
فدَفَع اللهُ عن الأبرارِ شرَّ يَومِ القيامةِ، وأعطاهم حُسْنًا في وُجوهِهم، وفَرَحًا في قُلوبِهم
وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا
وجَزاهم اللهُ تعالى بسَبَبِ صَبْرِهم جَنَّةً يَدخُلونَها، وحريرًا يَلْبَسُونَه
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا
مُتَّكِئينَ على السُّررِ الَّتي أُرخِيَ عليها ما يَستُرُها ويُزَيِّنُها، فتَكونُ مُغَطَّاةً بقُبَّةٍ مِن الثِّيابِ الفاخِرةِ، ولا يَرى الأبرارُ في الجنَّةِ شَمْسًا فيُؤذيَهم حَرُّها، ولا بَرْدًا شَديدًا
وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا
وقَريبةً منهم ظِلالُ أشجارِ الجَنَّةِ، وسُهِّلَ لهم قَطْفُ ثمارِها كيفَ شاؤُوا قُعودًا وقِيامًا ومُتَّكِئينَ
وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ
ويُطافُ على هؤلاءِ الأبرارِ بآنيةٍ مِن فِضَّةٍ، ويُطافُ عليهم بأكوابٍ عَظيمةٍ لا آذانَ لها ولا خَراطيمَ، صافيةٍ شفَّافةٍ كالزُّجاجِ
قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا
تلك الأكوابُ الَّتي في صَفاءِ الزُّجاجِ وشَفافيَتِه هي مِن فِضَّةٍ، وقَدَّروا تلك الأكوابَ على قَدْرِ كِفايتِهم، فلا تَزيدُ ولا تَنْقُصُ عن ذلك
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا
ويُسقَى الأبرارُ فيها كأسَ خَمْرٍ ممزوجةٍ بزَنجبيلٍ
عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
الزَّنجَبيلُ مِن عَينٍ تُسمَّى سَلْسَبيلًا
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا
ويَدورُ على الأبرارِ في الجنَّةِ بالشَّرابِ أو غَيرِه أولادٌ صِغارٌ على سنٍّ واحِدةٍ، فلا يَهرَمونَ ولا يموتونَ. إذا رأيتَهم ظَنَنْتهم -لحُسْنِهم وبَياضِهم وصَفاءِ لَونِهم، وكَثرتِهم وانتِشارِهم لخِدمةِ الأبرارِ- لُؤلؤًا مُفَرَّقًا
وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا
وإذا نَظَرْتَ هناك في تِلكَ الجنَّةِ أبصَرْتَ نَعيمًا ومُلْكًا عَظيمًا وسُلطانًا باهِرًا أعَدَّه اللهُ تعالى للأبرارِ
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا
على أولئك الأبرارِ ثيابٌ مِن حريرٍ رقيقٍ أخضَرِ اللَّونِ، ومِن فَوقِها ثيابٌ مِن حريرٍ غَليظٍ له بَريقٌ ولَمَعانٌ، وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ يَلبَسونَها في أيديهم زِينةً لهم، وسقَى اللهُ الأبرارَ شَرابًا بالِغَ الطَّهارةِ في نَفْسِه، لا كدَرَ فيه بوَجهٍ مِن الوُجوهِ، مُطَهِّرًا لهم مِن كُلِّ أذًى أو سُوءٍ
إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا
يُقالُ للأبرارِ: إنَّ هذا النَّعيمَ الَّذي أُوتيتُموه في الجنَّةِ هو ثوابٌ لكم على ما عَمِلْتُموه في الدُّنيا مِن خَيرٍ، وعملكم هذا يَشكُرُه الله لكم، فيَتقَبَّلُه منكم ولو كان قليلًا، ويُثيبُكم عليه ثَوابًا عَظيمًا
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا
إنَّا نحن نَزَّلْنا عليك -يا محمَّدُ- القُرآنَ تَنزيلًا مُفَرَّقًا بحَسَبِ الحِكْمةِ
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا
فاصبِرْ لحكَمِ ربِّك القَدَريِّ -ومنه تأخيرُ نَصرِك، وما يَنالُك مِن أذًى-، ولِحُكمِه الدِّينيِّ مِن القيامِ بما ألْزَمَك القيامَ به في كِتابِه، وتبليغِ رِسالتِه، وتحمُّلِ ما تَلْقاه مِن أذى المُشرِكين في سَبيلِ ذلك. ولا تُطِعْ فاجِرًا يَدْعوك إلى مَعصيةِ اللهِ، أو كافِرًا باللهِ جَحُودًا لنِعَمِه يدعوك لعبادةِ غَيرِه
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
واذكُرِ اسمَ رَبِّك -يا محمَّدُ- في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِه
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
واسجُدْ للهِ تعالى في صَلاتِك في اللَّيل، وسَبِّحِ اللهَ تعالى وَقتًا طَويلًا مِنَ اللَّيلِ
إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا
إنَّ مُشْرِكي قُرَيشٍ يُحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنيا، فهم حَرِيصونَ على البَقاءِ فيها، والتَّمَتُّعِ بمَلَذَّاتِها، ويَترُكونَ خَلْفَ ظُهورِهم يومَ القيامةِ الثَّقيلَ بأهوالِه وشَدائِدِه؛ فلا يَعمَلونَ له، ولا يَسْتَعِدُّونَ له
نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا
نحنُ خَلَقْنا أولئك المُشرِكينَ وأحْكَمْنا خِلْقَتَهم، فرَبَطْنا أجزاءَ أجسادِهم بالعِظامِ والأوتارِ والأعصابِ والعُروقِ وغَيرِها؛ فصارت أجزاءُ أبدانِهم مُحكَمةً مَشدودًا بَعضُها إلى بَعضٍ، وإذا شِئْنا بَعَثْناهم يومَ القيامةِ، وأعَدْنا أجسامَهم مِن جَديدٍ مِثْلَما كانوا في الدُّنيا
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا
إنَّ آياتِ هذه السُّورةِ تَذكيرٌ للنَّاسِ؛ لِيَتَّعِظوا بها ويَعْتَبِروا، فمَن شاء سَلَك طَريقًا يُوصِلُه إلى اللهِ تعالى، وإلى جَنَّتِه ورِضوانِه، بالإيمانِ به، والتَّوبةِ إليه، وطاعتِه
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
وما تَشاؤُونَ -أيُّها النَّاسُ- اتِّباعَ طَريقِ الحَقِّ إلَّا أن يَشاءَ اللهُ لكم ذلك. إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالعِلْمِ التَّامِّ، ومِن ذلك عِلْمُه بمَن يَستَحِقُّ الهِدايةَ فيُيَسِّرُها له، ومَن يَستَحِقُّ الغَوايةَ فيَصرِفُه عن الهُدى، وهو متَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالحِكْمةِ البالِغةِ، فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به، ومِن ذلك الهِدايةُ والإضلالُ
يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
يُدخِلُ اللهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِه في رَحمتِه بتَوفيقِه لسُلوكِ طَريقِه المُستَقيمِ الموصِلِ إلى جَنَّتِه، وأعدَّ اللهُ تعالى للظَّالِمينَ أنفُسَهم بالشِّركِ: عَذابًا مُؤلِمًا مُوجِعًا
المرسلات
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا
أُقسِمُ بالرِّياحِ الَّتي تُرسَلُ مُتتابِعةً، فيَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، وتَهُبُّ شَيئًا فشَيئًا
فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا
فالرِّياحِ الشَّديدةِ الهُبوبِ
وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا
وأُقسِمُ بالملائكةِ الَّتي تَنشُرُ ما دُبِّرتْ على نشرِه
فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا
فالملائِكةِ الَّتي تأتي بما يَفرُقُ بيْنَ الحقِّ والباطِلِ
فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا
فالملائِكةِ الَّتي تُبَلِّغُ رُسُلَ اللهِ وَحْيَه المُذَكِّرَ بالحَقِّ لعِبادِه
عُذْرًا أَوْ نُذْرًا
وذلك الوَحيُ إقامةٌ للحُجَّةِ مِنَ اللهِ على خَلْقِه، وتحذيرٌ لهم مِن عَذابِه
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ
إنَّ الَّذي تُوعَدونَ به مِنَ البَعثِ يومَ القيامةِ والحِسابِ والجَزاءِ: لَكائِنٌ لا شَكَّ في ذلك
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ
فإذا ذَهَب ضَوءُ النُّجومِ
وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ
وإذا فُتِحَت السَّماءُ وانشَقَّت
وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ
وإذا قُلِعَت الجِبالُ، وتفَتَّتَتْ فصارَتْ هَباءً
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
وإذا جُمِعَ رُسُلُ اللهِ في الوَقتِ الَّذي حُدِّدَ لذلك
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
لأيِّ يومٍ أُخِّرت الرُّسلُ، وضُرِب لهم الأجلُ لجمعِهم؟
لِيَوْمِ الْفَصْلِ
ليَومٍ يَفصِلُ فيه اللهُ تعالى بيْنَ عِبادِه، فيَحكُمُ بيْنَهم، ويُحاسِبُهم، ويُجازِي كُلًّا بما يَستَحِقُّ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ
وأيُّ شَيءٍ أعلَمَك -يا محمَّدُ- ما يومُ الفَصْلِ؟!
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
ألَمْ نُهْلِكِ المُكَذِّبينَ بآياتي ورُسُلي مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ، كقَومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ وغَيرِهم؟
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ
ثمَّ نُلحِقُ بهم في العَذابِ والهَلاكِ كُفَّارَ قُرَيشٍ وغَيرَهم مِنَ الكُفَّارِ المُكَذِّبينَ بالحَقِّ، فنُهلِكُهم جميعًا كما أهلَكْنا مَن قَبْلَهم
كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
كما أهلَكْنا المُكَذِّبينَ بي وبرُسُلي مِن الأُمَمِ الكافِرةِ، نُهْلِكُ أيضًا كُلَّ كافِرٍ مُكَذِّبٍ
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ
ألَمْ نُوجِدْكم -أيُّها النَّاسُ- مِن مَنِيٍّ ضَعيفٍ؟
فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ
فجَعَلْنا مَنِيَّ الرَّجُلِ في رَحِمِ المرأةِ مُستَقِرًّا ومحفوظًا فيه
إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ
إلى وَقتِ الوِلادةِ
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ
فقَدَرْنا على خَلْقِ النُّطفةِ إنسانًا وتصويرِه، فنِعْمَ القادِرونَ نحنُ حيثُ خلَقْناه في أحسَنِ صورةٍ وهَيئةٍ
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا
ألَمْ نَجعَلِ الأرضَ وِعاءً يَضُمُّ ويَجمَعُ جَميعَ الخَلْقِ؟
أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا
تَجمَعُ وتَضُمُّ الأحياءَ على ظَهْرِها، والأمواتَ في بَطْنِها
وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا
وجَعَلْنا في الأرضِ جِبالًا ثَوابِتَ عَظيمةَ الارتِفاعِ، وأسْقَيْناكم ماءً عَذْبًا سائِغًا
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
يُقالُ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ: سِيروا إلى النَّارِ الَّتي كُنتُم تُكَذِّبونَ بها في الدُّنيا
انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ
سِيروا إلى ظِلٍّ مِن دُخَانٍ يَرتَفِعُ مِنَ النَّارِ ويَتصاعَدُ حتَّى يتشَعَّبَ إلى ثلاثِ شُعَبٍ عَظيمةٍ
لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ
لا يُظِلُّ المُكَذِّبينَ مِن حَرِّها، ولا يَقِيهم مِن لَهَبِها
إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
إنَّ النَّارَ مِن شِدَّةِ استِعارِها وتَلَهُّبِها تَرْمي بشَرَرٍ عَظيمٍ يَتطايَرُ منها، كأنَّه قُصورٌ عاليةٌ
كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ
كأنَّ الشَّرَرَ الَّذي يَتطايَرُ مِن جَهَنَّمَ جِمالٌ سُودٌ
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ
في ذلك الوَقتِ والموقِفِ مِن يومِ القيامةِ لا يَتكَلَّمُ المكَذِّبونَ
لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
ولا يُؤذَنُ لهم؛ لِيَعتَذِروا مِن ذُنوبِهم
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ
هذا اليَومُ هو اليَومُ الَّذي يَحكُمُ اللهُ تعالى فيه بالعَدْلِ بيْنَ عِبادِه، جمَعْناكم فيه -أيُّها المكَذِّبونَ- مع كُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ مِنْ قَبْلِكم
إِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
فإنْ كان لكم حِيلةٌ تتخَلَّصونَ بها مِن عَذابِ النَّارِ، فافعَلوا؛ فلا مَفَرَّ لكم مِن عَذابي
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ
إنَّ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه بامتِثالِ أمْرِه واجتِنابِ نَهْيِه: يتنَعَّمونَ في ظِلالِ الجنَّةِ، فلا حَرَّ ولا بَرْدَ فيها يُؤذِيهم، ولهم فيها عُيونٌ جاريةٌ
وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
ولهم في الجَنَّةِ فَواكِهُ مِمَّا تَشتَهيه أنفُسُهم
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يُقالُ لأهلِ الجنَّةِ إكرامًا لهم: كُلُوا مِن فَواكِهِ الجنَّةِ واشرَبوا مِن عُيُونِها بلا أذًى ولا تَنغيصٍ فيما تأكُلونَ وتَشرَبونَ، وذلك جزاءٌ لكم بسَبَبِ ما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن الأعمالِ الصَّالِحةِ
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
وذلك جَزاؤُنا لِكُلِّ مَن أحسَنَ العَمَلَ في الدُّنيا
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
يُقالُ للمُكَذِّبينَ بالبَعْثِ: كُلُوا وتمَتَّعوا في الدُّنيا قليلًا إلى آخِرِ أعمارِكم؛ إنَّكم مُجرِمونَ بكُفْرِكم باللهِ، وتَكذيبِكم رُسُلَه، فمَصيرُ تلك اللَّذَّاتِ الانقِطاعُ، ومَصيرُكم إلى عذابِ اللهِ
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ
وإذا قِيلَ في الدُّنيا لأولئك المجرِمينَ: صَلُّوا للهِ تعالى، لا يَفعَلونَ
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
عَذابٌ وهَلاكٌ وخِزْيٌ يومَ القيامةِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
فبأيِّ كلامٍ بعْدَ هذا القُرآنِ يُؤمِنونَ إنْ لم يُؤمِنوا به، معَ كَمالِ صِدْقِه، ووُضوحِ حُجَجِه؟!